ضياء نافعكان يمكن لعنوان مقالتنا هذه ان يكون ايضا – (عراقيون مرّوا بموسكو)، اي ضمن سلسلة مقالاتنا عن العراقيين الذين درسوا في الجامعات الروسية، ولكننا ارتأينا ان يكون العنوان مرتبطا بقسم اللغة الروسية في جامعة بغداد (بيتنا الحبيب، والذي عملت فيه 35 سنة باكملها!)، وذلك للتأكيد، على ان هذا القسم هو البوابة التي قد (واؤكد على قد) تؤدي للدراسة اللاحقة في تلك الجامعات، وقد (واقصد ربما) تؤدي ايضا الى تلك النتائج الباهرة، رغم انه يجب الاشارة هنا رأسا، ان منصب السفير في العراق هو منصب سياسي بحت قبل كل شئ وبعد كل شئ وبغض النظر عن اي اختصاص، ولكن.. مع ذلك .. مع ذلك ..مع ذلك..، كما يقول الشاعر الروسي السوفيتي تفاردوفسكي في احدى قصائده المشهورة عن الحرب بترجمة الراحل الكبير د. ابو بكر يوسف ...

السفراء حسب التسلسل الزمني لتعينهم هم – د. غالب عبد حسين التميمي ، ثم، المرحوم د. عباس خلف كنفذ، ثم، د. فلاح عبد الحسن عبد السادة . غالب و عباس كانا طالبين في فرع اللغة الروسية بقسم اللغات الاوربية في كلية الاداب بجامعة بغداد، و فلاح كان طالبا في قسم اللغة الروسية في كلية اللغات، بعد اعادتها (الى الحياة!) من جديد عام 1987 .

د. غالب كان سفيرا للعراق في أذربيجان، وهو أول تعيين له كسفير، وكان آخر سفير هناك قبل الاحتلال الامريكي عام 2003 وسقوط نظام صدام، والمرحوم د. عباس كان سفيرا للعراق في روسيا، وهو ايضا اول تعيين له كسفير، وكان آخر سفيرهناك قبل احداث عام 2003 تلك ، أما د . فلاح، فقد اصبح سفيرا للعراق بعد عام 2003، في صربيا اولا، وهو الان سفير العراق في الهند . لقد أشرنا في بداية مقالتنا هذه، ان منصب السفير هو منصب سياسي بحت، وبالتالي، فان هؤلاء الخريجيين أصبحوا سفراء نتيجة لمواقفهم ومواقعهم السياسية طبعا، ولكننا نكتب مقالتنا هذه للتاريخ اولا، و ثانيا، استمرارا لمحاولة تسجيل تاريخ قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد ومسيرته منذ تأسيسه عام 1958، وتسجيل مصائر خريجيه طبعا تعد مسألة حيوية في تاريخ هذا القسم، وكم اتمنى ان أرى يوما ما قائمة شاملة تضم اسماء كل خريجيه (او معظمهم في الاقل) ومصائرهم ومناصبهم وطبيعة اعمالهم بعد تخرجهم، وهو عمل ارشيفي كبير يقتضي جهودا جماعية منسقة بلا شك، وهو كذلك جزء حيوي لا يتجزأ من تاريخ العراق المعاصر طبعا . مقالتنا هذه تتوقف عند اول سفير في هذه السلسلة وهو- د. غالب عبد حسين التميمي، ونأمل العودة الى الاسماء الاخرى لاحقا.

 د. غالب . كان أحد مسؤولي الاتحاد الوطني لطلبة العراق في كلية الاداب في السبعينات، والاتحاد هذا كان خاضعا كليّا لحزب البعث الحاكم آنذاك، ولهذا، فان غالب كان طبعا ضمن اعضاء ذلك الحزب، و كما يقول المثل العالمي، يمكن معرفة جوهر الانسان عندما يكون لديه المال او السلطة . كان غالب نموذ جا للانسان المؤدب والخلوق، خصوصا تجاهنا نحن اساتذته، وقد كنا نشعر بذلك، ولهذا اصبحت العلاقات معه واسعة جدا، وبعد انهاء دراسته في فرع اللغة الروسية، سافر الى الاتحاد السوفيتي لاكمال دراسته، وحصل على الدكتوراه في اللغة الروسية من جامعة مينسك في جمهورية بيلوروسيا السوفيتية، وقد التقينا بمشرفته العلمية مرة في احدى المؤتمرات العلمية في موسكو، وكانت راضية عنه علميا واخلاقيا لدرجة انها شكرتنا، وقالت انه عكس لنا طبيعة اخلاق العراقيين الراقية، وكذلك مستوى تدريس اللغة الروسية في جامعة بغداد، وقد شعرنا آنذاك بالفخر عندما كنّا نستمع اليها . عمل د. غالب في قسمنا بعد حصوله على الدكتوراة لفترة قصيرة ثم انتقل الى الخارجية (لانه اصطدم برئيس القسم المتزمت والمتهور، والذي كان رأس البعثيين آنذاك)، وعندما كنا نسافر الى موسكو صيفا، كان هو موظفا في سفارتنا هناك، وكان يستقبلنا بحفاوة متناهية وكرم حاتمي ويقدمنا للحميع على اننا اساتذته . لقد كان د. غالب انسانا بسيطا ونقيّا و صادقا وعراقيّا اصيلا و محبوبا من قبل الجميع ومحترما من قبل الجميع منذ ان كان طالبا في القسم، وهكذا بقي دائما، اذ ان تربيته العائلية واخلاقه الراقية تغلبت على حزبيته في كل تصرفاته الحياتية و علاقاته مع الآخرين، وهي ظاهرة نادرة جدا بين صفوف البعثيين . د. غالب الان متقاعد و يسكن في بغداد مع زوجته واولاده في بيته المتواضع، ويعيش بانعزال عن المجتمع ومشاغله ومشاكله، ولكنه يسير برأس مرفوع، لأنه يحصد ما زرعه في مسيرة حياته النظيفة.

 

 ا.د. ضياء نافع

 

في يوم الجمعة 17 من شهر آيار ودعنا الأخ والصديق العزيز الدكتور الطيب التيزيني في رحلة العروج نحو العالم الأبدي، وإليه ندعوا الله مخلصين أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جنته .

هذا الصديق العزيز تربطني به علاقة ممتدة عبر الزمن جسدتها حوارات ولقاءات متنوعة جمعت بيني وبينه عن أشياء وأشياء، وشاء السميع العليم أن تثمر هذه اللقاءات عن مواقف شبه موحدة أو قل متقف عليها في قضايا تخص العرب والمسلمين فكرية كانت وسياسية وإجتماعية وإقتصادية وغير ذلك، نعم كان بيننا إتفاقا كبيرا وإختلافا يسيرا وهذه من طبيعة الأشياء، وكنا معاً شديدي الحرص على الوحدة في شكلها المحمدي ذلك النموذج الخالد، الذي وهب لنا الإرادة والفكر والشجاعة والثقة وحُسن الإنتماء، وكانت لنا معاً وسوياً أراء ومواقف عبرت عن روح الحرية التي يشتاق إليها العربي والمسلم، ولهذا كانت بعض مواقفنا يحسبها البعيد غريبة في وقتها أو هي كذلك لأنها لا تنسجم مع المألوف من لغة الناس في الزمان والمكان، ولم نكن نعني والله يدري فئة من الناس بعينهم أو فكرا في الحاضر أو الماضي معين، بل كنا ننشد العدل والحرية والسلام، ولهذا كان لنا موقفا من بعض رجال دين ممن أشتروا الضلالة بالهدى .

هؤلاء التعساء عبر التاريخ كانوا ملعونين أينما ثقفوا ولهذا كانوا هم الريح الصفراء أو الأفيون الذي يحطم العقول والأبدان، وبما إن الأمر فيه أخذ ورد وقيل وقال، فأخذ عليه البعض مآخذ من غير تفحص أو بحث وتحقيق فيما يرغب و يريد الطيب، والحق أقول لكم لم أجد في الطيب ذلك الماركسي أو البلشفي، وهو يدافع عن الماركسية بل كان مأخوذا بما تريده الماركسية من عدل إجتماعي وتكافل، بحيث لا يطغى أحد على أحد ولا تكون هناك سطوة للأغنياء على الفقراء والمعدمين، كان يشجع الماركسية في ثوبها الإجتماعي الصافي من غير فلسفات أو إضافات من هنا وهناك، كان همه كما عرفته سعادة الناس وعيشهم الكريم وأمنهم الدائم، ولهذا أبتعد عن السجالات في المألات التي أنتهت إليها الثورة البلشفية، ولم يعر كثير إهتماما للسجالات الرومانطقية عن الإستالينية وعن دورها والحقب التي أتبعتها، كان يعجبني فيه الميل نحو الواقعية السياسية والإقتصادية وإيمانه بالوطنية في ثوبها العربي من غير تكلف أو إنتماءات حزبية، ولذلك لم يذهب في ذلك مذاهب شتى كما هو حال المعاصرين والسابقين له، بل كان شديد الحرص و الإقتراب من هموم الناس البسطاء ومعاناتهم، ولهذا كنت أُكبر فيه هذه الهمة وهذا التوجه .

وأذكر ذات مرة زارني في بيتي المتواضع هناك في الشام القديمة، وقد جرت العادة ان يكون بيننا مادة للبحث نسترسل فيها وكان الكلام عن الثورة العربية وعن الدولة العربية، ولم يذهب كغيره للتفريق حسب دلالات اللفظ والمعنى، ولكنه تبنى الثورة في ظل سيادة الدكتاتورية وشياع الظلم وإنعدام الحريات والعدالة، لكنه في ذلك لم يكن متطرفاً إنما يُملي فكرة يجدها أكثر صوابية في ذلك الوقت، وعن موقفه من الدولة والحكم كان شديد الحرص أن لا يحسب على فئة ما ولا يود أن يكون في عداد المهرجين وجوقة الأجناد مع رفضه المستميت للركون أو الإستسلام .

ولأنه كان واقعيا لذلك كان ينظر للمصلحة قبل الخوض في الكلام عن اللازم والملزوم، وكان تفسيره للوحدة العربية لا بنمظور تاريخي حتمي ولا من باب اللازم أو الحالم، إنما كانت رؤيته في ذلك تتعلق بطبيعة العمل والمصالح وتبادل الخبرات، وتلك كتاباته تتحدث عن ذلك بشيء من التفصيل، ولم تمنع الطيب كثرة الطعنات والنكبات والخيبات التي اصابت الجسد والعقل العربي، من أن يكون ظهيراً للحق العربي ولإنصاف العرب في قضيتهم المركزية - قضية فلسطين -،

 عبر عن هذا بجلاء صوته في المحافل والدوائر التي شاء الله والقدر أن يكون متواجدا فيها، ولقد اعجبني فيه روح التسامح في ظل الإختلاف حتى في هذه أعني قضية فلسطين، فقد كان ميالا للأخذ بوجهة نظر القيادة الفلسطينية حين أتجهت للسلام مع مؤتمر مدريد وما تلاه في أوسلو، معلناً إيمانه الراسخ بأن للحق وجه واحد وعلى الجميع البحث عنه، من غير تزييف للتاريخ أو القفز على المسلمات العقلائية أو التضييع المتعمد للوقت وإستهلاك الزمن، وفي هذا كان الطيب أكثر واقعية من كثير ممن رفعوا الشعارات وتنادوا بالعنتريات في الفضاءات المغلقة، وقد عبر عن موقفه هذا من إتفاقية أوسلو التي أعتبرها جزءا من مشروع الحل العام لكنه ليس الحل النهائي ولكنه خطوة في الطريق، يتيح للعالم التعرف و الإعتراف بالحق الفلسطيني في أن يعيش ضمن كيان ذاتي مستقل، تحت المظلة الدولية مما يجعل له إنصار ومريدين في العالم أجمع، ويكون صوته الأقرب إلى صوت المجتمعات المنادية بالسلام والنابذة للحرب، ولم يتخذ طريق المطبلين وأهل الشعارات بل أتخذ موقفاً وسطا يحقق لأهل الحق ما يصبون إليه في الممكن .

وهذه هي السياسة التي أعتمدها النبي محمد مع قريش في صلح الحديبية، وهي نفسها التي مارسها الإمام علي من بعده وكذا الإمام الحسن والحسين مع معاوية، وهي الطريقة الأكثر قابلية للحياة في ظل التدافع والتناحر،

 ولم يعد ممكناً القبول بفكرة شطب المجتمعات أوالشعوب أو محاولة الرمي بهم في عباب البحر، فتلك سياسة عنصرية أثبتت فاشلها وعقمها، سياسة طبل لها وسار على وفقها أنصاف متعلمين وجهلة وبعض من العسكريين من ذوي الرتب المتدنية .

السلام في حد ذاته هدف وقيمة هي أعظم وأكبر من كل القيم في ظل بناء المجتمعات والدول، فبالسلام يتحقق الأمن وتتحقق العدالة، وإن كان هناك مجالاً للديمقراطية فلا تتفيء ظلالها إلاَّ بالسلام، ولعل الله سبحانه هو من دعا إلى السلام ودار السلام، ليس من موقع الضعف والهوان كما قد يتوهم متوهم، بل من موقع القدرة والإقتدار، وهو سبحانه من نهى عن الإلقاء في التهلكة حين تفتقد المواجهة شرط النجاح والنصر، فحفظ النفوس والأموال والممتلكات من الهدر أعظم درجة عند الله، من المناكفة والتبجح بالشعارات والكلام الكبير الذي ليس له أو فيه منفعة وفائدة، ومعلوم بالضرورة إن الشيطان ميال لخلق الفتنة وتأزيم الأوضاع لأنه لا يعيش إلاَّ على أحزان الناس ونكباتهم، والعاقل من يُضيع على الشيطان الفرص ويسد أمامه الأبواب كي لا ينفذ ويكون له عليكم سلطان .

وفي هذا المقام وفي هذه المناسبة أجد من واجبي الفكري والأخلاقي والشرعي، دعوة القيادة الإيرانية متمثلة بالأخ السيد علي الخامنئي دام إحترامه، إلى تفويت الفرصة على من يريد بالشعب الإيراني الهلاك والمظلمة، فشعب إيران هذا الشعب العظيم لا يستحق أن يعيش التشتت والألم والضيم، والأمر كله يحتاج لمعالجة في الدفاتر العتيقة، والإيمان بأن الحق له طرق ووسائل يمكن من خلالها الحصول عليه، و يشهد الله إني في ذلك ناصح أمين وأقول لكم : - أن أجتنبوا المكابرة أوالمزاودة على الغير -، فرب دعوة صالحة تدعون إليها ليس لها أذن وأعية تؤمن بها وترغب في تحقيقها، والأمر كله مرهون بشعب فلسطين هو صاحب القرار وهو صاحب الإرادة، ونظرة في السجلات والرقم وفي المعاهدات والمواثيق الدولية ما يغنينا عن كثير من الكلام، ولندع اللاهثين والناعقين والنافثين جانباً متوخين الدقة والحذر وعدم تضييع الوقت .

وكلنا شهود على الطامة الكبرى التي أصابت بلاد العرب في ربيعهم الأسود الذي دمر القيم والأخلاق والمعتقدات وضيع الحق، ولم يتعد صوت العربي مهما كبر حيطان بيته ومخدع نومه، فأستسلم الجميع ولم يبق في المخيم غير أمنيات وتلاشت أجيال وأندثرت ممن كانت تعرف الحدود والجغرافيا والتاريخ، ولم يعد هاجس الجميع غير العيش بسلام مع توفير لقمة العيش مع شيء من الحياة الكريمة، بعدما تشتت الخلق في أرجاء الدنيا الواسعة، فضاع التلاق والحرص والأمانة والإيمان .

إن على إيران القيادة والشعب الإبتعاد عن اللعب في الأوراق المحترقة، فليس فيها سوى الرماد الذي تذره الرياح في كل مكان، ولا تظنون من ناصر أومعين فقد تكشفت كل العورات، وإني مؤمن بالحكمة الغالبة في طبائع الشعب الإيراني والتي ستهديه للحل عبر التفاوض، وترك ما لقيصر لقيصر ولنا ولهم عبرة بالنبي وأهل بيته، والحق أحق أن يتبع ..

رحم الله الصديق والرفيق الدكتور الطيب التيزيني، رحم الله تلك العيون وتلك الروح الطيبة، ودعاء من القلب ان يتقبله ربه بقبول حسن، ويسكنه واسع رحمته ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

19 – 05 - 2019

 

ابراهيم مشارةوما كان قيس هلكه هلك واحد** ولكنه بنيان قوم تصدعا

لعل هذا البيت الخالد يصدق كثيرا على الراحل الدكتور الطيب تيزيني-رحمه الله- كما يصدق على القليلين من المثقفين من أبناء أمتنا العربية الذين صدقوا ما عاهدو الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا، لقد عرفت الدكتور الطيب كقارئ في التسعينات يوم هبت دار الفكر السورية لتنظيم جدال فكري حول الدولة والإسلام بمعية  الراحل الدكتور البوطي- رحمه الله- وقد خطت في ذلك السجال نهجا جديدا بعيدا عن الشعبوية والحماسة الزائدة فاقترحت الموضوع للدكتور يكتب فيه وعرضت رده على الشيخ البوطي يبدي رأيه فيه  معارضا ومفندا وطبعت تلك المناظرة الفريدة في كتاب والغرض من ذلك تشجيع الحوار الهادئ بعيدا عن العواطف الجياشة للجماهير والحماسة الدينية الزائدة التي تبهض الخصم حقه في التعبير ولذلك سوابق في المناظرة الفكرية الشهيرة بين الشيخ الغزالي –رحمه الله- ومأمون الهضيبي من جهة والدكتور فرج فودة-رحمه الله- ومن تابع تلك المناظرة الشهيرة يدرك المخاطر من فتح سجال فكري وجدال فلسفي وسط شعبوية الجماهير وقد دفع الراحل فرج فودة حياته ثمنا لتلك المناظرة الشهيرة والتي أكد فيها على الطابع المدني للدولة. ومناظرة أخرى بين الدكتور فؤاد زكريا  من جهة والشيخ الغزالي والقرضاوي من جهة أخرى لقد كان حماس الجماهير للشيخين مشوشا على الدكتور فؤاد في عرض وجهة نظره نظرا لحماسة الجماهير التي جاءت للتشجيع لا للفهم والنقد والاعتراض .وهي حالة بائسة في الفكر العربي الحديث تبين الحد الذي وصلنا إليه من العماء والفوضى والاندفاع العاطفي بعيدا عن سلطة العقل والاحتكام إلى المنطق والموضوعية.

لقد نأت دار الفكر في تلك المناظرة المكتوبة بين الدكتور الطيب والشيخ البوطي عن ثقافة التشجيع والمناصرة وعدلت إلى ثقافة الحوار والاستماع والمجادلة بالحسنى وأحسب أنها وفقت في ذلك كثيرا.

وأعود إلى الدكتور الطيب – رحمه الله- فقد كان مثقفا طليعيا مشغولا بقضايا أمته شديد الإخلاص لقضاياها لا تأخذه لومة لائم في نصرة الحق الذي يعتقده يعضده عمق علمي وسلوك نظيف والتزام لا غبار عليه.

نحن نعيش اليوم في زمن الفصام الثقافي بين مفكر يعتقد ويكتب بطريقة توحي بنزاهته والتزامه وسلوك مناقض لذلك تماما يتجلى في تكالبه على موائد السلطة وبيع شرفه لقاء الأمن أو المكاسب أو التساقط - تساقط الفراش على النور- وما نوره الموهوم إلا تلك الجوائز-النفطية- التي يرتهن في سبيلها شرفه وذمته  فيغدو مريضا بالوهم ومع الزمن تنكشف عورته ويظهر على حقيقته فينصرف عنه الجمهور ولن تغني عنه تلك الجوائز النفطية.

تحضرني حالة مثقف كبير وأكاديمي محترم قبل بالمنصب السياسي  في حكومة مرفوضة شعبيا أيام الإطاحة برئيس مصر ومنتسب إلى الكتابة الروائية عندنا يدعي اليسار والماركسية سارع إلى قبول جواز سفر لأداء فريضة الحج ممنوح له من قبل الحاكم-المرفوض شعبيا- وإنها لمأساة حقيقية أن يتحول الماركسي إلى حاج على نفقة الحاكم ، وزميل له يكتب الرواية لا يستحي من الحديث عن شهرته حتى إنه أشهر من الوزير.!

لم يكن الدكتور الطيب من هذا النوع من المثقفين بل كان مثقفا طليعيا جادا نظيفا بعيدا عن إغراءات السلطة وأضواء الشهرة فلم يبع شرفه وضميره ويخون القضية الأولى قضية الأمة الراسفة في أغلال الاستبداد والجهالة والعماء.

لقد علل أدونيس مرة تخلفنا الثقافي والسياسي والفكري بنكوص وخيانة المثقفين أولئك الذين تسابقوا على قصور الثقافة عوض أن يدخلوا السجون وأحسب أن الدكتور الطيب –رحمه الله- من الذين لم يخفوا إلى قصور الثقافة بل إلى مدرجات الجامعة معلما وهاديا وإلى معترك الفعل الثقافي الحق بالكتابة والنضال الفكري الخلاق ولهذا كسب احترام الجميع وعاش عزيزا في وجدان بلده وفي ضمير أمته.

رحمه الله فهو بحق من المثقفين الذين  لم يكتبوا المسامرات كابن العميد والصاحب ابن عباد للسلطان كما وصمهم بذلك أبو حيان التوحيدي المثقف الطليعي العربي بامتياز.

سيظل الدكتور الطيب منارة شامخة للهدى والعرفان والحقيقة بعقل واع وضمير حي ونفس عزيزة زاهدة في رياش الدنيا وحطامها

 

ابراهيم مشارة

 

زهير الخويلدي"البدء من الصفر وإذا لم تفعلوا أنتم لا يأتيكم شيء...ابدؤوا بفتح الدائرة"

غادرنا الدكتور طيب تيزيني مساء الجمعة 17 ماي 2019 عن عمر ناهز 85 سنة وبعد أن أثرى المكتبة العربية بأكثر من مائة كتاب في الفلسفة وقراءة التراث والنقد الأدبي والحضارة ومجموعة من اللقاءات والمحاضرات والدروس التي ألقاها في جامعة دمشق والجامعات العربية وكانت محبته كبيرة للجمهور العربي والطلاب والمثقفين والكتاب والنقاد والقراء وربما أهمها هو مشروع قراءة جديدة للتراث والثورة.

والحق أني كنت وافر الحظ وسعيد الفرص متمسكا بالتفاؤل اللازم وكثرة العمل وشدة الحرص بأن قابلت واستمعت إلى قامات من الفلاسفة والأستاذة الغربيين مثل بول ريكور وجاك دريدا وميشيل ملارب وجورج لابيكا وألان رينو وبرنار بورجوا وأكسال هونيث وأليكيس فيلولينكو وأدغار موران وجان غريش وكذلك العديد من المفكرين والدكاترة والكتاب والنقاد من الأشقاء العرب والمسلمين رحل البعض منهم مثل محمد أركون ومحمد عابد الجابري وجمال البنا ومطاع صفدي وسالم يفوت ومازال من هو على قيد الحياة مثل حسن حنفي وعزيز العظمة ومحمد شحرور وعلي حرب ووجيه كوثراني ورضوان السيد ومنير شفيق ونصر حامد أبو زيد وفهمي جدعان وطه عبد الرحمان ومحمود درويش. بيد أن مقابلة الراحل طيب تيزيني كانت من طبيعة مغايرة وفي إطار مؤسساتي مستقر، وربما للمدة الهامة التي قضاها ضيفنا المبجل عندنا، والمجال الذي عكفت على تقليبه مرة أخرى على أحسن وجه وهو الثورة والتراث.

لقد انطلقت رحلتي الفكرية معه من لحظة الاستقبال بالنزل إلى وقت تكريم منتدى الجاحظ إلى حد توديعه في المطار وشهدت تبادل غزير ومكثف من الحوارات العقلانية التي تتخللها جملة من الأسئلة والأجوبة وترافقها استفسارات واستشارات وتنتهي غالبا بإبداء ملاحظات هامة وبناء توقعات وافتراض انتظارات. 

لقد تمثلت قراءته للمشهد العربي زمن الحراك الاحتجاجي من إشادة بالزمن الثوري الذي تعيشه مختلف الدول العربية وتحمسه للربيع العربي وتعطش الشعوب للحرية وإبداء إعجاب كبير بالتجربة التونسية ونجاح المسار الثوري في كنف السلمية والمدنية وتمنى زرع شجرة الديمقراطية والتعددية على أراضي افريقية وعربية أخرى وأبديت له رفضي تسليح الثورة وعسكرة العصيان السلمي ووصله بالإرهاب في حين تمنى زيارة بؤر الانتفاضة وثورة الكرامة والوقوف أمام ضريح محمد البوعزيزي وبقية الشهداء.

لقد تحدث الدكتور عن جدل الهوية والحداثة في المجال العربي المعاصر وشخص الآفات التي أصابت الأمة وسببت السقوط ونقط الصفر وطرح علاقة السؤال التراثي بالمشروع الديمقراطي وحاول تحيين المشروع الفلسفي العربي وسط التحولات المجتمعية العنيفة وحاول تبيئة الفكر الماركسي ضمن محيطه.

لقد أشار إلى أهمية تجربة الإصلاح السياسي والديني في بناء الوعي الثوري التي قادها المفكر خير الدين التونسي وعرّج على دور الحركة الوطنية والتجربة النقابية والعمالية التي فجرها الحامي والحداد وحشاد وتوقف عند دور الجامعة والمؤسسات الثقافية في صناعة نخب مدنية تؤمن بالتغيير الديمقراطي السلمي.

كما تذكر مختلف المناضلين الذين اشتغلوا معه من أجل بناء جبهة عربية لمقاومة الرجعية وتحقيق التقدم وخاصة مهدي عامل وحسين مروة وصادق جلال العظم ونقاشه العميق مع الدكتور محمد عابد الجابري.

لقد نظمت الهيئة المديرة لجمعية الجاحظ موكبا تشريفيا في المكتبة الوطنية بتونس العاصمة وزادت عليه بلقاء تكريمي في مقر المنتدى بعد أن زار كل من القيروان وصفاقس أين احتفل به الجامعيون والنقابيون.

لقد ترك الراحل تيزيني انطباعا طيبا لدى المثقفين والناشطين بفضل ما يتمتع به من رحابة صدر وبشاشة وعلم وثقافة واسعة وقدرة على التحليل والإقناع خاصة بعد المراجعات الجذرية التي أجراها بشكل لافت على مشروعه الفكري وقيامه بالنقد الذاتي وإيمانه بأهمية البعد الديني في الانتقال من الاستبداد إلى الحرية وأوكل مهمة استكمال المهام الثورية إلى المثقفين والنقاد والمصلحين والإعلاميين وراهن عليهم في بلورة  تجربة التنوير الديني وإحداث نهضة عربية جديدة تقطع نهائيا مع التخلف والشمولية والاستعمار والتبعية.

لقد ترك فيلسوف حمص بصمته في الكثير من العقول العربية ونقل العدوى من الجامعة الألمانية التي أتم بها رسالة الدكتورا إلى الجامعات العربية وجعل من قراءة التراث والانفتاح على الآخر ومواكبة العصر شغله الشاغل وآمن بقوة الفكر العربي المعاصر على الاستئناف الحضاري وريادة الإنسانية من جديد بشرط ترك الفرقة والانقسام والتفاهة والأنانية والانغلاق والتوحد حول مشروع وطني جامع وواحد يضم المختلف والمتعدد والمتنوع ويبذل الجهود في سبيل حل جملة الإشكاليات العالقة مثل الطائفية والتمذهب والفساد وينكب على معالجة التحديات الحارقة للشباب العربي مثل الهجرة والبطالة والعولمة المتوحشة.

لقد ناهض المفكر السوري الدولة الأمنية العربية وحاول جاهدا تفكيك المرتكزات الأربعة للاستعباد السياسي للفضاء الاجتماعي التي تعيد إنتاج الطاعة ورفض منهج القمع ومصادرة الحريات التي تعتمده الأنظمة العربية للمحافظة على الحكم وربط الجمود الثقافي بالاستبداد الشرقي وفكك العلاقة بين الداخل والخارج ونادى على القوى الفاعلة في الداخل إلى مقاومة الهشاشة الذاتية التي تستدعي القوى المهيمنة من الخارج والتخلص من قابلية الغزو والخروج من وضعية الاستعمار وتغيير حالة التبعية والتشبث بالاستقلالية وحمل الفهم السكوني للدين مسؤولية الانحطاط ودعا لاستئناف الاجتهاد وممارسة التأويل.

سيظل اسم الفقيد طيب تيزيني يصرخ بضرورة النهوض من كبوة التخلف والإقلاع من التراث إلى الثورة.

ملاحظة: لقد زار المرحوم تونس أكثر من مرة ولكن زيارته الأخيرة كانت بدعوة من منتدى الجاحظ من 19 إلى 24 نوفمبر 2016.

  

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

محمود محمد عليعرفت الدكتور عاطف العراقي حين كان يُدرس لي بالسنة التمهيدية للماجستير سنة 1989 في مادة "مصادر الفلسفة الإسلامية" بكلية الآداب – جامعة القاهرة، وخلال المحاضرات الأولي له، أدركت بوعي أنني أمام شخصية متميزة لأستاذ أكاديمي، شخصية تختلف عن شخصيات كثيرين من الأساتذة غيره . شخصية تتوفر علي سمات ومقومات وأبعاد، تنتزع بذاتها الاحترام وتفرضه، وتستوجب التقدير وتثير الاعجاب، وتغرس في النفوس حباً تخامره رهبة، وأملاً يواكبه شعور عميق بالتفاؤل، وانتماء يصاحبه شعور بالزهو بالتلمذة علي يديه.

حتي إذا ما انتهي العام الدراسي للسنة التمهيدية، وجدت نفسي أعالج ميلاً جارفاً إلي التخصص في ” المنطق عند السهر وردي المقتول ” في الماجستير، فكشفت له عن رغبتي هذه وتحقيقها تحت إشرافه، فوافق علي الفور، وكثرت لقاءاتي به بعد ذلك في الرسالة والبحث.

وهنا اكتشفت بعداً آخر في شخصية الأستاذ، حيث اكتشفت أنه نعم الناصح والموجه والمرشد . لا يفرض توجهاً معيناً، ولا يستبد برأي، ولا يلزمك بوجهة نظر خاصة، وإنما يحاور ويناقش، ويوجه ويفتح أمامك أفاقاً جديدة، ويعرض آراءه وأفكاره ورؤاه، ويترك لك حرية الاختيار.

وإذا كنت احتفي في هذا المقال بأستاذي عاطف العرافي، فإنني أحتفي بقيمة عطائه، وثراء فكره، وعظمة مشواره، وغزارة إنتاجه، وتنوع اهتماماته، فقد كان رحمة الله ينادي بالأخذ بثقافة العصر بكل ما فيها من دعوة إلي الحرية والعقل، الحرية في العيش عيشة كريمة، والتعبير دون خوف من عوائق التفكير، ثم العقل بوصفه أساس الحضارة .

كان عاطف العراقي مفكراً من طراز ممتاز، حيث ترك لنا العديد من البصمات القوية  البارزة في مجال الفكر العربي بفروعه المختلفة واتجاهاته المتعددة، بل إننا نراه مهتما بمجالات فكرية أخري لا تقل عن اهتمامه بالفكر العربي الحديث، ومن بينها الأصالة والمعاصرة، والحداثة وما بعد الحداثة والعولمة ...الخ. وهذا إن دل علي شئ فإنما يدل علي أنه كان مفكراً موسوعياً، إذ تمكن من أن يجمع بين الأدب والفلسفة برباط وثيق، فكان مفكراً بروح أدبية، وكان أديباً من خلال روح فلسفية .

لقد درس أستاذنا الدكتور عاطف العراقي كثيراً من القضايا، وخاض المعارك الأدبية والفكرية من أجل رفعة العلم ومن أجل الدفاع عن النور والتنوير، والنظر في سخط إلي الظلام وثقافة الظلام، وهل يمكن أن ننسي معاركه حول الأفهام الخاطئة للغزو الثقافي والهجوم علي الحضارة الحديثة والخلط بين الجوانب العلمية والجوانب الإنسانية، والأصالة والمعاصرة، ومعركة العلمانية، ومعركة التطرف الديني ؟ كلا ... ثم كلا ... لقد شق عاطف العراقي طريقه وسط الأشواك الصخور، وتسلح بروح نقدية من النادر من نجدها عند آخرين . كما تسلح بروح تنويرية إذ كان يعتقد بأنه لا تنوير دون دراسة آراء الآخرين . لا تنوير إذا أغلقنا النوافذ والأبواب، بل لا بد من فتح النوافذ حتي نجد الهواء المتجدد، نجد الفكر الحر الطليق . نجد الحركة لا السكون . نجد النور لا الظلام.

كان عاطف العراقي قمة في التواضع، فرغم علمه الغزير ووقوفه علي هرم الفلسفة العربية في عصره، إلا أنه لم يزعم لنفسه أنه يعد فيلسوفاً في الوقت الذي كنا ومازلنا نسمع عن الصغار والأٌقزام ومتخلفي العقول والعياذ بالله، إنهم يعدون أنفسهم فلاسفة حين يكتبون .. إنهم يتحدثون عن مشروعات لهم وهي مشروعات لا تتصل بالفكر من قريب أو من بعيد، مشروعات وهمية زائفة خادعة . نعم .. لم يزعم عاطف العراقي لنفسه أنه يعد فيلسوفاً، بل إنه يتحدث بإكبار وإجلال واحترام عن أساتذته وزملائه .. أذكر أنه كان يتحدث أثناء لقائي به في منزله (بمدينة نصر) عن عديد من الشخصيات ويركز علي أن يبين لي أثرهم عليه، من أمثال : الأب جورج شحاته قنواتي، والدكتور أحمد فؤاد الأهواني، والدكتور زكي نجيب محمود .. الخ.

ولد عاطف العراقي في 15 نوفمبر 1935 فى محافظة الدقهلية، وحصل على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب، جامعة القاهرة عام 1957، ثم على دبلوم كلية التربية، جامعة عين شمس، عام 1958، وبعد ذلك حصل على الماجستير في الفلسفة من كلية الآداب، جامعة القاهرة عام 1965، ثم علي الدكتوراه في الفلسفة من كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1969.

وللدكتور عاطف العديد من المؤلفات، منها "النزعة العقلية فى فلسفة ابن رشد، وكتاب "المنهج النقدي فى فلسفة ابن رشد"، وكتاب "ابن رشد فيلسوفاً عربياً بروح غربية"، وكتاب الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا، وكتاب مذاهب فلاسفة المشرق، وكتاب تجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية، وكتاب ثورة العقل في الفلسفة العربية، الميتافيزيقا في الفلسفة ابن طفيل، المنهج النقدي فى فلسفة ابن رشد، وكتاب العقل التنويري في الفكر العربي المعاصر، وكتاب تحقيق كتاب الأصول والفروع لابن حزم"  وكتاب "محاضرات  في تاريخ العلوم عند العرب".

وفي الأربعاء الموافق 1/3/2012 غيب الموت المفكر العربي الدكتور عاطف العراقي أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب بجامعة القاهرة عن عمر يناهز الـ76 عامًا وقد واتته المنية خلال إلقائه محاضرة في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر بالقاهرة.

ويُذكر أن سيرة العراقي وإنجازاته فى مجال العلم والفلسفة جمعها المفكر والفيلسوف فؤاد زكريا فى كتاب بعنوان "عاطف العراقي.. فيلسوفاً عربياً ورائداً للاتجاه العقلي التنويرى"، رحم الله عالماً وفيلسوفاً نَذرَ حياته لصناعة الفكر وإثراء مكتبة العرب فى العصر الحديث بمؤلفات فكرية قيمة.

وقد تبني تبنى الدكتور عاطف العراقي طريقة محددة في قراءة المذاهب الفلسفية. وقد قدم طريقته هذه في كتابه الصادر عام 1973، بعنوان: "تجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية"، حيث بين فيه طريقتين في تناول الأفكار والمذاهب الفلسفية: القراءة الأفقية: وهي تكتفي بالرواية والحكاية والعرض للأفكار والمذاهب الفلسفية، ثم القراءة الرأسية: وهي تعتمد النقد والتحليل وتنفذ إلى صميم الأفكار والمذاهب التي تتناولها دون أن تكتفي بعرضها، وقد دعا إلى اعتماد القراءة الرأسية، بدلاً من الأفقية. ويكتب عاطف العراقي قائلاً : "نشير إلى أن هذا النقد والتحليل نسميه فكراً رأسياً. ومن هنا كان الاقتصار على الرواية والحكاية يعد فكراً أفقياً. فإذا كان الفكر الأفقي يعد فكراً مسطحاً، فإن الفكر الرأسي يعد فكراً ينفذ إلى الصميم... ويستطرد فيقول :" غير مجد في يقيني واعتقادي هذا النوع من الدراسات التي يزعم لها أصحابها أنها دراسات فلسفية، في حين أنها تقوم على الرواية والحكاية ربما لغرض التسلية".

وفي كتابه "ثورة العقل في الفلسفة العربية"، أكد عاطف العراقي أن المقصود بالثورة هنا هي ثورة عقلية داخل الفلسفة. وهنا تترادف المصطلحات كما يلي: الثورة = العقل.. وذلك ضد اللاعقل والقول الغيبي والقول الخطابي والقول الشعري ؛ ثم الداخل = الفلسفة.. وذلك ضد الخارج أي ما هو خارج الفلسفة أي التصوف وعلم الكلام. ثم يحدد عاطف العراقي ما يسميه "الثورة من الخارج " كما يلي: " فقد نجد شكلاً من أشكالها يتبلور حول: نقد الفلسفة والهجوم على التفكير العقلاني ورفض الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي". ويصف عاطف العراقي من يدعون إلى هذه الأشكال بأنهم "دخلاء على الفلسفة ولا يعتبرون فلاسفة من قريب أو بعيد". ثم يضع العراقي "المعتزلة" في حال وسط، بين الفلاسفة وبين الدخلاء على الفلسفة. فهو يصفهم بأنهم " قاموا بدوراً كبير وخلاق لأنهم لم يتخلوا عن العقل. لكن نقطة الخلاف بين عاطف العراقي وبينهم هي أن اتجاههم كان أساساً اتجاهاً كلامياً جدلياً لا يرقى إلى مستوى البرهان. فبضاعتهم هي بضاعة الجدل لا بضاعة البرهان. أما من يتفق معهم عاطف العراقي ويرى فيهم التمثيل الحقيقي للثورة من الداخل، فهم فلاسفة العرب. وأبرزهم ابن رشد، " لأن اتجاهه يقوم على البرهان واليقين، ويبتعد تماماً عن الجدل الكلامي الأشعري" . فهذا هو ما يقصده عاطف العراقي بالثورة العقلية من الداخل. وهو يصف هذا الأمر بأنه "دعوة إلى عمود الفلسفة"، وإلى إعلاء كلمة العقل فوق كل كلمة . ولذا فلا بد من عقد المقارنات والمفاضلات بين مختلف الاتجاهات الفكرية المتاحة في الثقافة العربية، ثم قياس مدى التزام كل منها بطريق العقل والبرهان.

وأما كتابه "العقل والتنوير في الفكر العربي المعاصر"، فيهتم عاطف العراقي  بدراسة كل القضايا والآراء والاتجاهات التي تدخل في إطار التنوير في الفكر العربي المعاصر، ونظرا لأنه لا يصح في دراسة الفكر العربي النظر إليه وكأنه مقطوع الصلة بدراسة الماضي، فقد بدأ عاطف العراقي  بدراسة آراء ابن رشد من خلال أهميتها في مجال التنوير في العصر الحديث، وذلك في فصل من فصول الكتاب، وبحيث أنتقل منه إلي دراسة قضايا واتجاهات التنوير في الفكر العربي المعاصر، كالثورة الفرنسية وتنوير الفكر العربي، والترجمة، والتقدم العلمي والأخلاق، وأسطورة الغزو الثقافي، والمستشرقون وحركة التنوير، والسلام بين الأديان، والنظرة الي الفنون، وقضية العلمانية، والرؤية المستقبلية للثقافة التنويرية، كل هذا من خلال منهج عقلاني دقيق تمسك به المؤلف في كل مؤلفاته وبحوثه ودراساته . وحلل عاطف العراقي من خلال منظور عقلاني نقدي آراء رفاعة الطهطاوي، والأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، ومحمد إقبال، ومصطفي عبد الرازق، وأحمد أمين، ومحمد حسين هيكل، ويوسف كرم، وأحمد لطفي السيد، وعباس العقاد، وأمين الخولي، وأحمد فؤاد الأهواني، وطه حسين، وعثمان امين، وتوفيق الحكيم، وبول غليونجي، وتوفيق الطويل، وعلي عبد الواحد وافي، ويوسف ادريس، والأب جورج قنواتي، وجمال حمدان، ومحمد عزيز الحبابي، وزكي نجيب محمود، ونجيب محفوظ . تحليل نقدي لآراء هؤلاء المفكرين سعياً وراء ثقافة النور والتنوير، ورفضا لثقافة الظلام . ودعوة إلي التمسك بالعقل، أشرف ما في الأنسان.

وقد حصل عاطف العراقي  على العديد من الجوائز والأوسمة منها "جائزة أحسن البحوث الجامعية من جامعة القاهرة عام 1972 م، وجائزة أحسن البحوث الجامعية من جامعة القاهرة عام 1973 م، وخطاب تقدير من البابا يوحنا بولس الثانى عن كتاب "يوسف كرم"، وخطاب تقدير من الرئيس زين العابدين بن على رئيس جمهورية تونس عن كتاب "ابن رشد" الكتاب التذكاري، وسام العلوم والفنون والآداب من الدرجة الأولى عام 1981م، وجائزة الدولة التشجيعية فى العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة عام 1981م، وجائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة، عام 2000م".

وكان كان عاطف العراقي مولعاً بالفيلسوف العربي ابن رشد الذى قال عنه:" اهتمت أوروبا بأفكاره وطبقتها فتقدمت الي الأمام وأهمله أبناء أمتنا العربية . فرجعت الي الوراء لأنها ظلت محصورة في الفكر التقليدي ولم نكتف بهذا بل سخرنا منه حين أخذنا نتحدث عن قضايا وهمية زائفة كقضية الغزو الثقافي، والهجوم علي الحضارة الأوروبية وهو الذي فتح لنا الطريق أمام الفكر العلمي العقلاني الذي نحن في أمس الحاجة اليه الآن وبعد مضي أكثر من ثمانية قرون علي وفاته ولن نفيق من تلك الحالة إلا بدك أرض التقليد والضلال دكا لن نسلك طريق الصواب إلا إذا اعتقدنا بأن الخير كل الخير هو النظرة المنفتحة التي تقوم علي تقديس العقل بحيث نجعله معياراً وأساساً لحياتنا الفكرية والاجتماعية".

وعن نظريات ابن رشد الأساسية قال عاطف العراقي :" قدم ابن رشد العديد من الآراء والنظريات والأفكار التي مازالت صالحة حتي الآن بل نحن في أمس الحاجة اليها في يومنا هذا وما تراجع فكرنا العربي إلا بسبب ابتعاده عن أفكار ابن رشد، وفي يقيني أنها لو طبقت لتقدم العرب أكثر من أوروبا، ولكن نحن ظلمنا ابن رشد حياً وميتاً وأهملنا تلك الموسوعة المعرفية التي جمعتا الفقه والطب والفلسفة في قلب رجل واحد يقف علي قمة عصره من حيث الفكر النقدي، ولو كان العرب قد تمسكوا بهذا الفكر لأصبح الحال غير الحال، لأن الفكر النقدي، ولو كان العرب قد تمسكوا بهذا الفكر لأصبح الحال غير الحال لأن الفكر النقدي يحارب الخرافات والأفكار الخاطئة، وكان ينبغي علي العرب أن يفخروا بأن أمتهم أنجبت واحداً من أربعة فلاسفة علي مستوي العالم يقفون علي قمة عصورهم هم أرسطو في الفلسفة اليونانية وابن رشد في الأمة العربية، والقديس توما الأكويني في الفلسفة الغربية في العصور الوسطي، وأخيراً الفيلسوف الألماني "كانط" وجميعهم يعتمدون في أفكارهم علي التنوير، ومن المعروف أن النور يؤدي إلي الأمان والظلام يؤدي إلي الخوف والتراجع".

ولم يكتف عاطف العراقي، بل تبني مفهوم ابن رشد عن العقل والذي أورده في "تهافت التهافت" والذي قال فيه :" ليس العقل شيئا أكثر من إدراك الموجودات بأسبابها. فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل. وصناعة المنطق تحدد أن هاهنا أسباباً ومسببات، وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها. ورفع هذه المسببات مبطل للعلم ورافع له، إذ يلزم ألا يكون ها هنا شيء معلوم أصلاً علماً حقيقياً، بل إن كان ثمة علم فهو علم مظنون. كما لا يكون ها هنا برهان ولا حدّ. وترتفع أصناف المحمولات الذاتية التي تأتلف منها البراهين. وبالتالي فإن من يذهب إلى عدم وجود أي علم ضروري، يلزمه أن لا يكون قوله هذا ضرورياً" .

وفي الدفاع عن السببية يكتب عاطف العراقي، في كتاب "الفيلسوف ابن رشد ومستقبل الثقافة العربية": "الواقع أن الدارس للفكر الفلسفي العربي يلاحظ أن المفكرين الذين يتجهون اتجاهاً عقلياً كابن رشد يقررون أن العلاقات بين الأسباب والمسببات تعد علاقات ضرورية، ولكن المفكرين الذين لا يعتمدون على العقل كالأشاعرة والغزالي يذهبون إلى أن العلاقات بين الأسباب والمسببات تعد علاقات غير ضرورية، بل ترجع إلى مجرد العادة. والله تعالى قادر على خرق العلاقات بين الأشياء، لأنه تعالى يؤثر في الأشياء بطريقة مباشرة، وإرادته مطلقة غير مقيدة بضروريات. فكل شيء ممكن بالنسبة له تعالى وكل حركة وكل تغيير مصدرها الله.

وانتقد عاطف العراقي في حوار سابق له مع الإعلامي أحمد المسلماني في برنامج "الطبعة الأولى" علي قناة دريم المصرية،  فيلم الفنان الراحل يوسف شاهين "المصير"، واعتبره أكبر إساءة للفيلسوف ابن رشد وتزويراً وإساءة لتاريخه، حيث صرح قائلاً:" الفيلم ليست له علاقة بابن رشد"، و" أن تجاوزاته لا حصر لها". وأضاف: "لا أريد أن أقوم بدعاية لعمل يوسف شاهين عبر مهاجمته، لكنّّني مضطرّ إلى التعبير عن وجهة نظري، كي لا أتّهم بالصمت!". كما أخذ العراقي على الفيلم، "التلاعب بالأحداث التاريخيّة، والتعميم وعدم الدقّة". فهو يذكّر مثلاً أن "حرق الكتب لم يشمل ابن رشد فقط". كما يلاحظ "أن الفيلم لم يُصوَّر في أماكنه التاريخيّة في أسبانيا. فيما خلط السيناريو بين الخليفة الأب الذي كان يؤمن بحريّة الفكر، والخليفة الابن المنصور الذي حدثت في عهده نكبة ابن رشد". ويضيف عاطف العراقي: "لم يذكر الفيلم ابن طفيل مع أن وجوده محوريّ في حياة ابن رشد. كما لم يذكر شيئاً عن العام الذي أمضاه في المنفى في بلدة اليسالة"...الخ.

رحم الله أستاذنا الدكتور عاطف العراقي كان شعلة من النشاط ؛ حيث كان لا يكل ولا يمل، لقد دخل تاريخنا الفكري والثقافي المعاصر من أوسع الأبواب وأرحبها لقد شق طريقه وسط الأشواك والصخور (كما أكد هو مراراً وتكراراً)، وترك لنا ثروة فلسفية غاية في العمق، ولن يستطيع مفكر أن يغفل أو يتغافل عن هذه الثروة التي تعد كنزاً فكرياً أبدعه عقل مفكر جبار، إبداع قلم يعلم تماماً أثر الكلمة المكتوبة وخطرها . نعم إنه يعد عظيماً من العظماء . عملاقاً، والعمالقة تبدد كلماتهم وأقوالهم ظلام الجهل سعيا إلي نور المعرفة، نور العقل، نور الضياء الذي يهدينا في حياتنا، وإذا اختلف البعض حول فكره وآرائه فإن هذا الاختلاف في حد ذاته يدلنا علي أن أفكاره تعد حية وليست أفكاراً ميتة، إن الأفكار الحية دون غيرها هي التي توجب الصراع حولها لأنها أفكار المسافة بينها وبين التقليد والمتابعة أكبر المسافة . إنه رائدنا ومفكرنا العظيم إنه عاطف العراقي الذي تعد كتاباته دعوة إلي التمسك بتيار العصر والحضارة تيار التجديد تيار العقلانية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

913 تيزينيرحل اليوم عن عالمنا الصديق العزيز د. طيب تيزيني، الذي قرأت أعماله مبكرا، لكني تعرفت عليه في مؤتمر جمعنا في بنت جبيل بلبنان قبل سنوات، ودام التواصل الأخوي بيننا.. طيب تيزيني رحمه الله مفكر أخلاقي صادق، غيور على الناس، يفرض عليك أدبه وتهذيبه أن تنجذب إليه وتبجله وتتشيث بصداقته، لأنه كنز أخلاقي وفكري يقل أمثاله اليوم. رأيته يجهش بالبكاء وهو يتحدث عن مأساة وطنه بمرارة وحرقة، فكانت دموعه تتحدث بما لم تتسع له كلماته، رأيت دموعه أبلغ من كلماته.. يفرض طيب تيزيني على القارئ الخبير أن يحترم كتاباته ويعجب باجتهاداته، وإن كان لا يتفق مع منهجه، وبعض مفاهيمه وأدواته ونتائج اجتهاداته، لأنه من المفكرين العرب النادرين في هذا العصر الذين برعوا في كتابة المتون، ولم يغرقوا في الهوامش والشروح...

912 قضاياطيب تيزيني باحث عميق، تعلَّمَ في أفضل جامعات ألمانيا، وهو يتقن عدة لغات، لا يعرف الكسلُ إلى حياته طريقًا، أنجز اطروحة الدكتوراه بعنوان: "تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة"، ونشرت بالألمانية عام 1972. وتلخص هذه الاطروحة رؤيته للماضي ومنهجه الجدلي في اعادة قراءة التراث من منظور مختلف، والذي أصدر خارطته الأولى عام 1971 بعنوان: "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط"، وتوالت طبعاته بعد ذلك. وأشار في مقدمته إلى أن هذا المشروع سلسلة تتألف من 12 جزءا، وفقًا لتحقيب اقترحه لنشاة وتشكل التراث وصيروته عبر التاريخ. وأصدر منها: "الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى" 1982، و"من يهوه إلى الله" 1985، و"مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر" 1994، ثم أصدر عدة مؤلفات بعد ذلك، مثل: "النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" 1997...

حاوره مدير تحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة د. محمد حسين الرفاعي حوارًا موسعًا، ونشرنا الحوار في العدد 61-62 الصادر في عام 2015، وقد تحدث بالتفصيل عن رؤيته الخاصة في تطبيق: "الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية"... لن يموت صوت طيب تيزيني وكل صوت حر، مادام في الأرض ضمير حي وفكر حر، ينشد ايقاظ عقل الإنسان وتحريره من كل أشكال الاستعباد.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

محمود محمد عليكان أول بداية تعارفي بالدكتور فؤاد زكريا (1927-2010م) حين التقيت به في حفل عيد ميلاد الدكتور عاطف العراقي (رحمه الله)، وكان هذا الحفل مقاماً بنادي الأسلحة والذخائر بالقاهرة في 1995 م، وكان الحفل يضم كوكبة من خيرة كبار الأساتذة الجامعيين والصحفيين، بالإضافة إلي وجود معظم تلامذة الدكتور عاطف العراقي، وقد جذبتني شخصيته المحترمة التي تتسم بالهيبة والوقار، وتكشف عن ثقة بالنفس. وقد تأثرت بشخصيته وتعلقت به منذ سنوات شبابى الباكر عندما كنت أشتري كتبه وأتابع أفكاره من أسبوع لأسبوع، ومن شهر لشهر، ألتهم كلماته وأحفظ بعض سطوره وأردد أفكاره وأبحث فيما وراء السطور فى وقت لم تكن فيه منافذ الحريات مفتوحة بمنطق الثورة، حيث مضى الجميع على طريق واحد، فكان "فؤاد زكريا"  بالنسبة لي هو بارقة الأمل ونافذة الضوء نحو التفكر العلمي والنقد والتنوير.

والدكتور فؤاد زكريا هو أحد رواد الفكر الفلسفي المصري والعربي المعاصر، الذين تميزوا في فكرهم بنزعة تنويرية تحض علي إعمال العقل والتفكير العلمي في نواحي الحياة، ولم تخلو هذه النزعة التنويرية لديه من اتجاه نحو نقد كل الصور السلبية في حياتنا الفكرية . درس الفلسفة لكنه لم يحتفظ بها فى مكتب أو برج، واختار أن ينزل بها مثل سقراط الذى خاض معركة العقل دون حساب للخسائر؛ حيث لم يقتصر في معالجاته على الفلسفة، قديمة أم حديثة، بل راح يناضل ضد التخلف، وينتقد بجرأة وقوة كل الذين انتهكوا حياتنا الثقافية، ومزقوا نسيجنا السياسي، وبعثروا تفكيرنا وقيمنا.. وقادوا مجتمعاتنا إلى المخيال الجمعي الطوباوي بتسميات دينية أو تحزبات أيديولوجية.

ولد الدكتور فؤاد زكريا  في الأول من ديسمبر عام 1927 بمدينة بورسعيد، ودرس فيها، ثم أكمل دراسته فى قسم الفلسفة بكلية الآداب، جامعة القاهرة 1949، ثم نال الماجستير 1952 م عن أطروحته "النزعة الطبيعية عند نيتشه"، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة بجامعة عين شمس عن أطروحته المهمة "مشكلة الحقيقة" عام 1956 م، عمل أستاذاً رئيساً لقسم الفلسفة بجامعة عين شمس حتى 1974 م، عمل أستاذاً للفلسفة ورئيساً لقسمها في جامعة الكويت (1974-1991م)، ترأس تحرير مجلتي «الفكر المعاصر»، و«تراث الإنسانية» في مصر. عمل مستشاراً لشئون الثقافة والعلوم الإنسانية في اللجنة الوطنية لليونسكو بالقاهرة.

وكانت رحلة الدكتور فؤاد زكريا فى رئاسة قسم الفلسفة فى جامعة الكويت التى سافر إليها بعد أو مع كوكبة المثقفين والمفكرين وأهل الفن والثقافة الذين توافدوا على الكويت منذ الستينات، مثل زكى نجيب محمود، وعبد الرحمن بدوى، كانت رحلته هى الأخرى دليلا على أهمية وجود فيلسوف فى بناء الدولة، فلم يكتف برئاسة قسم في جامعة لكنه لعب دورا فى نقل الفلسفة إلى الشارع من جديد، أسس مع تلاميذه وزملائه فى الكويت المجلس الوطني للثقافة مع المثقف الكويتي الراحل الكبير أحمد مشارى العدواني، الذى أصدر عددا من أهم المطبوعات الثقافية في العالم العربي سلسلة عالم المعرفة التى قدمت للمكتبة العربية عدة مئات من كتب العلم والفلسفة والاجتماع وقد أعلن المثقفون فى الكويت امتنانهم لفؤاد زكريا الذى ساهم بفكره الفلسفي فى بناء تيار ثقافي وسياسي أسس لنوع من الديموقراطية جعل الكويت بالرغم من قصر عمرها مميزة بجدال سياسي وفكرى متنوع. ونال زكريا جائزة الكويت للتقدم العلمي وجائزة العويس الإماراتية وجائزة الدولة التقديرية في مصر. وتوفي الدكتور فؤاد زكريا في الحادي عشر من مارس عام 2010م عن اثنين وثمانين عاما بعد صراع مع المرض (حيث وتوار عن المشاركة في الحياة الثقافية في الآونة الأخيرة)، وقد استقبلت الأوساط الثقافية المصرية والعربية نبأ وفاته بحزن شديد.

وله مؤلفات كلها تحمل الفلسفة إلى المثقف العادي وتقدم الفكر فى سياق أكثر رحابة وأوسع مجالا، حيث نشر عدة كتب مهمة عن نيتشه 1956، وعن نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان، 1962، وعن اسبنوزا، (ونال عنه جائزة الدولة التشجيعية في مصر) وكتاب «الإنسان والحضارة»، وكتاب «آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة» عام 1975، وكتاب «التفكير العلمي» 1978، وكتاب «خطاب إلى العقل العربي» 1978، وكتاب «كم عمر الغضب: هيكل وأزمة العقل العربي» 1984، وكتاب «الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة» 1986 وكتاب «الصحوة الإسلامية في ميزان العقل» 1987 وكتاب «آفاق الفلسفة» 1988، وكتاب «الثقافة العربية وأزمة الخليج» 1991، ولقد قام بترجمة عدة كتب منها: كتاب ب. موى: المنطق وفلسفة العلوم «جزآن» 1962، وكتاب «ر. متس: الفلسفة الإنجليزية في مائة عام» 1963، وكتاب «هـ.رايشنباخ: نشأة الفلسفة العلمية»، وكتاب «تاسوعيات أفلوطين» 1970 وكتاب «هـ.ماركيز: العقل والثورة» 1970، وكتاب «أرنولد هاوزر: الفن والمجتمع عبر التاريخ (جزآن)» 1973، وأخيراً كتاب «براتراند رسل: حكمة الغرب»، سلسلة عالم المعرفة، وللرجل جملة كبيرة من المقالات والدراسات المنشورة في أكثر من مكان. وفي هذه الكتابات كانت لغة فؤاد زكريا سهلة وميسرة ومشوقة وقريبة للفهم، وهو يعالج أخطر القضايا التي نعيشها منذ ثلاثين سنة.

كان عالماً موسوعياً يجمع بين الفيلسوف والمثقف الشامل، ورغم الاختلاف معه إلا أن ديمقراطيته فصلت دائما بين الاختلاف واحترامه وتقديره لمصداقية من يختلف معه، تقول الدكتورة ليلي الجبالي في مقاله لها بعنوان" الدكتور فؤاد زكريا.. فى ذاكرة الوطن":" وكثيرا ما كان يتصاعد الاختلاف بيننا إلى قفشات طريفة باتهام كل منا للآخر-دعابة- بالتجمد الفكرى. ورغم عدائه للمرحلة الناصرية فإنه كان يحمل لبعض الشخصيات الناصرية مثل الدكتور أحمد مستجير، وبعض الشخصيات الماركسية واليسارية مثل الدكتور فؤاد مرسى قدراً كبيرا من الاحترام والتقدير. وسوف يذكر له التاريخ أن أهم أهدافه كان إنزال الفلسفة من برجها العاجى إلى شارع الواقع الحياتى بأسلوب شيق فى رصده وتحليله.

كما وصفه الدكتور "سيّار الجَميل" في مقال له بعنوان  فؤاد زكريا.. رحيل رجل المواجهات الصعبة، فقال :" أن الدكتور فؤاد زكريا يمثل آخر سلسلة رجالات المعرفة العربية الذين أثروا حياتنا وثقافتنا العربية على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين.. ولقد عاش الرجل جملة من التحديات السياسية والفكرية والأيديولوجية طوال نصف قرن مضى، أى منذ تخرجه بشهادة عليا عام 1956 وحتى رحيله 2010، لكنه لم يكن صامتاً على تمرير الأخطاء، ولم يكن مراوغاً في التخلص من مواجهة الحقائق، ولم يكن أكاديمياً جامداً على قوالبه.. بل سعى بحيوية ونشاط ليلجم كل الطوباويين الذين يعيشون حياتهم على الأوهام، ويدعو إلى بناء تفكير علمي لا تنازل عنه أبداً. بل ولا حق مشخصاً أزمة كل من الثقافة والإعلام العربيين برده الشجاع على محمد حسنين هيكل في كتاب سماه «كم عمر الغضب»، وفيه يوضح أن هيكل يجسد أزمة الثقافة العربية اليوم.. بل إن زكريا قد تخطى الانتقاد، ونجح في تفكيك نمط لا أخلاقي في التفكير المتشكل على الفوبيا والأكذوبة، وكان فؤاد زكريا يرى أنه خطر جداً على ثقافتنا العربية المعاصرة!

ويستطرد الدكتور سيّار الجَميل فيقول :" لقد كان الرجل راصداً ماهراً لعدة ظواهر تبلورت في زمن يمثل البلادة والغباء، إذ يمثله أناس دعاة وكذبة ومارقون ومنافقون.. وكان محللاً بارعاً، وشارحاً معللاً للأسباب والمسببات.. فهو ينطلق من رؤية محددة وواضحة سماها بـ«التفكير العلمي» إنها الرؤية التي آمن بها، ونجح في إبراز ملامحها وتثبيت أسسها ومرتكزاتها وأساليبها المعتمدة وميادينها الحيوية التي يتحرك في خضمها.. مروراً بأطوارها المهمة التي ينبغي التعرف عليها، ووصولاً إلى فاعليتها ومقدرة نضجها وحل إشكالياتها.. لقد أراد فؤاد زكريا، وبمصداقية تبدو عنده أكبر من عند غيره أن يحمل كل الناس في مجتمعاتنا تفكيراً علمياً، ليس فى تفسير الظواهر الكبيرة، بل فى معالجة كل الجزئيات من أجل انتشال تلك المجتمعات من حضيض الجهل والخرافة، ولم يقل فؤاد زكريا أن التفكير العلمي ينحصر بالضرورة عند العلماء، ذلك إن الأخيرين يفكرون فى مشكلات متخصصة للغاية لا يمكن للآخرين الخوض فيها نظراً لرموزها واصطلاحاتها.. ولكن التفكير العلمي هو تنظيم العقل، وقدرته على الإجابة عن جملة أسئلة، باستطاعة الإنسان إن نجح فى نظام أفكاره أن يجيب عنها... إنها أسئلة يفرضها واقع اليوم الذي يزداد تعقيداً مع مرور الزمن.. وتتضمن مثلاً مجريات حياتنا اليومية وأعمالنا المهنية وعلاقاتنا الاجتماعية وأساليبنا السياسية وإعلامياتنا الحقيقية.. أي باختصار: كيف نتعامل مع محيطنا، إن التفكير العلمي ينبغي أن يكون منظماً، ويبنى على أسس ومبادئ يتم تطبيقها كل لحظة وتغدو منغرسة في الوعي الباطن من دون أن يشعرنا أحد بذلك.. وهنا تلتقي إرادة الناس طواعية من أجل تغيير العقل السائد! إن التوصل إلى حقائق الأشياء لا يتم أبداً بأية وسائل بديلة غير العقل الذي يصقله التفكير العلمي.

ومن هذه الشهادة الرائعة من الدكتور سيار الجميل في حق استاذنا ننتقل للحديث عن معاركه الفكرية، حيث يمكن القول بأن الدكتور فؤاد زكريا قد استخدم أدوات العقل في كل معاركه التي خاضها بشجاعة منقطعة النظير.. وأنه لم يُعر أي أهمية لكل الذين طعنوا فيه وهاجموه واتهموه بشتى التهم.. كان مناضلاً حقيقياً ضد أولئك الأقزام الذين شتموه على المنابر، وضد صانع الأكاذيب ومفبركات التضليل الإعلامي، وضد المستبدين والجهلة الذين يسيطرون على أجهزة الإعلام ويتسلطون على أعمدة الثقافة الهشة! كان ناقداً ومحارباً أي خطاب يحجب الحقائق ويشوه الوقائع ويزور السير والأخبار.. كان ضد أي خطاب يقف بالضد من تقدم الحياة وتمدنها.. دعا إلى العلمانية وقال بفصل الدين عن السلطة والعمل السياسي في مقاله الشهير " الشهير "العلمانية هي الحل"، الذي كتبه ردا على المنادين بأن "الإسلام هو الحل"، كما أنه صاحب كتاب "الصحوة الإسلامية في ميزان العقل"، والذي تضمن انتقادات عنيفة للصحوة والحركات الإسلامية.

وخاض فؤاد زكريا مناظرة شهيرة في نهاية ثمانينيات القرن الماضي بمقر نقابة الأطباء بالقاهرة مع الشيخين محمد الغزالي- رحمه الله- ويوسف القرضاوي (وقد كتب القرضاوي بعد المناظرة كتابا بعنوان "الإسلام والعلمانية وجها لوجه" نقض فيه فؤاد زكريا نقضاً عنيفاً ). ولم تقتصر معارك فؤاد زكريا على الإسلاميين، وإن كان قد خصهم بهجومه الأعنف، لكنه خاض أيضا معارك عنيفة مع المعسكر الناصري، خاصة من خلال كتابه "كم عمر الغضب"، والذي تضمن انتقادات حادة للفكر الناصري، وبالتحديد الصحفي الناصري المعروف محمد حسنين هيكل... ناهيكم عن معارك أخرى خاضها ضد اليمين واليسار من كل التيارات.. لقد انتقد حكم عبدالناصر وانتقد السادات أيام حكمه، لكنه عاد ودافع عنه ضد محمد حسنين هيكل الذي اعتبره ظاهرة خطيرة في ثقافتنا العربية! ووقف ضد فواجع العقل على أيدي الإسلاميين، كما انتقد اليسار لوحده أيام كان اليسار قويا.

أيقن فؤاد زكريا أنّ النقد هو روح الفلسفة وقلبها النابض، وهو الباعث الأساسي لتحولاتها المتتابعة منذ نشأتها العقلية والمنهجية الأولى عند الإغريق حتى صورها وأشكالها المختلفة عند المحدثين والمعاصرين، فقرر أنه لا يمكن أن يكون هناك مفكر أصيل بدون موقف نقدي، فالموقف النقدي هو بمثابة نقطة الانطلاق، كما أنّه ليس ثمة معرفة مقبولة إلا بعد بحث وفحص وتمحيص، فالنظرة النقدية تكون الحافز والدافع للباحث لسبر غور موضوعه، ولولا النظرة النقدية للظواهر الكونية ولفكر السابقين لما وجد لدى الباحثين والعلماء والمفكرين موضوعات للبحث والدراسة، ولأصبح الإنسان تابعاً لا مبدعاً، مقلداً لا مجدداً، وبدون هذه النظرة أيضاً تموت روح الابتكار والإبداع.

وقد انعكست نزعة فؤاد زكريا العقلانية النقدية على آرائه السياسية،  فقد كان أحد المفكرين المؤسسين لمفهوم "الإسلام السياسي"، وذلك في كتابه "الصحوة الإسلامية في ميزان العقل"، ثم في كتابه الآخر "الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية"؛ حيث حاول فؤاد زكريا أن يقيم حواراً فعالاً مع توجهات الإسلام السياسي في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وتحديد الأسباب التي أدّت إلى تنامي وتصاعد حدّة تواجده في تلك الفترة، وفي سعيه إلى تفكيك فكره، أرجع انتشاره إلى "واقع التخلف الذي يعيشه العالم الإسلامي"، وانتشار الإسلام الطقوسي الذي يهتم بالمظهر، والفصل بين الرجل والمرأة، والتحريمات، والمخاوف الجنسية، بغضّ النظر عن المضمون السلوكي والاجتماعي الكامن وراءه ؛ كما ينظر فؤاد زكريا إلى دعوة الإسلام السياسي للجمع بين الدين والدولة؛ بأنّها رؤية لاتاريخية، تؤدّي إلى اغتراب الإنسان عن الزمان والمكان الذي يعيش فيهما؛ فالإسلام السياسي ينظر إلى التاريخ نظرة دائرية ارتدادية، ترى أنّ المستقبل لا يتحقق إلا بالماضي المجيد، في حين أنّ النظرة التقدمية للتاريخ والزمن تركّز على كون التاريخ يسير في خطّ مستقيم، ولهذا كان من الضروري مراعاة المستجدات التي تحدث في المجتمع، والتعايش مع هذه المستجدات بأطروحات مستقبلية، لا أطروحات ماضوية ارتدادية (وذلك حسب ما قاله الدكتور أحمد سالم في مقاله :هكذا فكّك فؤاد زكريا فكر الإسلام السياسي).

وإذا تتبعنا المعارك التي خاضها فؤاد زكريا سنحصل على القاعدة الذهبية التي تشكّل الخيط الناظم لفكره كله، والتي تصلح شعاراً مع ذلك على صيغة شعار "ميشيل فوكو" (لا تقع في هوى السلطة): لا تقع في هوى المحاكاة، فلا يُمكننا أن نظل إلى الأبد مقلدين محاكين نساير الآخرين ونمسك بذيل تطور لم نصنعه، ولا يمكن أن نجتر ما أنجزه الأجداد ونكون عبئاً عليهم.

وعلى هذا الأساس اقترح فؤاد زكريا صيغة "الإبداع والاتباع" كبديل معقول لصيغة "الأصالة والمعاصرة" المُضلِّلة، والصيغة الجديدة هذه إذا تمعنا النظر إليها سنجد أنها تحرم العلمانيين من معصوميّة الاتهام بالتخلف التي فُصلِّت على مقاس الإسلاميين؛ فزكريا يؤكد أن اتباع حضارة متفوقة هو مظهر واضح من مظاهر التخلف.

وفي الختام يمكن القول (كما قال الدكتور سيار الجميل): لقد نجح فؤاد زكريا فى أن ينزل الفلسفة من أقفاصها العاجية إلى حيث الميادين العامة، وأعتقد أنه كان يتابع حركات الفلاسفة الجدد في فرنسا، ويتعلم من خطواتهم الحثيثة وتطبيقها في دولة الكويت ودوره في إنجازاتها الثقافية الكثيرة، مترجما ومؤلفا من نوع خاص.. فضلا عن حواراته الممتعة ومعالجاته النقدية لمشكلات الفكر والثقافة والحياة. لقد رحل فؤاد زكريا، والتحق بركب الراحلين من الأساتذة العرب المتميزين من جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية.. رحل بعد أن أشعل شموعا وضاءة تنير الطريق للأجيال القادمة، وتعلمهم كيف نخوض المعارك بالمنطق والحجج العلمية وبالأدلة والبراهين القوية الدامغة.. وسواء اقتربنا من الأشخاص أو من الأفكار، فينبغي أن تكون الحرية ويكون العقل من الأسس التي لا يمكن أن نتنازل عنها أبدا إزاء كل المشعوذين والكذابين والدجالين.. إزاء كل المستبدين والطغاة.. إزاء كل الطوباويين والشعاراتيين والمؤدلجين.. علينا بالعقل وبالتفكير العلمي أداة لحل كل المشكلات، وأن العقل لا يعمل بحرية أبداً إن لم يجد الإنسان الذي بإمكانه أن يحركه بكل أمانة وعلم وحيادية وموضوعية كي يتم تغيير العالم، فهل استوعبنا درس الراحل الكبير فؤاد زكريا؟.

تحيةً للدكتور فؤاد زكريا، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته فى تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.. فأطلقوا عليه فى حفل تأبينه (الفيلسوف الأبرز فى القرن العشرين مكملاً لطه حسين).

وتحيةً مني لرجل  لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمد السعدينحن لا نملك أسلحة التدمير الشامل، وسيثبت التاريخ صدقي . هذا التصريح الخطير، الذي أعلن عنه أحد بناة القوة العلمية الهندسية العراقية في مطلع ستينيات وسبعينيات القرن الماضي الفريق عامر السعدي، في لحظة حرجة من تاريخ العراق السياسي، والتي شكلت لاحقاً مفصلاً خطيراً على مستقبل وطن وأرض وشعب .  

 في يوم ١٢ نيسان ٢٠٠٣ في بغداد المحتلة سلم نفسه العالم عامر السعدي الى قوات الاحتلال الامريكية بعد ما ظهر أسمه في قائمة أكثر العراقيين المطلوبين، وترتيبه السابع في الفئة الماسية من شدٌة لعبة الأوراق سيئة الصيت، أنه الرقم ٣١ . كان عامر السعدي مستهدف من أكثر من جهة مخابراتية لتصفيته بأعتباره من أحد رموز العراق العلمية، فذهب وسلم نفسه الى قوات الاحتلال، وطلب من محطة التلفزيون الالمانية (ZDF) في مرافقته وتصوير أستسلامه مع زوجته الالمانية الاصل هيلما السعدي، وأعلن أمام الكاميرا رسالته الواضحة الى العالم كذب وأدعاء الادارة الامريكية في أمتلاك العراق أسلحة دمار شامل لغرض أحتلاله وتدميره، وأضاف أنه لم يشعر بالندم بأي شكل من الاشكال، كنت أخدم شعبي ووطني، وسأبقى طالما بقيت حياً. كتب قبل بدأ الغزو بيومين رسالة الى رئيس المفتشين الدوليين (رولف إكيوس)، السويدي الأصل، يعلن بها موقفه الرسمي من أحتلال العراق وكذبة أمتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل لغرض أجتياحه وتدميره .

ويعترف البرادعي أحد عرابي الاحتلال وتدمير البلد في مذكراته لاحقاً أن أستنتاجنا الأولي بصدد الأسلحة النووية كان صحيحاً، لأنه لم يكن لعامر السعدي سبب للكذب . ويضيف معلقاً على رسالة عامر حمودي حسن السعدي كانت أدانة صارخة تجاه كذب أدعاءتنا . والسعدي الذي ينتمي الى أعرق الأسر الشيعية، ولد يوم ٥ أبريل العام ١٩٣٨، ودرس الكيمياء في المانيا ونال شهادة الدكتوراه في لندن، قاد أصعب المفاوضات السياسية العلمية في تاريخ الأمم المتحدة من أجل أنقاذ بلده من الاحتلال . اليوم يعاني من شلل تام في مدينة (هامبورغ) الالمانية ويحظى برعاية خاصة من زوجته الالمانية هيلما السعدي، تزوجا العام ١٩٦٨ بعد علاقة حب عاصفة، وطرد من الجندية لزواجه من أجنبية، وأعيد له الاعتبار في السنوات الاخيرة قبل الاحتلال برتبة فريق في  سلك الجيش العراقي، لحاجة العراق له في البناء والعلم والتطور، وهو من ساهم بأعادة بناء مشاريع الماء والكهرباء والمجاري والجسور بعد أن دمرتها غارات الطائرات الحربية للعدوان الثلاثيني على سيادة العراق بذريعة نظام دكتاتوري وقائد أرعن والتي بلغت مئة ألف غارة على العاصمة بغداد في مطلع التسعينيات، وتم أعادتها بوقت قياسي وبكلفة ٢٠٠ مليون دولار مما عجز عن تحقيقة خلال ١٧ عاماً ساسة العراق الجدد . لعبت زوجته دوراً مهماً في أطلاق سراحه من زنزانته الفردية في بناية المطار من خلال اللقاءات والمناشدات الى المؤسسات المدنية ومنظمات المجتمع الدولي . وأنجبت له ثلاثة أبناء ولدان قيس وعدنان وبنت ميريام .  

يذكر ذلك جعفر ضياء جعفر، ونعمان النعيمي في كتابهما المشترك (الاعتراف الأخير) .

ويعرض الباحثان (حقيقة البرنامج النووي العراقي) الذي ساهما فيه مع أكثر من 8 آلاف عالم ومهندس وتقني يمثلون النخبة العلمية والفنية للبلد.

أسماؤهم وألقابهم وتخصصاتهم تعكس فسيفساء الأديان والأعراق والمذاهب والطوائف والجامعات والأكاديميات التي أعدت آلاف الكفاءات العراقية.  والتقى في (البرنامج الوطني) هدف تحقيق (الكتلة الحرجة) والتي تعني بلوغ (المادة الانشطارية) اللحظة اللازمة لإدامة الــــتفاعل المتسلسل للمفاعل النووي، والتي تغذي نفسها ذاتياً، علمياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً، وتنقل العراقيين إلى المكانة التي يستحقونها في مصّاف الدول المتطورة .

أستغرب بأندهاش ساكني الحي الهاديء وجيران العالم العراقي عامر حمودي حسن السعدي أثناء أقتحام بيته من قبل الشرطة السرية الالمانية بعد أحتلال العراق حول مكانة ودور هذا الرجل بما كان يتمتع به بالمقابل من تواضع وعلاقات طيبة مع أهالي حييه وجيرانه، وهو يشغل هذا المركز المهم والدور الذي يضطلع به كبير المفاوضين العراقيين مع هيئات المجتمع الدولي (أمريكيا)، لانقاذ العراق من محنته، والتي أدت به في نهاية المطاف بتدميره . في تغريده سابقة للشاعر سعدي يوسف أعتبره (أسطورة عراقية وطنية).

أقتربنا بمرور ١٧ عاماً على أحتلال العراق، ومازالت هناك أسرار لم تظهر بعد على حجم التأمر والتدمير الذي لحق بالعراق والعراقيين، والدور المخابراتي القذر الذي لعبته ما يسمى لجنة المفتشين الدوليين في تسويق مشروع الحرب على أدعاءات غير واقعية كذبة أمتلاك العراق أسلحة دمار شامل، ولم تبادر أي جهة سواء، كانت عراقية أو عربية رسمية أو أهلية في أستنطاق العالم الفريق السعدي في مطرحه بمدينة (هامبورغ) الالمانية حول ما حدث، كان بمثابة زلزال هز أرض المنطقة برمتها وبأعتباره من كبار المفاوضين العراقيين ومسؤول الملف النووي ومستشار علمي لصدام حسين، فهو خزين أسرار ومواقف تشكل جزء مهم وفعال من تاريخ العراق السياسي (العلمي) .

نشر في جريدة الزمان العراقية  في يوم ٧ أيار لسنة ٢٠١٩ مادة بعنوان  (لا تُعجِّل بالرحيل يا عامر السعدي) لمحمد كامل عارف . 

(زوجي الدكتور عامر السعدي مريض جداً ولا يستطيع قراءة مقالاتك، لذلك آسف لأن أسألك رفع اسمه من قائمة بريدك، وشكراً، مع التقدير الكريم، وأطيب التمنيات بالعيد السعيد. هيلما السعدي).

لم أصدق هذه الرسالة المقتضبة بالإنكليزية، رغم أنها مرسلة من العنوان الإلكتروني الشخصي الذي أتراسل عبره مع السعدي منذ غادر العراق...

وكيف أصدق ذلك، وأنا أتوقع منه في كل وقت رسالة عن سير العمل في مذكراته التي تتناول أخطر الصفحات المجهولة في تاريخ العراق الحديث) .

فكرة الملف النووي العراقي، ليست جديدة، حيث وضعت اللبنات الأولى لها في زمن النظام الملكي في مطلع الاربعينيات من القرن الماضي، وفي رحيله يوم ١٤ تموز ١٩٥٨، وضع الزعيم قاسم في أولويات أهتماماته، لكون موقع العراق المهم والمحصور بين دولتين من الشرق أيران (الشاه)، وعلاقاته الدوليه وسعي الدائم لبناء منظومة صواريخ متطورة، ومن الغرب أسرائيل وأمتلاكها الرؤوس النووية وصراعها مع الجيران وأحتلال فلسطين، لم تكن أمكانيات العراق أنذاك على كافة الأصعدة كافية ولا تسمح له بتطوير تلك الاسلحة بالسرعة حتى البطيئة . في مطلع السبعينيات ومجيء حكومة البعث وتأميم النفط وتدفق عوائده اليومية، أستفاد منها حكام العراق لبناء مفاعل نووي عراقي بخبرات أوربية وبملاكات محلية وطنية من علماء وخبراء، الذين بعثوا للدراسات بخصوص هذا الشآن، لكن حكومة البعث أساءت في أستثماره، حيث جيٌر سياسيا مما تحول الى شؤوم وأساءة الى البلد وأهله، ودفع العراقيين ثمناً كبيراً في حياتهم وعيشهم جراء سوء أستخدام هذا الملف.. الملف النووي العراقي .

 

محمد السعدي

 

909 الطيب تيزينيتوفي المفكر السوري طيب تيزيني بعد صراع مع المرض عن عمر يناهز 85 عامًا، في مسقط رأسه ومدينته حمص وسط سوريا.
ونعت عائلته إلى جانب مجموعة من المثقفين السوريين تيزيني، الذي يعتبر واحدًا من كبار المفكرين في العصر الحالي، في وقت متأخر من ليلة الجمعة 17 من أيار.
ولد طيب تيزيني في مدينة حمص سنة 1934، وحصل على درجة الدكتوراه في ألمانيا سنة 1967، ودرس الدكتوراه في العلوم الفلسفية سنة 1973.
ويعود مؤلفه الأول لعام 1971، وهو “مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط”، الذي نشره باللغة العربية.
وله مؤلفات كثيرة على رأسها “من التراث إلى الثورة- حول نظرية مقترحة في التراث العربي” 1976، و”الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى، مشروع رؤية جديدة للفكر” والذي نشره عام 1982

الكثير من المؤلفات الخاصة بطيب تيزيني هي مشاريع فكرية صادرة ضمن سلاسل.
نشر التيزيني خلال حياته مئات الدراسات حول قضايا الفكر العربي والعالمي، وشارك في المؤتمرات العربية والإقليمية والدولية والعالمية.
انتخب عام 2001 عضوًا في لجنة الدفاع عن الحريات في الوطن العربي بالعاصمة المصرية القاهرة، وأسهم في نهاية عام 2004 بتأسيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان (سواسية).
اختير تيزيني واحدًا من أهم مئة فيلسيوف في العالم، سنة 1998، وفق تصنيف مؤسسة كونكورديا الفلسفية الألمانية الفرنسية.
والدكتور طيب تيزيني (1934- مايو 2019[1]) هو مفكر سوري، من أنصار الفكر القومي الماركسي، الذي يعتمد على الجدلية التاريخية في مشروعه الفلسفي لإعادة قراءة الفكر العربي منذ ما قبل الإسلام حتى الآن.
و مشروعه الهام من التراث الى الثورة يقدم برقت مبكر اعادة جرد لحساب الخط الجدلي و صراعه مع الخط المحافظ و الجامد في شروط تكوين العقل و التعبير الاجتماعي عند العرب.
يجمل المرحوم البنود الأساسية لمشروعه الجديد بالنقاط التالية:
١- انه غير مطلق و لم يبدأ من نقطة الصفر.
٢- الحدود التاريخية للمشروع توجه حركته و منطلقاته على المستوى النظري و المنهجي.
٣- الفكر العربي حقل بكر جاهز للتنقيب بسبب تراكمات المعتقدات السلفية و دورها في اخفاء الحقيقة.
و يضيف: ان الطبقة المهيمنة من الكومبرادور التجاري و العسكري هي التي حولت تراثنا لمراحل صامتة. و علينا ان نحفر في هذا المجال واضعين بعين الاعتبار تمييز المجتمعات الطبقية عن المجتمع اللاطبقي الاشتراكي.
ويخصص الدكتور تيزيني مؤلفا كاملا لنقد التصورات البنيوية للعقل العربي، عموما، ولتصورات الدكتور محمد عابد الجابري خصوصا، هو(من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي – بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية). وذلك لأنه يعتبر أن هذه التصورات، نظرا لشيوعها وانتشارها، تمثل أحد العوائق الأساسية لفكر النهضة العربية. وهو ينقض أساسها الفكري والمتمثل في التصورات البنيوية غير التاريخية للعقلية العربية المبنية على تصورات صورية منطقية منقطعة عن الواقع. كما ينقض تحليلاتها المتعددة.
القضية الثانية التي واجهها الدكتور تيزيني هي كيفية قراءة الفكر الديني عموما، والقرآن خصوصا. في حوار بعنوان "الإسلام والعصر – تحديات وآفاق" بالاشتراك مع الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، يطرح تيزيني موقفه من هذه القضية. فيطرح أولا، تصوره وتحليلاته للتعددية في قراءة القرآن وفهمه.
ولعلنا نلاحظ أن تحديد (الوجه الحسن) للقرآن الكريم ليس مهمة نصية ذاتية يتفق عليها الفقهاء أو يختلفون، دونما أخذ الجديد الفتي والعتيق الهرم من التطور التاريخي البشري بعين الاعتبار.
ومن شأن ذلك ألا يسمح بالقول: إنه "حين يكون الواقع مناقضا للإسلام فإنه لا يجوز تأويل الإسلام حتى يتفق مع الواقع لأن ذلك تحريف للإسلام".
وإذا وضعنا في اعتبارنا أن في القرآن الكريم حوالي ستة آلاف آية "ليس منها مما يتعلق بالأحكام إلا نحو مائتين (وأن) بعض ما عده الفقهاء، آيات أحكام لا يظهر أنها كذلك"، اتضح لنا أن هذا الكتاب (أي القرآن) هو – في أساس الأمر – "كتاب هدى ورحمة وبشرى وموعظة واطمئنان للمسلمين"...إنه كتاب مودة وأخلاق، يقول كل شيء ولا يقول شيئا، ولكنه يترك للبشر أن يضبطوا مفهومي المودة والأخلاق ويجعلوا منهما حالة تحفل بالحياة البشرية المشخصة؛ وإنه كتاب معاملات وأحكام وعقائد، ولكنه لا يملي على البشر كيف يفهمون – بالمعنى الدلالي – ذلك ويدرجونه في منظوماتهم الأيديولوجية والقيمية إدراجا وظيفيا، وبحدود العلاقات الاجتماعية السائدة، وتحت مفعول الإرث السوسيوثقافي والاعتقادي والجمالي والنفسي، إضافة إلى الشرط الإثني (الأقوامي) والحضاري الفاعل في حينه؛ وإنه كتاب عدالة ومساواة، ولكنه يترك للناس أن يحددوا ذلك ويضبطوه وفق شروطهم الاجتماعية التاريخية والمعرفية؛ وهو كتاب يحث على التقدم الاجتماعي والعلمي، ولكنه يقر – في ضوء قراءة محددة له – بآليات وقانونيات هذه العملية الخاصة ويدع العلماء والمختصين أسيادا في مجالهم هنا..ألخ.
أما القضية الثالثة التي يعالجها الدكتور تيزيني فهي الشروط اللازم تحققها لتحقيق النهضة. ولأن أحد هذه الشروط، من وجهة نظره، ظهور إنتاج فلسفي عربي جديد، يطرح الدكتور تيزيني في "أفاق فلسفية عربية معاصرة" بالاشتراك مع الدكتور أبو يعرب المرزوقي تصوراته بخصوص احتمالات مثل هذا الإنتاج الفلسفي العربي.
ولد الدكتور طيب تيزيني في حمص عام 1934، تلقى علومه في حمص ثم غادر إلى تركيا بعد أن أنهى دراسته الأولية ومنها إلى بريطانيا ثم إلى ألمانيا لينهي دراسته للفلسـفة فيها ويحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة عام 1967 أولاً، والدكتوراه في العلوم الفلسفية ثانياً عام 1973، عمل في التدريس في جامعة دمشق وشغل وظيفة أستاذ في الفلسفة حتى وفاته.
وقد شارك في العمل السياسي قبل سفره خارج سوريا للتعليم، يوجز هذه المشاركة في حوار له بجريدة الراية كما يلي: "في الحقيقة هنالك بعض الجذور التي تشدني إلي السياسة فكراً وممارسة، فلقد أسهمت في بعض الأحزاب اليسارية التي نشأت في سوريا لفترة زمنية كنت بعدها أعود إلي العمل الفكري خصوصاً بصيغة الفكر السياسي، لذلك فالتجارب التي عشتها في أحزاب سياسية معينة كانت تقدم لي تجربة عميقة، سعيت وأسعى إلي التنظير لها في إطار الفكر السياسي العربي، وقد تعمق هذا الاتجاه لدي حين لاحظت ضرورة العودة إلي الفكر السياسي العربي في التاريخ العربي علي نحو العموم، فكتبت مثلاً بعض كتاباتي التي امتزجت باهتمام عميق بالسياسة وبالفكر السياسي" (حوار - الراية).
حصل الدكتور طيب تيزيني على درجة الدكتوراه من ألمانيا عام 1967 في أطروحة معنونة "تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة" والتي نشرت بالألمانية عام 1972. ثم حصل على الدكتوراه في العلوم الفلسفية عام 1973. وقد تبلورت أطروحته باعتبارها نواة لمشروع فلسفي عند نشر كتابه الأول باللغة العربية وهو "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط" عام 1971 الذي طبع بعد ذلك خمس طبعات. حول الدكتور تيزيني بعد ذلك أطروحته إلى مشروع متعدد المراحل مكون من 12 جزءا، في هذه المرحلة أنجز أعمالا منها "الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى" (1982)، و"من يهوه إلى الله" (1985)، و"مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر" (1994). وقد أنجز الدكتور تيزيني ستة أجزاء من هذا المشروع قبل أن يتحول إلى التركيز على قضية النهضة. وتركزت المرحلة الثانية في فكر الدكتور تيزيني، والتي بدأت تقريبا عام 1997، على معالجة عوائق النهضة العربية سواء في فكر الذات أو تلك الناتجة عن الحضارة الغربية. وفي هذه المرحلة أنجز أعمالا منها "من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي" (1996)، و"النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" (1997)، و"من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني" (2001). ويمكن القول بوجود سمتين هامتين أساسيتين للتحول الفكري في مسار الدكتور تيزيني، على الرغم من احتفاظه بالفكر الماركسي كمرجعية فلسفية. الأولى هي التخلي عن الطرح الماركسي التقليدي القائل بأن عملية التحول المجتمعي تقوم على صراع الطبقات، واستبدالها بالاعتماد على الطيف الواسع للمجتمع ككل. والثانية هي استبدال استبعاد الفكر الديني الإسلامي من عملية التحول المجتمعي، الذي هو جزء طبيعي من الفكر الماركسي، بأهمية فهم التجربة الدينية الإيمانية من الداخل وتأثيرها في إنجاز التحول المجتمعي.
صدر أول كتاب له باللغة الألمانية عام 1972 بعنوان” تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة” وقد جرى اختياره واحداً من مئة فيلسوف في العالم للقرن العشرين عام 1998، من قبل مؤسسة Concordia الفلسفية الألمانية الفرنسية.
ثم توالت اصداراته ومن أهمها:
-مشروع رؤية جديدة للفكرالعربي في العصر الوسيط
-روجيه غارودي بعد الصمت
-من التراث إلى الثورة
-حول نظرية مقترحة في قضية التراث العربي
-الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى
-من يهوه إلى الله (جزأين)
-مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر
-النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة
-من اللاهوت إلى الفلسفة العربية الوسيطة (جزأين)
-في السجال الفكري الراهن
-فصول في الفكر السياسي العربي
-من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي
-بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي
-الإسلام والعصر (مشترك)
-نحو فلسفة عربية معاصرة
-على طريق الوضوح المنهجي
-من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني
-بيان في النهضة والتنوير العربي
-حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث.

 

910 فوزي كريمودّع المشهد الثقافي العراقي والعربي الشاعر فوزي كريم الذي صارع المرض طويلاً لكنه واجه مصيره المحتوم  ليلة الخميس المصادف 16 مايو 2019 إثر أزمة قلبية حادة لتخسر الثقافة العربية علامة فارقة ومضيئة بدأت حضورها الشعري في أواسط الستينات من القرن الماضي، ثم توزعت اهتماماته الأدبية لتشمل القصة القصيرة، والنقد الأدبي، والتشكيلي، والموسيقي. كما كان رسامًا مثابراً، وصحفيًا متميزًا أغنى الصحف والمجلات التي عمل فيها أو رفدها بالعديد من مقالته الرشيقة المتفردة.

برز فوزي كريم كواحد من شعراء الستينات في العراق، وكان يتميز منذ البداية بتعدد اهتماماته الثقافية والفنية التي كانت تغذّي قصائده بنبرة مختلفة، ونكهة متميزة أخرجته عن النمط الشائع من القصائد الستينية، ولعل المتابعين لتجربته الشعرية يعرفون من كثب أهمية الصورة التشكيلية، والإيقاع الموسيقي القادم من خارج النص الشعري، والأهمّ من ذلك أنّ فوزي كريم كان صانع أفكارٍ لافتة للانتباه سواء في القصيدة التي يكتبها أو المقالة التي يدبّجها حتى ليشعر القارئ بأنه أمام منجم أفكار وليس خطرات فنية ترد هنا وهناك. أنجز كريم العديد من المجموعات الشعرية التي ظلت مستقرة في أذهان القرّاء والنقّاد والمتابعين لتجربته الشعرية التي أخذت حيّزها المهم في المشهد الشعري العراقي والعربي رغم عدم ميله للأماسي  الاحتفائية والمهرجانات، ولكنه كان يلبّي بعض الندوات الشعرية والثقافية التي تُنظم له من قبل بعض المؤسسات الثقافية العراقية والعربية في لندن ويتحفنا بقراءة نماذج من أشعاره، أو محاضرة من محاضرته عن الموضوعات التي تشغله مثل "كلكامش" أو الموسيقى الكلاسيكية التي يحبها، ويكتب عنها مقالات نقدية شديدة التركيز في المعلومة، والمقاربة النقدية، وطريقة التناول. مَنْ من المتابعين للمشهد الشعري العراقي لا يتذكر "عثرات الطائر"أو "مكائد آدم" أو "لا نرث الأرض"؟ هذه المجموعات وأخرى غيرها تذكّرنا بحلاوة الصورة الشعرية عند فوزي كريم، وطلاوة المفردة المنتقاة التي تتساوق ضمن الجملة التي يكتبها الشاعر بعد تأمل طويل، فثمة مساحة للأفكار، والمشاعر، والخلجات الإنسانية في شعره الذي يصمد أمام تقادم السنوات. ربما تكون "قارات الأوبئة" فنارًا تهدي القرّاء إلى ساحل القصيدة التي تحفر في أعماق القارئ، وتترك فيه أثرًا لا يُنسى بسهولة، وهذا الأمر ينسحب على "قصائد من جزيرة مهجورة" و"السنوات اللقيطة"و"آخر الغجر"، وتمتد من دون شك إلى "ليلُ أبي العلاء" الذي يشترك معه في شعر الفكرة أو النص الثقافي العميق الذي يتواشج مع القصيدة الذهنية أو الفلسفية التي يطوّعها في قصيدته التي تغوص في أعماق الإنسان، وتستهدف بصره وبصيرته وحزمة مشاعره الإنسانية المتأججة. تحتاج دواوين الشاعر فوزي كريم إلى دراسات تفصيلية معمقة تستغور ثيماتها الرئيسة والفرعية وما هذا الكلام سوى إشارات خاطفة تدلّ القارئ على كنز شعري لمبدع فذّ أخلص للقصيدة، وتفانى من أجل مشروعة الشعري المتفرد.

يندر أن تجد مثقفًا عراقيًا لم يقرأ "مدينة النحاس" التي خلقت بصمته القصصية مثلما خلقت دواوينه صوته الشعري الذي يومئ إليه أينما حلّ وارتحل. فبعد تخرجه من قسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة بغداد، غادر العراق عام 1969 وأصدر مجموعته الشعرية المعنونة "أرفع يدي احتجاجًا " ثم عاد إلى بغداد عام 1972 ليغادرها من جديد عام 1978 إلى لندن، المدينة التي يحلم بها العديد من الأدباء والفنانين العراقيين، ولعل مدينة الضباب هي التي حرّضته على الموسيقى الكلاسيكية بشكل أكبر مما كان يسمعه في بغداد، وأثرتْ ذائقته الفنية طوال حياته التي بلغت 74 سنة وزّعها بالتساوي على الفنون القولية وغير القولية. ومثلما كان يرتاد صالات الفن التشكيلي ويتأمل جديد الفنانين التشكيليين البريطانيين والعرب والأجانب، كان يستمتع بمشاهدة الأفلام السينمائية، وخاصة الجادة والتجريبية منها، فالسينما هي أم الفنون، وليست فنًا سابعًا فقط.

كان فوزي كريم ينقد الشعر ويُنظِّر له، يشترك في البيانات الشعرية أو يكتبها بنفسه بعد أن يقع عليه الاختيار. وبما أن موجة الستينات قد أثارت جدلاً لم ينقطع حتى اللحظة فلابد أن يكون القِدحْ المعلّى، فهو "ابن بَجدتها" كما يقال. لذا كتب عن هذه الموجه بعد عدة عقود متأملاً إيّاها بنظرة العارف بالأمور الثقافية، والخبير بها فأصدر كتابه الإشكالي الجميل، والمثير للجدل وهو " ثياب الامبراطور: الشعر ومرايا الحداثة الخادعة" الذي صدر عن دار المدى عام 2000 ثم تبعه بـ "تهافت الستينيين: أهواء المثقف ومخاطر الفعل السياسي"، وما بينهما أصدر "العودة إلى گاردينيا"و"يوميات نهاية الكابوس" وكلها صدرت عن الدار نفسها لأنها كانت وفيّة للمثقفين العراقيين وخاصة اليساريين منهم الذين منحوا الحياة العراقية نَفَسًا إنسانيًا جديدًا لم نألفه من قبل.

أشرنا إلى أنّ الشاعر فوزي كريم كان رسّامًا وقد أقام عدة معارض متباعدة زمنية لكنه لم يجد بُدًا من تفريغ بعض هواجسه القلقة، ومشاعره الداخلية المُحتَبَسة على الورق والكانفاس مُبتعدًا قدر ما يستطيع عن الرسم الكلاسيكي مُحاورًا متلقيه بلغة تشكيلية جديدة يتابعها بنفسه في أروقة المتاحف وصالات الفن التشكيلي، ويكتب عنها مقالات مكثفة في أعمدته الصحفية الكثيرة كان آخرها "المتحف الخيالي" و"البرج العاجي" قبل أن يترجل منه ليلة أمس المُفجعة لكل مثقف إنساني نبيل لأنه كان أقرب إلى الأيقونة الجميلة التي تبتسم لكل المثقفين في العالم.

قد لا يكون الراحل متخصصًا في الموسيقى الكلاسيكية أو الحديثة، ولكنه مستمع من طراز رفيع لا يضاهيه إلاّ الكاتب الراحل نجيب المانع، المُدمن هو الآخر على سماع الموسيقى، والكتابة النوعية عنها وقد أثرى المكتبة العربية ببعض الإصدارات المهمة في هذا المضمار.

على الرغم من قلّة محاضراته وندواته في السنوات العشر الأخيرة التي لازمه فيها المرض إلاّ أنه لم يكن يبخل علينا بالموافقة على مشاركته في تقديم بعض المحاضرات التي كشفت عنه كباحث متمرس يعتمد المصادر والمراجع العربية والإنجليزية الكثيرة مثل محاضرته الموسومة عن "ملحمة كلكامش" التي قدّم فيها قراءة مختلفة عمّا هو سائد ومعروف، ومردّ ذلك، بحسب ظني المتواضع، إلى قدرته على اصطياد الأفكار، وتقديمها على طبق من ذهب إلى القارئ أو المستمع الذي يترك مشاغله جانبًا ويأتي إلى الندوة الفكرية أو الفنية أو الثقافية التي يقدّمها هذا المثقف العراقي الذي قدّم لنا زادًا ثقافيًا متنوعًا لن يغادر ذاكرة المتلقين بسهولة.

 

عدنان حسين أحمد

 

محمد فتحي عبدالعالفي العصور المملوكية بلغت العناية بالتجهيز  لشهر رمضان والأحتفال به  درجة هائلة لا يضاهيها عصر أخر من  حيث المظاهر الرمضانية المميزة بالفخامة والابهة والاسراف ومع بدايات رمضان كانت  أقدام  المصريين تتجه  بهم نحو "الخوانق" أو بيوت الصوفيين، والتي كانت تمثل أكبر منازل الاحتفاء الديني برمضان، يحتشد فيها الصوفيون لأداء الصلوات الخمس والتراويح وقراءة القرآن في خشوع واجلال يخطف الأنظار والقلوب . ومن اشهرها خانقاة سعد الدين ابن غراب  وبحسب طبيعة هذه العصور كانت بيوت الله تبني بأموال حرام ومع ذلك كانوا يبنونها طمعا في الجنة!! وابن غراب بحسب  أحد معاصريه "كان  غداراً، لا يتوانى عن طلب عدوه ولا يرضى من نكبته بدون إتلاف النفس، فكم ناطح كبشاً وئل مكانة وعالج جبالاً شامخة واقتلع دولاً من أصولها الراسخة، وهو أحد من قام بتخريب إقليم مصر برفعه سعر الذهب.."

لم يكن الناس علي قلب واحد فيما يتعلق  بمسألة الألتزام بالصيام في رمضان فقد كانت النساء البدينات - وهو الذوق المطلوب في هذه العصور- يتجنبن الصيام  خشية فقد أوزانهن وخاصة  الأبكار منهن !! حيث كن يتعاطين وصفة بلدي مكونة من أكل الطين والطفلة الطينية مع بعض الادوية من العطار حتي يزدادو وزنا  ومن الطريف أن  نائب السلطان برقوق الأمير كَمشبُغا في شهر رمضان سنة 784هـ حينما وجد النساء يرتدن المقابر بثياب واسعة الأكمام فقد عين من يقطع لهن هذه الأكمام الواسعة !!!

كان  المماليك أول من خصصوا في حجج أوقافهم العقارات والأطيان الزراعية لينفق ريعها  في إقامة الشعائر الدينية وتوزيع الحصص المالية  علي الفقراء وطلبة العلم والمساجد طوال أيام رمضان .وقد كان لشهر رمضان العديد من  المظاهر والخصائص المميزة  في العصر المملوكي والتي منحته نكهة خاصة .. و أولي هذه  الخصائص والمظاهر :طريقة أستطلاع هلال رمضان حيث يجتمع قاضي القضاة و الفقهاء لرؤية الهلال عبر منارة مدرسة المنصور قلاوون بالنحاسين فأذا تثبتوا  عادوا وبصحبتهم  أرباب الحرف والطوائف متهللين و حاملين الفوانيس والشموع لتتزين القاهرة بمجيئهم بأزهى حلة فقد جاء رمضان و يصف الرحالة  ابن بطوطه هذا المشهد وقد زار مصر في عهد السلطان  الناصر محمد بن قلاوون وذلك  مع دخول شهر رمضان حيث نزل عند قاضي مدينة أبيار (عز الدين المليجي الشافعي) قائلاً: (وعادتهم فيه أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان بدار القاضي، ويقفُ على الباب نقيب المتعمّمين، وهو ذو شارة وهيئة حسنة، فإذا أتى أحد الفقهاء أو الوجوه تلقّاه ذلك النقيب ومشى بين يديه قائلا: بسم الله. سيدنا فلان الدين! فيسمعُه القاضي ومن معه فيقومون له، ويجلسه النقيبُ في موضع يليق به، فإذا تكاملوا هنالك ركب القاضي وركب من معه أجمعين وتبعهم جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والعبيد والصبيان، وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مرتقبُ الهلال عندهم، وقد فُرش ذلك الموضع بالبُسُط والفُرش فينزل فيه القاضي ومن معه فيرتقبون الهلال ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب، وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس، فيكون ذلك دليلًا على ثبوت الرؤية ويوقِدُ أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون، هكذا فعلهم كل سنة) .  ثم يجلس السلطان علي كرسيه بالقلعة  حيث يتوافد عليه المهنئون وفي طليعتهم القضاة الأربعة الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة وكبار رجال الدولة ويمكننا أن نري هذا المشهد أكثر  مع حوليات عام 920هـ مع وصف المؤرخ محمد بن شهاب الدين بن إياس في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" لموكب الرؤية في عهد السلطان قنصوه الغوري قائلاً: (وأما في ليلة رؤية الهلال فحضر القضاة الأربعة إلى المدرسة المنصورية، وحضر الزيني بركات بن موسى المحتسب، فلما ثبتت رؤية الهلال وانفض المجلس ركب بركات من هناك. فتلاقاه الفوانيس والمنجانيق والمشاعل والشموع الموقدة، فلم يحص ذلك لكثرته. ووقدوا له الشموع على الدكاكين وعلقوا له التنانير والأحمال الموقدة بالقناديل من الأشاطيين إلى سوق مرجوش إلى الحباشية، إلى سويقة اللبن، إلى عند بيته). ثم يتوجه القضاة الأربعة والمحتسب إلى السلطان، لتهنئته بحلول شهر رمضان. ثم يعرض الوزير والمحتسب اللحم والدقيق والخبز والسكر والبقر والغنم على السلطان ..ولا يخلو الأمر من طرافة فقد حدث أن ثبت الهلال مع انتصاف النهار في عصر السلطان برقوق فحدث اضطراب شديد  و سارع قاضى الشافعية بالنداء بالإمساك بعد أن كان الطعام قد وضع على الموائد،كما طرد السلطان مدعويه، وأمر برفع الصحاف،و أعلن الصيام، و لم يكن باقيا على المغرب سوى بضعة ساعات !! وفى عصر السلطان ” الغورى” حدث خلاف علي رؤية الهلال  بين الجراكسة و شيوخ الأزهر، ففيما أعلن الجراكسة ومعهم الوالي أنهم رأوا الهلال من فوق مآذن مسجد المتولي وساد الأحتفال الناس فكبروا وأوقدوا المشاعل ابتهاجا،ففي المقابل أعلن القضاة الاربعة ومشايخ الازهر أنه لا أثر للهلال  وصاح أحد المشايخ في الناس : ” أطفئوا المصابيح يا حرافيش، أتصدقون الجراكسة وتكذبون العمائم؟ فأطفأ الناس المشاعل، ومع اتساع المواجهة بين الطرفين  عاد الجراكسة ومعهم مزيد من الجند وأصروا أنهم  رأوا الهلال، فأوقد الناس المشاعل مرة أخري، فصاح المشايخ ” أيعلمنا الجراكسة أمور ديننا ؟ ” فأطفأ الناس المشاعل وأوقدوها  وأطفأوها عدة مرات واحتدم الأمر مع أمساك أحد الجراكسه لذقن أحد المشايخ فأوسعه الشيخ ضربا بالمركوب وانطلقوا جميعا الي السلطان ليحكم بينهم وكان السلطان في موقف لا يحسد عليه فالسماء أعلاه مظلمة ولو أقر بصحة المشايح فسيغضب الجراكسة وهم أعوانه فمال الي الجراكسة وأقر انه لمح الهلال  وباتت القاهرة منقسمة بين صائم ومفطر .

ومع انهيار الحكم المملوكي وتولي العثمانيون فقد أوكلوا الي قاضي حنفي تركي مهمة استطلاع الهلال وبحسب ابن اياس فقد كان القاضي جاهلا بالقواعد الفقهية المنظمة لاستطلاع الهلال، حتى وصفه معاصروه بأنه كان "أجهل من حمار " وقد شهد استطلاع هلال شهر رمضان لعام 924 هجرية (الموافق 1518 ميلادية) تضاربا وتخبطا في تحديد أول أيام الصيام وأول أيام عيد الفطر، حتى أن أهالي الإسكندرية ودمياط صاموا قبل سكان القاهرة بيوم، وقد ذكر ابن إياس أن "الناس في مصر المحروسة (القاهرة) صاموا يوم السبت، بينما صام أهالي الإسكندرية ودمياط يوم الجمعة، ولم يعلم الناس بهذا الخطأ إلا بعد انقضاء أيام العيد".وعندما علموا هاجم الشعراء القاضي التركي فقال أحدهم:

يا قاضيا بات أعمي

عن الهلال السعيد

أفطرت في رمضان

وصمت في يوم عيد..

ومن المظاهر  الأخري انتشار أمامة الغلمان للتراويح  ووصل الأمر الي الحرم المكي ذاته وهو من الظواهر الفريدة  في التاريخ الاسلامي من حيث الكثرة والانتشار ومن  أشهرهم الإمام سراج الدين البُلقيني  والذي صلّى بالناس وعمره عشر سنوات بعدما  أتم حفظ القرآن الكريم. والامام ابن حجر  العسقلاني  والذي صلّى  بالناس التراويح في وعمره لم يتجاوز  اثنتا عشرة عاما والحال كذلك مع  العلامة سبط ابن العجمي برهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبي..وهي من المظاهر الحسنة في العهد المملوكي والتي أفرزت العديد من الأئمة التاريخيين في هذه العصور ... وكانت مدة صلاة التراويح تتفاوت  ما بين السرعة الشديدة حتي جاء وصفها بالصلاة المسلوقة  ومنهم أحمد بن عبد الله الدوري المكّي، أحد فرّاشي الحرم المكي، قال عنه السخاوي: (كان يُصلِّي بالنَّاس التَّراويح فيصلِّي معه الجم الغفير لمزيد تخفيفه، ويلقبِّون صلاته المسلوقة ) أو تأديتها ببطء شديد إلى قُبيل صلاة الفجر، منهم تقيّ الدّين عبد الرَّحمن بن أحمد بن عليّ المعروف بابن الواسطيّ، وكان عارفًا بالقراءات، ويقرأ بالمصحف في الجامع الأزهر ويقوم في رمضان بعد التَّراويح إلى طلوع الفجر.

ويبدو أن تجربة السلطان المملوكى حشقدم لأحد المدافع الجديده قد دخل به وبعمله هذا التاريخ من أوسع أبوابه  حيث  صادف إطلاق المدفع وقت الغروب فى أول يوم رمضان فظن الناس أن السلطان قد استخدم المدفع في سبيل تنبيه الصائمين إلى موعد الإفطار فخرج الناس  فى جموع لتقديم واجب الشكر للسلطان علي صنيعه مما دفع السلطان الي تخصيص مدفعين واحدا للافطار والاخر للسحور  وصار تقليدا حتي يومنا هذا .

وكان المسحراتي أحد ابرز المظاهر الرمضانية فكان يطوف القاهرة بصوته بينما في الاسكندرية  كان  يطرق على الأبواب قائلا:ً (قوموا كلوا) وذلك بحسب الرحالة المغربي ابن الحاج والذي زار مصر في عهد الناصر محمد بن قلاوون ..ويعود الفضل للظاهر بيبرس في حماية هذه المهنة من الأندثار باجتذاب عدد من العامة وصغار رجال الدين للقيام بها  .

الطريف في المظاهر الرمضانية في العهد المملوكي هو ختم صحيح البخاري كل عام في مقر الحكم  بالقلعة  في حفل كبير يحضره السلطان والقضاة الاربعة والفقهاء وكبار موظفي الدولة، ويتم توزيع الخلع والهبات على العلماء والفقهاء وطلبة الأزهر والأيتام والأرامل .يقول ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة»: (كانت العادة من أيّام الأشرف شعبان بن حسين (ت 778هـ) أن تبدأ قراءة البخاري في أول يوم من شهر رمضان، ويحضر قاضي القضاة الشافعي، والشيخ سراج الدين عمر البلقينىّ وطائفة قليلة العدد لسماع البُخاري، ويختم في سابع عشرينه، ويُخلع على قاضي القضاة، ويركب بغلة بزنّاري (غطاء من الصوف للبغلة أو الفرس) تُخرج له من الإسطبل السلطاني، ولم يزل الأمر على هذا حتى تسلطن المؤيَّد شيخ (ت 824هـ) فابتدأ بالقراءة من أول شعبان إلى سابع عشرين شهر رمضان، وطلب قضاة القضاة الأربعة ومشايخ العلم وقرّر عدّة من الطلبة يحضرون أيضا). وأحيانا كانت تناقش وسط هذا الجمع  بعض المسائل الفقهية ولربما تطور الأمر الي مالايحمد عقباه مثلما حدث عام  1434م في حضور السلطان الأشرف برسباي حيث أمر بإحضار «الفلقة والعصا» في المجلس لتأديب المتشاحنين المتجاوزين . ثم جاء السلطان جقمق ليمنع أية مناقشات في مجلس قراءة صحيح البخاري.

وكانت القناديل أو الفوانيس تضيء المساجد والشوارع ليلا وقد اقترح العلماء علي السلطان برسباي عدم أطفاءها الي طلوع الفجر لتكون علامة للناس علي اخر وقت للسحور فإن أطفئت الفوانيس بدأ الصيام.

ومن عادات السلاطين الطريفة في رمضان فتح الابواب لشكاوي الشعب في عهد السلطان " برقوق " ومن العادات الاخري طلب الفتوي من العلماء ومن أغربها ما أقدم عليه السلطان " الأشرف أبو المعالى "والذي استدعي شيوخه ذات يوما علي عجل وكان بصحبته وزيره (منجك)  فأبتدرهم الوزير والهدوء علي وجهه : (السلطان يريد فتوى لإفطار رمضان) فساد الوجوم وكأن علي رؤوسهم الطير واحتقن وجه السلطان غضبا وهو يصيح: (هيه يا مشايخ، ماذا تقولون؟ ) فراح القاضى المالكى يسرد عليه أحكام الصوم و مبيحات الافطار، و لكن ليس فيها ما بيبح للسلطان الافطار، فغضب السلطان قائلا :  (أنا مريض يا مشايخ، ضعيف)  ثم اهتدى أحد المشايخ إلى الحل، فليسافر السلطان  فالسفر عذر شرعي مبيح للإفطار وهنا تهلل وجه السلطان ووزيره ومن فوره سافر لتفقد قلاع الإسكندرية و دمياط ثم رحل بعد ذلك إلى الشام !!..أما السلطان قلاوون فكان يشغله ليلة الرؤية فتوي اعادة بناء كنيس لليهود بفلسطين ايلة للسقوط  وكانت المعضلة: (هل يجوز هدمها لهذا السبب دون أن يعد ذلك اعتداء على أهل الكتاب، أم يعاد بناؤها كما كانت من قبل؟).وشهد الأمر انقساما بين الحضور حيث  أفتي البعض  بجواز هدمها ما دام وجودها علي هذه الحالة يعد خطرا، وبعضهم حبذ إعادة تجديدها وظل السلطان في حيرة!!!ولو عرف ما تخبيء الأقدار لهذه الامة لهدمها  واراح واستراح !!!

كما اعتاد سلاطين المماليك إعتاق ثلاثين عبدا في رمضان والأفراج عن بعض المساجين الا أن قاعدة العفو لم تكن دوما علي نفس الوتيرة لدي السلاطين المماليك فقد استخدام السلطان فرج بن برقوق قاعدة العفو في رمضان لتكون حيلة لاجتثات معارضيه من المماليك الظاهرية (مماليك أبيه) حيث أطلق المنادين في القاهرة  بأن المماليك المختفين يظهرون وعليهم أمان الله، وأنهم عتقاء شهر رمضان وكلما ظهرت مجموعة كان يقبض عليهم في سرية تامة ودون أشعار الأخرين ويقول المقريزي انه لم يمض الشهر الكريم إلا وكان أكثر من اربعمائة مملوك في السجن، ويذكر صاحب كتاب 'النجوم الزاهرة' انهم سجنوا جميعا في سجن القلعة، ولهذا لم يأمنه بقية المماليك بعد ذلك . ومن أغرب العادات السلطانية في رمضان عادة تربية الحمام لدي السلطان  حاجي بن الناصر محمد بن قلاوون  وكان قدوم شهر رمضان فرصته حيث انشغال الناس بالصيام والاحتفالات، فيأمر كبار رجال الدولة بعدم الحضور إلى قصره  حتى ينتهي شهر رمضان؛ حتي يتسني له اللعب بالحمام مع أوباش الناس حيث يتعري ويلبس ثياب جلد ويصارع معهم، ويصف ابن تغري بردي ذلك  قائلاً: (أعاد حضير الحمام وأعاد أرباب الملاعيب من الصّراع والثقاف والشباك، وجري السّعاة، ونطاح الكباش، ومناقرة الدّيوك، والقمار، وغير ذلك من أنواع الفساد. ونودي بإطلاق اللعب بذلك بالقاهرة، وصار للسلطان اجتماع بالأوباش وأراذل الطوائف من الفراشين والبابية ومُطيّري الحمام، فكان السلطان يقفُ معهم ويُراهن على الطير الفلاني والطيرة الفلانيّة. وبينما هو ذات يوم معهم عند حضير الحمام، وقد سيّبها إذ أذّن العصرُ بالقلعة والقرافة فجفَلت الحمام عن مقاصيرها وتطايرت، فغضب وبعث إلى المؤذّنين يأمرهم أنهم إذا رأوا الحمام لا يرفعون أصواتهم، ويلعب مع العوامّ بالعصىّ، وكان السلطان إذا لعب مع الأوباش يتعرّى ويلبس تبّان جلد، ويُصارع معهم ويلعب بالرّمح والكرة، فيظلّ نهاره مع الغلمان والعبيد، وصار يتجاهر بما لا يليق به أن يفعله). أما السلطان  بيبرس  والذي شهد عصره طفرة عسكرية فقد كان حريصا علي متابعة  التدريبات العسكرية في رمضان، وكان يُعطي الهدايا والجوائز لمن يرى فيه القوة والمهارة، قال المقريزي: (رسم للعسكر بالتأهّب للعب القبق (الرمي بالرماح على هدف عال) ورمي النشَّاب (السهام) فيكب من كل عشرة فارسان في أحسن زيهم وقت الحرب، وركب السُّلطان في مماليكه ودخلوا في الطعن بالرِّماح، ثمَّ أخذ السُّلطان الحلقة ورمى النشاب، وجعل لمن أصاب من الأمراء فرسًا من خيله الخاص… فاستمرّ ذلك أيَّامًا تارة يكون اللّعب فيها بالرُّمح وتارة بالنشاب وتارة بالدبابيس (آلة كالبلطة) وفرق السُّلطان فيها من الخيل والبغالطق (قمصان تلبس أسفل العباءات  لا أكمام لها) جملة. وساق السُّلطان يومًا عادته في اللّعب وسلَّ سيفه فسلَّت مماليكه سيوفها، وحمل هو ومماليكه الخواصّ حملة وحمل واحد واصطدموا فكان منظرًا مهولا، وأطلق السُّلطان من التشاريف ما عم به سائر من في خدمته: من ملك وأمير ووزير ومقدمي الحلقة والبحرية ومقدمي المماليك والمفردية ومقدمي البيوتات السُّلطانيَّة وكل صاحب شغل وجميع الكتاب والقضاة وسائر أرباب الوظائف).

أما عن عطايا السلاطين المماليك في رمضان فحدث ولا حرج فالسلطان برقوق  اعتاد أن يذبح كل ليلة خمسة وعشرين بقرة ليتصدق بلحومها، فضلا عن توزيع الخبز على أهل المساجد والروابط والسجون، بحيث يحصل كلَّ فرد علي قدر معين هو رطل لحم مطبوخ وثلاثة أرغفة، ويذكر المقريزي أن الظاهر بيبرس كان «يُطعم كل ليلة من ليالي شهر رمضان خمسة آلاف نفس» كما شهد عصر قلاوون ألوانا من  التوسعة على العلماء فكانت  تصرف لهم رواتب إضافية في شهر رمضان، وقد وصل الكرم في توزيع السكر الي أقصي مداه حيث  بلغت كمية السكر  المنصرفة  لصنع الحلوي (مثل القطايف والكنافة ) في عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون عام 745هـ ثلاثة آلاف قنطارا قيمتها ثلاثون ألف دينار منها ستون قنطارًا في كل يوم من أيام رمضان..ومن أغرب ما يتعلق بالعطايا ما هم به السلطان «الأشرف شعبان» والذي فكر بالتوسعة علي الفقراء ليكتشف  أن الخزينة السلطانية بغرفة نومه  قد سرق منها  عشرين ألفا من الدنانير الذهبية، وبالطبع دارت الشبهات حول خاصة قصره ليجمع خدمه أن السارقة  هي محظيته  «خوند سوار باي».وعلي الرغم من ضربها بالسياط فلم تعترف وخرجت من السجن بعد سنوات عدة عجوز فاقدة السمع !! .

أما السلطان الغوري فقد كان الابخل بين كل هؤلاء السلاطين وكانت حينما ترفع له قضايا تستلزم الدعم المالي  كان رد السلطان على المشايخ قائلا : "الخزائن فارغة يا مشايخ، و الجند طلباتهم كثير "، فيعيد المشايخ الكرة  لاستعطاف السلطان  "فالناس مساكين و عيالهم كثير " فيفحمهم  السلطان بعباراته البليغة " العيال لا يملكون إلا البكاء، و لكن الجند يلعبون بالسيوف و المكاحل يا مشايخ!!!

والي هنا نختتم رحلتنا عبر ليالي رمضان المشهودة في  التاريخ المملوكي ..

 

د.محمد فتحي عبد العال - كاتب وباحث مصري

.....................

المراجع

١- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي

٢-بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن اياس

٣-السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي

٤-كتاب المدخل لابن الحاج

٥-تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار لابن بطوطة

٦-كتاب لحظة تاريخ ٣٠ حكاية من الزمن العربي للاستاذ محمد المنسي قنديل

 

 

ضياء نافعفريد الله ويردي بالنسبة لي هو تجسيد رائع و رمز خالد لتواضع العظماء، الذين مرّوا  في حياتي . وكنت اخطط طوال  السنوات العشرين الماضية ان اكتب عنه، خصوصا عندما عرفت بوفاته، وذلك لانني اودّه جدا واحترمه كثيرا ومعجب ببساطته وعمق ثقافته وتواضعه الرائع، ولكني لم اكتب، اذ وجدت ان الدكتور سيّار الجميل قد كتب  عنه – بعد وفاته - اعمق واوسع مما اردت ان اكتب انا، وهكذا تركت الموضوع، وكنت آنذاك لازلت في بغداد، ولكن عندما انتقلت للسكن في موسكو، وبدأت بنشر سلسلة مقالاتي (عراقيون مرّوا بموسكو)، عادت فكرة الكتابة عنه من جديد، باعتباره علما من اعلام العراقيين بموسكو، الذين كانوا معنا في بداية ستينات القرن الماضي، ولكني وجدت، ان الزميل عبد الله حبه كتب عنه بالذات مقالة جميلة ووافية حول ذلك الجانب المشرق من حياة ويردي آنذاك ونشرها ضمن مقالاته الاخرى عن اعلام العرب بموسكو في موقع (روسيا اليوم) والتي تم حذفها مع الاسف بعدئذ، وقد سألتني ارملته السيدة لودميلا (وكنا نسميها جميعا ميلا) ويردي عن كاتبها في احدى رسائلها لي، واخبرتها  طبعا باسم الزميل عبد الله حبه، ثم علمت من عبد الله بعدئذ، انها طلبت منه ان يترجم مقالتها (التي كتبتها طبعا بالروسية) عن زوجها الراحل، وفعلا قام عبد الله حبه بترجمة رائعة لتلك المقالة المليئة بالحنان والامتنان والمعلومات البيبلوغرافية المهمة جدا حول مسيرة المرحوم  فريد الله ويردي في عالم الموسيقى الساحر الجمال منذ خطواته الرائدة الاولى في المملكة العراقية  ثم في الجمهورية العراقية ودراسته لاحقا في شتى بقاع العالم وعمله الفني الكبير، اذ ان السيدة لودميلا ويردي رافقته منذ ان كان يدرس بموسكو في الستينات وبعد رجوعه الى بغداد، ثم سفره مرة اخرى الى الغرب، وعودته الى الاردن للسكن والعمل هناك، ثم هجرته الاخيرة الى ايرلندا حيث توفي عام2007.

لم أشأ ان اكتب عن المرحوم فريد الله ويردي بعد مقالات سيّار الجميل وعبد الله حبه و ارملته السيدة ميلا ويردي ومقالات عديدة اخرى، اذ ان تلك المقالات قد رسمت فعلا صورة متكاملة ومشرقة وحقيقية عنه كانسان وكموسيقي رائد ومتميز في دنيا الموسيقى العراقية، ولكني اطلعت قبل ايام على مقالة جميلة وموضوعية وموسوعية بعنوان – (الثقافة الامريكية وتعزيز قيم الحداثة  في العراق)، يتناول فيها كاتبها الاستاذ علي عبد الامير عدة شخصيات ثقافية عراقية كبيرة و متميزة فعلا في تاريخ العراق المعاصر ممن درسوا في امريكا، ويتحدث في سطور وجيزة عن ابرز اعمالهم الثقافية  (مثل علي الوردي واحمد سوسه وطه باقر وكامران حسني ونازك الملائكة وبياتريس اوهانيسيان وجعفر علي وبدري حسون فريد...الخ هذه الاسماء اللامعة الاخرى)، ووجدت  هناك اسم فريد الله ويردي ايضا، ، وهي اشارة صحيحة طبعا، لان فريد درس في امريكا فعلا  بعد موسكو، ولكني فوجئت، لاني وجدت في تلك السطور عن فريد الله ويردي فقط (دون الاسماء الاخرى) تأكيدا على الجانب السياسي لنشاطه اكثر من الحديث عن الجانب الابداعي لدى هذا الموسيقيّ الكبير، اذ يقول الاستاذ علي عبد الامير هناك، ان (النظام البعثي – القومي قد حكم عليه غيابيا بالاعدام ...)، وذلك عندما كان فريد يدرس بموسكو في الستينات، ثم يشير كاتب المقالة بعدئذ، الى ان فريد (..وجد ملاذا في الدولة التي كان يقف بالضد من نظامها السياسي وفكرتها، فيما هرب من الدولة التي توقعها جنة على الارض...) . اقول اني قد فوجئت من كل ذلك، اذ ان المرحوم فريد الله ويردي لم يكن سياسيا ابدا، بل كان يجسّد في كل سلوكه وتصرفاته وعلاقاته ومسيرة حياته صورة الفنان الرقيق والخلوق والمبدع والمؤدب والخجول والمسالم والدائم التفكيربالموسيقى ليس الا، ولم نسمع – نحن العراقيين المحيطين به في موسكو آنذاك – الحكم عليه بالاعدام غيابيا (ولا اظن ان هذا الامر الكبير و الخطير يمكن التعتيم عليه او عدم اعلانه، رغم اننا نقرأ الان ذلك في بعض المواقع الالكترونية دون الاشارة الى المصدر)، ولم نسمع منه ابدا، انه كان يرى في الاتحاد السوفيتي (جنة على الارض)، بل ولم نسمع منه ابدا اي حديث سياسي محدد، اذ كان فريد يعيش ويتفاعل ويتناغم مع الموسيقى حتى في حياته اليومية  الاعتيادية . ولهذا اكتب انا هذه السطور عن المرحوم فريد الله ويردي .

الرحمة والسكينة والطمأنينة لروح الفنان الكبير فريد الله ويردي، والذكر الخالد لاسمه ولمكانته الفريدة في عالم الموسيقى في العراق.

 

ا. د. ضياء نافع

 

 

903 kasemabdulamirإشارة: في يوم أسود من أيام الثقافة العراقية، أغتيل الربيع الثقافي كما كنا نسميه، أبو ربيع – المبدع الإنسان العراقي الغيور “قاسم عبد الأمير عجام ” على أيدي قتلة أوغاد. إنسانا كان قاسم أباً حانياً وأخاً كبيراً وصديقاً صدوقاً للجميع وبلا استثناء. ومبدعا كان قاسم أنموذجا للمثقف المهذب المتحضر المتسامح الصبور الداعي أبدا إلى الحوار وعدم التعصب. إن ما أخاف الأوباش في أبي ربيع هو هذا الربيع الإنساني الدائم أيضاً. من ينسى الإبتسامة الحيية الدائمة والنظرة الحنون شبه المنكسرة والخدّين المتوردين وكأنه خَجِلٌ من وقوف إنسانيته العظيمة عند حدود لا يستطيع تعدّيها. أبا ربيع، أخي الحبيب، دمتَ في عليين …

في مذكراته عن يوم 6/4/2003 وتحت عنوان (رتل الكلاب المسرّفة) كتب الصديق الشهيد الحبيب أبو ربيع (قاسم عبد الأمير عجام ) الذي اغتالته أيدي الإرهاب الآثمة يوم 17/5/2004 يشرح المعاناة العاصفة التي ألمت به وهو يرى رتل دبابات الغزاة يطأ تراب مدينته المقدس ( ناحية المشروع ):

(فاضتْ روحي بالآلام، وهممتُ مسرعا لأفتح الباب الخارجي فأنظر إلى رتل الغزاة … فلحقني أحد أبنائي ليعيدني إلى الداخل محذرا من عدوانيتهم المتناثرة . سحبني إلى الداخل واستجبتُ له فقد كنت موقنا أن كل غضب الدنيا وحزن كل العراق يشتعلان في عيوني، وكنت مشتعلا بكل لعنات الصبر والتحمل على من أوصل الوطن إلى هذه اللحظة مما كان لابدّ له أن يدفعني لحركة ما أو فعل ما: بصقة كبيرة عليهم – على الأقل – أو حجارة هي أثمن من كل الحديد الراعد الذي جاءوا يرهبوننا به، مما كان سيجعلني عرضة لوحشيتهم أو هستيرياتهم .. فعدتُ وارتكنتُ إلى جدار بيتي أدقّ عليه رأسي التي أثقلها الغضب الحزين أو الغضب المأسور بكبت السنين، ثم لم أطق صبرا حتى على تلك الوقفة المنكسرة فصرت أدور حول مبنى بيتي – القابض على الجمر – ص 419).

ومن يعرف سيرة حياة الشهيد أبي ربيع سيتأكد أن هذه المذكرات هي درس في التربية الوطنية . لقد كان قاسم شيوعيا معروفا وقد تعرّض بسبب انتمائه هذا للسجن والتعذيب والملاحقة منذ الستينات، ومُنع عليه حتى العمل وفق شهادته وكفاءته العالية المعروفة .. وصل حاله حدا – كما يكتب يوم 20/2/1967 – أن يُصاب بالإكتئاب لأنه لا يملك حتى مبلغ مال يمكنه أن يذهب لمقهى دون أن يضطرب حاجة وعوزا، وموعد محاكمته يقترب: فهل أذهب إلى المجهول خالي الجيب وإلام سأظل أستدين؟).

وفي السبعينات حيث كان يتوقع أن يكون حاله أفضل حوصر سياسيا وفُرضت عليه البراءة بطريقة خانقة ومذلة صار يعد نفسه فيها الميت الحي: كتب في 6/1/1979:

(في البيت التقينا بشقيقتي وزوجها وأطفالها، وكان البيت ميدانا للركض وملعبا للكرة . لكن الطاحونة دارت . الحديث إياه: إستسلم استسلم يا أبا ربيع فما عادت المقاومة تجدي، إخلد إلى الهدوء وانعم بالبركة فالكل فعلوها قبلك، والصغار سجلوا في (الطلائع) وأمهم بدأت عملها في الحزب، وسينضم أبوهم غدا، فمتى ستفعلها أنت؟ القرار، واضح . الكل في حزب الدولة ولا غيره منبر أو كيان أو حركة . وكالعادة أضافت لهم السيدة الوالدة مقولاتها المعتادة ورغبتها في الأمان وراحة البال وحاجتهم إلى سلامتي وبدأت تعيد قصص من عُذبوا حتى الموت .كفى كفى . ودارت في الذهن أحاديث البارحة مع عديلي، مطاردته حتى إرغامه على (التوقيع) – آه من التوقيع – قلقهُ على أخته الطالبة الجامعية، صور التعذيب التي حدثوه عنها، وتهديده باختطاف ابنته الطفلة الوحيدة وربما زوجته .. و ..و . غادروا مساء . تمنوا لي السلامة والصبر على المكروه، فودعتهم وعدتُ أجتر همومي مذهولا: كيف وصلت إلى هذا المنعطف؟ كيف أصبح ممكنا أن أفكر أنا، أنا، بإمكانية ولوجه؟ مَنْ مِنّا الجبان ومن منا الشجاع؟ الذي يموت تحت التعذيب وهو يدري أنه كان يركب سفينة مخروقة أم الذي يقرر الانتقال إلى سفينة أولئك الذين حاصروا السفينة الأولى ودفعوها نحو الهاوية؟ ولكن هل يستطيع أحد أن يقرّر؟ وهل بمستطاع أحد في بلادنا أن يقرّر لنفسه موقفا؟ لست أدري شيئا، ولا أعرف إلا أني حوصرتُ في عنق الزجاجة وأن الحياة ما عادت ممكنة بدون ركوب سفينة الحزب الحاكم، القرار صريح أن تركب معنا أو تغرق في بحر الدم والعذاب، ولست أريد أن أخسر الحياة في معركة خاسرة مقدما من أجل ناس تنازلوا عن سبب المعركة وأهدافها . فمازال في القلب والرأس طموح بالعمل والخدمة . نعم، الخدمة العامة، والإبداع والسعي إلى حياة أخرى أجمل وأنظف – ص 166).

ثم كتب في 11/1/1979:

(أخيرا، وقع المحذور . جاء أحد (زوّار الفجر) واقتادني إلى المركز ومنه إلى المقر حيث مات الذي أحكي لك قصته، وخرج من عنق الزجاجة شخص آخر مخذولا مذهولا يتلمس طريقا جديدا . فيا للحياة في هذا البلد من مهنة شاقة – ص 167) .

مُنع من إكمال دراسته العليا . وسِيق في قواطع للمهمات الخاصة في الجيش الشعبي رغم كبر سنه لفترات متطاولة ذاق فيها عذابات جسيمة وتعرض للموت أكثر من مرة ( راجع يومياته في المبحث الثاني ( من يوميات الحرب ) على الصفحات 181-330) وذاق مرارة فجيعة الإنسحاب المُذل عام 1991 . ثم عانى العوز الشديد في سنوات الحصار العجاف، لتتوج مسيرة عذابه باحتلال بغداد الأم وحرقها وسلبها على أيدي الرعاع وعملاء الأجنبي الذين سبقوه وأعضاء جيش (إنطوان لحد) كما يقول –راجع الصفحات الخطيرة في المبحث الرابع: من يوميات المخاض الأخير، ص 397-449)..

 وبرغم هذه المحاصرة والإذلال والمهانة والجوع والعوز والإجحاف يحاول قاسم – كما يصف حاله بحرقة - الهجوم على الأمريكان الغزاة بيديه العاريتين الكريمتين أو البصاق عليهم .. وعندما لم يفلح صار يضرب رأسه في الحائط . نسمع عن البعض من آكلي أثداء أمهاتهم دُربوا على استقبال الغزاة ورمي الورود عليهم. موقف الشهيد قاسم عجام ومذكراته التي تعكس روحه الوطني الغيور هي درس في التربية الوطنية التي تعرّضت للتشويه القاسي عبر عقود طويلة حتى صار المواطن العراقي لا يميز بين العراق الخالد والحاكم الفاني، ولا بين أرض وطنه ومقر الحزب . أدعوا إلى نشر هذا الكتاب بأوسع صورة وأن يُحفظ في المكتبات المدرسية والعامة وأن تُعقد الندوات الموسعة لمناقشته واستقاء الدروس والعبر منه . وفي الختام لابد من تحية وافرة للدكتورة (نادية غازي العزاوي) التي بذلت جهدا هائلا في جمع هذه المذكرات والتقديم لها بمقدمة وافية محبة، ولدار الشؤون الثقافية التي أصدرته بحلة جميلة تذكرنا بأيام مجدها الطباعي والفكري . (القابض على الجمر – من مذكرات ويوميات الشهيد قاسم عبد الأمير عجام – (1945-2004)- دار الشؤون الثقافية- بغداد- 2009).

في ختام يوميات يوم 3/8/1986، يتساءل قاسم:

(أيّة حياة تمضي بالعراقي أو يمضي بها؟ لعلها ستبقى وإلى أمد بعيد أحد الأسئلة التي ستتعب كثيرا من علماء الاجتماع والنفس حين يطلون على سجلنا هذا).

ومن الغرائب أن مذكرات الشهيد قاسم عجام قد كَتبَ رسالةَ توصيةِ نشرها الشهيد (كامل شياع) .. فأية حياة حياة العراقيين هذه؟ وإلى أين تمضي بنا؟ .

 

د. حسين سرمك حسن

.....................

ملاحظة:

نُشرت هذه المقالة في 24 – 3 – 2011 وأ‘يد نشرها الآن في ذكرى استشهاد الناقد والمفكر "قاسم عبد الأمير عجام"

 

محمود محمد عليترجع معرفتي بالأستاذ شوقي جلال إلي منتصف تسعينيات القرن الماضي، عندما كنت أكتب أول كتاب لي بعد حصولي علي درجة الدكتوراه عام 1995، وكان هذا الكتاب بعنوان ” الأصول الشرقية للعلم اليوناني”، وبدأت أجمع المادة للعلمية للكتاب، فوقعت علي كتاب “جورج جيمس” بعنوان ” التراث المسروق: الفلسفة اليونانية فلسفة مصرية مسروقة”، والكتاب ترجمه عن الانجليزية شوقي جلال، وقد أعجبتني مقدمته لترجمة الكتاب، وطلبت من صديقي الدكتور حسن طلب (والذي كان زميلاً لي بقسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة حلوان – قبل أن أنتقل إلي جامعة أسيوط بعد ذلك) الحصول علي رقم تليفون الأستاذ شوقي جلال، وبالفعل اتصلت به وتعرفت عليه، وبدأت علاقتي به حتي الآن فلا أتخلف عن أي مناسبة إلا وأتصل به: إما لأسأل عنه أو أستفسر عن أمر ما في قضايا العلم والثقافة .

كان حديث شوقي جلال ممتعاً ومشوقاً، وكنت منبهراً به ومتيماً بفكره، خاصة بترجماته العلمية الرصينة، كان دائماَ يقول لي أن الترجمة عملية لا تقتصر على النقل اللغوي للجُمل والعبارات ومعاني الكلمات فحسب، بل تمتد لتشمل البعد الثقافي أيضًا، فالمترجم هو كاتب، أي أن عمله هو صَوْغ الأفكار في كلماتٍ موجهةٍ إلى قارئ. والفارق بينه وبين الكاتب الأصيل هو أن الأفكار التي يصوغها ليست أفكاره، بل أفكار سواه، لذا على المترجم قبل أن يشرع في ترجمة النص، عليه أن يراعي جيدًا الأبعاد والبيئة الثقافية التي وُلِد فيها هذا النص، والقارئ المتلقي له، ليُخَاطبه ليس بلغته فحسب، بل بثقافته أيضًا التي قد تشبه ثقافة المترجم، وقد تختلف عنها تمام الاختلاف، وكان يبرز لي كثيراً من الأمثلة، ولعلّ من أبرزها مثلًا، ما ذكره العالم اللغوي البارز “ابن خالويه” أن للأسد في اللغة العربية زهاء الخمسمائة اسمًا، في حين أنه يترجم في الإنجليزية باسم واحد وهو Lion.

والأستاذ شوقي جلال من مواليد منطقة الإمام الشافعي بالقاهرة (بجمهورية مصر العربية)، حيث ولد في 30 أكتوبر 1931 في أسرة مصرية ممتدة من 17 أخ وأخت غيب الموت منهم خمسة، تمتع والده وكان عامل فني بسلاح المهمات بالجيش المصري، وصاحب ورشة في حي الخليفة، بأفق واسع وشغف بالقراءة والعلم والموسيقي ملأ بهم أركان بيته .. وعقل صغيره شوقي. ضم البيت كتب ومجلات مصرية ذخرت بما لذا وطاب من الأفكار والرؤي، واحتضنت حجرات البيت أصدقاء الأب من مسلمين، ومسيحيين، ويهود يجمعهم الود والمحبة في محيط عائلي مصري لم يعرف التعصب الديني.

لقد عرف شوقي جلال من والده قيم التسامح والمحبة والتلاقح الإنساني مع الآخر، حيث عاش أبوه مبادئ وقيم ثورة 1919 ؛ حيث كان أبوه يعيش نتاج الثورة الوطنية التي عاشتها مصر ابتداء من رفاعة الطهطاوي؛ حيث يقول عن نفسه:" ثم بعد ذلك تمكنت في العشرينات وكنا لا نجد أي حساسية بينا وبين الأقباط، أو اليهود الذين يعشون بيننا في تلك الحقبة".

وفتحت حوارات الأب مع الصغير شبابيك التفكير والتساؤل، فكان جلال الأب أول من ذكر لشوقي كلمة التطور واسم داروين، وفي بساطة مفردات الصغير، استمع شوقي جلال لحديث أبيه وأصدقاءه حول السياسة في مصر والعالم وإن غاب عنه مفهوم الاشتغال بها.

وفي المرحلة الثانوية حلت رحابة عوالم الكتب محل حوارات الأب والصغير فبحثت عينا شوقي الشاب عن مرفأها في كل الاتجاهات: القرآن والعهدين الجديد والقديم والرد علي الدهريين ورسالة التوحيد لمحمد عبده، وفكر ومنهج الأفغاني، والشعر الصوفي، وترجمات للأدب الهندي وسادهانا طاغور، وأحاطت به وجيله مجلات: الرسالة، والثقافة، والكاتب، والمقتطف، والفصول، والبعبوكة.

ومع عودة أعضاء حزب الوفد للحكم خرج شوقي جلال بعد عامين من السجن، إذ أضحي يحدوه الأمل في الالتحاق بالجامعة، وبالفعل التحق بها عام 1951 -1952، حيث التحق بكلية الآداب – قسم الفلسفة وعلم النفس، بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن)، وفي هذا القسم مارس الطالب شوقي جلال حياة الفكر الحر؛ فقرأ عن البوذية وبوذا واستهوته النيرفانا والتوحد مع الكون، ونهل من كونفوشيوس وعقلانيته، ورأي في نظرية التطور منهجاً في التفكير، وفي الماركسية إطاراً خاصاً لتفسير ظواهر الحياة الاجتماعية وفتح له الفيلسوف الهندي رادا كراشنان وفلسفات الغرب ” أبواب العبادة جميعها علي مصراعيها.

وبدأ حلم الكتابة الذي داعب مخيلته يترائي له جلياً، وفي 1953 نشر أول كتاباته عن مذكرات تشارلز داروين في سلسلة " كتابي" التي يصدرها حلمي مراد، وفي عام 1954 لاح شبح الإخوان المسلمين مرة أخري، وتم القبض مرة أخري علي شوقي جلال في سجن العامرية بضعة شهور تبعتهم سنتان بالسجن الحربي. وفي السجن أعجب شوقي جلال بالراحل المناضل الشيوعي صلاح حسين كفاحه في كمشيش . وحفرت زياراته لكمشيش بعد الخروج هيروغليفية " الذهب الخالص": " الإنسان المصري الصلب المتسامح الواعي "، وبعد التخرج من الجامعة في 1956 عمل شوقي مدرساً للفلسفة وعلم النفس في معهد المعلمين بشبين الكوم، وبدأت رحلة دراساته العليا بالسنة التحضيرية في جامعة القاهرة في حضرة أساتذة، مثل زكي نجيب محمود ويوسف مراد.

بعد تجارب شوقي جلال المتنوعة في الحياة سلك منهج التنوير سبيلاً لمجتمعه ظناناً منه أن هذا النهج سيخرج مصر من أزماتها المتلاحقة، وهناك مقاله لسمير مرقص (نشرت بجريدة المصري اليوم في يوم الثلاثاء- 25- 7- 2017) وكان عنوانها شوقي جلال: المثقف الموسوعي، حيث يشبه الأستاذ شوقي جلال بالتنويريين الفرنسيين، واسمحوا لي أقتطف جزءً منها حيث يقول سمير مرقص إن: المثقف الموسوعي هو الوصف الذى يمكن أن نطلقه على مبدع مصري معاصر هو الأستاذ شوقي جلال . والموسوعية (الإنسيكلوبيدية) هى تعبير أطلق على جماعة من المثقفين الفرنسيين من: فلاسفة وعلماء القرن الـ 18 الذين انكبوا على وضع مرجع علمي شامل في مختلف العلوم والفنون والآداب. وكان هدفهم من وضع هذه الموسوعة- بحسب لويس عوض- "هو إشاعة التنوير بوجه عام وتصفية معارف معاصريهم من الخزعبلات…، وتدريب الناس على المنهج العلمي والعقلي في التفكير والمعرفة". وكان نجمها البارز "ديدرو" (1713- 1784).

ويستطرد مرقص فيقول:" ديدرو وموسوعته، هو ما ألح علىّ عندما نويت أن أكتب عن " شوقي جلال"، فالمراجع لحصيلة كتاباته المؤلفة والمترجمة، ما يقرب من 25 عملاً مؤلفاً و50 ترجمة، سوف يلحظ كيف تعددت وتنوعت اجتهادات شوقي جلال؛ كذلك مواكبته لجديد أفكار الحقول المعرفية المختلفة: الفلسفة، والحضارة، والتنمية، والسياسة، والفكر وفلسفته وقضاياه المعاصرة، والثقافة، العلم فلسفته وتاريخه وثوراته، الجغرافيا السياسية، وعلم الاجتماع، والمستقبليات، والعولمة،… إلخ. ما يؤهله للفوز بلقب “المثقف الموسوعي”، أخذاً في الاعتبار أن ما أنجزه كان من المفترض أن تقوم به مؤسسات في إطار جماعي، إلا أنه تصدى وحده بوعى تام لبناء صرح معرفي: تأليفا وترجمة، لكى ينهل منها العقل المصري والعربي في شتى المجالات…أي أنه سار بأمانة على درب جدنا “الطهطاوي” رائد النهضة المصرية الحديثة.

وهنا نسأل لماذا الكاتب سمير مرقص شبه شوقي جلال بالتنويريين الفرنسيين وليس بالتنويرين العرب ؟

وهذا السؤال سألته للأستاذ شوقي جلال فقال:” اعتقد أنه ربما التنوع في الموضوعات التي تناولها شوقي جلال، وأن في تربيته الثقافية وفي تثقيفه النفسي كان شوقي يشبه التنويريين الفرنسيين، علاوة علي كتبه الذي أصدرها سواء (في ترجمات أو مؤلفات) تستهدف هذه الرؤية التنويرية للمجتمع “

كما لوحظ في كتابات شوقي جلال تخلف الأمة العربية، وهنا سألته ما السبب في ذلك فقال: الأمم والمجتمعات، إما أنها أمم ثباتيه (أي علي وجه فُعاليه – أي مرض) أو ديناميكية ( أي متغيرة)، وهناك ثقافتان في العالم، ثقافة الوضع وثقافة الموقف، ثقافة الوضع راضية برصيدها الموروث – أي تقف علي قارعة الطريق، بينما الحياة تمضي بجوارها وتردد إلا ما كان لتقول بهوامش وحواشي ولكن كما هي، وأما ثقافة الموقف فهي إرادة وإنجاز ومشروع مستقبلي وتتغير وتجد في عملي غذاء فكري لها . أما نحن فثقافتنا ثقافة كلمة وليست ثقافة فعل، ثقافة ورث وليت ثقافة تغيير.

وسألته ذات مرة عن الدولة المدنية ماذا تقول فيها، فأجابني قائلاً: الدولة المدنية كما عرفتها في كتابي المتجمع المدني وثقافة الإصلاح أن مصر قبل 1952 كان بها مجتمع جنين لمجتمع مدني بدأ في العصر الحديث، ومصر غابت قرون طويلة لم يكن لها اسم ولا هوية بحيث أنك تسأل الإنسان الذي ولد هنا (في مصر) أنت من أي جنس، يقول لك أنا عثمانلي مثلاً ونسي الجميع مصر؛ وهنا بدأت مصر لأول مرة يعود لها اسمها علي لسان رفاعة رافعة الطهطاوي، وبدأ المصري يكون له وجود حين اضطر "محمد علي"، أن يأخذ جنود من الفلاحين المصريين لأنه لا يأمن للماليك ولغيرهم، ومن هنا خرج أحمد عرابي أيضا، وبالتالي كان الأمل أن نبني مصر من جديد، وأول شخص أعاد هيبة مصر كان من خلال رفاعه الطهطاوي، حيث حدثنا حديث الإنسان التنويري عن مؤسسات الدول الأخرى في فرنسا، وكيف يحكمون، وكيف يعلمون، وعن دور المرأة، وبالتالي كانت حركة النهضة في مصر علي مرتين، ثم انزوت، ثم انكسرت، ثم بدأت في أوائل القرن العشرين وإلي جاءت ثورة 1952 والمجتمع المدني هو المجتمع المستقل ذاتيا والمؤمن بحق العدل والمساواة.

وأما في مجال الترجمة، فقد كان شوقي جلال يتميز بالترجمات العلمية ذات البعد الأكاديمي العلمي الصرف، وكان يمثل بحق رحلة عطاء فهو المترجم والناقد والأكاديمي، وهو نموذج فريد من نماذج إشباع المثقف، استطاع الجمع بين أمرين مطلوبين لمن أراد أن يكون رائدا في الثقافة، وهما الأكاديمية والإبداع. وفي علوم العربية كان عالماً متمرساً في أسرارها يعلمها علم أهلها، وذلك هو الشرط الأساسي ليولد من بين أحضان الثقافة الخاصة ثقافة عامة.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة وهي حصول المترجم شوقي جلال على جائزة “رفاعة الطهطاوي” للترجمة هذا العام، عن ترجمته لكتاب “موجات جديدة في فلسفة التكنولوجيا” والصادر عام 2018 عن المركز القومي للترجمة، الكتاب من تأليف جان كيربرج أولسن؛ والكتاب يعول علي أن وجود التكنولوجيا وتطورها رهن وجود الإنسان والمجتمع المبدع على مبدأ التاريخ . وإبداع التكنولوجيا هو الذى يحقق مجتمعا قادراً على البقاء والاستمرار . فاليد الصانعة التى تطورت بفعل العمل الاجتماعي هي التي صاغت بفعلها مخ الانسان وثقافته ولغته، وصاغت المجتمع. لذا يمكن القول إن التكنولوجيا هي التي صاغت هوية الإنسان، وتطورت هذه الهوية مع تطور التكنولوجيا، وتطور دورها في صياغة طابع الحياة مع اختلاف العصور ذلك أن الإنسان / المجتمع كما يوضح الكتاب ليس فقط كياناً عاقلاً / مفكراً بل كيان صانع. وتمثل فلسفة التكنولوجيا وافداً جديداً نسبياً فى مجال الفلسفة . بدأت إرهاصتها في أواخر القرن التاسع عشر وتطورت مع تطور عصر الصناعة والمعلوماتية . كما يعرض الكتاب " موجات جديدة" بقلم جيل جديد هو الجيل الثالث من فلاسفة التكنولوجيا المعاصرين . ويكشف عما تنطوي عليه التكنولوجيا أبدأً من نعمة ونقمة، من نفع وخطر، وإذا كانت تمثل على مدى التاريخ وعداً بتعزيز مطرد للبشرية، إلا إنها فى الوقت نفسه نذير دمار وفناء.

وكان شوقي جلال قد نال من قبل جائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، حيث كان قد ترجم العديد من الكتب العلمية والفلسفية إلى اللغة العربية، ومنها نذكر على سبيل المثال لا الحصر: الشرق يصعد ثانية لأندريه جوندر فرانك، وتشكيل العقل الحديث لكرين رينتون، وبنية الثورات العلمية لتوماس كون، بعيدا عن اليسار واليمين: مستقبل السياسات الراديكالية لأنتونى جيدنز، والتنمية حرية: مؤسسات حرة وإنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر لأمارتيا سِن، أفريقيا فى عصر التحول الاجتماعي، والعالم بعد مائتى عام، ولماذا ينفرد الإنسان بالثقافة، والتراث المسروق: الفلسفة اليونانية فلسفة مصرية مسروقة، والصدام داخل الحضارات: التفاهم بشأن الصراعات الثقافية، والآلة قوة وسلطة: التكنولوجيا والإنسان منذ القرن 17 حتى الوقت الحاضر لبوكانان، والتنين الأكبر: الصين فى القرن الـ21، والفيل والتنين: صعود الهند والصين ودلالة ذلك لنا جميعا، وكامى وسارتر، ولماذا العلم، وتاريخ العلم: 1543- 2001 لجون جريبين، والانتخاب الثقافي، الثقافات وقيم التقدم لهانتينجتون، بافلوف وفرويد،… إلخ…

تحية طيبة لأستاذنا شوقي جلال الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وفي تلك الكتابات المترجمة كان الأستاذ شوقي جلال يؤكد لي علي حقيقة مهمة، وهي أن الترجمة العلمية تعد في جوهرها عملية مقاربة ومقابلة بين أساليب لغوية مختلفة قد تتشابه أحيانا، ولكنّها تختلف في معظم الأحيان. وفي كل الأحوال، تتضمّن تفاعلاً فيما بين اللغات يتولد عنه إبداعاً جديداً بلغة امتطت لغة أخرى، واتخذتها أداة للاجتهاد ووسيلة للابتكار وللترجمة انعكاسات فكرية وسلوكية كبيرة على ممارسها قبل متلقّيها؛ فاللّغة المضافة، أو الثانية بالنسبة للمترجم، تخصّب أفكاره وسلوكه، وتمنحه الشعور باتساع الأفق والحريّة في التفكير؛ وبمعنى آخر فهي توسّع نطاق ممارسة الحريّة الإنسانية والسيكولوجية. كما أنّ اللّغة المضافة تشغل قدراً كبيراً من طاقة المترجم الذهنية والعقلية؛ إلى جانب التبديل الذهني وممارسة ذاتين في آن واحد، وما يترتّب عن ذلك من بلورة وصقل لشخصيته التي ما هي إلاّ مجموع أفكاره وثقافته وعاداته المؤثرة على صياغة أحاسيسه. ومن خلال ممارستي للترجمة العلمية، وبعيداً عن الإلمام بنظريات الترجمة ومدارسها والنماذج الموضوعة لها من قبل أهل الاختصاصي، ارتأيت أن أضع أمام المهتمين بالموضوع بعضا من تصوّراتي وأحكامي حول هذه الممارسة، والتي تبقى نسبية ومفتوحة على النقاش والتقويم والإسداء من المتضلّعين في الميدان. كما أعتبر هذه المساهمة المتواضعة محاولة لإثراء موضوع شائك كالترجمة، وبشكل خاص في المجال العلمي.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ شوقي جلال لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

كاظم شمهودكان للمسلمين السبق في ميدان الرحلات والاكتشافات الجغرافية والعلمية في العصور الوسطى. وكانوا متفوقين على غيرهم بعدة قرون ثم بدأوا يؤلفون ويؤرخون في تقويم البلدان ويصنفون اجزاء امبراطوريتهم وما جاورها من الاقاليم . وكان المؤرخون العرب هم في الحقيقة رحالة مثل المسعودي واليعقوبي والمقدسي، البيروني، ياقوت الحموي، الادريسي، ابن حوقل، ابن فضلان، ابن وهب القرشي، ابن بطوطة، ابن جبير الاندلسي وغيرهم .. . وقد ذكر بعض هؤلاء بان كتبهم ومذكراتهم قد نهبت وسرقت اثناء رحلاتهم من قبل الهنود في الشرق الاقصى والصليبيين في بلاد الشام. وكان امتداد الامبراطورية الاسلامية من الصين الى بلاد الاندلس شجع على الاسفار والرحلات على طول وعرض الامبراطورية والتي لولاها لما كان لنا ان نعرف اليوم شيئا عن ثقافات وتقاليد وعادات وعمران تلك الامم السابقة .

901 شمهود 1

من طرائف الرحالة:

يذكر بان ابن فضلان كان في رحلة عام 961 م الى بلاد البلغار والتي تقع جنوب روسيا في مهمة دينية فوجد من عادات الناس المسلمين هناك ان يضعوا على رؤسهم القلانس وعند التحية يرفعها ويضعها تحت ابطه مع انحناء الرأس احتراما، وهذه العادة عبرت الى اوربا في القرون اللاحقة .. كما ان من الاشياء التي اتعبت ابن فضلان في النصح والارشاد هي ان الرجال والنساء كانوا ينزلون الى النهر عراة فيغتسلون ولا يستر بعضهم من بعض ( ...؟) وقد كتب المؤرخ المستشرق الروسي فلادمير مينورسكي بان ابن فضلان كان دقيق الملاحظة والوصف حيث وصف حفل دفن زعيم روسي وصفا دقيقا حتى جاء احد الرسامين في القرن العشرين ورسم صورة لهذا المشهد اعتمادا على وصف ابن فضلان، واليوم الصورة تزين المتحف التاريخي في موسكو .. وكان معظم المؤرخين المسلمين قد اعتمدوا على مذكرات ابن فضلان مثل المؤرخ المسعودي .

901 شمهود 2

ومن الرحالة ايضا ابن وهب القرشي الذي انطلق من البصرة عام 256 هجرية / 870 ميلادية متجها الى الصين، وساح في بلاد الهند ثم دخل الاراضي الصينية وطلب مقابلة الامبراطور فسمح له بعد انتظار طويل، وعندما التقى بالامبراطور رحب به ودار حوار بينهما ثم عرض عليه الامبراطور بعض الصور لعدد من الانبياء مثل نوح في السفينة وموسى وبني اسرائيل وعيسى على حماره والحواريون معه .. ثم عرض عليه صورة تمثل محمد على جمل واصحابه محدقون به وقال له هذا صاحبك .. وتعتبر هذه الصورة من اقدم الصور الشخصية للنبي محمد –ص- ان لم تكن الاولى في تاريخ الفن الاسلامي، ثم جاء بعد ذلك الفنانون الايرانيون بعدة قرون ورسموا صور شخصية خيالية للنبي والائمة وبعض الصحابة خاصة في زمن الدولة الصفوية في بداية القرن السادس عشر ..

ويذكر ان رحلات المسلمين اقبل عليها المستشرقون الاوربيون بتشوق واعجاب كبير في القرن التاسع عشر ودرسوها ثم ترجموها الى اللغات الاوربية ثم طبعوها مثل رحلات ابن وهب القرشي التي طبعت عام 1811 على يد المستشرق الانكليزي لانجلس LANGLOS ، واعتبرها الدكتور حسين فوزي بانها من اهم الآثار العربية في ادب الرحلات الى الشرق الاقصى .. كما ترجمت وطبعت رحلات ابن دلف عام 1845 بعناية المستشرق فون شاوزر واتصفت بالايجاز والدقة في التدوين .

901 شمهود 3

ونتيجة لطول السفر والتعب والمخاطرة يبقى الرحالة سنوات بعيدين عن الاهل والاوطان مما يظطرهم الى الزواج، فذكر بان ابن بطوطة في رحلته تزوج في مصر مرتين وفي جزر الملديف اربع مرات، كما ذكر ابن بطوطة بان الرحالة يتزوجون ويخلفون اولادا ثم يرحلون عنهم اما الزوجات فلا يخرجن من بلداهن ولو اعطيت لهن ملك الدنيا ..

ومن الطرائف الاخرى ما دونه الرحالة سليمان السيرافي في حوالي 237 هجرية / 851 م حيث بدأ رحلته من البصرة في احد السفن التجارية المتجهة الى الشرق الاقصى، وقد اعتبرها المؤرخون من اول الرحلات الاسلامية الى الصين فاهتموا بها كثيرا لما فيها من غرابة ووصف لتلك الشعوب البعيدة ..، وقد وجد في احد الجزائر في المحيط الهندي بانه اذا اراد احد منهم الزواج لم يتزوج الا بقحف رأس رجل من اعدائهم فاذا قتل اثنين تزوج اثنين واذا قتل خمسين زوج خمسين امرأة ..؟ 

اما الرحالة الاندلسي الكبير فهو ابن جبير فقد قام بثلاثة رحلات الى الشرق حيث كتب مذكراته تحت عنوان – تذكرة بالاخبار عن اتفاق الاسفار – وقد طبعت بعد ذلك ونشرت على يد المستشرق الانكليزي رايت عام 1852 –W-Wright - وكانت رحلته الاولى قد بدات عام 1183 م . وقد مر ابن جبير على بغداد ووصف اهلها وصفا قاسيا ( ان هذه المدينة العتيقة وان لم تزل حاضرة الخلافة العباسية قد ذهب اكثر رسمها ولم يبقى فيها الا شهر اسمها، اما اهلها فلا تكاد تلقي منهم الا من يتصنع بالتواضع رياء، ويذهب بنفسه عجبا وكبرياء ...)

 وفي رحلته الثالثة الى الشرق كانت عام 614 هجرية / 1217 . ويذكر ان سبب هذه الرحلة وجده وآلامه على زوجته عاتكة التي توفت في تلك السنة والتي نظم فيها ديوانه (نتيجة وجد الجوانح في تأبين القرين الصالح)، ثم استقر في الاسكندرية في مصر وهناك توفى عام 1217 .

 

د. كاظم شمهود

 

عبد الاله الياسريأذكر أنّي ــ حين تأهّلت، وأنا تلميذ في (إعداديّة النجف) ، لتمثيل مدرستي، في المباراة الشعريّة لثانويات المحافظة، عام ثمانية وستين وتسع مائة والف للميلاد ــ عرضتُ قصيدة لي، بعنوان (الجراح تتكلّم) ، على استاذي (زهير غازي زاهد) مدرّس اللغة العربيّة يومذاك، لأشارك بها في تلك المباراة الشعريّة؛ فاستحسنها ، ثمّ اقترح عليّ أن أعرضها على الخطيب الشاعر الشيخ (عبدالصاحب البرقعاويّ) ، استئناساً بخبرته الخطابيّة والشعريّة، في أمسية أدبيّة خاصّة، تكون في دار قريبه الأديب (توفيق زاهد) صاحب (مكتبة زاهد ــ لبيع القرطاسيّة وتجليد الكتب) في (شارع الخورنق) بمدينة (النجف) .

سرّني اقتراح استاذي رغبة في التعرّف الى الشيخ الخطيب الشاعرأوّلاً، وفي الإفادة من خبرته في الخطابة والشعر ثانياً.  ومن بعد يومين أو ثلاثة، تلاقينا مجتمعين في الدار المذكورة آنفاً، ولم يكن حاضرو الإجتماع الا بضعة أشخاص.  وما ان فرغنا من شربنا الشاي، حتّى تعجّل الشيخ الأمرَ، وخاطبني بحزم مهني: (إقرأ قصيدتك على ظهر قلب الآن، كما لو كنتَ أنت واقفاً على خشبة المسرح، ونحن الجمهور الجالس أمامك في قاعة الحفل) .  بدأت أقرأ مطلع القصيدة، فإذا هو منصرف عنّي كلّ الإنصراف.  يتحدّث إلى صاحب الدار، ثم نهض فجأة، وقاطعني بقوله: (ماينبغي للشاعر أن ينشد شعره والجمهور مشغول عنه بالكلام!. ) قلت: (وما عساني أن أفعل، إذا كان المتكلّم هو الشيخ وصاحب الدار؟) قال: (حتّى لو كانا والديك، فلا تتردّد في أنْ تنهرهما بطريقة ما لتسكتهما، كقولك لهما مثلاً: أأسكت فتتكلّما أم أتكلّم فتسكتا؟ إنّك بازاء فنّ الخطابة لا أدب السلوك.  إيّاك إياّك أن تقرأ مطلع قصيدتك من دون أن تتاكّد من صمت الجمهور وإصغائه إليك) .

كان درساً قاسياً. قبلته كالدواء المرّ، لكنّه كان مفيداً فعلاً. ثم شرعت أنشد الأبيات بيتاً فبيتاً حتّى بلغت بالإنشاد البيت التالي: (فياسمائي أحيلي الشمس عاصفةً ــ تطوي الغزاة تدقّ الرأس والذنبا)؛ فألقَى الشيخ عباءته جانباً، وشمّر عن ساعديه، وهو يخاطبني منفعلاً : (مالك حييّاً بارداً؟ ماهكذا يكون إنشاد العاصفة السماويّة التي تريد أن تدقّ بها الطغاة دقاً؟) ثمّ طفق ينشد البيت وهو في أشدّ حالة من الحماس الخطابيّ؛ ليريني بالصوت وبالإشارة القوّة التعبيريّة التي تصير بها الشمس الجميلة عاصفة مدمّرة بين يدي الشاعر. حاكيته، في طريقة إنشاده الأبيات التي أظهر أهميّتها في القصيدة، سامعاً وطائعاً. ومضت المشاهد المسرحيّة تتكرّر وتعاد بيننا، حتّى تيقَّن كلَّ التيقّن أنّي قد أتقنتُ الدورالذي يجب أن يكون عليه المثال الأعلى لمنشد الشعر الحماسيّ؛ فابتسم حينئذ رضىً وغبطةً، ودخّن سيجارة متنفساً الصعداء. أشهد أنّه كان مُخرِجاً مسرحيّاً مبدعاً وممثلاً مدهشاً. لم تُتح لموهبته الفنيّة فرصة الظهور، في مدينة كالنجف وبلد كالعراق. وأشهد أنّي أخذت منه أصول الخطابة في الشعر ومبادئها. وله الفضل كلّ الفضل، في غلبة قصيدتي قصائدَ ثانويّات المحافظة (كربلاء) فوزاً بالجائزة الأُولى، في تلك السنة المنصرمة ــ كانت (النجف) قضاء تابعا لـ (كربلاء) وقتذاك ــ وله الفضل كذلك، في تطوير إنشادي الشعرَ في المهرجانات الشعريّة الجامعيّة، وغير الجامعيّة من بعد. ولعلّ اعترافي الدائم، بهذا الفضل، هو الذي جعل صاحب كتاب (مستدرك شعراء الغريّ) يقول عنّي: (نظمَ الشعر وتمرّسَ به على الشيخ عبد الصاحب البرقعاويّ) ، ثم نسخَ قولَه نصّاً صاحب كتاب (معجم الأدباء من العصر الجاهليّ حتى2002م) دون تحقيق ولا تدقيق. إنّي لا أستنكف من أن يكون كمثله معلّمي في الشعر؛ لكنّ علاقتي به على المستوى الشعريّ ــ والحقّ يقال ــ لم تكن علاقة مُتعلِّم بمُعلِّم.                       

 نعم. قد وثّقت علاقتي فيه، بعد حكاية تلك القصيدة وفوزها، توثيق مُتأثِّر بمُؤثِّر لا مُتعلِّم بمُعلِّم؛ إذ أمسيت أقصد إلى (مكتبة زاهد) عشاءً بين حين وآخرــ حيث هو يجلس هناك بعد صلاة المغرب ــ لأقرأ عليه مااستجدّ من شعري مستنيراً بقبساته النقديّة المفيدة؛ كما انّي كنت أرى ثُلّة من الشعراء الشباب، يقصدون إلى المكتبة مثلي، طامعين في لقائه ونقده الشعريّ طمع الطيور في شجرة وارفة الظلّ، في ساعة قائظة؛ حتّى صارت (مكتبة زاهد) وكراً شعريّاً لنا، نتلاقى عنده إلى حين. كانت تلك المكتبة التي سميتها"وكراً" فارغة من القرطاسيّة، او كالفارغة منها. لا تكاد تعرف رفوفها المقفرة تجاريّاً غير الشعر وأهله، وغير سجالات أنصار الجديد وأنصار القديم، من شيوخ الشعر وأساتذته الذين كثيراً ما كانوا يعرّجون عليها، كلّما مرّوا في (شارع الخورنق) قادمين من منتديينِ للشعر يجاورانها. هما مقهى (ابو المسامير) و (الرابطة الادبيّة) . وكان ذلك الشيخ البرقعاوي المعمّم الملتحي يضفي حضوره على قفرها التجاريّ بهاء علمياً وأدبيّاً يوم كانت الناس تظنّ رجالَ الدين هم العلماء والأدباء في تلك المدينة لاغيرهم. وكلّما نظرت إليه نظرةَ رويّةٍ واناة,ألفيت الناس محقّين فيما يظنّون، وصدّقت ظنّهم. فهو زاهد زهادة شيخ صوفيّ. لايكاد يتكلّم حتّى يفكّر ملياًّ. وكثيراً ما كانت عيناه تسبقان لسانه بالنطق، ولا تزوغان يميناً او شمالاً إلا إذا اضطُرّتا الى الزوغ. تشعّان دهاء وإقداماً وقوّة. وكم من مرّة استنبطت ماتقولان قبل ان تفوه بحرف شفتاه.

أسمعته ذات مساء قصيدة من قصائدي الغزليّة. ولمّا وصلت بالقراءة الى كلمة (إصبع) في البيت التالي:

 (وأرى الزمان أقام سدّاً بيننا / والبعد مابيني وبينكِ إصبعُ)

أغرقت عيناه في الضحك قبل سنّه، وقال لي مُقاطِعاً ممازحاً: (إِستبدل كلمة (إصبع) بـكلمة (أذرُع) فوراً، قبل ان تسمع محبوبتك بهذا البعد الدالّ على العجز الجنسيّ، فتستبدلك برجل آخر) . ما كان أحسن فطنته النقديّة! وما كان أقبح غفلتي الشعريّة!. كان ناقداً ذكيّاً دقيقاً حقّاً. لايكاد يخطئ مرماه النقديّ اذا رمى. وكان عميقاً أيضاً. يُؤثر التلميح مُوجِزاً على التصريح مُطنِباً. وجدته يوماً يخبر صاحبه الأديب (توفيق زاهد) أنّ سجّانيه سألوه قصيدة مدح لهم؛ فردّهم بقوله: (كيف تسألون بلبلاً أن يغرّد لكم، وانتم واضعوه في قفص؟) . ولا أشكّ في أنّ سجّانيه هم (الحرس القوميّ) الذين أغرقوا العراق بدماء أهله ودموعهم ، سنة ثلاث وستين وتسعمائة والف للميلاد.. وكان واسع الصدر. يذكّرني حِلمه بقول المتنبي:

 (شيم الليالي أنْ تشكّك ناقتي / صدري بها أفضى ام البيداء؟)

في صدره مكمن أسرار خفيّة. وتزاحم أخبار قصيّة. لاتعرف منها إلا ما بدا وظهرمصادفة. أَسمعني ذات مرّة مطلع قصيدة له:

 (لئن شنقتكَ أشرار الطغاةِ / فحبل الشنق ينبض بالحياةِ)

قرأه ثم استدركه بالإعراض عنه ساكتاً.  كأنّه قد سها عنه,في ساعة من غفلة الرقيب الذاتيّ,فانزلق إلى شفته لاشعورياًّ؛ ولمّا انتبه إلى سهوته، استعان عليها بالسكوت شعوريّاً. أغراني جمال المطلع الثوريّ بأن أسمع ما تليه من أبيات؛ لكنّه كتمني إيّاها، وأبى ان يجهر بالقصيدة.  وأحسبها مقولة في الخمسينيّات في رثاء (فهد) سكرتير الحزب الشيوعيّ العراقيّ . لعلّه تذكّر مانسي من ضريبة الشعر الوطنيّ ــ السياسيّ في العراق، فأحسّ بما يوجب التزام السكوت في مثل هذا الموقف، فسكت محترزاً. ولعلّه..  كم كنت أتمنّى لو أسمعني تلك القصيدة. لكنْ هيهات من رجل دين مثله أن يُسمع شابّاً مثلي إياها، وهيهات من صوت وطنيّ مغلوب أن يتحدّى صوتاً دينيّاًّ غالباً بفتواه (الشيوعيّة كفر وإلحاد) التي دوّت في أرض العراق تلويحاً بالسجن والتعذيب والقتل والإعدام . لم يكن احترازه ليَفجأَني. لقد علمته وغيري من مريديه شيخاً محترزاً فيما يقول عن الشيوعيّة ، على العكس من نظيره الشاعر الأستاذ (مرتضى فرج الله) الذي كان يجاهر محدّثيه بشيوعيته، غير مبال بردود الأفعال ولا بالنتائج . ولربَّما أسف شيخنا على تجربة سياسيّة أَنقضت ظهره أشدّ الأسف؛ فطوى صحائف ذكرها يائساً مُختصِراً معناها,في بيت من الشعرله، طالما ردّده تأسّفاً:

 (إنَّ شعباً تذيب روحك فيه / يتلقّاك في شعور بليدِ) .

ومهما يَطوِ حقيقته أو يُخفِها تحفّظاً أو تواضعاً، فإنّ شهرته الشعريّة بين الناس اوسع من ان يطويها أو يخفيها تحفّظ او تواضع .  وإنّي لأحسبه شعريّاً

أميل الى التجديد والإبداع منه الى التقليد والإتّباع..  ماأجمل شعره العموديّ! وماأجمل شعره الحرّ أيضاً! بل ماأجمل شعره كلّه! وليت آل بيته ومحبّيه يُعنون بموروثه الشعريّ، فيجمعوه إن لم يكُ مجموعاً؛ ويُعنون، كذلك، بكتابة سيرته التي مافتئت أجهل صيرورتها مذ هجرتي القسريّة من الوطن ــ العراق في أواخر السبعينيّات. وآخر عهدي به أنّه قد أسّس ندوة أدبيّة في مدينة (النجف) ، أسماها (ندوة الأدب المعاصر) .  ومازلت لاأدري حتّى الساعة: كيف كانت عقبى ذلك المشروع الثقافيّ، في وقت، كانت فيه جميع المشروعات الثقافيّة، تحت سيطرة سلطة الدولة القمعيّة ورقابتها؛ وجميع المثقّفين بين موالٍ لها، أو منكفئ لائذ بالصمت عنها. ؟رحم الله الخطيب الشاعر الشيخ عبد الصاحب البرقعاويّ، وطيّب ثراه، وأخلد ذكره.

 

عبدالإله الياسري

........................

*هذا المقال، أَصلاً، هو إجابة عن تساؤل لطالب الماجستير الأستاذ (عبّاس الأنيس) عن الشيخ (عبد الصاحب البرقعاويّ)؛ بعد إعادة صياغتها شكليّاً للنشر.

 

مراسيم فريدة: حين دعته رئاسة الوزراء في فرنسا ليتم تقليده وسام جوقة الشرف الوطنية عام ٢٠١٦، لم يذهب وحده بل أصطحب معه أصدقاءه المعوقين عقلياً الذين كرس الجزء الأكبر من حياته لإخراجهم من سجن المصحات العقلية ليعيشون معه في بيته، ولم يكن أصدقاءه هؤلاء لينبهروا بتلك الأجواء الرسمية الصارمة، ولا ليلتزموا بأي بروتوكول، حتى أنهم كثيراً ما قاطعوا كلمة رئيس الوزراء (مانويل ڤالس)، وسرعان ما طالبوا بأخذ الصور معه، ولم يكن نادراً أثناء عملية التصوير تلك أن يتلقى (مانويل ڤالس) دفعة ما ليتنحى قليلاً ويفسح المجال لأحد أصدقاء. نعم، ربما لم يستقبل قصر (الماتينيون Matignon) وفداً بهذه الخصوصية. لكن ذلك هو ثمن دعوة (جان ڤانييه Jean Vanier) ليحل ضيفاً.

898 جوفه

نبي حرية المجانين

كان مانويل ڤالس وقتها يسعى لأن يترشح للإنتخابات الرئاسية، فما كان على (جان ڤانييه) أن يقول يومها في حفل تقليده الوسام: ( يريد بنو آدم على الدوام سلطة أكثر، مالاً أكثر، دائماً أكثر، أكثر، أكثر… هذا هو أكبر فرق بيننا وبين الطيور).

توفي (جان ڤانييه) قبل أيام، ونشرت مختلف الصحف الفرنسية مقالات عنه، وكانت جريدة اللوموند قد إختارت بدء مقالها عنه بحفل تقليده الوسام ذلك الفريد من نوعه وما جرى فيه من طرائف وحسناً فعلت فذلك أفضل ما يبين لنا عقلية هذا الرجل الفريد الذي قد أطلقت عليه الجريدة وصف (نبي حرية المجانين) في عنوان المقالة. 

نجده دوماً يدعو للتواضع حين يجري تكريمه، فقبل سنة من يوم تقليده الوسام، حين كان حينها يتسلم جائزة (تيمپيلتون Templeton) في بريطانية، قال: (هذا العالم سوف يقوم بتغييره أناس جرى إحتقارهم ونبذهم).

تدرب على البحرية العسكرية اثناء فترة الحرب العالمية الثانية وكان يؤخذ عليه (قلة إحترامه لرؤسائه)، وأعتقد أنه لم يتحمل عنجهيتهم. صار ضابطاً على متن حاملة طائرات كندية، لكنه سرعان ما إستقال وكرس نفسه للصلاة ودراسة الدين والتعرف على رجاله خصوصاً الدومينيكيين منهم.

السفينة

لا عجب بعد ذلك أن نعرف أن (ڤانييه) هذا إختار أن يقيم في قرية في شمال فرنسا منذ عشرات السنين حيث أنشأ مؤسسة (سفينة L’Arche) المدافعة عن المعوقين، وحيث يؤوي معه معاقين عقلياً هناك. يرجع إهتمام (ڤانييه) بالمعاقين إلى بدء إلتزامه بالعمل مع الكنيسة، لكن سنين الستينات تحديداً هي التي جعلته يهتم بشكل خاص بالمعاقين عقلياً. فقد دعي يوماً ما للمشاركة في فعالية (إشراف على إرشاد روحي) لمعاقين عقلياً، ومن ذلك اليوم تنامى إهتمامه بهذه الشريحة.

 

 إلا أن حقيقة كونه يعيش في قرية لم يعني أن يغفله الإعلام فقد كان مشهوراً ويشار إليه بين فترة وأخرى، حتى أنهم أطلقوا على كويكب كان يشار إليه سابقاً برقم (٨٦٠٤)، إسم (ڤانييه) منذ عام ٢٠١٠ تكريماً له.

تشمل اليوم مؤسسة (سفينة نوح) ١٤٧ فرعاً، ٣٢ منها فقط في فرنسا أما البقية فتنتشر في كل قارات العالم وتعرف على أنها مؤسسة (طبية-إجتماعية).

والحديث عن تجربة ڤانييه يطول لكن لنذكر أول ليلة قضاها في تجربته في (السفينة)، فقد أعترفت الدولة بمؤسسته وقررت منح تخصيص مالي بسيط لكل معاق يسكن معه في ذلك البيت الذي كان يحتوي على أبسط الأثاث، ولم يكن في البدء مزوداً بالكهرباء، فإستقبل ثلاث معاقين عقلياً كانوا في ثلاثتهم بكماً، وكان الإتفاق أن يبقون معه لمدة شهر، يقررون بعده إن كانوا سيستمرون في العيش معه أم الرجوع إلى حيث كانوا، وفي الليلة الأولى تلك هاج أحد المعاقين ولم يستطع النوم وخرج إلى خارج السكن مزمجراً، ولم يستطع ڤانييه التواصل معه فصار القرار أن يعيدوه إلى مكانه الأول، فبقي معه إثنان شاركوه في حياته اليومية، من مأكل وتسوق، وتفسح واهتمام بالحديقة، وصلاة. فبقوا معه وصاروا عائلة واحدة، ورغم ان ڤانييه كان يتوقع أنه لن يستقبل أكثر من أربعة معاقين معاً، إلا أنه حصل وأن عاش معه أكثر من ضعف ذلك العدد.

ڤانييه والعالم العربي

نجد أن رجال الكنيسة في المشرق هم أول تصدوا لترجمة أعمال (ڤانييه) للعربية، ونقرأ في مقدمة أحد الكتب المترجمة، وهو كتاب (مرافقة الآخر) الذي نقله للعربية الأب حبيب هرمز النوفلي، والذي نشر في بغداد عام ٢٠٠٦ وهو من منشورات (الكنيسة الكلدانية في بريطانيا)، نقرأ في تلك المقدمة أن المترجم كان قد إلتقى بـ(ڤانييه) في العراق قبل سبع سنين. عدا تلك الإشارة لزيارته بغداد لم أجد مصدراً آخر في تفاصيل أكثر. نقرأ في المقدمة كذلك أن هناك كتباً آخرى لـ(ڤانييه) قد ترجمت وهي كتاب (اصبح إنسانا Becoming Human) و(باب الرجاء A door of hope) وكلاهما بمشاركة الأب حبيب هرمز النوفلي.

وهناك كتابان مترجمان له نشرتهما دار الشروق في بيروت وهما (ألتقي يسوع يقول لي « أنا أحبك »)، و(لا تخف)، هذا وتذكر الويكيبيديا باللغة الفرنسية ٣٣ عنوان كتاباً من تأليفه مثل (صمتك يناديني Ton silence m’appelle) عام ١٩٧١، (كل شخص هو قصة مقدسة Toute personne et une histoire sacré) عام ١٩٩٤، (الرب يختار الضعف Dieu choisit la faiblesse) عام ١٩٩٨.

هذا ويتيح موقع الكاتب (أديب مصلح) في الإنترنيت تحميل كتابه (جان فانييه وسفينته)، وهو من كتابة (أديب مصلح) ويتكون من ٦٤٦ صفحة نشرته (منشورات المكتبة البولسية) تحت مجموعة (سلسلة النوابغ). ونجد في نفس الكتاب نبذة عن أغلب كتب ڤانييه المذكورة في الويكيبيديا.

نجد كذلك في الإنترنيت صوراً لڤانييه في عاملنا العربي، فله صورة يرقص مع المعاقين في الأردن، وصور في الفايسبوك من زيارته لسوريا عام ١٩٨٣ في افتتاح فرع جمعية (إيمان ونور Foi et Lumiere) في دمشق. ومن البلدان التي استفادت من تلك التجربة هي مصر، حيث أنشأت هناك مؤسسة تشبه مؤسسة (سفينة)، وذلك في المينا تحديداً، ويطلق عليها (أرش المينا).

ڤانييه والإسلام

نقرأ في كتاب (جان ڤانييه وسفينته) أنه حين أفتتح مركز (السفينة) في (بيت عنيا) في فلسطين، كان يشغل الطابق الأرضي والقبو لمبنى يسكن طوابقه العائليا عائلة مسلمة، وكانت أولى معاقة يستقبلها المركز مسلمة أيضاً، فطلب من أب العائلة الساكنة أعلى المركز أن يترأس إفتتاح المركز ذلك وتأدية الصلاة، ونقرأ من الكتاب: (وكانت لحظات حافلة بالوقار، والتواصل، والتوادّ، عندما تلا الفاتحة بصوت خفيض).

وتخبرنا (نايلة طبارة) نائبة رئيس مؤسسة أديان في لبنان ومؤلفة كتاب (الإسلام من وجهة نظر إمرأة) باللغة الفرنسية مع (ماري مالزاك Marie Malzac)، بأنه قال لها مرة بأن رابعة العدوية قد ألهمته الكثير من الأشياء. وتقول (طبارة) بأن زيارتها لـ(السفينة) جعلتها تفكر في موضوع (الضعف) في الإسلام، وتنتبه إلى أن القرآن الكريم يذكر ضعف الإنسان وحدود قدرته.

وفعلاً ما تقوله (طبارة) صحيح، ألم ينبهنا القرآن الكريم إلى أفضلية الضعيف، على سبيل المثال في حادثة الأعمى إبن أم مكتوم في سبب نزول سورة (عبس)، في طلبه للهداية والمعرفة، من كبراء القوم الذي استغنوا وتكبروا؟

الطب النفسي الإجتماعي

وأخيراً لو أردنا تصنيف نشاط (ڤانييه) في ضوء علم الطب النفسي فإننا سنصنفه تحت خانة (طب النفس الإجتماعي Community Psychiatry)، وهو ذلك التخصص الدقيق المهتم في إيجاد حل لمشكلة عيش المعوقين عقلياً في المجتمع. فمن جهة لا يجب تركهم يتكدسون في المستشفيات كالمساجين، ومن جهة أخرى لا يمكن ترك مسؤولية إندماجهم في المجتمع عليهم وحدهم.

رحل الرجل تاركاً وراءه تجربة يمكن أن يستفيد منها من يريد، رحل ولم تقتصر المقالات المنشورة وكلمات التأبين على جهة معينة، فالصحيفة التابعة للكنيسة (لا كروا « الصليب » La Croix)، كما صحف اليسار أشادت بجهوده، وربما لم تبالغ جريدة الـ(لوموند) حين وصفته بأنه نبي.

 

سامي عادل البدري

..........................

المصادر:

1- رابط فيه بعض المعلومات عن أرش المينا في مصر:

http://coptcatholic.net/مرور-50-عاما-على-تأسيس-الأرش-الدولي-الخا/

٢- مقالة نشرت في جريدة (الصليب La Croix)، الناطقة باللغة الفرنسية والتي تكلمت عن ردة فعل (نايلة طبارة) بعد سماعها بخبر وفاة (ڤانييه):

https://www.la-croix.com/Religion/experience-lArche-amenee-penser-fragilite-islam-2019-05-07-1201020113

٣- مقالة (اللوموند Le monde) بعد وفاة (ڤانييه) الذي أعتمد عليه كثيراً في هذه المقالة:

https://www.lemonde.fr/disparitions/article/2019/05/07/mort-de-jean-vanier-fondateur-de-l-arche-prophete-de-la-liberte-des-fous_5459218_3382.html

٤- تحميل كتاب (جان فانييه وسفينته) من موقع الكاتب (أديب مصلح):

http://www.adibmousleh.com/books/jan%20vanyeh%20wa%20safeenatuh.pdf

٥- رابط تحميل كتاب (مرافقة الآخر) من موقع (بطريركية بابل للكلدان):

http://saint-adday.com/books/2013/encountering84yt62.pdf

٦- الرابط حيث نجد صورة ڤانييه يرقص مع المعاقين في الأردن

https://www.abouna.org/holylands/’إيمان-ونور‘-47-سنة-في-العالم-و27-في-الأردن

 

محمود محمد عليهناك رواد تنحسر عنهم أضواء الشهرة من أساتذة الفلسفة الإسلامية؛ وبالأخص في مصر بسرعة لافتة للنظر، مع  أنهم أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس في مجالها، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم، وعلي أن يبدعوا في أكثر من مجال مثل أقرانهم الأكثر شهرة الذين كان عليهم الإسهام في كل مجال من مجالات الفلسفة الإسلامية المختلفة (سواء في علم الكلام أو في التصوف أو الحكماء العرب)، استجابة إلي تحديات الركود الفكري في مجتمعهم ورغبة في الوقت نفسه في الارتقاء بهذا المجتمع من خلال نشر التنوير.

ويعد الأستاذ الدكتور محمد حسيني أبو سعده (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب – جامعة حلوان بجمهورية مصر العربية)، واحداً من رواد الفلسفة الإسلامية الذين انحسرت عنهم أضواء الشهرة ؛ حيث أنه قلما يذكر اسمه في المؤتمرات والمحافل التي تهتم بالفلسفة الإسلامية في مصر وفي العالم العربي، مع العلم بأن هذا الرجل كان واحداً من الأساتذة الجامعيين الذين يقومون بتدريس الفلسفة الإسلامية من وجهة نظر إسلامية خالصة، بعد أن كانت تُدرس من خلال الدرس الإستشراقي الذي ربط الفلسفة الإسلامية بالتراث اليوناني، وأهم من نادوا بالبحث عن أوجه الأصالة والابتكار في الفلسفة الإسلامية، وهو بالإضافة إلي ذلك نموذج للأستاذ الجامعي كما ينبغي أن يكون سواء في التزامه بأداء واجباته الوظيفية الاكاديمية علي أحسن ما يكون الأداء، أو في ارتباطه بطلابه في علاقة إنسانية رفيعة المستوي في هدي من التقاليد الجامعية التي يحرص عليها كل الحرص، إذ هي دستوره في كل معاملاته مع كل من هو في الوسط الجامعي .

كما كان واحداً من كبار الرواد في دراسة الفلسفة الإسلامية في مصر، والعالم العربي الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الإسلامية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

يشهد علي ذلك زملاؤه بكلية الآداب فرع سوهاج جامعة أسيوط (سابقاً) التي شهدت مولده الوظيفي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي (قبل أن ينتقل إلي مثل وظيفته بكلية الآداب– جامعة حلوان)، بل ويشهد علي ذلك طلابه الذين أشرف عليهم وأزعم (ولي الشرف في ذلك) أنني واحداً منهم .

نعم لقد كنا نري في الدكتور أبو سعده نعم الرجل المتوحد الشامخ: سراجاً هادياً، عالياً كالمنار، وارفاً كالظل، زاخراً كالنهر، عميقاً كالبحر، رحباً كالأفق، خصيباً كالوادي، مهيأ كالعلم، لا يرجو ولا يخشي، طاقته لا تنضب، كأن وراءها مدداً يرفدها من سر الخلود .

والدكتور أبو سعده من مواليد 1943 بمحافظة القاهرة – المرج – الخصوص، حيث تم تعيينه مدرساً للفلسفة الإسلامية سنة 1988 بكلية الآداب بسوهاج – جامعة أسيوط (سابقاً)، وترقي لدرجة أستاذ مساعد سنة 1992، ونقل إلي مثل وظيفته إلي كلية الآداب بجامعة حلون سنة 1994، ثم حصل علي درجة الأستاذية سنة 1995، وعين رئيساً لقسم الفلسفة سنة 1996، وأخيراً قد وافته المنية في صيف عام 2003 بسبب مرض انتشر في ظهره .

وللدكتور أبو سعدة كتابات كثيرة في الفلسفة الإسلامية، نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: كتاب "الله والعالم بين الاتجاه المشائي والاتجاه الإشراقي عند مفكري الإسلام : دراسة مقارنة، وكتاب الوجود والخلود في فلسفة أبي البركات البغدادي، وكتاب الآثار السينوية في مذهب الغزالي في النفس الإنسانية، وكتاب الإستشراق والفلسفة الإسلامية، وكتاب المنهج النقدي عند الباقلاني، وكتاب الشهرستاني ومنهجه النقدي دراسة مقارنة مع آراء الفلاسفة والمتكلمين،  وكتاب النفس وخلودها عند فخر الدين الرازي ... الخ.

كانت أول بداية علاقتي بالدكتور أبو سعد سنة 1992، حين أشرف علي رسالتي للدكتوراه، والتي كانت بعنوان " المنطق وعلاقته بالفقه عند الأشاعرة "، حيث كان مشرفاً مشاركاً مع أستاذنا الدكتور عاطف العراقي (رحمة الله عليه)، وكان دخوله علي في الإشراف من خلال الدكتور عاطف العراقي الذي أخبرني أنه سيفيدني كثيراً، وبالفعل ذهبت لمقابلته بمكتبة بقسم الفلسفة بكلية الآداب بسوهاج، حيث كان سيادته آنذاك أستاذاً مساعدا ً للفلسفة الإسلامية، وحين قابلت وتحدثت معه أدركت للمرة الأولي أنني أمام شخصية متميزة لأستاذ أكاديمي، تختلف عن شخصيات كثيرين غيره من الأساتذة، شخصية تتوفر علي سمات ومقومات وأبعاد، تنتزع بذاتها الاحترام وتفرضه، وتستأهل التقدير وتثير الإعجاب، وتغرس في النفوس حبا تخامره رهبة، وأملا يواكبه شعور بالتفائل، وانتماءً بصاحبه شعور بالزهو بالإشراف علي يديه .

كثرت لقاءاتي به خلال إشرافه علي رسالتي للدكتوراه، وهنا اكتشفت بعداً آخر في شخصية الدكتور أبو سعده، حيث كنت أشعر في حضرته دون ثالث لنا بالأب الحاني والأستاذ القدير، الناصح والموجه والمرشد، لا يفرض توجهاً معيناً، ولا يستبد برأي، ولا يلزمني بوجهة نظر خاصة، وإنما يحاور ويناقش ويوجه، ويفتح أمامي أفاقاً جديدة، ويعرض آراءه وافكاره ورؤاه، ثم يترك لي حرية الاختيار .

لقد كان له فوق ذلك ومعه، تواضع وحنو يذهبان عني كل رهبة دون افتقاد الاحترام والهيبة ويشجعاني علي طرح المزيد من الاستفسارات والتساؤلات، مما يطيل الحوار معه، ولم ألحظ منه قط ضيقاً أو امتعاضاً أو مللاً، ولا استعلاء وتكبراً، ولا أسمع منه إلا كلمات التشجيع بما يعزز الأمل عندي ويبعثني علي مضاعفة الجهد وبذل أقصي ما في الوسع عن رضي واقتناع .

ومما جذبني في الدكتور أبو سعده حبه العميق للغة العربية، فقد كان عاشقاً لها، غيوراً عليها، حفياً بها – وقد انعكس ذلك كله علي أسلوبه في كتاباته؛ حيث كان أسلوبه جذلاً، فيه رصانة وطراوة، وإغداق وإثمار، وفيه عذوبة تشد الآذان إليه لسهولته، وإن تكن من نوع السهل الممتنع . فعباراته قصيرة، لكنها واضحة الدلالة؛ وتنتظم في حلقات من سلسلة تشبه جواهر منظومة في عقد، تجسد الفكرة، وتقدمها للمتلقي في سياق يصعب أن تحذف منه كلمة، أو تضيف إليه كلمات، وتكاد تشعر أنك مع شاعر مبدع يعزف علي أوتار كلماته لحناً عذباً رائعاً يستلب القلوب، ويأخذ بمجامع العقول، فيشيع فيها امتاعاً  وأنساً مع شئ من الحماسة تضطرم به الأفكار، غير أنك لا تكاد تسمع منها في الأعماق إلا همساً . ومع هذا أسلوب علمي يتضمن صياغات في ثوب أدبي - رفيع - قشيب.

إن الدكتور أبو سعد حين تقرأ له أي كتاب من كتاباته في الفلسفة الإسلامية،  يشعرك بالمتعة، وأقصد بالمتعة متعة الأفكار، وهي تغزو عقلك في زحف هادئ، لكنه معزز بالدليل والبرهان، فيرغمك علي تقبلها باقتناع، ومتعة الروح التي تتسرب إلي كيانك من رقة الأسلوب وعذوبة الكلمات وسلاسة العبارات . كل ذلك يعكس مدي قدرة الأستاذ علي توظيف قدراته اللغوية وثقافته الوسيعة لخدمة أغراضه العلمية التي تجسدها بحوثه ودراساته .

وثمة بعد آخر في شخصية الدكتور أبو سعده العلمية، ويتمثل في منهجيته في البحث، تلك المنهجية التي تكشف عن اقتدار وكفاءة عالية في الالتزام لقواعد المنهج العلمي وضوابطه، لا حظت ذلك بجلاء خلال فترة الإشراف علي في الدكتوراه في طرحه للموضوعات وإثارة المشكلات وطريقة تناولها ومعالجتها . فهو قد علمني كيف أفصل المجمل، وأكشف عن المستور من المعاني التي تخفيها ظواهر النصوص، وأُوضح الغامض من الأفكار، كما علمني بألا أترك شاردة ولا واردة تتصل اتصالاً وثيقاً بالموضوع إلا ويجب علي أن أذكرها أو أشير إليها في بحثي .

كما علمني أيضاً كيف أعُول علي أمهات المصادر والمراجع، ثم أدلي بدلوي في الموضوع، مدعماً آرائي وأفكاري بمنطق البرهان، وكيف أكون حريصاً علي أن أنتقد بعض وجهات النظر من منظور النقد، بحيث لا أقتصر علي بيان السلبيات والعورات، وإنما علي أن أتوسع ليشمل أيضاً تبيان الإيجابيات التي تتضمنها مشيداً بصاحبها، فلا أبخسه حقه في الابتكار والإبداع، التزاماً من جانبي بالموضوعية والتجرد، بحيث أجعل العقل يعمل وطأته منفصلاً عن بقية النوازع الإنسانية.

وثمة بعد آخر علمني إياه الدكتور أبو سعدة وهو كيف يتسني لي أن أحدد موضوع البحث تحديداً دقيقاً، وأن أعمد إلي إبراز أهم عناصره ومحاوره وأبعاده،  ثم أستعرض الآراء  التي قيلت بخصوص كل عنصر، وأن أردها إلي أصولها ومصادرها الأصلية، بحيث أكشف  بهذا عن مدي تأثر اللاحق بالسابق من الفلاسفة والمفكرين والباحثين؛  ثم أتابع الفكرة في تناميها وتطورها منذ نشأتها، حتي تصل إلي منتهي ما وصلت إليه لدي من تناولوها بالدراسة؛ بحيث أكشف عما طرأ علي الفكرة أو النظرية من انتكاسة، أو إضافة، أو تجلية، أو دعم، أو هجوم نقدي، أو تأصيل عقلي وفكري، وأن أضع ذلك كله في منظومة علمية تبث الروح في النظرية، وأن تثير في القارئ ميلاً عقلياً إلي احتضانها أو النفور منها، بمبررات عقلية – منطقية في كلتا الحالتين، بحيث تفرض عليَ أن أتخذ موقفاً ما، دون الاقتصار علي مجرد التلقي أو السرد والحكاية . فأين من هذا كله أساتذة هذه الأيام (وأخص بالذكر الأساتذة غير الشرفاء الذين لا يخافون الله ولا يحترمون أنفسهم) هؤلاء الذين يريدون أن يحلبوا الباحث حلباً ليعطيهم الدرهم والدينار نظير أن يكتبوا له رسالته ويناقشوه (ماجستير أو دكتوراه) نظير مبلغ كبير من المال !!

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة، وهي أنني قد تعلمت علي يد الدكتور أبو سعدة الكثير من قضايا المنهج العلمي، ومنها قوله لي (الذي لا أنساه) بأن علة ضحالة وهشاشة معظم الكتابات الفلسفية في ثقافتنا العربية المعاصرة ترجع في المقام الأول إلي افتقار أصحابها المنهج – أي – ذلك الطريق الواضح والخطوات المنظمة التي يخطوها الكاتب في التصنيف والتأليف والترجمة والتحقيق. وتعلمت منه أيضاً أن مثل هاتيك الكتابات غالباً ما تتسم بالغموض في الأسلوب والركاكة في الصياغة والاضطراب في عرض الأفكار، والتناقض في الاستنتاج، وذلك لأن صاحبها غير مؤهل للكتابة لكونه من أشباه الدارسين وأنصاف الباحثين الذين حرموا من ملكة الابداع والنزعة النقدية . والسمات الذاتية التي تميز أصحاب الأقلام عن دونهم من المقلدين ومنتحلي الأفكار والآراء.

كما لا أنسي قوله لي كثيراً ومراراً بأن الكاتب الذي لا يعي منهجه ولا يستطيع قراؤه التمييز بين أسلوبه وأسلوب غيره من الكتاب يجب أن يتوقف عن الكتابة لأنه من لم ينتقل بعد من طور التتلمذ، فعليه أن ينتظر حتي تكتمل شخصيته وينفرد قلمه وينضج ذهنه.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الأستاذ الدكتور محمد حسيني أبو سعده بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر فلسفي وعالم لغوي، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطولها وعرضها لخدمة الفلسفة واللغة والثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود، وما تركه من آثار تجعله الحاضر بيننا رغم رحيله عنا، الغائب في عنا رغم تواجده وحضوره في عقولنا وقلوبنا. وبين حضوره وغيابه درجات لا تكاد تبين، فهو لم يغب عنا ولن يغيب.

رحم الله الدكتور أبو سعده، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت امرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقبل : جامعة أسيوط

 

 

منير لطفيمهما كانت التحدِّيات والعراقيل التي تقف حجر عثرةٍ أمام تقدُّم الدول ورِفعتها، فإنّ بعض التجارب الواقعية والحديثة تُبرْهن على أنّ الفارق بين الخيال والواقع وبين الحلم والحقيقة، ليس سوى قيادة تتَّصِف بالمسئولية وتتحلَّى بالصدق وتتّسِم بالإخلاص وتَتبنّى  شعار "القيادة بالقدوة"..فما أرخص القيادة إذا كانت شعارات، وما أغلاها إذا كانت عملًا بالغَدَوات والعَشِيّات.

في الجنوب الشرقي الآسيوي، وفي مدينة ألور سِتار عاصمة ولاية قِدَح الواقعة على الحدود الماليزية التايلاندية، وُلِد مهاتير محمد في عام 1925م لأبَويْن مُسْلمَيْن متوسِّطِي الحال، وبعد إتمام دراسته الأوَّلية وبموجب منحة دراسية، التحق بكلية الملك إدوارد السابع الطبيّة في سنغافورة، مخالِفا بذلك نصيحة أمِّه الحنون في أن لا يكون شُرطيا أو طبيبا حتى لا يَعتاد السَّهر ويُحرَم النّوم، ومخالفا أيضا لعزمه على دراسة الحقوق التي يجيد لها مهارة النقاش والحوار، وهو ما علّق عليه قائلا: لم أفكّر جديًّا من قبل في دراسة الطب، لكنّ قدري قرّر مصيري، وقد سعدتُ بقدَري كثيرا، لأنه تبيَّن أنّ الطبّ مجال تعليميّ مناسب على نحو غريب لمسيرة سياسية.

 وبعد تخرّجه، مارس مهنة الطبّ عبر المستشفيات الحكوميّة، وأجرى بها العديد من المهام الطبية في تخصّص الجراحة الذي شُغِف به أيَّما شَغف، وذلك قبل أن يستقيل ويفتتح بمسقط رأسه (ألور ستار) عيادة خاصة ذاع صيتُها وعمّ نفعُها وامتدّ عطاؤُها، إلى أنْ اختِير وزيرا وشُغِل عن علاج المواطن بمداواة الوطن. والواقع أنّه كان سياسيا منذ نعومة أظفاره، حتى ذَكر أنّه سياسيٌّ تحوَّل إلى طبيب، وكأنّ الطبّ كان جسرًا أطلّ منه على أعالي السياسة، ومنبرا بسط له الطريق لمخاطبة عموم الناس والوقوف على همومهم وطموحاتهم.

أربعين عاما أمضاها الرجل في دهاليز السياسة؛ بدَأها بالانضمام إلى حزب منظمة الملايو الوطنية المتحدة (أمْنو) الذي تأسَّس في أواخر الأربعينيات، وتبوّأ الصدارة كحزب حاكم منذ الاستقلال حتى قبل سنوات. ثمَّ خاض غمارها وامتطى صهوتها وسط حلبة مليئة بالأشواك، فكان عضوا برلمانيا، ووزيرا للتعليم، ووزيرا للتجارة والصناعة، ونائبا لرئيس الوزراء. وذلك قبل أن يتقلَّد في عام 1981م رئاسة الوزراء، ويصبح رابع رئيس وزراءٍ لماليزيا بعد استقلالها في عام 1957م وتأسيس الدولة المَلَكيّة الدستوريّة التي يملِك فيها الملِك ولا يَحكُم.

 وبهذا التكليف والتشريف، كان قدَرُه أن يحمِل على عاتقِه إشكالية أمَّةٍ تتعدَّد في ربوعها العِرْقيَّات المَلَوية (61%) والصينية (24%) والهندية (7%)، وتتجاور فيها الديانات الإسلامية (61%) والبوذية (19%) والمسيحية (9%) والهندوسية (6%) والكونفوشية (3%)، ويستشري في جنَباتها رثاثة الفقر وآفة البطالة. إضافة إلى معضلة السكّان الأصليين التي سطّر فيها عام 1970م كتابا بعنوان (معضلة الملايو) أغضب به السلطات الحاكمة آنذاك وتمّ مصادرته، حيث حمَل فيه بشدّة على الكسل الذي انتاب هؤلاء السكّان الأصليين ومهّدَ لسيطرة الصينيين والهنود على مفاصل النشاط الاقتصادي، وانتقد السلطةَ الحاكمة جرّاء تخلِّيها عن دعمهم ومساهمتها في تهميشهم حتى باتوا مواطنين من الدرجة الثانية، وهو ما عمل بجدّ على معالجته عندما دانت له السلطة على اعتبار أنّ وعدَ الحُرّ ديْن وكلمة الصادق سيف، فانتهج حيالهم سياسة التمييز الإيجابي المقنَّن دستوريا.

وعلى مدار الاثنين والعشرين عاما التى تقلّد فيها رئاسة الوزراء، عكَف علَى بناء النهضة الماليزية الحديثة، مِن خلال رؤية مدروسة وخطّة طَموحة وإدارة رشيدة، تحوّلتْ بموجبِها ماليزيا من حَمَلٍ إلى نَمِر، ومِن اقتصادٍ زراعيّ إلى اقتصادٍ صناعيّ يدعمه نهضةٌ معرِفيّة قائمة على تعليمٍ حديث وصناعةٍ تكنولوجيةٍ متطوِّرة، بالإضافة إلى بُنية تحتيَّة شاملة. فكان أن تدفَّقتْ الاستثمارات كالشلّال في شرايين الاقتصاد، وتوافَد السيّاح للتنزّه وحدانا وزرافات، وتقاطَر الطُلّاب للدراسة من كلّ حدب وصوب، فارتفع الناتج القومي وتضاعَفَ الدّخل الفردي وانخفضتْ البطالة وانتحر الفقر، كما وُلِدت (بوتراجايا) كعاصمة إدارية جديدة، وحلَّق برجا (بتروناس) في سماء العاصمة كوالا لامبور كأطول ناطحة سحاب في العالم آنئذ. وكأنه بذلك يعيد إنتاج التجربة اليابانية المعجِزة، ولكن بمرجعية ثقافية إسلامية.

ومن مواقفه التي تُكتب بماء العين وتُنقش على جدار القلب، ذلك الموقف الذي  حدث في العام الثامن من تولّيه رئاسة الوزراء، حين داهمته أزمة قلبية بعد تناوله لوجبة دسمة، نُقل جرّاءها على عجل إلى المستشفى، وتقرّر إجراء عملية قلب مفتوح يتمّ فيها استبدال شرايين القلب التاجية المعطوبة بأوردة مِن الساق، وخُيِّر في السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإجراء الجراحة هناك على عادة الوزراء والحكام، ولكنّه قرّر بلا تردّد إجراء الجراحة في كوالالمبور، مبرّرا ذلك بقوله: كان عليّ الوثوق بأطبائنا الماليزيين، وعرفت أنّه إذا لم أجعل من نفسي قدوة في ذلك، فلن يثق أحدٌ بخدماتنا الطبية.

لم يكن غريبًا إذنْ بعد كلّ هذه الإنجازات أن يُوصف مهاتير محمد بأنّه أبو النهضة الماليزية، كما لم يكن عجيبا أن يبكيه الماليزيون عندما قرَّر التقاعد واعتزال السياسة طوْعِيًّا في عام 2003م بعد أطول فترة حكمٍ لرئيس وزراءٍ ماليزي، ولم يكن كثيرا عليه أن يمنحه المَلِك أعلى تكريم لشخصيّة مدَنيَّة فينال لقب (تون)، وذلك بعد أن كرَّمته المحافل الدولية وأهدتْه العديد من الأوسمة والجوائز، كجائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام عام 1997م، وجائزة جواهر لال نهرو للتفاهم الدولي عام 1994م. ولكن العجيب والغريب أن لا يحذو حذْوَه مَنْ تقلَّدوا السُّلْطة في دول أخرى مماثلة للظرف الماليزي، فكانوا وبالا على شعوبهم، وما زادوا الزّبَدَ إلَّا زَبَدا ولا الغَثَّ إلّا غثّا ولا الخَبَثَ إلّا خبَثا.

 وقد تنادَى السياسيّون وهرول الاقتصاديون ليغرِفوا مِن معِين الدَّرْس الماليزي، وجَدَّ الباحثون فألَّفوا  وكتَبوا عن إنجازات الرجل الفريدة، ولكنَّه بتواضع الطبيب وخبرة السياسي  وحكمة الإنسان، يرى ما لا يراه الكثيرون مِن القادة فيقول: "أعظمُ ثروةٍ في أيّة دولة هي شعبُها". وهو ما باح به للدكتور أحمد زويل فضمّنه كتابه (عصر العلم)، وذلك عندما استفسر منه عن سرّ نجاحه في النهضة الماليزية فأجاب: "جعلتُ الشعبَ كلّه يفكّر في المستقبل".

ولأنّه من طراز فريد لا يسلِّم سلاحَ العمل إلّا لمَلَك الموت؛ فقد واصل عطاءه بعد الاعتزال، فأسّس في عام 2005م منظمة بيردانا للسلام العالمي التي كرَّست رسالتَه في نبذ الحروب والانحياز لخيار السلام، وقام بدورٍ بارز في إعادة إعمار البوسنة والهرسك التي أنهكتها الحرب الطائفية حتى تسامعَت بجهوده إدارة جائزة نوبل فرشّحتْه لنيل الجائزة عام 2007م. ثمّ حبّرتْ أناملُه في عام 2011م مذكّراتِه التي قارَبت الألف صفحة في نسختها العربية، فضمَّنها وجبة دسمة في السياسة والإدارة والاقتصاد والتاريخ، وأثنى فيها على الطبّ الذي أفاده في ممارسة السياسة؛ وذلك حين أَكسَبه فضيلة الإنصات، وميزة القرب من الناس وتحسُّس معاناتهم، وفرصة معايشة الموت الذي تراءى له دوما كسوْطٍ يَردعه وزاجرٍ يَعصمه من إساءة استعمال السُّلْطة.

وكالبدر الذي يُفتقد في الليلة الظلماء، وعلى خلفيّة ما رآه من انحراف حزب (أمنو) عن الجادّة، وما لمسه من تباطؤ القطار الماليزي في مسار الحداثة والتنمية التي كرّس حياتَه من أجلها؛ أنشأ حزبا جديدا خاض به الانتخابات البرلمانية، ففاز بأغلبية المقاعد وتقلَّد رئاسة الوزراء في عمر الثانية والتسعين، ليصبح بذلك سابع رئيس وزراءٍ لماليزيا وعميدًا لحكّام العالم باعتباره الأقدم سنًّا بينهم، وليصحّح ما اعتبره خطأ جسيما حين اعتزل السياسة وترك مقدّرات البلد في يدٍ لم تكن جديرة بها.

ورغم الهدوء الذي يبدو على محيّاه، وابتسامته الودودة التي تجد طريقها ممهَّدا إلى القلوب، وقيمة التسامح التي تسلَّح بها واعتبرها أكبر قيمة إسلامية؛ إلّا أنّ مواقفه تنمّ عن أسدٍ هصورٍ في مواجهة ما أسماء بالنفاق الغربي، فناصر القضية الفلسطينية بحزم، وأدان احتلال أفغانستان بأعلى صوت، وشدّ على يد المقاومة العراقية في مواجهة جنود الاحتلال الأمريكي البريطاني قائلا: "أعيدوهم بالأكفان"، بل طالب بمحاكمة بوش وبلير كمجرمي حرب ومسعِّري نار. كما أبى الانصياع لعصا العولمة وذراعها الطويلة المسمَّاة صندوق النقد الدولي، وذلك حين رفض تعويم العملة الماليزية إبّان الأزمة المالية التي عصفَت بجنوب شرق آسيا عام 1997م، وخرج منها سالما دون تنفيذ روشتة البنك التي طالما أغرقت دولًا في بحر من القروض والديون.

***

بقلم: د. منير لطفي

طبيب وكاتب - مصر

 

ضياء نافع(ستروفه) كان لقبا غريبا بالنسبة لنا، نحن الطلبة الاجانب بموسكو في ستينات القرن العشرين، اذ انه لا يتناسب ولا يتناسق ولا ينسجم مع الالقاب الروسية التي كانت سائدة حولنا، والتي تنتهي عادة بحرفي الواو والفاء مثل ليرمنتوف او تشيخوف ...الخ، او التي تنتهي بحرفي الياء والنون مثل بوشكين او بونين ...الخ، او التي تنتهي بحروف السين والكاف والياء مثل دستويفسكي او بيلينسكي ...الخ، ولهذا اعتبرنا (ستروفه) لقب شخص اجنبي لا علاقة له بروسيا، ولكن، وبعد ان تعمّقت معارفنا بتاريخ الثقافة الروسية (اكتشفّنا !)، ان بيوتر ستروفة (1870 – 1944) وفلاديمر لينين كانا رفيقين معا في الحركة الاشتراكية الروسية، ولكنهما اختلفا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بشكل جذري حول مسيرة الافكار الاشتراكية ومستقبلها في روسيا، ولهذا انفصلا بعضهما عن البعض، وسار كل واحد منهما في طريقه الخاص. وهكذا عرفنا، ان ستروفه هو فيلسوف روسي واقتصادي ومؤرخ وشخصية سياسية مرموقة في الحياة الفكرية والسياسية الروسية، وكان مؤثرا في مسيرة التاريخ السياسي واحداثه، وكل ذلك طبعا يرتبط بتاريخ الفكر الروسي بشكل عام، وتاريخ الحركة السياسية الروسية قبيل ثورة اكتوبر 1917 وما أعقبها من أحداث، وهي بعيدة عن موضوعنا، الذي نود ان نتكلم عنه في مقالتنا هذه، رغم انها مقدمة ضرورية جدا، اذ ان مقالتنا تدور حول حفيد ستروفه هذا، وهو مواطن فرنسي (ولد في فرنسا من أب روسي وام روسية ايضا، وهو بالتالي فرنسي من اصول روسية)، واصبح البروفيسور نيكيتا ستروفه (1931 – 2016) – استاذ الادب الروسي في جامعة باريس، والشخصية التي لعبت دورا (مع اللاجئين الروس الاخرين طبعا) في تعزيز التعاون الثقافي بين روسيا وفرنسا (بعد انهيار الاتحاد السوفيتي طبعا)، وقد تم منحه مدالية بوشكين لتعزيز التعاون الروسي – الفرنسي في مجال الثقافة والتعليم، ومدالية الدولة الروسية للحفاظ على الثقافة الروسية وتراثها خارج روسيا، ومدالية (اسرعوا لعمل الخير) الروسية في مجال حقوق الانسان.

غالبا ما كنا نلتقي طبعا، نيكيتا ستروفه وانا في القسم الروسي بجامعة باريس نهاية الستينات من القرن الماضي عندما كنت طالب دراسات عليا هناك، وكان هو آنذاك تدريسيّا في القسم المذكور، ويكتب ايضا اطروحة دكتوراه دولة حول الشاعر ماندلشتام، والذي كان شبه ممنوع آنذاك في الاتحاد السوفيتي (أصدر ستروفه بعدئذ كتابا ضخما عن ماندلشتام، ويعدّ الان واحدا من المصادر المهمة لدراسة حياة ماندلشتام وابداعه)، وغالبا ما كنّا نتحدث سوية، وسألني ستروفه مرة عن انطباعاتي حول موسكو والاتحاد السوفيتي بشكل عام باعتباري درست وتخرجت هناك، وقد تكلمت عن الجوانب الايجابية، التي رأيتها شخصيا رغم بعض السلبيات التي كانت موجودة فعلا في الحياة السوفيتية، ولكنه قال لي، انهم ( وكان يتحدث باسم اللاجئين الروس في فرنسا) يعتقدون، ان دولة الاتحاد السوفيتي ستنهار في نهاية القرن العشرين او، كحد اعلى، في بداية القرن الحادي والعشرين، ولم اتفق معه مطلقا وكليّا حول ذلك، وقلت له، ان الدولة السوفيتية قوية جدا بجيشها ومؤسساتها الامنية وتنظيماتها الحزبية، وانني لم أجد اي معارضة في تلك الدولة، عدا النكات السياسية التي كانت سائدة بين اوساط الطلبة بالاساس، وان قضية باسترناك وجائزة نوبل التي اضطر باسترناك ان يرفضها هي ليست قضية كبيرة يمكن ان تؤثر على مسيرة تلك الدولة، وقد استمع ستروفه اليّ بكل أدب، وقال لي مختتما هذا الحديث بمثل روسي هو – (نعيش ونرى) (وهو يذكّر طبعا بالمثل بلهجتنا العراقية – نعيش ونشوف) . لقد تذكرت وقائع حديثنا هذا عندما انهار الاتحاد السوفيتي طبعا في بداية التسعينات، وقلت بيني وبين نفسي، كم كان ستروفه على حق بكلامه آنذاك حول ذلك . لقد رويت هذه الحادثة مرة في مؤتمر علمي بجامعة قازان عام 2006، وقد علّق بروفيسور روسي من جامعة موسكو (كان يشارك في اعمال المؤتمر المذكور) قائلا، ان اللاجئين الروس كانوا يحللون بعمق واهتمام حقيقي كل صغيرة وكبيرة تحدث في الحياة السوفيتية، وكان لديهم الوقت الكافي لمتابعة ذلك بدقة ودراسته، بينما لم يكن لدينا نحن السوفييت سوى التأييد المطلق لكل خطوة يتخذها الحزب الشيوعي السوفيتي دون اي تحليل وتمحيص ونقاش موضوعي متفتح لدرجة، اننا نسينا حتى معنى التحليل والتدقيق والنقاشات المعمقة والعلمية حول تلك الخطوات وقيمتها وجدواها في مسيرة حياتنا اليومية آنذاك...

نيكيتا ستروفه اسم كبير في دنيا الادب الروسي، وله عشرات المؤلفات المنشورة باللغتين الفرنسية والروسية، ولديه مئات المقالات والدراسات والبحوث حول هذا الادب باللغتين ايضا، ولا مجال هنا حتى للتعريف بها، ويؤسفني الاشارة في الختام، الى ان ستروفه يكاد ان يكون مجهولا تقريبا للقارئ العربي...

 

أ.د. ضياء نافع