 شهادات ومذكرات

الشيخ عبد الحليم محمود.. رائد التصوف العملي في مصر (2)

محمود محمد عليإن الباحث في مسيرة الشيخ عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الأسبق، يكتشف أنها مليئة بالكثير من المواقف التي أثرت إيجابيا، فبقت هذه المواقف شاهدة وشاخصة على حياة عظيمة. فكان نموذجا حقيقيا للداعية الذي آثر أن يلقى ربه بأعمال عظيمة، فكان لا يخاف لومه لائم، كان نجيبا في الصغر وورعا في الصبا وزاهدا في كبره.

كما عُرف بشدة التقوى والورع حتى أطلق عليه البعض لقب "إمام المتقين"، حيث كان زاهداً في الدنيا وغيوراً على أمور الإسلام والمسلمين.. قيل فيه: سُلطان العلماء والأولياء والعارفين، وشيخ الإسلام والمسلمين، وإمام أئمة أهل السُنة والجماعة في عصره، عالمٌ ربانيٌ أزهريٌ جليل، وعلامةٌ محققٌ كبير، فقيهٌ، أصوليٌ، مُحدِّثٌ، مسندٌ، لغويٌ، متكلمٌ، صوفيٌ، فيلسوفٌ نظار، مفكرٌ، جامعٌ بين علوم الشريعة وأسرار الحقيقة، المجمعُ على جلالة قدره وولايته وإمامته في الدّين في سائر أنحاء العالم العربي والإسلامي، رائدُ الفلسفة الإسلاميّة (الثاني) شيخ الأزهر الإمام عبد الحليم محمود 1328 - 1398هـ، وزير الأوقاف المصري، وشيخ الجامع الأزهر الشريف في الفترة بين عامي (1393 - 1398هــ/ 1973 – 1978م).

وقد اتسم الإمام الأكبر بغزارة إنتاجه الفكري كما قلنا في مجال التصوف الذي يعد من أسبق رواده في العصر الحديث؛ فقد تبدى مثالاً للصوفية المقيدة بكتاب الله، البعيدة عن الإفراط والتفريط حتى لقب بغزالي مصر، وأبي المتصوفين. فكانت كتاباته الصوفية لها الحظ الأوفر من مؤلفاته، فكتب "قضية التصوف: المنقذ من الضلال"، والذي عرض فيه لنشأة التصوف، وعلاقته بالمعرفة وبالشريعة، وتعرض بالشرح والتحليل لمنهج الإمام الغزالي في التصوف، كما ترجم لعشرات الأعلام الصوفيين مثل سفيان الثوري، وأبي الحسن الشاذلي، وأبي مدين الغوث وغيرهم الكثير . كما قام بتحقيق الكثير من أمهات الكتب مثل "لطائف المنن" لابن عطاء الله السكندري، و"اللمع" لأبي نصر السراج الطوسي، و"المنقذ من الضلال" لحجة الإسلام الغزالي وغيرها.

وهنا ندرس في هذا المقال الثاني بدراسة مواقف الشيح من قضايا التصوف، ونبدأ بدراسة موقفه من التصوف السني، حيث يري الشيخ أن تصوف المحاسبي تصوف منهجي حيث يقول: " إن التصوف كمنهج خلقي نشأ مع المحاسبي وكانت مقوماته العلم والتقوي والعمل .. وإن أثر تصوف المحاسبي، واضح في الفكر الإسلامي لقوله: " إن تأثير المحاسبي في الجيال اللاحقة لا ينكر إذ تأثر به الإمام الغزالي، ولقد تأثر بالإمام الغزالي الكثيرون مما كان لهم الدور العظيم في إثراء الفكر الإسلامي بصورة عامة وميدان التصوف بصورة خاصة.. ويدافع الشيخ عبد الحليم محمود عن تصوف المحاسبي من هجمات المستشرقين عليه حيث يقول في هذا الشأن: " وكذلك المستشرق (بروكلمان) في قوله (وأول نموذج أدبي معروف لدينا في منهج التصوف من النزعة المسيحية إلي الزهد يتمثل في أبي عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي..

غير أن أبرز ما فى تراث الشيخ عبد الحليم، ميله إلى التصوف العقلانى، فى فهمه للدين الحنيف، مستشهدا بـ«الحارث بن أسد المحاسبى»، فى رسالته عن التصوف، منتهيا إلى أن «مذهب الاتباع»، وهو ما أصّله أكثر فى كتابه «التوحيد الخالص.. الإسلام والعقل»، والذى يقول عنه «ما فرحت بكتاب من كتبى، مثلما فرحت يوم ظهر هذا الكتاب، لأنه خلاصة تجربة حياتى الفكرية».

وأما عن موقف الشيخ من الجنيد، حيث يصفه بأنه يمثل اتجاها معتدلا مستندا إلي الكتاب والسنة، وله مقولاته التي تشير إلي منهجه في التصوف وقوله في كتابه قضية التصوف المنقذ من الضلال: " أمرنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، والطرق كلها مسدودة علي الخلق إلا علي من اقتفي أثر الرسول صلي الله عليه وسلم واتبع سنته ولزم طريقه ".. ونجد هذه العبارات في كتاب الشيخ عبد الحليم محمود وكثير من الصوفية، وفي هذا يقول الشيخ عبد الحليم محمود: " التصوف عند الجنيد البغدادي هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به ... ونجد قوله الذي يدعم موقفه من الجنيد مسيرة الشيخ عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الأسبق، مليئة بالكثير من المواقف التي أثرت إيجابيا، فبقت هذه المواقف شاهدة وشاخصة على حياة عظيمة. فكان نموذجا حقيقيا للداعية الذي آثر أن يلقى ربه بأعمال عظيمة، فكان لا يخاف لومه لائم، كان نجيبا في الصغر وورعا في الصبا وزاهدا في كبره.: " ولقد تحدث افمام الجنيد أكثر من مرة فيما يتعلق بالصلة بين التصوف والعلم، وفي هذا يقول الشيخ في كتابه عن بشر الحافي: " وما كان الفقهاء يحضرون مجلسه لتقريره، والفلاسفة لدقة نظره ومعانيه وكان الصوفية يحضرون مجلسه لإشارته وحقائقه ". وقال أيضاً: " من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به في هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة..

وثمة نقطة مهمة نود الإشارة وهو أنه لم تخل الصوفية المعاصرة، التي أدركت مجافاة بعض الممارسات والسلوكيات لأبناء الطرق الصوفية لروح العصر، من محاولات النقد الذاتي بهدف إصلاح البيت من الداخل، ففي كتابه “المدرسة الشاذلية” دعا الإمام عبد الحليم محمود – شيخ الأزهر الأسبق- مشايخ التصوف وأتباع المنهج الصوفي إلى التمسك بالشريعة، والتقيد بحدودها، والتمسك بآداب السلف الصالح من الصوفية في أحوالهم ومواجيدهم، واعتبر إدعاءات التحلل من الشريعة، والالتزام بقيودها، افتئاتا على التصوف، وادعاء باطلا من قبل بعض الأدعياء. فتحت عنوان (التصوف والتحلل من الشريعة) كتب الإمام عبد الحليم محمود يقول “في كل ميدان من الميادين نجد الأدعياء، نجدهم في الميدان الديني، وفي الميدان السياسي، وفي الميدان العلمي، ونجدهم كذلك في ميدان التصوف، وهدف هؤلاء الأدعياء معروف.. إنه الاستفادة المادية من أقصر الطرق، وكما لا يضر الدين، ولا يضر العلم، أن ينتسب اليه الأدعياء المزيفون، فكذلك الأمر فيما يتعلق بالتصوف”

وهنا نجد موقف الشيخ عبد الحليم من الشاذلية أنه شاذلي، وانه كتب عن قضية التصوف والمدرسة الشاذلية برؤيا منامية حيث يقول في هذا المشهد: " عندما كنت في ليبيا لمهمة علمية في الجامعة الإسلامية في ليبيا، وكنت في طريقي إلي الحج، وفي فترة انتظاري للإبحار فإذا بي أري شخصاً فيما يراه النائم اسمه "توفيق" أعرفه في ملابس شرطي قائلاً يأمرني " اكتب عن أبي الحسن الشاذلي وبأصراري علي ذلك، وبتوفيق من الله كان مؤلفي قضية التصوف- المدرسة الشاذلية. ويضيف قائلا: " هذه قصة تأليفه سواء أسخر الناس منا أم يسخروا وسواء صدقوها أم أنكروها.. ومن مواقفه تأكيد الجانب العملي للشاذلي حيث يقول في هذا الشأن: " وكان الشاذلي يعمل مزارعاً ليوفر لنفسه ولغيره القوت، وكان يحث علي العمل ويكره المريد المتعطل، ويقول في هذا لأبي العباس المرسي: " إذا أردت أن تكون من أصحابي فلا تسأل أحد شيئاً".. "وهو الذي يقول لكل ولي حجاب، وحجابي الأسباب ".. ويعلق علي ذلك الشيخ عبد الحليم " ولا يتعارض التصوف مع الكفاح، والعمل، والغني والثراء".. وكذلك يصف الشيخ عبد الحليم موقفه من طريقة الشاذلي – أي الشاذلية بالوسطية والاعتدال حيث يقول عن شيخه الشاذلي: " وكان ينصح مريديه بالاعتدال في أخذ ادلنيا قائلاً: " لا تسرف بترك الدنيا فتغشاك ظلمتها" .." أعرف الله وكن كيف شئت"..

وحول موقف الشيح عبد الحليم من الحلولية في شخص الحلاج في كتابه التفكير الفلسفي في الإسلام فيقول: " وقد نتساءل: فيم حوكم الحلاج، وقضي عليه بالقتل ؟ لقد كان الحلاج قوة جارفة مؤثرة في الآخرين وما دام الحلاج هو علي هذا المستوي فيجب الحفاظ علي الدولة بقتل الحلاج".. وأما عن قضية الحلول، والمتمثلة في أقواله يري الشيخ عبد الحليم أن هذه الألفاظ تنسب إليه، ويوضح هذا الرأي في قوله: " إن الألفاظ التي ينسبونها للحلاج ليست في كتاب من كتبه الموجودة لإسناد خصومه وتأيديهم.. ويعلق علي موقفه بقوله: " وما كان مقتل الحلاج دينياً قط، وإنما كان سياسياً، ومن السهل علي الملوك أن يزينوا الحقائق، أو يأتوا بشهود الزور".. والشيخ عبد الحليم محمود ينفي عن الحلاج أقواله، ومع أن الدراسات التي سبقت الشيخ عبد الحليم تؤكد صحة هذه الأقوال، وهذه الأقوال في نظر الحلاج لها رمزيتها التي تعبر عنها، وأن الحسين بن منصور الحلاج شنق لأجل إطلاقه هذه العبارات..

وفي نقده لواقع التصوف الإسلامي اعتمد الشيخ عبدالحليم محمود منهجية تقوم على قياس واقعه على تاريخ مواقف وأراء مؤسسي المنهج الصوفي من الرعيل الأول من التابعين والسلف الصالح، حيث قال: “مما لا شك فيه أن القول الفصل في كل مشكلة من المشكلات إنما يُرجع فيه إلى الذين يمثلون الموضوع الذي تنتسب إليه المشكلة،وإذا رجعنا إلى زعماء التصوف الذين لا يختلف على زعامتهم اثنان نجدهم –سواء في ذلك القدماء والمحدثون – ينكرون فكرة التحلل من قيود الشريعة إنكارا تاما، ويرونها زيفا وضلالا وانسلاخا عن الدين بالكلية”.

وقد حاول عبدالحليم محمود تفنيد كثير من تلك الدعاوى والإنحرافات التي انتشرت على ألسنة وممارسات المتصوفة المحدثين، من خلال استدعاء العديد من شخصيات ونصوص التصوف الإسلامي، ففي كتابه (التصوف الإسلامي.. شخصيات ونصوص) حاول الشيخ عبدالحليم محمود الرد على كثير من تلك الدعاوى والادعاءات من خلال تحليله وشرحه لكتابات ثلاث شخصيات من مؤسسي الطريق الصوفي، هم: الحارث بن أسد المحاسبي، وأبو سعيد الخرّاز، وأبو حامد الغزالي، وهم يمثلون القرون الثاني والثالث والرابع الهجري على التوالي.

ودافع الشيخ عبد الحليم محمود عن قضية وحدة الوجود التي يؤمن بها الصوفية بأن القضية التي يثيرها معارضو التصوف تفهم على نحو خاطئ، فالذي يعترض عليه معارضو التصوف، لم يقله الصوفية أنفسهم بما فيهم ابن عربى والحلاج، فهم يسمونه وحدة الموجود، أما الآخرون فيخلطون بينهما، فالموجود متعدد سماء وأرض وجبال وأناس، أما الوجود الواحد فلا شك فيه، هو وجود الله المستغنى بذاته عن غيره، الذي منح الوجود لكل كائن وليس لكائن غيره، وأن الخلط جاء من أن فريقًا من الفلاسفة مثل: هيراقليطس وماكس شيلر قال بوحدة الموجود.

تحية طيبة للدكتور عبد الحليم محمود التي كان وما يزال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5105 المصادف: 2020-08-27 04:04:55