محمود محمد علي"الثقافة الاقتصادية"

"الثقافة الاقتصادية"، تعبير أو مصطلح يبدو غريباً علينا، ويتساءل البعض منا ما هي علاقة الثقافة بالاقتصاد؟!. إلا أن الأمر عندما تخضعه للدراسة يصبح بديهياً لدرجة عضوية لا فكاك فيها بين علم الاقتصاد والثقافة. فقد عقد الكثير من الناس في الماضي على أن التنمية الاقتصادية تعتمد على الإصلاح، والعلم والتكنولوجيا، لكن في الوقت الحاضر يجب إضافة عامل الثقافة. وإضافة هذا العامل عدّ أساسياً في عملية تطوير أي بلد أو قومية أو حكومة، وأن الوعي الثقافي وثقافة الثقة بالنفس هي الخطة الأبرز لتقدم ثقافة أي نظام في العالم.

لقد كشفت لنا التجارب الحقيقية لنمو الشعوب وازدهارها، أن المجتمعات لا تنهض اقتصاديا دون النهوض بالتعليم والثقافة، وأي خطط تنموية تغفل هذا الجانب الثقافي المهم مآلها الفشل.

يقول علماء الأنثروبولوجيا إن الثقافة محدد مهم لقدرة الأمة على أن تزدهر، لأن الثقافة تصوغ أفكار الأفراد عن المخاطرة والجزاء والفرصة، حيث تعتبر القيم الثقافية مهمة لأنها تشكل المبادئ الأساسية التي ينتظم حولها النشاط الاقتصادي، وبدون نشاط اقتصادي يغدو التقدم مستحيلا.

قصدت أن أبرز هذه المقدمة لأكشف في هذا المقال عن قضية مهمة أكد عليها مراراً وتكرارا محمد طلب (مع حفظ الألقاب) ألا وهي انخفاض مستوى الثقافة الاقتصادية لدي الكثير من المثقفين العرب وغير العرب؛ حيث يري محمد طلب أن المعرفة الاقتصادية أو الثقافة الاقتصادية تعد مهمة للأفراد والحكومات . فعلى مستوى الفرد؛ تساعده على ترشيد قراراته الاقتصادية من إنتاج أو استثمار أو إذخار... الخ وكذلك، فإن الثقافة الاقتصادية تساعد الفرد منا على فهم ما يجري حوله من نزاعات وتحالفات دولية وعلى فهم طبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية بصفة عامة .

وعلى مستوى الحكومات، فإن وعي الناس بما يطبق من سياسات اقتصادية من حيث أهدافها وآلياتها يعتبر من العوامل المهمة في نجاح هذه السياسات في تحقيق أهدافها المعلنة، وذلك لأن الأفراد كما يري الدكتور محمد طلب عندما يزداد وعيهم بالسياسات الاقتصادية التي تتبناها الحكومة يغيرون ويعدلون سلوكهم الاقتصادي في الاتجاه المرغوب فيه .

فمثلا يؤكد محمد طلب أنه عندما يدرك الناس ما تتخذه الحكومة من سياسات أو إجراءات لتخفيض معدلات تضخم الأسعار، فإنهم يتوقعون انخفاضا في معدل التضخم، فيقل إقبالهم على السلع بغرض التخزين، وينخفض الطلب على السلع، والخدمات، ويتراجع بالتالي معدل التضخم، ويحدث عكس ذلك تماما عندما ينعدم الوعي بما يطبق من سياسات اقتصادية ويتوقع الناس ارتفاعا في الأسعار؛ فإن سلوك الأفراد في الاتجاه المعاكس، قد يؤدي إلى إجهاض أثر ما تتخذه الحكومات من سياسات . والأمثلة في هذا المجال كثيرة . وهذه الملاحظة تندرج تحت ما يطلق عليه الاقتصاديون أثر التوقعات على المتغيرات الاقتصادية .

وعلى الرغم من الأهمية البالغة للثقافة الاقتصادية فإن محمد طلب يلاحظ أن القراءة الاقتصادية في بلادنا مع الأسف قليلة جدا؛ ففيما عدا من دفعتهم حظوظهم لدراسة علم أو العلوم الاقتصادية فإن القليل من الناس من يقبل على القراءة في الاقتصاد ما لم يكن لهم مصلحة مباشرة في مثل هذا النوع من القراءات !.

ثم يؤكد محمد طلب علي أنه "توجد مصطلحات اقتصادية كثيرة شائعة الاستخدام لا يدرك الكثير من القراء معناها الحقيقي ! فهل يدرك كثير من غير المتخصصين مصطلحات اقتصادية شائعة الاستعمال مثل الناتج المحلي الإجمالي ومعدل نموه والفرق بينه وبين الناتج القومي؟، ومثل تعويم العملة وميزان المدفوعات والحساب أو الميزان الجاري؟، ومثل الموازنة العامة للدولة والعجز والفائض بها؟ ومثل الرقم القياسي لأسعار المستهلكين ومعدل التضخم؟، ومثل معدل البطالة، أو حتى مفهوم البطالة الذي لا يعرفه الغالبية العظمى من القراء؟ ... إلخ".

ثم يتساءل محمد طلب هذا السؤال: ما تفسير انخفاض الثقافة الاقتصادية في بلادنا؟

هنا يجيبنا فيقول: هذه الظاهرة أي ظاهرة تراجع الثقافة الاقتصادية تكاد تكون ظاهرة مصرية وعربية . ففي الدول الأخرى والمتقدمة بصفة عامة تجد أن الوعي الاقتصادي لدى الناس مرتفع وملحوظ جدا والناس هناك يدركون معاني المصطلحات الاقتصادية التي تبدو للقارئ عندنا لوغاريتمات لصعوبتها !!

ثم يستطرد محمد طلب قائلاً: دائما يتردد الرأي بأن الثقافة الاقتصادية ضعيفة لأن علم الاقتصاد علم صعب جاف قائم على المعادلات والرسوم البيانية والإحصاءات الكثيرة . وهذا الرأي غير مقنع وأقصى ما يقدمه من تفسير لنقص الثقافة الاقتصادية يعتبر محدودًا جدا. نعم، علم الاقتصاد ليس علمًا ممتعًا مسليًا؛ فالحديث في الاقتصاد لا يشبه الحديث في الشعر أو فن الرواية أو الفنون بصفة عامة أو علم النفس . لكن من قال بأننا نقرأ للمتعة والتسلية فقط؟! فبغرض المتعة والتسلية أو بدونهما، نحن نقرأ لنتعلم وندرك ما يدور حولنا . ومن ناحية أخرى ليست كل العلوم الاقتصادية غارقة في الرياضة والإحصاء؛ فيوجد ما يقرب من خمسين علمًا أو فرعًا تندرج تحت العلوم الاقتصادية أو اختصارا علم الاقتصاد وهي ليست كلها اقتصادا رياضيا أو قياسيا . ومن ناحية ثالثة، فإن العلوم الاقتصادية التي تعتمد على الأدوات الرياضية والإحصائية يمكن الحديث عنها وعما تتوصل إليها من معارف لعامة الناس دون الحاجة إلى ذكر المعادلات والإحصاءات، أي أننا نتحدث عن نتائج أو ما توصلنا إليه من تحليل هذه المعادلات والإحصاءات . ومن ناحية رابعة، فإن هذا الرأي لو كان صحيحًا لانطبق علينا وعلى غيرنا من الدول، فالعلوم الاقتصادية التي تدرس عندنا هي نفسها التي تدرس في الدول الأخرى.

لم بكتف محمد طلب بل يقول: قد يرى البعض أن ضعف الثقافة الاقتصادية راجع لضعف الثقافة بصفة عامة . ألم تبين الدراسات الجادة بأن المصريين والعرب بصفة عامة من أقل شعوب العالم في القراءة؟ ولكنني أسارع بالقول: بلى، ولكن القراءة الاقتصادية تعتبر قليلة مقارنة بغيرها من مجالات القراءة عند المثقفين ومن يقرأون حتى لو كانت نسبة القراء عندنا قليلة مقارنة بالدول الأخرى.

ثم يؤكد فيقول: أنا لست من الذين يدلون بآراء قاطعة لظاهرة لم تدرس بعناية ولكنني أرجح أن مسؤولية ضعف الثقافة الاقتصادية عندنا تقع على عاتق علماء الاقتصاد والتنفيذيين . فعلماء الاقتصاد عليهم تبسيط العلوم الاقتصادية وإتاحتها للقراء . ففي كل العلوم تقريبًا يوجد من يبسطها ويقدمها للثقافة العامة فأستطيع أن أضرب أمثلة كثيرة لمن قام ويقوم بتبسيط علوم مثل الهندسة والطب والزراعة والعلوم السياسية ... إلخ ولكن لا يوجد جهد مماثل يبذله علماء الاقتصاد فهؤلاء إما عاجزون أو متكاسلون أو خائفون؛ فيوجد طائفة من الباحثين الاقتصاديين عاجزة عن تبسيط العلوم الاقتصادية لأن القيام بذلك يحتاج لمهارة لا تتوفر لديهم فليس من يعرف يكون دائما قادرا على التبسيط . ومن ناحية ثانية، فإن من يقدر على التبسيط قد يتكاسل عن القيام بذلك لما يتطلبه من بذل الجهد والوقت. ومن ناحية ثالثة، فإن البعض من الباحثين الاقتصاديين القادرين على تبسيط العلوم الاقتصادية قد يحجمون عن ذلك خشية أن يتهمهم زملاؤهم أو حتى أساتذتهم بالسطحية وعدم التعمق ! وكأن الإنسان لكي يكون عالما يشار إليه بالبنان عليه أن يكتب بأسلوب صعب غامض يحتاج إلى قاموس متخصص لفك طلاسمه ! .

أما ما يتعلق بالتنفيذيين؛ فإن الكثير منهم كما يقول محمد طلب يميل للتعقيد وعدم الوضوح خشية المحاسبة ! فمن هم في جيلنا يذكر كيف أن أحد الوزراء في مصر استغل عدم إدراك الناس للفرق بين التوازن المحاسبي أو الحسابي للموازنة العامة للدولة وعدم توازنها الاقتصادي؛ فجميع الموازنات الحكومية متوازنة من الناحية المحاسبية لأنها قائمة على القيد المزدوج ولكن هذا التوازن الحسابي لا يمنع أن تكون الموازنة العامة بها عجز أي نفقاتها تفوق إيراداتها السيادية وأهمها الضرائب، وتكون هنا غير متوازنة اقتصاديا. استغل الوزير في عهد السادات عدم معرفة السادات وعامة الناس بالفرق بين التوازن الحسابي والتوازن الاقتصادي وأقسم -برحمة أمه - أن الموازنة العامة متوازنة ! وهو صادق في قسمه ولكنه كان مضللًا !!

وثمة نقطة أخري مهمة وجديرة بالإشارة نود أن نناقشها هنا في إطار حديثنا عن الثقافة الاقتصادية، ألا وهو الارتباط الوثيق بين التعليم والتنمية والذي لا يحتاج لأدلة وشواهد لإثباته كما يقول الدكتور محمد طلب ؛ فلا يمكن تصور وجود تنمية حقيقية بدون تعليم عصري عالي الجودة . أيضًا، التنمية هي الضمان لنجاح التعليم . فالعلاقة بين التعليم والتنمية كما يقول محمد طلب علاقة سببية فكلاهما ضروري للآخر . ونظرا لأهمية التعليم للتنمية فقد خصصت الأمم المتحدة غاية مستقلة له ضمن غاياتها لتحقيق التنمية المستدامة . وتنص هذه الغاية على ضمان التعليم الشامل والجيد للجميع مع تعزيز التعلم مدى الحياة.  وقد وضع لهذه الغاية وسائل تحقيقها وكذلك مؤشرات تساعد على متابعة التنفيذ.

في إطار العلاقة بين التعليم والتنمية يطرح محمد طلب تساؤلات أو قضايا حيوية نعرض لأبرزها باختصار فيما يلي:

١- ما أثر التعليم على النمو الاقتصادي؟ وما أثر النمو الاقتصادي على التعليم؟

٢- ما أثر التعليم على مستوى الفقر والتفاوت في توزيع الدخل بين فئات المجتمع؟

٣- ما أثر التعليم على الهجرة الداخلية من الريف إلى الحضر والهجرة الخارجية؟

٤- ما أثر تعليم الإناث بصفة خاصة على التنمية؟

فيما يتعلق بالقضية أو التساؤل الأول عن العلاقة بين النمو الاقتصادي والتعليم فقد لاحظ محمد طلب أن التقدم الذي أحرزته الدول الصناعية لم يكن نتيجة لامتلاكها الموارد المادية فقط بل السبب الأهم هو التعليم والاستثمار في رأس المال البشري فالعنصر البشري هو المخطط والمنفذ لكل عمليات النمو والتنمية .ومن ناحية أخرى فالنمو الاقتصادي يساعد على توفير التمويل اللازم للنهوض بالتعليم.

وفيما يتعلق بأثر التعليم على مستوى الفقر وعدالة توزيع الدخل، فالتعليم الجيد للجميع في نظر محمد طلب يؤدي إلى زيادة فرص العمل وزيادة الدخل لدى الفقراء وبالتالي تخفيض معدل الفقر وتحسين نمط توزيع الدخل. لكن مع الأسف، أظهرت الدراسات التطبيقية أن الأمر معكوس في الدول النامية فالفقراء هم أول من يتسربون من التعليم لحاجتهم إلى العمل كما أن مستوى تحصيلهم أقل مقارنة بالأغنياء بسبب سوء التغذية وانخفاض المستوى الصحي وعدم قدرتهم على الحصول على دروس خاصة. أضف إلى ذلك، بسبب تركيز التعليم المجاني في الدول النامية على الكم بدلا من الكيف مع إتاحة التعليم الخاص الأكثر جودة أمام الأغنياء ضاقت فرص حصول الفقراء على الوظائف الجيدة التي أصبحت حكرا على الأغنياء . وبالتالي يصبح التعليم في الدول النامية بوضعه الحالي باعثا على الفقر ومعززا للتفاوت غير العادل في توزيع الدخل !!

وفيما يتعلق بأثر التعليم على الهجرة الداخلية من الريف إلى الحضر فقد لاحظ محمد طلب في الدول النامية أن التعليم السائد في هذه البلدان يشجع على ترك القرى والهجرة إلى المدن الكبرى لمواصلة التعليم العالي والدراسات العليا وكذلك للحصول على فرص للعمل والاستفادة من التسهيلات المعيشية التي لا تتوفر في الريف الفقير. ومثل هذه الهجرة تضغط على المرافق والمساكن وتعمل على تضخم المدن وخلق أحياء عشوائية.

كذلك تعمل أنماط التعليم والحياة السائدة في الدول النامية على الهجرة الخارجية وهي الظاهرة المعروفة بهجرة العقول أو نزيف العقول. وتساعد هجرة العقول إلى حرمان الدول النامية من تحصيل مردود التعليم وزيادة الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة.

وأخيرا قضية تعليم الإناث، لقد بينت الدراسات المتاحة أن العائد المجتمعي من تعليم الإناث يفوق العائد من تعليم الذكور ! فتعليم المرأة يعمل على تخفيض عبء الفقر ويرفع من مستوى صحتها وصحة أولادها وهذا بالطبع له مردود إيجابي على التنمية . أضف إلى ذلك، فقد لاحظ محمد طلب أن تعليم الإناث يعمل على تأخير سن الزواج وتخفيض حجم الأسرة ومعدل المواليد مما يؤدي إلى تخفيض معدل النمو السكاني الذي يعوق التنمية؛  يقول محمد طلب: لا أعرف قضية عليها إجماع وطني مثل قضية التعليم في مصر فهي قضية المجتمع المصري كله بل هي أزمة المجتمع ! والدراسات والتوصيات بشأنها توجد في أدراج جميع مراكز البحوث والمعاهد المتخصصة. وكل ما نملكه هنا هو الإلحاح في المطالبة بإصلاح التعليم الذي ثبت أن له مردودا تنمويا بالغ القيمة .

ثم يلفت محمد طلب الانتباه إلي عدة نقاط ضرورية. أولا، إصلاح التعليم يجعل مصر قادرة على إقامة الصناعات الحديثة والتكنولوجيا المتطورة وأن تتبوأ المكانة التي تستحقها أسوة بالدول التي كانت حتى الستينيات من القرن الماضي في ظروف أسوأ من ظروفنا مثل كوريا الجنوبية وغيرها ! ثانيا، لابد من مراجعة البرامج والمقررات ووضع آلية للتطوير المستمر حتى تواكب العصر. ثالثا، ضرورة إعداد المعلم ومكافأته حتى يستعيد دوره التعليمي والتربوي الذي تراجع كثيرا أمام الدروس الخصوصية والتعليم الموازي. رابعا تطوير طرق التدريس بالبعد عن التلقين وتنمية القدرة على النقد والابتكار. خامسا، إعادة النظر في لغة التدريس فلم تعد العربية اللغة التدريسية الأولى في جامعاتنا ومدارسنا . هذا فضلا عن تدني مستوى اللغة العربية عند القائمين باستخدامها كلغة تدريس وغلبة اللهجة العامية عليهم . رابعا، مراجعة مجانية التعليم فقد لوحظ مع زيادة الإنفاق على التعليم تزداد المخرجات سوءا بسبب الاهتمام بالكم على حساب الكيف. فلماذا لا يدفع الطلاب الأغنياء؟

سادسا، أدرك أن إصلاح منظومة التعليم العام في مصر يحتاج إلى تمويل لا يتوفر في الظروف الراهنة حيث تعاني الدولة من العجز المزمن في الموازنة والعبء الثقيل والمتزايد للدين العام. ولكن بإعادة ترتيب أولوياتنا وتنفيذ الاستحقاقات الدستورية الخاصة بالإنفاق على التعليم سوف ننعم جميعا شعبا وحكومة بالمردود الاقتصادي للتعليم وما أعظم هذا المردود وتجارب الدول في الماضي والحاضر شاهدة على ذلك ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

جواد غلوم"حينما يتعانق الشعر مع الفن فيولد الجمال بأبهى طلعتهِ"

كلما تضيق نفسي وأحتاج أدبا وفنا يؤنسني ويخفف من همومي ألجأ إلى  قصيدة "الأطلال" المغناة من حنجرة كوكب الشرق أم كلثوم فأصغي اليها مليّا وأبحر في خضم جماليتها اللحنية وكلماتها الشجية، هذه القصيدة من كلمات الشاعر الطبيب إبراهيم ناجي، وفي يقيني انها أجمل ما فاحت قريحته من شعر والتي كان مطلعها قبل أن تُغنّى:

يا فؤادي رحم الله الهوى ---- كان صرحاً من خيالٍ فهوى .

وقبل ان تبدّل أم كلثوم مطلع الشطر الاول وغنّته بعد مداولات وحوارات واعتراضات: يا فؤادي لا تسلْ أين الهوى .. بذريعة ان: رحم الله الهوى تدلل على الموت ولا يليق بأغنية رائعة كهذه أن تبدأ ببداية محزنة . لكنها وبدون ايّ سابق إنذار لوحظ تأثير البكاء والحزن على محيّاها وهي تغنيها مثلما كان شعراؤنا الاوائل يبكون أطلال وآثار حبيباتهم وهم ينزحون من جدب الى مرعى آخر  وهذا هو ديدن قبائلنا العربية بحثا عن الكلأ والماء والغذاء .

 يقول المثل الصيني المعبّر الزاخر بمعناه ومبناه: "إن كل شجرة لابد أن تمسسها الرياح" وهذا يدلل أن كل قلب لابد وأن يمسّه الحب؛ والشاعر الرقيق "إبراهيم ناجي" دخل حياة الممثلة السينمائية " زوزو حمدي الحكيم " شاهرا قلبه.. وقلمه.. لم تكن  الفنانة " زوزو " هي أولى  ملهماته.. ولم تكن آخرهن.. هي ليست أول حب يدقّ له قلبه.. ولم تكن أيضا آخر حب.. لكنها كانت أعظم حبّ في حياته .

فالفارق بين عمريهما تجاوز سبعة عشر عاما.... كلاهما ينتمي إلى شهر ديسمبر.. برجاهما واحد.. وقلباهما عاشقان.. قلبها لم يفتح أبوابه من قبل.. وقلبه لم يكن يوما منغلقا على النساء .. قبلها أحب الفنانة " زينب صدقي "  فنظم في غرامها قصيدة  " وداع المريض ".. وأحب الراقصة " سامية جمال " فكانت قصيدة " بالله مالي ومالك " ووقع في غرام الممثلة " زوزو ماضي " فألف قصيدته " صخرة المكس ".. ثم عشق الشاعرة " أماني فريد " فكانت قصيدة " أمل " وأحب العازفة الموسيقية " إنعام " فنظم قصيدة " صولة الحسن " . إنه كازانوفا شعراء مصر وقتذاك .

 تخرج إبراهيم أحمد ناجي من مدرسته الثانوية بحي شبرا الشهير في القاهرة ليدخل كلية الطب ويتخرج منها عام 1922 ثم عمل طبيبا في مصلحة السكك الحديدية ومنها إلي وزارتي الأوقاف والصحة .

 كان الشاعر إبراهيم ناجى يعتاش من مرتبه كطبيب ويكافأ علي  قصائده كشاعر.. بزغ نجمه بعد أن ترجم لأول مرة أشعار " شكسبير" و" بودلير" و" ديموسيه " و" لامرتين " .

  ذاع صيته بعد أن أصدر ديوانه الأول " وراء الغمام " ثم " ليالي القاهرة " ومن بعدهما ديوان " في معبد الليالي"  وأخيرا " الطائر الجريح " آخر دواوينه  .

أصبح الطبيب الشاعر نجما في صفحات الجرائد والمجلات.. وبين سطور دواوين الشعر وداخل صالونات الفكر والأدب.. وبدأت تهفو إليه فنانات مصريات بسبب إبداعه الشعري الملفت .. وبدأ قلبه يتسع لحبهنّ واحدة بعد الأخرى .

كان يرى في كل واحدة منهن جمالا تنفرد به عن غيرها.. كل امرأة من نساء الدنيا لها موطن للجمال لا يدركه غير قلب مرهف بين ضلوع رجل عاشق وشاعر دافق ؛ وكان وحيّ الشعر يغزو عقل ناجي مع كل حب جديد.. واستمرّت الأبيات تنهمر فوق رأسه كالمطر.. وكان يسرع بالتقاط ورقة  أو حتى علبة سجائر ليكتب أشعار اللحظة التي يعيشها ان لم يجد الورق ليصبّ معاناته في سطورها .

 كتب في الفنانة " نجوى سالم " أرق وأصغر قصيدة حب وخطّها لها بقلمه فوق علبة سجائرها ؛ فانصرفت دون أن تعيد له علبة السجائر التي ظلت تحتفظ بها حتى نهاية حياتها .

لكن حكايته مع زوزو حكاية غريبة ملفتة .

لقد أحبها بعنف منذ النظرة الأولي .. أحب صورتها قبل أن يسمعها وأحب عينيها قبل أن تبادله نظرات الهيام .. لم تكن زوزو حمدي الحكيم تحظى بالجمال الذي تحظى به فتيات الأحلام وملهمات الشعراء ولم تكن ساحرة العين ولا طويلة الشَّعر ولا شقراء  ولا حلوة التقاطيع، لكن ناجى كان يبحر فيما وراء الملامح والشعر والعينين .. كانت سفينة غرامه لا تبحث عن الموانئ التقليدية المبهرة بل اعتاد الغوص في بحارٍ تئنّ فيها الرياح.. ضاع فيها المجداف والملاح  . 

زارته زوزو مراراً في عيادته.. وأدمنت الزيارات  شوقا لرؤيته . 

كان ناجى يدوّن قصة حبه لها كلما زارته وهى تتوارى خلف الفحص الطبي . 

كتب ناجى لها خلف روشتة الدواء بعد شهر واحد من ترددها عليه وقال:

يا حبيبا زرت يوما أيكهُ.

طائر الشوق أغني ألمي.

لك إبطاء المذلّ المنعم.

وتجنّي القادر المحتكم.

وحنيني لك يكوي أضلعي.

والثواني جمراتٌ في دمي

وفي زيارة أخرى كتب لها يصوّر غرامها قائلا:

هل رأى الحب سكارى مثلنا ..

وكتب خلف إحدى روشتاته الطبية يصوّر موقفا آخر من غرامها فقال:

ومشينا في طريق مقمرٍ

تثبُ الفرحة فيه قبلنا

وضحكنا.. ضحك طفلين معا

وعدونا.. فسبقنا ظلنا

ويمر عام.. وراءه عام.. والحب الكبير.. يعصف بقلب الشاعر الرقيق.. وينساب نغما في رسائله إلى ملهمته الفنانة زوزو حمدي الحكيم حتى يفترقا يوما.. ومازالت قصيدة الأطلال بلا نهاية.. أبيات عنده.. وأبيات عندها.. وأبيات مازالت في علم الغيب إلى أن جاء يوم صنعت فيه الصدفة لقاءً خاطفا بين ناجى وزوزو داخل أحد محال الزهور.. كان هو مع زوجته وكانت هي مع ابنتها .

حالت بينهما قيود صنعتها الأيام.. وعلاقات الزواج.. زوجة ناجى وابنة زوزو، ورغم ذلك تحرّك قلب الشاعر الكبير بعد أن مرّ اللقاء هادئا وهو الذي كان بالأمس بركانا ونارا.. لم يتبادلا كلمة واحدة.. كل منهما عاد إلى بيته.. زوزو لا يبرح خاطرها طيفُ زوجة ناجي، وناجي يحترق ويكتب الأبيات التي أجّلها وأخّرها القدر حتى كان هذا اللقاء..

أمسك سماعة التليفون وراح ينشد لزوزو الحكيم من مقاطع شعرية من قصيدة الأطلال عبر الأثير:  

يا حبيبي.. كل شيء بقضاء

ما بأيدينا.. خلقنا تعساء

ربما تجمعنا أقدارنا

ذات يومٍ بعدما عزّ اللقاء

فإذا أنكر خلٌّ.. خلّه

وتلاقينا لقاء الغرباء

ومضى كل إلى غايتهِ

لا تقل شئنا.. فإن الحظ شاء

ابتعدت الفنانة الكبيرة زوزو حمدي الحكيم عن الأضواء كثيرا في السنوات الأخيرة.. تفرغت لاحتضان ابنتها الوحيدة.. لكنها لم تنفِ يوما حكايتها مع الأطلال.. وأخيرا وقبيل وفاتها بدأت تبوح بالأسرار وكانت تتمنى ألا تنشر في مراحل عمر حياتها .

تقول زوزو حمدي الحكيم: تظل قصتي مع الشاعر الطبيب إبراهيم ناجى من أشهر القصص.. لن أقول قصص الغرام لأنه لم تربطني بناجي أي علاقة حب ؛ فالحكاية كلها بدأت عندما كان يأتي إلى المسرح الذي أعمل به يشاهد ويتابع أعمالنا الفنية لاهتمامه بالفنون مثل اهتمامه بالطبّ.. ثم تولّى  بعد ذلك مهمة علاج أعضاء الفرقة ومن هنا بدأت العلاقة تتوطد بيننا خاصة بعد مرض والدتي وأخذ يتردد على منزلنا لعلاجها ونحن نتردد علي  عيادته.. بعدها أصبح صديقا لنا  .

وتكمل زوزو حديثها قائلة:

في إحدى المرات سمعت أغنية السيدة أم كلثوم الجديدة "الأطلال".. وإذا بي أكتشف أنني قرأت هذه الأبيات من قبل ؛ لكن أم كلثوم تغنيها بطريقة مختلفة.. عدت إلى الروشتات المحفوظة عندي والتي كان يكتبها ناجي لوالدتي.. وجدت كل بيت من أبيات القصيدة على  كل روشتا من الروشتات .

كان يناديني فيها ب " زوزو "  أو حياتي أو صديقتي الحبيبة أو صديقتي المقدسة  ولا أنكر أنني بادلته بعض أبيات الشعر لكنه ليس كشعر الغرام الذي يكتبه لي وهذا لولعي بالشعر وإحساسي العالي بنشوته .

 ناجي لم يكن يكتب الشعر لي  فقط.. بل كتب في إحدى المرات لواحدة غيري وعندما سألته عن صحة هذا الخبر أرسل لي موضحا  برسالة من ثماني صفحات.. يقول في آخر جزء فيها:

" لو كنت أحببتها فعلا لرأيت أنت ذلك.. لأنك أيتها العزيزة تكشفيني بثلاث عيون.. عين المرأة وهى وحدها تكفي.. وعين الذكاء النادرة.. وهذه تكفي.. وعين الصديقة الحبيبة التي  تحب أن تعرف  أين أمتد ويمتد ظل هذا الصديق.. وهذه عين آسرة .

ثم تستطرد زوزو الحكيم قائلة: واختتم ناجى رسالته قائلا لي: " إذاً استطعتُ أن أكون الدليل الذي   يريك الفن والجمال والخير والحق والنبل فأنت أعطيتني ذلك القليل.. وأنا كنت لك ذلك الدليل.. فأنا استعنت بروحك السامية على تنقية  آدميتي.. وإذاً أنا استطعت أن أملأ عليك حياتك فشعرت بالعزة والاستغناء.. يوم ذاك نكون أحبابا لكن بمنأى عن بعض يا زوزو.. ويبقى حبنا يا زوزو نقيّا عذريّا .. إنى أحبك بهذا الشكل .

لكن صاحبة الأطلال أحبّت رجلا آخر غير ناجي لكنها ظلّت على مودّة متباعدة .

تزوجت مرتين من فارس الصحافة الكبير "محمد التابعي" الذي كان زوجها الأول ولكنهما افترقا لأن كليهما كان مشغولا عن الآخر بعمله.. ثم تزوجت موظفا كبيرا من بعده اسمه حسين عسكر ابن عائلة عريقة  ذو جاه ومال.. أحبته بجنون وها هي تقول عنه:

"عشت معه أسعد وأجمل أيام عمري.. حسين عسكر هو صاحب القلب الوحيد الذي   أخلصت له وأخلص لي .. ابتعدت عن الناس جميعا واكتفيت به وبحبه الكبير وباحتوائه لي .. وكدت أعتزل التمثيل لأتفرغ له بعد أن امتلك روحي وقلبي وعقلي  برجولته وشهامته وقوة شخصيته وشدّة  ثقته في نفسه.. لكنه مات قبل أن أتخذ القرار ؛ لم يكن زوج الفنانة الكبيرة يغار من حب ناجي لها .

تقول زوزو حمدي الحكيم بالحرف الواحد:

كان زوجي يقرأ قصائد إبراهيم ناجي التي  أرسلها لي .. وخطابات الحب التي  يلاحقني بها  وما كان ليغار منه أولا لأن ناجي ماض وانتهى ؛ وثانيا لأن ناجى كان هزيلا، ضئيلا، نحيلا، لا يملأ عين امرأة ولا يثير غيرة رجل ؛ فقط كان شاعرا غير عادى وروحا شفافة .  

قرأت ذات يوم منذ سنوات وصفَ الكاتب الصحفي المعروف "مصطفى أمين" لزوزو حمدي الحكيم وقال فيها:

إن في مصر أناساً تنشق عنهم الأرض في الأزمات.. حتى لو كانوا زوزو حمدي الحكيم ؛ فلماذا وصفها الكاتب الكبير بتلك الشهامة منقطعة النظير؟

يحكي  "مصطفى أمين" عن السيدة زوزو  قائلا:

للسيدة زوزو حمدي الحكيم فضل كبير علي  الصحافة المصرية.. أحبها الأستاذ محمد التابعي حبا كبيرا وتزوجها.. ثم بدأ البعض حملة على  هذا الزواج لأفشالهِ  وانتهت بطلاق التابعي من زوزو الحكيم .

بعد شهور قليلة من الزواج.. وحدث بعد ذلك أنْ خرجتُ أنا والتابعي من مجلة "روز اليوسف" وتصوّر التابعي أن صديقه الموسيقار "محمد عبد الوهاب" سوف يقرضه مبلغ مائتي جنيه لتكون رأسمال مجلة جديدة ولكن عبد الوهاب تهرّب منا وضاقت الدنيا أمامنا.

وفجأة وصل إلى الأستاذ محمد التابعي خطاب من مطلقته زوزو حمدي الحكيم تقول له فيه:

لقد كان من أمانينا أن نصدر مجلة.. أنا عندي مجوهراتي وثمنها مائتا جنيه. أضعها تحت تصرفك لتبدأ بها المشروع الذي   تمنيته لك ويكمل مصطفى أمين قائلا:

إن هذه الرسالة النبيلة كان لها فعل السحر في قلبي.. إنها فعلت فينا أكثر من مليون جنيه، صحيح أن طلعت حرب أقرضَنا من بنك مصر مائتي جنيه بدأنا بها بنشر وتوزيع " آخر ساعة " ولكن خطاب زوزو حمدي الحكيم لم انسه يوما. تلهمنا زوزو حمدي وحدنا قوة الاصرار والعزم . ولكنها ألهمت شاعرا من أكبر شعراء مصر.. هو الدكتور إبراهيم ناجي، وقد لا يعرف الكثيرون أن أغلب قصائد الغزل التي  نظمها إبراهيم ناجي كانت من وحي حبه لزوزو حمدي الحكيم.. وقصيدة الأطلال التي  تغنيها أم كلثوم هي وصف ناجي لقصة غرامه مع زوزو.. ويقال انه كتب بعض أبيات هذه القصيدة بأحمر شفاهها .

لكن ماذا يقول الشاعر الكبير إبراهيم ناجي عن قصة حبه.. وعن الأطلال.. وعن زوزو حمدي الحكيم وعن نفسه ؟

لخّص الشاعر الكبير ناجي حياته وغرامه بزوزو الحكيم قائلا بشكل وجيز:

هي قصة اثنين.. رجل وامرأة.. تحابّا ثم افترقا.. هى أصبحت أطلال جسد.. وهو أصبح أطلال روح .

هكذا يحلو الفنّ والشعر حينما يتعانقان معا ويلتحمان جمالا، وكم كانت منظمة اليونسكو على صواب حينما اعتبرت هذا اللحن المذهل من إبداعات رياض السنباطي – حينما غنّته ام كلثوم في وقتها -- من أرقى النغمات العالمية المتميزة في كل فنون شعوب العالم وعدّته من المنجزات الفنية ابتكارا وإبداعا موسيقيا على صعيد فنون الشعوب كافة .

 

جواد غلوم

 

 

محمود محمد علي"الأسس والمنطلقات"

سعدت كل السعادة حين تفضل علي الدكتور طارق الجمال رئيس جامعة أسيوط أن ضمني ضمن أسرة مركز دراسات المستقبل بالجامعة، وكان هذا المركز ضم خيرة كبار الأساتذة المحترمين، ومن بين الأساتذة الدكتور محمد عبد العظيم طلب، وهذا الرجل لم ألتقي به لكن كنت أسمع عنه، فهو يمثل أحد القامات الاقتصادية الرفيعة الباقية في مصر، مهما كُتب عنه فلن تأتي الكتابة، مع الجهد المبذول فيها، وافية لحقه مقرّرة لحظه الوافر من العناية بمبدعي الفكر والاقتصاد.

فالرجل لعلمه الغزير وثقافته الواسعة، ولأخلاقه الأصيلة، مطبوع على البحث والدرس والتفكير، أمين غاية الأمانة فيما يكتب ويستخلص من مباحث وآراء، حلو المعشر جميل الأحدوثة، يجذبك برُقيّه وسمو روحه وفكاهته إلى درجة تعجب فيها أن تصدر تلك الفكاهة عن اقتصادي عاش بين الآراء الجادة والمباحث العميقة سنوات عمره المنتجة، ولم يفقد مع ذلك روح الدعابة والمرح؛ لكأنه يريد أن يلطّف جفاف الفكرة بخفّة الروح الحانية.

علاوة علي أنه عميق الفكرة خفيف الظل، يألفه النظر ويعشقه القلب من أول وهلة، لا يضنّ برأيه على مسترشد، ولا يتهجم في وجه طالب علم، ولم يعرف لسانه العف كلمة نابية، ولم تكن الأخلاق التي قضى حياته يدرسها، ويدرّسها، وينظّر لها، ويحللها، مُجرّد أقوال لعلماء الاقتصاد بل كان يستقيها من روحه ويستدعيها من ضميره، يستحضرها حيّة عاملة فاعلة لتكون فيه حقيقة لا صورة.

والدكتور محمد عبد العظيم طلب ولد في مدينة "بني مزار" بمحافظة أسيوط بجمهورية مصر العربية في الأول من فبراير سنة 1949م، حيث حصل علي بكالوريوس التجارة شعبة الاقتصاد، كلية التجارة، جامعة أسيوط، عام 1972، ثم دبلومة الدراسات العليا فى التنمية الاقتصادية، جامعة لانكستر، إنجلترا، 1979م، ثم حصل علي درجة الماجستير فى اقتصاديات القطاع العام، جامعة سالفورد، مانشستر، بإنجلترا، 1982م، ثم حصل علي درجة الدكتوراه فى الاقتصاد القياسى، جامعة سالفورد، مانشستر، إنجلترا، عام 1985م

له مؤلفات عديدة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: التخطيط الاستراتيجى لمؤسسات التعليم العالى فى مصر، دراسة مقدمة لوحدة إدارة المشروعات، مشروع التطوير المستمر والتأهيل للاعتماد، مارس 2009م. ودراسة عن آفاق تنمية الصناعات الصغيرة بمحافظة الوادى الجديد حتى عام 2017م، ونشرت ضمن ندوة تنمية الصناعات الصغيرة فى صعيد مصر التى ظمتها جامعة أسيوط بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة مواصفات والجودة ومعهد الأهرام الإقليمي،فبراير 2007م، - التمكين الإقتصادى للمرأة : ودراسة فى السياسات، المؤتمر السادس للمرأة، المجلس القومى للمرأة، أسيوط، 28 مارس 2006م، والتضخم كهدف استراتيجى للسياسة النقدية. مجلة دراسات مستقبلية، مركز دراسات المستقبل، جامعة أسيوط، يوليو 2004م. ودراسة عن الإصلاح الاقتصادى: من عمومية الرؤية الدولية إلى خصوصية الحالة المصرية. المجلة العلمية، كلية التجارة، جامعة أسيوط، يونيو 2004م. ودراسة عن التفسير النقدى لتقلبات أسعار الصرف الحرة. مجلة دراسات مستقبلية، مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط، يناير 2003م، ودراسة عن تحليل قياسى لفرضية الدخل الدائم للاستهلاك مع التطبيق على مصر، مجلة البحوث التجارية المعاصرة، كلية التجارة بسوهاج، جامعة جنوب الوادى، يونيو 1999م، ودراسة عن مدى فاعلية السياسة النقدية فى المملكة العربية السعودية، المجلة العلمية، كلية التجارة، جامعة أسيوط، العدد 20،1994م. ودراسة عن مدى ملاءمة تحليل المرونات لتخفيض سعر الصرف على البلاد النامية: دراسة تطبيقية، المجلة المصرية للدراسات التجارية، كلية التجارة، جامعة المنصورة، العدد 17،1993م. ودراسة عن التضخم العالمى : الظاهرة والتفسير، مصر المعاصرة، أكتوبر 1990م.

وقد قام الدكتور طلب بالتدريس بكليتى التجارة والحقوق لمقررات الاقتصاد المختلفة لطلاب ً عن تدريس المقررات التالية باللغة البكالوريوس والدراسات العليا. هذا فضلا الإنجليزية ببرنامج التدريس باللغة الإنجليزية منذ بداية العمل به فى منتصف التسعينيات مستخدما المراجع المعروفة ببريطانيا وأمريكا . كما قام بإعداد مجموعة من الكتب للتدريس الجامعى، يتولى نشرها جهاز نشر وتوزيع الكتاب الجامعى بجامعة أسيوط. وهنا أهمها : باللغة العربية : اقتصاديات النقود والبنوك، 2005م، ومحاضرات فى مبادئ الاقتصاد الجزئى، 2004م،والمالية العامة، 2003م .والتنمية الاقتصادية والتخطيط الاقتصادى، بالاشتراك مع أ.د. عبد المطلب على عبد المطلب، 2002م. ودراسات الجدوى الاقتصادية، 2001م. ومحاضرات فى المحاسبة القومية، بالاشتراك مع أ.د. عبد المطلب على عبد المطلب، 2000م.

كما شارك الدكتور طلب في عضويات كثير من اللجان العلمية والنشاط العلمي التطبيقي وخدمة البيئة مثل : عضو لجنة ترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين في الاقتصاد 2013 – 2015، وعضو مجلس العلوم الاقتصادية والإدارية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا حتى 2012،ويختص هذا المجلس بوضع الخطط الاستراتيجية للبحوث على الاقتصادية والإدارية على المستوى القومي ويتابع تنفيذها، وعضو اللجنة العليا لاختيار القيادات بجامعة أسيوط، وعمل مديرا تنفيذيا لإعداد خطة استراتيجية لجامعة أسيوط تغطى مجالات التعليم والبحث العلمي لخدمة المجتمع وتنمية البيئة، وشارك في مشروع إنشاء نظام جودة داخلي بكلية التجارة جامعة أسيوط QAAP2 حيث أنه كان عضو الفريق الإداري للمشروع، كما أقوم برئاسة الفريق القائم بإعداد الخطة الاستراتيجية للكلية، وشارك في في ورش العمل التى ينظمها مشروع التطوير المستمر والتأهيل للاعتمادCIQAP كمدرب للكليات المتقدمة للمشروع على كيفية إعداد وكتابة الخطط الاستراتيجية، وشارك في في دراسة إنشاء كلية متميزة باسم "الكلية التكنولوجية للصناعات المتقدمة"، تهدف الكلية إلى زرع مركز متميز يعمل بنظام معتمد على الجودة ويدفع إلى تطوير التعليم العالي بأسيوط ويساعد على رعاية الطلاب المتفوقين والموهوبين ويعمل على خدمة قضايا التنمية؛ كما قام بالمشاركة في الدراسة الاستراتيجية لتنمية الوادى الجديد حتى 2017 م التى قام بأعدادها عدد من أساتذة الجامعة بالتعاون مع مركز بحوث ودراسات جنوب الوادى بجامعة أسيوط، حيث كان عضو لجنة التنسيق العليا لهذه الدراسة والمسئول عن القطاع الاقتصادي بها.. الخ.

وثمة نقطة مهمة وجديرة بالإشارة وهي أنني في هذا المقال أحاول أن أعرب عن تقديري الكبير لجهود الدكتور طلب فى نشر المفاهيم الفلسفية في علم الاقتصاد، ذلك العلم الذي يمثل في الحقيقة توزيع الموارد النادرة بين المنافسين. أو كما جاء في الكتب المنهجية والمستعملة بكثرة: إن علم الاقتصاد هو دراسة كيفية تحديد المجتمع لما سينتجه وكيفية انتاجه والمستفيد من هذا الانتاج.

إن علم الاقتصاد في نظر محمد طلب يدخل حياتنا اليومية ويتحكم فيها، حتى لو لم نكن على وعي بذلك. فهذا العلم يشمل كل شيء، وهذا لا يتطلب منا ان نكون خبراء اقتصاديين لكن !على الأقل معرفة مهما كانت بسيطة عن أثر الاقتصاد في حياة كل منا حتى نكون قادرين على فهم مجريات الحياة وأسلوب تعاملنا الواجبة معها.

ونظرًا لأن نشر الوعي بالفكر الاقتصادي بين أسرة الجامعة ومجتمعها المحيط كان من أبرز الأهداف التي سعي إليها الدكتور محمد طلب في أهمية نشر المعرفة الاقتصادية لترشيد القرارات الاقتصادية للفرد والمساعدة على نجاح السياسات الاقتصادية للحكومة ولفهم طبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية .

وقد اختار الدكتور محمد طلب موضوع الإصلاح الاقتصادي لأهميته ولنقص المعرفة بشأنه ؛ فعرض في كتاباته بالتفصيل لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تتبناه المؤسسات الدولية؛ وبصفة خاصة صندوق النقد الدولي وتدفع به إلى الدول الراغبة في الحصول على المساعدات .

لقد كشف لنا الدكتور محمد طلب أهم سمات البرنامج وأهدافه وآلياته في تحقيق أهدافه وأجبت عن سؤال رئيس حول قدرة البرنامج على علاج المشكلات الاقتصادية التي تواجه مصر والإصلاحات الأخرى الواجبة الاتباع وتعتبر مكملة لبرنامج الصندوق.

ففيما يخص البرنامج فقد أوضح الدكتور محمد طلب أنه يقوم على أسس سبعة :-

1- تقليص حجم القطاع العام ببيع وحداته المنتجة للسلع (الخصخصة) ورفع كفاءة الوحدات المنتجة للخدمات.

2- إصلاح نظام الصرف بإجراء تخفيضات متتالية في سعر العملة تمهيدًا لإطلاق حرية الصرف أي تعويم العملة .

3- تحرير التجارة الخارجية بإزالة القيود الكمية وتخفيض الجمارك ألى غير ذلك من متطلبات منظمة التجارة العالمية.

4- تشجيع الاستثمارات الأجنبية الخاصة كبديل للاقتراض الخارجي.

5- علاج التشوهات السعرية عن طريق إزالة الدعم السلعي وتحرير التجارة الدولية كما سلف بحيث يكون الهدف النهائي هو مواكبة الأسعار المحلية للأسعار العالمية أي ترك الأسعار تتحدد بقوى السوق بدون تدخل حكومي.

6- الإصلاح النقدي يتضمن تحرير أسعار الفائدة والتحكم في عرض النقود المحلية . ٧- الإصلاح المالي يهدف إلى مواجهة العجز في الموازنة العامة عن طريق:

أولا - تقليص حجم الإنفاق العام بتخفيض الدعم أو إلغائه وتخفيض الاستثمار العام وتجميد بند الأجور. وثانيًا - زيادة الإيرادات العامة بإصلاح النظام الضريبي ورفع أسعار المنتجات العامة .

للبرنامج أساليب مشجعة على التنفيذ مثل تسهيلات الاقتراض من الصندوق والقروض والمنح التي يقدمها البنك الدولي كذلك قد يتضمن إسقاط جزء من الديون الخارجية والتخفيف من أثر البرنامج على محدودي الدخل وتجاوز مرحلة الانتقال .

لقد أجري الدكتور محمد طلب دراسات كثيرة على الأثر الاقتصادي والاجتماعي لبرنامج الصندوق للإصلاح الاقتصادي ولا يتسع المكان هنا لعرض نتائج هذه الدراسات ولكن خلاصة الخلاصة لهذه الدراسات أن البرنامج يضع الدول النامية على طريق الرأسمالية ولكنه لا يساعدها كثيرا على التحرك في هذا الطريق فالبرنامج وحده ليس كافيا لعلاج المشكلات الاقتصادية التي تواجه هذه الدول ومن ثم فإن الاعتماد عليه وحده يحول البلاد النامية إلى سوق لتصريف منتجات الدول المتقدمة وتدرك كل الحكومات قصور البرنامج بمفرده عن مواجهة المشكلات الاقتصادية وتحقيق التقدم الاقتصادي المنشود.

وبناء على ما سبق قدم الدكتور محمد طلب ما يراه ضروريًا من إصلاحات مكملة لبرنامج الصندوق وهي تتلخص في خمس نقاط :

أولًا - مواجهة حاسمة لبعض الاختلالات الخطيرة التي تعيق حركة الاقتصاد المصري، وحددت أهم هذه الاختلالات في:

1- الفجوة المتسعة بين الاستثمار ومعدل الادخار.

2- بطء النمو في القطاع الزراعي.

3- عدم التوازن بين التنمية الحضرية والتنمية الريفية.

4- الاختلال الناجم عن المشكلة السكانية ٥- الاختلال في الخدمات العامة .

ثانيا- تفعيل السياسة النقدية والمالية بما يحفز على النمو الاقتصادي، ومحفزات النمو هي ١- السيطرة على التضخم ٢- أن يكون معدل الفائدة الحقيقي موجبا ٣- محاربة الأسواق السوداء ٤- مواجهة عجز الموازنة ٥- عدم المبالغة في صرائب الدخل والتقليل من الجمارك على السلع اللآزمة للإنتاج ٥- رفع جودة الخدمات العامة .

ثالثا - تطبيق القانون لمحاربة الفساد وتقليص حجم الاقتصاد الخفي ومواجهة الاحتكار والمساعدة على تكوين المؤسسات اللآزمة للتقدم الاقتصادي .

رابعًا- إصلاح نظام التعليم فقد وصلت مخرجاته إلى مستويات خطرة على أداء الاقتصاد المصري.

خامسا- المشاركة السياسية ؛ فقد قدمت الدراسات التطبيقية برهانا على العلاقة الوثيقة بين النمو الاقتصادي والمشاركة السياسية.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

حسين سرمك حسنبمناسبة ذكرى رحيله: علي الوردي.. النهضوي المغدور.. موجز بفتوحاته الفكرية الريادية عراقيا وعربيا وعالميا

(إن زمان السلاطين قد ولى وحل محله زمان الشعوب . وقد آن الأوان لكي نحدث انقلابا في أسلوب تفكيرنا . فليس من  الجدير بنا، ونحن نعيش في القرن العشرين، أن نفكر على نمط ما كان يفكر به أسلافنا في القرون المظلمة . إن الزمان الجديد يقدم لنا إنذارا . وعلينا أن نصغي إلى إنذاره قبل فوات الأوان . إنه زاحف علينا بهديره الذي يصم الآذان . وليس من المجدي أن نكون إزاءه كالنعامة التي تخفي رأسها في التراب حين تشاهد الصياد . فهي لا تراه وتحسب أنه لا يراها أيضا . الأفكار كالأسلحة تتبدل بتبدل الأيام . والذي يريد أن يبقى على آرائه العتيقة هو كمن يريد أن يحارب الرشاش بسلاح عنترة بن شداد)

علي الوردي.. كتاب (مهزلة العقل البشري – 1955)

إن أية مراجعة للأفكار المتفرّدة والجريئة والريادية لمشروع المفكر العراقي الثائر الراحل العلّامة الدكتور (علي الوردي) التنويري ينبغي أن تركز على ناحيتين أساسيتين: الأولى تتعلق بالأفكار والنظريّات التي طرحها الوردي والتي - كما سنرى - سبق بها الكثيرين من الكتاب والمفكرين العرب، وتناول فيها موضوعات صار بعضها  يطرح الآن وكأنه من معطيات تيارات الحداثة وما بعد الحداثة، علما أنه قد طرح أغلبها خلال مرحلة الخمسينيات، ولم تُراجع بصورة موضوعية مناسبة انطلاقا من قاعدة أن (مغنية الحي لا تطرب) في أغلب الأحوال، ومن تجاهل الباحثين العرب لأطروحات الوردي بعد أن أثارت في اذهانهم مشروعات فكرية مرتبطة بما طرحه أو أنهم غرفوا منها ولم يعودوا بحاجة إلى ذكره. وليس أدل على ذلك من كتاب الباحث المعروف الراحل (هشام شرابي) الأخير (نقد الثقافة الأكاديمية) الذي ذكر فيه أسماء وجهود العلماء والباحثين في مجال علم الإجتماع في الوطن العربي- وبعضهم مغمور لم نسمع به أبداً - من المحيط إلى الخليج عدا الدكتور (علي الوردي). أما الثانية فتحاول كشف وإضاءة جوانب الدور التنويري الذي تصدّى له الوردي بعد عودته إلى العراق من الولايات المتحدة الأمريكية حاملا شهادة الدكتوراه في علم الإجتماع بدرجة امتياز مع وثيقة مواطن أمريكي شرفية، ومفتاح مدينة نيويورك . وقد نضجت فكرة هذه السلسلة بعد أن عشت مع الوردي وأفكاره وكفاحه التنويري؛ الفكري والسلوكي أكثر من عشر سنوات أثمرت الجزء الأول من مخطوطة كتابي: (محاولة في تحليل  الشخصية  العراقية – الجذور والتمظهرات - 2003)، ثم مخطوطة كتابي: (محاولة في تحليل شخصية الدكتور علي الوردي - 2008) بمشاركة الباحث الأستاذ " سلام الشمّاع " . ثم جاءت الفرصة الفريدة والمضنية والتي تمثلت بالجهد الهائل الذي بذلته في كتابة مسلسل تلفزيوني – بفكرة ووثائق الأستاذ سلام الشماع – بأكثر من أربعين حلقة عن الراحل الوردي الأمر الذي اضطرني إلى العودة إلى قراءة مؤلفاته ومقالاته (أكثر من أربع آلاف صفحة) ترافقها قراءة مصادر عن تأريخ العراق خلال الثمانين عاما العاصفة الأخيرة التي عاشها الوردي راصدا ومحللا وناقدا ومشاركا في أحداثها (أكثر من ست آلاف صفحة) مستندة إلى البحث التفصيلي في حياة الوردي منذ ولادته حتى وفاته المأساوية مهملا بسرطان البروستات المتقدم في 13/تموز/1995، الأمر الذي جعلني قادرا على الإحاطة بالمنجزات الفكرية الفريدة التي قام بها هذا العالم الخطير الذي وصفه المؤرخ والمستشرق الفرنسي الشهير (جاك بيرك) في كتابه (العرب – تاريخ ومستقبل) بقوله:

(الوردي كاتب يحلّق إلى العالمية بأسلوبه الذي يضرب على الأوتار الحساسة في المجتمع، مثل فولتير).

ومن المهم أن أؤكد على أن انشغالي بمشروع الوردي لسنوات طويلة لا يعني أنني أقر كل ما جاء به الوردي من أفكار وفرضيات ونظريات . بل على العكس من ذلك، لدي اعتراضات طويلة ومهمة بعضها جذري الطابع على أطروحات الوردي ضمتها مخطوطة كتابي: (محاولة في تحليل شخصية الفرد العراقي – الجزء الأول – الجذور والتمظهرات) والذي سيصدر بعد وفاة الكاتب إن شاء الله كما كان الوردي يتحدث عن مخطوطاته المعطلة . كما أنني نشرت بضع مقالات في صحف متفرقة ضمت جانبا من اعتراضاتي على أفكار الوردي . لكن هذا الموقف لا يعني أيضا عدم الوقوف، وطويلا، عند الدور التنويري لهذه الافكار ومراجعتها والإمساك بحلقاتها الريادية على مستوى الثقافة عموما وعلم الإجتماع خصوصا في العراق والوطن العربي .

لقد كان الجزء الأعظم من جهد الباحثين الذين درسوا مشروع الوردي منصبا على فرضياته الثلاث: ازدواجية الشخصية العراقية خصوصا والعربية عموما أولاً، التناشز الاجتماعي ثانياً، وصراع الحضارة والبداوة ثالثاً، وهي الفرضيات التي يؤكد الوردي على أنه استقى بذورها الأولية ونواها البسيطة من مفكرين آخرين وقام بتطويرها وإثرائها كي تلائم حالة المجتمع العراقي . هذه الفرضيات تشكل محورا مركزيا من محاور جهد الوردي النظري والبحثي . لكن هناك محاور أخرى شديدة التفرّد والخصوصية ولا تقل عن تلك الفرضيات أهمية؛ خذ على سبيل المثال – وهذا ما سيكشفه مشروعنا بصورة تفصيلية – ما يأتي:

- الدعوة الثورية للوردي والجهد الهائل الذي بذله في مراجعة الفكر الديني والدعوة إلى تطويره وتثويره .

- الدعوة الجريئة لإعادة قراءة وكتابة وقائع التاريخ العربي الإسلامي خصوصا في موضوعة مقتل عثمان والخلاف بين علي ومعاوية على أساس الصراع بين الطغاة والثوار كما يسميهم من أجل الإشتراكية (بعد أكثر من عشرين عاما ظهر كتاب اليمين واليسار في الإسلام لأحمد عباس صالح) . وقد أدت هذه الدعوة إلى هدر دم الوردي على المنابر وانتهت بما سمي حينها بـ " جلسة التكفير " الشهيرة .

- أول من حاول حل لغز " ابن سبأ " في التاريخ الإسلامي من خلال محاولة إثبات أنه الصحابي " عمار بن ياسر "

- وجلسة التكفير تلك هي أول " محكمة تفتيش " فكرية - إذا جاز التعبير - في التاريخ العربي الحديث .

- أول من كتب مؤلفا عن " الظواهر النفسية الخارقة- parapsychology " واجترح لها مصطلحا هو " الخارقية "، واستخدم دراسة هذه الظواهر العلمية لمناقشة الظواهر الاجتماعية السلبية بمقترب غريب أنهاه بالدعوة للثورة على الطغاة (الجلاوزة كما كان يسميهم وانتقل هذا المصطلح منه إلى العامة) .

- الوردي أول مفكر اجتماعي يدعو في كل مؤلفاته إلى الثورة على الظلم والطغيان ومراجعة كتاباته تشير إلى أن أفكاره كانت من عوامل إنضاج الظروف التي أدت إلى ثورة الرابع عشر من تموز .

- الوردي أول من ناقش الإنحرافات الجنسية علنا واستدرج، بذكاء، رجال دين معروفين إلى ساحة النقاش في هذا الحقل الذي يعد من التابوات آنذاك .

- الوردي أول باحث اجتماعي يطبق منهج التحليل النفسي (الفرويدي تحديدا) في بحث الظواهر الإجتماعية والتاريخية والثقافية (بعده بثلاثين عاما ظهر المشروع المهم للمفكر " جورج طرابيشي ").

- أول وأكثر من دعا إلى تأسيس علم اجتماع عربي ..

- أهم من قدم مراجعة شاملة لجهد ابن خلدون كمنطلق لتأسيس علم اجتماع عربي .. وغاص في أدق تفاصيل مشروعه .. ونظرياته في صراع الحضارة والبداوة والدورة الاجتماعية والمنطق العملي والتنازع الاجتماعي وصراع الخير والشر وغيرها .. وأوضح رفضه للمنطق الأرسطي وموقفه الملغز من الفلسفة .. وناقش دوره الخياني المسكوت عنه في دمشق لصالح  تيمورلنك .. وكشف حتى سر الصفحات العشر البيضاء في مقدمة ابن خلدون .

- أشد من هاجم المنطق الأرسطي (المنهج الصوري) على شتى المستويات وعده سببا من أسباب تخلف الفكر العربي، وانتكاسة في مسار الفكر البشري بعد وأد السفسطائية

- أول من تصدى لسيطرة رجال الدين " وعاظ السلاطين " كما لقبهم وواجه بشراسة محاولات تبريرهم للظلم الإجتماعي .

- من أوائل من دعوا إلى فصل الدين عن الدولة وفق مشروع لا ينطبق عليه الفهم التقليدي للعلمانية .

- وجهة نظره النقدية المحكمة تجاه الشعر الجاهلي وضرورة مراجعته نقديا بصورة صارمة والتي تبدو أمامها دعوة الدكتور" طه حسين" دعوة ساذجة كما يقول الوردي نفسه .

- أول باحث عربي في علم الإجتماع يجعل دراسة " الشقاوات – الفتوات " منطلقا للدراسة الإجتماعية الأوسع (يوازي بذلك ريادية المبدع نجيب محفوظ في تناول هذه الظاهرة روائيا)

- من بين أوائل من استشرفوا استشرف فيها الوردي مدّ الحضارة الغربية المقبل والكاسح، الذي سيلغي الحدود ويثير المعضلات لنا حتى في حدود العائلة الواحدة، وهو ما نسميه الآن بـ "العولمة" .

وإن أية مراجعة لمشروع الوردي لا تدّعي الكمال أبدا فهذا الأمر يخالف المنطق العلمي .. لكنها محاولة شاملة لوضع النقاط على الحروف كما يُقال لإنصاف هذا العلامة الجهبذ الثائر الذي تعرض دوره الريادي والتنويري في الثقافة العربية لمحنة الغياب والتغييب لعقود طويلة .

 

حسين سرمك حسن

 

قاسم حسين صالحالضدّ في الحكم يظهر قبحه الضدّ، والضدان هما حكّام الخضراء وعبد الكريم قاسم، وما بينهما هو الأخلاق. وبمنطق سيكولوجيا الشخصية فان الأنسان يشعر بالنقص حين يكون الآخر افضل منه في صفة أو اكثر، وتشتد حدّة هذا النقص حين يكون هذا الانسان شخصية عامة او قائدا في السلطة.

ولقد تابعت حكومات ما بعد التغيير من (2005) فلم اجد رئيس حكومة او رئيس حزب او كتلة يذكر عبد الكريم قاسم بخير، بل أن حكّام الخضراء لم يحيوا ذكرى استشهاد عبد الكريم قاسم في انقلاب شباط 1963 الدموي وكأن ذلك اليوم كان عاديا لم يقتل فيه آلاف العراقيين، ولم يحشر فيه المناضلون بقطار الموت، ولم يسجن فيه مئات الآلاف.والمفارقة أن الطائفيين يحيون ذكرى مناسبات تستمر (180) يوما ولا يحيون ذكرى يوما واحدا استشهد فيه قائد من اجل شعبه.. فلماذا؟!

ان اي عراقي غير طائفي سيجيبك بسطر يغني عن مقال: (لأن سمو اخلاقه ونزاهته وخدمته لشعبه.. تفضح فسادهم وانحطاط اخلاقهم وما سببوه للناس من بؤس وفواجع).

نعم. قد نختلف بخصوص عبد الكريم قاسم كونه عقلية عسكرية يعوزه النضج السياسي، ولك ان تدين شنّه الحرب على الكرد عام (61)، واستئثاره بالسلطة ، ومعاداته لقوى عروبية وتقدمية وما حدث من مجازر في الموصل، واصطناعه حزبا شيوعيا بديلا للحزب الشيوعي العراقي الذي عاداه رغم انه ناصره حتى في يوم الانقلاب عليه (8 شباط 1963). ولك ان تحمّله ايضا مأساة ما حصل لأفراد العائلة المالكة، وتصف حركته بأنها كانت انقلابا وضعت العراق على سكة الأنقلابات.ولك ايضا أن تتغاضى عن انصافه الفقراء واطلاقه سراح المسجونين السياسيين وعودة المنفيين وفي مقدمتهم الملا مصطفى البرزاني الذي استقبله اهل البصرة بالأهازيج.. ولكن، حتى أبغض اعدائه، لا يمكنهم أن يتهموا الرجل بالفساد والمحاصصة والطائفية والمحسوبية والمنسوبية.. وتردي الأخلاق، مع أن قادة النظام الحالي رجال دين، وان رسالة النبي محمد كانت اخلاقية بالدرجة الاساسية (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وأن عليهم ان يقتدوا بمن خصه الله سبحانه بقوله(وانك لعلى خلق عظيم).. فيما عبد الكريم قاسم ليس له اهتمامات بالدين .فلم يطل لحية وما لبس عمامة.

والحقيقة التي تسكن اعماق قلوب حكّام الخضراء أنهم يكرهون عبد الكريم قاسم، لأنه يمثل انموذج الحاكم القدوة من حيث نزاهته.فالرجل كان يعيش براتبه ولا يملك رصيدا في البنك، ولهذا لم يجرؤ في زمانه وزير او وكيله او مدير عام على اختلاس او قبول رشوة او التحايل على مقاولة.وما كان اهله او اقرباؤه يحظون بامتيازات، فشقيقه الأصغر كان نائب ضابط في الجيش العراقي، وبقي بتلك الرتبة طيلة مدة حكم أخيه عبد الكريم قاسم. وما كان للرجل قصر او بيت لرئيس الجمهورية، بل كان ينام على سرير عادي بغرفة في وزارة الدفاع. ولقد منحه العراقيون لقب (ابو الفقراء).. لأنه بنى مدينة الثورة لساكني الصرائف في منطقة الشاكرية، ومدنا اخرى في البصرة واكثر من 400 مدينة جديدة وعشرات المشاريع الاروائية، فيما حكّام الخضراء حولوا الوطن خرابا ، وافقروا 11 مليون و 400 ألف عراقي بحسب وزير التخطيط في (2020)، وسرقوا 840 مليار دولارا بحسب (بومبيو)، وأن ما فيهم نظيف يد بشهادة مشعان الجبوري :(لابو عكال ولا ابو عمامه ولا الافندي ولا لجنة النزاهة كلنا نبوك من القمة للقاعده).. ووصف مرجعيتهم الدينية لهم بانهم في الفساد.. حيتان!

ولهذا فهم يخشون احياء ذكراه لأن الناس ستعقد مقارنة بين ما صنعه من اعمارفي أربع سنوات وبين ما صنعوه من دمار، وأخرى تخزيهم في اربعة اضعاف مدة حكمه!. فمعظم الذين جاءوا بعد التغيير كانوا لا يملكون ثمن تذكرة الطائرة، وصاروا يسكنون في قصور مرفهة ويتقاضون رواتب خيالية، وعزلوا انفسهم لوجستيا بمنطقة مساحتها (10) كم مربع محاطة بالكونكريت وبنقاط حراسة مشددة سرقت احلام العراقيين وجلبت لهم الفواجــع اليوميــة، وأوصلتهم الى اقسى حالات الجزع والأسى.. ولهذا فهم ينؤون عنه.. لأن المقارنة ستفضي بالناس الى احتقارهم.والمخجل ان كثيرين منهم صاروا محتقرين شعبيا ، وآخرين صاروا سخرية في وسائل التواصل الأجتماعي.. ولا يخجلون!

وحكّام الخضراء فعلوا من القبائح ما يجعلهم صغارا امام فضائل عبد الكريم قاسم.. اقبحها أن الفساد في زمنه كان عارا فيما صيّره الطائفيون شطارة، واصبح العراق في زمنهم افسد دولة في المنطقة، حتى بلغ المنهوب من قبل وزراء ومسوؤلين كبار ما يعادل ميزانيات ست دول عربية مجتمعة!، وراحوا ينعمون بها في عواصم العالم دون مساءلة.

وصار رئيس الجمهورية ورئيس الوزرارء والوزراء يعينون ابناءهم وبناتهم مستشارين لديهم.. لا ليقدموا خبرة هم اصلا لا يمتلكونها، بل ليحصل من هو في العشرين من عمره على راتب يعادل اضعاف راتب استاذ جامعي.. دكتور وبروفيسور.. بلغ الستين!، فيما كان عبد الكريم قاسم يعتمد معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة، ومبدأ وضع الرجل المناسب في المكان المناسب في اغلب اختياراته.. مثال ذلك:ابراهيم كبة (اقتصاد)، محمد حديد (مالية) فيصل السامر (ارشاد) هديب الحاج حمود (زراعة) ناجي طالب (شؤون اجتماعية).. نزيهة الدليمي (بلديات).. وهي اول وزيرة في تاريخ العراق.واختياره عقلا اكاديميا عبقريا درس على يد آينشتاين لرئاسة جامعة بغداد التي تاسست في زمنه.. الصابئي المندائي الدكتور عبد الجبار عبد الله، برغم معارضة كثيرين، قالوا له كيف تعين هذا الصابئي.. فأجابهم: (عينته رئيس جامعة وليس خطيب جامع).. فيما اعتمد الطائفيون مبدأ الانتماء الى الحزب والطائفة في المواقع المهمة بالدولة وان كان لا يمتلك كفاءة ولا خبرة ولا نزاهة.

وكان العراق في زمانه.. دولة، فيما صار بزمن سادة الخضراء دويلات، بل ان كل وزارة في الحكومة هي دويلة لهذا المكون السياسي او ذاك، وما كانت فيه دولة عميقة او ميليشيات.وكان عبد الكريم محبّا للعراق ومنتميا له فقط، ولهذا كانت المواطنة، بوصفها قيمة اخلاقية، شائعة في زمنه بين العراقيين، فيما انهارت بزمن الطائفيين، وصار الناس يعلون الانتماء الى الطائفة والقومية والعشيرة على الانتماء للوطن.. وتلك اهم وأخطر قيمة اخلاقية خسرها العراقيون.. ولهذا فان الطائفيين يكرهون عبد الكريم قاسم، لأن احياء ذكراه توحّد الناس ضدهم.. ولأن الضد الجميل في الأخلاق يبرز الضد القبيح في الأخلاق.

وتبقى حقيقة.. أن عبد الكريم قاسم برغم مرور ستين سنة ونيف فانه باق في قلوب العراقيين الذين نسجوا عنه الاساطير، فيما حكّام الخضراء سوف لن يبقى لهم ذكر، ومؤكد ان العراقيين سيلعنون معظمهم بعد مماتهم.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

14 تموز 2020

 

 

محمود محمد علي"قراءة مسلمانية"

كان أساس المشروع الفكري للدكتور رشدي راشد هو: الفلسفة والرياضيات؛ حيث رأى أن دراسة تاريخ العلم عند العرب والمسلمين هو نقطة الانطلاق اللازمة نحو استعادة عصر الازدهار العلمي فى حضارتنا؛ وأن الرياضيات هي مركز العلوم وهى مفتاحها، علاوة علي أنه اعتمد في تحقيق مشروعه الفلسفي بشكل مركب على عدد من الأسس المنهجية تتضافر مع بعضها البعض لتشكل منهجيته في العمل. فإلى جانب اعتماده المنهج التحليلي المنطقي والرياضي والتاريخي للقضايا المجتمعية والتاريخية محل البحث، والذي يمثل جوهر فكره الفلسفي، يعتمد أيضا على منهج التحليل الاجتماعي للكشف عن البني والشروط الاجتماعية التي تؤدي إلى ظهور التقاليد العلمية والفلسفية. كما اعتمد في مشروعه الخاص على منهجية خاصة بتحليل النصوص ونقد المخطوطات.

كذلك اعتمد على النظرة التطورية للعلم وعلى التحليل الرياضي التخصصي الدقيق  للمجالات العلمية التي تتبع كيفية ظهورها تاريخيا، حيث يعتمد الدكتور راشد في تحليله التاريخي لنشأة وتطور التقاليد العلمية على منهج خاص هو البحث في تطور هذه التقاليد من داخل البحوث العلمية ذاتها، وتتبع بنياتها ونظامها حتى يتمكن من اكتشاف المعالم العلمية لهذه التقاليد. يظهر ذلك من استعراضه التالي لمعالجته للتقاليد العلمية لترييض الجبر.

ويمكننا إيجاز بعضٍ ممّا استخلصته أحمد المسلماني من فكر الفيلسوف المصرى، مؤكدًا أن قراءة المشروع الفكرى للدكتور رشدى راشد هى بذاتها مشروعٌ، يجب أن تنهض عليه مؤسسات تاريخ العلم فى العالم العربى، وذلك علي النحو التالي:

أولًا.. الرياضيّات هى مفتاح كل العلوم. يرى الدكتور رشدى راشد أن الرياضيات هى مركز العلوم وهى مفتاحها. والرياضيات والفلسفة يمكن أن يكونا وجهين لعملة واحدة. وحسب الدكتور محمد زهران عضو هيئة التدريس فى جامعة نيويورك.. فإنَّ منهج الدكتور راشد لطالما تضمن شرح المخطوطات.. تاريخيًّا ثم رياضيًّا ثم فلسفيًّا.

ثانيًا.. الحضارة العربية لم تكن فقط الفقه والشعر. يرى الدكتور راشد.. أن الحضارة العربية كانت تزخر بالعلم والتكنولوجيا.. كانت هناك مختبرات ومراصد ومستشفيات. وكان العلم أساسيًّا فى انطلاق الحضارة.

ثالثًا.. اللغة العربية يمكن أن تكون لغة العلم. يرى الدكتور رشدى راشد أن اللغة العربية كانت لغة العلم ابتداءً من القرن التاسع. كان للعلم لغة هى اللغة العربية التى صارت لغةً كونيّة.. لغةً لكل المعارف. ومن المناسب أن تكون اللغة العربية لغة العلم فى العالم العربى. إن اليابانيين يدرسون باليابانية، ويدرس الصينيون العلم بالصينية، كما يدرس الألمان بالألمانية.. وفى روسيا يدرسون باللغة الروسية.

رابعًا.. ليس كل الاستبداد عدوًّا للعلم. يرى الدكتور رشدى راشد أن هناك أنواعًا من الاستبداد. هناك استبداد يمتلك مشروعًا حضاريًّا.. ويعمل على إحداث نهضة علمية كبرى.. مثل الاتحاد السوفيتى. كان السوفييت قادةً فى العلم، وكانت عندهم أكبر مدرسة من مدارس الرياضيات. إن الاتحاد السوفيتى ليس مجرد نظام ديكتاتورى. هذا اختزال للتجربة.. لقد انتصر فى الحرب العالمية الثانية، وأنتج القنبلة الذريّة، وصعد إلى الفضاء.

خامسًا.. الحداثة لها جذور وأصول. يرى الدكتور رشدى راشد أن الحداثة لا تدمر الماضى.. بل تأخذ الماضى الجيّد وتعمل على تطويره. أىْ الأخذ من الحداثة الماضية إلى الحداثة المعاصرة.. فلكلِّ زمانٍ حداثته.

سادسًا.. حتى ابن تيميّة لم يهاجم العلم. يرى الدكتور رشدى راشد أن ابن تيمية لم يهاجم العلم.. ولم يمسّ أبدًا العلوم الطبيعية.. ولم يوجِّه أى نقدٍ للعلماء. كان النقد للفلاسفة.. وكان جوهر المعركة قول الفلاسفة بقِدِمِ العالم. كان ابن تيمية عميقًا من الناحية الفلسفية.. لكن للأسف لم يبقْ منه إلّا البدع والخرافات.. والقتال.

سابعًا.. الترجمة فى الحضارة العربية لم تكن للمباهاة. يؤكد الدكتور رشدى راشد على أن الترجمة فى القرون الأربعة الذهبية لم تكن لملء خزائن الخلفاء، والاستعراض بالمكتبات فى قصورهم.. بل كانت لحاجةٍ بحثيّة وعلميّة حقيقيّة.

ثامنًا.. الإسلام السياسى هو مشروع بلا مشروع. يرى الدكتور راشد أن الإسلام السياسى لا يمتلك مشروعًا. ليس هناك مشروعًا إسلاميًا.. بل هناك عدّة مشاريع.. هناك المشروع الإخوانى، وهناك المشروع السلفى، وهناك المشروع الإيرانى.. ومشروعات أخرى. السائد فى كل المشاريع هو الشعارات العامة.. الذين يقولون إن الإسلام هو الحل يقدمون شعارًا.. لا منهجًا.. عبارات جيدة لحشد الناخبين فى سباق السلطة باسم الدين.. لكنها ليست رؤية جادّة لنهضة العالم الإسلامى. الحضارة الإسلامية بنيت على العقل.. وليس الخداع أو التباهى والتفاخر.

تاسعًا.. لا يمكن رؤية العرب الآن. يقول الدكتور رشدى راشد: أنا فى فرنسا بعيد عن المنطقة ولا أراها.. ولكن حين أذهب أيضًا هناك.. لا أراها أيضًا!

عاشرًا.. هزيمة 1967.. حضارية لا سياسية. يرى الدكتور راشد أن هزيمة 5 يونيو كانت هزيمة حضارية أكثر منها سياسية. ولما فكَّرت على هذا النحو.. اخترتُ طريق العلوم لأنَّ العلوم أساس الحضارة. بعد (60) عامًا فى فرنسا.. الآن شعورى بالهزيمة الحضارية قد ازداد عن ذى قبل. لقد تصورتُ أنه بعد الهزيمة ستأتى نهضة حضارية.. لكن ذلك لم يحدث. لقد رجعنا إلى الوراء بدلًا من التقدم للأمام.

حادى عشر.. الخطأ الذى ارتكبه محمد على باشا. اهتم محمد على باشا فى مشروع النهضة المصرى بالتعليم. كان يريد التعليم من أجل الصناعة والجيش. تأسست مدرسة الطب والمهندسخانة على أساس تطبيقى. ولم تنشأ أكاديمية لتطوير العلم نفسه. وعندما احتل الإنجليز مصر ألغوا التعليم العالى.. ماعدا دار المعلمين العليا التى لم ينتبهوا لها.. وهى التى ظهر منها فيما بعد الدكتور مصطفى مشرفة.

ثانى عشر.. ابن الهيثم ونيوتن وأينشتاين هم الثلاثة الكبار. يرى الدكتور راشد أن الحسن ابن الهيثم هو أبرز العلماء الكبار الذين أسَّسوا العلم الحديث.. وأنَّه ثم إسحق نيوتن ثم ألبرت أينشتاين هم أبرز ثلاثة فى تاريخ العلم.

ثالث عشر.. قبل الخوارزمى لا يوجد علم الجبْر. يرى الدكتور راشد أن الخوارزمى هو مؤسس علم الجبر، وأنَّه قبل الخوارزمى لا علم جبْر. وقد ظهر بعد ذلك عالم الجبْر المصرى «أبوكامل» فى عهد ابن طولون.. وفى القرن الخامس تمت ترجمة أعماله إلى اللاتينية والعبرية. وكان «أبوكامل» وراء تطور الجبْر فى إيطاليا.. وقد قام الدكتور راشد بتحقيق أعماله ونشرها فى ألمانيا.. وكان تحقيقه لأعمال «أبوكامل المصرى» هو الأول للعالم الكبير. وللأسف فإنَّه لا يوجد شارع يحمل اسمه فى الفسطاط أو القاهرة.

رابع عشر.. نصف مشروع ديكارت قام به عمر الخيام. يرى الدكتور رشدى راشد.. أن «عمر الخيّام» هو أول من عمل فى «الهندسة الجبريّة».. وأول من صاغ نظرية فى «معادلات الدرجة الثالثة» وقام بحلِّها عن طريق الهندسة الجبريّة.

خامس عشر.. تطور علم الرياضيات بعد ابتكار الرموز. يرى الدكتور راشد أن علم الرياضيات قد شهد تطورًا كبيرًا فى القرن الثانى عشر.. حيث جرى ابتكار «الرموز». كان الأمر يحتاج إلى عشرات الصفحات لحلِّ معادلة واحدة. لذَا كان ابتكار الرموز عملًا عظيمًا فى تطور علم الرياضيات.

سادس عشر.. العالِم لا يجب أن يكون منافقًا أو متمردًا. يرى الدكتور راشد أن العالم يجب أن ينجز فى علمه.. ولا يجب أن يكون منافقًا أو مشاغِبًا.. يجب أنْ يكون مشروعه هو العلم.

سابع عشر.. العرب يشترون التكنولوجيا ولا يطورون العلم. يأخذ الدكتور راشد على العرب أنهم يشترون نتائج العلم ولا يساهمون فى حركة العلم.. حيث يجرى التركيز على التكنولوجيا أكثر من البحث.. تهتم المؤسسات العلمية فى العالم العربى بالتطبيق وليس العلوم الأساسية.. لذلك فإن العلماء العرب يسافرون ولا يعودون. أمّا علماء الصين مثلًا فإنّهم يعودون.. لأن هناك نهضة علمية فى الصين.. هناك مشروع كبير لإقامة «علم صينى».. ومعرفة صينية.

ثامن عشر.. الدين ليس سببًا فى تأخُّر العرب. يقول الدكتور رشدى راشد إنَّهُ لا يمكن تحميل الدين مسؤولية التدهور.. ذلك أنه كان دافعًا أساسيًّا وقت الازدهار والانطلاق. وكانت حرية الفكر موجودة ومكفولة. إن الدين لم يتغير، ولكن استخدام الدين هو الذى تغيّر.

تاسع عشر.. لم يكن عبدالناصر اشتراكيًّا ولا السادات رأسماليًّا. يرى الدكتور رشدى راشد أن عصر عبدالناصر تبنّى الاشتراكية لكنها لم تكن اشتراكية، وأن عصر السادات تبنّى الرأسمالية لكنها أيضًا لم تكن رأسمالية.. ما جرى كان انفتاحًا وخصخصة لا رأسمالية. إن الصين بدأت اشتراكية وانتهت رأسمالية.. يقول الدكتور راشد: «قال لى أستاذ صينى.. عندنا «رأسمالية حمراء».

عشرون.. لا يمكن فصل العلم عن السياسة، ولا العلم عن المجتمع. يرى الدكتور راشد أنَّ إنشاء الجامعات الأجنبية هى خرافة سائدة فى مصر.. وأن مصر تحتاج إلى «توطين العلوم».. أىْ الانتقال من استيراد التكنولوجيا إلى المشاركة فى إنتاج العلم.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور رشدي راشد بأبعاده الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لفيلسوف مصري مبدع في فرنسا، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الوطن الغالي مصر، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمته من جهود.

تحيةً مني لرشدي راشد التي لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.......................

المراجع

1- أحمد المسلماني: هذا الفيلسوف من مصر (مجموعة مقالات)، بجريدة المصري .

2- المشاء - رشدي راشد (يوتيوب).

3-بلا حدود - رشدي راشد (يوتيوب).

4-2- موقع فلاسفة العرب: الدكتور رشدي راشد   أنظر الرابط: 

http://www.arabphilosophers.com/Arabic/aphilosophers/acontemporary/acontemporary-names/Rushdi_Rashed/A_Rashed/Arabic_Rushdi_Rashed.htm

 

 

محمود محمد علي"البدايات والمنطلقات"

يعد رشدي راشد واحد من كبار الفلاسفة المصريين الذين لا يحظون بالشهرة الكافية فى عالمنا العربي، في حين حظي باحترام الأوساط الفكرية، والأكاديمية فى الجامعة الأولى في فرنسا، إذ يحتل مواقع أكاديمية رفيعة، وله كرسي للدراسات يحمل اسمه فى معهد العالم العربى بباريس، حيث يحاضر الفيلسوف المصري باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، ويجرى أبحاثه المرموقة مستخدمًا اللغات العربية واليونانية واللاتينية.

علاوة علي أنه قد تسلَّم من الرئيس الفرنسى وسام «فارس» عن مجمل أعماله، حيث حقق رشدي راشد كتب كثيرين من علماء العرب الرياضيين، وترجم المخطوطات العربية إلى الفرنسية، وشرحها تاريخيًا، وفلسفيًا ورياضيًا وعلق عليها، كما أعاد إحياء تراث ابن الهيثم، والخوارزمي، والكِندي، وعمر الخيام، والسموأل، وقدم عنهم حقائق تاريخية لم تكن معروفة من قبل، وقد تأثَّر الدكتور رشدى راشد بعميد الأدب العربى الدكتور طه حسين.. كما تأثَّر بعلّامة اللغة العربية الدكتور محمود شاكر.. والعالم المصرى البارز الدكتور مصطفى نظيف.. الذى يراه الدكتور راشد واحدًا من أعظم رموز النخبة العلميّة فى مصر".

وقد قال عنه الصحفي اللامع " أحمد المسلماني":" إن أساس المشروع الفكرى لمؤرخ العلم المصرى العالمى رشدى راشد هو: الفلسفة والرياضيات. وقد رأى أن دراسة تاريخ العلم عند العرب والمسلمين هو نقطة الانطلاق اللازمة نحو استعادة عصر الازدهار العلمى فى حضارتنا.. إن مشروع مؤرخ العلم رشدى راشد يوازى مشروع مؤرخ العلم عبدالحميد صبرة. أنجز المفكر المصرى رشدى راشد مشروعه فى أوروبا، وأنجز المفكر المصرى عبدالحميد صبرة مشروعه فى الولايات المتحدة. عمل الدكتور رشدى فى جامعات باريس وبرلين وطوكيو. وعمل الدكتور صبرة فى جامعة هارفارد. قطع الدكتور رشدى راشد رحلةً ثريّة من الجماليّة إلى «وسام فارس» من الرئيس الفرنسى.. وقطعَ الدكتور عبدالحميد صبرة الرحلة ذاتها من طنطا إلى وسام «جورج سارتون».. جائزة تأريخ العلم.. الأعلى فى العالم".

وُلد الفيلسوف المصري "رشدي حفني راشد" عام 1936  في القاهرة وبدأ دراسته في مدرسة الجمالية الابتدائية، في حديث شيق له عن مسيرته يقول أن تعليم اللغة الأجنبية كان يبدأ من سن الثامنة! بعد المدرسة الابتدائية التحق بمدرسة فاروق الأول الثانوية بالعباسية (في تلك الأيام كانت الابتدائية تتبعها خمس سنوات من الثانوية ودون مرحلة إعدادية)، نجد هنا أن نشأة الدكتور رشدي رشاد فى حى الحسين والعباسية ساهمت في تكوين وعيه وتوجيهه لدراسة المرحلة الذهبية العلمية للعالم العربي والإسلامي، ثم التحق بعد ذلك بكلية الآداب جامعة القاهرة، حصل الدكتور راشد على ليسانس الفلسفة من جامعة القاهرة (في العشرين من العمر) وكان محباً للرياضيات ولكنه اتجه إلى الفلسفة (مع مواظبته على حضور محاضرات في الرياضيات أيضاً) للإجابة على تساؤلات ميتافيزيقية كانت تطرأ على ذهنه (حسب قوله) لذلك عندما سافر إلى فرنسا للدراسة وكان في ذلك متأثراً بالدكتور طه حسين وتوفيق الحكيم حصل من هناك على ليسانس الرياضيات ودكتوراه الدولة في تاريخ الرياضيات وتطبيقاتها.

بعد انتهاء الدكتور راشد من الدكتوراه عمل باحثاً في المركز القومي للبحث العلمي في باريس ثم تدرج في المناصب من مدير وحدة الأبستمولوجيا (علم يدرس نظريات المعرفة) وتاريخ العلوم  حتى أصبح أستاذاً في جامعة باريس ديدورو (Paris Diderot University) وتُعرف أيضاً باسم جامعة باريس 7 وأستاذاً بجامعة طوكيو في اليابان وأستاذاً زائراً بجامعات عديدة في مختلف أنحاء العالم (منها جامعة المنصورة عندنا في مصر) بالإضافة إلى إدارته لمركز تاريخ العرب العلمي في العصور الوسطى وفلسفتها حتى عام 2001 بباريس... والعديد من المناصب العلمية والشرفية التي يضيق المكان هنا عن ذكرها كلها بالإضافة إلى إدارة تحرير مجلات عديدة ومرموقة في تاريخ العلوم العربية مثل مجلة "العلم والفلسفة العربية: مجلة تاريخية" (Arabic Sciences and Philosophy: a historical journal)  تصدر عن دار نشر جامعة كمبريدج  وسلسلة تاريخ علوم عند العرب والتي تصدر من بيروت كما أشرف على إصدار موسوعة تاريخ العلوم العربية التي صدرت في طبعتها الأولى في لندن ونيويورك  عام 1996  ... وغيرهم الكثير.

أسس رشدي راشد في 1984م - وأدار منذ سنة 1993م - فريق بحوث الابستمولوجيا وتاريخ العلوم والمعاهد العلمية. نشر العديد من المقالات والأبحاث والكتب في مختلف الدوريات عن مساهمة العلوم الإسلامية والعلماء العرب في تطوير وتقدم العلوم، كما يرأس تحرير دورية العلوم والفلسفة العربية، بجامعة كامبريدج، ويشغل حالياً منصب المدير الشرفي لقسم أبحاث المستوى الرفيع في مركز البحوث العلمية الوطني في فرنسا CNRS.

شغل طوال 45 عاما مناصب علمية مرموقة، من أهمها مؤسس وحدة أول رئيس لفريق البحث العلمي في نظرية المعرفة وتاريخ العلوم وتاريخ المؤسسات العلمية في جامعة باريس السابعة .. رئيس قسم دراسات الدكتوراه في نظرية المعرفة وتاريخ العلوم في نفس الجامعة، عمل أستاذا متفرغا وزائرا للعشرات من جامعات العالم، منها جامعة طوكيو في اليابان، والمنصورة في مصر، ومونتريال في كندا، وجامعات أمريكية وإيطالية وعربية أخري عديدة.

لقد جعلت هذه الرحلة من البحث والتدريس والتأليف من الدكتور رشدى راشد أكبر متخصص فى تاريخ العلم عند العرب.. على مستوى العالم.. ثم غادر إلى فرنسا لأجل الدراسات العليا. كان فى تقدير الدكتور رشدي أنَّه سيمكث فى فرنسا بعض الوقت ثم يعود. لكن الزمن امتدَّ به فى جامعات الغرب لأكثر من (60) عامًا من الإبداع والعطاء.

وضع رشدي راشد أكثر من 30 كتابًا، ومن أعماله المهمة أنه قام بأكبر عمل علمي فى تحقيق وشرح تاريخ العلم فى الحضارة العربية والإسلامية. وأصدر عددًا من الأعمال غير المسبوقة.. بعض الأعمال كان تحقيقًا، وبعضها كان تأليفًا، وبعضها كان إشرافًا على موسوعاتٍ بالفرنسية والألمانية؛ ومن أهم كتاباته علي سبيل المثال لا الحصر :  مدخل لتاريخ العلوم (باريس، 1971)، كتاب الجبر لديوفنطس (القاهرة، 1975)، أعمال عمر الخيام في الجبر ـ بالاشتراك مع أحمد جبار (حلب، 1981)، العلوم في عصر الثورة الفرنسية (باريس، 1984)، أعمال الكندي الفلسفية والعلمية (ليدن،  1998)، أعمال السجزي الرياضية (باريس، 2004)، فلسفة الرياضيات ونظرية المعرفة عند جول فيامين (باريس، 2005). ويلقي رشدي راشد محاضراته في تاريخ العلوم في كثير من عواصم العالم.

ولم يكتف رشدي راشد بذلك، بل يمكنك أن تقرأ أيضًا: «من الخوارزمي إلى ديكارت: دراسات فى تاريخ الرياضيات الكلاسيكية».. والخوارزمي هو مؤسس علم الجبر فى العصر الوسيط، أمّا ديكارت فهو مؤسس الهندسة التقليدية فى العصر الحديث.. وحسب الدكتور رشدى راشد، استفاد ديكارت من ابن الهيثم، كما استفاد من «عمر الخيّام» الذى سبقه بستّة قرون. يمكنك أن تقرأ كذلك كتاب «رياضيات القرن السابع عشر»، «قاموس تاريخ اللغة العلمية العربية»، «موسوعة تاريخ العلوم العربية» التى صدرت عام 1986، وقد شارك فيها عدد من الباحثين العالميين، وهى تمثل واحدةً من أفضل ما تمَّ إنتاجه فى حقل «تاريخ العلم».. فى العالم. كذلك لا ننسي إشرافه على موسوعة تاريخ العلوم العربية التي صدرت في لندن ونيويورك طبعتها الأولى في 1996م، وقد حرر فيها الأجزاء التي تقع في تخصصه المباشر، وهي الحساب والجبر والبصريات الهندسية. ومن أشهر أعماله:

حصل الدكتور رشدي راشد على جائزة الملك فيصل العالمية عن الدراسات الإسلامية للعام 2007، كذلك حصل على العديد من الجوائز في مجال تاريخ فلسفة العلوم، ومنها؛ ميدالية الرئيس الفرنسي للإنتاج العلمي عام 1989م، وميدالية الأكاديمية الدولية لتاريخ العلوم (ميدالية ألكسندر كويري) عن أعماله عام 1990م، وميدالية مركز بحوث التاريخ الإسلامي بمنظمة المؤتمر الإسلامي، وجائزة أفضل كتاب في البحوث الإسلامية من رئيس الجمهورية الإيرانية، لأعماله عن تاريخ العلوم العربية في عام 1998م، وجائزة وميدالية مؤسسة التقدم العلمي الكويتية التي منحها له أمير الكويت عن أعماله في تاريخ الهندسة عام 9991م، وجائزة ابن سينا الذهبية من فيدريكو مايور، المدير العام لليونسكو «عن مساهمته في التعريف بالثقافة الإسلامية باعتبارها جزءًا من التراث الثقافي العالمي ولإذكاء الحوار بين الثقافات المختلفة» عام 1999م، وجائزة مركز البحوث العلمية الوطني في فرنسا CNRS عام 2001م.

كان جوهر الفكر الفلسفي للدكتور رشدي راشد هو فلسفة التاريخ وفلسفة العلم، والعلاقة الفلسفية بينهما. والرابط بين هذين الجانبين هو المنطق والرياضيات. فالتاريخ هو أحد موضوعات الفلسفة، وفي ذات الوقت هو أحد موضوعات العلوم الاجتماعية. وبصفته فلسفة يخضع للعقلانية وللتنظير الفلسفي، ويرتبط من حيث كونه كذلك بفهمنا لفكر الحداثة وللمستقبل الإنساني. وبصفته علما يخضع لفلسفة العلم ولتطبيق المنهجيات العلمية الحديثة. والأداة المنهجية الأساسية في الفلسفة الحديثة هي المنطق، في حين أن الأداة المنهجية الأساسية للعلم الحديث هي الرياضيات، لذلك يجب أن يخضع التاريخ بصفتيه الفلسفية والعلمية للمنطق والرياضيات.

كما أسهمت دراساته التاريخية للعلم العربي ونشره الكثير من كتب التراث العلمي العربي في فهم مسار العلم العربي وكيفية تقدمه عبر مراحله التاريخية،  بالإضافة إلي تشديد هذه الدراشات علي محاولة الوقوف علي العلاقة الجدلية الوثيقة التي ميزت العلم العربي، وعبرت عن عقلانيته العملية الأصيلة ؛ أعني العلاقة بين البنلء النظري المعرفي في هذا العلم  وبين التجريب التطبيقي /  بعبارة أخري أعني العلاقة التي قامت داخل هذا العلم بين المنهج الرياضي  والمنهج التجريبي .

لقد حاول رشدي راشد  أن يعيد النظر في تاريخ العلم من أجل الكشف عن الجوانب المهملة في التراث العلمي العربي، والبحث عن المنطق العقلي الذي سيطر علي الحقبة العلمية العربية التي امتدت تاريخياً من القرن التاسع وحتي القرن الخامس عشر الميلاديين، وجغرافياً من حدود الصين إلي أسبانيا، ولكي ينجز رشدي راشد هذه المهمة سار في  اتجاهين :

الاتجاه الأول : نقدي، حيث اتخذ موقفاً نقدياً في أبحاثه ودراساته للمنهجيات التأريخية التقليدية في تناولها للعلم العربي .

الاتجاه الثاني: تحليلي، حيث بحث رشدي راشد عن المنطق العلمي العقلي الذي  سيطر علي العلم العربي .

ومن هذا المنطق حصر رشدي راشد العلم العربي في كل ما كتب بالعربية عندما كانت المراكز العلمية الأساسية تتكلم هذه اللغة في القرنين الثاني والتاسع الهجريين، الأمر الذي جعله يؤكد علي أن هناك علم عربي له طبيعة خاصة ومميزات نوعية ؛ كان قد وصل إليها من خلال مجموعة من الدراسات الاستقرائية ظهرت في العديد من مصنفاته : أشهرها " موسوعة تاريخ العلوم العربية " في أجزائها الثلاث، وإنتاجه الضخم الذي خصصه " للرياضيات التحليلية العربية بين القرنين الثالث والقرن الخامس الهجري " في أجزائه الخمسة، إضافة إلي مجموعة من الأبحاث لا يستع المجال لذكرها، فقدم مجموعة من البراهين العلمية والتاريخية علي وجود علم علابي تميزه مجموعة من الخصائص من أهمها الروح النقدية، والعالمية، ووحدة اللغة العلمية، واجتماعية المعرفة .

والخلاصة التي تختم بها مقالنا هذا في جزئه الأول أن رشدي راشد استطاع أن يرسم الخطوط العريضة التي تمكن من التعرف علي معالم الأصالة في العلم العربي، التي ستظهر لمؤرخي العلوم أهميته وقيمته في دراسة التراث العلمي العالمي بشكل عام، والتراث اليوناني والحديث بشكل خاص؛ أي أنه لم ينجح في استيعاب الموروث القديم وتلقيحه فقط، بل والإضافة إليه أحياناً والإبداع والتجاوز أحياناُ أخري، ذلك نتيجة التنظيم الكبير الذي امتازت به كل العلوم في العصر الإسلامي لتنهار فكرة أن العلم ظاهرة غربية، وتعاد كتابة تاريخ العلوم، كما أن تأكيد رشدي راشد علي العلاقة الجدلية القائمة بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية وغيرها في بناء هذا العلم، يجعل دراسة تاريخ العلوم العربية من هذا المنظار جزءً مهم من دراسة تاريخ الحضارة العربية الإسلامية...وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

المراجع

1- محمد زهران: الدكتور رشدي راشد.. وعبقرية التاريخ العلمي، جريدة الشروق المصرية (مقال)

2- موقع فلاسفة العرب: الدكتور رشدي راشد   أنظر الرابط:

http://www.arabphilosophers.com/Arabic/aphilosophers/acontemporary/acontemporary-names/Rushdi_Rashed/A_Rashed/Arabic_Rushdi_Rashed.htm

3- رشدي راشد.. الباحث المصري في الفلسفة وتاريخ العلوم والرياضيات | برنامج القنديل (يوتيوب).

4- شفيقة بورايو: خصائص العلم العربي عند رشدي راشد، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة منتوري قسنطينة، العدد 46، 2016.

5-خالد أحمد قطب: نحو إعادة اكتشاف العقل العلمي العربي : دراسة في منهجية رشدي راشد التأريخية، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت - مجلس النشر العلمي، المجلد 22 – العدد 87، 2004.

 

 

قاسم حسين صالحعلي الوردي.. تعريف لشباب وثبة تشرين و آخرين

 كنت القيت محاضرة بساحة التحرير، وكان بين الواقفين شباب،  ولما جرّني الحديث عن علي الوردي سألت احدهم عنه فأجاب(لا والله استاذ ما أعرفه).. وثالث ورابع ايضا.. ومخجل ان يطالب شباب باستعادة وطن ولا يعرف من خدم الوطن بعلمه.. بل ان كثيرين، بينهم مثقفون!،  لم يعرفوا عن علي الوردي غير أسمه.

ولهم نقول ان الدكتور علي الوردي هو أبرز عالم اجتماع عراقي في القرن العشرين، وأول من درس طبيعة المجتمع العراقي وحلل الشخصية العراقية وحظي بشهرة

يستحقها. ولد عام 1913 بمدينة الكاظمية ولّقب بالوردي نسبة لجده الذي كان يمتهن حرفة تقطير ماء الورد.عمل في طفولته صانع عطّار بمحلة شعبية بالكاظمية، لكن العطار استغنى عنه لأن الصبي عليّا "يقره كتب ومجلات وعايف المشتريه".

 تخرّج في الدراسة الاعدادية وعمل لسنتين معلما باحدى مدارس الكاظمية.. سافر بعدها الى أمريكا ليحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه من جامعة تكساس عام 1950وعاد للعراق بالسنة نفسها وعيّن مدرّسا لعلم الاجتماع بكلية آداب جامعة بغداد، وظل فيها الى عام 1972حيث أحيل على التقاعد.

 تأثر الوردي بمنهج ابن خلدون، وعن (مقدمته) كانت اطروحته للدكتوراه.. وتنبأ له علماء اجتماع اميركان بشأن عظيم ومنهم رئيس جامعة تكساس.. وقد صدقت نبؤتهم.فبعد عودته للوطن بسنة أصدر كتابه (شخصية الفرد العراقي1951) أتبعه في عقد الخمسينيات بمؤلفات أصيلة بينها:مهزلة العقل البشري، أسطورة الأدب الرفيع، الأحلام بين العقيدة والواقع، وكتابه الذي أزعج السلطات الحاكمة(وعّاظ السلاطين) واثار عليه حفيظة رجال الدين ايضا لأنه وصفهم بانهم لم يستطيعوا مجاراة التغيير الفكري الذي حصل في العصر الحديث.

 وفي الستينيات أصدر:دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث-12 كتابا أنجزها بين عامي 69-1979، ومنطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته 1978- تونس، فضلا عن بحوث مبكرة أصيلة بينها (الأخلاق.. الضائع من الموارد الخلقية) نشرته مجلة (الأحداث-1959) الصادرة عن الجامعة الأمريكية في بيروت.

 ومن بداية عمله الأكاديمي في الخمسينيات صار الوردي قلقا على مصير العراق ومستقبل المجتمع العراقي.وكان الصوت الاجتماعي الوحيد في زمن كانت فيه الثقافة العراقية موزعة بين ايديولوجيات وتيارات قومية ويسارية واسلامية وأدب وشعر، فيما كان هو يغرّد خارج سرب الثقافة.والمفارقة ان السياسيين والمثقفين أخذوا يحضرون ندواته، ويتكاثر عددهم، فشغلهم  بأفكاره التي أدهشتهم وسحرهم بجزالة لفظه ورشاقة اسلوبه.

   كان الوردي يرى أن فهم المجتمع ونجاح السياسة في العراق يمرّان عبر بوابة (الشخصية العراقية) فخصص لها كتابه (شخصية الفرد العراقي) ممهدا بتوضيح مفهوم (الشخصية) استغرق نصف صفحاته لكون الموضوع جديدا على العراقيين.. مشيرا أن ابن خلدون كان رائدا بمحاولته دراسة شخصية الانسان لا على اساس المواعظ والارشاد كدأب من قبله بل بتحليل تاريخي اجتماعي موضوعي .وكان الوردي أول من حلل بعمق نظرية ابن خلدون وشخصّها بأنها تدور بالأساس (حول البداوة والحضارة وما يقع بينهما من صراع).والتقط منه مقولته التي وصف بها البدو بأن "رزقهم في ظلّ رماحهم" معلّقا بأن "البدو لا يعرفون من دنياهم غير الفروسية والفخار والغلبة والتنافس". ووظف ذلك بمنظور حضاري على مجتمعه منبّها ومحذّرا السياسيين والناس بقوله:"ولعلني لا أغالي اذا قلت ان مجتمعنا الراهن هو من أكثر المجتمعات في العالم تأثرا بالقيم البدوية في محاسنها ومساوئها.ولعل المساؤيء البدوية اوضح أثرا فيه من المحاسن.. فقد وجدت العشائر الريفية لا تزال تسلك في الحياة مسلكا يقارب مسلك أجدادها من بدو الصحراء، فلديهم قيم العصبية والمشيخة والدخالة والضيافة والثأر".

 والمخجل ان الوردي يوم توفى في 13 تموز 1995 لم يجر له موكب تشيع يليق بعالم كبير بل اقتصر على المقرّبين .. فيما ودّعه زملاؤه ومحبوه .. صمتا .. وعن بعد!.

كانت آخر مرة زرته بها في بيته خلف اعدادية الحريري حين كان مريضا. جلست بجانب سريره المتواضع وتمنيت له الشفاء العاجل والعمر الطويل،  فقال وهو يحدس أنها النهاية: (أتدرى ماذا يعوزني الآن : إيمان العجائز)، ولم افهمها إلا بعد حين. وأضاف مازحا": " تدري آني ما احب الماركسيين.. بس ما اعرف ليش احبك.. تعال انطيني بوسه ".. قبلّته وحبست دمعة في العين وشهقة في الصدر.

لك منّا ومن احفادك شباب وثبة أكتوبر / تشرين ايها العالم المبدع.. المفكّر من طراز رفيع.. الجريء.. الجدلي.. الساخر.. كلّ الاحترام والتقدير والامتنان والذكر الخالد.. على مرّ السنين.

 

 أ.د. قاسم حسين صالح

13 - 7 - 2020م

 

 

سلس نجيب ياسينيقول ابن خلدون

(من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم وليس في العرب حملة علم لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية إلا في القليل النادر. وإن كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي).

مشاهير الأمازيغ

- (عباس بن فرناس بن ورداس التاكرني) عالم امازيغي ولد ابن فرناس عام 810م في رُندة بإسبانيا عام 274 هجري (887 م) بقرطبه اشتهر بانه اول من حاول الطيران وينجح بشكل نسبي. إضافة إلى كونه شاعرًا وموسيقيًا وعالمًا في الرياضيات والفلك والكيمياء و مكتشفا و مهندسا مصمما و مخترعا حيث ان خبرته في مجال الهندسة ساعدته في تصميم العديد من اختراعاته من بينها الطائرات الشراعية...و من ختراعاته الزجاج الشفاف و عدسات تصحيح البصر وقلم الحبر والساعة المائية وتطويره لطريقة رصد الأفلاك والأجرام السماوية لا تقل أهمية عن تجربته في الطيران، وقامت وكالة ناسا بوضع إسمه لأحد فوهات القمرعام 1369 ه.

- (بن آجروم الصنهاجي) يرجع اصله الى قبيلة صنهاجة الامازيغية المشهورة التي تكلم عنها العالم الامازيغي ابن خلدون، آجُرُّوم كلمة أمازيغية معناها الفقير والصوفي، ولد بن آجروم بفاس سنة 1273م – توفي 1323م اشتهر بكتابه الآجرومية الذي يعتبر من أهم كتب النحو العربية...

- (ابن بطوطة) هو محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي ينتسب الى قبيلة لواتة الامازيغية ولد بطنجة سنة 1304 – 1377م رحالة ومؤرخ وقاض وفقيه لقب بأمير الرحالين المسلمين.

- (أبو إسحاق الإجدابي الطرابلسي) عالم لغوي امازيغي متبحر في اللغة العربية يرجع نسبة الى قبيلة لواتة الامازيغية التي تتركز في برقة و مسلاته ووسط ليبيا، صاحب كتاب “كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ ” (كتاب لغوي في مفردات اللغة العربية).

- (هلال بن ثروان اللواتي) قائد امازيغي يعود الى قبيلة لواتة الامازيغية العريقة كان من ضمن القادة المسلمين في حملة حسان بن النعمان الغساني في سنة 693م (74ه) لاحتلال المغرب.

- (ابن رشد) امازيغى ولد في ملقة بالأندلس 1126م – توفي في مراكش بالمغرب 1198 م فيلسوف، وطبيب، وفقيه، وقاضي، وفلكي، وفيزيائي اتهم بالكفر والالحاد.

- (أبو ساكن عامر بن علي بن عامر بن يسفاو الشماخي) امازيغي ولد في اتوغاسرو بيفرن سنة 1200م؟– توفي سنة 1279 م من مشاهير علماء ليبيا.

- (ابن منظور الافريقي) امازيغى ولد بطرابلس- ليبيا سنة 1232م وتوفي في القاهرة سنة 1311 م وتولى القضاء في طرابلس والف كتاب لسان العرب.

- (يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملال بن منغايا المصمودي) امازيغى ترجع اصوله لقبيلة مصمودة التي ذكرها الرحالة ابن خلدون ولد سنة 152 ه – وتوفي سنة 234 ه إمام وفقيه الأندلس وصاحب واحدة من أشهر روايات الموطأ، أخذها عنه أهل المشرق والمغرب، وشيخ المالكية في الأندلس في زمانه...

- ( محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري) شاعر صنهاجي اشتهر بمدائحه النبوية. أشهر أعماله البردية المسماة "الكواكب الدرية في مدح خير البرية" ولد البوصيري في مدينة دلس، ولاية بومرداس، الجزائر 7مارس 1213 – 1295 ، لأسرة ترجع جذورها إلى قبيلة صنهاجة إحدى أكبر القبائل الأمازيغية، المنتشرة في شمال إفريقيا، كما أنه أصوله تعود لمنطقة دولة الحماديين أحد فروع قبيلة صنهاجة ثم انتقل مع أبوه إلى مصر القاهرة حيث واصل تلقى علوم العربية والأدب.

- (يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي) امازيغي ولدفي منطقة زواوة شرق الجزائر حاليا بظاهرة بجاية سنة 564ه يعتبر العلامة شيخ النحو فهو أول من ألف في النحو عن طريق النظم الشعري بكتابه الدرر الألفية ، كما له العديد والكثير من المصنفات والكتب في شتى الصنوف العلمية وصفه الإمام الذهبي بما يلي : "العلامة شيخ النحو زين الدين أبو الحسين يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي المغربي النحوي الفقيه الحنفي مولده سنة أربع وستين وخمس مئة وسمع من القاسم بن عساكر وصنف الألفية والفصول وله النظم والنثر وتخرج به أئمة بمصر وبدمشق".

- (محمد بن أحمد أكنسوس) مؤرخ امازيغى ولد بالمغرب في قبلية إداوكنسوس السوسية عام 1796م يعد من أهم مؤرخي الدولة العلوية.

- (أبو القاسم الزياني) مؤرخ امازيغي ولد في فاس بالمغرب 1734 – 1833م استطاع أن يكتب خمسة عشر مصنفًا كبير الحجم. وترجع شهرته الجغرافية إلى كتابه في أدب الرحلات الترجمانة الكبرى الذي جمع فيه أخبار العالم وعلومه.

- (ابن البيطار) امازيغي ولد في ملقة بالاندلس سنة 1197م وتوفي سنة 1248م خبير في علم النبات والصيدلة، وأعظم عالم نباتي ظهر في القرون الوسطى، وساهم إسهامات عظيمة في مجالات الصيدلة الطب.

(المستكشف استيفانيكو أزمور) ولد سنة 1503م بمدينة أزمور بالمغرب قبل الاستعمار البرتغالي لأزمور بعشر سنوات وكان يطلق عليه عدة اسماء منها (استيبان إلمورو، ستيفن مور، ستيفن الصغير، ستيفن الأسود،استيبانيكو) مسجل كأول امازيغي، افريقي، اسود يصل لأمريكا سنة 1527م.

- (أبو عبد الله محمد بن تومرت) (1080 – 1128م) قائد قبائل مصمودة امازيغية ومؤسس الدولة الموحدية، ركز دعوته في مواجهت فقهاء المالكية على أسس دينية وأخلاقية واجتماعية وسياسية.ينتمي إلى قبيلة هرغة إحدى القبائل المصمودية الامازيغية المستقرة بالأطلس الصغير بمنطقة سوس الأقصى المغربية.

- (يوسف بن تاشفين ناصر الدين بن تالاكاكين الصنهاجي) (ح. 1006 – 1106) ,ثاني ملوك المرابطين بعد عمه ابن عمه أبو بكر بن عمر القادمين من بلاد موريتانيا . و اتخذ لقب “أمير المسلمين” وهو اعظم ملك مسلم في وقته. أسس أول إمبراطورية في الغرب الإسلامي من حدود تونس حتى غانا جنوبا و الاندلس شمالا و انقذ الاندلس من ضياع محقق و هو بطل معركة الزلاقة و قائدها. وحد وضم كل ملوك الطوائف في الأندلس إلى دولته بالمغرب (ح. 1090) بعدما استنجد به أمير أشبيلية.عرف بالتقشف و الزهد رغم اتساع إمبراطورتيه كان شجاعا و اسدا هسورا. قال "الذهبي" في "سير أعلام النبلاء": "كان ابن تاشفين كثير العفو، مقربًا للعلماء، وكان أسمر نحيفًا، خفيف اللحية، دقيق الصوت، سائسًا، حازمًا".

- (ابي اسحاق الصنهاجي)

- (ابن مخلوف السجلماسي الفلكي)

- (محمد المختار السوسي) هو الوطني الغيور المقاوم الصبور الأستاذ العامل محمد المختار ابن علي بن أحمد السوسي الإلغي الدرقاوي الملقب برضا الله.

ولد في "إلغ" وهي قرية بناحية تازروالت في أقصى جنوب القطر السوسي بجنوب المغرب وذلك في شهر صفر الخير عام 1318ه ونشأ بها ويعتبر المختار السوسي شخصية بارزة لامعة في أسماء العلم و الأدب و التاريخ و البحث والدراسة، والاستفادة والإفادة، مشارك في كثير من فنون المعرفة.

-سلس نجيب ياسين الندرومي من قبيلة زناتة و كلكة اسلاس بالامازيغية تعني الوتد الدي تقوم عليه الخيمة

وهي عائلة معروفة بالعلم و الكفاح بالجزائر والمغرب ومنهم الفقيه او العالم المغربي السلاسي و يعود تاريخ توليهم الحكم لفترة بني مرين وهم احفاد العائلة الحاكمة بفاس و تلمسان و الاندلس

 

بقلم ا.الكاتب سلس نجيب ياسين

 

 

قاسم حسين صالحأن تكتب عن علي الوردي في يوم رحيله، فهذا يعني أن تنصف الرجل في علمه وشخصه.. وكنت فعلت بمقالات في (المدى والأسبوعية والعرب والحوار المتمدن والمثقف)، واهداء له تصدر كتابي الشخصية العراقية.. وسافعل هنا ايضا ولكن سأشير الى قضية خلافية منطلقا من حقيقة.. لا مجاملة في العلم.

تعود علاقتي بالدكتور علي الوردي إلى عام " 1989 ". ففي تلك السنة كان على رأس وزارة التعليم العالي وزير مثقف بثقافة فرنسية محب للأدب والثقافة والفلسفة، هو الدكتور منذر الشاوي. وكان من نشاطاته الثقافية أن اصدر جريدة رصينة باسم "الجامعة"، المؤسسون لها ستة بينهم: الدكتور ياس خضر، حسب الله يحيى، الدكتور فجر جوده، الدكتور منذر الخطيب، وأنا مسؤول "الصفحة الأخيرة ".

وكنت خططت لاجراء حوارات مع الرموز العلمية والثقافية لأعمل ارشيفا لمفكّري العراق ومبدعيه، فبدأت بأول وزيرة للتعليم العالي الدكتورة سعاد إسماعيل وزرتها في بيتها على نهر دجلة قريبا من الصليخ. وكان هدفي الثاني هو الوردي الذي زرته بداره الواقعة خلف إعدادية الحريري للبنات في الأعظمية، واجريت معه حوارا نشر المسموح به في حينه مع صورة كاريكاتيرية بريشة الفنان "علي المندلاوي".وسألني عن باقي الحوار، فأجبته: " إذا نشر يا دكتور فسيكون طريقك لبو زعبل"، فرد مازحا" :" والله إذا أنا وأنت سوا.. يا محلاها ". وتطورت العلاقة إلى صداقة وزيارات في بيته.

كنت أحرص ان ادعوه لكل ندوة علمية يوم كنت خبيرا بمركزالدراسات بوزارة الداخلية .ففي الدراسة الميدانية بعنوان: (البغاء.. أسبابه ووسائله وتحليل لشخصية البغي) والتي تعدّ الأولى من نوعها في العراق والعالم العربي من حيث نوعية ادوات البحث والاختبارات النفسية، وعدد البغايا والسمسيرات (300 بينهن من لها علاقة بمسؤولين كبار!)، أتيت بالوردي واجلسته في الصف الأول في ندوة دعت لها وزارة الداخلية ضمت اكاديميين وقضاة. وحين انتهت الندوة مذ يده نحوي وسحبني (على صفحة) وقال:

" دراستك هاي عن الكحاب تذكرني بحادثة ظريفة. في الأربعينات ناقشت الحكومة موضوع فتح مبغى عام في بغداد، وعقدت لقاءا ضم كلاّ من الوصي ونوري سعيد ووزير الداخلية ووزير الصحة ومدير الأمن العام. فاتفقوا على الفكرة لكنهم اختلفوا على المكان، بين الباب الشرقي وساحة الميدان. وكان بين الحاضرين شخص مصّلاوي يجيد فن النكته فقال لهم :ان افضل مكان للمبغى هو الميدان والما يصدّق خل يروح يسأل أمّه ! ".

ضحكنا.. وخاطبت عيناه عينيّ بتعليق:ماذا لو قالها احدهم اليوم! لأفرغ مسدسه في قائلها والمبتسمين، فيما الوصي ونوري السعيد ووزير داخليته ومدير امنه العام.. استلقوا على ظهورهم من الضحك!.

والوردي يجيد فن اختيارعنوان موضوعه ويعرف فن استخدام مقولة (العنوان ثريا النص)، فحين سألته عن بدايات حياته اختصر الاجابة بعنوان: (من الحمير.. الى الجامبو!).. مبينا انه كان في بداية حياته يسافر على ظهور الحمير ثم اتيح له ان يسافر بطائرة الجمبو.. وختم جوابه بأنه كان في صباه صانع عطّار براتب شهري قدره خمس روبيات (ثم صرت الآن مؤلفا اتحذلق على الناس بأقاويل لا يفهمونها.. واطلب منهم أن يفهموها!).

والوردي كاتب ساخر باسلوب بسيط ولطيف، وهذا هو الذي مكّنه ان يكون مشهورا بين العامة. ومن سخرياته الموجعة أن أقيم له قبيل أن يموت حفل تكريمي (شكلي) فبعث ابنه وقال من على المنصة: يبدو أن والدي لا يكف عن المزاح حتى وهو على فراش المرض.. فقد كلفني ان انقل لكم بيتا واحدا" من الشعر: (جاءت وحياض الموت مترعة.. .وجادت بوصل حيث لا ينفع الوصل)!.

والوردي واحد من ابرز علماء العراق في النصف الثاني من القرن العشرين، تجاوز تأثيره حدود النخبة الى الناس العاديين، وتعدت شهرته حدود الوطن والعرب الى العالمية، يكفينا ان نستشهد بمقولة البروفسور جاك بيرك الذي وصف الوردي بأنه (كاتب يحلّق الى العالمية باسلوبه الذي يضرب في المناطق الحساسة في المجتمع كفولتير).

الخطأ العلمي في .. ازدواج الشخصية

أشاع الوردي مفهوم (ازدواج الشخصية) في الفرد العراقي قبل سبعين سنة متأثرا بشيوع المفهوم عبر أفلام السينما والصحافة الفنية والقصص في خمسينيات القرن الماضي، وسط استغراب الناس ودهشتهم.. أن يحصل مثل هذا للإنسان، وربما خشيتهم على أنفسهم أن يصيب أحدهم ما أصاب الدكتور جيكل في رواية ستيفنسن (دكتور جيكل ومستر هايد) التي تحولت الى فلم، أو أن تصاب إحداهن ما أصاب الفتاة (سيبل) وهي حالة واقعية لفتاة ظهرت في اميركا بخمسينيات القرن الماضي كانت لها ثلاث شخصيات : شخصية عادية، موظفة تمارس عملها حسب الأصول، وشخصية متدينة تذهب الى الكنيسة في أيام الآحاد، وشخصية مستهترة ترتاد نوادي الرقص والقمار في الليل. وكان لكل شخصية أسم خاص بها ولا تعرف إحداهن الأخرى. ولأن الحالة مثيرة فقد التقطتها هوليوود وحولتها الى فلم بعنوان " ثلاثة وجوه لحواء، Three Faces of Eve" عرض عام 1957وقامت ببطولته الممثلة Joanne Woodward .

وليت الوردي استخدم المفهوم مجازا أو استعارة إنما استخدمه بنفس المعنى الشائع لمرض ازدواج الشخصية في الخمسينيات. فهو يقول بالنص :" إن العراقي هو في الواقع ذو شخصيتين، وهو إذ يعمل بإحدى شخصيتيه ينسى ما فعل آنفا بالشخصية الأخرى.. وانه اذا بدر منه بعدئذ عكس ذلك فمردّه الى ظهور نفوس أخرى فيه (لاحظ هنا تعدد وليس ازدواج) لا تدري ماذا قالت النفس الأولى وماذا فعلت). وواضح لجنابك أن الوصف هذا ينطبق على حالة مرضية وليس على حالة سوية، بمعنى أن المصاب به يعاني من اضطراب أو مرض (ازدواج الشخصية) بمفهومه الشائع في الخمسينيات، و" اضطراب الهوية الانشطاري " بالمفهوم الحديث.. وليس من المعقول بطبيعة الحال أن يكون كل أو معظم العراقيين مصابين بهذا الاضطراب العصابي، أو المرض ألذها ني على رأي آخر .

إن الذي قصده الوردي هو على وجه التحديد: (التناقض بين الأفكار والسلوك)، بمعنى أن السلوك الذي يتصرف به الفرد يتناقض أو يتعارض مع الفكرة أو القيمة التي يحملها، وإليك بعض الأمثلة مما يذكر :

"إن العراقي، سامحه الله، أكثر من غيره هياما بالمثل العليا ودعوة إليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في نفس الوقت من أكثر الناس انحرافا عن هذه المثل في واقع حياته ".

" حدث مرة أن أقيمت حفلة كبرى في بغداد للدعوة الى مقاطعة البضاعة الأجنبية، وقد خطب فيها الخطباء خطبا رنانة وأنشد الشعراء قصائد عامرة. وقد لوحظ آنذاك أن اغلب الخطباء والشعراء كانوا يلبسون أقمشة أجنبية والعياذ بالله ".

" ومن العجيب حقا أن نرى بين مثقفينا ورجال دين فينا من يكون ازدواج الشخصية فيه واضحا: فهو تارة يحدثك عن المثل العليا وينتقد من يخالفها، وتارة يعتدي أو يهدد بالاعتداء لأي سبب يحفزه الى الغضب تافه أو جليل، ضاربا عرض الحائط بتلك المثل التي تحمس لها قبل ساعة ".

إن مثل هذه الحالات بعيدة جدا عن أن نصفها علميا بـ" ازدواج الشخصية " إنما هي تناقض بين الأفكار والسلوك، أي أن الفرد يؤمن بقيمة أو يتبنى فكرة أو يدعو لها أو يصرّح بها لكنه يتصرف بسلوك مناقض لها، كأن يدعو الى أن تمارس المرأة العمل ضابطا في الشرطة أو الجيش غير أنه يمنع ابنته من التقديم الى كلية الشرطة أو الكلية العسكرية.

وعليه فان الأصوب علميا أن نصف ذلك بـ " تناشز الشخصية " الذي يعني التنافر أو التناقض أو عدم التطابق بين ما يعتقد به الفرد وبين ما يقوم به من سلوك. وطبيعي أن ابتكار مصطلح جديد لن يزحزح مصطلحا استقر في ذاكرة الناس منذ سبعين سنة حتى لو كان أكثر انطباقا على الحالة، فضلا على أنالعراقيين كانوا قد استلطفوه وأشاعوه.

ومع ذلك يبقى الوردي عالم اجتماع فذ يدهشنا بنباهته وفطنته وعمق تحليله ويمتعنا بأسلوب عرضه وجزالة لفظه وسهولة معناه الذي جاء من نوع السهل الممتنع، وهدفنا فيما أتينا عليه هو طرح وجهة نظر علمية تغني المعرفة عن ظاهرة اجتماعية عراقية.. التقطها الوردي بذكاء عالم متيمز وطرحها باسلوب كاتب ساخر، لكن الزمن تعداه الآن وصارت توثيقا للتاريخ والأجيال.

لحظة وداع

كانت آخر مرة زرته بها في بيته حين كان مريضا. جلست بجانب سريره المتواضع وتمنيت له الشفاء العاجل والعمر الطويل، فقال وهو يحدس أنها النهاية: (أتدرى ماذا يعوزني الآن: إيمان العجائز)، ولم افهمها إلا بعد حين. وأضاف مازحا": " تدري آني ما احب الماركسيين.. بس ما اعرف ليش احبك.. تعال انطيني بوسه ".. قبلّته وحبست دمعة في العين وشهقة في الصدر.

وللأسف.. فحتى مدينته (الكاظمية) لم تفه حقه.. مع ان فيها مسؤولين من ابناء طائفته بينهم نائب كان معدما بنى على ضفاف دجلة من جهة مرقد الأمام بيتا لنفسه بملايين الدولارات!.. وتجاهل دعوة كنت وجهتها له وآخرين من قيادات أحزاب الأسلام الشيعي لاقامة تمثال له في مدخل جسر الأئمة مادّا يده نحو الأعظمية بوجه تعلوه ابتسامة.

ان استذكار الوردي في يوم رحيله (13 تموز 1995) ينبهنا الى حقيقة ازلية.. هي ان الطغاة زائلون والعلماء خالدون.

 

أ.د. قاسم حسين صالح

13 تموز 2020

 

 

محمود محمد عليأعلام الفكر الإسلامي العربي، تراث خالد يتوجه كتاب الله بتاج الشرف، والعزة، والجلال، والخلود، تراث يستند عبر الزمن إلي العصر الحديث، تراث مجيد يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين العراقة والتجديد، بين الفكر والأدب، بين العبقرية والخلق، بين الروح، والسلوك، والأخلاق، والعقائد والتشريع.

قصدت أن أفتتح مقالي بهذه الكلمات لأقول بأنه : خلال الأسابيع الماضية غيّب الموت الأخ والصّديق الأستاذ الدّكتور"عطية أبوزيد محجوب الكشكي" - أستاذ ورئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب – جامعة سوهاج، تاركاً سمعة وسيرة عطرة ستخلّده في قلوب من عرفوه..  صمتّ وحدي عندما عرفت الخبر الفاجع.. تعطّلت قواي، عادت بي الذّاكرة إلى مواقف كثيرة لا تنسى..  وإن مما يصبِّر النفس على الفراق، ويُهوِّن لوعة الاشتياقِ: إيمانَنا بأن الموتَ قَدَرٌ محتَّم على كل حيٍّ، لا ينجو منه صغيرٌ أو كبيرٌ، ولا غنيٌّ أو فقير، ولا شريف أو حقير، ولا حاكمٌ أو محكوم، ولا عالمٌ أو جاهل، ولا ذكرٌ أو أنثى، نؤمن بأن الموت نهايةُ الحياة الدنيا الفانية، وبداية الحياة الأخرى الباقية.. وقد حزنت حزناً كبيراً علي فراق هذا العالم الجليل  الذي كانت له مرجعية كبيرة في مجال الدراسات القرآنية، فقد كان والله الحديث معه لم يكن فقط حديثاً عن العلم فقط، ولكن حديث عن الأخلاق وعن التواضع..  لذلك أقول "إنا لله وانا اليه راجعون" .. كلمة يعجز اللسان عن التعبير عن مقدار الحزن والأسى الذي تلقينا به خبر رحيل القدوة الحسنة، والانسان الخلوق أولاً والأستاذ والعالم الجليل عطية الكشكي.

والدكتور عطية الكشكي مفكراً كبير وله وزنه وثقله في الدعوة إلي التجديد في الدراسات الإسلامية؛ حيث استطاع أن يحدد ملامح التجديد في قراءات القران بصورة نقدية ونظرية، وذلك من خلال إيمانه بمبدأ "الاجتهاد" الذي يعد في نظره أهم الخطوات العملية التي أقرها الإسلام للمساعدة على تطوير الفكر وتحريكه والركيزة الأساسية التي تمثل بداية انطلاق العقل المسلم لبناء حضارة الإسلام وثقافته على امتداد تاريخه؛ وهذا كله يكشف لنا علي أن عطية الكشكي عالم موسوعي، له طموح علمي تجسد في كتبه التي ألفها، وفي الرسائل الجامعية التي أشرف عليها، فهو من عشاق القرآن الكريم، ومن المهتمين بشؤون التفسير، والحديث،  ومختلف الدراسات الإسلامية.

كان عطية الكشكي (مع حفظ الألقاب) عندما أجلس معه وأناقشه كان يذكرني بشخصية أستاذنا الجليل الدكتور "محمد عبد الله دراز"، حيث يحمل  كلاهما بين جنبيه نفسا أبيَّة، وكانا كلاهما يتصفان أيضاً بشمائل نادرة، منها: "الفطنة، والذكاء، والأناة، والجرأة، والإقدام، والشهامة، والصلابة في الحق، ولباقة الحديث، ولين العريكة، والحدب على المرافقين"؛ علاوة علي أن كلاهما كانا يدركان قيمة الرسالة القرآنية؛ خاصة وأن القرآن الكريم حظي باهتمام لم يحظ به أي كتاب وضعي أو سماوي آخر، وقد تجلى ذلك في مظهرين، الأول: أن الاعتناء به لم يقتصر على المؤمنين به؛ وإنما شمل كذلك المتشككين والجاحدين، والثاني تواصله زمانياً ومكانياً؛ إذ لم يعرف القرآن انقطاعاً تاريخياً، فمنذ لحظة نزوله وحتى يومنا هذا تواصلت الدراسات القرآنية، واتخذ التصنيف القرآني أشكالاً متعددة أهمها: التفاسير وكتابات إعراب القرآن، ومعاني القرآن، وغريب القرآن، وأحكام القرآن وغيرها، كما لم يعرف انقطاعاً جغرافياً فقد أسهمت شتى بقاع العالم الإسلامي في الدراسات القرآنية، حتى تلك البلدان القاصية عن مركز العالم الإسلامي كالهند وروسيا وهلم جرا..

والدكتور عطية من مواليد محافظة سوهاج بمركز طما – قرية الأغانة بجمهورية مصر العربية، حيث ولد في التاسع عشر من شهر مارس عام 1965م، وقد نال مراحل التعليم الإبتدائي والإعداي والثانوي بمدينة طما، وفي المرحلة الجامعية التحق بكلية الآداب - جامعة أسيوط  (فرع سوهاج)؛ حيث حصل درجة الليسانس في اللغة العربية والدراسات الإسلامية عام 1987م، وحصل أيضاً علي الماجستير في الدراسات الإسلامية " حديث نبوي" كمية الآداب-جامعة أسيوط، كما حصل علي الدكتوراه في الدراسات الإسلامية " حديث نبوي" كلية البنات-جامعة عين شمس عام 1996م، كما حصل درجة أستاذ مساعد في الدراسات الإسلامية في عام 2003م، وأخير حصوله كذلك علي درجة الأستاذية في عام 2008م. وبعد ذلك سافر للعمل في المملكة العربية السعودية بجامعة الملك سعود بالرياض من 2008 وحتي عام 2013م، وبعدها رجع مباشرة عمله بجامعة سوهاج ليعمل أستاذاً ورئيساً لقسم الدراسات  الإسلامية من 2014 وحتي وافته المنية.

وكان عطية الكشكي له إنتاج علمي متميز، نذكر منه علي سبيل المثال لا الحصر :  معجم التابعيات في الكتب الستة، وحديث عمرة بنت عبدالرحمن الأنصارية "جمع ودراسة"، والأحاديث الموقوفة في سنن أبي داود "دراسة حديثية"، والرحمة الغيثية بالترجمة الليثية، البن حجر العسقلاني، تحقيق ودراسة، وأحكام الخمع، دراسة حديثية فقهية، وتفسير محمد بن كعب القرظي، إثبات الشفاعة والرد عمى منكريها، كتاب منشور، ومسائل نافع بن الأزرق إلى ابن عباس رضي الله عنهما، في تفسير غريب القرآن، كتاب منشور، وقراءات النبي -صلى الله عليه وسلم- دراسة قرآنية حديثية، وكتاب الاختلاف بين قراءة يعقوب، ونافع، تأليف أبي عبد الله محمد بن شريح الرعيني، تحقيق ودراسة، والمعتزلة من السنة النبوية- بحث منشور، وطرق حديث لا نكاح إلا بولي، تخريخ ودراسة بحث منشور، و-الأحاديث التي حكم عليها الإمام الترمذي بالإرسال، دراسة استقرائية نقدية، بحث منشور، والحديث المرسل، دلالته وحجيته عند المحدثين والفقهاء والأصوليين، دراسة ونقد، بحث منشور، وقراءات النبي – صلى الله عليه وسلم - وأثرها في تفسير القرآن الكريم، والأحاديث النبوية والآثار في أساس البالغة للزمخشري، تخريج ودراسة، كتاب منشور، والأحاديث المرسلة في سنن الترمذي، دراسة ونقد، كتاب منشور.. وهلم جرا..

وفي هذا الإنتاج العلمي استطاع عطية كشكي أن ينقل البحث في الدراسات الإسلامية من مجرد التعريف العام به، أو الحديث الخطابي عنه – إلي مستوي دراسته دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الديني لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

وثمة نقطة مهمة وجديرة بالإشارة وهي أنني في هذا المقال أحاول أن أعرب عن تقديري الكبير لجهود عطية الكشكي فى نشر المفاهيم الإسلامية الصحيحة، ودوره فى ترسيخ السلام العالمى، ومواجهة الفكر المتطرف، فقد كان (رحمه الله) من دعاة الوسطية الإسلامية السمحة في: العقل والنقل، السنة والبدعة، الجبر والاختيار، السلم والحرب، العلم والدين، الخلق والقانون...الخ. وقد تتبعتُ تناول الدكتور عطية الكشكي لهذه الثنائيات الكبرى بتفصيل في كتاباته؛ وبالأخص كتابه الشهير: قراءات النبي صلي الله عليه وسلم – دراسة قرآنية حديثة؛ ففي هذا الكتاب يتجلى تجديد عطية الكشكي في علوم القرآن من خلال المنهج الذي اتبعه في البرهنة على أصالة القرآن الكريم من خلال المدخل اللغوي البياني بالأساس، وهنا نجد "عطية الكشكي"، ينطلق من الدراسة التحليلية للرسالة القرآنية انطلاقا منطقياً وتاريخياً. وهذه منهجية تجديدية مفارِقة للمنهج المتوارث. ومن ثمراتها نقل القرآن من السياق الثقافي العربي، ووضعه في سياق العالمية.

يبدو هذا واضحاً إذ يؤكد لنا عطية الكشكي، كيف حاول الملحدون والمشركون ومن سار علي نهجهم قديماُ وحديثاً الطعن والتشكيك في القرآن الكريم والقراءات القرآنية، المتواترة منها، والشاذ، فها هو كما يقول عن "جولد تسيهر"، المستشرق اليهودي، الذي يصف القرآن الكريم، بالاضطراب وعدم الثبات، وهنا نجد عطية الكشكي  يستشهد بنص تسيهر القائل : " فلا يوجد كتاب تشريعي، اعترفت به طائفة دينية، اعترافاً عقدياً علي أنه نص منزل أو موحي به، يقدم نصه في أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات كما نجد في نص القرآن".

وهنا يقول عطية الكشكي أنظروا كيف يصف هذا الملحد كتب الشرائع السماوية السابقة في نصوصها الأصلية، وهو في صفحات أخري يناقض نفسه بأن التلمود يقول بنزول التوراة بلغات كثيرة في وقت واحد، بل حاول أن يشكك في نص القرآن الأصلي، ودفعه إلي ذلك حقده وعداؤه للإسلام والمسلمين، فيقول: " ليس هناك نص واحد للقرآن "، أما من ناحية موقفه من القراءات القرآنية كما يقول الدكتور عطية الكشكي، فهو ليس له أي دراية علمية بالقراءات القرآنية، فهو يحاول الطعن في القراءات المتواترة، وإثبات دور للقراءات الشاذة والضعيفة في إقامة النص الأصلي  في القراءات الذي أفسده النُساخ، كما يزعم،ويري أن اختلاف القراءات يرجع إلي الاختلاف في الحركات، وإلي سهو النساخ، وهو لا يعلم أن للقراءة القرآنية الصحيحة كما يقول عطية الكشكي ضوابط وأصولاً قياسية وضعها علماء المسلمين، إذا فُقد شرط منها، صارت شاذة، وأن القراءات الشاذة ليست قرآناً .

ومن هنا اتجه عطية الكشكي إلي دراسة في معظم بحوثه إلي دراسة قراءات النبي صلي الله عليه وسلم، في الإسناد والمتن، وأثرها في تفسير القرآن الكريم، لبيان الصحيح منها، والمنسوب إليه من الآحاد والشاذ، والضعيف، والمدرج، كما اتجه إلي دراسة القراءات التي لم يقم أحد بدراستها دراسة قرآنية حديثية، وهو في هذا يعلن بصريح العبارة بأنه لم يجد أحد من القدماء استوقفته دراسة قراءات النبي صلي الله عليه وسلم في كافة وجوهها، فلم أجد في مصادر القراءات الشاذة والمتواترة في الدراسة واحداً، يخصص دراسة مستقلة لها، كما أن هذه القراءات المنسوبة للنبي صلي الله عليه وسلم، في كتب التفسير، واللغة، خاصة، مروية بألفاظ الشك والتمريض، أما المرويات الموجودة في كتب الحديث، فقد جاءت في معظمها ضعيفة، وإنما كانت الدراسات السابقة الخاصة بقراءات النبي صلي الله عليه وسلم، دراسات لغوية تناولت بعض الظواهر اللغوية في نماذج من هذه القراءات وسبب قوي دفعني إلي الكتابة في هذا الموضوع وهو رغبتي في خدمة كتاب الله عز وجل . لذلك قمت بجمع قراءات النبي صلي الله عليه وسلم، من كتب الحديث، والتفسير، والقراءات، ومعاني القرآن وإعرابه، وكتب اللغة، وإني لأزعم أني قد قمت بجمعها كلها فيما تيسر لي من  المصادر العلمية، وقد كان منهجي هو ترتيب القراءات حسب ترتيب مصحف الإمام، ثم أذكر قراءة الجمهور، أو ما اختلف فيه القراء، ثم أذكر قراءة النبي صلي الله عليه وسلم، وبعد ذلك أذكر التوجيهات اللغوية، ثم الحكم علي إسناد القراءة، وأثرها في تفسير القرآن، أما إذا اختلف القُراء سواء أكانوا من المشهورين  أو من غيرهم، ذكرت قراءة كل قارئ وتوجيهها والحكم عليها وبيان أثرها في تفسير القرآن الكريم، وقد اتبعت منهج المحدثين في دراسة الإسناد والمتن، والحكم عليهما، وأيضاً توثيق القراءة، من جميع كتب الحديث والتفسير، وكتب القراءات، ومعاني القرآن، واللغة، وما تيسر لي .

وفي النهاية نقول تحية طيبة لعطية الكشكي الذي خطفته المنية في ريعان شبابه، والذي يمثل لنا نموذجاً فذاً للعالم الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله " عطية الكشكي " الذى رحل عن عالمنا تاركاً لنا إرثاً عظيماً من الدراسات القرآنية ممثلاً في مئات من الطلبة والعديد من الكتب والمقالات والأبحاث العلمية ... فهل نستفيد من هذا الإرث؟ أم نكتفي بقراءته والترحم على عصر جميل قد مضى؟ أم نستفيد منه لبناء المستقبل؟

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علييعد طارق الجمال واحدًا من ألمع أساتذة الطب في مصر والعالم العربي، الذين استطاعوا ببحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الجراحات الميكروسكوبية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

وقد عرفت الدكتور "طارق عبد الله مرسي الجمال"، عندما شغل الجمال منصب وكيل كلية طب أسيوط لشؤون الدراسات العليا والبحوث في أكتوبر 2010، وكانت أصعب مرحلة تمر بها جامعة أسيوط ؛ حيث تلك الجامعة العريقة دخول مصر في مستنقع حروب الجيل الرابع الذي أفرز ما يسمي بثورات الربيع العربي، فقد عشنا هنا في جامعة أسيوط وبالأخص كلية الطب والقصر العيني حيث لا توجد ميزانية تصرف علي الأجهزة والمعدات الطبية، والكهرباء تنقطع صباح مساء، والعمليات الجراحية تؤجل، ولا تجري في مواعيدها بسبب الثورات التي تحمل الفوضى المجتمعية ذات المطالب الفئوية والعصيان والتمرد ..الخ .

ومع ذلك فإن كل هذا لم يثني طارق الجمال بوصفه أحد القيادات وأصحاب الكفاءات الأكاديمية في كلية الطب في تسيير العمل عل الوجه الأكمل، فوجدناه لا يألوا جهدا في مساهمته بشكل مباشر أو غير مباشر في تقديم العلاج لأبناء الوطن، وتوافر أحدث وأدق الأجهزة الطبية، كما تم افتتاحه العديد من الوحدات الهامة مثل وحدة الجراحات الميكروسكوبية التي ساهم هو بشخصه في إيجادها منذ ديسمبر عام 1995 في القرن الماضي وعلي إثرها تولى طارق الجمال رئاسة الجمعية المصرية لجراحة اليد والجراحات الميكروسكوبية بعد أن تلقى تدريبه على الجراحات الميكروسكوبية في مستشفى تشانغ غونغ Chang Gung Memorial Hospital التذكاري في تايبيه بتايوان.

نعم لقد كنا نري في الدكتور "طارق الجمال" عندما نعم الرجل المتوحد الشامخ: سراجاً هادياً، عالياً كالمنار، وارفاً كالظل، زاخراً كالنهر، عميقاً كالبحر، رحباً كالأفق، خصيباً كالوادي، مهيأ كالعَلم، لا يرجو ولا يخشي، طاقته لا تنضب، كأن وراءها مدداً يرفدها من سر الخلود .

ولد الدكتور طارق الجمال بمحافظة أسيوط في التاسع والعشرين من يناير لسنة 1962، حيث تخرج من كلية الطب جامعة أسيوط عام 1984م، وقد عُين معيداً بقسم جراحة العظام والكسور عام 1985م، ثم حصل على درجة الماجستير في جراحة العظام عام 1988م، ثم عين مدرساً مساعداً بقسم جراحة العظام بكلية طب أسيوط عام 1989م. وفي عام 1993م حصل على درجة الدكتوراه في جراحة العظام، ليحصل في العام نفسه على درجة مدرس، ثم أستاذ مساعد عام 1998م، ثم حصل على درجة الأستاذية عام 2003م.

وقد نشر طارق الجمال العديد من الأبحاث في مجال الجراحات الميكروسكوبية، كما أشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه. وحصل على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الطبية عام 2003م ؛ وجائزة محمد فكري مكاوي في الجراحات الخاصة من أكاديمية البحث العلمي 1992م، وجائزة الدكتور محمد رجائي الطحلاوي من جامعة أسيوط لأحسن بحث في مجال جراحة الأورام عام 2002م.

وعندما أُختير طارق الجمال في فبراير 2015 عميداً لكلية طب جامعة أسيوط، خلفًا للدكتور أحمد مخلوف، بعد عدة أشهر من فراغ المنصب، ثم نائبًا لرئيس الجامعة للدراسات العليا والبحوث في أبريل 2016 سعي برغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الجماعة آنذاك إلي إنشاء وحدة الجراحات الميكروسكوبية بجامعة أسيوط، وهي وحدة جراحية تابعة لقسم جراحة العظام بكلية طب جامعة أسيوط. وتختص تلك الوحدة بالجراحات المجهرية المتعلقة بإعادة زرع الأطراف وإعادة ترميمها بعد استئصال أورام العظام والأنسجة الرخوة وإصلاح الأعصاب الطرفية وعلاج إصابات الضفيرة العضدية.

وقد تمكن طارق الجمال بأن ينشئ بالوحدة عدة غرف تضم عمليات ووحدة عناية فائقة سعتها 22 سريراً ومكتبة ومكتباً لمتابعة الحالات ومعملاً للتدريب على المهارات الجراحية (يضم مجهراً جراحياً بخمسة مقاعد وغرفة عمليات رئيسة ودائرة تلفزيونية مغلقة لأغراض التدريب الأساسي). كما تستغل الوحدة بيت الحيوان التابع للكلية في التدريب الجراحي. ويعمل بالوحدة ثمانية جراحين، كما تضطلع الوحدة بتدريب الأطباء الزائرين من الجامعات الأخرى (طبيب واحد سنوياً)، حيث استقبلت الوحدة أطباء متدربين من جامعات جنوب الوادي وسوهاج والإسكندرية والزقازيق ومعهد دمنهور الطبي وكذلك من كينيا، ويعمل بالوحدة حاليًا ثلاثة أطباء زائرين (زملاء).

وظل طارق الجمال يمارس عمله كعميد لكلية الطب (بجانب عمله نائباً لرئاسة جامعة أسيوط للدراسات العليا والبحوث) حتى نوفمبر 2017. وفي مطلع أغسطس 2018، كُلف بالقيام بأعمال رئيس الجامعة بعد انتهاء مدة الأستاذ الدكتور أحمد عبده جعيص لبلوغه سن التقاعد، قبل أن يصدر قرار جمهوري بتعيينه رسميًا رئيسًا للجامعة في 19 أغسطس 2018.

ولا ننسي الجهد الذي بذله طارق الجمال من خلال عمله كنائب لرئاسة الجامعة للدراسات العليا، حيث ساهم بشكل مباشر (في ظل إدارة الدكتور أحمد جعيص رئيس الجامعة آنذاك) في افتتاح العديد من الأفرع الجديدة؛ مثل مستشفى صحة المرأة ومستشفى القلب وغيرها، في محاولة لتقديم أفضل الخدمات الطبية. كما قدم لـ" معهد دراسات وبحوث تكنولوجيا صناعة السكر" خدمات صناعية وتنموية ملحوظة من خلال معامله وأساتذته. هذا إلى جانب الخدمات التي قدمها لكلية الزراعة في ميدان الدراسات العليا لدعم البحوث والخدمات الزراعية، وتنمية الثروة الحيوانية، وتقديم الخدمات العلاجية للثروة الحيوانية من خلال الطب البيطري للحفاظ علي الثروة الحيوانية والداجنة. كما قدم لكلية الحاسبات والمعلومات المساعدة في تطوير برامج الدراسات العليا من دعم وإنشاء خطوط اتصال وميكنة الهيكل الإداري، لا سيما شئون الدراسات العليا حتى يضمن الطالب الباحثين الحصول على خدمة سريعة ومميزة ودقيقة بأقل جهد..

كذلك أسهم الرجل من خلال علاقاته الطيبة بزملائه من أساتذة كلية الطب في تقديم العلاج لأبناء الوطن؛ بل وتقديمه لبعض العرب والأجانب، ودلالة ذلك المهارة العلمية والعملية لأبناء طب أسيوط وتوافر أحدث وأدق الأجهزة. كما تم في عهده افتتاح العديد من الوحدات الهامة، مثل وحدة الجراحات الميكروسكوبية التي ساهم الدكتور طارق الجمال رئيس الجامعة الحالي. هذا إلى جانب افتتاحه (مع الإدارات السابقة) للعديد من الأفرع الجديدة، مثل مستشفى صحة المرأة، ومستشفى القلب وغيرها، في محاولة لتقديم أفضل الخدمات الطبية.

كما قدم طارق الجمال لـ" معهد دراسات وبحوث تكنولوجيا صناعة السكر" خدمات صناعية وتنموية ملحوظة من خلال تطوير معامله ودعم أساتذته. هذا إلى جانب الخدمات التي قدمها لكلية الزراعة في تدعيم ميدان البحوث والخدمات الزراعية، وتنمية الثروة الحيوانية، وتقديم الخدمات العلاجية للثروة الحيوانية من خلال الطب البيطري للحفاظ علي الثروة الحيوانية والداجنة.  كما ساهم الجمال في دعم وإنشاء خطوط اتصال وميكنة الهيكل الإداري بكلية الحاسبات والمعلومات، لا سيما شئون الدراسات العليا حتى يضمن الطالب الحصول على خدمة سريعة ومميزة ودقيقة بأقل جهد. وفي ميدان العلوم الطبيعية والرياضية والإنسانية ساهم طارق الجمال في تطوير برامج الدراسات العليا بكليات العلوم والآداب، والتربية، والحقوق، والتجارة، والخدمة الاجتماعية، ورياض الأطفال، والفنون الجميلة بصورة ملفته ويطول بنا المقال إذا ما سردنا ذلك.

كما كان طارق الجمال شخصية هادئة وأريحية تحرص على تنمية ثقافة الحوار وقبول الأخر، ونبذ التطرف والعنف، والوقوف على حقوق الإنسان، وتنمية مهارات الاتصال، والوقوف على ثقافة العولمة والحداثة وما بعد الحداثة، ودراسة الفكر المغاير للفكر العربي، للوقوف على الكيفية التي يمكن لنا من خلالها التحاور مع الغرب صاحب الثقافة المغايرة، كما تهتم بدراسة السياسة والاقتصاد والفكر الحر كإحدى أهم متطلبات التنوير.

لقد طارق الجمال مؤمناً بأن جامعة أسيوط تمثل بجناحيها العملي والنظري دفعة قوية في سبيل تحقيق التنمية والتنوير، فالجناح الأول يهتم بهيكلة الجسد وبناءه، والثاني يسري الروح في هذا الجسد، فتدب الحياة، كمهندس يُشيد، وطبيب يُعالج، وفيلسوف يُفكر ويُنظر للبناء، ويسعى نحو خلق حالة من السلام والوفاق. فلا تنمية ولا تنوير إذا تخلت الجامعات عن رسالتها.

وفي 19 أغسطس 2018 أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي، قرارًا جمهوريًا، بتعيين الدكتور طارق عبدالله مرسى الجمال، القائم بأعمال رئيس جامعة أسيوط، رئيسًا رسميًا للجامعة. كان الدكتور خالد عبد الغفار، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، قد أصدر قرارًا بتكليف الدكتور طارق عبد الله مرسي الجمال، نائب رئيس جامعة أسيوط لشئون الدراسات العليا والبحوث، في مطلع أغسطس الجاري، للقيام بأعمال رئيس جامعة أسيوط، وذلك عقب انتهاء فترة رئاسة الدكتور أحمد عبده جعيص للجامعة لبلوغه السن القانونية للمعاش.

وقال الجمال - في بيان صحفي اليوم الأحد - إنه سوف يعمل في الفترة المقبلة على متابعة سير العمل داخل قطاعات الجامعة واستكمال ما يتم داخلها من مشروعات وتهيئة الكليات والمنشآت لاستقبال الطلاب الجدد استعدادًا لبدء العام الدراسي الجديد والتنسيق في ذلك مع الإدارات المختصة مع تكاتف الجهود وتكثيفها لضمان سير العمل على النحو الأكمل والأيسر، خاصةً في ظل قيامه كذلك بالإشراف على قطاعي التعليم والطلاب وخدمة المجتمع وتنمية البيئة بعد انتهاء فترة عمل الدكتور محمد عبد اللطيف كنائب لرئيس الجامعة لبلوغه سن المعاش.

وكان طارق الجمال من أشد المؤمنين بأن التعليم يمثل قدرة ونمو، ويرتبط بحاجات المتعلم وطاقته علي الممارسة ؛ حيث إنه في نظره بالتعليم يتسع وعي المتعلم ويتعمق، ويساهم في دعم الإرادة وتهذيب الذوق والرقي به، والتعلم في جوهره بهجة لأنه لقاء المتعلم بالحياة، ونمو دائم ليحقق إنسانيته. كما يؤمن الدكتور طارق الجمال بأن تقدم الأمة ومستقبلها أصبح مرهونا بإعمال العقل وبكفاءة وقدرة أبنائها علي التعلم، وما يحققه التعليم في الوقت نفسه من بهجة . وتقاس حيوية الأمم في نظر طارق الجمال علي قابلية أطفالها للتعلم أي قابليتهم للنمو وتقبل كل جديد وهي مرونة في مواجهة الحياة، واستعداد دائم للتعديل والتغيير كلما تطلب واقع الحياة ذلك، إن التعلم في اعتقاد طارق الجمال استكشاف للذات، وشوق وحب للحياة وسمو بها، وتزداد القابلية للتعلم بازدياد الشعور بفرحة التعلم وبهجته .

وفي رأي طارق الجمال أن هناك محددات للانتقال بالتعليم المصري إلي المنافسة العالمية ؛ إذ إنه من أجل الخروج من هذا النفق الذي يحاصر عملية التعلم الجامعي، فهناك عدد من التحولات في نظره يجب أن تتسم بها مسيرة تطوير التعليم المصري (في مرحلة الجامعة) من أجل وضعه في إطار العالمية، وذلك علي النحو التالي :

أولا: التحول من الجمود إلي المرونة من خلال تبني فكرة التطوير المستمر في سياق منظور استراتيجي واضح، فالمرونة في النظام التعليمي الجامعي أساس لمواجهة التغير المستمر في معطيات الحياة داخليا وخارجيا، وأساس الإدراك المتنوع وتقبل الاختلاف.

ثانيا: التحول من التجانس إلي التنوع فيما يقدمه التعلم للطلاب من خبرات، والأخذ بالتمييز بين الطلاب علي أساس الفروق الفردية والتخلي عن فكرة الطالب المتوسط هو النموذج رغم تنوع القدرات وتنوع البيئات ؛ خاصة وأن تبني خاصية التجانس في التعليم أنتجت نسخا متكررة من المتعلمين يتم تشكيلهم في أنماط جامدة .

ثالثا: التحول من ثقافة الحد الأدنى إلي ثقافة الإتقان والجودة، حيث إن تعليمنا الراهن في نظر الجمال يكتفي في التدريس والامتحان بتوافر 50% من المعرفة والمهارة، وهو شرط النجاح في كل مادة دراسية في التعليم الجامعي . وثقافة الحد الأدنى هذه تشير إلي أننا نؤمن بأنصاف المتعلمين، وهذا ما يرفضه طارق الجمال في عصر سريع التغير والتعقد.

رابعا: التحول من ثقافة الاجترار إلي ثقافة الابتكار ؛ حيث يعتقد الجمال أن التعليم الجامعي الآن يركز علي المستويات المعرفية الدنيا والتي لا تتجاوز استرجاع المعرفة والتي تأخذ بالحفظ الالي أو الحفظ الأصم في التدريس والامتحان علي حد سواء .

خامسا: التحول من ثقافة التسليم إلي ثقافة التقويم، ذلك أن التعليم الجامعي الراهن في نظر الجمال يكتفي بما يقدمه الكتاب الجامعي أو الأستاذ الملقن من حقائق ويعتبرهما المصدر للمعرفة، وهكذا يفتقد الطالب والأستاذ والجامعة (في نظر الجمال) العقلية الناقدة الفاحصة وثقافة التقويم التي يجب أن تسود جميع عناصر العملية التعليمية لمعرفة ما يتحقق من أهداف وتوفير المعرفة التي تبني علي سياسة التخطيط والتنفيذ، ولذلك يساهم التقويم في رأي الجمال في التصحيح الذاتي وتصويب المسار.

سادسا: التحول من السلوك الاستجابي إلي السلوك الإيجابي حيث يعد ذلك النمط في نظر الجمال من السلوك السائد في مؤسسات التعليم الجامعي وتراث لعصور التخلف ويتمثل في التواكل والاستسلام وضعف إرادة التغيير والنظرة غير العلمية في تفسير الظواهر والأحداث، ومن نتائجه الإرهاب والتطرف وبناء عليه فإن التعليم في نظر الجمال صار بحاجة ملحة إلي السلوك الإيجابي حيث يكون المتعلم إيجابيا فعالاً نشطاً مشاركاً في كل مواقف الحياة .

سابعاً: التحول من الاعتماد علي الآخر إلي الاعتماد علي الذات حيث يعتمد التعليم الجامعي في مصر في نظر الجمال علي التلقين واعتبار الكتاب المدرسي هو كل مصادر المعرفة والمكتبات أصبحت مجرد ديكور تربوي، وبالتالي فالتعليم في جامعة أسيوط بحاجة إلي أستاذ معلم يساهم في تيسير وتسهيل المعرفة ويساعد علي امتلاك مفاتيح المعرفة ومهارات الحصول عليها ويدرب علي التعليم الذاتي والتقويم الذاتي الذي يدفع المتعلم إلي المزيد من التعلم مدي الحياة وعليه يجب كما يقول الجمال أن يتم إثراء الكتاب المدرسي من خلال الإشارات والتكليفات إلي القراءة خارج المقرر وعبر بنك المعرفة الذي يوفر التعدد والتنوع.

ثامنا: التحول من التعليم محدود الأمد إلي التعليم مدي الحياة، حيث إن التعليم في نظر الجمال من أجل الحياة يعد أحد مفاتيح القرن الحالي الواحد والعشرين، ويتطلب ذلك التدريب المستمر وتحديث المعلومات مدي الحياة استجابة لحاجات ومطالب المجتمع المتجددة دائما وحاجات سوق العمل المتغيرة دائما.

تاسعا: التحول من ثقافة القهر إلي ثقافة المشاركة، حيث إن ثقافة القهر أدت إل تخلف التعليم حتي صارت سائدة في أمور من أهمها كما يقول الجمال الرأي الواحد والفكر الواحد وعدم تقبل الرأي الآخر والتعليم للامتحانات وليس للحياة وهذا ما يتعارض مع التوجه الديمقراطي وتشجيع التعددية في السياسة الوطنية وثقافة المشاركة واللامركزية، حيث إن مطالب القرن الحالي تفرض الأخذ بالمبادرة والإبداع والحرية الفردية والديمقراطية السياسة وحقوق الإنسان .

عاشرا: التحول من ثقافة التحصيل إلي ثقافة التفكير الناقد وذلك يتطلب تنمية مهارات التفكير الناقد، وتدريسها كمهارات عامة يجب تعلمها في الجامعة واعتبارها محور بناء البرامج التعليمة، وهو أمر تفرضه طبيعة الحياة المعاصرة التي تزدحم بالتغيرات السريعة والمعقدة.

ولم يقف الجمال عند حد وضع وصياغة استراتيجيات تطوير التعليم الجامعي، وإنما أخذ ينفذ هذه الأمور، من خلال إلغاء الكتاب الجامعي الورقي، واللجوء إلي الكتاب الالكتروني كسابقة تأخذ بها جامعة أسيوط لتنفذها خلال الفصل الدراسي القادم 2019/2020، وهذا كله لا  يغير من الأمر شئ في نظر الجمال إلا إذا تم تطوير قابليات الأستاذ التدريسية وتحسين مستواه العلمي وتحفيزه على متابعة التطورات العلمية وتعميق معرفته العامة بموضوع اختصاصه، وعلى ترجمة الأفكار الأكاديمية إلى ممارسات عملية، وإشعال روح الاهتمام والتتبع والحماس للبحث العلمي العميق. والبحث العلمي، بمعرفتنا الشخصية، رغبة وأمل كل أكاديمي مصري، وعلى حد قول الشاعر حافظ إبراهيم: البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاته.

تحيةً للدكتور طارق الجمال، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة علمية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.. فقالت عنه الأستاذة ليلي شلبي (في مقال لها بعنوان" طارق عبدالله الجمال" بجريدة الشروق) :" بقى أن نعرف أن الدكتور طارق الجمال يصل ما انقطع حتى إذا لم يتعد طوله مليمترات قليلة. أنه يعيد زراعة اليد إذا ما تعرضت للبتر فى حادث، إنه أيضا يعيد زراعة العضلات إذا ما  تعرضت للتدخل الجراحي في حالات السرطانات أو غيرها بنقل عضلات من مكان آخر فى جسم الإنسان. إنه يعيد بناء العضلات والعظام برؤية فنان يدرك عظمة معجزة خلق الإنسان.

وتحيةً مني لرجل آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا في طارق الجمال قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطننا، بهدف الكشف عن مثالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور عزت قرني (أستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس والمعار لجامعة الكويت) واحداً من كبار الأساتذة الأكاديميين الذين أحبوا الفلسفة، واتخذها طريقاً لمحبة الحياة، وعمق حبه لها بالبحث المنهجي والدرس الأكاديمي لتاريخها، ومذاهبها، ومدارسها الفكرية، بداية من عصورها الكلاسيكية الأولى إلى ما وصلت إليه في عالمنا الراهن؛ حيث كان شغله الشاغل أن ترتبط الفلسفة بالمجتمع، بقضاياه الاجتماعية والسياسية والثقافية، وأن تكون مرآة يتطلع من خلالها إلى معنى الخير والحرية والجمال والحقيقة.

وأكاديمياً بدأ عزت قرني (مع حفظ الألقاب) جهده الفلسفي من جعبة الفلسفة  المثالية  ومن نقطتين،  إحداهما تمثل عتبة البدايات والأخرى تمثل، قوس النهاية؛ ففي البدايات مثلت فلسفة أفلاطون نقطة البدء في منهج عزت قرني الأكاديمي، فكانت أطروحته للدكتوراه التي حصل عليها من جامعة السوربون بفرنسا عام 1972 بعنوان «الدوكسا في نظرية المعرفة الأفلاطونية». وفيها فند فلسفة أفلاطون وفق مبدأ التدرج والانتقال بالمفاهيم والرؤى المعرفية من مستوى (الدوكسا) والتي تمثل أيديولوجية الرأي العام الشائعة، إلى مستوى أكاديمي علمي يتحرى الضبط المعرفي والمنهجي، وإعمال العقل في الرصد والتحليل والتقييم.

ولد إمام عبد الفتاح إمام بمحافظة الشرقية، شمال شرقي القاهرة عام 1934 لوالد من علماء الأزهر الشريف، وخلال رحلته الوظيفية عمل بأغلب جامعات مصر، وجامعة الكويت، وطرابلس، وجامعة سبها بليبيا، كما أشرف على الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه داخل مصر وخارجها، وهو أبرز تلاميذ زكي نجيب محمود، وأهم الباحثين في فكره وفلسفته.

والدكتور عزت قرنى هو واحد من آخر جيل عمالقة الفلسفة في مصر، وقد ولد في الجيزة بمصر في 15 يناير 1940. تخرج في كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1960، وحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون (باريس – فرنسا) عام 1972 عن أطروحة بعنوان الدوكسا في نظرية المعرفة الأفلاطونية. وهو حاصل على جائزة الدولة التشجيعية في الفلسفة عام 1975، وعلى وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1976، وهو عضو في الجمعية الفلسفية المصرية والجمعية التاريخية المصرية وجمعية محبي الفنون الجميلة بالقاهرة. عُيِّن في جامعة الكويت عام 1987.

وقد أثرى عزت قرني المكتبة العربية بعدة مؤلفات نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: كتاب الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون؛ وكتاب الفكر الجديد في أزمة الفكر العربي المعاصر؛ وكتاب العدالة والحرية في فجر النهضة العربية؛ وكتاب مستقبل الفلسفة في مصر؛ وكتاب في الفكر المصري الحديث؛ وكتاب فعل الإبداع الفني مع نجيب محفوظ؛ وكتاب تأسيس الحرية ، طبيعة الحرية؛ الذات ونظرية الفعل، فكرة الخير ونظرية الشر.

كما أسهم عزت قرني فلسفياً على مستوى الترجمة، فقد كان له الفضل في أن ينقل إلى العربية – عن اليونانية القديمة- عدداً من محاورات الفيلسوف اليوناني أفلاطون. اتسمت ترجمته بسلاسة التعبير مع الإبقاء -بقدر الإمكان- على المغازي الفلسفية وغير الفلسفية للنص الأفلاطوني. علاوة على ذلك، كتب قرني لكل محاورة مقدمة تمهد للقارئ الطريق بأن تضعه في السياق التاريخي للنص، وبأن تقترح عليه هيكلا أوليا للتطور العضوي للأفكار. أضاف عزت قرني إلى النص المترجم هوامش حوت ملاحظات أو إيضاحات أو إحالات نصية، الأمر الذي زاد النصوص ثراء ووضوحا.

وكان الدكتور عزت قرني قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وكان عزت قرني من المؤمنين بأن الفلسفة هي الممثل الشرعي لوجود المجتمعات، لأنها تحمل الرؤية الحقيقية للكون والإنسان. علاوة علي أن هناك بعض الأقلام والأصوات في نظر عزت قرني تهمش دور الفلسفة معتبرة أنها بلا أهمية، لذا يرى أنه علينا أن نميز بين أمرين مختلفين: الأول هو تدريس الفلسفة، والثاني هو مكانة الفلسفة في المجتمع، وينبغي للجميع إدراك أن كل مجتمع وتجمع له نوع خاص من الفلسفة، لأن المعنى الحقيقي للفلسفة بوجه عام هو الرؤية للكون والإنسان والعلاقة فيما بينهما، فهي الكلام عن المبادئ والغايات والأصول التي توجه السلوكيات لتحديد وترشيد الخطوات فتجد أن الفلسفة قد تكون ضمنية أي بشكل تلقائي تظهر من خلال الأعمال والأفعال ولكن وجودها غير واضح أو تكون معروضة بشكل محدد وبصياغة واضحة ومكتوبة ونحن نريدها محددة لكي نصل الى الفعالية والانتاجية بأقل التكاليف الممكنة.

وكان عزت قرني صاحب مشروع فلسفي ، حيث كان دائما ما يقول لنا : إن رسالتي الفكرية الهادفة إلى بلورة رؤية فلسفية جديدة خاصة بالثقافة العربية نابعة من مواقفنا و تصوراتنا ومشاكلنا الحالية لتقدم بطريقة حرفية تفصيلية، كما أننا مطالبون بالتعريف بإنجازات الحضارة الإسلامية التي شوهتها الحركات المتطرفة في زمن طغت وغلبت فيه العلوم التطبيقية وتحولت أغلب العلوم الإنسانية إلى علوم حية، هل تؤيد أن تكون الفلسفة تطبيقية؟ وهل توجد فلسفة ذات عمل جماعي.

وكان أيضاً يقول لا احد ينكر أن هذا العصر هو عصر التطبيقات بل إن التكنولوجيا أصبحت أهم من معظم العلوم ومن يعمل فيها يكسب أموالا أكثر ممن يعمل في البحوث العلمية البحتة، لكن لا يمكن أن تقوم التكنولوجيا من دون ‘الأبحاث النظرية’ التي تعتبر أساساً ما يتولد عنها من تطبيقات، لذا فإن الحضارة الغربية بكل ما انتجت تعود إلى أفكار بالأساس نظرية، قدمها فلاسفة منذ عصر النهضة الاوروبية.

وقد سئل عزت قرني ذات مرة في إحدى ندواته الرائعة بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر بأن السلطة الدينية تحارب الفلسفة وترفض تدريسها فما سبب ذلك برأيك؟

وقد أجاب قرني بأن السلطة الدينية ترفض الفلسفة باعتبارها منافسة لها لذا فإن معظم الفلاسفة المسلمين والذين أطلق عليهم ب المتفلسفين’ هم برأيي ليسوا فلاسفة بالمعنى الدقيق، والمشكلة الأساسية في السلطة المعنوية التي أصبحت حكرا على البعض وهي يمكن أن تكون موزعة على جهات عدة وفي ذلك ‘فليتنافس المتنافسون أما بالنسبة لما يدرس في البلاد الاسلامية فهو منقول من منظور غربي بحت والسلطة الدينية تتخوف من الفلاسفة لأنهم يفكرون.

ثم يطرح لنا عزت قرني الحل لإنقاذ ثقافتنا أو لتكوين فلسفتنا الخاصة بنا فيقول : أنا أفضل تسمية ثقافتنا الجديدة باسم ‘الأصوليات’ لكي نبتعد عن الاسم ‘الفرنجي’ وتتخلص من التأثير الاجنبي عليها، لأن الفلسفة هي علم الأصول كما قال العلماء، وبالنظر إلى الحضارة الإسلامية نجد أنهما قد أنتجت اتجاهات مهمة في ميادين العلم ، ولكن يرجع أساسها وأصلها إلى التوحيد، ولا بد لنا أيضا من إعادة تكوين علم أصول الدين ليحمل أساسا نظرة إسلامية مستقبلية فعلم أصول الدين القديم أصبح تاريخياً.

وتوفي في يوم الأثنين الموافق 17 يونيو 2019 عالمنا المفكر والفيلسوف الدكتور عزت قرني أستاذ الفلسفة بكلية الآداب ، ورئيس لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة، إثر حادث سيارة في مدينة الشيخ زايد عن عمر يناهز 79 عاماً .

وقد نعى المجلس الأعلى للثقافة بأمانة الدكتور هشام عزمى، الفيلسوف والمفكر المصري الدكتور عزت قرني مقرر لجنة الفلسفة بالمجلس، والذي لقي مصرعه عصر اليوم في حادث أليم. وفي بيان المجلس أعرب الدكتور هشام عزمى، عن حزنه وأسفه الشديد لهذا الخبر الحزين كما وصفه، وقال إن الراحل كان له مشروعه الفلسفي الخاص والهام، وأضاف: “عهدناه وطنيا مخلصا، مؤمنا بدور الفلسفة في قيادة المجتمعات”. وتابع الدكتور هشام عزمى، :"إن خسارة هذا العالم الجليل خسارة كبيرة تلاميذه ومحبيه، رحمه الله وغفر له وألهم محبيه الصبر".

تحية طيبة عزت قرني الذي كان ومازال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به و يسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله الدكتور عزت قرني، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت أمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عدد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

مصدق الحبيب(1840 – 1921)  Carl Menger

هو الاقتصادي النمساوي، ثالث اقتصاديي الثورة الحدّية، بعد جيفنز وفالراس، والذي عرف بكونه مؤسس المدرسة النمساوية في الاقتصاد، وصاحب النظرية الذاتية لقيمة العمل.

ولد كارل منگر عام 1840 في گاليسيا Galicia التي كانت ضمن الاقليم النمساوي - الهنگاري والتي اصبحت الآن جزءً من جنوب پولندا. کانت عائلته موسرة وكان ابوه واخواه محامين بارزين. انهى دراسته الابتدائية والثانوية المتقدمة في گاليسيا وذهب لدراسة القانون في جامعتي براغ وفيينا، ثم حصل على الدكتوراه في القانون من كراكوف Krakow  عام 1867، ودرجة الاستاذية من جامعة فيينا عام 1873، وهي الجامعة التي بقي فيها تدريسيا وباحثا لأكثر من ثلاثين عاما. 

خلال عقد الستينات من القرن التاسع عشر، عمل صحفيا متخصصا بالمواضيع الاقتصادية فتركزت تقاريره ومقالاته على السوق الاقتصادية والمالية وتقلباتهما. كان هذا العمل هو الذي أثار فضوله حول الاقتصاد وحول مدى انطباق النظريات الاقتصادية على الواقع العملي، خاصة بما يتعلق بالاسعار، وكيف ومَن يقررها ويغيّرها صعودا ونزولا. ولذا فقد بدأ بدراسة الاقتصاد دراسة واعية تمخضت عن اكمال ونشر كتابه الشهير "مبادئ الاقتصاد" المنشورعام 1871. في عام 1876 انتدب ليكون معلما خاصا لأمير البلاد وولي العهد الشاب رودولف هابسبرگ لیحاضر له فی الشؤون الاقتصادية والقانونية والسياسية ويسافر معه في زياراته الرسمية عبر أوربا. وهكذا استمر في عمله هذا لمدة ثلاثة عشر عاما ولحين انتحار الامير مع عشيقته القاصرة في فضيحة ماسمي بحادث ميرلنگMayerling Incidence  . عامان بعد هذه الصدمة أوكل اليه الامبراطور فرانز جوزف والد الامير رودولف مهمة رئاسة قسم الاقتصاد في جامعة فيينا.  كما كلفه ايضا برئاسة اللجنة الوطنية لإصلاح النظام النقدي في النمسا عام 1889. إستقال من منصبه كرئيس لقسم الاقتصاد في جامعة فيينا عام 1903 وتفرغ للبحث والدراسة لحين وفاته عام 1921.

1613  منكر عُرف منگر باختلافه مع زملائه الحدييين حول وحدة القياس الحدية التي استنبطوها وأسموها بالـ "يوتل"، وهي وحدة قياسية لتقدير المنفعة التي يستمدها المستهلك جراء استهلاكه او استخدامه لسلعة ما.  يرى منگر ان هناك صيغا واغراضا مختلفة للانتفاع من أي سلعة ولذا فلا يصح تطبيق وحدة ثابتة لقياس مديات الانتفاع المتباينة. فمثلا، اذا اعتبرنا منفعة دلو من الماء، سندرك بأن الاستعمالات المختلفة لهذه الكمية من الماء لشخص ما في ظرف ما ستأخذ ترتيبها حسب الاهمية، من اطفاء العطش وتحضير الطعام الى غسل الصحون ثم غسل الملابس وثم وثم وربما اخيرا الى سقي الازهار. وبالتأكيد ستختلف المنفعة حسب درجة الاشباع وستتناقص من الدلو الاول الى الدلو الاخير. ولذا فان من المنطقي ان لاتستطيع اي وحدة قياس ثابتة كالـ "يوتل"   Util أن تفي بقياس المنفعة لجميع تلك الاغراض المختلفة.

كما انه اختلف مع الكلاسيكيين في قيمة السلعة بناءً على قيمة العمل، ذلك انه رأى بأنهم أهملوا قيمة السلعة الاستعمالية وركزوا فقط على قيمتها التبادلية في السوق. ولكن اذا اعتبرنا القيمة الاستعمالية فان السلعة ستثمن بمقدار قابليتها على اشباع حاجة المستهلك، وبغض النظر عن كمية العمل المبذول في انتاجها. ومن هذا المنظور ذهب منگر الى تفسير معنى ونشأة النقود والاسعار فاعتقد ان كل العلاقات الاقتصادية مرتبطة بديناميكية السبب والنتيجة والتي تتمحور حول حاجات الانسان وطرق اشباعها. وهنا فانه اختلف مع المفهوم الارسطوطالي للتبادل القائل بأن الناس يتبادلون السلع ذات القيمة المتساوية لديهم. لكن منگر يرى ان الاصح هو ان الناس يبادلون ما له قيمة أقل عندهم بما هو اكثر قيمة في نظرهم، الامر الذي يثبت جدوى التبادل ومنفعة الطرفين منه. ومن هذا التبادل نشأت النقود كأداة لقياس القيم المتبادلة، ونشأت الحاجة الى الطرف الثالث الوسيط من أجل احداث وتسهيل عملية التبادل التي غالبا ما تكون من الصعب ان تحدث لوحدها. 

كذلك فان منگر أغنى مناقشة "متناقضة الماء- الماس" التي حيرت آدم سمث، وذلك بتفسيرها بناءً على المفاهيم الحدية، وبالذات عن طريق التفريق بين المنفعة الكلية والمنفعة الحدية. فالماء ، اساس الحياة وذو الطلب العالي رخيص أو مجاني لان منفعته الحدية واطئة جدا بسبب وفرته لكن منفعته الكلية عالية جدا بسبب ضرورته. أما الماس الذي ليس له أي منفعة عملية والمطلوب من قبل القلة القليلة من الناس يكون سعره غالي جدا ذلك ان منفعته الحدية عالية جدا بسبب ندرته ومنفعته الكلية واطئة جدا بسبب قلة فائدته العملية. وهنا، فإن الوفرة والندرة يشيران الى العرض الذي يسهم في تحديد قيمة السلعة التبادلية جنبا الى جنب مع الطلب عليها. وبالنسبة للسعر فإن منگر يعتقد بأنه يمثل حلقة الاتصال بين القيمة الذاتية التي يقررها المستهلك لسلعة ما نظراً لاهميتها له وبين القيمة الموضوعية التي تتقرر في السوق نظراً لحسابات المنتج وعوامل العرض والطلب. وهكذا يصبح السعروسيلة لقياس قيم السلع والخدمات. كما انه يفسر نشوء النقود كنتيجة لعملية تلقائية عضوية أوجدتها ضرورة التبادل السلعي والخدمي، تماما مثل نشوء اللغة بين البشر، كوسيلة لتسهيل تفاهمهم وتفاعلهم فيما بينهم. فالنقود إذاً عبارة عن سلعة ايضا، لكنها السلعة الاكثر تداولا وتبادلا. ولاشك فانها تطورت عبر الزمن فكانت مثلا لدى بعض المجتمعات وفي زمن ما عبارة عن نوع من الماشية أو فرو بعض الحيوانات أو الملح، وأخيرا اصبحت تقاس بالذهب بسبب صفاته الفريدة والذي اصبح بعد فترة خاضعا لسيطرة الدولة ومنظما بموجب قوانينها.

اُعتبرت نظرية السعر والنقود من صلب مساهمات منگر في تاريخ الفكر الاقتصادي ، خاصة وانه قد نظر الى السعر كتجسيد موضوعي لظاهرة سببية تجلت في خضم محاولات اشباع  الانسان  لحاجاته. وهذا هو ما أكده الاقتصادي جوزيف شومبيتر حيث قال ان ماوصفه منگر حول نشوء مفهوم السعر لايصور فقط عملية اشباع الانسان لحاجته انما يفسر ايضا بقية الظواهر الاقتصادية المعقددة في اقتصاد التبادل (Schumpeter   (1954,.  كان ذلك انعكاسا مباشرا لما أكد عليه منگر من ان على المرء، مستهلكا كان ام منتجا، ان يمتلك المعرفة اللازمة لاتخاذ قراراته الاقتصادية. ويقصد وعيه الاقتصادي ومعرفتة بالسلعة التي يشتريها وبسعرها وبكلفتها وبكل علاقات السبب والنتيجة المتعلقة بعملية التبادل وما يترتب عليها من آثار اقتصادية.

وفي شرحه لنظرية الانتاج، كان منگر قد صنف السلع وعلاقتها باشباع حاجات الانسان الى مراتب عليا ودنيا. فمثلا علاقة الخبز بالمستهلك لاشباع الجوع عبارة عن علاقة ذات مرتبة دنيا ، لكن علاقات عوامل انتاج الخبز بالمستهلك ستكون من علاقات المراتب العليا.  وهذه العلاقات مصنفة هي الاخرى الى مراتب ثانوية فمثلا نوعية الدقيق وحالات الافران تكون من المرتبة الثانية تليها حالة المطاحن ثم نوعية القمح وحالة الحقول وعمل الفلاحين ستكون في المراتب الثالثة والرابعة والخامسة وهكذا صعودا الى اعلى المراتب التي تمثل ابعد العلاقات بالاستهلاك المباشر للخبز من قبل المستهلك. والاستنتاج الاساسي هو ان سلع المراتب العليا ستتحول تدريجيا الى سلع وخدمات المراتب الدنيا ذات الصلة المباشرة باشباع الحاجات. ما يترتب على ذلك  هو ان الطلب على عوامل الانتاج (أو سلع وخدمات المراتب العليا) سيكون عبارة عن استجابة للطلب على السلع ثيقة الصلة باشباع حاجة المستهلك وهي الخبز في هذا المثال (وهي من سلع وخدمات المراتب الدنيا) التي تشبع الحاجة مباشرة.  وفي هذا الايضاح يثبت منگر صحة مقولته الشهيرة بأن كل الاشياء محكومة بقوانين السبب والنتيجة التي تسري باتجاهين.

من الجدير بالذكر هنا هو ان اغلب مساهمات منگر الاقتصادية وردت في مؤلفه الاساسي، "مبادئ الاقتصاد" المنشور عام 1871 والذي لم يلق اي اهتمام في ذلك الوقت لكنه اصبح فيما بعد الكتاب التأسيسي للمدرسة النمساوية في الفكر الاقتصادي. كتب منگر ايضا في اصول وطرق البحث فكان كتابه الموسوم "تحقيق في طرق بحث العلوم الاجتماعية مع اشارة خاصة لعلم الاقتصاد" المنشور عام 1883. أثار هذا الكتاب ضجة كبيرة وانتقادات صارخة من قبل مجتمع الاقتصاديين في فيينا. وعلى أثر ما جاء فيه من آراء جريئة غير تقليدية ولدت تسمية "المدرسة النمساوية" لمنهج منگر ومن تبعه كإشارة سلبية باعتبارها خارجة عن المنهج التقليدي المستتب والشائع في ألمانيا وما حولها.  وقد ردّ منگر على تلك الانتقادات في كراس كان عنوانه " اخطاء المنهج التاريخي في الاقتصاد الالماني" المنشور عام 1884 والذي بدأ منه الجدال المنهجي بين المدرستين الالمانية والنمساوية. خلال سنوات الجدال تلك كسب منگر رهطا من تلامذته وزملائه الذين اصبحوا فيما بعد من ألمع الاقتصاديين كـ يوجين بوم بافرك   Eugen von Bohm-Bawerk وفريدريش وايزر Friedrich von Wieser  الذي تنسب اليه صياغة قانون تناقص المنفعة الحدية وقانون توازن المستهلك كما نعرفهما اليوم بعد ان ترجم وشرح ولخص ما كتبه منكر بنفس المعنى.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

محمد السعديبعد أن أسدل الستار على أعمال المؤتمر الرابع لحزب الشيوعيين العراقيين في ١٥ تشرين الثاني العام  ١٩٨٥. ورفعت خيمة المؤتمر من منطقة (أرموش السفلى) في شريط لولان الحدودي وفيها ألغى النصف من الرفاق  النصف الآخر . إتجهت السياسة الجديدة في تعزيز تنظيمات الداخل من خلال زج عدد أكبر من الرفاق نحو صوب مدن الوطن . وأتخذ من الفصيل المستقل في وادي (زيوه) على نهر الزاب خلف مدينة العمادية نقطة إنطلاق وتجميع الرفاق وتهيأتهم لوجستياً وتنظيمياً ومعنوياً من خلال المناطق الذي ينتمون لها (الفرات الأوسط، الجنوبية، بغداد، والمنطقة الوسطى) . بأشراف مباشر من قادة الحزب عمر الشيخ (أبو فاروق)، حميد البياتي (أبو داود)، أرا خاجادور (أبو طارق)، بعد أن أزيح باقر إبراهيم (أبو خولة) عن القيادة المركزية للتنظيم بعد كلمته التي ألقاها في خيمة المؤتمر بتخليه عن مسؤولياته كافة وأعتذاره من المندوبين عدم ترشيح نفسه ثانية لاي مسؤولية حزبية مما سبب أرباكاً داخل تنظيمات الفرات الاوسط بتلك أعتبروها مفاجأة، كان هناك أفق في التعويل عليه.

تجمعنا في وسط ذلك الوادي الضيق، والذي أستهدف فيما بعد بالاسلحة الكيمياوية بسلاح الطيران الحكومي، كانت جريمة ما زالت تداعياتها تلاحق ملفات جرائم النظام الراحل، وقد بلغ عددنا التقريبي ستون رفيقاً من كل بيدر حبة . وفي شتاء قارص من نهائيات العام ١٩٨٥ وفي غرف رطبة ولم يكسر رطوبتها الا دفء الأفاق بالعزم نحو أماني جديدة من النضال والأجواء الحميمية الطاغية بين الرفاق والأماسي اليومية حول وثائق المؤتمر ونتائجه ودعواته نحو تعزيز العمل الحزبي في الداخل ودعمه الكامل لتبقى الجبال نقطة تجمع وهدف لالتحاق الرفاق من بطش الدكتاتورية والالتحاق من الخارج (القامشلي)، تعد المنفذ الأهم والمهم للالتحاقات للحفاظ على كيان الحزب والخوف من العزوف عن الركب الحزبي .

في إعداد الخيارات من الرفاق بالتوجة الى مدن العراق تجري بسرية تامة، لكن ممن تكثر اللقاءات به داخل الوادي أو على سطوح غرف المقر جيئةً وذهاباً تعطي ضوء أخضر للرفاق الأخرين أنه مهيأ قريباً في النزول الى الداخل . بداها الرفيق الشهيد محمد وردة (أبو جيفارا)، فبدل من أن يأخذه الدليل (شهاب)، أبن العمادية العميل المزدوج الى مدينة الموصل أمناً نحو بغداد، دخل به الى مديرية أمن دهوك وضاعت أخباره بين الرفاق حيث رفاق تنظيم الداخل يتطلعون الى وصوله بلهفة للاطلاع على نتائج وأخبار عقد المؤتمر وبين قيادة التنظيم المطمئنة الى وصوله بسلام لانه تعتقد كان بيد أمنه . بعد فترة زمنية أنحصرت بأربعين يوماً، وهو ما زال يتلوى من وطأة التعذيب اليومي في أقبية البعث المنحل، كان يعتقد فترة زمنية كافية للرفاق بأن يقدموا على تغير أوكارهم الحزبية، لكن لم يدر على باله أن رفاقه ينامون بهدوء بعيداً عن تلك التوقعات، فأجبر أن يبيح ما في صدره من أسرار خطيرة عن الاوكار الحزبية وأجهزة الطبع والاسلحة، كانت ساعة صفر واحدة في الواحدة ليلاً من أول ساعة في السنة الجديدة من شهر كانون الثاني  العام ١٩٨٦ . في الهجوم على عدة أوكار حزبية خربطت حسابات أجهزة السلطة في القدرة على بناء هذا التنظيم رغم أساليبهم القذرة في تشويه ومعاداة الشيوعية . رفاق سطروا ملاحم بطولية (أبو غسان، أبو أزدهار، أبو سهيل، أبو قيس، أبو جلال، أبو ستار، سفانة، أم ستار) . أبو جلال (محمد الخضري) هو القائد الفعلي للتظيم أستشهد في مقاومة بطولية في محاولة لالقاء القبض عليه، أما أبو قيس  خالد جاسم معاوية، وقع بيد المخابرات بعد مقاومة بطولية في بيتهم في مدينة بعقوبة ومحاولته للإلتحاق الى الجبل .

بعد كارثة الرفيق محمد وردة (أبو جيفارا) . تهيأ للنزول الى مدن العراق والتي تعد كابوساً في ظل نظام فرض سطوته بقوة الحديد والنار وألاعيب المخابرات والأمن، كل تلك السطوات المخيفة والمرعبة لم تحد من أرادة الشيوعيين في مواصلة النضال والتحدي . غابا عنا وعن عداد الفصيل الرفاق المرحوم علي الجبوري (أبو أحمد)، وعبد فيصل (أبو عبير) . في دقيقة أو ساعة لا أحد يعرف توقيتها في التحرك ومع من، من الرفاق والطريق المؤدي للقرب من المدن القلقة بأتجاه العاصمة بغداد . غابوا وبعد شهور وربما سنة كاملة تواردت الأخبار عبد فيصل معتقل وعلي الجبوري عاد الى الجبل محملاً بحكايات وهموم لم تحكى بعد.

اللقاءات في الفيصل أشعرت الجميع لمن الدور القادم في النزول الى بغداد . الرفاق الشهداء (أبو بشرى، أبو سالار، أبو سرمد، أبو أحمد) . أستيقظنا في صباح ندي، والشمس ما زالت غائبة عن سفوح الوادي وكلمعتاد تجمعنا حول سقيفة المطبخ في وسط المقر ننتظر من يد خفر المطبخ وجبة الفطور خبز منقوع بالدهن تفقدنا رفاقنا الأربعة شعرنا بغيابهم، أنهم زجوا الى بغداد . غابت أخبارهم ولم نعد نسمع شيء عنهم الا بعد شهور أزداد الهمس بين الرفاق أنهم في قبضة أجهزة السلطة ومن بينهم الرفيق  (أبو سرمد) أستشهد في بيته  في ناحية (الدغارة) محافظة الديوانية، عندما حاولت أجهزة السلطة في القاء القبض عليه فقاومهم فاستشهد . قدمت هذه المقدمة لكي أبين للقاريء المتابع طبعاً ومن يمتلك حساً في فرزنة الاحداث .

 بدأ الحديث معي حول التهيأ للنزول الى بغداد، وكنت مهيأ نفسياً ومعنوياً ونضالياً وبقناعة لاتلين في مواصلة العمل النضالي الصعب والخطير مسنوداً على قناعات كاملة وبدون خوف ولا تردد ولا شيئ يحيد عن موقفي أن تطلب الآمر الاستشهاد . وكان معي سلام العكيلي (محمد عرب)، من أهالي الخالص محافظة ديالى، والذي يعد من الشيوعيين المنتميين بصدق وقناعة وشجاعة متميزة، تعرفت عليه عن قرب في قاطع سليمانية وكركوك قبل سنوات قبل توجهه الى بغداد في المرة الأخيرة عام ١٩٨٤، وترشيحي للعمل معه في بغداد زادني قوة لمزاياه النضالية والشخصية . تحركنا في ليل’ دامس وتحت رذاذ مطر خفيف يعتكر حركتنا أحياناً مع مفرزة من الأنصار صوب قرى محافظة الموصل، ولأنه كان عائد تواً من بغداد يحمل أنطباعات عن حركة الناس وخطط العمل والتحرك، أتفقنا أن أتسلل قبله الى بغداد، وأعتمد على حالي لمدة أيام لحين وصوله الى بغداد وحددنا نقطة اللقاء الاول في موقف الباص (حافلة النقل) بحي الأعظمية بجانب سينما الأعظمية والتي تحولت فيما بعد الى دائرة مسرح السلام، وحددنا أن يكون يوم الجمعة الواحدة ظهراً وأن يكون الانتظار لا يتجاوز خمسة دقائق وأن لم يتم يعاد في يوم الجمعة التي تليه، وأن لم يتم تلغى كل المواعيد وتلغى الاتفاقات وأن لانعرف بعضنا ولم نلتقي سابقاً، وفعلاً لم نلتقي لانه في اللحظات الأخيرة منع من التسلل لتوارد أطراف حديث الى قيادة الحزب وقيادة التنظيم في الجبل عن حملة كبيرة في بغداد ومحافظة ديالى ضد تنظيمات وأوكار الشيوعيين، أدت الى تحطيمها بالكامل، بدأت أبحث عن مآوى حتى يأويني من ليل بغداد الموحش، فلم أجده الا على رصيف مرآب النهضة محشوراً بين مئات من جنود الحرب ذاهبين الى أتونها الحارقة وويلاتها المجهولة، وحتى البيوت التي أختارته ربما ستأويني سدت أمامي فلم يبقى أمامي الا البحث عن منافذ لم تكن في الحسبان من أجل تأمين ليلة أمنة بعيده عن الكوابيس والمخاطر الجدية التي تحيط بي من كل جانب وركن، في ظهيرة بغدادية من نهاية شهر شباط ١٩٨٦ والشمس تسدل ذيولها بسطوع على أرصفة الشوارع، حاولت يائساً في الاتصال بالدكتور كريم عبد الرحمن دبش من سكنة مدينة الحرية عبر تلفون البيت الأرضي فتفاجأ بمكالمتي، وكان التردد والخوف واضحاً من خلال نبرات صوته وصداها هل أنا هو فعلاً (علي الجبلي)، لقد مرت سنوات طويلة على غيابه وتقاذفته الدعايات بين الموت وقسم الاعدامات في بناية أبي غريب وعلى قمم الجبال وبين عواصم المدن (دمشق، طهران)، في الختام أستجاب الدكتور كريم عبد الرحمن دبش الى تأكيداتي هو أنا بعينه فحددنا موعداً سريعاً لرغبتي الملحة في منطقة (باب الدروازة) بمدينة الكاظمية، عندما وصل الى المكان حاملاً تحت ذراعيه جريدة الجمهورية الحكومية كنت جالساً في ركن مزوي بمقهى شعبي أراقب المشهد ربما هناك من يتابعنا أو يرصد لحظات لقاءنا وبعد أن شعرت بتململه من طول الانتظار والذي لم يتجاوز الأ دقائق معدودة خرجت له فتصافحنا بحرارة فأطمئن أكثر عندما رآني مبتسماً بمظهر يوحي له بالأطمئنان أخذتنا حرارة الأحاديث تحت حرارة أشعة الشمس المتسلطة على رصيف الشوارع الى العبور الى حي الأعظمية عبر جسر الأئمة فمررنا بجانب منارات أبي حنيفة النعمان الى كورنيش الأعظمية عبر أزقة بيوتها القديمة . عادتني تلك اللحظات الى سنوات مضت عندما كنت طالباً في الأداب في التردد على تلك الأماكن (مكتبة الاعظمية، كورنيش الأعظمية)، وبيت أستاذنا المرحوم محمد يونس الساعدي عندما شكلنا وفد من طلبته في الأداب جامعة بغداد لزيارته بعد أن تعرض لأزمة صحية أقعدته لأيام في البيت، وبسبب ظروفي الصعبة والخطورة المحيقة بي أن أرافقه الى بيتهم لقضاء ليلة هادئة من ليالي الخوف، فذهبنا الى بيتهم في منطقة الحرية وتعرفت على أخيه راضي الطالب في جامعة بغداد، ودارت بيننا أحاديث طويلة ولساعة متأخرة من الليل فركنا الى النوم بنفس غرفة راضي التي يطل شباكها على الشارع وبقي راضي يهمس بأحاديث العاشق الولهان بشوق حبيبته في التلفون مع خطيبته، زميلته في كلية الأدارة والاقتصاد، وأنا بين إيماءة النوم واليقظة وما بينها تعالت الأصوات الى سمعي بصراخ ينذر بوقع شيء خطير، لم أعرف من أين هبطت عليه رباطة الجأش والهدوء الغريب وأنا السياسي المطارد والمختفي من عيون السلطات بمثل هكذا مواقف، كان الأخ الصغير للدكتور كريم وراضي هاوي طيور (حمام) ومرتب لهم برج على السطح وحاولوا بعض منافسيه في تلك الليلة التسلق الى السطح وسرقتهن فأنكشف أمرهم  قبل تنفيذ الجريمة وحدث ما حدث، كنت معتقداً أنا المستهدف في ظل وضعي المضطرب . في الصباح تحول ما وقع الى مزحة وأستغراب من تلك المصادفة الرهيبة . بعد ساعات خرجت من بيتهم يائساً للبحث عن شبر في أرض العراق الواسعة لتآويني ساعات من ليل مخيف .

 

محمد السعدي

من كتاب سيصدر في هذا العام .

بيني وبين نفسي .  

 

 

جواد غلومصديقي العتيد المعتّق الطبيب الحاذق والموغلة علاقتي به من زمن الفتوّة والصبا ومازالت في أوج توهّجها ، هذا الصديق يتصل بي بين الفينة والفينة كلما احسّ بوجود وقت فراغ لديه وما أقلّ فراغهُ في غمرة انشغالاته الجمّة، يتنقل من مشفى الى آخر وهو الأخصائي الضليع في أمراض القلب والأوعية الدمويّة لنقضي جلسات ومسامرات بصحبة بعض أصدقائنا القدامى فقد اعتدنا على أن نرتّب لقاءاتنا كلما أكرمَنا الوقت بفسحة من اللقاء، ثم جاء زمن الكورونا الوغد ليزيدنا بعدا وتفريقا باستثناء اللقاءات الهاتفية ونصائحه الجمّة عبر الأثير خوفاً عليّ مما لا تحمد عقباه لو نزلت هذه الكورونا على صدري وأقامت ردحا في رئتيّ المتعبتين أصلاً جراء التدخين الهائل الذي أمارسه .

ومن طباع هذا النطاسيّ الصديق الحميم واهتمامه الملفت بي انه لايني يراقب وضعي الصحي باهتمام بالغ ويعمل على فحص ضغط الدم بنفسه كلما التقينا، هذا الرجل الصديق المزدحم على الدوام والذي يندر جدا اللقاء به لكثافة عمله ؛ يحسب عدد دقات قلبي المتعب ويرغمني على فحص دمي من المختبر الملاصق الى عيادته دون ان يكلّفني مالا من جيبي الشحيح اصلا من اجل معرفة نسبة السكّري الذي لازمني طويلا ويوصيني بانتقاء ما أتناوله راجيا مرةً وحازما مرةً اخرى لو رأى مني هوانا او تكاسلا ويتندّر معي ساخرا قائلا لي : إنني طوع أمرك الآن .

لكن الغريب حقا ان صديقي النطاسيّ العزيز عليَّ لا يبدي ايّ اهتمام بوضعه الصحي المعتلّ هو الاخر ويتناسى انه مثلي مبتلٍ بدزينة من الأمراض الشائعة ونحن على اعتاب الشيخوخة وجسده صار مرتعا خصبا للأمراض وكلما اهمس في أذنه مشاغبا ومداعبا ان يلتفت الى نفسه أول الأمر غير انه يردّ عليّ مازحا بان باب النجار ستبقى مخلوعة وان حذاء الاسكافي الماهر سيبقى متهرئا، ولا يخفي عليّ صراحته المعهودة بأنه اكثر سقماً من مراجعيه المرضى غير انه يتحامل على نفسه ويحمل عبء ما يعانيه جسدُه طالما ان مريديه المرضى هم بأمسّ الحاجة اليه .

ويعلل ذلك بقوله ان الاطباء المصابين بالسقام يمكن ان يكونوا أصعب أنواع المرضى تعاملاً لأنهم نادرا ما يراجعون زملاءهم ذوي الاختصاص ولا يأبهون بالعلل السود الكامنة وراء ملابسهم البيض لا يتعاطون الأدوية والعقارات التي يقترحونها ويصفونها لمراجعيهم، كما أنهم أقلّ الناس ممارسة للرياضة وكثيرا ما تزداد معاناتهم النفسية عندما تبلغ بهم نرجسية التفوّق العلمي وقد تصل الى حدّ العجرفة والثقة بالنفس مبلغا ؛ إذ يعمدون إلى تناول الادوية بأنفسهم عند اقتضاء الحاجة دون استشارة زملائهم الاخصائيين ربما لشدة ثقتهم التي يتوهمونها إنها الأنجع والأكثر فعالية وقد يُكذّبون حتى نتائج التحليلات الخاصة بهم عندما تردهم من غرف المختبر ويبدو ان أمثالنا السائرة بين ظهرانينا لم تجانب الصواب حين تندّرت وتعجبت كيف ان " طبيبا يداوي الناس وهو عليل " .

وتبقى غرائب الحياة شائعة ومحيّرة حقا فالنجار الماهر الذي يلوي الخشب الصلب ويلينه باحتراف متقن قد يصل حدّ البراعة وبلمسات فنية تخلب الانظار وتسحر الالباب يعجز تماما عن اصلاح باب بيته المتهالكة وكذا الاسكافي الذي يفهم تماما ان اناقة الانسان تبدأ من حذائه اولا لكنه لا يفلح ابدا من ان ينتعل حذاءً جميلا مريحا وتراه يبخس على نفسه جديدا ويقنع ذاته ان يلبس حذاءً طنبوريا تالفا مع انه يشغل كلّ ذهنه ومهارته لتصميم احذية فيها من الابتكار والصنعة الحسنة الشيء الكثير مثل حال صديقنا الطبيب اللوذعي الذي لا يعبأ ابدا بوضعه الصحي وكلّ اهتمامه ان يرضيني ويرضي مراجعيه المرضى المبتلين بالأسقام .

ويبدو ان معظم الأشخاص – أصحّاء كانوا أم مبتلين بالسقام – لا يتصرفون بعقلانية تجاه صحتهم بما في ذلك ممتهنو الطب البشري وما يتعلق بهم من صيادلة وممرضين وذوي المهن الصحية إذ إن سلوكهم الخاص تجاه صحتهم ليس خاضعا للعقل الاّ بنسبة قليلة جدا ومن النادر جدا ان ترى أحدا يفكّر في إضافة خمس او ست سنوات الى عمره لو التزم بوصايا ونصائح الناصحين ذوي الخبرة والاختصاص الطبي .

فمن منّا نهض صباحا ليمارس رياضة الجري والهرولة سواء كنا فتيانا او في مراحل العمر المتأخرة او انتقى طعاما صحيا بحسابات السعرات الحرارية وفق مقادير محسوبة، وحتى لو مارسناها أمدا محدودا فإننا نادرا ما نواظب عليها لتكون عادة متّبعة متداولة يوميا وكم عجزنا عن إقناع أولادنا الشباب للإقلاع عن التدخين او الحذر من السمنة المفرطة مع اننا نمتلك البراهين والأدلّة على خطورتها ودنوّها من الموت لكننا ننعطف كثيرا للاهتمام بصحتنا حينما ينذرنا العطل او يقتحمنا المرض المفاجئ وتبدأ التوقعات السيئة بالظهور الى العلن مما يعني بجلاء إننا لا نفكّر بأوضاعنا الصحية مبكرا ونفتقد الرؤيا العلاجية على المدى البعيد واعتقد جازما ان هذا الحال جزء من تكويننا النفسي وقد أكون انا وصديقي الطبيب الماهر من هؤلاء الذين لا يبالون بعافيتهم الاّ بعد فوات الأوان

ومن الحالات التي تبعث الراحة في نفسي حينما ارى البعض يسابق ظهور الأمراض وأوجاع الشيخوخة ويعمل على تعطيلها مدة أطول ويولي اهتماما ملحوظا بعافيته ليكسب مزيدا من سنوات العمر لحياته من خلال ترويض نفسه وانتقاء الطعام الأفضل لغذائه الصحي والنأي عن كل ما ينغّص مجرى حياته لتكون سلسة وضّاءة مستبشرة يعيشها بهناء لما تبقّى من العمر ويسير في مسالكها غير الوعرة وكأنه في مشوار عشق للقاء من يحبّ .

وكم ستكون حياتنا بهيجة لو استمررنا على هذا المنوال، وهذا ما أوصاني به صديقي الطبيب دون أن يوصي نفسه أولا فهذه غرائب الحياة ان يهتمّ الإنسان بالآخرين ويغفل ذاته ولا ادري هل فات الأوان أم مازال في العمر بقية لنعيشه على أفضل ما يرام .

 

جواد غلوم

 

 

وليد العرفي لا يُمكن لمنْ يعرف الشاعر المرحوم: عمر الفرَّا أن ينساه؛ فقد كان له حضور لافتٌ، وشخصية مُحبّبة تدخل إلى قلب الآخر؛ ليعلق فيها، وقد مكَّنتني معرفتي الشخصية بالشاعر ـــ على الرغم من فارق العمر بيننا ـــ بحكم علاقة الجوار ـــــ إذ كان يجمعنا حيٌّ مشترك، ولم يبعدْ بيتي عن منزله سوى أمتارٍ قليلة من جهة، مثلما ارتبطت به برباط أخوَّةِ رضاعةٍ على شقيقتي الكبرى التي تُجايله من جهةٍ أخرى حينما كان الأهل متجاورين في بناء مشترك قبل أن يستقلَّ كلٌّ في منزل منفرد . وعندما بدأت غواية الشعر تجذبني إليها بدأت تتعمّق معرفتي به، وكنت في بداية دراستي الجامعية وقتذاك في اختصاص اللغة العربية التي لحق بي في التخصّص ذاته كلٌّ من زوج الشاعر، وكذلك ابنه البكر: نزار الفرّا الذي أصبح فيما بعد أبرز الإعلاميين في التلفزة السورية، وله برامج ذات انتشار جماهيري واسع، وحضور لعبت فيه شخصية نزار الفرّا دورها في تحقيقه، وهو أخٌ كريم وابن أخ استتبعت علاقتي بوالده علاقتي به أيضاً،

وقد دامت علاقتي بالشاعر المرحوم: عمر، وما انقطعت تلك الصلة التي استمرّت قرابة ربع قرنٍ؛ فكان أخاً وصديقاً مُقرَّباً إلى أن تغيّرت الظروف في العقد الأخير، فرحل كلٌّ منا في سبيل، وانقطعت الأخبار، وقد قُدّر أن يتوفّاه الله من دون أن نلتقي في آخر عشر سنوات .

عُرِف الشاعر المرحوم: عمر الفرّا بالشعر ذي اللهجة البدوية، وهو أحد أنماط الشعر الشعبي المُتداول في الموروث الأدبي فيما يُعرَف بالزجل، وقد حاول بهذا الأسلوب من التعبير أن يُحقّق جماهيرية منقطعة النظير ربَّما لم يحظَ بها شاعرٌ آخر في هذا العصر، ولعلَّ من أهم عوامل تلك الجماهيرية تعود إلى سببين رئيسيين: السبب الأول موضوعي، وهو يعود إلى حُسن اختيار الشاعر إلى ذلك النوع في التعبير؛ فاللهجة البدوية لهجة غالبية السكان في الوطن العربي، وهي لهجة الفصاحة والعروبة التي ارتبط بالصحراء العربية، وما تُمثّله تلك الصحراء من ارتباط بالذاكرة الجمعية المحببَّة لدى عامَّة الجماهير العربية . وقد كان اختيار الشاعر هذا النمط في التعبير يعود إلى رؤيته في هذا المجال التي ترى أنَّ محاولة الشاعر المعاصر للتفرّد والتميّز تبدو مسألة شبه مستحيلة، إذ يقتضي ذلك من الشاعر المعاصر أن يدخل في محاولة سباقٍ غير مضمون النتائج لو أنه كتب في الشعر العربي الفصيح، وهو ما يستوجب أن يتجاوز كل ما قيل في الشعر العربي منذ امرىء القيس حتى امرىء هذا العصر، وهو ما يبدو عملاً يقوم على مغامرة ورهانٍ خاسرين، وكان مُحقّاً في ذلك الموقف، وتلك الرؤيا .

السبب الثاني: ذاتي، ويمكن أن نُشعّب القول في هذه الذاتية إلى جمالية الإلقاء التي كانت سمة أسلوبيةً من سمات النطق لدى الشاعر تفنَّن الشاعر فيها، وامتلك مهارة نادرة في فنِّ الإلقاء، ومن غير الخفي أن الشعر نصفه إلقاء، ولا يغيب عن البال في هذا السياق تفضيل الجماهير شعر حافظ إبراهيم على شعر أحمد شوقي عندما كانوا يستمعون إليهما؛ فيما كان ذلك التفضيل ينعكس لصالح أحمد شوقي لدى قراءة تلك القصائد، ولذلك كان الإلقاء سبباً من علو القصيدة واستحسانها لدى الناس، أو في خفض قدرها، إلى جانب ذلك فقد كان اختيار الشاعر الموضوعات التي تمس طبيعة الحياة، وتُلامس مشكلات الجماهير الأكثر تداولية، وبذلك نجد أن قصائد الشاعر الفرّا إنما هي في حقيقتها حكايات حقيقة مستقاة من الواقع الذي عاشه الشاعر، وعانى بعض تجاربه في الحقيقة .

وأشير في هذا السياق إلى أنَّ قصيدة: (حمدة) التي كانت سبباً في شهرة الشاعر، وذيوع نجمه هي في الحقيقة قصة حقيقية سمعها الشاعر مما كانت ترويه له والدته، وهي قصة شابة ظلمت بسبب رفضها الزواج ممن لا تحب، وحاولت أن تقول: لا في وجه العادات والتقاليد الاجتماعية والتي يستهلها بالقول: " ما أريدك ما أريدك حتى لو تذبحني بايدك ما أريدك ابن عمّي ومثل أخوي، ودم وريدي من وريدك، أمّا خطبة لا يا عيني، لا ني نعجة تشتريها ولا ني عبدة من عبيدك ما أريدك " وقد تنوّعت قصائد الشاعر في موضوعاتها ما بين الشعر الاجتماعي والوطني كما في قصيدته التي وسم ديوانه بها: " الأرض إلنا " الأرض إلنا الأرض إلنا حفرناها بأظافرنا، كما كان الهمّ القومي أحد شواغل الشاعر الشعرية في قصائده مثلما كانت قضية فلسطين قضية حاضرة في شعره، وكذلك قضية الصراع العربي مع الكيان الصهيوني، كما أشاد بانتصارات المقاومة في جنوب لبنان، إلى جانب استدعاء شخصيات ومحاورتها في إسقاطات على الواقع العربي المأزوم من مثل قصيدته: "عرار" الشاعر الأردني الشهير

وربّما يحتاج كل جانب من تلك الجوانب إلى بحث مستقل غير أنه لا بدَّ من تسليط الضوء على مسألة جدُّ مهمة، وهي ما كان الشاعر قد تنبَّه إليها على صعيد اللغة التي استخدمها في صياغته الأسلوبية، إذ إن لغة الشاعر لم تكن لغة متقعرةُ في بداوتها، بل حاول أن يُحضّر اللغة البدوية، ويًلبسها ثوب المعاصرة من غير أن تفقد ارتباطها الجمالي باللغة البدوية، وارتهانها الفنيّ، وعلى سبيل المثال يستخدم الشاعر لفظ الشفاه، وهي لفظة غير متداولة في اللهجة البدوية، وفي سؤال لي عن تلك الظاهرة كان ردّه أنه يُريد أن يكون شعره مفهوماً لدى كل العرب من المحيط إلى الخليج، وقد روى لي قصةً طريفة، - وكان رحمه الله - يتمتع بروح الظرافة واللطف بأنه عندما كان يلقّي قصيدةً فيها كلمة قلب باللهجة البدوية (كَلب) بفتح الكاف كان يضطر للشرح في بعض دول المغربي العربي .

وربّما كانت غلبة شهرة الشاعر بالشعر البدوي قد جعلت منه شاعراً باللهجة البدوية غير أنَّ ما لا يعرفه كثيرون أنَّ الشاعر قد وُرِث تلك الشاعريَّة من والده الذي كان زجَّالاً من نوع طريف وما لا يعرفه كثير أيضاً أنَّ الشاعر عمر الفرّا كتب الشعر الفصيح، ولديه ديوان شعري عنونه بـــ:

(الغريب) وكان الشاعر قد اطلعني عليه في مخطوطته الأولية، وأسهمت في انتقاء بعض رسومات تعبيرية للقصائد فيه، ومن هذا الديوان قصيدة ما زال في ذاكرتي مطلعها الذي يقول فيه:

حدَّثتْني عيناكِ سبعَ لغاتٍ

وقد كان رحمه الله صوتاً شعرياً له خصوصيته مثلما كان لحضوره الشخصي جماله، وقد قال فيه الرئيس الراحل حافظ الأسد: " إنَّ شعر عمر الفرَّا يُعادل كتيبة دبابات

 

د. وليد العرفي

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عبد الحميد صبرة ؛ حيث نقول:  لم يكتف "عبد الحميد صبرة"  بذلك يؤكد بأنه من منطلق هذ الفهم للعلم، فإنه عندما نطل علي العبقرية العربية في مجال العلوم الطبيعي، ونحاول أن نتعرف علي أبرز قسمات، أو ملامح هذه العبقرية، تود أن نتساءل: هل كانت لديهم منهج بحث؟، وهل كان لديهم أسلوب في التكفير العلمي؟، وهل كان لديهم إنجاز معين أو انجازات معينة؟ ؛ وماذا كانت عبقرية العرب؟..

وهنا يجيبنا صبرة قائلاً : الواقع أن العلم العربي، كان مزيج من كل هذا.. نعم العلم العربي قام علي أسس كانت موجودة من قبل ؛ حيث استقاها العرب من حضارات كانت سابقة عليهم، أهمها كان العلم اليوناني .. لكن كانت توجد عناصر مهمة جداً جاءت من الهند ومن فارس .. العنصر اليوناني كان أهم هذه العناصر.. أهميته تمثلت في الكيفية التي وصل إليها العلم اليوناني بإخراج عباقرة من أمثال إقليدس، وبطليموس، وأرشميدس، وأبولونوس .. كانوا عباقرة في الرياضيات بكل المستويات، ولكن آيا كانت المستويات التي يمكن أن تحكم بها .. العرب اطلعوا علي هذا التراث كله وبرمته ولم يطلعوا علي أجزاء منه كما قيل .. العرب نجحوا في أن يدخلوا أجزاء أخري في هذا التراث اليوناني، وذلك  بعد أن استوعبوه كله ودرسوه، بحيث إنه كان في استطاعتهم أن يستخدموه استخداماً مستنيراً، أي استخدموه استخداماً يدل علي تمكن لا فقط مجرد الفهم والتقليد! ..

وهناك أمثلة كثيرة .. ولكن في نفس الوقت اطلعوا علي نتائج علمية جاءتهم من الهند لم تكن معروفة عند اليونان، ونتيجة هذا أن نشأت مشكلات! .. هي فعلا مشكلات علمية نتجت من وجود عناصر متباينة في الظاهر، أصبحت الآن تجسد لنا مفكراَ واحداَ هو المفكر العربي! .. ماذا يفعل هذا المفكر أمام تلك العناصر المتباينة في قطاعات كثيرة مثل حساب المثلثات .. بعض الدوال جاءتهم من الهند، وحتي الأرقام والتي كان يسمونها الأرقام الهندية والتي نسميها الآن الأرقام العربية، هي التي انتقلت إلي أوربا عن طريق العرب واستخدمها العرب  .. العرب أخذوا هذا النظام ووضعوه جنباً إلي جنب مع النظام الستيني، والذي كان يوجد عند البابليين، ثم انتقل إلي اليونان، وظهر في علم الفلك اليوناني، وأخرجوا نظام جديد لم يكن معرفاً لا للبابليين، ولا للإغريق، ولا للهنود،وهو الذي قامت عليه كل التطورات العلمية في أوربا بعد انتقال العلم العربي إلي اللاتين ..

وثمة نقطة مهمة يؤكد عليها "عبد الحميد صبرة"  وهي كما يقول : إذا سألت عن المنهج هل كان هناك فرق في المنهج ؟ ؟.. والإجابة علي هذا السؤال في الحقيقة تختلف بالاختلاف الميداني للبحث .. في بعض الميادين يمكن القول بأن المنهج الذي اتبعه العرب كان شبيه جداً بالمنهج اليوناني في بعض الفروع .. لكن هناك فروع أخري نشأت نتيجة هذا المزج بين الثقافات المختلفة.. نعم كان لديهم منهج جديد وهو "المنهج التجريبي"، وهذا المنهج لا يعتبر خاصة من خواص العلم اليوناني البارزة .. فالخاصية المعروفة عن العلم اليوناني بأنه علم نظري غير أكاديمي ..

لكن الطابع التجريبي واضح جداً في العلم العربي؛ حيث تجده في بعض جوانب الدراسات الميكانيكية.. وتجده أيضاً في المعادن والبصريات وفي فروع كثيرة .. لكن الاهتمام بالرصد والأرصاد فقد كان من اهتمام اليونان، ولكن اتخذ أهمية خاصة في الحقبة العربية .. إذن كان هناك تجديد في المنهج عند العرب.. وهذا التجديد في المنهج كان له تأثير فيما بعد علي التطور العلمي في أوربا بعد الترجمة العربية إلي اللاتينية ..

أما فيما يتعلق بالإنجازات فقد كانت هناك إنجازات للعرب، مثل حساب المثلثات، حيث لم يكن فرعاً رياضياً بذاته قبل أن يبحث فيه العرب، وكانت لديهم نظريات في الفلك؛ حيث يبحث مؤرخو العلوم بعلاقاتها بإنجازات كوبرنيقوس، وهذا يمثل بحث تاريخي موضوعي قائم علي الوثائق الموجودة والمعروفة أمامنا .. كذلك العرب كانت لديهم نظريات في حساب الأعداد، وكذلك إنشاؤهم لعلم الجبر الذي شيده وبناه محمد بن موسي الخوارزمي وهذا لم يكن موجوداً لا عند اليونان ولا عند الهنود ..

لم يكتف فيلسوفنا المصري عبد الحميد صبره بذلك، بل يعطينا نموذج آخر من روائع العلم العربي ألا وهو كتاب المناظر للحسن بن الهيثم، والذي يقول عنه بأنه من "أنفس ما أنتج العلماء العرب في مجال الفيزياء". والله يعلم كيف استثمر ابن الهيثم تجربته في ادّعاء الجنون فوضع "أشمل وأنضج نظرية في سيكولوجية الإدراك الحسي وصلتنا من العصر القديم والوسيط" ..

وبفضل بصيرة ابن الهيثم، نصل "بالتدرج والتلطف إلى الغاية التي يقع عندها اليقين"، فندرك تعقيدات تشغل بالنا اليوم من خلال شرحه التالي لاختلاف النظريات بصدد البصر: "كل مذهبين مختلفين إمّا أن يكون أحدهما صادقاً والآخر كاذباً، وإما أن يكونا جميعاً كاذبين والحق غيرهما جميعاً، وإما أن يكونا جميعاً يؤديان إلى معنى واحدٍ هو الحقيقة، ويكون كل واحد من الفريقين القائلين بذينك المذهبين قد قصّر في البحث فلم يقدر على الوصول إلى الغاية فوقف دون الغاية، ووصل أحدهما إلى الغاية وقصّر الآخر عنها، فعرض الخلاف في ظاهر المذهبين، وتكون غايتهما عند استقصاء البحث واحدة".

ثم يؤكد "عبد الحميد صبرة" بأن شخصية ابن الهيثم تمثل شخصية عملاقة في تاريخ العلم  سواء في فلسفته ومنهجيته معاً. كتب في الحساب والفلك والموسيقى والأخلاق والشعر. وكانت الهندسة، أو الجومطريا بتعبير العرب هي ميدانه الأثير، بحث في هندسة السطح المستوي أو أصول الهندسة لإقليدس وأيضاً في هندسة المجسمات أو القطوع المخروطية لأبلونيوس، وفي مصنفات لأرشميدس. رفض سلطة الكتابات القديمة فيقول إن (طالب الحق ليس هو الناظر في كتب الأقدمين، المسترسل مع طبعه بحسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم).

حقق صبرة كتاب ابن الهيثم (الشكوك على بطليموس- 1971). هكذا دخلت الشكوك في عناوين ابن الهيثم، فضلاً عن شكوك أخرى ترد فعلاً فيما أسماه (تعليقات) على كذا. إن الشكوك وجه آخر للنزعة النقدية التي هي عصب العقلية العلمية. لقد لازمته النزعة الشكية منذ مطالع الصبا، وأشار صبرة إلى أن نشأته وسط تضارب بين ملل ونحل شتى، سببت له بلبالاً واضطراباً، ولم يعصمه من الحيرة إلا جناحا العلم الفيزيائي: صرامة الرياضيات ومتانة التجريب، أو العقلانية على الإجمال. وبالتالي خرج ابن الهيثم من الأزمة بخيار حاسم هو التفكير العقلاني، كما تتمثل أروع صوره في البحث العلمي.

وقبل أن أنهي مقالي هذا أشيد بالدراسة القيمة التي كتبها عنه زميلنا الدكتور خالد قطب (أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب جامعة الفيوم) بعنوان "فلسفة تاريخ العلم العربي : عبد الحميد صبره رائداً "، وفي هذه الدراسة ناقش خالد قطب أطروحة عبد الحميد صبره حول مركزية العلم العربي أو الديالكتيك بين الاسـتيعاب والتجـاوز داخل العلم في العصور الوسطي الإسلامية. يهتم عبد الحميد صبره بتفسير تحول المعرفـة العلمية عبر الثقافـات. فهو يحاول أن ينتقـد الاتجاهات المعاصـرة في التأريخ للعلم العربي لكي يقدم وجهة نظر جديدة والتي تعكس البيئة العقلانيـة العامة. إن الأبعاد الاجتماعية والسياسية لها تأثيرها علي الإنتاج العلمي الذي يقدمه العلماء أنفسهم. حيـث يشير عبد الحميد صبره إلي مصطلح العلم العربي ليعني به تلك المساعي العلمية التي قدمها العلماء والمؤسسات العربية الإسلامية. كما يتعامل عبد الحميد صبره مع الـدروس الابستمولوجية داخل العلم العربي.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي "عبد الحميد صبرة" هذا الفيلسوف المصري الذي شرفنا بجامعة هارفارد الأمريكية حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا العملاق، فتحية طيبة للدكتور حامد طاهر الذي الذي خطفته منا كورونا، والذي يمثل لنا نموذجاً فذاً للفيلسوف الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله "عبد الحميد صبرة" الذى رحل عن عالمنا يوم 12 ديسمبر عام 2013 تاركاً لنا إرثاً عظيماً من تاريخ العلوم ممثلاً في مئات من الطلبة والعديد من الكتب والمقالات والأبحاث العلمية ... فهل نستفيد من هذا الإرث؟ أم نكتفي بقراءته والترحم على عصر جميل قد مضى؟ أم نستفيد منه لبناء المستقبل؟

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...................

المراجع

1-  خالد قطب: فلسفة تاريخ العلم العربي: عبد الحميد صبره رائداً (دراسة)

2- أمسية ثقافية فاروق شوشة مع د عبد الحميد صبرة أستاذ تاريخ العلوم عند العرب (يوتيوب).

3- محمد زهران: الدكتور عبد الحميد صبرة... وتاريخ العلوم (مقال).

 

 

 

مادونا عسكرالإنسان عقل يفكر ويرتقي وقلب يحبّ، يدفع العقل للسّلوك بضمير حيّ وإرادة حرّة بمعزلٍ عن أيّ ضغوطات فكريّة أو عقائديّة أو أيديولوجيّة. إنّه الإنسان كما هو وكما يجب أن يكون بجوهره العاقل والمحبّ. قد نختلف على تحديد الأساليب المنطقيّة المؤدّية إلى نتائج سليمة، وقد نختلف على تعريف المحبّة وكيفيّة السّلوك فيها، وما إذا كانت مطلقة أو خاضعة إلى أصول محدّدة. إلّا أنّ الإنسان الحقّ هو الجامع في جوهره العقل والقلب اللّذين يكوّنان الضّمير. وما هو الضّمير غير عقل متّزن يتحرّك بدافع المحبة؟ وما هو الضّمير غير صوت المحبّة الموجّه للعقل؟

الأب جان ميلييه Jean Meslier، كاهن كاثوليكيّ عاش في أواخر القرن السّابع عشر وبداية القرن الثّامن عشر. إرضاء لوالديه واصل دراسته الدّينيّة على الرّغم  من عدم تحمّسه للفكرة، وما لبث أن عيّن كاهناً على رعيّة إتريبنييه Étrépigny الفرنسيّة وخدم رعيّته طيلة أربعين عاماً بهدوء ومحبّة مبتعداً عن الأضواء في عصر كانت فيه الكنيسة مسيطرة بالكامل على عقول النّاس وحياتهم ومصائرهم. ناهيك عن أنّ أي خلاف صريح لمسلّمات الكاثوليكيّة يمكن أن يجعل المخالف وقوداً لعذابات محاكم التّفتيش.

كان الأب جان ميلييه محبوباً من أبناء رعيّته خاصّة الفلّاحين والفقراء والمستضعفين. عرف بلطفه ومحبّته وأخلاقه الحميدة ولم يتوانَ عن الأخذ بأيدي أبناء رعيّته ومساعدتهم ومساندتهم. إلّا أنّ جان ميلييه صدم الجميع بما فيه السّلطة الكنسيّة بوصيّة اكتُشفت بعد مماته تبيّن أنّه احترم العقيدة والإيمان المسيحيّ ظاهريّاً، وأمّا في السّر وطيلة أربعة عقود تبيّن الوصيّة أو الرّسالة الفلسفيّة المتضمّنة ما يقارب الخمسمائة صفحة ونشرها رودولف شارل سنة 1864 تحت عنوان "Le testament Jean Meslier"، والموجّهة إلى سكان القرى والمدن والسّلطة الكنسيّة إلحاده ورفضه للأديان وآراءه السّلبيّة فيها. ما كان سببّاً لعدم دفنه في مقابر الكنيسة وعدم تسجيله في سجلّ الموتى، ولا نعرف إلى اليوم أين دفن الكاهن الكاثوليكي الملحد.

قد يتساءل البعض عن قدرة الأب ميلييه على كتمان سرّه أربعين عاماً. ويمكن الرّد على هذا التّساؤل ببساطة إذ إنّ الخوف من السّلطة الكنسيّة المسيطرة كان سببّاً منطقيّاً لعدم إعلانه عن إلحاده. فلا ريب أن ميلييه لم يرغب في المثول أمام محكمة التّفتيش أو الموت حرقاً أو ذبحاً أو  شنقاً. وقد يحتار البعض الآخر في سلوك الأب ميلييه تجاه رعيّته وأمانته وتفانيه في الخدمة. وفي هذا كلام آخر، واستشفاف للحالة الإنسانيّة الواحدة في كلّ زمان ومكان. فعلى الرّغم من الضّغط النّفسيّ الّذي عاشه ميلييه كونه غير قادر على إعلان إلحاده ومناقشة أفكاره المعتمدة على النظريّة العقليّة فقط. وعلى الرّغم من رفضه للعقيدة المسيحيّة ورفضه للأديان بشكل عام، وعلى الرّغم من الواقع المعيش المعاين لفظائع كثيرة ارتكبت بحقّ أبرياء إلّا أنّ الأب جان ميلييه تصرّف كإنسان. وأمّا أفكاره وقناعاته الإلحاديّة وآراؤه الدّاعية للاشتراكية الّتي تأثّر بها الكثير من مفكّري عصر التّنوير، فلم تقف حاجزاً أمام إنسانيّته الجامعة للعقل المفكر والقلب المحبّ.

تصرّف جان ميلييه بضمير حيّ ومحبّة حقيقيّة تجاه الفقراء والمستضعفين وذوي الاحتياج، مع أنّه كان بإمكانه أن يستفيد من كهنوته آنذاك ويسلك سلوك السّلطة الكنسيّة وينزع طبيعيّاً إلى الانتقام أو الظّلم. كما كان بإمكانه أن ينتقد السّلطة الكنسيّة ويتحدّاها وينتهي به الأمر إلى الموت. أو أن يتصرّف كملحد في زيّ كاهن أو يمارس كهنوته كوظيفة. إلّا أنّ ميلييه تصرّف إنسانيّاً وضميريّاً وبإرادة حرّة بمعزل عن أيّ منهج عقائدي أو إيمانيّ. ولا ريب أنّ الدّافع هو المحبّة. فلئن قيل إنّ الأب ميلييه كان محبوباً من رعيّته فذاك يعني أنّه تصرّف عمليّاً بما يتوافق وهذا التّفاعل المحبّ. إذ لا يمكن للإنسان أن يشعر بضعف الآخر وحاجته أيّاً كانت الحاجة، سواء أكانت ماديّة أم معنويّة، إلّا إذا حمل في عمقه المحبّة. ولا يمكن للإنسان أن يحمل رؤية للمستقبل داعياً من خلالها إلى توحيد الصّفوف وإلغاء الطّبقيّة الاجتماعيّة إلّا إذا تمتّع بعقل مثقّف ومتّزن يدفعه إلى احترام  الحرّيّة والحقوق الإنسانيّة. ولا يمنع الإنسان عن الظّلم والانتقام إلّا الضّمير الحيّ ونبذ السّلطويّة. فيسعى إلى الاهتمام بشأن الآخر ومساندته وتشجيعه إلى المضي قدماً.

القيمة الإنسانيّة واحدة، أكان الإنسان ملحداً أو مؤمناً أو علمانيّاً. وغالب الظّنّ أنّ هذه التّصنيفات تخلق حواجز بين البشر وتقيّد إنسانيّة الإنسان وتحجب عنه الرّؤية العميقة لأخيه الإنسان فيتعالى ويتكبّر وينغمس في الإعلاء الوهميّ للذّات. فإمّا يشعر أنّه ملاحق أبداً وإمّا يشعر أنّه محور الكون. قد تكون هذه التّصنيفات أسهل للعقل إلّا أنّها غير موجودة في حقيقة القيمة الإنسانيّة. فالإنسان هو الإنسان، وإذا ما تكاسل في السّعي إلى تنمية العقل وتطويره وتثقيفه، وتوانى عن اكتشاف عمق المحبّة المتأصّلة في داخله، وتراخى في تدريب ذاته على مناقشة الآخر واحترام عقله وإرادته وخبراته وتجاربه، بقي مشروع إنسان ملقىً على حافّة هذا الوجود.     

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتورعبد الحميد صبرة (1924-2013م)، أحد الفلاسفة المصريين المعاصرين المرموقين، الذين كانت لهم مكانة متميزة، في دوائر العلم الأوربية والأمريكية، فهو أستاذ تاريخ العلوم، والمتخصص في تاريخ علم البصريات والعلم الإسلامي في العصور الوسطى، والدكتور عبد الحميد صبرة من خريجي جامعة الاسكندرية، وهو منذ سنوات طويلة خلال القرن الماضي، ورحلته مع العلم، ومع الخبرة، ومع الريادة، تحمل اسمه عبر الدوائر العلمية في أوربا، وقد انتقل إلي جامعة هارفارد - أرفع منابر البحث العلمي في بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1972م، حيث استقر بها أستاذاً لتاريخ العلوم العربية، وخلال هذا التاريخ اهتم بسبل انتقال الثقافة العلمية عبر الحضارات الإنسانية مبرزاً دور الحضارة الإسلامية في صنع النهضة الأوروبية ومرحلة الحداثة.

لم يحظ "عبد الحميد صبرة" (مع حفظ الألقاب)، مثل غيره بما هو أهل له من الاهتمام والتقـدير الذي يتناسب مع جهوده . فهـو ينتمي للرعيل الثاني من رواد الفكر الفلسفي في جامعة الإسكندرية وكان معاصراً للدكتور أبو العلا عفيفي.. ومع ذلك فلا يعرفه إلا المتخصصون الذين درسوا على يديه أو رجعوا إلى مؤلفاته وترجماته وتحقيقاته. وللأسف ليس بـين أيـدينا أية بيانات أو وثائق يمكن أن تكون عوناً لنا في رسم صورته ولا نملك إلا شذرات قليلة لا تتعدى أسطر معدودة جاءت عرضاَ في كتابات زملائه عنه.

ولد "عبد الحميد صبرة" في طنطا عام 1924م لعائلة فقيرة وكان الطفل الوحيد، بعد أن درس في المدرسة القبطية المحلية تحصل على منحة لدراسة الفلسفة في جامعة الإسكندرية، تتلمذ على علماء؛ مثل يوسف كرم، وأبو العلا عفيفي، ثم تحصل عام 1950 على منحة من الحكومة المصرية، لدراسة فلسفة العلوم في كلية لندن للاقتصاد، وحصل على درجة الدكتوراه في عام 1955، تحت إشراف فيلسوف العلوم النمسوي "كارل بوبر" عن أطروحة في علم البصريات في القرن السابع عشر.

عاد "عبد الحميد صبرة" إلى جامعة الإسكندرية عام 1955 وحاضر بها حتى العام 1962 في قسم الفلسفة بكلية الآداب، ثم بعد ذلك سافر للتدريس والعمل في معهد فاربورج (Warburg Institute) في لندن من العام 1962 وحتى العام 1972 حين انتقل إلى جامعة هارفارد أستاذا لتاريخ العلوم العربية.... وقد اهتم "صبرة" بوسائل انتقال الثقافة العلمية من العصر القديم إلى الوسيط ثم الحديث.

ولعبد الحميد صبرة" إسهامات قيمة جداً تأليفاً وترجمة (من الإنجليزية إلى العربية وبالعكس)، ومن مؤلفات الدكتور صبرة بالإنجليزية مثلاً "نظريات الضوء من ديكارت وحتى نيوتون"(وهو عنوان رسالته للدكتوراه) و"الثورة الأندلسية على الفلك البطلمي" و"الضوئيات والفلك والمنطق في العلم والفلسفة العربية" و"المنطق عن ابن سينا" و"إسهامات العالم الإسلامي في تقدم العلوم"... إلخ.

ترجم "عبد الحميد صبرة" أعمالاً لكارل بوبر (أستاذه في الدكتوراه ويعتبر الكتاب الذى ترجمه الدكتور صبرة لبوبر "عقم النزعة التاريخية" أول دخول لبوبر إلى المكتبة العربية!) ويان لوكاشيفيتش (من كبار فلاسفة المنطق الرباضي البولنديين)، كما حقق وترجم من العربية للإنجليزية مؤلفات للحسن بن الهيثم (كتاب المناظير الذي كتب في القرن الحادي عشر وهو من عدة أجزاء)، مما فتح الطريق للباحثين في الغرب للتعرف على والتعمق في إبداعات العالم العربي والإسلامي العلمية في الحقبة التاريخية الذهبية له (تقريباً من القرن الثامن الميلادي إلى القرن الثاني عشر... والتي أدت بعد ذلك إلى الثورة العلمية في أوروبا)، وأن تلك الإبداعات كانت أعمق بكثير من مجرد نقل وترجمة الفلسفة اليونانية معارضاً بذلك وبنجاح نظرية بيير دوهيم Pierre Duhem هذه المعارضة الناجحة انتشرت في الأوساط الأكاديمية لتاريخ العلوم وجبت نظرية بيير دوهيم وأصبحت معروفة بأطروحة صبرة (Sabra Thesis)!.

وقد حصل "عبد الحميد صبرة" على العديد من التكريمات والجوائز منها وسام جورج سارتون من جمعية تاريخ العلوم عام 2005 وهى أعلى جائزة قدراً في مجال تاريخ العلوم كما حصل على عضوية الأكاديمية الأمريكية للعلوم والفنون (والتي تضم من بين أعضائها حتى الآن 250 حاصل على جائزة نوبل و60 حاصل على جائزة بوليتزر!) ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي.

والدكتور عبد الحميد صبرة من العاشقين لدراسة تاريخ العلم، فهو يري أنه في الواقع لا يجب إنكار أن التاريخ بوصفه تاريخ هو نظرة إلي الماضي، لكن هذا الواقع لا يمكن وضعه بالنسبة لتاريخ العلوم فقط، وإنما يمكن وضعه لأي تاريخ سواء كان تاريخ سياسي، أو تاريخ اقتصادي، أو تاريخ الفن.. الخ.. صحيح أن الاهتمام بتاريخ العلوم جاء متأخراً عن الاهتمام بتاريخ هذه الجوانب الأخرى من جوانب الفكر والحضارة الإنسانية، لكن لما لا يكون هناك تاريخ للعلم طالما أن هناك تاريخ لكل هذه الجوانب؟!.. إذن ما فائدة النظر في العلم؟..

يقول "عبد الحميد صبرة": الوقع أن الفائدة كبيرة، حيث يوجد لدي جواب قصير وإجابات كثيرة تتوقف حول ماذا وراء السؤال.. هناك جواب قصير، واعتقد أنه مهم ودائماً استخدمه مع الطلبة، وهو أنه طالما أننا قريبين من الانتاجات العلمية الحديثة، وهي التي تقطع خطوات كبيرة وواسعة بسرعة وبسرعة هائلة؛ وخصوصاً في العصر الذي نحن نعيش فيه..

النتيجة هي أننا بدون تفكير في الموضوع إطلاقاً نأخذ العلم قضية مسلمة، وكأنه شئ طبيعي كان يجب أن يكون موجود وما علينا إلا أن نقبل عليه ونشتغل به وكل شئ يسير علي ما يرام.. لكن الواقع أن هذا غير صحيح.. العلم لا يجب أن يؤخذ علي أنه قضية مسلمة وشئ حتمي.. كان لا بد أن يكون موجود.. الإنسانية احتاجت إلي كم قرن حتي تنتج ما يسمي بالثورة العلمية في القرن السابع عشر؟.. وماذا حدث في هذا القرن؟..

نسمع عن عباقرة في الرياضيات وغير الرياضيات قبل القرن 17 ؛ منهم العلماء المسلمون والعرب، وقبلهم علماء اليونان.. والسؤال هنا: كيف نجح العلم وبلغ مرتبة التقدم العلمي في كل هذه الفترة الطويلة حتي ينتج لنا عباقرة مثل نيوتن؟.. ما السر في هذا؟.. العلم إذن هو نوع من التقليد؛ أي عملية تاريخية متصلة.. وكما أن العلم قد اتخذ هذا الوقت الطويل لكي ينشأ بالطريقة التي ينشأ بها، يمكن أيضا أن يختفي..

هذه الملاحظة تبدو لنا غريبة!.. علم يختفي بعد أن ظهر هذا الظهور الواضح القوي!.. نعم يمكن أن يختفي، وعلي الأقل يمكن أن يتوقف عن النمو.. فالصينيون كان لهم علم وكانت لهم تكنولوجيا.. أما الإغريق فلم يكن لهم تكنولوجيا بالمعني الحديث ولا حتي بالمعني الصيني ولكن كان عندهم علم.. والعرب كانوا كذلك.. هذه الحضارات الثلاثة: الصينية واليونانية والعربية.. قطعت أشواط طويلة جداً، وهامة في تقدم الفكر العلمي.. توقفت.. لما كان هذا؟.. ربما يبدو من الآن أن التوقف بعد ارتباط العلم بالتكنولوجيا أصبح أكثر عسراً مما كان في الماضي.. ربما يكون هناك شئ من الصحة في هذا..

لكن هذا لا يمنع من أنه حين يتخذ العلم شكل محسوس، مثل شكل الميكروفون الذي أمامنا أو التلفاز.. الآن موجود في كتب يمكن أن تُقرأ.. فإذن من الصعب أن نفقد من معرفتنا التامة بكل هذه الأمور.. لكن ربما قد نفقد القدرة علي تقديم هذه المعرفة والمضي بها إلي الأمام.. والواقع أن هناك علماء كثيرون الآن يتكلمون عن هبوط في النشاط العلمي في السنوات الأخيرة.. شئ غير مستحيل.. لكن بصرف النظر،هو مستحيل أم لا.. لكي يكون عندي فهم تام لطبيعة الفكر العلمي وحدوده وتفاعل هذا الفكر مع المجتمع الذي ينشأ ويتطور فيه، لا بد من النظر في التاريخ، لأن التاريخ هو بعد من أبعاد التفكير العملي، والتكفير العلمي ليس شئ يظهر مرة واحدة في صورة إلهام يحدث في أنا واحد، وإنما هو عملية فيها كثير جداً من الأخطاء، وفيها كثير جداً من التصحيحيات، وفيها كثير جداً من التراجع، أو التقدم، والذي تكون حصيلته، والذي نسميها نحن "التقدم".. لكن كل هذا يحدث في إطار زمني.. وإذن فلا بد من الرجوع لهذا الإطار الزمني... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

المراجع

1- خالد قطب: فلسفة تاريخ العلم العربي: عبد الحميد صبره رائداً (دراسة)

2-أمسية ثقافية فاروق شوشة مع د عبد الحميد صبرة أستاذ تاريخ العلوم عند العرب (يوتيوب).

3- محمد زهران: الدكتور عبد الحميد صبرة... وتاريخ العلوم (مقال).