 شهادات ومذكرات

مصطفي الفقي.. رائد السيرة الفلسفية (2)

محمود محمد عليفي هذا المقال أحاول أن أعرب عن تقديري الكبير لجهود مصطفي الفقي في مجالات سياسية وثقافية عديدة، نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر أنه صاحب مدرسةً نوعيةً في السير الفلسفية، حيث علمنا أن تلك السير تظل بمثابة "الوثائق" المؤثرة في أصحابها أولاً، أثناء كتابتها، ثم في قرّائها أثناء قراءتها.. كما علمنا بأننا سنظل كقراء وكتّاب نستحضرها دائماً ونحن نفكّر بيننا وبين أنفسنا متسائلين: هل كنا أكثر حظاً من غيرنا؟ أم أكثر بؤساً؟ أم أن غيرنا كان هو الأكثر في كل شيء ؟.

لقد علمنا الفقي أن فن السيرة الفلسفية فيه نوع من الحكي الروائي الذي يستعين بجماليات الأسلوب، وبالقدرة على التخييل في تصوير عالم زماني مكاني.. كما علمنا الفقي بأن السيرة الفلسفية تختلف عن الرواية في أن العالم الذي تصوره هو عالم الذات، أو هو العالم كما تراه الذات الساردة، بينما هناك في الرواية عوالم ورؤى مختلفة للذوات التي ينسجها المؤلف في إطار عمله..

كما علمنا الفقي أن فن السيرة الفلسفية يختلف عن غيره من أشكال السرد المتعلقة بحياة المرء: فهذه الأشكال يمكن أن تكون مجرد سرد لأحداث تاريخية تتعلق بسيرة المرء، وهي- على أهميتها- قد تظل مجرد أحداث دالة على حقبة تاريخية مهمة تتعلق بسيرة المجتمع أو بسيرة المرء الذي يحيا فيه. أحداث يمكن سردها وتلخيصها في صورة مجردة.

كذلك علمنا الفقي كذلك بأن البعد الذاتي ليس هو ما ينبغي التعويل عليه- كما يفعل الكثيرون- عند الحديث عن السيرة الفلسفية،  لأن كل أنواع السرد- بما في ذلك الخطابات- تكون مرتبطة بصورة أو بأخرى بالذات... كما علمنا الفقي أن الذات لها حضور خاص في السيرة الذاتية (وهو ما سوف نتناوله فيما بعد)، إلا أنه ليس العنصر الحاسم في تمييزها. فالعنصر الحاسم المميز للسير الذاتية هو ما يمكن وصفه بأنه فعل واعٍ لإعادة بناء ما يكون موضوعًا لتأمل الذات. هذا البعد المميز هو «التأمل الانعكاسي»، الذي يستحق وقفة خاصة... كما علمنا الفقي بأنه إذا كانت السيرة الذاتية هي رواية سيرة المرء لحياته الشخصية، فإن الحياة نفسها تظل هي الموضوع الأول والأخير للسيرة الذاتية، سواء أكانت حياتنا الخاصة أم حياة الآخرين.

ثم يتساءل الفقي هل يمكن اعتبار كتابات السير الذاتية مصدرًا موثقًا فى كتابة تاريخ فترة معينة سجل معاصروها تاريخهم الشخصى بصورة تمس مباشرة نوعًا من التقويم لفترات بذاتها؟

إن الإجابة عن هذا السؤال كما يقول الفقي:" سوف ترفع عنا كثيرًا من اللبس الذى يحيط بكل الكتابات الانطباعية والمذكرات الشخصية التى أرى أحيانًا أنها تجافى الحقيقة وتحاول إضفاء البطولة وإصباغ التفرد على صاحب المذكرات الذى يتحدث عن مزاياه ولا يقترب من خطاياه، ويلقى باللائمة على غيره ويرفع من يشاء فيما يكتب ويخسف بمن يشاء فيما يروى تصفية لحسابات معينة أو استجابة لأهواء جديدة ظهرت على الساحة مع نظام سياسي مختلف، وما زلنا نتذكر كيف أرخ عبد الرحمن الجبرتى للحملة الفرنسية والفترة الأولى من عصر محمد على وكان الرجل يبدو أحيانًا ساذجًا لأنه كان مندهشًا أمام بعض الوقائع كما يتضح ذلك من حديثه عن (القنبر) وهى القنابل الصغيرة التى كان يستخدمها الفرنسيس لتخويف الشعب المصري وإخضاعه لحملتهم التى تأرجحت لدى المؤرخين بين الرسالة الثقافية فى جانب وبين الغزو العسكرى فى جانب آخر، ولو أردنا تقييم مؤرخ آخر مثل عبد الرحمن الرافعى فرغم جهوده الكبيرة إلا أنه راح ضحية الولاء السياسى للحزب الوطنى الذى انتمى إليه بصورة جردته من أسباب الموضوعية ومظاهر الحياد فحمل كثيرًا على حزب الوفد رغم أنه حزب الأغلبية الذى كان يمثل الوعاء الوطنى للنضال من أجل الاستقلال والدستور، وبذلك حرم الرافعى نفسه من أن يكون مؤرخًا موضوعيًا لا يحكمه الهوى ولا يؤثر فيه الانتماء، ولعلى أتذكر الآن مذكرات واحد من رجال يوليو لم يكن من الصف الأول لضباط الثورة ولكنه خلع على نفسه صفات وادعى لذاته مواقف ليس عليها شاهد فهو يقول: كنت أنا وفلان رحمه الله من القيادات العليا للثورة وحدنا فلعنت أبويه وعنفته وقد وصل به الحد أيضًا حتى أن قال إنه حاول اغتيال الملك فاروق قبل الثورة فى مناسبة رسمية وتوقف عن ذلك فى اللحظات الأخيرة، وأنه فى إحدى النقاشات حاول تقييد عبد الناصر! أما السادات فهو يزعم أنه كان يخشاه ويكاد أن يقبل يديه خوفًا واحترامًا، وفى ظل ذلك الركام الكبير من الكتابات الانطباعية وادعاء العبقرية الساذجة من خلال تاريخ السير الذاتية نبحث عن المسيرة الصحيحة للوطن فلا نجدها.

وهنا ينصحنا مصطفي الفقي فيقول:" لذلك فإننا يجب أن نعتمد على التاريخ الموثق والحقائق المؤكدة والوقائع الثابتة وأمامنا محاذير فلسفية ثلاثة هي:

أولًا: إن هناك عاملًا خطيرًا عند الحكم على المذكرات السياسية وهو الذى يتمثل فى عامل المعاصرة فالذين يكتبون عن فترة عاشوا فيها وكانوا جزءًا منها يقعون غالبًا أسرى الأهواء ويتورطون فى آراء ذاتية يحاولون إلباسها صفة العمومية لأنهم لم يتجردوا من مشاعرهم الخاصة وهم يكتبون عن حكام تعاملوا معهم أو زعماء احتكوا بهم فتكون النتيجة أن المعاصرة تؤدى إلى البعد عن الحياد وافتقاد الموضوعية.

ثانيًا: إن ثقافة من يكتب التاريخ هى عامل أساسى فى تحديد ما يمكن أن يصل إليه الكاتب من نتائج أو استنتاجات، فالأمر فى النهاية محكوم برؤيته الشخصية وتجربته الذاتية، فالمعاناة تنعكس على قلم الكاتب والإحساس بالظلم يجعله منحازًا لما يراه هو أو يكتبه، ولدينا نموذج بارز فى هذا الشأن لكاتب هو الأقدر والأهم فى تاريخ الصحافة العربية وأعنى به الأستاذ الراحل محمد حسنين هيكل عندما سطر كتابه الشهير (خريف الغضب) متأثرًا بتجربة مريرة ورصد ذاتى لأحداث سبتمبر 1981 وما قبلها.

ثالثًا: إن كتابة السيرة الذاتية تخضع للظروف التى تجرى الكتابة فيها والمواءمات التى يقوم بها صاحب المذكرات وكثير منها قد أثار لغطًا شديدًا فى العقود الأخيرة، فما زلنا نتذكر ما كتبه المفكر المصرى الراحل د.لويس عوض فى (سنوات التكوين) أو ما سطره الفيلسوف الراحل د.عبد الرحمن بدوى وفتح به بابًا لمعارك كثيرة، وأيضًا المؤرخ المصرى الراحل د.رءوف عباس، فالصدق فى المذكرات قد يؤدى أحيانًا إلى نكء الجراح وفتح ملفات ربما لم يكن هناك داع لها، وقديمًا قالوا: لم يترك لى قول الحق صديقًا! لذلك فإن كتابة المذكرات الأمينة تحتاج إلى قدر كبير من الشجاعة والبعد عن المجاملة والتجرد الكامل أمام الحقيقة وحدها دون غيرها، وإذا كنا نظن أحيانًا أن للحقيقة وجهين فإن علينا أن نحترس تمامًا بدلًا من أن نخوض فى قصص وهمية أو أحداث غير مؤكدة، فالمصداقية هى القيمة الحقيقية للسير الذاتية.

إن مسئولية الكتابة التاريخية في نظر الفقي لابد أن تقع على عاتق مؤسسة قومية ليس لها غرض أو هدف إلا إجلاء الحقائق ووضع القيادات والزعامات فى مكانها الطبيعي دون تأثر بالمناخ العام الذى يسود أو البيئة السياسية الجديدة، فالتاريخ لا تكتبه الأهواء ولا تسطره المواقف الشخصية ولا تسجله الملاحظات الفردية.

وفي نهاية حديثنا لا أملك إلا أن أقول تحيةً مني للأستاذ الدكتور مصطفي الفقي الذي لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا فيه قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5092 المصادف: 2020-08-14 03:30:16