محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن خطاب الدكتور محمد عمارة بين دفتي الفكر، وفي هذا نقول: لقد خاض الدكتور محمد عمارة معارك فكرية على جبهات كثيرة جداً، وفي وقت واحد. خاض معركة الإحياء والتجديد، كما ذكرنا، وخاض معركة الدفاع عن أصول الإسلام وعقائده ومبادئه العليا، وخاض كذلك معركة الدفاع عن الأمة ومصالحها في الميدان السياسي، وميدان الجهاد والاستقلال، ومحاربة الاستعمار والتدخل الأجنبي في شئوننا الداخلية، وكذلك كانت له اهتمامات على جبهة رابعة، وهي جبهة الاجتهاد والتجديد، فهو قد أسهم في تجديد كثير جداً من القضايا؛ منها قضايا التعددية في النظام الحزبي وفي الحياة الاجتماعية بشكل عام، وقضايا العلاقة مع الغرب والموقف من الغرب، والموقف من الحضارة الأوروبية، ورأي الإسلام في الفن والفنون الجميلة.. إلخ .. كما خاض معركة المصطلحات، وحذرنا وحذر أجيالاً عديدة من خطر استخدام المصطلحات الوافدة والمستوردة من الخارج. وأدلى برأيه في كل القضايا المهمة، ليس مدافعاً فقط وإنما مجدداً أيضاً، في كل هذه الساحات مرة أخرى هو قلعة حصينة من قلاع الإسلام، ذلك حسب قول إبراهيم البيومي غانم في مقاله المفكر الإسلامي الراحل الدكتور «محمد عمارة».

 وفي مناظرة متلفزة جمعته بالناشطة النسوية والكاتبة المصرية، نوال السعداوي، قال إن "فلسفة الميراث لا ترجع إلى معيار الذكورة والأنوثة".، إلى ذلك انتقد عمارة تركيز التيارات الإسلامية على السياسة، وإهمالها المشروع الإصلاحي، وتجاهلها مسألة العدالة الاجتماعية.، كما خاض سجالات مع البابا شنودة والكنيسة القبطية، ودعا المسيحيين إلى الخروج عن "وصاية الكنيسة والانخراط في نشاط المجتمع المدني" على حد قوله.

  وقد مر محمد عمارة بتحولات فكرية عديدة، فرغم نشأته الدينية والأزهرية، إلا أن عمارة كان في بداياته يسارياً عروبياً منظراً للفكر الماركسي؛ ففي ثلاثينات القرن الماضي انضم عمارة إلى حزب "مصر الفتاة" وكرس نشاطه دفاعا عن العروبة ومحاربة الاستعمار. ثم انضوى عام 1949 تحت "الحزب الاشتراكي".

 وبعد ثورة 23 يوليو التي أطاحت بالملكية في مصر، انخرط في التيار اليساري الذي ناضل فيه نحو عقد من الزمن، حيث تسببت أفكاره ومواقفه السياسية في فصله عن الجامعة، لتقوده في عام 1959 إلى السجن، واستغل عمارة فترة سجنه، التي ناهزت ست سنوات، في الكتابة فألف أربعة كتب كانت بمثابة إرهاصات لتحول فكري جديد. وانتهى به المطاف إلى مغادرة الجبهة اليسارية والانضمام إلى التيار الإسلامي، واقترن اسمه منذ الستينات بلقب المفكر الإسلامي، وتميزت تصريحاته في تلك الفترة بانتقاد من يسموهم بغلاة العلمانيين، وعن تحوله الفكري، قال عمارة في تصريح صحفي أنه " دخل اليسار من باب الدفاع عن القضايا الثورية والعدالة الاجتماعية. لكنني اكتشف أن حل المشكلة الاجتماعية هو في الإسلام وليس في الصراع الطبقي والماركسية".

  ظلت المفاهيم والشعارات الاشتراكية كالحرية والعدالة الاجتماعية حاضرة في تصريحات ومقالات عمارة؛ فعلى على سبيل المثال، يرفض المفكر الوظيفة العمومية ويعتبرها نوعا من أنواع العبودية، رغم أنه تقلد أكثر من منصب رسمي فقد كان عضوا في مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ورئيس التحرير السابق لمجلتها.

 وقد أفرد مغردون وسما باسمه، عددوا من خلاله خصاله ودعوا للترحم عليه معتبرين أنه لعب دورا لافتا في إحياء أعمال مدرسة التجديد الإسلامي التي أسسها رفاعة الطهطاوي وطورها محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، وغيرها من الأسماء، ويرى محبوه أنه نجح في الحفاظ على حياده، ما جعله مرجعا للكثير من الباحثين، ممن وجدوا فيه "العقل المستنير القادر على تقديم مشروع حضاري عربي إسلامي كبديل لفكرة التغريب" حسب تعبيرهم، كما نوهوا بإسهاماته في إثراء المكتبات الإسلامية بعشرات الكتب التي نجحت برأيهم في إحياء الفكر المعتزلي القائم على تقديم العقل على النقل.

 وقد وصفه إبراهيم البيومي غانم قائلا : : إن الدكتور عمارة كان من كبار رواد مدرسة الإصلاح والتجديد في العصر الحديث. هو من الذين تابعوا وأضافوا على اجتهادات الإمام محمد عبده وغيره من رواد هذه المدرسة. وهو من الذين كتبوا كثيراً، وحاضروا كثيراً، ونشروا أصول القضايا الكبرى التي اعتنت بها مدرسة الإصلاح والتجديد في العصر الحديث، وخاصة في القضايا المتعلقة بالمبادئ السياسية للرؤية الإسلامية؛ بأنها رؤية جوهرها الاعتدال، وسمتها الثقة بالذات الحضارية. رؤية تتوافق مع الفطرة الإنسانية وتتطابق معها. كان رحمه الله يؤكد هذه الصفات الأساسية، ويفند كل الدعاوى الأخرى التي تتطرف يميناً أو يساراً عن هذه المنطقة الوسطية.

 وقال عنه محمد جمال حليم في مقال له بعنوان" وداعًا الدكتور محمد عمارة.. مفكر وهب حياته للدفاع عن أمته":" نبغ عالما ربانيًا محبا للعلم يكرم العلماء ويتواضع لهم، أقبل على العلم نهما كأنما يلتمس فيه ضالته روئ مشغولا بهموم الأمة الإسلامية واضعًا على عاتقه هم إخراجها من العقبات التي ابتليت بها ولا تزال، فدافع عن الإسلام بقلمه وحرر الكثير من الشبهات التي تعترض طريقه وعقد من اجل ذلك الكثير من المناظرات الفكرية للذود عن الإسلام وتنقيته من شبهات المغالين والمنحرفين من العلمانيين والملاحدة".

 ويستطرد محمد جمال فيقول: الدكتور محمد عمارة امتاز بالنبوغ منذ صباه وكانت له ثقافة واسعة جعلته نهمًا في طلب العلم والمعرفة التي سخرها للدفاع عن قضايا أمته وتبرئة ساحة الإسلام مما ألصق بها من شبهات.. استوى الدكتور محمد عمارة مفكرًا إسلاميًا ناضجًا، ومؤلفًا محققًا ثبتًا فجذب إليه أنظار العلماء فراح يعقد الندوات ويحاضر في المؤتمرات متحررًا من قيود التبعية الفكرية مظهرًا وسطية الإسلام التي تسع الجميع.

 وأخيرا يختم محمد جمال فيقول: "امتازت ثقافته بالشمولية والتعددية فهو مثال حي لقبول الآخر؛ ولأجل هذه الثقافة كان دائما ما ينادي بالوسيطة الفكرية وعدم التشدد، وهو من حقق لأبرز أعلام اليقظة الفكرية الإسلامية الحديثة، جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم الكثير.. اشتهر بأسلوبه الجميل وصوته المميز وهدوئه في غير ضعف كما اشتهر بإكرامه الباحثين وإسدائه النصيحة للباحثين ومساعدتهم وتشجيعهم لمواصلة طريق العلم فكان بيته بمثابة صالون ثقافي كبير يفيد إليه كل من يريد الاستزادة وطلب المشورة التي يسديها فرحًا مستبشرًا.

 وفند بعضهم ما يردده أنصار عمارة عن "اعتداله" قائلين إن آراءه خدمت "الرجعية والأصولية بل وحتى الطائفية ضد المسيحيين والشيعة".، كذلك يعيب عليه منتقدوه ابتعاده عن "العقلانية" بتقديمه تنازلات لصالح المدرسة السلفية التي شنت عليه حملة بسبب مناصرته لفكرة تقديم العقل على النقل، في حين ينتقد مفكرون أمثال عمار بن حمودة "نزعة محمد عمارة التمجيدية للفكر المعتزلي"، قائلين إنه "اكتفى في البحث بما يميزهم ليسقط بذلك في دائرة التقديس المطلق".ن في حين قال عنه آخرون عمارة» صاحب التناقضات العديدة، كانت حياته سلسلة من التقلبات الفكرية، بدأها ماركسيًا متشددًا، ثم تحول للفكر الاعتزالي، ونهاها منظرا ومفكرا لجماعة الإخوان الإرهابية، حيث كان أبرز داعميه وناشري أفكاره ومطبقيها، كما كان صاحب أول بيان لرفض ثورة 30 يونيو، وساند تنظيم الإخوان الإرهابي.

  وأشار همام عبد المعبود في مقال له بعنوان " في تكريم د. عمارة.. قراءة لأهمية تفنيد الشبهات" إلي أهمية ومكانة محمد عمارة في "الذود عن حياض الإسلام"، و"تفنيد الشبهات التي يثيرها أعداؤه"، وأشار إلى "جهده الكبير في مواجهة معاول العلمانية الهدامة، وخطط الفكر التغريبي المدمر"؛ مؤيدين ترشيح مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف له لنيل جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، في مجال الدراسات الإسلامية وحقوق الإنسان لعام 1432 هجريًّا و2012 ميلاديًّا.

 وفي السنوات الأخيرة اختلفت مع الدكتور محمد عمارة بشدة حين اعتبر ما حدث في 3 من يوليو 2013 "جنوحا عن مدنية الدولة وانقلابا على مطالب الجماهير"، حيث نشر آنذاك بيانا طالب فيه الجيش بالعودة إلى ثكناته واحترام المسار الديمقراطي. وهو موقف جر العديد من الانتقادات على الدكتور محمد عمارة وعده كثيرون موقفا إيديولوجيا كشف عن ميوله السياسية.. وحتى بعد رحيله، لا تزال مؤلفاته ومواقفه السياسية محل خلاف بين المصريين.. فمنهم من يراها أطروحات "تروج لجماعة الإخوان المسلمين" .. ومنهم من يعتبرها امتدادا للمدرسة الدينية التقليدية، والحقيقة كنت أعجب به عندما كان يساريا،ولكن لما أصبح يتبني أفكار أبو الأعلي المودودي وسيد قطب وحسن البنا ذهب هذا الإعجاب، حتي أنه يقال عنه "عمارة" صاحب التحولات الفكرية.. من الماركسية إلى "منظر الإخوان"...وفي نهاية حديثي لا املك إلا أن أقول غفر الله للدكتور محمد عمارة وأدخله فسيح جناته .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

عبد السلام فاروقلدَى كل اكتشاف أثرى حديث.. يعاود عالِم الآثار زاهي حواس الظهور على الساحة، وحقَّ له أن يعود. بل هو لم يغِب أبداً عن دائرة الفعل والتأثير فى حقل الآثار قط.

المصريون اعتادوا أن ينتظروا مع كل اكتشاف أثرى الدكتور زاهى مرتدياً قبعته الأمريكية المميزة ليحدثهم عن تفاصيل هذا الاكتشاف بطريقته الحماسية العفوية الممتعة.

لقد صار رمزاً حقيقياً مؤثراً فى علم الآثار المصرى، تاركاً بصمة علمية لا شك أنها ستظل تؤثر فى أجيال تالية من دارسي وباحثى علم المصريات فى مصر وخارجها.

ليس لدينا كثيرون مثله..

الخبرة العملية الطويلة، وسعة الاطلاع، والقدرات الإدارية والدبلوماسية والإعلامية.. هى من أسرار نجاحه وتفرده.

وكعادةِ أى ناجح، تعرَّض زاهي حواس لعدّة حملات تشويه لم يكترث لها، وواصلَ عطاءَه فى دأب خلال السنوات الماضية، كأنه كان ينتظر أن يتفرغ لمنجزاته الأثرية والعلمية فى مسيرته التى ما زالت تثمر وتنبض بالعطاء الفياض.

رحلة البحث عن المجد

بالصدفة البحتة بدأ كل شئ فى حياة زاهي حواس..

كان ينتوى دراسة الحقوق ليصبح محامياً، وهالته أحجام الكتب الضخمة التى سوف يقبل على دراستها، فقرر تغيير مجال دراسته. والمصادفة هى التى قادته لدراسة مجال الآثار فى كلية الآداب.. وكان مجالاً بِكراً جديداً فى ذلك الحين.

ترَبَّى لديه الشغف بعلوم المصريات بمرور الزمن حتى غرق فى أسراره.. ما يعنى أنه اكتشف عشقه المفقود وطريقه الذى اختاره لنفسه اكتشافاً. فكانت رحلة اكتشاف الذات هى رحلته الأولى قبل رحلاته الأخرى التى دامت وتعددت.

ويبدو أن عمله فى الحفريات الذى امتد لأربعة عقود كاملة علَّمه كيف يحفر بعمق وبإصرار.. حتى فى حياته العملية.. فهو لم يكتفى بعمله الروتينى كمفتش للآثار، وإنما واصل دراساته وأبحاثه فى مصر وأمريكا، فنال زمالة فولبرايت فى المصريات فى فيلادلفيا، ثم الدكتوراه فى الفن والآثار فى أواخر الثمانينيات. كما لم يكتفى بكونه أمين عام المجلس الأعلى للآثار، ولا بتوليه منصب نائب وزير الثقافة، لكنه كلَّل مسيرته المهنية بارتقائه كرسي وزارة الآثار قبل أن يحال إلى التقاعد.

غير أنه استمر على نشاطه ودأبه بعد الستين، بل ضاعف من نشاطه لنكتشف أنه بات نجماً فى عدة أفلام علمية بأرقى القنوات العالمية المتخصصة.. إذ شارك فى تقديم عدة حلقات من البرنامج التليفزيونى الأمريكى: "Digging for the Truth"، وفى برنامج: "Chasing Mummies" على قناة التاريخ: "History channel". بالإضافة لعدة عروض تقديمية فى قنوات ديسكفرى وناشيونال جيوجرافيك العالميتان.

 وفى عام 2006 اختارته مجلة التايم كواحد من بين أهم مائة شخصية مؤثرة فى العالم.

وما يزال شغفه واهتمامه بالاكتشافات الأثرية الحديثة فى تنامِى وازدياد. حيث شارك مؤخراً فى الإعلان عن مكتشَفات وادي الملوك، التى تنبأ بها منذ مطلع الألفية الجديدة فى نهاية كتابه الشهير: "الفرعون الذهبي".

إعادة اكتشاف "توت عنخ آمون"..

 

كان هذا العنوان الأخير فى كتاب زاهي حواس الأشهر: "الملك الذهبى- عالم توت عنخ آمون" الصادر عن مكتبة الأسرة عام 2009، وقد حوَى بين دفتيه قصة أعظم اكتشاف أثرى فى القرن العشرين، والذى فتح الباب واسعاً لمزيد من الاكتشافات الأخرى ومزيد من الفهم لأسرار التاريخ المصرى الفرعوني.

وبالرغم من الحجم المتوسط للكتاب، إلا أنه ضم عدداً هائلاً من المعلومات الشيقة المزودة بصور بعضها كان يُنشَر للمرة الأولى عن قطع أثرية مخبأة فى مخازن المتحف المصري لم تُعرَض للزائرين من قبل.

إنها قصة الفرعون الذهبي كاملة، بعد أن تتابعَت الاكتشافات الأثرية وتوالَت الدراسات العلمية المتخصصة، حتى اكتملت قصة الفرعون أو كادت.

غير أن التطور التقنى المذهل أغرى الأثريين لاستخدام طرق جديدة لإعادة فهم أسرار الحياة والموت عند ملوك الفراعنة، وخاصةً الملك الذهبى الصغير "توت عنخ آمون" الذى تحوم حوله وحول عصره الغوامض والتكهنات والأسرار التى ما يزال هناك خِلاف حولها حتى اليوم.

شاركَ زاهي حواس فى محاولات دراسة مومياء الفرعون الذهبي بالأشعة المقطعية، لكنه رفض تقنية فحص الحمض النووى " DNA" واعتبرها غير مجدية فى اكتشاف جديد ,أو ربما كان متخوفاً من إساءة استخدام هذا النوع من الأبحاث أو التوسع فيه.

لم يكن هذا هو كتابه الوحيد، ولا كتابه الأهم.. لكنه كان الأول والأشهر..

بعد ذلك قام بإصدار عدة مؤلفات، خاصةً بعد أن ترك له التفرغ مساحة وقتية استطاع ملأها بتسجيل حصيلته العملية الطويلة، هكذا صدر له كتاب " 40 سنة حفائر" الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، وهى الدار التى ساهمت قبل ذلك فى إصدار كتابه الأول: "الملك الذهبي".

وفى مقدمة هذا الكتاب الأخير يكشف لنا زاهي حواس عما يعتبره الكتاب الأهم له وهو كتاب: "Valley of the Golden Mummies" الذى أصدره فى أمريكا بتشجيع من الناشر الأمريكي الجامعى: (مارك لينز)..

فى كتاب 40 سنة حفائر الممتع إعادة اكتشاف من نوع آخر..

حيث نكتشف "زاهي حواس آخر" غير الذى عرفناه سابقاً.

إعادة اكتشاف زاهي حواس

من أهم مميزات شخصية الدكتور زاهي حواس البساطة والتلقائية سواءً فى لقاءاته أو فى كتاباته التى لا تقل إمتاعاً عن إطلالته الإعلامية. إنه نموذج متكامل للمرشد الأثرى الفذ.. وهو ما أثبته لدَى مرافقته للرئيس أوباما فى 2009 عند زيارته التاريخية لمصر.

تلك البساطة نلحظها فى مقدمة كتاب 40 سنة حفائر، التى أطال فيها الحديث عن فريق عمله الذى رافقه فى حياته العملية والبحثية. لنكتشف الجانب الإنسانى لدى د. حواس، وهو لا يقل تميزاً عن جوانب تفوقه ونجاحه الأخرى.

حدثَنا فى هذه المقدمة عن عدد المرات التى تم تكريمه فيها سواء فى مصر أو خارجها.. وحصوله على وسام الجمهورية من الطبقة الأولى. إلا أن المثير للدهشة أنه اعتبر تكريمه الأعظم هو التكريم الذى ناله من أهل قريته بدمياط، وكيف أنه غالبَ دموعَه خلال احتفاء مدرسته القديمة وحوله أقاربه ومعارفه وأهل قريته به!

لقد أحاطت زاهي حواس دائماً اتهامات بالأنانية وحب الظهور الإعلامى، وهى اتهامات لم يسلَم منها أى باحث أثري حقيقي منذ هيوارد كارتر حتى اليوم.

إننا فى حاجة إلى ألف أثرى وعالم مصريات مثل زاهي حواس، خاصةً فى قدرته على الدعاية لآثار مصر بطريقة شيقة. وهو الأمر الذى نفتقده فى علماء الآثار وغيرهم من العلماء الذين يتجاهلون دور الإعلام لإبراز جهودهم البحثية، وهو الأمر الذى فطن له زاهي حواس واهتم به.

فى أكثر من مناسبة اهتم زاهي حواس بالضغط على كلماته عندما يتحدث عن ضرورة وجود علماء مصريات يفوقون الأجانب كفاءةً وقدرة. وأن تلك هى الضمانة الوحيدة لاسترجاع آثارنا المنهوبة، والحفاظ على ما تبقى منها لدينا.

 

عبد السلام فاروق             

 

محمود محمد عليفي مساء يوم الجمعة الماضية الموافق 28 فبراير عام 2020 غيّب الموت العالم الكبير الدكتور محمد عمارة عن عمر يناهز 89 سنة تاركاً سمعة وسيرة عطرة ستخلّده في قلوب من عرفوه، حيث أعلن ابنه عن وفاته بعد فترة من المرض لمدة ثلاثة أسابيع، وأضاف: "توفى أبى رحمه الله فى هدوء وبدون أى ألم أو معاناة، يحيط به أسرته الصغيرة ويدعو لأمى ولكل أولاده وأحفاده وأحبابه، وقال لكل واحد منهم: أحبك.. وأنا راضٍ عنك"، وتابع: "توفى أبى رحمه الله وهو يوصى بإكمال مشاريعه الفكرية وكتبه وأبحاثه". وأُقيمت عليه صلاة الجنازة بعد ظهر يوم السبت التالي بمسجد الحمد بالتجمع الخامس بعد صلاة الظهر، ثم وُري الثرى في بلدته "صروة" بمحافظة كفر الشيخ.

وقد نعت مشيخة الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر وفاة عمارة، وقال الأزهر في بيان له يوم السبت الماضي الموافق 29/2/2020 : "أن رحيل الدكتور محمد عمارة ترك فراغًا يصعب ملؤه في صفوف كبار العلماء الذين يحملون على عاتقهم أمانة العلم، وصدق الكلمة."، وأن التاريخ سيظل يذكر فقيد الأزهر والأمة العربية والإسلامية بعلمه وفكره الوسطي في تبليغ رسالة الله والدفاع عن سماحة الإسلام ووسطيته وإعلاء شأنه، ودحض ما أثير عنه من شبهات، تشهد على ذلك مصنفاته المملوءة علمًا وحكمةً ومعرفةً، وإسهاماته الكبرى في إثراء الفكر الإسلامي، والتي ملأت الدنيا وغطت كل القضايا الفكرية العامة والمعاصرة، ومحاضراته التي أفاد منها الآلاف من طلاب العلم في العالم الإسلامي. وأعرب الأزهر عن حزنه وألمه لرحيل المفكر الكبير، فإنه يتقدم بخالص العزاء للعالم الإسلامي، ولأسرة الراحل، سائلًا الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان "إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ.

وقد مر الدكتور محمد عمارة بتحولات فكرية عديدة، فيقول أكرم ذياب وقد نشر بحثا موسعا للرد على أفكار عمارة أن الأخير عاش سلسلة من التحولات الفكرية، وقد مر بأطوار من الماركسية إلى الاعتزال فالسلفية إلى غير ذلك ويقول الدكتور محمد عباس: «إن محمد عمارة هو واحد من كوكبة لامعة صادقة هداها الله فانتقلت من الفكر الماركسي إلى الإسلام، وكانت هذه الكوكبة هي ألمع وجوه اليسار فأصبحت ألمع وجوه التيار الإسلامي، ودليلا على أن خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام.»

وينتمي محمد عمارة إلى المدرسة الوسطية ويدعو إليها، فيقول عنها إنها "الوسطية الجامعة" التي تجمع بين عناصر الحق والعدل من الأقطاب المتقابلة فتكوّن موقفا جديدا مغايرا للقطبين المختلفين ولكن المغايرة ليست تامة، فالعقلانية الإسلامية تجمع بين العقل والنقل، والإيمان الإسلامي يجمع بين الإيمان بعالم الغيب والإيمان بعالم الشهادة، والوسطية الإسلامية تعني ضرورة وضوح الرؤية باعتبار ذلك خصيصة مهمة من خصائص الأمة الإسلامية والفكر الإسلامي، بل هي منظار للرؤية وبدونه لا يمكن أن نبصر حقيقة الإسلام، وكأنها العدسة اللامعة للنظام الإسلامي والفكرية الإسلامية. والفقه الإسلامي وتطبيقاته فقه وسطي يجمع بين الشرعية الثابتة والواقع المتغير أو يجمع بين فقه الأحكام وبين فقه الواقع، ومن هنا فإن الله جعل وسطيتنا جعلا إلهيا: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.

والمفكر الإسلامي محمد عمارة من مواليد 8 ديسمبر 1931 بإحدى قري محافظة كفر الشيخ، لأسرة بسيطة، ليكون الكتاب هو مدرسته الأولي، وأتم حفظ القرآن الكريم وهو لم يتجاوز العاشرة، بقرية قلين بكفر الشيخ، حفظ القرآن وجوده وهو في كتاب القرية، بدأت تنمو اهتماماته الوطنية والعربية وهو صغير، وكان أول مقال نشرته له صحيفة «مصر الفتاة» بعنوان: «جهاد عن فلسطين».

وبدأت مسيرة عمارة في الفكرية مع أوائل السبعينيات ؛ حيث التحق عام 1945 المعهد الأزهري؛ حيث أتم تعليمه الابتدائي والثانوي ليدخل بعدها المعهد الأحمدي الثانوي الأزهري فنال الشهادة التي دخلتها كلية دار العلوم جامعة القاهرة، حيث تخصص في الفلسفة الإسلامية واللغة العربية، وبعد ذلك حصل على الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية - كلية دار العلوم - جامعة القاهرة 1965م، ثم حصل على الماجستير في العلوم الإسلامية تخصص فلسفة إسلامية - كلية دار العلوم-جامعة القاهرة 1970م وذلك في موضوع بعنوان " مشكلة الحرية الإنسانية عند المعتزلة"، وبعد ذلك درس الدكتوراه في العلوم الإسلامية تخصص فلسفة إسلامية - كلية دار العلوم-جامعة القاهرة 1975؛ كما شغل عدة مناصب منها عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، ورئيس تحرير لمجلة الأزهر، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.

كما حصل عمارة على العديد من الجوائز والأوسمة والشهادات التقديرية والدروع، منها "جائزة جمعية أصدقاء الكتاب، بلبنان سنة 1972م"، وجائزة الدولة التشجيعية بمصر سنة 1976، ووسام التيار الفكري الإسلامي القائد المؤسس سنة 1998م.

ولمحمد عمارة كتابات كثير، حيث - ألف الكتب والدراسات عن أعلام التجديد الإسلامي مثل: الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا، والشيخ محمد الغزالي، ورشيد رضا، وخير الدين التونسي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، ومن أعلام الصحابة علي بن أبي طالب، كما كتب عن تيارات الفكر الإسلامي القديمة والحديثة وعن أعلام التراث من مثل غيلان الدمشقي، والحسن البصري.

كما توجد له كتابات أخري، مثل: التفسير الماركسي للإسلام، والمعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية، ومعالم المنهج الإسلامي، والإسلام والمستقبل، ونهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام، ومعارك العرب ضد الغزاة، والغارة الجديدة على الإسلام، والوعي بالتاريخ وصناعة التاريخ، والتراث والمستقبل، والإسلام والتعددية، والإبداع الفكري والخصوصية الحضارية، والجامعة الإسلامية والفكرة القومية، ومعركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، والقدس الشريف رمز الصراع وبوابة الانتصار، وهذا إسلامنا: خلاصات الأفكار، والصحوة الإسلامية في عيون غربية، والغرب والإسلام، والانتماء الثقافي، والتعددية: الرؤية الإسلامية والتحديات الغربية، وصراع القيم بين الغرب والإسلام، والنموذج الثقافي، وتجديد الدنيا بتجديد الدين، والثوابت والمتغيرات في فكر اليقظة الإسلامية الحديثة، ونقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، والحملة الفرنسية في الميزان، والحضارات العالمية: تدافع أم صراع، والقدس بين اليهودية والإسلام، والأقليات الدينية والقومية: تنوع ووحدة أم تفتيت واختراق، وخطر العولمة على الهوية الثقافية،و مستقبلنا بين العالمية الإسلامية والعولمة الغربية... الخ.

من أواخر مؤلفاته في الفكر الحديث: "الخطاب الديني بين التجديد الإسلامي والتبديل الأمريكاني"، «الغرب والإسلام _أين الخطأ.. وأين الصواب؟»، «مقالات الغلو الديني واللاديني»، "الشريعة الإسلامية والعلمانية الغربية"، "مستقبلنا بين التجديد الإسلامي والحداثة الغربية"، "أزمة الفكر الإسلامي الحديث"،" والإبداع الفكري والخصوصية الحضارية"، وغيرها كثير، وقد اتسمت كتابات الدكتور عمارة وأبحاثه التي أثرى بها المكتبة العربية والتي وصلت إلى 200 مؤلف بوجهات نظر تجديدية وإحيائية، والإسهام في المشكلات الفكرية، ومحاولة تقديم مشروع حضاري نهضوي للأمة العربية والإسلامية في المرحلة التي تعيش فيها.

علاوة علي أنه أسهم في العديد من الدوريات الفكرية المتخصصة، وشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية، ونال عضوية عدد من المؤسسات الفكرية والبحثية منها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والمعهد العالي للفكر الإسلامي.

ومن بين القضايا الهامة التي تعرض لها عمارة، كانت قضية تحرير المرأة، والتي قدم دراسةً في هذا الصدد طرح فيها القضية من منظور قاسم أمين-رائد حركة تحرير المرأة- والتي نشرت بعنوان: "قاسم أمين تحرير المرأة والتمدن الإسلامي"، وصدرت عن "دار الشروق" في 2008. وفي هذا الكتاب يتطرق الدكتور محمد عمارة بأسلوب علمي جذاب، وتحليل وافٍ لجميع النواحي الفكرية التي مر بها المفكر الإصلاحي قاسم أمين، كما يتطرق إلى شخصيته التي مازالت تثير الجدل حولها إلى وقتنا الراهن، برغم كل ما وصلت إليه المرأة من مراكز وما نالته من حقوق.

ويُعد الكتاب تقديما للأفكار التي كان ينادي بها المفكر قاسم أمين، ومنها رؤيته للمجتمع والمرأة، ونقده للمجتمع الإقطاعي، ودعوته إلى حرية الفكر وإبداء الرأي، وكذلك انتقاده للتهافت على الوظائف الحكومية في تلك الفترة، واعتبارها وظائف تنشر التواكل والكسل، وكيف كان يطالب بمجلس نيابي منتخب من الشعب، وكل هذه المطالب في وقتًا كان الحديث عنها من المستحيلات ؛ كما يتطرق إلى جانب من مذكرات قاسم أمين، وبعضًا من أقوال وكلماته التي دونها قاسم أمين، ليدلل بها عن فكره بالإضافة إلى عرض العديد من أقواله، كما دونها قاسم أمين في مؤلفاته الثلاثة، ويعود عمارة في الكتاب ليؤكد ريادة قاسم أمين في الدعوة إلى تحرير المرأة وبأنه صاحب أول صيحة لهذا التحرر، من خلال في كتابيه "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة"، مشيرًا إلى أنه كان مفكر يحارب الأفكار البالية في المجتمع، في هذا الكتاب يرد "عمارة" الاعتبار لقاسم أمين، المفكر الفصيح النهضوي السابق لزمانه الذي طالب بحريه المرأة وبحقها في التعلم والعيش بكرامة واستقلالية، ولم يطالب بتحررها الكامل المنفلت أو انحلالها.

ينتمي المفكر إلى المدرسة الوسطية ويدعو إليها، فيقول عنها إنها "الوسطية الجامعة" التي تجمع بين عناصر الحق والعدل من الأقطاب المتقابلة فتكوّن موقفا جديدا مغايرا للقطبين المختلفين ولكن المغايرة ليست تامة، فالعقلانية الإسلامية تجمع بين العقل والنقل، والإيمان الإسلامي يجمع بين الإيمان بعالم الغيب والإيمان بعالم الشهادة، والوسطية الإسلامية تعني ضرورة وضوح الرؤية باعتبار ذلك خصيصة مهمة من خصائص الأمة الإسلامية والفكر الإسلامي... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

 

ضياء نافعالكلمات الاساسية، التي يمكن ان نقولها – قبل كل شئ -  حول اكساكوف بالنسبة للقارئ العربي، هي انه – الكاتب الروسي شبه المنسي، او بتعبير ادق، شبه المجهول تقريبا في مصادرنا العربية بشكل عام حول الادب والفكر الروسي، والسبب الاوّل – في رأينا -  يكمن في ان أكساكوف لم يكن ضمن تلك الاسماء (الرنّانة و الطنّانة!) في دنيا الصراع الفكري الحاد في روسيا، التي ركّزت عليها الاقلام العربية (ولازالت) وهي تتناول الادب الروسي وأعلامه و الفكر الروسي ومسيرته عموما، وقد كان هذا الموقف عندنا انعكاسا للموقف السوفيتي طبعا، وأذكر اننا عندما كنّا طلبة في الاتحاد السوفيتي في ستينيات القرن الماضي، لم يأت اسم أكساكوف في مناهج دراستنا حول اللغة الروسية وآدابها سوى عند الكلام عن الكاتب غوغول، وذلك باعتباره  كان صديقا قريبا لغوغول ليس الا وانه كتب عنه كتابات قيّمة لازالت تمتلك أهميتها لحد الان .

أكساكوف يعتبر ظاهرة باكملها في مسيرة الفكر الروسي، فقد برز في عدة مجالات فكرية متنوعة وبعيدة عن بعضها البعض، وبرز ثلاثة من ابنائه بمختلف المجالات الفكرية ايضا، ولهذا فانه يتميّز عن الآخرين، اذ ان اسمه في مسيرة الفكر الروسي يرتبط بمفهوم (عائلة فكرية متكاملة)، وهي ظاهرة لم تكن موجودة قبله، ولم تتكرر بعده، ونود في هذه المقالة ان نشير – ليس الا – الى المعالم الاساسية لهذه الظاهرة الفكرية الفريدة في دنيا الادب والفكر الروسي، وان نقدّم  للقارئ العربي شيئا ما، اي تعريفا وجيزا فقط عن هذه العائلة الابداعية في القرن التاسع عشر بروسيا، اذ ان الكلام الموسع والتفصيلي عن هذه العائلة يقتضي كتابة العديد من الدراسات و المقالات عن جوانب ابداعاتها المتنوعة .

أكساكوف الاب (1791 – 1859) هو سيرغي تيموفيفتش، وهناك  عدة نقاط رئيسية يتوقف عندها مؤرخو الادب الروسي عند الكلام عن مسيرته، ومن أهمها اربع نقاط، اولها - عمله في مجال الرقابة على المطبوعات، وثانيا - علاقته بالكاتب الكبير غوغول، وثالثا - نتاجاته المتميّزة جدا في مسيرة الادب الروسي بما فيها مساهماته الواسعة بحركة الترجمة وكتابة المذكرات، ورابعا - مصائر ابنائه ودورهم في الحياة الفكرية الروسية، ونحاول في ادناه الحديث بايجاز عن كل نقطة من هذه النقاط.

حول النقطة الاولى، اي عمله في رقابة المطبوعات، يتحدثون كيف تم اخراجه من هذا العمل، وكيف نشر مقالا بتوقيع مستعار حول الرقابة، والذي أثار الاوساط الرسمية الحكومية ضده، وكيف أرادت تلك الاوساط ان تعرف اسم ذلك الكاتب، ولكن رئيس التحرير رفض الاعلان عن اسمه، أما أكساكوف نفسه، فقد أعلن انه كاتب تلك المقالة، وانه مستعد لتحمّل كل تبعاتها، مما جعل الاوساط الادبية تقف معه وتناصر موقفه وتجبر السلطات على ارجاعه لوظيفته بعدئذ .

النقطة الثانية، وهي مهمة جدا في تاريخ الادب الروسي، ترتبط بعلاقة أكساكوف مع غوغول . لقد تعارفا عام 1832 في موسكو، عندما  كان غوغول هناك بزيارة سريعة، واستمرت هذه العلاقات الفكرية طوال حياتهما (توفي غوغول عام 1852) . توجد دراسات كثيرة وتفصيلية عن هذه العلاقة في تاريخ الادب الروسي، اذ تحولت المقالات التي كتبها أكساكوف عن غوغول الى مصادر مهمة حول سيرة حياة غوغول وابداعه . لقد كتب أكساكوف عند وفاة غوغول مقالة بعنوان – (رسالة الى أصدقاء غوغول)، ثم نشر مقالة اخرى عام 1853 بعنوان – (عدة كلمات عن سيرة حياة غوغول)، وهكذا بدأت أفكاره بشأن تأليفه لكتاب كامل حوله، والذي صدر بعدئذ بعنوان – تاريخ  تعارفي مع غوغول، ويعتبر هذا الكتاب واحدا من اهم المصادر الروسية لدراسة سيرة حياة غوغول وابداعه، منذ ظهوره ولحد الان، ونحن في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين .

النقطة الثالثة تكمن في مؤلفاته المتنوعة جدا، اذ أصدر أكساكوف عدة كتب في مجالات متنوعة جدا، منها مثلا، كتاب بعنوان – (عن صيد الاسماك وعن الصيد)، وهو كتاب فريد في تاريخ الادب الروسي يتضمن صورا قلمية مدهشة، وقد قال عنها تورغينيف (وهو مؤلف مذكرات صياد!)، انها مبتكرة جدا في تاريخ الادب الروسي ولا مثيل لها سابقا، اضافة الى ان النقاد يعتبرونه واحدا من أبرز الادباء الروس في مجال كتابة المذكرات .

النقطة الرابعة، التي نود التوقف عندها قليلا هي عائلته الكبيرة، اذ كان عنده سبع بنات واربعة اولاد، وبرز منهم ابنه قنسطنطين أكساكوف، الذي أصبح أديبا ومؤرخا ولغويّا وأحد أبرز الدعاة الى النزعة السلافية ومنظّريها في صراعها مع النزعة الغربية، وهو الصراع الفكري الكبير، الذي كان محتدما في الادب والفكر الروسي في القرن التاسع عشر (انظر عن هذه الظاهرة مقالاتنا عن دستويفسكي وأستروفسكي وتورغينيف..)، وبرز كذلك ابنه الآخر ايفان أكساكوف، الذي أصبح صحافيا وناشرا وكذلك أحد الدعاة الى النزعة السلافية، وبرزت كذلك ابنته فيرا أكساكوفا، التي أصبحت كاتبة مذكرات وواحدة من أبرز أنصار النزعة السلافية .

وباختصار شديد، فان كل نقطة من تلك النقاط التي أشرنا اليها حول أكساكوف تتطلب مقالات تحليلية وتفصيلية بالنسبة للقارئ العربي، وأتمنى ان تسمح لي ظروفي بالعودة الى هذا الموضوع المهم في تاريخ الادب الروسي ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

سارة طالب السهيلبما اننا على مشارف يوم المراة العالمي الذي يحتفل به العالم في الثامن  من آذار فلا بد ان نتحدث عن التساء وبما انني تناولت موضوعات المراة في جوانب عديدة و مختلفة خطر ببالي ان أتناول المراة الملكة ..

سجل التاريخ الإنساني حياة كوكبة من النساء اللواتي حكمن العالم القديم وصنعن حضارات خالدة متحديات كل صعب، وبقيت قصص نجاحهن منهلا خصبا للدارسين علوم التاريخ والانسانيات، كما ظلت مصدرا خصبا لالهام الشعراء والأدباء والرسامين، وبقي نبوغهن الفكري والسياسي والحربي  حلما لكل امرأة في عالمنا المعاصر طامحة في القيادة والحكم.

ورغم ان الوقائع التاريخية قد امتزجت بالاساطير في تجارب هذه الشخصيات النسائية الممتدة شرق العالم وغربه، الا ان دخول الاسطورة لم يلغ  قدرات هؤلاء النسوة في صنع العالم وقيادته بما امتلكنه من قدرات خاصة كقوة العقل والدهاء والقدرة علي الادارة السياسية والاقتصادية والحربية بجانب الانوثة التي وظفت احيانا في مواجهة ألاعيب السياسية ودحر الخصوم.

كليوباترا القائدة

كيلوباترا أشهر النساء فى تاريخ الاسكندرية ملكة جمعت بين قوة الشخصية والقيادة والانوثة وتباينت كتابات المؤلفين في تحليل مفاتيح شخصيتها بين كونها رمزا لاسطورة الحب الخالد كما في مخيلة الشعراء العالميين، ومصدر الهام للاوبريتات العالمية التي تزال تقدم حتي اليوم وبين الملكة القائدة الحربية.

فكيلوباترا الملكة عاشت بروح وفكر القائد لاستعادة  مجد الاسرة البطلمية وعملت على تقوية مملكتها المصريةعسكريا وعلميا في مواجهة روما، وشكلت خطراً حقيقياً على الجيش الرومانى، حتي هزيمتها هى وانطونيوس.

وحفاظا علي عرشها وحياتها، فلم تتورع كليوباترا عن قتل العديد من أفراد أسرتها، كما حافظت على كرامتها حتى النهاية وخشيت من تقديمها كغنيمة نصر للرومان المنتصرين وتعرضها للاذلال فقتلت نفسها عن طريق لدغة ثعبان.

واهتمام كليوباترا بأنوثتها لم يحل بينها وبين قدراتها كمفكرة سياسية وإستراتيجية خططت لجعل ابنها بطلميوس حاكم قوي في المستقبل وقدرتها على التنبؤ بنتائج الحروب، وذلك بفضل حرصها علي التعلم حيث تعلمت اللغات والعلوم وإستراتيجيات الحرب.

وذكاء كليوباترا المقدونية قادها لبذل مجهود كبير لدراسة وفهم الثقافة المصرية فتعلمت كليوباترا اللغة المصرية ولذلك احبها المصريون خاصة بعد ان وفرت لهم نتيجة للأمان والرخاء.

بلقيس وفنون الحكمة

وهي من اشهر الملكات في العالم فقد خلدها القرآن الكريم في قصتها مع نبي الله سليمان، ويبرز القرآن حكمتها السياسية وشجاعتها وخبرتها في اتخاذ أمر الشوري مع رجال بلاطها وخبرتها بشئون الملوك وقدرتها علي اختبار نواياهم اذا ما اردوا الاستيلاء على مملكة اخرى.

وربما تكون قد اكتسبت الملكة بلقيس هذا الدهاء السياسي من انتسابها لابوها الملك الهدهاد بن شرحبيل من بني يعفر، لكن هذا النسب لم يحميها من استنكار قومها لولايتها عليهم، ولم يمنع الطامعين في مملكة سبأ، ومنهم الملك "عمرو بن أبرهة" الملقب بذي الأذعار، لكنها بما امتلكته من  قوة شخصية وشجاعة وفطانة عقل ودهاء سياسي وانثوي قهرت كل هذه التحديات وحافظت علي عرشها.

وحسب ما تذكر الرويات، فان الملكة بلقيس استخفت في ثياب أعرابي ولاذت بالفرار من هجوم الملك ذي الأذعار علي ممتكلها وعادت بخطة للتخلص منه فدخلت قصره وظلت تسقيه الخمر وهو ظانٌ أنها تسامره وعندما بلغ الخمر منه مبلغه، استلت سكيناً وذبحته بها.

وازدهرت مملكة سبأ في زمن حكم بلقيس وتمتع أهل اليمن بالرخاء والحضارة والعمران والمدنية، كما حاربت بلقيس الأعداء ووطدت أركان ملكها بالعدل وساست قومها بالحكمة، ومما أذاع صيتها وحببها إلى الناس قيامها بترميم سد مأرب.

سميراميس الملهمة

وبين الاسطورة التاريخ يسلتهم المبدعون شرقا وغربا حياة الملكة الآشورية "سميراميس"، فهي حاضرة ليومنا هذا في العديد من الفنادق العالمية التي تحمل اسمها، وفي اعمال خالدة موسيقية ومسرحية والتشكيليين، كما في النصوص التاريخية  لهيرودوتس - الذي تحدث عنها في نصوصه التاريخية المؤسسة والادباء مثل  فولتير والاوبرات الايطالية التي تحمل اسمها.

تمتعت سميراميس بسمات شخصية أهلتها لتخليد اسمها في الذاكرة الانسانية فقد تمتعت بفطنة وذكاء وجمال، بجانب قدرتها علي الادارة وقيادة ممكلتها وخوض المعارك الحربية الشرسة خارج الحدود لتوسيع رقعة مملكتها، وهو ما ممكن لها ان يستمر لأكثر من اثنين وأربعين عاماً.

ومثلت سميراميس انموذجا للوفاء للزوج، فحسب الروايات انها أقامت في نينوى ضريحا كبيرا لزوجها الملك، كما تذكر الاسطورة انها هي التي أقامت مدينة (بابل) العريقة وانها استخدمت ببنائها أكثر من مليوني عامل.

وحققت سميراميس نهضة كبيرة لمملكتها بأقامة كثيرا من المدن على ضفاف نهري دجلة والفرات، وانها أخضعت مصر، والحبشة. كما تذكر الأساطير انها احتلت معظم آسيا وأقامت في عدد منها بعضاً من النصب التذكارية والأبنية.

تمارا تخضع القوقاز

ويحتفي التاريخ الانساني بملكة جورجيا "تمارا " التي حكمت بلادها وهي في عمر الرابعة عشر، حينما توجها والدها في القرن الثاني عشر، تجنباً لوقوع حروب داخلية لتصبح أول امرأة تحكم هذاالبلد وفي هذا السن الصغير!

وامتلكت الملكة الصغيرة من المقومات الانسانية كالدهاء السياسي والقدرة علي دحر الخصوم وكسب المعارضين وتكوين نخبة عسكرية قوية وكسب احترام الممالك المجاورة، مما مكنها ان تبسط سيطرتها كاملة جورجيا  في العصر الذهبي خلال القرون الوسطى.

ولم يكن الوصول للعرش فقد واجهت مقاومة عنيفة من الطبقة الأرستقراطية عند تقلدها لسلطات الحكم لكنها نجحت في تحييدهم ثم اتجهت لبسط الهيمنة السياسية  لبلادها في آسيا الصغرى وعلى توسيع الحدود الجورجية حتي سادت امبروطوريتها منطقة القوقاز بحكمتها السياسية ورعايتها للاداب والفنون .

عشتار النار والحب والخلود

تبقي عشتار الهة الحب والخصب في بلاد الرافدين، مسيطرة علي عقول وخيال الادباء والعشاق والمحلللين النفسيين وفي حضارت مختلفة يوناية وعربية وغيرهما. فهي اسطورة انثوية تجسد  تسلط الأنثى وطغيانها.

وبرزت عبادتها في عهد ابنها الإله مردوخ منذ زمن حمورابي، فقد كانت سيدة السماء، وسيدة النبوءة  في بابل، وهي ايضا تلك المرأة الفاتنة الجميلة الداهية، الماكرة الساحرة القاتلة  هي نفسها آلهة الحب والحرب لدى الآشوريين، وكان لها معبدان، الأول في نينوى باعتبارها آلهة الحب، والثاني في أربا إيلو باعتبارها آلهة الحكمة والحرب.

وبذلك تكون جمعت آشتار لدي العراقيين  التناقض العجيب بين اشتار العاشقة والاخري الحربية، حيث كان معظم قادة وملوك الآشوريين يزورونها في معبدها قبل توجههم في حملات جديدة لتلقي النصح والموافقة، ولكي تتنبأ ماذا يخبىء لهم المستقبل.

هذا التناقض سجله التاريخ الانساني لابراز قدرات المرأة الخارقة في الحب والحرب والسياسية.

دهيا رمز الدهاء الحربي

وسجل تاريخ شمال إفريقيا اسم اقوي شخصية نسائية في صفحاته وهي الملكة الأمازيغية "ديهيا " التي كانت رمزا للدهاء البشري ومع ذلك، فقد ساحرة الجمال وحادة الذكاء وقوية الإرادة، وهذه السمات الشخصية  جعلها فارسة تركب حصاناً وتسعى بين القوم من الأوراس إلى طرابلس تحمل السلاح لتدافع عن أرض أجدادها" كما صورها المؤرخ ابن خلدون .

وقادت الملكة دهيا الحملات العسكرية الناجحة وحكمت الأمازيغ وشمال إفريقيا  طوال 35 سنة، وتذكر المصادر التاريخية، أن جميع الأمازيغيين كانوا يخافون من ديهيا ويطيعونها بسبب جرأتها وشجاعتها.

لقبت " ديهيا " بالمرأة الحديدة لقدرتها علي مقاومة الروم والبيزنطيين والعرب، وتمكنها من توحيد القبائل الأمازيغية، وتوفيت في معركة حامية الوطيس أثناء مجابهتها لجيش حسان بن النعمان في موقع بالجزائر سمي فيما بعد ببئر الكاهنة

 زنوبيا الطامحة

وتظل " زنوبيا " ملكة تدمر، رمزا للطموح السياسي الذي يتملك ادوات تحقيقه بما توافر لها من سمات شخصية مثل رجاحة العقل وشدة الطموح ومعرفة جيدة بالأوضاع السياسية في الشرق وروما، بجانب الشجاعة والجمال والقدرة علي الجمع بين اللغة اليونانية والمصرية.

فمع مقتل زوجها أذينة القائد الاعلي للجيوش الرومانية في الشرق، سعت زنوبيا لتولية ابنه الصغير وهب اللات مقاليد الحكم تحت وصايتها، وجعلته في البدء يحمل ألقاب والده، مع اعترافه بالامبراطور الروماني الجديد أورليانوس.

وسعت زنوبيا لتأسيس دولة تسيطر على التجارة الدولية من منافذها في العراق حتى مصباتها في موانئ البحر المتوسط  فسكت النقود تحمل رأس صوتها وصة ابنها بما يعني انها أسقطت سلطان روما ولم تعد تعترف بالامبراطور الروماني.

وسيطرت قواتها على مصر وآسيا الصغرى حتى مضيق البوسفور إضافة إلى سورية، وضعت زنوبيا تحت سلطتها سائر منافذ طرق مواصلات طريق الحرير، إضافة إلى تموين روما بالحبوب وغيرها من البضائع والمواد الضرورية لسد حاجات روما.

ودفعت الميول الفلسفية والأدبية لزنوبيا، في ازدهار الحياة الفكرية، واستقدمت مشاهير رجال الفكر إلى عاصمتها لتجمع بذلك بين قوة السلطان السياسي والعسكري والاقتصادي والفكري.

اليسار رمز الوفاء والتحدي

هذه الملكة حقتت حلم يصعب علي اعتي الرجال تحقيقه، فقد بنت مدينة قرطاجة على شاطئ تونس، متحدية كل العقبات التي صادفتها في رحلة حياتها وخلد صمودها ونجاحها ووفائها اسمها في سطور التاريخ الانساني .

واليسار، هي ابنة حيرام ملك صور، أوصى أبوها لها ولأخيها "بغماليون" بالملك بعد وفاته لكن سرعان ما اظهر اخيها اطماعه في العرش، فاستغلت  الثروات التي تركها زوجها وجمعت كنوزها واخذت اسطول زوجها التجاري ومعها عدد من الامراء و الاثرياء راحلة في عرض البحر لتحقق حلم تكوين امبراطوريه خاصه بها افريقيا.

وفتنت بجماها ودبلوماسيتها وذكائها ملك البربر فاحتفي بها، وأجاب طلبها في تحديد قطع ارض على ساحل البحر تمثل موقعا استرتيجيا بنت عليها مدينتها الاسطوريه قرطاجة التي ادهشت بجمال معمارها ونقوشها ومسارحها ومراقصها وترفها ملوك المنطقه وقياصرة الروم .

وسرعان ما حققت الملكة اليسار نهضة تجارية مما جعلها مطمعا للممالك المجاورة فتقدم ملوكها للزواج منها مثل ملك البربر وقيصر الروم لكنها رفضت هذه الزيجات وفاءا لزوجها، غير ان ملك البرر اصابه رفضها بغضب عارم

فهددها الملك بتدمير قرطاج وسبي كل اهاليها ان لم تقبل فآثرت الانتحار ملقية بنفسها في المحرقة بين اللهب، وقد هزت تضحيتها هذه الشعب، فرفعها إلى مصاف الآلهة، وأقيم لها معبد  لتلخيدها .

 

سارة السهيل

 

محمود محمد علينختم حديثنا في هذا المقال الثالث عن حسنى مبارك وأهم مميزات ومساوئ حكمه، وفي هذا يمكن القول: كان مشهد الملايين فى ميادين مصر احتفالا بسقوط مبارك، خير دليل على فرح المصريين، وحكمهم على الرئيس الذى دخل القفص الحديدى كمتهم بقتل شعبه وإهدار وسرقة ثروته، وقدرت الجارديان البريطانية ثروته وعائلته بـ70 مليار دولار، بينما فى 4 أغسطس 2011 كان أول فرعون مصري يحاكمه الشعب عقب إسقاطه.

وجاء تنحي مبارك، بعد أكثر من ثلاثين عاما في الحكم، بعد اعتصام دام 18 يوماً من المحتجين بميدان التحرير وسط العاصمة القاهرة، وفي محافظات أخرى، للمطالبة بإسقاط النظام، رافعين شعار: "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية". ومع تصاعد الاحتجاجات، التي بدأت يوم 25 يناير من ذلك العام، قرر مبارك في 10 فبراير، تفويض نائبه اللواء الراحل عمر سليمان في اختصاصات رئيس الجمهورية وفق ما يحدده الدستور. لكنها خطوة لم تفلح، حيث استكمل مبارك في خطاب قال فيه إنه سيبقى وسيموت على أرض مصر، ولن يترك أرواح الشباب الذين قتلوا "منذ بدء الاحتجاجات" تضيع هدراً وسيحاسب المخطئ، وأعلن أنه لا يقبل إملاءات من الخارج، وستبقى مصر أرض المحيا والممات، لكن المتظاهرين رفضوا ما جاء في خطابه، واستمروا في المطالبة برحيله نهائياً عن الحكم. ومع طلوع شمس الجمعة 11 فبراير، خرج المتظاهرون في جمعة أسموها "الزحف"، وتوجه قطاع منهم إلى قصور الرئاسة، مثل قصر الاتحادية، والقصر الرئاسي في منطقة رأس التين بالإسكندرية. وفي مساء نفس اليوم، ومع وصول مسيرات احتجاجية إلى محيط قصر الاتحادية، ظهر عمر سليمان، في بيان تلفزيوني، أعلن فيه أن مبارك قرر التخلي عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد. وفور انتهاء خطاب التنحي، تظاهر العديد في مختلف أرجاء مصر في شكل احتفالية.

وفي 11 فبراير، أعلن نائب الرئيس عمر سليمان عن تنحي مبارك وانتقال السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ويومها انتقل مبارك وعائلته من القصر الرئاسي في القاهرة إلى شرم الشيخ، وفي 2 يونيو 2012، انتقل مبارك إلى سجن مزرعة طرة، بعد إعلان الحكم عليه بالسجن مدى الحياة لتورطه في قتل المتظاهرين أثناء ثورة 25 يناير.

وفي جلسة إعادة المحاكمة، أدين مبارك وابنيه، علاء وجمال في 9 مايو 2015 بتهمة الفساد وحكم عليهم بالسجن، وكان مبارك يقيم في مستشفى عسكري وأُطلق سراح ابنيه في 12 أكتوبر 2015. حصل على البراءة في 2 مارس 2017 بحكم محكمة النقض المصرية، أطلق سراحه في 24 مارس 2017.

لقد كان مبارك ـ تقريباًـ هو الحلقة الأخيرة في مسلسل "البراءة للجميع" بعد أن تمت تبرئة نجليه وأركان نظامه من كل التهم التي وجهت إليهم وبقيت بعض القضايا البسيطة المضمونة مثل هدايا "الأهرام".. وفي قضية قتل المتظاهرين تحديداً تمت تبرئة وزير الداخلية ومعاونيه والأجهزة المنفذة.. وبذلك لم يعد هناك وجه لإدانة الرجل الكبير.. وبالتالي فنحن لم نفاجأ ولم نهتم بذات القدر الذي اهتمت به الصحافة الغربية... صحيفة "الجارديان" البريطانية كتبت تحت عنوان "الإفراج عن الديكتاتور المصري بعد 6 سنوات" أنه بالنسبة لأولئك الذين عملوا للإطاحة بالديكتاتور السابق "مبارك" فإن حريته تمثل لحظة قاتمة في تاريخ مصر الحديث.. ونقلت عن طارق الخطيب. الذي قتل شقيقه مصطفي في مظاهرات يناير 2011 قوله: "أنا لست حزيناً ولا محبطاً.. كنت قد فوجئت بأشياء حدثت سياسياً غير ذلك.. حيث سارت كل الأمور في الاتجاه الذي يمهد للإفراج عن مبارك" وذلك حسب قول مؤمن الهباء في مقال له بعنوان شهادة .. براءة مبارك.

وإذا كان مبارك قد تم تبرئته ولتضح للمؤسسة العسكرية نزاهة هذا الرجل فلماذا رفض «السيسى» السير على خطى «مبارك»؟!!!

وللإجابة نلجأ إلي ما قاله الأستاذ "دندراوى الهوارى " في هذا الشأن ؛ حيث أكد أن عهد مبارك شهد تناغماً عبقرياً بين المواءمات السياسية وبين الفساد والرشوة والواسطة وتجريف العقول وإعلاء قيم اللجان العرفية لتلعب دورا بديلا عن الدولة فى مواجهة الأزمات وحل الصراعات الطائفية بين عنصري الأمة، مسلمين وأقباطا.

فوجدنا في زمن مبارك الدولة المصرية مستمرة بالمسكنات (كما قال محمد الدسوقى رشدى في مقاله كورال «ولا يوم من أيامك يا مبارك»، مثلها مثل مريض استسهل ألمه، وتكاسل عن علاج جذرى واستمر فى تعاطى مسكنات ترضيه لحظيا، حتى استفاق فى مستقبله على حزمة أمراض مزمنة وخلايا غير قابلة للعلاج وقرحة فى المعدة لا تمنحه فرصة تذوق عيش الحياة فى هدوء... ليس هذا فقط بل كانت دولة مبارك تسقينا الوهم حتى ظننا أنه الحقيقة، واستيقظنا على صدمة مصارحة كاشفة لحجم الوهن الذى كانت عليه البنية التحتية لوطن كبير مثل مصر تنقطع كهرباؤه وتنهار طرقه وتتلاشى مقدراته من الطاقة بشكل يجعله طاردًا للاستثمار لا جاذبًا له.

علاوة علي أن مبارك:"كان يعقد الصفقات مع جماعة الإخوان المسلمين خلف الكواليس، بمنحهم 88 مقعدا في البرلمان، وترك كل النقابات لهم، يلعبون فيها كيفما يشاءون، وترك لهم الحبل على الغارب لإقامة المشروعات الاقتصادية، والتحرك في القرى والنجوع والمناطق الشعبية بكل حرية وأريحية يستفحلون ويتضخمون وينشرون أفكارهم ويجندون أولادنا دون أى مجابهة فكرية أو أمنية حقيقية تحمى الوطن من سيطرتهم على شوارعه، ثم يخرج في العلن مسخرا الجماعة فزاعة للمصريين، ضمانا لاستمرار حكمه، لذلك فإن مساحة الاختلاف بين السيسي ومبارك، شاسعة، فالسيسى (كما الأستاذ "دندراوى الهوارى في مقاله السابق ) لا يلجأ إلى تصدير الوهم ليصبح سيد الجماهير، أو استخدام المسكنات فى العلاج، أو الرضوخ والإذعان لأمريكا والغرب، ودول إقليمية، فبدأ فى فتح الملفات الصعبة والمسكوت عنها، والعمل من أجل المستقبل، فى سياسات طويلة الأمد تنهض بالدولة، ولا تعتمد على الحاضر، وتوفير «قوت الناس» يوماً بيوم. وواجه الجماعات الإرهابية بكل قوة، دون خوف، أو حسابات معقدة، بينما «مبارك» لم يقترب من أصل مشكلة لحلها، ولكن كان يلجأ للعلاج بالتنويم المغناطيسى تارة، والمراهم والمسكنات تارة أخرى. ولو كان السيسى يصدر الوهم للمحافظة على شعبيته الجارفة، ما لجأ إلى تدشين المشروعات القومية الكبرى، وكان أغدق على شعبه بكل ما يحصل عليه من قروض وودائع، ولكن المقابل سيكون مريرًا وموجعًا، وسينهار البلد انهيارًا كاملًا، ولن تقوى على مواجهة أصغر المشاكل.

السيسى قرر أن يدشن شبكة طرق عالمية تدفع بالبلاد إلى آفاق المستقبل والخروج من شرنقة الدلتا المميتة، كما قرر استصلاح المليون و500 ألف فدان، لتحقيق أهم عناصر الأمن القومى، وهو الاكتفاء الذاتى من القمح، وقرر أن ينمى سيناء، ويحفر قناة سويس ثانية، وأنفاقا كبرى تربط أرض الفيروز بالوادى وتسهل حركة التجارة منها وإليها، وقرر قهر الجبال بتدشين مشروع جبل الجلالة، وهو المشروع الذى سيحدث طفرة نوعية فى السياحة، ربما تتفوق على الغردقة وشرم الشيخ، ليصبح لدى مصر منتجعات سياحية عالمية، تتمثل فى جبل الجلالة وشرم الشيخ والغردقة. وقرر الرجل أيضًا أن يضع حدًا لأزمة الكهرباء التى أصبحت مشكلة مزمنة، وكارثية، فلا حياة دون طاقة فى أى دولة من الدول، وإقامة العاصمة الإدارية الجديدة، وهو المطلب الذى كان ينادى به الجميع طوال عقود طويلة، للتخفيف عن القاهرة التى تحولت إلى قنبلة موقوتة. هذا قليل من كثير، وتستطيع أن تقولها بكل قوة، نعم السيسى يزيل الوهم من العيون، لا أن «يكحل عيون الناس بالأوهام» مثل مبارك.

ولذلك لا تجذبك أنغام جلسة الزار التى يمارسها البعض بلطيمات الحنين إلى زمن مبارك والتغنى برخص الأسعار والاستقرار، لأن تجارب سنوات ما بعد مبارك أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أننا كنا نعيش وهما، بمسكنات تكثر السلطة من توزيعها على المواطنين حتى لا يشاهدوا إرث دولتهم الكبرى فى المنطقة وهو يتطاير عاما بعد عام، بشكل يجعل كل محاولات الإصلاح لما أفسدته سلطة تصدير الوهم فى عصر مبارك صعبا وقاسيا ومضاعفا لأنه إصلاح رباعي الأبعاد، إصلاح لما أفسده مبارك، وإصلاح لما تكاسل مبارك عن إصلاحه، وإصلاح لما فسد بعد رحيل مبارك حينما اكتشفنا أنه لم يترك لنا دولة حقيقية، وإصلاح لما يحتاجه المستقبل كى تعود مصر إلى مكانتها الطبيعية وذلك حسب محمد الدسوقى رشدى في مقاله كورال "ولا يوم من أيامك يا مبارك".

فلا تصدقهم إن حدثوك عن مبارك وأيامه، عليم أن تحسس عقلك وفتش عن مصالحهم أو جهلهم، هم الخطر الحقيقى فاحذرهم. ولا يوم من أيامك يامبارك، تبدو تلك النغمة شاذة وخبيثة وسلاح جاهل يستخدمه البعض عمدا للتلاعب بمشاعر المواطنين، الذين حاصرتهم خطوات وقرارات الإصلاح الاقتصادى الصعبة فى حاضرها، الضرورية فى توقيتها، المبشرة فى مستقبلها بإعادة بناء الدولة مستندة إلى أرض صلبة وليس إلى أرفف من أدوية المسكنات.

وأخيرا نقول: إن مبارك له ما له وعليه ما عليه وسيقف أمام الخالق سبحانه وتعالي عاريًا بلا مالِ أو جاهِ أو سلطان، سيحاكمه أحكم الحاكمين بعدله أمام معشر البشر وستظهر كل الحقائق جلية أمام رب الناس ولم يتبقى أمامنا إلا أن ننظر لمستقبل بلادنا ونعمل جاهدين من أجل رفعه شأن بلادنا ومواجهة التحديات الكبرى التي تواجه مصرنا.

علي أية حال نتفق مع حسنى مبارك أو نختلف معه، لكن لا نختلف أبدا على وطنيته وتاريخه العسكري المشرف ودوره كواحد من أبطال نصر أكتوبر العظيم؛ لقد أراد البعض ممن نهشوا الرجل أن يمحوا تاريخه الذى قضاه مدافعا عن الوطن ثلاثين عاما كرئيس للدولة و6 سنوات نائبا، ونحو 30 عاما خدم فيها القوات المسلحة من ضابط صغير حتى قائد للقوات الجوية. لم يخن مبارك شعبه ولم يفرط فى متر من الأرض بل أعاد طابا بعد اللجوء للتحكيم الدولي.

إن التاريخ هو الذى سيكتب حقيقة دور مبارك سلبا أو إيجابا خلال سنوات حكمه ولكن يكفيه فخرا تخليه عن الحكم وعدم هروبه من المواجهة. كان يسهل فيها مغادرة البلاد، لكنه أثر البقاء ورضخ لحكم القانون وجلس فى قفص الاتهام يدافع عن نفسه وحكمه، وطالت محاكمته لأكثر من خمس سنوات تحمل خلالها الكثير قبل أن تصدر محكمة النقض حكما صحيحا باتا ونهائيا لقى أصداء طيبة فى الشارع المصري، يبرئه من تهمة قتل المتظاهرين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الثاني عن حسنى مبارك وأهم مميزات ومساوئ حكمه، وفي هذا يمكن القول: مضي مبارك في استراتيجية حُكمه باسترداد آخر الأراضي المغتصبة وهي طابا ولم يهدأ له بالًا حتى رفع العلم المصري على أرض طابا بنفسه في إشارة إلى عدم التفريط في شبر واحد من أرض مصر واحترامًا لتراب هذا البلد ومشاعر هذا الشعب العظيم ووضع مبارك على كاهله مهمة بناء مصر الحديثة فمشروعاته القومية خير دليلِ على ذلك فاهتم ببناء الكباري ومد الطرق مثل كوبري 6 أكتوبر الذي لولاه لاختنقت القاهرة والجيزة وبناء الطريق الدائري الذي يستحيل المرور بدونه فتسبب في سيولة مرورية داخل القاهرة الكبرى ويَسر على المسافرين كثيرًا ولعل مترو الأنفاق هذا المشروع القومي المعجزة الذي حقق نقلة نوعية في وسائل المواصلات بالقاهرة الكبرى وغيرها من المشروعات الكبرى التي تخدم المواطن مثل بناء المدن الحديثة والمشروع القومي للإسكان لمحدودي الدخل واستصلاح الأراضي وتشجيع الاستثمار في شتي المجالات ودخول شركات المحمول السوق المصري وتشجيع وتنمية مجال السياحة المصرية وفتح فرص عمل للملايين العاملين حتى يومنا هذا في مجال السياحة، وتوسع في بناء المدارس التعليمية والجامعات المختلفة لتواكب الزيادة السكانية والحفاظ على مجانية التعليم وأولى اهتمامًا بالغًا بالقطاع الصحي وبناء المستشفيات ولعل إعادة هيكلة منظومة الإسعاف المصري في عهد مبارك دليلًا صارخًا على اهتمام الرئيس بكل ما يهم المواطن المصري ولن يستطيع التاريخ أن يغفل أو يمحو هذه الفترة المهمة من حكم مصر وذلك حسب قول عبدالعال محمد البهنسي في مقال له بعنوان الرئيس مبارك.. ما له وما عليه ! .

قال عنه كرم جبر في مقاله مبارك.. ما له وما عليه! يذكر لمبارك فى بداية عهده أنه رفض تشويه سمعة زعماء مصر، وأوقف حلقات محمد حسنين هيكل فى الأهرام التى استهدفت الانتقام من السادات وتحقيره وتشويه صورته، خصوصا الحلقة التى تناول فيها عن أم السادات بألفاظ وعبارات عنصرية، ومبارك أيضا هو رفع شأن حكام مصر فى خطاباته، ولم يتحدث عن أى زعيم إلا باحترام وتقدير، وليس من الأمانة التعتيم على دوره فى الحرب، فالانتصار ملك لمصر وجيشها وشعبها وليس ملكا لمبارك، والضربة الجوية التى قصمت ظهر إسرائيل، كانت لنسور الجو المصريين، والحرب والانتصار الذى تحقق فخر لنا جميعا.

وقال عنه إمام علي في مقاله "خدعوك فقالوا: ولا يوم من أيامك يا مبارك":"  ليس من الشهامة الطعن فى رجل أصبح خارج السلطة بلا أى مظهر من مظاهر القوة والجاه، التى تمتع بها على مدار 30 عاماً، وليس من الأخلاق الدخول فى معركة مع رجل تجاوز التسعين ويقضى ما تبقى من عمره بين أبنائه وأحفاده فى منزل لا يغادره، وليس من العقل النظر إلى الوراء وإضاعة الوقت والمجهود فى جدل مفتعل حول مرحلة انتهت تماماً بما لها وعليها، لكن للأسف الشديد البعض يصر على أن يجرّ الآخرين إلى محطة قديمة غادرها قطار الزمن، واللعب بصبيانية شديدة في وحل الماضي، ولأنه، كما قال الأديب الكبير نجيب محفوظ «آفة حارتنا النسيان»، فإننا ننسى حقيقة هذا الماضي، ونجتزئ من الذاكرة ما يخدم مواقفنا فقط دون مراعاة لأى سياق أو ظروف محيطة أو تقييم جاد وموضوعي.

كما قال عنه آخرون : لقد تحمل مبارك ما لا يستطيع أن يتحمله بشر ولما لا فهو ابن المؤسسة العسكرية الوطنية التي تتصف بالقوة والصبر ورفض أن يغادر البلاد هاربًا من المجهول المنتظر وكأن السجن أحب إليه من رغد العيش خارج مصر وأكد أكثر من مرة أنه سيموت على أرض مصر، لقد تحمل ويلات السجن منذ ثورة يناير ورضي بقضاء الله وتحمل التردد على المحاكم باحثًا عن برائته التي يؤمن بها مواجهًا الرأي العام بكل شجاعة حتى ظهرت برائته من قتل المتظاهرين وهي التهمة الأعظم والأكبر في سلسلة اتهامات أخرى وبمرور الأيام والسنين جلت الحقيقة للجميع.

أما المعارضون له فيرون فيه  دِيكتاتورًا فاسِدًا حكَم البلاد لثلاثين عامًا، انحاز طِوالها إلى طبقة رجال الأعمال، وكرّس الزّواج بين المال والسياسة، وابتعد بالتّالي عن فئة الفُقراء والمَسحوقين الذين يعيش حواليّ 40 بالمِئة منهم تحت خطّ الفقر ولا يجدون قوت يومهم، وساهم في تدمير العراق بتأييد الحرب ضده، ولهذا لم يكن غريبًا، ولا مُفاجئًا، أن تتم الإطاحة به بثورةٍ شعبيّةٍ انطلقت يوم 25 يناير عام 2011، وكان عِمادها شباب مِصر الذي طفَح كيله وهو يرى بلاده تتعرّض ثرَواتها للنّهب، وتتراجع فيها الحريّات والخدمات العامّة الرئيسيّة.

وقد قال عنه آخرون: إن مبارك أفسد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنيابية في أواخر عهده وترك المشهد لابنه يفعل ما يحلو له عن طريق لجنة السياسات بالحزب الحاكم ولكنه حتمًا لم يقتل ولم يخطر بباله أن يقتل مصريًا واحدًا من أجل حُكمِ زائل والأيام كشفت كثيرا من الحقائق الغائبة عن عقولنا مثل التمويلات الأجنبية التي تدفقت على مصر من أجل تنفيذ أجندتهم المشبوهة ولولا تدخل الجيش ويقظة الأجهزة السيادسة للبلاد لضاعت مصر في براثن المجهول شأنها شأن دول الجوار التي تم تدميرها باسم الثورات والتغيير.

علاوة علي أن طبقة رجال الأعمال الفاسِدة عزلت الرئيس مبارك عن الشعب كُلِّيًّا، وأقنعته بتوريث الحُكم إلى نجله جمال الذي كان رأس حربتها، وأسيرًا لفسادها، باعتِباره واحدًا من رُموزها، ويُسجَّل للمؤسّسة العسكريّة الحاكمة، رفضها للتّوريث، وهيمنة طبقة رجال الأعمال، وإن كان البعض ينتقد بشدّةٍ إلغاءها جميع الأحكام بالسّجن التي صدَرت في حقّ الرئيس مبارك ونجليه وعددًا من رجال حُكمه بتُهم الفساد والتسبّب بمقتل 800 من شباب الثّورة المِصريّة المُباركة، وهي تُهمٌ مُثبّتةٌ بالوثائق وشُهود العيان، ولا تحتاج إلى إثبات.

بلغ حسني مبارك من العمر 91 عاما ، فقد كان حكمه كان شموليا وتسبب في أزمات عدة في البلاد ومنها الفساد ... ومن أهم المحطات اكبري في حياته السياسية هي الإطاحة به من الحكم وذلك في عام 2011 بعد ثورة يناير، وكان ذلك في خطاب التنحي وحكم بعد ذلك الرئيس محمد مرسي وفي عهده ظهر حسني مبارك أمام القضاء الجنائي في محاكمة تاريخية تتعلق بقتل المتظاهرين وتبديد أموال الدولة وحقوق الإنسان وحصل علي الحكم بالبراءة من قضية قتل المتظاهرين، وفي خضم تلك الأحداث التي شهدتها مصر توقع كثيرون هروب حسني مبارك كما كان الحال في تونس بعد هروب بن علي لكنه قال كلماته الشهيرة التي أنهت ذلك الجدل:" إن هذا الوطن العزيز هو وطني مثلما هو وطن كل مصري ومصرية .. فيه عشت .. وحاربت من أجله ودافعت عن أرضه وسيادته ومصالحه وعلي أرضه أموت وسيحكم التاريخ علي وعلي غيري بما لنا أو علينا ". .. المغردون غردوا حسب انتماءاتهم السياسية ، خاصة في مسالة المقارنة بين وفاة الرئيس محمد مرس ووفاة حسني مبارك.

فتح الجدل والنقاش، بشأن التركة السياسية التي خلفها الرجل، الذي حكم مصر على مدى ثلاثين عاما، وهو جدل لم يتوقف منذ أطيح بمبارك، في أعقاب ثورة شعبية، في يناير من العام 2011، ضمن ما عرف بثورات الربيع العربي.

كان مبارك متشبثا بالسلطة بقوة بعد أن أدخل البلاد منعطف الفساد والفقر ، واستمر ذلك الوضع حتي وصل تزايد الغضب من الفساد وعدم العدالة الاقتصادية إلي مرحلة الغليان في 25 يناير 2011 ؛ حيث خرج مئات آلاف من المصريين فى كل المحافظات تقريبا، يحتجون فى الشوارع ضد سياسيات الإفقار والتجويع والتجهيل والقبضة الأمنية، وسقط أول شهيد فى محافظة السويس، وتعامل الأمن بـ"عنف مفرط" فى فض ميدان التحرير مساء اليوم، وكانت قوات الشرطة السماء تمطر قنابل دخان على الميدان، الذى شهد كل ثورات المصريين تقريبا منذ التحرك الشعبى العظيم فى سنة 1919 ضد الاحتلال الإنجليزى، ما دعا البعض إلى تشبيه نظام مبارك بالاحتلال، لكنه احتلالا وطنيا فى حالته، واستمرت الحالة الاحتجاجية فى الشوارع حتى مساء 27 من يناير، استعدادا لمن أطلق عليه الشباب، دعاة التظاهر، "يوم الغضب"، وقد كان.

ملايين المصريين خرجوا من المساجد عقب صلاة الجمعة، والهتاف واحد "الشعب يريد إسقاط النظام" و"يسقط يسقط حسنى مبارك" و"بكرة نقول كان قهر وعدى.. لما مبارك يوصل جدة"، فى إشارة إلى هرب الرئيس التونسى زين العابدين بن على إلى المملكة العربية السعودية، واقتحمت الجماهير الغاضبة أقسام الشرطة فى المحافظات الكبرى وأضرموا فيها النيران، وسيطر محتجو العاصمة على مقر الحزب الوطنى الديمقراطى وأشعلوا فيه النيران احتجاجا على عصر كامل من الفقر والجوع والمرض وتعذيب وقتل المصريين فى أقفية الشرطة السفلية.

ولم يكن خطاب مبارك فى منتصف ليل 28 يناير كافيا، ولم تكن الجماهير وقياداتها المعتصمة فى ميدان التحرير، وكل ميادين مصر ترضى بأقل من رحيل الطاغية العجوز عن الحكم.

واستمر اعتصام المصريين فى الميادين، وخطب مبارك الثلاثاء، الأول من فبراير "خطابا عاطفيا" وقال فيه جملة ستظل شهيرة "لم أكن أنتوى الترشح لفترة رئاسة جديدة"، وفى اليوم التالي لخطابه حدثت "موقعة الجمل"، ودافع المتظاهرون عن الميدان ضد البطجية الذين حاولوا اقتحامه بالجمال والبغال التى أرسلها قيادات حزب مبارك الحاكم، وسقط العشرات ما بين القتلى والجرحى، وكان انتصار المعتصمين وحفاظهم على الميدان إيذانا بانتصار الثورة وسقوط مبارك بعدها بأيام فى 11 فبراير 2011... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

 

محمود محمد عليتوفى في صباح يوم الثلاثاء الماضي الموافق 25/2/2020، الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، بعد معاناته لسنوات من المرض، وبمجرد الإعلان عن وفاة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، فقد اشتعل الجدل علي مواقع التواصل الاجتماعي حول إرثه وحياته وحكمه لمصر .

الخبر نزل في العواجل ومواقع التواصل الاجتماعي، ثم جاء التأكيد بنحو ساعتين من وفاته من نجله علاء مبارك من خلال تغريدة يقول فيها :" إنا لله وإنا إليه راجعون، انتقل إلي رحمة الله صباح اليوم والدي الرئيس مبارك اللهم أعف عنه، واغفر له، وارحمه ".

وفور ذلك جاء تأكيد آخر من رئاسة الجمهورية المصرية وهذا ما قاله المتحدث باسمها :" تنعي رئاسة الجمهورية ببالغ الحزن رئيس الجمهورية الأسبق محمد حسني مبارك، لما قدمه لوطنه كأحد قادة وابطال حرب أكتوبر، التي أعادت الكرامة والعزة للأمة العربية، وتتقدم رئاسة الجمهورية بخالص العزاء والمواساة لأسرة الفقيد الذي وافته المنية صباح الثلاثاء ".

ونعت القيادة العامة للقوات المسلحة ابن من أبنائها وقائداً من قادة حرب أكتوبر المجيدة الرئيس الأسبق لجمهورية مصر العربية محمد حسنى مبارك والذى وافته المنية صباح اليوم وتتقدم لأسرته ولضباط القوات المسلحة ولجنودها بخالص العزاء وندعو المولى سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته .

ونكس مجلس الوزراء، العلم  حداد على وفاة الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، فى ضوء قرار رئاسة الجمهورية بإعلان حالة الحداد العام في جميع أنحاء الجمهورية لمدة ثلاثة أيام، حدادًا علي وفاة الرئيس الأسبق لجمهورية مصر العربية "محمد حسني مبارك" وذلك اعتبارًا من غد الأربعاء الموافق 26 فبراير 2020

وقد شيعت جنازته ظهر اليوم الأربعاء، جنازة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي وقيادات الدولة المصرية ووفود من عدة دول،  وبدأت مراسم الجنازة بعد صلاة الظهر بمسجد المشير، شرقي القاهرة، ثم توجه المشيعون بجثمان مبارك لحضور مراسم التأبين العسكرية، التي حضرها السيسي، وكبار المسؤولين في الدولة، ومسؤولون سابقون، قبل أن يُحمل النعش إلى مقابر الأسرة بمصر الجديدة.

وكانت رئاسة الجمهورية، قد أعلنت حالة الحداد العام في جميع أنحاء الجمهورية لمدة ثلاثة أيام، حدادًا علي وفاة الرئيس الأسبق لجمهورية مصر العربية "محمد حسني مبارك" وذلك اعتبارًا من اليوم الأربعاء الموافق 26 فبراير 2020.

كان أول ظهور لمبارك منذ ثلاثة أسابيع عندما نشر حفيدة عمر علاء مبارك صورة له من المستشفى علي مواقع التواصل الاجتماعي وبدا فيها متعبا بعد عملية جراحية .

فى هذه اللحظات لا يجوز للعقلاء والأسوياء والبنى آدميين، إلا أن يترحموا على الرئيس الراحل مثلما ترحموا على كل الرؤساء الذين حكموا مصر، ورحلوا لرحمة الله، سواء اتفقنا أو اختلفنا معهم من أول محمد نجيب ثم جمال عبدالناصر ومحمد أنور السادات ومحمد مرسى، وأخيرا مبارك، طبيعى أن من حق كل إنسان أن يتفق أو يختلف مع حسنى مبارك ومع غيره، لكن فى مثل هذه اللحظات، ينبغى أن تكون هناك مراعاة لحرمة الموت والموتى، وأن يكون ذلك بأدب واحترام وموضوعية (وذلك حسب قول عماد الدين حسين .. مبارك.. ما له وما عليه) .

وبهذه المناسبة، نقدم للقارئ الكريم نبذة عن حياته؛ حيث  ولد الرئيس الراحل محمد حسنى السيد مبارك في الرابع من مايو 1928 في قرية كفر المصيلحة التابعة لمحافظة المنوفية، وحصل على بكالوريوس العلوم العسكرية من الكلية الحربية، وفى عام 1950 نال بكالوريوس الطيران، وتلقى الدراسات العليا بأكاديمية "فرونز" العسكرية بالاتحاد السوفيتي عام 1964، حتى أصبح في عام 1967 مديرا للكلية الجوية، وفى عام 1972 تولى الرئيس الأسبق حسنى مبارك قيادة القوات الجوية، وكان قائدا لسلاح الطيران خلال حرب أكتوبر المجيدة، حتى اختاره الرئيس الراحل أنور السادات في عام 1972 نائبا لرئيس الجمهورية.

وكان محمد حسني مبارك رمز للاستقرار والاعتدال بالنسبة لمعجبيه، ورمز للدكتاتورية بالنسبة لنقاده، مع تدريبه كطيار محارب في الاتحاد السوفيتي، ترقي حسني مبارك بشكل تدريجي، إذ قاد القوات الجوية المصرية قبيل حرب 1973، عندما أطلقت مصر وسوريا هجوما مفاجئا علي إسرائيل، بعد عامين قام الرئيس أنور السادات بتعيين مبارك كنائب الرئيس، و6 أعوام بعد ذلك في 1981 أصبح رئيسا بعد مقتل السادات علي يد ميلشيات إسلامية،  مبارك مع السادات في ذلك اليوم الدراماتيكي وتمكن من النجاة بصعوبة من رصاصات القاتل، مع خوض الرئيس مبارك حرب طويلة ودموية ضد ميلشيات إسلامية ساعية لإسقاط نظامه .. تصاعد الصراع في 1997 عندما نفذت الميلشيات مذبحة ضد أكثر من 60 شخصا معظمهم سياح أوربيون ويابانيون، ... في أعقاب الهجوم، سحقت قوات الأمن المصرية الميلشيات .. بينما اتهمت جماعات حقوق الإنسان نظام مبارك بالتعذيب علي نطاق واسع . ..

ومحمد حسنى السيد مبارك، الرئيس الرابع لجمهورية مصر العربية، تولى الرئاسة عقب اغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات على يد تكفيريين فى بداية العقد قبل الأخير من القرن الماضى. فقد استهل مبارك حكمه بالإفراج عن معتقلى سبتمبر، وكان من بينهم ساسة كبار وحزبيون مشاهير، مثل الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، والقطب الوفدى فؤاد سراج الدين، وعدد كبير من اليساريين والناصريين والإسلاميين، فى خطوة اعتبرها البعض بداية جيدة لتدشين نظام سياسى يقبل التعددية السياسية وتداول السلطة والديمقراطية، وأعقب ذلك خطاب شهير قال فيه "الكفن مالوش جيوب"، وشكل أول حكومة برئاسة فؤاد محيى الدين، ومنح الصحافة هامشا من الحرية المنقوصة، أو ما يسميه البعض "حرية الصراخ".

اتسمت السياسة الخارجية لمبارك بشكل عام بكونها سلمية، وظل حليفا قويا للولايات المتحدة، ما جعله وسيطا كبيرا في عملية السلام العربية – الاسرائيلية، وكان مبارك مهندسا لعودة مصر الى الصف العربي في ثمانينيات القرن المنصرم بعد نحو عقد من العزلة بسبب توقيعها على اتفاقية السلام عام1979 مع اسرائيل عن طريق بناء علاقات مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين الذي كان يتمتع بنفوذ قوي في ذلك الوقت.

وتحت حكم مبارك دعمت مصر صدام حسين في الحرب بين العراق وايران.لكن في عام 1990 انحاز مبارك الى التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لمعارضة الغزو العراقي على الكويت، وتحت حكمه ايضا اصبح منتجع شرم الشيخ المصري ساحة لمفاوضات السلام الدولية.

وفي عام 1999 وافق مبارك على ضخ الغاز الطبيعي المصري الى اسرائيل والاراضي الفلسطينية، فيما وصفه رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك بـ "خط انابيب السلام" .

بيد أن المشاعر تُجاهه مُختلفة ومُتضاربة، فالأغلبيّة العُظمى ترى فيه بأنّه حقّق الاستقرار والأمن، وأعاد العلاقات مع جميع الدول العربيّة التي انقطعت بعد اتّفاقات كامب ديفيد، ولكن ما قيمة هذا الاستقرار إذا جاء بالقبضة الحديديّة وغِياب الإصلاحات الديمقراطيّة ورفع سقف الحريّات، والتّوزيع العادل للثّروة، وتعزيز القضاء المُستقل والعدالة الاجتماعيّة واجتِثاث الفساد من جُذوره .

علاوة علي وقفات من فصول تاريخ لا ينسى لحسني مبارك، وأوراق مبعثرة تكتب فترة لا يمكن إسقاطها من ذاكرة مصر الحديثة، أكثرها سطوعا المشهد الختامي، فمهما كان الخلاف على العقود الثلاثة التي قضاها مبارك في السلطة فلا يسع أحد أن ينكر حجم المفاجأة في سقوط إمبراطورتيه خلال 18 يوما من غضبة الشعب... تلك الفصول من حياة مبارك كتبها الشعب وكانت أكثرها تدوينا، وسواها فصول كان لابد فيها من شهادته بنفسه، أما الأولى فسنواته الست التي قضاها إلى جوار السادات نائباً، ففيها رأي بالضرورة ما لم يتمكن آخرون من رؤيته، وفيها عرف ما لم يعرفه سواه، وفيها جرى إعداده ليكون رئيساً، وفيها كان الرجل الثانى فى الدولة دون منافس، وما خفي كان أعظم... أما الثانية فالسبع الأخيرة من الثلاثين عاماً التي قضاها في القصر، ففى عام 2004 صارح وزير خارجيته أحمد أبوالغيط بأنه يشعر من فوق كرسى الحكم بأن الأمريكان يخططون للإطاحة به، رواها أبوالغيط بالتفصيل في مذكراته، وأنه احتفظ بما سمعه لنفسه، ولم يصرح به لإنسان، على مدى سبع سنوات كاملة، هى الفترة بين همس مبارك بما أحس به من جانب الأمريكان لوزير الخارجية، وبين تخليه عن السلطة فى 11 فبراير 2011 (وذلك حسب قول طلال رسلان في مقاله رحل حسني مبارك.. بما له وما عليه).

لقد شاءت الأقدار لهذا الرجل أن يتحمل مسئولية البلاد كاملةً وأن يكون رئيسًا لها بعد اغتيال الرئيس الشهيد محمد أنور السادات في العرض العسكري في أثناء الاحتفال بذكرى انتصارات حرب أكتوبر المجيدة 1982 وكعادتنا نحن المصريين دائمًا ما نتفاءل بالرجل الثاني وننظر له نظرةً مختلفة على أنه الأنسب لهذا المنصب الرفيع والأقدر على تمثيل دولة كبرى بحجم جمهورية مصر العربية وللحق أن مبارك كان فعلًا على قدر المسئولية ووصل إلى شعبية جارفة بالشارع المصري وذلك حسب قول عبدالعال محمد البهنسي في مقال له بعنوان الرئيس مبارك.. ما له وما عليه ! ... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

1370 محمد عمارةكلمة طيّبة نبتَت في ريف مصر، وشجرة طيّبة ارتوَت بنور الوحي؛ اقتدى والدُه بامرأة عمران ، فعزم قبل ولادته على تسميته محمّدا، وبيَّت النيّة على نذْره لدراسة العِلم الشريف الذي تفيض أنهاره في أروقة الأزهر جامعا وجامعة، ثمّ ذهب الوِزرُ وثبَت الأجْر بعد أن وفَّى الوالدُ بالنذْر، فاستوى النبْتُ على سوقه، وصار دوحة فكريّة مبارَكة، تُبرِز هداية السماء فتُجلِّيها أمام ناظرَي مَن جهل، وتَدحض الشبهات والأباطيل فتصفع بها وجه مَن تطاول وبغَى.. ذكم هو المفكر العلامة محمد عمارة الذي رحل عن عالمنا مساء جمعة الثامن والعشرين من فبراير 2020م عن عمر ناهز الواحدة والسبعين. .

 مدحه رئيس رابطة علماء المسلمين (القرضاوي) بقوله: "هو أحد مجدّدي القرن الخامس عشر الهجري، الذين هيأهم الله لنصرة الدين الإسلامي من خلال إجادته استخدام منهج التجديد والوسطية، ومن خلال صولاته وجولاته القوية في تعرية أعداء الإسلام". ووصفه المفكّر التونسي راشد الغنوشي بأنه كاسحة ألغام أمام الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية، ثمّ عَدَّ نفسه تلميذا من تلاميذه الكُثر، وثمرة مِن ثمار مدرسته الفكرية الإسلامية. وقد منحتْه الدولة جائزتها التشجيعية عام 1976م عن كتابه (دراسة الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي)، بينما أهدتْه جمعية أصدقاء الكتاب في لبنان جائزتَها عن كتابه (دراسة الأعمال الكاملة لمحمد عبده) وذلك في عام 1972م. 

نشأ في أحضان أسرة زراعية متوسّطة؛ فحفظ القرآن قبل الحُلُم، ودرس في الأزهر حتى أتمّ تعليمه الثانوي، ثمّ شدّ مئزر العلم ورحل إلى قاهرة المعزّ؛ فالتحق بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، والتي تدرِّس العلوم الشرعية بأسلوب حداثي تجديدي راق له عن الأسلوب الأزهري العتيق، وفيها حصل على درجة الليسانس، ثمّ درجتي الماجستير والدكتوراه في تخصّص الفلسفة الإسلاميّة، ليطلِّق عندها الوظيفة العموميّة التي اعتبرها نوعا من الرقّ وضربا من العبوديّة، ومتخِّذا بذلك أخطر وأهمّ قراراته الحياتيّة، وهو التَفرّغ للعمل الفكري والمشروع الحضاري الذي اختطّه لنفسه بعدما لمس حاجة الأمّة الماسّة إليه، ووجد في نفسه ميلا إلى الانشغال به؛ وهو المشروع الذي عبّر عنه من خلال مقالاته   في الجرائد والمجلات، وإسهاماته في التأليف والتحقيق، ومشاركاته في شتى وسائل الإعلام ومنابر الدعوة، وعضويّته في مجمع البحوث الإسلامية، ورئاسته لتحرير مجلة الأزهر على مدار أربع سنوات. وفي هذا كلّه، كان متبنِّيا لقضايا الحريّة والعدل الاجتماعي، وناهِجا نهج التجديد والنهضة والإحياء، وعلى تماسّ مباشر مع القضايا الوطنية والتحديّات العالمية، ومترصّدا للشبهات العلمانية والدعوات التنصيريّة واللادينيّة.

وبالطبع كانت القراءة زاده وراحلته في هذا المشوار الثري، بدءا بالتوجيه الذي تلقّاه على يد شيخه في المرحلة الابتدائية بضرورة اللجوء إلى القراءة الحرّة، ومِن ثمّ إقدامه على اقتناء باكورة كتبه، وهو كتاب النظرات للأديب الأريب مصطفى لطفي المنفلوطي. مرورا بتلك الغنيمة الباردة التي هبطت عليه في الزمان والمكان المناسبيْن؛ وذلك حين جادت عليه السماء بمكتبة عامرة قوامها أربعة آلاف كتاب، خلَّفها أحد شيوخ قريته بعد وفاته، وكيف أنه تقبَّلها قبولا حسنا، واشتراها مِن الورثة بأربعين جنيها نقَدَها لهم على دفعات بنظام التقسيط المريح، ثمّ اتّخذ منها قاعدة للبناء الفكري ومحطة للتكوين الثقافي، نظرا لما احتوتْه مِن أمّهات كتب التراث في الفقه والتصوّف، وذخائر الأدب العربي نظما ونثرا، والمترجَمات الغربية في الأدب والعلم، إضافة إلى كبريات المجلات العريقة مثل الرسالة والأزهر والعروة الوثقى. وفي هذا يَذكر أنه كان يجلس تحت شجرة الجميز القريبة من منزله، فيقرأ ويقرأ حتى تتداخل الكلمات وتتراقص السطور أمام ناظريْه، فيغمضهما، ويَعمَد إلى إراحتهما نزرا يسيرا، ثمّ يقبض من جديد على الشغف والنّهم، ويواصل إبحاره في محيط القراءة والاطّلاع!

وفي هذا أيضا يَذكر أنه كان دائم الاطلاع في شبابه على جريدة المصري، وكان مَعنيّا بالباب الذي يُنوِّه بإصدارات الكتب الحديثة، ليتخيّر من بين تلك الإصدارات ما يُريد، و يبادر بطلبها عبر البريد. ويضيف أنّه كان على موعد دائم مع معارض الكتب السنويّة، فيدّخر لها المال ويعدّ لأجْلها القوائم، ثمّ يبكِّر يوميا إلى مقرّ المعرض، ويعود بحمل بعير من الكتب. ويَروي أنه عندما باشر العمل السياسي في بداية الخمسينيات، تردّد في الاختيار بين الدخول في حزب مصر الفتاة أو الالتحاق بجماعة الإخوان المسلمين، ولكن الذي رجّح كفّة مصر الفتاة، أنّه لمس في طلاب الإخوان ضيق الأفق، لأنّ قراءتهم قاصرة على كتب بعينها، بينما هو عاشق للفكر والثقافة، ويقرأ في كلّ الألوان، ويرفض تضييق نطاق الفكر والتثقيف.. وكأني به يحذو حذو الرافعي والعقاد في السير على طريقة الجاحظ الذي لا يستثني،  وينصح بقراءة كلّ ما تطاله اليد وتقع عليه العين.

وكما قرأ أمّهات الكتب وصاغ من رحيقها شهدا، فقد قرأ القامات من البشر باعتبارهم كتبا مفتوحة وأفكارا تسير على قدميْن، ثمّ اقتفى أثرهم ونهج نهجهم؛ فنراه قد نهل من  كبرياء العقاد، وعصاميّة طه حسين، وإصلاحيّة محمد عبده، وروحانيّة الغزالي. 

ولقد ناله ما نال غيرَه من طلّاب المجْد ودعاة الحريّة؛ فاعتقله النظام الناصري لمدة خمس سنوات ونصف إبّان دراسته الجامعية (1959-1964م)، وتأخّر بذلك تخرّجه الجامعي سبع سنوات طوال. وبرغم ما تعرّض له في حبسه من سلب الحرية وامتهان الكرامة، إلّا أنها كانت فترة خصبة أحياها بالقراءة والتأمّل، ووقف من خلالها على أكذوبة اليسار الذي انتمى إليه وبُهر بشعاراته الجذّابة والبرّاقة ردحا من الزمن، ومِن ثَمّ بدأ توجهّه الإسلامي الذي عُرف به  وبرز فيه وأخلص له بقيّة عمره، وفيه اختار أن يكون مستقلا؛ يمدّ يده لجميع الحركات والجماعات العاملة في الساحة الإسلامية، دون أن ينتمي تنظيميا لأيّ منها، فكان طيرا حرّا لا يُحجِّر الواسع ولا يقيِّد المطلَق.

ولأنّ الزارعَ لا بد يوما حاصد؛ فقد أثمر هذا التفرّغ الذي اختاره وتلك العزلة التي فرضها على نفسه، كمًّا كبيرا من المؤلَّفات التي ناهزت المائتيْن وأربعين مؤلّفا، بين كتاب وكتيِّب، وتُرجم بعضُها إلى اللغات الإنجليزية والإسبانية والروسية والكردية؛ بدأها في عام 1958م بكتابه عن القومية العربية وهو مازال طالبا في الجامعة، وسطّر منها أربعة داخل محبسه. وقد اهتمّ في جلّ تلك المؤلَّفات بقضايا الفكر الإسلامي قديمه وحديثه، وصاغ من خلالها مشروعا حضاريا إسلاميّا وسطيّا جامعا، وردّ بها على مشاريع التغريب التي علا صوتها وكثر دُعاتها، كما تَرجم فيها لثلّة من روّاد النهضة أمثال الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي والغزالي، ولعلّ أبرز كتبه؛ كتاب (الصحوة الإسلامية والتحدِّي الحضاري) و (الإسلام وحقوق الإنسان) و (المعتزلة وأصول الحكم) و (تيارات الفكر الإسلامي) و(الإسلام والمستقبل)

***

بقلم: منير لطفي - طبيب وكاتب

.....................

* الصورة للدكتور محمد عمارة

 

 

عبد السلام فاروقالسؤال المعتاد: عن افتقاد القيمة والجوهر الثمين وسط لجة الغثاء الخانقة، لماذا؟

مصر لم تعدم العباقرة منذ جمال حمدان إلى الآن، فأين هم؟

ولماذا لم تشهد معارض الكتاب المتتابعة كتاباً فى وزن موسوعة جمال حمدان؟

جمال حمدان .. كان شخصية معرض الكتاب المختارة فى دورته الماضية:(50+1) .. وهى فرصة ليعرف الجيل الجديد حقاً: من هو؟ ولماذا يحتفى به المصريون على الدوام؟

مبتدعِ "شخصيةِ مصر" !

قليلون مَن فكروا فى استجلاء أبعاد شخصية المبدع الذى ألف موسوعة (شخصية مصر)، رغم أن الأمر منطقى وله مغزى .

نحن نعلم عنه ميله للعزلة والانطواء، لكن هذا حال الكثير من المبدعين والعلماء ..

خاصةً فى بلادنا العربية التى لا تعترف بالعبقريات العلمية والأكاديمية بنفس السرعة التى تعترف فيها بالفنانين والممثلين والمطربين ونجوم الكرة !

هو من مواليد قرية "ناى" بمحافظة القليوبية القريبة من قرية "بسوس" التى ولد بها هيكل،رئيس تحرير الأهرام الذى أعاد جمال حمدان بعد أن قرر الانزواء.

وجمال واحد من بين سبعة أخوة لأب أزهرى حرص على تحفيظ أولاده جميعهم القرآن فأتقنوه . حصل على التوجيهية الثانوية عام 1944 وكان ترتيبه السادس على القطر المصرى، وتخرج من كلية الآداب بقسم الجغرافيا عام 1948، فصادف ذلك نفس عام الاحتلال الصهيونى لفلسطين!

أوفدته الجامعة إلى بريطانيا فحصل على الدكتوراه فى "فلسفة الجغرافيا" من جامعة ريدنج عام 1953، ولم تترجم رسالته تلك حتى وفاته! وكانت بعنوان: "سكان وسط الدلتا قديماً وحديثاً" .. ليفاجأ لدى عودته إلى مصر أن الجامعة قررت تخطيه فى الترقية المستحقة له إلى وظيفة أستاذ . فجاء قراره الفورى بالاستقالة احتجاجاً على تعنت رؤسائه . وتفرغ لدراساته فى الجغرافيا التى تمخضت عن كتاب شخصية مصر، وغيره من المقالات والأبحاث والكتب.

ورغم الحياة المتواضعة المنطوية التى اختار أن يحياها، استطاع أن يبدع أفضل منجزاته بهذا الانقطاع المتفانى للعلم، حتى أسماه البعض "راهب الجغرافيا المصرية"، وربما يكون هو الاسم الوحيد البارز فى هذا العلم الذى ندر من تميز فيه لا من المصريين وحدهم بل من سائر العرب. خاصةً وأنه العلم الذى لا غنى عنه للساسة والقادة وأصحاب القرار .. وهو ما أدركه الصحفى الموسوعى الأشهر، محمد حسنين هيكل.

هيكل .. وحمدان !

ثمة مصطلحات حداثية أوجدتها الصحافة من رحم الجغرافيا، مثل "خارطة الطريق"، "حدود الرؤية"، "المناخ السياسي" .. وكان الهدف منها الإشارة إلى الصلة الوثيقة بين علوم السياسة وبين الجغرافيا بمعناها الواسع الشامل.

هذا ما أدركه هيكل الصحفى الوثائقى الموسوعى المهتم بحركة التاريخ، والأكثر تواصلاً مع الزعماء والعلماء والمفكرين . ما جعله يفطن للدور المتداخل بين الجغرافيا والتاريخ فى صياغة القرار السياسي، والعسكرى كذلك . لهذا حرص هيكل على البحث عن عالم من علماء الجغرافيا يدرك هذا الدور، ووقع فى يده كتاب شخصية مصر لجمال حمدان فاندهش، خاصةً عندما أخبره مصطفى نبيل رئيس تحرير مجلة الهلال الأسبق، والذى نشر جزءاً من مقالات حمدان،عن حياة العزلة التى يحياها كأنه راهب فى محراب.

قرر هيكل أن ينتزع جمال حمدان من عزلته بأى طريقة، فذهب إليه . وكانت هناك شفرة للطرق علي باب منزله، لا يعرفها سوى أصدقاء حمدان المقربين ؛ بسبب بغضه للزيارات التى تقطع عليه عزلته وانقطاعه المتفانى للعلم . ورغم أن مصطفى نبيل كان من أصدقاء حمدان المعدودين والتزم بالطريقة المتفق عليها فى طرق الباب، إلا أن حمدان لم يستجِب . فاضطر هيكل إلى تناول حجر صغير من جادة الطريق وألقاه على نافذة جمال ليوقظه إن كان نائماً !

بالفعل فتح حمدان الباب وتركه موارباً لم يفتحه إلا بعد أن أدرك سر الزيارة .. وكان مما قاله هيكل مندهشاً، لما رأى الفوضَى وتواضع الحال: كيف تحيا هكذا، وكتاباتك لها تأثير فى التفكير العام فوق ما تتخيل، وإسهاماتك تعد مراجع كبري للباحثين والمثقفين، لماذا العزلة؟

كان هذا اللقاء بشيراً بعودة جمال حمدان قليلاً قليلاً إلى الحياة العامة، ليترك للمكتبة المصرية والعربية نحو أربعين كتاباً تعد من أهم المراجع لأى باحث اليوم . وحوالى 80 بحثاً ومقالة علمية ورسالة . ناهيك عما فُقد من كتاباته التى سرقت يوم مقتله.

والسؤال اليوم: ما السر وراء اهتمام القيادات بوضع اسمه منفرداً ليكون شخصية العام فى الحدث الثقافى الأهم مصرياً وعربياً؟

ولإجابة هذا السؤال علينا أن نعود إلى الوراء عدة أعوام .. عندما قررت القيادة المصرية القيام بترسيم الحدود البحرية فى اتفاقية تاريخية بين مصر وقبرص واليونان .. تلك الاتفاقية التى لم يدرك أحد أهميتها حتى وقت قريب .. عندما بدأت تركيا فى الإفصاح عن أطماعها فيما لا حق لها فيه . لولا أن جاءت الاتفاقية الدولية المشار لها فى الأمم المتحدة لتقف أمام المطامع التركية بالمرصاد!

إذن هناك دور محورى لعلم الفلسفة الجغرافية الذى نال فيه حمدان درجة الدكتوراه . أما تفرد حمدان فى هذا العلم كان لقدرته الفذة على قراءة الواقع والتاريخ ليستشرف به المستقبل .. وتلك هى قدرته التى أثبتت الأيام والأحداث نبوغه فيها .

نبوءات حمدان!

تنبأ جمال حمدان بالكثير من الأحداث التى وقع بعضها بالفعل، وبعضها الآخر فى انتظار الوقوع إذا صدق حدسه . تلك القدرة الاستشرافية هى من خصائص المبدعين وأصحاب الرؤي والتجليات، وهم قلة من العلماء لا فى مصر وحدها، بل والعالم.

تلك القدرة بعيدة تمام البعد عن التسرع والدجل والإلقاء الجزافى للنبوءات المغرضة كما يحدث اليوم . بل هى تنبؤات قائمة على استقراء معلومات المشهد السياسي بصورة عميقة محيطة . وهى القدرة التى لا تنجلى بالتبعية إلا لقلة من أصحاب العلم الموسوعى من العباقرة، وجمال حمدان أحدهم.

كان من بين العلماء القلائل ذوى القدرة الثاقبة لاستجلاء المستقبل وتوقع تداعيات حركة التاريخ.

قرأت فى العدد الحادى عشر من جريدة الكتاب الصادرة عن المعرض عنواناً مدهشاً يقول: (نبوءات حمدان التى تحققت: الانفجار السكانى، والزحام، والعاصمة الإدارية) .. واتضح أن حمدان أتى على ذكر الموقع الذى تم اختياره لبناء العاصمة الإدارية فكان أول من تنبأ بالصدفة بهذا الحدث الهائل!!!

ولعل من أشهر نبوءاته توقعه لحتمية تفكك الاتحاد السوفيتى، ذكر هذا قبل 21 عاماً من تحقق هذه النبوءة . أيضاً استطاع ببصيرته النافذة أن يتوقع انهيار التحالف التاريخى بين أمريكا وأوروبا الغربية، رغم أن التحالف كان وقتها فى أقوى حالته .. وفى أيامنا هذه نشهد تجليات تلك النبوءة، والتحلل الذى أصاب حلف الأطلسي، والتفكك فى أوصال التحالفات الأمريكية الأوروبية جميعها.

أكثر من هذا أن جمال حمدان له نبوءة فى أوائل التسعينيات ربما نشهد اليوم بوادرها، وهى انهيار القوة العظمى، وأن ما كان يقال عن ألمانيا واليابان استراتيجياً سوف يقال عن أمريكا قريباً، فتتحول إلى عملاق سياسي وقزم اقتصادى أمام عمالقة يسحبون منها صدارة المشهد !!

نحن فى حاجة بالفعل لقراءة جمال حمدان بعمق علنا ندرك اليوم ما أدركه هو بالأمس فسبق عصراً عاد فيه الدجل والافتراء بديلاً عن العلم!

 

عبد السلام فاروق

 

محمود محمد عليالمؤيدون والمعارضون لفكره

 نعود ونكمل حديثا عن سيد القمني بين التجديد والتجديف، وفي هذا المقال نغوص في أعماله ونكشف عن أهم المؤيدين والمعارضين لفكره، أما المؤيدون فيرون أن الرجل مفكر وصاحب مدرسة فكرية إبداعية، وأن التنوير هو مفتاح شخصيته، وخيط العقد الذي يجمع حبات مؤلفاته؛ فأنيس منصور قال عنه "ما أحوج الفكر المصري الراكد والفكر العربي الجامد إلى مثل قلمك‏ وطبيعي أن يختلف الناس حولك‏ فليكن‏!‏ ولكنك قلت وأثرت وأثريت وفتحت النوافذ وأدخلت العواصف وأطلقت الصواعق‏"، وقال عنه الدكتور سعد الدين إبراهيم، قال عنه: القمنى مفكر إسلامي كبير، ومبدع مجتهد؛ فيما يرى الكاتب الكردى "طارق حمو" عن القمنى "سيد القمنى أبدع وأنجز وأسس مدرسة فكرية بحثيّة عملاقة، سلطّ الضوء الساطع على نصوص التراث الصدئة، ففككها وأعادها إلى زمانها ومكانها الأولين؛ وقال عنه الكاتب العراقي جاسم المطير:" القمني صرخة كبرى سوف لا ينضب لها عطاء من نور وتنوير وستكون هذه الصرخة الاحتجاجية في رحاب الرعب السلفي قادرة على فتح أبواب الحرية الدينية وقادرة على إدانة يد القمع الفوضوي الإسلامي مثلما ستكون قادرة على إدانة السلطة التي تتراكم فيها عفونة العصور المظلمة وكهوفها". أما الروائية الأردنية ليلى الأطرش فقالت: "تهديد سيد القمني ورضوخه الذي قد يُفهم في سياق قوة الاحتمال والظروف الخاصة به، فقرة في سلسلة اغتيال الفكر والقتل وإقامة الحسبة وخنق الحريات باسم الدين. ولكن الرضوخ يعني مزيدا من بطش هذه الجماعات وإعادة المجتمعات إلى كهوف الظلام والجهل، ونزع كل مكتسبات التنوير والفكر الحر وحقوق النساء". وذهب الكاتب السعودي صالح إبراهيم الطريقي: كفوا عن إرهاب الرجل، فليس من العدل أن تهدد حياته بسبب أفكاره، وتهدد إنسانيته وكرامته بسبب تركه هذه الأفكار وتساءلوا لماذا المجتمعات العربية تصنع كل هذا الرعب للإنسان إن القمني يعلن وإن لم يقل هذا بصريح العبارة، إنه إنسان خائف ومرعوب، لهذا لا تطلبوا منه أن يكون نصف إله يعبد هو وأفكاره بعد مماته. كما قال عنه الكاتب المصري كمال غبريال:" لقد فضح القمني طيور الظلام، والذين يقدمون لها الحب والماء والأعشاش، والذين يصفقون لتحليقها كغمامة سوداء فوق رؤوسنا، كما فضح غير المبالين الذين يقتصر دورهم على التناسل، أو وضع مزيداً من البيض المرشح لفقس المزيد والمزيد من طيور الظلام". وقال عنه الكاتب الكردي طارق حمو: سيد القمني أبدع وأنجز وأسس مدرسة فكرية بحثيّة عملاقة، سلطّ في مشغله المتواضع، الضوء الساطع على نصوص التراث الصدئة، ففككها وأعادها إلى زمانها ومكانها الأولين، مستعيناً لإنجاز كل ذلك، بإخباريات وسيّر هذا التراث نفسه ". في حين الكاتب الفلسطيني أحمد أبو مطر: "إن إعلان التضامن مع القمني مسالة مبدئية، وبيانه الراضخ لتهديدات الإرهابيين، لن يلغي دور أفكاره هذه، فسوف تظل حافزا تنويريا رغم تراجعه البياني عنها"؛ كما قال قي حقه نزار ماضي أبيات من الشعر نذكرها :

حيّوا معي النورَ هذا سيّد القمني ...،. لعلّ فكركَ يمحو صورة الوثنِ.

يا خيرَ من فهِمَ القرآنَ مجتهدًا ....،. وأدركَ العصرَ في قانونهِ المدني.

إنّ الحداثةَ لمّا قامَ قائمُها ................  ما حظُّ أمتنا منها سوى الفتنِ.

يا للشقاء المقفّى في مواطنها،... من مغرب الشمس حتى مطلع اليمن.

يا أمّةً قاءها التاريخُ مهزلةً ......... هانتْ ولو دخلتْ في النارِ لم تهنِ.

  فأما المعارضون، فقد وصفه "محمد جلال القصاص" (في مقاله لا تظلموا سيد القمني) فقال: سيد القمني حالة غريبة جداً في الفكر المعاصر، أقرب للكوميدية، بل للبلطجة الفكرية، سينمائي، يبحث عن الأضواء، بعد أحداث سبتمبر 2003م أعلن أنه مهدد بالقتل من قبل الإرهاب، ولما لم يلتف إليه أحد عاد من جديد . عاد يحمل زكريا بطرس إلينا، أو عاد بطرس على ظهر القمني .!.. عاد بطرس يمتطي القمني، ويقول أتكلم من كتب (المسلمين) ! وبطرس يكذب، وبطرس يخدع النصارى والمسلمين، فالقمني لا يؤمن بالله ولا برسوله . !!..

 ويستطرد فيقول: سيد القمني لا يرى قداسة لشيء في ديننا، فعنده لا مقدس من ديننا، وعنده المخلوق (المادة) وجِدَ قبل الخالق !!، وهذه من بديهيات الماركسية، ما يقال عنه (أولية المادة)، وعنده أن الإسلام من إفرازات الجاهلية، وعنده كم كبير من الكذب والدجل على كتب المسلمين . يكذب على ابن كثير وغير ابن كثير، يكذب ولا يستحي، ويحمل القمني على ظهره غير قليل من سخافات المستشرقين التي لم تعد تجد من يقرأها في بلادهم . وسيد القمني يهتم به من يحاولون الطعن في الدين من النصارى والملحدين، ولذا تجد كتبه منتشرة في المواقع النصرانية والمنتديات الإلحادية . سيد القمني ليس منا .. لا نعرفه . سيد القمني لا يملك سوى الفظاعة في الطرح والمواقف.

 وقال عنه الدكتور "محمد الشحات الجندى"- عضو مجمع البحوث الإسلامية:" إن سيد القمني أخطر من داعش على مصر، وفكره داعشى ويدعوا إلى الإرهاب والتطرف"؛ أما كمال حبيب، فقد اتهمه بالنصب والدجل وقال عنه: إن ما يذكره القمني لا يعدو أن يكون "دجلاً ونصباً ومحاولة للتسول والارتزاق من بعض الجهات القبطية والعلمانية في مصر التي تقدم له الدعم"؛ أما الكاتب الأردني شاكر النابلسى فاتهمه بالسطحية فيقول "كان نقد القمني لفكر الأصوليين الإرهابيين من باب الكراهية لهم وليس من باب إيجاد البديل من داخل الإسلام نفسه، وثقافة القمني الإسلامية سطحية إلى حد كبير وكافة أطروحات القمني الفكرية لا تستدعى أن يقتل صاحبها بل على العكس فإن هجوم القمني على دول الخليج والإخوان المسلمين كان يُسعد القاعدة".؛ فيما شكك الكاتب المصري إبراهيم عوض فى حصول القمني على درجة الدكتوراه وأنه زوَّر لنفسه شهادة الدكتوراه ليسبق اللقبُ اسْمَه، يقول "لم يركع لله ركعة ويجاهر بقصص ممارساته للزنا والفجور والمخدرات، لا يُجِيدُ إلا الكذب وترديد أقوال المستشرقين، ومع ذلك فإن الدولة أفردت له المجلات والصحف وتولى اليساريون الأشرارُ تلميعَه وتقديمَه كمثقف". وذهب الكاتب الأردني شاكر النابلسي قائلا : "كان نقد القمني لفكر الأصوليين الإرهابيين من باب الكراهية لهم وليس من باب ايجاد البديل من داخل الإسلام نفسه، وثقافة القمني الإسلامية سطحية إلى حد كبير وكافة طروحات القمني الفكرية لا تستدعي أن يقتل صاحبها بل على العكس فإن هجوم القمني على دول الخليج والإخوان المسلمين كان يُسعد القاعدة". أما الكاتب المصري منصور أبو شافعي: "حاول القمني مركسة الإسلام وتعمد الكذب ليتمكن من إرجاع مثلث الإسلام - الرسول - الرسالة إلى منابع جاهلية ويهودية ؛ في حين قال عنه الكاتب المصري إبراهيم عوض: يشكك أصلا في حصول القمني على درجة الدكتوراه وإنه زوَّر لنفسه شهادة الدكتوراه ليسبق اللقبُ اسْمَه، لم يركع لله ركعة ويجاهر بقصص ممارساته للزنا والفجور والمخدرات، لا يُجِيدُ إلا الكذب وترديد أقوال المستشرقين، ومع ذلك فإن الدولة أفردت له المجلات والصحف وتولى اليساريون الأشرارُ تلميعَه وتقديمَه كمثقف". وكذلك قال عنه الكاتب الإسلامي أبو إسلام أحمد عبد الله: (الأنبا) هو لقب أحببت أن أمنحه من عندي، للكاتب سيد قمني، من باب إنزال الناس منازلهم، فالرجل للحق وإن كان منتسباً إلى كتبة ألوان الطيف السبعة، فهو شيعي حيناً ويساري أو اشتراكي حيناً آخر، وحداثي وعلماني وليبرالي حيناً ثالثاً، ثم كنسياً في آخر (موديل)، إذ أن نجمه لم يسطع بين عشرات المهتمين بخصومتهم لإجماع الإسلام والمسلمين، إلا بعد أن أصبح كاتباً متميزاً في صحيفة (وطني).

 وفي رأيي أن القمني (كما قال عماد صبحي في مقاله سيد القمني.. تاني) حاول إصدار أحكام يقينية في قضايا جدلية، وأسئلة معقدة لم يحسمها كل علماء التاريخ، وفشل حتى علماء المصريات والآثار في الاتفاق بشأنها على امتداد عمر البشرية مثل: من هو فرعون موسى؟، وهل فرعون شخص واحد أم اثنين؟، وقصة دخول وخروج اليهود من مصر؟، ومن هو حاكم مصر أثناء وجود سيدنا يوسف؟، ولماذا لم يتم العثور على أي أثر له في مصر رغم مكوثه فيها طويلا؟، ومن هم الهكسوس؟

 كما اتفق مع عماد صبحي في قوله:" لست أنكر على الدكتور سيد القمني حقه في البحث والاجتهاد، خصوصا لو انحصر هذا الاجتهاد في قضايا تاريخية جدلية، ومن ينكر هذا الحق يمارس "المكارثية" ضد حرية البحث والاجتهاد، ولكني أتصور أن إطلالة الرجل المثير للجدل، بعد طول اختفاء وانعزال، على الشاشات من جديد قد تعيد إلى الأذهان، وتجدد فتاوى سابقة صدرت بحقه عندما كان يتحدث في قضايا دينية"

 ومن جهة أخري أختلف مع القمني حين يقول فى أحد لقاءاته عن الأزهر "إن الأزهر يدرس فقهًا يُخرج مجرمين و"قتالين قتلة"، ولا يختلفون عن عناصر "داعش"... كما أختلف مع القمني حين طالب فى أحد أحاديثه، بإقالة مشايخ الأزهر والابتعاد عنهم قائلا: لو أردنا الإصلاح بجد، علينا أولاً الإغلاق على هؤلاء.. يا مصريين أقيلوا مشايخ الأزهر تصحّوا.. كما لا أوافق القمني في قوله «الأزهر ليس شريفًا.. والطيب زى أى أزهرى بعمامة لا أمل فيه"... كما اختلف مع القمني في أن "القرآن الكريم له بعدان، الأول حقائق، تتعامل مع أحداث تأريخية حدثت في التاريخ الإسلامي مثل غزوة بدر ومعركة أحد وصراع اليهود مع المسلمين في (يثرب) وغيرها من الأحداث، بالإضافة إلى هذا الجانب التأريخي هناك جانب روحي وميثولوجي أسطوري.. كما اختلف مع القمني في أن العلاقة مقطوعة بين الإسلام والعلم والاقتصاد، وانه لا يوجد ما يسمى بإعجاز القرآن الكريم، وان العالم بات يحتقر المسلمين بسبب الإسلام الذى انتهت دعوته بموت النبي صلى الله عليه وسلم.. كما اختلف مع القمني في أن النصوص القرآنية المتعلقة بالمعاملات ومعايش الناس في القرآن الكريم يجب عدم الأخذ به ... كما لا أوافق القمني في قوله :"إن محمدا على رغم أنفه وأنف من معه، قد وفَّر لنفسه الأمان المالي بزواجه من الأرملة خديجة، على رغم أنفه كذلك وأنف من رضي به مثقفا، بعد أن خدع والدها وغيَّبه عن الوعي بأن سقاه الخمر".. كما اختلف مع القمني في أن الفتوحات الإسلامية في عهد عمرو بن العاص، لم تكن بغرض الدعوة ونشر الإسلام، بل بغرض ما وصفه بـ"الاحتلال"، الذى فرض الجزية و القتل، تحت مسمى الفتح الإسلامي... كما اختلف مع القمني في "القرآن نص تاريخي، ولا ضير من وضعه موضع مساءلة إصلاحية نقدية".. كما اختلف مع القمني في أحد تصريحاته التليفزيونية أن الشريعة الإسلامية لا يصلح أى عنصر فيها للتطبيق اليوم على الإطلاق، فكيف أقطع أيدى الناس وأرجلهم اليوم؟، مضيفا أن الفكر الإسلامى لا يصلح للآن بأى حال من الأحوال، ولكن الإيمان والفروض فهي أمر مسلم به ولا خلاف بينها وبين الزمن... كما اختلف مع القمني حين شدد أن كتاب البخاري يذكر فواحش ويورد أحاديث تسيء إلى النبى... وهناك أمور كثيرة نختلف معه فيها ربما لا يطول بنا المقال هنا لسردها بالتفاصيل والتي تكشف وتبرز كيف أن سيد القمني يمثل نموذج حي وواضح للمثقف الذي يجاهر بآرائه المناوئة لعاصفة التفكير الديني بمعناه الشعبوي والسلفي.

 وأخيرا كلمة حق نقولها في حق القمني في نهاية تلك المقالات، وهو أنه حتى وإن اختلفنا معه جملة أو تفصيلا، وسواء تبنينا مواقفه أو عارضناها، فإننا نرجوه أن يشفق علي نفسه من التصريحات التي يبثها هو بنفسه أو يبثها غيره عن حتي لا تطاله يد الإرهاب، ويبتعد تماما عن الحديث عن القضايا الحساسة والشائكة ولا سيما فيما يتعلق بكلامه عن الأزهر الشريف، حيث نرجوه ألا يدلي بدلوه في أحاديث لا من قريب ولا من بعيد عنه، فالأزهر خط أحمر لا يجب أن نهجمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

 

عبد الصمد البلغيثييكون بين المفكرين والمشتغلين بالثقافة في كثير من الأحيان صراعات وخصومات لا تنتهي، وهي صورة قلما نستحضرها في الحديث عن شخصياتنا الفكرية والثقافية، سواء في علاقتهم ببعضهم أو في علاقتهم بالسلطة ودوائر الحكم والسياسة.

وفي كثير من الأحيان ما تعكس نصوصهم ومؤلفاتهم هذا النزوع نحو إعلاء الذات وتبخيس الغير، سواء بشكل صريح يتمثل في الهجوم على الشخص والتحريض عليه عن طريق مقال في جريدة أو مجلة أو كتب مؤلفة أو خلال المشاركة في ندوة...، أو تلميحا من خلال نقد الأفكار والأطروحات دون التعرض لأصاحبها بالتهم والتجريح، والأمثلة كثيرة في أيامنا وعند أهل زماننا التي نصادف فيها مقالات وكتب وحوارات لمثقفين وباحثين يتعرضون لغيرهم، ويعبرون عن خصومتهم عن طريق توجيه التهم ونشر الإشاعات، بعيدا عن أخلاق المثقف وقواعد البحث العلمي. مما يصعب معه أن تجد جماعة من الشعراء أو الفنانين والباحثين في مجالات البحث المختلفة دون خصومة وصراع تجد دوافعها من الغيرة والحسد والإنفعال الغريزي.

لكن البعض يعتقد أن ذلك مرتبط بمجتمعنا المعاصر، الذي تسود فيه علاقات تساوى فيها أراذل الناس والطامعون في السلطة والمال، مع نخبة المثقفين والمفكرين، وهي ظاهر مرتبطة بتسليع الثقافة وتحول العلم من غاية في حد ذاته إلى وسيلة من أجل الوصول لمنافع ومكاسب، فأصبحنا نرى الكثير من المثقفين يتنافسون على المشاركة في ندوات ومؤتمرات مؤدى عنها، ويعرضون مشاريعهم لمن يدفعون ويتراجعون عنها لمن يدفع أكثر، كل ذلك من أجل إمتيازات مادية.

غير أن الحقيقة ليست كذلك، فالصراع والخصومة بين المثقفين قديمة وعرفتها كل الأزمنة على مر العصور. ومن بين الأمثلة المعبر التي استوقفتني كثيرا لأتأمل من خلالها واقع المثقف وخصوماته في زمننا، قصة فيلسوف سرقسطة وفاس مع الأديب الفتح ابن خاقان، وهي قصة جديرة بالتأمل والدراسة لأنها تكرر نفسها في أزمنة مختلفة من العصر الأندلسي إلى يومنا هذا.

من المعروف أن إبن باجه(ت533ه/1139م) كان أول فلاسفة المغرب والأندلس الذي إشتغل بالحكمة وعلوم الأوائل من  طب وفلك ورياضيات وموسيقى...، بالإضافة إلى تقلده أعباء الوزارة واشتغاله بالسياسة، في بلاط الأمراء بداية مع ملوك الطوائف بسرقسطة في الأندلس إلى مدينة فاس، ما جعله يحظى بمكانة مرموقة بين أهل زمانه من خلال قربه من رجال السلطة والحكم.

كفيلسوف أو مثقف زمانه جالس ابن باجه الساسة والفقهاء والشعراء...وغيرهم، فنشأ له من ذلك محن وخصومات ذكرها التاريخ ودونتها كتب الطبقات، من بينها خصومته وعداوته مع الأديب الفتح ابن خاقان(ت528هـ/1133م) صاحب كتاب "قلائد العقيان" جمع فيه تعريفا بأدباء وشعراء زمانه وبعض أشعارهم. وقد تعرض فيه لفيلسوف سرقسطة وفاس ابن باجه بأقبح النعوت مشوها صورته ومتهما إياه بأخطر التهم حيث قال فيه:"هو رمد جفن الدين وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفا وجنونا، وهجر مفروضا ومسنونا، فما تشرع، ولا يأخذ في غير الأضاليل ولا يشرع، ناهيك من رجل ما تطهر من جنابة ولا أظهر مخايل إنابة ولا إستنجى من حدث وأشجى فؤاده بتوار في جدث ولا أقر بباريه ومصوره ولا قر بتباريه في ميدان تهوره، الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان، نظر في تلك التعاليم وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم. ورفض كتاب الله الحكيم العليم ونبذه وراء ظهره." (ط.1،مطبعة التقدم العلمية،مصر،1320هـ) لم يكن هذا النص إلا تعبيرا عن حجم العداوة التي يكنها الفتح ابن خاقان للفيلسوف ابن باجه، وهوما يمكن وصفه بالتشهير والإساءة التي قد يلجئ لها بعض المثقفين لتصفية حساباتهم مع غيرهم لسبب أو لأخر، ما يجعل موقف المثقف وكلامه مشكوك فيه ولا يعتد به، كما هو الحال مع الفتح وابن باجه، لأن كتب التاريخ تذكر أن بينهما منافسة وخصومة تعد من أشهر الخصومات في عصرهما، نقلها أصحاب التراجم وكتب الطبقات.

ومن بين أسباب هذه الخصومة أن الأديب الفتح بن خاقان أرسل للفيلسوف ابن باجه يطلب منه شيئا من شعره ليورده في كتابه قلائد العقيان فرفض إبن باجه، وغضب عليه الفتح وقرر أن ينتقم منه فذكره بذلك الشكل القبيح وهو ما جعل العباس ابن ابراهيم يقول:"كلام الفتح فيه لا يعول عليه، ولا يلتفت ذو علم إليه، لما علم بينهما من المنافرة والمعاداة والمهاجرة بسبب حكاية وقعت بينهما وخصومة سلفت لهما"(الإعلام،تح.عبد الوهاب بن منصور،المطبعة الملكية،ط.2،الرباط،1998) لكن ما سبب هذه العداوة التي تجعل أديبا شاعرا يرمي التهم الخطيرة لفيلسوف حكيم؟

رغم موقعهما ومكانتهما العلمية إلا أن العلاقة بينهما كانت مبنية على الصراع الشخصي من حسد وغيرة متأصلة في الغريزة الإنسانية بغض النظرعن المنزلة والمنصب، وهو ما نجده واضحا في التفسير الذي يقدمه المؤرخ ياقوت الحموي(626هـ/1228م) في كتابه معجم الأدباء حيث يقول:"...(أن الفتح) أراد أن يفضح الشعراء الذين ذكرهم بنشر كتاب القلائد وكان يكتب إلى المغاربة ورؤسائهم يعرف كلا على انفراد أنه عزم على كتاب القلائد وأن يبعث له إليه بشيئ من شعره ليضعه في كتابه وكانو يخافونه ويبعثون إليه بالذي طلب ويرسلون له الذهب والدنانير فكل من أرضاه أثنى عليه وكل من قصر هجاه وثلبه وممن تصدى له وأرسل إليه إبن باجه وزير صاحب المرية، وهو أحد الأعيان في العلم والبيان، يشبهونه في المغرب بابن سينا في المشرق فلما وصلة رسالة ابن خاقان تهاون ولم يعرها طرفه فذكره ابن خاقان بسوء ورماه بداهية" (تح.أحمد رفاعي بك،مطبوعات دار المأمون،ج.16.د.ت).

والغريب أن الأديب الفتح ابن خاقان يعود في مقام أخر بعد ان تهجم على ابن باجه، لينقلب بشكل عجيب في كتاب أخر تحت عنوان: "مطمح الانفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس" ليقول في الفيلسوف عكس ما سبق حيث مدحه من خلال ما يلي:"هو بدر فهم ساطع، وبرهان علم لكل حجة قاطع، تأرجحة بعطره الأعصار وتطيبت بذكره الأمصار، وقام به وزن المعارف واعتدل، ومال للأفهام فننا وتهدل، وعطل بالبرهان التقليد،...وله أدب يود عطارد أن يلتحفه، ومذهب يتمنى المشتري أن يعرفه."(تح.محمد على شوابكة،دار عمار مؤسسة الرسالة،ط.1، 1983)، وهو مدح وثناء وتعظيم واضح لا يستقيم مع التحقير له واتهامه في الكتاب الأول، لكن الأمر يصبح مفهوما، من خلال ما جاء في كتب التاريخ، التي تحكي أن ابن باجه لما بلغه ما كتبه الفتح عنه، أرسل له الهدايا والأموال ليسترضيه وطلب مصالحته فتراجع الفتح ومدحه في كتابه الثاني وأثنى عليه كثيرا.

من خلال ما سبق مناقشته يبدوا أن الخصومات بين المثقفين والمفكرين تكون في كثير من الأحيان لأسباب شخصية، وهو الأمر الذي كان واضحا في محنة ابن باجه مع الفتح ابن خاقان، لذلك اعتبرناهما مثال يتكرر كثيرا في عصرنا مع مثقفينا وخصوماتهم الشخصية.  

 

عبد الصمد البلغيتي

باحث في الفلسفة العربية والإسلامية

 

محمود محمد عليأقواله وآراؤه

نعود ونكمل حديثا عن سيد القمني، وفي هذا المقال نغوص في أعماله ونكشف عن أهم أقواله وآرائه، وفقا لما تضمنه بعض أعماله المشهورة التي أثارت جدلا ؛ وأبد بكتابه "الفاشيون والوطن والذي قال فيه :" أنه منذُ فَجرِه، ظلَّ المنهجُ العربيُّ السائدُ في التفكيرِ على كلِّ المستوياتِ يدورُ في فلكِ التراكُمِ وحْدَه. ورغمَ المرورِ بحِقْبةٍ انفتاحيه واضحةٍ أدتْ إلى بروزِ كَوْكبةٍ متميزةٍ مِنَ العُلماءِ والمفكِّرين، إلا أنَّ تلكَ الحِقْبةَ وما صاحَبَها من اصطراعٍ فكريٍّ ثَرِي، انتهتْ بقراراتٍ سِياديةٍ معَ نهايةِ القرنِ الرابعِ الهجري، ولم تبْقَ في الساحةِ سوى وجهةِ نظرٍ واحدةٍ سائدةٍ تُمثِّلُ النصوصيةَ المغلَقةَ بالكامِل."

كما يَطرحُ «سيد القمني» في فكرة عدمَ عِصمةِ الصَّحابة، وبَشريَّةَ الرسولِ التي تُصِيبُ وتُخطِئ، وفي هذا يقول :" أما السنه القولية التي جمعها رواه الأحاديث عن الرسول الكريم فقد جمعها ودونها بشر مثلنا غير معصومين ..  نقلوها عن بشر اخرين غير معصومين في سلسله من العنعنات عبر عشرات السنين (لم يتم تدوين الاحاديث إلا من بعد زمن الخلفاء الراشدين علي أيام سلاطين القصور) وقد اجمع رواه الاحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام قد نهي عن تدوين الاحاديث وجاء هذا النهي في أكثر من حديث لابي هريره وعبدالله بن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وعبدالله بن مسعود وغيرهم وفي كلمات ابي هريره .. في قطعيه لا تقبل اللبس .. خرج علينا الرسول ونحن نكتب أحاديثه فقال ما هذا الذي تكتبون قلنا أحاديث .. قلنا أحاديث نسمعها منك يا رسول الله قال .. أكتاب غير كتاب الله يقول أبي هريره فجمعنا ما كتبناه وأحرقناه بالنار ".... وهلم جرا.

أما في كتابه الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية فمن أقواله في هذا الكتاب:" إذا أرادَ اللهُ إنشاءَ دولةٍ خلَقَ لَها أمثالَ هؤلاء.» قالَها «عبد المطلب بن هاشم» وهُوَ يُشِيرُ إلى أبنائِه وحَفَدتِه؛ فبالرغمِ مِنَ التفكُّكِ القَبَليِّ في بِيئةِ البَداوةِ التي عاشَتْها جَزيرةُ العَرب، فإنَّ هناكَ مَن استطاعَ أنْ يَقْرأَ الظُّروفَ المَوْضوعيةَ لمَدِينةِ مَكةَ بوجْهٍ خاص، وأنْ يَخرجَ مِن قراءتِه برُؤْيةٍ واضحةٍ هيَ إمكانُ قيامِ وَحْدةٍ سِياسيَّةٍ بينَ عربِ الجَزِيرة، تَكُونُ نَواتُها مَكةَ تَحْديدًا".

كما أكد أيضا في هذا الكتاب علي أن التاريخَ بحاجةٍ إلى نظرةٍ مَوْضوعيَّةٍ مُتجرِّدةٍ بعيدةٍ عَنِ النُّصوصِ المُعلَّبةِ التي تَضعُه في إطارٍ واحِد؛ إطارٍ كهنوتيٍّ لا يَصحُّ الحَيْدُ عَنه، أو التفكيرُ خارجَ دائرتِه، لكَيْ نَصلَ إلى قراءةٍ عَقلانيةٍ نستطيعُ بها فَهمَ الأحداثِ التي شكَّلتْ ثَقافتَنا، وبُنِيَ عليها تُراثُنا. بهذا المنهجِ يُناقِشُ الدكتورُ «سيد القمني» دورَ البيتِ الهاشِميِّ في التمهيدِ لتأسيسِ الدولةِ الإسلاميةِ على يدِ النبيِّ محمَّد، ويَرصدُ ما كانَ لَدَيهم من تطلُّعاتٍ ليَكُونوا أصحابَ حُكمٍ ورِئاسة؛ ويناقشُ أيضًا دورَ مركزِ مكةَ التجاريِّ في دعْمِ تلك التطلُّعات، مُتتبِّعًا مراحلَ هذا البناءِ من بدايتِه كحُلْم، إلى تنفيذِ التخطيطِ الهاشميِّ ودعْمِ الدَّعوةِ الجَدِيدة، إلى التعصُّبِ لابنِ عُمومتِهم ونَصْرِه، وإرساءِ قواعدِ الدولةِ الإسلاميةِ الناشِئة.

وفي كتابه الإسرائيليات ذكر القمني بأنه أبدًا لم يحتسبِ اليهودُ ولا كِتابُهمُ المقدَّسُ أنَّ البطاركةَ الأوائلَ (إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ) أنبياءُ بالمعنى المفهومِ للكلمةِ في الإسلام؛ أيْ رسلٌ ذوو كُتُب، بقدْرِ ما كانوا أسلافًا لهم قدسيَّتُهم لاتصالِهم المباشرِ بالآلهة.»

وكعادتِه يقتربُ "سيد القمني" مِنَ القضايا الشائكة في هذا الكتاب، فيدرسُ نصوصَها ويُحقِّقُ في أهدافِها لعلَّهُ يهتدي إلى رأيٍ جديد. وفي هذا الكتابِ يُحلِّلُ النصَّ التَّوراتي؛ أحدَ أقدمِ النصوصِ الدينيةِ على الإطلاق، ويُرجِّحُ أنَّ أقدمَ أسفارِ العهدِ القديمِ كُتِبَ حوالَي عامِ 850 ق.م؛ معتمِدًا في ذلك على آراءِ "توماس هوبز" و"باروخ سبينوزا". ويؤكِّدُ «القمني» على ضرورةِ عدمِ التعامُلِ مع النصِّ التوراتيِّ على أنه وثيقةٌ تاريخيةٌ تروي تاريخَ الإسرائيليِّين؛ فهو لا يَعْدو أن يكونَ أكثرَ من مجردِ وثيقةٍ أسطوريةٍ على حدِّ تعبيرِه، وإنْ حملَ بعضُه القليلَ من الحقيقة. كما يُفنِّدُ «سيد القمني» في كتابِهِ هذا ادِّعاءاتِ "فليكوفسكي" في كتابِه «عصور في فوضى» الذي يؤصِّلُ فيه لدولةِ إسرائيلَ تأريخيًّا.

وإذا ما انتقلنا إلي كتابه:" النسخ في الوحي: محاولة فهم، وجدناه يؤكد أن  النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: «نزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرُف، كلُّها كافٍ شافٍ.» وعثمانُ حينَ حظرَ ما حظرَ مِنَ القرآن، وحرقَ ما حرقَ من الصُّحُف، إنَّما حظرَ نصوصًا أنزَلَها اللهُ، وحرقَ صُحفًا كانت تشتمِلُ على قرآنٍ أخَذَه المُسلِمونَ عن رسولِ الله.»

ويستطرد في هذا الكتاب قائلا: من المعروفِ تاريخيًّا أنَّ القرآنَ الكريمَ تَتابعَ نزولُه على رسولِ اللهِ طوالَ ثلاثةٍ وعشرينَ عامًا، هي عُمرُ الدعوةِ المحمَّديَّة، وذلك خِلافًا لألواحِ التَّوْراةِ التي تَلقَّاها موسى من ربِّه دَفْعةً واحدة. وخلالَ هذه الفترةِ كانَ القرآنُ يناقشُ في بعضِ آياتِه أوضاعَ الدولةِ الوليدةِ ويُشرِّعُ بعضَ أحكامِها، ونتيجةً لتبدُّلِ أحوالِ المُسلِمِينَ من ضَعْفٍ إلى قوَّة، وتغيُّرِ عَلاقاتِهم معَ القُوى المُحِيطةِ بهم، نُسِخَتْ بعضُ آياتِ القرآنِ الكريمِ لتُواكِبَ التطوُّراتِ الجديدة، مِثلَما حدَثَ في عَلاقةِ الرسولِ بيهودِ المَدِينة. وبِناءً على هذا، فإنَّ قضيةَ النَّسْخِ في الوحْيِ واحدةٌ من أهمِّ القَضايا الشائكةِ في التاريخِ الإسلامي؛ نظَرًا لطبيعةِ هذا النَّسْخِ وما يمكنُ أن يَتبعَه من مُطالَباتٍ بتغييرِ بعضِ الأحكامِ لتوافِقَ العصرَ الحالي، مثلَ أحكامِ العبيدِ والجَواري ومِلْكِ اليَمِين.

وأما في كتابه النبي إبراهيم والتاريخ المجهول فيعلن أن :" آخِرُ ما يُمكنُنا قولُه في موضوعِنا هذا هو أن مُتابَعةَ خطِّ السَّيرِ الحقيقيِّ لرِحلاتِ النبيِّ إبراهيم قَد أضاءَتْ لنا مَناطقَ قاتِمةً في التاريخ، وبعضُها كانَ ظلامًا دامسًا نحسَبُه مَقصُودًا، ونتركُ كشفَ القَصدِ لجُهدٍ آخَر، ورُبما لباحثٍ آخَرَ له مَقاصدُ أُخرى".

ويستطرد حديثه قائلا لقد :" أعطَتِ التَّوراةُ للنبيِّ إبراهيمَ مَكانةً كَبيرةً في تاريخِ الشَّعبِ العِبراني؛ فهو لدَيْهم أصلُ سلسلةٍ مُتعاقبةٍ منَ الأنبياء، وفي الإسلامِ هو أبو الأنبياء، ومنهُ تَنحدرُ سُلالةٌ كريمةٌ آخرُها النبيُّ مُحمَّد، غيرَ أنَّ اختلافَ الرِّواياتِ بينَ الكُتبِ المُقدَّسةِ حولَ أصلِ إبراهيمَ ورِحلتِه فَتحَتِ البابَ أمامَ الباحثينَ للنَّظرِ في الأَصلِ "التَّاريخيِّ" للنبيِّ الذي يُعَدُّ من أهمِّ الشَّخصياتِ في التاريخِ الدِّيني، والذي نُسبَتْ إليه الأديانُ التَّوحيديةُ الثلاثَةُ فسُمِّيتْ ﺑ "الإبراهيمية". وفي دراستِه تلكَ يُحاولُ "سيد القمني" كشفَ التاريخِ المُزيَّفِ لعَلاقةِ النبيِّ إبراهيمَ بفلسطين، وإزاحةَ السِّتارِ عن عَلاقتِه بالمِصريِّين، وتعقُّبَ مَوطنِه، وتَتبُّعَ خطِّ السَّيرِ الأقربَ إلى الصحَّةِ لارتحالِه في المِنطَقة.‎

وفي كتابه انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح قال بصريح العبارة:" وبوفاةِ صاحبِ الدعوةِ وتوقُّفِ عَلاقةِ السماءِ بالأرض، تجمَّدَ المسلمون عند آخرِ نصٍّ في تطوُّرِ الأحكامِ ليَعتبروهُ حُكمًا صالحًا لكلِّ زمانٍ ومكان، بينما هو، في حقيقةِ الأمرِ ودُونَ أيِّ تَجنٍّ، خارجَ إطارِ المكانِ والزمان.»

ثم يستطرد قائلا : لطالما تساءلَتِ الأقلامُ وعلَتِ الحناجِرُ تَستفهِم: ماذا حلَّ بالمسلمين حتَّى أصبحوا عِبئًا على الحضارةِ الإنسانية؟ لأجلِ الإجابةِ عن هذا السؤالِ يَنظرُ الدكتور «سيد القمني» إلى واقعِنا الإسلاميِّ من خلالِ العَلاقةِ الديناميكيةِ بين الدينِ والمجتمع؛ إِذْ أحالَ رجالُ الدينِ منذ عصرِ الخلفاءِ الراشدين، وربما قبلَه، الإسلامَ من التَّوحيدِ إلى الوثنيةِ مرةً أخرى، فمَنحوا القداسةَ والعصمةَ لغيرِ الله، بَدءًا من الرسولِ إلى صحابتِه، فأصبحَ الدينُ ألفَ رجلٍ مُقدَّس، وكما تقدَّسَ الأشخاصُ امتدَّتِ القداسةُ إلى النصِّ دونَ العقل؛ الأمرُ الذي سمحَ للحديثِ النبويِّ أن يَحتلَّ مكانةً هامةً في التشريعِ الإسلامي. ولمَّا كان التراثُ الإسلاميُّ أحدَ المكوناتِ التاريخيةِ التي تُشكِّلُ الوعيَ الإسلامي، فإنَّ «القمني» يرى ضرورةَ إعادةِ قراءةِ النصِّ من جديد، عاملًا على تشخيصِ حالِ الأمةِ الإسلاميةِ قبلَ وضعِ خريطةِ العلاج.

وفي كتابه النسخ في الوحي: محاولة فهم، أعلن علي أن :" " النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: «نزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرُف، كلُّها كافٍ شافٍ.» وعثمانُ حينَ حظرَ ما حظرَ مِنَ القرآن، وحرقَ ما حرقَ من الصُّحُف، إنَّما حظرَ نصوصًا أنزَلَها اللهُ، وحرقَ صُحفًا كانت تشتمِلُ على قرآنٍ أخَذَه المُسلِمونَ عن رسولِ الله.»

ثم يوضح ذلك فيقول: من المعروفِ تاريخيًّا أنَّ القرآنَ الكريمَ تَتابعَ نزولُه على رسولِ اللهِ طوالَ ثلاثةٍ وعشرينَ عامًا، هي عُمرُ الدعوةِ المحمَّديَّة، وذلك خِلافًا لألواحِ التَّوْراةِ التي تَلقَّاها موسى من ربِّه دَفْعةً واحدة. وخلالَ هذه الفترةِ كانَ القرآنُ يناقشُ في بعضِ آياتِه أوضاعَ الدولةِ الوليدةِ ويُشرِّعُ بعضَ أحكامِها، ونتيجةً لتبدُّلِ أحوالِ المُسلِمِينَ من ضَعْفٍ إلى قوَّة، وتغيُّرِ عَلاقاتِهم معَ القُوى المُحِيطةِ بهم، نُسِخَتْ بعضُ آياتِ القرآنِ الكريمِ لتُواكِبَ التطوُّراتِ الجديدة، مِثلَما حدَثَ في عَلاقةِ الرسولِ بيهودِ المَدِينة. وبِناءً على هذا، فإنَّ قضيةَ النَّسْخِ في الوحْيِ واحدةٌ من أهمِّ القَضايا الشائكةِ في التاريخِ الإسلامي؛ نظَرًا لطبيعةِ هذا النَّسْخِ وما يمكنُ أن يَتبعَه من مُطالَباتٍ بتغييرِ بعضِ الأحكامِ لتوافِقَ العصرَ الحالي، مثلَ أحكامِ العبيدِ والجَواري ومِلْكِ اليَمِين.

وفي كتابه رب الزمان: الكتاب وملف القضية، ورد عنه قوله :" وقد كانَ ذلكَ الاستخدامُ الانتهازيُّ الدائمُ للنصِّ الدينيِّ مَصْدرًا لعددٍ من الانتكاساتِ الفادِحة، حتَّى وصلَ الأمرُ أحيانًا إلى استخدامِ النصِّ لتبريرِ أهواءٍ ونَزواتٍ للحاكِمِين، هيَ ضدُّ الوطنِ وضدُّ المُواطِنِ وضدُّ الدينِ ذاتِه".

كما طرحَ "سيد القمني" في هذا الكتابِ مِنَ الأفكارِ والمواقفِ ما جعَلَه في مَرْمى النقدِ والمُصادَرة؛ إذ عُقِدَتْ لهُ المُحاكَماتُ الأدبيَّة، وطَرحَ المُفكِّرونَ ما جاءَ فيهِ على مائدةِ النقاش؛ فطالَبَ البعضُ بمنْعِه مِنَ النشرِ ومُحاكَمةِ صاحبِه، بينَما وقَفَ معَهُ آخَرونَ دِفاعًا عن حُريةِ التعبير. والكتابُ يتطرَّقُ إلى عددٍ مِنَ القضايا؛ منها ما يَتعلَّقُ بتاريخِ الإسرائيليِّينَ وعلاقتِهم بمِصْر، ويَبحثُ في أركيولوجيا اللغةِ لبعضِ الأسماءِ المُقدَّسة.

وفي كتابه حروب دولة الرسول (الجزء الأول) « قال: " وهكذا جاءَ مُسلسلُ الاغتيالِ والعنفِ والتَّصفيةِ الجسديَّة، لإعادةِ تثبيتِ هيبةِ الدولةِ التي تَرنَّحتْ في أُحُد، ولإعلانِ الإصرارِ الذي لا يَتزحزَحُ على استدامةِ الدولةِ وسيادتِها والحِفاظِ على مُستقبلِها، ولو مَعَ التضحيةِ بأرواحٍ كثيرة.»

ثم يَعرِضُ «سيد القمني» في الكتاب رُؤيتَهُ المُمنهَجةَ حولَ نشأةِ الإسلامِ والدوافعِ الزمانيَّةِ والجغرافيةِ حولَ حُروبِهِ الأولى في غزوَتَيْ بَدْرٍ وأُحُد؛ فمِن مُنطلقِ مُجتمعٍ أرستقراطي، خرَجَ الإسلامُ مِن مكةَ إلى المدينة؛ ومن ثَمَّ كانَ على الرَّسولِ أنْ يُحاولَ إضعافَ مكانةِ مكَّةَ التجاريةِ حتَّى يُخضِعَها لسيادةِ الدِّينِ الجديد، ومِن أجلِ ذلكَ خرَجَتْ سَرِيَّةُ «عبد الله بن جحشٍ» لتُقاتِلَ في الأَشْهُرِ الحُرُم، ومِن بعدِها خرجَ الرسولُ مُحاوِلًا تصيُّدَ عِيرِ قريشٍ التي كانتْ في قافلةِ «أبي سفيان»، وبالرغمِ من نَجاةِ القافلةِ مِنَ الوقوعِ في أيدِي المُسلمين، فإنَّ الدوافعَ الاقتصاديةَ كانَتْ وَراءَ رَغبةِ قُريشٍ في استعراضِ قُوَّتِها في بَدْر، إلَّا أنَّها مُنِيتْ بالهزيمةِ نتيجةَ الانقساماتِ الداخليةِ الَّتي عانَى منها الفريقُ القُرَشي، وهيَ الانقساماتُ نفسُها التي أدَّتْ إلى هزيمةِ المُسلمينَ فيما بَعدُ في غزوةِ أُحُد؛ ومن ثَمَّ اتَّجهَتِ الدولةُ الإسلاميةُ الوليدةُ بعدَها إلى التخلُّصِ مِنَ المُعارِضينَ لها، وتَوْحيدِ الصفِّ الداخِلي.

وأما في كتابه حروب دولة الرسول (الجزء الثاني) فيري أنه :" في الوقتِ الذي أخذتْ فيه أحوالُ المُسلِمينَ الاقتصاديةُ في التحسُّنِ المُطَّرد، بعد أن وَضعَتْ بدرٌ بيدِ المُسلِمينَ القوةَ المادية، سلاحًا، ومالًا، ومَنحتْهم مزيدًا من الثقةِ النفسيةِ في أنفُسِهم وفي مَشروعِهم وفي قائدِهم، فامتلَئوا — بتلك القوةِ المعنويةِ — جرأةً، وأخذوا بتأديبِ المُخالِفينَ في يَثرِب، وإلقاءِ الرُّعبِ في قُلوبِهم، بل وقَتلِ أيِّ شخصٍ يَتجرَّأُ على مُعارَضةِ الدولة".

ثم يَرصدُ "سيد القمني" منهجيةَ الرسولِ الحربيةَ في التعامُلِ معَ المستجداتِ الداخليةِ والخارجية؛ حيثُ حرصَ الرسولُ على بناءِ دولتِه واستِئصالِ شَأْفةِ المُعارِضِينَ لسيادتِه، مُتَّخِذًا من هزائمِ المسلمينَ دافِعًا للمُضيِّ قُدمًا، وهو ما حدَثَ بعدَ هزيمتَيْ بدرٍ وبئرِ معونة، حيثُ طردَ يهودَ «بني النضيرِ» إثرَ مُماطَلتِهم في المساهَمةِ في تحمُّلِ جزءٍ من ديةِ "بني عامر"، ومُحاوَلتِهم الفاشلةِ لاغتيالِ الرسُول، وما تبعَ ذلكَ من تأليبِهم قريشًا على الخروجِ فيما عُرِفَ بغزوةِ "الخندق"، التي تَظهرُ فيها خيانةُ يهودِ "بني قُريظة"؛ فكانَ جزاؤُهم مذبحةً لم تَسمعِ العربُ بمثلِها من قبل. وتَتوالى الغزواتُ والفُتوحاتُ حتى يُتوَّجَ الجهدُ الحربيُّ بفتحِ مكة. ومع اتساعِ الدولةِ ظهرَ الانقسامُ داخلَ المجتمعِ الإسلاميِّ معَ استيعابِه الطُّلَقاء؛ وهو ما أدَّى إلى احتجاجِ بعضِهم على تقسيمِ الرسولِ لغنائمِ «هوازنَ» مُتَّهِمِينَ إيَّاه بعدمِ تطبيقِ العدالة.

ولم يكتف القمني بذلك بل وجدناه ينشط على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مستفز، فهو دائم التغريد على موقع "تويتر" الذي ينتقد من خلاله منتسبي التيار المتشدد أو ما يصفه بـ"الإرهابي"، فهو بحسب إحدى التغريدات لا يفرّق "بين أحدٍ من التيارات الإسلامية، لأنّ الأيديولوجية التي يعتمدون عليها واحدة، وهي (نحن الصواب والآخر كافر وباطل يجيب إزالته).

وفي تغريدة أخرى يكتب:" ثم قالوا إني غيرت ديني. وأنا والله لا غيّرت ولا بدّلت، الحب إيماني، والإنسان المصري أسمى اهتماماتي، والبشر في أي مكان، ومن أي دين هم أهلي وعشيرتي".

وغرد أيضاً "في الوقت الذي تصبح فيه أعظم نظريات العلم الحديث من الماضي باكتشاف جديد، فإنّ مشايخنا يرون أنّ فهمهم للإسلام صالح لكل مكان وزمان"، وبالتالي "لا شك أنّ الغربي المشغول بعلوم الزمن الآتي ليس لديه الوقت، وربما الرغبة، ليطلع على تراثنا ويعرف أنّ كراهيته فرض علينا"، مشدّداً في تغريدة أخرى على أنه "منذ أن دخل العلم الحديث بلادنا وتراجع دور الشيخ المهيمن على كل شؤون البشر، عرف الشيخ أنّ العلم هو ألد أعدائه".، واقرأ أيضاً: نصر حامد أبو زيد غرّد خارج السرب فأزهرت كلماته ومات غريباً.

وفي ردّه على منتقديه، يقرّ القمني بأنّه لا يهاجم الشريعة الإسلامية "لأنّها عندي ليست محل هجوم، بل محل درس وفهم وتحليل، وأيضاً محل نقد إذا حاولوا استدعاءها اليوم". وهو في هذا السياق يرى أنّ للقرآن الكريم بعدين: الأول حقائق، تتعامل مع أحداث تاريخية حدثت في التاريخ الإسلامي مثل غزوة بدر ومعركة أحد وصراع اليهود مع المسلمين في يثرب، وغيرها من الأحداث. والثاني روحي وميثولوجي أسطوري لم يحدث بصورة عملية فيزيائية وإنما يمكن اعتباره رموزاً وليس حقائق تاريخية. وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

 

 

محمود محمد علي"الأسس والمنطلقات"

يعد سيد القمني واحدٌ من أكثر المفكرين المصريين إثارة للجَدل بآرائه التصادمية الجريئة مع رجال الدين المسلمين وحركات الإسلام السياسي من جِهة، واحتسابِه ضمنَ التيارِ العقلانيِ والتنويري، مثل فرج فودة من جهةٍ أخرى.. يتأرجحُ الموقفُ منه.. علاوة علي أن معظم أعماله تناولت مرحلة حساسة من التاريخ الإسلامي، فالبعض اعتبره باحثاً بالتاريخ الإسلامي من وجهة نظر ماركسية، في حين أنه يعتبر نفسه من أتباع فكر المعتزلة.

كما ينتسب سيد القمني إلى طائفة من الباحثين في علوم الدين واجتماعيات الشريعة الإسلامية، ممن يفكرون خارج مناطق الصندوق التقليدي للفهم الديني، وهو ما جرّ عليه مصاعب حياتية قصوى جعلته في مرمى التكفير والتهديد بالقتل، كما فعلت في العام 2005 "جماعة الجهاد"، التي اتهمته بالخروج عن نواميس الشريعة، وبأنّه "مارق" و"ملحد" و"مرتد"، ولكن ذلك لم يمنعه من مواصلة دق جدران خزّان المسكوت عنه في التاريخ الإسلامي، مواصلاً مسيرة مفكرين عرب وإسلاميين بعضهم قضى نحبه في هذه الطريق الوعرة.

راح القمني، منذ حصوله على الدكتوراه في تأريخ علم الاجتماع الديني، يبحث في مناطق إشكالية في التاريخ الإسلامي، وفي النصوص الدينية، أسفرت عن عدد من الكتب جرى مصادرة أغلبها من قبل الأزهر، وتعرض بسببها إلى المحاكمة باعتباره "مرتداً".

وقد وصفه الأستاذ مجدي حسنين (في مقال له بعنوان " د. سيد القمني راهب في محراب الأديان المقارنة") بأنه واحد من الباحثين الذين وهبوا حياتهم للأسطورة والتاريخ والبحث في سراديب الأديان المقارنة ،كاشفا عن الجواهر التي تختفي وراء الانقطاع المعرفي والاغتراب عن النسق . آثر البقاء في صومعة البحث العلمي ، راهباً في محراب تاريخ المنطقة التي شهدت الأديان السماوية الثلاثة الكبرى اليهودية .. المسيحية .. الإسلام . رافضاً العمل في الجامعات ومراكز الأبحاث ، ويرجع السبب في نظره إلي رفض أساليب التعليم ليس في الجامعات المصرية فحسب، بل في الجامعات العربية كلها ، خاصة أن المادة العلمية التي يبحث فيها والمنهج الذي يستخدمه له من التميز والخصوصية ما قد يتعارض مع أساليب التعليم المعمول بها في مصر أو الوطن العربي ، بل يري أن المنهج ، وهذه المادة العملية قد لا تعترض عليها مؤسسة الجامعة فحسب ، بل قد يحدث معه ما هو أنكي من ذلك .. وأبحاث الدكتور القمني ترتكز علي دراسة تاريخ الأديان والتاريخ المقارن وأساطير مصر القديمة ، أي قي نفس المنطقة الحضارية الأولي ، التي بعثت الدراسات فيها منذ أواخر القرن الماضي ، وأوائل القرن الماضي ، وأوائل القرن الحالي ، سعيا لإثبات هذه الوحدة الحضارية في ديانات ، وثقافات الشرق القديم.

كما وصفه الأستاذ أسامة خيي في مقال له بعنوان "سيد القمني.. رجل في الجبهة الأمامية لمعركة الفـكـر والتنويـر" قائلا:" يحمل الرجل عدته المنهجية المستنبطة من التعقيل التاريخي وينزل إلى أعماق تراث يفيض بالخرافات والأساطير مثلما يكتنز ذخائر الفكر المتنور والعقلانية الفلسفية والإبداع الأدبي.. لا يفرق في تحليلاته بين ما ينتمي إلى السجل الخرافي ولا ذلك المحسوب على العقل، وإنما يموضعهما معا في إطار الشروط التاريخية والثقافية التي فعلت في إنتاجهما. إنها المسافة الضرورية واللازمة مع التراث التي تجعل الإنسان يدرك أن ذلك المأثور في كليته ما هو إلا نتاج اجتهادات أهل عصوره.. عمل إنساني.

ويستطرد فيقول : " في جل كتاباته ثمة فضح لهذا الجنون الإسلاموي المستشري اليوم بوسع العالم والمستعدي على الحقوق والحس السليم ومنطق الأشياء. لذلك، لا يتنازل المفكر عن نبرته الساخرة وهو يرى كيف أن وضع الأحكام في غير سياقها التاريخي يجعل الجنون يأخذ أبعادا سريالية. تطبيق الشريعة. إنزال الحدود. الجهاد. الخلافة... لا يمكن إلا أن تتمخض وقد تم إسقاطها عن واقع اليوم، سوى مفارقات دونكيشوتية، لكن مأساوية ومدمرة كما هو الحال مع القاعدة وداعش وباقي متطرفة الجنون الأصولي... هذا النقد العميق للإسلام السياسي والمراجعة التفكيكية للتراث الديني جعلت محمد سيد القمني في عين العاصفة باستمرار. ولم يكن صدفة أن يهدر دمه قبل عشر سنوات ولا أن يلاحقه محتسبة الإخوان والنظام معا في محاكمة شهيرة ترافع فيها، ليس عن نفسه، وإنما عن الفكر الحر بمعرفة عميقة بالفقه والشريعة والأصول. وهو ما فعله مع صنوه في جبهة التنوير، المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد يوم كالوا له تهمة الخروج عن الملة وسعوا لتطليقه من زوجته.

وأخيراً حديثه قائلاُ:" يجسد سيد القمني، الذي ساهم في إحياء تراث المعتزلة، امتدادا لتلك المدرسة والمنارة الشاهقة التي وضع حجرها الأساس مفكرون في قامة طه حسين وعلي عبد الرازق ولطفي السيد وسلامة موسى ومحمود أمين العالم وفرج فودة وسواهم كثير. وهو إذ يزور اليوم «بيته» الأحداث المغربية فلصلة الرحم بمنبر مستقل حرص منذ انبثاقته على أن يكون واحدا من أصواته التي يفكر بها ويسترشد بتحليلاته النقدية في معركة مستسرلة بين التنوير والعماء الأصولي".

وُلِدَ سيد محمود القمني في مدينةِ الواسطي بمحافظةِ بني سويف عام ١٩٤٧م، وظل يدرسُ حتى حصَلَ على الدكتوراه من جامعةِ جنوب كاليفورنيا (ويجادل البعضُ في مِصْداقيةِ حصولِه على تلك الدرجة). تخصَّصَ القمني في الكتابةِ عن بواكيرِ التاريخِ الإسلامي، محلِّلاً وناقِدا بجُرْأةٍ الكثيرَ من مَحطاتِه التاريخيةِ حتى هُدِّدَ بالاغتيالِ عام ٢٠٠٥م على إثرِ اتِّهامِه بالكُفر والإلحادِ من قِبَلِ بعضِ خُصومِه. آثر القمني بعدَها السلامةَ وأعلَن اعتزالَه الفِكرَ والكِتابة، ثم تراجَعَ عن قَرارِه فيما بعد. وأخيرا وبعدَ جهدٍ طويلٍ جاءَ تقديرُ الدولةِ له بمنحِهِ جائزةَ الدولةِ التقديريةَ عام ٢٠٠٩م، وقد صحب ذلك زلزالٌ عنيفٌ مِنَ الرفضِ والاعتراض.

ومن أبرزِ دراسات ومقالات وكتب القمني ، ومنها: النبي إبراهيم والتاريخ المجهول، قصة الخلق/ منابع سفر التكوين، رب الزمان، شكراً بن لادن، مدخل إلى فهم الميثولوجيا التوراتية، الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية، الأسطورة والتراث، العرب قبل الاسلام، حروب دولة الرسول في جزئين، وأهل الدين والديمقراطية: صدر 2005، والجماعات الإسلامية رؤية من الداخل: صدر 2004، والإسلاميات: صدر 2001، والإسرائيليات: صدر 2002، وإسرائيل، الثورة التاريخ التضليل: صدر 2000، وقصة الخلق: صدر 1999،والنبي موسى وآخر أيام تل العمارنة: صدر 1999، وحروب دولة الرسول: صدر 1996، والنبي إبراهيم والتاريخ المجهول: صدر 1996، والسؤال الآخر: صدر 1998,, وهلم جرا.

علاوة علي المقالات الكثيرة التي كتبها ؛ حيث اتسمت مقالات القمني باللهجة الزاعقة المتصاعدة ضد الإسلام السياسي، وكان أكثر هذه المقالات حدّة المقال الذي كتبه على أثر تفجيرات طابا في أكتوبر 2004. وكان عنوانه: «إنها مصرنا يا كلاب جهنم!»، هاجم فيه شيوخ ومدنيي الإسلام السياسي، وكتب: «أم نحن ولاية ضمن أمة لها خليفة متنكّر في صورة القرضاوي أو في شكل هويدي تتدخل في شؤون كل دولة يعيش فيها مسلم بالكراهية والفساد والدمار، ويؤكد وجوده كسلطة لأمة خفية نحن ضمنها».

وبعد هذا المقال، تلقى القمني العديد من التهديدات. إلى أن أتى التهديد الاخير باسم «أبو جهاد القعقاع» من «تنظيم الجهاد المصري»، يطالبه فيه بالعودة عن أفكاره وإلا تعرّض للقتل ، فقد أهدر دمه ففي 17 يونيو - حزيران 2005 وعلى اثر ذلك كتبَ سيد القمني رسالة بعثها إلى وسائل الإعلام والى مجلته روز اليوسف، يعلن فيها توبته عن أفكاره السابقة وعزمه على اعتزال الكتابة، صوناً لحياته معلنا ان توبته واستقالته ليس من القلم وحسب، بل ومن الفكر أيضاً.

وقد منح سيد القمني في عام جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية عام 2009 والتى تبلغ قيمتها مائتى ألف جنيه مصرى. وعقب فوزه بجائزة الدولة التقديرية مؤخرا واجه القمني هجوما كاسحا من قبل جماعات التكفير المحسوبة علي التيار الديني الي الحد بإهدار دمه وإقامة دعاوي التكفير ضده الامر الذي دفع القمني بإرسال نداء استغاثة الي كل الهيئات والافراد والمنظمات الحقوقية في العالم وذلك من خلال مواقع اليكترونية وقال فيه أهيب بضمير الإنسانية الحر فى كل العالم أن يهب لنجدتى أنا وأولادى بالمساندة المعنوية والتنديد بالفكر الراديكالى، مع تقديم حلول سريعة لإنقاذنا من الخطر الذى يتحدق بنا".

وقال سيد القمني: "منحى جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية أثار ضدي التيار المتشدد، وطالبوا بسحب الجائزة منى مع إعلان ارتدادي وتكفيري، وهو ما يعنى فى بلادنا أننى أصبحت مهدور الدم، يمكن لأى مواطن قتلى ويكافئه الله بدخول الجنة خاصة بعد ان اعلنت دار الإفتاء المصرية فتوى بتجريمى وهدر دمى بتهمة إهانة نبى الإسلام ورب الإسلام، وقال إن تكفيره أمر يحتمل التطور إلى ما هو أبعد وأخطر فى الأسابيع القادمة، فى إشارة إلى احتمال سعى بعض المتطرفين لاغتياله.

كما دعت المؤسسات المتضامنة مع موقف سيد القمني الأدباء والمفكرين المصريين إلي مساندة القمني دفاعا عن حرية الرأي ورفضا لمصادرة الآراء والأفكار حتي لا تتكرر مآسي إهدار دم الادباء مثلما حدث مع الكاتب الراحل نجيب محفوظ والمفكر فرج فودة الذي دفع حياته ثمنا لأفكاره علي يد احدي الجماعات المحسوبة علي التيار الديني في مصر ... وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

 

 

في صيف عام 1974عندما اشتدت حرارة جو بغداد، بدأت افكر بالأجازة السنوية، حينذاك كنت مواظبا على عملي في مستشفى الرمد (مستشفى ابن الهيثم بعدئذ) وانا طبيب اخصائي في طب وجراحة العيون، فكنت أتسائل مع نفسي، اذهب الى اي مكان في العالم هذا العام لقضاء فترة الاستجمام والراحة؟، مرهونا ان لا يكون المنتج السياحي المقترح ضمن الاماكن التي زرتها من قبل، فطال أمد البحث والتأمل حتى دخت في متاهات الحيرة وراجعت الخرائط الجغرافية قديمها وحديثها، الى ان استقر الاختيار في النهاية على جزيرة غرين لند، موطن الاسكيمو، الكائنة داخل دائرة القطب الشمالي للكرة الارضية.

كنت وانا صغير تستهويني صور الاسكيمو وهم يعملون خارج اكواخهم الثلجية، اهفو الى رؤية عالمهم الغريب الذي لم يمت بغيرهم في عالم البشر بشيء، وعندما كبرت، استبدت فيً هذه الرغبة اكثر فاكثر، حتى وضعت الفكرة ضمن برنامج حياتي القادمة. و الان ارى نفسي في مرحلة عمر ملائمة مستعدا للخوض في غمار المخاطرة، بعد ان اصبحت الفرصة متاحة للقيام بمهمة التنفيذ، محاولا الوصول الى هناك لارى هؤلاء القوم وهم يعيشون في اصقاع من الارض يغطيها الصقيع طيلة ايام السنة، اي على مقربة من المحيط المتجمد الشمالي من قطب اليابسة، نعم لأرى بنفسي اطر حياة الاسكيمو ووالوقوف على شكل ومستوى بدائية معيشتهم وكيف ان هذه الجماعات من الناس قد تكيفوا مع هذا المناخ، القارص في برودته، القاسي في شدته، وهل ان الحياة داخل قبب من الثلج الصالد، قابلة للتحمًل ، خاصة خلال اشهر الظلام الستة من السنة ؟

كانت هذه الملاحظات قد ازدحمت في رأسي وبدأت تشغل بالي كثيرا، فشكلت عندي بالتالي الاندفاع الذاتي والقرار الحازم والعزم الاكيد للاقدام على تحقيق الحلم العتيد، حلم الطفولة الملحاح ! مجازفا بالمخاطرة، هكذا غادرت بغداد في الاول من تموز وهي تتلوًى في درجة حرارة 50 فوق الصفر متوجها نحو جزيرة غرين لند الكائنة في اقصى الشمال من المحيط الاطلسي، المنطقة القطبية ودرجة حرارتها 50 تحت الصفر، بل واكثر.

لم يكن امر الانتقال الفجائي من منطقتنا الساخنة الى المنطقة المتجدة في القطب الشمالي مزحا و وميسرا، بل كان عسيرا وشاقا، بل شاقا جدا، محفوفا بمصاعب جمة، تمت على عدة مراحل. كانت لندن، مرحلتها الاولى تلتها بلاد ايسلندة التي تبتعد عن اوربا بطيران طويل وهي كائنة تحت الدائرة القطبية الشمالية بشكل مباشر، ومن هناك وبعد انتظار دام ايام واصلت الرحلة عبر طيران غير مريح بواسطة طائرة صغيرة خاصة للخدمات الاستكشافية. والى ان بلغنا المقصد، جزيرة غرين لند القطبية. كان ثمن المعاناة الروحية باهظا.

ففي لندن، المحطة الاولى التي قضيت فيها بعض يوم، جهزت نفسي بكل مستلزمات الرحلة التي كانت تتطلب ملابس واحذية وغطاء راس خاص تفرضها ظروف مناخ القطب. بعد ذلك واصلت الرحلة جوا بأتجاه الشمال في طائرة حديثة، في طيران مريح دام لساعات عدة، حتى وصلت الطائرة ايسلندة وحطت في عاصمتها ركافيك، فأقمت فيها ثلاثة ايام، كانت حافلة بالمفاجئات السارة، والمشاهدات الفريدة، وقد تحدثت عنها في مقال سابق، مؤكدا على ابرز معالمها السياحية بشيء من التفصل.

لم تكن نية الاقامة الطويلة في ايسلندة امرا مطروحا في بدأ الرحلة لكن ظروف تهيئة الطائرة الاستشكافية الخاصة للخدمات القطبية لم يكن سهلا، بل انها هي التي فرضت هذا الانتظار.

وفي صباح اليوم الرابع من اقامتي في ايسلندة، كان كل شيء يخص الرحلة قد تهيئ، ففي اليوم نفسه وفي الوقت المحدد نقلتني سيارة الشركة من الفندق الذي اقيم فيه الى المطار. وبعد تأكد ضابط السفر من وجود الفيزا الدانيماركية في جواز سفري، امتطأت الطائرة ( كانت غرينلند يومذاك مستعمرة ).

كانت الطائرة صغيرة الحجم، وذات محرك واحد، تحوي على خمسة مقاعد فقط، وتاريخ صنعها قديم، واظن انها كانت تفتقد الى جهاز التكييف، فكان علينا نحن المغامرين الاربعة ان نسعف انفسنا بأغطية الصوف المطروحة بين المقاعد، فإلتحفنا بها صاغرين.

بيد ان معاناتي الذاتية كانت اكثر من غيري من رفاق السفر، بسبب موقع مقعدي الذي كان بجنب الباب، التي لم تكن محكمة السد، تحدث صريرا مزعجا لا ينقطع، ناهيك عن الهواء البارد الذي تمرره داخلا، فكنت الف اطرافي بمزيد من الاغطية تحاشيا من البرد القارس، فقد وجدت نفسي امام مشكلة، لا تجد سبيلها الى حل. فلم يخطر بالبال ان يجد المرء في الطائرة الاستكشافية، هذا الكم من الاهمال البالغ وقلة الاهتمام براحة المسافر، لذلك ضاق صدري ضيقا شديدا.

كان الطيران من اول وهلة طيرانا مضطربا غير مستقرا، كثيرة الحركة لا تخلوا من مطبات، فلم تستقر في سيرها طيلة الرحلة ولم تهدأ ابدا، كان تحليق الطائرة على ارتفاع خفيض، كان الطريق طويلا، اشعرني بالملل والضجر، فلم اشاهد في ساعات الرحلة، اثرا للملاحة البحرية، فمعظم المسطحات المائية كانت متجمدة، تعج بجبال ثلجية، هائلة الاحجام، غريبة الاشكال، كانت اشعة الشمس المنعكسة عن سطح المحيط، تملأ الدنيا ضوءا وهاجا، شديد السطوع والانبهار. كان المشهد مهيبا مرعبا، يكتنفه الغموض وخشية المجهول، فاضطربت قليلا دون ان اهاب، وقد ذهلتُ بما رأيت، وكان فكري معظم الوقت شاردا، جعلني لم انتبه بطول الوقت، لكنني افقت من شرودي بعد حين بسبب شعوري بتيبس حنجرتي، فلم اكن اقوى على بلع ريقي وعطشت، دون أن يتيسر لي جرعة من الماء.

كانت ظروف الرحلة بالغة الشدة، وفي غمار هذه الشدة، حاولت التعلق بشيء يصرف انتباهي، فعمدت التمعن في كنه المشاهد الغريبة خارج دائرة محيطي، ينسيني وضعي النفسي التعيس، ولم يمر وقت طويل إلا ووجدت نفسي منغمرا بفيض من الخشوع الروحي، يملأ جوارحي، فغدوت مأخوذا في حيرتي امام عظمة الكون ورهبته، وجمال الوجود ومهابته.

وبينما انا بهذه الحال من الطيران (الأكشر)، بدأت طائرتنا المهلهلة تهبط تدريجيا،

بيد ان خط سيرها قد تغير، ولم يخطر ببالي ابدا، من ان الطائرة سوف تتوجه نحو جبل ثلجي قائم امام عيني، فتسائلت مع نفسي القلقة عن السبب، لكن الطائرة استمرت في سيرها حتى اقتربت الجبل المذكور شيئا فشيئا، فحبست انفاسي واصبت بالذعر وبدأ قلبي يخفق خفقانا قويا. وخشيت النهاية.

لكن ما كان اشد اندهاشي واعظم ذهولي حينما (وكًرتْ) الطائرة في لحظة خاطفة فوق قمة ذلك الجبل واستقرت عليه فورا، وتوقف المحرك ـ ـ ـ فتنفسًت الصعداء.

كانت تلك البقعة التي هبطت عليها طائرتنا، عبارة عن قطعة ارض، ذكرتني ابعادها بمساحة ملعب كرة القدم، انها كانت رقعة اليابسة الوحيدة في تلك المنطقة القطبية، التي تكشف نفسها للعيان، بعد انحسار الجليد عنها في فترة زمنية محددة، لا تتجاوز ايام معدودات من شهر تموز كل عام.

لم اجد هناك احدا، ولا أثرا لكائن حي، بل وجدت نفسي واقفا وسط المغامرين الامريكان الثلاث في ذروة ذلك المرتفع، تحيطنا الثلوج من الجهات الاربعة، وكان البرد في شدته مثلجا، رغم ان الوقت كان ظهرا والشمس ساطعة في كبد السماء، كان الجليد القريب من اقدامنا صقيلا صلبا، فحذرنا القبطان من الحركة، تفاديا من خطر الانزلاق.

كانت الدنيا من حولنا تسبح في بحر من النور الوهاج، يسطع بشدة، يخشع الابصار، فكان كل شيء فيه يتلألئ، كان الجليد البراق، ناصع البياض يغطي وجه الارض على امتداد الافق، وكانت مسطحات الصقيع القريبة والبعيدة متناغمة في قوة لمعانها لدرجة كان من الصعب على المرء ان يعرف اين ينتهي البحر و تبدأ اليابسة، علما ان مكان وقوفنا كان محاذيا للساحل الغربي للمحيط المتجمد الشمالي.

كان منظر الطبيعة في بهائها و صفائها آسرا، وقد تجلى سحرها الفتان في حلة من الجمال المطلق، وهي السمة التي تنفرد بها البيئة القطبية.

لكننا صُعقنا وطاش صوابنا، عندما ابلغنا القبطان بعدم السماح لنا بمخالطة عوائل الاسكيمو، رغم انهم الان امام اعيننا وعلى بعد، لا يتجاوز عشرات الامتار، كون ان قبائل الاسكيمو يتحاشون الغرباء، حرصا على صحتهم، فالاسكيمو يعتقدون ان غيرهم حمال امراض.

فقد نشأ عندهم هذا الاعتقاد، بعد ان قدم الى بلادهم تجار فرو اوربيون خلال القرن التاسع عشر، وتم تبادل البضائع معهم عن طريق المقايضة، لان الاسكيمو لا يعرفون العملة، الاوربيون حصلوا على كميات كبيرة من فرو الحيوانات القطبية، مقابل حصول الاسكيمو على بنادق وحاجيات اخرى. وخلال التماس الذي جرى بينهما، نُقلت امراض الوافدين الى شعب الاسكيمو، ولم يستطع هؤلاء مقاومتها، مما تسبب الى هلاك أعداد غفيرة من شعب الاسكيمو. ومنذ ذلك الحين يتفادى الاسكيمو لقاء الاجانب !

وبعد ان تلقيا هذه المعلومات، صار يقينا اننا سنمكث في مكاننا واقفين، ومن موقعنا فقط، يمكننا رؤية مجتمع الاسكيمو في منطقة سكناهم، ونلاحظ ما يجري فيه من نشاطات اجتماعية، ضمن بيوتهم الجليدية، كما يمكننا ان نستنبط عبر المظاهر الحياتية التي نراها، طبيعة علاقاتهم مع بعضهم، انهم كانوا منشغلين في ممارسة اعمالهم، وقد علمنا ان طبيعة هذه الاعمال كانت متعلقة بامور الصيد وتهيأة الغذاء اليومي، وهو في الغالب يشمل على ما يحصلون عليه من صيد البحر في الاغلب والبر في الاقل. انهم يعيشون على الارض الثلجية في اقسى الظروف المناخية شدة.

كانت منطقتهم تتكون من مجمعات (سكنية) وهي عبارة عن قبب ثلجية، تناثرت على مساحات واسعة من السفوح الشمالية، تفصل المجمعات عن بعضها ممرات متقاطعة، ولم نجد هناك ما يمت بالحياة العصرية من أثر. يكفي ان نعرف ان منطقتهم خلت من اصغر بناء. انهم قبائل بشرية مقطوعة عن العالم الخارجي، ولم يتسنى لنا معرفة ما يجري داخل قببهم الجليدية من عادات وتقاليد، لكن دليلنا السياحي المتمثل بقبطان الطائرة كان يزودنا بالمعلومات اللازمة عن حياة هؤلاء البشر بشكل شبه مفصل.

كانت بيوت الاسكيمو، عبارة عن اكواخ ثلجية قبوية الشكل تدعى (Igloo). والأجلو عبارة عن قطع من المكعبات الجليدية تكوًن جدران الكوخ من الخارج، ثم يبطنون الكوخ من الداخل بمخلفات الصيد البري من جلود الحيوانات كالوعل والدب القطبي، فيصبح اقرب الى الخيمة ثم يفرشون ارضه بالفراء. فتصبح درجة الحرارة في الداخل مقبولة لديهم. ولا يوقد الاسكيمو النار داخل الكوخ، كي لا تذوب المكعبات.

يصعب على المرء ان يتصور كيف يعيش هؤلاء القوم. فمنطقتهم لا تحصل إلا على اقل كمية من اشعة الشمس، فخلال فصل الشتاء الذي يدوم ستة شهور في القطب الشمالي للكرة الارضية، يخيم الظلام الدامس على منطقتهم، فتتعقد حياة الاسكيمو وتتعسر سبل توفير الغذاء. ففي مثل هذه الظروف القاهرة تقوم بعض قبائل الاسكيمو بالاحتفاظ بالحوت المصداد بعد طمره بكميات هائلة من الثلوج الهشًة، حتى يبدو من بعيد وكانه هضبة ثلجية كبيرة، هذا هو مؤونهم الوحيد لجميع اشهر الشتاء، يغتذون من لحمه كل يوم. هذه الحقيقة المذهلة، تصوًر لنا سعة المعاناة التي يكابدها افراد الاسكيمو، بغية الحفاظ على استمرارية حياتهم !

ينحدر شعب الاسكيمو اصلا من المناطق القطبية لشمال سيبريا، فأجدادهم نزحوا منذ آلاف السنين وتفرقوا في سواحل المحيط المتجمد الشمالي، فسحنتهم آسيوية. واصولهم منغولية، فهم قصارى القامة، اجسامهم ضخمة واكتافهم عريضة ووجوههم واسعة ووجناتهم بارزة والبشرة داكنة والعيون منحرفة ضيقة والشعر اسود.

ارى الاسكيمو رجالا ونساء في بملابسهم التقليدية الخاصة بهم، انها لم تكن في ثقل ملابسنا التي كانت لا تقل عن معاطف فرو سميكة، رأينا اطفالهم يرتدون ملابس صارخة الالوان، يلعبون ويمرحون. وقد تكيفوا في محيطهم القطبي مع قسوة المناخ منذ الصغر. الذي لا نطيق شدته نحن.

يصنع الاسكيمو ملابسهم من الجلود والفراء، فيلبسون شتاءا ردائين من الفراء، يتجه فراء الرداء الداخلي نحو الجسم في حين يتجه فراء الرداء الثاني نحو الخارج، وهذه الملابس متقنة الصنع تفصيلا وخياطة فلا تسمح للماء بالنفاذ من مواضيع الخياطة منها.

تعني كلمة اسكيمو (آكلي اللحم النيء) وقد تكيفت جماعات الاسكيمو على قسوة الحياة في المنطقة القطبية، معتمدين في غذائهم على ما يصطادون، وفي مقدمتها لحوم الوعل والدببة وحصان البحر ولحم الحوت والفقمة ومختلف انواع السمك والطيور المائية.

كما انهم يصنعون من جلود الصيد البري اغطيتهم وافرشتهم، كما بستفادون من صيد الحوت، زيته في الطبخ والاضاءة. ومن عظامه يصنعون الاقواس و الهروالات والسكاكين والرماح والحراب. ومن جلود حيوان الرن يصنعون الزلاجات التي تجرها الكلاب في نقل المؤون والتنقل بين قبائل الاسكيمو المتفرقة.

قد يظن البعض ان محدودية و نوع الغذاء الذي يتناوله الاسكيمو قد يؤدي الى مشاكل صحية، لكن العكس هو الصحيح، حيث ظهر ان فرد الاسكيمو الذي تتمتع رئتيه بانقى هواء على سطح الارض، مصان من هذه المشاكل، فانسان الاسكيمو نادرا ما يتمرض، وبذلك يُعد الاسكيمو من اكثر الشعوب التي تتمتع بصحة جيدة في العالم.

اما في النواحي العاطفية فنقول: اذا اراد شخصان من افراد عائلة الاسكيمو ان يقبلا بعضهما، اظهارا للمشاعر، فانهما يكتفيان بملامسة الانفين فقط، لأن التقبيل العادي يجمد لعابهما ويؤدي الى التصاق الشفتين.

اما اذا اراد شخصان ان يتعرف احدهما على الاخر، اكتفوا بشم الخدود ليس اكثر.

اما عن معتقدهم، فإن شعب الاسكيمو يعتقد انه سيعيش حياة ثانية بعد الموت. وان للبحر والشمس والقمر ارواح تتحكم في مصيره.

وعندما حان وقت الظهيرة بقليل، بدأت الشمس تميل باتجاه الغروب، فأنبسط الشفق الجميل على الافاق المترامية، وقد ابهجنا بروعة الوانه البديعة وسحر منظره الآخاذ.

ثم بدأ النور ينحصر والظلام ينتشر، وزاد البردُ من شدته، وبدأت جماعات الاسكيمو يختفون في قببهم الجليدية افرادا وجماعات، فأخبرنا القبطان بنفاذ مدة اقامتنا في غرينلند والتي حددت بساعتين فقط، ودعانا الى صعود الطائرة، وبعد دقائق من الاقلاع، كنا نحلق ثانية فوق المحيط المتجمد للقطب الشمالي، تحت اجواء حالكة الظلام، في طريق عودتنا الى ايسلندة.

لم يسمح لي رجال الاسكيمو ان التقي بهم، لكن ما يبعث السلوان، ان الرحلة رغم معاناتها القاسية، قد اكسبتني فهما جديدا للأنسان والطبيعة، لم اكن اعرفه من قبل، فضلا عن انها كانت طافحة بفيض من المشاهد الجغرافية، مناظرها كانت خاقة للمألوف فريدة النوع في الدنيا، لا يرقي الى جمالها وصف.

 

د. رضا العطار

.......................

* ان ما ذكرته اعلاه عن جماعة الاسكيمو، يعود تاريخه الى زهاء خمسة عقود مضت، ولا علم لي فيما اذا حصل عندهم خلال هذه الفترة من الزمن شيء من التغيير والتطور.

 

 

عبد الحسين شعبانكلّمــا اختلفـت معه ازددت محبّة لــه

" الصديق اللدود"، عبارة كنت أذيّل بها رسائلي له حين تتباعد بنا السبل والمدن والقارات، وعندما كنت أزوره في منطقة الجسر الأبيض " بداية حي العفيف" في طريق المهاجرين بدمشق، ولا أجده أترك له ورقة أكتب عليها " صديقك اللّدود"، وهي الإشارة التي كانت بيننا، أو كلمة السرّ التي تجمعنا، في حين كان هو يردّد "صديق الخلاف" وهو ما كتبه إلى لجنة حفل التكريم الذي أقيم لي بمناسبة منحي "وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي" (القاهرة، 20 آذار/مارس 2003).

يقول طارق الدليمي" ... وفقط من هذا المنظور الملموس، بدأت رحلة علاقتنا الإنسانية التي أخذت صفة (أصدقاء الخلاف). ومرّت هذه الأواصر بأجواء مفعمة بالتباين ومكتظّة بأنواع السجالات التي لا ترحم بالمعنى السياسي المجرّد، والذي يحتفظ علناً بقدراته على الإغناء والعطاء". ويضيف: "... وكان شعبان لديه الطاقة الخاصة على المبادرة ضمن عقله الأكاديمي الجديد المنصهر في بوتقة الحياة الثريّة والمندغم مع المنظومة الفكرية التي رعاها مبكّراً وبشجاعة تثير الإعجاب. (من كتاب عبد الحسين شعبان - صورة قلمية: الحق والحرف والإنسان، إصدار البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان، القاهرة، 2004).

لم أجد أمتع وأجمل من الحوار مع طارق الدليمي، وبقيت أفتقد إلى ذلك حين تحرمنا الظروف من التواصل المباشر، على الرغم من التواصل الوجداني وعبر الانفعال الإنساني لكل ما نكتب أو نقرأ، فالجلسة معه لها نكهة خاصة وطقوس أكثر خصوصية وفضاء شديد الرحابة، فكل شيء لدى الدليمي ينبض بالحيوية والسؤال، خصوصاً حين تكون معه بضيافة على كأس عرق أو قدح نبيذ، حيث كان يتفنّن أبا زياد في صنع المازات اللذيذة شرقيها وغربيّها، وعنده تعرّفت على الأرضي شوكي " الأنغنار" أو "الخرشوف"، و"الزيتون المكلّس" الذي لم أعرفه من قبل.

كانت شقته الصغيرة الجميلة مفتوحة لاستقبال الأحبّة في كل الفصول: في الشتاء والخريف حيث تجد الدفء يملأ المكان، وفي الصيف والربيع وبدايات الخريف أيضاً كان سطح شقته العامر هو المكان المناسب لأماسي الدليمي بنسماتها العذبة، حيث يلتقي أدباء ومفكرون ومثقفون وسياسيون من شتى الألوان والأجناس: رجالاً ونساءً، عراقيون وسوريون وعرب، خليجيون ومن شمال أفريقيا في "منتدى ثقافي فكري جامع ومنبر مفتوح ومتنوّع تتعدّد فيه الرؤى والاختيارات"، وبقدر ما كانت همومه عراقية متميّزة كانت أجندته العربية مزدحمة باستمرار، حتى أن السطح يمتلئ أحياناً بمتناظرين، مختلفين ومتّفقين، والمهم أن يكون الحوار جاداً ومسؤولاً، حتى وإن اتّسم بالحدّة العراقية المألوفة.

II

شلّة طارق الدليمي التي كانت مستمرّة ومكانها محفوظاً، حتى وإن غابت لأسابيع أو أشهر تتكوّن من : مظفر النواب وقيس السامرائي وهادي العلوي وكاظم السماوي وجمعة الحلفي وسعدي يوسف وعدنان المفتي ومحمد عبد الطائي وعبد الحسين شعبان وآخرين.

ويتردّد عليها كثيرون منهم: جواد الأسدي ومنذر حلمي وماجد عبد الرضا وعبد اللّطيف الراوي وفوزي الراوي وعلي كريم وعادل مراد ومحمود عثمان ومحمود شمسه وهاشم شفيق ومحمد الحبوبي ومخلص خليل وشاكر السماوي وعزيز السماوي ورياض النعماني وعوني القلمجي وعامر بدر حسون ووائل الهلالي (حكمت) وشفيق الياسري (هاشم) وناهدة الرماح وزينب ولطيف صالح وشوقية وحميد البصري ووليد جمعة وجليل حيدر وعبد الكريم كاصد وأحمد المهنا وعبد المنعم الأعسم وسامي كمال وكمال السيد وكوكب حمزة وعلي عبد العال وأبو أيوب وساهرة القرغولي وقيس الزبيدي وفاضل الربيعي ورشاد الشيخ راضي وصاحب الحكيم ومحمد جواد فارس ورحيمة السلطاني وعبد الرزاق العاني وعلي الصرّاف ونبيل حيدري، وقسم كبير من هؤلاء أعضاء في " رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين" التي تأسست بعد هجرة اليساريين والشيوعيين أواخر العام 1979 وغيرهم، ومن كان قادماً من كردستان أو ذاهباً إليها يجد في شقّة طارق الدليمي الصغيرة الدافئة الأنيسة الأليفة ملاذاً في إحدى الأماسي.

وكان طارق الدليمي يستمع إلى القادمين ويحاورهم لمعرفة المزيد عن الأوضاع والساحات، لتبدأ جلسة حوار مفتوحة في موضوعات شتّى ونستمع أحياناً إلى قراءات شعرية أو عرض لمشهد مسرحي أو اقتراح لمشروع ثقافي، أو رؤية سياسية جديدة أو فكرة عن تحالف أو اتحاد أو انشقاق أو تكتّل... كل ذلك كان يجري بحميمية وإخلاص، حتى وإن كان الطريق الذي يتم اختياره والتوقيت والزمان خاطئاً، لكن منزل طارق الدليمي يجعل الكثيرين يبوحون بما يحتفظون به من أسرار، أو هكذا يتصوّرون حين يحاولون إخفاءها،وبعد حوارات ونقاشات بعضها أقرب إلى الاستنطاقات يبدأون بالحديث والبوح حتى وإن ترددّوا في بداية الأمر، بفعل الأجواء الثقافية والفكرية الجادة والحميمية، فالأسرار للتنظيم فقط، لاسيّما ما هو ضروري، أما في الفكر والسياسة فكل شيء ينبغي أن يكون علانية وواضحاً ومفهوماً، بل وينبغي أن يكون منطقياً ومقنعاً وليس ثمة أسرار في ذلك .

كان بعض متشدّدي الأحزاب المعارِضة الموجودة في دمشق يعتبرون تلك الجلسات خطراً عليهم ويحذّرون "أتباعهم" من الاقتراب منها، خصوصاً إذا ما تعرّضت لبيروقراطيتهم وكشفت بعض المخبوء أو المستور الذي لم يُسلّط عليه الضوء الكافي، ولاسيّما إذا كان جوهرياً وخارج دائرة الاصطفافات المُسبقة، ووصلت أخبار هذا المنتدى الثقافي - الفكري إلى أوساط غير قليلة، حتى ممن تم تحذيره فيزداد فضوله، فيغامر ويخادع ليجد فرصة لدعوته أو يلصق نفسه بأحد المدعويين في خميس أحد الأسابيع، فعلى الأقل يحظى بسهرة أو أمسية واحدة ليكتشف ذلك السر الدفين في محبّة أصدقاء كثر لطارق الدليمي، حتى وإن اختلفوا أو تخاصموا معه، لكن الرغبة في التواصل تبقى قائمة لديهم وتلمّست ذلك مع العديد منهم.

وعلى المستوى الشخصي لم يحصل أن حدث بيننا خصام طيلة نحو ستة عقود من الزمان عرفته فيها، حتى حين كانت تتأزم المواقف سياسياً وتتباعد التوجّهات، فأتجنب زيارته لأسبوعين أو أكثر، لكنه كان يتصل ويتواصل لنتناسى ما يحصل أحياناً من حدّة الخلاف، وفي أكثر الأحيان كنت أنا المبادر فيفتح طارق الدليمي صدره وقلبه وعقله وضميره وبيته ليستقبلني بالأحضان.

III

حين تعرّفنا على بعضنا كان الاختلاف هو الجامع، وتلك فرادة في الصداقة بحد ذاتها، وكان اللقاء على منصّة الجدل ساخناً والسجال شديداً، حيث كان طارق الدليمي قد بدأ حياته في حزب البعث أواخر الخمسينات، وهو من الشخصيات العروبية الشديدة الاعتزاز بآرومته، إضافة إلى ثقافته الموسوعية وعقله الناقد، وأستطيع القول إنه مثقف رؤيوي بامتياز وصاحب مواقف متميّزة حتى وإن كانت خاطئة، وكان شجاعاً وغير هيّاب، جريئاً لا يخشى في الحق لومة لائم.

وبقدر ما كان مؤمناً بالأمة العربية ورسالتها الحضارية وبالهويّة الثقافية للقومية العربية في كل تحولاته وتقلّباته الفكرية، فقد كان في الوقت نفسه شديد الإيمان بالبعد الاجتماعي لقضية التغيير، لاسيّما وإن قضية الحرّية والعدالة جوهرا النهضة هما مسألتان كونيتان وأمميّتان، ولذلك ظلّ مع كوكبة لامعة من البعثيين يبحثون عن طريق آخر، ربما طريق ثالث، فالتغيير بالنسبة لهم وعلى حد تعبير المفكر ياسين الحافظ: "حفرٌ في العمق وليس نقراً في السطح"، لكن ذلك لم يشفِ غليله، فقد كان قلقه المعرفي وثقافته المتنوّعة وقراءاته الفلسفية مائزة ورائزة على أقرانه، بما فيها لغته الإنكليزية التي كان يقرأ بها، وكان يعتقد إن الجانب الاجتماعي لا بدّ أن يُضاف ويُستكمل ويتعمّق إلى الفكر العروبي.

وهكذا تململت تلك الثلّة المتميّزة من الشباب البعثي، فاختارت الطريق الوسط بين الحركة الشيوعية والحركة القومية بتأسيس "حركة الكادحين العرب" ومن أبرز رموزها عبد الاله البياتي وحبيب الدوري ومحمد الزيدي وطارق الدليمي ومحمد حسين رؤوف ووثاب السعدي ودرع ظاهر السعد ومزهر المرسومي وصادق الكبيسي وسعيد جواد الرهيمي وقيس السامرائي وهناء الشيباني (التي استشهدت بعد التحاقها في المقاومة الفلسطينية / أواخر العام 1969)، ثم اتخذ هؤلاء خطوة أخرى بالاتجاه نحو اليسار فأطلقوا على حركتهم اسم "المنظمة العمالية" التي دخلت انتخابات الطلبة ضمن قائمة اتحاد الطلبة في ربيع العام 1967 وفاز بعضهم ضمن تشكيلات الاتحاد، وقد انضموا إلى "حزب القيادة المركزية" بعد انشقاقه عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في 17 أيلول (سبتمبر) 1967، خصوصاً وإن الاتجاه "اليساري" الذي اختطته القيادة المركزية، إضافة إلى التوجّه الجيفاري الذي عبّرت عنه باختيارها الكفاح المسلح، داعب مخيلتهم حتى قبل تأسيسها، الأمر الذي وجدوا مكانهم الطبيعي فيها مع بعض الاختلافات بشأن العروبة وجوهرها التقدمي، والتمييز بينها وبين الاتجاهات القومية المتعصّبة .

وكان طارق الدليمي قد سبقهم إلى ذلك، حين كان بصلة خاصة داخل التنظيم الحزبي منذ العام 1964، ومع حسين جواد الكمر تحديداً، على الرغم من اعتراضاته على خط آب (أغسطس) العام 1964، الذي عُرف بالخط اليميني- الذيلي- التصفوي، كما اصطلح عليه ورفضته غالبية القواعد الحزبية، ويوم حدث الانشقاق كان طارق الدليمي في المواقع الأولى الذي دعمته، وكان قد أحيط علماً بتوجّهات لجنة منطقة بغداد التي كان على صلة بها وبالعديد من أعضائها، وقد عمل مع القيادة المركزية بخط خاص، وكانت له آراؤه الخاصة، ويومها كان طارق الدليمي طالباً في الصف الخامس في الكلية الطبية، وقبل أن ينتقل إلى الصف السادس، تم اعتقاله وبعد خروجه من المعتقل التحق بحركة الكفاح المسلح، ثم بدأت رحلته في الغربة التي منعته من إكمال السنة المتبقية له، سواء في دمشق أم عدن أم القاهرة، وشخصياً كنت وما أزال أعتبره أمهر طبيب، على الرغم من أنه لم يحصل على الشهادة النهائية، وكنتُ أثق بتشخيصاته وألتزم بنصائحه الطبية. وعلى الرغم من مضي أكثر من 5 عقود على تركه مقعد الدراسة، لكنه ما يزال يقرأ وبنهم الكثير من المصادر والمجلات الطبية، مثلما يقرأ القضايا الفكرية والأعمال الأدبية بطريقة منهجية تثير الإعجاب.

IV

حين كان طارق الدليمي بعثياً كنت شيوعياً، ويوم التحق بالقيادة المركزية، كنت على ملاك اللجنة المركزية، وكانت السجالات مستمرة بيننا بصورة مباشرة وغير مباشرة، إضافة إلى كوكبة من الوجوه والشخصيات الطلابية والثقافية والمنشغلة بقضايا الأدب في مقاهي بغداد وحاناتها وكلّياتها وأروقتها الجامعية، ونتنقل أحيانا وفي اليوم الواحد لعدّة مقاهٍ: من البلدية إلى عارف آغا، ثم إلى البرلمان والشابندر والبرازيلية والمربعة، وفي المساء نمرّ على مقهى ليالي السمر ومقهى المعقّدين، ثم نفترق لنتوزّع على الحانات التي نختارها: آسيا، بلقيس، كاردينيا، الجندي المجهول، الشاطئ الجميل، رومانس، فندق سميراميس، وأحياناً سرجون وحسب شلّة الأصدقاء، وكان ذلك يحدث مرّة على الأقل كل عشرة أيام أو أسبوعين، ولكن النقاش يستمر هو ذاته،وأتذكّر في إحدى المرّات والقصة بطلها سلام مسافر، احتدم النقاش حول أحقية القيادة المركزية أم اللجنة المركزية وأيهما أفضل عزيز الحاج أم عزيز محمد؟

ولا أدري كيف انتبه سلام مسافر إلى أن المتحاورين حملوا اسم عزيز، وهم كل من: عزيز حسون عذاب وعزيز السماوي وعزيز خيّون وعزيز السيد جاسم، فما كان منه إلّا أن يقول: قفوا عن أي عزيز تتحدّثون : فكل عزيز (كذا)، وضحكنا جميعاً وكأن قالباً من الثلج وزّع على المتحاورين أو المتلقّين في يوم قائظ وشديد الحرارة، وهي النكتة التي بقينا نردّدها ونقولها تورية أحياناً " كل عزيز - كذا" واستعدتها مؤخراً مع سلام مسافر خلال زيارتي لموسكو، وكانت دعابة مثل تلك كافية لتحسم النقاش ودّياً، بدلاً من الاختصام .

V

في الذكرى الأولى لعدوان 5 حزيران (يونيو) 1967 قرّرت الأحزاب والقوى السياسية والنقابات الخروج بتظاهرات بالمناسبة، ولم يتم الاتفاق بيننا وبين القيادة المركزية، فذهبت أنا إلى تظاهرة اللجنة المركزية بالاتفاق مع البعث اليساري (الجناح السوري) وذهب طارق الدليمي إلى تظاهرة القيادة المركزية، وقد انطلقت بعد تظاهرتنا بساعة أو أكثر، وسارت متساوقة مع تظاهرة للحركة الاشتراكية العربية واتحاد نقابات العمال (هاشم علي محسن)، وحين انتهت تظاهرتنا في الباب الشرقي (ساحة التحرير) وكانت قد انطلقت من ساحة الأمين بدأت تظاهرة القيادة المركزية من ساحة الميدان، وعدت لأشاهد تظاهرة القيادة المركزية وشعاراتها لكي أرى حجم المتظاهرين وهتافاتهم التي كانت تردّد: "باسم القيادة ننادي يسقط الحكم العسكري" و"يا فاشي شيل إيدك كل الشعب ميرديك".

وكنت قد ركبت الباص المتوجّه من الباب الشرقي عبر شارع الرشيد لأصل بالقرب من الشورجة، حيث كانت التظاهرة قد تجاوزت سوق الصفافير، وحين نزلت من الباص وجدت طارق الدليمي يسير بالقرب من نرجس الصفار في التظاهرة وسلّمت عليهما وكان معي ثلاثة أصدقاء قدموا من النجف والتقيت بهم بالصدفة في الباص، وجاءوا في زيارة خاصة إلى بغداد، وحين عرفوا وجهتي انضموا إليّ، خصوصاً وكان اثنان منهما يعتبران على ملاك الحركة الشيوعية وهما السيد علي الخرسان والسيد باسم كمونة، وهما ينتسبان إلى عائلتين دينيتين مثل عائلتي، والعوائل الثلاثة لها حق الخدمة في حضرة الإمام علي منذ قرون بفرامين سلطانية من الدولة العثمانية.

وحين دوهمت تظاهرة القيادة المركزية وتفرّقنا ذات اليمين وذات الشمال، ولحظتها كنتُ أسير برفقة طارق الدليمي، لكننا قطعنا حديثنا إثر ظهور بوادر هجوم على التظاهرة، فقفز الدليمي إلى جهة اليمين وقفزت أنا نحو الشمال، وحسبما ما يبدو كان مرصوداً وربّما هناك من شاهده يودع مسدسه عند نرجس الصفار، فتجمّع حوله نحو خمسة رجال أمن وحاولوا سحبه إلى السيارة المتوقفة قرب مقهى البرازيلية، لكنه حاول مقاومتهم رافضاً ذلك، فانهالوا عليه ضرباً وأدموه، حتى سقط أرضاً فحملوه بقوة وهو يرفس مقاوماً الصعود إلى السيارة.

وقد أطلقتُ العنان لساقيّ كي تسابق الريح بالاتجاه الآخر، بعد أن خاطبني الصديق عبدالرزاق سلمان (السعدي) بقوله: اركض لكي لا يلقى القبض علينا، وبدوري نبّهت الخرسان وكمونة، بذات العبارة التي كلّمني بها السعدي، ودخلنا في الأزقة المتفرّعة حتى وصلت إلى شارع الجمهورية، وانتقلت إلى الرصيف الآخر، وبقيت أراقب خروج الصديقين الخرسان وكمونة، ولكنهما لم يخرجا وقلت مع نفسي لعلّهما استمرّا في نقاشهما أو تعبا من الركض ففضّلا المسير ببطء، وسيتصلان بي في مساء اليوم ذاته أو في اليوم التالي، لكنهما لم يتّصلا وقلت مع نفسي ربما لم يسمح لهما الوقت للاتصال فعادا إلى النجف .

وحين زرت النجف بعد أكثر من شهرين لانجاز معاملة نقل النفوس التي ظلّت معلّقة، علمت من الصديق الثالث (محسن الشرع) أنهم دوهموا من شخص يحمل رشاشة وضعها في صدورهم، وكان اثنان آخران يحملان مسدساً حيث تم تفتيشهم، وقد أخلي سبيله بعد أن أعطاهم هويته وكان حينها معلّماً، أما هما فقد اقتيدا إلى جهة مجهولة، وفي المساء جيء بهما إلى فندق قصر النيل حيث كانا قد استأجراً غرفتين وتم تفتيش حقائبهما، ثم نقلا إلى سجن الفضيلية، وهناك إلتقيا بطارق الدليمي وتعرّفا عليه وعرفا منه أنه صديقي وعرّفاه بنفسيهما باعتبارهما من أصدقائي، ومن المفارقة أنهما حين اعتقلا احتسب أحدهما على ملاك القيادة المركزية والآخر على ملاك اللجنة المركزية، حتى أنهما افترقا في المعتقل، وتلك واحدة من أجواء الصراعات غير العقلانية التي عشناها.

وحين عرفت بمعلومة اعتقالهما وبأن النجف عرفت القصة التي شاعت فيها وكيف التقيتهما في الباص واصطحبتهما معي إلى التظّاهرة، قرّرت العودة أدراجي وتركت المعاملة التي ظلّت معلّقة حتى عودتي من الدراسة في نهاية العام 1977 والتي لم تنجز إلّا في مطلع العام 1978، حيث كان والدي قد أضاع أولوياتها، ولم يطلق سراح طارق الدليمي بعد 17 تموز (يوليو) 1968 مباشرة حتى حين تم إطلاق سراح المعتقلين والسجناء، وقد تأخّر بضعة أسابيع قياساً لأقرانه، وحين صدر الأمر بإطلاق سراحه وجاء شقيقه خالد لكفالته، وتم ترتيب الإجراءات القانونية، نقل إلى مديرية الأمن العام، وبعد أن تكفّله شقيقه، أسرعا الخطى لمغادرة المبنى وفي الممر العريض فوجئا بأحد مسؤولي الأمن ينادي من خلفهما بصوت عال: طارق.. طارق، وحاول أن يتجاهله بحجة أنه لم يسمع صوته، لكن هذا الأخير صرخ بأعلى صوته : أبو زياد.. أبو زياد، فاضطرّ الدليمي التوقّف ملتفتاً إلى الخلف، حتى فاجأه ضابط الأمن بالقول: لدينا 6 طوابق تحت الأرض أتعلم ذلك؟ فلا تعد إلينا وإلّا سيكون مصيرك أسوداً، وردّد على مسامعه: أقولها لك محذّراً أتفهم ذلك "ستة طوابق" وهو ما كنّا نتندّر به وغالباً ما كان يغمز طارق بعينيه وبإشارة من يده " ستة طوابق" .

حاول طارق الدليمي العودة إلى الكلية، وكنتُ قد تخرجت حينها، لكن أسر "الجملة الثورية" من جهة والخشية من الاعتقال مجدّداً من جهة أخرى، لاسيّما وأنه كان معروفاً وناشطاً، هما وراء تغيير مسار حياته، علماً بأن القيادة المركزية استمرت في رفع شعار إسقاط السلطة مندّدة بالانقلاب المشبوه، وهو ما دفعه للتفتيش على مكان آمن لممارسة عمله فاختار منطقة الأهوار، وحاول التوجه إلى الريف تحضيراً لبدء عملية كفاح مسلح من تلك البؤر الثورية، وبقي هناك لبضعة أسابيع حتى وصلته التعليمات بضرورة السفر إلى الخارج، فتوجّه إلى دمشق، التي ظلّت قاعدته الأساسية مهما تغيّرت الاختيارات من القاهرة إلى عدن ثم إلى صوفيا، لكن الشام هي التي حظيت بعشق طارق الدليمي فاختارها إقامة "عشاً" له، مثلما اختار "قدس" اسماً لابنته.

وأتذكّر أن الدكتورة سعاد شعبان التي كانت زميلة له وإن التحقت بالكلية الطبية في بغداد بعده، سألتني عنه حين التقيتها وزوجها الدكتور محمد موسى خلال زيارتي إلى بريطانيا في أواسط السبعينات، حيث كانت تدرس في ليدز، وكذلك الدكتور ناهض شعبان الذي استفسر عنه وكان يعرفه أيضاً ويتابع نشاطه وإن سبقه في التخرّج.

في العام 1973 زرت دمشق للقاء العائلة (الوالد والوالدة وأختي سميرة وأخي حيدر)، وكنت حينها قد بدأت دراسة الدكتوراه في براغ، والتقيت به وكان قد تغيّر وقد أخذت منه الغربة الكثير، فبدا أكبر سناً وأكثر معاناة وأشدّ مزاجاً، وبدأ الشيب يتسلّل إلى مفرقيه، وفي دمشق نسج علاقات واسعة مع ابراهيم علاوي ومظفر النواب والحركة الكردية والبعث السوري والحركة الاشتراكية في إطار ما سمّي بالتجمّع الوطني العراقي الذي تأسس لاحقاً، لكنه ظلّ ناقداً ومبادراً وغير متلقٍ، لأن عقله مؤسس على النقد : نقد الفكر ونقد السياسات ونقد السائد واليومي من الظواهر والممارسات. كما توسّعت علاقاته مع المقاومة الفلسطينية، وخصوصاً "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" بحكم صلاته مع قيس السامرائي صديقه الحميم والذي ظلّ على علاقة وطيدة به واستمرّت حتى الآن.

VI

وبعد هجرة الكثير من اليساريين العراقيين في أواخر العام 1978 وبداية العام 1979 أسّس طارق الدليمي مع مجموعة من الشيوعيين السابقين تنظيماً باسم " حركة الطليعة الديمقراطية"، وأصدروا جريدة شهرية كانت مقروءة في حينها واحتوت على أخبار مهمة، وكان من بين الذين تعاونوا معه سليم مطر وأبو علي درعا وإياد السعيدي، وآخرين التقاهم في دمشق منهم وهاب شعبان الذي نطلق عليه " الشيخ" وصادق الحسني البغدادي الذي كنّا نسميه " الحجّة" والإثنان كانا شيوعيين سابقين وظلّا متعاطفين مع الحركة الشيوعية وناقدين لسياساتها، وعرفت منهما أنهما كانا يزوّدان جريدة "الطليعة " التي يصدرها بأخبار ومعلومات عن الأوضاع في العراق، وزارا دمشق أكثر من مرّة، حيث التقيت بهما حين وصلت دمشق في العام 1980، قادماً من بغداد، كما كان الرافد الفلسطيني مصدراً آخر لبعض الأخبار الطازجة، وسافر أكثر من سفرة إلى ليبيا في زيراة "معلنة" وغير معلنة في إطار العلاقات مع المعارضة العراقية، لكنه بعد حين لم يواصل العمل في هذا الإطار الذي بدى عبئاً عليه فقرّر تركه.

وحين بدأت الحرب العراقية - الإيرانية تفاوتت المواقف بيننا أيضاً باختلاف مراحل الحرب ومواقع القوات العسكرية وأهدافها، وإذا كانت الحرب عدوانية وهجومية من النظام العراقي 1980-1982، فإنها بعد معركة المحمّرة " خرمشهر " وانسحاب الجيش العراقي إلى الأراضي العراقية، واختراق القوات الإيرانية للأراضي العراقية والتبشير بالمشروع الحربي والسياسي الإيراني الذي يقوم على تصدير الثورة، أصبحت عدوانية توسعية من جانب إيران ووطنية دفاعية من جانب العراق (1982-1988) حتى تم وقفها بعد عام على صدور قرار مجلس الأمن 598 في العام 1987، علماً بأنها في جميع المراحل لم تخدم سوى الإمبريالية والصهيونية، حيث تم تدمير طاقات البلدين الجارين وتحطيم قدراتهما الدفاعية وهدر أموالهما، فضلاً عن خسارة نحو مليون إنسان في حرب عبثية لم يكن لها مبرّر على الإطلاق، وكان يمكن حلّ الخلافات بصورة سلمية وبالمفاوضات وطبقاً للقانون الدولي وليس عبر الحرب والنزاع المسلح.

وإذا كانت اتفاقية 6 آذار (مارس)1975 المعروفة باسم " اتفاقية الجزائر" مجحفة ومذلّة بشأن العراق، وهي التي وقعها صدام حسين نائب الرئيس العراقي حينها مع شاه إيران محمد رضا بهلوي لكن الحرب ليست الوسيلة المناسبة لاستعادة الحقوق التي تنازل عنها ذات النظام في شط العرب بموجب ما سمّي بخط الثالويك، وهو خط وهمي يقع في أعمق نقطة في وسط مجرى النهر وحتى البحر، ناهيك عن التنازل عن أراضي عراقية في اليابسة.

وفي الوقت الذي كنّا ندين غزو القوات العراقية لإيران، إلّا أن تورّط صدام حسين في مثل تلك الحرب قاد إلى الاعتقاد أن بالإمكان الإطاحة به، الأمر الذي كانت تراهن عليه قوى كثيرة، بل أن بعضها اعتبره " آيلاً إلى السقوط" وما على المشروع البديل إلّا أن يحضّر نفسه في محاولة لتضخيم الذات واستصغار شأن الخصم، وحاول طارق الدليمي في المرحلة الأخيرة من الحرب التنسيق مع اللواء حسن النقيب ومصطفى جمال الدين وشخصيات أخرى، لم تكن بعيدة عن التوجّه السوري، حيث تمت دعوتنا ماجد عبد الرضا وكاتب السطور للتوقيع على بيان مشترك، لكننا لم نتّفق على الصيغة والتوجّه وبعض الأسماء، وهو الأمر الذي اختلفنا حوله بشأن غزو القوات العراقية للكويت، وربما كانت مواقفنا متطابقة إلى حدود كبيرة خلال فترة الحصار الدولي الجائر المفروض على العراق.

 

VII

وحين انتقلت إلى لندن زارني طارق الدليمي وحلّ ضيفاً عليّ بعد أن وجّهت له دعوة خاصة، وناقشنا مواقف المعارضة العراقية، وكان موقفه متحفظاً على عدد من الشخصيات التي بدأت تظهر على السطح وبعضها في إطار " لجنة العمل المشترك" في لندن، بل إنه وضع علامات استفهام على بعضها تلك التي انخرطت بالمعارضة بعد غزو الكويت أو عشية ذلك، بما فيها بيان الشخصيات العراقية الـ28 الذي صدر العام 1989 ووقّعه من طرف الحزب الشيوعي عزيز محمد ورحيم عجينة وعبدالرزاق الصافي، وشخصيات أخرى مثل هاني الفكيكي وأحمد الجلبي ومحمد بحر العلوم وليث كبّة وجلال الطالباني وعدنان المفتي ومحمود عثمان ورشاد الشيخ راضي وآخرين.

وأتذكّر أن طارق الدليمي حاصرني بالأسئلة وأمطرني بالتساؤلات حول البيان الذي صدر لنا في العام 1981 مع "جهة عراقية" لم ترغب بالإعلان عن نفسها، وكنت حينها مسؤولاً عن علاقات الحزب العامة خلال وجودي في دمشق، لكنني حلفت له بأغلظ الأيمان بأنني لم أكن حينها أعرف تلك الجهة، وبالمناسبة فقد امتنعت من إيصال البيان إلى القوى السياسية العراقية والعربية والأجنبية، ولأنني لم أحصل على إجابة كافية عن "الجهة المجهولة" التي لا تريد أن تفصح عن نفسها وعن هويّتها، ففي ذلك إحراج لم أرتضه لنفسي، فضلاً عن ذلك عدم تقدير لمسؤوليتي، وعدم احترام للحزب الذي كنت أمثّله.

وحاول الدليمي أن يقلّب الأمور معي كثيراً، لكنه تأكّد من عدم معرفتي للجهة الموقّعة على البيان، وأنني لا أخفي اسمها، علماً بأن حدسنا الأوّلي كان ثمة مجموعة من داخل النظام كانت تحاول مدّ الجسور مع الحزب، ولهذا السبب لم ترغب أن تعلن عن نفسها وتلك واحدة من الإحراجات غير القليلة التي فتحت علينا التباسات وتقوّلات كنّا في غنى عنها، الأمر الذي زاد في موقفنا ارتباكاً، خصوصاً بعد تجميد عضوية الحزب في "جوقد" (الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية) التي مثلنا الحزب فيها عبد الرزاق الصافي وكاتب السطور وحضرنا اجتماعين بعد انعقادها كانت عاصفة، حيث تم تجميدنا وتلك قصة أخرى. واتّضح لي بعد حين أن تلك الجهة التي حاولت لبس "طاقية الإخفاء" تعمل مع أجهزة دولية جاء دورها بعد غزو القوات العراقية للكويت العام 1990.

وقد سألني بخصوص تشكيل " الجبهة الوطنية الديمقراطية" (جود) التي تأسست في كردستان بعد أسبوعين من تشكيل جوقد، بسبب استبعاد الحزب الديمقراطي الكردستاني من جوقد لموقف ضاغط من الاتحاد الوطني الكردستاني وجلال الطالباني تحديداً، علماً بأن الجبهتين لا تختلفان عن بعضهما كثيراً، باستثناء الحساسيات السياسية والارتياحات الشخصية وبعض المواقف المسبقة، وكان رأينا الذي أبلغناه في لقائنا مع عبدالله الأحمر (الأمين العام المساعد لحزب البعث)، زكي خيري وعبد الحسين شعبان، قد اشتمل على ثلاث مقترحات يكون الأخذ بأي منها تسوية للخلاف ونزعاً للفتيل ودرءًا للأزمة التي عصفت بالمعارضة في حينها: الأول- توحيد الجبهتين وإنهاء المشكلة، الثاني- ضم الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) إلى جوقد وحلّ جود لأن الحزبين الأساسيين المتبقين هما الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي الكردستاني أعضاء في جوقد أساساً وكانت وجهات نظرهما منذ البداية ضم " البارتي" وإضافة حزب الباسوك إلى جوقد لتكوين أوسع إطار للمعارضة، والثالث – تشكيل لجنة تنسيق بين الجبهتين، والهدف هو إنهاء الخلاف المحتدم في صفوف المعارضة، وتطبيع العلاقات بين أطرافها، خصوصاً الخصومة التاريخية بين " حدك" و"أوك".

وكان رأي طارق الدليمي ما دام هناك " صقور" في الفريقين فلن يتحقق ذلك، وهو ما حصل فعلاً حيث انفجر الخلاف وتحوّل إلى صراع حاد وجرت مناقلات من جانب بعض الأطراف وساد جو من الكراهية والبغضاء والإساءات، لم يكن له مبرّر على الإطلاق.

VIII

لم يكن مفاجئاً لطارق الدليمي حين اتخذت قراراً مع ثلّة من الرفاق بالعمل على تأسيس منبر شيوعي من داخل الحزب لفتح حوار ونقاش حول سياسة الحزب بشكل عام والحرب العراقية- الإيرانية بشكل خاص، وذلك بالتعاون مع عدد من الرفاق والأصدقاء وبعض الوجوه الثقافية التي كانت تدعم توجهنا، ووقّع عدد كبير منها ( 75 مثقفاً بينهم طارق الدليمي) على مذكرة احتجاجية بشأن السياسة الثقافية، وفي مقدمة الشخصيات التي شاركت في تأسيس حركة المنبر: نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وخالد السلام وماجد عبد الرضا وآخرين. وكانت ثمة اختلافات بعضها نظري يتعلق بالماركسية وطريقة التعاطي معها بهدف تجديدها انطلاقا من الواقع وبما ينسجم مع ظروف العراق وأوضاع العالم العربي، وبعضها عملي يتعلق بشكل خاص بالموقف من الحرب العراقية- الإيرانية حيث اعتبرنا موقف " إدارة الحزب" ممالئاً للحركة الكردية ولإيران. وكذلك في الموقف من التحالفات التي رأينا فيها خفّة وتسرعاً، إضافة إلى اعتراضاتنا على عملية " عسكرة الحزب" و"الحرب بالطليعة" تحت عنوان "الكفاح المسلح"، ناهيك عن تحفظاتنا إزاء عمل الداخل والخسائر التي منينا بها، والاندساسات التي أصبحت شائعة، فضلاً عن الصراعات الداخلية والتغوّل على الرفاق بأساليب "غير رفاقية" وهو ما كان طارق الدليمي لديه معلومات واسعة عنه. وحين أصدرنا صحيفة "المنبر" وكنت مشرفاً على تحريرها وطبعها كان الدليمي متعاطفاً معنا على الرغم من بعض تحفظاته إزاء بعض مواقفنا، لكنه كان يقدّر إعلاننا عن توجهاتنا .

وكان طارق الدليمي يعرف الكثير من آرائي ووجهات نظري بخصوص العديد من القضايا الفكرية والسياسية، وكان موقفي من الحرب العراقية- الإيرانية أخذ يزداد تباعداً عن القيادة الرسمية على الرغم من أنني ممثلها في الشام، وكان ذلك واضحاً منذ إصدار كتابي "النزاع العراقي- الإيراني : ملاحظات وآراء في ضوء القانون الدولي" والذي كتب مقدمته الرفيق باقر ابراهيم (1981) الذي تعرّف عليه الدليمي في وقت لاحق (أواخر الثمانينات).

وكم كان منفعلاً حين عرف بقصة ثابت حبيب العاني " أبو حسان" الذي كان ينزّهه عن مثل تلك الاتهامات الرخيصة ويردّها إلى الأجواء غير الصحية والتسلطيّة التي كانت تبحث عن كبش فداء لسياسة التحالف السابقة والخاطئة، وكان يقول ذلك أمام زائريه من الشيوعيين وأحياناً يستأذن منّي كي لا أنزعج أو يتعامل معي من باب " الميانة"، لأنني لم أكن أحبّذ أو أرتضي مثل تلك المداخلات أو التراشقات، لكنه بلا شك كان ينطلق من حرص واجتهاد، مثلما كانت لديه معلومات مثيرة ونادرة ودقيقة في الكثير من الأحيان، وكانت مواقفه حادة، خصوصاً فيما يتعلّق بكرامته الشخصية و"شرفه الثوري"، ففي إحدى المرات، وفي أوائل التسعينات وأمام عدد من الموجودين في مقهى فندق الشام استشاط غضباً من "أحدهم" فقال له لقد نقلتم رحيلكم من الـ KGB إلى CIA والآن تحاولون النيل من مواقفي، وقد حدث ذلك بعد تصريحات بشأن تبرير العلاقة مع القوى الخارجية تحت عنوان "العامل الدولي". وكم أبدى ارتياحه حين نشرنا في "المنبر" مقالة كتبها مهدي الحافظ دفاعاً عن "أبو حسّان" وكشفنا فيها تلك التهم الكيدية التي استخدمت في الصراع الحزبي الداخلي، وكنتُ قد رويت ذلك في مكان آخر لأكثر من مرّة.

وحين علم أنني قبلت حضور مؤتمر فيينا 1992 للمعارضة العراقية دخلنا في نقاش طويل، بشأن توجهات المعارضة والاختراقات التي تتعرّض لها، وكان رأيه صائباً وقد لمست ذلك بنفسي، فمناهضة الدكتاتورية لا تفترض الارتماء في أحضان الضفة الأخرى، فذلك دليل عجز وقصور نظر، وقد كان هادي العلوي الذي زرناه يردّد " لعلّ صوتاً واحداً شجاعاً أغلبية"، وهو ما ذكره مرّة أخرى خلال زيارتي الثانية له مع الصديق رياض النعماني.

وحينها كنّا قد توقفنا عن إصدار المنبر واعتبرنا تحركنا استنفذ أغراضه وكان العلوي قد سألني: هل يعني هذا العودة إلى " الجماعة" أو باتفاق معهم؟ وهل ثمة ترتيب ما؟ فقلت له : لقد استنفذ الصراع أغراضه وثمة ظرف جديد علينا التحرّك لتجميع القوى بمختلف اتجاهاتها، فبلادنا أمام خطر داهم، وبالنسبة لي فإنني كنت منذ زمن أفكّر في اتخاذ موقف مستقل خارج إطار الكليشيهات والقيود التي ليس لي القدرة على تحمّلها، فقد ضقت ذرعاً بسياسات لم أنسجم معها وبممارسات كنت أرفضها، ولهذا سأبقى خارج إطار أي تنظيم وخارج أي إطار، وقد وجهنا رفاقنا لاختيار كل منهم الموقف الذي يريده، بما فيه العودة إلى الحزب، فالطريق مفتوح أمامهم وعليهم أن يختاروا ما يريدونه ويرتضونه، وذلك في رسالة كتبتها لهم بالاتفاق مع نوري عبد الرزاق في 27 كانون الأول (ديسمبر) 1990 وبعد الاتصال بمهدي الحافظ، وكان آخر عدد للمنبر قد صدر في وقتها ( قبل شهرين من ذلك، واحتوى نتائج الاجتماع الموسع لحركة المنبر الذي عقدناه بعد غزو الكويت).

وللعلم لم يكن العلوي ميّالاً لموقفنا وتوجهاتنا وكان أقرب إلى إدارة الحزب، بل اجتهد في نقدنا، لكنه كان يحترم أشخاصنا وخياراتنا، منذ إعلان تحركنا في البيان الذي أصدرناه حول الحرب العراقية- الإيرانية في العام 1986 ووقعه ستة رفاق هم: نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وأحمد كريم وخالد السلام وماجد عبد الرضا وعبد الحسين شعبان، وقبله التقييم الذي أصدرناه في العام 1984 "من وحي اليوبيل الذهبي للحزب الشيوعي - حديث صريح في الهموم والآمال لمجموعة من قادة وكوادر الحزب" وظلّت العلاقة مع العلوي قائمة بزيارات متكررة من جانبنا ماجد عبد الرضا ومحمد جواد فارس وكاتب السطور .

ومن القضايا التي أذكرها لأول مرّة أن عمود "نقطة ضوء" في صحيفة المنبر كان في الغالب حوارات بيني وبين طارق الدليمي، أذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض العناوين منها: الثورة الاجتماعية والجغرافية السياسية (العدد 4) و" التحالفات وضياع الرؤيا" (العدد5) و"الرهانات الخاسرة والموقف المسؤول" (العدد 6) و"المشروع والصراع" (العدد 9).

IX

من الشخصيات التي أحبتها والدتي نجاة شعبان هو طارق الدليمي وذلك خلال الأشهر التي أقامت فيها مع أختي سميرة وعائلتها في دمشق انتظاراً لكي أُكمل أمر إقامتها معي في لندن بعد أن تركت العراق بليل بهيم، حيث تعرضت للاعتقال والاستجواب عدة مرّات، وعلى مدى عقدين من الزمان، وكان طارق الدليمي يزورها باستمرار ويهتم بها، وكانت بكل اتصال معي تشيد به ومن تعليقاتها الطريفة: إنه صاحب معشر حلو وابن خير ويعرف كل شيء عنّا وكأنه عاش معنا طوال حياته، وبالطبع كانت علاقته بالعائلة قوية جداً بأختي سلمى وأخي حيدر وكل ما يتعلق بالأقارب والأصدقاء القريبين، فإنه يعتبرهم عائلته أيضاً، مثلما هي علاقتي بوالدته وخصوصاً خلال زيارتها إلى دمشق وشقيقه خالد.

لم أر الجواهري الكبير يوماً بمزاج وردي مثلما رأيته عند جلوس طارق الدليمي إلى جانبه، فثمة شيء من الكيمياء حصلت بين الرجلين، خصوصاً والجلسة كانت في منزل شقيقتي سلمى، حيث دعوت الجواهري وعائلته وبحضور شقيقته نبيهة (أم كاظم ولواء وصفاء ورواء الجصاني) وصادق الجواهري وعائلته وجمال الجواهري، إضافة إلى الفنان سامي كمال والشاعر الشعبي جمعة الحلفي وزوجته (أم زينا)، إضافة إلى المثقف الفلسطيني اليساري داوود التلحمي رئيس تحرير مجلة الحرية وطارق الدليمي .

وحين دارت " الأكؤس من صغرى ومن كبرى "، كان الجواهري يضحك من القلب ما أن يهمس طارق الدليمي في إذنه، وكلّما كان الفنان سامي كمال يتحفنا بألحانه ويشنّف أسماعنا بطربه، كانت الابتسامة تكبر على فم الجواهري، وبين وصلة وأخرى كان جمعة الحلفي يسمعنا "المحمّداوي" في حين كانت أم زينا تبهجنا بصوتها العذب والأغاني الشعبية، وشيء ما بالفارسية التي كانت تعرفها. وظلّ الجواهري يسأل عن الدليمي باستمرار، علماً بأن الأخير كان من محبّي الجواهري في الشعر والمتابعين له، وإنه يحتفظ بجميع دواوينه في مكتبته العامرة.

وبالعودة إلى العنوان، أختتم هذه السردية بما كتبه طارق الدليمي إلى لجنة التكريم في الحفل الذي أقيم لي في العام 2003 في القاهرة عن صديق الخلاف المعتّق "... ولكن الذي لم يكن مفاجئاً هو أننا سرعان ما نلتقي في فواصل أخرى، أكثر حميمية وأعمق إنسانياً وأهم حياتياً، وبذلك يصحّ القول أن شعبان الذي يجمع بين برودة العقل وحساباته المنطقية المزعجة، كان يحمل بين جنبيه قلباً دافئاً ينبض بهموم الناس (وأهل) القضية كيفما كانت أو ستكون. ومن هذه الشرفة كانت عزيمته لا تلين وإصراره على الحوار للوصول إلى النتائج الحاسمة ..."

ويضيف الدليمي :" فالسياسي لدى شعبان لم يكُن يتناقض مع القانوني وأكاد أصرّ أن هذه الحالة الجدلية الخاصة كانت تستفزه شخصياً قبل أن تثير حفيظة الآخرين ولم نتحمّل نحن أصدقاؤه هفواته الصغيرة، وذلك ليس بسبب المحبّة الاجتماعية والاحترام الشخصي، ولكن أيضا لمعرفتنا الجادة إن الطاقة الذاتية للمراجعة والمحاكمة الداخلية لا بدّ أن تصاحبها احتواءات إنسانية ذات هدف إنساني... لا يمكن قطعاً الحديث بالتفاصيل عن المحطّات العديدة التي كنّا سوية فيها ونحن ننتظر قاطرات متغيّرة ومغايرة ".

لعلّ خاتمته متناظرة مع خاتمتي في حديثي عن صديقي اللدود المثقف الرؤيوي الذي كان يتحسّس بروحه وقلبه وعقله في آن، فقد كنّا لا نتوقف عند الأشياء الصغيرة والاختلافات العابرة والملاحظات الظرفية، لأننا كنّا مدفوعين بثراء التفاصيل وعمق الصداقة وأفق المعرفة المفتوح، وهناك قول أثير "فالصديق إنسان هو أنت إلّا أنه بالشخص غيرك"

كان طارق الدليمي أنيساً، ظريفاً، خفيف الظلّ، لمّاحاً، صاحب قلم جميل وجملة رشيقة وفكر أنيق، ويحمل من المواصفات الشخصية خصالاً تكاد تكون نادرة، لاسيّما إذا اجتمعت بشخص واحد، فهو شجاع بلا حدود ولكن دون ادعاء، وكريم على نحو تلقائي دون تكلّف، وصاحب رأي في كل الأوقات أخطأ أم أصاب، وكان طيب القلب وإنساني النزعة ومحبٌ للخير ومتفان ومخلص للصديق رغم حدة مزاجه أحياناً، كما كان صاحب مروءة "وعلى شرف قدر الناس تكون المروءة" حسب الإمام علي، فهو لا يقبل بظلم أحد أو إهانته أو استضعافه وقد يكون مستعداً للدخول في معركة دفاعاً عن شخص لا يعرفه، لمجرد أنه يشعر بأن إجحافاً ما أصابه أو غبناً ما لحقه أو تعرّض لإساءة.

طارق الدليمي وهو على مشارف الثمانين، كل متاعه من هذه الدنيا، بضعة كتب وحفنة أصدقاء وضمير حي ومروءة لا تنقطع.

 

عبد الحسين شعبان - كاتب وأديب عربي

 

بليغ حمدي اسماعيلهل فكرت يوماً في أن تكون فاشلاً؟ بالقطع لم ولن تفكر في هذا، ببساطة لأن كل واحد منا قد تعرض لتجربة أو محاولة فاشلة في حياته، سواء الدراسية أو المهنية أو حتى العاطفية، لكننا دائماً اعتدنا إخفاء هزائمنا المتواترة في هزائم الآخرين، وهي سمة متأصلة لدى المصريين.

لكن هل فكرت يوماً أن تصير عبقرياً؟ نعم فلا تظن أن العبقرية وراثة فطرية، بل هي تكوين وصناعة وإعداد، ولأنك ضحية سياسات تعليمية جاهزة تفتقر التخطيط والمنطق والمنهج والرؤية الاستشرافية، فلا أعتقد أنك فكرت يوماً في هذا. كما أنك في ظل ثقافة تربع على عرشها الوزير السابق الفنان فاروق حسني منذ أمد طويل لا أعرف عدد سنواته لكثرتها وكثرة حوادثها ويومياتها، ومن خلفه من وزراء لم يصنعوا شيئاً للثقافة باستثاء مجهود ضئيل يقوم به بعض الذين لم يسعوا للمنصب على استحياء متعمد، لا يمكن أن تلتقط بعض الأسماء الزاهرة المنسية في تاريخ حضارة مصر.

بالإضافة إلى ما تمارسه بعض وسائل الإعلام الفضائي الفراغي من هوس بكل ما يدغدغ المشاعر ويلعب على العواطف الرخيصة، ويثير مشكلات مثل البالوعات، وحجب المواقع الإباحية، وحرق الأعلام والشعارات الدعائية لبعض أعضاء مجلس النواب وهم يقتربون من مصيدة الحساب في نوفمبر الجاري، واستقبال الفرق الرياضية الفائزة بقوة الحظ بالورود. فكل ما سبق يجعلنا مضطرين إلى الجهل بقامات وهامات فكرية وحضارية في مصر المحروسة.

التاريخ يكتبه أحمد قدري:

ومن بين هذه القامات ما أردت الحديث عنه في عجالة وهو الدكتور أحمد قدري أحد الضباط الأحرار فى حركة 23 يوليو 1952وعالم المصريات المشهور فيما بعد ورئيس هيئة الآثار المصرية الأسبق. ولأننا نمتلك بحق ثقافة عميقة تتمتع بتناقض شديد في الاحتفاء بشخصياتها، على سبيل المثال الاحتفاء والاحتفال بالشخصيات الرياضية والفنية، نجد إهمالاً وتجاهلاً مقصوداً تجاه بعض الشخصيات مثل هذا العالم الجليل، الذي أثرى الحياة الثقافية والأثرية بأعماله ومؤلفاته الأكاديمية.

وفي الوقت الذي يتمتع به كثيرون الآن بالنرجسية تميز هذا الرجل بالتواضع الشديد وهو يشرف على مشروعات إنقاذ معابد فيلة و النوبة في المدة من 1970 إلى 1977 في إطار الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة مع اليونسكو. دون التفكير في نقل تمثال رمسيس الثاني من مكانه، أو إقامة فنادق ربحية تحجب علاماتنا التاريخية كقلعة صلاح الدين، وكأنها مؤامرة لطمس هويتنا التاريخية والحضارية، لاسيما أننا منذ وقت طويل لم نشيد صرحاً عملاقاً يكون شاهداً على تاريخية مصر حتى الآن.  والأغرب في سيرة الدكتور أحمد قدري أن منظمة اليونسكو والتي فشل الوزير السابق فاروق حسني في الفوز بمنصب مديرها، لجأت إليه بشأن الإشراف على إدارة التراث العالمي لمشروعي إنقاذ آثار مدينتي صنعاء باليمن الشمالية و فاس بالمملكة المغربية .

وفي نفس الوقت الذي نكتفي فيه بمشاهدة آثارنا الهاربة والمهربة إلى متاحف العالم، أسهم هذا الرجل في تسوير و تبويب و إغلاق شارع الرفاعي  المحصور بين مسجدي الرفاعي و السلطان حسن حيث كان شارعا مسفلتاً تمر منه السيارات و المواصلات العامة فتم جعله للمشاة فقط و تم تسويره بأسوار معدنية حديدية سوداء و تبليطه للمشاة كدرجات بالحجر الجيري الأبيض الضخم .

وما أجمل الدكتور أحمد  قدري حينما يتحدث عن الوطنية عندما قال إن الوطنية مفهوم ثقافي، من هنا لا يمكن أن نتصور وطنية بدون رؤية ثقافية، و بدون فهم و بدون ارتباط فكرى بالمكان و التاريخ، و الوعي التاريخي جزء مهم جداً من الشعور بالوطنية. أما اليوم فالوطنية لا تعني سوى تعليق الأعلام المصرية الصينية الصنع فوق شرفاتنا، وعلى زجاج سيارات شباب الفيس بوك، حتى أن أكثر الأشياء التي أضحكتني عند زيارتي مؤخراً لمدرسة سمعت فيها تلميذا صغيراً ينظر إلى العلم القديم والممزق فوق ساريته وهو يقول لزميله: أنا شفت العلم ده في ماتش محمد صلاح .

الله على الوطنية التي نكرسها في نفوس النشء بمدارسنا، فالعلم قديم وممزق، وكل ما يعرفه غير عن منتخب بلاده أنه فريق أبو  تريكة، مع احترامي الشديد للاعب على سلوكه وأخلاقياته الرفيعة .

ومن أبرز ما ذكره هذا الرجل العالم هو إن التاريخ هو الذاكرة الجماعية للشعوب، و إننا إذا تصورنا إنساناً بلا ذاكرة فلا نستطيع أن نتصور شعباً بلا ذاكرة جماعية، و إن عدم الوعى بالتاريخ يمثل خللاً خطيراً فى القوام الوجداني و الفكري لأى شعب من الشعوب. إن الأوهام التى تترسب فى وجدان شعب غير واع ٍ عن تاريخه و الأخطاء و المفاهيم الخاطئة التى يتصورها، كل هذا يشكل عبءً على ضميره و عبءً على وجدانه و عبءً على فهمه الصحيح للأشياء، فمن خلال الوعى التاريخي يتطور مفهوم هذا الشعب.

ولأننا اعتدنا أن نقدم كبش فداء لكل كوارثنا طبقاً للإرث التاريخي منذ عروس النيل، فكان الدكتور أحمد قدري ضحية سقوط قطعة حجر من كتف تمثال أبي الهول بعد أن أتهم في سقوط هذا الحجر من كتف وقامت الدنيا ولم تقعد إلا علي جثة الدكتور قدري  .ووفقاً لهذا المنطق علينا أن نحاسب نابليون بونابرت وجنوده لأنهم تسببوا في سقوط أنف أبي الهول، وكذلك نحارب عوامل التعرية لأنها أسقطت أجزاء من جسده.

وبقي أن نذكر أن من إنجازات هذا الرجل هو حديقة الخالدين، وحديقة الحوض المرصود، وصدور عدد كبير من السلاسل الثقافية وقت ما كان المصريون يقرأون مثل سلسلة المائة كتاب، وسلسلة الثقافة الأثرية والتاريخية، بالإضافة إلى أعمال الترميم التي أقيمت في عهده مثل قبة المدرسة الجوهرية الملحقة بالجامع الأزهر‏، و مسجد محمد علي وبئر يوسف‏، ومسجد الناصر محمد بن قلاوون بالقلعة، وسور مجري العيون‏،وقلعة قايتباي برشيد، و‏مسجد القاضي يحيي بباب الخلق‏، ومسجد أحمد بن طولون، ومن الآثار القبطية قام بترميم ‏دير ماري جرجس بأرمنت، دير الشهداء بإسنا‏، ودير العذراء بأخميم. ‏‏

وإنه من الخجل أن نعلن صراحة بأن المبدع في ظل هيمنة تسييس الثقافة صار موظفاً، وأن الإبداع الذي كان قديماً حالة انفراد وخصوصية وإشراق صار عملاً روتينياً قد تحركه الأهواء والمزاعم والغايات الشخصية.

ولقد فاجأني صديق بسؤاله عن رأس الفارس النبيل سليمان الحلبي الموجودة بصندوق زجاجي بمتحف اللوفر وهل من الممكن المطالبة باسترجاعها وعودتها إلى مصر، ودون تفكير عميق أو طويل تذكرت ما قاله الدكتور قدري عن الوطنية، واكتشفت حجم التجاهل والإهمال لرموزنا الحضارية وهم بين أيدينا، فكيف نهتم بشئ منذ قرون مضت.

الفارِسُ .. جَمَال حِمْدَان:

وربما لا تغيب عن ذهنيتنا العربية الأصيلة صورة العبقري الجغرافي الدكتور جمال حمدان الفارس الذي تصدى للكيان الصهيوني بكتاباته الفريدة التي قال فيها عن كيان يبدو خبيثا أن السرطان الإسرائيلي سرطان مدني وطائفة خلاسية من طفيليات المدن بلا جذور بيئية . وهو نفسه الذي يرصد ويصف ويجيد في توصيفه للكيان الصهيوني بأن إسرائيل من وجهة وعلى أساس جغرافية المدن ليست في الحقيقة إلا مدينة شيطانية ضخمة تجمعت فيها " حثالة مدن " العالم، وأن المدينة الإسرائيلية ليست إلا استقطابا " لحارة اليهود " في العالم ابتداء من الملة المغربية إلى القاع اليمني، ومن حارة اليهود الألمانية إلى الجيتو الأوروبي.

إنه جمال حمدان الجغرافي الذي فاق خبراء اللغة وأساطينها بأسلوبه وتراكيبه الفريدة، من مثل عباراته الاستثنائية المحفوظة والمسجلة تاريخيا باسمه كـ " مشاتل للتخمر السياسي ومواطن للوعي القومي "، وعبارته " بوتقة للانصهار الحضاري وجبهات للتصادم الجنسي "  باختصار هو أكاديمي يماثل المتصوفة في عزلتهم، حيث لا يشوبه التقصير في مشروعه الوطني المخلص، وباختزال لا يتعريه طول التفسير في توصيف قضايا الجغرافية والسياسية، هو بحق  فارس المكان، وهو وفقا لتقدير معاصريه وربما أيضا منتقديه وأعدائه وخصومه المهمشين الذين نسيهم كتاب التاريخ في الذكرى ـ البوصلة القادرة على التحشيد بغير انتفاضات شعبية نحو عشق الوطن وافتراس تفاصيله الجميلة بجنون، جمال حمدان حينما نتكلم عنه فإننا لا شعورياً نتجه باتجاه الوطن ونلامس أراضيه، وتأبى اللغة أن تتحدث عنه بلغة نثرية علمية جافة بل تجبرنا كتاباته ومسيرة حياته أن نتخلى ولو نسبياً عن جفاف اللغة العلمية ونلجأ إلى اللغة الشاعرية التي بحق تناسب مقامه ومكانته وتوازي عشقنا وعشقه للوطن.

إن ما يميز الجغرافي العربي الدكتور جمال حمدان ليس كتاباته الجغرافية الأكاديمية التي لا تهم سوى جملة قليلة من المتخصصين، لكن تلك الوصايا الاستثنائية المهمة التي تفيد أصالة التكوين العربي وهويته الأصيلة القوية وكيفية الحفاظ على مقوماتها، وتلك الأسلحة الثقافية والحضارية المهمة الكفيلة بالتصدي للكيان الصهيوني وتبدو مشكلة من تصدى لكتابات جمال حمدان أنه قصر النظر والتأويل على الاهتمام بالموقع الجغرافي وحدود البلدان وطبيعة الأنهار والنمو المدني والريفي للسكان بغير إطلالة مباشرة على الدور الريادي لجمال حمدان في تأصيل الكراهية الصهيونية للعرب والعروبة بوجه عام، وبتقدير هذا الكيان الصهيوني الذي يعطيه بعض العرب مكانة لا يستحقها لا سياسيا أو حضاريا.

رَسَائِلُ الجُغْرَافِيِّ:

والمدهش أن قراءتنا بغير تأويل أو عقد نقدية تجرنا لمساحات بعيدة عن الوطن، لكتابات المفكر الجغرافي الدكتور جمال حمدان هي قوة إجبارية تفرض علينا التفكير في واقعنا المصري المتسارع سياسياً والبطئ نحو النهضة والارتقاء، فجمال حمدان من خلال ما سطره من كتابات مثل الموسوعة العبقرية شخصية مصر، والقاهرة، والعالم الإسلامي المعاصر، واستراتيجية الاستعمار والتحرير، والمدينة العربية، وكتابه المتميز عن اليهود كلها تؤكد أولاً نظرته العميقة للمستقبل وكأن ما سطره كان أشبه بصيحات التحذير لما نحن فيه الآن من أزمات ومثالب سياسية واجتماعية.

فمكانة مصر التاريخية والاستراتيجية الراهنة تجدها في هذه الكتابات المتميزة، التحذير من فوضى التعصب والتطرف تلمسها في سطور متناثرة خطها بقلمه حينما تحدث عن وسطية هذا الوطن العظيم، فهو يقرر أن مصر لموقعها الجغرافي المتوسط بين قارات العالم اتخذت لها موضعاً أكثر وسطية، ونجحت بالفعل لسنوات بعيدة أن تحافظ على هذه الخصوصية التي تحتوي متناقضات ومتضادات عجيبة في صورة أعجب وأبلغ، وإذا استقرأنا مهاد مصر لاكتشفنا أنها لم تعرف أبداً طوال تاريخها الضارب في القدم أنصاف الحلول أو المغالاة في التمايز لطرف في أقصى اليمين أو أقصى اليسار، بل كانت وسطاً دائماً في النظرة والتفكير والاختيار، وربما هذه الوسطية هي التي أفرزت لنا قاماتنا الفكرية بتعددها الأيديولوجي كالشيخ محمد عبده وطه حسين والعقاد وسلامة موسى وزكي نجيب محمود وغيرهم مما تحفظهم الذاكرة .

كما يشير عبقري المكان الدكتور جمال حمدان إلى أن هذه الوسطية التي تميزت بها مصر حفظت لها وحدتها السياسية، مع وجود مساحات متفاوتة زمنيا من الجدال السياسي لا كالذي نشاهده ليل نهار إما في برلمان المرجعية الدينية المنحل، أو في برامج الفضائيات المكرورة التي توصف دوماً بأنها فراغية الجوهر،كالفراغ الذي الذي لا حيز له ونحترف في إهداره بمهارة فائقة تشبه إضراباتنا واعتصاماتنا ومليونياتنا الثورية التي تصيب جسد هذا الوطن بسهام نافذة مميتة .

مِنْ وَصَايَا الفَارِسِ:

استطاع الجغرافي الفريد الدكتور جمال حمدان أن يقدم جملة متميزة من الوصايا للحكومات العربية لاسيما تلك الوصايا التي تتعلق بمشكلاتها الداخلية مثل البطالة على سبيل المثال، وجدير بالذكر ما أشار إليه جمال حمدان في كتابه المدينة العربية بشأن البترول العربي حينما رصد حالة البترول التي توجهها السياسة الاحتكارية الأجنبية ويسلبها إمكانياتها الصناعية .ويشير جمال حمدال إلى حقيقة واقعية لاتزال ممتدة وهي أن المدن البترولية هي مدن تعدين وليست مدن صناعة ويضيف أن أن مصير هذه المدن رهن بمستقبل خزان الزيت الذي تقوم فوقه، ولهذا لا يمكن أن ينتظر لها عمر طويل أو مستقر .

مِصْرُ التِّي فِي خَاطِره:

يؤكد جمال حمدان في مجمل أعماله ويقرر أن مصر محكوم عليها بالعروبة والزعامة، وأن من قدرها أن تكون رأس العالم العربي، وقلبه، وضابط إيقاعه، وفي هذا الصدد يقر حقيقة بالغة الأهمية في ظل ظروفنا السياسية الراهنة وهي أن مصر أكثر من عضو ضخم في الجسد العربي، بل هي رأسه المؤثر، وجهازه العصبي المركزي الفعال والنشط والمحرك. ولم ينس العبقري جمال حمدان مرحلة أكتوبر بانتصاراتها المجيدة فنجده يعتبر مصر أكتوبر دليلاً قاطعاً على الشعب المحارب، وتكذيباً دامغاً لنظرية الشعب غير المحارب.

ورغم هذا العشق المستدام الذي يربط الدكتور جمال حمدان بمصر وطناً ومكاناً متميزاً، نجده شديد التأثر مرارة وحزناً بواقع مصر أيامه والتي تتشابه كثيراً مع واقعنا الراهن المحموم والمستعر غضباً واحتجاجاً، فهو يرى ـ في وقته ـ أن مصر بحاجة ماسة إلى إعادة التفكير وإطالة النظر بعمق وتدبر في كيانها وهويتها ومصيرها، وهذا يدفعنا للتأكيد على أن مصر بعمقها وحضارتها وتاريخها وطن يصعب مراسه وتطويعه ولي ذراعه بتيارات وأفكار تسعى إلى إجهاض تنويره واستنارته، فإن هذا يتطلب مزيداً من العمل الدءوب بشأن تثوير الطاقات المنتجة، والعقول الأكثر إنتاجاً، وهذا لا ولن يتحقق إلا من خلال منطلقات ومرتكزات ثابتة نسبياً تشترك في إطلاقها مجموعة من المؤسسات الرسمية والمدنية وبعض الفئات المنوطة بتطوير هذا الوطن ومنتسبيه.

وها هو عبقري المكان جمال حمدان أو كما يصفه الدكتور محمد عبد الرحمن الشرنوبي بعاشق تراب مصر يكتب عن الخصية المصرية وكأنه يقرأ المستقبل ويستشرفه، وهي قراءة ملؤها الشجاعة في وقت نرى الشجاعة فيها مجرد أصوات عالية وصراخ غير منقطع وممارسات سياسية تستهدف تقويض الوطن ذاته، لكنه في قراءته للوطن مكاناً لم يغفل عن قراءة مرتكزات ومقدرات الوطن البشرية من سكان، ذلك حينما أشار إلى أن الشخصية المصرية تستغل فقط تاريخها حينما تواجه عدواً خارجياً لكنه من الأحرى استغلال والإفادة من هذا الإرث التاريخي في النهوض بالبلاد وفي استثارة عزائمنا الفاترة وفي إدراك مكانتنا والوعي بها باستمرارية بغير انقطاع أو تغييب عمدي ومقصود.

وهو يعمد دائماً إلى استنهاض الطاقات ويحذر من خطر الهروب من الحاضر إلى الماضي، ويشبه هذا الهروب بالمخدرات التاريخية التي تجعلنا أكثر عرضة للافتراس الذاتي لأننا نكون قد تخلينا عن مواجهة الحاضر بإحداثياته ومتغيراته المتسارعة.وليتنا نخجل من أنفسنا ونحن نعيد قراءة الطروحات الفكرية الجغرافية للعبقري جمال حمدان لاسيما وهو يصر على جعل مصر سيدة الحلول الوسطى وملكة الحد الأوسط، وهي أمة وسط بكل معنى الكلمة، بكل معنى الوسط الذهبي، وليست أمة نصفاً، ومصر جغرافياً وتاريخياً تطبيق عملي لمعادلة هيجل تجمع بين التقرير والنقيض في تركيب متزن أصيل .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

 

جودت هوشيارفي عام 1912 كانت آنّا أخماتوفا في الثالثة والعشرين من عمرها. إمرأة جميلة، مفعمة بالأنوثة والبراءة، وشاعرة رقيقة ذات موهبة عظيمة، وتحب النزول في وقت متأخر من الليل الى قبو مقهى "الكلب الضّال" في العاصمة بطرسبورغ، وعلى كتفيها شال، وفي جيدها عقد من اللؤلؤ .وكانت قصائدها تعكس عمق شخصيتها، وتنطوي على حقائق نفسية ووجدانية قوية، تثير رغبات حسية دفينة وموجعة، عبر شكل شعري متألق، بوسائل لغوية بسيطة . كانت الأحلام ما تزال ممكنة التحقيق، ولم يدر بخلدها في ذلك الحين، إن المستقبل محمّل بالمصائب .

ولدت آنّا اخماتوفا في 23 يونيو عام 1889 في إحدى ضواحي مدينة أوديسا . وكتبت في سيرتها الذاتية تقول :" ولدت في العام ذاته الذي ولد فيه تشارلي شابلن وصدرت رواية تولستوي (كريتزر سوناتا)، وبني برج إيفل ."

كان والدها أندريه غورينكو مهندساً بحريا متقاعدا، ووالدتها اينّا ستوغوفا سليلة عائلة تترية عريقة، وينتميان الى الطبقة العليا في المجتمع . ولكن العائلة انتقلت الى العاصمة بطرسبورغ بعد سنة واحدة من ولادتها . قضت طفولتها ومراهقتها في بطرسبورغ وكييف، وتعلمت الفرنسية في سن مبكرة، وكتبت أولى قصائدها عام 1904. درست اللاتينية والتأريخ والقانون

وفي عام 1910 تزوجت الشاعر نيقولاي غوميلوف (1886-1921)، وسافرا الى باريس لقضاء شهرالعسل.، وقامت برحلة أخرى الى باريس عام 1911، وزارت ايطاليا عام 1912 . وقد التقت خلال رحلتيها الى باريس بالفنان والنحات الإيطالي اميديو موديلياني (1884-1920) الذي خلدها في 16 لوحة فنية رائعة بعضها بالألوان وأخرى تخطيطية . كانت تلك فترة ذهبية في حياتها

وعندما بدأت بنشر اعمالها عام 1911 اختارت الشاعرة لنفسها " أخماتوفا " كاسم فني - بدلاً من لقب والدها غورينكو - اعتقاداً منها أن أحد أسلافها " احمد خان " كان اميراً تترياً ينتمي الى سلالة " جنكيز خان .

في عام 1912 أنجبت ابنها ليف، ونشرت أول ديوان لها بعنوان " المساء " .وسرعان ما ذاعت شهرتها في الأوساط الأدبية الروسية . وقال النقّاد الروس عنها، إن موهبة جديدة قد ظهرت في الشعر الروسي . وقد تعززت مكانتها الأدبية بصدور عدة دواوين شعرية لها في السنوات اللاحقة .

لم تكن الحياة تنبأ بعد بأية مصائب . كتبت الشعر، وسهرت الليالي، وشربت الشمبانيا، ولكن الحرب الاهلية التي رافقت ثورة اكتوبر، وضعت حداً لكل هذا. اللوحات ضاعت أو احترقت خلال الحرب الأهلية .ولم تبق لدى الشاعرة سوى لوحة واحدة فقط، كانت تعلقها على أحد الجدران في غرفة نومها حتى آخر يوم في حياتها .

وتقول أخماتوفا إن موديلياني كان يعيش في فقر مدقع، حتى انه لم يكن قادراً، على دعوتها الى أحد المقاهي ودفع ثمن فنجانين من القهوة . ومع ذلك فقد كانت السعادة تغمرها بصحبة العبقري الايطالي الوسيم الذي توفي بعد ذلك بسنوات قليلة، وترك ندبة لا تندمل في قلب اخماتوفا. ففي أيامها الأخيرة كتبت في مذكراتها : " كانت حياة موديلياني قصيرة، وحياتي طويلة "

في اغسطس عام 1918 انفصلت الشاعرة عن زوجها الشاعر نيقولاي غوميلوف، أبرز أعضاء " ورشة الشعراء " الشهيرة، ومؤسس مدرسة " الأكميزم " أو " الذروة الروحية " في الأدب الروسي، والذي أعدم في عام 1921 بتهمة الانضمام الى تنظيم سري للضباط (البيض)، فقد كان غوميلوف ضابطاً لامعاً في العهد القيصري .

وفي ديسمبر من العام ذاته تزوجت فلاديمير شيليكو، العالم المتخصص في حضارة وادي الرافدين، وأول مترجم لملحمة جلجامش الى اللغة الروسية. ولكن هذا الزواج لم يدم سوى ثلاث سنوات، فقد كان شيليكو يضيّق الخناق عليها، ويقيّد حريتها الشخصية .

وفي عام 1922 تزوجت المؤرخ نيقولاي بونين . وكان زواجاً موفقاً، ولكنه اعتقل في عام 1938 وحكم عليه بالسجن خمس عشرة سنة، وقضى نحبه من الانهاك الجسدي في أحد معسكرات العمل الاجباري الشاق.. وكان ابن الشاعرة الوحيد، ليف غوميلوف سجيناً أيضاً في هذا الوقت .

خيّم الظلام والوحدة والياس على حياتها وظهر في شعرها (المحظور من النشر والتداول منذ منتصف العشرينيات) صرخات الألم والشعور بالوحدة . وعاشت دون أن يلوح لها في الافق بارقة أمل . شعرها في هذه الفترة كان يعبرعن الحب الأنثوي المأساوي، حيث تمتزج العاطفة والحزن بالأمل .

قوة شخصية الشاعرة وثباتها، سمحت لها بالبقاء على قيد الحياة في سنوات القمع الرهيبة، رغم فقدان زوجها واعتقال إبنها، وحظر نشر قصائدها .

 قداس جنائزي

في عام 1935 بدأت بكتابة قصيدتها الطويلة الرائعة " قداس جنائزي" وهي قصيدة سيرة ذاتية وتعكس معاناتها الداخلية . هنا تجلت عظمة أخماتوفا كشاعرة مبدعة . هذه القصيدة، التي قضت الشاعرة حوالي عشر سنوات في كتابتها، هي دليل على نضجها كشاعرة . كانت تعيش في فقر مدقع، تعاني من الجوع والبرد، وتشعر بالنفور من الواقع الكئيب، الذي كان يعج بالمخبرين السريين، لكنها لم تفقد احترام الذات. في هذه الظروف الصعبة كانت تكافح ضد الواقع المرعب بسلاح الشعر: " وقفت آنذاك مع شعبي وتقاسمت معه محنتي " . "

لم تحاول الهجرة إلى إحدى الدول الغربية، كما فعل العديد من الأدباء الروس المعروفين من أصدقائها، وظلت في الاتحاد السوفيتي، وأحرقت جزءاً كبيًرا من أرشيفها، الذي كان الإحتفاظ به يعرض حياتها للخطر، لكن الناس حفظوا أشعارها عن ظهر قلب، وكانوا يتذكرون صوتها وقصائدها .

في عام 1945 زارالفيلسوف والمفكر والدبلوماسي البريطاني السير أشعيا برلين ( 1909-1997) الشاعرة في مسكنها بمدينة لينينغراد، عندما كان سكرتيراً أول في سفارة بلاده لدى موسكو . وخلال المحادثة الطويلة التي استغرقت عدة ساعات، تحدثت اخماتوفا خلالها عن حزنها وعدم موافقتها على النظام القائم، ودفعت ثمناً غالياً لحديثها مع " جاسوس أجنبي " حسب زعم السلطة، حيث اعتقل ابنها مرة أخرى، وحكم عليه بعشر سنوات سجن مع الأشغال الشاقة. وتم وضع الشاعرة تحت مراقبة الشرطة السرية وعندما كانت تطل من الشباك الوحيد لشقتها المؤلفة من غرفة واحدة، ترى عدة مخبرين سريين جالسين على مصطبة مقابل مدخل العمارة لمراقبتها . ولكنها لم تستسلم لليأس والقنوط .

وقد كتب اشعيا برلين لاحقاً عن لقائه بالشاعرة العظيمة، وكيف إنه لاحظ بإعجاب شديد صمودها وانشغالها بعملها الإبداعي، ووصفها بأنها " ملكة ذات طابع مأساوي " .

كتبت أخماتوفا قصيدة " قداس جنائزي " بلغة مجازية للغاية. بدت وكأنها أجزاء انتزعتها من نفسها من أجل إدخالها في نص القصيدة. وقد واجهت في هذه الفترة أشد المحن . حيث فقدت زوجها . وكان ابنها ما يزال سجيناً. وتحملت كل أعباء حياتها بكرامة، ولم تجد العزاء سوى في الأدب .

في مقدمة قصيدة " قدّاس جنائزي " كتبت أخماتوفا عما دفعتها الى كتابتها: " طوال سبعة عشر شهراً في زمن يزوف الرهيب (الذي كان وزيراً للامن والمخابرات بين عامي 1937، 1938) كنت أقف في طوابير طويلة من أجل السماح لي بزيارة السجن في لينينغراد . امرأة مزرقة الشفاه من البرد، لم تسمع عني من قبل قط، خرجت من حالة الذهول التي كنا فيها جميعاً، وسألتني همسا:

هل يمكنك الكتابة عن هذا ؟

أجبت: نعم

حينها ارتسمت شبه ابتسامة على هذا الذي كان يوماً ما وجها .

بعد سنوات من التضييق والصمت والتجاهل، نشرت قصيدة " قداس جنائزي " في ميونيخ عام 1963، في كتاب صدر عن دار نشر "فيرلاج " الألمانية ..

. بعد أسابيع قليلة من النشر تحولت القصيدة إلى صرخة حزن ليس فقط للشاعرة نفسها، ولكن أيضًا لملايين النساء الروسيات اللائي عشن كل أهوال النظام الذي حطم حياتهن، وحياة أزواجهن وأبنائهن .

" اليوم لدي الكثير لأفعله: يجب قتل الذاكرة حتى النهاية، ويجب أن نجعل الروح لا تابه، ويجب أن نتعلم كيف نعيش مرة أخرى " .

جائزة جمعية الكتّاب الأوروبيين

 في أواخر ديسمبر 1964 أقيم احتفال مهيب في مدينة تاورمينا الواقعة بجزيرة صقلية الايطالية، تم خلاله تقليد الشاعرة جائزة جمعية الكتّاب الأوروبيين في مجال الشعر، بحضور جمع كبير من الكتّاب والشعراء من معظم البلدان الأوروبية . ألقت اخماتوفا مختارات من قصائدها، التي قوبلت بحماس عظيم، ونهض الحضور وقوفا لتحيتها، رغم أن معظمهم - باستثناء الوفد السوفيتي – لم يكن يعرف اللغة الروسية - وكان ذلك تحية لملكة الشعر وللأدب الروسي العظيم .

شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة اكسفورد

في 5 يونيو 1965 منحت جامعة أكسفورد شهادة الدكتوراه الفخرية في الأدب لآنا أخماتوفا

ولأول مرة في تاريخ الجامعة، كسر البريطانيون التقليد الأكاديمي الراسخ: لم تصعد آنا أخماتوفا الدرج الرخامي لأستلام شهادتها من يد رئيس الجامعة، على النحو المعتاد، بل إن رئيس الجامعة هو الذي نزل اليها .كما أن اخماتوفا اعتذرت عن وضع القبعة التقليدية على رأسها لأنها – كما قالت - لا تلائمها، ووافق رئيس الجامعة على استثناء ملكة الشعر من هذا التقليد الراسخ أيضاً .

في اليوم التالي كتبت الصحف البريطانية: إن جامعة اكسفورد منحت شهادة الدكتوراه الفخرية 

إلى "أعظم الشعراء الروس المعاصرين - آنا أخماتوفا البالغة من العمر 76 عاماً، والتي يعكس شعرها ومصيرها، مصير الشعب الروسي" –

توفيت اخماتوفا بنوبة قلبية في مصحة بالقرب من موسكو في 5 مارس 1966 . لكن عملها استمر في العيش والقتال

أخماتوفا وجائزة نوبل في الأدب

دأبت أكاديمية العلوم السويدية – مانحة جوائز نوبل – على الحفاظ على سرية وثائقها الأرشيفية لمدة خمسين عاماً . وكما يتضح من الوثائق المنشورة في ينايرعام 2016 أن اخماتوفا كانت ضمن لائحة المرشين لنيل جائزة نوبل في الأدب عام 1965

وجاء في تلك الوثائق أن رئيس لجنة نوبل " أندرس أوسترلوند " قال خلال تقييم قصائد أخماتوفا : " لقد تأثرت كثيراً بالإلهام القوي للشاعرة، وتأثرت أكثر لمصيرها وارغامها على الصمت الاجباري لسنوات طويلة " . وقد ذهبت الجائزة في ذلك العام الى مرشح الدولة السوفيتية " ميخائيل شولوخوف "، بعد أن حشّد الاتحاد السوفيتي تأييد الأوساط الأكاديمية، والفائزين بجائزة نوبل من الكتّاب والشعراء اليساريين .، ومارس ضغوطاً دبلوماسية واقتصادية على السويد . وهذا لا يعني بحال من الأحوال أن شولوخوف لم يكن يستحق الجائزة .

كما تشير وثائق الاكاديمية السويدية التي كشف النقاب عنها عام 2017 أن اخماتوفا كانت من أبرز المرشحين لنيل الجائزة عام 1966 . ولكن وفاة ألشاعرة في مارس من ذلك العام أدى الى صرف النظر عن ترشيحها.

ذكرى أخماتوفا

يتمتع إبداع اخماتوفا بتبجيل عظيم في بلادها، وفي العالم الغربي . وقد خلدت روسيا ذكرى الشاعرة بطرق شتى. فهناك متحف اخماتوفا في بطرسبورغ، وتمثال أو جدارية لها في كل مدينة روسية عاشت فيها ولو لبضع سنوات، منها ثلاثة تماثيل في مدينة بطرسبورغ وتمثال في موسكو. وفي كل مدينة من تلك المدن شارع يحمل اسمها . كما أطلق الفلكيون الروس اسمها على كويكب اكتشف عام 1982، وعلى فوهة بركان في كوكب الزهرة . إضافة الى عدد من المكتبات العامة وحتى بعض البواخر السياحية . وثمة العديد من لوحات البورتريه للشاعرة رسمها كبار الفنانين الروس، وأفلام سينمائية تصور حياتها المليئة بالأحداث الدراماتيكية .

كما حولت قصائدها الى أوبريتات وباليهات وأغان يصعب حصرها . وكتبت عنها عشرات الكتب والأطروحات العلمية . وتحتفل روسيا في 23 يونيو من كل عام بذكرى ميلاد الشاعرة حيث تقام فعاليات ثقافية جماهيرية، يلقي خلالها أشهر الممثلين والممثلات الروس قصائدها الوجدانية التي تهز المشاعر بصورها الفنية المدهشة .

 

د. جودت هوشيار

 

جمال العتابيمنذ سبعينات القرن الماضي، كنت ما أزال أذكر تلك النشوة السحرية التي كانت تمتلك حواسي، أنصت لصوت هاشم الطّعان، حين ينقّب في كنوز الكتب والمعارف واللغة، هو يعرف أوصافها تماماً، يستعيد أسرارها بمفتاح صغير ليدخلها إلى هذا العصر.

كان الطعان مثل المتشبث بالصخر والتراب والجذور، لياذاً من طوفان وشيك، كان يبحث عن أيما مكان لايبعده عن تاريخ نسجته العصور، لكن هاشم لملم زمانه، وإنطوى في زاوية من زوايا التاريخ المثخن بالجراح، والنسيان، والإهمال، ورحل مبكراً في عام 1981، وهو في قمة عطائه .

هاشم الطعان وطن يسكنه من نوع آخر، هو كذلك رمز لوطن صغير في القلب، الزمن لم يعد عاشقاً كما كان من قبل، ولأن تلك العاطفة البدائية لم تعد قابلة للمارسة الحيّة كي يستمر دفق الزمن إلى المستقبل، ومع ذلك لابد للحياة أن تستمر، دون أن تغير من نواميسها الأزلية شيئاً .

هذا الإنسان المتيم بالتراث الفكري العربي، يستمر في حواره معه، ما دمنا نصغي اليه، وجعلنا أقدر على فهم ترتقي فيه اللغة والتجربة الغنية، يستعيد فيه حبّات التراث الضائعة، حتى وهو في أصعب الظروف والمواقف، إذ سلك الطريق الصعب في حياته، يقبل على التراث إقبال العاشقين على مدام الوجد، يبحث في ينابيع المعرفة، ليغمس في مدادها النوراني قلمه وأنهار الحكمة ليترع كؤوسه، في نمو إيقاعي منظم، تستحيل كريم المنثور، وفرائد الشعر، وصافيات الحكم والكلمات، إلى منازل تتجه صعداً الى الأعلى، كأنها تدخل في مدارات من الأنوار الساطعة، قد تغيب عن الأبصار، لكنها لا تغيب عن البصائر، انها صورة الحروف وأقلامها، وموازينها، ومساحاتها وألقابها، وهي تنساب على الرقوق .

إنتماؤه اليساري قاده الى سجن (نكرة) السلمان ما بعد إنقلاب شباط عام 63، مثل مئات من المثقفين – شعراء وأدباء – ومفكرين، في السجن كان يشدد على رفاقه ضرورة قراءة ودراسة وإستيعاب أهم كتب التراث العربي، ويوجه بالنصح الى الشعراء الشباب من السجناء، بأهمية قراءة المعلقات السبع (شرح الزوزني)، أما السجين الراغب في ان يكون قصاصاً أو روائياً، عليه أن يبدا بـ ( كليلة ودمنة لأبن المقفع )، وكتب الجاحظ، وألف ليلة وليلة .

في السجن يراجع ما يكتبه سجناء آخرون، يقرأها بعناية فائقة، ويسجل عليها ملاحظاته النقدية الصارمة، فأعتبره رفاقه (اتاتورك الأدب )، لتشدده في المعايير النقدية، وتطوع الطعان كذلك لتعليم السجناء من أصول ريفية، القراءة والكتابة .

أكمل هاشم دراسته الأولية في الموصل، وعُين معلما، ثم درس الأدب في كلية الآداب، وتخرج منها عام 1960، نال شهادة الماجستير بوقت متأخر من حياته، عن تحقيقه لكتاب (البارع في اللغة )، وهو الكتاب الذي شرح فيه ابو علي القالي البغدادي معجم (العين) للفراهيدي، ونال دردجة الدكتوراه بتفوق وإمتياز، عن اطروحته (الأدب الجاهلي بين لهجات القبائل واللغة الموحدة)، ورفضت السلطة من نقل خدماته الى الجامعة، والإفادة من تخصصه العلمي، بسبب إنتمائه، وموقفه المعارض منها، أثنى على جهوده العلمية استاذه العلامة مهدي المخزومي، كتب الشعر، وله ثلاثة دوواين مطبوعة، تتراوح بين القصيدة العمودية، وقصيدة التفعيلة، كما نشر مع مجموعة من زملائه (قصائد غير صالحة للنشر) عام 1956، وهم شاذل طاقة، يوسف الصائغ وعبد الحميد لاوند، منعته السلطات من التداول حينذاك، كما صدرت لهاشم الطعان العديد من الكتب في التراث، ونشر عشرات الدراسات في تخصصه الأكاديمي، بعد أن هجرالشعر، وانصرف لجهده العلمي .

غادر هاشم الطعان، وهو لايحمل غير بياض كفنه، فيما تنتهي رحلته الأبدية الى حالة من الغياب عن الأنظار، وحضور في مرايا القلوب، متجهاً الى ذلك الأثير الكوني الذي انيطت بالروح مهمة إرتياده، حيث ينتمي الذاهب الى قدرة قادر.... سنقف خاشعين أمام حلم عابر، ربما في صورة كتاب، أو مخطوط خطته يده الكريمة، أراقت دفقاً من انوار الحب في سطوره، حينذاك ندرك ان روحه تقاسمنا الضوء والشوق والوفاء . ومن دون شك لايمكن ان تزول ازمنة المثقف المبدع، لأنها سنوات خلق وعبور للزمن .

 

د. جمال العتّابي

 

شاكر فريد حسنتحل هذه الأيام الذكرى الثانية عشرة لرحيل الكاتب الناقد المصري العربي البارز رجاء النقاش، الذي وافته المنية في شباط العام 2008، بعد صراع مع مرض السرطان.

يعد رجاء النقاش من أبرز واهم النقاد في مصر والعالم العربي، بدأ ممارسة النقد الأدبي وهو طالب في السنة الأولى بالجامعة، وكان ينشر مقالاته آنذاك في مجلة " الآداب " البيروتية.

ولد النقاش في محافظة الدقهلية شمال مصر العام 1934، وتخرج في قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1956.

بدأ مشواره مع الصحافة في مجلة " روز اليوسف "، وفي جريدة الاخبار المصرية، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة " الهلال "، وهي أقدم مجلة ثقافية عربية. وفي العام 1971 أشغل رئيس تحرير مجلة " الإذاعة والتلفزيون " التي جعل منها مطبوعة ذات توجه ثقافي، حيث نشر رواية " المرايا " لنجيب محفوظ سلسلة قبل صدورها في كتاب.

بعد ذلك سافر النقاش إلى قطر وعمل مديرًا لتحرير مجلة " الراية "، ثم أسس مجلة " الدوحة "، التي ذاع صيتها حتى اغلاقها العام 1986، ثم عاد إلى مصر وعمل كاتبًا في مجلة " المصور " في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. وفي التسعينيات تولى رئاسة تحرير مجلة " الكواكب "، وفي سنواته الاخيرة كان كاتبًا متفرغًا في صحيفة " الأهرام " المصرية العريقة.

ألف النقاش العديد من الكتب النقدية، من أبرزها وأهمها : ثلاثون عامًا مع الشعر والشعراء، أبو القاسم الشابي .. شاعر الحب والثورة، عباقرة ومجانين، نساء شكسبير، عباس العقاد بين اليمين واليسار، وقصة روايتين، وهي دراسة نقدية فكرية مقارنة لروايتي " ذاكرة الجسد " للجزائرية احلام مستغانمي، ورواية " وليمة لأعشاب البحر " للسوري حيدر حيدر.

وبرز النقاش منذ كان في مطلع العشرينات من حياته ناقدًا يعبر من خلاله الأدباء العرب إلى الحياة الأدبية، وقدم عددًا من ابرز المبدعين الذين يكبره بعضهم سنًا، منهم الروائي السوداني الطيب صالح الذي أعاد النقاش اكتشاف روايته الشهيرة " موسم الهجرة إلى الشمال "، والشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي الذي كتب له مقدمة ديوانه الاول " مدينة بلا قلب "، والشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش الذي أصدر عنه عام 1969 كتابه " محمود درويش شاعر الارض المحتلة ".

وينتمي الراحل رجاء النقاش إلى أسرة ضمت مثقفين بارزين فكان أخوه الراحل وحيد النقاش مترجمًا وناقدًا، وأخوه فكري النقاش كاتبًا مسرحيًا، واخته الناقدة والكاتبة والمناضلة المصرية اليسارية المعروفة فريدة النقاش، التي تولت رئاسة تحرير مجلة " أدب ونقد "، ثم رئاسة تحرير صحيفة " الأهالي " لسان حال حزب التجمع الوطني اليساري.

قال عنه الشاعر فاروق جويدة : " جاء النقاش بين جيلين الاول انبهر بالحضارة الغربية وسار في نهجها، والآخر سار في طريق آخر وتقوقع على نفسه، أما النقاش فقد كان قلمًا مبهرًا ولم ينشئ مدرسة جديدة أو يخترع الفاظًا جديدة، وظل عربيًا غاص في اعماق هذه الثقافة، لم يكن يساريًا ولا يمينيًا، ولا ليبراليًا، ولكن كان انسانًا في كل ما كتب".

وكان الشعر هو الميدان المحبب لرجاء النقاش، ويتمتع برصيد كبير بين كتاباته ومؤلفاته، ولعل ما اتسم به نقده أنه جمع صاحبه بين صفتي الناقد والصحافي، وحضوره الكبير في ريادة الصحافة الثقافية العربية، وهو ما طبع كتاباته عمومًا وبالأخص عن الشعر بطابع شعبوي، وانحاز للغة المبسطة البعيدة عن التعقيد النقدي والاكاديمي.

وكان قد صدر للدكتور رجب أو العلا في ذكرى النقاش العاشرة العام 2018، كتاب " نقد الشعر عند رجاء النقاش " رصد فيه جهوده في نقد الشعر.

رجاء النقاش كاتب مثقف واسع الاطلاع، وناقد أسهم في اثراء المشهد النقدي والثقافي المصري والعربي بكتاباته وطروحاته النقدية الصحافية ذات اللغة المبسطة المشوقة والقريبة والعميقة في آن، وقدم خدمات جليلة للصحافة والنقد والثقافة العربية المعاصرة. فسلامًا لروحه، وعاشت ذكراه خالدة.

 

بقلم : شاكر فريد حسن