محمد فتحي عبدالعاليعتبر عمر المختار الملقب بشيخ المجاهدين وأسد الجبل الأخضر تجربة فريدة في التصوف الاسلامي اذ نجح في الخروج بالصوفيه فعليا من عباءة الاعتزال والجهاد الذاتي الي افاق اوسع وارحب واشمل حيث تزعم الشيخ الصوفي الحرب ضد المحتل الايطالي بليبيا معلنا جهادا دون هوادة وحتي لحظة اعدامه اطلق صيحة مدوية حينما قال :نحن لا نستسلم ..ننتصر او نموت وهذه ليست النهاية ..بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والاجيال التي تليه اما انا فان عمري أطول من عمر شانقي ...هكذا رسم الشيخ الصوفي بكلمات من نور طريق للاحرار من بعده وقدم الدليل العملي علي انتصار الصوفية الايجابية وأن التصوف لم يكون يوما معاضدا للاستعمار أو داعيا للتخاذل عن مواجهته .

في برقة كانت بداية الشيخ الجليل والذي ينتسب الي قبيلة من قبائل المرابطين حيث نشأ يتيما فقد وافت المنية ابواه وهما في طريقهما الي مكة  فتولي رعايته الشيخ حسين الغرياني شيخ زاوية جنزور السنوسية وفي جغبوب مكث عمر المختار ثمانية اعوام لدراسة الفقه والحديث والتفسير علي يد كبار مشايخ التصوف في مقدمتهم الامام السيد المهدي السنوسي رائد الحركة السنوسية فأظهر من النجابة وسعة العقل وقدرة علي الخطابة والتأثير في نفوس سامعيه  ما جعل شيخه المهدي يقول فيه :لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم وونظرا لما رأه الشيخ المهدي من ملامح قيادية واعية في تلميذه المختار فقد أسند اليه مشيخة زاوية القصور بالجبل الاخضر.

بدأت رحلة الشيخ الصوفي مع الجهاد مع وصول المحتل الايطالي للاراضي الليبية وجلاء الاتراك عنها فقد اعلن الجهاد ضد المحتل الايطالي والتف حوله المجاهدين من شتي البقاع في أشهر قليلة فخاض بهم حربا ضروسا منطلقا من معقله بالجبل الاخضر كبدت المحتل الايطالي خسائر فادحة في الارواح والمهمات وكان يردد دائما :اللهم أجعل موتي في سبيل هذه القضية المباركة . ولم يخفي علي الشيخ الجليل في استراتيجيته القتالية أن اسلوب الكر والفر هو الخيار الانجع في مواجهة الجيش الايطالي المنظم ذو العتاد الحربي المتطور ..

كانت مسألة القبض علي عمر المختار واقرانه الشغل الشاغل للايطاليين وضرورة ملحة لاقتلاع بذور المقاومة  وتلك القضية النبيلة التي  مثلها  الشيخ الصوفي الشجاع الذي خلد جهاده بقوله :لن ابرح الجبل الاخضر مدة حياتي ولن يستريح الطليان فيه حتي يواروا لحيتي في التراب.  فأصبح رمزا للثورة وملهما لحركات التحرر عبر العهود المختلفة ومع نجاح الايطاليين في حصاره والقبض عليه ونقله بالطراد الي بنغازي ولم يجرأوا علي نقله برا خشية من الدخول في مواجهة مع محبيه واتباعه فقد أظهر الشيخ الصوفي من صنوف الثبات والتحدي ما جعل الايطاليين يسارعون الي اعدامه شنقا .فمات الشيخ وبقيت قضيته حية انها قضية الاحرار في العالم اجمع في قدسية الاوطان وحق الشعوب في وطن حر كريم.

 

د.محمد فتحي عبد العال

كاتب وباحث مصري

 

حامد الحمدانيحملة الاغتيالات في الموصل

1ـ منْ مول، ونظم الاغتيالات:

بعد كل الذي جرى الحديث عنه حول أوضاع الموصل، وطبيعة السلطة فيها، ومواقف السلطة العليا، أستطيع القول أن تلك الاغتيالات لم تجرِ بمعزل عن السلطة العليا وموافقتها، بل وحتى مباركتها، وتقديم كل العون والمساندة للقائمين على تنظيمها وتمويلها. لقد كان على رأس تلك العصابة يخطط ويمول لعمليات الاغتيالات عدد من العوائل الرجعية والإقطاعية المعروفة، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

1 ــ عائلة كشمولة   2 ــ عائلة الأغوات. 3 ــ عائلة كرموش.4 – عائلة حديد.

5 -عائلة العاني. 6 ــ عائلة نوري الأرمني. 7 ــ عائلة المفتي. 8 ــ عائلة الإرحيم.

كانت اجتماعات تلك العوائل تجري في منطقة [حاوي الكنيسة] بالقرب من ضواحي الموصل، حيث تمتلك عائلة العاني داراً هناك، بعيداً عن أعين الناس، وكانت تُعد هناك قوائم بأسماء المرشحين للقتل، وتحدد العناصر المنفذة للاغتيالات كما كانت التبرعات تجبى من العناصر الرجعية الغنية التي تضررت مصالحها بقيام ثورة 14 تموز. ورغم العديد من المقالات للعديد من الشخصيات الوطنية التي نشرتها الصحف، مطالبة بوقفها ومعاقبة القائمين بها، والمحرضين عليها، والمخططين لها، لكن كل تلك الأصوات ذهبت أدراج الرياح، واستمر مسلسل القتل حتى وقوع انقلاب الثامن من شباط عام 1963.

2 ـ مَنْ نفذ الاغتيالات؟

إن أسماء منفذي الاغتيالات ليست بخافية على أبناء الموصل، فأصابع الاتهام تشير وتؤكد على شخصية القتلة واحداً واحدا، فقد بلغ بهم الأمر حد التفاخر أمام الناس والحديث عن ضحاياهم دون خوف من عقاب، ولماذا الخوف ما دامت السلطة هي التي تساندهم، وتمدهم بالعون، لينفذوا مخططاً واسعاً، أعد له سلفاً يرمي إلى ضرب الحزب الشيوعي، وتجريده من جماهيره ومؤيديه.

لقد أزداد عدد المنفذين يوماَ بعد يوم، وتحول الاغتيال ليشمل ليس فقط الشيوعيين وأصدقائهم، بل لقد تعداه إلى أناس ليس لهم علاقة بالسياسة، وكان دافعهم على هذا العمل الإجرامي هو التنافس على الأعمال التجارية، أو المحلات، أو المعامل، أو الوظائف، وتصاعدت جرائم الاغتيالات حتى أصبحت أجور قتل الإنسان [50 دينار]!، وهذه أسماء بعض أولئك القتلة الذين كانوا يفاخرون بجرائمهم البشعة والتي يتداولها الموصليون آنذاك على ألسنتهم كل يوم:

أسماء بعض منفذي الاغتيالات:

1 ـ زغلول كشمولة         2ـ شوكت نوري الأرمني      3 ـ محمد سعيد حسين السراج

4 ـ طارق عبد كرموش    5 ـ يعقوب كوشان               6 ـ صبار الدليمي

7 ـ نجم فتح الله              8 ـ موفق محمود                9 ـ فهد الشكرة

10 ـ هادي أبن الطويلة   11 ـ عادل ذنون الجواري       12 ـ حازم بري

13 ـ عارف السماك       14 ـ أحمد جني                     15 ـ نجم البارودي

16 ـ طارق قبان          17 ـ طارق نانيك                  18 ـ محمود أبن البطل

19 ـ قاسم أبن العربية   20 ـ عدنان صحراوية            21 ـ طارق شهاب البني

22 ـ  نيازي ذنون       23 ـ جبل العاني                   24 -  فوزي شهاب البني

25 ـ عايد طه عنتورة   26 ـ جنة ـ مجهول اسم أبيه

هذه القائمة بالطبع لا تشمل كل المنفذين للاغتيالات، فهناك العديد من الأسماء التي بقيت طي الكتمان، لان أصحابها أرادوا ذلك، لكن الأسماء المذكورة كانت معروفة تماماً لدى أبناء الموصل، حيث كان أصحابها يتباهون بجرائمهم بصورة علنية دون خوف من رادع أو عقاب، ما دامت السلطة تحميهم وتدعمهم.

لقد اغتيل المئات من أبناء الموصل البررة، ولم يتم القبض على واحد من القتلة، ولو شاءت السلطة كشف تلك الجرائم لكانت توصلت إلى جميع الخيوط التي تقودها إليهم، وكل المخططين، والممولين لتلك الجرائم.

لقد ذهبت دماء الضحايا هدراً، حتى يومنا هذا، ولم يُفتح فيها أي تحقيق، وطواها النسيان، لكنها ستبقى تسأل عن مَنْ سفكها، ومن ساعد، وشجع، وخطط، ومول تلك الحملة المجرمة بحق المواطنين الأبرياء، ولابد أن يأتي اليوم الذي تُكشف فيه الحقيقة، وخاصة فيما يتعلق بموقف السلطة العليا في بغداد، وجهازها الأمني، والإداري في الموصل، ودور كل واحد منهم في تلك الاغتيالات.

لكن الذي أستطيع قوله بكل تأكيد، هو أنه لا يمكن تبرئة السلطة العليا من مسؤوليتها في تلك الأحداث، وعلى رأسها عبد الكريم قاسم بالذات، فالسلطة مهما تكن ضعيفة وعاجزة، وهي ليست كذلك بكل تأكيد، قادرة على إيقاف تلك الجرائم واعتقال المسؤولين عنها، وإنزال العقاب الصارم بهم إن هي شاءت.

نتائج الاغتيالات، والحملة الرجعية في الموصل:

بعد كل الذي جرى في الموصل على أيدي تلك الزمرة المجرمة، نستطيع أن نوجز نتائج حملة الاغتيالات، والحملة الرجعية، بالأمور التالية:

1ـ إلحاق الأذى والأضرار الجسيمة بالعوائل الوطنية، وإجبارها على الهجرة من المدينة، وقد هجر المدينة بالفعل، أكثر من 30 ألف عائلة إلى بغداد والمدن الأخرى طلباً للأمان، تاركين مساكنهم، ومصالحهم ووظائفهم، ودراسات أبنائهم، بعد أن أدركوا أنه ليس في نية السلطة إيقاف حملة الاغتيالات، واعتقال منفذيها، وأن بقائهم في الموصل لا يعني سوى انتظار القتلة لينفذوا جرائمهم بحقهم، وعليه فقد كانوا مجبرين على التضحية بكل مصالحهم، ومغادرة مدينتهم التي نشأوا وترعرعوا فيها حرصاً على حياتهم.

2ـ شل وتدمير الحركة الاقتصادية في المدينة، نتيجة للهجرة الجماعية، وعمليات القتل الوحشية التي كانت تجري أمام الناس، وفي وضح النهار، وانهيار الأوضاع المعيشية لأبناء الموصل، وخاصة العوائل المهاجرة.

3ـ تجريد عبد الكريم قاسم من كل دعم شعبي، وعزله عن تلك الجماهير الواسعة والتي كانت تمثل سند الثورة الحقيقي، مما مهد السبيل لاغتيال الثورة وقادتها في المقدمة الزعيم عبد الكريم نفسه.

لقد كانت الرجعية، ومن ورائها الإمبريالية، وشركات النفط، ترمي إلى هدف بعيد، هدف يتمثل في إسقاط الثورة، وتصفية قائدها عبد الكريم قاسم نفسه، وكل منجزاتها، التي دفع الشعب العراقي من أجلها التضحيات الجسام، من دماء أبنائه البررة.

لقد كفرت جماهير الشعب بالثورة، وتمنت عدم حدوثها، وأخذت تترحم على نوري السعيد، والعهد الملكي السابق، وانكفأت بعيداً عن السياسة، وتخلت عن تأييد قاسم وحكومته، وفقدت كل ثقة بها، وهذا ما كانت تهدف إليه الرجعية في الأساس لغرض إسقاط حكومة عبد الكريم قاسم فيما بعد.

ولم يدر في خلد قاسم، أن رأسه كان في مقدمة المطلوبين، وأن الثورة ومنجزاتها كانت هدفاً أساسياً لها، وما تلك الاغتيالات إلا وسيلة لإضعاف قاسم نفسه، وعزله عن الشعب، تمهيداً لإنزال الضربة القاضية به، وبالثورة ومنجزاتها، حيث تم لهم ما أرادوا، وخططوا هم وأسيادهم الإمبرياليين في انقلاب 8 شباط 1963.

موقف الحزب الشيوعي من حملة الاغتيالات؟

لم يكن موقف الحزب الشيوعي من الاغتيالات في مستوى الأحداث، حيث اتخذ منها موقفا سلبياً لا يتناسب وخطورتها، مكتفياً ببعض المقالات التي كانت تنشرها صحيفة الحزب [اتحاد الشعب] وبعض البيانات التي كانت تطالب السلطة العمل على وقفها!، دون أن تتخذ قيادة الحزب موقفاً صارماً من القتلة ، ومن السلطة، وهو يدرك أن للسلطة  اليد الطولى فيها، بهدف تجريد الحزب من جماهيره وإضعافه، تمهيداً لإنزال الضربة القاضية به، بعد أن أرعبتها مسيرة الأول من أيار عام 1959، التي لم يسبق لها مثيل، في ضخامتها وجموع المتظاهرين جميعاً تهتف مطالبة بإشراك الحزب الشيوعي في الحكم [عاش الزعيم عبد الكريمِ، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمِ].

وفي واقع الأمر فإن تلك المسيرة، وذلك الشعار، أعطى عكس النتائج التي توخاها الحزب منهما، وجعل عبد الكريم قاسم يرتجف رعباً وهلعاً من قوة الحزب وجماهيريته، وصارت له القناعة المطلقة أن الحزب بكل تأكيد سوف يقفز إلي السلطة، ويبعده عنها، رغم أن هذه الأفكار لم تكن تدور في مخيلة الحزب إطلاقاً وقت ذاك، ولعبت البرجوازية الوطنية، المتمثلة بكتلة وزير المالية [محمد حديد] رئيس الحزب الوطني التقدمي، والذي انشق عن الحزب الوطني الديمقراطي بعد خلاف محمد حديد مع رئيس الحزب كامل الجادرجي دوراً كبيراً في إثارة شكوك عبد الكريم قاسم بنوايا الشيوعيين، كما اشتدت الحملة الإمبريالية الهستيرية التي كانت تصوّر الحالة في العراق أن الشيوعيين قد أصبحوا قاب قوسين أو أدنى لاستلام السلطة، حتى ان رئيس جهاز المخابرات الامريكية [الن فوستر دلس] شقيق وزير الخارجية الامريكية جون فوستر دلس، قد صرح يومذاك قائلاً {إن اخطر ما يواخه عالمنا اليوم هو الوضع الخير في العراق}، وكان بذلك يقصد خطر قفز الحزب الشيوعي إلى السلطة بالعراق.

ما كان للحزب الشيوعي أن يلجأ إلى الشارع، ليستعرض قوته أمام عبد الكريم قاسم ويرعبه، من أجل المشاركة في السلطة، رغم أحقيته بذلك، في حين كان بإمكانه استلام السلطة بكل سهولة ويسر لو هو شاء ذلك، ولم تكن هناك قوة في ذلك الوقت قادرة على الوقوف بوجهه.

لكن الحزب الشيوعي استفز عبد الكريم قاسم، واستفز البرجوازية الوطنية، ثم عاد وانكمش، وبدأ بالتراجع يوماً بعد يوم، مما أعطى الفرصة لعبد الكريم قاسم وللبرجوازية المتمثلة بالجناح اليميني للحزب الوطني الديمقراطي بقيادة [محمد حديد] ورفاقه للهجوم المعاكس ضد الحزب، من أجل تقليم أظافره، وتجريده من جماهيره، تمهيداً لتوجيه الضربة القاضية له.

كان على قيادة الحزب أن تسلك طريقاً آخر هادئاً لا يستفز عبد الكريم قاسم، عن طريق اللقاءات والحوار والمذكرات التي لا تثير أية حساسية، وأن تركز جهدها للمطالبة بإجراء انتخاب المجلس التشريعي، وسن دستور دائم للبلاد، وانتقال السلطة بطريقة دستورية إلى من يضع الشعب ثقته فيه، أو تشكيل حكومة ائتلاف وطني، تضم مختلف الأحزاب الوطنية وليكن عبد الكريم قاسم رئيساَ للجمهورية، إذا أختاره الشعب.

لقد أتخذ عبد الكريم قاسم موقفه من الحزب الشيوعي القاضي بتحجيمه وعزله عن جماهيره، تمهيداً لتوجيه الضربات المتتالية له، والتخلص من نفوذه بعد أن أصبحت لديه القناعة!! أن الخطر يأتيه من الحزب الشيوعي وليس من أحزاب اليمين المتمثلة بحزب البعث والقوميين رغم أنهم تآمروا عليه مرات عديدة، في حين لم يكن يدور في خلد الشيوعيين خيانة عبد الكريم قاسم، بل ذادوا عن ثورة 14 تموز حتى النهاية، ودفعوا ثمناً باهظاً جداً.

أما قيادة الحزب فكانت بعد كل الذي جرى ويجري ما تزال عند حسن ظنها بقاسم آملة أن يعود عن الطريق الذي أتخذه ضد الحزب، وهكذا بدأ قاسم حملته الشرسة ضد الحزب لتجريده من جماهيريته، وإبعاده عن قيادة جميع المنظمات الجماهيرية، والجمعيات، والنقابات، واتحادي العمال والفلاحين، وانتهى به المطاف إلى حجب إجازة الحزب، وصنع له بديلا ًمسخاً لا جماهيرية له، لدرجة أنه فشل في إيجاد عدد كافٍ لهيأته المؤسسة لثلاث مرات متتالية، في الوقت الذي جمع الحزب 360 ألف توقيع من رفاقه ومؤيديه.

لقد أصبحت قيادة الحزب في وادٍ، وقاعدته ومناصريه في وادٍ آخر، حين وجدت قواعد الحزب أن لا أمل في موقف السلطة، واستمرار تمادي العصابات الإجرامية، وتنامي عدد حوادث القتل يوما بعد يوم في كافة أنحاء العراق بصورة عامة، وفي الموصل بوجه خاص، حتى وصل الرقم اليومي لعدد الضحايا أكثر من خمسة عشر شهيداً.

لقد ألحت قواعد الحزب، بعد أن أدركت أن لا أمل في السلطة، بالرد على تلك الاغتيالات، ليس حباً بالعمل الإرهابي، ولا رغبة فيه، وإنما لوقف الإرهاب، وكان بإمكان الحزب لو أراد آنذاك لأنزل الضربة القاضية بالمجرمين ومموليهم، وكل الذين يقفون وراءهم، إلا أن الحزب رفض رفضاً قاطعاً هذا الاتجاه متهماً المنادين به بالفوضويين !!، وبمرض الطفولة اليساري، وغيرها من التهم، التي ثبت بطلانها فيما بعد، والتي كلفت الحزب، وكلفت الشعب ثمناً باهضاً من أرواحهم وممتلكاتهم، ومصير وطنهم.

إن من حق كل إنسان أن يحمي نفسه ويدافع عنها، إذا ما وجد أن السلطة لا تقدم له الحماية، في أسوأ الأحوال، إذا لم تكن السلطة شريكاً في الجريمة، لكن الحزب كان يخشى أن يؤدي اللجوء للدفاع عن النفس إلى غضب عبد الكريم قاسم، وخاصة أن أحداث كركوك ما زالت ماثلة أمامه، ومواقفه من الشيوعيين، واتهامهم بالفوضوية، لكن الحقيقة أن مواقف قاسم تلك في الدفاع عن القتلى في كركوك كانت ستاراً وذريعة لضرب الحزب وتحجيمه.

لقد كان على قيادة الحزب أن تدرس بإمعان مسيرة الأحداث، وتتوقع كل شيء، وكان عليها أن لا تستفز عبد الكريم قاسم، ثم تتخذ التراجع طريقاً لها، وتتلقى الضربات المتتالية بعد ذلك، في حين كان الحزب في أوج قوته، وكان بإمكانه أن يقف بحزم ضد كل ما يخطط له، ويعمل على وقف تلك المخططات، وأخذ زمام المبادرة بيديه، لقد اخطأ الحزب في اثارة مخاوف عبد الكريم قاسم، لكن عبد الكريم قاسم عالج الخطأ بخطأ بالغ الخطورة عندما اعلنها حرباً على الحزب الشيوعي، السند الوحيد والقوي لثورة الرابع عشر من تموز ولقيادته هو بالذات، وبذلك عزل نفسه، وبات حكمه في مهب الريح، وبذلك مهد السبيل لنجاح انقلاب 8  شباط 1963 المشؤوم بتخطيط ودعم مباشر من قبل الامبريالية الامريكية والبريطانية، ذلك الانقلاب الذي جلب  الدمار والخراب والقتل والويلات والمصائب للشعب العراقي منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، فكل ما حدث ويحدث للعراق وللعراقيين اليوم هو نتاج مباشر لذلك الانقلاب الفاشي المشؤوم.

 

حامد الحمداني

 

 

رائد عبدالحسين السودانيكثر هم الرجال التي صنعتهم الأحداث، وبلورتهم الحياة، وعلمتهم الجامعات فباتوا أعمدة لمجتمعاتهم لكن من الندرة من أن يصنع الرجل نفسه وذاته وينميها حتى يتحول إلى علم من أعلام الثقافة والمعرفة وأيقونة من أيقونات السياسة، من النوادر ابن واسط والحي وناحية (محيرجة) التي سميت بعد ذلك الموفقية شمران الياسري ذلك الرجل الذي تعلم الانكليزية باصرار وتحد، فعندما أراد تسجيل نجله الأكبر في المدرسة طلب من معلم المدرسة أن يتعلم الانكليزية مع طلاب الخامس الابتدائي والذي دخل عالم الصحافة وفي لواء الكوت يومها من القلة من أبناء اللواء من يعرف القراءة والكتابة فضلا عن أن يهتم في أن يكون صحفيا، عنيدا شمران الياسري مع الزمن ومع السلطات الجائرة، حول الريف العراقي الجنوبي البائس إلى محل لانطلاق الكلمة المعارضة الثائرة ضد البطش السلطوي لاسيما البعثي من خلال جريدته (الحقيقة) .

منذ أن كسبه محمد الزنكي التاجر (الكوتي) المعروف إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي عام 1948حمل (أبو كاطع) وهذا الاسم الذي سيعرف به هموم شعبه وريفه المقهور بين ثناياه، عمل في شتى ميادين الصحافة، في الاذاعة له برنامج شهير وفي الصحافة الورقية له في طريق الشعب عمودا يوميا ينتظره الناس بلهفة بالاخص بعد أن تحولت هذه الجريدة الى علنية بعد اعلان الجبهة التي أطلق عليها (أبوكاطع) اسم (الجبحة) أي العثرة، لأن ما يسطره أبو كاطع في هذا العمود ينبع من معاناة حقيقية لا مراء فيها وإن ننسى فلا ننسى مكانه الأثير الى نفسه في الثقافة الجديدة .

(أبو كاطع ) روائي من الطراز الرفيع عن طريق رباعيته المعروفة التي أكملها بخامسة .في هذه الرواية انتقالة معرفية هائلة في عالم الادب العربي والعراقي، إذ علق في الاذهان وبتشجيع من الحكومات أبرز الريفي والجنوبي على وجه التحديد على إنه أضحوكة وقد ساهم في هذه الصورة العديد من الكتاب المنحدرين من أصول جنوبية، تملقا وتزلفا للسلطات القائمة لكن (أبو كاطع) له فلسفته ورؤيته فقلب الصورة في هذه الرباعية .

إنه ابن الريف منه وله ينتمي ولذلك وكما يذكر القيادي الشيوعي باقر ابراهيم الموسوي "كنت أزوره في بيته في حي المهندسين- بغداد، وأتذكر أن غرفة الأستقبال، ضمت في رفوفها، نماذج من مختلف المصنوعات اليدوية، خاصة ما يستعمله الفلاح العراقي، وكأني به يريد أن تظل صورة ذلك الريف، وصورة فلاحه، غير غائبة عنه وعن زواره، بعد أن أنتقل ليعيش في بغداد، قريباً من قمة الحضارة العراقية، وليس بعيدا أيضاً عن البؤس الواضح في أحيائها الشعبية!"

شمران الياسري من أواخر الذين هاجروا إثر الهجمة البعثية على الشيوعيين عام 1977وكان قد عاد في خضم هذه الهجمة الشرسة وعندها صدر قرار بالهجرة الجماعية وقد استشار بهجرته الثانية باقر ابراهيم الموسوي ونصحه باشارة من يده بأن هاجر، خوفا عليه من السلطة البعثية.

شمران الياسري كان مشروعا معرفيا هائلا، تقرب كثيرا للمقاومة الفلسطينية ونشأت بينه وبين قياداتها علاقات واسعة ومتينة .

اغتيل بحادث سير في أوربا فلم تتحمل السلطة الجائرة كلمته حتى ولو بعد .

 

رائد عبد الحسين السوداني

...............................

ملاحظة: أعمل على تأليف كتاب لدراسة شخصية شمران الياسري من خلال أدبه .

 

حامد الحمدانيلم تكد تفشل محاولة الشواف الانقلابية، وتسيطر قوات الجيش الوطنية وجماهير الشعب على المدينة، حتى توارت القوى الرجعية خوفاً ورعباً، وخلال أيام قلائل عاد الهدوء والنظام إلى المدينة، وشعر أبناء الموصل لأول مرة بالثورة تدخل مدينتهم، بصورة حقيقية، فلم يكن قد حدث حتى وقوع محاولة الشواف الانقلابية، أي تغيير جوهري على أوضاع الموصل، وبقيت العوائل الرجعية المرتبطة مصالحها بالنظام السابق تحكم الموصل من خلال الأجهزة الإدارية، وهي وإن كانت قد ركنت إلى الانكفاء بعد الثورة، لكنها عاودت نشاطها من جديد، مستغلة الجهاز الإداري الذي لم يطرأ عليه أي تغير، والذي كانت تحتل فيه جميع المراكز الحساسة، وبشكل خاص جهاز الأمن الذي أنشأه ورعاه النظام الملكي.

وعلى أثر حدوث التصدع في جبهة الاتحاد الوطني، وإبعاد عبد السلام عارف عن مسؤولياته في قيادة الثورة، عاودت تلك القوى نشاطها التآمري، مرتدية رداء القومية العربية، وتحت راية الرئيس المصري عبد الناصر، وهي التي كانت حتى الأمس القريب من أشد أعدائه، ووضعت نفسها تحت تصرف العقيد الشواف، الطامح إلى السلطة، والمتآمر على الثورة وقيادتها، غير أن انكفاء الرجعية بعد فشل حركة الشواف لم يدم طويلاً بسبب سياسة عبد الكريم قاسم، الذي قلب ظهر المجن لتلك القوى التي حمت الثورة، ودافعت عنها، وقدمت التضحيات الجسام من أجل صيانتها، والحفاظ على مكتسباتها.

عبد الكريم قاسم يقلب ظهر المجن للحزب الشيوعي:

لقد بادر عبد الكريم قاسم باعتقال أولئك الذين تصدوا لانقلاب الشواف، مضحين بدمائهم من أجل حماية الثورة، ودفاعاً عن قيادته هو بالذات، وإحالهم إلى المجالس العرفية{المحاكم العسكرية}، وحرض الأهالي على التقدم بالشهادة ضدهم، عبر مكبرات الصوت المنصوبة على السيارات العسكرية، والتي كانت تطوف شوارع الموصل، وتم الحكم على معظمهم بأحكام قاسية وصلت حتى الإعدام، ومن جهة أخرى أقدم عبد الكريم قاسم على سحب السلاح من المقاومة الشعبية، حرس الثورة الأمين، ومن ثم أقدم على إلغائها، وأجرى تغييرات واسعة في أجهزة الدولة، أبعد بموجبها كل العناصر الوطنية الصادقة، والمخلصة للثورة، وأعاد جميع الذين جرى إبعادهم على اثر فشل محاولة الشواف الانقلابية إلى مراكزهم السابقة، وهكذا عاودت الرجعية المتمثلة بعوائل كشمولة، والعاني، و المفتي، والأرحيم، وغيرها من العوائل الأخرى، نشاطها المحموم مستغلة مواقف عبد الكريم قاسم من الشيوعيين الذين كان لهم الدور الأساسي في إخماد تمرد الشواف، و بادرت تلك العوائل، تتلمس أفضل السبل للتخلص من العناصر الشيوعية والديمقراطية المؤيدة للثورة، ووجدت ضالتها في عمليات الاغتيال البشعة التي ذهب ضحيتها المئات من أبناء الموصل البررة، وأجبرت تلك الحملة الإجرامية أكثر من 30 الف عائلة موصلية على الهجرة الاضطرارية من المدينة إلى بغداد وبقية المدن الأخرى، مضحية بأملاكها وأعمالها ووظائفها، من أجل النجاة من تلك الحملة المجرمة.

لقد جرى كل ذلك تحت سمع وبصر السلطة ورضاها، سواء كان ذلك على مستوى السلطة في الموصل، أم السلطة العليا المتمثلة بعبد الكريم قاسم نفسه، حيث لم تتخذ السلطة أي إجراء، أو تجرِ تحقيقاً ضد عصابات القتلة ومموليهم، والمحرضين على تلك الاغتيالات، بل قيل آنذاك أن قاسم نفسه قد أعطى لهم الضوء الأخضر لتنفيذ الاغتيالات، وإن كل الدلائل تشير إلى موافقة السلطة العليا، ومباركتها لتلك الحملة، فلا يعقل أن تكون السلطة مهما كانت ضعيفة وعاجزة، عن إيقاف تلك الحملة الشريرة، وإلقاء القبض على منفذيها ومموليها المعروفين لدى كل أبناء الموصل، وسوف أورد فيما بعد قائمة بأسماء أولئك القتلة، الذين بقوا مطلقي السراح، يتجولون بأسلحتهم دون خوف من عقاب، متربصين بالأبرياء، ليسددوا رصاصاتهم الجبانة إليهم في وضح النهار .

إما أجهزة الأمن فقد كانت تكتفي بإلقاء القبض على جثث الضحايا، وحتى الذين لم يفارقوا الحياة، وأصيبوا بجراح، فكانوا يلاقون نفس المصير في المستشفى، حيث لم ينج أي جريح منهم أُودع المستشفى الذي كان يديره آنذاك، الدكتور[عبد الوهاب حديد]، وهو من أبناء عمومة[ محمد حديد] وزير المالية. ولا بد لنا أن نلقي نظرة على أوضاع السلطة في الموصل في تلك الفترة التي امتدت منذُ حركة العقيد الشواف وحتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963، لنتعرف على أولئك الذين كان لهم الدور البارز في تلك الاحداث.

من كان يحكم الموصل؟

1 ـ مدير الشرطة ـ إسماعيل عباوي: من مواليد الموصل، ومن عائلة رجعية معروفة، انتمى إلى الجيش العراقي كضابط، وكان مرافقا لبكر صدقي، رئيس أركان الجيش، الذي قام بانقلاب عسكري عام 1936 ضد حكومة [ياسين الهاشمي].

قام إسماعيل عباوي باغتيال [جعفر العسكري] وزير الدفاع في حكومة الهاشمي، كما أشترك في محاولة اغتيال [ضياء يونس] سكرتير مجلس النواب، ومحاولة اغتيال السيد [مولود مخلص] الذي شغل لمرات عديدة منصب وزير الدفاع، ورئيس مجلس النواب، عندما وقع انقلاب الفريق [بكر صدقي].

أُخرج إسماعيل عباوي من الجيش، بعد اغتيال بكر صدقي، وأعتقل عام 1939 بتهمة تدبير مؤامرة لقتل عدد من السياسيين، وحكم عليه المجلس العرفي العسكري بالإعدام، وجرى بعد ذلك تخفيض العقوبة إلى السجن المؤبد، وأُطلق سراحه عند قيام حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941، وخرج من السجن ليجعل من نفسه بطلاً قومياً.

وقبل أحداث حركة الشواف بأيام أعاده عبد الكريم قاسم إلى الجيش من جديد برتبة مقدم، وعينه مديراً لشرطة الموصل، لكنه لم يستطع استلام مهام منصبه إلا بعد فشل الانقلاب، والسيطرة على الأوضاع في المدينة بعد دخول الجيش إليها بقيادة [العقيد حسن عبود] الذي عين فيما بعد آمراً للواء الخامس بالموصل، وبقي المقدم إسماعيل عباوي مديراً لشرطة الموصل ليشرف على تنفيذ المذبحة الكبرى للعناصر الديمقراطية والشيوعية فيها خلال ثلاث سنوات متوالية، حيث جرت حملة اغتيالات منظمة ذهب ضحيتها ما يناهز 1000 مواطن دون أن يلقي القبض على واحد من القتلة، بل أكتفي بالقبض على جثث الضحايا، وسُجلت كل جرائم الاغتيالات باسم مجهول!!.

2ـ متصرف اللواء (المحافظ) ـ العقيد الركن عبد اللطيف الدراجي:

متصرف الموصل العقيد الركن عبد اللطيف الدراجي، من مواليد 1923، ومن الضباط الأحرار الذين شاركوا في تنفيذ الثورة، في الرابع عشر من تموز 1958، حيث كان آمر الفوج الأول، في اللواء العشرين، وزميل عبد السلام عارف، الذي كان آمر الفوج الثالث في نفس اللواء.

عين الدراجي آمراً للواء العشرين بعد نجاح الثورة، وبسبب علاقته الحميمة بعبد السلام عارف جرى نقله إلى آمريه الكلية العسكرية، إثر إعفاء عبد السلام عارف من مناصبه، كإجراء احترازي من قبل عبد الكريم قاسم، ثم جرى بعد ذلك اتهامه بالاشتراك في المحاولة الانقلابية التي كان من المقرر تنفيذها في 4 تشرين الأول 1958 بالاشتراك مع عبد السلام عارف، وجرى اعتقاله لفترة وجيزة، ثم أُحيل على التقاعد وعُين محافظاً للواء الكوت، ثم نقل بعد ذلك إلى محافظة الموصل فيما بعد.

لا شك أن الدراجي أخذ يكن العداء لعبد الكريم قاسم، بعد إعفائه من منصبه العسكري، وعمل جهده على إضعاف وعزل عبد الكريم قاسم عن الشعب، وذلك عن طريق حملة اغتيالات الشيوعيين وأصدقائهم، وتبين فيما بعد أنه كان من المشاركين في انقلاب 8 شباط 1963 ضد عبد الكريم قاسم، وقد عينه عبد السلام عارف، بعد انقلابه على البعثتين، وزيراً للداخلية.

لعب الدراجي دورا كبيراً في حملة الاغتيالات المجرمة في الموصل، شأنه شان رفيقه إسماعيل عباوي، ولم يبدر منه أي إجراء لوقفها، والقبض على المجرمين، وإحالتهم إلى القضاء، على الرغم من أن أسماء أولئك المجرمين كانت تتردد على كل لسان.

3 ـ مدير الأمن ـ حسين العاني:

حسين العاني، كما هو معروف، من عائلة رجعية إقطاعية عريقة، كان لها باع كبير في العهد الملكي، كما كان لها دور كبير في دعم محاولة الشواف الانقلابية، وتم اعتقال العديد من أفراد تلك العائلة، مما جعل حقدها على الشيوعيين كبيراً، ورغبتها في الانتقام أكبر، وكان وجود العاني على رأس جهاز الأمن، الذي رباه النظام الملكي وأسياده الإمبرياليون على العداء للشيوعية خير عون لعصابات الاغتيالات في تنفيذ جرائمها، والتستر عليها وحمايتها.

كان جهاز الأمن بالموصل يفتش في الطرقات كل شخص معروف بميوله اليسارية بحثًا عن السلاح لحماية أنفسهم من غدر القتلة، في حين ترك القتلة المجرمين يحملون أسلحتهم علناً دون خوف أو وازع، ولم يحاول هذا الجهاز القبض على أي من القتلة، رغم شيوع أسمائهم، وتداولها بين الناس جميعاً.

وهذا مثال جرى لأحد أقرب رفاقي هو الشهيد الأستاذ [فيصل الجبوري] مدير ثانوية الكفاح بالموصل، الذي أُطلق عليه النار من قبل أحد أفراد عصابة التنفيذ المدعو[عايد طه عنتورة] في 10 أيار 1960، ولم يفارق الحياة، وتم نقله إلى المستشفى، وكان يصرخ بأعلى صوته[ قتلني عايد طه عنتورة]، ولم يُتخذ أي إجراء ضد الجاني إطلاقاً، أما فيصل الجبوري فقد فارق الحياة في المستشفى في اليوم التالي.

وهذا مثال آخر، حيث أطلق الرصاص على الشهيد [حميد القصاب] في محله الكائن بمحلة المكاوي، وشخص الشهيد بأم عينه الجاني، وأخذ يصرخ بأعلى صوته، وهو يصعد سيارة الإسعاف برجليه ودون مساعدة: قتلني [ محمد حسين السراج]، وتم نقله إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة في اليوم التالي، أما الجاني فلم يُستدعى للتحقيق، ولم تُتخذ أية إجراءات قانونية ضده.

وأذكر أيضاً أحد أصدقائي، الشهيد [أحمد مال الله]، الذي أُطلق عليه الرصاص أيضاً، وأُصيب بجروح، لكن أهله نقلوه على الفور إلى بغداد، حيث عُولج هناك في إحدى المستشفيات وتماثل للشفاء، لكن يد الغدر لاحقته بعد مدة واغتالته في أحد شوارع بغداد.

أما الشهيد المدرس [ زهير رشيد الدباغ ] فقد دخل عليه أحد تلاميذ المدرسة المدعو[عادل ذنون الجواري] إلى داخل الصف، وهو يدرس التلاميذ ، ليطلق عليه وابلاً من الرصاص من رشاشة كان يحملها، أمام 45 طالباً، دون أن يمسه أذى، أو يجري معه أي تحقيق، أما زهير، فقد أستشهد في الحال. ليست هذه سوى أمثلة قليلة من مئات غيرها جرت للمواطنين الأبرياء، وذهبت دماؤهم هدراً على يد تلك العصابات المجرمة، ولم يفتح فيها جميعاً أي تحقيق إلى يومنا هذا.

4 ـ آمر موقع الموصل ـ العقيد حسن عبود:

العقيد حسن عبود، أمر اللواء الخامس، وأمر موقع الموصل، والضابط الذي قاد القوات العسكرية لقمع تمرد الشواف، وكانت له مواقف مشهودة في حبه لوطنه، ودفاعه عن ثورة 14 تموز، ولكن مع قرار عبد الكريم قاسم تقليم أظافر الشيوعيين، وتحجيم حزبهم، وبالنظر للعلاقة التي تربطه بهم، فقد أقدم قاسم على تجريده من كافة صلاحياته الإجرائية، فيما يخص حماية الأمن والنظام، وأناط ذلك كله بجهاز الأمن السعيدي، وشرطته التي يقودها إسماعيل عباوي، وبإشراف متصرف اللواء العقيد المتقاعد عبد اللطيف الدراجي.

كما أصدر قاسم أمراً بنقل كل الضباط الذين أظهروا تعاطفاً مع الشيوعيين، والذين كان لهم الدور الحاسم في قمع انقلاب الشواف، إلى وحدات عسكرية غير فعّالة، وفق منهج ُ تم إعداده في مديرية الاستخبارات العسكرية، ومديرية الإدارة في وزارة الدفاع، وبإشراف قاسم نفسه.

وهكذا أفرغ قاسم قوات الجيش في الموصل من كل العناصر الوطنية المخلصة، وجمد عملياً سلطات العقيد حسن عبود فيما يخص حفظ الأمن والنظام، ولم يعد له أي دور في ذلك، ثم أنتهي حسن عبود إلى الاعتقال، وأخيراً إلى التقاعد.

 

حامد الحمداني

 

محمد فتحي عبدالعالالقراءةُ وامتلاكُ الكتبِ. هلْ هي مرضٌ (الببلومانيا)؟ عندما قرأتُ عن هذا المصطلح الذي يسوّق له بعض الباحثين من الغربِ شعرتُ بخوفٍ ورعبٍ رغم ثقتي بأنّ الدعوةَ إلى القراءةِ هي دعوةٌ إلهية بدلالة إيعازية في كتابهِ المقدس من خلال (اقرأ) . سأروي لكم قصتي مع الكتبِ. منذ صغري في المرحلة المدرسية كنتُ دائما ما أقتطع من مصروفي المتواضع ما يمكنّني من اقتناءِ كتبٍ متنوعة تبحرُ بي في شتي فروع المعرفة،ونمت  هوايتي حتي بعد تخرجي والتحاقي بالعمل كانَ معظمُ راتبي موجهاً لهذه الغاية، سعادتي كبيرة وأنا اشتري موسوعاتٍ تاريخيه كبيرة وكتباً شديدة الندرة قد لا أقراءها في حينها لكن يبقي الأمل في مطالعتها يوماً. فأنفق من وقتي الكثير في مطالعتها بل واحيانا أعودُ إلى المعاجم والكتبِ القديمة لفك لغز شخصيّة تاريخية أو فهم نصٍ بلغته الأصليّة ..وكان الأمرُ يتطورُ للبحثِ عن جزءٍمفقود في موسوعة  لأسافر لبلدات أخرى والبحث لدى باعة الكتبِ القديمة من أجل اقتناء هذا الجزء وأنا يملأني الشغف و ما تخفيه جنباتُ هذا الجزء المفقود. حتّى تجمعت لدي مكتبة ضخمة. كانت دائما المكان الّذي  أتوقُ إليه. مكتبتي وكتبي أصدقائي وكلّ ما أمتلك، لم أرغب بإعارة أيّ كتاب لأنّني أشعر بأنه صديق حميم يجب ألا يفارقني وأن من حولي حمقى لا يقدّرون الكتب، ومكتبتي محصنة ضد أيّ لص أو حريق فلا يدخلها غيري، ولا حسابَ مصرفي لي في أيّ بنك بخلاف زملائي في العمل، وهذه النظارات زادتني قباحة ... كانت ترجمتي الشخصيّة لكلّ  هذا انني أحملُ هواية ولكنني لم أكن أتصورُ انني من جملة المثقفين المصابين  بمرض الببلومانيا وانا لا أدري وهو مرضُ هوس اقتناء الكتب  وأعراض هذا المرض يقعُ تحتهُ كلّ ما ذكرت. تعتبرُ الببلومانيا مرضا لأنّها تعصف بالجانب الأسري والعائلي للشخص وتصبح ملاذه الآمن بعيدا عن محيطه الخارجي ولكنها قد تحمل أثرا ايجابيا  حينما يتحول اقتناء الكتب إلى نشر معرفي على الصعيد المجتمعي وليس الإيثار المعرفي الذاتي وفي هذا السبيل لابد وأن نحط رحالنا  عند شخصية فاطمة بنت محمد الفهرية القرشية المرأة العربية المثقفة الفريدة في سماء العلم والمعرفة التي تعلمت من سيرتها الكثير... قدِمت فاطمة ْ حفيدة عقبة بن نافع فاتح القيروان من تونس إلى عاصمة الدولة الإدريسية مع والدها الفقيه القيرواني شديد الثراء محمد بن عبد الله الفهري وأختِها مريم في أيام الأمير يحيي بن محمد بن إدريس. حيث استقر بها الحال وتزوجت ولم يشغلها هذا عن حبّ العلمِ والمطالعة واقتناءِ الكتب والمخطوطات القيّمة التي ربما انتقل إليها بعضها عن طريق والدها الراحل ...

وبوفاة أبيها وزوجها قررتْ فاطمة بناءَ مسجدٍ، فبنت مسجدا ومكتبة ضخمة تحولت إلى جامعة بمضي الوقت هي جامعة القرويين وقد ضمتِ المكتبة التي تركتها ما يربو على أربعة آلاف مخطوطٍ في علوم القرآن والسنة والمعارف المتنوعة وقيل أنّها نذرت لله صوما حتى يمنّى اللّه عليها وينتهي تشييد المسجد تكريماً لذكرى والدها. وتمّ الانتهاء من تشييدِ المسجد بعد حوالي ١٨ عاما وكانت الجوامع حلقات لتدريس العلوم فغدا هذا المسجد  أوّل جامعة في تاريخِ الشّعوب تمنحُ الدرجاتِ العلميّة في العالم وعنها تعلمتْ أوروبا وأخذتْ بهذا النظام الذي لا يزال حتّى يومنا هذا. وقد خرّجت هذه الجامعة- أعمدة العلوم في العصور الوسطى ومنهم المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون مؤسَّسُ عِلم الاجتماع، وأبو الوليد بن رشد الطبيب والفيلسوف والقاضي المعروف، والطبيب الأندلسي موسى بن ميمون، والإدريسي أشهر الجغرافيين العرب، وعالم الرياضيات والفلك الشّهير ابن البنَّاء المراكشي، وابن غازي المكناسي عالِم القراءات والرياضيات، وبابا الفاتيكان سيلفستر الذي تُنسب إليه عمليّة نقلِ الأرقام العربية إلى أوروبا هذه هي المرأة العربية التي تقرأ وتزرعُ بذور الفكر والعلمِ والمحبة في أذهانِ الأجيالِ .

 

استاذه راغدة شفيق محمود الباحثة في علوم اللغة

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث

 

حامد الحمدانيتناول العديد من الكتاب والمهتمين بمتابعة الأحداث التاريخية، المحاولة الانقلابية الفاشلة للعقيد الشواف في الموصل في الثامن من آذار 1959 ضد القيادة الوطنية لثورة الرابع عشر من تموز ،وما رافقها من أحداث، وقد اتسمت معظم الأقلام التي تناولت تلك الأحداث بالتشويه أحياناً وبالضبابية أحياناً أخرى، مما يدفعني إلى إلقاء الضوء على تلك الأحداث التي عايشتها بكل دقائقها، لا ابتغي في عرضي هذا سوى الحقيقة التي أرجو أن يطلع عليها الجميع.

منُذُ الأيام الأولى لثورة الرابع عشر من تموز 1958 حدث شرخ خطير في صفوف الحركة الوطنية التي كانت بقيادة أحزاب {جبهة الاتحاد الوطني}، و{اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار} قاده عبد السلام عارف بدعم من حزب البعث، وجانب كبير من القوى القومية الذين سيروا المظاهرات في شوارع بغداد مطالبين بالوحدة الفورية الاندماجية مع الجمهورية العربية المتحدة خلافاً لرأي أغلبية القوى والأحزاب الوطنية التي رفعت في المقابل شعار{الاتحاد الفدرالي} كخطوة أولية مؤكدة على إقامة أوثق الروابط بين العراق والجمهورية العربية المتحدة بزعامة عبد الناصر، وصولاً في المستقبل إلى إقامة وحدة حقيقية تقوم على أسس ديمقراطية ترعى مصالح الشعب العراقي، والذي خرج لتوه من هيمنة القوى الإمبريالية والنظام الملكي المدعوم من قبلهم، ومن قبل القوى الرجعية والإقطاعية.

لم تكن تلك القوى التي رفعت ذلك الشعار{الوحدة الفورية} صادقة في دعواها بل كانت ترمي إلى الوثوب إلى السلطة، وإزاحة القوى الديمقراطية وقيادة عبد الكريم قاسم، وهي لو كانت جادة في دعواها لحققت الوحدة عندما اغتالت ثورة الرابع عشر من تموز في انقلابها الدموي الفاشي في الثامن من شباط عام 1963 سواء في عهد حكم حزب البعث، أو حكم عبد السلام عارف الذي قاد انقلاب 17 تشرين ضد حكم البعث، وكذلك عندما عاد البعثيون إلى الحكم إثر انقلاب 17 تموز 1968على حكومة عبد الرحمن عارف، بل على العكس من ذلك اتخذوا موقفاً معادياً من عبد الناصر، واستمروا على مهاجمته في كافة وسائل إعلامهم ومن ضمنها الإذاعة والتلفزيون حتى ساعة وفاته.

لقد سعت تلك القوى إلى تعميق الخلافات والانقسام في صفوف القوى الوطنية مستخدمة كل الوسائل والسبل، على الرغم من كل المحاولات التي بذلتها الأحزاب الوطنية، وفي المقدمة منها الحزب الشيوعي، إدراكاً منها لخطوة المرحلة التي كانت تمر بها ثورة الرابع عشر من تموز، وهي ما تزال في أيامها الأولى، ولا سيما وأن الإمبرياليين كانوا قد انزلوا قواتهم العسكرية في لبنان والأردن، وأوعزوا إلى حلفائهما تركيا وإيران الشاهنشاهية بحشد جيوشها على حدود العراق بغية الإجهاز على الثورة، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

واستمر الانقسام في صفوف القوى الوطنية في أوائل عام 1959 حتى بلغ مداه، ورفضت القوى القومية والبعثية أي دعوة للتعاون والتلاحم من أجل مصلحة الشعب والوطن.

انتخابات المنظمات الديمقراطية والنقابية:

لقد جرت في تلك الأيام انتخابات النقابات، والمنظمات الجماهيرية، وبذل الحزب الشيوعي جهوداً كبيرة من أجل لمّ الشمل، والخروج بقائمة موحدة في الانتخابات، ولكن القوى القومية والبعثية رفضتا ذلك رفضاً قاطعاً، وأصرتا على خوض الانتخابات بصورة منفردة قاطعة الطريق على أي تقارب أو تعاون.

كان في مقدمة الانتخابات التي جرت نقابة المعلمين، حيث جرت الانتخابات بروح ديمقراطية، وبإشراف ممثلين عن القائمة الديمقراطية، والتي ضمت الشيوعيين، والديمقراطيين والبارتيين، والقائمة الجمهورية التي ضمت البعثيين والقوميين، وقد لفوا حولهم كل العناصر الرجعية المناهضة للثورة أساساً، تلك القوى التي وجدت فرصتها في هذا الانقسام للظهور بمظهر القومية الزائفة، والوحدوية!،في حين أنها كانت، ولعهد قريب من أشد أعداء الوحدة وعبد الناصر، ولا تزال تلك الأحداث في ذاكرتي عندما فازت {القائمة الديمقراطية المهنية للمعلمين}، وكنتُ أحد مرشحيها بفارق كبير، وأعترف ممثلي{القائمة الجمهورية} بتوقيعهم على محاضر الانتخابات بعد فرز الأصوات بان الانتخابات قد جرت في جو ديمقراطي لا تشوبه شائبة، وكانت نقابة المعلمين، تمثل قطاعاً كبيراً من المثقفين، وقد تجاوز عدد أعضائها أكثر من خمسة وخمسون ألف معلم، ومدرس وأستاذ جامعي آنذاك.

كانت الانتخابات تلك خير مقياس لتوزيع القوى، حيث كان لها دور فاعل في الحياة السياسية للبلاد، وجرت بعد ذلك انتخابات الطلاب، حيث جرى الاستقطاب بين القوى السياسية، على غرار ما جرى في انتخابات نقابة المعلمين، وفازت القائمة الديمقراطية، المسماة بـ {اتحاد الطلبة} فوزاً ساحقاً، وتبع ذلك انتخابات نقابة المهندسين، والأطباء، والعمال والجمعيات الفلاحية، وفشلت تلك القوى الرافضة للتعاون في الحصول على أي مكسب فيها. لقد تعمق الاستقطاب في صفوف الحركة الوطنية، وأخذ التباعد يتسع يوماً بعد يوم، وأخذ الجانب الخاسر في التنافس الحر منحى آخر يستند إلى العنف في تحقيق ما عجز عن تحقيقه عن طريق التنافس الديمقراطي الحر، وبدأت عقولهم تفكر في استخدام القوة والعنف لتغيير الأوضاع لصالحهم.

العقيد الشواف يركب الموجة:

وجد العقيد عبد الوهاب الشواف ـ آمر موقع الموصل ـ فرصته الذهبية في ركوب الموجة، فقد كان يشعر بأنه قد أصابه الغبن الكبير عند ما عُيّن آمراً للواء الخامس، وآمر موقع الموصل، وكان يطمح في الحصول على منصب وزاري، أو منصب الحاكم العسكري العام، عند قيام الثورة، حتى لكأنما قامت الثورة لتوزيع المناصب على القائمين بها، وليس من أجل خدمة القضية الوطنية.

كنت في تلك الأيام مديراً لإحدى مدارس الموصل مسقط، وكنت أرى وأحس والمس ذلك الصراع يتطور ويتعمق، والانقسام يبلغ مداه، ويتحول إلى عداء واعتداء، وتحول ذلك الجانب الخاسر في الانتخابات إلى عصابات تنتشر هنا وهناك تتحين الفرص للاعتداء على العناصر الديمقراطية والشيوعية، بوجه خاص، وكانت توجيهات الحزب الشيوعي آنذاك تقضي بعدم الانجرار وراء تلك الأعمال وتجنب الصدام، وكان أمله في إعادة الصواب إلى رشد تلك القوى والعودة إلى التلاحم والتعاون من أجل مصلحة الشعب والوطن، وديمومة الثورة ونضوجها، وتعمقها من أجل تحقيق أحلام الشعب العراقي الذي ضحى من أجلها سنين طويلة.

الإعداد للانقلاب:

كان الحزب الشيوعي يدرك معنى الانقسام في صفوف الحركة الوطنية، والمخاطر التي تسببها، وفعل كل ما يمكن من أجل إعادة اللحمة للقوى الوطنية، إلا أن كل محاولاته ذهبت أدراج الرياح، وراحت تلك القوى تعد العدة، وتهيئ لمحاولة انقلابية في مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، وكانت تحركاتهم وإعدادهم لذلك الانقلاب بادية للعيان وتجري على قدم وساق، فيما كان الجانب الثاني من الاصطفاف المتمثل بالشيوعيون والديمقراطيون،والبارتيين ـ يراقبون الأوضاع بدقة، فالخطر لا يعني عبد الكريم قاسم وحده، أو الثورة وحدها، وإنما يعني أيضاً تعرض كل القوى المساندة للثورة للتصفية إذا ما تحقق النصر لمحاولتهم الانقلابية، و كان العقيد الشواف، وعدد من الضباط القوميين، والبعثيين ينشطون بهذا الاتجاه وينسقون مع القوى الرجعية للإعداد لتك المحاولة.

وفد مؤتمر المعلمين يقابل عبد الكريم قاسم:

أنتهز أعضاء المؤتمر الأول لنقابة المعلمين في الموصل ـ وكنت احدهم ـ وجوده في بغداد، لحضور المؤتمر المنعقد في شباط 1959، الفرصة وطلب مقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم لأمرٍ هام يخص الثورة والجمهورية وأمنها.

وافق عبد الكريم قاسم على استقبال الوفد في مقره بوزارة الدفاع، وحضر الوفد في الوقت المحدد، ولم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى حضر الزعيم عبد الكريم قاسم، ودخل القاعة وسط التصفيق والهتاف باسم الثورة وقيادتها. بدأ الزعيم الحديث موجهاً كلامه للوفد مرحباً به وقائلاً:{إنني كنت واحداً منكم أنتم مربي الأجيال، نعم لقد كنت معلماً في إحدى قرى الشامية بعد تخرجي من الإعدادية، وقبل أن أدخل الكلية العسكرية، وأنا فخورٌ بذلك}.

وتحدث الزعيم طويلاً عن دور المعلم في المجتمع، وبعد نهاية حديثه، طلب من الوفد الحديث. بدأ أكبر أعضاء الوفد سنا الشهيد {يحيى الشيخ عبد الواحد} المعروف {يحيى ق} والذي كان مشهوداً له بالمواقف الوطنية أيام الحكم الملكي والمواقف الجريئة ضد حكم الطاغية نوري السعيد، وناله بسبب مواقفه تلك صنوفٌ من الاضطهاد، والاعتقال، وأستحق محبة الشعب العراقي وقواه الوطنية.

بدأ يحيى بالحديث عن أوضاع الموصل المتدهورة، والنشاط التآمري الذي يجري على قدم وساق، موضحاً للزعيم أن العراق في خطر، وإن الثورة في خطر كذلك إذا لم تسارع حكومة الثورة في معالجة الأمور بأسرع وقت ممكن من أجل نزع الفتيل قبل حدوث الانفجار، مشيراً إلى العناصر التي تقود ذلك النشاط، وعلى رأسها العقيد الشواف، وزمرة من الضباط القوميين والبعثيين المتعاونين معه، بالإضافة إلى القوى الرجعية والإقطاعية، وعلى رأسها شيخ مشايخ شمر الإقطاعي الكبير والنائب السعيدي المزمن{أحمد عجيل الياور}.

وتحدث يحيى عن السلاح الذي كان المتآمرون ينقلونه عبر الحدود السورية ويخزنوه في الموصل، وكذلك عملية تسليح قبائل شمر، والتي تدين بالولاء لرئيسها، والحاقد على الثورة، وعلى قانون الإصلاح الزراعي الذي جرده من سلطانه. كما تحدث يحيى عن نشاط عملاء شركات النفط في عين زالة في الموصل في هذا الاتجاه.

إلا أن الزعيم عبد الكريم قاسم رد على الوفد بعباراته المشهورة: {الصبر والتسامح والكتمان والمباغتة} هذه العبارة التي كان يرددها دائماً.

وقد رد عليه يحيى قائلاً: يا سيادة الزعيم: إن هناك حكمة تقول الوقاية خيرٌ من العلاج، إن انتظار حدوث الكارثة ومعالجتها بعد ذلك أمرٌ خطيرٌ جداً، إذ ربما تكون لها إمتدادات في مختلف أنحاء العراق، ولربما تؤيدها غيرها من القطعات العسكرية في مناطق أخرى، وربما تنجح تلك المحاولات في اغتيال الثورة، وفي أحسن الأحوال حتى لو قامت المحاولة وفشلت فلا أحد يستطيع تقدير خسائرها وأضرارها، لذلك فأن منع وقوعها أفضل بكثير من انتظار وقوعها والقضاء عليها. كان جواب عبد الكريم قاسم غير متوقع إطلاقاً، لقد غضب قاسم من حديث يحيى وأجاب قائلاً:{إننا ندرك الأمور إدراكاً جيداً، وإن العقيد الشواف هو أحد الضباط الأحرار، وأنتم تهولون الأمور، وتضخمونها، نحن أقوياء واثقون من أنفسنا}.

وعاد الأستاذ يحيى مخاطباً الزعيم قاسم قائلا: سيادة الزعيم: إننا لا نطلب من سيادتكم سوى طلب بسيط، فنحن لا نطلب أن تعاقب أحدا، أو تسجن أحداً، وكل ما نطلبه هو نقل زمرة الضباط المذكورة، وتفريقها في مناطق أخرى، منعاً لوقوع الواقعة. لكن الزعيم قاسم رفض ذلك رفضاً قاطعاً، وأجاب بحدة:{إن هذه الأمور تتعلق بنا وحدنا، ونحن لا نسمح لأحد بالتدخل فيها}.

 

وهكذا فقد بدا جو اللقاء مكفهراً، مما حدا بالمرافق الأقدم للزعيم الشهيد وصفي طاهر إلى التدخل لتحسين الجو قائلاً:{ إننا لا نهاب الشواف، ونحن قادرون على جلبه إلى هنا هاتفياً في أية لحظة}. وأخيراً بدا عبد الكريم قاسم يغير اتجاه الحديث، عارضاً منجزات الثورة، وطموحاتها المستقبلية، وبعد ذلك أنتهي اللقاء، وغادر الوفد وزارة الدفاع والكل يضرب أخماساً بأسداس، كما يقول المثل، ويسأل بعضه بعضا: هل ستقع الواقعة؟ بل متى ستقع بالتأكيد؟ وكيف ستكون النتائج؟

عاد الوفد إلى الموصل والقلق بادٍ على وجوه الجميع، فقد كان الجو مكفهراً وينذر بالخطر. وفي تلك الظروف البالغة الخطورة، قرر الحزب الشيوعي، وحركة أنصار السلام التي يساهم فيها الحزب بنشاط كبير تحدي المتآمرين، وتوجيه تحذير إليهم بأن مدينة الموصل سوف لن تكون مسرحاً لاغتيال الثورة ومنجزاتها، وأن الشعب العراقي سوف يقف بالمرصاد لأي تحرك، معلناً عن تنظيم مهرجان لأنصار السلام في الموصل في أوائل آذار 1959.

استعدت القوى الديمقراطية، والشيوعية والبارتية لذلك اليوم الموعود، وتقاطرت الوفود من أنحاء القطر للمشاركة في ذلك المهرجان، وكانت التظاهرة من الضخامة وحسن التنظيم ما أقلق قوى الظلام، وأثار غضبها، فنصبت الكمائن لتصب جام غضبها على المسيرة، وأمطرتها بوابل من الحجارة وحتى بالرصاص فجرح من جرح، وأدى ذلك إلى وقوع صدامات عنيفة مع المهاجمين.

أكفهر الجو، ونزلت قوات كبيرة من الجيش والشرطة لإيقاف الصدام، وانتهى ذلك اليوم، وعادت الوفود إلى مدنها، وخيم الوجوم على الموصل وأبنائها، وتصاعد القلق كثيراً، فقد بدا واضحاً أن الوضع قد ينفجر في أية لحظة، وبالفعل لم يكد يمضِ سوى يومين حتى نفذ المتآمرون فعلتهم، بادئين ليلة 7/8آذار باعتقال معظم القادة، والنشطاء في الأحزاب، والمنظمات الديمقراطية، وبوجه خاص منتسبي الحزب الشيوعي، وقد جرى الاعتقال بأسلوب الاحتيال، حيث طلب الشواف اللقاء معهم في مقره للتداول حول الأوضاع السياسية المتدهورة وسبل معالجتها، ولبى من لبى ذلك النداء ووقع في الفخ الذي نصبه الشواف لهم، واختفى من أختفي مشككاً بأهداف الاجتماع، وكان ما كان، فقد جرى أُخذَ الجميع بالشاحنات العسكرية معتقلين، وأودعوا الثكنة الحجرية.

تنفيذ الانقلاب: وفي الصباح كان المتآمرون قد أعدوا إذاعة منصوبة في شاحنة طويلة تحمل صندوقا كبيراً[ كونتينر]كانت قد وصلتهم من الجمهورية العربية المتحدة عبر الحدود السورية، وبادروا إلى إعلان بيانهم الأول معلنين قيام الانقلاب، ومطالبين عبد الكريم قاسم بالاستقالة، وفيما يلي نص البيان الذي أذيع في تمام الساعة السادسة والنصف من صبيحة ذلك اليوم 8 آذار 1959.

نص بيان العقيد عبد الوهاب الشواف الانقلابي:

أيها المواطنون: عندما أعلن جيشكم الباسل ثورته الجبارة في صبيحة 14 تموز الخالد، عندها حطم الاستعمار وعملائه، وقضى على النظام الملكي، وأقام بمؤازرتكم وتأييدكم النظام الجمهوري الخالد، عندما فعل جيشكم ذلك كله لم يدر بخلده ولا بخلدكم، أن يحل طاغية مجنون محل طاغية مستبد، وتزول طبقة استغلالية بشعة، ليحل محلها فئة غوغائية تعيث بالبلاد والنظام و القانون فساداً، ويُستبدل مسؤولون وطنيون بآخرين يعتنقون مذهباً سياسياً لا يمت لهذه البلاد العربية الإسلامية العراقية بمصلحة. أجل لم يدر بخلد جيشكم الباسل ولا بخلدكم أنتم أيها المواطنون الاُباة، وقد انصرم على قيام ثورتكم الخالدة ثمانية أشهر، ولم تكن بلادكم الوفيرة الخيرات إلا مسرحاً للفوضى، والبطالة، فيتحطم اقتصادها الوطني، وتتعطل مشاريعها العمرانية، وتنتزع الثقة من النفوس، ويختفي النقد من الأسواق، وتعيث بالبلاد مقابل ذلك فئة ضالة باغية لا دين لها ولا ضمير، تخلق لها صنماً به لوثة في عقله وتعبده، ولا تخشى الله، وتنادي به رباً للعالمين، وتُسخر موارد الدولة لتخلق منه زعيماً أوحداً، ومنقذاً أعظم.

هذا الزعيم الذي خان ثورة 14 تموز، وعاث بمبادئها وأهدافها، ونكث بالعهد، وغدر بإخوانه الضباط الأحرار، ونكل بهم، وأبعد أعضاء مجلس الثورة الأشاوس، ليحل محلهم زمرة انتهازية رعناء، وقادته شهواته العارمة إلى تصدر الزعامة، وأعتمد على فئة تدين بعقيدة سياسية معينة لا تملك من رصيد التأييد الشعبي غير التضليل، والهتافات الغوغائية، والمظاهرات، وغير الزبد الذي يذهب جفاء، وركب رأسه، وأعلنها دكتاتورية غوغائية، فنحى زعماء الثورة عن المسؤولية، وأطلق للإذاعة والصحف عنان الفوضى، تخاصم جميع الدول، وشنها حرباً عدوانية على الجمهورية العربية المتحدة التي جازفت بكيانها من أجل نجاح الثورة، ودعم كيانها وكيان الجمهورية، وأستهتر بدستور جمهوريتنا المؤقت، وسلب مجلس السيادة المؤقت كل مسؤولياته الدستورية، وأحتكرها لنفسه، وأعلنها حرباً شعواء على الجهات الوطنية، والعناصر القومية المخلصة فزج في المعتقلات آلافاً من المواطنين الأبرياء بما لم يسبق له مثيل حتى مع الطاغية نوري السعيد ولا المجرم عبد الإله، ولم يجرأ على فعلته الإجرامية أحد، وأنحرف منفذاً أوامر الجهات الغوغائية عن أغلى وأثمن ما يعتز به العراقيون عرباً وأكراداً، ألا وهو السير بسفينة البلاد إلى التضامن مع سائر البلاد العربية المتحررة، وأعلنها حرباً شعواء على الأمة العربية لدرجة أن صار الهتاف بسقوط القومية العربية شعاراً له ولزمرته الباغية الفاجرة، وسلك في سياسته الخارجية مسلكاً وعراً، فلم يتقيد بمبادئ الثورة التي ترى من سياسة الحياد الإيجابي شعاراً لا يمكن الانحراف عنه.

لهذه الأسباب كلها، أيها المواطنون الأباة في شتى أنحاء جمهوريتنا الخالدة، عزمنا باسم العلي القدير، بعد اتفاقنا مع أخينا الزعيم الركن {ناظم الطبقجلي} قائد الفرقة الثانية، ومع كافة الضباط الأحرار في جيشكم الباسل، وبعد مشاوراتنا مع سائر العناصر السياسية المخلصة عزمنا في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ جمهوريتنا على تحرير وطننا الحبيب من الاستعباد والاستبداد، وتخليصه من الفوضى، معلنين لكافة المواطنين عرباً وأكراداً وسائر القوميات العراقية الأخرى التي يتألف من مجموعها شعبنا العراقي الأبي الكريم إننا المحافظون على العهد متمسكون بأهداف ثورة 14 تموز الخالدة، مراعون مبادئ دستور جمهوريتنا الفتية نصاً وروحاً، عاملون على حسن تنفيذ وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، وتطبيق سياسة اقتصادية اشتراكية ديمقراطية تعاونية، ونطالب بحزم وإصرار تنحي الطاغية المجنون وزمرته الانتهازية الرعناء عن الحكم فوراً، والقضاء على السياسة الغوغائية التي أخذت تمارسها فئة ضالة من شعبنا لكي يسود النظام وحكم القانون في أرجاء وطننا الحبيب، ونعلن في هذه اللحظة التاريخية للعالم أجمع أن سياستنا الخارجية منبثقة من مصالح شعبنا وأمتنا، وإننا إذ نتبنى سياسة الحياد الإيجابي الدقيق إزاء الدول الأخرى، نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا، نعلن باسم الشعب العراقي أننا سنحافظ على التزاماتنا الدولية بوصفنا عضواً في الأمم المتحدة، ونعتز بصداقة البلاد التي أدت لنا ولأمتنا العربية أجل العون في محنتها الماضية، ومن تلك البلاد الاتحاد السوفيتي وسائر البلدان الاشتراكية، والى جانب هذا نعلن بإصرار تمسكنا باتفاقاتنا النفطية مع الشركات الأجنبية مراعين في ذلك مصالح اقتصادنا، وحقوقنا الشرعية، وسنضمن بحزم سير أعمال الشركات النفطية بكل حرية. ويسرنا أن نفتح صفحة جديدة من الصداقة القائمة على أساس الند للند مع كل دولة، ونود أن نوضح بجلاء أن أي تدخل خارجي في شؤوننا الداخلية من أي دولة كانت في هذه الفترة التي تسبق قيام مجلس السيادة بمسئوليته الدستورية ليؤلف وزارة شرعية في العاصمة بغداد، بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة، فأن هذا التدخل يعتبر ماساً باستقلال وسيادة جمهوريتنا، ويؤدي ذلك إلى أوخم العواقب.

أيها المواطنون: إننا، إلى أن يستجيب عبد الكريم قاسم فينصاع للحق، ويتنحى عن الحكم فوراً، والى أن يمارس مجلس السيادة سلطاته، ليؤلف وزارة بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة، قد أخذنا على عاتقنا بعد الاتكال على الله ، مسؤولية إدارة البلاد، طالبين من إخواننا المواطنين الكرام شد أزرنا وعوننا بالإخلاد إلى الهدوء والسكينة، دون أن يلزمونا إلى اتخاذ تدابير من شأنها الأضرار بالممتلكات، أو إلى سفك الدماء، وليكن كافة أبناء الشعب مطمئنين إلى إننا سنكون عند حسن ظنهم بتولي المطالبة بتحقيق أمانيهم، ونحذر في الوقت ذاته العناصر الهدامة من أننا سنأخذهم بالشدة إن عرضوا حياة المواطنين وحياة الأجانب وممتلكاتهم للخطر، وليعلم الجميع أن حركتنا الوطنية تستوي عندها جميع الفئات والهيئات، وأنها تحفظ لهم حقوقهم في الحرية إن لم يتجاوزا حدود القانون المرسوم، والله ولي التوفيق

العقيد الركن عبد الوهاب الشواف

قائد الثورة 8 آذار 1959

نظرة فاحصة في بيان الشواف:

بنظرة فاحصة لبيان العقيد الشواف، يتبين لنا أن الشواف لم يكن سوى رجل متعطش للسلطة والتزعم، فلقد تجاوز قائده ورفيقه الزعيم {ناظم الطبقجلي} قائد الفرقة الثاني التي كان اللواء الذي يقوده العقيد الشواف تابعاً له، متخذاً له صفة قائد الثورة، مما دفع الزعيم الركن الطبقجلي إلى عدم التحرك والمشاركة في الانقلاب، على الرغم مما ورد في البيان حول الاتفاق معه لتنفيذ الانقلاب.

كما أن الحركة كانت قد اعتمدت على الدعم الخارجي من قبل الجمهورية العربية المتحدة، فقد أرسلت للانقلابيين محطة إذاعة متنقلة، منصوبة فوق شاحنة كبيرة، مع كمية كبيرة من الأسلحة بالإضافة إلى الدعم الإعلامي الكبير عبر محطتي إذاعة دمشق، وصوت العرب من القاهرة، وكان من المنتظر تقديم الدعم الميداني للحركة لو قدر لها الصمود فترة 48 ساعة، ولكن سرعة قمع الحركة حال دون ذلك.

حاول العقيد الشواف مغازلة شركات النفط، وكسب ودها من أجل دعم انقلابه، مطمئناً إياها بأنه سيلتزم بحزم بالاتفاقيات المعقودة مع الشركات، ويضمن مصالحها!.

لم يكن العقيد الشواف صادقاً بمواصلة تطبيق قانون الإصلاح الزراعي، وهو الذي لف حوله العناصر الرجعية والإقطاعية، والتي كان على رأسها شيخ مشايخ شمر{احمد عجيل الياور} الإقطاعي الكبير، حيث جرى تسليح القبائل الموالية له وزجها في الحركة، كما ركز العقيد الشواف في بيانه على حملته الشعواء على الشيوعيين متهماً إياهم بنفس التهم التي كان{نوري السعيد} يستخدمها ضدهم، في العهد الملكي في محاولة لكسب ود الغرب ودعمهم لحركته.

واستخدم العقيد الشواف شتى النعوت والكلمات البذيئة بحق الزعيم عبد الكريم قاسم، والتي تعبر عن الضحالة، وعدم النضوج، ونال استهجان غالبية الشعب العراقي، الذي يكن الولاء لقيادته.

لقد تبين أن حركة العقيد الشواف لم تكن سوى حركة لمجموعة من الضباط المغامرين التواقين إلى السلطة، ولا يستندون إلى أي قاعدة شعبية، ولا عسكرية، فقد وقف فوج الهندسة التابع للواء القائم بالحركة بكافة ضباطه وجنوده ضد الحركة الانقلابية منذُ اللحظة الأولى، وقاومه بقوة السلاح، أما الجنود وضباط الصف الذين كانوا بإمرة الانقلابيين، والذين انساقوا تحت وطأة الخوف من قادتهم، فسرعان ما انتفضوا على ضباطهم المتآمرين، وانضموا إلى جانب السلطة، ومقاومة الانقلاب.

وخلال المعارك التي دارت بين الانقلابيين والقوى المساندة للسلطة، سقط من بين الانقلابيين (47) فرداً، وذلك حسبما ورد في تقرير الطب العدلي، وأكده المقدم{يوسف كشمولة} أحد المشاركين في الحركة الانقلابية خلال الاحتفال الذي أقيم في ملعب الموصل إحياءاً لذكرى انقلاب الشواف، بعد وقوع انقلاب 8 شباط الفاشي عام وإسقاط حكومة عبد الكريم قاسم .

كما أن المجلس العرفي العسكري الذي أقامه انقلابيوا 8 شباط، قد أكد العدد المذكور في حين أن الإنقلابيين قتلوا عشرات الجنود حيث كانوا قد نصبوا رشاشاتهم على منارة جامع باب الجديد.

في ذلك الحين كانت إذاعة صوت العرب من القاهرة تذيع أخباراً مذهلة عما سمته بالمجازر التي وقعت في الموصل، وادعت أن عدد القتلى من البعثيين والقوميين قد جاوز ( 20)ألفاً، في محاولة منها لإثارة القوى القومية والبعثية للانتفاض على حكومة الثورة وإسقاطها.

لقد سُخرت هذه الإذاعة في تلك الأيام للهجوم على حكومة الثورة، وعلى القوى الديمقراطية والشيوعية، مستخدمة أبذأ الكلمات والعبارات التي لا تليق بدولة كان لها من الاحترام والحب لدى الشعب العراقي إبان العهد الملكي ما يفوق الوصف، وخاصة عندما خاضت مصر بقيادة عبد الناصر معركة السويس عام 1956ضد العدوان الثلاثي البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي، ويتلهف لسماع إذاعة{صوت العرب}.

لقد تكشف للأمة العربية وللعالم أجمع زيف وكذب تلك الإذاعة عما كانت تبثه من أخبار المجازر المزعومة في الموصل، وأساليب التحريض الرخيصة ضد ثورة 14 تموز وقيادتها، ليس حباً بالعراق وشعبه، ولا حرصاً على مصالحه، وإنما حباً في السيطرة على العراق، وضمه قسراً للجمهورية العربية المتحدة، دون أخذ رأي الشعب العراقي في مثل هذا الأمر الخطير الذي يتعلق بمصيره ومستقبله.

كان من المؤسف أن ينبري الرئيس عبد الناصر في خطاباته آنذاك، يومي 11 و13 آذار لمهاجمة عبد الكريم قاسم، واصفاً إياه بالشعوبي تارة، وقاسم العراق تارة أخرى، ومركزاً حملته على الشيوعيين، متهماً إياهم بالعمالة لموسكو، وبخيانة الأمة العربية، كما صورت أجهزة إعلامه الأحداث التي جرت خلال وبعد القضاء على تمرد الشواف بأنها أحداث رهيبة.

لقد كان ذلك الموقف من عبد الناصر من الأخطاء الكبرى في سياسته تجاه العراق وثورته فقد كان الأحرى بالرئيس عبد الناصر أن يمد يده لعبد الكريم قاسم من أجل دعم ونهوض حركة التحرر العربي، ومكافحة النفوذ الإمبريالي في أنحاء العالم العربي، والعمل على إيجاد أحسن الوسائل والسبل للتعاون، والتضامن مع العراق، واتخاذ الكثير من الخطوات التي تعزز التعاون والتكامل في مختلف المجالات

الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والثقافية وغيرها من المجالات الأخرى، وصولاً إلى إقامة أفضل أشكال الارتباط بين البلدين حين تتوفر الشروط الموضوعية والضرورية لنجاحها وديمومتها. إن الوحدة العربية هي فعلاً أمل كل الملايين من أبناء شعبنا العربي، لكنها ينبغي أن تقام على أسس صحيحة ومتينة، وبأسلوب ديمقراطي بعيداً عن الضم وأساليب العنف.

فشل تمرد الشواف:

لم تصمد حركة العقيد الشواف الانقلابية سوى أقل من 48 ساعة، فقد كان رد الفعل لحكومة الثورة، والحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب البارت الكردي، وسائر الجماهير الشعبية المساندة للثورة سريعاً وحازماً، حيث جرى التصدي للانقلابيين، وقام فوج الهندسة التابع للواء المنفذ للانقلاب بالإضافة إلى جانب كبير من الجنود وضباط الصف، وآلاف المسلحين العرب والأكراد، والذين نزلوا إلى الشوارع للتصدي للانقلابيين، وإفشال خططهم للإطاحة بالثورة وحكومتها، وقامت طائرات من سلاح الجو العراقي بقصف مقر قيادة الشواف الذي أصيب بجروح خلال القصف، ونقل إلى المستشفى الميداني في معسكر الغزلاني، حيث قتل هناك على يد النائب ضابط المضمد يونس، وبمقتله تلاشت مقاومة الانقلابيين، وهكذا فشل تمرد الشواف، وتمت السيطرة على المدينة خلال أقل من 48 ساعة، وتم اعتقال عدد من الضباط المتآمرين، فيما هرب البعض الآخر إلى سوريا، وذهب ضحية ذلك الانقلاب حوالي (135) فرداً من الجنود والضباط، الوطنيون الذين ساهموا في قمع الانقلاب.

الأحداث التي رافقت قمع المحاولة الانقلابية:

لا أحد يستطيع أن ينكر وقوع أحداث وتصرفات وأخطاء ما كان لها أن تحدث قامت بها عناصر معينة، أساءت إساءة كبرى للحزب الشيوعي، فقد جرى قتل وسحل عدد من المشاركين في المحاولة الانقلابية، وجرى نهب وحرق بيوتهم من قبل عناصر غوغائية لاصلة لها بالحزب الذي كان عاجزاً عن إعادة الأمن والسلام في المدينة حتى دخول قوات عسكرية بقيادة العقيد حسن عبود، وهي أعمال مرفوضة في كل الأحوال، و بعيد كل البعد عن الروح الإنسانية، ولا تتفق والمبادئ الشيوعية.

ولا بد ان أشير إلى منظمة الحزب في الموصل خطأً جسيماً عندما نصّبَ عدد من كوادر الحزب أنفسهم حكاما وقاموا بمحاكمة عدد من المشاركين في المحاولة الانقلابية وحكموا على (17) منهم بالإعدام، وجرى تنفيذ الحكم في منطقة الدملماجة في ضواحي الموصل، وهذا أمرٌ لا يمكن قبوله إطلاقاً.

لقد كان الأجدى بأولئك القادة اعتقال هؤلاء الأشخاص وتسليمهم للسلطة الشرعية لتحيلهم بدورها إلى المحاكم المختصة لمحاكمتهم، والحكم على من يثبت مشاركته في المحاولة الانقلابية، فليس من حق أحد أن يمارس السلطة القضائية ويصدر وينفذ الحكم من دون تخويل.

كما أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الزعيم عبد الكريم قاسم نفسه، الذي جرى تحذيره كما ورد سابقاً، من حدوث ما لا يحمد عقباه، ولكنه صمّ أُذنيه عن سماع التحذير، ورفض اتخاذ أي إجراء لمنع وقوع الكارثة، في حين كان بإمكانه أن يفعل ذلك.

والأنكى من كل ذلك فأن الزعيم عبد الكريم قاسم نفسه اتخذ فيما بعد من تلك الأحداث ذريعة ليصفي نفوذ الحزب الشيوعي في العراق، موجهاً الاتهامات لهم، ولاصقاً بهم الجرائم، بعد أن كان قد أستقبل وفداً من قيادة الموصل للحزب، بعد قمع انقلاب الشواف وخاطبهم قائلا بالحرف الواحد :{ بارك الله فيكم، وكثّر الله من أمثالكم من المخلصين لهذا البلد}.

عبد الكريم قاسم يستغل أحداث الموصل لضرب الحزب الشيوعي:

لم يمضِ سوى بضعة أشهر على ذلك اللقاء حتى بادر قاسم إلى اعتقال كافة الشيوعيين النشطين، وأودعهم سجن بغداد، ثم أحالهم الى المجالس العرفية التي أصدرت بحقهم أحكاماً قاسية وصلت حتى الإعدام، وأبقاهم رهائن في السجن لكي يأتي انقلابيوا 8 شباط 1963،وينفذون فيهم حملة إعدامات بشعة، ويعلقون جثثهم على أعمدة الكهرباء، في شوارع الموصل بعد أن مارسوا أشنع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بحقهم .

لقد كان موقف الزعيم قاسم الجديد، خير مشجع لنشاط الزمر الرجعية، والعناصر التي شاركت في محاولة الشواف الانقلابية، والتي تكّن أشد العداء له، ولثورة الرابع عشر من تموز، ولم يدرك قاسم أن عمله هذا إنما يعني انتحاره هو، ونحر الشعب العراقي، ونحر الثورة كذلك.

لقد اتخذت تلك القوى من موقفه الجديد ذريعة لهم لشن حملة واسعة من الاغتيالات استمرت أكثر من ثلاث سنوات، وذهب ضحيتها مئات الوطنيين الأبرياء، وسوف أعود إلى هذا الموضوع في الحلقة القادمة.

وللحقيقة والتاريخ أقول أن الحزب الشيوعي لم يكن يستحق من قاسم هذا الجزاء رغم كل ممارساته الخاطئة، فقد كان الحزب وفياً لقيادته، سانده وحماه وحمى الثورة في أشد الأيام صعوبة وخطورة، ولم يفكر يوماً في خيانته، أو محاولة سلب السلطة منه آنذاك، في حين أن فرصاً كثيرة كانت لدى الحزب للسيطرة على الحكم بكل سهولة ويسر لو أراد ذلك.

لقد كانت مواقف قاسم تلك من الحزب الشيوعي أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى اغتيال الثورة، وأغتياله هو بالذات. لقد جرد نفسه من كل سند يحميه، وأخذ منه الغرور مكانه، معتقداً أن تلك القوى المعادية لمسيرة الثورة ستعود إلى رشدها، وتغير موقفها من السلطة، لكن الواقع كان يشير إلى تنامي الخطر الرجعي والنشاط التآمري على المستويين المحلي والدولي، من أجل إسقاط الثورة، وهذا ما تم فعلاً على يد تلك الزمرة الانقلابية يوم 8 شباط 1963 ،ويذكرني هنا قول الشهيد{جلال الاوقاتي} قائد القوة الجوية آنذاك، حيث قال:

{إن الزعيم عبد الكريم قاسم، سوف يدمر نفسه، ويدمر الشعب معه}.

لقد حكم الإمبرياليون بالموت على الزعيم عبد الكريم قاسم منذُ اللحظة التي قاد فيها ثورة 14 تموز ضد النظام الملكي المرتبط بهم، وقد حاولوا اغتيال الثورة في أيامها الأولى، بالتدخل العسكري المباشر، عندما نزلت القوات البريطانية في الأردن، و الأمريكية في لبنان، وعندما حشدت تركيا قواتها على طول الحدود العراقية، لكن موقف الاتحاد السوفيتي الداعم للثورة، وتهديدهم للإمبرياليين من مغبة العدوان على العراق حال دون ذلك، وأضطر الإمبرياليون إلى تغير خططهم في إسقاط الثورة.

وعندما أقدم قاسم على إصدار قانون رقم 80 لسنة 1961، واستطاع انتزاع 99،5 %من المناطق التي تحتوي على احتياطات نفطية هائلة، بلغ استفزاز الثورة لهم أقصى درجاته، وجعلهم يركزون جهودهم بشكل محموم لإسقاط الثورة.

لكن قاسم لم يتعظ بدروس التاريخ، ووقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه مصدق، وانتهى إلى الموت صبيحة التاسع من شباط 1963، وحلت الكارثة الكبرى بالشعب العراقي حيث جرّت تلك الأحداث المآسي، والويلات على شعبنا منذُ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا.

انتهت الحلقة الأولى، وتليها الحلقة الثانية

 

حامد الحمداني

 

مامون احمد مصطفىموضوع، شائك، يخض العقل، ويرج القلب، وَيُيَبِس الفؤاد، فيه من ملامح اليسر ما يوحي بالبساطة التي تجري جريان الماء في الأنهار والغدران، وفيه من العسر المضاف الى العسر، ما يقود الى الحذر المُجْدِب في صفحات القلب، ونبضات الروح.

كيف لا، وانا أقف على رؤوس دبابيس وإبر مستدقة مسنونة شديدة الصلابة والمتانة، كمن يريد ان يفتح بيديه غيبا مغلقا، وهو متيقن باستحالة إمكاناته وقدراته على ذلك، او يريد أن يسحب الماضي الى مفصل الحاضر والمستقبل، كي يُثبَتْهما معا على محور ينفصل عن قاعدة التبدل والتغير التي تجري عليها مكونات الزمان والمكان، النفوس والاجساد، الفصول والأيام، الحقب والعقود والدهور.

قلت: كإنسان،إنسان فقط، تتملكه التغيرات والانقلابات والطوارئ، ويفتك به النقص، علي أن أعترف قبل مباشرة الدخول في التفاصيل، بأن ما كتبته سابقا، عن أي صديق، أو أي فرد من أفراد العائلة، ليس بثابت من الثوابت البعيدة عن الانقلاب والتبدل، أو حتى الاختلاف من النقيض الى النقيض، بل وأريد ان اسجل، بانني ربما، وربما في كتاباتي من أعز الأصدقاء والكلمات التي رافقت انفعالاتي وافكاري، مرافقة الرقيب الحذر، الذي يخشى علي اكثر من خشيتي على نفسي، أقول: بانني حين كتبت عن أصدقائي، وما سأكتب الان، كانت هناك مجموعة من مكونات المبالغة والوهم والخيال وربما بعض التهويل الذي كنت اعلم بأني اضفيه على تلك الشخصيات، استنادا الى مشاعر الوفاء والمحبة والايثار.

هو خطأ قاتل، مميت وساحق، أعلم ذلك، لأني لم أقف امام ذاتي وذوات الاخرين لأستعيد الزمن وما رافقه من تقلبات وإرهاصات وخفايا، بل أندلثت بكل العواطف المشحونة بسبب الغربة التي تمكنت مني الى حد الإنهيار، لأرسم صورا خالية في معظمها من الحقيقة والمنطق والأمانة والحذر. وأنا الآن اعتذر للحكمة والتأني والصبر، اعتذار الصحراء للهمي، حين ظنت انها لم تكن بحاجة الرذاذ.

يقول البير كامو:(هل لاحظت ان الموت وحده هو الذي يوقظ مشاعرنا؟ وكيف اننا نحب الأصدقاء الذين غادرونا لتوهم. وكيف نُعجب بأولئك الأساتذة الذين لم يعودوا يتحدثون، بعد ان ملأ التراب افواههم! حينئذ ينبثق التعبير عن الاعجاب طبيعيا، ذلك الاعجاب الذي كانوا يتوقعونه منا طيلة حياتهم، ولكن اتعرف لماذا نكون دائما أكثر عدلا واشد كرما نحو الموتى، السبب بسيط، فليس هناك التزام نحوهم، انهم يتركوننا أحرارا)

الغربة نوع من أنواع الموت القاسي، لأنه يجرك نحو هوة الماضي، وبريق الذكريات المنصرمة، ليقودك الى عالم مخصص، يحيط به الخيال، ويغلفه الوهم، ويستبد به الانفعال المركب من حزن الغربة ووطأتها الشديدة وصدمتها الناشفة، ليحملك لتأكيد الاعتقاد الجازم بأن ما كان، هو أفضل مما هو كائن أو سيكون، فتنفلت المشاعر، بمساندة الوهم لتصب في ابتكار جنان وحدائق وخمائل، تتمكن من الذات العاقلة، فتشلها بسموم بطيئة التأثير، لتلقيها في اقتناع وقناعة، بصدق الوهم وحقيقة الخيال.

ولهذا المقال وضع يكاد يكون من ترتيبات الغيب، فقد كان من المقدر له ان يظهر قبل أعوام كثيرة، بنفس الصورة التي اعتذرت عن الكتابة فيها سابقا، وربما أكثر غوصا واغراقا وحميمية مع الخيال المبتكر صفات واحداث ليست من الواقع، لكن ظروف العالم الإسلامي والعربي، اخذاني الى منحى بعيد كل البعد عن اتمامه، وانا الان اعتقد اعتقادا جازما، بأن التأخير كان فيه من الخير ما فيه، فالتأجيل منحني فرصة التدقيق والتحقيق والتحقق من أشياء كثيرة، والسنين منحتني نضجا بفعل التجارب التي عدت بها للوطن بزيارات متلاحقة لاختلط بالماضي الذي توهمته، واخلطه بنفسي من جديد، فوقفت أمام إنتباهات سقطت فوق رأسي كنقطة ماء زلال لتقودني الى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وسورة يوسف عليه السلام، فتفجرت بداخلي تصدعات وانخسافات، عاتبتني عتاب الوردة البيضاء للوردة البيضاء، وكان الفوح، ينتشر في خلايا دماغي، يهمس برفق خوافي بلبل حط فوق مآذن القدس فهمست له برفق الإيمان.

كيف لم تتنبه بما تملك من مسميات وأفكار لهذا الحديث الشريف؟

وكيف لم تنتبه وتتنبه الى سورة يوسف عليه السلام وقصته مع اخوته؟

يقول علية الصلاة والسلام" أحْبِبْ حبيبَكَ هوْنًا ما، عَسَى أنْ يَكونَ بَغيضَكَ يومًا ما، وأبْغِضْ بغيضَكَ هوْنًا ما، عَسَى أنْ يكونَ حبيبَكَ يومًا مَا".

وقفت مشدوها، وأقرب الى الممسوس، وتساءلت بيني وبين نفسي: كيف وصلت في كتاباتي تلك الى الفجاجة والسطحية التي جعلتني أغل الماضي والمستقبل بأغلال حاضر ثابت راسخ دون ان اتنبه للسيرورة والصيرورة التي تحيط بالماضي والحاضر والمستقبل؟ وكيف انزلقت الى مثل هذه الكبوة التي لا ينزلق اليها عاقل او جاهل؟

وفورا ذهبت الى المرآة، حاملا معي مفردة "ربما" التي شكلت بطولة قصتي القصيرة "جذور ألم". وقفت، ومعي حفنة من صور وعادات وتقاليد ومشارب ومناقب ومثالب، عرضتها على المرآة كلها بتأن وصبر وطول نفس، بتجرد وتجريد، في خلوة لا أخشى فيها كشف كل بصائري ورؤاي، فشاهدت التداعيات والتصدعات والتردمات، الأشخاص الذين حملوا اسمي وصفاتي وذواتي معي عبر سنوات متلاحقة، حتى أنى انكرت في أحيان أنهم مني وانهم انا، ووقعت في شك ان اناي هي ليست أناي، وأن ذاتي لا تمت بأي صلة لذاتي، تحرك تحتي زلزال، ومن قدمي اندفع بركان، وفي رأسي دارت عواصف وزوابع وأعاصير.

ألهذا الحد كنت غرا حين كتبت ما كتبت؟ نعم. بذلك أجابت الذوات والبصائر والرؤى والأنا التي توالدت من الأنا.

قلت: سأكتب الان، متحريا الدقة، وسأختار الالفاظ والمفردات، وأخضع العواطف والانفعالات الى قيود الفكر الممنطق بالوعي والادراك ما استطعت الى ذلك سبيلا.

وقبل أن أبدأ بذكر أصدقائي، أجدني واستنادا الى القرآن الكريم والسنة النبوية، والأعراف والتقاليد والأخلاق، أن أوطد حقيقة تخصني أنا على الأقل، وهي: أن أبي وأمي هما استثناء كامل، لا يخضع لقانون التغير والتبدل والاختلاف، وأن ما كتب عنهما سابقا، وما سيكتب لاحقا، لا يشكل اقل مقدار من حبة خردل او أصغر من ذلك بكثير، لانهما كانا وسيبقيان درة وجودي ماديا وتاج تكويني معنويا، حتى يقضي الله جل شأنه في وجودي. 

ما هي الصداقة؟ وكيف تُسْتَوفى واجبات الصديق، لن اتبع هنا أسلوبا يتغيبا الريبة أو التعصب، ولا أسوق أو أساق إلى مثاليات وكماليات تعلو فوق إمكانات الانسان كإنسان، ولن اتجه نحو رؤية فلسفية أو أكاديمية، بل سأحاول الاجتهاد أن أكون بين منطق مؤتلف مع تقلبات النفس، وطلبات جل ما يمكن أن يقال عنها، أنها بين الواجب والاحترام والتقدير والتواضع.

وأول الحقائق التي عليً اثباتها ذاتيا، انني قبل أن امنح صداقتي لأحد، عليً الحرص بيقين مطلق، لحظة التفكير الأولى بأن اتخذ صديقا أو خليلا، أن احتفاظ بكرامتي كاملة غير منقوصة، فليس من اللائق او المقبول أو المعقول، أن احفظ كرامة "صديق" لا يحفظ أصلا وعن يقين مطلق كرامتي، فكرامتي فوق كل صداقة وأخوة وزمالة ورفقة، وما ينبثق عن ذلك من مسميات ومصطلحات. فإن اصطدمت بغرور، أو إعجاب بذات، يكاد يصل الى التقليل شخصيتي، ولو مقدار ما تحمل النملة من زاد، فإنني اتنازل بكل ثقة وإصرار ورحابة صدر وعقل، عن ذلك الشخص، دون أسف أو ندم، مهما امتدت العلاقة بيني وبينه من سنين.

ولكن، يبقي لكرامتي وشخصيتي حق علي، ألا أذكره بسوء، أو أحمل له ضغينة أو حسد، وأن أحفظ سره حتى وصولي الى القبر حيث الصمت المطلق والسر النهائي. حتى لو ذكرني بسوء خلف سوء، وإن أفشى اسراري وشهر بسريرتي، ليس وفاء لمن لا يستحق الوفاء، ولا التزاما بخلق لم يلتزم به، بل لعهد من عهود كنت قد مزجتها بشخصي وكرامتي، فليس من المروءة أن أفقد مروءتي كرد فعل، لأن الفعل هو الابقى والاقوى من ردة الفعل الناجمة عن غضب او انفعال او استشاطة.

وفي هذا تناغم وتطابق واندماج مع ما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((لا يكن حبك كلفاً ولا يكن بغضك تلفاً)) فقلت: كيف ذاك؟ قال: ((إذا أحببت كَلِفْتَ كلـف الصبي، وإذا أبَغضت أحببَتَ لصاحبك التِّلف)).

وعليه أنشد هدبة بن خشرم :

وأبْغِـضْ إذا أَبْغَضْتَ بغضــاً مقـارباً فإنك لا تدري متى أنت راجعُ

وكن معدناً للخير واصفح عن الأذى فإنك راءٍ ما عمــلت وسـامعُ

وأحــبب إذا أحبـــبت حبـاً مقــارباً فإنك لا تدري متى أنت نازعُ.

وما تقدم، ليس فلسفة اريد منها اثارة استهجان، أو استنهاض دهشة، لأن عرفي وتقليدي، وما ورثته من اب لا يشبه الإباء، وأم لا تشبه الأمهات، يقودني ذلك كله الى الالتزام بما أفكر وما أسجل، فلست اطلب مستحيلا، ولا اريد أن أشق على نفسي أو غيري، ممن أدعي صداقته، أو يدعي صداقتي، بل أقف بين ما أريد وما أستطيع، وبين ما أكتشف ما هي معادن من أدعى صداقتي، عبر تجارب، قد تكون ادق من رأس دبوس، أو أصغر من حبة سكر ذابت في فنجان شاي.

وأستطيع أن أدعي بثبات وقوة، انني إن أحببت، فإنني تطبيقا لوصية الرسول عليه الصلاة والسلام، اعلن حبي، دون أن اعير ذلك خوف أو رهبة أو حتى حذر، ومن ثوابت قناعاتي انني لم انظر يوما الى صديق نظرة فيها تعظيم او اكبار أو عكس ذلك، لعلم يعلمه، او جهل يمسك به، ولم انظر لجاه او مال او منصب او شهادة، فصديقي الجاهل لا يقل مكانة عندي عن صديقي المتعلم، بل وربما امنح الجاهل أكثر من المثقف والمتعلم، لأنه بطبعه وحدسه يسير على فطرة فيها من التواضع ما يبعده عن الغرور، ومن الاعتراف بقدراته ما يبعده عن الادعاء والتفاخر ونشدان ما ليس فيه وليس من مكوناته.

فمن هو صديقي الذي أعتز به؟ هو الذي قال محمود درويش فيه (الصديق مسمى لشخص معك بكل الظروف، وليس حسب الظروف). وهذا ما يؤكده محمد علي كلاي في تعبيره القوي: (الأصدقاء بالمواقف وليس بالسنين، حقيقة ستدركها يوما ما). ومن هذين يمكنني استلال التوافق الذي يؤدي الى فهم عملاق الفكر العربي محمود عباس العقاد للمفهوم الذي يجب التعلق به وصفا وحقيقة، فهو يقول: (الأصدقاء هم الأوطان الصغيرة، الوجه الثاني للحب الذي لا يتغير).

وأقف امام البارودي، فحل الشعر العربي، ومن أعاد له عاموده، لأدقق في قوله عن ذاته، وهو المعروف عنه التصاق الفعل بالقول في أصعب وأقسى مآسيه. يقول:

فانظرْ لقولي تجدْ نفسي مصورة ً     فِي صَفْحَتَيْهِ؛ فَقَوْلِي خَطُّ تِمْثَالِي

ومن هذا الايضاح المجسد لتوافق القول بالعمل، يقول معتدا بما يملك من وفاء وحميمية ووداد مركب للصديق، قول واثق لا يخشى اختبارا أكان آنيا أو مؤجلا:

واختبرني تجدني صديقاً حميماً.. لم تغير وداده الاهواء

صادقاً في الذي يقول وان.. ضاقت عليه برحبها الدهناء

ويأتي نزار قباني بتجربته الزاخرة في الانفعالات والعواطف والمشاعر والأحاسيس، ليعبر بصورة صادمة وواضحة عن قلق مشوب بثقة غير معهودة حين يقرر (الصديق الحقيقي هو من تستطيع ان تكون معه غريب الاطوار يكل ثقة). وهو قول فيه اندفاعة واضحة لاعتبار الصديق الغطاء الذي يمكن ان تكشف كل عيوبك تحته دون التفكير ابدا بان لك عيوب رآها غيرك.

وجاء باولو كويلو ليقرر بتواضع وبجملة واحدة بصورة تحتاج الى إطار من فيروز كي تعلق فيها، فقال: (الصداقة ليست شيئا كبيرا، الصداقة ملايين الأشياء الصغيرة).

ومن هنا ينبع سؤال ممض ثقيل، فيه من خفايا الحياة وحنايا التجارب، ما يدفعنا قسرا نحو التعمق قليلا بالنفس البشرية واضطراباتها، تقلقلها وتمخضها، انفجاراتها وانهيارتها، والسؤال:(هل للصداقة تاريخ ابتداء وانتهاء)؟ (وهل يمكن الركون الى صديق بما تحمل كلمة الركون من معنى)؟

يجيب على ذلك فيودور دوستويقسكي:( إنك لا تستطيع ان تتصور كم عذبوني، جميعا، جميعا، الأعداء والاوغاد والأصدقاء، حتى ان الأصدقاء عذبوني أكثر من الأعداء).

ونأخذ البارودي، الذي خاض غمار الحياة بطريقة لم يخضها مثله الا قلة من البشر، فهو من تلك التجارب، المنفى، القهر، الهزيمة، فقدان الزوجة والوالد والابنة، العمى وهو في المنفى، يقول بألفاظ تعتصر الوعي وتلفح الادراك وتصوح العقل:

وَلَقَدْ بَلَوْتُ النّاسَ في أَطْوارِهِمْ ومَلِلْتُ حتَّى مَلَّني الإِبْلاءُ

فَإِذا المَوَدَّةُ خَلَّةٌ مَكْذُوبَةٌ بَيْنَ الْبَرِيَّةِ والوَفاءُ رِياءُ

كَيْفَ الْوثُوقُ بِذِمَّةٍ مِنْ صاحِبٍ وَبِكُلِّ قَلْبٍ نُقْطَةٌ سَوْداءُ

لَوْ كَانَ فِي الدُّنْيَا وِدَادٌ صَادِقٌ مَا حَالَ بَيْنَ الخُلَّتَيْنِ جَفاءُ

فانْفُضْ يَدَيْكَ مِنَ الزَّمانِ وأَهْلِهِ فالسَّعْيُ في طَلَبِ الصَّديِقِ هَبَاءُ

فهل أنا مع الاقوال التي ذكرت، نعم ولا، وربما، أقول: "ربما" يأتي الزمن ليفصل اللا عن النعم، أو النعم عن اللا، وربما يدمجهما معا، فالتجارب التي مررت بها اسقطت الكثير ممن كنت اظن انهم أصدقاء، ورفعت أناس لم أكن أظن اني سأصادقهم يوما ما، وما زال غربال الزمن بين يدي يذهب هنا ويهتز هناك، لأن أهم الدروس التي استقيتها من سجني، ومصيبة يدي، وغربتي، وفترة العوز التي سحقتني لزمن طويل، كل هذا وذاك، تسلل إلى كل ما فيً موشوشا برفق نسمة ربيعة مرت من فوق بيت الله الحرام، والمسجد النبوي، معانقة المسجد الأقصى، ملتحفة بياض زهر اللوز والنرجس، بأن المطلق الوحيد هو الله سبحانه وتعالى، وكل شيء دونه قابل للتحول والتغير والتقلب.

فهل هناك تاريخ صلاحية وانتهاء للصداقة والأصدقاء؟ نعم، بكل ثقة مسحوبة من ثقة، ومن انتهت صلاحيتهم عندي دليل مؤكد ملموس بفعل التجربة وتواترها.

لكن هناك من ثبت، وبقي رغم كل التغيرات منتصبا كصديق اعتز بصداقته، ويعتز بصداقتي، فهل سأحزن ان تساقطت بعض الأوراق التي اعتبرها ثابتة الان؟ لا. لن أحزن أبدا، فمن يختار السقوط لأسباب واهية، وحركات نفس مريضة وعكرة، فانه يمنحني الفرح والحبور والسعادة، لأنه من بدأ باختيار السقوط، فأنا أحاول دائما، لا عن ضعف، او عدم قدرة على رد، ان آخذ بوصية لقمان عليه السلام حين أوصى ولده: (يا بني، إذا ان تعرف صديقك، فهو الذي يعد حسناتك ولا يعد سيئاتك). ولكن للعد أيضا حدا من الحدود، عندها يمكن ان اختار رد الصاع صاعين، أو أنسحب بهدوء ضوء لامع حفاظا على ذمة الوفاء والعشرة والأيام التي خلت.

ولكني أقول اثناء انسحابي ما قاله شكسبير: (تحبني او تكرهني جميعها مفضلة لدي، إذا كنت تحبني، سوف أكون دائما في قلبك، وإذا كرهتني سوف أكون دائما في عقلك). والتزم مع تجربة دوستويفسكي حين أكد بطريقة بسيطة: (ستصل النضج الذي يجعلك ترفض التورط بعلاقة مؤقتة او صداقة باردة او جدال أحمق او التعلق بالزائفين). ومنه أيضا:

(الأمر ليس بكثرتهم حولك، إنما بمن يأتيك دون أن تناديه، ومن يربت على كتفك دون أن تخبره بأنك مثقل). وأيضا:( هذا درس سأنتفع به في المستقبل، وهو ألا احكم على الناس قبل ان تكون لي خبرة بهم)!

ومن الاقوال التي شحذت توهج الوعي لدي من الناحية الذهنية والعاطفية، قول الدكتور مصطفى محمود بطريقة سلسلة مذهلة: (من اشكال احترام الذات ان تبتعد عن أي شخص لا يقدر قيمتك). وأقول بكل أناة وروية ورفق لمن تسقطه التجربة البينة اللامعة الثابتة من حياتي:( اعتقد بي ما شئت، فأنا لم آت لهذا العالم لإرضائك). ميلان كونديرا. و(خسارة بعض البشر، مكسب لصحتك النفسية. يورغن هابرماس. و(عندما تكتفي بنفسك يصبح وجود الناس في حياتك لطيفا، وغيابهم لا يضر). تشي غيفارا. و(من أراد البقاء فابسط له قلبك، ومن أراد الرحيل، فابسط له الطريق). سيجموند فرويد.

ليس هناك أقدر على كشف ما في اللُب وِالوجْدَانّ من صُنَان و نَشْر مثل الزمن. فهو المعلم والأُسْتاذ، والشَيْخ، والمُؤَدِّب، والمُدَرِّس، والمُلَقِّن الذي لا يكل ولا يمل. وهو الذي أوحى لطنطاوي جوهري بالقول: (يعرف الصديق من العدو بسقطات اللسان ولحظات العيون). وكذلك لجورج برنارد شو: (كلما زاد نضج الانسان كلما قل عدد من حوله من الناس، فالعقل الناضج لا يحتمل المجاملات).

بعد كل ما سبق، اود الانتقال السريع الى شيمة الوفاء التي احملها تطبيقا، بذكر مجموعة من الأصدقاء، كي أنزع غلالات قد أحاطت بالأسطر والأفكار السابقة، لأزرع جذور ذاتي بمروج من سندس وإستبرق، علها تمتد لتثمر في صدور آخرين اعرفهم ولا أعرفهم.

فخري محمد سليم العطاونه

صديق صدوق، اخ لم تلده أمي، رائق المحيا، تتقاطر منه صفات الوفاء وتتلاصق لتتماسك فتضحي جلمود صخر لا تنال منه العواصف والرياح او السوافي، يملك من المشارب والشنشنات ما يفيض عن الحاجة، ودود، اكثر ما يميزه التواضع المشحون بالتواضع، قليل الكلام، كثير العمل، منغمس في التقوى والبحث عن مرافئ الاخرة، لم يؤثر احد في حياتي كما هو، وحين كنت انظر من خلال اهاب الزمن إليه لأتفحصه، كنت ازداد يقينا بان الدهر قد اعد عدته، واحكم أمره، في تنقيته من رذائل الغدر، وصغائر الحسد، وتوافه الغرور، وكنت كلما دققت النظر بأعماق قلبه من بين ثنايا الأحداث والارزاء الشديدة، كلما اكتشفت عملا وإحساسا معنى الرجولة ومعنى الوفاء، معنى الشموخ ومعنى الإخلاص، كان دوما يخرج من مسامات ذاته ، إلى مسامات ذاتي، كريح من مسك ممزوج بعنبر، وكأنه وجد أصلا وهو يعلم دوره بين أيام حياتي وثوانيها، بين ملابساتها وقوانينها، فلم يتأفف يوما أو يتعوذ، بل اندفع مع اندفاع الأيام والسنين، ليكون لما ألمً بي من فواجع وآلام ودوافع كانت تدفعني حينا نحو قنوط، وحينا نحو جحود، كالسد الذي وقف ليفصل اندفاع سورات الغدر والحسد والضغينة ضدي، كما يوقف السد انهيار الحياة إذا ما سمح لها بتجاوزه. 

ليس هو فقط، فمنه، ومن طيبته وحسن خلقه المهذب بالدين والصلاح والتقوى، أصبحت أحد افراد عائلته بما فيها من ذكور واناث، كنت أبا لهم وكانوا خير أبناء لي، وامتددت بينهم وصولا الى الأحفاد الذين تفاجأت بمعرفتهم وحبهم لي وتعلقهم بي قبل تمكنهم من رؤيتي أو محادثتي ولمسي.  جمعتني به مصادفة غريبة، وعايشنا لحظات عسر ويسر، كان لي في وقت العسر سندا وسدا قويا لا ثغرة فيه ولا ثقب، تقلبنا معا على أوجه حياة وحياة، افترقنا والتقينا، وما زلنا نفترق ونلتقي، دون ان يؤثر الفراق في مودة او وفاء.

منتصر نجيب ابو حِسنْ

يصغرني سنا، لكنه يكبرني ويكبر جل أصدقائي بما يملك من إيمان ويقين وتفان في الدعاء والعبادة، خلاب الوجه بما يسكنه من توابع الايمان التي تضيء الوجوه بنور الالتزام واليقين والسكينة والهدوء والاطمئنان، مترفع عن كل ما ينبو بخلق او يجرح إنسانية، قليل الكلام حتى تظن بانه لا يتحدث، وان تحدث، فبشكل مقتضب وكلمات معدودة، فيه حكمة تفوقنا جميعا، وفيه وداعة تكاد تلمسها الحجارة قبل ان يلمسها الانسان، يؤثر على نفسه وبه خصاصة، له لسان مُنقى ومُصفى، تجتمع فيه صفات وخلال تمنيت يوما انا وغيري لو كان فينا قليلا منها، ان قلت اني احبه فاني اظلم مشاعري نحوه، بل هو فوق مستوى الحب عندي، حتى يصل الى درجة الغيرة والغبطة بما يملك ولا املك ولا نملك جميعا.

سمير الحارون

عرفته بلحظة متأخرة من العمر، فيه تناقض وتضاد، غير متصالح مع الحياة او مع نفسه، له رؤى تختلف كثيرا عنا، اشفق عليه وارثي لحاله، ليس شفقة محتاج او رثاء مغادر، بل للظروف التي أحاطت به فأقعدت طموحاته واحلامه، وفي الى حد الوفاء، يخفي ذكاء متوهجا وقدرة رائعة على التشخيص، حذق ونبيه، يعبر بكلمات صغيرة هادئة وديعة عن فكرة بركان وزلزال، يحول الحزن الى فرح، والقنوط الى مزاح، بشوش الوجه والقلب، ذو نكهة لاذعة في عرض الندر والملاحة، حتى تظن وهو يتحدث ان الطرفة جزء من تكوينه وشخصيته، فان قيلت من غيره فلا قيمة لها على الاطلاق، روائي بالفطرة، متمكن من الرواية بطريقة تذهل المشاعر، وتستنطق الأحاسيس، فهو يمسك العقدة بغير تخطيط ليشعل الاحداث من طرفي الماضي والحاضر، وأنا كقاص وروائي، اراني الاحق المفردات والصور المتزاحمة بطريقة ترصع امام شاشة واسعة ترى فيها الاحداث تصويريا، ولو قدر له ان يقرأ الرواية بتخصص وشغف، لتوج كأفضل روائي في المحيط العربي. يعشق الحياة والجمال حتى الثمالة، لكنه لم يحقق الكثير منها ليصل الى ما دون الثمالة، هل احببته؟ بكل يقين نعم، فهو الصديق الوحيد الذي كان بينه وبين والدي علاقة، قبل ان تكون بيني وبينه علاقة، فانا لن أنسى ما حييت كيف كان يوصل والدي للبيت وهو يحمل عنه متاعه، ولن أنسي ما حييت كيف يوم عرفته والتقيته وتوطدت العلاقة بيننا، يكفي ما به من بشاشة وهشاشة حين تراه فتنس همومك وأحزانك.

محمد الصويص

لطالما نعته بالشيخ الازعر، توددا وتحببا، جميل الوجه ناصع المحيا، جريء وشجاع الى حد التضحية، مؤمن ملتزم مُحصن، لكن لم يكن طيبا الى حد الاستغفال، بل تتملكه نباهة وحذاقة، يكشف ما وراء الكلمات وما خلف الابتسامات، كيس فطن، لا تفوته شاردة او واردة، كثير الضحك والمزاح معنا، مفتوح ككتاب مع من احب ووثق، ناضل من اجل فلسطين، دفع من سنين عمره في السجون، ودفع جزء من ساقه في الأقصى، ابعد الى مرج الزهور مع من ابعد، بيننا وبينه علاقة وطدتها الأيام والحوارات والثقة المتراكمة، يعرف ما يريد من الدنيا، لكنه لم يملك الأدوات للوصول الى ما يريد، له شيطان يعتريه فيغضبه، غضبته تحول وجهه من الأبيض الى الأحمر، لكنها غضبة حق وذود عن كرامة، التقيته مرة في سجن النقب، زودني بالدخائن والقهوة، وزودني بالثقة.

جهاد إبراهيم صالح عطار

لا صلة له بفكر او كتاب او صفحة، تقاسيمه فيها من قسوة الجبال وقوة الصحراء، يميل الى بداوة متأصلة لكنها غير واضحة، لم يكن بينه وبين الدين صلة، وكان الناس يستغربون التصاقي به لحظة خروجي من صلاة او محاضرة دينية، كنت اعلم اكثر منهم الجوهر الكامن بأعماقه، فهو خليط من وفاء وأصالة وشهامة تتخفى وتتقلقل، تنتظر شرارة لتخرج بكل قوتها ووهجها وبريقها، وقد أثبتت الأيام صدق حدسي، فها هو جهاد، يرتاد المساجد، يؤدي عمرة مع اهل بيته، يقري الضيف، يصبر على فازعة ابنه اياد يوم تخطفه الموت وهو في اول ريعان العمر، وما زال جهاد، وسيبقى، بالنسبة لي صديقا اعتز بصداقته ما دام في نفس أتنفسه.

معتصم نجيب أبو حسن

يقع بين حيرة وحيرة، ناعم الملمس، نقي السريرة، وثاب الفكرة، تشعله جمله في رواية، وترهقه جملة في قصة، يحزن لبيت شعر، ويتأوه لمقولة، تربكه القراءة حتى تراه شخصا من شخوص الرواية، اعتاد ابداء اعجابه بما يقرأ بجملة مشدودة الاحرف، مضغوطة العاطفة، متوترة اللفظ، " الله وأكبر"، ذكي بتواضع الذكاء، مجتهد رغم تقاعسه عن الاجتهاد، فهو يقرأ البؤساء ليلة استعداده لاختبار في كلية الطب، اخذته الأيام كما اخذتنا، وطحنت ذكرياته في خضم لهاث موصول بلهاث في المشفى، لكنه معتصم بما في داخله من خير.

يوسف الحسن

من قرية صيدا، عرفته بظروف متناقضة موغلة بالترجرج، جريء، يعشق الحياة بطريقة تقطر شهوة، كريم الى حد الاغراء، وفي الى حد احراج الوفاء، فيه بساطة الفلاح وعفوية القرية، مجتهد في العمل، يطارد الفرح من مكان الى مكان، ويقصي الحزن ما استطاع الى ذلك سبيلا، يذكر من أحب وان شعر بانه منسي، ضحكته مفردات وجمل تشرح فرحته عند لقاء بعد غياب، لا يؤذي ولا يستطيع ان يؤذي، فيه عزة تتجه نحو كرامة تتجه بدورها نحو انفة. أدخلني أسرته كما أدخلني قلبه، فكل أولاده من ذكور وإناث، بالغين وغير بالغين، منحوني من الحب والاحترام العفوي النابع من فطرة مغذاة بزعتر الأرض وزيتها، ما يرتق الغدر الذي ألم بي من مقربين.

منتصر حبايب

كجهاد وسمير ويوسف الحسن، لا صلة له بكتاب، أسمر البشرة، فيه ملاحة وعذوبة، تقاسيمه تقود نحو الاطمئنان، حلو المعشر، يحسب الفاظه أكثر من مثقفين كثيرين، يحب بكل جوارحه، يظهر حبه باندفاع القول والعمل والعاطفة، شديد التعلق بالأناقة، خبير بها، غريب في القدرة على حفظ السر، فيه تواضع مركب من ذات تعجب بالبساطة والعفوية، ومن إحساس موطد بضرورة تقدير الصديق. عضته الدنيا من أطرافه، وزرعت في قلبه شوكة، وفي مشاعره وزعت التناقض والتضاد حتى كاد ان ينفجر، مكافح لا يلين ولا يستكين، له في قلبي منزلة خاصة، فهو بالنسبة لي، أنيق المظهر والجوهر، وأستطيع المغامرة والقول، بأنه لم يشذ معي بحرف أو كلمة، بقصد أو غير قصد تؤذي المشاعر، فمثل قمة الاحترام لمعنى الصديق والصداقة.

يوسف أبو طوق

يوسف سعيد أبو طوق، رجل عصامي، فيه ذكاء، في عينيه لمعان وبريق، مثابر ودؤوب، رائق الصفات والمزايا، وامتص رحيق السغب والتعب والنصب، حتى استطاع ان يخرج من بين كل الظروف بالرضى والقناعة، سانده بذلك وضع اجتماعي خاص لا يمكن تخطيه، وشخصية متزنة تعرف كيف تفصل بين المرارة والالم، والرضى والحبور.

 

أولئك أصدقائي، أما أعدائي، فان لهم صفة الشبح، الذي لا يعرف من صفات الناس والبشر شيئا، ولا يعرف من صفات الرجال إلا ما يعرف الجبان الرعديد من خلال جبنه ورعديديته، وهؤلاء بالنسبة لي، ليسوا سوى حالة من حالات المحاولة للالتصاق برجولتي وأنفتي وعزتي، ليحاولوا إثبات أنفسهم لأنفسهم وزوجاتهم وأولادهم وأوهامهم، بأنهم يملكون من القيمة والقدر ما يكفي غرورهم واعتدادهم بما يملكون من قدرة على التنقل في خفاء الجبن والخوف والاستسلام لنزوات تأبى الحمير على عزتها أن تمارسها.        

سألني أحد الناس يوما، كيف انظر للأعداء؟ قلت: أي من الأعداء تقصد؟ فهم أنواع، يتوزعون بين ما يمكنهم وما يستطيعون، وبين ما لا يمكنهم ولا يستطيعون، وأما الفئة الأولى، فاني وان كنت اعلم بمدى العداء الرابض في نفوسهم نحوي، فإنني على اقل تقدير اعلم بأنهم يعلنون العداء مواجهة، ولا يلجئون إلى عتمة الغدر والنذالة والصغر، وان بهم من صفات القدرة على إعلان دسائسهم وخططهم بكل شجاعة الموقف وقوة اللحظة ما ينأى بهم عن امتلاك صفة الجبن الملفعة بالخفاء، أو صفة  الرذالة الممزوجة بقيح وصديد تربيتهم وتكوينهم الكامن بأعماق ورثوها من مجموعة تناقضات وترهات منحتهم القدرة على الغدر والخيانة والسقوط بأعماق وهم قدرتهم على التأثير بحقيقة إرادة الآخرين أمام صغر وتضاؤل تصوراتهم.

قال: أراك على غير عادتك، تهتم باللفظ المغرق بوصف الانحطاط، وعمق الوضاعة، وكأنك تشكو من أمر جسيم، أحدثه بك مقرب أو صديق.

قلت: وكأني بك لا تعلم أن حدود صداقتي وقفت هناك، في فلسطين، والأردن، وأنني حين حملت نفسي من الوطن إلى الغربة، كنت احمل داخل تكويني ما ورثت عن أبي، من صفاء نفس ونقاء سريرة، وما احتدم بسنين عمري من مرافقات متوالية لأصدقاء كانت نفوسهم صافية نقية، فلم يصل إلى مداركي بأنني حين أشفق على جاهل، أو أواسي مغرور خال الوفاض من أي قدرة أو اقتدار، أو ارأف بمعتوه القي بروعه انه ذا قيمة أو ذا وجود، بأنني سوف التقي مع العدو الذي اغتصب ارضي من خلال أبناء شعبي، فانا اعرف يقينا بان الأمور التي تخفيها النفس قد تكون سوداء مظلمة، نتنة خبيثة، أو متيقحة بصديد تعافه الأنوف وتهرب منه الروائح الكريهة، ولكني لم أكن أتوقع يوما أن يخرج من هو مدع ليقف على أعتاب العدو، يأخذ منه غدرا لم نكن نعرفه قبل احتلال أرضنا، ويقطف رذيلة تتساوق فقط مع مكونات ونفسية المستعمر، ليتفوق على غدر الاستعمار ورذيلته، فيمزج هذا مع ذاك، ليعطي صورته التي نشأ عليها في محيط يدفع به إلى أقصى درجات الانحلال والرذيلة والخبث والبغضاء، وليتحلل من كل ما يمت للوطن والدين والأعراف والتقاليد والأخلاق، تحلل المستبيح لدينه وعرضه وشرفه.

وكما تعلمت بأن الصديق رهن الحاضر والقادم، وليس رهن الماضي، لأن النفوس تتقلب وتتلون وتتلوب، فإن الاصطدام بالجهل والغباء، والغرور والصلف والاعجاب بالنفس، هو من فروض الحياة التي لا تمكنك الا تتصل بالناس في ظروف ودواع مختلفة، ومن هذا الاصطدام والاتصال، بين الغبي، والمثقف، ومن يدعي الثقافة، سيبقى الغربال يسقط الحسك والزؤان، ويبقي على ما يؤجج الروح ويرفعها الى مستوى الوفاء والإخلاص والادب.

 

مأمون أحمد مصطفى

26-12-2018

 

     

 

عبد الاله الياسري(1927م ــ 2016م) في الذكرَى السنويّة الثالثة لرحيله.

علّمني عشرات من المعلِّمين، في مراحل دراستي الإبتدائيّة والثانويّة والجامعيّة، ثمّ مرّوا زبَداً، ومضوا جُفاءً مع السنين، ولم يمكُث منهم في قلبي كالوشم إلا واحد من كلّ مرحلة من مراحلي الدراسيّة الثلاث. ولقد كان معلِّمي الشيخ محمّد جعفر الكرباسيّ ــ رحمه الله ــ ثالث ثلاثة؛ بل كان هو معلّمي الأَوّل الذي وضع حجر الأساس في بنائي العلميّ والأدبيّ يوم علّمني وأدّبني، فأحسن تعليمي وتأديبي وأنا تلميذ غضٌّ من بين عشرين تلميذاً ونَيِّف، في الصفّ الخامس من مدرسة الصادق الإبتدائيّة، بمدينة النجف في العراق، عام واحد وستّين وتسعمائة وألف للميلاد. . كانت للمعلّمين في إدارة المدرسة عُصيّ يومذاك. يَتقلّد كلّ معلّم منهم عصاه حين يرنّ جرس الدرس، كما يتقلّد الفارس سيفه ساعة الوغَى، ليُعلّموا بها من كسل مُقصِّراً، ويُؤدِّبوا بها من شكِس مخالفاً. وما كان المعلّمون ليدخلوا الصفوف من دون تلك الآلة المُرهبة ما خلا معلّمي الشيخ الكرباسيّ. كان يدخل الصفّ أعزل من بين أولئك المعلّمين الكُماة. لايحمل في يده غير طباشير للكتابة علَى اللوحة؛لكنّ طباشيره كان أهيب من العصيّ كلّها جمعاء، بل كان أهيب حتّى من عصا المدير نفسه. وماأدراك ماعصا المدير! خيزرانةٌ أَبرحُ من كلّ العصيّ. وويلٌ ثمّ ويل لمَن تَهوي علَى راحته. . كان معلّمي الشيخ مُعلِّماً تربويّاً، ولا كنظرائه المعلّمين التربويّين في رقيّه الإنسانيّ، وفي طريقته السلميّة الحضاريّة التي كان يسوس بها تلاميذَ غِضاضاً؛ماينبغي لمُعلِّمهم ومُربِّيهم أنْ يُنشئهم على القمع والعبوديّة والهوان، وفي أَيديهم مستقبل العراق كلّه. وكان دينيّاً مُعمَّماً، ولاكرفاقه الدينيّين المُعمَّمين في عمق وعيه، وبعد رؤيته؛إذ كان يَنسلّ وهو فتىً ــ كما رَوَى لي السيّد الوالد ــ من بين ظلام جمودهم وأحابيل جهلهم، إلى المدرسة الثانويّة المسائيّة المحظورة علَى أمثاله من الفتيان المعمّمين، كي يَتعلَّم فيها مالايمكن أنْ يتعلّمه في المدارس الدينيّة حتى تخرَّج مُعلِّماً مختصَّاً بتعليم اللغة الإنجليزيّة. نَشأ مختلفاً عن أَقرانه من معمَّمين وغير معمَّمين إختلافاً نوعيّاً؛لكنّه فرض على الفريقين كليهما احترام اختلافه بمودّة وسلام. مَنْ يَشأْ أنْ يقف على بعض مواطن اختلافه عن الفريق الأوَّل من حيث الفهم الدينيّ الصحيح، يَقرأْ مقدّمة سِفره الخالد (إعراب القرآن) التي لم تُفرِّق بين أَحد من بُناة الإسلام الأَوالي. ومَنْ يَشأْ أنْ يقف على بعض مواطن اختلافه عن الفريق الثاني من حيث العمق المعرفيّ، يَتَحَرَّ رَدَّه على العلّامة الدكتور مصطفى جواد سقطاتِه اللغويّة. . قضَى معلّمي الشيخ عمره كلّه في القراءة والتأليف. لاسمير له إلا الكتاب واليراع. ثمّ فنيَ بدنُه ومات في20 ــ01 ــ 2016م، وكلّ بدن محكوم بالفناء والموت؛لكنّ طيب ذكره لم يفنَ ولم يمت. ولئن كان طباشيره أقوَى من العصا بالأمس؛فإنّ بقاءه أقوَى من الفناء اليوم. ولئن فرض احترام شخصه على الناس في حياته؛فلقد فرض خلود اسمه على الزمان بعد موته. إنّ مثواه في القلوب التي أستنارت بعلمه، وكَلِفَت بسيرته. ولسوف يبقى معلماً تنويريّاً يُستدل به على النور في طريق الظلام، حيّاً خالداً في ذاكرة التاريخ. تستعيد الأجيال طيب ذكره جيلاً فجيلاً. . فطوبَى له مُعلِّماً وِتْراً، وطوبَى لمن تَعلَّم منه مالاينساه.

من مؤلّفاته:

ــ إعراب القرآن 8 مجلدات

ــ نظرات في أخطاء المنشئين

ــ المنتخب من كلام العرب

ــ الرسالة التامّة في فروق العامّة

ــ الأنباء بما في كلمات القرآن من أضواء

ــ ملحة الإعراب في نخبة من سور الكتاب

 

عبدالإله الياسريّ

 

598 جوردانو بردو في سنة 1540م أدرك عالم الفلك والرياضيات البولوني نيكولاس كوبرنيكوس(1) إن الحركات المعقدة الظاهرية للكواكب يمكن تعليلها بان الشمس ثابتة في حين أن الأرض والكواكب الأخرى تدور في مدارات حول هذا النجم الباهر، وقد أصدر عام 1543م كتاباً بعنوان "دورات الأجرام السماوية"، وقد كانت الكنيسة تتبنى آراء أرسطو(2) عن الكون، وهي النظرية التي تقول بأن الأرض هي مركز الكون، وأن الشمس تدور حولها كما هو ظاهر للعين ، وقد خلعت الكنيسة على هذا الاعتقاد طابع القداسة، حيث سيتعرض كل من يشكك فيه الى الملاحقة القضائية.

أعتنق جوردانو برونو(3) نظرية كوبرنيكوس عن دوران الأرض على الرغم من انها كانت محرمة من قبل رجال الدين في ذلك الوقت وذهب إلى أبعد من ذلك بوضعه فرضية أن النظام الشمسي هو واحد من مجموعة نظم تغطى الكون في صورة نجوم واجرام سماوية ، وافترض لانهائية الكون .وقام بإلقاء محاضرة عن نظرية كوبرنيكوس في جامعة اكسفورد، حيث حاول أن يرفع من شأنها ويتهم معارضيها بالجهل :"إن معارضي كوبرنيكوس حمقى أغبياء. لأن الأرض تتحرك بالفعل". وسرعان ما أصدرت الكنيسة بياناً شديد اللهجة تحذر فيه الذين يصرون على وضع ما قاله كوبرنيكوس فوق سلطة الروح المقدس، وإن برونو يريد تدمير العالم الأرسطي تماماً وإفساح المجال لعلم جديد يتجاوز ما قاله كوبرنيكوس، فقد دأب كتاب كوبرنيكوس "دورات الاجرام السماوية" على تأكيد إن الكون متناه، في حين يريد برونو أن يثبت إن الكون لامتناه، في العام 1592م تبدأ محاكمة برونو بتهمة الهرطقة في مدينة البندقية، بعدها يتم تسليمه الى روما وعلى مدى السبع سنوات التالية يتم نقله من سجن الى آخر، حتى تصدر إدانة البابا له وفي الثامن شباط عام 1600م ، وبعدها بتسعة أيام أحرقوه على الخازوق، بعد أن وضعوا على فمه لجاماً حتى لا تسمع صرخاته.

 

صباح شاكر العكام

....................

الهوامش :

1- نيكولاس كوبرنيكوس (1473م ـ 1543م) هو راهب وعالم رياضي وفيلسوف وفلكي وقانوني وطبيب وإداري ودبلوماسي كان أحد أعظم علماء عصره. يعتبر أول من صاغ نظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها.

2- ارسطو طاليس(384ق.م – 322ق.م) فيلسوف اغريقي ، تلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر، وواحد من عظماء المفكرين الذي تغطي كتاباته مجالات عدة .

3-  جيوردانو برنو (1548م – 1600م) فيلسوف إيطالي كان راهباً في البداية ولكنه انتقل من الدراسات اللاهوتية إلى الفلسفة فيما بعد، حكم علية بالهرطقة من قبل الكنيسة الكاثوليكية.

 

عبد الجبار عيسىكما هي العادة، نؤبن من ارتحل بفيض من العاطفة التي كم كان المرتحل بحاجة لها في حياته. كم أشعر بالأسى كوني أمارس هنا لصقَ تلك الماركة العراقية المسجلة على جدار القراءة.

إنه رحيل السوسيولوجي العراقي البروفسور الدكتور متعب مناف جاسم السامرائي البصري المولد ، البغدادي العيش والهوى، والذي رحل كغيره بصمت تاركاً وراءه لوعةً فراق عند من عرفه بصدق، ولوعة أخرى تتعلق بتعثر التواصل معه ً بعد 2003 بسبب الفوضى الاجتماعية والسياسية والأمنية التي تلت ذلك التاريخ.

في الواقع لم أعلم برحيل الدكتور متعب إلا من خلال مقالة الأخ د.علي المرهج أستاذ الفلسفة في جامعة بغداد في صحيفة المثقف إلى مُتعب مُناف جاسم بعد فقدك*، وقد كانت لي وللزميل المرهج رفقة رائعة في مرحلة التسعينيات من القرن الماضي مع الراحل متعب مناف حين كان يجمعنا في حلقة مع زملاء آخرين اختارهم بعناية ليشكل بهم نواة نخبوية يمكن ان تفكر في إيجاد موقف عقلاني إزاء التحديات المعاصرة من جهة ، ومن جهة أخرى تبحث عن إجابات لأسئلة العصر وعن الموقف من التراث والعولمة التي كانت تضرب بأطنابها في عمق المسلمات والحكايات الكلاسيكية التي يحفل بها تفكير تلك الحقبة من الزمن. كانت اجتماعاتنا أشبه بالاجتماعات السرية في أروقة كلية التربية ابن رشد في باب المعظم. كنا بحدود ثمانية أفراد من مختلف الاختصاصات نحضر في يوم الأربعاء من كل أسبوع، ولعلي كنت الوحيد الذي احضر من خارج بغداد،  فقد كنت أحاضر في جامعة ديالى التي كانت في بداية تأسيسها تتبع إلى الجامعة المستنصرية، وكان الدكتور مناف يقدر لي ذلك. ذات يوم أردنا أن نعطي اسماً لهذا الحلقة العلمية، فسألنا واحدا بعد الآخر عن رأينا. أتذكر إنني أجبته ببيت للشاعر الفلسطيني سميح القاسم (سنعطي الشوارع أسماء من لم يسيروا عليها طويلا) فهز رأسه مؤيدا وفهم ما رميت له. ولهذا ، وبسبب عدم تبلور الأفكار أيضا، كان دكتور متعب رحمه الله  يرى إن هذه الحلقة هي ابتداءاً منصة لأفكار اجتماعية وفكرية تنويرية ومن ثم ننتقل بعدها إلى تأسيس مركز أقترح هو بأن يُطلق عليه (مركز دراسات العولمة) حيث كان الراحل قد جعل من قضية العولمة والموقف منها سببا لإلقاء الضوء على الواقع  وسببا لمراجعة نقدية لتراثنا وضرورة تحديد موقفنا منه، فالعالم قد تطور تطورا هائلا وابتعد عنا مسافة كبيرة فيما بقيت مجتمعاتنا العربية بالدرجة الأولى ، والإسلامية بدرجة تالية، تعيش وفق منطق تاريخي مأزوم.

593 متعب مناف جاسم

 في حينها لم يكن من السهل قيام هكذا تجمعات ولا تأسيس مراكز في ظل سلطوية النظام الشمولي وآلته الأمنية المهيمنة على مفاصل التعليم العالي، لكن كانت الجامعة في تلك المدة تضم بين ظهرانيها أفكاراً خصبة تتضمنها عقول البعض من الأساتذة وطلبة الدراسات العليا، ونَهَمٌ للتعلم والانفتاح على التجارب المعرفية الحرة في العالم والبحث في تفكيك التراث والابتعاد عن الجدليات الثنائية الملازمة للتفكير العربي المعاصر.

كان الراحل من خلال أعماله (10 كتب و60 بحثا ) ومحاضراته غزير الفكر، تنويرياً بامتياز.لم يكن مؤدلَجا ولم يُقِم على اختصاصه فقط بل كان يتنقل بين حقول السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والأدب والسياسة والفلسفة. كان من نوع الأساتذة الملهمين الكبار.هو ذلك الطراز من الأكاديميين الخارجين على السكولائية التي تجعل الطالب متلقياً فقط لأساسيات العلم مع عدم اهتمام كبير بالمعرفة. كان له في الواقع فضل كبير على تكويني المعرفي في مرحلة مهمة من عمري.

 لم أكن حينها ، في بداية التسعينيات، قد تعرفت عليه بعد ، كنتُ في مرحلة كتابة رسالتي للماجستير في العلوم السياسية وأقضي معظم وقتي في المكتبة المركزية في جامعة بغداد في الوزيرية، وفي الوقت ذاته كنت أعمل مترجما للنصوص الانكليزية بمقابل مادي، جاءتني طالبة دراسات عليا ( الآن هي الزميلة الدكتورة ثناء محمد صالح في قسم الاجتماع) وأعطتني نصاً يمثل صفحة واحدة من كتاب لإميل دوركهايم قمت بترجمتها وسلمتها لها في اليوم ذاته، وفي اليوم التالي جاءتني بمجموعة كتب قائلة إن مشرفها هو الدكتور متعب مناف (وهو لديه ماجستير ودكتوراه من جامعة سيراكوز نيويورك في الولايات المتحدة ) كان قد أشار عليها بالأمس أن تعطي هذا النص لعدد من المترجمين ثم تجمع له الترجمات ليرى من هو الأفضل وقد أشار عليها بأن ترجمتي هي الأفضل، وهكذا بدأْتُ بالترجمة في مجال الفلسفة والسوسيولوجيا علم الاجتماع وهو ما حفزني كي أقرأ مزيدا من المؤلفات حول هذين الحقليين الأهم في العلوم الإنسانية. كان ذلك أيضا أحد الدوافع المهمة لكي أتخصص في علم الاجتماع السياسي فيما بعد ضمن دراستي في العلوم السياسية. كان ذلك بداية رحلة من الإلهام المعرفي ابتدأت مع الدكتور متعب مناف الذي شكل عندي قيمة مضافة إلى ملهم آخر في حياتي الأكاديمية في العلوم السياسية هو الراحل الدكتور صادق الأسود أستاذ الاجتماع السياسي في جامعة بغداد والذي طالما استفز عقلي وساهم في تكويني المعرفي أيضا في ثمانينيات القرن الماضي.

لم أكن قد تعرفت بعد على الدكتور متعب شخصيا حين جاءتني دعوة منه لحضور ملتقى أو حلقة هو يديرها تتكون من أكاديميين وباحثين محدود عددهم للتباحث في شأن الموقف من العولمة، هكذا كان عنوان الدعوة. قبل أن أراه، كنت قد كونتُ عنه صورة نمطية، كهل أصلع قليل الكلام فيه تَرفُّعٌ أكاديمي، لكنه كان عكس ذلك تماما، كثافة شعره كغزارة علمه، متواضع إلى حد بعيد. أتذكر خلال اجتماعنا الأول إنه بادرني بسؤال يبدو غريباً: عبدالجبار ما هو رأيك في شعر المتنبي؟ وقد وقع سؤاله علي مسمعي وقعا جميلا وكأنه دعوة للعزف على آلة موسيقية أجيد العزف عليها، فقد كنت أعشق المتنبي وشعره فاسترسلت شرحاً وإلقاءاً لمقاطع من شعره وهو يصغي إلي بشغف (فيما بعد عرفت بأنه ناقد أدبي فذ)، ثم قال: حسنا، هل تعتقد بما يقوله البعض بأن العرب ظاهرة صوتية ؟ فقلت له: وماذا تقول أنت؟ قال: نحن هنا لنناقش ذلك. هكذا بدأت نقاشاتنا التي يأخذنا فيها متعب متنقلًا بين ابن رشد و دوركهايم وابن خلدون وهيغل والمقريزي وماكس فيبر وصولا إلى علي الوردي وفوكاياما وغيرهم كثير، وفي كل مرة يطرح علينا سؤالاً تنويريا مثل: إن تراثنا محمل بأعباء ثقيلة تشبه شخص محمل بالطين، ما هو موقفنا منه؟ هل نقتطع التراث من تفكيرنا، أم نقطع فترة منه، أم ماذا؟ ولنتذكر إن ذلك النقاش كان في تسعينيات القرن الماضي.  كان يحول الملتقى أحيانا إلى نادي للقراءة بأن يعطينا نصوصا معينة نناقشها في الجلسة القادمة. كانت النقاشات التي يديرها حاميةً أحياناً وفيها مشاكسات علمية ممتعة، كان أكثرنا مشاكسة وجرأة الراحل خضير ميري الذي كان مهووسا بمشيل فوكو،  في حين كان علي عبدالهادي المرهج أقل مشاكسة من الآن، بينما كنت ، في البدأ، أنا وبعض الزملاء (اعترف بذلك) لا نستسيغ كثيرا قضية نقد التراث الذي يشتمل على أنساق مقدسة طالما تشربت بها عقولنا. أتذكر ذات مرة وزع علينا الراحل متعب نصاً للمقريزي حول قضية شحة مياه نهر النيل في مصر، وكان للمقريزي رأي يخالف فيه تفسير العامة ورجال الدين الذين كانوا يرون إن ذلك سببه خطايا العباد، إلا أن المقريزي يقول بأنه سبب طبيعي يحدث بين مدة ومدة نتيجة لعوامل طبيعية ليس لها علاقة بالتفسيرات الغيبية.

للأسف الشديد لم تستمر لقاءاتنا حلقتنا تلك (المنصة) لعدة أسباب لعل أهمها إننا كنا نجتمع خارج كلية الآداب في كلية التربية ابن رشد بدعم من عميدها آنذاك نزار الحديثي لكننا وجدنا أنفسنا غالبا ، وبوتيرة متصاعدة ننتقد النظام السياسي على طاولة الاجتماع ، وهذا هو ديدن الفكر الحر، فالفكر المتنور لا ينمو إلا في بيئة حرة، فأصبح هناك توجس من أن يشيع الأمر، وهذا ما حدا بالراحل الدكتور متعب أن يفكر بتعليق الاجتماعات مؤقتا ريثما نجد مكانا آخر. لم نجد مكانا مناسبا، في حين سافر الكثيرون منا خارج العراق بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية. هكذا، لم يتحقق حلم تأسيس مركز دراسات العولمة، بل لم يتحقق مشروعي الذي فاتحتُ به الراحل وأعجب به كثيرا وهو تأسيس (مدرسة بغداد للدراسات الاجتماعية).

ورغم إن الراحل كان من المفترض ان يكون قطبا معرفيا رسميا في عراق ما بعد 2003، إلا أنه لقي الكثير من الإهمال من جانب الجامعة، بل وصل الأمر إلى فصله من الخدمة في نهاية عمره الأكاديمي ، حسب ما نقل لي، لكنه كان مُصراً على نشر عمله المعرفي التنويري متنقلا بين المراكز البحثية والعلمية كان آخرها بيت الحكمة في قسم الدراسات الاجتماعية. لقد صب معظم دراساته في السنوات الأخيرة حول الاجتماع العراقي وظل مخلصا ، كما هو دوما، إلى فكرة تفكيك البنى السوسيو والأنثروبولوجية العراقية، وكان غرضه من كل ذلك خلق جماعة اجتماعية كبرى تحمل هوية عراقية متماسكة رغم الوجود المكوناتي المعترف به.

من حسن الحظ أني التقيت به ثلاث مرات بعد عام 2003 الأولى في ندوة له في قسم الاجتماع بكلية الآداب في جامعة بغداد. والثانية عام 2011 قدمت معه وبمشاركة الدكتور كاظم المقدادي ندوة عن الربيع العربي في جامعة بغداد في الجادرية كانت مادة لكتاب صدر فيما بعد، وأخيرا في عام 2013 وكان من أغزرها وأجملها، فقد كان اللقاء في مطعم في شارع 62 في منطقة الكرادة على هامش دعوة غداء بعد مناقشة دكتوراه لأحد الزملاء في قسم الاجتماع حين نسينا الطعام وانهمكنا بالنقاش. كنت حينها كمن يدرس لأول مرة على يد أستاذ ماهر في المرحلة الأولى من الدراسة. ولا أريد هنا أن أذكر ما قاله بحقي أيضا أمام الزملاء لكني أقول إن الرجل كان يغمرني بحبه وأبوته، بل انه أعطاني شحنة معنوية لأن أعدل عن قراري بمغادرة العراق حينها.

لم انقطع عنه ولم ينقطع عني، ولكن للأسف كان التواصل فقط عبر الهاتف النقال. وكان في كل مرة يتفقدني بها أشعر بأنه يرسم لوحة خضراء مليئة بالأمل.

بعد ما يقرب من20 سنة من سؤالك لي: ما هو رأيك بشعر المتنبي؟  أقول لك دكتور متعب: لا أملك في تأبينك هنا سوى هذا البيت للمتنبي نفسه: ( عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌ .. بين طعن القنا وخفق البنودِ / لا كما قد حييت غير حميدٍ وإذا مُتَ مُتَ غير فقيدِ ).. كلانا كان يكره طعن القنا وخفق البنود، لكنك رأيت بعينك كيف كان طعن الحريات الأكاديمية فاضطررت أن تطاعن معرفياً، وكيف كان خفق البنود المنافق حيث خفقت أعلام وسقطت أخرى لكنك بقيت على بَندِك الإنساني الوطني. عشت حميدا ومتَ فقيداً، فزرعك لم يمت ولن يذبل، ومنصة التفكير التي ابتدءناها معك ستبقى.

 

أ.د. عبدالجبار عيسى عبدالعال السعيدي

أستاذ الاجتماع السياسي في الجامعة المستنصرية

.....................

* للاطلاع

 

إلى مُتعب مُناف جاسم بعد فقدك / ا. د. علي المرهج

 

 

 

اسماء محمد مصطفىتحلق نوارس روحك على ضفاف الذكريات التي تحملك رغماً عنك الى سنوات مضت من حياتك، ومنها طفولتك ومراهقتك بين حين وآخر، بتحريض من أغانٍ كنت تستمعين اليها في ذلك الوقت الذي ربما تتمنى طفلة او مراهقة نقية لم تغادر أعماقك بعد، لو تسمرت في صفائه حفاظا على القلب من جروح زمن لاحق .. لم يكن ثمة هواتف نقالة تصورين بها الأمكنة والناس والأشياء حفاظا عليها في حافظة صور ملموسة، بدلا عن الاكتفاء بحافظة ذاكرتك القابلة للعطب .

الأمكنة علامات في الذاكرة

تحوم النوارس حول صور تتلألأ على تلك الضفاف لأمكنة وعلامات بغدادية عريقة مررتِ بها في عقدي سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت بحكم قرب مدارسك بمراحلها الابتدائية والمتوسطة والإعدادية منها، حيث أصبحت لديك صديقات من مختلف القوميات والأديان ممن يسكن في تلك المناطق، والجميع عبارة عن نسيج متجانس جميل وملتزم بالقيم الاخلاقية في الغالب إلاّ قلة لم تتمكن من تشويه المجتمع في حينه، ومن تلك الأمكنة شارع الجمهورية والدهانة والشورجة وساحات الرصافي وزبيدة والوثبة وحافظ القاضي وسينما الفردوس ـ هذه السينما كانت تقع في شارع الكفاح قبل أن تختفي، وقد جرى تصوير مشاهد من تمثيلية (سينما) فيها وكانت من بطولة محمد القيسي وأمل طه وظهر فيها الممثل الكوميدي عزيز كريم وهو يردد (نارك قلبي نارك) .. اشتهرت هذه الجملة في الشارع حيث أخذ الناس يرددونها على سبيل النكتة، وأما الساحة التي احتضنت سينما الفردوس هناك فقد تعرضت لنكبة متمثلة بانفجار سيارة مفخخة حصد أرواح الكثيرين في سنة 2007 ـ وكذلك سرتِ منذ طفولتك في درابين المربعة التي كان يسكنها المسلمون والمسيحيون، وشارع الرشيد وأورزدي باك المزدحم وستوديو موسيس الذي تتذكرين أنه كان يضع صور بعض الفنانات على واجهته، ويتراءى لك خيال وكالة شركة الصناعات الدقيقة القريبة من الاستوديو، وتتذكرين الكنيسة التي تقع في الشارع الذي يحتضن إعدادية النضال للبنين، وشارع النهر الذي كان مقصد النساء والبنات لشراء لوازم أناقتهن حين كانت الملابس أجمل وأكثر أنوثة على الرغم من بساطتها (وصدى صوت الراحل صلاح عبد الغفور يتردد .. حلوة يالبغدادية يام خدود الوردية .. نظراتك من كَلبي تزيد دكَاته شويه شويه)، ولاشك في أن سوق المستنصر هناك كان الأشهر في بيع الأحذية النسائية .

الرشيد ومكتبات وذكريات الكتب والمجلات

وتأخذك النوارس الى شارع الرشيد حيث مكتبات بيع الكتب والمجلات، تشترين منها القصص الموجهة لفئتك العمرية، وتسحرك الرسوم التي تتخللها وترسمين مايشبهها على أوراقك وبين قصصك التي كنت تكتبينها، وتتابعين سلسلة قصص بساط الريح المصورة وسوبرمان وميكي وسمير ومن ثم المجلات العراقية القديمة كـ (المتفرج)، ومن ثم (ألف باء وفنون) والمجلات العربية الثقافية (العربي والدوحة) والنسائية والمنوعة كحواء وكواكب والشبكة واليقظة، وجميعها كان محفوظا في مكتبة أهلك المنزلية ما أتاح لك فرصة الإطلاع عليها في مرحلة الطفولة، كما كنت تقتنين بطاقات الإهداء في المناسبات مطبوعة عليها وجوه فتيات صغيرات مرسومات بأسلوب الرسامة مارغريت كين وهو أسلوب العيون الكبيرة ، وقد أنتج فيلم عن سيرتها في العام 2014 وجسدت الممثلة إيمي آدمز دور مارغريت التي اشتهرت في خمسينيات القرن العشرين .

كانت واجهات المحال التجارية تتجمل بصور الفنانين المصريين كميرفت أمين وحسين فهمي، والمطربة الإيرانية كوكوش التي كنت ترين صورها معلقة على الجدران في الشوارع العامة القريبة من ساحة حافظ القاضي وهي تظهر بقصة شعر ولادية وقميص أبيض وبنطلون كاوبوي، وكذلك تزينت واجهات المحال لاسيما محال الحلاقة بصور الممثل الإيطالي فرانكو غاسباريو، وهو ممثل سينمائي وأحد أبطال قصص مجلة سمر المصورة المترجمة ومعبود المعجبات والذي توفي في العام 1999 بعمر 50 عاما بعد معاناة مع الشلل الذي أصيب به في تعرضه لحادث بدراجته النارية ، وكانت أعداد مجلة سمر اللبنانية تدور بين بعض البنات يقرأنها بشغف، ويتبادلنها، ويتناقشن حول قصصها الغرامية ، وهو امر طبيعي أن تهتم المراهقات بالحب وقصصه، ولكن عبر تلك القصص او الأفلام العربية الرومانسية، وإما في الواقع فكانت غالبية البنات ينتمين الى عائلات محافظة ولم يتورطن بعلاقات حب، إلاّ القليلات منهن كن يتجرأن ويرتبطن .. كصديقة لك سألتك يوما: (هل أنا حلوة)؟ أدركتِ حينذاك أنها وقعت في الحب .

البنات والأغاني والتلفزيون

وفي الطريق الى المدرسة اعتاد بعض الشباب أن يعاكسوا الطالبات، ثمة واحدة من صديقاتك كانت تضع نظارة طبية تجعلها شبيهة بالمطربة ذائعة الصيت في ذلك الوقت عزيزة جلال، وكان يعاكسها في الطريق مراهق يناديها باسم المطربة، فقررت أن تخلع النظارة حتى تتخلص من معاكسته اليومية لها، لكنه حين رآها بلانظارة قال (اليوم عزيزة جلال بلانظارة) .. ويتردد صوتها من احدى الضفاف البعيدة: (إلاّ أول ما تقابلنا أنا وأنت / عمري ما انسى كنا فين وازاي وامتى / عيني من ساعة ما شُفت عينيك / ما نزلت من عليك / ايدي من يومها وهي لسه بتسلم عليك / أنسى يومي وذكرياتي / واللي جاي لسه في حياتي / أنسى كلو إلاّ أول ما تقابلنا أنا وأنت) !!

كنت ترين عزيزة في التلفاز، وتحبين أغنيتها تلك، كما تحبين في طفولتك أغنية للخليجية ليلى عبد العزيز (وش علامك بالاسمرانيه ... لا اله إلا الله تسمح النيه ولو .. يا من عطيته من الصغر قلبي ... قلبي صويب اليوم ارحم شوية ولو)، ثمة قناتان تلفزيونيتان فقط: قناة تسعة وقناة سبعة، لا(ستلايتات) ولاقنوات فضائية، تتابعين برنامج سينما الأطفال لنسرين جورج كل يوم خميس، تشاهدين أفلام الكارتون الروسية المدبلجة كزبابا بوتاتشنا وعقلة الإصبع والمهر الأحدب وفتاة الثلج التي تذوب في النار وتصعد لتكون غيمة وشتوشا كوتوشا وكذلك حوريك ياأرنب وتوم وجيري وسندريلا والأميرة النائمة ومن ثم أفلام الكارتون اليابانية المدبلجة كمغامرات الفضاء (كريندايزر) الى درجة عشق دايسكي، وقبله ن سندباد، وساسوكي الذي كان يتابعه الكبار والصغار ، والليدي اوسكار وحبيبها اندريه، وساندي بيل، كنتِ تتعلقين بأبطال أفلام الكارتون، بينما صديقاتك أحببن لاعبي المنتخب الوطني (تشكيلة الثمانينيات) عن بُعد، وكل واحدة منهن تدعي أن حبيبها أفضل من اللاعبين الآخرين .

تطل على شرفات ذاكرتك (فتاة في العشرين) لشذى سالم وعبد المطلب السنيد، ومسلسلات رومانسية بطلاها الفنانان سناء عبد الرحمن وحسن حسني .. تستحضرين مشهداً يجمعهما في (التلفريك) الذي اختفى لاحقاً من متنزه الزوراء، كما لم يغب عن بالك (قبل رحيل المواسم) لآمال ياسين وعبد الوهاب الدايني، وتستذكرين شخصيات من (الذئب وعيون المدينة) و(النسر وعيون المدينة) كقادر بيك (خليل شوقي) واسماعيل جلبي (بدري حسون فريد) وحسنية خاتون (مي جمال) ورحومي (طعمة التميمي) وأبي عطية (سامي عبد الحميد) ونظيرة خاتون (فوزية عارف) وأفراح (هند كامل) وعبد الله أفندي (جعفر السعدي) وغفوري أفندي (سليم البصري) وحمادي العربنجي (راسم الجميلي) وإبراهيم (محسن العلي) ورؤوف (مقداد عبد الرضا) وكَمرة (سناء عبد الرحمن) ورجب (قاسم الملاك) وأم عطية (فاطمة الربيعي) وآخرين . ومن المسرحيات التي بقيت ماثلة في ذهنك: المحطة: بطولة طالب الفراتي وعبد الجبار كاظم وليلى محمد وعماد بدن وعدنان الحداد، والخيط والعصفور: بطولة خليل الرفاعي وامل طه ومحمد حسين عبد الرحيم .

ألن ديلون وصوفيا لورين وآخرون

استهوتك أفلام الثنائي خفيف الدم بود سبنسر وترانس هيل، وأفلام جوليانو جيما، وألن ديلون الذي تسبب بأزمة في شارع المعجبين حين انتهى أحد أفلامه نهاية مأساوية تمثلت بإعدام البطل .. كيف يُعدم ألن ديلون ؟! كيف سولت للمخرج نفسه أن يؤذينا بهذا النهاية البشعة ؟ وبقي في ذاكرتك فيلم (زهرة عباد الشمس) لصوفيا لورين وماستريو ماسترياني حيث تفرق الحرب بين الأحبة وتنمو على رفات الجنود أزهار عباد الشمس في مشهد يدمي القلب ويسحر العين، وفيلم (رقصة واحدة تكفي) لجون ترافولتا، ومن المسلسلات الشهيرة: حافات المياه والبيت الصغير والحسناء والوحش وملائكة شارلي والعودة الى عدن، وعبر المجلات والصحف كنت تطلعين على أخبار بروك شيلدز وكاترين دينوف وصوفي مارسو ورومي شنايدر وناتالي وود وفرح فاوست وجوان كولينز وكلوديا كاردينالي واورنيلا مونتي وراكيل والش وايزابيل ادجاني نجمات تلك المرحلة.

أغانٍ عراقية وعربية

وتغيرت الأمكنة مثلما غابت صديقات ووجوه عنك في الحياة.. وكم تحبين التجديد إلاّ الشوارع والأمكنة العامة كم تتمنين لو بقيت كما كانت، لأن فيها جزءًا من حياتك وتغيرها يشعرك بالغربة، فقد افترقت عن صحبتك ومدرستيك المتوسطة والإعدادية وأما المدرسة الابتدائية فقد اختفى اسمها بعد إعلان مبناها آيلاً للسقوط، حتى أن مابقي من تلك الأمكنة قد فارق جماله القديم .. إلاّ الأغاني التي سمعتها في تلك المرحلة مازالت كما هي جميلة، تعيدك اليها، فهذه (يا أم العيون السود ماجوزن أنا) يغنيها ناظم الغزالي في فيلم (مرحبا أيها الحب) وهو يظهر مرتديا الزي العراقي الشعبي وبصحبته شقراء اسمها جاكلين وهي ترقص، وكان الفيلم من بطولة نجاح سلام وسامية جمال، ولاشك في أن جيلي يتذكر أغنيتهما في الفيلم (جوز عيني جوز .. والله مابيجوز .. غيري بيتهنى ويجوز .. وأنا بلا جوز)، وهنا ترتبط الذاكرة بـ (جوزي اتجوز عليا وانا لسه الحنة بايديا) لعبوسي (حمودي الحارثي) في المسلسل الأنجح والأشهر (تحت موسى الحلاق) حين جعل من هذه الأغنية درساً لطلاب محو الأمية من رواد محل حجي راضي (سليم البصري)، وتتناهي الى سمعك من أعماق طفولتك أصوات كحسين نعمة (قوم انثر الهيل قوم انثر الهيل / بسكة وليفك لو خطر / يتلالى بعينه السهر / وينور الليل قوم انثر الهيل / غرق رموشك بالكحل / ياسمر يابو عيون الشهل / واشتل سواليفك شتل / قوم انثر الهيل/ بجفوف كل طارش يمر / بجروف موجات الفجر / قوم انثر الهيل / ارقص على متون الجرف / رقص البيادر ياترف / بلكن يمر بيك الولف / قوم انثر الهيل / قد هذا بدروبه القمر / بعيونه تذكار وصور/ من لمعة سهيل) ، وسعدون جابر: (ياطيور الطايره مري بهلي / ياشمسنا الدايره ضوي لهلي/ سلميلي وغني بحجاياتنا / سلميلي ومري بولاياتنا / آه لوشوقي جزى تاه ويا نجمه / آه لو صيف العمر ماينطي نسمه / للهوى دواغي الحبايب / يبي يغفى ويا الغصايب / سلميلي ياطيور الطايره/ سلميلي ياشمسنا الدايره) وامل خضير: (سلم سلم بعيونك الحلوة / تدري سلام العين قلب اليحب سلوى / سلم على الولهان يا زين بعيونك / يا وردة البستان الكل يحبونك / سلم وريحني وبعيونك اسحرني/ وبنظرتك اروى وبنظرتك اروى) ، وسيتا هاكوبيان: (سيّرلي بجناح الهوا طيفه وجاني / مشتاق انا وطيفه شمس وردة لقاني / شميته بحرورة قلب وأخفيت همه / مثل الطفل كلبي ابتشر من عاود امّه / شوكَي خذاني)، ورضا الخياط: (بالله يا طير الحمام الي تسافر/ ودي لاحبابي السلام / وإحمل بجنحك رسايل من تهاجر ...للي حرموني المنام)، وحميد منصور: (سلامات ابعث سلامات .. ويه الرايح .. ويه الجاي ابعث سلامات .. سلامات سلامات ريتك سلامات .. صبح ومسى يهواي ريتك سلامات)، ومحمد الشامي في الأغنية البصمة: (يفر بيه هوى المحبوب يايمه / يفر بيه وانا ماتوب يايمه / ياعيني ويعني وعليه انشد / ياعيني ويعني ولون يبعد / وانا بليـاه عرفت الآه)، وسميرة توفيق: (بين العصر والمغرب / مرت لمه خياله / وعرفت فرس وليفي / لانها شقرا ومياله)، وعبد الحليم حافظ: (اهواك واتمنى لو أنساك)، وميادة الحناوي:(الحب اللي كان)، ومن المؤكد لن تنسي عائلة بندلي: (رايح انت لبعيد، ياقلبي ياصغير، ياحبيبي تعال الحقني، غزالة، وردة حمرا)، وأغاني شيلان الكردي والأغاني الآشورية التي كانت ضمن الأشرطة الصوتية في منزلك، وكذلك الصوت الصاعد في حينه محمود أنور وهو يغني (لو تحب لو ما تحب هي وحدة من اثنين .. تاركني وسط الدرب توعد إلك سنتين .. حتى بعذابك عذب بس الصبر لي وين) ، وصوت الصاعد أيضا أحمد نعمة (على العنوان اكتبلك على العنوان/ واظل مشتاك لعيونك واظل عطشان / الف موال اغنيلك والف مرسال اوديلك/ وعلى بالي ابد مايخطر النسيان / على العنوان اكتبلك على العنوان)، وقبلهما (يابابا افز بليل أسمع صوتك ينادي) غناها مهند محسن في طفولته، وكان هو وهيثم يوسف في فرقة أطفال غنائية في ثمانينيات القرن الفائت، وسبقتهما بلقيس فالح وإلهام أحمد اللتان كانتا الأشهر في سبعينيات ذلك القرن في مجال الغناء للأطفال .

برامج ومذيعون مشهورون

وتستذكرين كذلك أشهر البرامج في ذلك العقدين من الزمن: الرياضة في أسبوع / تقديم مؤيد البدري، العلم للجميع / تقديم كامل الدباغ ، سيرة وذكريات / تقديم ابتسام عبد الله، عدسة الفن / تقديم خيرية حبيب، استراحة الظهيرة وهو برنامج تمثيلي انتقادي كوميدي اشتركت به مجموعة من الفنانين كمحمد حسين عبد الرحيم وأمل طه وليث عبداللطيف وسعدي صالح ومحمد عطا سعيد وزهير محمد رشيد وآخرين، وكنت تتابعين بشغف برنامج نادي الإذاعة / تقديم ناظم زاهي وإخراج فائز جواد . ومن مذيعات ومقدمات البرامج في تلك المرحلة كَلاديس يوسف وامل المدرس واعتقال الطائي وشميم رسام وسهام مصطفى وامل حسين وفريال حسين والراحلة خمائل محسن وسهاد حسن وزكية العطار وميسون عبد الرزاق وسعاد عزت وحنان عبد اللطيف وهناء الداغستاني وسهام مصطفى ونضال المهداوي ومديحة معارج وعهود مكي وإقبال حامد . ومن المذيعين رشدي عبد الصاحب وغازي فيصل ونهاد نجيب ومقداد مراد وشمعون متي وخيري صالح وصباح الربيعي وأحمد المظفر وأكرم محسن، وكل هؤلاء تميزوا بإتقان اللغة العربية وحسن الإلقاء .

(ردح) العمارة في عكد الأكراد

تحملك النوارس الى عكد الأكراد في محلة سراج الدين حيث أعدّ الأطفال والفتيان الأكراد الفيلية والعرب في نهاية عقد سبعينيات القرن الفائت او مطلع الثمانينيات سهرة صيفية حتى وقت متأخر من الليل ضجت بها الأجواء، رددوا فيها مع الرقص (الردح): (وأشلون دبجج ياعمارة .. هيج وهيج) وكنت أنت وأخواتك وبنات الجيران وأمهاتكن تقفن عند أبواب الدور تتفرجن بفرح بالغ وتضحكن ولاتدرين بماستحمله الأيام اللاحقة من أسى .. تلك السهرة المتكررة مرتين على مدى عامين لم تمحَ من ذاكرتك حتى اليوم وكنت تتمنين أن تتكرر كل عام .. يذكرك ذلك أيضا بمشهد رقص جارٍ مراهق في عرس حيث كانت تنطلق (زفة العرس) بالسيارات التي تدور في بغداد وصولا الى الفندق، تتذكرين جاركم ذاك بحزن لأنه فقد في حرب الثمانينيات وهو في الثامنة عشرة من عمره وربما أقل وبقيت أمه العجوز تأمل عودته حتى أنها أعطت أمك صورته لتضعها تحت رأسك حين أصابتك الحمى ذات يوم عسى أن تري رؤيا تدلها عليه، ويبدو أن ذلك السلوك (وضع صورة تحت وسادة مريض) معتقد شعبي قديم مثل وضع فئة نقدية تحت رأسه ليلة ومنحها لمحتاج كصدقة تذهب المرض . كانت ثمة أحداث حزينة في ذلك الوقت مرتبطة بالحرب وسواها ـ تستحق أن يكون لها مقالها أيضا ـ ، وقبلها كنتِ طفلة صغيرة جدا في السبعينيات، أدى خوفك مما انتشر في الشارع من أخبار جرائم (أبو طبر) الى تصورك أنه مخلوق خارق قادر على اختراق الجدران، لذا حين كنت تخلدين الى النوم تنظرين الى النافذة والجدران برعب وتتصورين أن (أبو طبر) قد يخترقها في ليلة من الليالي ليقضي عليك . وبمرور الأيام اختفى شبح (أبو طبر) بإلقاء القبض عليه .

موجة أغاني الديسكو

أصبحت مراهقة في ثمانينيات القرن العشرين، وحلق خيالك مع (Far Away) و(Forever and Ever) لديمس روسس، وجذبتك أغاني الديسكو التي مازالت ترافقك وتعيدك الى تلك الأيام، فتلك الأشرطة الصوتية (الكاسيتات) والحفلات البيتية الصغيرة العابرة بين أبناء وبنات العائلة الواحدة تشكل جزءًا من صدى حنينك الى المدينة القديمة المنفتحة على العالم أكثر من الآن والتي مابقي من مظاهر انفتاحها الحضاري غير الفوضوي وأماكنها التي تحبين سوى تلك الصور المحلقة على أجنحة النوارس فوق تلك الضفاف الضاجة في أعماقك .. فأنت إن مررت بتلك الامكنة الآن لن تجدي حتى محال التسجيلات الصوتية، فتتراءى لك أشرطة الكاسيت .. تلك الخزانات الشريطية المتخمة بأغاني الحنين التي كنت تستمعين اليها لفرقة eruption (one way ticket)، وفرقة (ottawan) كـ (You Are Ok ـ D.I.S.C.O ـ Hands Up ـ Crazy Music) ـ وهذه كريزي ميوزك حورها الشارع الى اللهجة العامية العراقية على سبيل الظرافة الى (وين بيت جويسم)؟! ـ وفرقة (Boney M) كـ (Rivers of Babylon ـ Sunny ـ Daddy Cool ـ Ma Baker ـ Rasputin)، وأما فرقة (Modern Talking) فهذه حكايتها حكاية فقد كبر المغني توماس اندرس والملحن ديتر بولن ومازالت أغانيهما ذات الطاقة الإيجابية مثل شابة سعيدة تشبهك أيتها المراهقة البعيدة القريبة، تصدح على ضفاف قلبك، كـ (You're My Heart, You're My Soul ـ Cheri, Cheri Lady ـ Atlantis Is Calling S.O.S. For Love ـ Brother Louie) وهذه الأخيرة Brother Louie هي الأشهر عالميا بين أغنياتهم في حينه . يتميز أندرس بفرط إحساسه لذا تشعرين بأنه يغني بعينيه، ويبدو بولن، لشغفه بالموسيقا، الأسعد في أثناء تسجيل الأغاني وهذا ليس غريبا فهو ملحنها وقيل كاتبها أيضا، وكلاهما المغني والملحن كان إخلاصهما للعمل الغنائي واضحا، إذ إنّ الموسيقا تجري في عروقهما.

العالم ألطف بالأغاني

كانت الأغاني الشرقية والغربية أجمل في ما مضى، وهي جزء من يومياتنا في ذلك الوقت، ويومياتنا محفورة على الجدران الأثيرية لتلك الأمكنة وخطواتنا فيها وأحاديثنا وعلاقاتنا الاجتماعية وأحلامنا الطفولية والشبابية وخيالاتنا التي لاحدود لها، وإذا كان للمكان لغته الخاصة به وفقاً لجغرافيته فإنّ لغة الفنون كالموسيقا والأغاني إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا واللغة ولهذا لاتحتاج الى فهم بالضرورة وإنما احساس، أو ليست هي التي تجعل العالم ـ ومنها تلك الأمكنة ـ ألطف؟!

 

أسماء محمد مصطفى

 

السكرتير الاسبق للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في سطور

رسالة من حسين سلطان الى عزيز محمد وقيادة الحزب الشيوعي العراقي

تكريد الحزب الشيوعي العراقي عمل ضار مبعثه نظرة قومية وحيدة الطرف

الرفاق الأعزاء في المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي

تحية رفاقية حارة

وضعت هذا العنوان لرسالتي هذه، لا لكي أطعن أو أخدش بعواطف هذا الرفيق أو ذاك. بل كان قصدي أن أضع أمامكم الحقيقة عارية لا لبس عليها ولا غموض. والغرض من ذلك هو شحذ الهمم لمعالجة الثغرات الموجودة في سياسة الحزب بالمسألة الكردية والعوامل التنظيمية التي أوجدت تلك السياسة، لمصلحة الحزب في حاضره ومستقبله ولذا أوضح ما يأتي :

منذ أن تعرض حزبنا لكارثة 1963 وما أعقبها من أحداث أخذت نسبة الأكراد ترتفع الى حد كبير في قيادة الحزب ومراكزه الهامة وتبعا لذلك نرى سياسية الحزب أخذت تسير في المسألة الكردية رويدا رويدا نحو التبعية، وحتى أمست هذه التبعية غير خافية على كل من لديه حد أدنى من الوعي الفكري والسياسي وأظن ان الكثير من الرفاق يتجنب التطرق الى هذا الموضوع لأسباب عدة ومنها الحساسية. وحيث شملت هذه التبعية مختلف المجالات الفكرية والسياسية والعسكرية، وحتى المعنوية لا سيما في كردستان وكاد أن يكون حزبنا فصيل من فصائل البارت، كل همه أن يجد المبررات للمسالك التي دخلت فيها قيادة الثورة الكردية. بالإضافة الى ترديد الجوانب الايجابية في وقت الحرب وفي الحلف الجديد وهكذا في كل الأحوال .

لقد كتبت لكم رسالة في خريف عام 1968 وكان موضوع الرسالة يتعلق بأحداث وقعت في حينها، وكان منها ورود أنباء تشير الى مسح أراضي كركوك(1) ووقوع ثلاثة حوادث مهمه في يوم واحد، وهذه الحوادث هي : نسف قطار كركوك والنشاطات الطلابية التي راح ضحيتها الطالب مطشر حواس وهجوم جيش العدو الاسرائيلي على قطعات جيشنا في الأردن وجاء تأكيد من ان هذه الأحداث لم تكن من باب الصدفة. بالإضافة الى ما تضمنته تلك الرسالة عن تحرشات ايران وموضوع الخليج العربي والاستنتاجات العامة من كل تلك الضغوط والتحرشات ابتداءا من رأس الحربة الامبريالية اسرائيل ومروراً بحلف السنتو والحركات الرجعية التابعة له. وكان خلاصة الرسالة هو التحذير من الوقوع بخطأ التمسك بالجزء مع تجاهل الكل. وأعني بذلك هو أن لا نضحي بحركة التحرر العربي الممتدة من الخليج الى المحيط والتي يقع فيها شريان حياة الامبريالية (النفط) وهذا هو الكل المضحى به، وأن نتمسك بالحركة الكردية وان كانت محقة في كل أهدافها. وبعد أشهر تلقيت الجواب من الرفيق جندل (زكي خيري) في احدى المناسبات حيث كان النقاش يدور حول القضية الكردية فقال الرفيق : ان ما عرضه ضاري (حسين سلطان) هو تماما ما تكتبه (جريدة النور) وكفى الله المؤمنين شر القتال، حقاً انها حجة بليغة ودامغة. حيث ليس من المستبعد أن يستمد ضاري (حسين سلطان) أصول أفكاره من جريدة النور أو من قصص مضايق الدردنيل .

ما أشبه الليلة بالبارحة

قد يعلم الجميع كيف تعرض حزبنا لانحراف انعزالي عن الحركة العربية في أعوام 47ــ 48 وذلك بسبب النفوذ اليهودي داخل حزبنا في القيادة والكادر. بحيث أظهروا في ذلك الحين ان معظم المنظمات الصهيونية تقدمية وان 80% من الشعب اليهودي هو تقدمي صيغت هذه الأفكار مع مستلزمات الاقناع في كراس ونشر في حينه (ضوء على القضية الفلسطينية) وأخيراً وبعد فوات الأوان، توضحت تلك التقدمية للشعب اليهودي لا في فلسطين فحسب بل عند معظم القادة الماركسيين في مختلف أرجــاء الدنيا .

والآن وحزبنا يتعرض لنفس خطر الانعزال وذلك بسبب تكريد كافة أجهزة الحزب الأساسية، وتحت نفس اللافتة التي أوقعتنا في الانعزال الأول وكأنه مكتوب على الشيوعيين العرب في العراق وحدهم أن يتنكروا لقوميتهم، وأن يسيروا خلف هذه القومية أو تلك، وأن يكونوا أمميين أقحاح الى الحد الذي يعزلهم عن جماهير أمتهم الواسعة (وهي تقاتل الامبريالية واسرائيل) وأن يلتصقوا أكثر فأكثر بالحليف مصطفى البرزاني الذي لا يعلم الا الله كم حليف عنده في السر والعلن ومن أطراف متناقضة تماما .

أرجو أن لا تفسر المقارنة المذكورة أعلاه بأكثر من حدودها الموضحة للعوامل الخارجية الضاغطة أما المؤثرات الداخلية فلا يسعني والحالة هذه الا أن أذكر استشهاد لينين العظيم القائل: (كثيرا ما يكون طريق جهنم مبلط بالنوايا الحسنة).

لقد أوضحت الأشهر التسعة الماضية حقيقة هذا الحليف بـمـجـمـوعه، وأوضحت منذ آذار كم كنا نحن على استعداد أن نكون بطانة لقيادة كلالة بدون قيد أو شرط. الا ان سير الأحداث جاء مـبـكــــرا، ووضعت الأمور في مكانها الطبيعي وانجلت القضايا لكل من لم تتأثر بصيرته بضباب القومية أو الطبقية أو غيرها. وأخيرا لذنا بالصمت عن حليفنا الذي تنكر لنا بمرئى ومسمع من العالم أجمع، وبعد أن أنهى شغله بـ (جاون الوقف) وأبقى علاقاته الدبلوماسية ــ ان صح التعبير ــ جسرا لغاية الاستخدام مرة أخرى اذا ما دعت الحاجة اليه. لم يفكر أحد بالانعزال عن الحركة الكردية وتركها فريسة لمصالح الطبقات الأخرى، كما هو الحال في الوقت الحاضر من الناحية العملية، ولكن الملاحظ ان عدم الانعزال هذا تحول الى شيء آخر تماما، ان الثورة الكردية بعد قيامها لم تكن غايه بحد ذاتها، وبعد أن أرست الى ماهي عليه ينبغي أن نعطي الاهتمام الى الغاية. لا أظن يوجد انسان يحمل شيء من التقدمية ــ دع عنك الشيوعيين ــ يعارض الحقوق القومية الكاملة للشعب الكردي، ولكن الخلاف يكمن في النهج السياسي والاقتصادي لقادة هذه الحركة والذي أخذ يظهر على سطح الأحـــــــــداث، وان المتتبع لما تكتبه جريدة التآخي في السياسية الاقتصادية ــ المكشوفة منها والمبطنة ــ يستطيع بدون عناء أن يحكم ان هذه السياسة وضغطها المركز هو بالأساس الى السياسة الاقتصادية الرسمية ردة الى الوراء، الى ما قبل ثورة تموز 1958 .

أما المناداة بالحريات الديمقراطية شكلا وممارسة العكس فعلا، فالكل يعلم ماذا جرى ويجري في الأرض التي سيطرت عليها هذه القيادة في السنين السابقة وما تلاها من أساليب التقتيل والتنكيل والاضطهاد للقوى الأخرى. والآن جاء دور اللعب على الحبال ولسان حالهم يقول (كلنا نمشي رويدا كلنا نطلب الصيد) والغريب في الأمر اننا لم ننتقد التــــآخي ــ مجرد نقد أخوي ــ على نهجها الاقتصادي، وضغطها بالتنسيق مع أوساط داخلية وقد يكون لها خيوط في الخارج من أجل زحزحة الحكم عن نهجه الاقتصادي على توسيع القطاع العام، بل أخذت تشدد من أجل ارجاع ما تحقق في عام 1964 من خطوات التأميم الى القطاع الخاص .

أقول ماذا نفعل لو طالب حزب آخر غير البارتي وبنصف هذه اللجاجة نحو التطور الرأسمالي في بلادنا بعد أن قطع شوطا لا بأس به نحو التطور في التحولات الاجتماعية، أعتقد نصفه بنهج رجعي على أقل تقدير ونحن على حق بذلك. ولكن مع البارت الأمر يختلف. لأننا نتجنب ما يغضبهم لئلا تنهدم أركان الديمقراطية في بلدنا. ولا يسع المرء الا أن يصبح تعسا لتلك الديمقراطية التي نأملها من قيادة كلالة، وبؤسا لتلك الحرية التي يشيدها نبلاء القرون الوسطى، ان من يريد خدع النفس يحاول نسيان الوقائع المرة، القريبة منها والبعيدة، ولكن لمحة عابرة لمواقف حزب البارت من حزبنا تبين بوضوح ان هذا الحزب يسعى لجعل حزبنا تابع له، واذا تعذر ذلك يسعى لتخريبه من الداخل. وكلنا نتذكر حوادث عام 1956 حين التحقت قيادة فرع حزبنا بحزب البارت ــ قلا وقليفان ــ أي} صابر (حميد عثمان) وجماعته {(2) وفي عهد قاسم حينما نشط البرزاني شخصيا لتثبيت الحزب المصطنع بقيادة داود الصائغ تحت واجهة الحزب الشيوعي العراقي الرسمي. وفي عام 1967 عملت قيادة هذا الحزب لتمزيق حزبنا مرة أخرى وكان فارسهم في هذه المرة الديماكوكي المرتد رمزي (عزيز الحاج). وكان آخر الرتل البرزاني خفية والشيوعي علنا المخرب لامع (...)(3) والحبل على الجرار ...

واذا تفحصنا قيادة حزب البارت ومفكريه نجد ما يزيد على 60% منهم كانوا يحملون بطاقة حزبنا. وهذه الظاهرة تدعوا لطرح السؤال التـالي :

(ان في بلادنا العديد من الأحزاب الوطنية والديمقراطية والقومية وانها تمثل أما البرجوازية أو البرجوازية الصغيرة. ولكن لماذا تنحصر هذه الظاهرة ــ  من حيث تصدير الكادر وغيرها ــ فقط بحزب البارت في حين لم نجد أثر لمثل هذه الظاهرة في الأحزاب الأخرى) .

وهذا يجعلنا نشكر الله كثيراً حيث لم يتكون حزب قومي تركماني على اعتبار تكون المصيبة أكبر لو تكفلنا بتصدير الكادر لهذا الحزب.

أن هذه الظاهرة تدلنا على أصل الداء، وأعني بذلك داء البرجوازية الصغيرة التي هي نصفها تقدمي ونصفها الآخر رجعي أو شوفيني وان معظم أخطاء وانحرافات حزبنا في المسائل الوطنية والقومية يكون على الغالب مبعثه هو تأرجح هذه الفئات بين قطبين أو واقعين متفاوتين الى حد كبير ــ بالإضافة الى الأصل ــ بين أفكار تفاعلت مع أرقى التطورات في أوربا، وبين واقع وطني وقومي، ما زال في بدء النهوض ضمن أطار التخلف العام. وهذا الواقع مما يجعل الكثير من أمثال صــابر (حميد عثمان) ورمزي (عزيز الحاج) ومن لف لفهم أن يضعوا أرجلهم على كفتي الميزان لكي ينتقل من كفة الى أخرى في الوقت المناسب والملائم لهم، وهكذا نست الحزينة ما مضى بالنسبة لرفيق جالاك(4) وغيره .

ويبدو لمن يراقب سير الأحداث انه لم يبق كادر واحد من الشيوعيين العرب يحظى بثقة قادة حزبنا الأكراد الى حد حتى امتياز مجلة الثقافة الجديدة ينسب وفق الوتيرة ذات الطرف الواحد والمشار اليها أعلاه .

واذا أخذنا تركيب المؤتمر الثاني لحزبنا يكون موضوع هذه الوتيرة لا يحتاج الى البرهان حيث ان رفاقنا الأكراد والأقوام الأخرى غير العربية يكونوا أكثر من 75% من نسبة المندوبين. ومن أصل الـ (22)(5) لا يزيد عدد العرب بين 4 الى 6 أشخاص وهذا دليل آخر على صحة المسألة التي نحن في صددها .

أيها الرفاق الأعزاء أرجوا المعذرة حيث أني تطرقت الى موضـــــوع ذو حساسية بالغة بكل صراحة ووضوح. والحقيقة اني طيلة حياتي الحزبية لم أفكر في مثل هذا الموضوع أبداً ولكن هجار (توفيق أحمد) هو الذي فتح عيني مؤخرا وأثناء انعقاد المؤتمر على وجه التحديد حيث وصل مبكرا كل من جندل (زكي خيري) وضاري (حسين سلطان) وحيدر (ماجد عبد الرضا) وكان باستقبالنا هجار وفي أحدى المرات وجه هجار السؤال الى حيدر ــ علما اني لم أعرف من قبل حيدر كردياً ــ قال له هجار بالحرف الواحد (حينما أعددنا أعضاء اللجنة المركزية الأكراد لم نحسبك على ملاك الأكراد) حسناً ماذا يدل هذا القول؟ يدل أولاً ان المخاطَب كردي، ويدل ثانياً ان هناك مسح قومي وحساب وكتاب لهذا الموضوع. وأخيراً فان مجرى الأمور جاء يؤكد هذه القضايا بشكل يكاد أن يكون صارخاً ان لم يكن صارخاً أساساً. ولا بد انكم تتذكرون حينما سألت عن أسباب إلحاق منظمة الموصل بالإقليم وكنت أعني من ضمن ما أعنيه في هذه الرسالة في ذلك الوقــــت(6) .

أيها الرفاق يخيل لي حينما تقرأ رسالتي هذه، وبعد ابتسامات الاستهزاء يبدأ كيل اللعنات على هذه الأفكار السقيمة والمجافية للروح الأممية والتي تعط منها النزعة الشوفينية والى غير ذلك من الأوصاف. حسنا أيها الرفاق لندع هذه الأفكار ولا ننسى انها مجرد أفكار مطروحة أمامكم. ولكن ما رايكم بمن يمارس عمليا أبعد من هذه الأفكار في حياة الحزب مع فرق واحد هو ان الأفكار التي تمارس عمليا صادرة بقرارات مع حيثيات نظامية ــ أي تأخذ الصفة الشرعية ــ  وهنا سر الأذى على حاضر ومستقبل حزبنا. وليس أمام الآخرين والحالة هذه إلا أن يطرحوا أفكارهم المجردة، آملين أن تترك صدى وأن كان قليل جداً على سير الوتيرة المشار اليها أعلاه .

نشوة الانتصار وعلاقتها بتلك الوتيرة

الملاحظ بعد انتصار الحركة الكردية في اعلان اتفاقيــة 11 / آذار، جعلت هذه الاتفاقية ارتفاع نشوة الانتصار لدى قيادة كــلالة الى الحد الذي يكاد يفقدها الصواب. وهذا الأمر ليس غريب ولكن الغرابة أن تشمل هذه النشوة الشيوعيين العراقيين بوجه عام والأكراد بوجه خاص. نقول ليس بغريب أن تصاب قيادة كلاله بالغرور والتعالي حيث ان هذه القيادة تمد تحالفاتها من أقصى اليمين الى أقصى اليسار بالإضافة الى واقعها الملموس، فمثلا حدودها مازالت مفتوحه مع قاعدة حلف السنتو وصلاتها على خير ما يرام، كما وان علاقاتها وطيدة مع الحزب الفاطمي ويشهد على ذلك وفدها الكبير والرفيع الشأن الذي حضر الفاتحة المقامة على روح السيد محسن الحكيم. كما ولها علاقات ومغازلات متبادلة مع الجمهورية العربية المتحدة متحدية بذلك علاقات الحلف والمشاركة. وليس خافيا على أحد ارتباطاتها المتينة مع أقطاب الرأسماليين الوطنيين والكومبرادوريين، وجعلت من صفحات التآخي ميدانا لعرض أفكارهم والدفاع عنها. وليس هذا سرا علاقاتها بالإقطاعيين عموما والأكراد خصوصا . بالإضافة الى كل هذه الارتباطات العجيبة والغريبة المعروفة وغير المعروفة فان هذه القيادة تظهر صداقتها وحبها للحزب الشيوعي في أثناء المقابلات مع من يعنيهم الأمر، أقول ليس أكثر من مجرد حديث ولكن النتيجة يتحول هذا الحديث بعد حين وكانه آيات منزلة يرددها البعض في مناسبة وفي غير مناسبة دون الالتفات الى مآرب تلك الأحاديث وقصدها القريب والبعيد(7) .

ومع كل هذه التشابكات فان هذه القيادة حليف لحزب البعث العربي الاشتراكي وشريكة في الحكم ومن خلال هذه الشراكة ينالون أكثر من حقهم باسم الشعب الكردي الكادح الواقع بين (حانة ومانة)، والطليعة شغلها الشاغل تفسير الأحداث بعد وقوعها، طبقا لمقتضيات الحال .

وأخيراً فان هذه القيادة تدخل كل هذه التحالفات والمغازلات لا من أجل سواد عيون هذا الحزب أو ذاك ولا من أجل مصالح الكادحين الأكراد وإنما بوحي من مصالحها الطبقية ــ مع فائض القيمة عن تركة النبلاء ــ اذن فان نشوة الانتصار تصعد عند قيادة كلالة استنادا الى هذه المكاسب الملموسة آنيا، مع الضمانات الأخرى عند هبوب الرياح من مختلف الاتجاهات وعلى هذا نتساءل نحن الشيوعيين العراقيين عن مواضع أقدامنا في مثل هذه الأوضاع وبعد المحن القاسية والتجارب المرة يحق لنا أن نقول، أنعد أنفسنا حطباً لانضاج ما يرغب به الآخرين. ومع كل هذا نرى البعض منا يترنح وكأنه هو المنتصر وكما يقول الشاعر  (المستشار هو الذي شرب الطلا      فعلام يا...) .

الوضع الداخلي

سياسة مبعثها الذاتية، ومظهرها الأغراء لجانب والأذلال لجانب آخر، واذا أخذنا حياة الحزب الداخلية تكون اللوحة أمامنا على الشكل التـــــالي :

بعد مذبحة شباط الرهيبة التي صفت من كادر الحزب ما يزيد على 80%  بطرق مختلفة، بقيت البقية تواصل العمل بهمة واخلاص وما أن تقرر خط آب 64 وتبلور الخلاف بين المعارضين والمدافعين، انبرى وسط آخر وقف بين بين يترقب نتيجة المعركة، لكي يقرر موقفه على ضوء تلك النتائج. ان هذا الوسط لم يكتف بهذا الموقف بل راح يسّعر ما استطاع التسعير من نار الخلاف ويلوذ بالصمت أمام المتـصارعين، وكأنه من المتفرجين ولسان حاله يقول : اصبروا قليلاً أيها السّذج سأقذف بكم جميعا خارج هذه الحلبة، ولكن لا بدفعة واحدة الا نصفكم الأول، أما النصف الثاني سيقذف بالتدريج وبدون ضجيج. وأخذ هذا الوسط يدافع وكانه {يحضر القبغ لجدر وليد (حسين الكمر) اذا تدهدر}(8).

ليس غريبا على هذا الوسط جامع الخبرة من المقاعد الخلفية في مجالس السجون، وإدارة الانقسامات وتحقيق المرام. وأخيراً حلت كارثة الانشقاق وذهب كل في سبيله وكان البعض يرقد في معتقلـه.  الاختياري دون قلق أو وجل وكانه ضامن الربح سالم الخسارة(9) .

وبعد فترة وجيزة تربع هذا الوسط ليصدر أحكاماً على خط آب وأفكاره وعلى الانشقاق وبشاعته وأخذت مبادئ هذا الوسط طريقها (وأعني مبادئ الرقص على أشلاء الآخرين) واسدلت الستارة بعد اشباع غرور اللاهثين وراء التيجان. وهكذا لاقت البقية الباقية من كارثة شباط هذا المصير خلال سنتين فقط، ابتداء من أواخر عام 65 والى نهايـة عام 67. وهكذا حل الدور الثاني، دور الاغراء والتهديد دور سيادة التملق والبطانات وقبل أن أنهي الدور الأول من هذه المسيرة أجد من المناسب أن أسجل بعض الملاحظات عن " مجرمي " خط آب وعن " براءة " الآخرين وهذه الملاحظات أبدأها بالأسئلة التالية :

1) من هم أقطاب هذا الخط؟

2) كيف جرى الفصل بينهم وبين الآخرين؟

3) ما هي "الجرائم" التي ارتكبها أقطاب هذا الخط بمعزل عن الآخـــرين؟

4) ماذا نتوقع من نتيجة لو سارت الحركة وفق أفكار الرمزوين المغامرين بدافع اليأس في الداخل والخارج؟

أكتفي بهذه الأسئلة الأربعة من بين العشرات. فأقول اذا كان الانسان منصفاً في أحكامه (وما أندر المنصفين في وسطنا الحالي) وأراد أن يشخص المسؤولين عن خط آب وهو ملم بما تحتوي ملفات المحاضر ابتداءً من تموز 63 وانتهاءً الى آب 64 وما أعقبه بقليل، يستطيع والحالة هذه أن يرسم صورة واضحة عن دور المساهمين بشكل مباشر أو ما أشبه بالمباشر ــ عدا جماعة لفيف(10) ــ أما إذا أراد أن يستعرض ما في مخيلة أولئك الطامحين الى الزعامة منذ أمد بعيد ــ بعيد جداًــ(11) بدل استعراض المحاضر يجد الصورة موضوعة بشكل آخر يغاير الواقع والحقيقة لا لشيء إلا لغرض في نفس يعقوب ...

والخلاصة التي أعرفها أنا، ان كافة أعضاء واحتياط اللجنة المركزيـــــة، عدا تحفظات رمزي (عزيز الحاج) وكافة الكوادر، عدا نفر قليل من مؤيدي رمزي، ان هؤلاء جميعا أحمرت أيديهم تصفيقاً لخط  آب بعد أن قررته اللجنة المركزية عدا رمزي. بالإضافة الى المبادرات السابقة(12) والتعميقات اللاحقة(13) التي أبداها البعض. ولذا يتساءل المرء، على أي أساس حُملت المسؤولية لفريق واعفيَ الفريق الآخر وان كان له حصة الأسد في خط آب. أعود فأذكر ما قاله الوسط المتفرج  (اصبروا قليلا أيها السذج سأقذف بكم خارج الحلبة ولكن لا بدفعة واحدة إلا نصفكم الأول أما النصف الثاني سيقذف بالتدريج وبدون ضجيج) وكأني به يهمس قائلاً سأجعل قاعدة لعمل الكادر، الحــــــــكمة القائلة : (إذا كان الكلام من فضة فأن السكوت من ذهب) أما " الجرائم " التي ارتكبت بمعزل عن الآخرين فهي تنحصر أولاً وقبل كل شيء في ثلاثة مسائل أساسية وهي كالآتي:

1) بعد النكبة مباشرة نشط البعض للم الشتات المُبَعثر في أرجاء الشرق الأوسط وأوربا بجمع الصفوف، وذلك بفضل مساعدة الأشقاء.

2) أعيد الاعتبار الى من كانت عضويتهم مهددة في الحزب وضموا مباشرة الى اللجنة المركزية (14) .

3) مقارعة التيار الفوضوي الذي كان يقوده في الخارج رمزي (عزيز الحاج) ويقوده في الداخل زميله .

هذه هي " الجرائم " الثلاث التي ارتكبت بمعزل عن الآخرين. ولكن لماذا لانسمع ــ حتى ولو كان بالهمس ــ عن إنجازات الآخرين وعندما تفتقت العبقرية في أواخر عام 1961 (بعد وضع التاج في مكانه اللائـق) وحللت تلك العبقرية وضع حكم قاسم، وأفتت الى كافة المختفين بالخروج الى العلن وكان من بين ضحايا تلك الفتوى الشهيد حمزة سلمان، والتحليل " الرصين " لموقف الحركة الكردية في ذلك الحين، وما أعقبها من نشاطات تنظيمية فوق الضبط ــ التكتل ــ الذي أشغل الحزب في أدق الفترات. ولم نسمع أيضا ولا كلمه واحدة عن نشاط اللعب على الحبال (بل على كل الحبال) أثناء التمهيد للانشقاق الأخير. أظن ان كل هذه الأعمال بطولات وليس شيء آخر ومن باب التواضع لا تذكر .

وأخيراً ماذا نتوقع لو أتبعت خطة المغامرين اليائسين (حرب الأنصار الفلاحية) في تلك الظروف الصعبة، أظن ان رمزي (عزيز الحاج) لا يلام حيث انه يقاتل من متاريس خلف الحدود، ولكن المـلامة ــ كل الملامة ــ تقع على عاتق من يفكر بهذا التفكير في الوقت الذي كان يعاني صعوبة جدية في إيجاد مأوى له يستقر فيه ليلة واحدة. رحم الله جيفارا لأنه كان مقاتل عنيد ومنسجم مع نفسه أما رجالنا " الرمزويون " فكانوا على العكس من ذلك تماما .

الدور الثاني من المسيرة

دور الأغراء والتهديد، دور سيادة التملق

لا أريد أن أدخل في تفاصيل هذا الموضوع الطويل العريض والذي لابد أن يجرني الى أشخاص أو شخصيات عديدة لذلك أكتفي بالقول : ان هذا الدور يدفعنا رغم عنا أن نناديكم أيها الرفاق، قائلين رفقاً بحزبنا الجبـار، رفقاً بعملاق العراق، ونحن على ثقة مطلقة ان هذا العملاق المنبثق من صلب الماركسية اللينينية، كان وما يزال وسيبقى حزب الحياة رغم كل الهفوات والنواقص والأخطاء، وان تاريخه لا يرحم المتجاوزين على مبادئه مهما كانت مكانتهم .

وأرجوا أن لا تغرب عن بالكم الحكمة القائلة (لا دخان بلا نار) وما هذه الصيحة إلا جزء قليل من الواقع المر في المجالات التي ذكرتها في هذه الرسالة .

وأخيراً فاذا أصبت بكثير أو قليل مما احتوته هذه الرسالة، فالفضل يعود اولاً وأخيراً الى الحزب الذي ربى من الكادحين المعدمين البسطاء رجال يخوضون في مثل هذه المواضيع. وان أخطأت فان السبب يعود الى تقصيري الذاتي .

وختاماً راجياً لكم التوفيق في خدمة أهداف الطبقة العاملة وجماهير شعبنا الكادح .

ضـــــــاري

(ضاري : الاسم الحزبي للفقيد حسين سلطان في حينها / خ.ح)

30 / 12 / 1970

 

خالد حسين سلطان

.............................

الهوامش

1) إشارة الى مسح الصهاينة الى أراضي كركوك وغيرها .

2) إشارة الى نشاط حميد عثمان في عام 1956 حيث أثر على قيادة فرع كردستان للحزب الشيوعي العراقي وانضمامه الى الــحزب الديمقراطي الكردسـتاني، أصدر الحزب على أثر هذه الحركة كراس جزء من عنوانه ــ على ما أتذكر ــ أفكار تصفوية .

3) لامع كان خط مائل لعزيز الحاج في داخل الحزب حتى انعقاد الكونفرانس الثالث عام 1967 حيث كان لامع حاضر فيه وعند انفضاضه كشف هويته وذهــب الى جماعة عزيز الحاج. ولا أعرف اسم لامع الصريح .

4) رفيق جالاك: كان في المركز القيادي مع ساسون دلال، وبعد إعدام ساسون دلال بقى جالاك يمارس نشاطه الحزبي مع صبري عبد الكريم  وجاسم الطـعان، وعند إلقاء القبض عليهم تعاونوا مع الأمن وبعد فترة عاد جالاك واقترب من الحزب الشيوعي مرة أخرى.

5) ان الاشارة الى رقم (22) هو عدد أعضاء اللجنة المركزية .

6) وجهت السؤال بالمؤتمر عن أسباب الحاق الموصل بالإقليم .

7) ان عزيز محمد كان يمدح مصطفى البرزاني أينما جاء ذكره وفي مختلف المجالات .

8) تعليق يعتمد على المثل الشعبي المعروف (تدهدر الجدر ولكة قبغة)

9) المقصود زكي خيري، حيث كان أثناء الانشقاق شبه معتقل في دار حسين الكـمر .

10) لفيف مجموعة من الطلبة في براغ أصدروا كراس عرف باسم لفيف يعارض خط  آب 1964 وكان وجههم العلني شخص بصراوي من بيت البعاج لا أتذكر اسمه أما التوجيهات السرية كانت من عزيز الحاج .

(الشخص البصراوي المقصود هو هشام البعاج .خ . ح)

11) المقصود أيضا زكي خيري .

12) إشارة الى بيان تموز 1964 .

13) إشارة لما كتبه بهاء الدين نوري في مجلة السلم بعد  آب .

14) المقصود عامر عبد الله، زكي خيري، وبهاء الدين نوري حيث كانوا مطرودين من اللجنة المركزية .

* هذه الهوامش كتبت  الآن (1990) .

حـسـيـن سـلـطـان

 

محمد فتحي عبدالعال

 المرأة بين الوفاء والخيانة (1)

بغنج ودلال تتمايل على صوت الدفوف. جارية من البشكنج  اسمها "أورورا" ويعني الصبح. بدأت صبح حياتها الجديدة كمغنية وعازفة للعود في دار للغناء  أنشأها زرياب في قرطبة، وبين عشية وضحاها اختارها القدر ليصبح مآلها  قصر الحكم ابن الخليفة الناصر الخليفة الأموي على  عرش الأندلس . وعلى الرغم من غرام الخليفة الحكم بها إلا أنه لم يتزوجها  وأنجبت له عبد الرحمن ومات في سن صغيرة، ثم هشام.. كانت صبح تجسيدا للمرأة الحديدية بكل ما تعنيه الكلمة فكان لها الكلمة الأولى والأخيرة في تعيين الوزراء ورجال الدولة والبطانة والجميع رهن إشارتها وطوع أمرها في عهد زوجها الخليفة المسن سيد الحكم. لا أدري لماذا يتزوج الخلفاء من نساء لا يدرك أحد نسبهم أو حسبهم. لماذا ينتقي صاحب الحكم جارية؟ .وفي هذه الفترة ظهر على مسرح الأحداث شاب من العامة يدعى محمد بن أبي عامر كان على قدر كبير من الذكاء والفطنه والدهاء مما جعله يتسلل وبسرعة إلى قلب صبح ونشأ بينهما الحب ولازال الزوج الخليفة على قيد الحياة، وبمجرد وفاة الخليفة الحكم كان ولده هشام ولي العهد في سن صغير فتولى المنصور وبمعاونة صبح الوصاية على ولدها هشام.

يقودنا هذا إلى التساؤل ما الدوافع التي تدفع المرأة إلى الخيانة العظمى بحق زوج أحبها؟

بحسب دراسة تشيكية حديثة أجراها معهد الصحة الجنسية التشيكي أظهرت أنّ المرأة في الأغلب، ترتكب الخيانة  لـخمسة أسباب هي:

1ــ تدني الثقة بالذات: هذا لا يعني عدم ثقة المرأة من جمالها ولكن لانصراف الشريك عن مغازلتها وعدم الإشارة إلى جمالها ومفاتنها هذا الانصراف يضعف من ثقة المرأة بذاتها

٢-الشعور بالوحدة: الرتابة في الحياة الزوجية طويلة الأمد وتحول المرأة من دور العشيقة والشريكة والصديقة إلى دور الأم والزوجة والقائمة بأعمال المنزل المملة ..

تنزلق المرأة في العلاقة الزوجية الطويلة الأمد من دور العشيقة والشريكة أو الصديقة إلى دور الأم والزوجة والطباخة مما يجعل الوحدة مؤشرا سيئا لنفورها من زوجها.

3ــ انطفاء مشاعر الحبّ: والتي من المهم إحياؤها دوما مهما مرّت سنوات العمر.

4 ــ الانتقام وهو الأسوء فهو لا يضرّ بالزوج فقط بل يحط من قدر المرأة  ومنزلتها الاجتماعية.

5ــ غياب الدعم

ترى كلّ امرأة في الرجل سنداً لها لذلك فهي بحاجة إلى دعمه المستمر  وتواجده دوما خاصة في لحظات ضعفها ليكون الملجأ والملاذ الآمن .

نعود إلى  صبح والتي مكّنت  أبي عامر من تولي كلّ سلطة وكلّ أمر، مما ساعده على إزاحة كافة  منافسيه عن السلطة الواحد تلو الآخر بمساعدتها ودهائها وقوة شخصيتها .  ثمّ لعبت صبح دوراً خطيراً حيث أطلقت لابن أبي عامر العنان في تدمير شخصية ابنها هشام الخليفة الصغير. فحجر على الخليفة الصبي ولم يسمح لأحد بمخالطته، واقام حول قصر الخلافة سورا وفرض عزلة تامة عليه وإذا  خرج من القصر ألبسه بُرنساً فلا يُعرف، وأحاطه بالجند ليمنع العامة من الوصول إليه أو التقرب منه.. ومع ازدياد نفوذ ابن أبي عامر بدأت صبح تخاف هذا المارد الذي صنعته وتدرك حجم التدمير الشخصيّ الذي لحق بابنها ولكن الوقت كان قد مضي ولا يمكن إصلاحه بأيّ حال كما أن محاولة تحجيم ابن ابي عامر صارت من الأمور المستحيلة بعد ان استفحل دوره وصار الحاكم القوي النافذ بالأندلس فأشاعت بين العامة أن ابنها سجين القصر وحاولت تأليب بعض القادة على حكم المنصور واستعانت في ذلك بدفع بعض الأموال فقام المنصور بمصادرة أموالها وفرض عليها سياجا منيعاً هي الأخرى أسوة بابنها فرضخت المرأة الحديدية للأمر الواقع وتوارت حتى ماتت ...

الطريف هنا هو قدرة صبح على تحمل ألم غدر العشيق وضياع شخصية الابن والسعي للمناورة في سبيل استعادة عرش الابن ثم الاستكانة والعيش في ظلال من الأسى حتى الممات فهل هناك ميزة لدى المرأة تجعلها أكثر قدرة على تحمل الألم أكثر من الرجل فبحسب  دراسة حديثة  أعدها المركز الطبي في العاصمة التشيكية براغ. أنّ العامل النفسي له دور أساسي في تحمل الألم، ليتحول إلى تكوين مواد داخل الجسم تساعد على تخفيفه ولا تقضي عليه تماما، وأن النساء يتحملن الألم بصورة طبيعية بشكل أفضل من الرجال عن طريق الاستعداد النفسي، بينما يحاول الرجال التخلص منه بشكل علاجي ودوائي.

ولكن الأمر يختلف عند كبار السن من الجنسين، فهم يتسامحون مع الألم نفسيا ويتحملونه أكثر لإعتقادهم أن الأمر طبيعي مع التقدم بالعمر. وبذلك تنتهي قصة من تراثنا العربي تصور أنّ الخيانة لابد وأن ترتد على صاحبها يوماً ما.

 

أستاذة  راغدة شفيق محمود الباحثة السّوريّة في علوم اللّغة

د. محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصريّ.

 

صائب عبدالحميد

تحية إجلال وإكبار أيها الراحل الكبير..

أعلم أن كثيرا منا سيعرفك اليوم بعد رحيلك أكثر مما كان يعرفك في حياتك .. وسيندبك بعض من كان يصد عنك أو يشتمك، بدءا ببعض تلاميذك، وانتهاءً بالمجمع العلمي ووزارة الثقافة ووزارة التعليم العالي. لا تثريب عليكم، فقد قال لكم قبل رحيله:

لأعرفنّك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي

وأعلم أن الكتابة عنك غير يسيرة، برغم سبعة أعوام ونصف من الرفقة في المركز العلمي العراقي. فبحرك عميق، وقاعك سحيق، وأفقك لا يطير اليه طائر، ومداك تصغر دونه مديات.

وإني لا أستسيغ ما اعتاد عليه الكُتاب وهم يتحدثون عن شخصيات معاصرة، فيسرحون باستعراض سيرهم الذاتية، لتطل علينا الشخصية المعنية من بعض نوافذها.

ما أجمل عنادك وأنت تصر على رأيك، وتهز الجدران بحنجرتك الضخمة التي كانت خادما أمينا لما في أعماقك.

ما أجمل تأملك، وعيناك محدقة بالسقف، لتستنطق الفكرة وانت تفكر بالانجليزي، ثم تعود لصياغتها عربيا، بمقدرتك الفذة على تأصيل المفردات، وتحليل المصطلحات.

ما أعجب قدرتك على الحوار، وتشقيق الأفكار، وتفريق الفروع، ثم لملمتها من جديد، وصوتك الهادر لا يعرف التعب ولا الملل. وكأنك تتمنى امامك جيشا من المحاورين في شتى الموضوعات، لتبحر بهم في بحورها، وترسو بهم على مرافئها.

593 متعب مناف جاسم

وأعترف لك الان أن هذا كان أحيانا يصيبني بالملل والضجر، حين تبدأ صباحك معي في غرفتي، ولا تخرج منها حتى الظهيرة، لا تكف عن تقليب المواضيع وتفريع النقاش. فثمة فوارق بيننا في هذا، رغم إعجابك بآرائي، فجدولي الصغير لا يجاري بحرك الهائج، وحنجرتي الضعيفة لا تحاكي حنجرتك الحديدية، ونزعتي الى الايجاز المفرط، حتى لكأنني أعد كلماتي بأصابعي، لا تتماشى مع نزعتك المفرطة في التفصيل والاطناب والتحليق بعيدا دون رغبة في العودة.

وكم هو جميل ذاك اللقب الذي كان يطلقه عليك بعض أساتذة علم الاجتماع؛ (الطاغوت)! رغم أنهم لا يطلقونه حبا وإعجابا، إنما لمقاصد أخرى يعرفونها هم، وقد يعرفها آخرون، فأنت لا ترحم أحدا يدعي انه يعلم، ولا تماري أحدا يزعم أنه يسلك مسالك الباحثين الجادين، فيما تراه أنت دون ذلك. محظوظون جدا أولئك النفر المعدود من أساتذة علم الاجتماع الذي نالوا اعترافك بجدارتهم، أتذكر أنك كنت تثني من بينهم على الدكتورة لاهاي عبد الحسين، والدكتور الذي رحل قبلك بعام، كريم محمد حمزة، وكنت معجبا بالدكتور فالح عبد الجبار وإمكاناته.

لقد تحررت كلية الآداب من هذا (الطاغوت) بحجة واهية، ووقفت منه موقفا ستندم عليه اليوم كثيرا، ولات حين مندم.

لو كانت كل واحدة من كليات جامعاتنا تحظى بـ (طاغوت) مثلك، لكان وجه التعليم الجامعي لدينا وجهٌ آخر، وجهٌ أكثر إشراقا وعطاءً وبهاء.

أما في المركز العلمي العراقي، فلم تكن (الطاغوت) بل كنت الطاووس، الذي نتباهى به، ونتواضع أمامه. مكتبك العريض، وكرسيك العالي، كانت معدة لطاووس يزين المكان فلا يترك فيه فجوة لصمت، لكنك لا تدري كم صار الصمت طويلا بعد غيابك في مرضك منذ عام ونصف. وبقي مكانك، وبقي عنوانك باللوحة الذهبية التي تنتصب أمامك (المستشار العلمي أ.د. متعب مناف) ترقب عودتك، لكن رحلتك الأخيرة كانت الى وجهة أخرى نرجو لك فيها الراحة والإحسان من رب الاحسان.

يذكرك بالخير زميلك في هيئتنا العلمية بالمركز، البروفسور علي مطشر (عميد كلية العلوم التطبيقية بالجامعة التكنلوجية، رئيس قسم العلوم التطبيقية في المركز العلمي العراقي) يذكرك بالخير ويستعيد ذكريات الساعات الطوال من السجال الدائم بينكما، والذي يتراوح بين حوار وجدل، يتصاعد أحيانا حتى نقول نحن بيننا (تعاركو الشياب).. ثم يخمد العراك على فنجان قهوة او استكان شاي، وقهقهة عالية منكما.

ويذكرك بحب البروفسور هاني محيي الدين حاج حمد (خبير الأثار واستاذ كلية الفنون الجميلة) وانت تستوقفه الساعة والساعتين لتستنزف كل ما له صلة بأبحاثه، وكثيرا ما كنت تمازحه وتستطيب ردوده.

يذكرك حواريوك الأوفياء لك، الدكتور رسول مطلق، والدكتورة أيسر عبد الرحمن، والاستاذة رغدة نبيل، والأستاذ ليث عباس، والأستاذ صاحب محسن، والإعلامي الأستاذ حيدر شوكان.

تذكرك نشرة (رصْد) التي اخترت انت اسمها، وصدرت أعدادها التسعة عشر بإشرافك.

إعجابك بالكتابات المتمردة، الناقدة، كان يكشف عن رصدك الدؤوب لكل جديد.. وقد يعجبك الكتاب وتكثر الثناء عليه من فقرة واحدة فيه، ترى انها تستحق أن تكون لوحدها هي الكتاب.

أما رؤيتك في التاريخ فقد كانت جديرة بأن تدوّن في كتاب يحمل اسمك، تتردد أصداؤه في ارجاء المعمورة، على الرغم من اختلافي معك في بعض محاور افكارك الجوهرية، والتي كان يتكرر فيها النقاش والسجال بيننا، واذا كنت أرغب بإنهاء السجال، ولا تنهيه أنت مهما طال، فأحتج عليك بكتابك (تاريخ الفكر الاجتماعي) فتضحك وتقول: "انت ماسكني من هذا العنوان، رجعلي الكتاب اغير عنوانه، فأقول لك هيهات، سبق السيف العذل".

كم كنت جميلا أيها الطاووس عند من يفهمك، وينظر عن قرب الى طول باعك وعمق أفكارك وسعة بحورك..

حريٌ بكلية الآداب بجامعة بغداد، كي تكفّر عن شيء من خطيئتها معك، أن تضع لك نصبا تذكاريا في باحتها، وتضع اسمك المهيب على احدى قاعاتها.

نعم قرير العين بعد كل ما لاقيت، فاسمك يجلجل على مرأى من رآك طاغوتا، وفي قلب من رآك طاووسا.

 

د. صائب عبد الحميد

 

علي المرهجيفصل بين قلعة سكر وقرية (بني ركاب) جسر حديدي نُسميه جسر أبو (الدوَب)، وهو جسر طائف يُحملُ على صناديق حديدية تُسمى (الدوَب)، توضع بين (دوبة) وأخرى قوائم تمتد بعرض أمتار ستة بين (دوبة) وأخرى، و(الدوبة) هي غرفة حديدية مجوفة مُحكمة القفل يملؤها الهواء مطلية بـ "القير" أو طلاء لمنع تآكل الحديد.

كانت هُناك أغنية مشهورة تُغنيها سميرة توفيق "يا عين موليتين يا عين موليه جسر الحديد انكطع من الروحه والجيه" والجسر لم تقطعه (الروحه والجيه) بل تقطعه مرَات إرتفاع الماء وسرعة موجاته.

(الدوَبة) جسر الهوى وتلاقي الريف بالمدينة، وهي ذاكرة العبور من الألم للفرح، عند أهل القرية، فبين الجُرفين يتحول الغراف من ريف التعب إلى شغف اكتشاف الحضر، ولكنه عند أهل المدينة (الحضر) شغف بنسائم الغراف وجمال الطبيعة الأخَاذ للتخلص من صخب الحياة والألم.

يبدو أن الإشباع هو الحد الفاصل بين الجمال والقُبح، فكل ما لا نشبع منه فهو يُمثل عندنا مثال الجمال وشغفنا في تحقيقه بوصفه المُتمنى، فابن الريف يرى في المدينة جمال النظام والتناسق الحضري، ولا يرى في الريف مثلما يرى ابن المدينة، والعكس صحيح.

في زيارة ليَ للقرية التي يقطنها أبناء العمَ كُنت قد زرتُ ابن عمَ ليَ لم يخرج من القرية وعمره بلغ الثامنة عشر، فسلمتُ عليه، وقلت له (ها محمد شلونك) فأجابني (شلوني خويه، ماكل تبن) وهو يركب حماره ورجلاه تخطَا في الأرض، فتعجبت من ردَه، لأنني مُعجب بجمل الريف ونقاء طبيعته وفطرة أهله فقلت له (ليش خويه ماكل تبن حشاك) فأجابني على الفور (خويه طكت روحي أريد أشوف الولايه، وأبشرك كربت) فقلت له كيف؟، فردَ عليَ (باقي جم يوم وأتحق بالعسكريه، وأخلص من أبوي وهذا التعب مال الكاع والرعي. خويه مليت وعلي بن بي طالب، شيب راسي)!. في هذه اللحظة عرفت أن الإشباع من عدمه هو مصدر الحُكم على جمال الحياة من قُبحهها.

لأعود لحكايتي:

كان أبناء الريف يأتون للمدينة وجميعهم يحلمون بجمال لم تراه أعينهم، وكان جُلَ همهم أكل (الكباب) والجلوس في مقاهي المدينة، فقد كانت قلعة سكر ملأى بالمطاعم والمقاهي، وأغلبها تعتاش على القادمين من الريف، شباب ورجال. أما بنات الريف فكُنَ يأتينَ يحملنَ على رؤسهن (صواني) من عطايا القرية من الجبن والقشطة (قيمر العرب) وبعضهنَ يحملنَ في (الزنبيل) بعض من البيض الطازج ودجاج العرب و (الفسيفس) = (الديك الرومي) و (البش) = (الوز العراقي) ليبعنَ ما يحملنَ لبعض من تُجار المدينة في (السوك الجبير) وهو سوق قريب من جسر (الدوَب) وكثير من بنات الريف يرمنَ التخلص مما حملت رؤوسهنَ، ولأنهنَ ذاقنَ الألم من فرط ما حملنَ، ولنباهة ابن المدينة التاجر (الشايلوكي) تجده ينتظرهنَ عند بوابة جسر (الدوبة) فيُرحب بهنَ، وستجدهنَ فرحات بترحيبه ولكنهنَ لم يعرفنَ ما يُضمر لهنَ بعد هذا التهليل والترحيب.

وأتذكر واحداً من الذين يشترون من بنات القرية ونسائها اللواتي يحملنَ (كواصير) التمر والجبن وقيمر العرب في (السوك) يستقبلهنَ بالترحيب والتهليل، (هلا بالحبياب، هلا ابنات عمي) وهُنَ فرحات بترحيبه، فيزن ما عندهنَ من نتاج الماشية والداجن، فيُعطيهنَ أجرهنَ بعد أن جف عرقهنَ، وهُنَ يملأهنَ السرور.

كان (دكان) هذا الرجل مملوء بالدبس والراشي والتمر (المجبوس) والجبن والقيمر والسمسم و(بيض العرب)...إلخ، وهو دُكان قديم لا إضاءة فيه، مُعتم، في مُقدمته دكة مصنوعة من بقايا الصفيح و (الجينكو) مرفوعة على بقايا أعمدة قديمة.

أما صاحب الدكان، فهو كبير السن ملتحٍ بلحية ليست كثة، يملؤها الشيب، يُظهر الوقار، ولكن سنحته تدل عليها حركاته وإيماءاته التي تشي بأن خلف هذا الوقار يختبئ ثعلب ماكر. دشداشته ملأى بالثقوب من فرط ما يقع عليها من جمرات سكائر اللف، وهي دشداشة عتيقة لا ترى الغسل، أظن أنها كانت بيضاء وما السمرة التي وشحت بها حتى ظننا بأن لونها هكذا هي من فرط ما اتسخت به من التراب ودخان السكائر. أسنانه صفراء لم يمسسها الملح ولا غررته وبالتأكيد الفرشاة لا علم له بها ولم يكن هو فقط بل جُلَ أبناء المدينة.

مُحدودب الظهر قليلاً أجش الصوت ضعيف البنية.

ولشطارة شيطانية يكتنزها هذا (البيَاع شرَاي) بعد أن يزنَ حمولة بنات الريف، وهُنَ لا دراية لهنَ في الحساب يُخبرهنَ أن حُسابهنَ مقداره دينار أو أقل بقليل وربما أكثر، وهُنَ يحسبنه (التقي النقي) وبعض من التُجار يستغربون تعاطف هؤلاء النسوة معه لمعرفتهم به، ولكنه شاطر يُتقن خُداع النسوة الريفيات لأنه بعد أن يزن حمولتهنَ بعد خُداعهنَ بقيمة الوزن كأن يكون عشر كيلوات ونصف، فيُخبرهنَ بأنه تسع كيلوات ويُحاسبهنَ على هذه القيمة الوزنية، ولكنه مُخادع (شايلوكي) وبعد حين يلحقهنَ قُرب (راس الجسر)، بدايته من جهة المدينة، ليُخبرهُنَ بأن لهنَ حساب باق، وهو لا يرتضي لنفسه خُداع أحدهنَ، وهُنَ فرحات بهذا التاجر الذي (يخاف الله) ولم يعرفنَ أنه سارق لكيلو أو أكثر من حُملوتهنَ، ولكنه يُتقن اللعب والتزييف.

يبيع ويشتري وكل من يبيعنَ له راضيات مرضيات لأنه يُسدد لهنَ فارق الأجر في الوزن كونه يخاف الله!!، ولم يعرفنَ يوماً أن فارق الأجر هذا إنما هو فارق جهل وتجهيل بين من يعلم بمقدار المكيال ومن لا علم له.

وبقيَ تُجار السوق الذين لا يُتقنون الكيل بمكيالين خارج لعبة الحياة في اللعب على جهل (الآخرين)، بنات الريف اللواتي لا علم لهنَ سوى أنهنَ يثقنَ بمن وضع التشريع والكيل بمكيالين، ولكنه موضع ثقتهنَ، ولم يدَر بخلدهنَ أن من يدعي تفقهاً في اتقان الكيل أو التشريع المعياري للقيمة الاقتصادية لا يعني بأي حال من الأحوال أنه غير مُفسد، ولا أدل على ذلك من تاجر جسر أبو (الدوَب).

 

ملاحظة: الصورة منقولة لأحد جسر الدوّب في محافظة ذي قار، وقلعة سكر أحد أقضيتها.

 

ضياء نافعنقطتان أود أن أتوقف عندهما في بداية حديثي عن أ. د. حكمت شبّر واؤكد عليهما، اولهما،  انهم احرقوا كتابه المنهجي عندما كان تدريسّيا في كلية القانون بالجامعة، وهي ظاهرة شنيعة وغريبة وفريدة جدا في تاريخ جامعات العراق  وتقاليدها العلمية، ولا اعرف مثيلا لها طيلة فترة عملي في جامعة بغداد اكثر من 35 سنة متواصلة، وقد ذكر هذه الحادثة أ.د. حكمت شبّر نفسه بتفاصيلها كافة (في مقالته بعنوان – في الذكرى السبعين للاعلان العالمي لحقوق الانسان)، وأشار في تلك التفاصيل حتى الى اسم عميد الكلية الذي قام بهذا العمل المشين والدنئ . اما النقطة الثانية، فهي ما ذكره كامران قره داغي مرة في احدى مقالاته حول اقتراحه بتعيين حكمت شبّر بمنصب مدير مكتب رئيس جمهورية العراق السيد جلال طالباني ليحل محل كامران نفسه (وبعد ان حصل على موافقة طالباني)، وكيف تصرّف حكمت آنذاك، اذ طلب من كامران  ان يمهله قليلا من الوقت كي يفكر بالموضوع، ثم اعتذر حكمت بعدئذ عن توليه ذلك المنصب نتيجة ظروفه العائلية الخاصة . لقد أشار احد المعلقين على هذه الحادثة قائلا- ان تعيين حكمت شبر في هذا المنصب كان اصغر من حجمه الحقيقي، وان حكمت تصرف بدبلوماسية عالية حيال الامر، اذ ان رفض المنصب رأسا كان قد يؤدي الى نتائج سلبية، اما تصرفه كما تم ذكره ، فقد انتزع بهذه الطريقة (فتيل الانفجار او الغضب!) بهدوء وخبرة عالية في شؤون الحياة، وهكذا خرج حكمت من المأزق سالما، ومحتفظا في نفس الوقت بمكانته وقيمته العلمية وصداقته بكامران.

بعد النقطتين التي توقفت عندهما، أعود الى الحديث عن د. حكمت شبّر منذ البداية .

وصل حكمت الى موسكو في بداية الستينيات، بعد تخرجه في كلية الحقوق (كما كانت تسميتها آنذاك) بجامعة بغداد (وهي الان كليّة القانون)، اي انه كان المحامي العراقي حكمت شبّر، ودرس في قسم الدراسات العليا بكلية القانون في جامعة لينينغراد الشهيرة (جامعة بطرسبورغ حاليا)، وكان متميّزا بمعرفته المعمقة في اللغة الروسية، وقد كنت شاهدا  مرة -  وبالصدفة المحضة -  كيف (تبارى!) حكمت مع مجموعة من الطلبة العراقيين حول ترجمة المصطلحات الروسية الى العربية وبالعكس في اروقة جامعة موسكو اثناء انعقاد احدى مؤتمرات رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي (وكان مندوبا لفرع الرابطة في لينينغراد)، وكيف خرج حكمت (منتصرا !) من تلك المباراة.

كان  حكمت شبّر منسجما جدا مع الطلبة العراقيين  ومع المجتمع الروسي الذي كان يحيطه، بل كانت هناك تسمية (شبه سريّة) في اوساط العراقيين ل (ثلاثي لينينغراد) يتكون من حكمت شبّر ومحمد كامل عارف وكامران قره داغي كمندوبين للجنة الدفاع عن الشعب العراقي في لينينغراد (وهو ثلاثي يجسّد الان - وبكل صدق - وحدة العراق حسب المصطلحات المعاصرة للحياة السائدة في عراقنا اليوم، هذه المصطلحات التي تؤكد – مع الاسف الشديد - على الفوارق القومية والطائفية - قبل كل شئ - بين ابناء الشعب العراقي الواحد) . ويسعدني ان اقول هنا، ان هذا الثلاثي قد برز – وبنجاح رائع – في الحياة الفكرية العراقية بعد تخرجهم ورجوعهم الى العراق، ويعّد تألقهم طبعا نجاحا علميا باهرا لخريجي الجامعات السوفيتية كافة آنذاك (انظر مقالاتنا بعنوان – كامران قره داغي والادب الروسي في العراق / محمد كامل عارف ويسينين / محمد كامل عارف يكتب عن زهاء حديد بالروسية).

أ.د. حكمت شبّر اصبح واحدا من الاساتذة الجامعيين البارزين في جامعة بغداد والمستنصرية، وبقي اسمه لامعا حتى بعد الالتفاف الخسيس ضده، واخراجه من الجامعة بحجج سياسية واهية، بل ان هذه العملية زادت من شهرته وقيمته العلمية في اوساط الاساتذة الجامعيين، وليس عبثا انه استعاد (بعد اكثر من عشرين عاما)  لقبه الجامعي العلمي الذي استحقه اثناء عمله في الجامعة، وهو الاستاذية (بروفيسور)، لانه رفض آنذاك الخضوع الى رأي عميد الكلية، الذي اراد اجباره على الدخول في حزب البعث .  وحكمت شبّر اصبح شاعرا معروفا في الاوساط الادبية العراقية، وأذكر كيف ألقى قصيدة في حفل تكريمي للاستاذ الدكتور كمال مظهر أحمد في اتحاد الادباء والكتاب العراقيين، وكيف استقبلته القاعة بالتصفيق الحاد، اذ كنت انا حاضرا في تلك الاحتفالية، وألقيت كلمة عن أ.د. كمال أشرت فيها، الى ان اسمه ورد في كتاب اصدرته اكاديمية العلوم السوفيتية في نهاية الستينات حول المصادر الروسية عن العراق، وانه شغل المكانة رقم واحد بالنسبة لعدد البحوث بين الباحثين العراقيين كافة . لقد كانت قصيدة حكمت شبّر محاكاة لاحدى قصائد الجواهري الشهيرة، وقلت له بعد الحفل، انها(ذكرتّني!) بتلك القصيدة، ولم  أقل انها محاكاة، وابتسم حكمت برضا ولم يرغب بالحديث المتشعب حولها، لان الموضوع قد يؤدي الى استنتاجات خطيرة طبعا في تسعينيات القرن الماضي. وحكمت شبّر باحث علمي من الطراز الاوّل في مجال اختصاصة، وهو واحد من الخريجين النادرين، الذين أصدروا  اطروحته بالعربية  في بغداد، اضافة الى انه واحد من المترجمين البارزين عن الروسية في العراق، وقد ساهم باصدار ترجماته  في مجاله العلمي.

تحية للدكتور البروفيسور والمحامي والشاعر والمترجم والمثقف العراقي المتميّز حكمت شبّر .

 

أ.د. ضياء نافع

 

السكرتير الاسبق للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في سطور

تواردت الاخبار بعد ظهر يوم الاربعاء  31 / 5 / 2017 من مدينة اربيل حول وفاة عزيز محمد السكرتير الاسبق للحزب الشيوعي العراقي، للفترة 1964 ــ 1993، عن عمر يناهز 93 عاما، وكعادة العراقيين بدأ تداول وانتقال الخبر بينهم عبر طرق التواصل المختلفة مع هالة من المديح والاطراء للراحل جعلت منه اقرب ما يكون الى الالهة والقديسين والانبياء، من خلال ذاكرة عراقية تواردت الاخبار بعد ظهر يوم الاربعاء  31 / 5 / 2017 من مدينة اربيل حول وفاة عزيز محمد السكرتير الاسبق للحزب الشيوعي العراقي، للفترة 1964 ــ 1993، عن عمر يناهز 93 عاما، وكعادة العراقيين بدأ تداول وانتقال الخبر بينهم عبر طرق التواصل المختلفة مع هالة من المديح والاطراء معطوبة ومشوهة بقصد او دون قصد، وبالتالي انهال علينا الطبالين والمزمرين والمداحين والمتملقين بعشرات التقارير والمقالات عن التاريخ النضالي والانجازات الوطنية والحزبية الفذة للراحل, واكمالا للصورة ادرج هنا بعض المحطات من حياته، وما خفي كان اعظم، ليطلع الجيل الصاعد من الشيوعيين واليساريين وغيرهم على الحقيقة وفقط الحقيقة، والتي يتجاهلها البعض لغرض في نفس يعقوب ولتحريف الوقائع تماشيا مع المصالح الشخصية وسوء النفس البشرية وازدواجية الشخصية العراقية .

ح6

رفاق عزيز محمد يكتبون عنه

عزيز محمد وحسين سلطان

حسين سلطان يكتب عن فترة قيادة عزيز محمد للحزب الشيوعي العراقي *

 في اجتماع آب عام 1967 أنتخب عزيز محمد سكرتيراً أول للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. وفي ذلك الاجتماع أقر تقرير سياسي وقرارات أخرى تتعلق بالأمور التنظيمية .

لماذا اختير عزيز محمد لهذا المنصب؟

على ما أعتقد ان عزيز محمد اختير لهذا المنصب لكونه لم يدخل في صراعات فكرية مكشوفة طيلة حياته الحزبية، وكان طابعه العام يميل الى المصالحة من خلال ايجاد الحلول الوسطية ــ التوفيقية ــ هذا من جانب، ومن جانب آخر، فان أغلبية الكوادر والقادة الأكراد نجوا من حملة انقلاب شباط عام 1963، حيث كانوا في منطقة كردستان، في حين أغلبية الكوادر والقادة العرب الشيوعيين صفوا جسدياً، أو معنوياً خلال ذلك الانقلاب .

بالاضافة الى ان عددا من قادة الحزب كانوا منحّين عن اللجنة المركزية وفي اجتماع آب أعيد اعتبارهم، فلم يكن من الممكن تقديم أحدهم لهذا المنصب بسب ترسبات الماضي ولما كان (أنور مصطفى) وهو عبد السلام الناصري، مرشحاً للمكتب السياسي، وعزيز محمد هو عضو كامل فيه، فهذا الأمر رجح تقديم عزيز على عبد السلام الناصري .

هذه هي الأسباب التي جعلت عزيز محمد يكون القائد الأول في الحزب الشيوعي العراقي. واذا أخذنا تاريخ عزيز محمد وحياته الحزبية منذ دخوله الى الحزب والى أن صار سكرتيراً أولاً للجنة المركزية، يكون في حقيقة الأمر غير مؤهل لأشغال مثل هذا المركز المهم في حياة حزب جماهيري، يتصدر نشاطات الطبقة العاملة وجماهير الفلاحين وكل القوى الوطنية والديمقراطية ألا وهو الحزب الشيوعي العراقي وتاريخه المجيد .           

من هو عزيز محمد؟ وما هو تاريخه الحزبي؟

عزيز محمد ترعرع في عائلة فلاحين في أحدى قرى اربيل. انتقل مع أمه الى مدينة أربيل، وهنالك جرت له صلات مع الأحزاب القومية  مثل شورش وهيوا، وبعد ذلك انتقل الى الحزب الشيوعي عام 1946 وعمل في أحدى خلايا الحزب. وعندما ألقيّ القبض على الرفيق فهد وحازم وحل في مركز القيادة يهودا صديق ومالك سيف، حاول هؤلاء أن ينقلوا مكان المطبعة وتبديل العاملين فيها. وطلبوا من فرع الشمال أن يختار عائلة غير معروفة في الوسط الحزبي ونقلها الى بغداد. ولهذا وقع الاختيار على عزيز محمد وأمه. ونقل الى بغداد وسكن بيت المطبعة في عام 1947 وكان عمره الحزبي لا يزيد على سنة واحدة. ولم يمارس أي نشاط حزبي سوى وسيلة غطاء على كادر الطباعة كونها عائلة تسكن هذا البيت أمام الناس المحيطة به.  وبقى عزيز محمد وأمه في هذه المهمة أقل من عام واحد، حيث انهار مالك سيف ويهودا صديق، عام 1948 وغدروا بكل الكوادر والأجهزة، وكان من ضمن تلك الأجهزة بيت المطبعة ومن فيه. ودخل عزيز محمد السجن عام 1948 هو وأمه مع المئات الذين شملهم الاعتقال في ذلك الوقت .                                                                                      

ومن كل هذا فان عزيز محمد دخل السجن وهو بدون تجرية سياسية أو تجربة تنظيمية وتعلم في السجن من أساتذة الأحزاب القومية الكثير من الدروس، من أمثال حميد عثمان وصالح الحيدري وغيرهم ، فن الدسائس والتآمر والمكر والخداع .

وبعد اعدام قادة الحزب في شباط 1949 عصفت رياح عاتية، جعلت سفينة الحزب تتلاطم بها الأمواج حتى أسفر أمر تلك السفينة بيد الأقليات القومية. وكأن الحزب أصبح ملكاً صرفاً ــ طابو ــ لهذه الأقلية والى يومنا هذا، عدا فترات قصيرة. وبتأثير أفكار المنظمات القومية التي تربى في ظلها عزيز محمد، في بادئ الأمر تعلم أيضاً في السجن الانتهازية واللعب على الحبال مستغلاً الجهل والتطرف لقيادة بهاء الدين نوري محرضاً عليه المناضلين دافعاً بهم نحو الانشقاق، منذ عام 1951. وفي عام 1952 ظهرت في السجن رسالة عرفت باسم رسالة ــ م ــ وهي تشير الى الحرف الأول مـــن اسمه المستعار (مخلص) وكانت هذه الرسالة الانشقاقية لمنظمة راية الشغيلة، التي يتجنب عزيز محمد ذكرها في كل المناسبات. هذه هي البيضة الأولى لعزيز محمد في الحياة السياسية والتنظيمية في السجن، وبقى على هذه الحالة أشبه بالماء الراكد في مختلف مجالات  الحياة السجنية، الى أن وقعت ثورة 14 تموز عام 1958. وبذلك انهى عزيز وآخرون عشر سنوات في السجن. وبعد أن أطلق سراح عزيز محمد من السجن، ضم الى عضوية اللجنة المركزية ومن ثم عيّن مسؤول منظمة الحزب في محافظة كركوك. وعندما وقعت أحـداث كركوك عام 1959 كان هو على رأس المنظمة هناك، وحضر اجتماع اللجنة المركزية لتقديم تقرير عن مسير الأحداث وأسبابها ودوافعها .

وقبل الاجتماع بفترة أيام، ألقى عبد الكريم قاسم خطاب في كنيسة المار يوسف، هاجم فيها حزبنا دون أن يذكر اسمه، وكان الاجتماع متوتراً والرفاق كلهم أذان لسماع ما يقوله مسؤول كركوك. واذا بعزيز محمد يفتتح حديثه بالقول : (والله لو كنت أنا في مكان عبد الكريم قاسم لما قلت الا كلامه الذي قاله في الكنيسة ). وكانت هذه البداية كالصاعقة نزلت على مسامع الرفاق، والكل في دهشة ويريد أن يسأل عن السبب واذا بقائد كركوك يقول : أيها الرفاق فلتت الأمور من يدنا وضعنا في وسط الأحداث، والرجعية هي التي سيرت الأمور وأحدثت الكارثة .

على ماذا يدل هذا القول؟ . . . انه في الحقيقة يدل على أمور كثيرة. ولكن لنذكر أبسطها في ذلك الحين. يمكن القول ان الرجل لم يتمرس في العمل الحزبي ولا يعرف النشاط الجماهيري واسلوب تنظيمه، وهو يفتقر الى فن القيادة. كونه لم يمارس مثل هذه النشاطات في حياته الحزبية .

فاذا كان سنة واحدة في أربيل في بداية حياته الحزبية، وسنة في بيت المطبعة، وعشر سنوات في السجن، فأين مارس مثل هذه النشاطات  الجماهيرية؟  لا شيء بطبيعة الحال .

وبقى هذا الرجل، الذي يظهر بمظهر الخجول يعمل في كردستان الى أن حلت الكارثة بالحزب عام 1963 .

عزيز محمد بلا موقف سياسي معلوم فهو دائما وسطي، ميال الى الأغلبية ، بدون رأي واضح ، حتى اذا كانت تلك الأغلبية على خطأ صارخ ، كما حصل في السنين الأخيرة .

عزيز محمد و خط آب

ان عزيز محمد أنتخب سكرتيراً للجنة المركزية في ذات الاجتماع الذي أقر خط آب 1964. وعندما واجه هذا الخط معارضة من الكوادر الحزبية، وأخذت تلك المعارضة تنشط يوما بعد آخر. تملص عزيز محمد من مسؤوليته. ورمى تلك المسؤولية على عاتق بعض الرفاق  باعتبارهم قد بلوروا هذا الخط، وهو لا علم له بتفاصيله، وخرج من المعركة سالماً وأطيح بعدد من الرفاق على انهم المسؤولين عن خط آب من خلال الكونفرانس الثالث للحزب .

وسارت الأمور الى سنة 1968، أي بعد أربع سنوات على خط آب حيث جاء حزب البعث الى السلطة وهو يدعوا حزب الشيوعيين الى عقد الجبهة. وكانت قيادة عزيز محمد المايعة، مرهونة بموقف البرزاني. وبقى خمس سنوات يراوح في مكانه وهو بلا طعم ولا لون. وفي عام 1973 عقدت الجبهة.

                                                                                                   حسين سلطان                  

..........................

كتب المرحوم حسين سلطان، الموضوع أعلاه في أواخر الثمانينات وسلمني النسخة الأصلية المدونة بخط يده، وكانت الوحيدة. وللأمانة للنص أنشرها كما هي، وكنت، في مذكراتي، قد أبديت رأيي في صفات الرفيق عزيز محمد القيادية، من كل جوانبها، السلبية والايجابية.             

  من مذكرات باقر ابراهيم

* أرسلَ الينا مشكورا المناضل باقر ابراهيم النسخة الأصلية للموضوع مكتوبة بيد المرحوم حسين سلطان . خ . ح                                                                                                                      

 

علي المرهجسأخاطبك بعيداً عن كل الألقاب التي تستحقها (البروفيسور) و(عالم الاجتماع)، سأخاطب (سماحتك)، لا بسلبية هذا الوصف حينما يُطلق على بعض رجال الدين بقدر ما عرفتك فيه من وصف يليق بك كُله جللُ.

عرفتك عن قُرب وعشتُ بعض لحظات مع (سماحتك) التي لا تمنحها إلَا لمن يستحق السماحة حقاً لأنك (مُتعب) وهي من سمات إسمك المُتعبُ لأولئك الذين لا يفقهون ما يقولون، وأشهد أنك (مُتعبٌ) لمن هُم لا يعرفون طبيعتك و(طبيعة المُجتمع العراقي) من بعض أساتذة علم الاجتماع الذين يخشون سماع صوتك قبل معرفتهم بوجودك، لأنك ستُعّريَ عقولهم الخاوية.

سأخاطبُ عقلك البهي وروحك الندية لا تزعل علينا نحن من أحبتك من الذين لا طاقة لهم سوى التعبير عن محبتك.

نستميحك العُذر سيد المعرفة في فضائك المعرفي لأننا لم نُتقن التعبير للوفاء لك إلّا بعد فقدك.

أعترف بأننا أناس نُجيد النقر على الطبل ساعة الحُزن، ولكننا لا نُحسن التعبير عن المحبة ساعة الحاجة لها.

أعتذر لك وأنا حاسر الرأس مُنكسرُ بأنني من أتباعك الذين خذلوك، ولم يدر بخُلدي أن مثلك سيموت فمن أمثالك في عُرفي سيخلد.

لا تنم قرير العين، لأننا لم نُعطكِ حقك وأنا أولهم وكم مثلي كثير لأمثالك يخذلوا.

عرفتك وأنا غظُ طريٌ، في المرحلة الثانية في كُلية الآداب ببغداد/ قسم الفلسفة، حينما سمعت أن هُناك أستاذاً في علم الاجتماع سيُلقي مُحاضرة عن الحضارة والعُمران عند ابن خلدون في مكتبة كلية الآداب التي أُفتتحت حديثاً ـ آنذاك ـ وكنت أعرف بعض أفكار هذا الفيلسوف لأنني ابن (شارع المُتنبي)، وطالب الفلسفة، وحين دخولي وجدَتُ بعض من الأساتذة والطلبة يملأون باحة المكتبة التي عُقدت فيها المُحاضرة، وبلحظات إمتلأت القاعة وبعد برهة طلَ علينا شخص مُتوسط الطول مُحدودب الظهر قليلاً، نحيل الجسم، فجلس على كُرسي المُحاضر، وبعد أن قدمه أحد الأساتذة بدأ بالحديث فساح وصال وجال في مُحاضرته ينتقل بنا تارة للحديث عن انجازات ابن خلدون وتارة أخرى يُقارنها بنتاجات (توينبي) و(شبنجلر)، ولم يكن تُفارقه لغته الاصطلاحية ومُعجميته الاجتماعية المُستمدة من عُلماء الاجتماع أمثال (دوركهايم) و(كارل مانهايم)، وبين الفينة والأخرى يحضر اسم (علي الوردي)، ولم أكن من قبل أعرفه كما يستحق أن يُعرف.

خرجتُ من هذه المُحاضرة وأنا مزهواً بهذا الأستاذ، ومزهواً بنفسي فقد ملأ عقلي بطاقة إيجابية منحتني ثقةً بأنني قادر على اكتشاف المُضمر في المعرفة، وسيكون بمقدوري ادراك القيمة المعرفية لكل هذه الأسماء والمصطلحات التي سمعت بها.

حاسبت السنين التي مضت وهي قليلة لأأنها لم تمنحني فُرصة النهل من معرفة هذا الكبير في خُلقه ومعرفته، فآثرت التواصل معه، وكسب ودَه، وبعد مُضيَ سنوات أربع وحال تخرجي من (الباكالوريوس) وعودتي للدراسة في الماجستير، أول عمل قُمت به هو الذهاب لمتعب مُناف والحديث معه في مكتبه في قسم الاجتماع بكلية الآداب بغرفة كان يُشاركه فيها أكثر من تدريسي، فرحب بي كعادته مُبتم المُحيا في ترحيبه لمن يُحب، فتحاورنا حواراً كسبت فيه ودَه حقاً، وأقول حقاً لأنه ودَعني كمن يودَع الأب ابنه، فعشقته، فآثرت زيارته كُلما تمكنت، فكُنت بين مُدَة وأخرى أتحين الفرصة وأختلق المُناسبة لزيارته، وكان يستقلبني خير استقبال، فيقول ليَ (علاوي أنت عقلك حلو، ظلَ هالشكل تعترض وتشاكس) لأنني كُنت كثير الاعتراض على بعض مما يطرحه، وبعد زمن قصير سمعت أنه تعرض لمشكلة مع د. نزار الحديثي، كما أذكر، لربما لا تخص د. نزار بقدر ما تخص القسم، أي قسم الاجتماع، لكنني سمعت أن المُشكلة حُلَت بحلٍ لا يرتضيه د. متعب بنقله إلى كُلية التربية المُقابلة لكُلية الآداب، فزُرته بعد حين ولم أرغب في تذكيره وسؤاله عن تفاصيل هذه المُشكلة التي أدَت إلى نقله لأنني كُنت راغباً حقاً برؤيته، لا بإثراة شجونه، وحالما وصلت إلى مكتبه وسلمت عليه قال لي: (علاوي، جمعت مجموعة من الطلبة النابهين وأنت منهم كي يكونوا ضمن فريق للدراسات الاجتماعية والفكرية سمَاه كما أتذكر "المنصَة"، وهو يروم منه أن تكون منصَة للتعبير الحرَ عن مشاكل مُجتمعنا بطريقة أكاديمية عقلانية، أتذكر منهم: علي وتوت هو اليوم أستاذ علم الاجتماع بجامعة القادسية، وأسماء جميل هي اليوم أستاذة الاجتماع بجامعة بغداد، وعبدالجبار هو اليوم أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، وعلاء حميد هو اليوم دكتواره أنثربولوجي يعمل في الشبكة العراقية وآخرون لا تُسعفني الذاكرة لتذكرهم، فكُنَا نجتمع في مكتبة كُلية التربية، كما أتذكر، فكان د. متعب يبتدأ الحديث ليُناقش قضايا مُجتمعية مُهمة، منها قضية المرأة، ومُشكلة التخلف، وإشكالية التراث والحداثة، وبعدها يترك الحديث لنا نحن مريديه، فيُنصت لنا ويُصغي ويتداخل معنا بأبوَة فيُزيدنا ثقة به وبأنفسنا.

593 متعب مناف جاسم

نتيجة للفقدان الحُرية في العمل الأكاديمي لم تستمر هذه الحلقة بالانعقاد، فصار كُل منَا يُحاول إكمال دراسته والإنشغال بحياته الاجتماعية، فمرَت السنوات، وحصل جُلنَا على الدكتوراه، وتفرقنا بين الجامعات العراقية أشتاتاً، وبعد سقوط النظام الديكتاتوري الذي لم يُنصف د. متعب كُنَا نأمل أن مثله سيكون له حضوره الذي يستحقه في النظام الجديد، ولكنه لم ينل منه سوى المُعاناة فانطبق عليه المثل العراقي القائل (لا حظت برجيلها ولا خذت سيد علي) فجاء هذا النظام بصبغته الطائفية المقيتة فصنَف السُنة بخانة السلطة (المُستفيدين) وصنَف الشيعة (المظلومين)، ولم يُميَز قادته بين سُنة مُعارضين فيُنصفهم، وشيعة مُطبلين فيُقاضيهم، فخسر السُنة اللاصداميين ممن لا يُجيدون اللعب على الحبال والضحك على الذقون، وربح الشيعة الصداميين من الذين يُجيدون الرقص على الحبال والضحك على الذقون، وخسر الشيعة اللاصداميين الأشبه بالسُنة اللاصداميين، وكسب السنة الصداميين الأشبه بالشيعة الصداميين، وتلك من مهازل التاريخ!!.

إلتقيت صدفة بدكتور متعب ببيت الحكمة بعد سقوط النظام في مؤتمر، فكُنت فرحاً بلقائه وقد بادلني الشعور ذاته، وكُنت من قبل لم أستخدم كُنية (المرهج) في الكتابة، ولكنه كما يبدو كما هو أستاذي المرحوم مدني صالح كانا مُتابعيَن ليَ، فبادرني بالقول: (ها ابن مرهج شلونك) وكُنتُ من قبل قد سمعت ما يشبه هذه الجملة على لسان أستاذي مدني صالح ـ رحمه الله ـ قبل وفاته ـ بزيارة له وكان يعرفني باسمي (علي عبد الهادي) إلَا أنه بزيارة لي له لأُسلم عليه قال لي (أها علي المرهج خوش تكتب).

بعد حديث طويل ذو شجون تبيَن ليَ أن د. متعب يمر بمُعاناة لا حصر لها يُحيق به المرض من جهة وكيد الكائدين من جهة أخرى، وعرفت أمر فصله من كُلية الآداب، ودَعته على أمل اللقاء به مورورق العينين لا قُدرة ليَ ولا دراية بكيفية مُساعدته.

بعد مُدة من الزمن دعاني للعمل معه الصديق العزيز د. صائب عبد الحميد (المؤرخ المعرف) للعمل في (مؤسسة الأبحاث والتنمية الحضارية) التي كان يشغل فيها منصب المُدير التنفيذي، وهي مؤسسة مجتمع مدني مُستقلة، فعملنا معاً فترأست قسميَ الفلسفة والدراسات المُستقبلية، وكان من أقسام هذا المركز هو قسم الدراسات الاجتماعية، ولم يكن له رئيس فكُنت أكلف ببعض أعمال هذا القسم، فطرحت على د. صائب استضافة بعض الأسماء المُهمة في علم الاجتماع، ومنهم د. متعب، الزميلة العزيزة د. أسماء جميل فوافق على الفور، فرتبنا أمر الضيافة فاستقدمت د. مُتعب الذي أبهر الحضور بخزينه المعرفي الاجتماعي والفلسفي الهائل، ومنذ ذلك الوقت أُعجب به د. صائب، بل وأُعجب به المُشرف العام على المركز د. إحسان الأمين.

بعد هذه المُحاضرة القيَمة للدكتور متعب انعقدت صداقة طيبة بينه وبين د. صائب، فمرَت الأيام وأُقفلت (مؤسسة الأبحاث والتنمية الحضارية) بسبب العجز المالي وقلَة التمويل.

بعد طولَ زمن تمكن د. صائب من تأسيس (المركز العلمي العراقي) بدعم من (التيار الصدري)، فباشر د. صائب بعمله كمدير عام لهذا المركز، فاستدعى بعض من يرغب هو في العمل بمعيته، فكان د. متعب واحداً منهم ليترأس قسم الدراسات الاجتماعية، وقد زرتهما في هذا المركز فكان د. صائب في مُقدمة المُرحبين، لما فيه من دماثة خُلق وفيض علمٍ، وبعد جمال هذا الترحيب كان لا بُدَ لي من العرفان لصاحب العرفان أستاذي الحبيب د. متعب، وبمجرد أن أدلف لغرفة مكتبه الذي يجتمع فيها مع د. علي مطشر عميد كُلية العلوم في الجامعة التكنولوجية ببغداد.

نظرته ليَ نظرة محبة في عينيه قبل مبسم شفتيه ترحيب بصوت أجش (أها المرهج وينك غايب) فأستحي مه ولا ردَ ليَ عليه، (علاوي أشتاق لمشاكستك، وك ظل هيجي لا تبطل) فأسأله عن جديده، ليُجيبني مُبتئساً وهل من جديد يُستحق أن يُكتب وسط هذا الخراب يا مرهج؟. لكن والحق يُقال أنه كان نبعاً للمعرفة لا ينضب، وفي كل حين عنده جديد.

بعد أن تسنم د. إحسان محمد الأمين منصب أمين عام بيت الحكمة وقد عرف د. متعب حينما قدَم مُحاضرة في مركز الأبحاث والتنمية الحضارية الذي كان يشغل فيه منصب الأمين العام أيضاً ولاعجابه به من فرط ما تحدثنا عنه بوصفه قيمة وقامة معرفية عراقية استدعاه د. إحسان ليترأس قسم الدراسات الاجتماعية ببيت الحكمة البغدادي، وكنت قد شاركت في مؤتمره الدوليَ الأخير الذي عقدَه قسم الدراسات الفلسفية بعنوان (دور الأفكار الفلسفية في الحوار الثقافي الإسلامي ـ إيران والعالم العربي) في 21 ـ 22ـ شباط 2018، فجلستُ بقُربه، وهو كعادته مزهواً بنفسه لا يُعجبه في البحث سوى ما يكتب هو ومن يظن بهم خيراً، وكُنت أنا منهم كما يُخبرني وهو قادر على ابداء قناعاته لا مُجاملة عنده لمن لا يظنَ به خيراً في المعرفة والنظرية وتحسس مُتغيرات الواقع.

تركنا هذا البصري الولادة بألمعيته الأخَاذة السامرائي الأصل جيناته الوقَادة بما يحمله من نكهة عراقية بطعم البرحي البصري المسقي بنهر الفرات، ورقي سامراء المُمتلئ من سُكر ماء دجلة وعذوبته ، كلاهما البرحي والرقي عالٍ سُكرهما وطيب مذاقهما، وتلك من مآثر المعرفة عند متعب مناف عالٍ في المعرفة طيَب تذوقها عند من أدرك مقاصده وتقرب من ضفافه. أما من غوته حلاوة أطروحاته وغاص في أعماق تكوينه المعرفي فهو كمن أغوته تُفاحة آدم سُيطرد خارج المنظومة الأكاديمية التقليدية المُحافظة وسيجد نفسه كما وجد متعب مناف نفسه خارج أسوار الجامعة العراقية التي برَ بها ولم تبَر به وا أسفاه!، فقد فُصل هذا العالم الجليل من وظيفته بعد أن مرض وذهب لسوريا لللعلاج، ولفورَة الأحداث الطائفية، ولكبر سنه لم يستطع المُباشرة في الدوام الرسمي، فما كان لكلية الآداب من بُدَ سوى فصله، ولم تجد له عُذراً...!!.

تلك هي الدُنيا تفتح أبوابها مُشرَعة لمن يُتقن اللعب بـ "البيضة والحجر" كما يقول أخواننا المصريون، أو (الكلاوجية) بلهجتنا العراقية. ولأن متعب مناف لا يُتقن صناعة (الكلاوات) و تزوير الأعذار، فمن المؤكد أنه سيخسر وظيفته كأستاذ أول وعالم فذ في كلية الآداب بجامعة بغداد، وهذا ما حصل، ولربما هُناك مُلابسات أخرى، ولكنها لن تكون عُذراً لرئاسة الجامعة التي تخلَت عن مفخرة عراقية وأيقونة أكاديمية كان في تخليها عنه سوء تقدير بأقل وصف وجهل بقيمته وقامته المعرفية لا يليق بجامعة مثل بغداد أن تُصف به.

أظن أن في موته حشرجة في (الزردوم) لكل من يعرف قيمته، وندمٌ عند من لم يعرفه لأنه لم يُعطه ما يستحقه إن كان في جبينه بعض من حياء.

لا توديع لأمثالك، فالحاضرون الفاعلون لا توديع لهم.

فأنت (فاتحة) المعرفة، فلا يُغني (الفاتحة) أن نقرأ على روحها (الفاتحة)، ولمن يرغب بقراءة (الفاتحة) على روحك الزكية الندية فهو مُحبٌ صادقٌ، ونحن صادقين في قناعتنا بوجودك بيننا.

كلانا نعشقك، من يظن أنك (فاتحة) في المعرفة، ومن يهوى قراءة سورة (الفاتحة) على روحك التي تهيم بالعراق عشقاً من جنوبه إلى شماله عكس المعهود لأنك هكذا تنظر للهرم مقلوباً، وأمثالك قليلون.

لا أقول لك وداعاً لأنك تسكن الروح والقلب والوجدان، لكنني سأقول إلى اللقاء يا نقي وتقي وأبي وبهي وشجي....

 

ا. د. علي المرهج – استاذ فلسفة

 

فالح الحمرانيصادف اليوم، الحادي عشر من ديسمبر/ كانون الأول 2018 الذكرى المئوية لميلاد الأديب والمفكر الروسي البارز الكسندر سولجينيتسن. إن اسم سولجينيتسين معروف في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في العالمين العربي والإسلامي. والكسندر سولجينيتسين حائز على جائزة نوبل، وهو مؤلف العديد من الروايات التي من بينها " يوم واحد من حياة إيفان دينيسوفيتش" و "جناح السرطان" والدائرة الأولى" و"اغسطس 1914" فضلا عن القصص القصيرة وقصائد النثر والملاحم التاريخية/ الوثائقية " أرخبيل الجولاج" و" الطاحونة الحمراء"، وهو مفكر اجتماعي/ سياسي بارز، وأحد الشخصيات التي لعبت أدوارا رئيسية في القرن العشرين.

ولا يمكن المبالغة في أهمية دور وأنشطة الكسندر سولجينيتسين، وكذلك إبداعاته  الروائية،  كآخر كلاسيكيي الأدب الروسي، واصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اصدر مرسوما بشأن اليوبيل الخاص بالأديب والمفكر في عام 2018. وتشهد العديد من العواصم الغربية هذه الأيام الاحتفاليات بيوبيل سولجينيتسين، حيث تعقد المؤتمرات والندوات والمعارض، وتعرض الأفلام الوثائقية عنه.

في عالم سولجينيتسين

ولد الكسندر إسيايفتش سولجينيتسين عام 1918ن (بعد ستة اشهر من وفاة والده) في الجنوب الروسي، من أب عسكري وأم من سلالة ملاك الأراضي الأغنياء. جردت السلطات السوفيتية، في سياق سياسة التأميم، عائلة والدته من ممتلكاتها، ولاحقت أفرادها، فاضطر وأمه للنزوح إلى مدينة رَستوف ـ نا ـ دَنو القريبة من موطن العائلة، وهناك امضى طفولة قاسية ملؤها الفاقة والحرمان في ظروف سكن سيئة. ويتذكر من تلك السنوات مصاحبته والدته لتأدية الصلاة في الكنائس التي جرى إغلاقاها الواحدة بعد الأخرى. وإن تلك الزيارات غذت في داخله الشعور الديني الذي رافقه طيلة حياته.

ويقول إن ميوله الأدبية ظهرت في وقت مبكر، فكان يشارك أصدقاءه في إعادة كتابة القصص التي يطالعونها، وكتب الشعر، وساهم في مسرح مدرسته مخرجا وممثلا. والتحق عام 1936 بجامعة رَستوف، وانضم فيها إلى كلية الفيزياء والرياضيات، ودرس في الوقت نفسه بالمراسلة في جامعة موسكو الفلسفة والأدب والتاريخ. وفي سنوات دراسته تزوج من صديقة طفولته ناتاليا ريشتوفسكايا، التي ستنشر عنه لاحقا كتابا تشهيريا، أصدرته  " وكالة نوفستي" الرسمية للقارئ الأجنبي، في إطار الحملة ضده في السبعينات. وسيق سولجينيتسين مع بدء الغزو الألماني للاتحاد السوفياتي، وحصل على رتبة " ليتينانت" ونال نوط الشجاعة. وفي عام 1945 ضبطت المخابرات العسكرية رسائله المتبادلة مع صديق العمر نيقولاي فيتيكيفتش، التي عبرا فيها بصراحة عن ميولهما السياسة الساخطة وسخرا من رموز الحكم السوفياتي السابق. فالقي القبض عليه، وقضت المحكمة بحبسه ثماني سنوات، أمضاها متنقلا بين السجون والمعتقلات، وعقب إطلاق سراحه اُرسل إلى المنفى ليعمل مدرسا على مشارف صحراء كازاخستان، ولم يُرد الاعتبار له إلا في عام 1965، بعد أدانه الحزب الشيوعي السوفياتي سياسة عبادة الفرد الستالينية.

عوالم روايات سولجينيتسين مُشتقة من أجواء المعتقلات ومعسكرات العمل الإجباري التي أقامها النظام الستاليني بما في ذلك لمعاقبة المنشقين والمشكوك في ولائهم للسلطة. عوالم لا تعرف الشفقة، غارقة بالعطن والرطوبة، يستولي عليها الرعب وتنقرض فيها الحياة بالعمل الشاق والْمُضْنِى  والمنهك للقوى الجسدي. وفي قصصه القصيرة استقصاء لآلام الحياة في الأقاليم النائية، حيث الجوع والإهمال والخراب الروحي، وتحويل العمل إلى عبودية.

دخل سولجينيتسين عالم الأدب في أواخر خمسينات القرن الماضي، إبان مرحلة الدفء الذي تسرب إلى الحياة السوفيتية عقب فضح الزعيم السوفيتي الأسبق نيكيتا خروشوف ممارسات نظام يوسف ستالين وسياسة عبادة الفرد، ومنح فسحة لحرية الكلمة والفكر. وتحول سولجينيتسين بعد صدور روايته الأولى " يوم واحد من حياة إيفان دينيسوفيتش" عام 1962، بغتة إلى أديب صاعد " النجومية"، بعد نشرها في مجلة " العالم" السوفياتية، تلقفتها دور النشر الغربية فترجمت إلى اللغات الأجنبية، وترجمت للعربية في وقت لاحق، لكن القارئ العربي تعرف أولا على روايته " جناح السرطان". وطبقت شهرته الآفاق. ولم تعرف الأوساط الأدبية قبل ذلك عملا يُذكر لسولجينيتسين، فمؤلفاته بقيت مخطوطات أو محفوظات في الذاكرة، يخشى عواقب نشرها. وحصلت "يوم واحد من حياة إيفان دينيسوفيتش" على المباركة الشخصية من الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف، الذي كان بحاجة الى حلفاء لتعميق خططه المناوئة لسياسة ونهج يوسف ستالين، وتوطيد (خروشوف) مواقعه في القيادة السوفياتية، وكسب الرأي العام لجانبه في مواجهة الحرس القديم الذي بقى مواليا لستالين. وشكلت رواية سولجينيتسين الأولى تمردا جسورا على مبادي مدرسة " الواقعية الاشتراكية" في الأدب، فليس في " يوم واحد..." شخوص إيجابية أو سلبية بالمعنى المتعارف عليه حينذاك، ولم تتضمن وقائع تهدف الى تجميل المنجزات الاشتراكية، ولم تختتم بنهاية سعيدة، تخلق روح التفاؤل.

تدور أحداث قصة " يوم واحد من حياو إيفان دينيسوفيتس" في أحد معسكرات العمل الاضطراري النائية، وتصور حياة دينيسوفيتس، الفلاح شبه الأمي المفعم بشعور الكرامة وخبرة الحياة، الذي وجد نفسه من دون ذنب في معسكر العمل الإجباري بعد فراره من الأسر الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، فعاود الالتحاق بفرقته للدفاع عن وطنه، ولسذاجته ابلغ عن واقعة أسره، ولم يلفقها بحكاية كما فعل آخرون، فدارت حوله الشبهات، بأن تكون المخابرات الألمانية قد جندته لصالحها في مهام تجسس أو تخريب، فتم اعتقاله على هذا الأساس، وحكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات، لم يُستبعد أن تمتد بصورة تعسفية حتى نهاية العمر. يوم واحد على غرار آلاف الأيام من حياة إيفان، ومئات المعتقلين الآخرين الذين ساقتهم المصادفة التعسة إلى : النهوض قبيل انبلاج الفجر لمواصلة أعمال البناء وشق الطرق وبناء الجسور وحفر الأرض والحجر الصلد في ظروف الشتاء القارس، والخضوع للسلطة المطلقة التي يمارسها الحرس: الإحصاء المتكرر "لقطيع" البشر الذين تحولوا إلى مجرد أرقام، الانتظار بذل في طابور أمام نافذة المطعم لتسلم ما يسد الرمق والبقاء على هامش الحياة، وهواجس الخوف من التفتيش الذي تقوم بم السلطات الأمنية بشكل مباغت، وتبادل الاحاديث بخفوت قبيل النوم، لبث شجون الروح واستعادة صور الحياة التي كانت. يمر هذا العالم الشاحب، عبر عدسة ورؤية إيفان، الذي ظهر كشخصية نمطية من بين نزلاء معسكرات العمل والسجون في تلك الفترة الكالحة.

لم يستطع أديب سوفيتي قبل سولجينيتسين من رسم الويلات الرهيبة لمعسكرات العمل بهذه الدقة والحيوية النابضة، وبلغة روائية تميزت بتعدد مستوياتها واختلاط لغة الراوي والشخوص فيها، وتقريبها بسطوع لمن لم يجتز هذه المحن المريرة، وتساقطت حبات زمن يوم واحد طويل جدا. وكتب المختص بأدب سولجينيتسين، الفرنسي جورج نيفا: "إن قوة العمل لا تنحصر في طرح الأديب أنماطا بشرية حية على غرار إيفان، بل في نكهة العبارة ووقع الكلمة المشحونة بموسيقى ذات رنة خاصة، إنها لغة سولجينيتسين المتفردة، وعمق سرده الذي يجفل القلب". ولم تلق الرواية، بالطبع، الارتياح لدى الجميع، فالمحافظون الحزبيون ابدوا الامتعاض منها بشكل سافر، وشموا فيها رائحة العداء للسلطة السوفياتية، التي كرس سولجينيتسين حياته لمحاربتها.

ومضى سولجينيتسين بعد "يوم واحد..." في نشاطه الأدبي والاجتماعي الذي لم يرق للسلطة السوفياتية، وجرت ملاحقاته ومنعت نشر أعماله، ومن ثم قررت طرده إلى المنفي عام 1974 فانتقل من ألمانيا  محطته الأولى ليقيم في الولايات المتحدة الأمريكية حتى 1994 ليعود إلى وطنه.  وتعكرت أجواء إقامته في الغرب حينما تعرض لحملة واسعة بتهمة العداء للسامية المتستر في مختلف أعماله الروائية. وانتقد في مقالاته ومحاضراته النظام الليبرالي الغربي، ومجتمع الاستهلاك وانفلات الحريات وسيادة النزعات المادية على الروحية، من وجهة نظره.

أرخبيل غولاغ*

إن النجاح الذي حالف قصة " يوم واحد من حياة إيفان دينيسوفيتش" وتقويم النقاد لها كعمل فني رفيع وجاد، واستحواذها على شرائح واسعة من القراءة، ووقعها كالصاعقة في يوم صاف على الراي العام السوفياتي، وتحريكها المياه الساكنة على الساحة السوفياتية عموما، اغرى سولجينيتسين للمضي أبعد في معالجة الستالينية، كظاهرة سياسية وتاريخية، من زوايا مختلفة، وبأساليب متعددة. فشرع في آن واحد كتابة عدة مؤلفات، واستكمال ما اختمر في ذهنه، وعكف على جمع الوثائق اللازمة  لإنجاز عمله الكبير الآخر " أرخبيل غولاغ"، وكتابة رواية " جناح السرطان" التي طرح فيها انساقا مختلفة للواقع السوفياتي من خلال أجواء مستشفى لمعالجة المرض الخبيث، شخوصها الأطباء والمرضى من لحم ودم، لكنه في نهاية المطاف أنماط اجتماعية تتوزع في خانات الأخيار والأشرار، إنها رواية كذلك عن الحياة والموت ببعديهما الشخصي والقومي/ الوطني. وفي الوقت نفسه بدأ في قصته الطويلة " الدائرة الأولى" التي استعار عنوانها من ملحمة " الكوميديا الإلهية" للشاعر الإيطالي العظيم دانتي" 1263 ـ 1321"م. والمعروف أن دانتي خصص " الدائرة الأولى" في جحيمه للفلاسفة والشعراء الوثنيين تقديرا لهم. وإذ كان جحيم سولجينيتسين يرمز إلى معسكرات العمل ألإجباري والمعتقلات التي زج بها الأبرياء، فان " الطبقة الأولى" كانت معهد سري للأبحاث في مجال الفيزياء، احتجزت السلطات فيه جمهرة من العلماء، ليمضوا فترات الحكم عليهم بين جدرانه، ويواصلوا بحوثهم اللازمة للدولة. وتضج الرواية بالمناقشات والجدل عن الأدب والفلسفة والتاريخ وشخصية يوسف ستالين، للاستشراف على حقيقة الحاضر وإدراكه، فهي عن المجتمع في ظل الستالينية كنظام، وعن الرجال والنساء الذين كابدوا المرحلة، عن المعتقلين وموظفي خدمات السجن.

ومع صدور ارخبيل غولاغ ، التي استمر في كتابتها زهاء عشر سنوات، واضطراره لتهريبها سرا لتنشر في الغرب، يكون سولجينيتسين قد انجز واحدة من أعماله المركزية للقضية التي كرس حياته لها. وجمع مادة عمله الأساسية من معايشته الشخصية وشهادات المعتقلين سابقا. فجاءت وثيقة تاريخية وملحمة بكائية تنز بالحزن والأسى والنقمة على شرور المعتقلات، ووجهها المروع، وسرد فيها الأديب حوادث واقعية، وتحدث عن شخوص فعليين لم يخلقهم من بنات مخيلته. وتخللت كل تأملات نفسية وفلسفية العنف. وتخللت كل ذلك تأملات نفسية وفلسفية لتفسير العنف. ويقول سولجينيتسين عن الاعتقال كحدث جسيم في حياة الفرد: انه لحظة انتقال عجيبة من حالة إلى أخرى، حينما يطرح بالإنسان، ويغبش العقل في إدراك ما يدور حوله، ولم يسع لأكثر الناس حنكة وتبصر بالحياة أن يعثر ما يمكن قوله سوى الغمغمة:" أنا؟ وبأي ذنب؟".

ويظهر عمل " أرخبيل غولاغ" جزيرة معزولة ومغلقة تتحكم فيها قوانينها المتوارثة، بيد أن العرف السائد فيها هو قانون الغاب على حد تعبير أحد شخوصها، إنه وثيقة عن جانب مما ارتكبه الإنسان من فضائع ضد أخيه الإنسان في القرن العشرين. وأحدث " أرخبيل غولاغ" هزة عميقة في الضمير الأوروبي، وفي ضوئها أجرى العديد من أساطين الفكر الأوروبي المتعاطفين مع الفكر الاشتراكي واليساري عموما، مراجعة شاملة في مواقفهم الأيديولوجية، وأعلن بعضهم القطيعة التامة مع الاتحاد السوفياتي و الفكر الماركسي/ اللينيني كعقيدة، واشتدت على إثر صدوره، حملات النقد القاسية للنظام السوفياتي، واستثمرته قوى دولية واستخباراتية كانت تغذي " الحرب الباردة"، لمصالحها الخاصة. وأسس سولجينيتسين في " أرخبيل غولاغ" جنس أدبي جديد، إنه الرواية ـ الوثائقية التي لم يعرفها الأدب السوفياتي.

ويوصف سولجينيتسين بأنه آخر كلاسيكي في الأدب الروسي. ويقارنه دارسوه بليف تولستوي، صاحب الحرب والسلام، لاستطراداته الفكرية، فالأحداث التاريخية الكبرى في روايتهما تتحول إلى خلفيات ترسم في إطارها الشخوص وقيمها، وتتشح أعمال كلا الأديبين الكبيرين بالواقعية السايكولوجية، وتتشرب بحب عميق لروسيا. ويقترب سولجينيتسين بسيرته الذاتية، وبقدرته على الغوص في أعماق النفس البشرية، من فيدور دوستويفسكي مؤلف   "الجريمة والعقاب". والأدب بالنسبة لسولجينيتسن كما يحب أن يردد" وسيلة للدفاع عن الحقيقة والقيم الأخلاقية". ومع أفول مرحلة الدفء في الحياة السوفيتية، التي انتهت تماما بترحيل نيكتا خروشوف عن السلطة خريف 1964، انتعشت الأصوات التي ناصبت سولجينيتسين العداء، وتحولت إلى حملة رسمية لملاحقته، ومصادرة مخطوطاته والتضييق على نشر أدبه. والتجأ إلى تهريب مؤلفاته لنشرها في الغرب، وزادت حدة تصريحاته الانتقادية للسلطات السوفياتية، ومن ثم حصوله على جائزة نوبل للآداب لعام 1970 وغيرها من الجوائز الغربية، من ضيق السلطات السوفياتية به، وراحت تعامله كعدو للبلاد، وتم احتجازه في شتاء 1974، وصدر قرارا بسحب الجنسية السوفياتية عنه، وترحيله إلى الخارج، فكانت ألمانيا الفيدرالية محطته الأولى في المنفى، لينتقل بعدها إلى فيرمونت في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث واصل نشاطه الأدبي والفكري حتى عودته إلى بلاده عام 1994 .

الرواية التاريخية

كشف التطور اللاحق في أدب سولجينيتسين عن أن تناوله لشئون الساعة في روايته، كانت مرحلة عابرة حددتها الظروف، وأن الموضوع الرئيسي الذي كان يعد نفسه له تمثل في كتابة الرواية التاريخية. وبهذا الصدد قال في مقابلة تلفزيونية إن شعورا  استحوذ عليه منذ شبابه المبكر بأن مهمة ملقاة على عاتقه بكتابة تاريخ ثورة أكتوبر 1917 البلشفية التي حسب رأيه تم " تزييف وتلفيق حقائقها" . وجمع سولجينيتسين في  منفاه أرشيفا ضخما ونادرا من المذكرات والوثائق وشهادات أشخاص شاركوا في الأحداث التي مهدت لانهيار الإمبراطورية الروسية عام 1917 . واتخذ من تاريخ عائلته ومواطن إقامتها مادة لروايته التاريخية" أغسطس/آب: 1914" و"مارس 1918"ومن ثم روايته الملحمية " الطاحونة الحمراء". ولم تكن هذه الأعمال روايات بالمعنى التقليدي، فإلى جانب الحدث ثمة تحقيقات واستطرادات فكرية، وقصاصات من صحف المرحلة، فجاءت قراءة غير رسمية للتاريخ. ويذهب سولجينيتسين في تلك الأعمال إلى أن ثورة أكتوبر لم تكن خيارا روسيا وإنما دبرها الغرباء والدخلاء، واصبح الشعب الروسي ضحية لها، مدللا على ذلك بما يُسميه عمليات الإبادة الجماعية التي تعرض لها الروس. وفي كتابه " لينين في زيورخ" يشير إلى أن ثورة أكتوبر 2017 كانت مؤامرة حاكتها ألمانيا بالتحالف مع المغترب حينذاك " فلاديمير لينين"، واستهدفت حرف التاريخ الروسي وقطعه عن تطوره الطبيعي، فروسيا سولجينيتسين محافظة، لا تهضم الفكر الليبرالي المتطرف، الغريب على لحمتها ويتوجب أن تنهض بقواها الذاتية بهدوء من دون هزات عنيفة، وبعث تقاليدها القديمة، إنها روسيا الفلاحية المعافاة روحيا، والصحوة الروحية كما يراها سولجينيتسين أهم دائما من التقدم الصناعي. ويبرز في أعماله بصورة واضحة أو مستترة دور العامل اليهودي في الكوارث والهزات التي لحقت ببلاده، فالشخصيات اليهودية غالبا ما تبدو غير نزيهة مشكوك ولائها لروسيا، وتنضوي في النواة الأولى لأجهزة القمع، وبرايه إنها تتصدر الأنشطة الهادفة لتهشيم الدولة الروسية  وأثارت افكار سولجينيسين هذه حملة واسعه في الغرب ضده من قبل الطوائف اليهودية والقوى المتعاطفة معها، ولصقت به تهمة معاداة السامية ويرمي الأديب/ المفكر أيضا بنظرة انتقاد إلى الحضارة الغربية المعاصرة  لونها كما يرى حضارة مادية بحتة أفضت إلى إضعاف روح القوميات وقتلت القيم الأخلاقية، إنها وفق تعبيره حضارة الخلاعة. وحاول في كتابه " 200 عام معا" أن ينفي عن نفسه هذه التهمة، ويبين التعايش الروسي/ اليهودي على مدى 200 عام، الذي لم تكن سماءه دائما صافية.

لم تكن عودة سولجينيتسين  لبلاده في منتصف التسعينات عودة طارئة لقضاء فترة راحة واستجمام، لقد عاد وفي يده مشاريع عديدة كي تسترد روسيا روحها. ففي كتيبه، كيف ينبغي إقامة روسيا" يرى أن روسيا المستقبل هي اتحاد سلافي من أوكرانيا وبيلوروسيا وروسيا وجزء من كازاخستان. إنها روسيا التي تخلت عن نزعاتها الإمبراطورية وعن الوهم بلعب دور تاريخي مميز في العالم وجره نحو جنة موعودة. وعليها أن تشعر بالندم إزاء الشعوب التي استعبدتها، وتكفر عن ذنوبها وتبحث عن خصوصيتها بعيدا عن استنساخ مظاهر الحضارة الغربية. وقال سولجينيتسين عند عودته إنه قد أنجز المشاريع الكتابية التي خطط لها ولم يبق أمامه الآن سوى المساهمة في "إخراج روسيا من المستنقع الذي وجدت نفسها فيه".

إن منهج سولجينيتسين  يهدف إلى عكس الواقع  بأقصى  حد الأمانة، ويركز على تحليله وتقويمه. إن صور أشخاص روايته هي تجسيد ملموس لمعارف الكاتب وخبراته عن الواقع المعاش، واطلاق حكما عليها بأدوات فنية، وفيما يلتزم بقواعد الواقعية الكلاسيكية فانه يبث فيها روح الحداثة والتجديد لتنسجم مع عالم القرن العشرين المعقد والمتغير. ويكتسب شكل أعماله النثرية تأثير الأدب الروسي الكلاسيكي في القرن التاسع عشر وما يليه من كتاب المرحلة التالية سواء من الواقعيين أو من أصحاب المدارس الأخرى.

 

د. فالح الحمـراني

.....................

*كلمة ( غولاغ) هي اختصار لمسمى المديرة العامة للمعسكرات والمعتقلات