 شهادات ومذكرات

مجدي عبد الحافظ .. غواص في فلسفة البيولوجيا (1)

محمود محمد عليعرفت الأستاذ الدكتور مجدي عبد الحافظ عندما عُين سيادته مدرساً للفلسفة الحديث والمعاصرة في نفس السنة التي عُينت فيها أنا مدرساً للمنطق وفلسفة العلم بجامعة حلوان في عام 1995م ، ومجدي عبد الحافظ (مع حفظ الألقاب) باحث مدقق، وأستاذ عالم، أكاديمي يجيد المحاضرة والمناظرة والجدل العلمي والاقناع المنطقي، وصاحب نص عميق بسيط واضح؛ وهو من رملائي الباحثين المتميزين الذين أحب أن أقرأ لهم أو أسمعهم حين يكتبون أو يحاضرون، وهو وإن كان أكبر مني بسنوات قليله فهو من جيلي الذي احترمه وأهابه.

علاوة علي أنه يمثل أحد أساتذة الفلسفة الغربية الذين استطاعوا من خلال بحوثهم ومؤلفاتهم في الفلسفة الحديثة والمعاصرة أن ينقل البحث في دراستها من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

ويهمنا هنا أن نشير إلي بعض الملامح الأساسية في كتابة الدكتور مجدي عبد الحافظ الفلسفية التي تعطي بعض المؤشرات في تفكيره موقفه الفلسفي العام، وأول هذه الملامح هو فهمه للفلسفة من أنه يجعل منها فاعلية دائمة تجاه الواقع والتاريخ والإنسان وهذه الملامح هي: التفاؤل بالغ والإنسان والتاريخ والحوار البشري، فالحوار هو ارتفاع بالحديث البشري إلي مستوي الخلاف الفكري بحثا عن الحقيقة، والخلاف الفكري لا يعني بالضرورة التشاجر ولا يعني البغضاء أو العداء، والحوار البشري هو محاولة للارتفاع بالتنوع والاختلاف إلي إطار مشترك من الوحدة وهو ضبط لإيقاع الحركة والنشاط الواقعي، وتجمع وبلورة للخبرات الحية وهو فرز اما هو صحيح سديد عما هو فاسد معوج، إنه جوهر أسلحة الإنسان للوصول إلي الحقيقة، حقيقته، وحقيقة الوجود من حوله . وأخيرا النقد ؛ والنقد هنا ليس بالمعني الأدبي ولكنه النقد الفلسفي الكانطي ؛ وكأن لسان حالة حال الدكتور أحمد مستجير الذي عرف نفسه قائلا "أنا في الحق موزع بين شاطئين كلاهما خصب وثري، أجلس على شاطئ وأستعذب التأمل في الآخر.. وأعرف أن الفن أنا، والعلم نحن، ذبت في الـ نحن وأحن إلى الأنا، وأعرف أن الفن هو القلق وأن العلم هو الطمأنينة؛ فأنا مطمئن أرنو إلى القلق".

تلك هي الصورة العامة للرجل والسياق الذي قدم فيه فكره وكتاباته، كما قدم لتلاميذه أيضاً درساً لا ينسي، وهو أن الأستاذ ليس هو من يجيب الطالب بمعلومات جاهزة لديه، بل هو من يرشده إلي المنهج العلمي الذي يصل به إلي المعرفة ويحدد مصادر موضوع بحثه، ولم تختلف هذه الصورة منذ عام 1995م حين بدأت حياته العلمية بجامعة حلوان وحتي انتقاله إلي جامعة الكويت معرفة دقيقة بموضوعه ؛ لغة علمية محددة، حجة دقيقة، رحابة صدر، قدرة علي التعليم والتوجيه .

علاوة علي أنه كان قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وحتي لا ينسينا الحديث الجميل عن مجدي عبد الحافظ فاسمح لي عزيزي القارئ أن أقدم لك نبذة عن سيرته الذاتية فنقول : ولد مجدي عبد الحافظ  من مواليد محافظة القاهرة في الثامن من نوفمبر 1953، حيث حصل ليسانس الآداب في الفلسفة من جامعة القاهرة، عام 1976، ثم دبلوم الجامعة لنهاية السنة التمهيدية للمرحلة الثالثة في الفلسفة المعاصرة من جامعة باريس، عام 1981، ثم دبلوم الدراسات المتعمقة في الفلسفة المعاصرة من جامعة باريس السوربون، عام 1982، ثم دبلوم الدراسات العليا من جامعة باريس، عام 1987، ثم دكتوراه في العلوم الإنسانية من جامعة باريس، عام 1991، وبعد ذلك مُنح درجة أستاذ مساعد في عام 2000م، وبعدها تمكن من الحصول علي رتبة الأستاذية في عام 2007م .

عمل مجدي عبد الحافظ ببعض المعاهد الفرنسية وأستاذاً زائراً بجامعة جيل فيرن بيكاردي، أميان بفرنسا، كما حاضر في جامعة عين شمس وكلية التربية بجامعة حلوان ؛ كما كان عضواً في العديد من اللجان العلمية المتخصصة مثل : اللجنة القومية لتطوير التعليم في مصر، واللجنة القومية لتطوير التعليم في مصر، والجمعية الفلسفية المصرية، وجمعية الدراسات الشرقية بفرنسا، ولجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة.

علاوة علي مشاركته في الكثير من المؤتمرات الدولية والنحلية نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر:

-  الندوة الدولية الثالثة لقسم الاجتماع بجامعة القاهرة، عام 1996.

-  المؤتمر الدولى حول " صرع الحضارات أم حوار الثقافات "، عام 1997.

-  الوعى السياسى في مصر فيما بين عام 1795 وعام 1805، القاهرة، عام 1993.

- الفرد وعصر الاستنارة في مصر ندوة الفرد والمجتمع في عالم البحر المتوسط الإسلام .

ومجدي عبد الحافظ له العديد من المؤلفات منها : كتب وأبحاث وترجمات: الكتب ومنها: موسوعة عصر التنوير بالاشتراك، القاهرة، عام 1992، وحوار الحضارات أو صراع الثقافات بالاشتراك، القاهرة، عام 1997، و قراءات في الفكر المعاصر: على هامش الألفية الثالثة، عام 1998، و سلامة موسى بين النهضة والتطور، بيروت، عام 1999، ومصر في مائة كلمة.. الأبحاث ومنها علي سبيل المثال لا الحصر: الاشتراكية والفكر المصرى الحديث، القاهرة، عام 1992.، وفلسفة التطور ودراسات عربية تطبيقية على اللغة، القاهرة، عام 1997.، والحداثة وما بعد الحداثة في الفكر الفرنسى المعاصر، الجزائر، عام 2002... الترجمات ومنها مثلاً :  وكارل بوبر، جون كوندرى، وصبرى السوربونى، الثورة المصرية، عام 2003.، وأرنست رينان، جمال الدين الافغانى .

وفي هذه الكتابات كشف لنا مجدي عبد الحافظ علي أنه واحدا من أهم الشخصيات المصرية التي أثرت الفر العربي المعاصر ؛ حيث إنه كان مهتماً بقضايا الوطن والأمة مهموماً بنهضتها المأمولة، كما قدم لنا رؤئ جديدة ووجهة نظر خاصة فيما يتعلق بالميتافيزيقا والعلم والمصير الإنساني، وتميزت مناقشاته في كتبه وأبحاثه بعقلانية موضوعية لا تلوي عنق النص أو تتعارض معه، وبنزعة عقلانية منفتحة تتميز بالمرونة وعدم الانغلاق أو الإدعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة، كنا تميز أيضاً برؤية فلسفية ملتزمة : تؤكد التسامح، والحوار، والتعددية، وتفسح المجال للآخر، والتي تؤكد لنا بحق أنه مفكر رصين، قوي الروح، سديد الرأي، عميق الفكر، واسع الثقافة والمعرفة .

كما يعد مجدي عبد الحافظ أحد أساطين العقلانية المنفتحة، الذين لم يتخلوا عن ثقتهم بالعقل، وعن التشديد على ضرورة سيادة الحوار العقلاني في حل الإشكاليات العالقة، على الرغم من الأزمات التي عصفت بالتفكير الفلسفي والعلمي وبالقيم الثقافية والأخلاقية في زمانه.

وهكذا عمل مجدي عبد الحافظ علي خلق نظرية جديدة واتجاه فلسفي عربي خالص يقوم علي إعادة بناء تراثنا القديم علي ضوء حاجات العصر ومتطلباته، يراعي التمايز الكلي بين  الحضارات والتنظير المباشر لواقعنا من أجل خلق ثقافة وطنية تمتد جذورها في تراثنا القديم الذي مازال حيا في شعور جماهير الأمة، وما زال يوجه سلوكها، ويحدد  تصوراتها للعالم، ويحدد يقيمها من أجل خلق أيديولوجية وطنية... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5129 المصادف: 2020-09-20 03:26:45