فراس الغضبان الحمدانيعندما تتحدث عن فن الكوميديا في العراق فلابد التوقف عند مسلسل تحت موس الحلاق كونه يمثل محطة وإنعطافة مهمة في تاريخ الحركة الفنية العراقية لأنه زرع بصمة جديدة في لون من ألوان هذه الفنون وكذلك صنع ظاهرة بغدادية إسمها عبوسي وحجي راضي، ونقل هذا المسلسل الصورة الجميلة والمعبرة عن بعض الشخصيات البغدادية بشكل كوميدي لحقبة من حقبات ذلك التاريخ الجميل، وأصبح هذا المسلسل منجز فني كبير لازال النقاد والكتاب يشيرون له بالنجاح الكبير في تلك الفترة التي تفتقر إلى التقنيات الحديثة والدعم المادي والمعنوي، إن هذا المسلسل نجح بمجموعة من المسببات أولها إن هذا المسلسل حاكى الناس دون مبالغة أو إسفاف، وتناول الحياة البغدادية اليومية ببساطتها وحميميتها، ونجحت تلقائية الفنان سليم البصري المثيرة ومشاكسات حمودي الحارثي والديكور البغدادي البسيط المعبر عن الحارة الشعبية والصورة الحقيقية التي نقلها عن ألفة العلاقات الصادقة بين الناس الطيبين في نجاح هذا العمل جماهيريا، وأضاف خليل الرفاعي (أبو فارس) نكهة  خاصة بتعليقاته الهزلية (وكبته الشهيرة) ولعب الفنان راسم الجميلي (أبو ضوية) دورا محوريا وأضافة الفنانة سهام السبتي طاقة متوهجة إستطاعت من خلالها إجادة دور المرأة العراقية الطيبة وكذلك الفنانين سمير القاضي (دخو) وعبدالجبار عباس (أبو نجله) الذين  لعبوا أدوارا وكأنها فصلت لهم دون غيرهم، حيث أبدعوا الجميع وجعلونا لا نستطيع تماسك أنفسنا من الضحك المتواصل لروعة ما قدموه من فن جميل وصادق دغدغ مشاعرنا وجعلنا  نعيش في عالم من الحلم والفرح والسرور .

مازلنا نتذكر (نحباني للو، والبك والي، والك دكم بصوزه، وأنا مرنام، وآه ديكي)، وكيف قرأ حجي راضي هذ الرسالة الهندية الشهيرة التي أضحكت أغلب العراقيين وأصبحت حديث الشارع البغدادي خاصة، من منا ينسى مشاكسة الحجي مع المعلم والذي ذكره بأنه (أبن بسيمة أم الكركري أو لوزة دخو) أو تحرشه وهو مخمور على بنت المحلة وكيف أجاد هذا الدور الذي قال في حينها أحد العاملين في المسلسل إن حجي راضي فاق حتى على السكارى في حركاتهم وحتى هذه اللحظة نشكك هل أنه كان سكران أم يمثل، وقال أحد الفنيين الذين يعملون مع المخرج عمائوئل رسام إن مشاهد التصوير تعاد مرات عديدة بسبب الضحك المتواصل من جميع الفنيين على ما يقوم به حجي راضي وعبوسي وباقي الممثلين من مواقف كوميدية، وبعد أكثر من نصف قرن على تمثيل هذا العمل ولازال البعض يتندر ببعض مفارقاته  ليشيع جوا من الضحك والمرح بين الجالسين .

762 حاج راضي

وسليم البصري لم يكن بصراويا ولكن لطيبته سمي البصري لترديد أهالي البصرة كلمة طيبة البصرة الحلوة، وهو من مواليد بغداد 1926 محلة الهيتاويين، أنهى دراسته الأبتدائية في مدرسة العوينة وأكمل دراسته حتى دخل كلية الآداب والعلوم قسم اللغة العربية عام 1950 وتخرج منها سنة  1954وكان أساتذته آنذاك جبرا إبراهيم جبرا وجميل سعيد وعبدالعزيز الدوري الذي كان عميدا للكلية، وزامله في دراسته كل من عبدالرحمن سعيد، حياة جميل حافظ، رؤوف جميل الواعظ والسيدة لطيفة العبيدي التي تزوجها فيما بعد وأنجبت له أربعة اثنان منهما مقيمان في لندن .

أحب التمثيل حبا جما في طفولته وعادة ما كان يمارسه بين أهله، حيث كان يقوم بإرتداء العباءة ووضع أشبه باللحية وإخفاء رأسه ومعالم وجه ويدخل إلى بيتهم ويفاجأ أسرته بهذا الغريب الذي دخل عليهم وعند محاولة والده التوجه إليه يرفع سليم النقاب عن وجه وسط ذهول أهله، وما على والده إلا أن يلاحقه خارج البيت ويعاقبه عند القبض عليه وسط ضحك وصياح أولاد المحلة .

إن سليم البصري الذي بهر الجماهير بفنه الممتع ويحاكي المتلقي بشيء من الوجدانية ويمتلك الشخصية التلفزيونية المحببة المسالمة للجميع من خلال دوره (حجي راضي) إلا أنه رغم نحافة جسمه كان في طفولته شغوفا إلى كل صنوف الرياضة وخاصة الملاكمة والمصارعة، وأحب لعبة كرة القدم التي كان يلعبها مع أولاد المحلة بكرة عبارة عن كومة  قماش متداخلة وكانوا يتبارون بين المحلات المجاورة وهي  محلة النهر وشريعة سيد سلطان علي، وترك  هذه اللعبة اثر ضربة (شوت) قوية طار أظفره على أثرها، وذهب إلى الملاكمة وتلاكم مع زميل له في مدرسة العوينة الأبتدائية وكان النزال وديا ولكنه التفت فوجد وجه زميله مكشوفا فسدد إلى فكه لكمة مستقيمة وإذا بزميله يرجع إليه مقلاعا على أضلعه لم ينساه طول حياته، ومارس السباحة ولكنه هرب منها بسبب التفاف خصلة من شعره بأحد النتوءات البارزة من جسم (الدوبة) التي حاول الغطس من تحتها ونجا بأعجوبة من الغرق، ثم إتجه إلى المصارعة وفي أحد الأيام جاء أحد الغرباء من المحلات الأخرى وتحدى المصارعين في المحلة وكان مفتول العضلات ولم يتحداه أي أحد ولكنه تحداه لإنقاذ ماء وجه المنطقة وزملائه وعند الإقتراب منه لم يجد نفسه إلا معلقا إلى الأعلى وكلما سقط على الأرض يعود المتحدي بمحاولة أخرى ومن شدة الألم تظاهر بالإغماء لينجوا من هذه الضربات الموجعة وعندما  لاحظ الفتى إن متحديه بلا حراك تركه وولى هاربا إلى منطقته وبقي سليم البصري نائما عدة أسابيع في البيت يعاني من هذه (البسطة) البغدادية .

لقد بدأ سليم البصري بممارسة التمثيل سنة  1942من خلال إحدى فرق التمثيل الذي كان مقرها قرب ساحة الرصافي حيث قدمت هذه الفرقة عدة أعمال منها مسرحية الصحراء  ليوسف وهبي ومثل فيها احد الشيوخ الثائرين وتم عرضها في سينما علاء الدين آنذاك، وإنقطع عن التمثيل بين عام 1944 و1948  وكانت أهم نتاجاته الفنية عندما دخل إلى كلية الآداب وكانت في بداية تأسيسها حيث تم إختياره رئيسا للمسرح الجامعي وقدم الكثير من المسرحيات منها (سليم البصري في ساحة التدريب) و(فنان رغما عنه) وإشترك مع فريق الكلية الرياضي في الكثير من الفعاليات الرياضية ولكنه كان يخيب زملاءه في كل منافسة وكان آخرها بطولة الكليات بالعاب الساحة والميدان حيث كان يمارس رياضة طفر الموانع، وعند بدا صافرة البداية وجد حجي راضي نفسه يتدحرج وهو متأبطا أحد الموانع وسط  ضجيج وضحك وصفارات الطلاب والمتفرجين .

لقد إمتاز البصري من خلال تجسيده لأغلب الشخصيات التي طغت عليها الطابع البغدادي بسبب تلقائيته المدهشة وحركاته التي تضيف إلى حديثه الذي لا يخلو من بعض الكلمات الساخرة التي تجعلنا ننبهر أمام هذه الشخصية الكبيرة التي كانت مدرسة بحالها، كيف ننسى إبداعات حجي راضي في تحت موس الحلاق التي كتبها سنة 1961 ومفارقات عبوسي التي كونوا  ثنائيا لا مثيل له على إمتداد تاريخ الحركة الفنية في العراق، وجسدوا فيها تقاليد المحلة و(الدربونة) البغدادية وشخصياتها والعلاقات الحميمة بين أهلها، وكلنا يتذكر مقالب عبوسي وخاصة عندما جلب (العرق) بدلا من (المسهل) وشربه حجي راضي وكادت (اللوزة) أن تطير وسط توسلات الفنان سمير القاضي (دخو) وترنح الحجي وأصبحت عبارة (اللوزة حجي) في متناول الجميع .

ويتذكر الذين عايشوا تلك الحقبة من الزمن كيف تفرغ الشوارع من الناس عند عرض حلقة من حلقات هذا المسلسل وكيف كانت الجماهير تحتشد حول أبطال مسلسل تحت موس الحلاق حين يتجولون في شوارع بغداد، وكيف كان حجي راضي لا يستطيع التجوال لوحده لأنه كان في ذلك الوقت بمصاف شهرة الممثلين المصريين المعروفين، وكثيرا ما كانت الشرطة تفرق المحتشدين من حوله .

إن حجي راضي الذي كان يعمل موظفا في المصرف الزراعي في مطلع السبعينات من القرن الماضي قدم طلبا لنقله إلى دائرة الإذاعة والتلفزيون ليكون قريبا من الفن ملهمه وحبه الأزلي الذي يسري في شرايينه وهو في ريعان شبابه، والحجي ليس مجسدا لفن الكوميديا  فقط  وإنما كان بارعا في الأدوار التي تحتاج إلى المهارات الكبيرة منها دوره (غفوري) في مسلسلات (الذئب وعيون المدينة) و(النسر وعيون المدينة) (والأحفاد في عيون المدينة) حيث قدم في هذه الشخصية درسا بليغا لممثلي اليوم الذي تنقصهم أغلب المهارات الحسية والفنية، لقد مثل هذا الدور أمام (عبدالقادر بيك) التي جسدها خليل شوقي والذي مثل شخصية تعاني الكثير من الإسقاطات الإنسانية وكيف كانت شخصية (غفوري) تكتوي بنار هذه الشخصية البخيلة التي تدقق بأتفه الأشياء وتتخوف من مؤامرات جلبي بيك، وكلنا رأينا كيف جسد سليم البصري هذه الشخصية وكيف كنا متعاطفين معه بشكل مذهل وهو دليل على إنه يجيد ويتقمص أغلب الشخصيات الصعبة بالكثير من التلقائية والمهنية العالية .

لقد كان البصري كاتبا مهما في الدراما العراقية بالإضافة إلى ولعه في التمثيل وحبه  للرسم والرياضة، فقد كتب الكثير من الأعمال التلفزيونية والمسرحية منها (كاسب كار، دائما في قلبي، ست كراسي، لا نوافق، وجهة نظر، فنان رغما عنه، مسلسل تحت موس الحلاق، الشارع الجديد، حب في بغداد، وحلقات إلى من يهمه الأمر، ولعابة الصبر) وكتب مسرحية إسمها (لو) لم يوافق عليها الرقيب كونها تنتقد الواقع التعليمي بمهنية عالية، وشارك كذلك في تمثيل  عدة أفلام في السينما هي (أوراق الخريف نهاية عام 1963) للمخرج حكمت لبيب و(فائق يتزوج سنة 1984) للمخرج الراحل ابراهيم عبدالجليل و(العربة والحصان) و(عمارة)13 للمخرج الراحل صاحب حداد، ومثل العشرات من الأدوار في التلفزيون منها هواجس الصمت .

لقد مرت على حجي راضي الكثير من المواقف المضحكة من بينها إنه عندما كان في القاهرة سنة 1973 مع بعض الفنانين العراقيين الذين زاروا مصر للتعاون الثنائي بينهما في مجال العمل الفني، وعند زيارة الحجي لأحدى قطاعات الإنتاج المصرية وعند دخوله صادف دخول الممثل محسن سرحان وعندما أراد أحد المرافقين المصريين من تقديمه قاطعه (أكو واحد ميعرف عماد حمدي) فرد عليه لا أنا الممثل محسن سرحان فضحك حجي راضي  متداركا غلطته (أي هاي هية كلكم تشابهون) فقال له محسن سرحان أن عماد حمدي عنده شنب وأنا بدون شنب فرد الحجي وهو يضحك (أي بس هم تشابهون) فضحك محسن سرحان وقبل حجي راضي .

وحين تم عرض أحد الأفلام العراقية في فندق الرشيد رأته إحدى الفنانات العراقيات وكان معتادا عندما يراها في دار الإذاعة يقبلها فجاءت للسلام عليه وعندما وصلت إليه قدمت له خدها ليقبلها ولكنه صاح (أويلي يابة شسويتي ولج مرتي دتباوع علينة) وذهب راكضا بأتجاه زوجته .

وفي أحد الأيام أراد حمودي الحارثي أن يشاكس سليم البصري فنشر خبرا في إحدى الصحف المحلية بأن عبوسي أسس فرقة مسرحية ومن بين ممثليها حجي راضي وجعل إسمه آخر الأسماء من الاحتياط، وما إن وصلت الجريدة إلى سليم حتى أخذها وجرى هائجا يبحث عن عبوسي، وأخذ يصيح في أحد ممرات الإذاعة (لك عبوسي وين تروح مني)، وبعدها عرف الحجي إن هذه خدعة كاذبة عملها عبوسي ليغيظه، فضحك على أثرها وصاح  بين الحاضرين (أيباه يمكن أتخبل عبوسي) .

يحكى الكثير من الفنانين الذين لازموا سليم البصري في رحلته الفنية إنه كان رجلا طيبا بسيطا قليل الكلام يحاول إن يزرع البسمة لمن حوله، يمتاز بروح النكتة وسرعة البديهية، يجامل الصغير والكبير ويعتد بشخصيته ويقف ندا قويا للظالم في رأيه أو فعله وعندما أصبح مديرا للتلفزيون أخذ يشحذ الهمم للإرتقاء بواقع العمل الفني داخل أروقة مبنى دائرة الإذاعة والتلفزيون، وصادف الزمن أن ألتقية وكنت في حينها أمثل دورا في تمثيلية سهرة إسمها (أحزان الظهيرة) للمخرج سمير حنا وتأليف شاكر الحاج مخلف ومعي لفيف من طلبة أكاديمية ومعهد الفنون الجميلة آنذاك منهم ظافر جلود وسعد المسعودي وعبدالعال مأمون وكامران رؤوف ومحمد صبري، وكنا حينها نتحدث عن الهجرة من العراق وأتذكر إنه كلمنا عن المواطنة ولم أنسى بعض كلماته التي ترن في أذني ولحد هذه اللحظة (لو تروح بإطراف الدنيا لازم ترجع للوطن) وكان هذا اللقاء في تموز عام 1978 .

وللبصري مواقف صريحة من دخول الغجر والطارئين على الفن العراقي، فأبتعد عن التمثيل والمشاركة فيه إحتجاجا على ذلك، وتمت دعوته من خلال الفنان يوسف العاني وعبر جريدة الجمهورية بتاريخ 25 /  12/ 1996 للعودة إلى عمله وشعبه الذي أحبه وآزره ولكنه  رد عليه إنني أعيش حاليا في حالة إحباط ولا استطيع أن أتقبل هذا الواقع المزري الذي دخل إليه من لا يضيف إلى تاريخه ولكن سيأخذ منه أشياء كثيرة فقال بالله عليكم (ماذا ستكون النتيجة لمسرحية بطلتها ملايين أو مليارات) حتما ستكون النتيجة أن نرمي تاريخنا وماضينا ونضالنا وتعبنا (بمزابل الملاهي) .

رحل سليم عبدالكريم البصري حيث وافته المنية في منزله بتاريخ الثامن من أيار 1997 وتم نقله إلى مستشفى النعمان، تاركا خلفه سيرة حسنة وحب الناس وعشرات الأعمال التي إخترقت القلوب والعقول لتبقى خالدة في أذهان محبيه ولتحاكي تلك الذكريات الجميلة التي عشناها في السبعينات وكيف نتسمر على شاشة التلفاز ونحن نشاهد حجي راضي وصانعه المشاكس عبوسي وكيف كنا نردد أغنية المسلسل التي تقول (محصن بالله ومحروس يا ستادي) نعم سنرددها الآن جميعا بألم وحسرة، لقد رحل إستاد سليم بسلامة قلبه وضميره ووطنيته نعم رحل فنان الشعب الذي إستحق هذا اللقب بجدارة، ولكن أي رحيل فلم يكن أحد من أهله أو أقاربه أو زملائه قد وقفوا بجواره في مرضه ولا صديق أو بعيد شيعه بإستثناء عبوسي رفيق مسيرته فكان مشهدا يدمي القلوب .

في الختام لابد من ذكر هذه الحقائق إن الراحل لديه خلاف مع زوجته وأولاده بسبب إستمراره في التمثيل، وقالت زوجته إن زميلاتها يطلقون عليها تسمية مرت حجي راضي وكونه رفض الإنصياع لهذا الأمر إنتهت بالقطيعة وأن كانوا في نفس البيت، قال عبوسي عند قدوم الجنازة إلى البيت من مستشفى النعمان لم توافق زوجته السيدة لطيفة العبيدي على فتح باب البيت أو الكراج وقالت لي اذهبوا إدفنوه فورا وزجرتها وفتحت الباب وأدخلناه إلى الصالة وعندما  طلبت منها شرشف لتغطية جثته أحضرت لي قطعة من القماش ممزقه ومبلله كانت موضوعة في حديقة المنزل فرميت هذه الخرقة جانبا وأحضرت عباءته السوداء التي كانت معلقة بالقرب منه ورميتها عليه، وعندما سألتها عن إبنتيهما (آية وآراك) قالت عند خالتهما في اليرموك وإكتشفت إنهما بأحد الغرف المجاورة وقد قفلت عليهما الباب .

إن حامد يوسف حمادي وزير الثقافة السابق رفض إبقاء جثته حتى الصباح من أجل تشيعه، كما إن عددا من الفنانين كانوا في بيت الراحل هم : حمودي الحارثي، الراحل داود القيسي نقيب الفنانين السابق والراحل خليل الرفاعي والراحل  رضا الشاطي ومحمد طعمة التميمي، وهؤلاء لم يمشوا خلف جنازة البصري حيث تواجدوا في بيته ولم يخطوا خطوة واحدة وراءه حتى في سياراتهم، وذهبوا إلى بيوتهم، بإستثناء عبوسي الذي قام بنقل جثمان البصري بمفرده إلى حسينية القاهرة ببغداد ولم يكن مع حمودي سوى الرجل الذي قام  في تغسيله  وتم إرساله إلى النجف  لدفنه .

وفي اليوم السابع لوفاته كانت هناك ندوة تأبينية مخصصة من تلفزيون العراق للحديث عن الراحل وعلى الهواء مباشرة، دعي إليها أربعة من الفنانين والكتاب الكبار، ولكن لم يلبي الدعوة سوى حمودي الحارثي، وإنتظرت المذيعة إقبال حامد قدومهم  لكنهم لم يحظروا فتحدث الحارثي لوحده عن سيرة الفقيد ولمدة 35 دقيقية،  فوضع النقاط على الحروف بحق هؤلاء الفنانين وحق المسؤولين في وزارة الثقافة آنذاك وعاتبهم (بنزاكة) لعدم وفائهم لهذا الفنان الكبير .

هكذا يموت المبدعين غرباء وهم في بلدهم فكيف يموتون وهم غرباء خارج وطنهم ؟ !! .

 

فراس الغضبان الحمداني

 

محمد فتحي عبدالعالتعد دراسة بعض العائلات الكردية من الاهمية بمكان لطبيعة الدور الذي لعبته هذه العائلات في الموروث الادبي والثقافي والسياسي للاكراد فقد وهب افراد من هذه العائلات انفسهم في خدمة هدف جليل وهو حفظ التراث الكردي ونشر الثقافة  واللغه الكردية  بين الاكراد المنتشرين في شتي انحاء العالم ومشاركين اياهم في حلم الوطن الجامع ...

ومن العائلات الكردية التي لعبت دورا لا ينسي في التاريخ الكردي المعاصر وتركت بصمات مميزة في الوجدان الكردي :عائلة بدرخان

ونبدأ القصة من البداية ...

تنحدر العائلة البدرخانيه من الامير بدرخان باشا والذي كان أميرا علي جزيرة بوتان في كردستان الشمالية خلفا لوالده فقاد حركة اصلاحية واسعة داخل كردستان لضم الصف اعقبها بحركة توسعيه استطاع بها توسعة حدود امارته حيث وصلت حدوده الي مدن سرحد وسيورك وسنجار والموصل وغيرها

يقول الامير جلادت بدرخان عن بدرخان في مذكراته:" أراد الأمير بدرخان أن يتأكد من سيادة الأمن في مملكته، فأمر بوضع زكيبة من المال في عرض طريق عمومية ممهدة السبيل. ما ان رأها العابرون حتى فزعوا وغيروا طريقهم مضطرين لسلوك طرقات صعبة المسالك ابتعاداً عن الزكيبة الملقاة على قارعة الطريق. بقيت الطريق مهجورة من العبور والناس يتعذبون في ذهابهم وايابهم حتى حضر عالم من العلماء المبجلين لحضرة الأمير وقال له: -ألا تخاف من الله يا سمو الأمير فتحرم الناس من الطريق السهلة المعبدة؟ تساءل الأمير بدهشة عن السبب فأجابه العالم: -ان زكيبة المال التي القيتها في طريق الناس أخافتهم وجعلتهم يفضلون عبور الطرقات الصعبة، هاجرين الطريق السهلة لوجود المال فيها. سّر الأمير من فرط أمانة رعيته وأمر للحال برفع الزكيبة وتوزيع المال على طلبة العلم في المدارس."

...كان هذا النفوذ المتنامي للامير الشاب وفتوحاته المتزايدة مقلقا للباب العالي

استغل بدرخان ضعف الجانب التركي والصراع الدائر بين محمد علي باشا والي مصر والسلطان العثماني حيث كانت الدفة تميل الي مصر خاصة مع الهزيمة الساحقة التي لحقت بالجيش العثماني امام جيش ابراهيم باشا في معركة نصيبين فوجد بدرخان  والذي كان علي مقربة من المعركة في جزيرة ابن عمر أن الفرصة سانحة امامه لاعلان استقلالا ذاتيا لامته حيث امتنع عن دفع الضرائب للباب العالي كما رفض الدفع بأكراد للخدمة الالزامية في صفوف الجيش العثماني ...كانت دعوات بدرخان مقلقة للباب العالي الذي خشي من استفحال هذه الحركات الوطنية الانفصالية في جنبات الدولة وان تكون حركة بدرخان ان كتب لها النجاح ملهمه لحركات اخري فعزم علي  القضاء علي هذه الحركة في معهدها واقتلاع جذورها فأرسل الباب العالي حملة بقيادة عثمان باشا حاولت ان تنتهج في البداية اسلوبا دبلوماسيا فجمعت العشائر الكردية الي اجتماع لحل مشكلة امداد الجيش العثماني بالافراد الاكراد وبالمال الكردي فقاطع بدرخان الاجتماع  فوجد عثمان باشا ان السبيل الوحيد هو الحرب فأتخذ من ديار بكر معقلا لقواته وزحف علي محور هكاري موك علي طول نهر دجله للقضاء علي قوات الزعيمين نور الله ومحمود خان شريكي بدرخان ومع قسوة الضربات العثمانيه واستمرارها توصل الطرفان الي اتفاق بموجبه يستسلم الامير محمود خان للعثمانيين مقابل ضمان حياته ومعاملته واسرته بكرامة ولكن ما ان استسلم الامير الكردي حتي حنث العثمانيين وعدهم له فربط الي شجره وتم جلده وسكب العسل عليه حتي ينهشه الذباب !!!...باستسلام الامير محمود اصبح الطريق ممهدا امام عثمان بك للتقدم في وادي بوتان معقل بدرخان ...ولان جيش بدرخان كان من الجيوش ذات الكفاءة القتالية العاليه في مناطق الجبال فقد اوقعوا بالجيش العثماني خسائر فادحة في الارواح والمعدات ..فلجأ العثمانيون الي سلاح المال وشراء النفوس الضعيفه وكانوا علي دراية وموهبة في هذا المجال فاستقطبوا  يزدان شير أبن عم الامير بدرخان الي صفوفهم مما اوقع الفوضي في صفوف قوات بدرخان والذي تحول نصره الي هزيمه بفضل الخيانه ووجد بدرخان نفسه محاصرا في قلعته أورخ  ومقطوعا عنه الامدادات ثمانية أشهر فأستسلم وتم نفيه الي اسطنبول ثم الي جزيرة كريت وغير الاتراك اسم عائلة بدرخان الي جنار ولكن ذلك لم يفت في عضده فكانت اخر وصاياه لابناءه وهو علي مشارف الموت :من منكم ينسي لغة بوتان فهو ليس بولدي ..

جمعت الدولة العثمانية املاك بدرخان في ولاية واحدة تحت سلطة يزدان شير لكن سرعان ما انقلبوا عليه فدفع ثمن خيانته سريعا وتم نفيه هو الاخر جزاءا وفاقا

 

استاذه سروه عثمان مصطفي اديبه كردية (اربيل العراق)

محمد فتحي عبد العال (كاتب وباحث)

........................

المصادر:

١- مذكرات جلادت بدرخان

٢- ديفيد ماكدويل: تاريخ الأكراد فى العصر الحديث.

٣- أحمد محمود الخليل: تاريخ الكرد فى العهود الإسلامية.

٤- جيمس كريج: الأرمن، الكرد، والأتراك.

٥- الويكبيديا العربية

 

758 نيروز 1ـ ليكن (عيد نيروز) وعطلته الرسمية في العراق منذ 1973، مناسبة لأحياء (عيد الربيع العراقي) ومشاركة اخوتنا الاكراد، وجعله عيدا وطنيا يجمع القوميات والأديان والطوائف والمناطق. وفرصة للاحتفال بتخصيب الطبيعة بزرع النخيل والاشجار!

ـ في 21 آذار من كل عام، ظل يحتفل به اسلافنا  في (سومر وآشور وبابل)، خلال 3 آلاف عام قبل  ان يتبناه الايرانيون(الاخمينيون) بعد احتلالهم بابل عام 539 ق.م ـ وسمّوه (نيروز ـ رأس السنة) وهي ترجمة فارسية حرفية لاسمه السومري(زغموك ـ Zagmuk) وبالأكدي(راس ستيم ـ rêš-šattim ، بالاضافة الى (أكيتو ـ الاحتفال). (جميع المصادر في النهاية)

ـ (21 آذار) حسب التقويم العراقي القديم (الشمسي ـ القمري)  يكون اول نيسان (نيشانو بالاكدي) لآختلاف عشرة أيام بين الشمس والقمري. وهو يوم المنقلب الربيعي وأول ايام السنة حيث برج الحمل(برج تموز) سيد المياه والخصب الذكوري، الذي يُخصّب(عشتار) سيدة الارض والخصب الانوثي.

ـ في هذا اليوم اول الربيع، يولد(تموز - اله الخصب الذكوري) بعد تسعة اشهر من غيابه في ظلمات الارض(رحم الام)، ليأتي ويخصب(عشتار) الهة الارض والأنوثة، فتنبثق الحياة ويظهر الربيع. وكان عيدا شعبيا ودينيا ورسميا يدوم عشرة ايام. حول(ماردوخ ـ سيد الوضوح، أي سيد النور ) وابنه (نبو ـ النبي ـ الحكيم). وفيه الكثير من طقوس الفرح والبهجة وتخصيب الارض بدماء القرابين، وتوزيع الهدايا والمعونات. كذلك تزول فيه موقتا الكثير من الممنوعات القانونية مثل الفروق بين العبيد والسادة، ويتنازل الملك عن كبريائه ويعترف بأخطائه ويتلقى صفعة من (المرجع الديني الاعلى)! و تنظم مسيرة ضخمة في شارع الموكب حيث تشعل النيران لحراق دمى ملونة تمثل الشتاء الراحل(منها اخذ الايرانيون طقس اشعال النار في نيروز). 

758 نيروز 2

ـ قد تبنّاه الايرانيون(الأخمينيون) الذي كانوا اشباه بدو واميين تماما، بعد احتلالهم بابل مع الكثير من امور الحضارة النهرينية: اللغة الآرامية والكتابة المسمارية وديانة النجوم.

ـ بعد ثورتين بابليتين فاشلتين ضد المحتلين، عامي: (521 ، و482 ق.م )، تم الانتقام من السكان وقمع طقوسهم والقضاء التام على احتفالات هذا العيد الديني والوطني، وتحويله الى ايراني تماما باسم(نيروز)!

ـ انتشر هذا العيد باسمه الفارسي (نيروز) بين شعوب آسيا الآرية والتركستانية، التي خضعت للأمبراطوريات الفارسية(الاخمينية ثم البارثية ثم الساسانية).

ـ عندما اتى العرب المسلمون عرفوه باسمه الفارسي(نيروز). واحتفلت به الدولة العباسية وانتشر اسمه في العالم الاسلامي، وحتى اقباط مصر استخدموا اسمه، وقدُسه الكثير من ائمة المسلمين، وقال الشيعة ان فيه يظهر صاحب الزمان، ولهذا السبب تحتفل به الدولة الاسلامية الايرانية، دينيا ورسميا.

ـ ان الاحتفال بالربيع، عموما سائد بين الكثير من الشعوب. في بلدان الشام احتفل به باعتباره (عيد بعل). وفي مصر(عيد شم النسيم). في المسيحية واليهودية سمي بعيد(الفصح ) أي الطبيعة التي تفصح وتتفتح في الربيع. كذلك ( عيد القيامة) أي قيامة المسيح بعد صلبه مثل قيامة(تموز) وعودته إلى الحياة ليعود معه الربيع والخصب. ـ اما الشعوب التركستانية يحتفلون به باسم (ينكي كون - اليوم الجديد). اما العلوية والبكتاشية التركية، فيعتبرونه يوم ميلاد الإمام علي، كما أنه بالنسبة لهم أيضا يوم زواجه من فاطمة الزهراء(رض).

758 نيروز 3

 

ـ اشقائنا الأكراد يحتفلون بنوروز باعتباره ذكرى انتصار(كاوه الحداد) على الملك الطاغية(الضحاك). لكن هذه الحكاية ليست كردية، بل ايرانية فارسية. وأول من ذكرها المؤرخ البغدادي (المسعودي)، ثم فصلها(الفردوسي) باعتبارها حكاية فارسية، ولم يذكر أي مؤرخ علاقتها بالاكراد. قد تبناها الاكراد حديثا في القرن العشرين، مع تقليد اشعال النار(المصدر في النهاية، لكاتب كردي عراقي).

 احياء عيد الربيع العراقي

ان الخطوة الكبرى التي قامت بها النخب الايرانية ايام الشاه رضا بهلوي ثم ابنه، منذ اوائل القرن العشرين انها جعلت عيد نيروز احتفالا وطنيا رسميا واعادت احياء كل الاساطير الشعبية حوله رغم احتجاج رجال الدين. ثم اتت الدولة الشيعية الاسلامية لتتبناه ايضا.

ومن خلال التأثير الايراني تبنت النخب القومية الكردية هذا العيد في اوائل القرن العشرين واخذت من الايرانيين حكاية (كاوا الحداد) ونجحت بجعله عيدا قوميا كرديا. 

اما نخبنا، فإنها للأسف، بسبب تجاهلها لتاريخنا وميراثات الطوائف والجماعات المختلفة، وبسب التعصب القومي العروبي الساذج ضد كل ما هو ايراني حيث ارتبط اسم هذا العيد بتسمية(نيروز)، فانها قد تجنبت الاقتراب من هذا العيد. 

ـ لقد تبنت الدولة العراقية منذ الفترة الملكية هذا العيد باسم(عيد الشجرة) وجعلته عطلة رسمية. ولكنها لم تحاول اعطائه بعدا تاريخيا وتراثيا وشعبيا وربطه بتاريخ العراق وكذلك بعيد نيروز. فبقي للاسف عيدا حكوميا محدودا.

758 نيروز 4

على الصعيد الشعبي يتم الاحتفال بهذا العيد في مختلف انحاء العراق باسماء وطقوس مختلفة، دون تشجيع ديني وحكومي ونخبوي: (عيد خضر الياس) لدى المسلمين والمسيحية واليزيدية، كذلك (عيد زكريا). و(عيد الفصح ـ القيامة المسيحي)، (عيد البنجة الصابئي)، وغيره. التيار الحزبي الآشوري العراقي والسوري، اعاد الاحتفال بهذا العيد في اول نيسان.

  كذلك هناك "يوم المحيا" أي احياء الربيع بعد جماد الشتاء. ويسمى ايضا(يوم الكسلة) في البصرة، او(دورة السنة) او(عيد الدخول) و(يوم الخضر) وهو الشخصية الاسطورية الاسلامية التي يرتبط اسمها بالخلود والخصبة والخضرة(من اسماء تموز!).

758 نيروز 5

 

الغريب ان الحكومة العراقية منذ اعوام السبعينات قد اقرت الاحتفال بعيد نيروز وجعله عطلة رسمية، ولكن كعيد كردي خاص، ولم تنتبه ابدا الى حقيقته العراقية الاصيلة. كذلك قبل سنوات بدأت محافظة نينوى تحتفل به رسميا باسم(اعياد الربيع).

إذن لنتفق نحن ابناء النهرين على يوم 21 آذار(عيد الربيع العراقي ـ نيروز) والتعريف بتاريخه العريق وإحياء بعض الرموز العراقية(السومرية الاشورية البابلية) وباحتفالات شعبية ورسمية.  ليكن عيدا للمحبة والوحدة والخضرة. لنحتفل بالبيئة وبالطبيعة ونزرع فيه الاشجار والنخيل.

 

 سليم مطر

...................

المصادر:

ـ عن اقتباس (نيروز) من بابل، هنالك الكثير من الدراسات العربية التي تفصل هذه المسألة. لكن ويكيبديا العربية قد مرت سريعا على دور بابل! ولكن ويكيبيديا الانكليزية تفصل هذا.

ولتسهيل الامر عليكم ضعوا في الانترنت بالعربي: نيروز بابل. او  بالانكليزي: nowruz babylon لتظهر لكم الكثير من الدراسات العربية او الانكليزية التي تفصل دور بابل في هذا العيد.

ـ عن تبني الاخمينيون (وبعدهم البارثيون ثم الساسانيون) لحضارة بابل وكتابتها المسمارية ولغتها الآرامية، طالع:

مختصر تاريخ العراق (تاريخ العراق القديم) 1-6 ج

https://urlz.fr/9b14

بالاضافة مصادر الانكليزية عديدة:

ـ (S. A. Pallis, The Babylonian Akitu Festival, Copenhague, 1926 ; La Fête babylonnienne de l'akitu).

ـ عن عيد الربيع العراقي ـ اكيتو Akitu طالع:

- P. Villard, « Akîtu », dans F. Joannès (dir.), Dictionnaire de la civilisation mésopotamienne, Paris, 2001, p. 20-22

- J. Bottéro, La plus vieille religion : en Mésopotamie, Paris, 1998

ـ عن تفاصيل اقتباس الاكراد حديثا (حكاية كاوا الحداد) و(اشعال النيران) من الايرانيين، طالع مقالة الكاتب العراقي الكردي (هلكوت حكيم) في جريدة الحياة(26 مارس 2000) :

http://www.alhayat.com/article/1038998

ــــ لمن يرغب بمعلومات شاملة ومتنوعة عن هذا العيد واعياد الربيع في العالم، ليضع احدى الكلمات التالية في مبحث كوكل: عشتار وتموز/  تموز وعشتار/عيد الربيع العراقي/اكيتو/اكيتو حجتو/نيروز/عيد الشجرة العراقي/خا بنيسان ـ الاول من نسيان/عيد المحيا/الخضر/المهدي المنتظر/ شم النسيم..الخ..

 

 

محمد فتحي عبدالعالقطوف من الحضارات

ان الملاحم من ابداعات الشعوب ولو لم تقدم حضارة بلاد العراق للانسانية سوي هذه الملحمة لكفت.. انها ملحمة جلجامش احدي أروع ذخائر تراث بلاد الرافدين وأكثرها تفردا فقد مزجت هذه الملحمة الحقيقة المشربة بالحكمة بالأسطورة المزخرفة بالرمزية وجمعت الخيال الأدبي المفعم بالحيوية بالواقع ذو الدلالات العميقة في نسيج واحد وتحكي هذه الملحمة والمكتوبة بخط مسماري علي احدی عشرة لوحا طينيا عن أحد الملوك ويدعي جلجامش وهو ملك أوروك وكان ثلثي اله حيث كانت والدته اله اما أبيه فكان بشر، مما جعله عرضة للفناء شأنه شأن سائر البشر ..تتضمن اللوحة الأولي كون جلجامش ملكا ظالما مستبدا لا يترك امرأة تزف الي زوجها حتي يدخل عليها أولا ، كما كلف رعيته بتحصين مدينتهم اوروك بأسوار من الآجر المحروق ...ولما ضج الشعب من ظلم وجبروت جلجامش ابتهلوا الي الالهة ان تكف اذاه عنهم فقامت الآلهة بتخليصهم عبر خلق ندا له في البرية انه أنكيدو وهو من البشر الخالص قوي البنيه ويغطي جسده الشعر الكثيف مستوطنا الغابات كثير الصراع مع الوحوش ومخلصا للحيوانات من شباك الصيادين، مما حدا بالصيادين الي شكواه الي جلجامش فلجأ جلجامش الي الحيلة لاستدراج انكيدو والتخلص منه عبر اغوائه بحب شمخات، أحدي خادمات المعبد وهو ما يتناوله اللوح الثاني حيث استطاعت شمخات ترويض انكيدو ونقله من طور المارد المتوحش الي طور الانسان المتحضر المالك لبواطن الحكمة فعلمته كيف يأكل وكيف يشرب ويلبس حتي اصبح كالبشر العاديين ثم راحت تقص عليه مفاسد جلجامش وكيف انه يدخل بأي فتاة قبل زوجها فعزم انكيدو علي التصدي لظلم جلجامش

فحدثت مواجهة عنيفة بينهما وكليهما كان من القوة بما يكفي للقضاء علي الاخر لكن انتهي الصراع بأنتصار جلجامش، واعتراف انكيدو بهذا الانتصار ثم توطدت الصداقة بينهما ...الي هنا يتضح ملمح هام هو ان المعارضة تتولد من رحم الاستبداد وانه، حتي وان علت يد الاستبداد وانتصرت يبقي لا مناص للاستبداد من اعادة حساباته والمصالحة مع المعارضة مهما طال الزمن...

في اللوح الثالث قرر الصديقان أن يعملا لصالح شعب اوروك فقررا ان يقطعا اشجار الارز الموجودة بالغابة فصنعا الفؤوس والسيوف العظيمة ولكن هذه المهمه لم تكن بالسهلة في ظل وجود حارس ضخم مثل خومبابا فبمجرد شروعهما في تنفيذ خطتهما وتقليم الاشجار تصدي لهما حارس الغابة غاضبا فتعاون انكيدو وجلجامش علی قتله بالرغم من توسلاته ...لم يمر مقتل خومبابا مرور الكرام حيث اثار مقتله حفيظة آلهة الماء انليل وكانت الغابة في حوزتها ..وهو ما يتضمنه اللوح الرابع والخامس..

في اللوح السادس وقد عاد جلجامش الي عرشه منتصرا فأعجبت الالهة (عشتار) بجماله وطلبت الزواج منه لكنه رفض بشكل قطعي مذكرا اياها بماضيها مع ازواجها السابقين وما آلت اليه مصائرهم ..غضبت عشتار من هذا الرفض وعزمت علي قتل جلجامش وفي سبيل ذلك استعطفت ابيها (أنو) وأمها (أنتم) وبكت لهما فقدم لها أبوها الثور السماوي القادر علي قتل جلجامش...و بنزول الثور السماوي أثار الهلع الشديد في أوساط المدينة فتجهز له جلجامش وانكيدو وذبحاه فأستشاطت الالهة غضبا ..

في اللوحة السابعة يري انكيدو رؤيا يقصها علي جلجامش مجملها ان الالهة اجتمعت للثأر لقتل خمبايا والثور السماوي وقررت معاقبة احدهما ولان الروح الالهية كانت تسري في جسد جلجامش ، فقد وقع الاختيار علي انكيدو فصدر القرار بموته عقابا علي ما حدث..فمرض انكيدو حتي مات وقد كانت امنيته ان يموت في ساحات القتال حتي يخلد اسمه مع الابطال وهي الامنية التي لم يدركها..

اللوح الثامن: يتضمن حزن جلجامش الشديد علي رفيق دربه انكيدو وقد جلس الي جوار جثمانه المسجي يناجيه قبل ان يواري جسده الثري..

اللوح التاسع : يبدأ جلجامش رحلة جديدة ولكن هذه المرة بحثا عن الخلود فقد كان شبح الموت يخيم علي مخيلته فأنطلق هائما علي وجهه قاطعا الجبال والفيافي متوجسا من الموت وباحثا عن الخلود وفي سبيل الحصول علي هذا الخلود كان عليه ان يجد (اوتنابشتم) لانه الوحيد العالم بهذا السر وفي الطريق يجد الالهة سيدروي والتي راحت تجاهد رغبته في الخلود دون جدوي ولكن مع اصراره ارسلته الي الطواف (أورشني) ليساعده علي عبور بحر الاموات ليصل الي الشخص المطلوب وفي النهاية يعثر جلجامش علي اوتنابشتم وزوجته وهما الناجيين الوحيدين من الطوفان ولذلك منحتهما الالهة الخلود حيث غضبت الالهة علي البشر فقررت اغراقهم ولكن أحد الالهة أوعز الي اوتنابشتم صناعة سفينة كبيرة يجمع فيها عدد من البشر والحيوانات للنجاة من الطوفان وتعتبر هذه أقدم أشارة علي طوفان نوح الوارد في الكتب السماوية..

مع توسلات جلجامش قررت زوجة اوتنابشتم ان تساعده في النهاية وأرشدته الي نبتة الخلود والتي تنبت في المياه وتمنحه الشباب الدائم وتجرح البشر مثل الشوك فيشعر جلجامش بالسعادة الغامرة لامتلاكه العشب أخيرا عازما علي اخذه معه وتجربته علي المسنين بأوروك أولا ثم زراعتها لينال خيرها جميع اهل مدينته ولكنه وفي طريق العودة وبينما هو يستحم في بركة المياه من عناء الرحلة استطاعت حية سرقة النبتة نازعة جلدها القديم ومتحلية بنشاط وشباب متجدد (وهي الشعار الذي يشير الي مهنة الصيدلة) ..هنا يدرك جلجامش ان لا حظ له في هذا الخلود فقرر ان يخلد اسمه بطريقة اخري وهي ان يعود الي بلاده مرسيا قواعد العدل وناشرا للعلم والمعرفة فهما السبيلين نحو الحياة المتجدده والبقاء الابدي وهنا رمزية رائعة  فمن يستثمر في موارد بلاده البشرية وينميها هو الحاكم القادر علي الخلود لانه الاثر الباقي علي مر التاريخ ..

جلجامش أنا( 2)

بقوتي وجبروتي وانتصاراتي ملئت التاریخ مجدآ

بملاحم بطولاتي،

لكن حزنی لفقدان انكیدو" صدیقي

جعلني أسلك درب البحث

لما كان ینویه بداخله

عن نبتة الابدية

عن نبتة تعوض أهلي وناسي

تعوض العالم أجمع

عن ظلمي واستبدادي

بحثت وبحثت

و قد طال بحثي

عن نبتة الحیاة الابدية

وفي طریق بحثي

وإذا بي وجدت نفسي أبحث،

لكني أرفض الموت

أبحث عن حیاة، عكس هذا الحیاة

مرساي في سعادة غیري

ومرفئي في الخلود الأبدي .

تربط الابحاث المعاصرة بين ملحمة جلجامش وبين ملحمة سيامند وخجي في الادب الشفاهي الكردي من حيث الأطر العامة وأن انكيدو من الكرد الفيلين ، حيث تورده الملحمة بأنه الرجل القوي الاتي من الجبل ولما كانت جبال بيشتكوه (بلاد ايلام) هي الاقرب لاوروك وهي موطن الكورد الفيليين كما الفأس التي استخدمها انكيدو وهي القوة التي عرف بها سكان ايلام، فالارجح ان انكيدو من هذا الموطن ...كما يستدلون بأن كلمة جلجامش وتعني الثور الكبير او المقدس، هي كلمة لا زال الكرد يستخدمونها الي اليوم كما أن رمزية الثور تحتل مكانة هامة في الثيولوجيا الكردية وكانت عبادته منتشرة لديهم في الازمنة القديمة مما يؤيد الصلة الوثيقة بين جلجامش والحضارة الكردية ويرجح ان تكون هذه الملحمة اقدم نص أدبي كردي مكتوب بالاضافة الي كونه من اقدم النصوص الادبية الفنية عبر التاريخ ...

عندالمقارنە بین الملحمتین ملحمة جلجامش وبين ملحمة سيامند وخجي في الادب الكردي نری:

كلا الملحمتين جاءتا على شكل قصيدة ملحمية، ولكن كتبت جلجامش على ألواح طينية بينما وصلتنا ملحمة سيامند بشكل قصيدة ملحمية وصلتنا شفاها من أجداد الكرد، وهذا من دواعي تصوّرنا أنها من بقايا ملحمة جلجامش.

التغنّي بظلم البطل ورحمته معا، ففي مطلع ملحمة جلجامش يتغنّى بقوته وظلمه وخلود اسمه بسبب الأعمال الجيدة التي قام بها، والحكمة التي فتّش عنها فتقول “هو الذي عرف كلّ شيء فغنّي باسمه يا بلادي”.

كذلك في ملحمة سيامند يتغنّى بأعمال الصعلكة التي قام بها سيامند وصديقه أو أخيه قره كيتران. كذلك يلاحظ هذا التغنّي بظلم البطل ورحمته في معظم الملاحم الشفوية الكردية.

في ملحمة جلجامش يشترك اثنين من الذكور في البطولة “جلجامش وأنكيدو” كذلك في ملحمة سيامند يشترك بطلان من الذكور في البطولة “سيامند وقره كيتران”.

في ملحمة جلجامش يموت أنكيدو قبل جلجامش ويترك الدور البطولي لجلجامش حتى نهاية الأسطورة، في ملحمة سيامند يموت قره كيتران قبل سيامند ويبقى الدور البطولي لسيامند حتى نهاية الملحمة.

للرؤى دور تنبؤي في ملحمة جلجامش، فهو يرى في حلمه ما تأويله أنّه سيلتقي بصديق وكذلك في ملحمة سيامند يرى سيامند في حلمه “الخضر” الذي يلقّنه دعاء طلسميا لمجابهة خصومه دون أن يخسر المخاصمة ويعده أنّه لن يقتل على يد بشر.

في ملحمة جلجامش يتصارع كل من أنكيدو وجلجامش في البداية ويغلب جلجامش أنكيدو، وكذلك يتصارع كلّ من سيامند وقره كيتران وتكون الغلبة لسيامند، وهكذا يمكن إيجاد العديد من القواسم البنيوية المشتركة بين الملحمتين، ولكن في ملحمة سيامند تظهر الكثير من التحوّلات وربما جرى نسيان الكثير من التفاصيل وعوّضت بالتغييرات الملائمة للتطور الديني والاجتماعي منذ آلاف السنين، وإلى وقت صناعة آخر نسخ الملحمة السومرية المتمثّلة بسيامند وخجي، فيمكن النظر إلى التعويض عن رحلة الخلود لجلجامش برحلة هروب سيامند مع حبيبته خجي، حيث تبدو الحكمة التي اكتشفها جلجامش عبر القيام بالأعمال الجيّدة معوضا عنها بالهروب مع الحبيبة، وربما كان ذلك علاجا لمشكلة اجتماعية جديدة، وهي أنّ الاقطاعيين كانوا يأخذون من يريدونها زوجة لهم، بحكم نفوذهم، فكان سيامند هو الشخصية البطلة الأسطورية التي جابهت ذلك الواقع، ولا يخفى على الباحث التأثيرات الاجتماعية الرومانية، والتي ربما أخذت الملحمة الأصل إلى منحى آخر متأثرا بالعصور الهلنستية والتأثيرات الأوروبية، عندما كانت تحكم الشرق منافسة ومناصفة مع الإمبراطوريات الإيرانية قبل مجيء العرب المسلمين إلى المنطقة بعد ” الفتوحات الإسلامية، ولهذا نرى خجي تنتحر بعد مصرع حبيبها، مما يذكرنا بروميو وجولييت.

 

استاذة سروه عثمان مصطفی كاتبة واديبة كردية

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري ..

.....................

المصادر

١- الويكبيديا العربية

٢- قصيدة للشاعرة سروه عثمان

٣- بقايا ملحمة جلجامش في ملحمة سيامند للاستاذ حسين شاكر.المركز الكردي السويدي للدراسات

٤- كتاب: الكلام المباح .. مقالات في السياسة والادب للدكتور مؤيد عبد الستار

 

حاتم عبدالواحدلن ارد على السؤال، ربما عشرين سنة او اكثر قد مضت على معرفتي بوجيه عباس، الزمن هو اعمارنا التي تمضي نحو هاويتها ولكن ما بقي من حصاد تلك السنين هو اللؤلؤة التي ستبقى الى ان يرث الله الارض ومن عليها، اشتغل ضابط تحقيق في الشرطة وبعد تقاعده كان لشاعريته المميزة فضل في عمله الصحفي، وربما يكون عمله الصحفي المميزعن ليلة مقتل الشاعر البصري محمود البركان من اهم ملفات تاريخ الادب العراقي، ثم عمل سائق اجرة بسيارته التي استلمها كضابط في الشرطة حيث كانت حوافز النظام السابق لمنتسبي الشرطة والجيش وفصائل الامن والمخابرات والاجهزة الخاصة تنص على ان يستلم المنتسب سيارة بسعر رمزي ربما هو سعر كلفتها فقط، كان يجوب شوارع بغداد ليلا ملتقطا العائدين الى بيوتهم منتشين او مهمومين او ضائعين، يجالس زملاءه الشعراء في نادي اتحاد الادباء في الومضات القليلة التي تسمح بها بعض الليالي ولكن مجالسته لهم ليست على طريقة محمد سعيد الحبوبي انما على طريقة (قد رأت عيني وما ذاق فمي)، بعد الاحتلال عملنا معا في جريدة اللواء التي لا اعرف مصيرها الان، كنا نستلم اجورنا بطريقة " الاسبوعية " لان المشرف على الجريدة كان مديرا لاحد معامل صنع الملابس الداخلية ويبدو انه ادرجنا ايضا في سجل عماله في ذلك المعمل، منذ عرفته كان صاحب فطنة واجوبة بارعة ولكن عمله في محطات تلفزيونية مجاهرة بالطائفية قد وصمه بهذا الشنار الذي تأسس على المبدأ القائل (من جعل نفسه عرضة للشبهات فلا ذنب على من يشتبه به) رغم انني استطيع توكيد شهادتي عن وجيه الذي لم اعرفه طائفيا قط والا لما استمرت علاقتي به كل هذه السنوات العجاف، اذكر انني قد عدت الى بغداد في بداية عام 2006 بعد ان هربت الى سوريا في بداية عام 2004 حين اصدر اتحاد الادباء العراقي قائمته السوداء التي ضمت اسمي بتحريض من بعض الشعراء الشعبيين واشباه المثقفين وبسبب محاولة قتلي حرقا في شوارع بغداد، وكان اول مكان مشتاق لزيارته هو مقهى الشابندر في نهاية شارع المتنبي وما ان عبرت الباب الخارجي للمقهى حتى اصطدم وجهي بوجه وجيه الذي اعتلت حاجبيه المرفوعين شهقة مكتومة، وبدون ان نتبادل التحيات قال لي (ما الذي أتى بك؟ يجب ان لا تبقى هنا لحظة واحدة). وعندما استفسرت عن السبب قال (انا اعرف ما لا تعرفه) ورافقتني الى بداية جسر الشهداء فعدت الى دمشق في نفس نهار وصولي. في المقابلة التالية طرحت على وجيه عباس شكوكي وعدم رضاي عن ادائه كعراقي احب بلاده ولا اظنه الان كما فارقته قبل 13 عاما، فدعوته مثلا قبل اعوام لاقامة اقليم الجنوب وانشاء محمية للعراقيين الجنوبيين لحمايتهم من اخوانهم الشماليين كانت سببا من اسباب كثر لاراقة الدم العراقي المطهر من الكنيف الطائفي.

 ترتب صداقة عمرها اكثر من عشرين سنة حقوقا لا يمكن تجاوزها، ومن اهم هذه الحقوق الثقة المتبادلة، ومن تجربتي الشخصية مع وجيه عباس استطيع ان اسوق ادلة عدة على عدم طائفيته، ولكن ما صدر عنه في برنامجه التلفزيوني يدلل ان الرجل بدل جلده فلماذا يركب وجيه عباس مركبا ليس بمركبه؟

-  لنبدأ من حيث انتهى تساؤلك، لنفهم هذه التهمة التي ساقها الجاهلون واصحاب الدكاكين التي كنت اطرق ابوابهم بحجارتي ولايملكون جوابا عنها الا بالشتيمة والتكفير خلف الابواب، الطائفية هي العصبية القومية، ان تفضل شرار قومك على اخيار غيرهم، متى فضلت سيئا يُحسب من الشيعة على حسن من السنة؟ انا كنت اهاجم السارقين والقتلة ولااميز بينهم لانني مصاب بعمى الالوان، لم احرّض على قتل احدهم، بينما المحرضون الحقيقيون يتعامى عنهم اصحاب دكاكين الفتنة ولايجدون سوى وجيه عباس امامهم ليتهمونه بالطائفية، بيعهم خسار، ويكفي انني كنت احد اسباب وصول امدادات اموال الدول التي ارادت حرق العراق واحداث حرب طائفية الى هؤلاء الكثير الذين ضحكوا على الجهلة بهذه التهم المسلفنة منذ١٤٠٠ سنة وحتى الان، ومازالوا يحتجون بما ورد الينا من بعض مزابل القرن الرابع الهجري.

تقول انا مذهبي ولست طائفيا والمذهب في اللغة هو الطريق وبمعزل عن عدد المذاهب في الاسلام انت تدعو الى اتباع طريق واحد تظن انه الطريق الاصوب للوصول الى الجنة او الكمال، ولكن الله يقول في سورة الانبياء الاية 92 " ان هذه امتكم امة واحدة واحدة وانا ربكم فاعبدون " فهل نحن نتحدث عن اسلام واحد ام " اسلامات " او طبعات منقحة من القرآن في الرياض او في طهران ؟

-  الرسول الغريب محمد صلى الله عليه واله قال ذات غربة محمدية (ستفترق امتي الى ٧٣ فرقة، اثنان وسبعون منها في النار، وواحدة في الجنة وهي الفرقة الناجية)، والجميع يتصور انهم وحدهم الفرقة الناجية والبقية في النار، فلماذا لاتذكر الاخرين او يذكرهم سواك؟ ولماذا ينظر الجميع الى الشيعة بعين متطرفة؟ الدين هو ماتدين به، كل الطرق تؤدي الى الله، شخصيا اخترت صراط علي ع، كما احترم اختيار الاخرين لغيره، نحن مبحث عن محمد الغريب ص واله، فلماذا يتم احتكار محمدا لجهة دون اخرى؟ ولماذا تستكثرون علينا الاجتهاد في مواضع ليس فيها نص؟ علي ع لم يكفّر احدا، وسار على خطى المربي ص واله، هو اسلام واحد لا اسلامان، ليس لي علاقة بارض بعينها، علاقتي بانسان اختاره الله ليكون رسولا لا ملكا يتناهب ارثه المريدون، واتيقن ان هذه نظرة موضوعية، لدينا فهم مغلوط في بعض المقدمات التي تصورها البعض من السلف الصالح الى الخلف الطالح، نبذنا القران واشتغل الشنة بالصحاح والشيعة بالكافي وكلاهما بحاجة الى اعادة تقويم لتخليص اسلامنا مما علق به، وهذه كارثة اتحدى علماء الطرفين على الخوض بها والخروج منها سالمين من تهمة التطرف والتكفير.

 

 خلال السنوات الماضية التي كنت اشاهد فيها برنامجك الطافح بالتعابير الجنسية والشتائم المباشرة والايحائية الموجهة لمغايريك في قناة العهد كنت اسال نفسي السؤال التالي : اين يتوارى الان وجيه عباس الشاعر البارع امام وجية عباس المروج المذهبي؟

ـ انت اديب وشاعر، وهناك باب ادبي هو الادب المكشوف، استخدامي لبعض التعابير ينبع من كوني كاتبا ساخرا واديبا ابحث عن اقرب طريق ليوصلني الى المعنى، الذين يتحججون بهذه الجزيئة ادعوهم لقراءة ابي نؤاس والحسين بن الحجاج وابي حكيمة وصولا الى عبود الكرخي والقائمة تطول، ساقول لك سرا؛ الشخصية التلفزيونية التي كنت اظهر بها والحدة التي اتكلم بها خلقها الطرف الاخر الذي تمادى باظهار تطرفه بسبب ضياع الحكم ممن كان يُحسب عليه، ومن العجب انهم كانوا ضحاياه وان لم يكن بنسبة كبيرة، الواقع الملتبس عام ٢٠١٤ كان بحاجة الى افهام الاخر ان صوتا واحدا يمكن ان يقض مضاجعهم، فكيف لو ظهر الف وجيه عباس، لم اجد من الاعلاميين او المثقفين من يملك مؤهلات الظهور بهذه الجرأة مثلي، مع العلم ان ظهوري جعلني اراكم الخسارات وكنت اصدق من الجميع الذي يريد ان يحافظ على" خبزته"كثيرون من الطرف الاخر كانوا يتابعونني باستمرار ليكتشفوا قاع الطرف الاخر من اجل فهمه، لايهمني المتطرفون من الطرفين، ولا التفت اليهم لاني مطمئن على مساحة حريتي في الكلام والانتقاد لاي رمز او شخصية سياسية، مؤمن تماما بان" رضا الناس غاية لاتُدرك، ورضا الله غاية لاتُدرك"، اهتممت بالحفاظ على الشاعر في داخلي، والكاتب الساخر وثقت عن طريقه مامر بالعراق منذ ٢٠٠٣، انا اكثر العراقيين استثمارا للديمقراطية في العراق بعد التغيير او الاحتلال او الاحلال، انتجت اطول رباعيات بتاريخ الادب العربي منذ المهلهل وحتى اخر شاعر، " شيرازيات بغداد بلغت ٣٢١٠ بيتا، واعمل الان على "روميات بغداد " واتوقع ان تصل الى٤٠٠٠ بيت، انجزت

 اكبر موسوعة ساخرة في تارسخ الادب العربي( عولمة بالدهن الحر) وهي ٣٤٠٠ صفحة وفيها ارخنت للعراق.

 ما سر الدفاع عن نظام سياسي ديني او ثيوقراطي لم يعد ذا فعالية في المنظومة السياسية العالمية، وما فضل الاسلام بكل تفصيلاته ومذاهبه على العراق كي يدفع العراقيون ثمن بقاء العمامة الاسلامية متسيدة مصير الخلق ؟

 انا ادافع عما اؤمن به، اعجب ان تقول لي انك تدافع عن نظام سياسي ديني، السياسة لم تجتمع مع الدين الا في فترة الرسالة والخلافة الراشدة، انا لا ادافع عن نظام، انا ادافع عن الانسان العراقي الذي داسته جميع الانظمة، العمامة رمز محمدي في اسلام لم يبق فيه رمز سوى العمامة والأذان، من حقي ان اذافع عما اؤمن به بعيدا عن الكلاو الشرعي الذي دوخونا وضحكوا به علينا من خلال تفسيره الذي يسير في اتجاه مصلحة الحاكم واعني به " يد الله مع الجماعة" وهم يفقهمون انهم جماعة الحاكم المتفرد الضرورة والواحد الاحد الدنيوي، على الجميع احترام فكر الاخر، الاقصاء قانون غاب جديد يُمارسه الفارغون لادخال القطيع الى حقولهم الفارغة.

بعد الفوز بعضوية مجلس النواب العراقي تغيرت لغتك نحو المحاججة الفكرية بدرجة ما واعتقد ان هناك من تقدم بنصائحه لك كي لا تفقد وقار النائب البرلماني، اما كان من الاجدر ان تقدم لك ذات النصيحة عندما كنت تقدم برنامجك التلفزيوني ؟ ام البرلمان اولى بالاحترام من الجمهور.

ــ انا اكبر من ان يكون هناك من يوجهني، هل سمعت ان شاعرا ما لديه مستشار فكري؟ ساكون صريحا معك؛ حين دخلت غابة البرلمان اطلعت على عالم السياسة الفارغ من المحتوى، احجار على رقعة الشطرنج العراقية التي لاتقدم رجلا ولاتؤخرها الا بحسابات المصلحة، عالم مغلق على نفسه بحكم الجلوس على احد مقاعده، لدينا جانبان؛ جانب شعبي غاضب حد تفجير كل شيء لانه يظن ان البرلمان هو من يقود العملية السياسية وهذه خطيئة كبرى، رؤساء الكتل هم من يقود البرلمان وليس النواب، الصوت المفرد الصارخ والجارح لايغير شيئا، الشعب يريد من النائب ان يملك عصا سحرية وفق قاعدة" كن فيكون"، وهذا من حق الشعب قبالة حكومات قادته من خيبة الى خيبات، هذا النائب يعيش عذرية السياسة التي لايفهم عهرها الحقيقي المخبوء عن عينيه، والجانب الثاني هو البرلمان ( التشريعي والرقابي) المحكوم باليات لايمكن الخروج عنها، ساحة مكشوفة لتلمس جميع العقول التي باستطاعتها تحريك الرأي العام بتصريحاتهم وظواهرهم الصوتية التي ربت الذائقة الشعبية على تمييزها وكأنهم ابطال القنوات القضائية والتصريحات الصاروخية التي يستغلها البعض لتحقيق مكتسبات شخصية او حزبية، في هذا الجو الملتبس الذي دخلته، شاهدت الضفتين اللتين لاتتآخيان، مادمت اخترت الدخول الى البرلمان ستكون بنظر الشعب سارقا وعدوا للشعب( حتى لو اشعلت عشر اصابعك في سبيل خدمتهم)، لن تختلف عن بطل رواية ( عدو الشعب) لهنريك ابسن النرويجي الذي كان يدافع عن اهل المدينة بسبب رمي فضلات القمامة في النهر الذي يشربون منه، وبسبب اموال صاحب المصنع لكبار القوم وصفوا المدافع عنهم ب (عدو الشعب)، امتحان صعب، لكنه اوصلني الى قناعات خطيرة في داخلي جعلتني امارس الهدوء، وهذا سبب دبلوماسيتي في الاجابات التي تظهر شخصيتي الحقيقية.

الا تشعر ان من اقترح عليك بالترشح للبرلمان اراد استغفالك او استغلالك .

ــ على العكس تماما، رغم اني كنت الاسم الاخير الذي ترشح في الانتخابات، ومع هذا فاجأت الجميع بالحصول على اعلى الاصوات في الفتح بعد رئيس القائمة، ترشيحهم لي لقناعتهم اني قريب من الفقراء ومازلت، فزت بمقعد برلماني لكني خسرت برنامجي ولااستطيع العودة اليه بسبب النظام الداخلي للبرلمان وعدم موافقة قناة العهد لعرضه حتى بصفة ضيف دائم، المشكلة؛ كيف يمكن للمواطن الذي كان يتابعني ان يقتنع بان دور البرلماني يختلف جذريا عن دور الاعلامي، الكثير منهم يريدني ان اتكلم اسبوعيا خمس ساعات وانا لااملك الا دقيقتين في كل جلسة والكثير من النواب يطالبون بحذف مداخلتي لجراتها ونسقها الساخر!!.

من الاهم وجيه الصحفي والشاعر ام وجيه النائب؟

ــ بعد ثلاث سنوات ونصف سيسمونني النائب السابق، بينما سابقى شاعرا وكاتبا الى النهاية، الشاعر اهم من البرلمان كله وليس المقعد البرلماني .

 

حاتم عبد الواحد

 

ليث الصندوق (شاختْ سُبُل الأرض بنا

 غرباءَ تُلاحقنا السكّينُ وراء السكّين

 لم نحمل من مُدن الذكرى

 غيرَ حقائبَ أثقلها الجُرحُ، وبعضُ حنين)

 خالد علي مصطفى - من مجموعته الشعرية (ألمعلقة الفلسطينية) ومن قصيدة (طفل الفدى)

 أنه الموت، الغائب الأكثر حضوراً، والمتوقع المؤكد، ومع ذلك فتوقعه لا يخفف من حدّة مرارته، فهو ليس كمن يطرق الباب فيؤذن له بالدخول، بل هو كمن يصرخ فجأة دون أن يستسمح السامع أن تُمزق الصرخة له طبلتا أذنيه، وتلك الفجاءة هي التي تُفجّر في حضوره ينابيع المرار، وأمرّ من المرار عندما تكون المفاجأة في الأعزّ من الأحبّة . بهذا الإحساس العصيّ على الإجتراع تلقيت نبأ وفاة الشاعر والناقد والأكاديمي الدكتور خالد علي مصطفى . وعلى الرغم من يقيني بأن هذا النمط من البشر ليس بمقدورهم أن يموتوا، إلا أنّ الحقيقة التي عليّ الإقرار بمرارتها، هي استحالة أن ألتقيه مرّة أخرى إلا في موعد مؤجل إلى أن يأذن الله .

لقد كان من حسن حظي، ومن حسن حظّ الكثيرين من زملائي في المجايلة أننا في بداياتنا سرنا في ظله الوارف، وتعلمنا منه الكثير . بل أنه ليُشرفني أن يكون الكثير من قصائد مجموعتي الشعرية الأولى (قصائد منقوعة بالدم – دار الرشيد للنشر – 1982) قد مرّ من بين يديه، ونُشر في الصفحات الثقافية التي كان يرأسها أو يعمل فيها، ولم يبخل لها بالنصح والتوجيه . بل أنه ليُشرفني أن يكون هو الخبير السري لمجموعتي الشعرية الثانية (مَن أضرم النار في الشجرة – دار الشؤون الثقافية العامة – 1998) وهذا ما عرفته منه مصادفة بعد زمن من صدور المجموعة، وتلك حكاية سآتي عليها لاحقاً . وعدا هذه، وتلك فكثيرٌ من قصائدي التي لم تُجمع في مجموعة شعرية قد نشرت بتوجيهه وإشرافه .

ولعل الشعراء الشبان الأربعة الذين كان لا يمرّ عليهم اسبوع واحد من عام 1979 وحتى منتصف العام التالي إلا ولهم لقاء أو أكثر معه هم صاحب هذه السطور، وقيس مجيد المولى، وإبراهيم زيدان، وعمار عبد الخالق . كنا نزوره في مقرّ عمله، فنُطلعه على نصوصنا، وعلى قراءاتنا، وعلى ملاحظاتنا لما يُنشر في الصحافة الثقافية، بل وحتى على خصوصياتنا أحياناً، وكان يُصغي لكلّ ما يُقال، ويُبدي رأيه بصراحة لا تخلو عند الضرورة من التقريع، وكنا نتقبل تقريعه ممتنين، ونُصوّب من إتجاه مسيرتنا الإبداعية تبعاً لذلك . وكان زميلاه الآخران في العمل المرحومان الروائيان والمترجمان عادل عبد الجبار، وغازي العبادي يشاركانه في الحوار والنصح، ولكنهما لا يتجاوزانهما إلى التقريع، فذلك حق للدكتور خالد لا يتجرأ أن يُنازعه عليه أحد، ولا يتقبله من سواه أحد . وبالرغم من تقريعه، وعدم تهاونه إلا أنه كان لا يبخل علينا جميعاً بربتة رضا، ونظرة تشجيع، بل وبكلمات إعجاب وثناء حين يجد أنّ كتاباتنا قد كبُرت ولم يعد يتسع لها القِماط . وكان أيضاً يسرنا بمشاريعه الثقافية، ويخصنا احياناً بقراءة قصائده الجديدة، ويسمح لنا ان نبدي رأينا فيها دون إكراه، وبمنتهى الحرية . وبينما تفرّغ زملاؤه شعراء الستينات لهمّين : همّ الغربة لمن غادر، وهمّ المسؤوليات الإدارية لمن في الداخل، ظلّ هو بين من يحتاجون إليه، لم يفارقهم، ولم يُفارقونه، وحتى بعدما تفرّغ للتدريس الجامعي، ظلّ مصراعا بابه وقلبه مفتوحين للطارقين . وكانت الحرب العراقية الإيرانية هي السبب في انقطاعي عنه، إذ تباعدت فترات زيارتي له، فقد التحقت بالجبهة، ومع ذلك كنت اتراسل معه باستمرار عبر البريد المضمون (المسجّل) لأعوّض عن فترات انقطاعي عنه، وهي فترات كانت تطول أحياناً لشهور حين تضيق فسحة الإجازة الدورية عن استيعاب كل التزامات الحياة الخاصة .

وبانتهاء عقد الحرب الثمانيني، ومجيء عقد حرب وحصار، هما معاً أشد ضراوة وإيلاماً، وما رافق ذلك من تعقّد وارتبالك في شؤون الحياة، وانسحاق الجميع تحت ضغط الجوع والقهر، لم يعد بإمكاني اللقاء بالرجل . واستمرّ انقطاعي عنه طيلة عقد التسعينات تقريباً باستثناء لقاءات عابرة لا تُفرغ ما في الروح من شُكاة وألم . ولكنّ لقاءً غير متوقع من تلك اللقاءات يمكن أن يُفلت من توصيف اللقاءات العابرة تمّ بيننا في مقرّ عملي بوزارة الثقافة والإعلام في يوم من أيام عام 1999 كشف لي خلاله الرجل سرّاً لم أكن أتوقعه . ففي عام 1997 دفعت إلى دار الشؤون الثقافية مجموعتي الشعرية (من أضرم النار في الشجرة) التي أشرت إليها سابقاً، وبعد شهور راجعتُ الدار لمعرفة رأي الخبير السري بشأنها، فأبلغتني مسؤولة النشر السيدة الطيبة الذكر نجلة محمد بأن موافقة الخبير قد حصلت، وسلمتني نسخة من تقريره بعد أن حذفت منها إسمه وتوقيعه جرياً على نهج الدار في إبقاء أمر الخبرة سرياً .

قرأت التقرير فإذا به يتجاوز مواصفات التقارير ليكون دراسة مفصّلة ومسهبة من عشر صفحات ذات القطع الكبير تتمتع بقدر عالٍ من الدقة والرصانة اللتين لم تسلم منهما حتى العثرات والأغلاط، وقد كنت، وما زلت لحدّ اليوم اعتز بما ورد في التقرير من إضاءات لا تصدر إلا من مصباح لا تخفى على أشعته خافية، كما أعتزّ بما ورد فيه من تنقيات لا يؤديها سوى غربال نزيه وأمين . لقد كان مما قاله الخبير السري في شاعر المجموعة (وأنا أقرأ الآن من نسختها المحفوظة لديّ): (صاحب هذا الديوان شاعر حقاً، بالرغم من كلّ العثرات الفنية التي تعتري قصائده، فهو يوقظ الطبقات الخفية من مشاعرنا التي ترهقها المعاناة اليومية، وذكريات الحرب، ومواجهة المستقبل، وهو في كلّ ذلك يضعنا دائماً على حافة سكين . أنه صريح، لا يُناور على عواطفنا وأفكارنا، ولا يدور، حتى أننا لنحسّ في كثير من الأحيان أنّ المرء منا خاضع لقدرية عمياء لا يستطيع منها فكاكاً) ثمّ يواصل القول (الشاعر هنا يقرأ نيابة عنا – كما يبدو – ما وراء الواقع، أو يتخذ من الواقع وسيلة ليعبر بها عما وراءه بهدوء وهمس مستفزين، ولذلك كثرت في قصائده الصور المفاجئة، الغريبة، ذات التأثير الحاد بسبب من مفارقاتها التي تؤدي إلى نوع من السخرية السوداء) ثمّ أردف يقول (قد يبدو من الظاهر أن القصائد توحي بنوع من (العدمية) بسبب من ضغط الحياة القاهر، واختلال القيم، وفقدان التوازن، لكنها في جوهرها تقوم على مواجهة اليأس بصور اليأس (على قاعدة : وداوني بالتي كانت هي الداء) معبراً بهذه الطريقة عن حقيقة (الوضع الإنساني) الذي نعيشه . لقد تحوّل هذا (الوضع) إلى صور غنائية تفيض حزناً، وبكاءً، بالرغم مما يعتري هذه الصور من سخرية مرّة كما ذكرت) . بعد ان قرأت هذا التقرير / الدراسة زاد إصراري على معرفة إسم الخبير، وحاولت جهدي في سبيل ذلك، لكنّ السيدة مسؤولة النشر تعللت بعدم إمكانها تجاوز ضوابط عمل دائرتها . بعد ذلك صدرت المجموعة الشعرية في عام 1998، ودفعتها للاشتراك في مسابقة جائزة الإبداع الكبرى، وهي يومئذ ارفع جائزة أدبية في العراق، ففازت بالجائزة الأولى . وعن هذه المجموعة كتب الراحل الكبير يوسف الصائغ في صفحته الأسبوعية بمجلة الف باء مقالاً كان مما ورد فيه (... آه يا ليث الصندوق، لكم تمنيت لو كنت أنا من كتب هذه القصائد) .

واعود إلى اللقاء غير المتوقع الذي أشرت إليه سابقاً، والذي جرى بيني، وبين الدكتور خالد في مقر عملي بوزارة الثقافة والإعلام في يوم ما من شتاء 1999 إن لم تخني الذاكرة . لقد جاء إلى الوزارة في شأن يخصه، ولما علم بوجودي فيها جاء يزورني، ويطلب مساعدتي . وبعد أن أدّيت ما عليّ له من واجب، جلس يفتح دفاتر الماضي، ويقرأ في إحدى صفحاتها ما خفيَ عني من مجموعتي الشعرية (من أضرم النار في الشجرة) فإذا به يُفاجئني أنه هو نفسه خبيرها السرّي . عندها لمت نفسي لأني أجهدتها من دون طائل في البحث عن إسم الخبير، وكان عليّ أن أخمّنه منذ أول قراءة للتقرير، فتلك الرصانة، وتلك الصراحة، وتلك الدقة في التسديد، والتي دونها دقة صياد خبير لا تصدر إلا منه .

ولا بأس أن أخفف من وطأة الفقدان بتذكر بعض المواقف الطريفة، فقد كان الشاعر إبراهيم زيدان من بيننا هو الأكثر قرباً للدكتور خالد، والأكثر تبسطاً معه، وكان يعبر عن مشاعر الودّ تجاهه بطريقته الخاصة، فكان كثيراً ما يتماحك معه متعمداً إثارة حفيظته في كلّ صغيرة وكبيرة، وكثيراً ما كان ينجح في مسعاه فينشب بينهما حوار ساخن لا يجرأ أحد من الحاضرين الدنوّ منه مخافة أن يُلسع بطشيش من شرره . وكان الهدف من الحرائق التي يضرمها إبراهيم ويسكب عليها المزيد من الزيت هو إيصال الدكتور خالد إلى مرحلة الغضب، فلغضبته دروس يسعى لها الخُلّص من طلابه ومريديه، أنها تُخرج من أعماقه صوته الجَهوَريّ الحاد، ومواعظ خطبه التي دونها خطب سحبان وائل، وآراءه الصريحة الجارحة التي لا تعرف المناورة ولا المهادنة، وتقويماته البليغة والصائبة .

وكان رحمة الله عليه يحدب على إبراهيم، ويخصّه بالرغم من كلّ العناد والملاسنة بودّ يُحسد عليه، ويتعامل معه معاملة الأخ الكبير، فلم يكن ليقطع حبل الودّ بعد كلّ خصومة، بل كان هو الذي يبادر فيوصل ما أوشك أن ينقطع، مدركاً بحسه الإنساني العالي أنّ تلك الموجة العاتية لا تضمر مهما عتت أية نية سوء، بل هي تنطوي على روح نقيّة تنشد الودّ والأخلاص . وأذكر أنه في ذات مرّة ملّ الدكتور خالد من تأدية دور كاسر الأمواج، وقرر أن يباغت الولد المشاكس متحولاً إلى موجة ضاربة . كان ذلك في يوم من أيام عام 1983 وكان إبراهيم قد أصدر مجموعته الشعرية الجميلة الأولى (باتجاه الندى باتجاه القمر) عن دار الشؤون الثقافية بوزارة الثقافة والإعلام . وكان الدكتور خالد هو خبيرها، أي أنه هو الذي أوصى بنشرها، وكان إبراهيم قد علم مسبقاً بتلك المعلومة السرية، لذلك كانت التوصية تعدل - بالنسبة له - ثقلها ذهباً، فهي تعني الإقرار بكفاءته الشعرية من لدن شاعر وناقد كبير . لكنه فوجيء، وفوجئنا – نحن أصدقاءه – معه أن الدكتور خالد ينشر – بعد صدور المجموعة - مقالاً نقدياً لاذعاً عنها في الصفحة الثقافية من جريدة الثورة، وتلك كانت مفارقة عصيّة على فهم الأصدقاء الذين لم يتعرفوا على خفايا الصراع بين الطرفين، فالخبير لم يكن ملزماً بالموافقة على المجموعة إذا لم يكن راضياً عنها، وبالتالي هو غير مضطر للتهجم عليها بعد صدورها . أما بالنسبة لمن يعرفون خفايا جوّ الصراع من الأصدقاء، فبالرغم من أنّ المقالة قد وضعتهم – كما يُقال - في حَيصَ بَيصَ، إلا أنهم فسروا الأمر بأنّ الفرصة قد واتت الملاكم الصابر حتى واتته الفرصة، فعاجل غريمه بالضربة القاضية . ومع ذلك لم ينته التحدّي، إذ سرعان ما استردّ الملاكم الخاسر وعيه، وعاد من جديد يتطلع إلى مباراة أخرى على لقب العناد والمجاسرة . وأذكر أني بعد تلك الحادثة حاولت الدخول على خطّ الخصومة متحدياً ترددي، ومستعداً لتحمل اللكمات الطائشة، فكتبت مقالة أردّ فيها على الدكتور خالد وصفت فيها ما كتبه بالتجميش في الخاصرة . وبعد ظهور مقالتي إلتقيت بالدكتور خالد في موقع عمله بالجريدة، وكنا لوحدنا، من دون وجود إبراهيم الذي قلما كنت ألتقي في غيابه بالدكتور خالد، فقد حرصتُ أن يتغيب إبراهيم عن هذا اللقاء لآستجلي رأي الدكتور خالد صراحة في كتابات إبراهيم، وبمجموعته الشعرية، فقال لي : لا تُحمّل الأمر أكثر مما يحتمل، أني أحبّ إبراهيم، وأريد لمسيرته الإبداعية أن تمضي من دونما عثرات، قالها وهو يخفف من الجدّ بابتسامة .

في عام 2015 صدر كتاب الدكتور خالد علي مصطفى الأخير (شعراء البيان الشعري) من دون أن يسبق اللقب العلمي أسمه على الغلاف الأول، تاركاً اللقب للصفحة الأولى، وتلك واحدة من علامات تواضعه رحمه الله . وفي الإشارة التي سبقت مقدمة الكتاب أو كما أسماها (التمهيد) وعد أن يعقب كتابه هذا بآخر عن شعراء الستينات ممن هم خارج البيان الشعري الذين كان لهم أثر في الشعر العراقي والعربي الحديثين، واختزل المشهد الستيني خارج البيان بثمانية شعراء فقط ذكرهم بأسمائهم . بل أنه أبقى كتابه عن شعراء البيان – بالرغم من صدوره – دون أن يتممه بخلاصة، إلا بعد أن يُنهي كتابه الثاني الموعود . والغريب أنه لم يأتِ على ذكر الكتاب الموعود في نهاية كتابه عن شعراء البيان، وضمن قائمة مؤلفاته، أو ضمن القادم منها التي ذكر منها كتابين لم يكن ثالثهما الكتاب الموعود، وأحسب أن وعد الموت كان أسبق للرجل من وعد الكتاب . ولكن ما يستلفت الانتباه في كتابه هذا عن شعراء البيان هو هاجس الموت الذي كشف عنه في أكثر من موضع في التمهيد، فهو يفتتحه بسؤال يوجهه إلى نفسه (ما الذي يدعوني، الآن، إلى أن أدلي بشهادتي حول شعراء جيلي – لهم أو عليهم – في هذا الوقت المتأخر، الذي أخذت فيه الخطى تزحف وئيدة، أو حثيثة إلى حافة المقطع الأخير من الزمن المكتوب) وإن كان هاجس الموت قد ارتبط هنا بزمن لا يُجهل كاتبه جلّ في علاه . إلا أن هاجس الموت في موضع آخر تحتكم به إرادة بشرية لا علاقة لها بالزمن ولا بالخالق، إرادة تختزل جهاد العمر كله في رصاصة (كيف يتسنى لك أن تخطّ سطراً، أو بعض سطر، محتفظاً بتوازنك، مطمئناً على وضعك، وأنت تدري بما لا يدع مجالاً للشكّ، أن طلقة عشوائية، أو مقصودة، لن يكون بميسورك أن تسمع لها أزيزاً حين تخترق جمجمتك، أو قلبك، وتنقلك من فضاء الوعي بالوجود، إلى فضاء اللاوعي بالعدم ؟) . وإن كان الموت في أي حال من الحالين، سواء في الزمن المكتوب أم بالرصاصة سيؤدي إلى نتيجة واحدة متمثلة بإيقاف مشاريع الحياة، إلا أن الموت في موضع آخر – وتلك مفارقة – يؤدي دوراً معاكساً، إذ يصبح أحد أهم المحفزات لإتمام المشاريع المؤجلة، وبتلك المفارقة يتعلل الدكتور خالد لقرائه بإتمام وعده في إكمال مشاريعه الكتابية (أما إذا ضاق الحبل حول الرقبة، فسرعان ما تجد اليد سبيلها إلى القلم والورق فتنجز المطلوب بأسرع ما يمكن، مصحوباً بإحساس خاص أن ثمة من يقف على رأسك، يهيب بك أن تنجز ما أنت بسبيله، وفي يده منخاس، ينخس به ظهرك كيلا يتأخر بك عملك) أليست هذه القراءة للموت كحافز هي أرقى القراءات، وأندرها، بعد أن تبنى كلّ القراء على وجه الأرض قراءة عبيد بن الأبرص وهو مهدد بالموت بين يدي النعمان بن ماء السماء، حين قال مقالته الشهيرة (حال الجريض دون القريض) ؟

 

ليث الصندوق

 

 

ميثم الجنابيالأحياء تموت. وهي حالة محتومة للوجود نفسه. فهي حركة دائمة للصيرورة والعدم. والإنسان جزء منها. غير أن هناك فعلا من يموت ولن يموت، بمعنى تلاشي الجسد وبقاء الروح. وأبو بكر يوسف ينتمي لهذا النوع من الرجال.

إن فقدانه مؤلم للقلب لكنه يستعيد في الذاكرة حقيقته كإنسان ومبدع. فأبو بكر يوسف روح من أرواح الثقافة العربية المعاصرة. ويعرف حقيقته من يعرفه عن قرب.

لقد كان ابو بكر وما يزال وسيبقى قريبا إلى عقلي وروحي لما فيه من شخصية غنية نقية جميلة. ففيه يمكنك رؤية كل الابعاد الجميلة في الشخصية المصرية العربية: الهدوء والوداعة والبشاشة وصدق الضمير. كلما كنت أراه، أرى فيه تجليا لشخصية الإمام محمد عبده، رغم فارق المظهر. فقد كان ابو بكر وسيما جميلا اسمرا ترى في كل ما فيه صعيد مصر وتاريخها وتراثها.

اتصلت به قبل شهر، وكان في صوته نبرة اقرب ما تكون إلى صوت الوداع الأخير. واتصلت به قبل اسبوع تقريبا، لكنه لم يرد. وهذه هي المرة الأولى التي لم يرد فيها على اتصالي. وعموما هي ليست من صفاته. فقد كان على الدوام فرحا بي ويخاطبي بعبارة "يا ميسم! يا حبيبي". وأنا اقابله دوما بالود العميق والاحترام الكبير. وقد وخزني قلبي.

كان ابو بكر ودودا رقيق الروح هو تجسيد لمعنى وقيم الآداب النبيلة. لكنه كان في الوقت نفسه حازما وشديد المواقف عند الضرورة. وهي صفات يصعب رؤيتها لمن لم يراه على حقيقته. كما انه كان نشطا بمعايير الاجتماع والمواقف السياسية ويتمتع بقدرة كبيرة على الإدارة والقيادة النبيلة والسليمة. وأتذكر الآن الحادثة التي جرت قبل حوالي عشر سنين أو اقل بقليل أو اكثر عندما جرى ترشيحي من قبل الحاضرين العرب لرئاسة الهيئة التحضيرية لإنشاء منظمة للعرب المقيمين في روسيا. وقد كان ذلك بالنسبة لي تلك مفاجئة غريبة! اذ انني كنت آخر من أتوقع هذا "الانتخاب". وعموما كانت هذه "المهمات" بالنسبة لي غريبة ولا تستجيب لشخصيتي، مع ادراكي العميق بان من الضروري أن يكون في "قيادة" الناس من هو اصلحهم لهم. لكنني كنت وما ازال انظر الى الناس بعين الوداد. وهذا مبدأ لا يصلح للإدارة. فالإدارة تستلزم سعة الصدر والحنكة والمساومة والشدة والعنف والاكراه، أي كل الخليط الضروري للحياة السياسية، اضافة الى الاستعداد للقيام بذلك. وقد كان ابو بكر من بين الجالسين الى جانب عدد كبير من الاشخاص الطيبين والأكفاء لهذه المهمة. لكنني طلبت من القاعة الاعتذار بشرط توكيل المهمة لأبي بكر يوسف. ففيه تتجسد كل هذه الصفات مع نبله العميق وروحه الاخلاقية المتسامية.

إن لأبي بكر يوسف عدد كبير من الخصال الشخصية ولعل من بين أهمها هو شخصيته الإبداعية في مجال الترجمة والكتابة الأدبية. فقد قيل عنه الكثير في مجال الترجمة. وهو بالفعل من بين أهم المترجمين العرب من الروسية إلى العربية في مجال الأدب. ويكفي كونه من ترجم الأعمال الكاملة لتشيخوف. لكنه اضاف للمكتبة العربية تراجم الكثير من الشخصيات الأدبية الروسية الكلاسيكية والمعاصرة الكبرى. 

اما في مجال الكتابة الأدبية، فقد كان ابو بكر مقلا فيها، لكنها حالما يكتب فإنها تنضح كل ما فيه من معاناة القلب والذاكرة والعقل النقدي. فقد كنت شخصيا والدكتور نوفل نيوف نطلب منه و"نجبره" على الكتابة. وقد اختار في وقتها كتابة مقالات أدبية جميلة وعميقة عن الشخصيات الأدبية العربية الكبيرة التي عاشت في موسكو. وكنا ننشرها في "الكتاب الدوري" الذي كان يحمل عنوان (رمال). وهو محدود العدد (الف نسخة). لكنه توقف بسبب انفراط هيئة التحرير التي كنت اترأسها. فقد سافر المرحوم جلال الماشطة الى العراق، وتبعه الدكتور نوفل نيوف الى الشام، وبعدها الى كندا! فقد كان الكتاب متوقف اساسا علينا (انا ونوفل). حيث كنت اخذ على عاتقي كل ما له علاقة بالأبحاث الفلسفية والفكرية والسياسية والتاريخية، بينما كان يأخذ نوفل على عاتقه كل ما له علاقة بالأدب من دراسة وترجمة. وبعد سفر الدكتور نوفل اصبح من الصعب الاستمرار بها، لأنه لا وجود لشخص انذاك (والآن اكثر) من يمكنه إن يقوم بهذا المهمة. فالدكتور نوفل من ابرع وأدق المترجمين العرب المتأخرين عن الروسية. ويرتقى في دقة ترجمته الى مصاف ابو بكر يوسف نفسه. بينما ظروفي الشخصية العلمية والعملية تجعل من الصعب القيام لوحدي بهذه المهمة، مع انني كنت اتحمل وزرها الأكبر.

انني اروي هذه الأشياء فقط للوصول إلى فكرة مفادها، إن كل هذه التعرجات التي جرت كانت تحمل في ثناياها اثرا مهما بالنسبة للذاكرة والوعي والإبداع الذي ترك فيه الدكتور ابو بكر يوسف بصمته القوية وذلك من خلال كتابته لسلسلة مقالات غاية في الجمال والروعة عن الشخصيات الأدبية العربية التي عايشها في موسكو مثل غائب طعمة فرمان وجيلي عبد الرحمن ونجيب سرور.

ووفاء لذكراه جمعتها من (رمال) وانشرها كما هي لكي يرى القارئ فيها أولا وقبل كل شيئ شخصية ابو بكر يوسف نفسه. ففي تصويره لغائب وعبد الرحمن ونجيب يمكن رؤيته هو. كما اننا نستطيع من خلالها رؤية أسلوبه الأدبي الرفيع وروايته الشخصية للأحداث بطريقة خلابة ومؤثرة ترتقي في اعتقادي إلى مصاف الأدب الرفيع.

 

ميثم الجنابي

...................................

أدباء عرب في موسكو

غائب طعمة فرمان

تعرفت بغائب طعمة فرمان منذ اكثر من أربعين عاما، وعلى وجه التحديد في صيف عام 1969، وها قد مر عشرون عاما على رحيله المفجع، وبذلك اكون قد عاصرته وعايشته زهاء عشرين عاما في موسكو، وقد توافقت الظروف واراد القدر ان يسعدني مرتين بالعيش الى جوار هذه الشخصية الرائعة. مرة بمجاورته في السكن، ومرة بزمالته في العمل. لقد شاءت محاسن الصدف ان يكون مسكني فوق مسكنه لعدة سنوات في عمارة تقع قرب مترو  الجامعة، وشاءت الصدف ايضا ان التحق بالعمل في دار (التقدم) للنشر حيث كان يعمل غائب، ثم انقسمت دار (التقدم) الى دارين ، فظهرت دار (رادوغا) لنشر الكتب الادبية ، وانتقلنا معا ومع بعض الزملاء الى الدار الجديدة. التقيت غائب طعمة فرمان اول مرة امام  مصعد العمارة ، وكنت لا اعرف ولا اتوقع ان يسكن في هذه العمارة الروسية البحتة اجنبي غيري.. فقد كان من المتبع في ذلك العهد في الاتحاد السوفيتي ان يكدس الاجانب في احدى العمارات ، وربما في مدخل واحد لغرض لا يخفى على أحد، ولكن ، وكما اتضح فيما بعد ، كانت دار التقدم تمتلك شقة واحدة في هذه العمارة ، وكان يقطنها غائب ، بينما تمتلك صحيفة (انباء موسكو) التي بدأت بالصدور شقة اخرى ، هي التي اعطيت لي. بجوار المصعد وقف شخص صغير الجسم، قصير القامة، اول ما يلفت النظر فيه نظارته ذات العدسات السميكة التي تظهر من تحتها، مكبرة، عينان واسعتان (ربما بفعل الانكسار الضوئي للعدسات)، وما ان تتراخى قليلا شدة الجذب الى العينين المكبرتين حتى يشدك سحر ابتسامة طيبة، طبيعية، متواضعة، آسرة..تقول لك على الفور ان صاحبها شخص طيب، سمح، لا يمكن ان يصدر عنه ما يؤذي الشعور او يهين الكرامة، بل كانت الابتسامة دعوة صريحة وبسيطة للتعارف والتواصل لا تقاوم. لاحظ تفرسي وانشدادي الى وجهه فازدادت ابتسامته طيبة ورقٌة وسأل

- الاخ عربي؟

- نعم

- من اين؟

- من مصر

هنا شع وجهه كله ابتساما، كأنما التقى صديقا قديما او تلقٌى نبأ سارا. (أنا درست في مصر..في القاهرة). ومضى يتحدث عن مصر وكلية الاداب ومدرسيه واصدقائه.. بلهجة مصرية محببة، ليست بالمصرية الخالصة، بل تخالطها كلمات باللهجة العراقية، محورة كي تبدو مصرية..وسرني ذلك التودد من جانبه. الاشبه بتضييفك شخصا عزيزا طعاما يحبه. عرفت فيما بعد انه تعرٌف في مصر على كبار كتابها ونقادها، وكان من رواد ندوة الخميس التي كان يقيمها نجيب محفوظ، وربطته مشاعر صداقة حميمة بمحمود امين العالم وعبد العظيم انيس وغيرهما من المثقفين اليساريين المصريين. نسينا المصعد الذي كان قد وصل وتوقف امامنا في الطابق الاول منتظرا، فقد انهالت الاسئلة مني وتدفقت الاجابات منه، دون ان ننتبه الى اننا يمكن ان نصعد لنواصل الحديث عنده او عندي، بعد ان عرفنا اننا جيران، هو في الطابق الرابع وانا في الطابق الخامس، ولكن يبدو ان معرفتنا بهذه الحقيقة كانت هي السبب في اننا افترقنا آنذاك دون ان أذهب اليه او يأتي الي. ان القرب الشديد يفعل احيانا، بل كثيرا، فعله السيئ. فانت تعيش في موسكو مثلا سنوات، دون ان تذهب الى مسرح البولشوي القريب منك، او تعيش في القاهرة، بل ربما في الجيزة، طويلا، دون ان تزور الاهرام وهي على بعد خطوات. ويأتي الغريب الى موسكو او الى القاهرة لايام معدودة، فيدخل البولشوي ويزور الاهرام والقلعة وخان الخليلي. القرب يجعلك تطمئن الى ديمومة الاشياء والاشخاص القريبين وتنسى انه لا شئ يدوم. وما زلت حتى بعد رحيل غائب بسنين طويلة اندم على ركوني المطمئن الى وجوده قربي، فلم ازره كثيرا. لاغترف من هذا المنهل الشفاف العذب.

منذ ان تعرفت بغائب في ذلك النهار الصيفي من عام 1969 الى ان وضعت كتفي تحت النعش الذي شيعناه فيه الى مثواه الأخير، ايضا في يوم صيفي من عام 1990، لم يفارقني الاحساس برهافة هذا الانسان وهشاشته، كان يخيل اليٌ ان هذا الجسم الصغير لا يزن شيئا، وضاعف من هذا الاحساس تواضع غائب الذي لا مثيل له لدى اصحاب المواهب والمبدعين، الذين كثيرا ما يعانون من تضخم (الانا) وتضخيم الذات. كان يتحاشى الحديث عن رواياته ولا يسألك رأيك في آخر أعماله، كما يفعل الادباء عادة، وعموما كان يعمل في صمت، بعيدا عن الاضواء، حتى انني كنت أستغرب وادهش حقيقة عندما أقرأ روايته الجديدة، ولا أكاد أصدق ان هذا الانسان الذي تراه في الطريق فلا يثير انتباهك ولا يشدك فيه شيء بارز ، هو الذي أبدع هذا العمل الادبي الاصيل، هذه التحفة الفنية الثمينة! وازددت حبا لغائب واشفاقا عليه عندما علمت بمرضه، الذي لم يترك في صدره الا بعض رئة، وتعمق الاحساس في قلبي بهشاشته وتضاعف الخوف واللهفة عليه، كما تخشى من تيار الهواء على مريض عليل او على ولد صغير يركض ويتعثر وهو مهدد بالسقوط في كل لحظة. لم أسأله مرة عن مرضه ولم يتحدث هو ابدا عن ذلك، لكننا كنا نعوده عندما ينزل المستشفى، فنتحدث ونضحك وننكت، وكأنما جئنا نزور شخصا معافى في داره. هذا الضعف الجسدي البالغ، هذه الهشاشة الخارجية الواهية، أيٌ قوة روحية كانت تخفي وراءها، وايٌ حب للناس والحياة والفن.

كانت صحيفة (انباء موسكو) السوفيتية قد بدأت تصدر في موسكو في تلك الايام باللغة العربية، وقد حاولنا نحن المجموعة العربية الصغيرة العاملة بها (سعيد حورانية وجيلي عبد الرحمن وسعيد مراد ورشيد رشدي وانا)  ان نبتعد بها عن النسخة الروسية الرسمية الكئيبة ونجعل منها شيئا مقروءا، فسعينا الى استكتاب الادباء العرب المقيمين في موسكو او الزائرين لها، ورحب غائب بالفكرة، ونشر مقالتين او ثلاثا ثم انقطع عن الكتابة منزويا في تواضع، دون مشاحنات او عتاب، وعلمت فيما بعد ان سوء الادارة وجهل المحرر الروسي باولويات عمل الصحيفة حزاٌ في نفس غائب، فتوقف عن الكتابة في صمت، وأذكر ان احدى المقالات كانت عن الطفولة، بمناسبة يوم الطفل العالمي، ولم أكن قد قرأت مقالات لغائب حتى ذلك الحين، رغم اني كنت على علم بماضيه الصحفي، حين كان يكتب لصحيفة (الاهالي) العراقية، ولكني أشهد واؤكد ان هذه المقالة القصيرة، التي لم تشغل في الصحيفة أكثر من عمودين، تركت في نفسي أعمق انطباع، وادهشني بهذا التركيز وتلك السلاسة وقوة العرض والعاطفة التي طبعت كل سطر فيها. أذكر مناسبة اخرى أذهلتني فيها قدرة غائب طعمه فرمان الفائقة على كتابة المقال او الصورة الصحفية الادبية، ذلك النوع من الكتابة الذي لا استطيع ان أجد لوصفه مصطلحا عربيا يماثل المصطلح الروسي (اوتشيرك) (بالمناسبة استخدم الناقد الادبي المعروف الدكتور محمد مندور هذه الكلمة الروسية ايضا). كان ذلك خلال حفل أقامه (الملتقى الثقافي العربي) في السفارة الفلسطينية بمناسبة الذكرى الثانية لانتفاضة الحجارة، وقد ألقى غائب طعمه فرمان كلمة مكتوبة عن فلسطين ترقى الى مرتبة الشعر، وكان أروع ما فيها روحها، ذلك السحر الخاص الذي يميٌز الكاتب المبدع عن المدعي والسطحي، ويضفي على الكلمات مسحة خاصة صعبة المنال الا لمن اوتي كلمة السر الالهية – الموهبة! كانت تلك الروح هي بالضبط (الشاعرية) التي عناها سعيد حورانية عندما كتب عن الفرق بين الشاعرية والغنائية فقال "ان الشاعرية هي موقف تجاه الحياة، اما الغنائية فهي نوع من اللعب اللفظي الذي يبحث عن قطعة تعطيه جرسا، أكثر مما تعكس واقع الحياة وتغنيه".

اما الشيء الاكثر مدعاة للدهشة، بل وللذهول، فهو كيف استطاع غائب، بهذا الجسد الضئيل العليل، وفي طقس موسكو القارس البرودة، وفي وحشة اجوائها على الغريب وضيقها بالاماكن المفتوحة واحكامها اغلاق الابواب على ساكنيها لاكثر من نصف السنة. كيف استطاع ان يواصل الكتابة بانتظام مثير، ويوالي اصدار الروايات، وفي الوقت نفسه يترجم اكثر من خمسين رواية من عيون الادب الروسي و السوفيتي؟! كيف استطاع غائب ان يعيش بجسده في الغربة وروحه في العراق ، ويكتب من الذاكرة عن ابناء العراق البعيدين عنه وكأنه يعيش بينهم. لقد قاوم غائب طويلا هذه الغربة الطويلة، وظل كالغاطس تحت الماء يستهلك ببطء مخزون الاوكسجين حتى نفذ، وعندئذ استخدم الهواء الاصطناعي المضغوط فكتب (المرتجى والمؤجل) عن ابناء العراق في الغربة لا في الوطن. ولكن هل نلومه؟ ألم يكتب قبلها (النخلة والجيران) و( خمسة أصوات) و(المخاض) و(القربان) و( ظلال على النافذة) وغيرها؟ أنا أزعم ان اصرار غائب على الكتابة عن العراق وهو في الغربة هي الرابطة الروحية لغائب بالوطن، القناة التي يتنفس منها تحت الماء وينفس بها عن الحنين المكتوم في الصدر الى ذلك الوطن البعيد، الذي تمثله بغداد. (في الليل كانت بغداد تنقلب الى جنة. كانت مثل فتاة ريفية حسناء قضت نهارها في حقل لاهب، وفي المساء نضت ثيابها على الشاطئ، واستحمت ساعة في نهر دجلة، ثم خرجت طرية ناعمة، واستلقت على الشاطئ تمشط شعرها، وتزين نحرها ومعصميها بالخرز الملونة، وتتملى في صفحة الماء.

سألته ذات مرة، كيف يستطيع التوفيق بين عمله الذي يأكل منه خبزه – الترجمة – وابداعه الروائي المنتظم، واين يجد الوقت لهذا وذاك، وفي نفس الحين للترفيه عن نفسه وحضور حفلات الجالية العراقية التي لا تنتهي! ضحك ضحكته المتواضعة المحببة، وقد أدرك مغزى الشطر الاخير من السؤال، ولكنه أجاب بصراحته المعهودة وببساطة متناهية "أنا استيقظ في الخامسة صباحا، أعدٌ فنجان قهوة واجلس الى المكتب حتى الثامنة اكتب الرواية. صفحة.صفحتين احيانا اكثر، ثم أفطر، وفي حوالي التاسعة اجلس لاترجم حتى الساعة الثانية عشرة او الواحدة، بعد ذلك أنا حر تماما، أذهب حيث أشاء وأسهر اين أشاء، ولكني حتما أعود الى البيت لاكون في الفراش قبل الثانية عشرة! سألته

- وهل تكفيك خمس ساعات نوم ؟

– تكفي، ولكني احيانا أنام قليلا بعد الغداء.

لا أدري ان كان غائب  سار على هذا النظام الصارم طوال وجوده في موسكو ام لا. ولكن الثابت من اصداره لهذا العدد الكبير من الروايات وترجمته الغزيرة من الادب الروسي انه كان يتبع نظاما دقيقا الى حد كبير، خاصة اذا راعينا ظروف مرضه الذي كان يعوقه عند الكد المنتظم. ومن الادباء الذين عرفتهم او تابعتهم لم أجد أحدا يتقيد بالنظام اليومي الدقيق سوى غائب طعمه فرمان ونجيب محفوظ ، وقد حطمت هذه الحقيقة الجديدة تصوري السابق الساذج عن الادباء والفنانين كقوم بوهيمين، يسهرون الليل وينامون النهار، ولا يدري أحد متى يبدعون. يقول بطل احدى قصص الروائي المصري بهاء طاهر عما تفعله الغربة بالانسان  "اظن ان الانسان لا يكون له بالفعل اصدقاء خارج بلده. لا يكون الانسان هو نفسه خارج بلده ليصادق كما يجب، او ليحب كما يجب. تتغير المشاعر. تأتي الاحزان ثقيلة، وتذهب الافراح بسرعة". ولكن غائب ذوٌب في مرارة كأس الغربة قطعا من السكر المصفى.هي رواياته، التي انتصر بها على قدره، كما كان الانسان الاول يرسم على جدران الكهوف صور الوحوش والحيوانات ليقهر بفنه البدائي خوفه منها، وينتصر عليها..ولو بتلك الخطوط البسيطة المعبرة، والتي بقيت لنا كشواهد على تلك المواجهات الجنونية المرعبة مع الوحوش التي روعت اجدادنا العزل الا من هراوات وقطع احجار. واذا كان غائب قد اتخذ من فنه سلاحا يقهر به غربته، فلا شك ان مأثرته الابداعية تتجاوز هذا الهدف بكثير، فعلاوة على قيمتها الفنية المستقلة بذاتها، فانها تقدم لنا، وللأجيال القادمة بصفة خاصة، صورا ومشاهد حيٌة معبٌرة عن هموم الاجيال الماضية من ابناء العراق وافكارهم، انتصاراتهم وهزائمهم، وستبقى روايات غائب شهادات تاريخية أقوى دلالة من المستندات والاحصائيات والتسجيلات مهما كانت دقيقة، فاذا كانت الاجيال التي عاصرت غائب طعمه فرمان تجد نفسها في هذه الشخصية او تلك من رواياته، فان الاجيال التالية والقادمة، التي لم تشهد تلك الاحداث، لن تجد نفسها في هذه الاعمال، لكنها ستجد فيها التسجيل الحي والدراما الواقعية لتلك السنوات، وستغرف منها من المعرفة اكثر بكثير مما ستاخذ من كتب التاريخ. وهذا هو الاعجاز الفني الشامخ للمبدع الراحل. وتلك هي المأثرة التي اجترحها غائب باعصابه المشدودة ، وروحه المعذبة، وجسمه السقيم..المأثرة التي ستعبر الزمن وتبقى مع الايام.

اريد ان استعير عبارة كتبها الاديب مكسيم غوركي عن انطون تشيخوف لاقولها عن غائب "يخيٌل اليٌ ان اي شخص احتك به كان يشعر لا اراديا بالرغبة في ان يبدو أبسط وأصدق وأقرب الى حقيقته". قد أكون قدمت صورة شخصية جدا عن غائب، ولعل لدى الآخرين الذين عاصروه واحتكوا به عن قرب صورا اخرى، ربما كانت مختلفة، لا بأس، فلكل رؤيته واحاسيسه، بيد اني على يقين من ان كل من عرفوا غائب طعمه فرمان عن قرب سيجمعهم في ذكرياتهم قاسم مشترك أعظم وهو أن غائب كان تجسيدا للرقة والتواضع والصدق، لم يكن فيه من الزيف ذرة، وكان شفافا صافيا كالغدير، فيه حلاوة تمر العراق وحزن نخيله المطرق. وعندما نرى الصرح الذي خلٌفه غائب في الادب العربي المعاصر، برواياته وقصصه الرائعة، نشعر نحن الذين عايشناه وحادثناه ورأيناه رأي العين، ان القدر قد اصطفانا بهذه النعمة وحبانا هذا الامتياز، فشكرا للاقدار، وشكرا لغائب الحاضر دائما في قلوبنا وذاكرتنا، الباقي ابدا في ذاكرة شعبه وأمته.

***

 

جيلي عبد الرحمن سنوات من الغربة

قضى الشاعر الكبير جيلي عبد الرحمن نحو عشرين عاما في موسكو ما بين 1960 حتى 1978، وهي بعض من سنوات الغربة التي قضاها متنقلا بين الجزائر واليمن وغيرها. وقد ترك جيلي أثرا كبيرا في الشعر العربي بديوانه الوحيد المطبوع "الجواد والسيف المكسور" الذي كسر فيه عمود الشعر التقليدي واختط لنفسه طريقا خاصا كأحدى أهم العلامات البارزة في تطور الشعر. لكن صفحة أخرى من ابداع جيلي وحياته ما زالت مجهولة وأعني تجربة جيلي الفريدة حينما تولى ترجمة بعض الشعراء الروس إلى العربية على نحو رائع.

وقد تعرفت على جيلي عبدالرحمن لأول مرة ـ أو بالأحرى رأيته ـ في أحدى القاعات بموسكو عام 1963 في مهرجان شعري. وكنت قد لمحته من قبل مع الشاعر الراحل أيضا نجيب سرور قبل ذلك بسنة في أحدى محطات مترو الأنفاق بموسكو لكني لم أقترب منهما ـ رغم شوقي للتعرف ـ لجفوة كانت بيني بين المرحوم نجيب سرور الذي كان يدرس الاخراج المسرحي في موسكو آنذاك وكانت بيننا صداقة ومودة شابتها في تلك السنة سحابة عابرة.

في ذلك المهرجان الشعري رأيت جيلي: تلك القامة النحيلة التي سبق أن رأيتها في محطة المترو، وذلك الوجه الاسمر الممتلئ قليلا في شبه استدارة، والعينين الخفيضتي النظرة عن حياء داخلي واحساس بالخجل (لا لذنب ارتكبه كما أدركت فيما بعد ولكن خجلا مما يرتكبه الآخرون). وكانت على أحدى مقلتيه بقعة زرقاء حرمته النظر وزادته انطواء. في تلك القاعة القى جيلي أحدى قصائده المعروفة وهي "لوركا". وما أن صعد جيلي إلى المنصة حتى تحول في لحظة واحدة إلى كتلة ملتهبة من العواطف مشحونة بطاقة تتفجر قوافي وايقاعات مدوية كصوت الرصاص وطبول الحرب الافريقية. وبدا للسامعين كأنه لا شئ في العالم يستطيع الوقوف بوجه هذا السيل الجارف من الشعر اللاهب المنطلق كحمم البراكين من فم جيلي بينما تتردد بين الفقرة والأخرى قاطعة كأمر عسكري "شدوا على الزناد"!

دوت القاعة بتصفيق هادر عاصف وظلت الاكف مشتعلة به طويلا. ونسيت نفسي في تلك اللحظة فقد أصبحت ذرة في هذا الخضم الجياش. وهتفت القاعة بحرارة تطالب جيلي بإعادة القاء القصيدة. وبعد تردد وحياء صعد جيلي إلى المنصة مرة أخرى ليتحول ثانية إلى لهب يصهرنا معه في أتون الايقاع والصور.

من يومها أحببت جيلي عبد الرحمن الشاعر الفطري العذري كغابات افريقيا، الأسمر كمياه النيل والعذب مثلها والذي كان رغم كل ما يحمله من هموم ـ وبعد ذلك من أمراض ـ حاضر النكتة يعشق "القفشة" ويجيد اقتناصها. لكن معرفتي وصداقتي الحقة مع جيلي لم تترسخ إلا بعد ذلك بسنوات وتحديدا في بداية 1969 عندما تقرر اصدار صحيفة "أنباء موسكو" الروسية باللغة العربية فوقع الاختيار علي كمحرر مسئول عن الصفحة الادبية وعلى جيلي عبد الرحمن والمرحوم الاديب السوري سعيد حورانية لتصحيح ما قد يشوب الترجمة من أخطاء وانتقاء العناوين وكتابة مقدمات للمقالات إلخ. وعملنا معا ثلاثتنا في هذه الصحيفة جنبا إلى جنب خمس سنوات كنا نلتقي خلالها يوميا في العمل وفي احيان كثيرة في بيته او بيتي بعد العمل. وكان جيلي آنذاك يحضر الدكتوراه تحت اشراف الدكتور جريجوري شرباتوف بمعهد الاستشراق في موضوع أثير لديه "القصة العربية والسودانية". خلال هذه السنوات وما بعدها ـ حتى عودة جيلي الاخيرة إلى مصر حيث انتقل لمثواه الاخير ـ توطدت بينا صداقة لا تشوبها شائبة. وتعرفت في جيلي إلى قطرة مصفاة من العذوبة والرقة ورهافة الاحساس، فكان لا يفارقني الشعور بأنه يمشي بين الناس بأعصاب عارية تجرحها اية نسمة. وكنت أبدو له في أحيان كثيرة دعامة قوية في مواجهة شظف الحياة وعنف الطباع.

وأذكر مرة أنه حصل على مكافأة مالية كبيرة على ترجمة ديوان الشاعر الكازاخي "أباي" وكنت بحاجة إلى مبلغ من المال فطلبته منه وأنا على يقين أنه لن يتأخر خاصة أن أياما قليلة لم تنقض على استلامه المكافأة. وفوجئت به يقول لي إنه لا يملك سوى مائتي روبل من بضعة الآف استلمها! واوضح لي جيلي أن الطلبة السودانيين الدراسين في موسكو ـ وكان بيته يغص بهم على الدوام ـ "أخذوا الفلوس"! ودهشت لهذا الشخص الذي يوزع في ايام قلائل عدة آلاف من الروبلات على الطلاب الفقراء دون أمل في استردادها. ولكن أليس هو نفسه جيلي عبد الرحمن القائل:

"خلينا الدنيا للمفتون . وعفنا المــال

وسرحنا في خرقتنا . نقتات الاهوال"؟

أليس هو الذي أعطيته ذات مرة قصة مؤثرة بعنوان "عيد الميلاد" كنت ترجمتها لأديب روسي وعند الصفحة الأخيرة رأيت الدموع تنساب من عيني جيلي بغزارة تاثرا بالقصة. وقلت له من باب التخفيف عنه وصرفه عن الحزن: "متى عيد ميلادك يا جيلي؟" فقال وهو يغالب بقايا الدموع بنبرة شابتها روح الفكاهة:" لو كنت أعلم متى ولدت! خليها على الله!". لم أدهش لأنني ايضا من بيئة قروية وكان كثير من المواليد حينذاك لا يسجلون في الدفاتر الرسمية. وقلت له ملتقطا الفكرة التي ظهرت لتوها: إذاً فليكن عيد ميلادك اليوم ولنحتفل به! ولم يمانع جيلي وصرنا نحتفل بعيد ميلاده الذي تخيرناه صدفة.

في أواسط السبعينات أدركت أن جيلي قادر على نقل روائع الشعر الروسي إلى المكتبة العربية شعراً خاصة قصائد الشاعرين الكبيرين الكسندر بوشكين وميخائيل ليرمنتوف لو توفرت له الترجمة الحرفية الأمينة خاصة أنه درس الأدب الروسي في معهد غوركي للآداب وأصبحت صلته باللغة الروسية قوية ولكن ليس بالقدر الذي يسمح له بالترجمة بدون مساعدة. وعرضت عليه لأن نشترك في هذا العمل الجليل فأقوم أنا بإعداد الترجمة النثرية ويقوم هو بصياغتها شعرا. وشجعني في ذلك بعض النماذج التي قدمها جيلي في ترجمته للشاعر نيكولاي تيخونوف كتبها خلال حصار مدينة ليننجراد الرهيب الذي دام تسعمائة يوم وترجمها جيلي على النحو التالي:

" شجيرتي المتجمدة

شجيرتي المتجمدة

تناثر الرماد في الكهوف

على الشطوط الجهمة المستوحدة

وانت تنشجين كالأمواج، كالعزيف

شجيرتي المتجمدة

ينيخ فوقك الظلام والسكون

وأنت تحبسين الدمع، تذرفين

وتعبق الدماء في العيون الجامدة

يا أفرعي الخضراء.. أصدقائي

وأنت تهجعين في العراء

أسقيك من دمائي

في العاصف الشتائي!

رحب جيلي بالاقتراح وتحمس له، لكن بيته المفتوح الغاص دوما بالاصدقاء والمعارف وحتى بغير المعارف، ومشاغل الحياة والمرض حالت دون انجاز ذلك المشروع. كان جيلي مسرفا في عطائه للآخرين على حساب ابداعه الشخصي وكثيرا ما عاتبته على هذا الاسراف. وكنت أرى كيف يغترف الكثيرون بلا رحمة من هذا المورد العذب السيال غير عابئين بما يبقي أو لا يبقي منه للشعر بعدهم. لكن جيلي كان يرد على عتابي بنظرة صامتة خجولة حيية كأنما يقول "لا أستطيع غير ذلك"!

في السنوات الأخيرة اشتد المرض على جيلي وكان يلزمه الفراش بالاسابيع وأحيانا بالأشهر، وأحس أنه عبء على الصحيفة التي تصدر اسبوعيا. وفي تلك الفترة كنت قد انتقلت للعمل بدار التقدم للترجمة والنشر ولم تكن طبيعة العمل فيها تستوجب الحضور يوميا فرأيت أنها فرصة مناسبة لنقل جيلي أيضا إلى هناك. ومن هذه الدار صدرت ترجمة جيلي عبد الرحمن لأشعار الشاعر الكازاخي "أباي" وديوان "اشعار مقاتلة" الذي شاركته انا والدكتور ماهر عسل ترجمته إلى العربية. وأفسحت الدار المزيد من الوقت لجيلي فكنت كثيرا ما أناقشه في قضايا الشعر الحديث والمهام الجديدة التي يواجهها بعد أن كسر عمود الشعر التقليدي وقدم شعراؤه ـ ومنهم جيلي ـ نماذج رائعة للقصيدة الحديثة. وكان جيلي في شعره مزيجا فريدا من الرومانسية والواقعية كان شعره تجسيدا للأغنية الوجدانية الداخلية بطابعها العميق الذاتية، وفي الوقت نفسه كان جيلي عبدالرحمن يسلك دروبا واقعية تبعده عن شعراء الرومانسية المهومين في بحار ذواتهم وعوالمهم المنفصلة عن الحياة. ومع أعجابي الشديد بقصائد جيلي ذات الطابع الحزين فقد كنت أتمنى لو استطاع أن يخرج من الإطار الفني للقصيدة الوجدانية الغنائية إلى رحابة الشعر الدرامي والقصصي الذي درسنا معا في موسكو أعظم نماذجه لدى كبار الشعراء الروس في القرن التاسع عشر مثل الكسندر بوشكين وميخائيل ليرمنتوف ونيكولاي نيكراسوف والكسندر بلوك، ثم شعراء القرن العشرين العظام فلاديمير مايكوفسكي وسيرغي يسينين وآنا أخماتوفا وغيرهم. وكنت أود لو استطاع جيلي بموهبته الشعرية الفذة أن يقدم لنا تجربة وطنه بماضيه العتيد وحاضره المأساوي في ملحمة شعرية سواء مسرحية أو رواية شعرية أم خليط من هذا وذاك. لكن جيلي لم يكن يجيد العزف على آلات الأوركسترا الغربية وظل لصيقا بنايه الأسمر الشجي الحزين ولست أدري الآن إن كنت على حق أم لا آنذاك في دفعي لجيلي إلى أحضان الثقافة الأوربية والأجناس الأدبية البعيدة عن طبعه وعن فنه. وأتساءل: ترى لو استجاب لدعوتي وانتقل إلى "الشارع الغريب" هل كان سيبقى هو نفسه جيلي عبد الرحمن الذي عرفناه وأحببناه؟ وهل كان سيظل محتفظا بعذرية الأرض السمراء ونخيلها المطرق وبيوتها وقراها؟ لقد ظل جيلي في دائرته التي كانت تتلامس وتتقاطع وتحتك بخطوط الدوائر الثقافية الأخرى الروسية والغربية والآسيوية دون أن تتحد مع أي منها. وربما كان ذلك دفاعا تلقائيا لا شعوريا تذود به موهبة الشاعر الأسمر عن أصالتها وخصوصيتها وتفرد تجربتها. وكانت لقاءات وأحاديث كثيرة بهذا الصدد وبغيره تجمعنا مع جيلي عبد الرحمن ونجيب سرور وتاج السر الحسن وعبد الوهاب البياتي ومواهب الكيالي بل وغائب طعمة فرمان ومحمد مهدي الجواهري، وكانوا قد اجتمعوا في فترة واحدة في موسكو في الستينات والسبعينات، وفي فترة لاحقة حل على ضيافة موسكو عبد الرحمن الخميسي وسعيد حورانية وسعيد مراد. وكنا نحن الذين جئنا من بلادنا لندرس الأدب نشعر بمتعة حقيقية من التواصل مع أدب هؤلاء المبدعين الكبار ونتابع انتاجهم أولا بأول في الندوات والأمسيات الشعرية والنثرية التي كانت تقام بكثرة آنذاك. وأعتقد أن أولئك المبدعين أنفسهم كانوا يشعرون بتلك المتعة التي أحسسنا بها وهم يلتقون بجمهورهم الحي الذي يبدي لهم آيات العرفان. وكانت تلك الأمسيات بالنسبة لهم قطرات ـ ولو شحيحة ـ من ينابع الوطن في سنوات الغربة. لكن القطرات أخذت تشح شيئا فشيئا حتى غاضت وأناخت الغربة على جيلي عبد الرحمن بثقلها، وتقوقع جيلي يحتمي بصدفة شعره، وراحت تطل من قصائده اشباح الراحلين الأعزاء من الأصدقاء والمعارف والأهل. وازدادات وطاة المرض عليه فعاوده احساسه القديم بأنه "عبء" وأصبحت موسكو التي قضى فيها زهاء العشرين عاما ضيقة عليه، وبدت له ضائقة به، ولاحت بوادر أزمة ابداعية كانت انعكاسا لأزمة العلاقة مع الواقع المحيط.

حينذاك، وفي نهاية السبعينات، أخذت أشجع جيلي على الرحيل عن موسكو والاقامة في أي بلد عربي إدراكا مني أن جيلي أصبح في مسيس الحاجة إلى محيطه العربي ليسمع فيه ايقاع اللغة التي يبدع بها ولكي يتواصل مع مبدعين مثله أو شبان واعدين  سيحبونه وسيمنحهم هو من ذاته ومن عطفه الكثير "دون ثمن، دون حساب الربح والخسارة" على حد قول الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور. وكانت مصر والسودان هما الاقرب إلى قلبه لكنه كان ممنوعا من دخولهما آنذاك ومن ثم اتجه إلى جنوب اليمن حيث قام بتدريس الأدب في جامعة عدن. وبعدها بسنوات انتقل إلى الجزائر التي عانى فيها كثيرا واستمتع كثيرا بصحبة أدباء وشعراء وفقراء جزائريين أحبوه وأعزوه وفي مقدمتهم الأديب الطاهر وطار. وكان جيلي يعود إلى موسكو فترة الأجازات فنلتقي كثيرا ونستعيد الذكريات ونحلم بمشاريع لم يقيض لها أن تتحقق. في مقدمة أحلامنا كان اصدار ديوان جيلي الجديد وكنت أحثه كثيرا على جمعه واصداره خاصة أنني كنت حينذآك أتردد على بيروت وكانت مطابعها ودور النشر فيها على أتم الاستعداد لنشر ديوان كهذا. وأكد لي جيلي بدوره أن دور النشر في عدن وأماكن أخرى ترحب بل وتحثه على جمع قصائده لنشرها. لكني لم أقرأ حتى الآن هذا الديوان. ولا أدري إن كان أحد بعد موت جيلي قد اعتنى بجمع تراثه ونشره أم لا. الديوان الوحيد الذي قرأته لجيلي كان في أواسط الستينات في القاهرة بعنوان "الجواد والسيف المكسور" وبقدر ما سعد جيلي بهذا الديوان بقدر ما عانى من الحزن والقهر بسبب الأخطاء المطبعية الفادحة التي أنتشرت فيه. وأقول الديوان الوحيد باعتباره العمل المستقل بعد ان صدر ديوان جيلي الأول مشتركا مع تاج السر الحسن.

وأيا كان الأمر، وسواء طبعت دواوين جيلي أم لا، فسيبقى جيلي عبد الرحمن حيا في ذاكرة بل في قلب كل من عرفه وعايشه واستمع إلى شعره ولو مرة، فقد كان تجسيدا لمعاني العطاء والتفاني، وكانت حياته كلها التزاما دائما بقضايا الفقراء والمضطهدين، وكان شعره تعبيرا عن هذا الالتزام بشفافية عذبة وعمق وعذوبة تعلو به إلى مصاف كبار الشعراء المبدعين. 

***

نجيب سرور... مأساة العقل

"قل للمهرجين المجانين: لقد ضاعت أرزاق أهل

الفكاهة والمجون. ضاعت لأن أهل العقل أنفسهم

قد أصبحوا من المجانين. خلطوا في تصرفاتهم

وارتكبوا الاعمال الشاذة، فأضحكوا الناس جميعا"

(المهرج في مسرحية "الملك لير" لشكسبير)

في أواخر ديسمبر 1978، وكان نجيب سرور قد فارق الحياة منذ بضعة أشهر، وصلني آخر دواوينه (رباعيات نجيب سرور) مرسلا إلي مع رسول من القاهرة. وحينما قرأت كلمات الإهداء: " إلى ولدى وأخي وعزيزي أبو بكر يوسف. نبضات من حبنا المشترك لمصر" داهمني إحساس طاغ بأنها رسالة بعث بها نجيب إلي من العالم الآخر، حيث استقرت أخيرا روحه الحائرة المعذبة! كان الإحساس واقعيا إلى درجة أرعبتني. ولم أستطع التخلص من وطأته إلا بعد تحامل على النفس أعادني إلى توازني الذي كدت أفقده... وانهالت الذكريات.

في عام 1959، وكنا مجموعة صغيرة السن من مبعوثي "الجمهورية العربية المتحدة" ندرس في كلية الآداب بجامعة موسكو، جاءني زميلي السوري عدنان جاموس، وكان أنضجنا خبرة  وأكثرنا معرفة بشؤون الحياة والأدب، بعدد من  مجلة  "الآداب" البيروتية  قائلا: هل قرأت هذه القصيدة؟ وللصراحة فقد كنت أرى هذه المجلة لأول مرة، إذ غادرت مصر إلى موسكو عام 1958 بعد أن أنهيت الدراسة الثانوية لتوي، وعمري 18 سنة، وكانت قراءاتي خارج المنهج المدرسي لا تكاد تحيط بما يصدر من روايات وقصص، فلم يبق للمجلات الأدبية وقت أو نقود. كانت القصيدة بعنوان " التراجيديا الإنسانية" لشاعر لم أسمع به من قبل هو: نجيب سرور. وكان مطلعها لافتا وجاذبا:

كانوا قالوا: إن الحب يطيل العمر..

حقا، حقا.. إن الحب يطيل العمر!

حين نحس كأن العالم باقة زهر،

حين نرق كبسمة فجر،

حين نشف كما لو كنا من بلور،

حين نقول كلاما مثل الشعر،

حين يدق القلب كما عصفور،

يوشك يهجر قفص الصدر،

كي ينطلق يعانق كل الناس...      

كانت قصيدة مختلفة عن كل ما قرأت حتى ذلك الحين، وأثارت في نفسي العديد من الأسئلة... سألت زميلي عن هذا الشاعر فقال إنه مصري، وهو هنا في موسكو، فأبديت تشوقا للتعرف به. فوعدني عدنان الغامض، الذي بدا لي آنذاك لغزا لا يفصح إلا عن قليل مما يعرف، بأخذي معه إلى نجيب سرور في المدينة الجامعية الجديدة لجامعة موسكو على تلال لينين، وكنا نحن نسكن في المدينة الجامعية القديمة على أطراف موسكو. في نفس المبنى الذي كان يسكن فيه قبلنا ببضع سنوات ميخائيل جورباتشوف عندما كان طالبا في الجامعة.

استقبلنا نجيب سرور بابتسامة عريضة كشفت عن فجوة وسط أسنانه العليا (علامة الشبق!). وكان حاجباه معقودين بتقطيبة طبيعية، وعيناه الضيقتان، الشديدتا الذكاء والمكر، تشعان بالمرح والثقة بالنفس، وتنقل إليك إحساسا بأن صاحبهما ينظر إلى ما حوله ومن حوله نظرة فيها الكثير من السخرية والمرارة الدفينة. وكان ثمة تناقض صارخ بين هذا الوجه البشوش الممتلئ والضاحك، وهاتين العينين بنظرتهما الثاقبة والساخرة.

لفتت نظري في ذلك اللقاء تفصيلة خارجية. فقد كان الحاكي يعمل طوال جلستنا، ونجيب يغير الأسطوانة بين الحين والحين، وكانت كلها موسيقى كلاسيكية لموسيقيين لم أكن سمعت حتى بأسمائهم. وكنا قد تعودنا منذ صغرنا أن نسرع بإغلاق المذياع أو تحويل المحطة ما إن يعلن المذيع عن فاصل من الموسيقى الكلاسيكية التي لم نكن نفهمها بنغماتها "المشوشة" التي لا تسير على إيقاع واحد، بل "تزعج" آذاننا الشرقية بهذا التخبط بين الأنغام صعودا وهبوطا، طولا وقصرا، ونحن  نبحث فيها عبثا عن مستقر للإيقاع المطرد المطرب! وأسارع فأقول إنني مدين لنجيب سرور بتعرفي على الموسيقى الكلاسيكية الروسية والغربية وتذوقي لها. فمنذ ذلك اليوم، وطوال وجوده في موسكو، كان نجيب يعلمني كيف أتذوق اللحن الغربي، ويشرح لي مواضيع السيمفونيات، ويلفت انتباهي إلى هذه النغمة أو تلك، وإلى خصائص الأسلوب الموسيقي لهذا الموسيقار أو ذاك. كان يفعل ذلك بتلقائية وحماسة وحب غير مصطنع للموسيقي جعلني لا أشعر بأنني تلميذ في حضرة معلم. وعندما سألته عن سبب تعلقه بالموسيقي الكلاسيكية قال إن المخرج - وكان نجيب سرور قد جاء في بعثة حكومية لدراسة فن الإخراج المسرحي - ينبغي أن يكون، على اطلاع واسع بكافة ألوان الثقافة والفنون، لأن المسرح هو مجمع الفنون، والجهل أو قلة الدراية بأي لون منها يؤثر سلبا على قدرات المخرج الإبداعية وعلى مستوى حرفيته.

ومنذ أن تعرفت بنجيب سرور أحسست أنني مشدود إلى هذه الشخصية الفذة كقطعة حديد إلى مغناطيس قوي. كان فارق السن بيننا غير كبير، إذ كنت في العشرين، وكان هو في أواخر العشرينات، ولكن الفارق فيما عدا ذلك كان هائلا. كان نجيب - بالنسبة لي على الأقل - كنزا لا يفنى من المعرفة، وشخصية متعددة المواهب إلى درجة خارقة. فقد كان ممثلا، وشاعرا، ومخرجا، وناقدا، وكاتبا. وكانت معرفته بالأدب العربي والغربي واسعة. ولكثرة ما لاحظت في أشعاره من استشهادات بالتاريخ والأساطير المسيحية ظننته في بداية تعارفنا مسيحيا، خاصة وأن الاسم (نجيب سرور) أقرب إلى الأسماء المسيحية في مصر. وتحرجت أن أسأله، ولكنه ملأ أمامي ذات مرة استمارة إقامة فرأيت جواز سفره، وكان اسمه فيه: محمد نجيب محمد سرور هجرس! وفيما بعد لمست كيف كان يستلهم في أشعاره التاريخ والأساطير الفرعونية والإغريقية والشعبية المصرية والفلكلورية العربية، إذ كانت الروافد الثقافية المختلفة تمثل لدى نجيب نهرا إنسانيا عريضا يغترف منه كيف يشاء. أما الانتماء الديني فكان مسألة تركها وراء ظهره!

وكان نجيب شخصية معقدة، ولكنها في غاية الغنى والعمق، منطلقة ومرحة إلى أقصى حد. كان لا يكف عن إلقاء النكت و"القفشات" الفورية، بنت الساعة. وحتى في ذروة الجد واحتدام النقاش كانت القفشة تفلت رغما عنه، فينفجر الحاضرون بالضحك، وينفرط عقد التزمت والجدية. ولم يفلح نجيب في تعلم اللغة الروسية حسب القواعد، فكان  يخلط خلطا شديدا بين حالات الإعراب الست في اللغة الروسية، حتى أشاع أنه اخترع حالة جديدة، سابعة، للإعراب، هي الحالة التي يتكلم بها! ولكنه كان دائم القراءة بالروسية ودؤوبا - كتلميذ - في استخراج معاني الكلمات الجديدة عليه من القواميس، وكأنما كان يريد أن يسبق الزمن ليطلع على الأدب الروسي بلغته الأصلية. وعندما يعجبه كتاب، سواء في الأدب أم في الفلسفة أم في التاريخ، كان ينكب عليه وينقطع له، فلا ينام أحيانا عدة أيام ولا يأكل إلا لماما، ولكنه لا يكف عن تناول الشاي والقهوة. ويظل في هذه الحمأة، وهذا التوتر الذهني والعصبي حتى يفرغ من قراءة الكتاب المكتوب بلغة لا يكاد يعرفها! وتلك كانت إحدى خصال نجيب سرور التي عرفتها فيه فيما بعد.

وكان نجيب سرور لا يكتب الشعر كثيرا. قصيدتين أو ثلاثا في السنة. ولكنه كان يعاني مخاض القصيدة بالأسابيع. يكتب ويشطب ويمزق، ويشرد كثيرا، يدندن لنفسه بإيقاعات ما، وأحيانا يصبح غير قادر على تحمل هذه الحالة النفسية وحده، فيبوح لي بمطلع القصيدة أو ببضعة أبيات منها، وكأنما ينفس عن زفرة جاش بها صدره.

ولم يكن لنجيب سرور مثيل في إلقاء الشعر، وشعره خاصة. وقد اجتمعت له ملكة الصوت الجهير العميق، المتوسط النبرة ما بين "الباص" و"التينور" مع القدرة على التحكم بمخارج الألفاظ التي اكتسبها عن دراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة. لم يكن يقرأ الشعر بل يمثله، مؤديا بصوته أدوار الشخصيات المختلفة إذا كانت القصيدة درامية، أو مختلف العواطف، إذا كانت القصيدة وجدانية. وحتى الأبيات العادية، التي ما كانت لتحرك فيك أحاسيس قوية لو قرأتها بنفسك، كانت تنبض بالمشاعر الجياشة في إلقاء نجيب سرور وبصوته المتفرد، وتهزك إلى الأعماق. وقد عرفت شعراء عديدين لا يجيدون إلقاء شعرهم، فيضيعون الكثير من جماله ويهدمون بصوتهم ما بنته قريحتهم...

كنا نلتقي ثلاثتنا - نجيب وعدنان وأنا - في مقهى من مقاهي موسكو، حيث يختلف الجو عن مثيله في المقاهي الشرقية. فالمكان هنا مغلق دائما، بسبب الجو البارد، وهو أقرب إلى المطعم منه إلى مقهى المشروبات الشرقي، والرواد يأتون ليأكلوا ويشربوا يرقصوا. أما نحن فكنا نختار طاولة في أحد الأركان، وننفصل بها عن كل ما يحيط بنا من  صخب الموسيقى وضجة الأطباق والملاعق، وشهقات الثمالى، ونظرات الشقراوات الداعية، ودقات أحذية الراقصين المدوية. كان نجيب يقرأ لنا من أشعاره، ونحن نصغي إليه فاغري الأفواه، وعندما يلقي قصيدة حزينة كقصيدة " أبي" (والد نجيب) الذي ضربه الإقطاعي أمام ابنه (نجيب) كان صوته يتهدج، وتنساب الدموع على خديه، وما إن ينهي القصيدة حتى نهب لعناقه وتقبيله ومواساته، والدموع تسيل على خدودنا أيضا!...

وكنا لا نغادر المكان إلا بعد انفضاض جميع الرواد وجمع الكراسي والمفارش، وتقريبا بعد طردنا طردا وإطفاء أضواء الصالة، بينما نحن مندمجون مع أشعار نجيب سرور، غير عابئين بما يفعله خدم المقهى لإجبارنا على الانصراف. وفي ليالي الصيف القصيرة في موسكو، إذ يحل الفجر في الثانية صباحا وتشرق الشمس في الرابعة، كنا نمضي متسكعين في شوارع موسكو النظيفة والخالية، وخاصة في وسط المدينة، ونجيب يواصل إلقاء أشعاره تحت تماثيل الشاعرين بوشكين وماياكوفسكي والأمير يوري دولجاروكي مؤسس موسكو. ونظل نضرب في الشوارع حتى الساعة السادسة، موعد افتتاح محطات المترو، لنستقله في اتجاهين متعاكسين: هو إلى المدينة الجامعية الجديدة، وعدنان وأنا إلى المدينة القديمة...

وسرعان ما أصبحت راوي أشعار نجيب سرور في مجموعة الدارسين المصريين والسوريين في موسكو. ورحت أقلده في طريقة إلقائه المتميزة، ونجحت في ذلك إلى حد ما، فقد لاحظت أن السامعين كانوا يعجبون لا بالأشعار فحسب، بل وبطريقة إلقائي لها. وشيئا فشيئا تجمعت حول نجيب سرور مجموعة من الطلاب الشباب المصريين والسوريين، فانتعش وارتفعت معنوياته، وبدأ يخرج من عزلته التي كان قد ضربها على نفسه عند مجيئه إلى موسكو، لاقتناعه - كما قال لي فيما بعد - بأن المبعوثين المصريين آنذاك (عام 1959) كانوا منتقين بعناية من أجهزة المباحث بحيث لا يفلت منهم تقدمي واحد. أما هو فأفلت بأعجوبة، لأنه وصل إلى موسكو في قمة الحملة المعادية للشيوعية في "الجهورية العربية المتحدة"، وهي حملة صاحبت إقامة الوحدة بين مصر وسوريا. ولعبت هذه الصدفة دورا مأساويا في حياة نجيب سرور في موسكو.

فما أن أفصح نجيب سرور عن انتمائه للفكر الماركسي، وأشاع أنه كان عضوا بأحد التنظيمات الشيوعية في مصر (جماعة حد تو) حتى وجد نفسه محاصرا بشكوك وريب قوية من قادة التنظيمات الشيوعية العربية في موسكو، وخاصة تنظيم الحزب الشيوعي السوري الذي كان يقوده في موسكو أحد أعضاء اللجنة المركزية للحزب اللاجئين إلى الاتحاد السوفييتي. وكان مبعث الريبة هو : كيف يتمكن شخص يقول إنه شيوعي من المجيء إلى موسكو في هذه الفترة بالذات، ويفلت من أجهزة المباحث المصرية التي كانت في أوج عنفوانها، بل وفوق ذلك يأتي طالبا في بعثة حكومية!

وفي محاولة منه لتبديد هذه الشكوك جنح نجيب إلى التطرف، فلجأ إلى تشكيل مجموعة من " الديمقراطيين المصريين" لإصدار البيانات واتخاذ المواقف المعادية للنظام الحاكم، واستغل ذات مرة فرصة انعقاد أحد المؤتمرات التضامنية مع الشعب الكوبي في جامعة موسكو فقفز إلى المنصة واستولى عليها، وأطلق بيانا ناريا ضد "النظام القمعي الديكتاتوري" في مصر وسوريا. وبينما هدرت القاعة المملوءة عربا وأجانب بالتصفيق ظهر الحرج والضيق على أوجه المسؤولين في الجامعة، الذين وضعهم نجيب في ورطة شديدة. ونجحوا أخيرا في تنحيته عن المنصة ولكن بعد فوات الأوان! ففي اليوم التالي احتجت السفارة المصرية على جامعة موسكو، وفصل نجيب سرور من البعثة (هو وماهر عسل الذي ترجم له البيان وألقاه بالروسية)وألغي جوازا سفرهما، وطالبت السلطات المصرية المسؤولين السوفييت بترحيل نجيب سرور وماهر عسل إلى القاهرة فورا !

بهذه الحركة نجح نجيب في كسب ثقة الشيوعيين العرب في موسكو فدافعوا عن بقائه فيها وتكللت مساعيهم لدى السلطات السوفييتية بالنجاح فظل نجيب في موسكو، ولكنه نقل إلى مدينة جامعية أخرى حتى لا يحتك بالمبعوثين المصريين الهائجين ضده. وبمرور الوقت أدرك نجيب أنه ارتكب حماقة، ولم يعد يدري ماذا يفعل بهذه المجموعة الصغيرة التي التصقت به. واعترف لنا صراحة أنه لا يفقه شيئا في السياسة، وأنه لا يريد أن يلحق بنا الضرر، ولذلك قرر تركنا والانصراف إلى الدراسة، ونصحنا أن نحذو حذوه.

حتى ذلك الحين لم أكن قد أدركت مدى تعقد شخصية نجيب فأزعجني منه هذا السلوك الذي اعتبرته "غير رجولي"، ولم أستطع أن أفهم سبب هذه الأزمة التي داهمته في الوقت الذي بدا وكان أموره تسير إلى الأفضل بعد تبدد سحب الشكوك فيه وانتصاره في المواجهة مع السلطات المصرية وفشل الضغوط التي مورست ضده. وأخذ نجيب يبتعد عنا ويغرق في الشراب والديون. وفي هذه الفترة بدأ يكتب  قصيدة "العودة" التي أورد مقاطع منها في ديوانه "لزوم ما يلزم"، وهي قصيدة مغرقة في اليأس والضياع والحنين إلى الوطن :

"يا مصر يا وطني الحبيب!

يا عش عصفور رمته الريح في عش غريب،

 يا مرفأي آت أنا آت.. ولو

في جسمي المهزول آلاف الجراح..

 وكما ذهبت مع الرياح..

يوما أعود مع الرياح..

ومتى تهب الريح؟ أو هبت..

 فهل تأتي بما يهوى الشراع؟

 ها أنت تصبح في الضياع..

في اليأس.. شاة عاجزة..

ماذا لها إن سلت السكين غير المعجزة؟!"…

وهجر نجيب سرور المسرح الذي كان يدرس فيه تحت إشراف المخرج الكبير نيكولاي أخلوبكوف متعللا بأن أخلوبكوف مخرج شكلي يهوى المؤثرات الصوتية والضوئية ولا يغوص في أعماق النص المسرحي. وقد شاهدت بالفعل مسرحية " "هاملت" من إخراج أخلوبكوف فأصم أسماعنا دوي الطبول في أوركسترا المسرح، و أغشت أبصارنا الأضواء الباهرة التي كان يسلطها على الصالة. ومع ذلك فلم يكن هذا هو السبب الحقيقي الذي نفر نجيب من دراسة المسرح، وإنما كانت الأزمة الحادة التي أخذت تتفاعل في أعماقه، والتي لم أستطع – رغم كل ما بذلت من جهد آنذاك – أن أدرك  أسبابها وبواعثها. كنت لا أرى غير ظاهرها: الإغراق في الشراب، اليأس المطبق، الإحباط المطلق. كل ما استطعت أن أدركه هو أن إغراقه في الشراب كان الوسيلة التي لم يجد سواها للهروب من أزمته. وذات مرة سألته مستنكرا – وكنت أجالسه في أحد المطاعم:

- لماذا يفرط في الشراب إلى هذا الحد؟

-  لكي أنسى!

-  وما الذي تريد أن تنساه؟

- وهل تراني أذكر! (أجاب بروح دعابته الحاضرة دائما)

في أواخر فترة وجوده في موسكو، حوالي عام 1963 بدأ نجيب يكثر من الحديث عن النفوذ اليهودي الصهيوني في الاتحاد السوفييتي. واستنكرنا منه ذلك بشدة، إذ كنا نعيش "عصر الأممية"، ولم نصدق أن الاتحاد السوفييتي العظيم يمكن أن يكون خاضعا للنفوذ الصهيوني، واعتبرنا - أنا وزملائي -  أن نجيب يغالي كعادته، وخاصة في ظل تفاقم أزمته الشخصية. وبعد ذلك بسنوات أدركت مدى صواب ما يقال عن عين الفنان التي ترى ما وراء الظاهر و تغوص إلى أعماق الأشياء، وتكشف لنا مالا نراه، مثل عيني زرقاء اليمامة! وأنا لا أريد هنا أن أقول أن نجيب سرور كان محقا تماما آنذاك، ولكنه رأى بوادر الظاهرة التي لم تتكشف لنا إلا فيما بعد.

ثم وقعت الحادثة التي وضعت نهاية لبقاء نجيب سرور في موسكو...

كان يسامر أحد الأصدقاء اليمنيين في مطعم فحدثت مشاحنة بينه وبين أحد الرواد الذي ظنهما يهينانه. وتدخل رجال الشرطة وحاولوا اقتياده بليّ ذراعيه. وكان نجيب قوي البنية فتخلص منهم بقوة اعتبروها مقاومة، فاجتمعوا عليه واقتادوه إلى مبنى الشرطة حيث أوسعوه ضربا. وقال لي نجيب وهو يروي هذه الواقعة: لقد بكيت آنذاك ليس من الألم بل على انهيار المثال، وأحسست أنه لا فرق بين شرطة سوفييتية ومباحث مصرية، فكلها أجهزة قمع، وإنما نحن الذين صدقنا الأوهام عن "إنسانية الاشتراكية". وكعادته "نظر" نجيب لهذا الحادث واختزل فيه كل جوانب الظاهرة!

وسافر نجيب إلى بودابست بدعوة من أحد اللاجئين السياسيين المصريين هناك، حيث عمل في القسم العربي بإذاعة بودابست، و التف حوله العرب ورحبوا به، ولكن سرعان ما عاودته أزمته التي لم يفلح تغيير المكان في إطفاء جذوتها، وكان يتصل بي من هناك هاتفيا، مؤكدا على استفحال النفوذ الصهيوني لا في القسم العربي في الإذاعة فحسب بل وفي معظم أوجه الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية في المجر. وبالطبع أخذت ما قاله على محمل المبالغة المعهودة فيه...

وذات مرة اتصل بي من بودابست، وكان ذلك في ربيع عام 1964، وطلب من عاملة البدالة أن تكون المكالمة على حسابي، فوافقت مستغربا، وعندما تم الاتصال أخبرني أنه طلب ذلك لأنه لا يملك ثمن المكالمة، وقال بصوت متهدج أفجعتني نبرته المتهالكة إنه جائع ولم يأكل منذ أيام، وسيذهب غدا إلى السفارة المصرية " ليسلم نفسه" (كما قال) لأنه لم يعد يحتمل الزيف المحيط به ويريد أن يعود إلى مصر ليموت فيها، مثل سنوحي! رجوته أن يهدأ ولا يتسرع وسنحاول تدبير الأمر، ولكنه أصر قائلا إنه لم يعد ثمة معنى للاستمرار في لعبة الخداع، فالعالم كله لصوص ومخدوعون، وما المذاهب إلا أساليب يلجأ إليها اللصوص لتغطية سرقاتهم. وبهذه المناسبة فقد كتب نجيب سرور في بودابست قصيدته الشهيرة " المسيح واللصوص" حيث "اتهم" فيها المسيح بأنه السبب في ظهور اللصوص الذين أخذوا يتاجرون باسمه، وباسمه يحكمون! وحين يحاول "مسيح نجيب سرور" أن يرد على الشاعر بأنه سيعود ليصحح الأوضاع يجادله الشاعر:

- هل تصدق ما تقول؟

- الأب قال بأنني حتما أعود

ملكا على أرض البشر

لتسود في الناس المسرة والسلام!

- لو عدت.. منذا يعرفك؟

- سأقول: جئت أنا المسيح!

- سيطالبونك بالدليل.

- ستكون في جيبي البطاقة والجواز

- هذا قليل..

ما أسهل التزوير للأوراق في عصر اللصوص.

ولديهم (الخبراء) سوف يؤكدون

أن الهوية زائفة!

- لكن عليها الختم.. ختم الأب ..

- يا بئس الدليل!

سيؤكد الخبراء أن الختم برهان على زيف الهوية!

- سأريهم هذي الثقوب..

في جبهتي - أنظر - وفي الكفين، في الرجلين..

جئت أنا المسيح!

- سيقول لوقا: قال مرقص

إن متى قال" يوحنا يقول:

"في البدء كان الأمر "أصلب

والآن صار الصلب أوجب!"

حتما ستصلب من جديد

هم في انتظارك - كل اتباعك، قطعان اللصوص -

هم في انتظارك بالصليب...

ماذا؟ أتبكي؟ كل شئ مضحك حتى الدموع!

العصر يضحك من دموعك، من دموعي، عصرنا

عصر اللصوص،

بل أنت... حتى أنت لص!

لو لم تكن ما كان في الأرض اللصوص!

حتى أنا لص.. ألم أخدع طويلا باللصوص؟!

 

ونقول بين قوسين إن الأديب المصري الكبير يوسف إدريس كتب في نفس الفترة تقريبا مسرحية "المخططين" التي تتصدى أيضا لظاهرة استيلاء "جماعة المنتفعين" على الحكم، ومنع أي محاولة لتصحيح الأوضاع حتى لو كانت من صاحب الفكرة نفسه! وهذا  دليل انتشار ظاهرة عدم الثقة في الأنظمة الحاكمة آنذاك و التي كانت تتشدق بالشعارات الديماغوجية عن الحرية والديمقراطية والاشتراكية في غيبة تامة لهذه المثل.

على أن نجيب سرور كتب في نفس الفترة في بودابست روايته الشعرية الرائعة "ياسين وبهية" التي حولها المخرج كرم مطاوع إلى مسرحية قدمت على "مسرح الجيب" في القاهرة عام 1965 بعد عودة نجيب سرور إلى مصر. وتمثل هذه الرواية رؤية جديدة لقصة ياسين وبهية المعروفة في الأدب الشعبي المصري، إذ يجعل نجيب من بطلها مناضلا ضد الإقطاع وثائرا على الظلم، ومضحيا بحياته في سبيل تحرير الفلاحين، كاسبارتاكوس محرر العبيد. فكيف اجتمع في نفس نجيب ذلك الضياع الخانق واليأس المطلق مع هذا الإيمان الحار بعدالة النضال من أجل الحرية، والثورة على الظلم والاضطهاد؟ أهي أصداء مرارته القديمة من الإقطاع الذي أهان الوالد أمام ابنه الصغير؟.. أم هي روح الفلاح المصري الكامنة في أعماق نجيب سرور، والتي تتجاوز الإيمان أو الكفر بالنظريات والمذاهب، لأن النظريات تقوم وتسقط، أما الأرضية الفلاحية الضاربة في عمق التاريخ المصري لآلاف السنين، فتبقى هي الأساس الراسخ الذي ينفذ من اليأس والضياع. وبالفعل، فلو تجاوزنا عن الخط المتعرج والمتأزم لحياة نجيب سرور، فسنجد خطه الإبداعي، ممثلا في مسرحياته التالية لـ "ياسين وبهية" ("أه يا ليل يا قمر" و"قولوا لعين الشمس:.") هو خط نضال العامل المصري والجندي المصري - بعد الفلاح في ياسين وبهية - ضد الظلم الطبقي والاستعمار الأجنبي. ولهذا فبوسعي أن أقول إن نجيب سرور، رغم كل شطحاته وتقلباته وضياعه و أزماته، كان فنانا ملتزما بقضايا شعبه ووطنه على المستويين المصري والعربي، حتى الرمق الأخير...

وكم مرة طرحت على نفسي هذا السؤال: ما السبب في الأزمة التي لازمت نجيب سرور طوال حياته القصيرة وكانت السبب في رحيله المبكر؟

في البداية ظننته الاضطهاد. ولكن نجيب عاد إلى مصر فلم يتعرض للملاحقة والسجن. وكنت أظنه الظلم وحرمانه من فرصة تحقيق مواهبه. ولكنه نشر دواوينه ومسرحياته، ومثل على المسرح وفي التليفزيون، وأخرج للمسرح وأخرجت له مسرحياته. ربما لم ينل كل ما كان يريد. ولكنه لم يحرم تماما...

ثمة تفسير منطقي واحد لهذه الأزمة، لا أجد غيره..

إنه الصراع في نفسية الشاعر بين الواقع المرفوض.. والمثال المستحيل..

إنها مأساة العقل، الذي يحفر كالمثقاب في طبقات الزيف والأكاذيب ليصل إلى الحقيقة، ولكنه، ويا للأسف، يواصل الحفر حتى ينفذ إلى الجانب الآخر، محدثا ثغرة في السد تتسع مع الزمن لتندفع منها المياه المخزونة مدمرة كل شيئ!...

الفنان شمعة تحترق.. لتضئ لنا الدرب إلى الحقيقة، والخير، والجمال...

ونجيب سرور فنان لم يدخر ضوءه، فاحترق سريعا كشهاب مرق في سمائنا، ولكنه ترك في نفسي، وفي نفوس الكثيرين غيري، أثرا ساطعا لا ينسى.. لأنه أثر الموهبة المبدعة...

***   ***   *** 

 

 

حسيب شحادةخلاصة ما أدلى به الكاهن صدقة بن إسحق عام ١٩٢٤

لمجلة الزهرة الحيفاوية عن السامريين

A Summary of what the Priest Sadaqa b. Isaac

Said to Haifa’s Magazine al-Zahra about the Samaritans

الطائفة السامرية أو السامريون في العالم، الزهرة، مجلة ادبية روائية اخلاقية تاريخية فكاهية، صاحبها ومديرها المسؤول جميل البحري،  العدد ٥، أيلول سنة ١٩٢٤، السنة الرابعة، ص. ٢٥١-٢٥٨؛ الطائفة السامرية ٢، الزهرة ع. ٦، س. ٤، تشرين أول ١٩٢٤، ص. ٣٥١-٣٥٥، عبارة عن أسئلة وُجِّهت إلى الكاهن في نابلس والأجوبة التي أرسلها للمجلة.

في ما يلي أورد النقاط الهامّة في نظري، التي ذكرها الكاهن صدقة بن إسحاق (صدقة إسحق عمران سلامة غزال إسحق إبراهيم صدقة ١٨٩٤-١٩٧١) الصديق الغيور، في إطار المقابلة معه في حيفا، والمنشورة في مجلة الزهرة المذكورة. ربطت الكاهن صدقة علاقات صداقة طيّبة مع شخصيات عربية كثيرة مثل الملك عبد الله الأوّل بن الشريف حسين بن علي ١٨٨٢-١٩٥١، وحفيده الملك حسين بن طلال ١٩٣٥-١٩٩٩، ورئيس بلدية نابلس المعيّن سليمان بك طوقان ١٨٩٣-١٩٥. أضفت بين القوسين [] تعليقاتٍ على ما ورد في المجلة وهي للصديق الكاهن عزيز بن يعقوب السامري النابلسي كما وردتني إلكترونيًا في الثامن من شباط ٢٠١٩. [ورد في مستهل المقابلة بأنّ الكاهن صدقة المذكور كان كاهنًا أعظم وهذا غير صحيح إذ أنه لم يصل إلى ذلك المنصب لأنّه توفّي في حياة شقيقه عمران، الكاهن الأكبر].

وردت في بداية المقابلة هذه الفقرة:

 ”لقد اغتنمنا فرصة وجود حضرة الصديق الكاهن صدقة بن إسحق الكاهن الاعظم للطائفة السامرية في حيفا وزيارته لنا، واستعلمنا منه عن بعض ما يجهله الكثيرون من احوال هذه الطائفة الصغيرة بعدد نفوس افرادها والتي يشيعون كثيرًا انها محدودة العدد لا تنقص ولا تزيد“.

١) تعود نشأة الطائفة السامرية إلى عهد النبي موسى، وبنسَبها إلى ابني يعقوب، لاوي ويوسف. [شكلت السامرية في بداية عهدها "يوم ظهرت مملكة داود" تسعة أسباط من أصل إثنى عشر سبطاً، والعدد تلاشى جراء معارك وعمليات إبادة، تهجير وتغيير الديانة بالإكراه، إلى أن وصل لمائة ونيف مع بداية القرن الحادي عشر، وقد انحدرت يومئذٍ، على الرغم من صغر عددها، من ثلاثة أسباط، ألا وهي لاوي ويوسف بالإضافة إلى سلالة بنياميم (بالميم) (الاسم اليهودي بنيامين)، وسلالة الأخير بقيت حتى نهاية القرن التاسع عشر، يوم توفت امرأة كانت آخر هذه السلالة].

٢) تسكن الطائفة السامرية مدينة نابلس (شكيم في التاريخ) منذ أمد سحيق، وفيها جبل جرزيم وتسميه الطائفة ”جبل الطور“ وهو قِبلتها، وإليه ينتظرون عودة خيمة الاجتماع، بعد مجيء الطائب (أي التاهب/التائب، المهدي أو المسيح). ويعتقد السامريون أنّ هيكل سليمان وفيه تابوت العهد مدفون هناك حتّى اليوم. باني الهيكل هو يشوع بن نون عند دخول بني إسرائيل الأراضي المقدسة، وبقي الهيكل أربعة قرون وستّين سنة فقط، وهدمه الكاهن الأوّل بوقه ويدعى عزي. ولا يجوز تقديم القرابين إلا على هذا الجبل، الذي قرأ عليه يشوع بن نون البركاتِ كما قرأ اللعنات على الجبل المقابل في الشمال، عيبال. يصل ارتفاع جرزيم  إلى ٨٦٨م  وعلوّ عيبال ٩٣٨ م.

[الكلمة طور في الارامية السامرية تعني الجبل، وجرزيم هو الاسم التوراتي، مع العلم بأن الشريعة قد نعتته أيضاً بالاسم אלון מורה والكلمة אלון تعني البلوط، فيما מורה هي الرم أو الجبل، أي جبل البلوط، نسبة إلى مجاورته لنابلس القديمة، والمعروفة اليوم بـ (بلاطة) الذي يرجع أصل الاسم إلى البلوطة، وهي الشجرة التي اعتاد سيدنا يعقوب الاستظلال بها يوم سكن شكيم.].

 

٣) يوجد على قمّة جبل جرزيم أساس هيكل السمرة، الذي هُدم بعد تشييده بقرنين من الزمان، ويأمُل السامريون في بنائه من جديد. [نواة الخلاف بين المذهب السامري عنه للمذهب اليهودي هو هيكل سليمان، الذي شيده أتباع مملكة داود في القدس، أي إذا صح الاعتقاد بأن للسامريين كان هيكلاً، أنا شخصياً أشكك في مثل هذا، لا يمكن أن ننسبه إلى ما يُسمى هيكل سليمان، والتاريخ السامري يكاد يجزم بأن السامريين لم يُشيدوا أي مقدسٍ بعد خيمة الاجتماع التي عملها الإسرائيليون في عهد نبيهم موسى بن عمران عليه السلام، بأمرٍ من الرب. أنظر سفر الخروج ٣٥: ٤-١٩. ينفي التاريخ السامري قيام أي هيكل على قمة جبلهم المقدس، كذلك ليس هناك أي تفكير في تشييد شيئاً من هذا القبيل، سيان كان السبب لأصل الأمر بعمل خيمة العهد بأمرٍ من الرب تعالى، بهدف مناجاة سيدنا موسى عليه السلام ربه، وعبادته من الخيمة الموصوفة، كذلك إمكانيات أفراد الطائفة المادية الآنية لا تكاد تكفي لعمل قطعة واحدة مهما كانت صغيرة من مركبات خيمة العهد الوارد وصف أدواته في الشريعة المقدسة.].

٤) وصل عدد السامريين في الماضي القديم عشرات الألوف، ولكنّه تناقص من جرّاء الاضطهادات إلى أن وصل عام ١٠٣٥ هـ أي ١٦٢٥م إلى خمس عائلات: من يافا، من غزة، من الشام، من نابلس، من عورتا. وفي قرية عورتا، الواقعة بالقرب من نابلس دفن، بحسب اعتقاد السامريين، كلّ من العزير بن هارون وأخوه مفضل وابنه المنصور، وأنّ ابن هذا الأخير المسمّى أبو الغوث هو الذي كتب توراة السامريين؛ وهذه القرية هي موطن الكهنة السامريين الأصلي. [ لا اختلاف لا بل إحماعاً، بين المذهبين السامري واليهودي، في مسألة مدافن الأنبياء والصديقين، ومن جملتهم العزير بن هارون كذلك يوسف بن يعقوب – عليهم جميعاً السلام – فالعزير كما جاء في مقالتكم مدفون في عورتا المجاورة لنابلس، أما يوسف فمدفون في بلاطة، وسبق أن ذكرت عاليه بأن بلاطة هي نابلس القديمة. يُفضل تدوين الأسماء كما وردت دون حاجة لترجمتها إلى العربية، كلها أو جزءاً منها، فالاسم العزير ذكر كما هو، علماً بأن الترجمة للعزير هي عبد المعين، إذن تعال بنا نسردهم بأسمائهم العبرية ليصبحوا: العزير وإيتامار وفينحاس. אבישע ابيشوع لم يكتب توراة السامريين، إنما هو من نسخ أقدم مخطوطة (توراة) على وجه المعمورة، والتي يحتفظ بها السامريين، وهي الدالة الأكبر على صحة العلاقة بين الديانة الإسرائيلية وجبل جرزيم].

٥) بلغ عدد السامريين في العام ١٩٢٤، ١٧٤ نفسًا وهم فئتان: الكهنة والجماعة (الشعب) [اعتاد السامريون استخدام الألقاب: الكهنة والعامة]، ويرجع الكهنة بالنسب إلى هارون من سبط لاوي بن يعقوب، وعددهم ١٨ ذكرًا من ابن سنة فصاعدًا؛ الكاهن الأعظم آونتها كان إسحق (بن عمران) وله من العمر ٧٢ (أي أنّه وُلد عام ١٨٥٢ وليس عام ١٨٥٥ كما يرد في بعض المصادر، كهانته من ١٩١٧ إلى وفاته عام ١٩٣٢، ح. ش.) وخلّف من الصبيان اثنين أحدهما ”صديقنا صدقة المنوه عنه في رأس هذا المقال“. يسكن كلّ السامريين في مدينة نابلس باستثناء ثلاث عائلات، اثنتان في يافا وواحدة في طولكرم.

٦) الرئاسة الدينية مقتصرة على الكهنة وتعود إلى الأرشد منهم.

٧) انقطع نسل الكهنة لمئة سنة خلت وبقي طفل واحد عمره أحدَ عشرَ شهرا وظلت الطائفة السامرية بدون كهنة مدّة ١٤ سنة إلى أن كبُر الصبي .

٨) يعتاش الكهنة ممّا يتلقون من مساعدات، ومن أعمالهم الخصوصية كباقي الناس.

٩) الشعب أو فئة الجماعة ويعود النسب إلى ابني يوسف، منسى وافرايم، والباقون ينسبون الى سبط منسى. [هكذا في الأصل].

١٠) عقيدة السامريين مكوّنة من خمسة بنود:

أ) الله واحد لا شريك له (يُلفظ شيما Šēma أي: الاسم، ح. ش.).

ب) موسى نبي مرسَل ولا نبي بعده [ليتكم تدونونها – ولا نبي بعدُ في إسرائيل مثل موسى، استناداً إلى آخر سورة في الشريعة المقدسة، سفر التثنية ٣٤: ١٠-١٢]. يعتقد السامريون بأن يشوع بن نون ولي صالح ونبي أيضا، ولكن ليس كموسى، ونبوّته لم تستمرّ بعد وفاته لأن السامريين لا يؤمنون بأي شخص يدّعي النبوة بعد موسى.

ت التوراة، خمسة أسفار موسى، هي الكتاب الوحيد المنزل.

ث) جبل جرزيم هو القِبلة.

جـ) الإيمان باليوم الأخير والدينونة. يؤمن السامري بالجنّة وبجهنم، فالأولى لكلّ صالح والثانية تكون من نصيب كلّ عاصٍ والله أعلم. كما يعتقد السامريون بوجود الملائكة. [صحيح هو إيمان السامري بيوم الحساب والعقاب، إلا أن مسألة الجنة وجهنم غير مجزومين تماماً، وإن تصور البعض مسائل العقاب الموصوفة، هذا لا يعدوا جراء تأثرهم من المعتقدات المحيطة، فلا وصفاً تشريعياً (توراتياً) لشكل العقاب أو مسُمياته].

١١) أعياد السامريين ثلاثة:

أ) عيد الفصح  [الأصح هو عيد الفسح (بالسين) وأصل التسمية الفسحة أي الفرصة، وترمز إلى التحرر من نير العبودية الفرعونية، مع أن الفسح بحد ذاته هو أمسية ذبيح الفسح وصلاة غداته الصباحية، ليبدأ فوراً عيد الفطير، والذي يتناول السامري خلال أيامه الفطير طيلة سبعة أيام تلت الفسح، ولا يأكل أية خوامر؛ سفر الخروج ٢٣: ١٥-١٩] ويحلُ بذات تاريخ فصح اليهود [ الأصح بذات الفترة وليس التاريخ، إذ نادراً ما يصادف الفسح السامري بذات تاريخ نظيره اليهودي، وقد يكون الفرق يوماً واحداً أحياناً يومين، وفي السنوات الكبيسة، شهراً كاملاً]. كل سنتين متتابعتين، ”ويفرقون عنه شهرًا واحدا في السنة الثالثة“.

 تُنحر سبعة خراف عند مغيب الشمس على جبل جرزيم، ليلة العيد في الخامس عشر من الشهر القمري [الأصح في الرابع عشر من الشهر القمري: سفر الخروج ١٢: ١-١٢]، المصادف في نيسان. وعلى السامري أن يتزنّر، يحمل عصاه ويتناول اللحم المشوي بسرعة، كأنه على سفر ويحظر على غير السامري مسّ الذبيحة. يتوافذ القوم من أماكن شتّى لمشاهدة هذا الاحتفال الديني، وقد يصل  عدد الزوّار إلى الألوف الكثيرة.

ب) عيد مناجاة موسى ونزول التوراة (العنصرة). [هو عيد שבועות أو الخماسين، إشارة إلى تاريخه غداة السبت السابع لسبت عيد الفطير، أي اليوم الخمسين، أو الحصاد קציר، فالأعياد موسمية وهذا العيد موعده مع أوج الصيف، سفر اللاويين ٢٣: ١٥-٢٧  ولا يوجد في القاموس السامري ما يُسمى بالعنصرة، حتى لو تناقلتها بعد ألسنة أبناء الطائفة].

ت) عيد الكفارة او المظال (العرش)، ذكرى عامود الغمام، الذي ظلل بني إسرائيل عند خروجهم من مصر. [الكفارة، أظنها ترمز إلى כיפור أي يوم الغفران، سفر اللاويين ١٦: ٢٩-٣٤ وهو يوم صيام وعبادة يسبق عيد العرش/المظال بخمسة أيام، أي بالعاشر من الشهر السابع، فيما العرش/المظال في الخامس عشر من الشهر ذاته، مع العلم بأن لقب الشهر السابع الشرعي (التوراتي) מועד החדש השביעי أي عيد الشهر السابع، فالأول منه عيد استهلال الشهر، والعاشر منه غفراناً، والخامس عشر عيد مظال، والثاني والعشرين عيد الاعتكاف/الجمهرة שמיני עצרת والذي يسمون اليهود نظيره بـשמחת תורה أي فرحة التوراة، حيث استهلالهم قراءة فصول التوراة المقسمة على أيام السبت طيلة السنة. [سفر اللاويين ٢٣-٢٣ إلخ.].

١٢) هنالك في نابلس معبد واحد للسامريين يُدعى ”كنيسة أو مجمع“، وفيه التوراة القديمة وكتب دينية أخرى وكلّها مخطوطة. [الكلمة كنيسة، بالتأكيد تعلمون مُستخدمة باللغة العربية، وإن كانت التسمية لا تليق بدور العبادة، فالفعل كنس الشيء أي جمعه، كذلك الاسم مكنسة أي مُجمعة، فالمعنى الحرفي للاسم كنيسة هو جامع. صحيح في عهد الكاهن صدقة المذكور في مقدمة مقالتكم كانت للسامريين كنيسة واحدة في نابلس، مع العلم بأن الكثير من الكنائس السامرية في مدينة نابلس قد سبق لسكان المدينة تحويلها إلى جوامع إسلامية، منها ما هو قائم حتى اليوم، مثالاً على هذا هو المعروف بالاسم جامع الخضراء، علماً بأن للسامريين في يومنا هذا خمسة كنائس، واحدة في نابلس، إثنتان على قمة جبل جرزيم واثنتان في الحي السامري بمدينة حولون الإسرائيلية والمجاورة لتل أبيب].

١٣) فرائض السامري الدينية تضمّ الصلاة والحج والصوم والزكاة. وتجري الصلاة مرّتين يوميًا،  صباحًا ومساءً وصلاة السبت مختلفة؛ وهناك ركوع وسجود ووضوء وطهارة بكلّ دقّة. والصلاة واجبة على الرجال والنساء وأفضلها في الكنيسة، وهناك فصل بين الجنسين. يصوم كل سامري، كبيرًا كان أم صغيرًا (باستثناء الرضيع) يومًا واحدًا في السنة، من الغروب إلى الغروب، في العاشر من الشهر السابع. هنالك حجّ ثلاث مرّات في السنة، في عيد الفصح وعيد العنصرة وعيد المظال، ومن شروط الحجّ الطهارة والطواف (لا بدّ من التنويه بأن السؤال: ما هي الزكاة المفروضة وهل تقومون بها ونحو من، بقي بلا إجابة،سهوًا على ما يبدو، ح. ش.). تتمّ خِتانة السامري في اليوم الثامن بعد الولادة، وهي فرض قطعي ومن لا يُختن يُقتل.

١٤) للسامريين مدرسة ابتدائية واحدة، يتعلّمون فيها العبرانية القديمة والعبرانية الحديثة أي لغة اليهود، المعروفة اليوم ولغة البلاد العربية. لغة السامري هي العبرانية القديمة، لغة موسى وبها كُتبت التوراة وسائر الآثار الدينية والصلوات، أمّا لغتهم المحكية فهي عربية البلاد (صدقة علّم العربية بحسب كتاب مدارج، والحساب، ح. ش.).

١٥) كلّ كُتب السامريين مخطوطة، ولا شيء مطبوعًا عندهم، ومنها التوراة وتفاسير عليها وكتب فقهية وصلوات وتاريخ. من بين التوراوات هنالك توراة مدوّنة على جلد غنم بقلم ابيشوع بن فنحاس بن لعازر بن هارون، أخي موسى بعد وفاة هذا الأخير بـ ١٣ سنة (؟، هكذا في الأصل) أي من مدة ٣٥٨٤ سنة تقريبا.

١٦) لباس السامري كلباس محيطه، رداء عادي (غنباز) وفوقه الجبّة العربية [مع احترامي لروح الكاهن، إنما أصل ارتداء الجبة يعود للكاهن الأول ألا وهو سيدنا هارون عليه السلام، وصفها جاء في الشريعة المقدسة ( أنظر سفر الخروج ٢٨: ٦-١٤، ح. ش.) أو الجاكيت الإفرنجية، وعلى الرأس الطربوش أو العِمامة. الشريعة السامرية تقضي بارتداء العِمامة البيضاء يوم السبت والحمراء في اليوم العادي، وهنالك من لا يلبس العمامة. [لا لوناً مُحدداً للعمة أو القلنسوة التي يرتديها الكاهن، وقد اعتاد الكهنة سابقاً ارتدائها بيضاء ناصعة، طيلة أيام السنة، إلى أن جاءت فترة الحكم العثماني، يومئذٍ ادعى أحد السلاطنة بأن بعض المسلمين يختلط عليهم الأمر بين الكاهن السامري والشيخ المسلم، فكلاهما يعتم اللون الأبيض، وأمر السامريين – يومها – باستبدال الأبيض بالأحمر، وقد وافق السامريون مُكرهين على الاعتمام باللون الأحمر، على الرغم من علمهم بأن اللون يرمز – يومئذٍ – إلى أتباع عبادة الشيطان، لذلك أبقوا اللون الأبيض عمةً لأيام السبت والمناسبات الدينية الأخرى]. كلّ السامريين وبشكل خاصّ الكهنة، يربّون شعر الرأس واللحية. تلبس النساء بحسب المحيط الإسلامي، الحجاب شرعي وهنالك تساهل به أمام السمرة، وبعض الطوائف التي لا ترتدي الحجاب.

١٧) يتزاوج السامريون في ما بينهم، ويجوز للذكور لا الإناث، الزواج من غير دينهم شريطة أن تتسمرن الفتاة، وهذا هو السبب في قلة عددهم. هنالك نقص في الفتيات في سنّ الزواج والغرباء لا يعطون السامريين بناتهم، ولذلك نرى العُزب طول حياتهم. عند ولادة بنت في الطائفة السامرية، يتسابقون لخطبتها وهي في المهد، فيربّونها صغيرة، وتكبُر على اسم خاطبها. لا يحقّ للسامري الاقتران إلا بامرأة واحدة، وإذا كانت عاقرًا فيجوز له التزوج من ثانية فقط. لا يتمّ الطلاق إلا بعلّة شرعية.

١٨) كلّ شيء مُباح أكله عند السمرة إلا اللحم واللبن معا (هذا غير دقيق كما يعلم الكثيرون وينظر لاحقا، ح. ش.). والجدير بالذكر أنّ سؤالا بهذا الصدد قد ورد ونصّه ”هل يجوز أكل كل الأطعمة عندكم؟ وهل تفرقون بين الكاشير والطريف وما الفرق؟“ (ص. ٣٥٤) وجاء الجواب ”لا يجوز اكل المآكل كلها ويوجد عندنا كاشير وطريف والبحث بهذا المعنى شرحه يطول“.

١٩) الأسئلة الثلاثة الأخيرة التالية بقيت بدون إجابة لضيق الوقت وطول الإجابة: انقسام مملكة إسرائيل على يد يرحبعام ويربعام، بعد موت الملك سليمان، وتكوين رحبعام مملكة إسرائيل من عشرة أسباط؛ ماذا تقولون عن اكتساح سلمناصر لمملكة إسرائيل، ونقل سكّانها إلى بلاد الرافدين؟ ما قولكم بسبي بابل على مملكة يهوذا؟ ردّ الكاهن صدقة على هذه الأسئلة بقوله ”ساتشرف بلقائكم قريبا ان شاء الله وافسر لكم كل امر بمفرده لان نطاق الوقت ضيق الآن وهذا البحث يتطلب على الاقل عددا خاصا من اعداد الزهرة. هذا وفي الختام سيدي الوالد يقدم لحضرتكم سلامه الخاص لكم الخ. اهـ“.

وردّ المحرر، على ما يبدو، جميل البحري بهذه الكلمات:

”هذا ما وافانا به الصديق النشيط الكاهن صدقة واننا لفي انتظار تشريفه او كلمة منه تكون جوابا كافيا على الاسئلة الثلاثة الاخيرة لننشره على صفحات الزهرة واملنا انه لن يضن به علينا خدمة للتاريخ فنكرر له الشكر الحميم باسمنا واسم قراء الزهرة عامة“.

لا أدري في ما إذا تحققّت أمنية مدير التحرير أم لا، فالأمر بحاجة لمزيد من البحث والتنقيب في مجلة الزهرة نصف الشهرية التي بدأت في الصدور في الأوّل من أيّار عام ١٩٢٢ واستمرّت حتى عام ١٩٣٠، عام قتل الأديب جميل البحري ١٨٩٨-١٩٣٠، الملقّب بأبي المسرح فقد كتب قرابة اثنتي عشرة مسرحية. في البداية أصدر البحري مجلة اسمها ”زهرة الجميل“ في أوّل أيار عام ١٩٢١. ثم تحوّلت في العام التالي وسمّيت باسم ”الزهرة“

 

ب. حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

..........................

(حول الصحف والمجلات في فلسطين أنظر:

http://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4397

 

 

محمد فتحي عبدالعال"نعمةُ النسيان “ قولٌ يترددُ على لسانِ معظم البشرِ. وهو السّبيلُ لاستمرارِ الحياةِ على الرّغم من قسوتها و ازدحامِ الذّاكرة بالكثير من المواقفِ التي تصادفنا في حياتنا اليّومية. لكن هل تعلمونَ أنّ بعضَ الناس قادرون على تذكّر ما مرّ من ذكريات بتفاصيلها الدقيقة والحزينة مهما مضت الأيامُ و السنون؟ وتعود هذه الحالة الدّماغية الفريدة إلى متلازمة فرطِ التذكّر، أو مرض "هايبرسيميثيا" والمصنف بأنّه من الاضطرابات العصبية النادرة، ويسمى أيضا الذاكرة السّيرية الذّاتية بالغة القوة.

 الهايبرسيميثيا تجعلُ من مصابيها حواسبَ آلية متحركة لاتخطئ. تتذكّرُ كلّ الأشياء والمواقف التي مرّت بهم مهما تباعدتِ السنون وبدقة مفرطة، وهذا يجعلهم أسرى ذكرياتِ الماضي وآلامهِ وليس لديهم القدرة على التعايش مع الحاضر أو مجرد التفكير في المستقبل فتتحوّل ذكرياتهم المحزنة إلى حالة دائمة من اليأس والاكتئاب والحزن الشديد... وسنحدثكم عن شخصيةٍ تاريخية تدعى الخيزران،  إنّها الجارية اليمنية التي اشتراها المهدي قبل أن يعتلي الخلافة ثم أعتقها عند عزمه الزّواج بأخرى !

يصفُ هارونُ بنُ عبد اللّه بن المأمون أحد أحفادِ الخيزران اللقاءَ الأوّلَ الذي جمعها بالمهدي بقوله ” لمّا عُرِضت الخيزران على المهدي قال لها: واللّه يا جارية إنّك لعلى غاية التمني، ولكنّك حمشة السّاقين، فقالت: يا مولانا إنّك أحوج ما تكون إليهما لا تراهما …!! فاشتراها وحظيت عنده .. “ وهذا يدلّ على جرأتها وفطنتها وذكائها. و كانت الخيزران أمّاً لخليفتين من الخليفة المهدي هما الهادي والرّشيد وهذه حالةٌ فريدةٌ في البيتِ العباسيّ ...

لماذا تفضلُ الأمّ ولداً وتنبذ آخر؟ سؤال يتردد والجواب الصريح هو قدرةُ هذا الولد على تحقيقِ طموحاتِ والدته وأمانيها. أما السؤال المحيّر لماذا تقتلُ الأمّ ولدها؟ الخيزران تميلُ إلى ابنها هارون الرّشيد وتفضلهُ على ابنها الهادي فحاولتْ أن تقنعَ زوجها أن يرجّحَ كفةَ الرّشيد في ولاية العهد على حساب ابنه الهادي إلا أنّ وفاة المهدي بصورةٍ مفاجئة وغامضة عصفتْ بهذا السيناريو وتولى الهادي الحكم والذي قلّص من سلطاتِ ونفوذ أمه الخيزران إلى حدّ كبير .

كانت الخيزران تتمتع بمكانة كبيرة لدى زوجها المهدي فكانت تتدخلُ في تعيين الولاة والحكام وكبار رجال الدولة مما جعل بابها مقصداً لمواكبِ أصحابِ الحاجات الذين يترددون عليها طمعاً في نفوذها الطاغي، وقد استمرَ هذا الوضع إلى فترة قصيرة من تولي الهادي والذي ساءه هذا السّبيل في إدارة البلاد واستدعى أمّه وأنذرها بشكلٍ حاسم قائلا : والله لئن بلغني أنّه وقفَ أحدٌ ببابكِ لأضربنّ عنقه ولأقبضنّ ماله، فمن شاءَ فليلزم ذلك، ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كلّ يوم ؟ أما لك مغزل يشغلك ؟ أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك ؟ ثم إياك وإياك إن فتحت بابك لأحد .. يقولُ الطبري: فتركت ابنها وهي لا تكادُ تتحسس مكان قدميها؛ فقد أعلنت الحرب بينهما.

لقد اصبح الأمرُ في طور الحسم إما نفوذها وإما ابنها ! لا خيارٌ ثالث، فسارعت إلى التخلص منه وتهيئة الأمور لتولي الرّشيد ابنها المقرّب فاستعانت بجواري القصر في خنقِ ابنها الهادي في أثناءِ نومه .. مشهدٌ مخيفٌ الأمّ هي القاتلة ومن الصّعب أن تكون الأمّ معينا على قتلِ ابنها ثمّ تصلي عليه وتذهبُ إلى الحج ؟! تبقى الذكريات محفورة وإن طال الزّمان .. نموذجٌ غريبٌ ونادرٌ من نساء القصور أليس كذلك ؟ امرأة لا تجد صعوبة في تقديمِ النفوذ على اعتباراتِ الأمومة .

راغدة شريفهل تنتهي الحكاية ؟! لم ينتهِ شبحُ الدّماء بجلوسِ الرّشيد على عرش الخلافة واستعادة الخيزران لمكانتها. حيثُ نشبَ الصّراع بين الخيزران وزبيدة زوجة الرّشيد فيما كان الصّراع دائراً بينَ زبيدة أمّ الأمين والجارية الفارسية مراجل أمّ المأمون على أشده فيمن يخلف الرّشيد فأسهمت الخيزران في اتساع الهوة التي أدت في النهاية والتي لم تشهدها بمقتلِ الأمين. الغيرة والانتقام وسفكُ الدماء

إنّه كيدُ النساء كما أسماه الأقدمون والغيرة التي تجعل المرأة دائما سواء أكانت زوجة أو أمّاً تصارع كلّ من حولها لتستحوذَ على الرّجل سواء كان مسماه زوجاً او ابناً وعادة ما يكون الباعث نحو الغيرة تغيرات هرمونية عدة في المرأة

إضافة إلى اتسام المرأة بنشاط ملحوظ فى السيولة الدموية الناتجة عن تدفق الدّم إلى الصدغ الأمامى من المخ، مما يؤدي إلى ارتفاع إفراز هرمون النورادرينالين المسؤول عن الوظائف المعرفية في المخ، و ما يجعلها أكثر تركيزاً وانتباهاً للأحداث خاصة فيما يتعلق بالنساء الأخريات نحو رجلها فالمرأة بخلاف الرجل لا تستطيع أن توزع مشاعرها واهتمامها في اتجاهِ أكثر من شخص في نفسِ الوقت فيبقى حبها مركزاً على رجلٍ استحوذ قلبها .

و الخيزران في نهايةِ حياتها تتصارعُ مع ذكرياتها القاسية التي لا تغادرها فبقيت في مكة محاولة أن تخفف عن نفسها ذكرياتٍ مؤلمة لا تفارق مخيلتها ...توفيت الخيزران فسار الرشيد في جنازتها حافيا . إنّها الخيزران التي أخذت من الخيزران صفاته وقد عملت وفق المثل السائد (لا تكن قاسياً فتكسر ولا ليناً فتعصر) امرأة رسمت سياسة مملكة بقوة وصلابة وحققت ما تريد بعزيمة دونَ تردد في قتلِ فلذة كبدها لتتربع على عرشِ القرار. وهذا وإن دلّ فهو دلالة واضحة على دورِ المرأة في صنع القرارت المصيريّة عبرَ العصور .

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الباحثة في علوم اللّغة

د. محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث

...................

المراجع

- البداية والنهاية لابن كثير

- الاعلام الزركلي

- سير اعلام النبلاء الذهبي

- موقع ويب طب

 

سوف عبيدبين الشّــابي ومدينة رادس

ما تزال رسائل الشّابي تُمثّل مصدرا أساسيا للإحاطة بتفاصيل عالمه الشّعري الزّاخر بالإضافة إلى أنها توضّح الكثير من مواقفه وآرائه، غير أنّها لا تتوقف عند هذا الحدّ بل إنها كذلك تعتبر وثائق بالغة الأهمية عن الحركة الأدبية والثقافية في تونس خلال الثلاثينات من القرن العشرين، تلك الحركة التي نجد صداها حتّى في المشرق العربي من خلال هذه الرسائل نفسها.

لرسائل الشابي إذن أبعاد عديدة منها ما يلامس الذات وخوالج الّنفْس ومنها ما يُمثّل الحياة وما فيها من أحداث وملابسات، وفيها أيضا مسرح الوقائع والفضاءات التي شهدت مختلف الحركات والإنجازات ممّا يجعل رسائل الشابي تكتسب البعد التاريخي الذي له الصبغة الوثائقية الخاصة ، ومن بين تلك النّواحي الهامشية التي وردت عرََضًا في رسائل الشابي حديثه عن بلد ـ رادس ـ وهو من ضواحي مدينة تونس الجنوبية.

جوابا عن الرّسالة الثالثة والثلاثين التي أرسلها الشابي إلى صديقه محمد الحليوي في شهر جويلية 1934 كتب محمد الحليوي رسالة تضمّنت خبر نُقلته إلى رادس قائلا فيها خاصّة :

(اِعلم – أيها الأخ – أنّي أخّرتُ زفافي إلى الرّبيع لأني سأنتقل إلى رادس ترضية لي عن نقلتي المفاجئة إلى قُربة – هذا ما عرضته عليّ الإدارة وقد قبِلته وإني أنتظر كتاب التسمية الرسمي – ولا شك أن هذا التغيير الجديد في سير حياتي يستدعي تحضيرات ومفاجآت لم أشأ أن أتهيأ لها وأنا متزوّج) وقُربة هي مدينة قريبة من مدينة نابل وسط الوطن القبلي من البلاد االتونسية

ويكتب الشّابي إلى صديقه الحليوي مبتهجا بهذا الخبر رسالته الرابعة والثلاثين بتاريخ 12 أوت 1934 من ـ حامة الجريد ـ وهي بلدة قريبة من مدينة توزر ـ ويقول في هذه الرسالة خاصة خاصة :

أخي تحية عطرة وبعد،

فقد سرّني أنك نُقلت إلى مركز رادس ذلك المركز الجميل الذي كنت أسمع منك أن آمالك اِنتهت عنده وأنك لا تعتزم إلا أن تسمح لك الأيام بأن تبني فيه منزلك وتستقرّ فكأن الزمان قد أخذ يركن إلى المهادنة ويتيح الفرص فما عليك إلا أن تهتبل الفرص السانحة إلى أن يقول أيضا : وأنت في رادس ذات الجمال السّاحر والمركز الذي لا ينقطع رواده والعاصمة منك قاب قوسين ومرمى السّهم.

وفي رسالة موالية بتاريخ 19 أوت 1934 يُبيّن محمد الحليوي مناسبة اِقتراحه للتدريس في رادس قائلا : ذهبت لتونس في أوائل أوت ومررت برادس مرورا سريعا فأعجبتني واِبِتهجت باِنتقالي إليها.

وفي رسالة أخرى كتبها محمد البشروش إلى محمد الحليوي من نابل بتاريخ 10 أوت 1934 يهنئه فيها بنقلته "إلى بلد رادس كي يتفرغ للأحلام والشعر والأدب كما قال بعباراته وفي هذه الرسالة نرى أن الأديب محمد البشروش يُعلم صديقه محمد الحليوي بأهمية بعض الأدباء الفرنسيين الذين كانوا يقطنون وقتذاك في رادس على حدّ قوله فيقول إنّ بها مدرستين أدبيتين كبيرتين إحداهما للأدب التونسي العربي والآخر للأدب التونسي الفرنسي.

فمن خلال ما تقدّم يمكن أن نستنتج أن الرسائل المتبادلة بين الأصدقاء الثلاثة الشّابي والحليوي والبشروش في تلك الفترة تمثّل مرجعا مُهمّا عن الحياة الأدبية والثقافية وحتى عن بعض التفاصيل الخاصة واليومية في واقعهم المُعاش تلك الفترة الزّاخرة بالأحلام والآلام وهي الفترة التأسيسية للأدب التونسي الحديث… 

729 الشابي

سُوف عبيد

https://www.soufabid.com/

 

ليث الصندوقكلما ابتعدت سفينة الأيام، وأوشكت أن تغيب في الأفق، سحبناها إلينا بحبال الذكريات، يدفعنا لذلك وفاؤنا للبحر وللبحارة وللربان . كان ذلك يوماً من أيام عام 1979، وكنت يومئذ في العشرينات من عمري، أكتب الشعر، بيد أني لم أكن قد نشرت سوى القليل منه، لذلك لم يكن إسمي قد عُرف بعد في الوسط الثقافي . ولأني ككل الحمائم في بداية ارتيادها للسماء أحلم بالوصول إلى أقصى ما يمكن للحمائم الوصول إليه، ولا بأس أن أحدّد هدفي دونما حرج، ما دمت لم أسرّ به أحداً من رواد الفضاء فيسخر مني ومن أحلامي . لقد كنت أحلم أن أصل إلى القمر الذي غلبني في الوصول إليه الأمريكي (نيل أرمسترونك) بعشر سنوات. والوصول إلى القمر بالنسبة لحمامة هي في أول عهدها بالطيران كان يعني هو المستحيل بعينه، أما بالنسبة لشاعر في أول الطريق كان يعني طبع مجموعته الشعرية الأولى، وفي مؤسسة النشر التابعة لوزارة الثقافة والإعلام حصراً فهي الوحيدة المخولة بمنح إجازات ارتياد الفضاء الثقافي . لذلك حزمت حقائبي، وملأت مزادتي، ثمّ خفقتُ بجناحيّ بعد أن استطلعت الأفق، وصممت على خوض مغامرة الطيران .

هكذا ذهبت بأنضج قصائدي إلى دار الرشيد للنشر التابعة لوزارة الثقافة والإعلام، وهي الدار الأم لابنتها الحالية دار الشؤون الثقافية، وسلمت مجموعتي البكر التي أسميتها (خلف ذناب البرق) إلى الموظفة الجميلة، ورجعت إلى البيت ألوم نفسي وأبكّتها على قساوة قلبي، وعلى أبوّتي الناقصة التي استأمنت على فِلذة كبدي الغرباء . وبعد انتظار لم يدم طويلاً تسلمت من دار النشر رسالة تتضمن رأي خبيرها السرّي في المجموعة . وبالرغم من أني نفضت الرسالة مراتٍ، وقلّبتها ظهراً لوجه، وفرّطت حروفها وكلماتها كحبوب الرمان بحثاً عن اسم الخبير، إلا أني لم أفلح، وبقي الأسم مجهولاً لي حتى الساعة . وعلى العموم لم يكن اسم الخبير هو المهم بقدر ما كان رأيه، والأهم من رأيه كانت ذريعته لتسويغ ذلك الرأي . لقد رفض الخبير الشبح المجموعة بكاملها بذريعة استخدام مفردات لغوية بائدة استخداماً مغلوطاً في واحدة من قصائد المجموعة، وأنه لمن العجب أن ترفض مجموعة بكاملها بجريرة قصيدة واحدة منها فقط .

من الطبيعي أني بعد كل تلكم السنين ما زلت أحسّ، ولحد اليوم، وبعد أن أصدرت ثماني مجاميع شعرية نشرت خمس منها في ذات الدار التي رفضت مجموعتي الأولى، أقول ما زلت لحد اليوم أحسّ بألم السكينة المثلومة التي ذُبح بها جهدي الإبداعي الأول . ومما يزيد في ألم الذبح أنّ الذابح مجرّد شبح، بلا إسم، ولا هوية، ولا عنوان . لا اعرفه، ولا أستطيع الوصول إليه لأستزيد من تفاصيل قناعته المجتزأة والمبتورة، أو لأردّ في محكمته الجائرة عن ما نسب إليّ من التهم بأدلة وشهود من مَظان التراث . وفي تلك اللحظات الحرجة قررت أن أواصل حياتي كبريء، وأن لا تخدعني التهم الباطلة التي نسبها لي القاضي الشبح فأصدّق أني مذنب، أو متهم في كفاءتي الإبداعية . ولكن قراري بالمواصلة مقروناً بقناعتي في براءتي ينبغي ألا يُلهياني عن البحث عن محام نزيه وضليع يشدّ من أزري ويُدافع عن قضيتي، حتى وإن كانت مرافعته لن تصل إلى آذان الخبير الشبح ولا إلى الهيئة القضائية التي ينتسب إليها ويتخّفي وراء جدرانها السميكة . وحددت مع نفسي صفتين للمحامي النزيه الذي ينبغي لي اللجوء إليه، وهما :

- أن تكون معرفته باللغة معرفة أكاديمية رصينة لا يرقى إليها الشك، ولا يختلف عليها اثنان

- أن يكون شاعراً قديراً ومعروفاً

ولكن الصفتين في ذلك الزمن لم تكون لتجتمعا معاً في شخص واحد إلا إذا كان الشاعر في الأكاديمي هو شاعر تقليديّ ينظر إلى قصيدة التفعيلة على أنها عمل تخريبي ضدّ التراث مدفوع بقوى شبابية مدسوسة للإطاحة بسلطة الشيوخ المقدسة . ولأني شاعر تفعيلة، ومجموعتي المرفوضة هي مجموعة تفعيلة، وإن الإحتكام إلى محام تقليدي ربما يُعقيد الأمر، ويؤدي إلى تشديد الحكم السابق، لذلك عدّلت في صيغة الصفة الثانية ليكون المحامي المرتجى إضافة إلى مقدرته وسعة انتشاره شاعراً يتسم بالاعتدال، ولم يُعرف عنه التعصب الإبداعي، ولا الزمّت  الثقافي . ولم يصعب عليّ من الوهلة الأولى أن أكتشف ان الشخص الذي تنطبق عليه تلكما  الصفتان هو الدكتور محمد حسين آل ياسين .

لكني وجدت نفسي موثقاً بقيدين يحولان دون توجهي للدكتور آل ياسين أولهما أني لم أكن قد تعرفت بعد عليه، ولم أكن قد التقيت به، وثانيهما هو بأية جراءة أحمّل رجلاً لم يسبق لي التعرف به عبئاً لا علاقة له به . ومع ذلك تجاسرت على القيدين، وقصدت الرجل إلى مقر عمله في كلية الآداب بالباب المعظم، وانتظرته حتى أكمل محاضرته وجاء إلى قاعة الأساتذة التي كنت أنتظره فيها . عرّفته بنفسي، فرحّب بي بمودّة يتمازج فيها الإتزان بالتواضع، ثمّ جلس إلى منضدته، وجلست قبالته أشكو إليه قرار الخبير . تناول مني الرجل المسودة برفق وكأنه يتناول رضيعاً في قِماط، وراح يقلب أوراقها بين يديه، فيتوقف عند بعض القصائد، ثمّ يواصل التقليب، ثمّ يعود إلى ملاحظات الخبير، فيمعن النظر بها، ثمّ يصغي إليّ بكلّ جوارحه وكأنّ قضيتي هي قضيته، وشكاتي هي شكاته . وبعد أن أكملت شرب استكان الشاي، طلب مني أن أبقي المجموعة لديه ليقرأها برويّة، ويخلص منها إلى رأي، وأن أعود إليه في الأسبوع المقبل ليبلغني برأيه بعد أن حدد لي اليوم والساعة المناسبين لمواعيد محاضراته .

عندما زرته في الموعد المحدد وجدت على منضدته مسودة مجموعتي الشعرية وفوقها احد قواميس اللغة العربية، وبين صفحات القاموس ثمة ورقة، إستلّها من بين الأوراق، فإذا بها رسالة تتضمن رأيه في ملاحظات الخبير . نظرت إلى الرسالة، فشعرتُ بالخجل من الجهد الذي سببته للرجل فقد تناول بالتمحيص رأي الخبير فناقشه ونقضه، وخلص إلى القول: (أني لم أجد في المفردات أيّ خطأ لغويّ، أو غير لغويّ، وإنما هي ألفاظ عربية فصيحة صميمة مستقاة من اللغة الثرّة الغنيّة، وقد استعملتها أنتَ استعمالاً سليماً لا يبعدها عن دلالتها التي وضعت لها أصلاً) . ولم يتوقف عند حدود هذا النقض، بل تعداه إلى رأيه في المجموعة، وبشاعرية صاحبها فكتب يقول: (قرأت مجموعتك الشعرية - خلف ذناب البرق - فوجدتك فيها شاعراً يمتلك أدواته الفنية امتلاك القادر الحاذق، وقد وقفت في قصائدك الرائعة على موهبة حقيقية أرجو لها من كلّ قلبي ان تأخذ حقها الطبيعي من الاهتمام والإعجاب اللذين تستحقهما، وأني لمطمئن إلى مستقبلك كلّ الإطمئنان) أما بالنسبة للقصيدة التي أخذت المجموعة بجريرتها فقد كتب الدكتور آل ياسين يقول: (... والقصيدة بشكل عام من القصائد التي فرضت عليّ الإعجاب بها، ومن ثمّ الإعجاب بك)

كانت فرحتي بهذا الرأي غامرة، ولفرط فرحتي أردت أن أغادر الغرفة من النافذة، لكني خشيتُ أن يُسيء بي الرجل الظنون فيتراجع عن رأيه . لقد أعادت لي رسالة الدكتور آل ياسين ألثقة بقدراتي، وشجعتني على أن أواصل الإبحار، فأرسلت قصائد المجموعة المرفوضة إلى أغلب الصحف والمجلات العراقية، وكم كنت مزهواً وأنا اشاهد قصائدي المرفوضة تتبختر في اثواب الزفاف على صفحاتها، وعلى صفحات أهم مجلة أدبية عربية وهي مجلة الآداب اللبنانية التي كان يرأسها الراحل الكبير الدكتور سهيل أدريس رحمة الله عليه . وما زلت لحد اليوم أحتفظ باعتزاز برسالة الدكتور آل ياسين التي كانت الطوفَ الذي أنقذني من الغرق، وأوصلني سالماً إلى اليابسة .

لا بدّ لي أن اذكر بأني فيما بعد صرت أتفهم دواعي تصرف هذا النمط من الخبراء، فطبيعة البنية الثقافية الرسمية لمجتمع يرزح تحت ضغط سلطة سياسية ذات هيكلية تعاقبية صارمة، تدعمها تركات المجتمع الأبوي في نموذجه الإقطاعي وما نجمت عنه من اساليب تربوية تقليدية ترسخ مبدأ السلطة المطلقة للأخ الكبير . كلّ ذلك ساهم في تدعيم الممارسات الإستعلائية، وإشاعة ثقافة التعليم بالعصا، ومنح الحق للجيل السابق باستخدامها لإجبار الجيل اللاحق على الإقرار بأن الدجاجة هي فيل .

أن تجربتي المريرة الأولى مع الأخ الكبير الشبح، والتي عاناها قبلي، ومعي الكثيرون، بل هي ما زالت تطبع العلاقة ما بين أجيال المبدعين، علمتني أن التعليم بالعصا هو من أسوأ الأساليب التربوية، اما التفاعل بودّ وتواضع فهو الأسلوب الأرقى الذي لا يجيد التعاطي معه سوى قرنائه في الرُقيّ أمثال الدكتور محمد حسين آل ياسين الذي نجح  في إداء دوره مربياً، ولكنّ استجارتي بنزاهته أجبرته أن يؤدي دور المحامي، وقد انعكس أثر نبله ونزاهته على أدائه في الدورين .

 

ليث الصندوق

 

مجدي ابراهيممن الرجال ما لا تستطيع نسيانه أبداً، ومهما فعلت فلن تفه حقه ولا تكافئ له فضلاً باقياً تركه فيك، وبخاصّة فيما لو كان هذا الرجل أستاذك، غرس فيك القيم النبيلة من حبّ العلم لذاته، والصبر عليه، والسعي لخدمة طلاب البحث العلمي، والإخلاص فيه، وانتظار الجزاء من الله لا من العباد، واحتساب العمل لأجله.

وإذ تمرُّ علينا ذكرى وفاته السابعة نذكره، مع إنّا لم ننساه، فنذكر المُفكر الذي عاش فكره غير مفصول عن واقعات الحياة. فيلسوف من طراز من الناس ممتاز، تتقدَّم لديه القيم الإنسانية فيوليها كل اعتبار، رعاية وعناية وموالاة، لا يعزل فكره عن إنسانيته، ولا الإنسان فيه بمعزل عن فريضة التفكير.

جانبان في حياته هما أهم وأجدر بالحديث عن سواهما، وإنْ كانا هما كل حياته العامة والخاصّة: الإنسانية والتفكير. عاطف العراقي المفكر الإنسان، أستاذ الفلسفة (المولود في مركز شربين - دقهليّة في الخامس عشر من نوفمبر 1935م، والراحل عن عالمنا في يوم الأربعاء الموافق 29/2/2012م عن عمر يناهز 77 عاماً)، رجلٌ هذّبته المعارف فأعطى منها وأبقى، وترك للعقل العربي ذخائر لا يجحدها إلا مُكابر. إنما العراقي في فلسفته وحياته كان قيمة كبرى للوعي، وقيمة كبرى للعقل، وقيمة كبرى للنقد وللتنوير.

هذا الأستاذ الذي أخلَصَ للفكر إخلاص الصادقين، وتحمّل تبْعة الرسالة في شجاعة العارفين، لا يعرف للّين ولا للهوادة طريقاً إذا أتصل الأمر بكرامة القلم والطعن في تقديس الرسالة وخيانة الواجب وزراية الأمانة العلميّة. وبما أنه كان مفكراً طُّلعَة شغوفاً بالتأليف والتدريس وتعليم الطالبين فكان في الوقت نفسه هو هو المفكر "الإنسان" الذي أرتضى لنفسه ولأمته العربية طريقَ النور العقلي تسير فيه: إيمانه بالعقل وقدرته على توظيفه في خدمة قضايا وطنه موصولٌ منذ أن وعي حياةً علميةً منتجةً إلى أن توفاه الله.

وحيث أقول إنه رجل "هذبته المعارف" لم أكن مبالغاً فيما أقول، ولكني قصدت فعلاً تلك الطويّة الكامنة فيه، يستظهرها حبّ العلم والبحث عن المعرفة، ولذلك أستعرض بعض الجوانب التي ربما تكون مجهولة في حياته الأولى وقت الطلب؛ فقد كان رحمه الله يحدثني تماماً كما يحدّث زملائي عن عمله في السنوات الثلاثة التي قضاها في أسوان مدرساً بالمعهد العالي للمعلمين، وربما كانت تلك الفترة مجهولة بالفعل لأكثر تلاميذه؛ فإن أضخم عمل استطعنا إنجازه عنه - وهو الكتاب التذكاري بعنوان عاطف العراقي فيلسوفاً عربياً ورائداً للاتجاه العقلي التنويري بتصدير فؤاد زكريا وتقديم أحمد الجزار، صادر عن دار الوفاء سنة 2002م، وقد تخطى 1350صفحة بالملاحق - لم يشر فيه أحد عن تلك الجوانب لا من قريب ولا من بعيد، غير أنها كانت في تقديري جوانب من الأهمية بمكان؛ لتشكيل الخطوط العريضة في حياته؛ ولبروز ملامح التجربة الفكرية والعلمية، والتأمل الدائم في بواعثها الخفية الباطنة وسوانحها المطويّة، وإظهار ارهاصاتها الأولى التي بدأت تثمر غرسها هنالك في أسوان.

يومها ترك القاهرة فور تخرُّجه من كلية الآداب جامعة القاهرة، قسم الفلسفة عام 1957م، وبعدها مباشرة حصل على دبلوم من كلية التربية جامعة عين شمس 1958م، ثم سافر إلى أسوان ليتم تعيينه مدرساً بمعهد المعلمين الذي تمّ إلغاؤه الآن، وحلت مكانه كلية التربية، وهنالك تولى ممارسة مهام وظيفته بل مهام رسالته المقدّسة: التدريس والبحث والتأليف.

كان شديد الاعتزاز بهذه الفترة من حياته، لكأنه كان يستوحي منها كفاحه المتصل وآماله العريضة وطموحه العلمي الصادق الفياض.

جذبه هدوء أسوان بين أناس سُمر الوجوه بيض القلوب، لم تفسد المدنيّة الغربية التي كانوا يتصلون بها على الدوام قلوبهم الرحيمة على بعضهم البعض، بل كانوا أرحم على السواح الأجانب من أنفسهم، ولم يكن الغريب لديهم سوى صاحب الدار. والبشاشة سيماهم، والكرم ديدنهم، والمودة خصالهم مع الناس كل الناس، ولو كانوا غرباء.

 ولم تكن أسوان - بلد الجبال التي تنجب الرجال - سوى المدينة التي يلتقي فيها كل ما هو مستحدث من مظاهر الحضارة الأوربية، فكانت الفنادق تستقبل السيّاح القادمين من أوربا ومن أمريكا، وربما من جهة الشرق، وتعدُّ لهم من أسباب الراحة والترفيه ما يناسب مطالبهم وأغراضهم ووسائل الخدمات التي يحتاجون إليها، فكانت أسوان إذ ذاك مشتى من أهم مشاتي العالم لالتقاء الأجانب فيها.

وفي وسط هذه الأجواء بين الهدوء الصامت المنبعث من صحارى أسوان وبين الصخب الهادر الصادر من فنادق الأجانب الزوار، عاش العراقي الثلاث سنوات التي قضاها في تلك البلاد مغترباً وليس بغريب. كنت أتساءل بيني وبين نفسي حينما نتجاذب أطراف الحديث في لقاء ودود ومحبة خالصة: ما سرُّ هذا الولع العجيب الذي يجري به لسان أستاذنا الدكتور عاطف العراقي بالحديث الجارف الفياض عن أسوان؟

ومع مرور الأيام اكتشفت بعدها السّر، وهو الجمع كما جمع "العقاد" قبله بين نقائض الحضارتين: الحضارة الأصيلة، المحافظة، الممثلة في التراث بكل ما يحمله التراث من قيم ومن معاني ومن أصالة يستوحيها من الشجر والمدر، ومن الشمس والصّحر، ومن الكائنات ومن البشر، والحضارة الأوربية المعاصرة، حضارة العصر الذي نعيشه، وهى التي جاءت إلى أسوان مع زيارات السياحة وما تلم به النفس إزاءها من انطباعات.

عالمان غريبان ليس يسهل الجمع بينهما إلّا كما يجمع الأفذاذ الذين فهموا الإنسان فيما يقدّمه لبلاده من آثار التقدّم، فكرة وتحقيقاً.

ولا شك في غرام العراقي بشيخه العقاد، كان لا يخفى الإعجاب به ويظهر تفوقه العقلي وامتيازه الفكري، ويحدثنا عنه كثيراً مع صحبة كان يؤثرها ويُفضي إليها بما عنده، وكان يحضر ندواته التي يقيمها في صالون أسوان وفي القاهرة أيضاً، لكنه حينما كان في أسوان كان يواظب على حضور ندوات العقاد ويعتز كثيراً أنه حضر تلك الندوات وواظب عليها واستفاد منها استفادة منقطعة النظير. وكان يؤمن بمبادئه الحياتية التي تندرج تحت القيم الحاكمة للسلوك، الضابطة لخطوات السير في حياة المفكرين الكبار: ومنها تقديس الوقت والحفاظ عليه والوفاء بالعهد والبلوغ به إلى أقصى حد؛ لدرجة أنه كان يكشف الانتحال الذي يدّعيه بعض الكتاب الذين كتبوا عن "العقاد" الكتابات المطولة ويقول: إن أمثال هؤلاء لم يحضروا صالون العقاد الذي كان يعقده كل يوم جمعة في القاهرة، ولا الصالون الذي كان يعقده العقاد في أسوان، فمن أين لهم أن يعرفوا عن العقاد مثل ما كتبوا، وهم كاذبون؟".

وأثبتت الدراسات الدقيقة أن هذا الرأي أو تلك الشهادة التي كان يكرّرها "العراقي" في لقاءاته الصحفية، صحيحة لا شك فيها؛ فإن كاتب "في صالون العقاد كانت لنا أيام"، لم يكن يجرؤ أن يتحدث مع العقاد وجهاً لوجه، ولا أن يأخذ منه معلومة إلا أن يكون العقاد نشرها من قبل، أمّا أن يفضي إليه بسرّ فيحدّثه حديث الصديق لصديقه فهذا ما لم يحدث قط، ولكن الذي حدث بالفعل هو أن الكاتب كان صديقاً لعامر العقاد ابن أخ العقاد الذي لازمه فترة طويلة وعاش معه في منزله ولم يفارقه حتى آخر يوم في حياته، وكان بالطبع يعرف عن عمّه أكثر ممّا يعرف عنه سواه، واستغل كاتب الصالون صداقته بعامر العقاد في حكايات كان يرويها الأخير عن عمّه فملأ بها كتابه الطويل، أخذها عن عامر ولم يأخذها عن العقاد شخصيّاً، وهو الصواب الذي لا يداخله شك، فإن الذي يدقق في طريقة كتابة الصالون يجد الكاتب يتحدّث عن العقاد حديث الند للند، وهذا كذب لا يقع فيه إلّا الأدعياء.

أنا شخصيّاً لم أسمع في الأوساط الأدبية والثقافية تكذيباً لحضور كاتب الصالون لندوات العقاد لأول مرة إلّا من أستاذنا الدكتور عاطف العراقي، وحين قرأت هذه الدراسة الدقيقة اتضح لي كما اتضح  للجميع أن الكاتب كاذب فيما روي، والعراقي صادق فيما قال. وليس من شك في إعجاب العراقي بالعقاد وتلمذة الأول على يد الأخير، فكما كتب العقاد مسودات كتابه "ساعات بين الكتب" في أسوان بين التريّض والكتابة، وهو أكبر كتبه يقترب من الألف صفحة، كذلك كاد العراقي أن ينهي رسالته للماجستير في أسوان.

كان في تلك الفترة يعمل في خطه دراسته لابن رشد وهو الموضوع الذي حصل به على الماجستير تحت إشراف أستاذه الدكتور أحمد فؤاد الأهواني عن "النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد" أعمق محاولة فلسفية قدّمت في فلسفة المذاهب كما كان الأهواني يقول. ومن طريف ما يرويه أستاذنا وكان دائماً ما يذكر هذا الموقف؛ ليُقدر إرادة تلاميذه على الكفاح الموصول؛ وليعلمهم درساً من الدروس الدالة على أن طلب العلم ليس سهلاً والصبر عليه ليس بالهين اليسير؛ كنموذج للعزم والتصميم والإصرار على بلوغ الغاية من غير يأس ولا فتور: أن الدكتور أحمد فؤاد الأهواني أعطاه موعداً ليعرض عليه أحد فصول الرسالة، وكان قد كتبه في أسوان وبينما هو عائد من هذا السفر الطويل لمقابلة أستاذه المشرف، في شوق الطالب وفرحة المجتهد وطرب الظافر بإنجازه الفكري، وقد كان يتوقع أن يلقى من أستاذه كل ما يلقاه الطالب المجتهد المكافح، وظل هكذا طيلة السفر الشاق يداعب خياله على قضبان السكة الحديد ثمرات اللقاء المثمر البناء.

كانت المقابلة في الباخرة ترسو على النيل، وبعد السلام والتحية والجلوس أخرج العراقي من حقيبته الفصل المكتوب عن ابن رشد ليمد أستاذه يده إليه، فلما نظر إلى أول الصفحة وجد كلمة مساقة هكذا "نجد لزاماً علينا ...."، فنظر الأستاذ إلى تلميذه شذراً .. ماذا تقول: نجد لزماً علينا …!!

هذه كلمة لا يكتبها طالب بحث مبتدئ، ثم ما هى إلا سويعات مرت كأسرع من لمح البصر حتى كان الفصل كله مُلقى في النيل.

يا ألطاف الله: أهذه هى ثمرات اللقاء المثمر البنّاء! لكن التلميذ المكافح المجتهد لم ييأس، ولم يفت في عضده قسوة الموقف، كلا بل تعلم وأصرّ وعاد إلى أسوان أقوى عزيمة وأفعل قصداً؛ ليكتب الفصل الذي روته مياه النيل في رسالته من جديد.

كان العراقي يذكر لنا هذا الموقف ليعلمنا كما تعلّم، وكله أسف شجي على ما وصلت إليه أحوال الباحثين في مصر اليوم: لا صبر ولا تعليم ولا استعداد ولا رغبة في العلم تتسع لها أخلاق الباحثين.

ولم تكن قسوة الأهواني عليه إذ ذاك قسوة الحقود المعقد الغيور بل كانت قسوة الأب المعلم الرحيم (ومن يكن راحماً فليقسو أحياناً على من يرحم) فالتي كانت من باب الرحمة، قسوة المعلم الأمين على تلميذه يأخذه بالشدة والعسر؛ ليجعل منه انساناً حقيقاً بصفة الفيلسوف، ولئن كانت الشدة هنا في هذا الموقف قاسية غير أنها جاءت فخراً للأستاذ فيما بعد: بعد أنهى العراقي رسالته للماجستير فقد كتب الأهواني عنها  يقول: لقد كانت هذه المحاولة الأولى من نوعها، ولعلّها أول محاولة لتطبيق فلسفة المذاهب على تاريخ الفلسفة الإسلامية، إذ كانت محاولة استخلصها العراقي من دراسته تفيد أن مذهب الفيلسوف الإسلامي ابن رشد شارح أرسطو يمكن أن يقال إنه مذهب عقلي.

لا حظ أن الأهواني الذي قسى عليه في اللقاء الأول صار مغبوطاً له بعد إتمام البحث وإنهاء الدراسة. وتلك ولا شك قيمة من قيم كثيرة للبحث العلمي فقدناها.

 في أسوان بلد الجبال التي تنجب الرجال والعراقي يكتب مسودات رسالته عن ابن رشد فهل كان مشغولاً ببحثه هذا مهملاً لعمله في التدريس في معهد المعلمين؟ لا والله لم يحدث هذا قط بل كتب في تلك الفترة ثلاثة كتب، تقريباً في كل سنة كتاب وارتبط بتلاميذه في المعهد وارتبطوا به، وأحبوه وظلوا مرتبطين به حتى يوم وفاته. ومن أكابر المعلمين بأسوان اليوم من كان يسأل عنه ويداوم السؤال باستمرار ولما سمع بوفاته حزن حزناً شديداً ولا يزال بعضهم ممّن على قيد الحياة يذكره بكل خير. ومنهم من تعلق به تعلقاً روحياً يصعب مفارقته إذ غرس فيه القيم العلويّة فلم يكتف بالدراسة بمعهد المعلمين بل صحبه إلى جامعة القاهرة ليكمل تعليمه ويحصل على الماجستير والدكتوراه، كانوا من أوائل من تخرجوا على يديه صحبوه في معهد المعلمين، إذ كانوا طلبه بالمعهد يدرس لهم، وبعد أن غادره ظلوا معه كذلك، ومنهم الدكتور صبري عثمان، عليه رحمة الله، كان من قرية تجاور قريتنا بمركز إدفو محافظة أسوان، حصل على الماجستير بإشراف أستاذنا الدكتور عاطف العراقي من آداب القاهرة في موضوع (الله والكون في فلسفة الكندي) والدكتوراه في موضوع (الفلسفة الطبيعة والإلهية عند أبي البركات البغدادي) وكان من أوائل من فتحوا قسم الفلسفة بآداب سوهاج.

ولأستاذنا العراقي مع الدكتور صبري عثمان أثناء وفاته قصة إنسانية غاية في التأثير تحتاج بمفردها إلى كتاب هى تشبه نفس القصة التي كانت مع الدكتور علي عبد الواحد وافي أثناء وفاته أيضاً: أن يتدخل بنفسه فيتصل بالمسئولين برئاسة الجمهورية لتذليل العقبات أمام الإفراج عن جسمان العالمين الجليلين، مع تباعد فيما بينهما من ميقات الوفاه. 

إنسانية راقية لإنسان راقي تكتب بماء الذهب، وتكشف عن معدن أصيل لشخصية نادرة، رحمه الله وطيّب ثراه وجزاه خير الجزاء على ما قدّم من أعمال طيبة.

لم يكن العراقي وهو في أسوان منشغلاً ببحث ابن رشد فقط ولكنه كتب إذ ذاك ثلاث دراسات يغلب عليهم الطابع الأنثروبولوجي استطعت الحصول منه على إثنين أما الثالثة فقال لي إنها ربما فقدت ورجّح أن تكون ضمن مطويات مكتبة بلدته بشربين. أما الدراستان اللتان حصلت عليهما منه فكانت الأولى كتاب عن قرية السيل بأسوان، وكانت الثانية كتاب عن قرية الشيخ دياب بأسوان أيضاً يظهر في هذين الكتابين نظام المسح الانثروبولوجي ومنهجيته من حيث دراسة العادات والتقاليد وطرق الحياة وأساليب الإعاشة والتعامل مع الطبيعة والناس في الأفراح والأحزان والتعبير عنهما سواء بالشعر أو بالنظم أو بالنثر. ولهذين الكتابين دراسة مفردة نقوم بها إن شاء الله وفق منهجها الأنثروبولوجي، ولذلك لكشف اهتمامات أستاذنا الدكتور عاطف العراقي المبكرة والإفصاح عن طويّة كانت كامنة فيه كما قلنا، يستظهرها حب العلم والكدح في طلبه، والبحث عن المعرفة والشغف بها، وإرادة فيهما لا تنكسر ولا تزول ولكنها كانت ماضية كالسيف يشحذها الضرب والنزال وهما أوسع مجالاً للنضال الشريف.

آمن العراقي بالتجديد والإبداع والابتكار كمعالم تنويرية، ولم يكن كتابه العقل والتنوير بقضاياه المتنوعة وشخصياته الفريدة إلا اثراءً لهذا الإيمان من جانبه، وتقويضاً لدعائم الأفكار الظلاميَّة في مناهج التعليم إذ نبّه إليها وحذر من انسياق الناس وراءها.

بديهيّاً؛ إنّ النظرة التجديدية كما يَرَاها العراقي لا تقوم على رفض التراث جملة وتفصيلاً كما لا تقوم على الوقوف عند التراث كما هو ودون أيّة محاولة لتأويله أو تطويره، ولكنها تعدُّ معبرةً عن الثورة من داخل التراث نفسه: إعادة بناء التراث ليكون متفقاً مع العصر الذي نعيش فيه، والفرقُ كبيرٌ جداً بين التمسك بالبناء القديم كما هو بصورته التقليدية وبين إعادة بناء (Reconstruction) التراث ممّا لا يحمل مطلقاً في طياته هدماً أو رفضاً.

وبفقدان نظرة التجديد ممَّا قد يوجد في بعض كتب التراث، وممَّا من شأنه أن يقدّم منه لطلابنا في مراحل التعليم الجامعي من دراسة للآراء العلميّة لدى العلماء العرب أمثال جابر بن حيان وابن سينا والحسن بن الهيثم وأبي بكر الرازي وغيرهم من علمائنا العرب، فقدنا بالتالي الأهليّة التي بها يتكوَّن العلم وتتنامى ناهضةً تلك الروح العلمية، إذْ كان هذا كله لا يساعد على الإبداع ولا يقوّمه ولا يقوّيه؛ لأن الطابع الكمي غالب عليها بدلاً من الطابع الكيفي.

وباتجاه النظر إلى دور الجامعة الأكاديمي لم يعد ممكناً في ضوء الآلاف المؤلفة من الطلاب، وفي ضوء مأساة الكتاب الجامعي والمناهج التعليمية العقيمة، وطمع الأساتذة والمدرسين في أكل السحت والمتاجرة بالمذكرات المسروقة من وراء تعليم الطلاب إنْ في المدارس وإنْ في الجامعات، لم يعد ممكناً الحديث عن دورها الثقافي. إنّ إطلالة عارضة على واقع الجامعة لينذر بالخطر حقاً؛ فليس بأمين على رسالة الوطن من يُلاحظ انهيار الجامعات المصرية ولا تأخذه الغيرة على بلاده فينبه إلى مواضع الخطر ويتخذ من النقد سلاحه في التنبيه والتطهير .

فلئن كان المنهج الذي اتخذه العراقي لنفسه وتكوّن عنده منذ أكثر من أربعين سنة هو المنهج العقلاني النقدي التنويري، فلأنه المنهج نفسه الذي سَبَقَهُ إليه مفكرون كبار على مدار نصف قرن من الزمان ممَّن نهضوا على نفس الطريق قبله كأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا وغيرهم ممَّن كانت دعوتهم دائمة غير منقطعة لفكرة التقدّم عملاً وعلماً، فالعالم ليس فيه مكانٌ للضعيف لا من جهة النظر ولا من جهة العمل، ليس فيه إلا القوي علماً وعملاً حتى إذا ما أخذ المفكرون دورهم المنشود في مجتمعاتهم لكي يحققوا تقدماً بين الدول المتقدمة رأينا العراقي يصرخ في لوعة مخامرة: أصبحنا كعرب أضحوكة بين أمم العالم، الأمم التي أرادت لنفسها التقدُّم إلى الأمام فلم يعد فيها مكان إلا للأقوياء ممَّن ملكوا أدوات العصر وآلياته، علماً من جهة الإبداع، وتكنولوجيا من جهة التطبيق.

 

د. مجدي إبراهيم

 

719 توفيقالادراك ترجمة الوعي.

تجمع الطلاب في فوضى عارم بعد ان قررت إدارة المدرسة المشاركة في العمل الشعبي الطوعي. تنفيذا لاوامر الحزب الحاكم وويل لمن يتغيب من أداء هذا العمل الطوعي الوطني..

تحول اتحاد الوطني لطلبة العراق الى اداة قمعي وأمني الاستخباراتي للنظام الجديد والذي جاء بانقلاب ابيض كما يحلوا للانقلابين تسميتهم. من المعتقد بانهم لو كانوا التزموا بوعودهم في بداية عهدهم بعراق تعددي ديمقراطي وحل المسالة الكردية لكان العراق اليوم أغنى دولة في الشرق الاوسط وكان المواطن العراقي الأغنى مالا وجاها وعلما وكانت كوردستان قبلة يأم اليها الجميع لكن (لو) كما يقول العراقي: لو زرعوه و ما خضر.

اعود الى ذكرياتي عن ذلك اليوم فبعد ان تركنا المدرسة متجهين الى مكان العمل دون اَي معلومات ما سوف نقوم به فإذا بنا نصل الى أطراف ملعب الشعب الدولي والساحة قد تحولت توا الى ورشة عمل كبيرة والفوضى يعم المكان والأتربة وصيحات من هنا وهناك قال علي المخزومي ممازحا

-المهم شباب الجماعة شافونه

رد عليه حسين هندي

- شنو رايكم هسه نگدر نشلع

وكانه دق جرس المدرسة جاء الصدى في اذاننا معلنا بانتهاء الفرصة ويأمرنا الدخول الى الصفوف الدراسية ومن جديد.

نظر احدنا الى الآخر بنظرات ملئها التساؤل

وقال عادل فيلي بتهور قاطعا الشك فينا

يا جماعة الخير

نلتقي في سمير أميس

وفي لحظات اختفت مجموعتنا من المكان بعد أثبتنا وطنيتنا وشاركنا في هذا العمل الطوعي الوطني بينما كان احد المسؤولين يدعي باختفاء أدوات العمل هائجا. سمير أميس كان احدى ارقى سينمات العراق وبتبريد مركزي وكراسي مريحة وكان يعرض على شاشتها احدث الأفلام.

التقت المجموعة في السينما بعد حوالي ساعة وتمكنا عن طريق احد العاملين الحصول على تذاكر لدخول السينما وما يسمى اليوم بمصطلح "ڤيپ" اَي لوج خاص بنا فقط كي نتمكن ان نعلق بحريتنا.الفلم عرض فقط يومين لان السفارة اليونانية اعترضت على عرض الفلم لأنه يسئ الى الطغمة العسكرية الفاشية الحاكمة آنذاك..

(زت)، الحرف الأخير في الف باء الحروف اللاتينية. عنوان لفلم فرنسي قدم قصة سياسية جريئة وقدم تحليلا لحكم الفاشي العسكري للاغتيال السياسي مع إشارة ضمنية الى الحكم العسكري في اليونان وعرض في بغداد عام 1970. المثير في الفلم ذلك التعاون الفعال بين الشرطة والطغمة العسكرية الفاشية الحاكمة. هذا التعاون لم يكن قط غريبا في بلادنا بل يعتبر طبيعيا حين يتحول الجهد الأمني والشرطة والجيش الى مجرد لدولة بيد الحاكم . يستخدم المؤسسة الحكومية بشكل فعال في ضرب المعارضة مهما كانت اتجاهاتها. لا بل حتى انها فوق القضاء وقوانين البلاد لعبة بيد الحاكم ومن السهل ايجاد محاكم ثورية وما يسمى ب محكمة الثورة الذي ينفذ أوامر الحاكم العسكري دون الرجوع الى قوانين البلاد الشرعية متحولا الى محكمة في الظل توازي المحاكم المدنية. طبعا كانت الأجهزة القمعية من مؤسسات الدولة الأمنية والحزبية ومنظماتها تقدم الدعم الكامل وتسوق المناضلين لهذه المحكمة الصورية لمحاكمتهم. وجل احكام هذا النوع من المحاكم الحزبية منها والعسكرية هي الإعدام وبالجملة. وهذا ما جرى عليه العراق منذ محاكم الثورة الذي كان يرأسها المهداوي والتي عرفت باسمه منذ ١٩٥٨.

كنا نعيش آنذاك في جبهة وطنية لكون الحزب الحاكم ضعيف وبحاجة الى مؤازرة الأحزاب الوطنية. في نفس الوقت كانت الاخبار الواردة من كوردستان تبشر بخير مع اتفاق آذار الذي توج نضال الكرد الطويل من اجل حقوقه المشروعة. لا ازال اتذكر فرحة الشعب العراقي وخروجها من بكرة ابيها في مسيرة حاشدة قطعت شارع الرشيد متجه من الميدان الى الباب الشرقي حيث منصة الخطابات والتي وقف عليها الوزراء العراقيين وضيوفهم كاك مسعود والشهيد إدريس والدكتور محمود عثمان والشهيد سامي عبد الرحمن على ما أتذكر.. 

720 توفيق

من الطبيعي للأنظمة القومية السلبية والفاشية ان لا يغيروا سلوكهم العدواني فهم ينتمون الى ثقافة العصابات التي ترى من استخدام الشدة والعنف والاغتيالات والقتل سلوكا يوميا. حتى شعارهم من الوحوش او الجوارح يفتخرون بها. وهذا ما حصل بعد سنوات حين استقر بهم الحكم فأحيوا ثقافتهم القديمة من ايام الحرس القومي ١٩٦٣ فيما يسمى ب (المخربون) وهو عنوان كتاب صدر عام 1964 عن جرائم الحرس القومي البعثي حيث القتل والمؤامرات حيث اعدموا خيرة شباب العراق من الحزب الشيوعي والكرد والأحزاب الإسلامية . اول محاولة قدموا عليها لاغتيال القائد الخالد الملا مصطفى البارزاني وفي عقر داره في كوردستان ثم توالت المصائب والمؤامرات؛

ابو طبر، ناظم گزار الذي بدا به الثورة تاكل أبنائها واستمرت الى 2003 . وكانت اتفاق الجزائر مشينا الذي اعتبر لاحقا سببا للحرب مع الجارة ايران وكانت من نتائج الحرب احتلال دولة الكويت ومن ثم تحريرها ليترك العراق يعاني من حصار طويل انتهت بسقوط العرق. حربان او بالأحرى ثلاث اذ ان الحرب في كوردستان اطولهم أدى الى ملايين القتلى والمعاقين وترك الديار مهدما واقتصاد البلد على خافة الإفلاس. وكانت كوردستان دوما الضحية للفكر القومي السلبي في عمليتين اجراميتين بحق المدنيين في قصف حلبجة والجبال بالغاز الكيمياوي وعملية الانفال سيئة الصيت.

ثم جاءتنا جيوش الاحتلال وووو ولا يزال الجرح ينزف..

اعود لأذكركم بالفلم (زت) الذي موله الجزائر وربما كان ذلك سببا للإجازة بعرض الفلم في بغداد وسنة الانتاج عام ١٩٦٩

صور الفلم في مدينة الجزيرة الجزائرية.

كان الفلم من اخراج كوستا يوناني يعيش في المنفى وأجاد الممثل الفرنسي "إيف مونتان" دوره.

لكن ما اشبه حوادث الفلم مع مجريات الأمور في العراق وللتذكير والتأكيد على وجود العديد من العصابات الحاكمة في العديد من دول المنطقة ولحد يومنا هذا..

 

كتابة: توفيق التونجي

...................

صفحات من سيرة ذاتية (الالتون نامة)"

 

محمد فتحي عبدالعاللغة الاكراد: صنف الباحثون المعاصرون اللغة الكردية كواحدة من أقدم اللغات الايرانية فيما استبعد البعض هذه الفرضية وبرهن علي استقلالية اللغة الكردية بالاختلاف الواسع بين اللغة الكردية والمنشأ الايراني وقد صنف المؤرخ مينورسكي والمؤرخ سايكس اللغة الكردية بأنها من الفروع الهندو اوروبية وان عشائر الكرد واللغة الكردية من الميديين اي الآريين ويؤيد اللغوي الالماني جيرنوت وينهوفر هذا المذهب وان المتكلمين باللغة الكردية كانوا في الماضي يتحدثون اللغة الميديية ..

وإستنادا إلى كتابات هيرودوت فإن أصل الميديين يرجع إلى شخص إسمه دياكو الذي كان زعيم قبائل منطقة جبال زاكروس وفي منتصف القرن السابع قبل الميلاد حصل الميديون على إستقلالهم وشكلو إمبراطورية ميديا وضمت اول وحدة للقبائل الكردية وكان فرورتيش (665 - 633) قبل الميلاد أول إمبراطور وجاء بعده إبنه هووخشتره

هناك اعتقاد ايضا لدى الأكراد المعاصرين ان الميديين هم النواة التاريخية للامة الكردية وهو ما يظهر في النشيد الوطني الكردي وان الشعب الميدي كان عبارة عن عشائر كردية تقطن شرقي بلاد آشور حيث حدود موطنها تمتد الي جنوبي بحر قزوين وان لغة الميديين كانت لغة الشعب الكردي الحالي نفسها او كانت علي اساسها علي الاقل، وبزوال دولة الميديين حدث انصهار مادي وادبي بين الشعب الميدي والشعب الفارسي...

تعتبر اللغة الكردية لغة شفهية تعبيرية بدون ابجدية خاصة في البداية وهي تتميز بكونها لغة تركيبية مزجية علی خلاف اللغات الاشتقاقية كالعربية مثلا وتضم اللغة الكردية الان، كلمات ومفردات كثيرة من العربية والفارسية والتركية وتنقسم الي لهجتين رئيسيتين هما الكرمانجية والبهلوانية ويتفرع منهما ما يقرب من ١٨ لهجة محلية وعلي رأس هذه اللهجات، اللهجة البهدينانية واللهجة السورانية والكورانية واللورية  في ايران والعراق ويعود السبب في هذا التنوع الي العامل الجغرافي حيث الطبيعة الجبلية لمناطق الانتشار السكاني الكردي والتي حالت دون امتزاج وانصهار الكيانات الكردية في بوتقة الوطن الواحد وكذلك العامل السياسي في عدم وحدة الشعب الكردي بوطن واحد كما مارست بعض السلطات المحلية في الاوطان التي عاش بها الكورد عبر التاريخ اجراءات تعسفيه لمنع التحدث باللغة الكردية بين المواطنين الاكراد علي اراضيها!!! ..

كانت اللغة الكردية قبل الاسلام تكتب بالحروف الابجدية للامم المتاخمة كالفارسية وذلك بحكم سيادة الديانة الزرادشتية وكتابها المقدس (الٲڤیستا) للاقاليم الايرانيه وبها الاكراد وتذهب  بعض الآراء الي الزعم أن كتاب "الآڤیستا" المقدس لدى الزرادشتية قد سطّر باللغة الميدية. الا وانه بعد ظهور الاسلام اصبح ادباء الكرد يكتبون ابجديتهم باللغة العربية باعتبارها لغة القران الكريم غير ان الحروف العربية كانت  عاجزة عن تلبية تلك الصوتيات الموجودة في اللغة الكردية لذا فكان من الطبيعي ان يضيف الاكراد إليها حروفا ً من ابتكارهم

والحروف الكردية الصامتة تأخذ شكل الحروف الأبجدية العربية وهى كالتالى " ئـ، ب، پ، ج، چ، ح، خ، د، ر، ز، ژ، س، ش، ع، غ، ت، ف، ڤ، ك، گ، ل، م، ن، و، هـ، ى"، فيما تأتى الحروف الحركية كالأتى "أ، و، وو، ۆ، ى، ێ، ه".

  وكانت اول محاولة لوضع ابجدية كردية مستقلة  بواسطة رائد الصحافة الكردية  جلادت امين عالي بدرخان والذي وضع الابجدية الكردية المعاصرة باستبدال الاحرف العربية باللاتينية كي  تستوعب جميع الألفاظ الموجودة في اللغة الكردية.

كان بداية النشاط اللغوي الكردي في العصر الحديث اذا نحينا الجهود الاستشراقية جانبا مع اول معجم كردي عربي وضعه مفتي الدولة العثمانية في ارضروم السيد يوسف ضياء الدين باشا المقدسي والذي  حمل اسم  الهدية الحميدية نسبة للسلطان عبد الحميد  اثناء حرب العثمانيين مع الروس وهو من الاعمال المجيدة التي لا ينكر فضلها في التعريف باللغة الكردية ووضع المنهجية الاولي لها وكان مقداد بدرخان بمساعدة اخيه عبد الرحمن  اول من  اصدرا صحيفة كردية باسم (كردستان) بالقاهرة ١٨٩٨ كانت منبرا حرا للتعبير عن الاراء الكردية والفاعليات الثقافية للاكراد بمصر ونظرا لنشاط الصحيفة في الهجوم علي السلطان العثماني عبد الحميد  ورموز نظامه واتساع نشاطها وشهرتها بين الاوساط الثقافية فقد طالب العثمانيون السلطات المصرية انذاك بتسليم مقداد لها مما اضطر الاخوين لنقل نشاط الصحيفة الي اوروبا ...ولا يمكن ان ننسي  فضل  المفكر الكردي العظيم محمد كرد علي والذي اسس لاول مجمع للغة العربية في العالم العربي بدمشق فكان حائط الصد ضد هجمات المستشرقين علي الهوية العربية ..كما قام كاميران بدرخان بنشر تفسيرا للقرآن باللغة الكردية ونقل الاحاديث النبوية الشريفة الي اللغة الكردية كما ترجم رباعيات الخيام الي الكردية ...

وللحديث بقية

 

سروه عثمان مصطفی .. كاتبة واديبة كردية

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري .

...........................

المصادر :

خلاصة تاريخ الكرد وكردستان محمد امين زكي بك .

الويكبيديا العربية.

دراسات المركز الكردي السويدي للدراسات .

مذكرات جلادت بدرخان.

 

محمد فتحي عبدالعالحينما نتحدث عن الزعيم في اصطلاحنا العربي فضع تحته كل ما هو منزه وكل ما هو فريد من الصفات والخلال والتي ترفع صاحبها الي مصاف الالهة احيانا ...

اما ظليل الزعيم فهي المساحة النفسية المقابلة للتنزيه والتي تعبر عن الشخصية الحقيقية بما تحمله من جوانب انسانية طبيعية ومتنوعة انها المساحة التي نلتقطها من مذكرات الزعيم او من لحظات صدق افضي بها الي مقربيه او من هفوات الزعيم التي تكشف عن مكنون نفسه دون ارادة منه ..ظليل الزعيم هو الزعيم كما يري نفسه وبوجهه الانساني الخفي بضعفه وقوته وشجونه وافراحه وسقطاته وانجازاته الحقيقة بعيد عن التزيين والتكلف ...

كلما قطعنا شوطا بعيدا في التاريخ وخاصة لو وصلنا به الي العصور الوسطي اصبحت مسألة التماس القرب من ظليل الزعيم لا ملجأ لها الا من خلال كتابات المقربين والذين قد لا يكونوا محايدين في احيانا كثيرة ..اننا لا نعني ابدا بعدم حيادهم كونهم غير صادقين بل بالعكس قد يكونوا صادقين تماما ولكن الاشكالية لدينا اننا لم نقرأهم بلغة ازمنتهم !!.

من الحكام الذين ظلمهم التاريخ المعاصر كان صلاح الدين الايوبي والذي اجتزأ من سياق عصره وحمل زعامة تتناقض افعاله في احيان كثيرة مع الصفات القدسية التي افترضتها واحتضنتها هذه الزعامة في نظر ايدلوجيات معاصرة شتي فهو عند الاشتراكيين عنوانا للوحدة والتآخي والتعايش السلمي وعند الاسلاميين فارسا وموحدا للامة علي قلب واحد ومحررا للقدس ...

ولنبدأ قصة صلاح الدين أو يوسف بن ايوب من البداية ...يختلف المؤرخون حول نشأة يوسف بن ايوب او كما اشتهر في التاريخ بصلاح الدين وهو الاسم الذي اختاره لنفسه فمنهم من يزعم انتماءه الي الاكراد وتحديدا الي اسرة كردية نزحت من اذربيجان واستعربت بالعراق ويري أخرون ان جذوره عربية وتحديدا الي مروان بن محمد اخر الخلفاء الامويين وان ابوه كان حاكما لقلعة تكريت ثم بعلبك ..

كان سطوع نجم صلاح الدين مع تحولات سياسية خطيرة في مصر استدعت تدخل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي سلطان الشام لنجدة الفاطميين في مصر ...

كان الحكم في مصر في نهاية عصر الفاطميين بيد الوزراء وفي عهد الخليفة العاضد لدين الله اخر خلفائهم شب الخلاف بين وزيري الخليفة ضرغام والذي استعان بالصليبين وشاور الذين استعان بقوات نور الدين محمود والذي ارسل حملة لمصر بقيادة اسد الدين شيركوه عم صلاح الدين فتغلب علي ضرغام واستتب الامر لشاور والذي سرعان ما تنكر لحليفه نور الدين محمود واستعان بملك بيت المقدس عموري الاول والذي استطاع اجلاء قوات شيركوه عن مصر فأنفذ نور الدين حملة جديدة علي مصر بقيادة اسد الدين شيركوه ويعاونه ابن اخيه صلاح الدين استطاعت في النهاية السيطرة علي مصر .

عين العاضد اسد الدين شيركوه وكلمة شيركوه (كلمة كردية تعني اسد الجبل)..وزيرا ولكنه مات من التخمة الشديدة حيث كان كثير الاكل بحسب معاصروه !!! وذلك بعد شهرين من توليه الوزارة تاركا خلفه مالا كثيرا وخمسمائة مملوك شكلوا ما عرف بالمماليك الاسدية وهو ما يمكن اعتباره من البدايات لفكرة المماليك او الجنود المرتزقة المجلبون من كل حدب وصوب ليكونوا بديلا عن الشعب المصري الذي كان من المفترض ان يكون نواة الجيش المنوط به الدفاع عن مصر وهو ما انتهجه الايوبيون طوال دولتهم .فعين العاضد صلاح الدين والذي كان الساعد الايمن لعمه اسد الدين شيركوه وخلع عليه لقبه الذي نعرفه به الان الناصر : ناصر أمير المؤمنين العاضد بالله الفاطمى....وهنا يظهر صلاح الدين بشخصيته السياسية لقد عاش البطل السني عند الملايين من علماء السنة في كنف الدولة الفاطمية الشيعية لم يفكر يوما في تغيير نظام الحكم بها بشكل مباشرعلي الرغم من ضعف الخليفة الواضح وتمكن صلاح الدين من السيطرة الكاملة علي زمام الامور ...

الحقيقة التي يبتعد عنها السلفيون المعاصرون والمتدينون الحالمون بعودة صلاح الدين أن الخط الديني لم يكن ابدا المحرك لصلاح الدين او السابقين عليه والذين تأثر بهم ولنستدلل بشخصية عماد الدين زنكي الزعامة الاسلامية الاخري لدي الاسلاميين فحينما استولي علي حلب اضهر تسامحا كبيرا مع الشيعة واقرهم علي آذانهم (حي علي خير العمل) طوال حياته وهذا ليس مستغربا فهو جزء من لعبة السياسة والحكم والمكيافيلية القديمة التي سادت هذة العصور وهي بعيدة تماما عن المثاليات التي نفترضها ....

كان تعيين صلاح الدين لمنصب الوزارة موغرا لصدور كثيرا من القادة والسياسيين في البلاط الفاطمي مما ولد معارضة شديدة ضده وهو الهابط عليهم من بيئة مختلفة ولديه طموحات مقلقة لهم وكان لصلاح الدين ضيق واضح بالمعارضة ولا يتعامل معها الا بالقتل فدبر لقتل كبير الطواشيه بقصر العاضد (وهو منصب رفيع اشبه بقائد الحرس الملكي بلغتنا المعاصرة) أو "مؤتمن الخلافة" :جوهر السودانى غيلة مبررا ذلك بعلاقته مع الصليبين وانه اكتشف رسالة من مؤتمن الخلافة مرسلة الي الصليبين ومخبأة في نعلين !!!مع انه لو كان هذا الزعم حقيقيا فلما لم يحاكمه علنا وقد قبض علي رسوله؟! واظهر حقيقته امام اعوانه وبالتالي جنب الدولة مغبة مواجهة مسلحة مع عشيرته حيث أثارت هذه الخطوة بالطبع ثورة السودانيين والنوبيين فشكلوا جيشا ضخما للثأر لمؤتمن الخلافة، اشتبك معهم صلاح الدين بقواته كما ارسل قواته لحرق مركزهم بالمنصورة واعمل فيهم السيف حتي ابادهم واحرق أسرهم دون هوادة فهل هذه كياسة من قائد تصلح سيرته لكل زمان !!! ام انه قائد في عصره وفي حيز مفاهيم العصور الوسطي في التعامل مع المعارضة ؟!!

وبمقتل جوهر أصبح الطريق ممهدا أمام صلاح الدين لأحكام قبضته علي قصر العاضد فاستعان بأحد اعوانه في ادارة شئون القصر الفاطمي وهو خادم خصي يدعي بهاء الدين قراقوش احد اكبر اعوان الجور والاستبداد واكثرهم كراهية لاي بؤر معارضة...ويعتبر كتاب الفاشوش في حكم قراقوش للاسعد بن مماتي من الكتب الهامة في تصوير طريقة حكم قراقوش والحقيقة اننا نختلف عن الكثيرين ممن يقللون من قيمة الكتاب ويضعونه في مصاف الكتب الهزلية ذلك ان ابن مماتي بالاضافة الي كونه حاذقا باللغة وآدابها كان مسؤول عن ديوان الجيش والمال وهي مسؤوليات كبيرة في عهد صلاح الدين وبالطبع كان قريب من قراقوش بحكم مهامه مما يجعل كتابه شهادة علي العصر وليست من قبيل الهزل ..

بوفاة العاضد المبكرة تتجلي لنا صورة صلاح الدين الانسان الذي لم ينسي عشرة العاضد فبكي لوفاته بشدة واجل اعلان انتهاء دولته..لكن اعتقد ان استعجال نور الدين لهذه الخطوة هو الباعث لحركات صلاح الدين المتسارعة بأعلان الكثير من الاجراءات التي كانت ممكن ان تسير بشكل هاديء لو تحلي صلاح الدين ومن فوقه نور الدين بقدر من الكياسة والدعة فلا يمكن انهاء معالم دولة استمرت لاكثر من مئتي عام بين عشية وضحاها !! ومن هذه الاجراءات: اعلان انتهاء الدولة الفاطمية وقطع الدعاء للخليفة الفاطمي واغلاق الازهر وحركة الاعتقالات الواسعة التي طالت امراء البيت الفاطمي وترك نسائهم مستباحه للعوام وبيع كتب الفاطميين بمكتبة دار الحكمة بالبخس وفي بعض الروايات حرقها خاصة ان هذا السيناريو مشابه لما فعله نور الدين مع شيعة حلب بعد وفاة ابيه عماد الدين زنكي وان لم يكن بنفس الضراوة والشراسة ولعل اكثر خطوات صلاح الدين تكتيكا هي تسريح الجيش الفاطمي بمصر والذي كان يضم امراء مصريين وخليط من السودانيين والارمن واستبداله بجيش جديد من المماليك الاتراك والاكراد وعلي رأسهم مماليك عمه الاسديين الذين اغدق عليهم الاقطاعات ليكون ولائهم لصلاح الدين ومن وقتها اصبح استبعاد المصريين عن الجندية بشكل جذري تقليدا لقرون طويلة حتي مجيء محمد علي باشا !!!!

كان اسلوب صلاح الدين المروع في اجتثاث بقايا حكم الفاطميين سببا مباشرة في انطلاق الثورة عليه من الصعيد في مدينة قفط تحديدا وعلي غرار طريقة الحكام العرب في التعامل مع المعارضة كان السيف مقدما علي اية تفاهمات فقتل خلقا كثيرا في الثورات ضد حكمه .. ..

لم يكن الوازع الطائفي ابدا محركا لصلاح الدين في تقرير اعدائه فكما اوقع بالفاطميين فقد قتل الاديب والمحدث والفقيه السني عمارة اليمني وهو سني شافعي متشدد وصلبه علي باب بيته وذلك علي خلفية اتهامه هو وعبد الصمد الكاتب، والقاضي العويرس، وداعي الدعاة وأخرون بالعمل علي عودة الفاطميين بمعاونة الصليبين اثناء غياب صلاح الدين بالكرك ..صحيح ان عمارة كتب اشعارا في الحنين الي ايام الفاطميين الا ان هذا لا يمنع حقيقة انه قاوم كل محاولات الفاطميين لتشييعه وترك مذهبه السني وهو ما أكد عليه في كتابه النكت العصرية ..

 كانت دولة صلاح الدين دولة عصرية مدنية وليست دينية ابدا فالقائم علي بيت المال كان الاسعد بن مماتي وهو من أسرة قبطية وحديث العهد بالاسلام كما كان طبيب قصره رئيس الطائفة اليهوديه موسي بن ميمون وهو من أهم اللاهوتيين اليهود في العصور الوسطى وهو الذي تظاهر بالاسلام هروبا من الموحدين في المغرب وحينما اتي مصر ارتد صراحة وعيانا بيانا عن الاسلام !! فما الذي دفع السلطان الذي استل سيفه علي معارضيه ببينة وبغير بينة الي غض الطرف واسقاط حد الرده بحق طبيبه ام ان الامر لم يكن يعنيه لانه قائد سياسي برجماتي في الاساس ..المدهش ان صلاح الدين نفسه أمر بقتل ابو الفتوح يحي بن حبش السهروردي وهو من المتصوفه بشبهة الالحاد ولم يكلف خاطره محاكمته والاستماع اليه خشية ظلم بريء !!!

اللافت هومنح صلاح الدين اليهود بايعاز من طبيبه اليهودي حق التملك ووالذي كان مسلوبا منهم بحكم العهدة العمرية وحق الاقامة ببيت المقدس وبناء مدارس وكنس لهم !!!سابقا بذلك بلفور صاحب الوعد الشهير في التاريخ العربي الاسرائيلي !!! كما ان عقيدة صلاح الدين لم تكن محل اتفاق بين معاصريه فمنهم من هو قائل انه كان علي الطريقة القادرية اي سني متصوف ومنهم من هو قائل انه كان اشعريا اي سنيا سلفيا ؟!!!وشتان بين الطريقين

ومن صلاح الدين السياسي والحاكم الي شخصية صلاح الدين القائد والفارس والذي استطاع انزال هزيمة كبيرة بالجيوش الصليبية في حطين حيث نجح في تعطيشهم وشطر جيوشهم الي قسمين ...الا ان صلاح الدين مني بهزيمة كبيره من ريتشارد قلب الاسد في ارسوف ..الا ان انقلابا علي ريتشارد من اخيه جون بانجلترا وفي الوقت ذاته تهديدا لاح في الافق من نور الدين محمود والذي يزعم بعض المؤرخين انه خشي من استقلال صلاح الدين بمصر فقرر غزوها مما جعل من مسألة التفاوض والصلح امرا لا مفر منه لكلا الطرفين ريتشارد وصلاح الدين....ووقع الطرفين صلح الرملة ..ومن هذا الصلح نكشف عن وجها اخر لصلاح الدين وهو صلاح الدين المسالم ...فالحاكم الذي طارد الشيعة في كل مكان ولم يرض بغير قتلهم كما قتل معارضيه بحجة الاتصال بالصليبين هو نفسه الذي سالم الصليبين وهو ذاته الذي دخل في علاقات ودية مع طائفة الحشاشين الباطنية وزعيمهم رشيد الدين سنان وهي طائفة من القتلة وقطاع الطرق والمجرمين ولهم علاقات وطيدة مع الصليبين والذين حاولوا اغتياله بينما كان يحاصر قلعة حلب وفشلوا كما استطاعوا التسلل الي معسكره اثناء حصار قلعة عزاز واستطاعوا اصابته لولا الخوذة الحديدية والدروع التي كان يرتديها صلاح الدين حالت دون اصابته بأصابات بالغة فحاول صلاح الدين الرد بحصارهم في قلعة مصياف دون جدوي لاستئصال شوكتهم فلجأ الي اتخاذ احتياطات امنية صارمة للحفاظ علي حياته منتهيا بمسالمتهم ..وفي مكيافيلية رائعة تضاف الي صلاح الدين رجل الدولة وتتناقض مع اخلاقيات الفارس المثالية استطاع استخدام الحشاشين في اغتيال كونراد مونفيرا ملك بيت المقدس حيث تخفوا في زي رهبان مسيحين وقتلوه !!!

نأتي الي مسألة اخيرة الا وهي فكرة الوحدة التي ما أن يأتي ذكرها الا وجاءت مقترنة بصلاح الدين ..والحقيقة انني بحثت في تاريخه عما يدعم هذه الفكرة دون أن اقف علي أثر لها فبوفاة نور الدين محمود تولي صلاح الدين الوصاية علي ابنه الصالح اسماعيل وأوجد لذلك مسوغا شرعيا بزواجه من عصمة الدين خاتون امرأة سيده السابق نور الدين وام خليفته ولم يكن للصالح اسماعيل ايه صلاحيات او سلطات في ظل الوجود الطاغي لصلاح الدين فأقام بحلب حتي توفي في ريعان شبابه رافضا ان يتناول الخمر كعلاج وصفه له اطباؤه وبوفاته احكم صلاح الدين قبضته علي الشام بشكل كامل ومطلق...مشهد لن تخطئه في مئات القصص التي يحفل بها التاريخ الاسلامي فهل هذا هو تعريف الوحدة ؟!!وحتي نبرهن انه لم يكن صلاح الدين يعرف فعلا معني الوحدة بالمعني الذي ينشده المعاصرون الان من محبيه فقد قسم مملكته وكأنه تركة بين ابنائه واشقائه قبل وفاته بشكل مستقل علي نحو ينذر بوقوع الشقاق والشرر بينهم وهو ما حدث بالفعل فيما بعد ...اننا لا نريد ان نحاكم او نقلل من صلاح الدين كشخصية تاريخية لعبت دورا هاما ومؤثرا في التاريخ الاسلامي ولكنها لعبت هذا الدور بمفاهيم عصرها ومعطيات هذه الحقب القديمة .ما نريده ان نتخلص من ربقة اسقاط الملامح الوهمية لهذه الشخصية وغيرها علي عصرنا الحديث وتمني ظهوره يوما وكأنه المستقبل المشرق الذي ينتظرنا ..اننا الامة الوحيدة في هذا العالم التي تلتمس الخلاص من اوزارها بتمني ظهور رجالات من تاريخها الماضي وهذا اصل الداء ...فلو عاد صلاح الدين فهذا هو صلاح الدين كما شاهده معاصروه فهل سنطالبه باحترام حقوق الانسان والاعتراف بالاخر وحقه في ان يكون له رأيا مغايرا وان يكون منتصرا لفكرة تداول السلطة ونستعين بتجربته في بناء وحدة اسلامية ؟!!!بالطبع لا فهو ابن عصره وزمنه وزماننا مختلف لا يصنعه شخصا من عصور غابرة انقضي وانقضت ملابسات عصره اختلفنا او اتفقنا حولها..ان ما يصنع واقعنا ومستقبلنا ان ننقلب علي فكرة الزعامة الواحدة والعقل الواحد والشخصية الواحدة المثالية التي لا يشوبها شائبة وان نبني واقعنا ومستقبلنا علي فكرة البناء الجماعي والفكر المشترك دون اقصاء.

 

د.محمد فتحي عبد العال

.................................

مراجع المقال:

1- البستان الجامع لجميع تواريخ اهل الزمان – العماد الاصفهانى – المتوفي 597 هـ

2- الفتح القسى فى الفتح القدسى – العماد الاصفهانى

3- الكامل فى التاريخ – ابن الاثير – المتوفي 630 هـ

4- النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية – ابن شداد – المتوفي 632 هـ

5- البداية والنهاية – ابن كثير – المتوفي 774 هـ

6- السلوك لمعرفة دول الملوك – المقريزى – المتوفي 845 هـ

 

علي المرهجفي (قلعة سكر) كُنَا صبية، وكان من ضمن طقوس هذه المدينة زيارة السيد (الميهول) = (المجهول) وقد جاءت تسميته لأنه صبيُ ولدَ ميتاً ويُروى أنه مولود يعود نسبه للسادة الموسوية، ويُقال أن عائلته قد سكنت هذه المنطقة الواقعة بين مدينتنا (قلعة سكر) و مدينة (الرفاعي) = (الكرادي)، وبحسب الرواية المتداولة في هاتين المدينتين أن عائلة هذا السيد عائلة مُباركة، وأن السيد (الميهول) قد كان فيه سرَ إلهي هو شبيه بالسر الذي يضعه الله في أضعف خلقه، وقد كان (الميهول) فعلاً هو أضعف خلق الله، لأنه مات وهو لم يتوسد المهد، وقد سُميَ بهذا الإسم نتيجة لذلك، لأن والدته ووالده رغم توقهم في أن يرزقهم الله بصبي إلَا أن القدر شاء أن يلعب لُعبته، فما إن جاء حتى فُقد، وبفقده كانت له كرامات عوَضت أهله قليلاً أو كثيراً، فقد صار هذا السيد قبلةً لأهل مدينتين عريقتين في محافظة (ذي قار)، فكل من له أو لها نُذرٌ أو مُراد يجد أو تجد في زيارته أو زيارتها للـ "الميهول" استجابة لتحقيق هذا النذر، لا سيما النساء، فكان يُروى في أحاديث أهل مدينتنا أن النساء اللواتي لم يُرزقنَ بأطفال يكفيهنَ أن يزورنَ السيد "الميهول" ليتحقق مرادهنَ بمجرد التبرك بعتبات شباكه أو بأخذ "الجروة" من طينة الأرض الطرية المُحيطة به. "الجروة" هي طين حريَ صلصال، تأخذها النساء من هذه الأرض الرطبة المُحيطة بمقام هذا السيد، ليخلطنها بالماء ويغتسلنَ بها، فكانت قناعاتهنَ أنهنَ سينالنَ المُراد بمُجردَ الاغتسال بهذه الطينة (الجروة).

بُنيَ لهذا السيد مقام في منطقة زراعية تُحيط بها الخُضرة من كُل جانب، وكان يُقال أن أهله الذين لا تحديد لأسمائهم كانوا يقطون هذه الأرض بعد جاءوها وافدين من فيافي أرض الله وقفارها.

العجيب الأثير أن مقام هذا السيد في أرض مخضرة، قد بُنيَ من الآجر (الطابوق) وبعد اكساء الطابوق بالاسمنت تم طلاء هذا المقام أو القبر باللون الأبيض، كدلالة ـ كما أظن ـ بقصد أو من دون قصد على النقاء وما تكنتزه الطفولة من براءة وبهاء.

في اجتماع البياض والخضرة وبركات الصالحين دفق روحي لكل من سكن قرب هه الديار، والأغرب الأحب أن أهل مدينتي (قلعة سكر) و (الرفاعي) كانا يزوران هذا المقام في موعد معروف من السنة هو 21/ آذار، وهو عيد رأس السنة الفارسية، أو عيد (نوروز) وهو عيد الربيع في أدبياتنا (القومجية)، فقد كانت الأمهات والآباء فضلاً عن التحضير لطقوس هذا العيد بوضع أوراق شجرة "الآس" في شقوق الجُدران، أو أوراق "الخس" كدلالة على بدء حياة جديدة، كانت العوائل تصطف بنات وبنين شيوخ وعجائز ليركبوا سيارة "دك النجف" التي كانت تقلنا لزيارة هذا المقام والاحتفاء بهذا اليوم البهيج.

الجدير بالذكر أن سيارة "دك النجف" أو "النيرن" سُميَت بهذا الإسم لأن هيكلها الخارجي كان يُصنع في النجف، وكلمة (دك) تعني صناعة، وهي عبارة عن هيكل خشبي مصنوع من خشب (الصاج) وهي في الأصل من نوع "فالفو" صناعة سويدية، تحتوي على "مسطبات" حديدية مُتقابلة في داخلها، وأحياناً مرصوفة حسب نظام الباصات الحالي، ولكنها في الأغلب الأعم "مصطبات" مُتقابلة تتوسطها باحة داخلية يركب فيها الأشخاص وقوفاً في المُناسبات، وغيرها تُستخدم هذه السيارات لنقل الخُضار وفي أحيان قليلة لنقل الماشية في الأيام التي ليس فيها مُناسبات كالأعياد والزيارات المعروفة للأئمة والسادة والأولياء الذين تنتشر قبورهم على طول أرض العراق.

هُناك من يربط احتفال أهل الجنوب بأعياد (الدخول) أو الربيع بعودة تموز بعد أن أقصته زوجته "عشتار" أو "أينانا" كما تروي الأسطورة السومرية أو البابلية، لذا يرى الكثيرون ومنهم الآثاري الأستاذ الدكتور فوزي رشيد أن هذا العيد عراقي أصيل لا علاقة له بأعياد أهل بلاد فارس ومن يحتفي معهم، بل أنهم هم من توارثوا هذا العيد العراقي جيلاً بعد جيل من الحضارة العراقية القديمة بحكم أسبقية هذه الحضارة في النشوء تاريخياً.

في أيام حزب البعث بعد أن حاول هذا النظام منع الاحتفال بهذا العيد فما قدر، أعادوا تسميته فسُميَ بعيد الشجرة، وهي أيضاً تسمية ذكية تُحافظ على مضمون هذا العيد وتُغير من طبيعة التداول التاريخي الموروث له ولكن لم تنجح خطواتهم هذه وبقيَ العيد له حضوره الاجتماعي والتاريخي المتوارث الذي ليس شرطاً أن يكون مُدركاً حقاً بأبعاده الميثولوجية أو بعلاقته بأعياد "نوروز" الفارسية والكُردية.

ما أذكره عن هذا العيد أنه من الأعياد المُهمة في مدينتنا والمُدن المجاورة مثل: (الرفاعي) و (الفجر) = (سويج شجر)، وكُنَا ننشد هذا المقطع حين ركوبنا بـ "دك النجف" (الما يزور الميهول عُمره خساره) وكأن زيارة (الميهول) تمنحك حياة أخرى أو فيه تجديد للحياة كما هي حياة "تموز" أو "ديموزي" بعد عودته من عوالم الظلام كي يرى النور من جديد وتزدهي أرض الرافدين وتخضر وفق فكرة "العود الأبدي" الذي تحدث عنها فيلسوف "الصيرورة" و"العود الأبدي" (نيتشه).

كان أهل مدينتي (قلعة سكر) و (الرفاعي) يُعلنون بداية حياة جديدة في هذا العيد أثناء زيارة (الميهول)، حياة في التجديد وفي الصراع، فستجد الألعاب القديمة مثل: (الطرام) وهو إطار (البايسكل) القديم أو الدراجة الهوائية المُستهلكة منزوعة القوائم الحديدية لتُدفع بأداة من حديد محني رأسها الأمامي ليُدفع بها هذا الإطار، وهي مُتعة لا ألذ منها في طفولتنا، أو (الدُعبل) بشتى أصناف اللعب فيه، أو (العربانه أم جروخ أو أم الصجم) وهي عبارة عن أطر خشبية وربما حديدية مربوطة ببسامير أو بطرق أخرى فيما يخص القوائم الحديدية حول أسطوانات صغيرة لولبية يُحركها الدفع بحكم تدوير الكوريات في داخل هذا الأطار المربوط بهذه القوائم الخشبية أو الحديدية. وهُناك ألعاب أخرى مثل ركوب الحمير وهو كثير أو ركوب الخيل وهو قليل. واللعبة الأكثر رواجاً هي لُعبة (الزار) أو "الزهر" عبر رمي حجرين من النرد فيما يُسمى (فوق السبعة) و (تحت السبعة) فللمُشارك حق التوقع في رمية النرد أو الزهر المزدوج ليضع مبلغاً للرهان في توقعه لرمية الزهر في أن يكون (تحت السبعة) أو (فوق السبعة)، فإن كان توقعه بحسب رمية الزهر كسب الرهان وبعكسه فلا، وكان في نهاية هذا الاحتفال بالعيد تنتهي هذه الألعاب أو المُنافسات بحرب طاحنة بين أهل القلعة وأهل الرفاعي، فكل له (شقاواتهم) من الذين يشتركون أو يُشرفون على هذه اللعبة، ومرة ينتصر أهل القلعة في هذه الحرب الطاحنة بين المدينتين المُتجاورتين وأخرى ينتصر أهل الرفاعي، وكم من عيد انتهى بصراع دموي ينتهي بالتغاضي أو التراضي، ولا أذكر أن عشيرتين اصطرعتا أو تحاربتا بسبب خلاف على لعبة في عيد أو خلافه... وبقيَ الجميع يتوق لإنشاد نشيدنا الأثير (الما يزور الميهول عمره خساره).

 

د. علي المرهج

 

 

إيران تستعيد قدراتها العسكرية، وتشن الهجوم المعاكس

حامد الحمدانيفي أواسط عام 1982، استطاع النظام الإيراني احتواء هجوم الجيش العراقي وتوغله في عمق الأراضي الإيرانية، وإعداد العدة للقيام بالهجوم المعاكس لطرد القوات العراقية من أراضيه بعد أن تدفقت الأسلحة على إيران، وقامت الحكومة الإيرانية بتعبئة الشعب الإيراني، ودفعه للمساهمة في الحرب، وقد بدأت أعداد كبيرة من الإيرانيين بالتطوع في قوات الحرس الثوري مدفوعين بدعاوى دينية استشهادية، وتدفق الآلاف المؤلفة منهم إلى جبهات القتال، وقد عصبوا رؤوسهم بالعصابة الخضراء، ولبس قسم منهم الأكفان وهم يتقدمون الصفوف.

وفي تلك الأيام من أواسط عام 1982، شنت القوات الإيرانية هجوماً واسعاً على القوات العراقية التي عبرت نهر الطاهري متوغلة في العمق الإيراني، واستطاع الجيش الإيراني مدعوما بالحرس الثوري من تطويق القوات العراقية، وخاض ضدها معارك شرسة ذهب ضحيتها الآلاف من خيرة أبناء الشعب العراقي الذين ساقهم الدكتاتور صدام حسين إلى ساحات القتال، وانتهت تلك المعارك باستسلام بقية القوات العراقية بكامل أسلحتها للقوات الإيرانية.

واستمر اندفاع القوات الإيرانية عبر نهر الطاهري، وأخذت تطارد بقايا القوات العراقية التي كانت قد احتلت مدينة [خرم شهر] وطوقت مدينة عبدان النفطية المشهورة، واشتدت المعارك بين الطرفين، واستطاعت القوات الإيرانية في النهاية من طرد القوات العراقية من منطقة [خوزستان] في تموز من عام 1982، بعد أن فقد الجيش العراقي أعداداً كبيرة من جنوده، وتم أسر أكثر من عشرين ألف ضابط وجندي من القوات العراقية، وغرق أعداد كبيرة أخرى في مياه شط العرب عند محاولتهم الهرب من جحيم المعارك سباحة لعبور شط العرب، وكانت جثثهم تطفوا فوق مياه الشط.

أحدث الهجوم الإيراني هزة كبرى للنظام العراقي وآماله، وأحلامه في السيطرة على منطقة خوزستان الغنية بالبترول، وكان حكام العراق قد ساوموا حكام إيران عليها بموجب شروط المنتصر في الحرب، إلا أن حكام إيران رفضوا شروط العراق وأصروا على مواصلة الحرب وطرد القوات العراقية بالقوة من أراضيهم، وبعد ذلك الهجوم الذي أنتهي بهزيمة العراق في منطقة خوزستان حاول النظام العراقي التوصل مع حكام إيران إلى وقف الحرب، وإجراء مفاوضات بين الطرفين بعد أن وجد نفسه في ورطة لا يدري كيف يخرج منها، مستغلاً قيام القوات الإسرائيلية في صيف ذلك العام 1982 باجتياح لبنان، واحتلالها للعاصمة بيروت، وفرضها زعيم القوات الكتائبية [بشير الجميل] رئيساً للبلاد تحت تهديد الدبابات التي أحاطت بالبرلمان اللبناني لكي يتسنى للعراق تقديم الدعم للشعب اللبناني حسب ادعائه مبدياً استعداده للانسحاب من جميع الأراضي الإيرانية المحتلة.

إلا أن حكام إيران وعلى رأسهم [الإمام الخميني] رفضوا العرض العراقي وأصروا على مواصلة الحرب، وطلبوا من حكام العراق السماح للقوات الإيرانية المرور عبر الأراضي العراقية للتوجه إلى لبنان، لتقديم الدعم للشعب اللبناني، وقد رفض صدام حسين الطلب الإيراني كذلك.

حاول حكام العراق بكل الوسائل والسبل وقف الحرب، ووسطوا العديد من الدول والمنظمات كمنظمة الأمم المتحدة، والجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل، فقد كان الإمبرياليون يسعون بكل الوسائل والسبل إلى استمرار الحرب، وإفشال أي محاولة للتوسط في النزاع، فقد قتل وزير خارجية الجزائر عندما كان في طريقه إلى إيران، في محاولة للتوسط بين الطرفين المتحاربين، حيث أُسقطت طائرته، ولف الحادث الصمت المطبق، وبقي سراً من الأسرار، كما اغتيل رئيس وزراء السويد [أولف بالمه] الذي بذل جهوداً كبيرة من أحل وقف القتال، في أحد شوارع العاصمة السويدية، وبقي مقتله سراً من الأسرار كذلك، وقيل أن توسطه بين الأطراف المتحاربة لوقف القتال كان أحد أهم أسباب اغتياله، هذا بالإضافة إلى موقفه النبيل من قضايا التسلح النووي، والحرب الفيتنامية التي عارضها بشدة.

لقد كان إصرار حكام إيران على استمرار الحرب من أعظم الأخطاء التي وقعوا فيها، بل أستطيع تسميتها بالجريمة الكبرى التي لا يمكن تبريرها، وتبرير موقفهم ذاك بأي حال من الأحوال، فقد أدى استمرار الحرب حتى الأشهر الأخيرة من عام 1988 إلى إزهاق أرواح مئات الألوف من أبناء الشعبين العراقي والإيراني، وبُددت ثروات البلدين، وانهار اقتصادهما، وتراكمت عليهما الديون، وأُجبر حكام إيران على شراء الأسلحة من عدويهما إسرائيل وأمريكا، كما كانت شعاراتهم تقول، ولا أحد يعتقد أن الإمام الخميني وحكام إيران لم يكونوا عارفين أن تلك الحرب كانت حرب أمريكية تولى تنفيذها صدام حسين، وتصب في خانة الولايات المتحدة وإسرائيل الإستراتيجية في المنطقة، وكان خير دليل على ذلك قيام الولايات المتحدة وحلفائها بتزويد الطرفين بالأسلحة، والمعدات وقطع الغيار، والمعلومات التي كانت تنقلها الأقمار الصناعية التجسسية الأمريكية لكلا الطرفين من أجل إطالة أمد الحرب، وعليه كان الإصرار على استمرار الحرب جريمة كبرى بحق الشعبين والبلدين الجارين بصرف النظر عن طبيعة النظام العراقي وقيادته الفاشية والمتمثلة بصدام حسين وزمرته، والتي كانت تدفع أبناء الشعب العراقي إلى ساحات الموت دفعاً، وحيث كانت فرق الإعدام تلاحق الهاربين من الحرب،أو المتراجعين أمام ضغط القوات الإيرانية في ساحات القتال.

لقد كان أحرى بالنظام الإيراني وبالإمام الخميني نفسه إيقاف القتال وحقن الدماء، والعمل بقوله تعالى: [وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله] وقوله تعالى في آية أخرى: [يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدو مبين] كما جاء في آية ثالثة قوله تعالى: [وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، فأصلحوا بينهم] تلك هي آيات من القرآن الكريم التي تحث على السلام وحل المشاكل بالحسنى والعدل، وربما يحاجج النظام الإيراني بأن صدام حسين لا يمكن أن يعتبر مؤمناً، وبالتالي لا يمكن أن تنطبق عليه هذه الآيات الكريمة هذه، وهنا أعود فأقول أن الذين كانوا يقاتلون في تلك الحرب ليسو صدام حسين وزمرته وإنما الناس الأبرياء من أبناء الشعب والذين ساقهم صدام للحرب عنوة، فهل يُعتبر الشعب العراقي كله في نظر حكام إيران غير مؤمنين؟

ومن جهة أخرى كان النظام الإيراني قد أدرك أن الإمبرياليين يساعدون الطرفين، ويمدونهم بالسلاح والمعلومات العسكرية، أفلا يكون هذا خير دليل على أن تلك الحرب هي حرب أمريكية استهدفت البلدين والشعبين والجيشين من أجل حماية مصالح الإمبرياليين في الخليج، وضمان تدفق النفط إليهم دون تهديد أو مخاطر، وبالسعر الذي يحددونه هم؟

ثم ألا يعني استمرار تلك الحرب خدمة كبرى للإمبرياليين، وكارثة مفجعة لشعبي البلدين وللعلاقات التاريخية وحسن الجوار بينهما؟

لقد أعترف صدام حسين عام 1990 بعد إقدامه على غزو الكويت في رسالة إلى الرئيس الإيراني [هاشمي رفسنجاني] أن تلك الحرب كان وراءها قوى أجنبية، حيث ورد في نص الرسالة ما يلي: [إن هناك قوى كانت لها يد في الفتنة]. (6)

ولكن صدام حسين لم يقل الحقيقة كاملة، وبشكل دقيق، لأن الحقيقة تقول أن صدام حسين أشعل الحرب بأمر أو تحريض أمريكي، وظن صدام أن بإمكانه تحقيق طموحاته في التوسع والسيطرة ولعب دور شرطي الخليج بعد أن كانت إيران على عهد الشاه تقوم بهذا الدور، ويصبح للعراق منفذاً واسعاً على الخليج.

لقد أراد صدام حسين أن يزاوج مصالح الإمبريالية بأطماعه التوسعية، ولكن حسابات البيدر كانت غير حسابات الحقل، كما يقول المثل، ودفع العراق ثمناً غالياً من دماء أبنائه، وبدد صدام حسين ثروات البلاد، واغرق العراق بالديون، ودمر اقتصاده، ودمر البنية الاجتماعية للشعب العراقي، وكان المستفيد من تلك الحرب الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهم، وليذهب إلى الجحيم شعبا البلدين المظلومين من قبل حكامهما، ومن قبل الإمبرياليين الذين هم أساس البلاء.

ربما فكر الإمام الخميني بأن استمرار الحرب يمكن أن يحقق له أهدافاً في العراق، كقيام ثورة [شيعية] تسقط النظام الصدامي، لكن هذا الحلم كان غير ممكن التحقيق لسبب بسيط وهو أن الإمبريالية لا يمكن أن تسمح بقيام نظام ثانٍ في العراق على غرار النظام الإيراني، ولا حتى تسمح بأن يسيطر صدام حسين على إيران ليشكل ذلك أكبر خطر على مصالحهم في المنطقة، وتسمح لأحد المنتصرين الجلوس على نصف نفط الخليج، وهذا ما أكده إعلان الرئيس الأمريكي [جيمي كارتر] في خطابه أمام الكونجرس الأمريكي في 23 كانون الثاني من عام 1980 والذي دُعي بمبدأ كارتر، وجاء فيه ما يلي:

{إن أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج سوف يعتبر في نظر الولايات المتحدة الأمريكية كهجوم على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل، بما فيها القوة العسكرية}. (7)

هذه هي حقائق الوضع في منطقة الخليج، والتي جهلها أو تجاهلها حكام البلدين، ليغرقوا بلديهما وشعبيهما في ويلات أطول حرب في القرن العشرين.

استمرار الحرب وإيران تستكمل تحرير أراضيها

اشتدت الحرب ضراوة ما بين الأعوام 1983 ـ 1986 ،حيث أخذت إيران زمام المبادرة من العراقيين واستطاعت بعد إكمال تحرير إقليم خوزستان أن تركز جهدها الحربي نحو القاطع الأوسط من ساحة الحرب حيث شنت هجوماً واسعا على القوات العراقية مسددة له ضربات متواصلة، استطاعت من خلالها تحرير مدن[قصر شيرين] و[سربيل زهاب] و[الشوش]، وتمكنت من طرد القوات العراقية من كافة الأراضي الإيرانية، ومنزلة بها خسائر جسيمة بالأرواح والمعدات، وتم أسر الآلاف من جنوده وضباطه، والاستيلاء على معدات وأسلحة ودبابات بأعداد كبيرة، هذا بالإضافة إلى آلاف القتلى الذين تركوا في ساحات المعارك، ولم يكن بالإمكان نقلهم جميعاً إلى داخل الحدود العراقية، ومع ذلك فقد كانت سيارات النقل كل يوم تنقل أعداد كبيرة من ضحايا تلك الحرب المجرمة، وكان الشعب العراقي يتحرق ألماً وغضباً على النظام الصدامي الذي ورط العراق بتلك الحرب، وقمع أي معارضة لها بأقسى وسائل العنف، فقد كان مصير كل من ينتقد الحرب الموت الزؤام.

لقد حاول صدام امتصاص غضب الشعب واستياءه من الحرب وكثرة الضحايا برشوة ذويهم، وذلك بتقديم سيارة ومبلغ من المال، أو قطعة أرض أو شقة أو دار، وكان حكام دول الخليج، وفي المقدمة منهم حكام السعودية، يدفعون الأموال الطائلة لتمكن صدام حسين من دفع تلك الرشاوى، ولشراء الأسلحة والمعدات للجيش العراقي، بعد أن أستنفذ دكتاتور العراق كامل احتياطيات البلاد من العملات النادرة البالغة 36 ملياراً من الدولارات والذهب، واستنفذ كل موارد العراق النفطية والبالغة 25 مليار دولار سنوياً ،هذا بالإضافة إلى إغراق العراق بالديون، والتي جاوزت حدود أل 60 مليار دولار.

لقد كان من الممكن أن يكون العراق اليوم في مصاف الدول المتقدمة في تطوره، ومستوى معيشة شعبه نظراً لما يتمتع به العراق من ثروات نفطية ومعدنية وأراضي زراعية خصبة، ومياه وفيرة، ولكن الدكتاتور آثر أن يسوق الشعب العراقي نحو الجوع والفقر، ويسبب

للوطن نحو الدمار والخراب.

سادساً:الجيش الإيراني يحتل شبه جزيرة الفاو، وجزر مجنون

اشتدت المعارك بين الجيشين العراقي والإيراني، وبدت إيران في وضع يمكنها من شن الهجمات البشرية المتتالية تارة على القاطع الجنوبي نحو البصرة، وتارة أخرى نحو القاطع الأوسط ، حول مدن مندلي وبدرة وجصان، وتارة ثالثة نحو القاطع الشمالي المحاذي لكردستان، وكان الوضع في كردستان في غير صالح النظام بالنظر إلى الجرائم التي أقترفها بحق الشعب الكردي، مما دفع الأكراد إلى الوقوف إلى جانب إيران رغبة في إسقاط النظام، واستطاعت القوات الإيرانية من احتلال أجزاء من المناطق في كردستان.

أما هجماته في القاطعين الأوسط والجنوبي فقد كان حكام العراق قد حشدوا قوات كبيرة مجهزة بشتى أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية الفتاكة التي أستخدمها صدام حسين لدحر الهجمات الإيرانية موقعاً خسائر جسيمة في صفوف القوات الإيرانية والعراقية، حيث سقط عشرات الألوف من جنود وضباط الطرفين في تلك المعارك الشرسة والتي تقشعر من هولها الأبدان، ولم يفلح الإيرانيون في الاحتفاظ بأي تقدم داخل الأراضي العراقية حتى نهاية عام 1985 .

لكن الوضع أصبح خطيراً بالنسبة للعراق عام 1986،عندما استطاعت القوات الإيرانية الاندفاع نحو شبه جزيرة الفاو واحتلالها بأكملها بعد معارك دموية شرسة، ودفع فيها الشعب العراقي ما يزيد على 50 ألف من أرواح أبنائه في محاولة من صدام حسين لاستعادتها من أيدي الإيرانيين، وكان الإيرانيون يستهدفون من احتلالها قطع الاتصال بين العراق ودول الخليج التي كان العراق يحصل على الأسلحة والمعدات عن طريقها، إضافة إلى محاولة إيران منع العراق من تصدير نفطه عن طريق الخليج، وحرمانه من موارده النفطية اللازمة لإدامة ماكينته الحربية، وقد أضطر العراق إلى مد أنبوبين لنقل النفط إلى الأسواق الخارجية الأول عبر الأراضي التركية، والثاني عبر الأراضي السعودية بعد أن أصبح نفطه مطوقاً، وسيطرت البحرية الإيرانية على مداخل الخليج، أستمر الإيرانيون في تكثيف هجماتهم على القوات العراقية بعد احتلالهم شبه جزيرة الفاو، وركزوا على منطقة [جزر مجنون] الغنية جداً بالنفط، واستطاعوا احتلالها بعد معارك عنيفة.

سابعاً: النظام العراقي يسعى للتسلح بأسلحة الدمار الشامل:

كاد النظام الصدامي يفقد صوابه بعد أن تطورت الأوضاع على جبهات القتال لغير صالح العراق، وبدأ يعبئ كل موارد البلاد لخدمة المجهود الحربي، كما أخذ يطلب المساعدة من دول الخليج، ومن السعودية بشكل خاص، وشعر حكام الخليج أن الخطر قد بدأ يتقدم نحو المنطقة، فسارعوا إلى تقديم كل أنواع الدعم والمساعدة المالية، وحصل العراق في تلك الفترة على 12 مليار دولار، وكان عدد من الدول العربية كمصر والسعودية والكويت تقوم بشراء الأسلحة لحساب العراق.

غير أن حكام العراق وجدوا أخيراً أن السعي لإنشاء مصانع الأسلحة ذات الدمار الشامل يمكن أن تكون أداة فعالة لدفع الخطر عن البلاد، وتم إنشاء هيئة التصنيع العسكري، وبدأ العراق بإنتاج الأسلحة الكيماوية، مستفيدين من خبرة العلماء المصريين، وبعض العلماء الأجانب الذين سبق وعملوا في برامج الأسلحة الكيماوية في عهد عبد الناصر، وأوقفها السادات من بعده، ثم بدأ العراق في إنتاج وتطوير الصواريخ من طراز [سكود]، وطوروا مداها لكي تصل إلى أبعد المدن الإيرانية، وكان الإيرانيون قد حصلوا على عدد من تلك الصواريخ، وضربوا بها العاصمة بغداد وبعض المدن الأخرى، حيث كانت تلك الصواريخ تطلق نحو العراق كل بضعة أيام أو أسابيع لتصيب الأهداف المدنية، وتفتك بالأبرياء، فقد أصاب أحد تلك الصواريخ مدرسة ابتدائية في بغداد، وقتل العديد من الأطفال وجرح أعداد أخرى، وكان الشعب العراقي ينتابه القلق الشديد كل يوم، من هذا السلاح الخطير، حيث لا أحد يعلم متى وأين سيقع الصاروخ، وكم سيقتل من الآمنين.

تمكن العراق من الحصول على أعداد كبيرة من تلك الصواريخ، وبدأ في تطويرها، وزيادة مداها، وبدأ حكام العراق يطلقونها على العاصمة الإيرانية والمدن الأخرى بكثافة حتى جاوز عدد الصواريخ التي أطلقوها على المدن الإيرانية أكثر من [1000 صاروخ]،منزلين الخراب والدمار بها، والخسائر الفادحة في صفوف المدنيين، وأخذت الحرب تزداد خطورة وأذى للسكان المدنيين.

كما تمكن العراق من إنتاج كميات كبيرة من الأسلحة الكيماوية، واستخدمها في صد هجمات القوات الإيرانية منزلاً بها الخسائر الجسيمة في الأرواح، كما راح حكام العراق يعبئون صواريخ سكود بالغازات السامة كغاز[الخردل] و[السارين] السامين، ثم بدءوا يتطلعون إلى تطوير ترسانتهم الحربية في مجال الأسلحة البيولوجية والجرثومية، وتمكنوا من إ نتاجها وتعبئة القنابل بها.

أحدث برنامج التسلح العراقي هذا قلقاً كبيراً لدى إسرائيل التي كانت تتابع باهتمام بالغ تطوير برامج التسلح العراقي، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلية [الموساد] بحملة ضد العلماء الذين ساهموا في تطوير البرامج، وضد الشركات الغربية التي جهزت العراق بالأجهزة، والمعدات اللازمة لتطويرها وخاصة الشركات الألمانية والفرنسية والأمريكية والبلجيكية والسويسرية التي جاوز عددها 300 شركة.

كما قام الموساد باغتيال العالم المصري والأمريكي الجنسية [يحيى المشد] الذي عمل في تطوير الأسلحة العراقية ذات الدمار الشامل، كما أغتال العالم البلجيكي الدكتور [جيرالد بول] في بروكسل، حيث كان هذا العالم يعمل لإنتاج المدفع العملاق للعراق، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلي أيضاً بنسف توربينات المفاعل النووي [أوزيراك] في ميناء [مرسيليا] الفرنسي حيث كان معداً لنقله إلى العراق.

غير أن العراق واصل نشاطه في بناء مفاعل جديد بإشراف العالم النووي العراقي [جعفر ضياء جعفر] الذي استطاع أن يحقق نجاحاً بارزاً في هذا المجال، وكان كل ذلك يجري تحت سمع وبصر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين ومساعدتهم من أجل إبقاء نار الحرب مشتعلة بين العراق وإيران.

 

حامد الحمداني   

 

 

حامد الحمدانيبداية الحرب وتوغل القوات العراقية في العمق الإيراني:

في صباح الثاني والعشرين من أيلول 1980، قامت على حين غرة 154 طائرة حربية عراقية  بهجوم جوي كاسح على مطارات إيران وكافة المراكز الحيوية فيها ثم أعقبتها 100 طائرة أخرى في ضربة ثانية لإكمال ضرب المطارات والطائرات الحربية الإيرانية، وكانت الطائرات تغير موجة إثر موجة، وفي الوقت نفسه زحفت الدبابات والمدرعات العراقية نحو الحدود الإيرانية على جبهتين:

1ـ الجبهة الأولى: في المنطقة الوسطى من الحدود  باتجاه [قصر شيرين]، نظراً لقرب هذه المنطقة من قلب العراق لإبعاد أي خطر محتمل لتقدم القوات الإيرانية نحو محافظة ديالى و بغداد، وقد استطاعت القوات العراقية الغازية احتلال[قصر شيرين].

2ـ الجبهة الثانية: في الجنوب نحو منطقة [خوزستان] الغنية بالنفط  وذات الأهمية الإستراتيجية الكبرى حيث تطل على أعلى الخليج.

وفي خلال بضعة أسابيع من الهجوم المتواصل استطاعت القوات العراقية التي كانت قد استعدت للحرب من السيطرة على منطقة [خوزستان] بكاملها، واحتلت مدينة [خرم شهر] وقامت بالتفاف حول مدينة [عبدان] النفطية وطوقتها.

وعلى الجانب الإيراني قامت الطائرات الإيرانية بالرد على الهجمات العراقية، وقصفت العاصمة بغداد وعدد من المدن الأخرى، إلا أن تأثير القوة الجوية الإيرانية لم يكن على درجة من الفعالية، وخصوصاً وأن النظام العراقي كان قد تهيأ للحرب قبل نشوبها، حيث تم نصب المضادات أرض جو فوق أسطح العمارات في كل أنحاء العاصمة والمدن الأخرى، وتم كذلك نصب العديد من بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات حول بغداد.

 وهكذا فقد فقدت إيران أعدادا كبيرة من طائراتها خلال هجومها المعاكس على العراق، كما أن القوة الجوية الإيرانية كانت قد فقدت الكثير من كوادرها العسكرية المدربة بعد قيام الثورة، مما اضعف قدرات سلاحها الجوي، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح للسلاح الجوي العراقي السيطرة المطلقة في سماء البلدين.

وفي الوقت الذي كانت إيران محاصرة من قبل الغرب فيما يخص تجهيزها بالأسلحة، كانت الأسلحة تنهال على العراق من كل جانب.

 كما أوعزت الولايات المتحدة إلى الرئيس المصري  أنور السادات ببيع جميع الأسلحة المصرية من صنع سوفيتي إلى العراق، وتم فتح قناة الاتصال بين البلدين عن طريق سلطنة عمان، حيث كانت العلاقات بين البلدين مقطوعة منذُ أن ذهب السادات إلى إسرائيل، وقام السادات بالدور الموكول له، وأخذت الأسلحة المصرية تُنقل إلى العراق عن طريق الأردن والسعودية خلال عام 1981، كما بدأت خطوط الإنتاج في المصانع الحربية المصرية تنتج وتصدر للعراق المعدات والذخيرة والمدافع عيار 122 ملم طيلة سنوات الحرب.

لقد كانت تلك العملية فرصة كبيرة للولايات المتحدة لإنعاش سوق السلاح الأمريكي، حيث سعت لأن تتخلص مصر من السلاح السوفيتي وتستعيض عنه بالسلاح الأمريكي، فقد بلغ قيمة ما باعه السادات من سلاح للعراق يتجاوز ألف مليون دولار خلال عام واحد، وكانت أسعار الأسلحة المباعة تتجاوز أحياناً أسعارها الحقيقية، وكان صدام حسين مرغماً على قبولها.

أما الاتحاد السوفيتي فقد بدأ بتوريد الأسلحة إلى العراق بعد توقف لفترة من الزمن  وبدأت الأسلحة تنهال عليه عام 1981 حيث وصل إلى العراق 400 دبابة طراز T55  و250 دبابة طرازT 72)) كما تم عقد صفقة أخرى تناولت طائرات [ميك] و[سوخوي] و[توبوليف] بالإضافة إلى الصواريخ.

كما عقد حكام العراق صفقة أخرى مع البرازيل بمليارات الدولارات لشراء الدبابات والمدرعات وأسلحة أخرى، وجرى ذلك العقد بضمانة سعودية، واستمرت العلاقات التسليحية مع البرازيل حتى نهاية الحرب عام 1988.

 وهكذا استمر تفوق الجيش العراقي خلال العام 1981 حيث تمكن من احتلال مناطق واسعة من القاطع الأوسط منها [سربيل زهاب] و[الشوش] و[قصر شيرين] وغيرها من المناطق الأخرى.

كما تقدمت القوات العراقية في القاطع الجنوبي في العمق الإيراني عابرة نهر الطاهري، وكان ذلك الاندفاع أكبر خطأ أرتكبه الجيش العراقي بأمر من صدام حسين !!!، حيث أصبح في وضع يمكن القوات الإيرانية من الالتفاف حوله وتطويقه، رغم معارضة القادة العسكريين لتلك الخطوة الانتحارية التي دفع الجيش العراقي لها ثمناً باهظاً من أرواح جنوده، ومن الأسلحة والمعدات التي تركها الجيش بعد عملية التطويق الإيرانية، والهجوم المعاكس الذي شنه الجيش الإيراني في تموز من عام 1982، والذي استطاع من خلاله إلحاق هزيمة منكرة بالجيش العراقي، واستطاع تحرير أراضيه ومدنه في منطقة خوزستان، وطرد القوات العراقية خارج الحدود.

إيران تبحث عن السلاح:

أحدث تقدم الجيش العراقي في العمق الإيراني قلقاً كبيراً لدى القيادة الإيرانية التي بدأت تعد العدة لتعبئة الجيش بكل ما تستطيع من الأسلحة والمعدات، وقامت عناصر من الحكومة الإيرانية بالبحث عن مصادر للسلاح، حيث كان السلاح الإيراني كله أمريكياً، وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت توريد الأسلحة إلى إيران منذُ الإطاحة بالشاه، وقيام الحرس الثوري الإيراني باحتلال السفارة الأمريكية واحتجاز أعضائها كرهائن، وتمكنت تلك العناصرعن طريق بعض الوسطاء من تجار الأسلحة من الاتصال بإسرائيل عن طريق أثنين من مساعدي رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك وهما[أودولف سكويمر]و[يلكوف نامرودي]،بالاشتراك مع تاجر الأسلحة السعودي[عدنان خاشقجي]الذي قام بدور الوسيط؟

 وجدت إسرائيل ضالتها في تقديم الأسلحة إلى إيران حيث كانت تعتبر العراق يشكل خطراً عليها، وإن إضعافه وإنهاك جيشه في حربه مع إيران يحقق أهداف إسرائيل، ولم يكن تصرفها ذاك يجري بمعزل عن مباركة الولايات المتحدة ورضاها واستراتيجيتها، إن لم تكن هي المرتبة لتلك الصفقات بعد أن وجدت الولايات المتحدة أن الوضع العسكري في جبهات القتال قد أصبح لصالح العراق، ورغبة منها في إطالة أمد الحرب أطول مدة ممكنة فقد أصبح من الضروري إمداد إيران بالسلاح لمقاومة التوغل العراقي في عمق الأراضي الإيرانية، وخلق نوع من توازن القوى بين الطرفين.            

وفي آذار من عام 1981 أسقطت قوات الدفاع الجوي السوفيتية طائرة نقل دخلت المجال الجوي السوفيتي قرب الحدود التركية، وتبين بعد سقوطها أنها كانت تحمل أسلحة ومعدات إسرائيلية إلى إيران، وعلى الأثر تم عزل وزير الدفاع الإيراني [عمر فاخوري] بعد أن شاع خبر الأسلحة الإسرائيلية في أرجاء العالم.

إلا أن ذلك الإجراء لم يكن سوى تغطية للفضيحة، وظهر أن وراء تلك الحرب مصالح دولية كبرى  تريد إدامة الحرب وإذكاء لهيبها، وبالفعل تكشفت بعد ذلك في عام 1986 فضيحة أخرى هي ما سمي [إيران ـ كونترا]على عهد الرئيس الأمريكي [رونالد ريكان] الذي أضطر إلى تشكيل لجنة تحقيقية برئاسة السناتور  [جون تاور] وعضوية السناتور [ادموند موسكي] ومستشار للأمن القومي [برنت سكوكروفت] وذلك في 26 شباط 19987، وقد تبين من ذلك التحقيق أن مجلس الأمن القومي الأمريكي كان قد عقد اجتماعاً عام 1983 برئاسة ريكان نفسه لبحث السياسة الأمريكية تجاه إيران، وموضوع الحرب العراقية الإيرانية، وقد وجد مجلس الأمن القومي الأمريكي أن استمرار لهيب الحرب يتطلب تزويد إيران بالسلاح وقطع الغيار والمعدات من قبل الولايات المتحدة وشركائها، وبشكل خاص إسرائيل التي كانت لها مصالح واسعة مع حكومة الشاه لسنوات طويلة، وأن تقديم السلاح لإيران يحقق هدفين للسياسة الإسرائيلية الإستراتيجية:

الهدف الأول: يتمثل في استنزاف القدرات العسكرية العراقية التي تعتبرها إسرائيل خطر عليها.

الهدف الثاني: هو تنشيط سوق السلاح الإسرائيلي.

 لقد قام الكولونيل [أولفر نورث] مساعد مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي بترتيب التعاون العسكري الإسرائيلي الإيراني من وراء ظهر الكونجرس  الذي كان قد أصدر قراراً يمنع بيع الأسلحة إلى إيران، وجرى ترتيب ذلك عن طريق شراء الأسلحة إلى متمردي الكونترا في نيكاراغوا حيث كان هناك قرارا بتزويد ثورة الردة في تلك البلاد، وجرى شراء الأسلحة من إسرائيل، وسجلت أثمانها بأعلى من الثمن الحقيقي لكي يذهب فرق السعر ثمناً للأسلحة المرسلة إلى إيران بالإضافة إلى ما تدفعه إيران من أموال لهذا الغرض.

وقد أشار تقرير اللجنة الرئاسية كذلك، إلى أن اجتماعاً كان قد جرى عقده بين الرئيس[ريكان] ومستشاره للأمن القومي [مكفرن] عندما كان ريكان راقداً في المستشفى لإجراء عملية جراحية  لإزالة ورم سرطاني في أمعائه، وقد طلب مستشاره الموافقة على فتح خط اتصال مع إيران حيث أجابه الرئيس ريكان على الفور: [أذهب وافتحه].

وبدأ الاتصال المباشر مع إيران حيث سافر [أولفر نورث] بنفسه إلى إيران في زيارة سرية لم يعلن عنها، وبدأت الأسلحة الأمريكية تنهال على إيران، لا حباً بإيران ونظامها الإسلامي المتخلف، وإنما لجعل تلك الحرب المجرمة تستمر أطول مدة ممكنة.

ولم يقتصر تدفق الأسلحة لإيران، على إسرائيل والولايات المتحدة فقط، وإنما تعدتها إلى جهات أخرى عديدة، ولعب تجار الأسلحة الدوليون دوراً كبيراً في هذا الاتجاه.

 إسرائيل تضرب المفاعل النووي العراقي

 انتهزت إسرائيل فرصة قيام الحرب العراقية الإيرانية لتقوم بضرب المفاعل الذري العراقي عام 1981، فقد كانت إسرائيل تراقب عن كثب سعي نظام صدام لبناء برنامجه النووي حيث قامت فرنسا بتزويد العراق بمفاعل ذري تم إنشاءه في الزعفرانية إحدى ضواحي بغداد، وكانت إسرائيل عبر جواسيسها تتتبّع التقدم العراقي في هذا المجال باستمرار.

وعندما قامت الحرب العراقية الإيرانية وجدت إسرائيل الفرصة الذهبية لمهاجمة المفاعل، مستغلة قيام الطائرات الإيرانية شن غاراتها الجوية على بغداد، وانغمار العراق في تلك الحرب مما يجعل من العسير عليه فتح جبهة ثانية ضد إسرائيل آنذاك. 

وهكذا هاجم سرب من الطائرات الإسرائيلية يتألف من 18 طائرة المفاعل النووي العراقي في كانون الثاني 1981، وضربه بالقنابل الضخمة، وقيل حينذاك أن عدد من الخبراء الفرنسيين العاملين في المفاعل قد قدموا معلومات واسعة ودقيقة عن المفاعل مما سهل للإسرائيليين إحكام ضربتهم له، وهكذا تم تدمير المفاعل، إلا أن العراق استطاع إنقاذ ما مقداره [12,3 كغم] من اليورانيوم المخصب بنسبة 93%  وهي كمية كافية لصنع قنبلة نووية.

 لم يستطع حكام العراق القيام بأي رد فعل تجاه الضربة الإسرائيلية بعد أن غرقوا في خضم تلك الحرب المجنونة، واكتفوا بالتوعد بالانتقام من إسرائيل، ولم يدر في خلدهم أن تلك الحرب سوف تطول لمدة ثمان سنوات، ويُغرق الجلاد صدام الشعب العراقي بالدماء، ويعم بالبلاد الخراب والدمار، وينهار اقتصاد العراق.

 

حامد الحمداني

 

فراس الغضبان الحمدانيكانت العاصمة العراقية هادئة تماماً . ونلاحظ إعدادا كبيرة من المسلحين المدنيين يمخرون الشوارع . أنهم أعضاء « الحرس القومي »، الذين يحملون أشرطة نسيجية خضر على سواعدهم وينسقون مع رجال الشرطة. وهم يتحركون تحت إشراف من الجيش بشكل واسع، إلا إن مهمتهم الأساسية هي قنص الشيوعيين، وهي عملية بوشرت حال توقف المقاومة في وزارة الدفاع.

هناك عدد من الشيوعيين ظل حتى يوم الثلاثاء 12 شباط، يواصل خوض معارك صغيرة في عدد من الإحياء ضد الحرس القومي. لكن هذه المعارك تبدو بمثابة النزع الأخير في مقاومة توشك على الانطفاء . أما الاعتقالات فهي من الضخامة إلى درجة يستحيل علينا الآن إعطاء رقم محدد عنها . الكثير من عمليات الاعتقال تتم لمجرد الشبهة أو الوشاية . ولقد جرى إنشاء معسكرات اعتقال جماعية كبيرة في وسط الثكنات العسكرية وأينما أمكن، لإلقاء كافة المدنيين الذين اعتقلوا في غضون أيام الانقلاب المنصرمة ولم يعدموا بعد . لكن الإعدامات التي جرت لغيرهم هي بإعداد لا تحصى وبدون محاكمة . إن عدد الذين قتلوا لحد الآن لم يتم الكشف عنه بعد . ففي وزارة الخارجية يقولون عن احتمال إن العدد هو « أربعون ضحية »، ثم يضيفون مستدركين: « إن الرقم لم يتحدد بعد على وجه الدقة ». لكن التقديرات الحقيقية الأكثر تواضعاً واتزاناً وتتحدث عن سقوط إلف قتيل على اقل تقدير في العاصمة بغداد وحدها حتى الآن.

في اللحظة الحالية تستعيد بغداد حركة شبه عادية، والأجواء بدأت تتجه نحو الهدوء . إذ يبدو إن يوم السبت 9 شباط كان، بإقرار الجميع، اليوم الأكثر رعباً . لذا فقد حبس الناس أنفسهم في المنازل، حيث حصل قطع في الكهرباء، كما إن أصوات رشقات الرشاشات كانت تسمع في أركان الشوارع . وبينما كانت الأوامر والأوامر المضادة تذاع من الراديو، كان شبان من حملة الأشرطة الخضراء على السواعد يمارسون ما يشبه لعبة الحروب الصغيرة مقيمين دكتاتورياتهم في كل حيّ . التجول لا يتم إلا بتصريح خاص يرخص به، إلا إن أولئك الذين بحاجة ماسة له لا يعرفون لمن يتوجهون بالطلب لاستحصاله. وحتى عندما ينجحون في الحصول على مثل تلك التصريحات فأنهم لا يجدون من يعترف لهم بصفتها الرسمية.

وكمثال على حملات « التطهير » الواسعة ما حصل في وزارة مهمة كوزارة النفط، حيث لم يسلم فيها سوى اثنين من الموظفين بينما القي القبض على كافة العاملين في الوزارة حتى صغار السن منهم وأرسلوا إلى المعتقلات . ففي الأوساط الرسمية للنظام الجديد نسمعهم يقولون بشكل دائم : "لدينا قوائم بأسماء جميع الشيوعيين ولن نترك أحداً منهم يفلت من يدنا". والقلق كبير جداً في أوساط المسيحيين الكلدان الذين، كما يقال، اصطفوا مع الشيوعيين . إن الإضرار المادية اقل مما تم تخيله، إذ كانت وزارة الدفاع مركز الهجمات الجوية، ومن الواضح بداهة أنها تعرضت للقصف بكثير من القذائف والتي بمعظمها لم تكن صواريخ إنما قنابل صغيرة العيار، وان كان كلام راديو بغداد خلال الساعات الأولى بعد انقلاب يوم الجمعة المصادف 8 شباط، الذي أكّد قائلاً « لقد سحقت الدكتاتورية الخائنة كالجرذ تحت أنقاض وزارة الدفاع »، أوحى بالاعتقاد بان الوزارة تعرضت لتدمير شبه كلّي . عموماً، ورغم آثار المعارك فيها، ليس لبغداد هيئة مدينة مهدمة تحت القصف بما في ذلك إحياؤها الأكثر تعرضاً للإصابات.

إما عن كيفية حصول الانقلاب الذي قامت به مجموعة من العسكريين المتمردين في يوم الجمعة الذي يصادف اليوم الرابع عشر من شهر رمضان، فان التفاصيل أصبحت معروفة الآن لدينا.، لم يكن الزعيم عبد الكريم قاسم موجوداً في وزارة الدفاع، التي هي مقر إقامته الاعتيادي، في اللحظة التي قامت فيها طائرات قاعدة البانية بمباشرة هجماتها صبيحة يوم 8 شباط . فيوم الجمعة هذا كان كغيره يوم التعطيل الأسبوعي للمؤسسات الرسمية والخاصة . فقد كان السكان قد سهروا حتى وقت متأخر عشيته، وكانت الشوارع خالية إلا من عدد قليل من المارة . كما ذكرت الإذاعة العراقية إن الزعيم عبد الكريم قاسم قام في ليلة الخميس على الجمعة بواحدة من جولاته التفقدية التي اعتاد القيام بها إلى عدد من إحياء العاصمة. وفي الساعة الثامنة والنصف توقف البث الإذاعي فجأة . ثم تبين إن فريقاً صغيراً من العسكريين استطاع الاستيلاء على محطة الإرسال الإذاعي الواقعة في منطقة تبعد حوالي خمسة كيلومترات شمال شرقي بغداد . وقد تكوّن الفريق من بعض الضباط الشباب شأن معظم الذين شاركوا في تنفيذ هذا الانقلاب العسكري . في نفس الوقت، بوغت قائد الجوية العراقية (الزعيم جلال الاوقاتي) بجماعة أخرى من صغار الضباط نجحت باقتحام منزله وسارع أفرادها إلى غرس بنادقهم الرشاشة في صدره طالبين منه إن يضع توقيعه على أمر يقضي بشن عملية جوية ضد وزارة الدفاع الوطني مقر إقامة الزعيم قاسم . ولما رفض إن يفعل ذلك، ازداد الضباط الشباب حدة في عدوانيتهم.

عندئذ وضع الزعيم (الاوقاتي) احد أطفاله في أحضانه معتقداً إن ذلك كفيل بردعهم قليلاً، إلا أنهم على العكس صاروا اشدّ شراسة وخطراً في تهديدهم. وهنا، وتحت فوهات البنادق الرشاشة المتحفزة نحو رأسه وافق على توقيع أمر القيام بالعملية . بيد أنهم وحال انتهائه من وضع توقيعه أطلقوا عليه رشقات رصاص عدة أردته قتيلاً في الحال، هذه هي البداية الفعلية الأولى لعملية تنفيذ الانقلاب العسكري . وفي تلك اللحظة كانت عدة طائرات قادمة من قاعدة الحبانية قد ظهرت فجأة فوق قاعدة عسكرية أخرى كائنة في موقع جنوب غربي بغداد تسمى بـ « معسكر الرشيد » يرابط فيها عادة قسم مهم من القوة الجوية والدبابات . فالجماعة المتمردة كانت تعرف مسبقاً بأنها لا تمتلك أي حظ في كسب ضباط الجو العاملين في معسكر الرشيد إلى جانبها. لذلك سارعت، عبر عمليات قصف نُفذت جيداً، إلى تدمير جميع أسراب الطائرات الرابضة هناك خلال بضعة دقائق فقط . وبفضل الفوضى التي نتجت عن ذلك، بوشرت الهجمات الجوية على مقر وزارة الدفاع الوطني .

حيث كانت الطائرات القادمة من معسكر الحبانية تحلق على ارتفاع منخفض، مقتفية مسار مياه دجلة المتاخم للجانب الشمالي من وزارة الدفاع، قبل أن تنطلق لتلقي قذائفها فوقها ثم تصعد محلقة عالياً في سماء مدينة بغداد نفسها.

هذه الفعاليات الجوية التي أيقظت جميع سكان بغداد من نومهم، أعطت الانطباع خلال بعض الوقت بان ما يجري هو مجرد مناورة جوية . غير إن راديو بغداد سرعان ما باشر بإذاعة البيان رقم واحد الصادر من « المجلس الوطني لقيادة الثورة » الذي أعلن « إن عبدالكريم قاسم انتهى بعد إن سحقته تحت أنقاض وزارة الدفاع » . لكن وحتى تلك اللحظة لم يكن الأمر كذلك في الواقع . بل إن الزعيم لم يكن في أي من المباني التي كانت الطائرات تهاجمها .

ففي فجر ذلك اليوم وبعد اختتام جولته التفقدية المعتادة في شوارع بغداد النائمة فانه فوجئ شأنه شأن باقي سكان بغداد، بحصول الهجمات الجوية. ولقد ظل على اتصال تلفوني مع الوزارة لحوالي الساعتين قبل إن يذهب بنفسه إلى مقر قيادته العامة في حوالي ما بين العاشرة والعاشرة والنصف صباحاً مخترقا بسيارته جموع المواطنين ورافعا أصابعه إلى الأعلى تشير بعلامة النصر ليتولى بنفسه قيادة المقاومة ضد الانقلاب العسكري فقبل إن يدخل مباني الوزارة المقصوفة، تجول في عدد من إحياء بغداد، ظاهراً بنفسه إمام السكان بهدف تبديد آثار الإعلان عن موته عبر إذاعة بغداد . ولقد بدا قاسم مطمئناً جداً بينما كانت الأوساط الشعبية البغدادية تعبر له عن حبها بشكل صادق وهي تعلن تضامنها معه في تلك اللحظة الحرجة . في وزارة الدفاع كانت هناك كتيبة معززة بحوالي سبعمائة رجل، هي بمثابة الحرس الاعتيادي للحكومة ولقائد الثورة . لكنها في تلك الجمعة من رمضان، لم تكن قط في حالة إعداد مسبق لمقاومة هجمة جوية، بينما لم يكن هناك شيء خلال الساعات الأولى من الانقلاب العسكري سوى الهجمات الجوية . والطائرات المستخدمة هي من طراز « ميغ » و« هوكر هنتر »، وكانت تطير على انفراد أو زوجياً قبل إن تلقي قنابلها الصغيرة وصواريخها الموجهة بدقة كبيرة . وكان السكان في تلك الساعة يتابعون معركة إذاعية بين محطتي الراديو والتلفزيون.

حيث كان الراديو الذي سقط بأيدي المتمردين يعلن موت قاسم، بينما كانت محطة التلفزيون، التي يبدو إن « المجلس الوطني لقيادة الثورة » نسيها في حساباته، تعلن من جانبها إن « الزعيم الامين » لا يزال على قيد الحياة وهو الذي يقود المقاومة، كما راحت تبث أشرطة يظهر فيها وهو يخطب في الجماهير . عندئذ، وبعد إن فشلت محاولاته العديدة لقطع البث التلفزيوني عبر الأوامر الهاتفية، اصدر « المجلس الوطني للثورة » أوامره للطائرات بقصف مبنى التلفزيون . وبانقطاع البث التلفزيوني فجأة هكذا، خسر قاسم الوسيلة الوحيدة التي ظلت بيده للحفاظ على قناة اتصال مع جماهير الشعب في بغداد. حتى نهاية صباح يوم الجمعة ذاك، كان قاسم لا يزال صامداً، حيث استطاع العسكريون السبعمائة الموجودون في وزارة الدفاع إن ينظموا مقاومة كفيلة بتعريض الطائرات التي تحاول مهاجمتها إلى الخطر . وهنا جاء تدخل المدرعات بمثابة المرحلة الثانية في عملية التمرد، إذ انه هو الذي سيقلب كفة الوضع لصالح الضباط الشباب الذين كانوا قد حضروا للانقلاب بجرأة لكن بشكل عجول جداً في ذات الوقت . ففي بغداد معسكران كبيران احدهما يعرف باسم « معسكر الرشيد » والآخر باسم « الوشاش »، تتواجد في كل منهما إعداد مهمة من القوات المدرعة.

ورغم إن قوات الوشاش أعلنت تأييدها للانقلاب العسكري منذ الدقائق الأولى للتمرد، فانه كان ينبغي الانتظار حتى بداية ما بعد الظهيرة، لكي نرى الدبابات تظهر في شوارع بغداد لتقوم بتطويق وزارة الدفاع من بعيد، وذلك لأن العمليات الجوية للطائرات منعتها من الاقتراب جداً من مباني الوزارة المحاصرة . وهنا، ومن داخل الوزارة، راح قاسم يحاول التمكن من استقدام القوات المدرعة المرابطة في معسكر الرشيد لتجيء في نجدته، غير انه كان يواجه رفضاً مبطناً من لدن المسؤولين فيها . حيث كان قائد القوات المدرعة في معسكر الرشيد يراوغ زاعماً بأنه عاجز عن القيام بشيء . لكنهم يقولون اليوم في بغداد إن ضباط المدرعات كانوا يعتقدون منذ 18 كانون الأول 1962، بان قاسم يشك في ولائهم، حيث قام في احد الاجتماعات العسكرية معهم بإبراز ورقة مطوية في يده وهو يقول لهم "إنني اعرف إن بينكم من يحضر لمؤامرة ولديّ في هذه الورقة أسماؤهم وبعضهم من كبار الضباط..".

وهكذا، فمنذ ذلك التاريخ، وضباط المدرعات لا يضمرون إلا ثقة متأرجحة بقائد الثورة العراقية . إما الضباط الذين لم يتهمهم بشيء فأنهم هم أيضا خذلوه ولم يتحركوا للدفاع عنه في ذلك اليوم حيث كان قاسم بأمس الحاجة لهم ...

ابتداءً من الساعة الخامسة مساءً، أصبحت الطائرات أقل عدداً نتيجة نجاح الدفاعات الجوية الموجودة في وزارة الدفاع بإسقاط واحدة منها . فالمقاومة فيها كانت متواصلة بعد، غير إن التعزيزات العسكرية التي أخذت تصل إلى المتمردين تزايدت باستمرار.

وفي حوالي الساعة السادسة والنصف مساء كانت العاصمة قد شهدت وصول وحدات قادمة من معسكر ثالث أكثر بعداً عن العاصمة . كانت الدبابات المسبوقة بسيارات جيب يجلس فيها عدد من الضباط، تأخُذ مواقعها بشكل بطيء وحذر أول الأمر، ثم بعد برهة تبدأ بدورها بإمطار قذائفها على مباني وزارة الدفاع . ابتداء من هذه اللحظة فقط، أصبح مؤكداً إن قاسم خسر المعركة . واليوم، بعد عودة الهدوء، فان كل من يحلل عملية الانقلاب مقتنع بأنها أعدت بشكل سيئ وان المتمردين ما كانوا يستطيعون الإطاحة بقاسم لولا الحظ الكبير الذي حالفهم .

 

بقلم : فراس الغضبان الحمداني

 

محمد السعديقال أحد معاوني الرئيس السوفيتي السابق (ميخائيل كورباتشوف) الذي على يده أنهار الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدولة الاشتراكية وحلف وارشو وتهديم جدار برلين وتشتيت اليسار العربي والعالمي. أن كورباتشوف أبلغه ووصل رسالة عن طريقه الى الشعب الروسي، أن لايتذكروا التاريخ ولا يرجعوا له لانه كان مزور ومشوه ومسيس بعد ثورة أكتوبر العظمى عام ١٩١٧. بعد موت الزعيم لينين، أطاح ستالين بمنافسه القوي لقيادة الحزب والدولة تروتسكي ولاحقه الى المكسيك وقتله شر قتله . وأبتعد عن ماركسية ماركس في بناء الدولة والمجتمع .

فالتاريخ الانساني يدونه المنتصرون غالباً وفق مصالحهم الخاصة بعيداً عن نضالات الشعوب الحقيقية في الحرية والعيش والنضال . المذكرات تعبير عن السيرة الذاتية للانسان سواء كان سياسياً أو أقتصادياً أو موسيقياً أو عتالاً وووو . بمثابة صندوق عن ما أنجزه في مسيرته الحياتية طيلة سنوات نضاله وبحثه وعمله. في سنوات الغربة والهزيمة لم تفك عن ذهني ولع متابعة مذكرات رفاقنا الشيوعيين للادلاء بتجاربهم الشخصية النضالية والسياسية، ومكتبتي عامرة بلا أستثناء بجميع أوراق القادة الشيوعيين، والتي من خلال تلك السير الذاتية يمرون على تجاربهم النضالية السرية والعلنية ومواقفهم ومسؤولياتهم في تحديد الاخفاقات والنجاحات وظروف ملابساتها، وحتى تأخذ السير الذاتية طريقها الصحيح ودوافعها لابد من أن تأخذ المصداقية والشفافية نهجاً لها بعيداً عن العاطفة والمواربة وتمسكاً بالشجاعة والأمانة، فهي تاريخ شعب وبطولات شهداء وسجل ونضالات، لانه هناك أجيال تنتظر فلابد من أن تطلع وتقرأ من أجل رسم خارطة جديدة ومستخلصة عن تجارب الماضي في خدمة الحاضر ورسم المستقبل . مذكرات قادة حزبنا الشيوعي في الاغلب منها لم تكن بالمستوى الذي تنتظره جماهير الحزب والرأي العام في فضح الاسباب التي أدت الى تعثر التجربة وتخلفها عن سباق الاحداث . لم أجد سبباً مقنعاً واحداً .. لماذا غاب عن برنامج الحزب الشيوعي موضوعة السلطة والظفر بها وهي هدف لكل حزب مناضل ؟. وكشف طبيعة العلاقة مع المركز الاممي (السوفيت) ودورهم في أضعاف قدرات الحزب وفق مفاهيم نظرية ومصالح أبعدتهم عن تطلعاتهم الثورية في تسلم السلطة، ولم يعد هذا الأمر محصوراً بالتجربة الشيوعية العراقية حيث شملت كل الاحزاب الشيوعية والحركات اليسارية في المشرق العربي وغربه، وتجربة مصر نموذجاً. لم تتوقف ولا مرت تلك المذكرات على تفاصيل تلك الاحداث المفصلية في تاريخ الشعوب ومستقبلها .

 كتب عزيز سباهي تاريخ الشيوعيين العراقيين أعتماداً على بيانات وشهادات ووثائق وأسانيد ومذكرات ولقاءات . رافقت مسيرة الحزب صراعات فكرية وسياسية أدت الى تكتلات وأنشقاقات نخرت جسم الحزب . نموذجاً .. تجربة القيادة المركزية ١٧ أيلول العام ١٩٦٧، ما زلنا الى يومنا هذا ننعيها في أدبياتنا السياسية بالانشقاق ونلصقها بشخص عزيز الحاج وتصريحاته على شاشة التلفاز للانتقاص من ظاهرتها والتي ضمت خيرة كوادر الحزب في الاقدام والتحدي . لو أردنا أن ننصفها موضوعياً لاتخرج عن أطار (أنتفاضة حزبية) أو حركة معادية لسياسة البعث . لماذا لم يتوقف السيد عزيز سباهي بدراسة وقائعها من خلال اللقاءات بكوادرها المتبقية لانه جزء مهم من تاريخ الحزب ؟. تاريخ كتابة حزب عريق وطويل يحتاج الى لجنة من كفاءات وملاكات ذو باع طويل في النضال حتى ممن أصبح خارج التنظيم وله أعتراضات وخلافات مع سياسة الحزب . هذا تاريخ ملكاً للجميع . تاريخ العراق . أين نحن من مشاكل الحزب الداخلية والصراعات الفكرية التي عصفت به في السنوات الاخيرة ومشكلة مجلة (النهج) وتداعياتها ومالية الحزب ومآلها وحجم الاندساسات ومخاطرها غابتا عن ذلك التاريخ .. وعلى مسؤولية من تقع ؟.

قرأت جزء من مذكرات مام جلال المنشورة في جريدة (الصباح الجديد) البغدادية، تحديداً الفصل المتعلق بالمفاوضات بينهم وبين نظام البعث لحد سنوات قريبة قبل سقوطه على يد الامريكان، كان الشيوعيين طرف بها وكان المرحوم عزيز محمد محوراً، صحيح هو لم يذهب الى بغداد بالمشاركة مباشرة في المفاوضات، لكنه كان داعم ومؤيد ومتابع لتفاصيل تلك الخطوات حسب أعترافات المرحوم مام جلال . لماذا لم نطلع على تفاصيلها والموقف منها بعد مضي تلك السنيين ؟. 

بعد حرب الكويت والانهيار الذي أصاب أجهزة النظام والفراغ الأمني الذي تركه . أستغل قادة الحزب الوضع الجديد بالتسلل الى بغداد، وهذه خطوة تحسب لهم ولتاريخهم ، لكن تبين فيما بعد كانت برعاية مخابراتية عبر عميلهم العتيق (أبو طالب)، الذي أعدم فيما بعد في الجبل بتأمين شقتين لهم في قلب العاصمة بغداد بالتنسيق مع أجهزة البعث . وعندما تجددت المفاوضات بين القوى الكردية ونظام البعث . سأل وطبان أبراهيم الحسن السيد مسعود البرزاني عن غياب الشيوعيين في المفاوضات، حاول كاكا مسعود أن يبرر له، أنهم مشغولين بالنقاشات عبر الخلايا والهيئات الحزبية للوصول الى قرار، فتفاجأ السيد مسعود بتعقيب وطبان أن قيادة الحزب الشيوعي موجودة في بغداد . فابرق السيد مسعود الى كريم أحمد ليبلغه أن الجماعة يعرفون بالربع في بغداد، فانسحبوا الى الجبل بحجة قرب عقد مؤتمر أستثنائي . كما تسرب من بعض المصادر المطلعة .

قرأت مذكرات الركن الثاني، ولكن ليس الهاديء .. خالد علي صالح .. هاني الفكيكي .. حازم جواد .. طالب شبيب . وأخرون . كانوا أكثر جرأة في نقد الذات (جلد النفس) . خطأوا كل تلك التجربة البعثية وتحملوا قسطها الاكبر بشكل شخصي بما لحق من حيف وتخلف ودمار بحياة العراقيين وأعتذروا من ذلك التاريخ الذي لم يجلب للعراقيين الأ الويلات والألام . كل تلك ألاعترافات والندم لايبرر تاريخهم وستبقى ندوباً سوداء لا تمحى في مسيرة تاريخهم الشخصي والسياسي .

في تجربة شخصية في اليوبيل الذهبي لميلاد حزبنا الشيوعي العراقي عام ١٩٨٤ أذار، في وادي (كرجال) بقاطع سليمانية وكركوك . قمنا كرنفال كبير ومتنوع من مسرح وحفل غنائي وأماسي بمشاركة وفود من أحزاب شقيقة لعدة أيام رغم القصف المدفعي لموقعنا . في يومها يتطاير الرفاق مسؤولي القاطع فرحاً، حاملين الراديو بأعلى صوته صداه يرن في جوف الوادي . أن أذاعة موسكو القسم العربي مرت لمدة ثلاثة دقائق بذكرى المناسبة بتقليب صفحات من تاريخ الشيوعيين العراقيين وفي الوقت الذي تتساقط على رؤوسنا يومياً قذائف رفاقنا السوفيت والالمان الشرقيين . مرحلة معقدة وحساسة بحاجة الى قراءة موضوعية حتى وأن كانت متأخرة أفضل من أن لاتأتي يوماً.

في حديث ودي وصريح مع المرحوم عامر عبدالله في بيته في العاصمة (براغ). صيف عام ١٩٨٩ حول أوضاعنا الداخلية قديماً وحديثاً ومستقبلاً . توقفنا عند ثورة تموز وسياسة الزعيم والعلاقة المعقدة مع الشيوعيين وما زالت بحاجة الى فك عقدها . وكان الحديث في حينها حول نيتي بأصدار كتاب حول خزعل السعدي .

قال لي.. كان خالك خزعل السعدي سبب لنا أحراجات شديدة الحرج هو مطالبته العلنية بعزل الزعيم وأستلام السلطة ورغم حديثنا المتواصل معه بتهدئته ومن خلال القنوات الحزبية (العسكرية) الضيقة عبر الشهيد نافع يونس وغضبان السعد وثابت حبيب العاني وعطشان ضيول الازريجاوي لعلاقتهم بخطوط التنظيم العسكري، لكن خزعل كان لايكل في مطالبته وجديته في الاقدام على المبادرة، حتى تجاوز الخطوط كلها بعد حركة عبد الوهاب الشواف عام ١٩٥٩ وذهب بملابسه العسكرية مع رفيقه خليل العلي أمر الكتيبة المدرعة الثانية الى مقر جريدة الحزب (أتحاد الشعب) مطالبين بضوء أخضر من قيادة الحزب بعزل الزعيم قاسم لانقاذ العراق وشعبه من كارثه محدقه، كما وقع لاحقاً في يوم ٨ شباط عام ١٩٦٣، ويكمل حديثه معللاً الاسباب الى الزمن الذي كنا به أمام خيارات صعبة بسبب تبعيتنا للسياسة السوفيتية وتقييد حركتنا أي بمعنى الالتزام الكلي بما يصدر منهم من أملاءات نحن ملزمين بالتقيد بها لجملة أسباب داخلية وخارجية، موضوعية وذاتية . وأحتراماً أي خضوعاً للوصايا السوفيتية لم يدر في بالنا ولاحتى يأخذ الموضوع نقاشاً موسعاً في أجتماعاتنا في أستلام السلطة وتفويت الفرصة على أعداء الثورة رغم شعورنا باليأس من سياسة الزعيم قاسم وتذبذبه بين الاطراف المتصارعة . عامر عبدالله يعتبر المفكر الوحيد التي أنجبته الحركة الشيوعية في العراق بما يتمتع به من مؤهلات ثقافية وفكرية وسياسية ورسم سياسات مستقبلية لحركات البلدان والشعوب . قد يشار له باليمينية من رفاقه ومعاصريه ومتابعيه، لكنه يبقى موسوعة فكرية عالمية . في عيشي الطويل بمملكة السويد ومن خلال قراءاتي لبرامج الاحزاب السويدية الثمانية والمصنفة والمقسمة بين اليمين واليسار . فأنها من حيث المبدأ والبرامج وألية التفكير أنها تصب في بوتقه واحدة والذي وقع أخيراً في التشكيل الحكومي الجديد بعد أن تعرقل لمدة ١٣١ يوماً، عادوا وعقدوا (صفقة) بزنس أقصى اليمين مع أقصى اليسار وأقصوا أحزاب يمينية ويسارية من التشكيلة الجديدة .

 

محمد السعدي

مالمو / شباط / ٢٠١٩