محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور "جمال رجب أمين سيدبي" (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب – جامعة السويس بجمهورية مصر العربية)،  أحد الأسماء الهامة واللامعة في سماء الفلسفة الإسلامية . أسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، وتعد لبناته الفكرية والأدبية التي وضعها بالجهد والعرق بمثابة الأساس الذي بني عليه الكثيرون من تلامذته مشاريعهم الفكرية، ورؤاهم الفلسفية في الفكر العربي المعاصر. كما كان واحداً من الأساتذة الجامعيين المصريين الذين يقومون بتدريس الفلسفة الإسلامية من وجهة نظر إسلامية خالصة، بعد أن كانت تُدرس من خلال الدرس الإستشراقي الذي ربط الفلسفة الإسلامية بالتراث اليوناني، وأهم من نادوا بالبحث عن أوجه الأصالة والابتكار في الفلسفة الإسلامية، وهو بالإضافة إلي ذلك نموذج للأستاذ الجامعي كما ينبغي أن يكون سواء في التزامه بأداء واجباته الوظيفية الاكاديمية علي أحسن ما يكون الأداء، أو في ارتباطه بطلابه في علاقة إنسانية رفيعة المستوي في هدي من التقاليد الجامعية التي يحرص عليها كل الحرص، إذ هي دستوره في كل معاملاته مع كل من هو في الوسط الجامعي .

وجمال سيدبي رجل غزيز الانتاج، موسوعي المعرفة لديه دأب علي البحث والتنقيب وشهوة لا تقاوم لتعلم كل ما هو جديد ومبتكر، هو رجل منضبط في فكره ومفرداته، أثيني في توجهاته ومعتقداته، وهو خلاف لمظهره الذي قد يراه البعض متجهما أو عابسا هو رجل يتمتع بروح دعابة وخفة دم ونظرة ساخرة للحياة والكون والحق أنني أجد في هذه المقالة فرصة للتعبير عما أكنه لهذا الرجل من حب واحترام وتقدير، فهو بالنسبة لي أخ أكبر ومفكر مبدع قادر دائما علي أن يدهشك وهو في هذه المرحلة المتقدمة من العمر .

وقال عنه أستاذنا الدكتور عاطف العراقي في تصديره لرسائل الجنيد التي قام بتحقيقها سيدبي: " د. جمال سيدبي أعرفه عن قرب، لقد شاركت في مناقشة رسالته للماجستير، تلك الرسالة التي أشرف عليها الأستاذ الدكتور إبراهيم مدكور، وكانت الزميلة الدكتورة زينب الخضيري، كما أشرفت علي رسالته للدكتوراه، وكانت في موضوع موقف أبي البركات البغدادي النقدي من الفلسفة الإلهية عند ابن سينا كما كانت رسالته للمجاستير تدور حول مشكلة خلود النفس بين ابن سينا والغزالي وهذا إن دلنا علي شيئا فإنما يدلنا علي الاهتمام البالغ من جانب الدكتور حمال سيدبي بالتراث الفلسفي العربي الإسلامي . لقد درس أراء مجموعة كبيرة من المفكرين كابن سينا أبي البركات الغزالي بالإضافة إلي اهتمامه بعد حصوله علي درجتي الماجستير والدكتوراه وبأعلى التقديرات اهتمامه بدراسة الكثير من القضايا والمشكلات في محيط الفلسفة العربية. إن هذا يدلنا علي ان د، جمال سيدبي قد أعد نفسه إعدادا دقيقا لدراسة مجالات عديدة وقضايا كثيرة من مجالات وقضايا الفلسفة العربية. لقد سار واثق الخطوة حين تصدي لتلك القضايا والمشكلات وواثق الخطوة يمشي ملكا كما نقول . نعم كان واثق الخطوة، لأنه لا يعرف أمانة الكلمة وذلك يتمثل في أنه لا يتصدي للكتابة في أي موضوع إلا بعد قراءات تحليلية مستفيضة خلال سنوات وسنوات".

ولم يكن جمال سيدبي مجرد فيلسوف نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، لكنه كان – قبل كل ذلك وبعده – إنساناً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى؛ فهو إنساناً في تفلسفه، وفيلسوفاً في إنسانيته. وبين الإنسان والفيلسوف تتجلى شخصية سيدبي متعددة الأوجه، كمؤلف وكناقد وكأديب.

وفي هذه المقال نحاول أن نرصد هذه الملامح التي تميز شخصية جمال سيدبي بشكل يميل إلى الإيجاز ويبعد عن التطويل والإسترسال، بحيث يكون التركيز علي ما هو اساسي وجوهري.

ولد جمال سيدبي في الرابع والعشرين من شهر يوليو عام 1956، حيث حصل علي درجة الماجستير دفعة 1989،وحصل علي دكتوراه الفلسفة الإسلامية عام 1993، وتقلد عدة وظائف إدارية مهمة في الجامعة نذكر منها مثلا:، ثم وكيلاً لكلية الآداب لشؤون التعليم والطلاب، ثم وكيلاً لكلية الآداب لشؤون الدراسات العليا، ثم تقلده رئيس قسم العلوم الاجتماعية، ثم عميداً لكلية الآداب والعلوم الإنسانية، ثم نائب رئيس جامعة السويس لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة.

له مؤلفات كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: منهج تجديد الخطاب الديني، والمسلمون والتحدي الحضاري، في علم الكلام منهج وتطبيقه، درسات إسلامية، مقدمة في التفكير العلمي، والنزعة النقدية في فلسفة محمد إقبال، وموقف ابن رشد النقدي العالم والعلم الإلهي عند ابن سينا والغزالي، موقف ابن رشد النقدي من الإشاعرة، مالك بن نبي وفلسفته الإصلاحية، مشكلة الموت وعلاقتها بحال الفناء عند الصوفية، المنهج الوسطي عند الماتريدية، مشكلة الاتصال بين ابن باجة وابن طفيل، نظرية الوسط الأخلاقي بين مسكوية والغزالي، موقف سعيد النورسي النقدي من الحضارة الغربية، منهج ابن حزم الكلامي في دراسة مشكلتي الذات والصفات والجبر والاختيار، العقل والدين في النسق الكلامي... وهلم جرا.

كتب الدكتور جمال سيدبي كتابا بعنوان: منهج تجديد الخطاب الديني: رؤية نقدية جديدة، وفي هذا الكتاب كما يقول سيدبي: نبتت فكرته في نفسي منذ ما يقرب من عشرين عاما أو يزيد، قدمت قضية تجديد الخطاب الديني بدراسة في مجلة منبر الإسلام التي يصدرها المجلس الأعلي للشئون الإسلامية في مصر، وإذاعة القرآن الكريم في برنامج ندوة الأسبوع ولما سنحت لي الفرصة أردت أن أقدم رؤيتي حول هذه القضية بمنهج نقدي تجديدي يعمد إلي الوسطية والاعتدال في معالجة القضايا والمشكلات الخاصة بتجديد الخطاب الديني وتحريره مما أصابه من غبش ونبرز الصورة الصحيحة . ويستطرد سيدبي فيقول إن : تجديد الخطاب الديني أصبح من أبرز القضايا الأساسية التي تهم الشأن الإسلامي في الآونة الأخيرة إن لم يكن أبرزها‏،‏ الإسلام في عمقه حوار مستمر بين النصوص الدينية الثابتة من جهة‏. والحياة الواقعية المتغيرة من جهة أخري، أو هو جدل دائم بين ثابت أزلي ومتغير متجدد، الفرق واضح بين الثابت والمتغير، والمنطقة المحرمة لا يختلف عليها اثنان، من هنا لابد أن نضع المفاهيم والضوابط والمحددات أمام المسلم حتي لا يختلف في أي قضية، إذ أن باب الظن هو الذي اجتهد فيه المجتهدون.

ويوضح سيدبي ذلك فقال: هناك فرق بين القواعد الكلية في المقاصد، وبين الاشتغالات في بعض أحكام العلم. قال تعالي: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، إذن نحن نقول لله وللرسول سمعنا وأطعنا: هذه واحدة، لذلك حتي لا يختلط الأمر علينا لابد أن نحدد الفرق بين الثابت والمتغير، حيث أن المنطقة المحرمة لا يختلف عليها، ولكن نري من ينادي بتجديد الخطاب الديني، وهو لم يقرأ في علوم الدين وبضاعته مفلسة.. كيف؟! لذلك لابد أن نضع المفاهيم والضوابط والمحددات أمام المسلم حتي لا يختلف في أي قضية، فباب الظن باب عظيم اجتهد فيه المجتهدون.

والمقصود بباب الظن كما يقول سيدبي: أي باب المتشابه في القرآن الكريم مثل النظر في وجه الله الكريم، وهنا ندرك أن لله وله المثل الأعلي يد، ولكن ليس ككل الأيدي، وهذا موضوع كبير عند علماء الكلام في تأويل النص المتشابه، وليس النص المحكم. وأما فيما يخص المنطقة المحرمة فقال: المنطقة المحرمة عند علمائنا الأوائل الذين كانوا يعرفون معني الدين، ومعني الشريعة الغراء هي التي لا يجترئ عليها ولا يقترب منها أحد أبدا أما في باب الاجتهاد سواء في علوم الدنيا أم علوم الدين فنحن مأمورون بالاجتهاد ولا يوجد فصل بين الدين والدنيا، ولكن نحتاج إلي البحث عن فقه المقاصد في الشريعة الغراء، وهناك من يجتهد في استنباط الحكم الشرعي، ولابد أن يكون عالما بالمقاصد والقواعد الأصولية التي تضبط اجتهاد الفقيه مثل النحو عندما يضبط لغة المتحدث، والنحو والصرف عندما يضبطان لغة المتكلم، والقواعد الأصولية مع المقاصد تضبط استنباط الحكم الشرعي. ويعطينا سيدبي مثلا للقاعدة الأصولية فيقول: قاعدة لا ضرر ولا ضرار وفي ضوء هذه القاعدة يجتهد العلماء في حكم التدخين، هل له ضرر؟ فنجد بعض العلماء يقول هو في مرتبة الكراهة، والبعض يقول انه في مرتبة التحريم، وفي ذلك يجتهد المجتهدون، ومثلها قاعدة الضرورات تبيح المحظورات عند أصول الفقه.

وأما فيمن يدعي ويفتي بغير علم علم فقد قال عنه سيدبي: هذا هو الضرر بعينه وهم كثر وبضاعته من العلم مفلسة، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، كان العلماء الأوائل عندما يسأل أحدهم كان يفتي في مسألة ويعتذر عن مئات المسائل لأنه يعرف أن الفتوي في الدين أمر جلل وسيحاسب عنه. وهذا يعني في رأي سيدبي أن الإسلام لا يريد إنسانا متبلدا يأخذ ويتلقي فقط ثم ينفذ، لكن يعطيه لمحة للتأمل ودعوة للنظر والبحث، قال تعالي قل سيروا في الأرض فانظروا ونحن ندعو إلي تجديد الخطاب الديني لكن لابد أيضا من عدم إطلاق العنان لمن لا يعرف أن يتحدث باسم الدين.

وأما عن مواصفات الداعية في رأي سيدبي فيقول: لابد للداعية أن يكون رصينا، يعرف لغة عصره وأمته وقضاياها، ولديه ثقافة متنوعة وثرية من علم النفس والفلسفة، وأن يكون متخصصا في بابه الأصيل ومتمكنا فيه حتي يستطيع أن يقتحم عقل ونفس الانسان المعاصر حيث أن لديه تحديات من النظريات العلمية وإبداعات الحضارة الجديدة، لذلك لابد لمن يتصدى للخطاب الديني أن يواكب العصر ويواكب الرأي والرأي الآخر، ويستفيد من علوم العصر لا أن يكون متخلفا.

وهذا يعني أن الخطاب الديني في نظر سيدبي يتضمن ثلاثة عناصر: عالما ورسالة ومتلقيا؛ بمعني أنه لا بد أن يكون هناك نوع من التفقه في الدين أو الفقه العام لأحداث العصر بالعلم وذلك بشرط أن يكون هناك دعوة، وفقه الدعوة ليكون علي علم بما يقال للعامة ولا يقال للخاصة ومتي يقول الكلمة، وفي أي موضع يقولها، فيكون العالم واعيا بقانون التوازن في الدعوة، ما بين الترغيب والترهيب، فتجديد الخطاب الديني يحتاج إلي لغة جديدة في الخطاب، وطرح القضايا والموضوعات التي تساهم في بناء عقلية إسلامية معاصرة تجمع بين الدين والدنيا. وهذا المنهج العظيم الذي في لغة الخطاب فيه توازن وتناغم قال تعالي وابتغي فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسي نصيبك من الدنيا فتلك التعادلية بين الدنيا والآخرة لابد أن تتضمنها لغة الخطاب حتي نستطيع أن ننتج جيلا متوازنا ومتناغما يستطيع أن يساهم في إبداعات الحضارة.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة يؤكد عليها سيدبي وهي أن تجديد الخطاب يجمع بين العلم والأخلاق في بوتقة واحدة ويبرر ذلك قائلا:" مناط الدعوة الإسلامية أو القرآن الكريم مبني علي النظرية الأخلاقية أو القيمة الأخلاقية يقول رسول الله (صلي الله عليه وسلم) إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، ومنظومة العلوم عند العرب والمسلمين كان لها باع طويل في مزج القصة الأخلاقية بالعلم، لذلك لابد من العقلية العلمية والإسلامية أن تجمع بين الأخلاق والعلم في لغة الخطاب، والخطاب الديني لأن الدين في نظر سيدبي هو  هو المحرك للشعوب.. المحرك للأمة ولا يمكن أن يتقدم المجتمع ويحقق الآمال بدون التمسك بالدين، بعبقريته وبعظمته وبجماله، الأمة تعاني من انهيار أخلاقي ولابد من تجديد في الخطاب الديني حتي ننقذ الأمة، وذلك من خلال هدفي النبي (صلي الله عليه وسلم) وإنك لعلي خلق عظيم ولابد أن ننتقل من التنظير إلي التطبيق، ومن الكلام إلي السلوك وهذه تحديات. ويستطرد سيدبي فيقول: الآن الفرصة سانحة من خلال وسائل التقنية المعاصرة من وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، فلو أجرينا إحصائية علي مستوي العالم الإسلامي لوجدنا أن الأمة الإسلامية تضيع أوقاتها للأسف فيما لا يثمن ولا يغني من جوع، والخطاب يجب أن يرشد الأمة نحو استثمار الوقت، نحو المحافظة علي ممتلكات الدولة والأمن العام، حيث إن تلك الممتلكات يجب أن تكون جزءا من تجديد الخطاب.

ويؤكد سيدبي بأن المرجعية التي بإمكانها أن تنهض بهذه المهمة هو الأزهر الشريف الذي يمثل مرجعية مهمة حيث يمثل الوسطية للأمة والمسلمين في العالم وتعقد الآن دورات لشباب الدعاة نحو آليات التجديد للخطاب وثقافة الداعية؛ فلا بد من من إعداد الخطيب نفسيا وثقافيا وتربويا ونمده بالكتب والمراجع ولو الأمر بيدي لأعطيتها له مجانا، ولغة الخطاب تكون من خلال التطبيق العملي في سلوكه، وأن يكون أمينا فيما يقول وما يفعل، أن يكون متنوع الثقافات، ولنا في ذلك مثل أعلي في الشيخ الشعراوي رحمه الله نراه كيف يدخل في علم الكيمياء والفيزياء والأحياء أو الكون والفلك والأجمل أنه يربط الأشياء بالدين ويظهر جمال الدين فيها.

ثم يقدم لنا بعد ذلك سيدبي وسائل تجديد الخطاب الديني، حيث يري أنه من الوسائل المهمة لتجديد الخطاب الديني التنوع مع اليسر فمن الأمور المؤسفة في نظر سيدبي أن البعض لا يحسن عرض الإسلام ومن لا يملك النصاب فكيف يزكي؟ ومن ثم ينبغي أن تتنوع وسائل الخطاب الديني في حياتنا المعاصرة وفيما نعتقد أن الطريقة الوعظية المباشرة لم تعد هي الطريقة الوحيدة وإنما هناك وسائل أخري أشد تأثيرا في النفس، مثل الأعمال الدرامية الجادة التي تهدف إلي إبراز قيم وجماليات الإسلام في حسن الإنسان المعاصر واعتقد أننا في امس الحاجة إلي هذا في ظل التحديات الشائكة والمعقدة.

كما أن الخطاب الديني كما يري سيدبي في حاجة إلي أن يجدد نفسه، وبخاصة الدعوة والتأكيد علي القضايا التي هي بمثابة قاسم مشترك بين شعوب الأرض قاطبة مثل الدعوة إلي الحب الإنساني بمعانيه السامية، الدعوة إلي مكارم الأخلاق، الدعوة إلي الحب الإنساني بمعانيه السامية، الدعوة إلي مكارم الإخلاق، الدعوة إلي الأخد بالعلم، الدعوة إلي التعاون، الدعوة إلي المساهمة في سعادة إنسان العصر، ويؤكد سيدبي أن هذه القواسم المشتركة بين كافة الشعوب ومن ثم فإن هذه الموضوعات وطرحها بطريقة عصرية مشوقة جديرة بأن تغير نظرة الغرب عنا ونحن محتاجون إلي أن يغير الغرب نظرته عنا بالفعل لأننا نحتاج إليها وهم يحتاجون إلينا ولا غني لأحد عن الآخر ويجب أن ننبذ ظهريا فكرة الدونية عن انفسنا، وأن نعود الغرب علي عدم النظر إلينا باستعلاء نتاج موروثه الحضاري.

أيضا من الأمور المهمة لتجديد الخطاب الديني في حياتنا المعاصرة كما يري سيدبي: إفساح المكان للخطاب الديني المستنير والمعتدل والمتوازن لكي يتبوأ مكانته عبر وسائل الإعلام المختلفة لأن الأمم العظيمة هي التي تحافظ علي هويتها والإسلام هو خير سياج للمحافظة علي بنائنا الاجتماعي في ظل متغيرات سريعة وعولمة عاتية لا ترحم – إلا من رحم ربي، ومن ثم فإن إفساح المكان والزمان للخطاب الديني في وقتنا المعاصر لمن المهام العظام التي ينبغي أن نتحلي بها في حياتنا المعاصرة.

من مهام الخطاب الإسلام المعار في نظر سيدبي تحديد الهدف والبعد عن الخلافات فثوابت الإسلام وأصوله واضحة ولا مانع من أن يجتهد حول الفروع وينبغي أن يكون واضحا أن الاختلاف آفة الأمم والشعوب، والأمة الناضجة هي التي تتوحد حول الهدف المنشود، ومن ثم فإن توحد الأمة عل قلب رجل واحد لمن مهام الخطاب الديني المعاصر وهذا ما تعلمناه عبر تاريخنا الحضاري.

من المهام الكبري لتجديد الخطاب الديني في حياتنا المعاصرة ما يطلق عليه سيدبي فقه الأولويات، وهنا في نظره ينبغي علي رجل الفكر والدعوة أن يكون عالما بصيرا بأمراض الأمة، فرجل الفكر والدعوة مثل الطبيب الذي يصف العلاج الناجع للمريض وكما يقولون لكل مقام مقال، ومن ثم فلا يقم نافلة علي فرض ولا مندوبا علي واجب، ويجب أن نسلط الضوء علي القضايا الكبري للمة مثل التكافل الاجتماعي والنهوض الاقتصادي والتقدم العلمي وبث روح العمل والعطاء .. أو الإخلاص والتفاني في حب الوطن لمن أعظم المهام لرجالات الدعوة والفكر لتجديد الخطاب الديني.

تحيةً للدكتور جمال سيدبي، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.

وتحيةً مني لرجل  لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا فيه قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علي (رسالة المحاماة)

نعود ونكمل حديثنا عن فيلسوف المحاماة والمحامين في هذا المقال الثاني، والذي نستهله بمفهوم المحاماة في فكر الأستاذ رجائي عطية، وذلك كما ورد في كتابه رسالة المحاماة، فهو في هذا الكتاب يحدثنا حديثا قد يبدو غريباً عما تعودناه .. فهو يحدثنا فيه عن المحاماة التي كانت والتي يجب أن تكون .. ومرجع هذا الحرص هو إيمانه الشديد بأن جيلنا يسلم الراية عالية خفاقة للأجيال القادمة، وبالتالي لا تأخذنا الدهشة حينما يتحدث رجائي عطية عن أشياء لم تعد موجودة الآن، لماذا؟ لأن مهمتنا كما يقول :" أن نتقدم بالمحاماة وأن نلزم كل من نتعامل معه بأنها تمثل رسالة .. رسالة ينهض بها المحامون فرسان الحق والكلمة .. يخوضون فيها الغمار، ويسبحون ضد التيار! .. يحملون راية العدل قي صدق وأمانة وذمة ووقار.. يناصرون الحق ويدرأون الظلم.

وكلمة رسالة في نظر رجائي عطية لا تقال هنا اعتباطا فلا هي في نظره مهنة ولا حرفة ولا صنعة، وإنما هي بالفعل في نظره رسالة كرسالات الأنبياء والرسل.. فحينما نفهم ونعرف ما هي المحاماة! وكيف يجب أن تكون كما كانت وأحببناها!!، من أجل ذلك سنفهم الفارق الواضح كما يقول رجائي عطية "بين ما سوف نطرحه وبين المعاناة الجارية"، وله في هذا الأمر هدفين (وهو يعتبر نفسه قد نجح إذا ما وصل لتحقيق كل منهما)، الهدف الأول ويوجهه رجائي عطية لكل المحامين في الشرق والغرب فيقول : عليكم أن تحبوا وتعشقوا المحاماة، فلا رجاء للمحاماة ولا رجاء للمحامي، إلا إذا كانت المحاماة هي المعشوقة، والمحامي هو العاشق، وهذا العشق هو وحده الذي يكفل التقدم بالمحاماة والنهوض برسالتها، أما الشق الثاني والمطلب الثاني الذي نسعي إليه وهو أن نقدم من واقع خبرته التي تجاوزت حوالي 60 سنة في ممارسة هذه الرسالة مفاتيح أدائها أو مفاتيح المعرفة التي يجب أن تتوافر فيها.. مفاتيح التعامل في محرابها .. مفاتيح التعامل في ساحات المحاكم... مفاتيح التعامل في غير محاكم نيابات كانت أو سلطات استدلال .. مفاتيح الأداء .. مفاتيح المرافعة .. مفاتيح الإلقاء" .

هذه بعض مفاتيح أداء رسالة المحاماة كما يؤكد رجائي عطية، ولكن من حقنا أن نسأله: ما مرجع إصراره علي أن المحاماة رسالة،، وما الفارق الذي بيننا وبين الطبيب أو المهندس، أو الحرفي أو الصيدلي أو الباحث في العلوم، أو الزراعي.. وهلم جرا؟

ويجيبنا قائلاً :" كل هؤلاء المهنيون أو الحرفيون يؤدون عملاً جديراً بالاحترام، ولم يزعم أحد منهم أن قيامهم بما يقومون به يدخل في باب الرسالة" .

وهنا نسأل رجائي عطية لماذا يصر علي أن المحاماة رسالة.. ويجيبنا قائلاً :" لأن المحاماة نيابة ودفاع وحماية للغير"، ولفظ الغير هنا في رأي رجائي عطية هو مفتاح الرسالة والفارق بين أي مهني وبين المحامي، أن المحامي في رأيه لا يعمل لحساب ذاته، وإنما يعمل علي الدوام للغير ونيابة عن الغير ودفاعاً عن الغير وحماية للمحاماة لحقوق الغير، ومن أجل هذا كانت المحاماة في نظر رجائي عطية رسالة، وهذه الرسالة لا يمكن أن يقوم بها من يؤثر أن يسير في الصف، والمقصود يسير في الصف في نظره ؛ أي أنه يستطيع الموظف أن يذهب إلي عمله في ميعاده، ويؤدي العمل الموكول إليه،  وينتظر العلاوة في موعدها والترقية في موعدها، أو يسعي إلي سفرية أو بدل سفر  ... الخ.. ولكنه يظل في طابور.

أما المحامي كما يؤكد رجائي عطية فلا يمكن أن يكون في طابور ولا يمكن أن ينفع في هذا الطور، والسبب لأنه يجب علي المحامي أن يغرد خارج السرب، والمقصود بالتغريد خارج السرب هنا كما يقصده الأستاذ رجائي عطية أن المحاماة تقوم بعمل مجيد جداً ومتميز جداُ؛ بحيث لا يستطيع الأوساط من البشر (أي متوسطي الكفاءة أو العلم والمعرفة) أن يقوم بها .

وهنا نسأل الأستاذ رجائي عطية لماذا ؟ ويجيبنا لأن المحامي قد يتحدث إلي قضاة قد يكونوا أسبق منه تخرجاً وأكبر منه سناً وأعرق منه خبرة، ولكن المطلوب منه في مرافعته الشفوية أو المكتوبة أن يزحزح عقيدة ربما تكونت في ذهن القاضي أو القضاة، وهذه الزحزحة لا يمكن أن ينجح فيها أحد إلا أن يكون من المتميزين، والتميز في نظر رجائي عطية هنا ليس مجرد شعار أو حلية، وإنما التميز يمثل واقع، وهذا الواقع هو أساس  مشروعية المحاماة، فالمحامي في نظر شأنه شأن الذي يقف في الطابور أو شأن الموكل الذي لجأ إليه أو شأن القاضي الذي يترافع أمامه وشأن وكيل النيابة ... الخ وإلا كما يقول رجائي عطية فقد مشروعية وجوده ووجود المحاماة .لماذا؟ يقول رجائي عطية : لأنه يحلق فوق السحاب ليصل بقناعة المتلقين عنه إلي ما يبتغي أن يدخله في صفحة ثانية، استحالة ينهض علي ذلك ويحققه إلا إذا كان متميزا ولابد أن يقتنع المحامي والمحامين أنه يتعين عليه أن يكون متميزا لأنه في هذا التميز كما يري رجائي عطية يمثل مشروعية الوجود... مشروعية الضوء ... مشروعية الأداء ... مشروعية الرسالة.

وهنا نسأل رجائي عطية : كيف يحدث هذا التميز؟ ويجيبنا : التميز موهبة والموهبة كما قد تكون مخلوقة هي أيضا نتيجة دربة ومران .. نتيجة صبر ورياضة للنفس .. نتيجة اطلاع وقراءة وتحرك في الحياة بما أسميه "شوق" إلي المعرفة ..هذا هو الفارق بين المحامي وبين من سواه لأنه يتحرك في حياة تملؤها أشواق المعرفة، وهذا الشوق هو الذي يجعله لا يترك شيئاً يمر أمامه دون أن يسعي إلي معرفته، وهذا السعي الحثيث، هو الذي يكون التراكمات الثقافية التي تجعل من المحامي صورة متميزة .

ثم يؤكد رجائي عطية بأنه سيبقي رائعاً وعظيماً ومنشوداً أن يكون العدل مهجة وضمير وغاية ولسان وقلم القاضي فيما به يحكم، بيد أنه ليس يكفي المحامي أن يكون العدل مهجته وضميره وغايته، وإنما عليه أن يكون مفطوراً علي النضال من أجله، وأن يسترخص كل عناء، ومجاهدة وخطر في سبيل الوصول إليه، القاضي حسبه أن يقتنع بالعدل فيحكم به، فالكلمة به صادرة من لسانه وقلبه، ثم هو محصن بالاستقلال والحصانة القضائية وبالمنصة العالية التي إليها يجلس، أما المحامي فيخوض غماراً عليه أن يقف فيه شامخاً منتصباً رغم أنه بلا حماية أو حصانة، يكافح من أجل الحق الذي ينشده ويستصغر في سبيله مصالحه ويستهين بما قد يصيبه في شخصه وحريته، وربما في حياته نفسها، وتاريخ المحاماة شاهداً علي ذلك في كل العصور!

لذلك كانت المحاماة في نظر رجائي عطية رسالة تستمد هذا المعني الجليل من غايتها ونهجها .. فالمحامي يكرس موهبته وعلمه ومعارفه وقدراته لحماية "الغير" والدفاع عنه ..قد يكفي المهندس أو الطبيب أو الصيدلي أو المحاسب أو المهني بعامة أن يملك العلم والخبرة، والجد والإخلاص والتفاني، وعطاؤه مردود إليه .. معني " الغير" والتصدي لحمايته والدفاع عنه ليس حاضراً في ذهن المهني أو الحرفي، ولكنه كل معني المحاماة وصفحة وعي المحامي .. الداعية الديني مسلماً كان أو مسيحياً يجلس إلي جمهور المتلقين المحبين المقبلين الراغبين في الاستماع إليه، لا يقاومون الداعية ولا يناهضونه، ولا يناصبونه عداء ولا منافسة، أما المحامي فإنه يؤدي رسالته في ظروف غير مواتية ما بين خصم يناوئه، ورول مزدحم قد يدفع إلي العجلة أو ضيق الصدر، ومتلقِِ نادراً ما يحب سماعه، وغالباً ما يضيق به، وقد يصادر عليه، يري أنه يستغني بعلمه عن الاستماع إليه !! لذلك كانت المحاماة رسالة، الكلمة والحجة أدائها والفروسية خلقها وسجيتها .

ويستطرد رجائي عطية فيقول : يستطيع المهني أن يؤدي مهمته متي دان له العلم والخبرة بتخصصه بالطب إذا كان طبيباً، فذلك يكفيه للتشخيص وتحديد العلاج، وبالهندسة إذا كان مهندساً، فذلك يكفيه لإفراغ التصميم ومتابعة التنفيذ وهكذا، أما المحامي فلا يكفيه العلم بالقانون وفروعه ولا تكفيه الموهبة وهي شرط لازم، وإنما يتوجب عليه أن يكون موسوعي الثقافة والمعرفة، لأن رسالته قائمة علي " الإقناع" يتغيا به التأثير في وجدان غيره، والوصول إلي غاية معقودة بعقل وفهم وضمير سواء، وهذه الغاية حصاد ما توفره الموهبة ويدلي به العلم وتضافره الثقافة والمعرفة مجدول ذلك كله في عبارة مسبوكة وشحنة محسوبة لإقناع المتلقي، وما لم يصل المحامي إلي الإقناع، فإن مهمته تخفق في الوصول إلي غايتها. لذلك فإن المحامي لا يمكن أن يكون من الأوساط أو الخاملين، وإنما هو شعلة نابهة، متوقدة، متيقظة، موهوبة، ملهمة، مزودة بزاد من العلوم والمعارف لا ينفذ، مستعدة علي الدوام لخوض الصعب وتحقيق الغاية مهما بذلت في سبيلها ما دامت تستهدف الحق والعدل والانصاف.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل فلسفة الأستاذ رجائي عطية بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة لرؤيته ورؤاه في فلسفة المحاماة والمحامين.

تحيةً مني لأستاذي رجائي عطية الذي لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في رجائي عطية قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين"، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنسانا نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.... وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

بليغ حمدي اسماعيل (التَّجْرِبَةُ الصُّوفِيَّةُ بَيْنَ العَقْلِ والقَلْبِ)

1 ـ بِطَاقَةُ تَعَارُفٍ:

 (قلْبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتلِفي    ***    روحي فداكَ عرفتَ أمْ لمْ تعرفِ

لم أقضِ حقَّ هَوَاكَ إن كُنتُ الذي *** لم أقضِ فيهِ أسى ً، ومِثلي مَن يَفي

ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ، *** في حبِّ منْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ

فَلَئنْ رَضيتَ بها، فقد أسْعَفْتَني؛   ***  يا خيبة َ المسعى إذا لمْ تسعفِ

يا مانِعي طيبَ المَنامِ، ومانحي ***  ثوبَ السِّقامِ بهِ ووجدي المتلفِ)

كل شخوص المشهد الصوفي في تاريخ الإنسانية يسبق الحديث عنهم تقدمة يسيرة إلا سلطان العاشقين عمر بن الفارض، فأبياته وحدها كفيلة بخير تقديم له، وكلما اقترب المطالع والمريد والمحب من سبر أغوار التصوف كلما اصطدم بمقام المحبة التي يعد عمر بن الفارض خير وأصدق تمثيل لهذا المقام بغير منافسة أو اشتراك أو منازعة .

إن عمر بن الفارض كما يقول عنه رائد الدراسات الصوفية جوزيبي سكاتولين ليس بمجهول في الأوساط الصوفية وغير الصوفية أيضاً عربية أم غير عربية، فهو علم من أعلام التصوف الإسلامي، ويكاد وحده الملقب بسلطان العاشقين، مثله في الانفراد كمثل محي الدين بن العربي الذي لقب بسلطان العارفين علماً وحكمة وتجربة استثنائية متفردة . وعمر بن الفارض يعد أحد أقطاب الصوفيين الوحيدين الذين ولدوا في القاهرة ونشأ بها وترعرع وصار صاحب حال ومقام وبها توفي أيضاَ، وله من الأسماء والكنى والألقاب ما تشتهيه الأسماع، فاسمه عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي، وكنيته أبو القاسم، وأبو حفص، ولقبه شرف الدين، وله من النسب حبل متصل ببني سعد، وبنو سعد هم قبيلة السيدة حليمة السعدية مرضعة رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) .

ولقد عاصر عمر بن الفارص أحداثاً مجيدة في التاريخ الإسلامي، أو تلك الحقبة التي شهدت انتصارات عرفت بالنصر الإسلامي، فالبداية أنه أينع زهره في فترة الصعود البطولي للناصر صلاح الدين الأيوبي لسدة مجده وذروته، وعاش في ظل وكنف الملك الكامل في مصر، وشاء الله أن يقبض روحه قبيل سقوط الدولة الأيوبية العتيقة على أيدي المماليك .

والحياة العلمية والبيئة الصوفية والمعرفية لم تكن بجديدة على عمر بن الفارض، حيث تذكر كتب التأريخ لأقطاب ومشاهير الصوفية أن أباه عمل بالفقه حتى أصبح فقيهاً مشهوراً لاسيما وأنه صاحب قضية إثبات ما فرض للنساء على الرجال من حقوق، فكان بذلك أشهر رجال عصره من الفقهاء ولقب في هذا الوقت تحديداً بالفارض، وتولى بعد هذا الإثبات الفقهي نيابة الحكم، ومن الدهشة أن نرى كيف عُرض عليه أن يتولى منصب قاضي القضاة في مصر، وهو أسمى وأرفع المناصب في الحكم، لكنه أبى وانقطع للعبادة في قاعة الخطابة بالجامع الأزهر وظل كذلك حتى مات . وهذا الأب الذي آثر الزهد في المنصب والولاية وفضل الورع والتقوى والانقطاع للعبادة والتفكر والاطلاع والبعد كل البعد عن مظاهر الجاه والسلطان وفتنة الدنيا كان كفيلاً لأن يكون خير مرشد ومرب لهذا الفتى الذي سيصير فيما بعد سلطاناً للعاشقين ومحباً بغير انقطاع أو ملل . يقول بن الفارض:

( ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا *** سر أرق من النسـيم إذا سرى

وأباح طرفي نظرة أملتها         *** فغدوت معروفا وكنت منكرا

فدهشت بين جماله وجلاله      *** وغدا لسان الحال مني مجهرا) .

وواصل عمر بن الفارض رحلته وسياحته العلمية والمعرفية في مصر، ولك أن تعرف أنه تعلم الحديث على يدي واحد من كبار محدثي عصره وهو العلامة الشافعي أبو محمد القاسم بن علي بن عساكر الدمشقي .. والغريب في أمر شهرة عمر بن الفارض أنه لم يترك لنا من آثار تجربته الصوفية سوى ديوان واحد فقط اشتمل على ست عشرة قصيدة، ولم يعثر له على أية رسالة أو كتاب صغير يمكن أن نتلمس آثار تلك التجربة والرحلة الروحية توضح لنا مذهبه واتجاهه الصوفي، ورغم ذلك يظل أرق من تحدث عن العشق الإلهي.

2 ـ العَصْرُ الذَّهَبِيُّ للتَّصَوُّفِ:

ولقد ولد عمر بن الفارض في القرن السابع الهجري، وهو القرن المعروف تاريخياً بالقرن الذهبي للتصوف الإسلامي، إذ أن التصوف وصل فيه إلى قمة  التعبير عن نفسه في مختلف نشاطه عملاً وفكراً . والواقع أن هذه الحقبة كما يشير المؤرخون ظهر فيها أساطين وأقطاب التصوف الإسلامي عبر عصوره، ومنهم عبد القادر الجيلاني، ومحي الدين بن عربي، وأبي حفص السهروردي، وشهاب الدين السهروردي،  وجلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار، ويونس إمري،  وشاعرنا الصوفي الكبير عمر بن الفارض .

وفي هذا القرن الاستثنائي في تاريخ التصوف اتخذ التصوف الإسلامي ملامح جديدة ومغايرة للقرون السابقة، فأصبح للتصوف بعد نظري واضح وعميق عما كان عليه من قبل، وفي هذا القرن انفتح التصوف الإسلامي على تجارب ثقافية ومعرفية متميزة ومتباينة أيضاً، فتأثر بكثير من التيارات الفكرية والدينية المنتشرة في ذلك الزمان، ولقد تأثر التصوف الإسلامي جد التأثر في هذا القرن بالتيارات الإيرانية الدينية لاسيما التي عرفت بحكمة الإشراق . ولا شك أن هذه التيارات المختلفة استطاعت أن تكسب التجربة الصوفية المعرفية أنماطاً معرفية جديدة وعمقاً وسعة وشمولية في التفكير لم يعرفها من قبل على حد توصيف المستشرقين بذلك . وفي هذا القرن وجدنا التصوف الإسلامي يطلق العنان لتجاربه والتي تجسدت في ميادين أخرى غير التأليف النثري وبيان الأحوال والمقامات، مثل الشعر والموسيقى والفن المعماري .ولقد أطلق على هذا العصر لقب عصر التصوف الفلسفي .

3 ـ التَّائِيَّةُ .. رِحْلَةُ ابن الفَارِضِ تِجَاه المَعْرِفَةِ:

وكعادة أهل الحب، أعني الصوفيين نجد كلامهم غامضاً بعض الشئ وهم يصفون تجربتهم ويتحدثون عن تفاصيلها، وهو ما نلمحه في قصائد ابن الفارض التي تفوح منها الغموض والمدلولات غير المفسرة لمعانيها المقصودة، ومن ذلك قصيدته الأشهر المعروفة بالتائية الكبرى، والتي يقول فيها:

( سقتني حميَّا الحبِّ راحة َ مقلتي *** وكأسي محيَّا منْ عنِ الحسن جلَّتِ

فأوهمْتُ صَحبي أنّ شُرْبَ شَرَابهِم *** بهِ سرَّ سرِّي في انتشائي بنظرة ِ

وبالحدقِ استغنيتُ عنْ قدحي ومنْ *** شمائلها لا منْ شموليَ نشوتي

ففي حانِ سكري، حانَ شُكري لفتية ٍ *** بهمْ تمَّ لي كتمُ الهوى مع شهرتي) ..

وفي هذه القصيدة الشهيرة تنقسم التجربة الصوفية عند عمر بن الفارض إلى ثلاث مراحل رئيسة، هي: مرحلة الفَرْقِ وفيها يصف الشاعر الصوفي  حالة التفرقة والتمييز عن محبوبه الذي يخاطبه هو بلغة حب عميقة وواسعة، ومرحلة الاتحاد وفيها يصف الشاعر حالة الوحدة بينه وبين محبوبه، أما المرحلة الأخيرة والمسماة بالجمع فيصف الشاعر فيها حالة الوحدة والاندماج بين ذاته هو وكل الموجودات . ويجتهد جوزيف سكاتولين في رصد لغة الحب في تائية ابن الفارض، حيث يقوم بدراستها دراسة دلالية حيث أشار إلى تعدد الدلالات اللفظية للأصول اللغوية: ( حـ ـ ب ـ ب)،   و( حـ ـ بٌ)، و(هـ ـ وـ ى)، و( وـ ل ـ ي) وهي الأصول اللغوية الثابتة التي تشكل مراحلة الثلاث التي سبق سردها .

بجانب بعض الألفاظ التي تشكل محوراً مهماً في القصيدة الأهم في الشعر الصوفي المعروفة بالقصيدة التائية لابن الفارض، ومن هذه الألفاظ: (نفس ـ روح ـ ذات)، وحينما نجد ابن الفارض يتحدث عن ذاته فهو يكشف عن ذاتيته العميقة من خلال عملية يندمج بها مع حبيبته، وهي عملية يسميها النقاد وأهل التأويل النصي بالصيرورة نحو الذات، ولقد عبر عمر بن الفارض عن هذه الصيرورة بعباراته مثل: أنا إيَّاها، وهي إياي، وأخيراً أنا إياي .

ولفظتا نفس وروح من الألفاظ المحورية في شعر عمر بن الفارض وفي الغالب يأتيان دوماً في موقع التوكيد لضمير المتكلم ( أنا)، أو في موقع الإضافة إليه مثل: نفسي وذاتي . أما كلمة (روح) فكما يشير جوزيبي سكاتولين في شرحه لديوان بن الفارض فليس له استعمال كاسم توكيد للأنا، وكثير من اعتاد الحديث عن مفهوم الحب والعشق في قصائد عمر بن الفارض، رغم أن جون آرثر آربري (1973) أشار إلى أن قمة التجربة الصوفية عند ابن الفارض لا يمكن اختزالها فقط في تجربة العشق الإلهي، بل تبلغ القمة مداها حينما نجد الشاعر نفسه يتحدث عن الأنا الجمعي، وهذه الأنا نفسها اللفظ المركزي في قصائده بغير منازع، وربما مقصد التجربة الصوفية الروحية لعمر بن الفارض الأسمى هو الاكتشاف والتحقيق لذاته لأبعد حدود لها . يقول ابن الفارض في تائيته:

(ولولا حِجابُ الكَونِ قُلتُ وإنَّما

                   قيامي بأحكامِ المظاهِرِ مُسْكِتي

فلا عَبَثٌ والخَلْقُ لم يُخلَقوا سُدىً

                   وإنْ لم تكُنْ أَفعالُهُمْ بالسديدَة

على سِمَةِ الاسماءِ تَجري أمورُهُمْ

                   وحِكْمَةُ وصْف الذاتِ للحكم أجرَت

يُصَرِّفُهُمْ في القبضَتَيْنِ ولا ولا

                   فقَبْضَةُ تَنْعِيمٍ وقَبْضَةُ شِقْوَة

ألا هكذا فلتَعرِفِ النّفسُ أو فلا

                   ويُتْلَ بها الفُرقَانُ كُلَّ صبيحة)

وسرعان ما يتحول مركز الثقل في تجربة عمر بن الفارض الصوفية والتي عبر عنها بالشعر من الأنا إلى بحار الجمع، فيتخذ من الأنا الفردية سلماً للصعود إلى الأنا الجمعي أو الأنا الجمعية، وعن هذا نجده يقول:

( فبي دارت الأفلاك فاعجب لقطبها  *** المحيط بها والقطب مركز نقطةِ

ولا قطبَ قبلي عن ثلاث خلفته **** وقطبية الأوتاد عن بدليتي) .

4 ـ الاتَّجَاهُ صَوْبَ القَلْبِ:

وإن كان حديث المعرفة قد تم الإغفال عنه كرهاَ من جاب الذين اهتموا بتاريخ التصوف الإسلامي لاسيما  عند الإشارة إلى عمر بن الفارض كونه شاعراً، فإن تجربة العشق الإلهي هي الأبرز والأكثر حضوراً ونحن إزاء سلطان العاشقين، ولما لا، وقصائد عمر بن الفارض تحتل المكانة الكبرى في أشعار المتصوفة من ناحية، وقصائده التي تناولت هذا المنحى لها النصيب الأكبر من الاحتفاء والاهتمام نقداً وإنشاداً ودراسة من ناحية أخرى، يقول عمر بن الفارض:

(شربنا على ذكر الحبيب مدامة **** سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم

لها البدر كأس وهي شمس يديرها *** هلال وكم يبدو إذ مزجت نجم

ولولا شذاها ما اهتديت لحانها *** ولولا سناها ما تصورها الوهم)

والمحبة عند الصوفية أمر يحتاج إلى تفسير دائم لاسيما وأن كثيراً من الأقلام المتطرفة تأخذه بجانب يخرج صاحبه عن الملة والمعتقد، فالحب عند أهل الحب وهم المتصوفة الأماجد حب لله وهو كما قال عنه الإمام المحاسبي حب محكم رصين، ودوام الذكر بالقلب واللسان لله وشدة الأنس بالله، وقطع كل شاغل شغل عن الله، وتذكار مستدام للنعم . وللإمام المحاسبي نص في ذلك، يقول فيه: " إنَّ أَوَّلَ الْمَحَبَّةِ الطَّاعَةُ وَهِيَ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ حُبِّ السَّيِّدِ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ كَانَ هُوَ الْمُبْتَدِئُ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَ عَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ وَدَلَّهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ عَلَى غِنَاهُ عَنْهُمْ فَجَعَلَ الْمَحَبَّةَ لَهُ وَدَائِعَ فِي قُلُوبِ مُحِبِّيهِ، ثُمَّ أَلْبَسَهُمُ النُّورَ السَّاطِعَ فِي أَلْفَاظِهِمْ مِنْ شِدَّةِ نُورِ مَحَبَّتِهِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ عَرَضَهُمْ سُرُورًا بِهِمْ عَلَى مَلائِكَتِهِ حَتَّى أَحَبَّهُمُ الَّذِينَ ارْتَضَاهُمْ لِسُكْنَى أَطْبَاقِ سَمَوَاتِهِ نَشَرَ لَهُمُ الذِّكْرَ الرَّفِيعَ عَنْ خَلِيقَتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ مَدَحَهُمْ، وَقَبْلَ أَنْ يَحْمَدُوهُ شَكَرَهُمْ لِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِيهِمْ أَنَّهُ يَبْلُغُهُمْ مَا كَتَبَ لَهُمْ، وَأَخْبَرَ بِهِ عَنْهُمْ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ إِلَى خَلِيقَتِهِ وَقَدِ اسْتَأْثَرَ بِقُلُوبِهِمْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَدَّ أَبْدَانَ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْخَلِيقَةِ، وَقَدْ أَوْدَعَ قُلُوبَهُمْ خَزَائِنَ الْغُيوبِ، فَهِيَ مُعَلَّقَةٌ بِمُوَاصَلَةِ الْمَحْبُوبِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ وَيُحْيِيَ الْخَلِيقَةَ بِهِمْ أَسْلَمَ لَهُمْ هِمَمَهُمْ، ثُمَّ أَجْلَسَهُمْ عَلَى كُرْسِيِّ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَاسْتَخْرَجُوا مِنَ الْمَعْرِفَةِ الْمَعْرِفَةَ بِالأَدْوَاءِ وَنَظَرُوا بِنُورِ مَعْرِفَتِهِ إِلَى مَنَابِتِ الدَّوَاءِ، ثُمَّ عَرَّفَهُمْ مِنْ أَيْنَ يَهِيجُ الدَّاءُ، وَبِمَا يَسْتَعِينُونَ عَلَى عِلاجِ قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِإِصْلاحِ الأَوْجَاعِ، وَأَوْعَزَ إِلَيْهِمْ فِي الرِّفْقِ عِنْدَ الْمُطَالَبَاتِ، وَضَمِنَ لَهُمْ إِجَابَةَ دُعَائِهِمْ عِنْدَ طَلَبِ الْحَاجَاتِ نَادَى بِخَطَرَاتِ التَّلْبِيَةِ مِنْ عُقُولِهِمْ فِي أَسْمَاعِ قُلُوبِهِمْ، أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: " يَا مَعْشَرَ الأَدِلاءِ، مَنْ أَتَاكُمْ عَلِيلا مِنْ فَقْدِي فَدَاوُوهُ، وَفَارًّا مِنْ خِدْمَتِي فَرُدُّوهُ، وَنَاسِيًا لأَيَادِيَّ وَنَعْمَائِي فَذَكِّرُوهُ، لَكُمْ خَاطَبْتُ لأَنِّي حَلِيمٌ، وَالْحَلِيمُ لا يَسْتَخْدِمُ إِلا الْحُلَمَاءَ وَلا يُبِيحُ الْمَحَبَّةَ لِلْبَطَّالِينَ ضَنًّا بِمَا اسْتَأْثَرَ مِنْهَا إِذْ كَانَتْ مِنْهُ وَبِهِ تَكُونُ فَالْحُبُّ لِلَّهِ هُوَ الْحُبُّ الْمُحْكَمُ الرَّصِينُ، وَهُوَ دَوَامُ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ لِلَّهِ وَشِدَّةُ الأُنْسِ بِاللَّهِ، وَقَطْعُ كُلِّ شَاغِلٍ شَغَلَ عَنِ اللَّهِ، وَتَذْكَارُ النَّعَمِ وَالأَيَادِي وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِالْجَوْدِ وَالْكَرَمِ وَالإِحْسَانِ اعْتَقَدَ الْحُبَّ لَهُ إِذْ عَرَفَهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَرَّفَهُ بِنَفْسِهِ هَدَاهُ لِدِينِهِ، وَلَمْ يَخْلُقْ فِي الأَرْضِ شَيْئًا إِلا وَهُوَ مُسَخَّرٌ لَهُ وَهُوَ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ فَإِذَا عَظُمَتِ الْمَعْرِفَةُ وَاسْتَقَرَّتْ هَاجَ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ وَثَبَتَ الرَّجَاءُ، قُلْتُ: خَوْفًا لِمَاذَا ؟ وَرَجَاءً لِمَاذَا ؟ قَالَ: خَوْفًا لِمَا ضَيَّعُوا فِي سَالِفِ الأَيَّامِ لازِمًا لِقُلُوبِهِمْ، ثُمَّ خَوْفًا ثَابِتًا لا يُفَارِقُ قُلُوبَ الْمُحِبِّينَ خَوْفًا أَنْ يُسْلَبُوا النِّعَمَ إِذَا ضَيَّعُوا الشُّكْرَ عَلَى مَا أَفَادَهُمْ، فَإِذَا تَمَكَّنَ الْخَوْفُ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَأَشْرَفَتْ نُفُوسُهُمْ عَلَى حَمْلِ الْقُنُوطِ عَنْهُمْ، هَاجَ الرَّجَاءُ بِذِكْرِ سَعَةِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ، فَرَجَاءُ الْمُحِبِّينَ تَحْقِيقٌ، وَقُرْبَانُهُمُ الْوَسَائِلُ، فَهُمْ لا يَسْأَمُونَ مِنْ خِدْمَتِهِ، وَلا يَنْزِلُونَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ إِلا عِنْدَ أَمْرِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أَنَّهُ قَدْ تَكَفَّلَ لَهُمْ بِحُسْنِ النَّظَرِ " .

ويختتم الكلام عن عمر بن الفارض سلطان العاشقين بإطلالة على عجل بأبيات رائعة من قصيدته " تِه دلالاً " والمعروفة بالدالية:

تِهْ دَلاَلاً فأَنْتَ أهْلٌ لِذَاكا

                        وتحَكّمْ فالحُسْنُ قد أعطاكا

ولكَ الأمرُ فاقضِ ما أنتَ قاض

                           فَعَلَيَّ الجَمَالُ قد وَلاّكَا

وتَلافي إن كان فه ائتلافي

                         بكَ عَجّلْ به جُعِلْتُ فِداكا

وبِمَا شِئْتَ في هَواكَ اختَبِرْنِي

                   فاختياري ما كان فيِه رِضَاكَا

فعلى كُلّ حالَةٍ أنتَ مِنّي

                        بيَ أَوْلى إذ لم أَكنْ لولالكا

وكَفَاني عِزّاً بحُبّكَ ذُلّي

                    وخُضوعي ولستُ من أكْفاكا

وإذا ما إليكَ بالوَصْلِ عَزّتْ

                       نِسْبَتِي عِزّةً وصَحّ وَلاكا)

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

محمود محمد علي"الأسس والمنطلقات"

إنه لشرف كبير أن أكتب عن السيرة والمسيرة لأحد كبار المحامين في مصر والوطن العربي هو أستاذنا المحامي والمفكر والأديب رجائي عطية، الذي أرسي مفاهيم ومبادئ وأسس فن المحاماة في إطارها المعاصر، وارتفع ببنائها شامخاً، ولا زالت بحوثه ودراساته في المحاماة والمحامين تملأ الميدان، ينهل منها طلاب كليات الحقوق والباحثون فيها، فمن فيض عطائه في علم المحاماة تعلم المحامي كيف يكون العطاء، ومن شموخه واعتزازه بنفسه علم كل تلاميذه من المحامين كيف يكون الشموخ؛ كما كان رجائي عطية مثالا يحتذي به للعلماء العاكفين علي العلم، والمتمرسين في تخصصهم، المتعمقين في فروعه وقضاياه، وهو خير مثال علي وعي القضاء وعدله، استوعب في داخله قيم القدوة، وروي هذه القيم من تجربته، وأحاط ذلك كله بوعي ثري، جعله من أبرز وأشهر المحامين طوال 40 عاما وحتي الآن، ومن أقواله :"... فإن المحامي إن فقد القدرة علي الأداء واستشعر الخوف وارتعدت فرائسه، وأحس أنه يمكن أن يهان في لحظة، أو أن يحال بينه وبين أداء واجبه بسطوة السلطة فقد قدرته علي أن يعطيك وفقد قدرته علي أن يحميك .

ورجائى عطية، مؤلف وكاتب مشهود، صاحب حضور متشعب في الحياة النيابية، وفى إتحاد الكتاب، والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ومجمع البحوث الإسلامية، وجمعية المؤلفين، والمجلس المصري للشئون الخارجية، فكان نظره ثاقباً في تأهيل وتكوين الأجيال الجديدة التي تحتل الآن مراكز قيادية بالدولة المصرية ؛ وهو بلا شك يمثل حدوته مصرية تشهد على الآصرة المتينة بين الأدب والمحاماة، والعطاء المتبادل بينهما، بدايات رجائى عطية الأدبية بدأت وهو طالب بكلية الحقوق، واستمرت معه لم تقطعه المحاماة عن عالم الفكر والأدب، ولعل إليهما نبوغه في المحاماة وتربعه على قمتها علما من أعلامها العظام فى هذا القرن والقرن الماضي وواحد من أبرز فلتأتها فى تاريخها كله، فكان سيادته يمثل مسيرة حافلة من العلوم القانونية والمرافعات القضائية، كانت ما بين قضايا اجتماعية وقضايا مؤسسية، وأخري دولية أعادت لنا سيرة أساطين القانون في مصر، رسمت ملامح طريق جديد لمستهل درب القانون وكتبت بحروف من نور لتكون تلك مسيرة الحياة .

ولذلك أقول : قليلون هم أمثال الأستاذ رجائي عطية في عالمنا العربي المعاصر .. قليلون هم الذين جمعوا مثله بعقلانيته وديمقراطيته اللتين تجلتا في فكره وفي سيرته لشخصيته وفي اجتهاداته في ميادين متعددة من المعرفة ؛ في الفقه الإسلامي، وفي علم اللغة، وفي علم التاريخ، وفي الموقف السياسي الجرئ من القضايا العامة في وطنه مصر وفي العالم العربي.

ويستطيع المتتبع لسيرة رجائي عطية أن يري بوضوح أنه كان منذ شبابه الأول، مختلفاً عن سواه من أقرانه في شؤون الدين والدنيا، باحثاً بشغف عن التغيير الديمقراطي في العالم العربي، طامحاً بجهد حقيقي إلي تحقيق ذلك التغيير في الفكر وفي السياسة وفي السلوك، وفي الفهم الحقيقي للدين ولقيمه الروحية، ضد كل أنواع الخرافات والبدع التي أدخلت عليه وجعلته عائقاً أمام التقدم. وهو مستمر في تميزه حتي الآن (متعه الله بالصحة والعافية) . وكان كل من تفرده وتميزه يحملان طابع الثورة وسماتها.

فالثورة بالنسبة له إليه لا تتحقق أهدافها بمجرد الرفض لواقع معين، أو لنظام معين، أو لمنظومة أفكار معينة. بل هو كان يراها عملاً متواصلاً يتصف بالجهد المبدع والشجاع، بحثاً عن البدائل الضرورية للواقع القائم وللنظام ولمنظومة الأفكار السائدة . الثورة، بالنسبة إليه، كانت، في كل حياته وفي عمله الفكري والسياسي، فعل تغيير في كل اتجاه التقدم. هكذا كان موقفه عندما التحق بكلية الحقوق ليصبح واحدا من كبار المحاميين المصريين، فكل شئ من منظار رجائي عطية وظيفة تصب في صالح الحياة الإنسانية تحققاً لحرية الإنسان وسعادته ؛ إذ لا عبث في حركة التاريخ كما كان يقول . ومن هذا المنطلق قرر أن يتخذ من اللغة الموقف الثوري نفسه الذي اتخذه من القضايا الأخرى، عندما اكتشف بوعي مبكر أن اللغة ليست مجرد علاقة تخاطب بين الناس، بل إن لها وظيفة أكبر من ذلك وأشمل، تتمثل في دورها كأداة تقدم.

كانت نظرة رجائي عطية، منذ وقت مبكر إلي الأشياء وإلي الأفكار وإلي الناس أفراداً عظاماً ومؤسسات من شتي الأنواع، محكومة بفكرة أساسية هي فكرة الإبداع الدائم . والإبداع عنده يتطلب بالضرورة، البحث عما يغني حياة البشر، ويحررهم من كل ما يعيق تجدد حياتهم وتطورها، ويحقق لهم الحرية والكرامة والتقدم والساعدة . وهذا ما أكسبه قيمته الفكرية الكبرى، وجعله واحداً من كبار رواد النهضة المعاصرين في ميادين العلم والمعرفة التي اجتهد فيها وأبدع وقدم الجديد الذي رسم له شخصيته المميزة.

ولد رجائي عطية في السادس من أغسطس  عام 1938م بشبين الكوم من محافظة المنوفية وهو نجل المرحوم عطية عبده المحامي (نقيب محامي المنوفية والذي حصل علي ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، عام 1959م )، وحصل علي ليسانس حقوق من جامعة القاهرة عام 1959، وحصل علي دبلوم العلوم العسكرية من الكلية الحربية عام 1961، عمل بالمحاماة (1959- 1961)، ثم بالقضاء العسكري في وظائفه المختلفة وبالمحاكم العسكرية، وعمل بالمحاماة مرة أخري من 1976 وحتي الآن،

لم يكن المفكر الدكتور رجائي عطية ليتحدث بالقانون داخل أسوار المحاكم ويختزل هذا العلم في عقله فحسب، فكان للمحاميين وافر الحظ في أن يستمد من علم رجائي عطية الكثير من خلال لقاءاته وبرامجه التي قدمها علي شاشات الفضائيات والذي كان أبرزها: أمانة صوت العقل، وبرنامج الحقيقة علي شاشة قناة المحور. ولم يكتف رجائي عطية الخلوق إلي التحدث علي شاشات التلفاز من خلال برامج قدمها أو شارك فيها كضيف، بل اتخذ سبيلا آخر، وهو الكتابة فقد كانت له مؤلفات عديدة من أبرزها : من هدي النبوة في مدرسة الرسول، ومن هدي القرآن وذلك الكتاب لا ريب فيه، ويسمك اللهم، ونواب القروض بين الإدعاء والحقيقة، والإنسان والكون والحياة، وقضية الجمارك. وكانت أبرز مؤلفاته الجديدة : دماء علي جدار السلطة، وحقائق القرآن وأباطيل الأدعياء، ومن تراب الطريق " 7 "، وتأملات غائرة، واصطباحة الأحباب ... دعاء ومناجاه، وفي مدينة العقاد المجلد الثاني النبوات والإسلاميات، وماذا أقول لكم، وترجمته لكتاب قد تكون الديانة تجسيد للعقل عن جورج سانتايانا وكتابه حياة العقل...وهلم جرا

وقد اشترك في لجان الدفاع عن الحريات بنقابة المحامين والمنظمات الدولية والاقليمية وفي العديد من المؤتمرات القانونية في مصر والخارج. له اهتمامات أدبية وثقافية فمن البرامج الدورية التي كتبها للإذاعة منذ أوائل الستينات: " من هدي القران – من التراث العربي – في مثل هذا اليوم – الموسوعة الإسلامية – أضواء على الفكر العربي – معركة المصير".

كما كتب عدداً من السيناريوهات للأعمال الدرامية التي قدمت في التلفزيون، مثل قصة رجل المال للأستاذ توفيق الحكيم، وقصة امرأة مسكينة للأستاذ يحيى حقي. كما كتب العديد من المقالات المختلفة والتي نشرت في العديد من المجلات والجرائد اليومية المصرية. واشترك قاضياً أو باحثاً بالقضاء العسكري في أشهر القضايا : اضطلع في المحاماة بالدفاع في أشهر قضايا العصر مثل قضية التكفير والهجرة (1977) خالد الاسلامبولي ( 1981/ 1982) قضية الجهاد ( 1982/ 1983) وزارة الصناعة (1986/ 1987) وغيرها.

كانت له كتابات للإذاعات المصرية والعربية:  الدين والحياة – الموسوعة الاسلامية – أضواء على الفكر العربي – بسم الله – يارب -من هدي القرآن – ذلك الكتاب لا ريب فيه- على طريق الإيمان- سيوف الله- العهد العمري – باسمك اللهم – حطين  – تراجم وسير إسلامية – قرأت لك – المجلة الثقافية – من هدي النبوة – في مدرسة الرسول – من التراث – معركة المصير – مواقف إسلامية – نساء خالدات. كما كانت له مقالات من منشورة : في كل من مجلة منبر الإسلام منذ عام 1969 وصوت الأزهر وجريدة الأهرام الصباحي والأهرام المسائي والأخبار والمصور وأخبار اليوم وروز اليوسف والجمهورية والأهالي واللواء الإسلامي والجيل والأحرار والمال.

ومن الكتابات الدرامية له في التلفزيون المصري : رجل المال لتوفيق الحكيم (سيناريو و حوار)، امرأة مسكينة ليحيى حقي (سيناريو وحوار)، وصمت جاك فارجيون – بول بورجية (سيناريو وحوار.

وكان عضو مجلس الشورى، عضو مجمع البحوث الإسلامية، وعضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، عضو باتحاد الكتاب، خبير بالمجالس القومية المتخصصة، وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية،  رئيس مجلس إدارة جريدة المال.

وقد شهد له الكثير من الباحثين والمفكرين، فنجد الأستاذ خليل الجيزاوي يكتب عنه مقالاً بعنوان : " رجائي عطية  حكيم الفكر والمثقف المستنير" (منشور ضمن مجلة الرافد – عدد 214)؛ حيث قال :" في حياتنا أعلام وقامات قادوا الحركة الفكرية والأدبية والاجتماعية والسياسية، ونجوم أضاءت سماءنا بتعدد مواهبها وعطائها، وفقهاء قانونيون حلقوا بأجنحة الأدب والفكر، فجمعوا بين واقعية القانون، وخبرات المحاماة، وخيال الفن والأدب.. فهو الكاتب المفكر، المبدع، الفقيه، القانوني، الأديب، الباحث، وكاتب السيرة النبوية في رحاب التنزيل.. واستعرض المقال ما قاله "د/ يوسف نوفل" أستاذ النقد الأدبي بكلية البنات بجامعة عين شمس على أن المدخل الثقافي إلى عالم " رجائي عطية " هو التعددية الثقافية. كما أشار المقال إلى أن "رجائي عطية " من أصحاب الرأي الذين لا يخشون فيما يبدون من آراء لومة لائم، ولا يضجرهم أن يختلف معهم غيرهم. واستعرض المقال توجهات "رجائي عطية " في عالم الفكر والأدب بأن بها أكبر الأثر في المواقع التي شغلها وساهم فيها بفاعلية وبعمق فكره وموهبته المتميزة. واختتم المقال موضحاً أن الفكر الإسلامي المستنير هو في أصله حلقات متصلة متعاقبة بين الأجيال، وأن "رجائي عطية " يمثل إحدي حلقات هذا الفكر في عصرنا الحاضر.

كما وصفه تلميذه الأستاذ محمد راضي مسعود (أحد كبار المحامين المصريين) بأنه عرفت هذا الرجل وشاهدته وهو يترافع أمام اصعب الدوائر الجنائية فيأسرها لدرجة انها ابدا لم تقاطعه بل وكأن لسان حالها يطلب منه أن يزيد وألا يتوقف فكلامه منغوم ويستند للقانون وفكره مرتب وتسلسله منطقي لا يوارب ولا يزيف الكلام ومن أجل ذلك احترمه القضاة واجلوه لأنه يعرف ما عليه قبل أن يطالب بما له هذا الرجل اعطى للمحاماة وللمحامين من خلال كتبه ومؤالفته القانونية والأدبية الكثير ومازال لديه المزيد من العطاء للمهنة ولأبنائها الشبان الذين حرمهم القدر من القدوة.. ولكن هذا الرجل هو خير قدوة لهذا الجيل اللامحظوظ الذى حرمه القدر من رؤية اساطين واساطير المحاماة انها كلمة حق هذا الرجل هو امتداد لهؤلاء الاعلام وهو مكمل لتلك السلسلة من هؤلاء العماليق  حق هذا الرجل ومكانته وقدره وعلمه وعبقرتيه وفكره هو ما دعانى للكتابة عنه تلك السطور.

ويستطرد محمد مسعود فيقول :" قدرك أيها العملاق أنك أتيت فى عصر تقزمت فيه الأشخاص والاشياء.. قدرك أيها الصادق الواضح الصريح، أنك أتيت مع أيام النفاق والكذب والمواربة، مع أصحاب الوجوه المتعددة.. قدرك أيها الفارس المبدع، أنك لا تجيد الضرب من الخلف، ولا تعرف إلا مواجهة الفرسان.. قدرك أنك أتيت في زمن القراصنة الأفظاظ قساة القلوب.. قدرك أن رد فعلك لا يتغير بتغير الزمان والمكان والظروف.. قدرك أنك كبير في زمن صغير.. وقدرنا أننا لم نقسطك حقك فكانت خسارتنا أكبر فلم نستفد من علمك وفكرك وحسن بيانك يكفيك أن هناك ألاف يعرفون قدرك ويضعونك على الرأس وفى المقدمة.

كذلك قال عنه تلميذه الأستاذ مجدى عبد الحليم (أحد كبار المحامين المصريين أيضاً):" اسم لا يحتاج الى لقب لتعرفه فهو يعرف نفسه بنفسه فلو قلت عنه المحامي الاديب الذى تتشكل على يديه المعاني وتنساب على لسانه وقلمه الكلمات عذبة فضفاضة في أدب جم ولا يقف المرء أسيراً لبراعة أسلوبه وجمال وتناسق كلماته فحسب، ولكن يأخذه دقة الهدف وسلامة المنطق وصدق التوجه فيما يدعو اليه، فلا يتحدث عن قضية دون علاج، ولا ينادى بشئ دون التزام به أولاً، ولا يدق ناقوس خطر إلا ويضع الحل والعلاج الناجع اللازم له.. يحمل على كتفيه شجون الوطن ويسعى متعبداً من تراب الطريق في دولة الأيام .. حتى كان حصاد رحله عمره ما يقارب الأربعين كتاباً فهو عميد أدب عصره وجيله .

ويستطرد مجدى عبد الحليم: "وإذا اكتفيت بلقب المحامي عنه فأنت بلا شك تقف أمام قامة وهامة ليس لأبناء جيله وعصره فحسب ولكن لكل الاجيال على مدار تاريخ المحاماة فى مصر كلها،فهو محامى، محترف، جسور جسد نموذجا وقدوة وأسوة حسنة، تواصل مع أساتذته العظام والذى يخص دائما منهم بالذكر محمد عبد الله محمد الذى استنشق من رحيق علمه وإنتهل من فيض عطائه الأدبي فى مجال المحاماة مع باقي أساتذته .. ثم سار على درب هؤلاء متخذا منهجا وأسلوبا أشبه أن تكون مدرسة خاصة في المحاماة قدم فيها عطاءه الخاص فصار المثل والقدوة لأجيال المحامين من بعده وأحد عمالقة مهنة المحاماة على مدار تاريخها ثم قدم صكا لكل محام في درته الرائعة رسالة المحاماة التي يجب أن تكون الأساس في مكتبة كل محام بعد أن جمع رصيدا ضخما من حصاد المحاماة لازال يطرح ثماراً يانعة عن عبقرية محام على مدى خمسين سنة محاماة أعطاها الرجل من عمره لهذه المهنة العريقة دون انتظار مقابل ولكنها أعطته الحياة والخلود بين أساطين المهنة كلها سيذكره التاريخ ما بقيت مهنة المحاماة .. ومن هنا يقف الرجل بطبيعته عملاقا بين نجوم الادب والمحاماة لأن نجوميته لم تتحقق من خلال حركة أو زعامة طلابية بين طلاب الجامعة، ولم يتقلب في مدارس سياسية أو فكرية أو عقائدية فلم يحب شيئا ثم يبغضه فنجده مثلا يحب الفن ويستمع الموسيقى ولم يجهد نفسه فى تبرير حرمة الغناء والموسيقى أو حلهما ولم يستخدم خطاب التبرير عن مخالفات الماضي وأخطاء الحاضر ولم يحشد الناس ليخطب فيهم كزعيم أو نائب فى البرلمان بل كان دوما المحاضر والمفكر والاديب والمترافع ترسخت كل قناعاته من صميم وجدانه وتركيبة شخصيته وتصدر قرارته من أم رأسه لا يمليها عليه أحداً غيره ولا يتحمل نتائجها إلا هو وحده.. إنه رجائي عطية.

وفي نهاية حديثنا عن رجائي عطية لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

نبيل عبدالامير الربيعيلقد اختلف الكثير من العلماء والمستشرقين والباحثين في نسبهم وعقائدهم وعوائدهم الاجتماعية وخاصة الأمة المندائية، وبسبب سريّة معتقداتهم وعدم إدراك حقائقهم، والوقوف على أصول أوامرهم ونواهيهم، المرء لا يعرف فضل دينه إلا وأن يعلم شرائع الأمم السَّائرة، والفضيلة للعلماء، والمقام الأسمى لديانتهم الموحدة، الذي فيه علينا من حرج وصعوبة كما شهدت به هذه الأمة وغيرها بكماله وفضيلته علينا.

الصابئة المندائيون أقدم الجماعات التي عاشت في بلاد الرافدين، فهم قوم ساميون، وقد اختلف الباحثون والدارسون في زمن ظهور العقيدة المندائية كما اختلفوا في الموطن الأصلي للمندائيين، وبلادهم وموطنهم الأصلي بلاد الرافدين، والدليل هو بعض المخلفات السومرية التي ما زالت في هذه العقيدة وطريقة كتابة الأدب المندائي التي تتشابه مع صيغة كتابة الأدب البابلي وبخاصة في لغة التلمود، ناهيك عن اللغة ومفرداتها التي ما زالت شائعة في الجنوب العراقي خاصة، وإنهم يحفظون شريعة آدم عليه السلام الذي يعدونه أول أنبيائهم، ويعظمون شيت وسام في نصوص كتبهم الدينية، ويعدونهم معلميهم وأنبيائهم حتى زمن النبي يحيى بن زكريا عليه السلام، الذي يعدونه هو الآخر نبي لهم ومعلمهم الذي أعاد بعث ديانتهم القديمة، وأجرى رسم التعميد وهو السُّنة التي جرَت لآدم عليه السلام وهم عليها دائبون.

وديانتهم من أقدم الديانات الروحية في العالم، وهم أحد الأدلة الحيّة على حضارة بلاد الرافدين، لكن لم يتبق منهم سوى بضعة آلاف بعد أن عاشوا على أرض العراق عشرات القرون. وقد اطلق عليهم أهم التسميات في بلاد الرافدين منها: المندائيون. من مندا أي العارفون بوجود الحيّ العظيم أي الموحدون. والناصورائيون. وهي تسمية قديمة جداً، وتعني المتبحرين أو العارفين بأسرار الحياة أو المراقبين. والصابئة. ومن «صبا» أي المصطبغون (المتعمدون) باسم الرب العظيم. والمغتسلة. من غسل أي تطهر ونظف وأطلقها المؤرخون العرب، وذلك لكثرة اغتسالهم بالماء. واطلق عليهم تسمية «شلماني» من شلم أي سلم، وهي تسمية آرامية مندائية تعني المسالم. وأطلق عليهم «أبني أنهورا». أي أبناء النور وهي تسمية أطلقت عليهم من كتبهم الدينية. وأطلق عليهم «اخشيطي» من كشطا أي أصحاب الحق أو أبناء العهد، أيضاً أطلقت عليهم في كتبهم الدينية.

وما زلنا نؤمن أن الديانة المندائية ولدت في بلاد الرافدين، وإن شعبها الناصورائي هو أحد شعوب العراق القديم مثله مثل السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين، لكن هذا الشعب لم يكوَّن له دولة أو كياناً سياسياً ذات شأن لعزوفه عن مغريات السلطة والسياسة والجاه، ولا شك أنه حمل تراثاً روحياً عظيماص شفاهياً في تلك العصور، لكن تدوين هذا التراث حصل مع سيادة اللغة الآرامية في العالم القديم، وبذلك تمّ تدوينه بلهجة آرامية هي المندائية، وهنا تغير اسم هذا الشعب من الناصورائيين إلى المندائيين.

إنّ دراسة دين الصابئة المندائيين مهمة جداً للبحث في العقائد الدينية الأخرى، فهي مهمة من حيث المكان والزمان والموضوع لأنها قديمة العلاقة بكل مكان تتعلق به سيرة الأديان الأخرى وبخاصة سيرة الخليل عليه السلام، ثمَّ لأنّ لغتها المقدسة تشير إلى زمان متوسط بين اللغات القديمة المهجورة واللغة الآرامية الحديثة، كما أنها ترينا ملتقى التوحيد القديم والوثنية القديمة، وقد نجد فيها الاصطدام بين هاتين العقيدتين فهي ليست ديانة وثنية ولا إيمان لها بالكواكب من جهة، ثمَّ لا خلاص مطلقاً فيها من بقايا الوثنية القديمة وتعظيم الكواكب.

دراسة نحلة الصابئين وهي نحلة من نِحل الديانات الرافدينية الأصيلة والقديمة مهمة في دراسة الأديان على العموم، فالمندائيون طائفة عراقية قبل أن تكون أي شيء آخر، بل أنها كما تشير طقوسها صلة الحاضر بالماضي البابلي والأكدي والنبطي في العراق.

إن الصابئة المندائيون في العراق اليوم هم بقايا طائفة دينية عاشت في هذه البقعة من العالم منذُ آلاف السنين، وهي الآن في طريقها إلى التطور الديني بسبب التحضر والتمدن فلا بد أن يبعدها كثيراً عن طقوسها وشعائرها الأولى، بسبب سكن المندائيين الحواضر وابتعدوا عن شواطئ الأنهار وتفرقوا في المدن طلباً للرزق وهاجروا البلاد بسبب الأحتراب الطائفي الذي مر به العراق ما بعد عام الاحتلال الأميركي 2003م، فضلاً عن دخول أبنائهم الوظائف الحكومية وترك مهنهم التي كان آباؤهم يجيدونها، وقد ابتعدوا كثيراً عن الصابئين الذين كانوا يمارسون شعائرهم بصورة بدائية كما كان يمارسها الأسلاف، فاستعاضوا في كثير من شعائرهم بالماء المعقم بدلاً من ماء النهر الجاري، وحلقوا شعور رؤوسهم وذقونهم، واتخذوا الزي العصري لباساً لهم كسائر الأقوام من حولهم تمشياً مع ظروف العصر، وامتزجوا مع المجتمع العراقي امتزاجاً كاملاً لم يعودوا يميزون فيه عمن حولهم بأي شيء.

كما أن نصوصهم الدينية التي ما زال المندائيون يحتفظون بها تبرز التوحيد واضحاً في عقيدتهم، وتركز على الخلق والخالق وصراعات كينونة العوالم والعالم الآخر النوراني وحتمية العودة إليه، وتميزت طقوسهم الدينية وشعائرها التي ارتبطت بالماء والتعميد به يشكل طهارة للنفس والبدن، وكانت بداية التعميد للملاك «هيبل زيوا» وتعميد آدم وشيت وسام عليهم السلام. ولذلك تجد قربهم من الأنهار ومواقع وفرَّة المياه التي لم يبتعدوا عنها لأي سبب كي لا يتوقف عندهم الطقس الديني.

يشير كتابهم المقدس «الكنزا ربّا» إلى أن المعرفة قد كشفت لآدم من الله الحي الأزلي، وهو الذي سجدت له الملائكة، بل كشفت له المعرفة وعُلَّم الأسماء، كما أن الطوفان لم يبق من البشرية إلا نوحاً وأولاده الثلاثة الذين تشكلت منهم دورة حياة جديدة، هم «سام وحام ويافت»، ومن هؤلاء الثلاثة جاءت القبائل والشعوب وجاءت لغاتها.

كما أن لغتهم المندائية يصنفها اللغويون بأنها واحدة من عائلة اللغة السامية، ويعدونها الفرع النقي للغة الآرامية الشرقية في بلاد الرافدين، التي اشتملت على الآرامية الشمالية لغة الآشوريين والآرامية الجنوبيى لغة البابليين. وإن وجود المندائيين سابق لظهور اللغة المندائية، وقد أكدت الحفريات التي تمت قرب مدينة الرِقَة في أعالي نهر الفرات وكذلك في جنوب العراق في أطلال تلّو تم العثور على عملات نقدية تحتوي كتابات تبين أنها قد كتبت بأبجدية اللغة المندائية، ومن خلال اسماء وصور الملوك الظاهرة في هذه النقود ومقابلتها مع مصادر المعلومات الرومانية واليونانية المتوافرة تبين أن تاريخ أقدم النقود التي تم العثور عليها لحد الآن إلى حوالي منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، أي عام 165 ق.م كما ذكر ذلك الراحل عزيز سباهي في كتابه «أصول الصابئة ومعتقداتهم الدينية».

أول بحث اهتم بديانة الصَّابئة صدر بالسويد عام 1691م، وأول كتاب ينشر بالعربية عن الدِّين المندائي هو «مندائي أو الصَّابئة الأقدمين» لعبد الحميد بن بكر أفندي عبادة (ت 1930)، «طبعة الكتاب الأولى: بغداد، مطبعة الفرات 1927»، كان الكتاب ملخص حوار أجراه عبد الحميد عبادة عام 1925 مع رئيس الصَّابئة المندائية «الشَّيخ كنزبرا دِخَيَّل بن عبدان» بالناصرية جنوب العراق يوم كان موظفاً هناك، ويذكر د. رشيد الخيون قال : «ولعلَّ عبادة أخذ نصوصاً كاملة من بحث (الصَّابئة عقائدهم وتقاليدهم) للباحث الدَّمشقي نقولا سيوفي (ت1901) وكان زار بغداد العام 1873، والتقى بأحد أولاد شيوخ الصَّابئة واسمه آدم، وصنف كتابه بالفرنسية العام 1880، واطلعنا على ترجمة لمواده بالعربية في مجلة (البيان) (1897)، ومِن مقالات الكرملي، دون الإشارة إليهما. غاب كتاب عبد الحميد أفندي عبادة بعد صدور كتاب عبد الرَّزاق الحَسني (الصَّابئون في حاضرهم وماضيهم)، الذي صدرت منه الطَّبعة الأولى (1931) والعاشرة (1980). لم يًعَد (كتاب مندائي) بعد وفاة مؤلفه (1930) أي بعد صدوره بثلاثة أعوام، والمفاجئ في الأمر أن الحسني. بعد الاستفادة من فكرة الكتاب، وموضوعه للكتابة والتأليف في الملل والنحل، اختطف الكثير من مقالة نقولا سيوفي ونصوص كتاب عبادة دون الإشارة، إلا في مكان لا علاقة لهُ بالنُّصوص الرَّئيسة المقتبسة، ولا يبرر لهُ انتحاله ذِكر الكتاب في ثبت المراجع، وكذلك فعل مع ما كتبه الأب الكرملي في (المشرق) البيروتية، فقد أخذ ما جناه الكرملي من الكتب القديمة مع تعليقاته عليها، فكتب: قال ابن خلدون وقال الآمدي وغيرهما، مع أنه جناها من مقالة الكرملي.. إن استولى الحسني على جهود عبادة والكرملي، فهو ذكرهما في ثبت المصادر، لكن الأكاديمي السوري ورئيس قسم الجغرافية بجامعة حلب محمد التَّنجي سطا على كتاب الحسني (اليزيديون في حاضرهم وماضيهم) ليجعله كاملاً، مع بعض التَّغييرات... ومثلما تعرض كتاب الحسني (اليزيديون...) للسطو، تعرضت كتب الليدي دراوور (الصَّابئة المندائيون) وكورت رودولف (النشوء والخلق في النصوص المندائية)، وغضبان الرومي (الصَّابئة) من قبل العراقي محمد الجزائري في (المندائيون الصَّابئة)»([1]).

هذه المقدمة هي لكتابي المقبل تاريخ الصَّابئة المندائيون في العراق «أصولهم ومعتقداتهم» الذي أوشكت على إنجازة وهو قيد المراجعة اللغوية والطباعية، اتمنى أن يروق للقراء والمهتمين بتاريخ ومعتقدات الصابئة المندائيون في العراق الدينية. الكتاب يتضمن (13) فصلاً ومن القطع الوزير الذي تجاوز (500) صفحة من الحجم الوزيري.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

............................

[1] الخيون. رشيد. الدِّيانة المندائية كع الصَّابئة المندائيين في فقه وتاريخ الإسلام. دار مدارك للنشر والتوزيع. الرياض. ط3. نوفمبر 2015. ص13/14؛ الشرق الأوسط 18 ديسمبر كانون الأول 2001.

 

 

فالح الحجيةهو أبو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الخزرجي الأنصاري ويكنى أبو الوليد وقيل: يكنى أبو عبد الرحمن وقيل: أبو الحسام.

اما أمه فهي الفريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبدون بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن كعب بن ساعدة الأنصارية.

ولد سنة ستين قبل الهجرة و نشا في بيت عز وشرف وغنى

فهو شاعر عربي مخضرم عاش الجاهلية والاسلام وصحابي جليل من الأنصار ينتمي إلى قبيلة الخزرج ومن أهل (يثرب) المدينة المنورة التي نورها الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم بهجرته المباركة اليها ومن بني النجار (اخوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم واخوال جده عبد المطلب بن هاشم، حيث تزوج هاشم اثناء مرور قافلته التجارية ب (يثرب) قاصدا الشام وهي (رحلة الصيف) فمكث فيها مدة تزوج فيها (سلمى بنت عمرو بن عدي) من بني النجار من الخزرج فتركها في (يثرب) حاملا وسار بقافلته الى الشام آملا الرجوع اليها عند عودته من الشام الا انه وافته المنية في ارض الشام في مدينة (غزة) من ارض فلسطين ودفن هناك .

فولدت سلمى هذه بعد وفاة زوجها هاشم ولدا اسمته (شيبة) حيث قيل انه لما ولد وجد في رأسه الشيب . وقد نشأ (شيبة) في يثرب بين اخواله حتى بلغ ثماني سنوات فعلم بذلك اعمامه فطلبه اخوه المطلب بن ها شم واخذه الى مكة فكان اغلب الناس لا تعلم انه ا خوه وظنوا انه عبده فقيل (عبد المطلب) وهو جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم فكانت هذه (شهرته).

لاحظ كتابي (شذرات من السيرة النبوية المعطرة)

وقيل ان ابا حسان ثابت بن المنذر الخزرجي كان من سادات قومه ومن اشرافهم .اسهم في الخصومات بين الاوس والخزرج فهجا الاوس ونال منهم .

مدح حسان في الجاهلية الغساسنة ملوك الشام قبل الاسلام فاغدقوا عليه المال و من شعره فيهم:

لله درّ عصابةٍ نادمتهم

يوماً بجلَّقَ في الزمان الأولِ

أولاد جفنة حول قبر أبيهمُ

قبر ابن مارية الكريم المفضلِ

يسقون من ورد البريص عليهمُ

برَدى يصفّق بالرحيق السلسلِ

بيضُ الوجوه كريمةُ أحسابهم

شمَ الأنوف من الطراز الأولِ

يغشون حتى ما تهرّ كلابهم

لا يسألون عن السواد المقبلِ

وكذلك مدح المناذرة ملوك الحيرة وغيرهم الا انه بعد مجيء الاسلام واعلان اسلامه اختص في مدح الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ومدح المسلمين وفخر بهم وكني ب(شاعر الرسول) .

وأهدى لهُ النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد اسلامه جارية قبطية كان قد اهداها اليه (المقوقس) ملك الاقباط واسمها سيرين بنت شمعون فتزوجها حسان وأنجبت منهُ ولدهُ عبد الرحمن وحسن إسلامها و هذه هي أخت مارية القبطية زوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أي ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان عد يله .. و من هنا يتضح انه تربطه به علاقة قرابة وعلاقة مصاهرة .

أصيب بالعمى قبل وفاته ولم يشهد مع النبي مشهدًا او معركة لعلة أصابته ويعد في طبقة المخضرمين من الشعراء لأنه أدرك الجاهلية والإسلام وله شعركثير في كلا من العصرين .

وقد عاش ستين سنة في الجاهلية، ومثلها في الإسلام وتوفي في المدينة المنورة سنة أربع وخمسين للهجرة وله مائة وعشرون سنة في خلافة معاوية بن ابي سفيان في رواية اخرى توفي في خلافة علي بن ابي طالب سنة اربعين هجرية وعمره مائة وخمس سنين وهذا الخلاف موجود في اغلب سيرالشعراء . وهو القائل :

أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا

وابن الفريعة أمسى بيضة البلد

يمتاز شعره بقوته ومتانته وبلاغته بحيث كان سوطا لاذعا لظهور اهل الشرك والكافرين بعد اسلامه . اتخذه الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم شاعره المفضل وحثه على قول الشعرفي مدح المسلمين والفخر بهم ومناجزة شعراء الشرك والجاهلية وهجاء كفار قريش والرد على كل شاعر يهجو المسلمين من شعراء الشرك .

يقول النقاد والمختصون في الشعر ان شعره في الجاهلية اقوى واحسن وافضل من الشعر الذي قاله في الاسلام ويرجعون او يعولون ذلك لانبهاره في اساليب القران الكريم ومعانيه وتقييده شعره بقيود اخلاقية اسلامية منها الكذب المبالغ فيه حد الاسراف كما انه اسلم بعد ان بلغ الستين من عمره وتكون قد انطفأت ثورة عاطفته او جذوة شاعريته .

اما انا فلي قول اخر في ذلك هو ان الشاعر حسان بن ثابت قال الشعر في الجاهلية والإسلام و في هذا المقال الموجز سابين رأيّ في شعره في كلا العصرين :

يقول اغلب النقاد إن شعر حسان بن ثابت الجاهلي أقوى من شعره الإسلامي في كل قصائده وهذا حكم – كما اراه - قاس وصارم فقد طرق حسان أكثر الإغراض الشعرية فقد شبب ومدح وهجا ورثا ووصف وافتخر وفخر وحكم مثله مثل كل الشعراء يقول:

نسبي اصيل في الكرام ومذودي

تكوى مواسمه جنوب المصطلي

بدأ قصيدته اعلاه في الغزل كعادة الشعراء الجاهليين قبله وتساءل عن ديار الأحبة وتنقل بين البضيع والجوابي وحومل وانتقل إلى مدح الغساسنة حكام الشام في مدينة (جلّق) ثم عرج على الخمرة واحتسائها ثم افتخر بنسبه الأصيل وإذا أمعنا النظر في هذه القصيدة او في غيرها من شعره الجاهلي نلاحظ متانة شعره وبلاغته وقوة الفاظه وصلابتها في كثير من الأحيان وكذلك الشعراء كانوا يفعلون إذ يخرجون في القصيدة الواحدة إلى إغراض شتى إذ تبدأ قصائدهم بالغزل والبكاء على الإطلال أو وصف الخمرة ثم ينحدر من فن لاخر وهذا بلا شك يفتح أمام الشاعر أجواء شعرية واسعة فتاتي قصيدته قوية متينة وطويلة لذا كان الشعر الجاهلي بليغا وقويا. يقول في قصيدته:

توحْ منَ الحسناء أمْ أنتَ مغتدي،

وكيفّ انطلاقُ عاشقٍ لمْ يزودِ

تَرَاءتْ لَنا يَوْمَ الرَّحيلِ بمُقْلَتيْ

غَرِيرٍ بمُلْتَفٍّ مِن السِّدْرِ مُفْرَدِ

وجيدٍ كجيدِ الرثمِ صافٍ، يزينهُ

توقدُ ياقوتٍ، وفصلُ زبرجدِ

كأنَّ الثُّرَيّا فَوْقَ ثُغْرَة ِ نَحْرِها

توقدُ، في الظلماءِ، أيَّ توقدِ

لعَمْري لَقدْ حالَفْتُ ذُبْيانَ كُلَّها

وعبساً على ما في الأديمِ الممددِ

وأقبلتُ منْ أرضِ الحجازِ بحلبة

تَغُمُّ الفَضاءَ كالقَطا المُتَبَدِّدِ

تحملتُ ما كانتْ مزينة ُ تشتكي

منَ الظلمِ في الأحلافِ حملَ التغمدِ

أرَى كثْرَة َ المَعْرُوفِ يورِثُ أهْلَهُ

وسَوَّدَ عَصْرُ السَّوْءِ غَيْرَ المُسَوَّدِ

إذا المرءُ لمْ يفضلْ، ولم يلقَ نجدة

معَ القَومِ فَلْيَقْعُدْ بِصُغْرٍ ويَبعَدِ

وإنّي لأغْنى النّاسِ عَنْ مُتكلِّفٍ

يَرَى النّاسَ ضُلاَّلاً وليس بمُهْتدي

كَثِيرِ المُنى بالزَّاد، لا خَيْرَ عِندَهُ

إذا جاعَ يوماً يَشْتَكِيهِ ضُحى الغدِ

اما شعر حسان في الاسلام فيتميز بطبقة شعرية عالية رفيعة جمعت بين بيان الجاهلية ومعارفها وحداثة الاسلام وروحانيته الواسعة وافر البيان جزل الالفاظ واسع البلاغة يعود ذلك الى صلته الشديدة والقريبة من موقع مهبط الوحي وقربه من معين الأدب الإسلامي حيث كان يستمع إلى القرآن الكريم ويحفظه فشعره قد تحلى بالفصاحة الخالصة من شوائب اللفظ وغريب العبارة والتعقيد فشعره حسن مفهوم خال من حوشي الكلام زاخر بالمعاني الاسلامية الجديدة والاغراض السامية النبيلة ينهل من بحر المدرسة المحمدية التي التزم بها و أصبح لا يفارقها واذا كان غيره قد انبهر بالقرآن الكريم فحسان بن ثابت استغل هذا الاسلوب في شعره وانشد فيه واتخذه نبراسا لقصائده بعد اسلامه .

من جهة اخرى انه كان شاعرا في الجاهلية شاعرا في الإسلام فازداد قوة شعرية ورفعة ومتانة فعمره الطويل وعراكه مع الزمن وتجربته الشعرية وحاجة الإسلام إليه في الذود عنه وعن شخصية الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وتشجيع النبي صلى الله عليه وسلم المستمر له قادته إلى السمو والعلى .

وقال في رد على الشاعر الزبرقان التميمي لما وفدت تميم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة:

هل المجد إلا السؤدد العود والندى

وجاه الملوك واحتمال العظائم

نصرنا وآوينا النبي محمدا

على أنف راض من معد وراغم

بحي حريد أصله وثراؤه

بجابية الجولان وسط الأعاجم

نصرناه لما حل وسط ديارنا

بأسيافنا من كل باغ وظالم

جعلنا بنينا دونه وبناتنا

وطبنا له نفسا بفيء المغانم

ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا

على دينه بالمرهفات الصوارم

ونحن ولدنا من قريش عظيمها

ولدنا نبي الخير من آل هاشم

بني دارم لا تفخروا إن فخركم

يعود وبالا عند ذكر المكارم

هبلتم علينا تفخرون وأنتم

لنا خول ما بين ظئر وخادم

فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم

وأموالكم أن تقسموا في المقاسم

فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا

ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم

(راجع كتابي (شذرات من السيرة النبوية المعطرة)

صفحة \281 وما بعدها)

قال ابن سلاّ م في طبقاته للشعراء متحدثا عن شعراء الإسلام: (وأشهرهم حسان بن ثابت وهو كثير الشعر جيده) من هذا نستنتج إن شعر حسان في الإسلام يضاهي شعره في الجاهلية أو يزيد عليه لنقرأ له هذه الأبيات الإسلامية لنلاحظ قوة شاعريته وصياغته الشعرية وجزالة شعره وبلاغته ونلاحظ تاثير الاسلام على هذه الشاعرية الفذة:

الله ا كرمنا بنصر نبيه

وبنا أقام دعائم الإسلام

وبنا اعز نبيه وكتابه

وأعزنا بالضرب و الإقد ام

في كل معترك تطل سيوفنا

فيه الجماجم عن فراخ الها م

ينتابنا جبريل في أبياتنا

بفرائض الإسلام والإحكام

يتلو علينا النور فيها محكما

قسما لعمرك ليس كالأقسام

نلاحظ جودة شعره وتأثير الإسلام فيه واقتباسه في شعره من آيات القرآن الكريم فما اقتبسه من القران الكريم واحاديث الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم زادت في شاعريته وروت شعره من معينها قوة وبلاغة وسهولة وفصاحة حتى بلغ الذروة حتى يحق لنا ام نقول ان حسان بن ثابت هوامير الشعر و امير الشعراء في صدر الاسلام . رحم الله حسان فهو سيد الشعراء المخضرمين وأسعدهم .

ومن جميل شعره هذه الابيات:

عفتْ ذاتُ الأصابعِ فالجواءُ

إلى عذراءَ منزلها خلاءُ

ديارٌ منْ بَنِي الحسحاسِ قفرٌ

تعفيها الروامسُ والسماءُ

وكانتْ لا يزالُ بِها أنيسٌ

خلالَ مروجها نعمٌ وشاءُ

فدعْ هذا، ولكن منْ لطيفٍ

يؤرقنِي إذا ذهبَ العشاءُ

لشعثاءَ التي قدْ تيمتهُ

فليسَ لقلبهِ منها شفاءُ

كأنّ سبيئةً من بيتِ رأسٍ

يكونُ مزاجها عسلٌ وماءُ

عَلى أنيابها، أو طعمَ غضٍّ

منَ التفاحِ هصرهُ الجناءُ

إذا ما الأسرباتُ ذكرنَ يوما

فهنّ لطيبِ الراح الفداءُ

نوليها الملامةَ، إنْ ألمنا

إذا ما كانَ معثٌ أوْ لحاءُ

ونشربها فتتركنا ملوكا

وأسدًا ما ينهنهنا اللقاءُ

عدمنا خيلنا، إنْ لَم تروها

تثيرُ النقعَ، موعدها كداءُ

يبارينَ الأسنةَ مصعداتٍ

عَلى أكتافها الأسلُ الظماءُ

تطلُّ جيادنا متمطراتٍ

تلطمهنّ بالخمرِ النساءُ

فإما تعرضوا عنا اعتمرنا

وكانَ الفتحُ، وانكشفَ الغطاءُ

وإلا، فاصبروا لجلادِ يومٍ

يعزُّ اللهُ فيهِ منْ يشاءُ

وجبريلُ أمينُ اللهِ فينا

وروحُ القدسِ ليسَ لهُ كفاءُ

وقالَ اللهُ : قدْ أرسلتُ عبدًا

يقولُ الحقَّ إنْ نفعَ البلاءُ

شهدتُ بهِ فقوموا صدقوهُ

فقلتمْ : لا نقومُ ولا نشاءُ

وقالَ اللهُ : قدْ يسرتُ جندًا

همُ الأنصارُ، عرضتها اللقاءُ

لَنَا فِي كلّ يومٍ منْ معدٍّ

سبابٌ، أوْ قتالٌ، أوْ هجاءُ

فنحكمُ بالقَوافِي منْ هجانا

ونضربُ حينَ تَختلطُ الدماءُ

ألا أبلغْ أبا سفيانَ عنِّي

فأنتَ مجوفٌ نَخبٌ هواءُ

بأنّ سيوفنا تركتكَ عبدًا

وعبدَ الدارِ سادتها الإماءُ

هجوتَ محمدًا، فأجبتُ عنهُ

وعندَ اللهِ فِي ذاكَ الجزاءُ

أتَهجوهُ، ولستَ لهُ بكفءٍ

فشركما لخيركما الفداءُ

هجوتَ مباركا، برًا، حنيفا

أمينَ اللهِ، شيمتهُ الوفاءُ

فمنْ يهجو رسولَ اللهِ منكمْ

ويَمدحهُ، وينصرهُ سواءُ

فإنّ أبِي ووالدهُ وعرضي

لعرضِ محمدٍ منكمْ وقاءُ

ومن هنا يتبين ان الشاعرالفطحل حسان بن ثابت (شاعرالرسول) انتقل بروحه من الجاهلية الى الاسلام وتاثر في كل قصص القران الكريم والاساليب القرانية والحديث الشريف وما جاءت به الشريعة الاسلامية اذ تصب في عصره لقربه من الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وقرابته منه حيث انه كان عديله فاهتم به كثيرا وان عمره الطويل عركه فكانت قصائده في مدح الحبيب المصطفى وفي شهداء المسلمين كثيرة فهو بحق امير الشعر واميرالشعراء في عصر صدر الاسلام حيث انه هو الافضل في شعره وافضل الشعراء فيما قالوه في هذا العصر واقربهم اليه مقالة

 

امير البيان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلد روز

 

نور الدين صمودما انفك الشيخ عبد المقصود خوجه يكرم العلماء وأعلام الفكر والمعرفة في ندوته الأسبوعية التي أطلق عليها اسم اليوم الذي تجري فيه الاثنينية وظلت أعمالها تنشر كل ما يجري فيها منذ  سنة 1983 علما بأن صاحب هذه الندوة هو ابن الصحفي الكبير صاحب جريدة أم القرى التي كانت تصدر في خمسينيات القرن الماضي وهو أيضا ناشر كتاب (وحي الصحراء) مع الشاعر عمر بلخير وقد نشر في القاهرة وقدمه إلى القراء محمد حسين هيكل. وقد حضر  الشاعر التونسي نورالدين صمود حفل تكريم الشاعر محمود عارف وهي رقم 9 ثم توالى حضوره لها ضيفا إلى أن شمله التكريم في الندوة التي خصة بها، التي قال فيها مُكرمه عنه الكلمة التالية.

وهذه كلمة صاحب الاثنينية الشيخ عبد المقصود في تكريم  نورالدين صمود.

 

في حفل تكريم الشاعر نور الدين صمود

بسم الله الرحمن الرحيم

الأخوات والإخوة ...الأستاذات والأساتذة الأكارم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يسعدني أن أرحب بكم في هذه الأمسية التي  تزدهي بأحد أعلام الأدب والشعر في تونس الخضراء الذي قدِم منها خِصيِصا لِتـَشـرُفـوا به في هذا اللقاء، وباسمكم جميعًا أتوجه بالشكر والتقدير والترحيب لضيفنا الكريم معالي الدكتور نور الدين صمود، الذي تفضل بتلبية دعوة الاثنينية وتشريفها بتكريمه والاحتفاء به وبمسيرته العطِرة في دنيا الكلمة...

الإخوة الأحبة لضيفنا الكبير وشائج صداقة و محبة و إخاء مع كثير من رجالات الثقافة والأدب والفكر في بلادنا الحبيبة،  فقد عرف الترحال منذ مراحل طلب العلم وأصبح خصلة أحسب أنه قبلها بارتياح لأنها تماهت مع ميوله الشخصية . فهو ذو شخصية منفتحة بطبيعتها نحو الآخر وقد تواصل مع هذا المنتدى منذ وقت طويل في أكثر من مناسبة و كانت له مداخلات وقرأ بعض قصائده المميزة على نخبة من رواد "الاثنينية" أثناء حفل تكريم شاعرنا الكبير محمود عارف – رحمه الله – وذلك بتاريخ  21 .6 .1403 هـ - الموافق .  4  . 4 . 1983  م . وهي كما تعلمون السنة الأولى لانطلاقة هذا المنتدى. وإذ نسعد بتكريمه هذه الأمسية فإنما نفتح صفحة جديدة في دفتر هذه العلاقات الوطيدة التي ظلت نشطة رغم بعد الشقة والشواغل الجمة التي تستأثر بجل أوقاته فهو أديب مطبوع مفتون باللغة العربية مولع بالشعر مبدع في الكثير من أغراضه حتى إنه غامر بدخول عالم الطفل ليخاطب وجدانه شعرا وعندما أقول "غامر" فإنني لا أضع الكلمة جزافا فقد وصف نفسه بهذه الصفة في قصيدته الموسومة "الطفل الخالد" حَـفِيًّا بالطفولة متلفـِّعا بالثورة ناشدا الحرية مع الفراشات و بين الحقول، وقد بدأ بهذا بنيان الصلة من مرحلتها الأولى. ولشاعرنا الكبير صولات وجولات في عالم الشعر والنثر، وله رؤاه التي قد نختلف أو نتفق معه بشأنها ولكننا نحترمها لأنها من عالم سبر غور الكلمة. و تعامل مع مختلف التيارات الأدبية و نظم الشعر العمودي وشعر التفعيلة وتلاقحت أفكاره مع كثير من رواد الأدب والصحافة والفكر في مختلف الدول العربية وغيرها من الدول الشرقية و الغربية بالإضافة إلى مشاركاته التي شملت العمق الإفريقي فهو، بحمد الله، شعلة نشاط ثقافي وأكاديمي لا يهدأ ولم يبخل عليه بهذه الزيارة التي نعتزّ بها رغم عودته مباشرة من رحلتين متتاليتين لكل من البرازيل و السينغال لم يفصل بينهما سوى أيام قلائل، وليس ذلك بغريب عليه لأنه من أُولِي العزم و يكفيه فخرا، في زمن قلّ فيه رواد العزيمة ...و في سياق هذه الإرادة التي لا تلين، يحق لنا أن نهنّئَ ضيفنا الكريم بإنجازه النادر في مجال الإسهام بجهد مقدر، بمناسبة السنة الوطنية للكتاب 2003 حيث اضطلع بمفرده بتأليف ونشر ستة دواوين متتالية أي بمعدل ديوان كل شهرين، وهو عمل يستحق الإشادة و التقدير بكل المقاييس، وقد تعجز عن القيام به بعض الجهات ذات الميزانيات والمكاتب والموظفين إلا الإرادة الصلبة والتصميم على العطاء المميز والاهتمام بكل ما من شأنه أن يخدم لغتنا الجميلة، فالباب الذي يُطرق لا بدّ أن يُفتح، وكسائر بلاد القارة السمراء، كما تعلمون، كانت تونس ترزح تحت نير الاستعمار حتى أواسط القرن الميلادي الماضي، وفي ظل تلك الظروف القاسية، عاش الفتى نور الدين صمود شطرا من شبابه إلى أن تنفـَّستْ بلاده نسمات الحرية من الاستعمار الفرنسي عام 1956 م ، إلا أنها ورثت تركة مثقلة باللغة الفرنسية في كافة أوجه المعاملات الرسمية والتجارية والثقافية وفي هذه البيئة المشبعة بسطوة اللغة الدخيلة نشأ ضيفنا الكبير معتزا بلغة آبائه وأجداده ولم يغترب ثقافيا (بمعنى التوجه نحو الغرب) في وقت كانت اللغة العربية مهيضة الجناح وبالتالي فإن العلوم المتعلقة بها كانت تشكل الحلقة الأضعف في مسيرة التعليم والعمل ومستقبل الشباب، ورغم تلك التعقيدات سار ضيف أمسيتنا نحو مُتـَنـَفـَّسِهِ الطبيعي فتعلّم وقرأ الكثير وجاس بين مجالس العلماء ورياض الأدباء والشعراء في مصر ولبنان منارتي العربية في تلد الفترة  إلى أن حقق مبتغاه ووجد نفسه في إهابه الذي نعرفه اليوم.

 ولعله من الطبيعي أن يجد ضيفـُنا الكبير ميلا فطريا نحو الموسيقى فكان له باع طويل في الموشحات الأندلسية والكلمات ذات الجرس الموسيقي، فلم يتردد في إبداع مئات القصائد التي تهافت عليها الملحنون والمغنون في تونس فشقّـَّت طريقها دون عناء نحو الإذاعة و التلفيزيون لا سيما أن أستاذنا له مساهمات عديدة في هذين الجهازين المؤثّرين وله إطلالته التي يترقبها كثير من محبّي أدبه وشعره من خلالهما، فأسهم بذلك في إثراء الذوق العام التونسي والعربي وحرّك المشاعر التي تهفو إلى الفن الرفيع والأصالة المتجذّرة في وجدان كل إنسان يتمتع بحسّ سويّ وفطرة سليمة.

  إن مسيرة أستاذنا الكريم بما تضمنته من ذكريات ما قبل الاستقلال ونشاط ملحوظ وتحولات جذرية في عهد الحكم الوطني وانطلاقته في ميدان التعليم العام والجامعي وعلاقاته بالوسط الفنّي ومساهماته الإذاعية والتلفزية ورحلاته العديدة إلى مختلف أنحاء العالم واحتكاكه بكثير من الشعوب ورهافة حسّه كشاعر مبدع وتدفق بيانه السردي .. كل هذه المنظومة المتشبّعة التي تتجسد في شخص ضيفنا الكريم تجعلني أنظر إليه ككاتب من طبقة خاصة لمشروع رواية تعتمل في داخله، إلا أنها لم تكتمل بعد، قد يخطها بنفسه أو يتناولها كاتب آخر ليسكب من خلالها خلاصة تجاربه الثرية وأفكاره النيّرة ومشاهداته وأسرار لقاءاته مع كبار الأدباء الذين عاصرهم آخذين في الاعتبار أن ضيفنا الكريم يتمتع بروح الفكاهة والمرح وسرعة البديهة مما يكسب قلمه طلاوة وحلاوة. فكما أن الجالس إليه لا يملّ سماعه فإنني أثق بأن قارئ ترجمة حياته سيجد بين طياتها الكثير والمفيد.

وكم كان كريما دائما بتواصله بشخصي الضعيف لا يكلّ ولا يملّ برسائله الثرية بتصويب كثير من المواقف لغويا وأدبيا عبارة ونقدا فأمتعني عبر هذه المسيرة الطويلة من صداقتنا التي هي محلّ إعزاز واعتزاز بالغ مثـّّلتْ في مجملها طرحا أدبيا مما يُسمى أدب الرسائل الذي أنا به مولع والذي أحرص عليه مع مَن يسعدني بهذا التوجه. وهذا ما يجعلني أشير أن هذا الباب، مع قلة من لا يزال يسعى به ومعه وله بأنهم يحافظون على البقية الباقية كُسِرَ فيه القلم مع الأسف وهِيض جناحه وجَـفّ قرطاسه، ولكن لا تزال إرهاصاته تعيش نتاجها الذي يحمد فيشكر . ولنا أن نقدم العذر لضيفنا إذ لو كان التكريم يتم وفقا لآليات الأولويات لكان صاحبه قبل كثيرين غيره، ولكنها الظروف التي تقودنا وتسيرنا، ولا نقودها ولا نستطيع أن نسيرها، رغم الجهود التي تبذل والآمال التي نعلقها على الرغبة والإرادة، ويبقى دائما الخير فيما اختاره الله عز وجل.

مرحبا بضيفنا الكبير في حله وترحاله، سعداء بتشريفه هذه الأمسية التي طالما تقنا إليها، فما قصرت منا الخطى، وما هان عليه اللقاء، إلا أنها أمنية تأجلت أكثر من مرة بسبب ازدحام برنامج معاليه، فأهلا وسهلا ومرحبا به بين أهله ومحبيه، متمنيا لكم أمسية ماتعة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته عبد المقصود خوجه

 

وأختم بتعليقي على كلمة صاحب الاثنينية: شكرا موصولا لمن ذكـّروني بهذه المَأْثـُرة ولا يعرف الفضل إلا ذووه. ن  ص

 

محمد السعديقد يسأل البعض؟. أو تستغرقه دهشة الفضول، ما الهدف من الكتابة عن شخصية ظلت محيرة ومنسية ومجهولة للبعض في وسطنا العربي، وغير معنية بالأهتمام في تسليط الضوء عن دوره الرؤيوي والمهم في المعترك السياسي العربي والأفريقي .

في مراحل متقدمة قرأت عنه نتفاً في بعض الادبيات والمواقع بها أشارات مهمة عن دوره كقائد يساري في البناء الثوري للمجتمعات العربية / الأفريقية. في الأيام الأخيرة من نهاية هذا العام ٢٠١٩ . نشرت جريدة الزمان البغدادية ثلاثة حلقات في تقديري مهمة وجديرة بالقراءة للدكتور عبد الحسين شعبان حول شخصية محورية وتاريخية الدكتور نوري عبد الرزاق في أستعراض تاريخي لأهم محطات حياته السياسية والادوار الكبيرة لقادة وثوار ومناضلين، كان من بينهم المغدور مهدي أبن بركه، وقد حفزني مانشره الدكتور شعبان سابقاً أن أعرج على الشخصية العربية المهمة، وأعني به المهدي أبن بركه، وفي تعريف العالم بدوره الكبير في التحرر والحرية .

المهدي أبن بركة … ولد في الرباط (المغرب) العام ١٩٢٠ لأبوين مغربين . ويعتبر من ألمع السياسيين المغاربة فكراً ونهجاً بأتجاه الفكر الاشتراكي وحركة اليسار العالمية، منذ بداياته الأولى، أولى أهتماماً كبيراً بتجارب الشعوب وحركات التحرر والبؤر الثورية . ويعتبر أكبر معارض أشتراكي للملك الحسن الثاني . عرف كأصغر سياسي في بلاده المغرب من خلال التوقيع على وثيقة قدمت الى الملك محمد الخامس في العام ١٩٤٤ تدعو الحكومة والملك الى أستقلال المغرب من الهيمنة الفرنسية وعودة العائلة الشرعية للحكم بعد خلعها عن دفة الحكم رغم معارضته الشديدة لطبيعة أداء المملكة المغربية لأدارة الحكم، لكن هناك أولويات في السياسة والنضال هو الوطن، وكان في حينها عمره لايتجاوز ٢٤ عاماً . نحن العراقيين لنا تجربة ربما مماثلة لهذا المواقف النضالية التاريخية في العام ١٩٤١ حركة رشيد عالي الكيلاني ومعركة (سن الذبان) عندما طالب الشهيد يوسف سلمان يوسف (فهد) رفاقه الشيوعيين عبر قضبان السجن بمقاومة المحتلين رغم معارضته الشديدة لنظام الحكم الملكي في البلد وما يتعرض له الشيوعيين من قمع وملاحقات . 

أعتقل أبن بركة على أثر تلك الوثيقة وتأثيرها على حركة الشارع المغربي في التوق الى الحرية والاستقلال لمدة زمنية في السجون المغربية، وبتأثير حركة الاحتجاج في الشارع المغربي أطلق سراحه وعاود نشاطه الوطني والقومي من جديد ليتزعم قيادة حزب الاستقلال المغربي وهو أكبر حزب في المغرب . وفي مواكبته لحركات التحرر وقوى اليسار العالمي . أرتبط بعلاقات نضالية متميزة مع قادة عالميين وشخصيات مؤثرة في حركة التاريخ .جيفارا، أحمد أبن بله، جمال عبد الناصر. أرادوا هؤلاء بعقد مؤتمر للقارات الثلاثة أفريقيا، أسيا، أمريكيا اللاتينية مما أثار حنق الامريكان وغضبهم ومحاولتهم في أفشاله ومن جهة السوفييت لم برحبوا به لوجهات نظره المعارضة لسياستهم . المؤتمر الذي كانوا ينوون عقده بالعاصمة هافانا سنة ١٩٦٦، وكان هدفه خلق تكتل سياسي دولي أكبر حجماً وأستقطاباً وأكثر فاعلية من تنظيم دول عدم الانحياز، وذلك بهدف التصدي لإخطبوط الامبريالية داخل دول القارات الثلاث، والعمل على تحريرها من هيمنته المقيته، وهو ما أثار حفيظة زعيمة الامبريالية العالمية الولايات المتحدة، وبذلك أصبح هدفاً مطلوباً . في العام ١٩٦٥ في زيارته الثانية القائد البوليفاري أرنستو تشي غيفارا الى الجزائر بدعوة لدعم شعوب إفريقيا وأسيا ألقى خطاباً تاريخياً مهماً وجه نقداً لاذعاً الى مواقف السياسية السوفيتية بعد أن عاد من لقاء مع الرئيسي السوفيتي ليونيد بريجينيف وطلب منه أن يمنح لثوار العالم الأسلحة مجاناً من أجل مقاومة الأمبريالية ولم يلقي تجاوباً من الرئيس السوفيتي مما حمل في خطابه اللوم على تلك السياسة .

وفي خضم تلك التداعيات والصراعات الدولية وأحتواء بلدان الغير والسيطرة عليها . أتضببت فكرة عقد المؤتمر للقارات الثلاثة، حيث أختطف المهدي أبن بركة من مطعم (ليب .. Libe) في شارع سان جيرمان في قلب العاصمة الفرنسية في باريس، في يوم ٢٩ أكتوبر ١٩٦٥، أثناء موعد له مع مخرج فرنسي حول أعداد سيناريو لفلمه حول (حركات التحرر)، وكان للمخرج يد في ترتيب أختطافه، ولم يتم هذا اللقاء وعند خروجه من بوابة المطعم والمشي في الشارع الرئيسي أستوقفته سيارة شرطة بها شرطيان وقاداه الى فيلا بأطراف باريس بالاتفاق مع المخابرات المغربية، كما كشفا بعد ذلك أمام ملفات التحقيق، ومن ذالك التاريخ وما زالت التكهنات تحيط حول مصيره، والذي لم يكشف عنه الى الآن رغم كل مناشدات عائلته وصحبة ومنظمات حقوقية وحركات تحرر . وأطيح ببن بله في أنقلاب قاده الهواري بو مدين في ١٩ يونيو (حزيران) ١٩٦٥ . وأختفى جيفارا بعد أن توجه الى الكونغو العام ١٩٦٥ . وأستشهاده البطولي في أحراش بوليفيا على يد جنود الجيش البوليفي بعد أن أوشى عن تحركاته ومكانه راعي أغنام بوليفي العام ١٩٦٧.

شهدت مملكة المغرب في العام ١٩٦٥غليان سياسي وشعبي ضد الملك وحكمه في أدارة ملفات ومطالب الشارع المغربي مما أزدادت شعبية المعارض اليساري المهدي أبن بركة، والذي يتنقل في عواصم أوربا بجواز جزائري ويدعو في نضاله الى تغير النظام الملكي، مما أثار حنق السلطات المغربية، أدت الى تغيبه في أطار التعاون مع المخابرات الإسرائلية في العاصمة باريس، وتشير بعض الدلائل بعد خطفه الى فيلا في أطراف مدينة باريس أشرف على تعذيبه وقتله وزير الداخلية المغربي (محمد أوفقير) والجنرال أحمد الدليمي مدير المخابرات المغربية، اللذان قتلا في ظروف غامضة في المغرب لطمس معالم الجريمة، وفجر قتله في أسرائيل أزمة بين أركان الحرب . وتعتبر مسألة الأختفاء القسري للمهدي أبن بركه إحدى الجرائم السياسية الكبرى في القرن العشرين . وقد شهد العراق في هذا القرن غياب وأخفاء شخصيات مهمة وعلى عدة مستويات للدكتور صفاء الحافظ، والدكتور صباح الدرة، وعايدة ياسين، ودارا توفيق في مطلع الثمانينات في بغداد، وأختفاء ناصر السعيد في العاصمة بيروت في فترة مقاربة . 

وفي فترات تاريخية متعاقبة شهدت العاصمة باريس سلسلة أغتيالات سياسية لناشطين ضد أنظمتهم وعلماء ورجال أقتصاد بنشاط محموم من المخابرات الاسرائيلية (السافاك)، كما وقع مع العالم الفيزيائي المصري (يحي المشد) المساهم في وضع اللبنات الاولى لولادة المشروع النووي العراقي بالتنسيق مع حكومة الرئيس الراحل جاك شيراك، حيت تم أغتياله في غرفته في أحد فنادق باريس عبر فتاة بائعة الهوى (مومس)، وتعرضت فيما بعد الى دهس بسيارة في أحد شوارع باريس ليتم تغيبها .

في ١٤ تموز ١٩٥٨ وقع إنقلاب عسكري في العراق وبتأيد وإسناد جماهيري وشعبي كبير مما سرعان ما صنف بثورة ضد النظام الملكي، في يومها طلب المهدي أبن بركة مقابلة الملك محمد الخامس الذي أستقبله وطلب منه أن يعترف المغرب بالنظام الجمهوري في العراق، فقال له الملك محمد الخامس هل تطلب مني أن أعترف بالذي أطاح بنظام ملكي وأن ملك، فأجابه المهدي بقوله : أنت لست أي ملك، بل أنت ملك التحرير الذي لايشبهه أي ملك، فالملكية المغربية كانت عبر التاريخ رمزاً للجهاد ومدرسة للوطنية، عكس ملكيات المشرق العربي التي صنعها الاستعمار الانكليزي . وكان أن صدر في نفس اليوم بيان الاعتراف بالنظام العراقي الجديد، وزار محمد الخامس فيما بعد العراق وأستقبله الزعيم عبد الكريم قاسم .

وفي تطورات الحياة السياسية في المغرب، أصبح أبن بركة عضواً برلمانياً الى جانب زعماء سياسيين مغاربة، إلا أنه لم يمارس مهنته كبرلماني، فأختار العيش في المنفى، وكانت محطته العاصمة باريس، بعد أن شعر بأن القوى الرجعية كثفت من تحركاتها ضده وضد توجهاته، إذ سرعان ما أتهم بتدبير الانقلاب على النظام الملكي، فيما عرف بمؤامرة ١٩٦٣ التي وقعت فيها محاكمة العديد من العناصر الوطنية، وصدر في حقه غيابياً حكم بالإعدام، الذي أجبره الى الإقامة في المنفى، وظل يواصل من هناك نشاطه السياسي ومعارضته للنظام، وخلال تلك الفترة كتب بيانه السياسي والإيديولوجي، على غرار البيان الشيوعي لكارل ماركس ١٨٤٨، وأطلق عليه أسم (الاختيار الثوري)، وهو البيان الذي وضع فيه تصوره لمغرب تقدمي أشتراكي، وتكون فيه وسائل الأنتاج ملكاً للدولة وحدها، ولكنه أخفق ولم يتحقق شيء يذكر على الصعيد العملي في بيئة مثل البيئة المغربية الإسلامية المثقلة بالتقاليد والاعراف . 

 

محمد السعدي

مالمو / كانون الثاني/ ٢٠٢٠

...............................

المصادر ..

كوبا الحلم الغامض / دار الفارابي بيروت ٢٠١٠ .

الصحفي المغاربي سعد الكنس .

 

صادق السامرائيقامة عراقية ثقافية فكرية مناضلة مكافحة إنسانية سمقاء، يفخر بها العراق ويتباهى بدورها الفكري الخلاق، الذي فتح آفاقا معرفية ورسم ملامح صيرورة إدراكية ذات قيمة حضارية شماء.

عزيز الحاج الذي قرأنا له العديد من المقالات وتابعنا كتبه وما يطرحه من رؤى وأفكار وذكريات، وتجليات وإقترابات وإنعكاسات وتأملات ودراسات وتحليلات.

وكنت من قرائه في الصبا ومتابعا لكتبه بعد ذلك، وكم تناقشنا بما طرحه وتناوله من أفكار، فالرجل ماركسي الهوى والتوجهات، لكنه حاول أن يبني تجربة ذات قيمة عملية وتأثير معاصر في الواقع العراقي والعربي، ويبدو أن التصدي لمحاولاته قد تعاظم، وجهوده قد تحاصرت، فما وجد بدا من الإعتزال والإمعان بالتفكير والنظر في أمور تخص الواقع العراقي والعربي والإنساني.

وبرغم ما يُقال عنه ويُذكر من قبل الآخرين، لكنه عَلم عراقي يستحق الإستذكار والتقدير والإحترام لعطائه الثاقب الحصيف، الذي يمكن الإستفادة منه لبناء تجارب ذات قيمة إنجازية عملية تضاهي ما تحقق في بلدان أخرى، مضت على ذات النهج وطوعته ليتوافق مع مفردات ما فيها من القدرات والطاقات والعادات والتقاليد.

عزيز الحاج فيما يكتبه إجابة واضحة ودامغة على الأسباب التي أودت بالأحزاب الشيوعية في الواقع العربي، وتشخيص سريري صائب لما أصابها من الأمراض والنكسات والإحباطات والتآكلات،  التي أودت بحياتها ووضعتها على قارعة طريق الويلات والتداعيات، ورمتها في وديان المنبوذات، ووجهت ضدها العمائم التي راحت تتهدج بخطبها على منابرها الناقمة على ما جاءت به من رؤى ومنطلقات.

عزيز الحاج كان من الممكن أن يبني تجربة قويمة ويضع الحزب الشيوعي في مساره المقبول والمتوافق مع الواقع العربي، لكن القوى المضادة لمساره ورؤيته حتمت عليه الخروج من دائرة التفاعل المتوثب للوصول بالتجربة إلى منتهياتها العملية، وإنجازاتها المعبرة عن حقيقة المعنى الفكري والرؤيوي لمنج مسيرة نجحت في العديد من المجتمعات وانتكست في مجتمعاتنا، لما رافقها من زوابع عدوان ورفض وإتهام لا يتصل بجوهرها الإنساني ومنطلقها الثوري النضالي الجديد.

تحية لهذا الجهبذ المعرفي النضالي الذي توفي في غربته كأي العراقيين الأفذاذ الميامين.

وإن العراق ولودٌ وَواعدٌ!!

 

د. صادق السامرائي

21\1\2020

 

 

في العاشر من ديسمبر من عام 2018 نشر الأستاذ رشدي أباظة مجموعة مقالات عن الشيخ عبد الحميد كشك في مجلة روزا يوسف وسماها بعنوان “الشيخ كشك.. المنولوجست الدينى”، وذكر الكاتب أن سبب كتابته لتلك المقالات أنه كان قد تلقى سؤالا من الشيخ كشك، وهو أى الدعاة أخطر.. دعاة «السلطان» أم دعاة «الجماهير»؟ . وهنا أجاب الكاتب بدولة السلطان، لكن الشيخ كشك قال بل دعاة الجماهير هم الأخطر وأشد تنكيلا!

وبالفعل صدق كلام الشيخ كشك في دعواه خصوصا مع تلك الشخصية التي أتحدث عنها في هذا المقال وهو الشيخ الصادق الغرياني (الملقب بعراب الإرهاب)، والذي أصفه بالمنولوجست الليبي، ولما كان المقصود بالمنولوجست  هو ذلك الشخص الذي لديه القدرةُ على إضحاك الجمهور وتسليتهم عن طريق تقليد الآخرين، وأيضًا عن طريق الغناء وإلقاء النِّكات، وما شابهها من فكاهات؛ فنفس الشئ يطلق علي هذا الرجل الذي تمكن من أن علي يُضحك بالناس باسم الدين من خلال الفتاوي التي يصدرها، فالغرياني كما هو معروف عنه هو ذلك الرجل الذي نصبته الميليشيات الإخوانية مفتيا عاما للديار الليبية في فبراير 2012، وكان أحد المروجين لمشروع سيف الإسلام القذافي قبل ثورة 17 فبراير التي أطاحت بنظام القذافي.

وكان مشروع "ليبيا الغد" الذي أطلقه سيف القذافي عام 2001، هو السبب في بروز الغرياني في الأوساط الليبية، حتى أنه اعتبر الواجهة الدينية للمشروع برفقة الشيخ علي الصلابي، زعيم إخوان ليبيا، فقبلها كان مجرد مدرس للعلوم الشرعية في جامعة الفاتح بطرابلس.

وعقب اندلاع الحرب الأهلية في ليبيا وسقوط النظام  تحول الغرياني بدرجة 180 درجة، فالرجل الذي كان عرابا لمشروع سيف الإسلام القذافي تحول في ليلة وضحاها ليصبح عرابا للدماء، والمفتى الحصري للجماعات المتطرفة؛ ففي خلال سنوات الحرب الثمانية اعتمد المتطرفون الليبيون على فتاوى الغرياني، والتي طالب من خلالها الجماعات الإرهابية، برفع السلاح ومحاربة قوّات الجيش الليبي، حتى أصبح أحد أبرز المساهمين في انتشار الفوضى وتعزيز الانقسام في ليبيا.

ويذكر أن الغرياني برز في "سوق الفتاوى المتطرفة" منذ ثورات الربيع العربي في عام 2011م وذلك عندما أصدر فتوى بضرورة خروج الليبيين لنصرة المتظاهرين أمام نظام العقيد معمر القذافي. وقال في فتواه: "إنّ الخروج إلى المظاهرات فرض عين لمساندة الإخوة المكلومين في باقي أراضي البلاد، وإن البلاد تعاني غزوًا أجنبيًّا من مرتزقة أفارقة يموَّنون من حكومة طرابلس إلى بنغازي عن طريق جسر جوي".

وفي عام 2012، أعلن في سلسلة من الفتاوى المتتالية، انحيازه التام إلى تيار الإسلام السياسي في ليبيا ودعمه للجماعات المتطرفة، حيث كان يدعو في كل مرة الليبيين إلى التقاتل، محرضاً على العنف؛ ومن أغرب الفتاوى التي خلفت جدلاً واسعاً، تلك التي استهدف فيها قوات الجيش الليبي في حربها لتحرير البلاد من التنظيمات الإرهابية، حيث أفتى بهدر دم القائد العام للجيش الليبي خليفة حفتر وجنوده، ودعا إلى الخروج للقتال ضدهم بدعوى "الجهاد".

كما أفتى الغرياني بعدم جواز الصلاة خلف من يدعو لنصرة حفتر، قائلاً "لا تجوز الصلاة خلفهم ولا سماع كلامهم، لأنّ الحرام لا يجوز سماعه ولا تجوز رؤيته، وهكذا العلماء يقولون الحرام إذا كان شيء حرام لا يجوز لك أن تسمعه، ولا يجوز لك أن تراه، ولا يجوز للمسلم أن يصلي خلفهم أو يجلس عندهم أو يستمع لهم أو ينظر إليهم. إلى ذلك، أصدر فتوى تقول "إن من ينضم إلى حفتر ويموت معه، يخشى أن يموت ميتة جاهلية، في حين كل من يقاتله ويموت فهو شهيد وفي سبيل الله".

في المقابل، دافع الغرياني الذي يقيم في تركيا، بشدة عن الجماعات المتطرفة والمليشيات المسلّحة في فتاواه، حيث سعى في كل مرّة إلى الدفاع عنها وتبرئتها من كل الأعمال الجرمية، حتى إنه أجاز دفع أموال الزكاة للجماعات المسلحة لشراء المقاتلين والسلاح.

ودعا الغرياني، الذي يلّقب في ليبيا بـ«مفتي الدمّ والفتنة»، على غرار يوسف القرضاوي، من سمَّاهم بـ«المجاهدين وكتائب الثوار للنفير بعدتهم وسلاحهم إلى العاصمة طرابلس»، زاعمًا أن «الجهاد والقتال ضد العدوّ واجب وفرض عين على كل قادر ولا يجوز التخلي عنه...»، كما طلب من قادة الكتائب المقيمين خارج البلاد، وبالتحديد في تركيا (خاصة عناصر مجلس شورى بنغازي، المصنّف تنظيمًا إرهابيًّا) بسرعة العودة فورًا إلى ليبيا والتوجه لجبهات المعارك، وقتال عناصر الجيش الوطني الليبي.

كما فضح الغرياني  الدور القطري المشبوه في بلاده، بعدما اعترف القيادي الإخواني باحتيال تنظيم الحمدين القطري لتنفيذ مخططاته لإسقاط الدولة الليبية، وتفجير الانقسامات الداخلية، عبر مد الميليشيات الإخوانية بالسلاح والعتاد، ولذلك خلال الأيام الماضية، تداول رواد موقع تويتر مقطع فيديو للغرياني، المقرب من قيادات جماعة الإخوان الإرهابية بليبيا، يعترف فيه بتمويل قطر للحركات المسلحة في ليبيا.

وثمة نقطة مهمة أخري أود الإشارة إليها هنا وهي أنه عندما أن قررت بلدية طرابلس في الأيام الماضية، تعليق الدراسة لمدة أسبوع بسبب الاشتباكات والقذائف العشوائية، حفاظا على سلامة الطلاب، ظهر الشيخ ‫الصادق الغرياني بموقف مخالف لهذا الإعلان الذي رأى في سلامة المدنيين والطلاب ضرورة.

وتساءل الغرياني عن سبب عدم تعطيل المدارس في المدن الأخرى بخلاف ما حصل في مصراتة، وقال: هل وحدها التي تعطل فيها المدارس والأعمال من أجل الوطن وباقي المدن لا يعنيها الأمر؟

سؤال الغرياني يبحث عن تجاوب الجميع مع هدفه وهو حمل الجميع صغارا وكبارا السلاح والتوجه نحو جبهات القتال؛ ويرى مراقبون أن قرارات وفتاوى “ارتجالية” بدأت تظهر في وقت صار فيه الجيش هو الأقرب إلى وسط طرابلس وهو ما جعل من تلك القيادات تحاول الضغط على المدنيين ليصبحوا وقودا للحرب.

وقال الغرياني "إن قطر فضلها عظيم على الثورة الليبية، ويجب أن نعترف بحقها وأن نكن بالوفاء لحكامها لأنه من لا يفي يكون أقل مرتبة من الكلب؛ وأضاف: "كنا في أحلك الظروف وقطر تمد إلينا يد المساعدة واحتالت بشتى الطرق لإسقاط نظام القذافي، حتى أنها قدمت الأسلحة والذخائر للمقاتلين ضمن شحنات الأدوية التي دخلت ليبيا".

ولم يكتف الغرياني بذلك بل خرج عن السياق العام، مواصلًا سلسلة الفتاوى المثيرة للجدل، التى تكشف عن محاولات مشبوهة لتوظيف الدين في دعم الجماعات والميليشيات المسلحة؛ حيث جدد الغرياني الإفتاء بـ«عدم تكرار أداء فريضة الحج والعمرة، وتوجيه نفقاتهما لدعم الفصائل المسلحة –الميليشيات - التي تقاتل الجيش الليبي".

وقد أثارت فتوى الغرياني لاستهجان، كما أثارت فتوى سابقة له بـ«إخراج زكاة المال للفصائل المسلحة في طرابلس»، زاعمًا أن القتال ضد الجيش الوطني الليبي «جهادًا»، محرضًا في الوقت نفسه على قتل القائد العام للجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر وجنوده، مشيدًا بما تقدمه قطر من دعم للفصائل المسلحة (الميليشيات الإرهابية في طرابلس).

ومن الملاحظ أن المشكلة في فتوى الغرياني أن متطلباتها سياسية لا دينية؛ فالفتوى الدينية هي التي تراعي مقتضى الحال والتي تهتم بأمر المسلمين كافة، دون تمييز ولا تخصيص، حيث وُجِّه كثير من الانتقادات إلى الصادق الغرياني؛ سواء أكانت في ليبيا أم خارجها، فهو لا يكف عن الزجّ بالدين في أعمال السياسة؛ ففي يوليو 2012 وقبيل أول انتخابات عامة تشهدها ليبيا منذ نحو 46 عامًا، طالب الغرياني الناخبين الليبيين المتوجهين إلى الاقتراع في انتخابات المؤتمر الوطني العام بعدم التصويت لتحالف القوى الوطنية الذي فاز لاحقًا في الانتخابات، وعدم التصويت لمحمود جبريل باعتباره “مناصرًا لليبرالية”؛ ليثير الغرياني لغطًا في فترة الصمت الانتخابي.

كما أن هناك بعض الفتاوى والآراء التي تتدخل في عديد من شؤون الدولة التي تعد خارج اختصاصات المفتي، حسب آراء عدة، كما حدث في خطابه بشأن أحداث سرت، واستخدامه الدين للتحريض ضد حفتر، والدعوة للانضمام إلى سرايا طرابلس علنًا، فضلًا عن إفتائه بحرمة التظاهر في بنغازي، ورأيه بشأن أحداث مدينة بني وليد، ومحاولاته فرض رؤية خاصة حول ما يتعلق بكتابة الدستور الجديد لليبيا؛ مما جعل البعض يراه (تهديدًا لمدنية الدولة) حسب رأي نشطاء في المجتمع المدني والمهتمين بقضايا الحريات في ليبيا.

وقد طالبت جهات وشخصيات في ليبيا بعزل الصادق الغرياني، من منصبه؛ لأسباب مختلفة أبرزها جاء من رئيس المجلس الانتقالي السابق في ليبيا المستشار مصطفى عبد الجليل، الذي صرَّح في 11 يونيو 2014 بضرورة عزل الصادق الغرياني من  منصبه؛ بسبب فقدانه شرطًا من شروط الأهلية، وهو فقدان ثقة الليبيين به، حسب ما نصّ عليه قانون تعيين منصب المفتي. كما انتقد فتاويه كثير من العلماء؛ خصوصًا فتواه الخاصة بوجوب مقاتلة قوات الجيش الوطني التي يقودها المشير خليفة حفتر ضمن عملية الكرامة.

في أغسطس 2014، طالبت اللجنة الوطنية الليبية لحقوق الإنسان مجلس النواب بإعفاء المُفتي العام للديار الليبية الشيخ صادق الغرياني، من منصبه، ورفع الحصانة عنه؛ حيث قالت اللجنة: “إن هذا القرار جاء بعد رصد اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان دعوات صريحة للمُفتي العام للديار الليبية، بالتحريض على ممارسة وإثارة العنف وتصعيده وتحريضه على القتل والتعذيب والتمييز وانتهاك حقوق الإنسان من قِبَل الغرياني عبر وسائل الإعلام، والتي تنذر بحدوث حرب أهلية وتؤثر سلبًا على الأمن والسلم الاجتماعيين للمجتمع الليبي”، كما طالبت بإحالته إلى التحقيق مِن قِبَل مكتب النائب العام.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عصمت نصار(1)

درج النقاد على النظر إلى الحكماء والفلاسفة والمفكرين من زاويتين: أولاهما مدى التزام المفكر بنهجٍ يكفل لآرائه وتصوراته النسقية الاتساق. أمّا الزاوية الثانية الوقوف على أثر تلك الأفكار في مجتمعه بخاصة، وميدان النظر أو الحقل المعرفي والبنية الفلسفية بعامة، وذلك كله لتقييم الفيلسوف من حيث الأصالة والاجتراء.

وقد تعددت دلالات مصطلحي الأصالة والاجتراء في معاجمنا العربية؛ فنزع بعض اللغويين إلى أن الأصيل هو ثابت المنبت وعريق الأصول، شأنه شأن الأصيل الثابت القديم، وذهب البعض الآخر إلى أن الأصالة هى موطن الجِدّة والطرافة والابتكار والاجتهاد. وعرفت المعاجم الاجتراء بأنه أقرب إلى الشجاعة منه إلى التهور؛ فالمجترئ على المعتقدات والقيم البالية والأوضاع الفاسدة والأمور الغامضة، هو الشجاع المجتهد والحاذق. أمّا الجاحد لثوابت العقل الجمعي ومشخصات الهوية هو الثائر المتهور الناقم على واقعه والمتطاول على أساتذته ودونه مكانة ورفعة.

وبهذه المعايير وصفت جل كتابتنا «أفلاطون» بأنه فيلسوف على الأصالة ووصفت «لوثر» و«فولتير» و«هيوم» على أنهم فلاسفة مجترئون. وفى ثقافتنا العربية وُصف العلماء والمتفلسفة والأدباء الموسوعيون بأنهم حكماء ورؤساء أهل الرأي وأهل الدربة والدراية، ومنهم «الفارابي»، «ابن سينا»، و«ابن رشد». وفى العصر الحديث لقب «حسن العطار» وتلاميذه ومنهم «رفاعة الطهطاوي»، و«محمد عياد الطنطاوي» بالشيخ الفقيه الحكيم. وأطلق على «محمد عبده» لقب الأستاذ الإمام.

وقد ميّز النقاد بين الفلاسفة والحكماء أرباب الاتجاهات والمدارس والمنابر والمشروعات، وبين المثقفين أصحاب الرؤى والخطابات النقدية، وذلك تبعًا لأصالة المنهج وعمق الأفكار وفاعلية الخطابات، والقدرة على تطبيق المشروعات التى ساهمت بدورها في إصلاح المجتمع وتجديد المعتقدات وتطوير وتحديث المتغيرات، بالإضافة إلى قوة سهامهم وسعة دلوهم في مناقشة القضايا الخمس الرئيسية في الفكر العربي الحديث، ألا وهى (التراث، التجديد، الوعي، الحرية والإصلاح).

ومن هذا السبيل، يمكننا تقييم فكر «مصطفى لطفى المنفلوطي» بوجه عام، فنجده من أكثر معاصريه أصالة في محافظته على المشخصات والهوية من جهة، والأسبق في التواصل مع الأغيار لتجديد البالي من الأفكار، وتحديث ما علق في الأذهان من معارف وتطوير ما ألفه المثقفون من نهوجٍ وآليات وبرامج وتصورات.

شأنه في ذلك شأن «الشيخ حسين المرصفي (نحو 1810م - 1889م)»، و«محمد فريد وجدي (1878م - 1954م)»، و«محمد لطفى جمعة (1886م -1953م)»، و«أحمد حسن الزيات (1885م - 1968م)»؛ فجميعهم لم يدرج في قائمة الفلاسفة بالمعنى التقليدي، غير أنهم كانوا من أكابر المفكرين الموسوعيين، وقادة الرأي في الثقافة المصرية، وكان لهم أثر لا ينكر في تطوير المجتمع وتحديثه، وتجديد الفكر العربي الإسلامي في العصر الحديث، رغم إدراجهم ضمن المحافظين، الأمر الذى نفعنا لتناول أفكارهم بالشرح والتحليل في المقالات التالية.

أمّا «المنفلوطي» فحسبنا أن نلقى مزيدًا من الضوء حيال موقفه من قضية (الأنا والآخر) أو «الفلسفة الغيّرية» أو الفكر الوافد الجديد والتسامح الفكري مع المخالفين، وذلك ليكون دليلًاً متممًاً على وجهته الإصلاحية ونزعته التجديدية رغم ارتدائه عمامة المحافظين الأزهريين.

فها هو يصف المتعصب لدينه والمنتصر لرأيه والمحافظ على وجهته؛ بأنه ذلك الذى يعمل بمقتضى ما يؤمن به؛ فلا يحيد عنه ولا يكفر به إلا إذا ثبت له زيّف ما كان يعتقد وإفك ما ألف تصديقه، وإن جاء برهان الحق على لسان الأغيار أو في حكمة المخالفين.

أما الأحمق هو المنكر دومًا لكل ما يناقض ما يعتقد دون أدنى تدبر أو تعقل بل ويُمعن في مناصبة العداء لمخالفيه ومناظريه حتى وإن كان الحق معهم.

فهو يتفق في ذلك مع «جمال الدين الأفغاني (1838م - 1897م)» في تأكيده أن العصبية ليست بالضرورة تعنى العنف وبغض الأغيار، فالجانب الإيجابي منها هو التمسك والانتماء والاجتماع والاتحاد بالأصيل من المشخصات والعمل بمقتضاه دون كراهية أو عنف تجاه الرأي المناقض لما يعتقد.

فكلاهما ينهى عن الانتصار للباطل أو الإجماع على الأمر المشكوك في صحته، أو التطرف في الخصومة، الأمر الذى يرهب من حرم الله الاعتداء على أعراضهم وأموالهم وحقن دمائهم.

ويميز «المنفلوطي» بين التهاون والتسامح؛ فالتهاون في رأيه هو ترك كل ما يجب التمسك به والحفاظ عليه والانتصار له والحرص على تفعيله من المكارم والفضائل، أما التسامح فهو «لين الجانب ومسالمة المخالفين، بحيث لا تعد تلك الفروق الدينية التى بينه وبينهم وسيلة إلى بغضهم أو مناضلتهم، أو نصب الغوائل لهم، أو سد سبل العيش في وجوههم.

والغضب لا يخرج من دائرة الرذائل إلا إذا كان دفاعًا عن الحق أو صونًا للكرامة.

ولعلّ هذه الكلمات والعبارات المتناثرة في كتابته وأقواله تكشف عن دقته وحرصه على تحديد المفاهيم وتقويم ما علق في الذهن من أوهام السوق (الألفاظ التى يجريها العوام)، وأوهام المسرح (المصطلحات التى ترد في أحاديث المشاهير).

والتدين في رأيه من الفضائل إذا كان صاحبه يأمر بالمعروف بغير منكر وينهى عن المنكر بالمعروف، ويعمل المتديّن بمقتضى ما يأمر به دينه، وما ينهى لمنفعة الناس وصلاح أحوالهم، ومن أقواله في ذلك «الدين لا يزال غريزة من الغرائز المؤثرة في صلاح النفوس وهداها حتى يتمرد على الإنسانية ويعتزلها فإذا هو شعبة من شعب الجنون».

ويرد «المنفلوطي» على كل من يدعى أن الانتماء للوطنية يتعارض مع الولاء للدين، مبينًا أن للولاءات درجات وحلقات متشابكة، فالانتماء للوطن لا ينبغي أن يدفع المرء لمعاداة الجيران أو التعصب للدين إلى درجة كراهية الأغيار من المواطنين؛ فالطائفية ضد الوطنية والدين معًا : «الوطنية لا تزال عملًا من الأعمال الشريفة المقدّسة حتى تخرج عن حدود الإنسانية؛ فإذا هى خيالات باطلة وأوهام كاذبة».

«من لا خير له في دينه لا خير له في وطنه؛ لأنه إن كان بنقضه عهد الوطنية غادرًا فاجرًا فهو بنقضه عهد الله وميثاقه أغدر وأفجر. وإن الفضيلة للإنسان أفضل الأوطان، فمن لا يحرص عليها؛ فأحرى به ألا يحرص على وطن السقوف والجدران».

وحري بنا أن نتساءل : أليست هذه الأفكار خليقة بأن تدرج في برنامجنا المزمع تفعيله؛ لتجديد ثقافتنا وتقويم أخلاقنا؟

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصار

 

محمود محمد علياستطاعت البشرية في سعيها الدائب والتلقائي أن تبلور عدداً من النماذج الإنسانية من خلال شخوص بأعينهم، طرحتهم الأسطورة حيناً، والواقع حيناً آخر . وهؤلاء الشخوص هم في حقيقتهم مجرد أفرد حين نرجع إلي سيرهم، ولكن البشرية حيت تأملت ذاتها – رفعتهم من مستوي الفردية إلي مستوي النموذج . فالنموذج الأوديبى – علي سبيل المثال -  لم يعد هو " الملك أوديب" الإغريقي القديم، بل أصبح نموذجاً إنسانياً وحضارياً عاماً، له مقوماته التي تستطيع أن تراها متحققة في أفراد كثيرين متميزين في أزمنة وأمكنة مختلفة، حفظ لنا التاريخ  سيرهم، ولا أريد أن أقول إنك قد تراها متحققة في نفسك! كما قد تستطيع – في الوقت نفسه- أن تفسر في ضوئها سلوكيات أساسية لشعب بعينه . ولأن الوعي الذي أدرك هذا النموذج أو ذاك قد انطلق في البداية من شخص بعينه، سواء كان أسطورياً أو واقعياً، فقد أصبح النموذج نفسه يحمل اسم هذا الشخص ويعرف به.

وإنه لموقف شديد علي النفس أن يكتب الإنسان عمن يحب من الأشخاص ..لأن في ذلك منزلقات ومهاوي لا يخشاها ويتهيب منها إلا من كان الصدق ديدنه... والوفاء دأبه، وهو إلي ذلك يستشعر شرف الكلمة ومبلغ خطرها.. ولعل تحري العدل في الحكم، والإنصاف في النظر يأتي علي رأس تلك المنزلقات ؛ حيث اعتاد بعض المتحدثين عن أشخاص معينين النظر بعين واحدة من العينين ...إما عين الرضا فتكِلُ عن كل عيب، وتغفر كل كبيرة .. وإما عين السخط فتبدي كل سوأة وتهولُ كل صغيرة؛ وقديماً قال أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة:" إن الكلام عن الكلام صعب.. لأنه يدور حول نفسه.. ويلتبس ببعض".

ولكنني أستعين بالله وأعرض مما تسعفني به الذاكرة عن الدكتور محفوظ علي عزام (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الدراسات العربية والإسلامية– جامعة المنيا  رحمه الله)، ما يجلو شخصيته وقيمه، ويبرز مكانته وموقعه، ويوضح ريادته وفضله، ليس في مجال الفلسفة الإسلامية فحسب، ولا في مجال نظرية التطور التي اهتم بها، ولا في مجال الأخلاق الإسلامية وحدها، بل في الثقافة العربية الإسلامية بمفهومها الواسع... والواقع أنني عندما أتحدث عن محفوظ عزام في ذلك أجد مجال القول واسعاً، وهذا أيضاً أحد مواطن الصعوبة في الحديث .. إنه كقطعة البلور الكثيرة الجوانب، من زاوية من زواياها نظرت، ورأيت لوناً من ألوان الطيف، فهو الإنسان الفاضل، والأستاذ المتميز، والقدوة الحسنة، والرائد بلا منازع.

وإنه لمن دواعي سروري أنني قد شرفت بأن تعلمت علي يديه في الفرقة الثانية بقسم الفلسفة بجامعة أسيوط (فرع سوهاج سابقا) بجمهورية مصر العربية، إذ كان سيادته يقوم بتدريس نظرية التطور في الفكر الإسلامي ضمن مقررات الفلسفة الإسلامية، وهو أستاذا قديراً وباحثاً متميزاً وعالماً جليل ... حقق العديد من الإنجازات في مجال الفلسفة الإسلامية.. آمن بدور العلم في إسعاد الفقراء، وحل المشكلات التي تعاني منها مجتمعاتهم بالعلم الذي امتلك ناصيته، وهو أيضا المفكر ذو الحس المرهف والأسلوب المميز،صاحب المؤلفات الكثيرة في الفكر الإسلامي، وهو أيضاً الإنسان صاحب المواقف الإنسانية المشرفة الذي عشق بيئته وانطلق منها إلى فضاء العلم .

والدكتور محفوظ علي عزام له العديد من المؤلفات في كافة مجالات التفكير الفلسفي، وله الكثير من الأبحاث والمشاركات التي كانت تعقد في مؤتمرات وندوات علمية محلية ودولية، وأيضاً له العديد من المقالات الدورية في الثقافة الإسلامية، وكذلك العديد من المقالات الدعوية، وله كذلك الكثير من الموضوعات التي لم تنشر، بل مخطوطة بخط يده، له العديد من المشاركات الفعالة خلال البرامج التليفزيونية.

ومن مؤلفات الدكتور محفوظ علي عزام : كتاب التأريخ النقدي لمنطق أرسطو، وكتاب الثقافة الإسلامية في مواجهات تحديات العصر، وكتاب العقيدة الإسلامية في فكر الشيخ محمد الغزالي، وكتاب حقوق الإنسان والحيوان في الإسلام، وكتاب دراسات في الفلسفة والأخلاق، وكتاب في التفكير العلمي، وكتاب في الفلسفة الطبيعية عند الجاحظ، وكتاب مبدأ التطور الحيوي لدي فلاسفة الإسلام، وكتاب نظرات في الثقافة الإسلامية، وأخيرا كتاب نظرية التطور عند مفكري الإسلام " دراسة مقارنة "ثم بعد ذلك كتب سلسلة كاملة عن " مفهوم التطور في الفكر العربي".

علاوة علي أن له مقالات دورية في الثقافة الإسلامية والمقالات الدعوية بمجلة واحة الإيمان، ونذكر منها : إحسان القول، بتاريخ 26 يوليو 2001، والإسراف في تناول الأطعمة، بتاريخ 20 أغسطس 2001، والإسلام حقوق وواجبات " فضيلة الصدق في الأنباء"، بتاريخ 11 يناير 1999، والإسلام منع التلوث بكلمة واحدة ! بتاريخ 4 ديسمبر 2005، والإسلام والأخلاق، بتاريخ 12 يوليو 2001، والإسلام والتجديد، بتاريخ 26 يونيو 2001، والإسلام والعولمة، بتاريخ 28 يونيو 2001، والإسلام والمنهج الغربي، بتاريخ 25 فبراير 2002، والإسلام وحقوق الحيوان، بتاريخ 10 يونيو 2001، والإسلام وحقوق الطبيعة، بتاريخ 31 مايو 2001، وأهمية العقيدة في بناء الحضارات، بتاريخ 30 يناير 2002،والتكبر علي الناس، بتاريخ 16 يوليو 2001، وحوار ديمقراطي، بتاريخ 2 أغسطس 2001، وخلق الحياء، بتاريخ 24 يونيو 2001، والدين ضرورة، بتاريخ 25 إبريل 2001، والدين والعلم، بتاريخ 20 مايو 2001، وسلوكيات لا يرتضيها الإسلام " عدم احترام المرأة " بتاريخ 14 مايو 2001، والشباب وتحديات العصر، بتاريخ 4 نوفمبر 1999، وشتان بين المنهجين، بتاريخ 9 سبتمبر 2003، والشريعة والمنفعة، بتاريخ 1 مايو 2001، وعدم إشاعة البهجة في النفوس، بتاريخ 9 يوليو 2001، وعدم النظافة، بتاريخ 15 مايو 2001،وعلاج الإدمان، بتاريخ 7 أغسطس 2001،وقضية للمناقشة " نجاح الخطاب الديني... كيف؟ بتاريخ 27 يوليو 2002، والكرامة الإنسانية والاعتصام بحبل الله.. لماذا؟، بتاريخ 3 مارس 2002،ولابد من تجديد الثقافة الإسلامية بما يتفق مع الثوابت والقيم، بتاريخ 1 إبريل 1998،والمادة والروح، بتاريخ 12 مايو 2001، والمجتمع المسلم، بتاريخ 29 يناير 2002، والمسلمون والثقافة، بتاريخ 7 يونيو 2001، والمسلمون ومواجهة التحديات، بتاريخ 7 أكتوبر 2003، والمسئولية الاجتماعية، بتاريخ 15 يوليو 2001، والنظر والتطبيق، بتاريخ 16 أغسطس 2001، والنظر والتطبيق، بتاريخ 16أغسطس 2001، والنفاق، بتاريخ 13 يونيو 2001، والوحي والعقل، بتاريخ 2 يونيو 2001، والوسائل والغايات، بتاريخ 24 يونيو 2001 .

وإذا كان لكل شخصية مفتاح فمفتاح شخصية محفوظ عزام هو القوة والبساطة .. كان في كل ما يُسند إليه من مهام أو يكلف به من عمل قوياً أميناً .. كان قوياً في شخصيته.. في قراراته، في عمله، في حجته، في كلامه.. بل حتي في مشيه.

وإلي جانب هذا تميزت شخصية محفوظ عزام بصفات أخري من أهمها: التواضع ولين الجانب .. يقدر الضعف الإنساني ويستجيب لمطالبه.. وينصت باهتمام لكل ما يقوله باحث أو زميل أدني منه؛ مردداً دائماً قول الله تعالي، و" فوق كل ذي علم عليم" .. ولقد يعُزي تواضعه هذا إلي تدينه الشديد، وإيمانه العميق بالقيم التي بحث عليها كتاب الله وسنة المصطفي صلي الله عليه وسلم.

ولعل ما لاحظه الكثيرون إلي ذلك أدبه الجم؛ فلا أذكر أنه ذكر أحداً بسوء في مجال نقده للأفكار الخاطئة، والآراء المخالفة .. بل كان يُحسن الظن بأصحابها ويحاول جهده أن يبدي الأعذار لهم . كان يفرق بين نقده الفكرة الخاطئة ومقارعة الباطل وإيضاح حجة الحق، وبين إساءة الظن بالمخالف، والتشنيع عليه. فكان همه الأول البحث الجاد عن الحقيقة بعيداً عن الخوض في الناس أو النيل من أشخاصهم.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة وهي أن محفوظ عزام كان نموذجاً لأستاذ الجامعة المعاصر في فكره ... الفلاح في تقاليده.. وفيا لانتمائه.. مجسداً لهويته .. وكان عطاؤه خير تجسيد للتواصل بأصالة أمته مع تفاعلها الإيجابي في عصرها.. فكان مرآة للأصالة ومرآة للمعاصرة.. ولقد تمزت أستاذيته بكثير من الخصائص، ولعل من أهمها : التعمق في التخصص العلمي، حيث كان سيادته أستاذاً لفلسفة العلم بمعية فقيهة .. كان دائم القراءة في كتب الفلسفة الإسلامية.. كان يؤكد لنا أهمية أن يكون أستاذ فلسفة العلوم ومناهج البحث ملماً بعمق في مادة تخصصه وليس فقط في مباحث الفلسفة . وما أكثر ما استشهد أمامنا بالمثل : فاقد الشئ لا يعطيه.. إذ كيف يتسنى لأستاذ ضعيف الفلسفة أن يعلم طلابه طرق تدريسها.. كان يتذوق اللغة الجميلة خاصة ما كان يسمعه في البرامج الإذاعية، مثل برامج الأديب فاروق شوشة.

كان محفوظ عزام يحترم اختصاص الآخرين فلا يتجاسر علي الخوض في اختصاص غيره.. كان يسأل في بعض القضايا فيبادر إلي الاعتذار عن الإجابة ويحيل السائل إلي أهل الاختصاص، حتي كنا نحن طلاب الفلسفة نحال إلي المتخصصين في مجالات قد يكون هو أقدر علي الإفتاء فيها ..  ولا شك في أن احترامه لتخصص الآخرين دليل النضوج العلمي والتواضع الجم، بل واحترام الذات.. وهذا بكل أسف قليل في عصرنا إذ قل من يتوزع عن الافتاء فيما يجهل.

كذلك عُرف عن محفوظ عزام الانضباط الدقيق بمواعيد المحاضرات .. فما عهدنا أنه تخلف عن محاضرة واحدة ولا أنه تأخر عنها ولو لدقيقة ؛ بل كان في بعض الأحيان يدخل إلي المدرج أو القاعة ويجلس علي مقعده حتي يحضر معظم الطلاب.. وهذا بلا شك دليل علي حرصه الشديد علي الاستفادة من كل دقيقة لإفادة طلابه.

كانت محاضراته تتميز بالإلقاء التلقائي، فلم يكن إلقاؤه علمياً جافاُ، بل كان يبدع في عرض الفكرة بما أوتي من قدرة علي فهم السياق وضرب المثل والاستشهاد بمواقف الحياة .. لم يكن حديثه تجريداً متسماً بالغموض أو البعد عن الواقع، بل كان مرتبطاً بالمواقف التدريسية الحية التي يدرك المستمع في ضوئها دلالة ما يقول . لم يكن يقرأ محاضراته من ورقة، بل كان يلقيها بشكل تلقائي مسلسل مرتب الأفكار، واضح العبارات، منهجياً في تناول قضاياه .

وكان سيادته ينظر إلي التدريس نظرة خاصة قلما نجدها في زماننا عند الكثيرين .. لم يكن التدريس بالنسبة له يمثل مهنة ولا احترافاً بقدر ما كان رسالة يؤديها، رسالة تنوير وتبصير وإضاءة عقول، ودعوة إل التفتح وقبول الآخر فكراً وثقافة، والذين يتناولون عملهم كرسالة وليس حرفة يبذلون أقصي الجهد في سبيل عملهم ويمزجون العلم بالغيرة الصادقة وحرارة القلب .. والحب الحقيقي لطلابهم.. لم يبخل علينا بفكر أو رأي أو مشورة .

وإذا كان فيلسوف مثل رينه ديكارت يقول: إن الفكرة الصحيحة هي الفكرة الواضحة المتميزة .. فإن أهم سمات محفوظ عزام هي أن كل فكرة يكتبها، إنما هي فكرة واضحة ومتميزة . واضحة بحيث لا تلتبس وتعطيك أعماقها بسهولة لأنه امتلك الفكرة وامتلك زمامها، ومتميزة بحيث تراها جادة جديدة.

يشعر القارئ لكتابات محفوظ عزام أنه يتدفق كالسيل .. ولا يدري هذا القارئ كم من المعاناة عاناها محفوظ عزام حتي تصدر كتاباته هكذا .. وقد كان يُلاحظ عليه الإعداد الجيد لمحاضراته، فلم يكن يُدرس لنا من كتاب واحد مطبوع، بل كان يجمع المادة العلمية للدرس من المصادر الأصلية.

ولم يكن محفوظ عزام يقنع بالحد الأدنى من الداء فيما يعمله ؛ يظل يجود العمل كلما وضع بين يديه في الوقت الذي يتعجل فيه الآخرون أعمالهم فيبادرون بنشرها. من هنا لا تعجب أن تحظي أعماله العملية بالتقدير.. وأن تتوفر للباحثين كمراجع تحتفظ بقيمتها رغم مرور الزمن .. ولعل مما يعجب له المرء أن يجمع محفوظ عزام بين هذا الاتجاه نحو الإجادة وبين السرعة في إنجاز العمل . فلم تكن الإجادة لديه مسوغاً للإبطاء في عمله. كان ينشد الكمال ما وسعه الجهد، ويتوخي الإتقان ما وجد إلي ذلك سبيلاُ . لم يكن يقنع بكل ما تجود به قرائح طلابه في الدراسات العليا، بل كان شديد التدقيق حريضاً علي الوصول إلي أرفع مستوي من البحث ... وإلي أجود مستوي من الكتابة حتي ما اتصل بتوثيق الاستشهادات أو علامات الترقيم.

رحم الله محفوظ عزام والذي كان واثق الخطوة في كل مواقفه. كان مجدداً ولم يكن مقلداً بأي وجه من وجوه التقليد. والمجدد ينظر إلى الأمام، والمقلد ينظر للخلف والعياذ بالله، المجدد يمثل النور، والمقلد يمثل الظلام، ألم يقل الفيلسوف ابن سينا في دعائه إلى الله تعالى: فالق ظلمة العدم بنور الوجود. ومن حكمة الله تعالى أنه خلق عيوننا في مقدمة أدمغتنا، ولم يوجدها في مؤخرة الأدمغة. كانت كتابته تمثل شلالاً متدفقاً من الحكمة والمعرفة، وإن كان أكثرهم لا يعلمون، وتعد بحراً على بحر، إنها تعد نوراً على نور، ويكفيه أنه حارب طوال حياته حياة الظلام والتقليد، إنه مدرسة كاملة، وإذا كانت روحه قد صعدت إلى السماء خلال الأشهر الماضية، فقد صعدت إلى عالم الخلود والبقاء واستراحت من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

رحم الله فقيدنا الغالي والصبر والسلوان لأسرته ولتلاميذه ومريديه " وإنا لله وإنا إليه راجعون".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود سعيدلم اكن أنوي الكتابة عن هذا البشر المنسي، المحارب، المضطهد، المظلوم في استراليا وأمريكا اللاتينية، إلا أن الحرائق التي انتشرت في القارتين وبلاد آسيوية وأفريقية أخرى، جعلتني أتذكرهم باستمرار، هذه الحرائق الفظيعة اضرت ببيئتهم الطبيعية مع الأسف الشديد، كما أزهقت ارواح بليون طائر ومخلوق نادر في استراليا وحدها، وربما أكثر من ذلك في الأمزون، منها الحيوان المتطور جداً القريب منا، شبيه الإنسان، المدعو "إنسان الغاب".

في آخر يوم لي في العاصمة المكسيكية، رجعت إلى الشقة التي استأجرتها، لأحزم أغراضي، القليلة، فوجدت سيدة ثلاثينية من السكان الأصليين، ومعها ابنتها في الخامسة عشرة تقريباً، تنظفانها، فأدركت من طريقة تنظيهما الدقيق، أنهما لا ينتهيان قبل الخامسة مساءً، فلم أشأ إزعاجهما، وذهبت إلى السوق المجاور، حيث عشرات المطاعم الشعبية، منها ما يقدم الرز وسمكاً مقلياً، ونوعا خفيفا من المرق. لم أدخل، لأني ما كنت في غاية الجوع، بل توجهت إلى دكان صغير، فيه مقعدان في الداخل، و ثلاثة في الخارج، تشغلان نصف العطفة الضيقة. كنت اكتشفته في أول يوم لي في العاصمة، قهوة هذا الدكان شبيهة بالقهوة التركية، طعماً وتتبيلاً، وأظنه يضع فيها قليلاً من القرفة، وحبة مسمار من القرنفل، مع الهيل بالطبع، فتتفجر رائحتها في العطفة عاصفة ذكية مؤججة، وتنتشر مسافة طويلة، لتجذب أمثالي من عشاق القهوة والشاي.

وحين أحسست بقرصات الجوع، ذهبت إلى مطعمي، فوضع لي في كيس ما كنت أريده، ثم وضع طعاماً للعاملتين. قبل أن التقِ المرأتين فكرت أن آخذ قيلولة لنصف ساعة، قبل أن أذهب إلى المطار، لكني بعد إذ رأيتهما قررت أن أذهب بعد الغداء وانتظر الطائرة هناك.

لكني حينما فتحت أكياس الغداء ووضعت الطعام على المنضدة، ودعوتهما رفضتا أن تأكلا معي، بل عانقتني الآم، والبنت، ثم قبلتني غير قبلة، وكادت تبكي، وبعدئذ أخذتا طعامهما إلى المطبخ، وهما منتشيتان تضحكان، غير مصدقتين. الأمر الذي جعلني أفكّر بالبؤس الشديد الذي تعيشان فيه. وبعد ذاك أخذتا تنظمان حقيبتي وحين قررت الذهاب إلى المطار، حملتا كل شيء إلى الشارع، ثم عبرتا الشارع العريض لأن شارعنا وحيد الاتجاه، وتحتاج سيارة الأجرة لكي تصلني إلى دوران بضعة كيلومترات. ثم عانقتاني، وسلمتا علي، مما ترك في داخلي أثراً لا أنساه، مازال يحيى في داخلي حتى هذه اللحظة.

عاش الشعب المكسيكي تحت رحمة الفاتحين الإسبان الجشعين، الذين خلت قلوبهم من الرحمة، ثم جاء الأمريكان البيض القساة الغلاظ، فنهبوا الحي والميت، والثروات العظيمة والتراث الغني، فحطموا البلاد وأفقروا العباد، وعندما قام الحكم الوطني بعد نضال طويل وعنيف ومدمر، قام معه ظلم وظلام دائم مستمر، وسيزداد الفقر والبؤس والظلام بعد الحرائق، وسيفقد ثلاث أرباع الفلاحين الأصليين أراضيهم، ويتخلون عن مزارعهم المقفرة، ومواشيهم، ومراعيهم، وحقولهم مع الأسف، ليعيشوا كالبدو حياة تخلو من الحياة.

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن الدكتور جائي الطحلاوي وحديثنا هنا نركز فيه علي آرائه ورؤاه؛ حيث يقول عنه الدكتور حافظ شمس الدين:" من أن معرفتي اللصيقة بالدكتور رجائي الطحلاوى نيفت على الأربعين عاماً، فأتاحت لى هذه المدة أن أعرف الكثير عنه، وكأنني أعرفه منذ زمن لا أحصيه عدداً، فعرفت فيه الفضل والنبل وعرفت فيه الخلق الطيب، ولم أسأل أحداً عنه، لأن الجواب عن هذا السؤال كان حاضرًا راهنًا، فقد أثنوا عليه قبل أن يروه، فلما عايشوه كانت له المكانة التى تسمو به ويسمو بها، إخلاصه لعمله وأساتذته وتلاميذه ناصع نقي، لم تشبه شائبة مما يشوب الإنسان فى المحيط الجامعى".

ولعل الدكتور رجائي الطحلاوى من القلائل الذين لم ينقطعوا عن عملهم طوال حياتهم، ومؤلفاته، سواء كانت علمية أو عن الإدارة الجامعية أو المستقبليات أو الكتب الأدبية التى تختص بسير بعض الأئمة من المسلمين أو أعلام أسيوط أو غيرها من الكتب، كلها تتسم بالعمق واليسر والتيسير، وقد أتيح لى أن أمتع بصرى وأثرى فكرى بقراءات فيها، فظفرت بخير كثير، ثم أعدت النظر فيها من قريب وبإمعان، فصح مني العزم أن أقتطع لها وقتا أعاود فيه هذه المتعة وهذه المتعة الدانية القطوف.

ويؤمن الدكتور الطحلاوى بأن مصر تحتاج إلى سياسة معرفية، خصوصًا وأن العالم ينتقل الآن من مجتمع المعلومات إلى مجتمع المعرفة حيث ستصبح المعرفة هى الأساس الأول فى توليد الثروة.  وإدارة المعرفة هى التحدى الحقيقي للوصول إلى مجتمع المعرفة.  ويضيف بأن أمام مصر مهمتان رئيسيتان؛ المهمة الأولي كيف نقيم بنية تحتية تسمح لنا بالاستيعاب الفاعل للمعرفة المعاصرة، والمهمة الثانية هى قدرة أبناء مصر على الإسهام فى إنتاج المعرفة العالمية.

وعن فلسفته فى الحياة يقول الدكتور حافظ شمس الدين :"... فالدكتور الطحلاوى ذكر لي خلال لقاءاتنا التى لا أتذكر عددها من كثرتها، إنه يؤمن بأن خير الناس أنفعهم للناس، وأن فضيلة الإنسان أن يصنع خيراً  وللشر عنده غواية، وله فى نفسه فتنة، فليس الخير ابتعادًا عن الشر أو عجزًا عنه، بل الخير هو اختيار الحسن مع القدرة علي فعل السئ، ويضيف الدكتور الطحلاوى، إنما فضل الإنسان على غيره من سائر المخلوقات بقدرته علي التمييز بين الخير والشر والنافع والضار، والناس يتمايزون بما تهديهم طبائعهم من عمل فيه خير لهم وصلاح لغيرهم ونفع للبشرية ورقي لها. والعالم الحقيقي هو الذى تقوده معارفه الواسعة المتجددة إلى مناهج جديدة فى البحث والابتكار تؤدى إلى أفكار تنبت من أرض الواقع وتستشرف آمالا مستقبلية واعدة، حتى يتحول الصلاح إلى إصلاح والحكمة إلى حكم والحقيقة إلى حق والعلم إلى عمل، وأردف الدكتور الطحلاوى قائلاً: كم يكشف تبادل الأحرف الثلاثة للعلم والعمل عن سر عبقرية الإنسان حيث استطاع العلم والعمل أن يجعلا من دول كانت تفتقر الوجود على الخريطة، لكنها بفضل العلم تحولت إلى بؤر مضيئة على خريطة العالم المعرفى المتطور، ولنا فى اليابان وماليزيا والهند وتركيا أسوة حسنة.

ويعتقد الدكتور الطحلاوى أن نهضة مصر ستكون على أيدى أبنائها، لأن العالم المصرى إذا توافرت له الظروف المناسبة للإبداع والابتكار وانجذب إلى بئر المعرفة لينهل منه سوف يكون الناتج متميزًا، ولا بد من متابعة العلماء فى أداء بحوثهم حتي تتحرر البحوث من أسر الرؤية الضيقة، كذلك فان تشجيع العلماء يبعث الأمل ويجدد الهواء فى رئة البحث العلمي للعلماء الشبان وهم فى بداية رحلتهم مع الشقاء فى نعيم العلم، أو قد يكون شحذا للهمم عند بعض الباحثين، ممن يتراءى لهم الاسترخاء العلمي والاكتفاء بما أنجزوه فى سنوات سابقة زعمًا بأن العوائق والصعوبات قد تئد روح البحث العلمي فى نفوسهم، وأن تقدير العلم والعلماء فى مصر لا يتفق مع ما يبذلونه من عصارة فكرهم ونور عيونهم وسني عمرهم لكنه بالإصرار والمثابرة والكفاح والجهاد مع النفس، يستطيع علماء مصر أن يهزموا الإخفاقات وأن يجعلوا مسيرة مصر المستقبلية جديرة بالتأمل والاستيعاب، لأنها تغرس فى نفوسنا الأمل فى تحقيق صحوة علمية حضارية أساسها الإنسان المصرى.

يقول الدكتور حافظ شمس الدين:" بالنسبة لى وعلى المستوى الإنساني، فالدكتور محمد رجائي الطحلاوى يجسد الإنسانية بكل ما تعنيه الكلمة، فهو إنسان كالنسيم، تنتشر أريج مودته فى كل موضع يكون فيه وينعم برفقته كل من يعرفه عن كثب، وأشهد وقد صحبته منذ عام 1965 بأن هذه الصحبة الطويلة الحميمة، لم يشبها فى يوم من الأيام ما يكدرها، ولم يعكر صفوها ما يصيب أحوال الناس من فتور وسأم، بل كانت مثالاً لكل ما هو أصيل وحقيقي، كان بيننا سياج شديد الانضباط بلا رتابة من الود والمحبة والإخلاص، تميزه الجدة والرصانة والمبادرة والوداعة والبشاشة، ويسمو به اللسان العف المترفع عن الصغائر والصغار، ولم أر منه إلا ما يوده الصاحب من صاحبه والأخ من أخيه، وهو شخصية جذابة لا تفارقه روح البساطة، وربما الفكاهة التى تسر ولا تحرج، وتنقد ولا تسخر، لأنه يحرص على مشاعر الآخرين، وفى تعامله مع زملائه ورفاقه وأصدقائه الذين يجيلونه فى العمر، يبقي الدكتور رجائي الطحلاوى الأخ الأكبر لهم دائماً، تظلله هالة من المودة والمحبة والتقدير، فحب الناس وحب الخير يجريان فى دمه ... فكيف يخونه دمه؟  إضافة إلى ذلك كله ... وفوق ذلك كله، هو فى تخصصه موسوعة تمشي على قدمين".

وفى ستينيات القرن الماضي، كان الدكتور الطحلاوى مدرسًا فى كلية الهندسة وكان يشرف على ثلاثة معيدين فى قسم الجيولوجيا بكلية العلوم، فى دراساتهم وبحثهم لدرجة الماجستير، وكنا نجتمع جميعاً فى معمله بكلية الهندسة، والمعمل كان البيت الثاني للدكتور الطحلاوى، وقد استطاع أن يجمع تلاميذه وأسرة معمله لتأتلف علي إخاء ومودة وتجتمع على سماحة ومحبة، وكم كانت هذه الأسرة المعملية تتابع العمل حتي ساعة متأخرة من الليل، ثم تفترق على تحية المساء، لتلتقي بعد ساعات على تحية الصباح وذلك حسب قول يقول الدكتور حافظ شمس الدين.

وكان العمل عند الدكتور الطحلاوى لا يستأثر بعقله فحسب، بل كان يستأثر  أيضاً بقلبه وذات نفسه وبآماله وطموحاته، فأفرغ له جهده طوال زهرة شبابه وصبابته وسني كهولته ورحيق حيويته، لذلك كان يثور إذا لاحظ إهمالاً أو تقاعسًا من أحد أعضاء مدرسته البحثية، لأنه كان دائماً ينشد الكمال فى التميز.

كما أنني أستطيع أن أقول مع الدكتور حافظ شمس الدين بأن الدوحة العلمية للدكتور رجائي الطحلاوى تفتحت لتقول إن مصر فى عطاء دائم، معينها لا ينضب من النابهين والعلماء الذين أثروا مناحي الحياة ببحوثهم وإبداعاتهم وإنجازاتهم التى تدعو إلى الفخر بهم والاعتزاز بأنهم نبتوا من أرض مصر المحروسة وحفروا لوطنهم بجهدهم وانتمائهم مكانة دائمة فى ركب من يسعي إلى التميز والنبوغ.  لذلك تعتز مصر بهؤلاء العلماء النابهين وتباهي بهم، والدكتور محمد رجائي جودة الطحلاوى – بالتأكيد – هو واحد من ألمعهم، فهو مثل وقدوة لعلماء مصر وشبابها..

وثمة نقطة مهمة وجديرة بالإشارة أود ن أشير إليها وهي أن الطحلاوي قد شهد له الكثيرون بأنه يجمع بين صفات المهندس والفيلسوف معا، ومن هؤلاء الدكتور سليمان جزين الذي قال عنه بأن الأستاذ الدكتور محمد رجائي الطحلاوي كانت له بصماته الخاصة فى هذا المجال منذ بداية ولايته وحتى قبل ذلك حين كان أستاذًا وعميدًا لكلية الهندسة بأسيوط.  فهو قد انتشر بمادته العلمية ليعاون بعض المعاهد خارج أسيوط وإلى الجنوب منها بالذات ونحن نعلم أنه قد مد عباءة عمله الجامعى والتعليمي والتدريبي إلى معهد مصانع نجع حمادى للألمونيوم خلال فترة من الزمن قبل ولايته للجامعة، وهو قد مد عونه ومساهمته وإشرافه إلى فروع الجامعة فى سوهاج وقنا وأسوان دون أن ينتقص ذلك من جهده الكبير والموفور فى النهوض بأعباء الجامعة فى أسيوط ذاتها.  ولقد ساهم بذلك كله فى أن يحقق لجامعة أسيوط أن تصبح بحق، وكما رسم لها من البداية، أن تصبح "جامعة الصعيد" بل الجامعة الأم بالنسبة لجامعات الصعيد كله. وهو فوق ذلك لم يبخل فى أن يمد يد الجامعة لتعاون بعض الجامعات فى الشمال، لاسيما معهد التكنولوجيا والهندسة فى بنها وهو معهد جديد تابع للوزارة وقد أنجزته جامعة أسيوط بعد أن كاد العمل أن يتعثر فيه بعد إنشائه وخلال مرحلة بداياته الأولى.

وفضلاً عن ذلك فإن رجائي الطحلاوي قد شق طريق الجامعة إلى عدد من المبادئ والاعتبارات الأخرى التى أثرى بها عمل جامعة أسيوط، ومنها كما يقول سليمان حزين :

1- التوسع فى تطبيق نظام المستشارين العلميين لرئيس الجامعة فى شئون العلم والبحوث التطبيقية والتجديد فى العمل الجامعى الذى يثرى الحياة الجامعية التى تزداد تشعبًا واتساعًا فى كل يوم.  وهذا العمل يقلل من تركيز العمل ويخفف الضغط على رئيس الجامعة الذى تشعبت مهامه وواجباته فى السنوات الأخيرة.  وهو أمر فى صالح الجامعة وإداراتها من جهة، وفى صالح تدريب المعاونين من أعضاء هيئة التدريس وتأهيلهم لتولى واجبات أوسع نطاقًٍا فى سلم العمل الجامعى.

2- التوسع فى نطاق "مستقبليات" العمل الجامعى والقومي.  ولاشك أن هذا هو الاتجاه الحديث فى عمل الجامعات ومهامها على المستويين القومى والإقليمي بل والعالمي.

3- المزيد من الربط بين الجامعة والمجتمع وإنشاء المزيد من الوحدات "ذات الطابع الخاص" فى العمل الجامعى، والسعى إلى المزيد من الربط بين الجامعة وأدوات التحكم المحلى وأجهزته – وهذا اتجاه له قيمته بالنسبة لعمل الجامعة وزيادة فعاليتها فى خدمة الأهداف المحلية والإقليمية بل والقومية العامة.

4- إحياء مشروع جوائز البحث العلمى فى الجامعة وبين أعضاء هيئة التدريس بصفة خاصة. وهو مشروع كان أول مدير منشئ للجامعة قد أنشأه بتبرعات من داخل الجامعة (من الأساتذة الزائرين الأجانب) ومن خارجها، حتى بلغت التبرعات فى عام 1964 نحو 000ر21 جنيه مصرى (وهو مبلغ غير قليل بالنسبة لذلك الوقت) ولكن المشروع بقى معطلاً حتى جاء رئيس الجامعة الحالى فأحياه من جديد.

4- تطوير المكتبة المركزية ومكتبات الأقسام العلمية والتوسع فى المطبعة وتحديثها وتجديد نشاط النشر العلمى حتى أصبحت الجامعة معتمدة على مواردها وأجهزتها الخاصة وهو أمر كانت إقامته صعبة فى بلد بقلب الصعيد مثل أسيوط.

تلك هى العلامات الأساسية التى أشرف بها عمل الطحلاوي منذ بدء ولايته فى عام 1991 وهنا يعقب سليمان حزين فيقول: وإننا لنتمني مخلصين له وللجامعة اطراد مسيرتها الموفقة على طريق التقدم والازدهار خدمة لصعيد مصر وتمكينًا لفلسفة العمل".

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الدكتور محمد رجائي الطحلاوي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ والمهندس والفيلسوف، فتحية طيبة للدكتور الطحلاوي ، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

بارك الله لنا في الدكتور رجائي الطحلاوي قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره مهندسا وفيلسوفا، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

بدر الدين شيخ رشيدالأشاعرة هي نسبة إلى أبي الحسن الأشعري، المنسوب إلى أشعر، وهي إما نسبة إلى قبيلة يمنية أو إلى جده أبي موسي الأشعري الصحابي المشهور. وكان الأشعريّ أول أمره على مذهب الإعتزال، حيث تتلمذ على يد أبي على الجبائي المعتزليّ، ثم رجع عن مذهبهم وكتب في علم الكلام، حيث قال: في تنزيه الله مثل ما قاله السلف من التمسك بالكتاب والسنة[1].

ويقصد بالسلف الذين تبعهم الأشعري- حسب رؤية الإمام الشهرستاني- الذين لم يتعرضوا للتأويل والتشبيه في صفات الله، ويعرف عند المتكلمين «الصفاتيّة» وذلك لإثباتهم في الصفات القديمة لله. ومنهم الإمام سفيان الثوري [ت161ھ/777م] والإمام مالك بن أنس[ت:179ھ/795م]، والإمام أحمد بن حنبل[ت:240ھ/854م] وداود بن علي الأصفهاني الظاهريّ [ت:270ھ/883م] رحمهم الله ومن تابعهم[2].

ويقال لهم أيضا: أهل الحديث، لأن عنايتهم كانت تحصيل الأحاديث، ونقل الاخبار، وبناء الأحكام على النصوص ولا يرجعون الى القياس الجلي والخفي ما وجدوا خبرا أو أثرا[3].

وأما الدكتور محمد عمارة، فقد حدد ملامح الأشعرية من ناحية الأعتقاد بين الفرق الإسلامية، حيث يمثل تيار الأشاعرة الموقف الوسط بين المعتزلة وبين السلفية (الحنابلة) والجبرية الخالصة (الجهمية). فمثلا قالوا في فعل الإنسان: إن خالقه هو الله، وللإنسان فيه كسب- أي كونه محلا للفعل - فهو فاعلٌ له على سبيل المجاز. وفي التأويل: يجيزون بعضه، فلا يمنعونه كله كما هو حال أهل الحديث. ولا يعتمدونه سبيلا لنصرة برهان العقل على ما يعارضه من ظاهر النقل، كما هو حال العقلانيين. وفي صفات الله: يثبتونه له الصفات بإعتيارها لا هي هو، ولا هي غيره، أى على نحو يجعلهم وسطا بين تنزيه المعتزلة وتجسيد المشبهة والمجسمة[4].

أما الدكتورأحمد محمود صبحي، فهو يفرّق بين الأشاعرة والأشعريّة. إذ الأشعرية تعتبر إسما يستخدم للدلالة على المذهب، بينما الأشاعرة تكون إسما يستخدم للإشارة إلى الشخصيات[5].

وإذا قلنا الأشعريّة هى مذهب إعتقادي، فهناك إشكال مفاده؛ هل المذهب الإعتقادي الأشعري متصل بالإمام الأشعري من حيث التأسيس، أم كان له أسلاف قبل الأشعريّ؟

تؤكد الأشاعرة سواء من المتقدمين أو المعاصرين أنَّ للأشاعرة أسلافا قبل الأشعري في المذهب الإعتقادي في المسائل الكلامية، إذ« تؤكد الأشاعرة من متقدمين ومتأخرين أن مذهبهم ليس مستحدثا من مؤسسه أبي الحسن الأشعري، وإنما كان في ذلك تابعا لمن قبله من الصحابة والتابعين وأئمة الفقه ورجال الحديث»[6].

ومن المتقدّمين الذين يرون وجود أسلاف لهم قبل الأشعري، هم الإمام الأشعري [324ھ/935م] مؤسس المذهب، والبغدادي [429ھ/1037م]، والرازي[606ھ/1209م]. ومن المعاصرين الأستاذ د/ علي النشّار[7].

والإشكال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو:هل الأسلاف الذين تقدموا عن الإمام الأشعري في المذهب الكلامي هم أئمة الفقه؟ أم هم أصحاب الصفاتيّة؟

إذا قلنا أنهم أئمة الفقه، فلا شك أن أئمة الفقه ليس لهم آراء كلاميّة، بل كان دورهم حول مسائل الفقه الذي شغلهم عن علم الكلام إلا ما جاء على سبيل المعارضة لبعض فرق ومذاهب متطرفة،  مثل معارضة أبي حنيفة للخوارج جاء رأيه قريبا من الإرجاء،  ومعارضة الإمام الشافعي للمرجئة، ولبشر المريسي، جاء رأيه في الإيمان موافقا رأي الخوارج والمعتزلة. وجاء رأي أبي حنيفة في التنزيه سخطا على المجسمة. وجاء رأي ابن حنبل في إثبات الصفات نقمة على الجهميّة. وعلى هذا، فمن جهة لم يكن لأئمة الفقه رأي موحد في مسائل الكلام، حتي يُعَدَ لهم أسلافا للأشاعرة، ومن جهة أخري لا تشكل مثل هذه المواقف نسقا متكاملا في مسائل الكلام،  وإن تكليفهم بذلك إنما كان تكليف بما لا يطاق لأنهم كانوا فقهاء لا متكلمين[8].

ويظهر لي أن أسلافهم المتقدمين، والذين أيدهم الأشعريّ مذهبهم، هم المسمي بالصفاتيّة. والصفاتيّة حسب رؤية الشهرستاني [548ھ/1153م]، هم« جماعة كبيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزليّة من العلم، والقدرة، والحياة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والجلال، والإكرام، والجود، والإنعام، والعزة، والعظمة، ولايفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقا واحدا»[9].

هذا و قسّم الإمام الشهرستاني أصحاب الصفاتيّة إلي ثلاثة أقسام:

فريق لم يتعرض للتأويل وأنكر التشبيه مثل مالك بن أنس وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل.

فريق أوّل الصفات الخبريّة مثل اليدين والوجه على نحو يحتمل اللفظ.

فريق أسرف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المُحْدَثَاْتِ[10].

إنّ أسلاف الأشاعرة في المذهب الكلاميّ - حسب رؤية الشهرستاني- قد تمّت بشكل موحد على يد عبد الله بن سعيد الكلابي [ت240ھ/854م]، والحارث بن أسد المحاسبي[ت243ھ/857م]، وأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي [ت255ھ/868م][11]، حيث كانوا يمثلون التيار السلف، المقابل بالتيار الإعتزالي، إذ«كانت بين المعتزلة وبين السلف في كل زمان إختلافات في الصفات. وكان السلف يناظرونهم عليها لا على قانون كلامي، بل على قول إقناعي. ويسمون الصفاتيّه، فمن مثبتٍ صفات الباري سبحانه وتعالى، معاني قائمة بذاته، ومن مشبِّه صفاته بصفات الخلق، وكلهم يتعلقون بظواهر الكتاب والسنة ويناظرون المعتزلة في قدم العالم على قول ظاهر»[12].

كان الأشعري في أول الأمر معتزلي المذهب، ثم« إنحاز الى طائفة السلف (الصفاتيّة) ونصر مذهبهم على قاعدة كلاميّة فصار ذلك مذهبا منفردا. ثم حرر طريقتَهُ جماعةٌ من المحققين مثل القاضي أبى بكر الباقلاني، [403ھ/1012م] والأستاذ أبى بكر بن فورك [406ھ/1015م] والأستاذ أبى إسحاق الأسفرائيني [ت418ھ/1027م]» [13] إلى أن « صار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة وانتقلت سمة الصفاتيّة إلى الأشعريّة»[14].

 

د. بدر الدين شيخ رشيد إبراهيم

...............................

[1] - القاضي عبد الجبار، المحيط بالتكليف، جمع، الحسن بن أحمد بن متوية، تحقيق، عمر السيد عزمي، بمراجعه، د/ أحمد فؤاد الأهواني،  المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر، الدار المصرية للتأليف والترجمة، (بدون رقم الطبعة والتاريخ) ص425.

[2] - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم،  الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت (بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ج1/ص93.

[3] - المصدر السابق، ج1/ص206.

[4] - عمارة، د/ محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي، دار الشروق القاهرة مصر، (دون رقم الطبعة)1411ھ/1991م، ص362.

[5] - صبحي، د/أحمد محمود صبحي، فى علم الكلام، دراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية، في أصول الدين،  دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط5/1405ھ/1985م، ج2/ص7.

[6] - المصدر السابق، ج2/ص21.

[7] - المصدر السابق، ج2/ص27.

[8] - المصدر السابق، ج2/ص26-27.

[9] - الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت(بدون رقم الطبعة والتاريخ)، ج1/ص92.

[10] - المصدر السابق، ج1/ص92.

[11] - المصدر السابق، ج1/ص32.

[12] - المصدر السابق، ج1/ص32.

[13] - المصدر السابق، ج1/ص32.

[14] - المصدرالسابق، ج1/ص93.

 

محمود محمد علييحكى أن فيلسوفاً كان يجلس بجانب صديقه المهندس في وسط الليل... يتأملان عظمة الخالق... فسأل المهندس الفيلسوف قائلاً: أنظر إلي الأعلي في السماء وقل لي ماذا تري؟ فقال الفيلسوف: أري ملايين النجوم ، فسأله: وماذا تكتشف من هذا؟ ففكر الفيلسوف قليلاً وقال: يدلنا هذا علي وجود مئات وملايين الكواكب والمجرات ... أما بالنسبة للوقت فتقريبا الساعة الآن قبل الثالثة صباحا ، وبالنسبة للجو ... فأظن أن الجو سيكون صحواً وجميلاً غداً ... ثم جال بنظره إلي صديقه المهندس وسأله: قل لي أنت علي ماذا تري في هذا المنظر ..؟ فقال المهندس وهو يتأمل: إنني أري نجوماً في السماء تتشكل بأشكال هندسية رائعة ... وأري رؤوس النجوم المضاءة ... إن هذه السماء تكاد تشبه صفحة من صفحات الدفاتر التي لونت بالأسود ، ثم رش فوقها نقاطا فضية اللون لتبدو لوحة خلابة ... فسأله: وماذا تكتشف من هذا؟ فأجاب: إن الله سبحانه وتعالي يرينا قدرته علي الخلق والتكوين ، ويرينا كم نحن ضعفاء وتافهين بالنسبة لهذا الكون العظيم.

عزيزي القارئ تعمدت أن أحكي هذه الحكاية الطويلة، لغرض في نفسي وهو أن الله سبحانه وتعالي قد جعل من عبادة من يتحلى بأن يجمع بين خصال المهندس وخصال الفيلسوف ، وعندما ترجع في بوصلة التاريخ ونبحث في علماء الفلسفة تجد كثيراً من الفلاسفة  كانوا مهندسين في الأساس أو العكس ، فالهندسة والمنطق شقان متكاملان لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. والفلسفة مرتبطة بالعلوم جميعا فكل العلوم ترمي أولاً وأخيراً إلى اكتشاف الحقائق والبحث عن أصول الأشياء وماهياتها ولعل من أبرز الشواهد بزوغ فلاسفة كبار برعوا في ميادين الهندسة كأرسطو وابن سينا وديكارت .

ومن بين الأعلام العرب المعاصرين الذين يفرد لهم تاريخ البحث العلمي والإبداع الفكري (وبالأخص في الهندسة والفلسفة) ، ويعد ذلك صفحة مضيئة في سجله الخالد، المهندس المصري الأستاذ الدكتور محمد رجائي جودة محمود الطحلاوى والمولود في الأول من شهر سبتمبر لعام 1936 بفارسكور، دمياط ، ذلك العالم الجيولوجي ومهندس التعدين والإداري المصري، الذي عمل رئيس جامعة أسيوط ومحافظ أسيوط في النصف الثاني من القرن العشرين . كان هذا الرجل عبقرية مصرية شعبية خالصة، ارتقى بموهبته ليصبح مهندساً وعالماً موسوعياً كأغلب مثقفي عصره.

واسمح لي عزيزي القارئ أن أحكي لك قصة الطحلاوي (والتي رواها الأستاذ الدكتور حافظ شمس الدين أستاذ الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة عين شمس، والخبير بمجمع اللغة العربية واليونسكو)، وأبدأ حديثي هنا عن نشأته ؛ ففي ليلة العشرين من يوليو عام 1936 كان هدوء الليل يخيم بستائره ويرخيها على قرية الغوابين الواقعة على مشارف بحيرة المنزلة التى تبعد عن مدينة فارسكور كيلومترات قليلة، وبدد هذا الهدوء سعادة طاغية وفرحة غامرة انطلقت من بيت العشماوى عمدة القرية معلنة ميلاد طفل أسموه محمد رجائى، وهو اسم مركب تمشيا مع عرف ساد تسمية الأبناء فى مصر فى تلك الأحيان بأسماء مركبة، ربما لإرضاء الأب بتسمية الطفل حسب رغبته، وإضافة الاسم الثانى تلبية لأمنية من الأم، أو ربما لأمور أخرى.

والده جودة محمود الطحلاوى أستاذ اللغة العربية، ابن قرية الشقر مركز منيا القمح محافظة الشرقية، (حاليا مركز بنها محافظة القليوبية) الذى تخرج فى الأزهر الشريف ودار العلوم.

بدأت مسيرة الطفل محمد رجائى مع التعليم فى مدينة طنطا التى انتقل الوالد للعمل فيها أستاذًا للغة العربية بمدرسة طنطا الثانوية، والتى أصبحت بعد ذلك فى بداية سبعينيات القرن الماضي مقرًا لجامعة طنطا ونواة لكلياتها، وكانت طنطا ولا تزال تشتهر بجوها الروحاني الصافى، وشغف أهلها بحب آل البيت وأولياء الله الصالحين، حيث كانت تنتشر فيها الكتاتيب التى تعلم الأطفال اللغة العربية السليمة وحفظ ما يتيسر من القرآن الكريم بطريقة طيبة، تغرس فى الأبناء طريقة النطق واستقامة اللسان

حصل رجائي على شهادة التوجيهية (الثانوية العامة - شعبة الرياضيات) عام 1953 بمجموع كبير أهله للالتحاق بكلية الهندسة جامعة القاهرة، وانخرط مع زملائه فى الفرقة الإعدادية بالكلية، وبعد نجاحه بتفوق فى الفرقة الإعدادية، التحق بقسم التعدين، ثم تخصص فى هندسة المناجم فى الفرقة الثالثة ثم فى جيولوجيا المناجم فى الفرقة الرابعة، ولا يزال يتذكر أساتذته الذين حفروا فى نفسيته حب الدرس والأخلاقيات وآدابها، وحين يأتي ذكرهم تطفر الدموع من عينيه ويقول: كيف أنسي من أدين لهم بالفضل والولاء بعد الله سبحانه وتعالى ووالدى، وهم مثل العقد الفريد من نوادر الأحجار الكريمة الصافية مثل الأستاذ محمد محمود إبراهيم والدكتور عبد العزيز عثمان والدكتور فخرى نخلة وحامد السنباوي، وحامد البدري، وأحمد عزت المهيري، ومن الأجانب الأستاذ الفريد ريتمان السويسرى الجنسية والأستاذ فيلى ماخو اليهودي النمساوى  وبالرغم من صعوبة الدراسة فى كلية الهندسة، إلا أن إصرار رجائي الطحلاوى على الجمع بين الدرس وتلبية متطلبات شخصيته بما لها من ميول وهوايات، جعلته ينخرط فى فريق الجوالة بجامعة القاهرة حتى صار وكيلا لرهط جوالة كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وربما كانت معسكرات الجوالة هذه هي الحافز والدافع للطالب رجائي الطحلاوى لكي يتطوع فى كتائب الفدائيين، وإتمامه لدورة تدريبية متقدمة فى سلاح المدرعات (الفرسان سابقا).

وإبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 نازعته الوطنية الصادقة التى نشأ فى ظلالها وغرسها فيه والده، فتطوع فى الحرس الوطني وشارك بفعالية حيث اتخذ موقعا فى مسطرد وموقعا آخر فى عزبة النخل.  وشارك فى تدريبات على حدود قطاع غزة مع الأرض المحتلة.

أما من ناحية الخبرة العملية التى اكتسبها الطالب رجائي الطحلاوي فى أثناء دراسته الجامعية، فقد قضى قرابة شهر ونصف فى عام 1955 متدربا فى منجم الذهب بمنطقة الفواخير بالصحراء الشرقية المصرية، ثم تدرب فى مناجم الحديد بولاية كارنتن فى جنوب النمسا على الحدود المتاخمة ليوغوسلافيا، وقضي هناك قرابة شهرين.

فى عام 1958 حصل المهندس محمد رجائي الطحلاوي على درجة البكالوريوس فى الهندسة فى قسم المناجم، شعبة جيولوجيا المناجم من كلية الهندسة جامعة القاهرة، وتخرج ليبدأ رحلة مسيرته الوظيفية العملية، فكلف للعمل فى مصلحة الأبحاث الجيولوجية والتعدينية التابعة لوزارة الصناعة آنذاك؛ وتغير اسمها كثيرا وكأنها ريشة فى مهب الريح، حتى استقر اسمها أخيرا ليصبح هيئة الثروة المعدنية وتتبع وزارة البترول حالياً.  وبدأ ممارسة عمله الحقيقي فى قلب الصحراء الشرقية فى المناطق المحيطة بمرسى علم، على ساحل البحر الأحمر، وقضي هناك عاما كاملا متبتلا بين جبالها ووديانها وأماكن وجود الخامات المعدنية فيها واكتسب خبرة كبيرة فى هذه الفترة، خاصة أن رؤساء رجائي الطحلاوى كانوا من أساطين علم الجيولوجيا الذين لا يبخلون بعلمهم وخبرتهم عن تلاميذهم، ويذكرهم بالعرفان والخير والجيولوجي العظيم محمود فوزى الرملى والجيولوجي جلال الدين مصطفى وعثمان محرم محجوب.

ولأن النشأة والبيئة التى عاش فيها المهندس رجائي الطحلاوي كانت ترتكز على أعمدة من الفضيلة والخلق القويم، وتعتقد أن الزواج فى سن مبكرة جنة لا يعرف فضلها إلا أولوا العزم فتزوج فى عام 1959 من زوجته السيدة سوسن زكي دسوقي جمعة التى أتمت دراستها الثانوية فى مدرسة الليسيه فرانسيه وتفرغت لزوجها ورعاية بيتها وأولادها (بنتان وولد).

وتبرز النزعة التعميرية عند المهندس رجائي الطحلاوى، فقد استقر فى وجدانه مقولة "لولا ظلمة الجهل، ما أشرق نور العلم"، فقد عمل جاهدًا على إنشاء أول مدرسة فى منطقة مرسي علم، قوامها أبناء العمال الذين يعملون مداومة مع المهندس الطحلاوي وتطورت المدرسة وأصبحت ابتدائية – إعدادية، وكأنه يحمل مصباح العلم ليضئ جنبات الجهل التى كانت تسيطر على المكان.

وكان عام 1959 يمثل علامة فارقة فى حياة مهندس المناجم رجائي الطحلاوي، فقد رشح بصفة أساسية فى بعثة دراسية للحصول على درجة الدكتوراه فى المساحة الجيولوجية لحساب جامعة أسيوط الوليدة آنذاك. وسافر الطحلاوى فى شهر أكتوبر عام 1959 إلى سويسرا والتحق بالمعهد العالى الفدرالى للبوليتكنيك بمدينة زيورخ، وهو واحد من أعرق المعاهد العلمية فى أوروبا، وبدأ الدراسة منذ بداية اليوم الأول لوصوله، وكانت همته عالية لا تفتر بعون الله وبمؤازرة زوجته التى كانت له نعم العون والسند، حيث ساعدتها إجادتها الفائقة للغة الفرنسية فى تيسير الكثير من الأمور.  وفى الوقت نفسه بدأ الطحلاوى يتعلم اللغة الألمانية بمخالطته للأجانب وانتظامه فى مدرسة برليتز للغات فى زيورخ، ثم سفره خلال الأجازة بين الفصلين الدراسيين على نفقته الخاصة إلى معهد جوته بمدينة كونستانس الواقعة فى جنوب ألمانيا على بحيرة تحمل الاسم نفسه، كل ذلك أدى إلى تحسن مستواه فى اللغة الألمانية وصار ينطق بها ويتعامل بها مثل أهلها.

وبعد عام واحد من وصوله إلى سويسرا وانخراطه وانهماكه فى الدراسة تقدم لامتحان المعادلة الذى يسمح بالتسجيل لدرجة الدكتوراه وقد دهش أستاذه لجرأته على التقدم للامتحان بعد فصلين دراسيين فقط، لأن الأمر يحتاج إلى أربعة فصول على الأقل لاجتياز امتحان القبول، وتوكل على الله مستعيناً به وبكفاءة استيعابه وإصراره ومثابرته، واجتاز الامتحان بتفوق؛ أهله ذلك للتسجيل  لدرجة الدكتوراه فى ديسمبر عام 1960. ويقول الطحلاوى إن النقد البناء يعد الحافز الأكبر للتقدم والتميز، فهو لا يزال يتذكر الملاحظة التى أبداها أستاذه خبير الهيملايا العالمي الأستاذ جانسر حين قال لرجائي: "أنت ممتاز فى الجانب النظرى، لكنك تحتاج الكثير فى الجانب العملى"، كانت هذه الكلمات بمثابة صاروخ الدفع الذى أيقظ جذوة الحماس للدراسات الحقلية عند رجائي الطحلاوى، فشارك فى رحلات ودراسات عملية حقلية فى جبال الألب واليورا وفى ايطاليا والنمسا وفرنسا وألمانيا، فأكسبته هذه الرحلات الخبرة الرائعة التى جعلته يرتقي قمة علماء جيولوجيا الحقل بعد رجوعه من البعثة وانتظامه فى هيئة التدريس بجامعة أسيوط فيما بعد، وسجل رجائي الطحلاوي لدرجة الدكتوراه على منطقة تقع جنوب جبال الألب على بحيرة كومو شمال ايطاليا، فأتاح له الفرصة لمزيد من الدراسة الحقلية وتعلم اللغة الإيطالية الدارجة.  وبعد انتهائه من رسالة الدكتوراه وفى أثناء طبعها، تدرب عدة أشهر فى مكتب استشارات جيولوجية يهتم بالدراسات الهندسية، وتعلم كيفية كتابة التقارير العلمية بالدقة والإتقان والجدية التى تشتهر بها المدرسة العلمية السويسرية.

ومن الأمر اللافت للنظر، أنه أثناء دراسته الحقلية فى جبال الألب التى تغطيها الثلوج معظم أيام العام، تعلم الطحلاوى تسلق الجبال والتزلج على الجليد، فساعده ذلك على التنقل بين الجبال بعضها ببعض وانجاز العمل فى أقصر وقت ممكن، واستعاض عن التنقل بوسائل النقل المختلفة بتزلجه بين رابية وأخرى.

وفى نوفمبر عام 1965 عاد الدكتور محمد رجائي جودة الطحلاوى إلى مصر بعد حصوله على درجة الدكتوراه فى المساحة الجيولوجية من سويسرا، وسافر يوم 12 نوفمبر عام 1965 إلى مدينة أسيوط، وفى طريقه إلى استراحة الجامعة استقل الحنطور الذى كان وسيلة المواصلات السائدة آنذاك ليذهب إلى استراحة الجامعة فى حي الوليدية، فوجد أنوارًا وزيناتٍ على مبني يقع على النيل، فسأل سائق الحنطور وعرف أن هذا هو نادى بلدية أسيوط وأن المحتفى به هو الدكتور سليمان حزين رئيس جامعة أسيوط الذى عين حديثا وزيرا للثقافة، ولم يدر بخلد الطحلاوي أنه سيخلف هذا الرجل العظيم فى موقعه ليكون رئيسا لجامعة أسيوط بعد 27 عاماً من وصوله لأسيوط.

وذهب الدكتور الطحلاوى لقسم الجيولوجيا الذى كان يرأسه الدكتور محمد كمال العقاد الذي استقبله بترحاب، ونصحه باستلام العمل فى قسم التعدين بكلية الهندسة، وكانت نصيحته غالية لأن نظام الأقسام فى التعليم الجامعى فى مصر ليس كنظيره فى الجامعات الأوروبية.

انضم الدكتور رجائي الطحلاوى إلى هيئة التدريس بقسم التعدين والفلزات بكلية الهندسة جامعة أسيوط ورقي إلى أستاذ مساعد عام 1970 ثم أستاذاً عام 1974، بعدها أعير لجامعة الكويت أستاذاً بقسم الجيولوجيا لمدة خمس سنوات. وهناك فى الكويت بزغ اسمه بين أساتذة الجامعة حيث كان معمله ومكتبه خلايا نحل للطلاب الكويتيين واليمنيين والفلسطينيين، وكان دائم الخروج معهم فى رحلات إلى الصحراء، وأطلقوا علي مكتبه اسم ديوانية الطحلاوى لأنه كان لا يخلو من طالب علم أو مشورة أو نصيحة ما.

وعقب عودته من الكويت عين وكيلا لكلية الهندسة لشؤون التعليم والطلاب لمدة أربع سنوات، ثم انتخب عميداً للكلية ثلاث مرات استمرت قرابة سبع سنوات ونصف، بعدها اختير نائباً لرئيس الجامعة لشؤون الدراسات العليا والبحوث لمدة عام ونصف، ثم عين رئيساً لجامعة أسيوط فى أول أغسطس عام 1991، وكان فى ذلك الوقت فى دورة دراسية فى معهد التعليم العالى بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية. وفى 16 يناير عام 1996 عين محافظُا لأسيوط وكان أول رئيس جامعة يعين محافظاً فى مصر، بعدها عاد أستاذاً متفرغًا بكلية الهندسة اعتباراً من أول نوفمبر عام 1999 حتى الآن.

يتذكر الدكتور الطحلاوى عام 1957 عندما كان لا يزال طالباً فى الفرقة النهائية بكلية الهندسة، وكان يستعد للذهاب إلى كليته وكانت والدته تستمع إلى الراديو (وسيلة الإعلام المسموع الوحيدة فى ذلك الوقت) وقالت لرجائي إن الراديو أعلن عن بدء الدراسة فى جامعة أسيوط اليوم، والتى يرأسها العالم الكبير الدكتور سليمان حزين، الذى كان صديقاً لأخيها محمد العشماوى باشا وزير (المعارف) وأردفت قائلة: "يا رب أعيش وأشوفك رئيساً لجامعة أسيوط" وكأن أبواب السماء كانت ملبية لها رجاءها فقد تحقق حلمها وأمنيتها وصار ابنها الدكتور رجائي الطحلاوى رئيساً لجامعة أسيوط بعد 35 عاماً من تمنياتها، ويتذكر أيضاً أنه لم يكن يدرى أى شئ عن أسيوط سوى النذر القليل عن أبناء أسيوط الذين نبغوا فى ميادين الأدب والفن والفكر مثل مصطفى لطفى المنفلوطي وحافظ إبراهيم ومحمود حسن إسماعيل. ويشاء الله العلى القدير أن تشهد أسيوط نهضة تنويرية  تثقيفية علمية حضارية قام بها الدكتور الطحلاوى حين كان محافظاً لها. ولا تزال مسيرته نشيطة على الدرب، وشواهد ذلك ما نراه فى سلسلة أعلام أسيوط التى أزاحت النقاب عن أسماء بزغ نورها من أسيوط، ولم يكن يعلم بها أحد حتى القريبين، لكن الطحلاوى أماط اللثام عن هذه الأسماء فطفت على السطح وعرفها الكافة من خلال سلسلة أعلام أسيوط.

وحب الدكتور الطحلاوى لتعلم كل جديد لا تخبو جذوته فى نفسيته إطلاقاً، فقد بدأ يتعلم الكمبيوتر وهو فى سن الرابعة والستين ولم يستنكف أو يجد حرجاً فى تعلمه من أبنائه المدرسين بالجامعة أو حتى من حفيده الذى لم يتجاوز السنوات العشر من عمره.... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمد فتحي عبدالعاليقول عنه المقريزي: "فهو الجامع لمحاسن البنيان، الشاهد بفخامة أركانه، وضخامة بنيانه أن منشئه سيد ملوك الزمان، يحتقر الناظر له عند مشاهدته عرش بلقيس وإيوان كسرى أنوشروان، ويستصغر من تأمل بديع أسطوانه الخورنق وقصر غمدان..".

بشارع الغورية يقبع جامعنا بمئذنتيه اللتين لا يعلوان المسجد وإنما فوق باب زويلة (شعار محافظة القاهرة الان) انه جامع المؤيد ...

فمن هو المؤيد؟

هو السلطان المؤيد أبو النصر شيخ بن عبد الله المحمودي الجركسي كان أحد مماليك السلطان برقوق  وقد تدرج في المناصب حتى علا قدره ثم حدثت فتنة الأمير منطاش والذي أطاح ببرقوق لبعض الوقت  فتم القبض على العدد من المماليك الموالين لبرقوق ومنهم مؤيد شيخ حيث اقتيد إلى  خزانة شمايل أو سجن شمايل بالمصطلح العصري وهو يختلف عن السجن العصري في كونه حفرة يقيد فيها السجن ويقضي بها حاجته وحسب..

ولكن ما هو سجن شمايل الرهيب؟

هو سجن مروع بناه علم الدين شمايل أحد فلاحي بعض قرى مدينة حماة، وقد أصبح واليًا على القاهرة في عهد السلطان الكامل مكافأة له على اخلاصه ودوره في نقل رسائل السلطان إلى أهالي دمياط المحاصرين وحثهم على الصمود أثناء الحملة الصليبية الخامسة على دمياط..

نذر المؤيد:

وفي شمايل  تم شكه في الزنجبير!! وهي من كلاسيكيات فن التعذيب المملوكي حيث قيد من يديه وساقيه وعنقه بسلاسل مثبتة في الحائط نهايكم عن العذاب بالحشرات من البراغيت والبق التي حفل بها هذا السجن أو الحفرة   فنذر المؤيد لله نذرا  إن  فك الله كربه وصار له ملك مصر أن يهدم السجن ويقيم مكانه جامع كبير وتدور الايام وويتحقق حلم المؤيد شيخ بحكم مصر

المسجد الحرام:

ويفي المؤيد بنذره فهدم السجن وأقام الجامع مكانه  في عجالة. كان المسجد يحتاج كميات كبيرة من الرخام فهاجم مماليك المؤيد بيوت الناس لخلع الرخام طوعا أو كرها كما أخذ باب السلطان حسن ليكون باب جامعه وكذلك النجفة النحاسية ليضيف مسجده إلى مساجد المماليك الحرام التي تبني من سرقة أموال الناس وأسرع المؤيد بافتتاح الجامع على الرغم من عدم اكتمال البناء....

قاتل ابنه:

وتمضي السنون ويتحول الضحية إلى جاني فقد نجح كاتب السر ابن بارزي في بث سمومه و تأليب المؤيد على ابنه الصارمي ابراهيم وهو الفارس الوسيم الذي وطد ملك أبيه في بلاد الشام واحبه الناس والجيش فقام المؤيد بدس السم لابنه في الحلوى وكان السم بطيئا وحينما بدأت الأعراض تظهر على الابن ندم المؤيد على فعلته وجلس بجانبه يبكيه ولكن الوقت مضى وحانت لحظة الرحيل فمات الابن وخرجت جنازته من القلعة إلى الجامع الذي انشأه المؤيد وبكي المؤيد على ابنه الراحل وهو يسمع خطيب المنبر يروي حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما فقد ابنه ابراهيم عليه السلام: (إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإننا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) وحتى يخفف الاب المكلوم من لوعة حزنه على فراق ولده دس لابن بارزي من نفس السم !!

مات المؤيد حزنا في نفس السنة لقد قتل الاب ابنه حتى لا يليه في الحكم فجمعتهما الاقدار للموت في عام واحد وفي نفس القبر !!

الرضيع يحكم مصر:بوفاة المؤيد وابنه ابراهيم تطل علينا واحدة من سخريات القدر حيث اجتمع مماليك المؤيد على  تولية ابنه الرضيع شهاب الدين أبو السعادات أحمد والسعادات نسبة لاسم أمه!! وفي سابقة الأولى من نوعها تولى الرضيع حكم مصر والمثير أن الطفل الرضيع أصابه الحول في حفل تنصيبه على صوت دقات الكورسات!

وصف الجامع: اشرف على بناء الجامع بهاء الدين محمد ابن البرجى ويتكون المسجد من أربع واجهات وبابه من الخشب المصفح بالنحاس والمزين بالذهب والفضة وهو باب مدرسة السلطان حسن كما سبق وأن ذكرنا ويتوسط جدار القبلة محراب مكسو بالرخام الملون وحافل بالزخارف وكان للجامع مكتبة قيمة وكان يدرس به العلوم الشرعية.... وإلى هنا ننتهي بجولتنا في واحدة من أشهر محطات  الفن  المملوكي وتاريخه

 

د. محمد فتحي عبد العال

 

محمد السعديكان تشيخوف يقول لصديقه مكسيم غوركي وهما يغادران مزرعة (إيسيانا بوليانا) .. لماذا تعتقد أن تولستوي يمتدح ما نكتب؟ يضحك غوركي وهو يقول : لانه ينظر ألينا كأطفال، كل ما كتبناه لعب أطفال بالنسبة اليه؛

كلما تعرفت عن قرب على الفنان سامي كمال وجدته يتعامل بكبر مع محبيه وقريبيه . مشوار طويل من الصداقة قبل تكون في خانة النسابة والمصاهرة حافلة بالمواقف والاحداث والمنعطفات . صورة الرجل المشعة دائماً بالأمل ذكرتني بهذا الحوار بين أدباء روسيا الكبار حول الكبار .

ولد الفنان سامي كمال العام ١٩٤٠في قضاء الكحلاء (المسعيدة) التابع لمحافظة ميسان وسط عائلة ميسورة الحال وذات نفوذ أجتماعي وسط أهالي قضاء الكحلاء، والده مناتي أمتهن مهنة خياطة (العباءة العربية)، كباب رزق وعيش لعائلته، والدته ربة بيت لعائلة تتكون من ستة أبناء هو الأكبر بتسلسل الاولاد، فتحمل منذ طفولته الأولى عبأ العائلة في البحث عن مصادر للعمل لتعيين والده لمساعدته في العيش . وفي وعي مبكر بسبب ظروف الحياة الاقتصادية وطبيعة العلاقات في مدينة الكحلاء وظروف العيش والحياة وأحتياجاتها اليومية والعوز في مصادرها وأنعكاس ثورة أكتوبر وأنتصارات الجيش الاحمر على جبهات الحرب العالمية الثانية وبث الافكار الشيوعية في جنوب العراق، جملة تلك العوامل دفعت تلك العائلة الى الوقوف مع قضايا الفقراء والدفاع عن حقوقهم المسلوبة من رجالات الاقطاع والاغوات والمالكين الى الانحياز والايمان بالافكار الماركسية والشيوعية .

في مطلع الخمسينيات من القرن المنصرم أنتقل الفنان سامي كمال مع عائلته من مدينة الكحلاء الى العاصمة بغداد مما شكلت تلك الانتقاله أنعطافة في حياة الفنان على المستوين الفني (الغنائي) والسياسي، وعندما كانت العاصمة بغداد تموج في منتدياتها وشوارعها مخاضات سياسية وثقافية قادمة في التغير، قد تركت إثرها الواضح على حياته، بل أنخرط في تلك الاحداث مبكراً من خلال الاهتمام والانتماء . وعندما وجد المرحوم مناتي والد الفنان سامي كمال الموهبة لدى أبنه في الغناء والفن . دعم تلك الموهبة في داخله وحثه بإتجاه صقلها في الدخول الى مسرح الموسيقى العسكري كمنشد مما شكلت إنطلاقته الأولى في عالم الغناء والتلحين .   

في بغداد العاصمة . تفتحت إمام الفنان سامي كمال أفاق جديدة لتطوير مواهبه الفنية والتي أعتمدها في ذاكرته من شجن وحزن الجنوب العراقي، فلقد تعرف على ملحنين عراقيين من أمثال الراحل كمال السيد، محمد عبد المحسن، عباس جميل . وشعراء أغنية عديدون لازمهم في مسيرته الفنية، ومن أكثرهم قرباً له الشاعر المرحوم كاظم أسماعيل كاطع، وقد سبق هذه الأضاءات بولوجه وقبوله كمنشد في فرقة المنشدين الصباحية . في العام ١٩٧٠ بدأ العراق يخطو بأتجاه تهدئة الاوضاع وما رافقها من تنمية وأصلاحات أنعكست على الحياة الفنية والثقافية في العراق وبناء الأغنية المعبرة والهادفة ومضمونها وتطورها، مما الى الآن يشار لها بالبنان في المعنى واللحن والشعر، وكان الفنان سامي كمال واحد من عشرات الفنانين، الذين تصدروا ألق هذا المشهد في تعزيز أسس الاغنية والفن بشكل عام .

في أستذكار تاريخي لأهم محطات الفنان سامي كمال في بداياتها . حيث يقول .. في بداية تسجيل أولى أغنياتي (بويه عينه شكبرها) . وكان الفنان يحي حمدي مخرجاً لهذه الأغنية ولما أكملت تسجيل هذه الأغنية خرجت الى الكونترول لاستمع أليها في مبنى الاذاعة، وكانوا في حينها الملحن محمد جواد أموري والملحن الشيوعي كوكب حمزة والمغني سعدون جابر يستمعون لي عند إداء التسجيل . فقال الفنان يحي حمدي شهادة مازلت أعتز بها الى يومنا هذا أمامهم (أن هذا هو الصوت المطلوب، ولكنه بأعتقادي سوف لن يكون طريقه سهلاً) . 

في منفاه البارد الموحش في القطب الشمالي، الذي طال سنوات طويلة تداهمه به الذكريات والحنين الى الماضي في جو وحميمية عائلته الهاديء، وعندما تكهرب الجو السياسي العراقي العام في أستهداف القوى الوطنية ومثقفيها وفنانيها من قبل أجهزة النظام في أعتقالهم وتغيبهم . قرر الفنان سامي كمال بحزم حقائبه في الرحيل الى وراء الحدود الى أصقاع الأرض القاحلة، وفي لحظة وداع مؤلمة وصعبة لعائلته، أثنته والدته الطاعنه في السن عن الرحيل متوسله له والخوف عليه من معاناة البعد ووحشة المهجر، مازالت تلك اللحظات الصعبة تداهم الفنان سامي كمال بوجع وربما بندم على فراق والدته كلما تلبسته سنوات اليأس والأحباط، ومما زادت من قساوة وهول الغربة رحيل والدته الى السماء بعيداً عن توديعها وإلقاء النظرة الاخيرة عليها . والانسان يشعر بالعمر وتقادمه عندما تغيب أمه عن الدنيا .

عندما ولج الفنان سامي كمال عالم الفن كمغني وملحن العام ١٩٧٠، وهو أب لاربعة أطفال يعمل من أجل تأمين حياة متواضعة لهم . راح يبحث عن مصدر رزق لتأمين معيشتهم، لأنه في يومها لم يكن للفن معين مالي للعيش ولاسيما كفنان شيوعي يعطي من وقته وفنه للناس وقضاياهم، فأخذ مهنة الحلاقة كباب رزق في تأمين حياة هادئة بفتح محل للحلاقة في مدينة الحرية في بغداد . وكان الملحن طارق شبلي يأتي من البصرة الى بغداد كلما توجب حضوره في  لحن أغنية  جديدة لمطرب جديد في مبنى دار الأذاعة بالصالحية، وكان حينها يرافقه شاب صغير متلمساً طريق فن الغناء هو الفنان رياض أحمد، والذي أصبح مغنياً مميزاً في مسيرة الاغنية العراقية . يستذكر سامي كمال ذكريات تلك الايام، والذي حدث مرة في مبنى الأذاعة بتصرف غريب من الشاب رياض أحمد مما دعا سامي كمال في نهره وقائلاً له أمام جمع من الحضور ” أنت محسوب علينا ” فرد عليه رياض لا أنا بعثي . فاستدرك الفنان سامي كمال الموقف والخروج منه لا أقصد أنت محسوب علينا كفنانين .

في بغداد العراق، وبعد أن ضاقت به فرص الحياة والعمل وحرية التفكير ومساحات الابداع لمعتقده السياسي (الشيوعي) والتمسك به ولم يرضى لنفسه على أي مساومة تجاه معتقده من آجل البقاء في مبنى الأذاعة في الصالحية والتي من فتحات نوافذها يحقق الشهرة والمال، لقد تم أبعاده عن هذا الأفق وهو في بدايات ظهوره وشهرته الى الفرقة القومية للفنون الشعبية، وقد تعرف هناك على بعض الفنانين العراقيين أمثال جبار عكـًار وأمل خضير . وفي الفرقة القومية ألتقى بالفنان عبد الآمير معله وهو اللقاء الثاني به، وتفهم ظروفه ودعمه بأتجاه مشروعه الفني .  

كثير ما يشدنا في أغاني هذا الفنان الرائع هو المذاق العراقي السلس مع لحنه الممتع، والكثير منا يتذكر الفنان سامي كمال في بداياته الفنية وفي أشهر أغانيه (رايح يارايح وين) والحاصلة على جائزة أفضل أغنية عام 1977-1976، والتي لابد من الاشارة هنا الى ملحنها المرحوم الفنان الراحل كمال السيد(ولنا وقفه مع هذا الفنان الراحل) والذي منحه اسمه الفني . في مسقط رأسه بمدينة الكحلاء، وفي عز فتوته بدأت تظهر ميوله نحو متابعة الفن وعمالقة الغناء العربي وتحديداً الغناء، ولموهبته المبكرة بهذا المجال بالتزامن مع ميوله السياسية بتأثير من والده مناتي بحكم طبيعة عمله وأحتكاكه اليومي بالناس وهمومهم، فكان نصيب العائلة بذلك التوجه والانحياز الى قضايا الانسان في العيش والاختيار الحر. في سنواته الاولى للفنان سامي كمال في مجال الغناء والفن وتأثيرات أنتمائه السياسي على مسيرته الفنية في حقبة العراق التاريخية في التكوين السياسي وظهور الاحزاب السياسية الى العلن في العمل السياسي والاحتراب الى حد الخصومة والمواجهة بين القوميين والبعثيين من جهة والشيوعيين وأصدقائهم من جهة أخرى، تركت ظلالها على حياة الفنان سامي كمال في بداياته الفنية بحكم هذا الصراع السياسي وتحديد المواقف . مما تعرض الى الاعتقال والسجن في أحداث ٨ شباط العام ١٩٦٣، بمجيء البعثيين والقوميين الى دفة الحكم بإنقلاب عسكري أطاح بثورة تموز وإنجازاتها ورجالها ليدخل العراق في دوامة طويلة من الانتهاكات والدم .

أرتبط همه السياسي والتعبير عنه في الوقوف مع قضايا الناس وتطلعاتهم من خلال موهبته الفنية

وأصالته العراقية وموسيقاه التي تفيض منها الحانه وصوته الشجي، وهذا  ما نتلمسه في أغانيه على مدى أربعة عقود من العطاء . والفنان سامي كمال متمرس في الغناء منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، حيث دخل الاذاعة كمنشد في فرقة المنشدين الصباحية مع ثمة من الفنانين العراقيين، والذين حجزوا لهم مكاناً في الذائقة العراقية أمثال عبد الجبار الدراجي، صباح غازي، حسين السعدي، عباس حسن، هناء وأختها غادة سالم . وبسبب ظروف العراق السياسية وتقلباتها مما أجبره كسائر الغالبية من المبدعين العراقيين الوطنيين الى مغادرة العراق متوجها  الى المجهول…؟.

المجهول هو المنفى حيث لم ولن يكون أحد منا انه يتوقع انه هذا المنفى هو كما آل اليه الحال ليمتد الى اكثر من أربعون عاماً من الزمان كان الهاجس هو المكان الآمن البعيد عن عيون المخبرين وسطوة الجلادين .

فكانت أغانيه مثل (لبغداد).. (أستمد الشجاعة منك) .. (صويحب) التي اشتهر بها.. (يــابــحــر)... (مشتــاكَ).. (دكَيت بابك ياوطن) ..(شلون بيه وبيك يبنادم)  وغيرها الكثير .. الكثير...اين انتم واين نحن من هــذا الفنان ومتى ... ومتى ننصف مبدعينا الذين اعطوا للانسان والوطن الكثير ودفعوا أجمل محطات حياتهم للوطن .

مسيرة الفنان سامي كمال محطات ودول وأنعطافات وتجارب غنية وطافحة بالذكريات والمواقف تستحق الوقوف عندها ونقلها لتكن تجارب حياة للآخرين .

محطة اليمن … ومراحلها .

قبل أن تطأ قدماه أرض اليمن، كان مروره الأول دولة الكويت، والتي لم يمكث بها طويلاً لاسباب شخصية ومن منطلقات (فنية وسياسية)، ورغم الأغراءات التي قدمت له من سكن ومال وجاه، لكنه لم تثنيه على مواصلة طريقه المنشود، وربما العامل ذو الوزن الأكبر والأكثر تأثيراً هو أنتمائه السياسي (الشيوعي) . فكانت وجهته جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية . 

كانت محطته الأولى في المهجر هي جمهورية اليمن الديمقراطية (اليمن الجنوبي) عاصمتها عدن، تاركاً خلفه عراق مضطرب تحت مفارقات سياسية خطيرة أدت به الى حروب ودكتاتورية متسلطة ووحشه . في منفاه الأول وجد بحبوحة من فضاء واسع للتعبير عن كوامن دواخله في الغناء والتعبير مع رعيل من رفاق فكر وطريق جمعهم اليمن السعيد بعد أن ضاقت بهم أرض بلدهم الخصبة . منذ البدء، وفي الأيام الاولى .. التي وطأت قدماه أرض اليمن أنخرط في النشاط الفكري والفني والسياسي لينقل للعالم معاناة شعبه وما تعرضوا له من أرهاب وتهميش بسب معتقداتهم السياسية، فبادر مع رفاقه بتأسيس فرقة غنائية (سياسية)، أطلق عليها في حينها (فرقة الطريق)، ضمت بين صفوفها سامي كمال، المرحوم كمال السيد، حميد البصري، شوقية، جعفر حسن، المرحوم فؤاد سالم . تعرضت الفرقة بعد عدة نشاطات وأحياء مهرجانات الى عدم الاتفاق مما أدت تلك الخلافات الى تأسيس فرقة جديدة بأسم الطريق الثانية بين صفوفها سامي كمال، والمرحوم كمال السيد، لتميزها عن فرقة الطريق الأولى . وبمرور الأيام باتت أسم يشار لها بالبنان ليس فقط وسط جموع العراقيين الهاربين من بطش الدكاتورية، وأنما أيضا باتت مدار حديث الشعب اليمني، وكان اليمنيين حريصين على مواكبة نتاجات الفرقة بما قدمته من أغاني سياسية هادفة في التعبير عن أرادة الشعوب في التوق الى الحرية . وعندما وصل الفنان سامي كمال الى العاصمة عدن ترك وراءه في بلده العراق زوجة وأطفال صغار بين أهاليهم وأقاربهم، وكلما طالت الايام والذي كان يعتقد كغيره ربما ستمر تلك الايام (أيام الغربة)، كسحابة صيف ستتلاشى بحرارة اللقاء المرتقب بصفقة سياسية بين آمراء القرار السياسيين . كانت ظروف العراق أنذاك مخاضاتها صعبة للغاية في ظل نظام لايتساهل حتى مع همسات معارضيه، فكانت الاتصالات مقطوعة والرسائل ممنوعة بين معارضيه في الخارج وأهلهم في العراق والذين يتلون صبراً وشوقاً الى حنين اللقاء .

كلما أزدادت مسافات البعد ووطأة الغربة بين الفنان سامي كمال وعائلته في العراق تقربت مسافات الشوق بينهما في البحث عن منفذ للقاء يجمعهم في بقعة من معمورة الاراض الواسعة . السيدة أم اولاده (أم فريد)، عانت الآمرين في العراق من العوز المادي لأم في حضنها أربعة أطفال صغار رغم مساعدة أهلها وأخوانها لها . والآمر الثاني الي هو أكثر خطورة هو خوفها الطبيعي على أولادها من ممارسات وأساليب النظام عليهم بأعتبارهم أولاد فنان ومعارض سياسي . بدأ صدى صوته يخترق تطلعات شعبنا المكتوية بقوة الحديد والنار .

في ظل تلك الأجواء المعقدة والمخيفة قامت زوجة الفنان سامي كمال أم فريد بحمل أولادها الأربعة وعبرت بهم حدود العراق بأتجاه العاصمة السورية دمشق للبحث عن زوجها وجمعه بأولاده الذين يحلمون بأمنية لقائه، مثلما أرادت أبنته الصغرى حنان، وفي فراقه لها، أن تعبر بأمنيات تفوق سنوات عمرها لحزنها على فراق أبيها وتعبيراً عن حزن طفلة حرمت من دفء حضن والدها . وعندما حطت الأم رحالها مع أولادها الاربعة في العاصمة دمشق، ولم يعثروا على أثر لوالدهم في دمشق أصابهم الحزن ويأس اللقاء .

الرفاق والمعارف في دمشق هما من دلهم الى وجوده في العاصمة اليمنية الجنوبية (عدن)، وكأي أم عراقية شجاعة ووفية راحت تجرر باذيال أولادها في العواصم العربية غبر مهابة من مخاطر الدنيا ومفاجأتها، فوصلت بهم بعد معاناة  جدية وخطيرة عبر الحدود والمطارات الى العاصمة عدن، ليجتمعوا تحت سقف مهجور لفندق عتيق . وفي أروقة ومداخل هذا الفندق وتحت العوز الى العيش الرغيد والحنين الى الوطن . بدأت حياة تلك العائلة تلملم شتاتها في العيش والتكيف مع ظروف هذا البلد وإهله الطيبيين تحت ربانها الفنان سامي كمال .  

مشى الزمن سريعاً على حياة تلك العائلة في العاصمة عدن، أصبحوا جزء من حياة مجتمع وحركته الدؤوبة بين مئات من عوائل الشيوعيين العراقيين، والذين تركوا وطنهم جبراً من بطش الدكتاتورية . وبعد سنوات وفي ظروف صعبة ألمت بحياة الفنان سامي كمال حزمت العائلة حقائبها باتجاه العاصمة السورية دمشق لتكن محطة أخرى من محطات العائلة تاركه وراءها أصدقاء وذكريات ومدرسة وأثنان من أفراد العائلة فريد و أسمهان . ورغم صغر أعمارهم، لكنهم تمكنوا من شق طرق لحياتهم الى هدفهم المنشود . لم يتوقف طموح الفنان سامي كمال في المضي قدمأً بمعرفة خفايا وخبايا عالم الموسيقى في الدراسة الأكاديمية، لقد تمكن من خلال وجوده في جمهورية اليمن وبأحد معاهدها الموسيقية من أن ينال درجة الدبلوم بآلة (كلارنيت)، ليحقق جزء من طموحه الشخصي، الذي حرم منه في بلده العراق . وفي سنوات وجوده في العاصمة عدن . تعرض الفنان سامي كمال الى وضع صحي طاريء تعذر عن علاجه وتجاوز أزمته في محل أقامته في دولة اليمن الجنوبية، فأرسل من قبل منظمة الحزب الشيوعي العراقي الى دولة لبنان (بيروت) للعلاج أمام تعهد من قبل المنظمة في رعاية عائلته خلال غيابه المؤقت، وقد عانت العائلة من غياب الأب  . 

 في بيروت المحترقة، بيروت العائمة على النار، بيروت الحرب، بيروت المرصد ونقطة الانطلاق من جديد نحو الوطن وهنا كان سامي وغيره من الذين غادروا معه وقبله وبعده من المبدعين خاصة استجمعوا قواهم من جديد ليأسسوا لمرحله مؤقتة (في ذلك الوقت) . وبهذا الوجود المؤقت في هذه المحطة من المنفى لم يهدأ له بال الا ان يقول كلمته، وينشد، ويغني، ليشارك زملاءه في المسرح والموسيقى، أنتج وغنى ولحن العديد من الالحان التي تغني للوطن وتنبذ المنفى وتدعو للعودة مشاركاً في المهرجانات الفلسطينية والوطنية اللبنانية حيث كانت اغانيه تنشد الوطن . وظل صوته ينزف باتجاه وطنه رغم ما تعرض له من أحباطات وأمراض ويتلوى على ما أصابه من أحتلال وطائفية وفساد .

محطة دمشق.. ومراحلها .

وصلت عائلة الفنان سامي كمال الى دمشق في العام ١٩٨٢، بعد أن سبقهم الفنان سامي كمال للبحث عن مآوى وطن أمن لمشقة ظروف العيش في بلاده، كان العراق يومها دخل طاحونة الحرب بين الجارة اللدودة إيران وهيمنة دكاتورية الحزب الواحد . دمشق .. كانت الأكثر قرباً الى بلاده العراق ليس بالقرب الجغرافي فقط، بل كان هناك إمتداد تاريخي وثقافي بين الشعبين العراقي / السوري . كانت على أرض دمشق تنشط عدة أحزاب وتنظيمات وكيانات معارضة لأنظمة بلدانها جمعت العراق، فلسطين، البحرين، وبلدان أخرى . كانت سوريا وهذا موقف يسجل لها أحتضنت كل قوى المعارضة، لكن للأسف الشديد هناك من تنكر لهذه المواقف عندما سوريا وشعبها تعرضوا الى محنة الحرب والوجود . وجد الفنان سامي كمال نفسه على أرض دمشق بين أوساط العراقيين والفلسطينين في البحث والذود عن وطنهم . فبادر مع مجموعة من الفنانيين العراقيين بتأسيس فرقة فنية (فرقة بابل) . وجمعت الفنانيين تحت لوائها وأهدافها وأغانيها السياسية الهادفة . واصل الفنان سامي كمال نشاطه الفني على أرض دمشق دافعه هو حب الوطن والأرض وهن من أساسيات أنتمائه الفكري للحزب الشيوعي العراقي، وإيمان هذا الحزب بالفن وألتزامه وأهدافه (تحزب الفن) .

مشقة العيش الرغيد من خلال البحث عن العمل لتوفير لقمة عيش نظيفة لعائلته، كانت من أولويات حياة الفنان سامي كمال . قام مع مجموعة من الفنانين في دمشق بتأسيس فرقة بابل (سامي كمال، كوكب حمزة، المرحوم كمال السيد، حمودي شربه، المرحوم فلاح صبار، سالم البهادلي، فريد سامي، جنان سامي، حنان سامي) . وفي الوقت نفسه كان رئيساً لفرقة (بيسان) الفلسطينية التابعة الى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والذي طاف بها المدن السورية والمخيمات الفلسطينية بأعذب الألحان وأوسع الاغاني أنتشاراً (من يغسل الدم في الشوارع .. تقدموا .. لون البحر لونك .. ذاهب كي أرى كيف ماتوا .. أغنية مهداة الى الشهيدة سناء المحديلي .. سلام للخليل سلام للجنوب) . وكانت تلك الاغاني من ألحان الفنان سامي كمال، وهي إنعكاس حقيقي للواقع العربي وتداعياته السياسية .

موهبة التلحين عند الفنان سامي كمال زاملته من بداياته الأولى وولوجه عالم الفن الغنائي، راح باحثاً عن قوة اللحن والتي تليق بأدراكه لمعنى الفن ورسالته التاريخية ودوره في ذائقة الناس وصفهم نحو قضايا شعوبهم .

في العاصمة دمشق وعلى أرضها الواسعة كانت تعج بالنشاطات السياسية والصراعات الإيدلوجية بين قوى سياسية معارضة لأنظمتها مما أنعكست فنياً وأبداعياً على قوى الشارع، أي على حالة الفن في العراق وأحتضانه ومتابعته من جمهرة واسعة من العراقيين تحديداً نشاطات وحفلات فرقة بابل . وفي ظل أجواء أجتماعية ونشاطات متنوعة غنية بالوفاء والمحبة كان صوت الفنان سامي كمال الحزين ونغمات أوتار عوده يتدفأ بها العراقيين في ليالي دمشق الباردة . مازالت ذاكرة العراقيين تختزن بجمالية أيام سوريا وأجوائها الحميمية رغم مرور تلك السنيين الطوال في الغربة والتشظي .

وبعد سنوات طوال من العيش والاقامة والعلاقات والدفء في العاصمة دمشق . شد الفنان سامي كمال الرحيل مع عائلته الى القطب الشمالي مجبراً لمقتضيات العيش والتي بدأت تصعب في توفيرها السهل . مما دعته تلك المقتضيات في العام ١٩٨٨ الى ترك دمشق وفي نفسه لوعة لمشاريع لم تتحقق بعد على مستويات الفن والابداع ويأسه من الأعيب السياسة وأمراءها المنتحلون .

محطة السويد.. وصقيع أجوائها .

يقول الفنان سامي كمال في اللحظة الأولى التي رست بها الباخرة العملاقة القادمة من ميناء (سفينوشجه) البولندي الى ميناء مدينة (إيستاد) السويدي، وخزتني نوبات حزن وفرح، فرح غبطني بفرح عائلتي في الوصول بسلام الى أرض السويد (الفردوس) المفقود لنا وتأمين حالهم .. وحزن لازمني طيلة سنوات أقامتي في مملكة السويد رغم كل المميزات والخدمات التي حصلنا عليها، لكني كفنان كنت أحمل في نفسي حزمة مشاريع وتطلعات وحب وطن والقتال من آجله، وفي الوقت الذي حل به الفنان سامي كمال أرض السويد . تدفق أليها جموع من العراقيين الى أرض السويد من عدة بلدان ومن أصقاع الأرض بحثاً عن الآمان والعيش الآمن وضمان مستقبلهم ومستقبل أولادهم، بعد أن ضاقت بهم سبل العيش وشعورهم باليأس من حلول سياسية قريبة تفرج عن أزمات غربتهم ومعاناتهم والتي طالت لسنوات ولا أفق قريب ينذر بالعودة الى الوطن (الأم) العراق . العراق وهو يطوي صفحات الحرب اللدودة مع الجارة إيران، عندما تجرع السم الخميني في قبوله بأيقاف صفارات أنذاراتها، والتي كانت أملا لبعض العراقيين في سقوط الدكتاتورية في العراق، وعندما تلاشى هذا الأمل تدفق العراقيين الى صقيع بلدان القطب الشمالي بحثاً عن مأوى .

في هذه الأجواء الحميمية في وسط العراقيين وعلى أرض السويد ومدنها المزدحة بقدوم العراقيين . أحييت أملاً في روح الفنان سامي كمال في تحقيق جزء من مشاريعه وأهدافها بأحياء الموروث العراقي والتلاقح الثقافي ومد جسوره مع ثقافة السويديين وتطلعاتهم الى ثقافة الشرق الغنية بتنوع تراثها، فقام بوضع عدة نواتات لتأسيس فرق فنية يحيي من خلالها التراث العراقي ولملمة صفوف العراقيين نحو تراث وتاريخ شعبهم جزء من ترسيخ الذاكرة الجمعية للعراقيين . لكن سرعان ما تلاشت الأحلام والطموحات وكهربت الأجواء بين العراقيين بعبور قوات الرئيس صدام حسين حدود الجارة دولة الكويت وإحتلالها وضمها الى الأصل وأعتبارها المحافظة العراقية التاسعة عشر، مما تركت تداعيات خطيرة على المشهد السياسي العراقي وإمتداد تأثيره السلبي على لحمة العراقيين في المهجر وبروز الخلافات في وجهات النظر مما حدت من تطلعات الفنان سامي كمال حول رؤيته الجديدة في أنطلاق فرقة فنية تجوب بين وسط العراقيين في أوربا، وتدفأ أجوائهم الباردة في بلدن الصقيع وتشد أزرهم نحو وطن بعيد .

وما لحق من تبعات هذا المشهد دخول قوات صدام حسين الى الكويت من موقف دولي في التحشيد بطرد قواته من الكويت وتحطيم العراق بنيات مبيته له سابقاً بالنيل من شموخه التاريخي لحصار قاهر أستمر لسنوات عجاف بلا مسوغ قانوني ولا رادع أنساني، تلك التطورات لم يكن عنها بعيداً الفنان سامي كمال بل عاش في صلبها وتفاصيل يومياتها التدميرية تجاه وطنه في البحث عن منافذ لصد الكره عن ما سيصيب وطنه وأهله، كانت معاناته تتعاظم يومياً في البحث عن الحلول وتقديم شيء لشعبه . تداخلت تلك الأحداث بأنهيار حلمه بالتجربة الأشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان المنظومة الأشتراكية، فأنعكست فشل تلك التجربة بعد سبعين عامأ على الأحزاب الشيوعية في بلدان الشرق الاوسط والعالم وحركات التحرر وقوى اليسار، ولم يكن الفنان سامي كمال بمعزل عن تلك الانهيارات لألتصاقه الوثيق بروحية وفكر تلك التجربة الشيوعية . وقد احس بالغدر في آماله وتطلعاته، وكأنه بناء من الكارتون تهاوى على حين فجأة . هذا الأحساس سيبقى منغصاً له ولي ولكل رفاق الطريق . خمسون عاماً .. طيلة تعلقه بالفكر والإيمان بالاشتراكية تذهب هباء؟. كانا لينين وستالين وبوخارين هما رموز تلك التجربة في الاتحاد السوفيتي . وستالين هو الأكثر تمسكاً بكرسي السلطة وقمع معارضيه وقتلهم، أنتهى به المطاف أن يغتال من أقرب الناس له ومشاركه في كل الجرائم بحق رفاقهم هو (بيريا) مسؤول جهازه المخابراتي الخاص .

الفنان سامي كمال في محطته الأخيرة وأستقراره في مملكة السويد في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات ومع حصول عائلته على تحقيق نجاحات على مستويات العمل والأستقرار الأجتماعي، لكنه لم يهدأ باله بأتجاه أحوال العراق وما يبيت له من مكائد مصيرية مما بدت تنهش بجسده القوي، الذي بدأ يضعف أمام الحنين الى الماضي وتألمه على تجارب الحلم التاريخية في الذود عن وطن آمن تسوده العدالة والمساواة .

وفي عجلة الحياة والزمن وصخبهما . كان مصراً على تقديم نتاجات من خلال محاولاته المستمرة والجادة بتكوين صرح فني (غنائي) لاحياء تجارب الماضي وصورة الفن الملتزم في الأغنية الهادفة الى بناء الانسان وجمالية الذوق الراقي في الإحساس والتطلع، لكن كل تلك المحاولات لم ترتقي الى طموحه وحبه للفن والإصالة، وفي صور هذا التوثب الى تحقيق الانجازات داهمته أزمة صحية، كادت أن تعصف بحياته، لكن تشبثه بالحياة وحبه لفنه عبر بهما الى طريق العيش والأمان، تلك الجلطة الدماغية المفاجئة والتي أفقدته أعز ما يملك من مكنونات داخلية في النطق  والصوت والعزف على أوتار عوده، مما عطلت مشاريعه بالكامل الثقافية والفنية.

وبعدها بسنوات معدودة لم تفك المصائب عنه فتعرض الى عملية (القلب المفتوح) على أسرة مستشفيات السويد، مما سببت له أنتكاسة على المستوى الصحي والنفسي رغم معنوياته العالية في الحياة والعيش وتشبثه بهما . ظل متواصلاً مع متطلبات العصر ومحاولاً جاداً كفنان يتنفس هواء الناس النقي في تحقيق أحلامهم والتي هي جزء من تحقيق أحلامه ومن خلال أدواته الرئيسية في الموسيقى والحن والغناء في التعبير على مكنوناته الداخلية تجاه إيمانه المطلق بقدرة الانسان على الابداع والتواصل وتحقيق الأماني .

واصل الفنان سامي كمال طريقه الى التطلعات رغم الأوجاع التي أعترت طريقه في العبور الى الضفة الثانية من عراق معافى بسواعد أبنائه من بناة ميامين في حب الوطن والنزاهة . كان يحلم وملايين من أمثاله العراقيين بعراق آخر بعد رحيل الدكتاتورية عن أرض العراق، لكن سرعان ما تلاشت تلك الاحلام والأمنيات وسنوات النضال، لقد أعتلى دفة الحكم مجموعة من اللصوص وعديمي الضمير وبائعي الوطن في تدمير نسيجه الأجتماعي والثقافي على يد الميليشيات والطوائف المتخلفة في توطيد مفاهيم الطائفية والفئوية والحزبية بدلاً من الوطنية والمواطنة .

محنة الفنان سامي كمال، كان يتلوى وجعاً على ما وصلت آليه الاحداث الى عراق مغيب ومجهول الهوية ومسلوبة الارادة، وكان يعبر دائماً عن حزنه ولوعته في البحث عن وطنه، الذي أفنى طيلة عمره من آجله مضحياً بالغالي والنفيس وبصحته وبمستقبل عائلته . ولقد رأيته وأنا القريب منه وعلى الرغم من أوجاعه بارقات الأمل على وجههه في مواكبة تطورات الاحداث وما سطره شبابنا في ساحات العراق الغاضبة في ثورتهم التشرينية في إعادة وطنا لنا، وما سطروه من ملاحم بطولية فاجأت الاصدقاء قبل الاعداء، وكان الفنان سامي كمال بكل جوارحه في قلب الحدث معتزاً بعراق جديد يعم به الأمل والمستقبل، وهذا ما كان يصبو له طيلة حياته ومن خلال مواقفه النضالية والوطنية وتضحياته الجسام .

وفي معرض قراءاته للاحداث . يعلق الفنان سامي كمال وهو على عتبة الثمانيين من العمر وبحزن تنهمر الدموع من العيون . أريد وطن يعيش به أبناء شعبي وأولادي وأحفادي بحب وسلام بعيداً عن الجهل والطائفية، وعلى أقل تقدير أشعر بالرضا على تضحيات تلك السنوات .

ساسة العراق الجدد بعد العام ٢٠٠٣، والذين جاؤوا مع الدبابات الامريكية في إحتلال أرض العراق الوطنية، وأعتلوا دفة الحكم ونهشوا به وبمعالمه ومؤسساته الحضارية، كانت أولى أولياتهم تحطيم الثقافة الوطنية العراقية وتاريخها العريق وتهميش رموزها من فنانيين ومثقفين ووطنيين، كان من بينهم الفنان سامي كمال وصحبه والأستعاضة عنهم بأشباه من المثقفين والطائفيين ومحدودي الأفق والحاقدين على العراق وأهله .

 

محمد السعدي

مالمو/ كانون الأول ٢٠١٩

 

 

فالح الحجية"باحث ومؤرخ متخصص في التاريخ والحضارة العربية الإسلامية بصورة عامة وفي الدراسات القادرية بتخصص دقيق"، وله عدة دراسات أكاديمية، وأشهرها كتابه جغرافية الباز الاشهب، وهو ينتسب إلى الأسرة الكيلانية التي ترجع بنسبها للسيد الشيخ عبد القادر الجيلاني" الحسني، ومن مواليد العراق في محافظة ديالى عام 1972م، وهو حفيد الإمام ولي الدين القادري[2]، ولقد نشأ وترعرع في قضاء الخالص، وفيه أكمل الدراسة الابتدائية والثانوية، ومنذ طفولته أولع بحب التاريخ، وقراءة الكتب المتنوعة، وتأثر بوالده فالح الكيلاني الشاعر المعروف[3]، ويعد نفسه من تلاميذ عماد عبد السلام رؤوف ومدرسته التاريخية[4]، ومارس التدريس في التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي، كما حاضر في جامعة بغداد والجامعة المستنصرية، واتحاد المؤرخين العرب وجامعات الموصل والقادسية والبصرة وواسط [5] وكذلك في الجامعة الإسلامية العالمية (ماليزيا) وجامعة بكين وجامعة نينغشيا وجامعة عليكرة الإسلامية ودار العلوم ديوبند وجامعة الإسكندرية وجامعة القرويين وجامعة الإسراء [6].

وحصل على شهادة بكالوريوس في التاريخ من كلية التربية ابن رشد (جامعة بغداد)، كما نال شهادة دبلوم في اللغة الإنكليزية من معهد المعلمين، وحصل على شهادة دكتوراه فلسفة في التاريخ الإسلامي، وشهادة الماجستير آداب في التاريخ والحضارة العربية الإسلامية من معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا ببغداد[7]. وحصل على لقب "باحث علمي" من مركز دراسات التاريخ والوثائق والمخطوطات التابع لاتحاد المؤرخين العرب في بغداد سنة 1998[8].

أهتم بتاريخ الأنساب وشغل نفسه بهذا اللون المهم من الدراسات التي تحتاج إلى معرفة بأمور كثيرة[9]. وقد أجيز في مجال دراسة وتدقيق الأنساب من ثلة من الأساتذة العراقيين المعروفين أمثال عماد عبد السلام رؤوف [10] و سالم الآلوسي و أحمد خضر العباسي، وخليل الدليمي، و جمال الراوي، ألتقى بمجموعة من الأعلام مثل عبد الكريم محمد المدرس، و حسين علي محفوظ، و علي الوردي و حسين أمين، و جلال الحنفي، وصالح أحمد العلي و بشار عواد معروف و فاروق عمر فوزي و كمال مظهر أحمد و عبد الرزاق الحسني وماجد عرسان الكيلاني و محسن مهدي و هشام جعيط و سعيد عبد الفتاح عاشور و حسين مؤنس و قاسم السامرائي و عبد العزيز الدوري و محمد عمارة و أحمد شلبي و محمد حميد الله و أكرم ضياء العمري وعماد الدين خليل[11][12][13]، شارك في عدة مؤتمرات علمية وثقافية دولية قدّم فيها بحوثاً ودراسات مختلفة، نشر عشرات البحوث في العديد من المجلات العلمية والاكاديمية والمحكمة [14].

من كتبه

تقييم علمي من مركز احياء التراث العلمي في جامعة بغداد[15]

لديه العديد من المؤلفات والكتب المنشورة. أهمها:

1- كتاب جغرافية الباز الاشهب (كتاب): قراءة ثانية في سيرة الشيخ عبد القادر الكيلاني وتحقيق محل ولادته وفق منهج البحث العلمي "دراسة تاريخية" مراجعة وتقديم الدكتور عماد عبد السلام رؤوف، طبع في المغرب، والكتاب دراسة أكاديمية أثارت نقاشا كبيرا بين صفوف المثقفين والباحثين، لكون الكتاب نفى ولادة الإمام الجيلاني في الطبرستان مؤكدا ولادته في جيلان العراق قرب المدائن، والكتاب لاقى قبولا جيدا بين أوساط المؤرخين والباحثين، مما جعل للكتاب شهرة واسعة، ولقد طبع أربع طبعات ومترجم إلى عدة لغات[16].

2- كتاب الشيخ عبدالقادر الكيلاني رؤية تاريخية معاصرة (كتاب)، تقديم الدكتور عماد عبد السلام رؤوف، مؤسسة مصر مرتضى للكتاب العراقي – بغداد 2011 وله طبعة ثانية في الولايات المتحدة 2014.

3- كتاب بهجة الأسرار ومعدن الأنوار في مناقب الباز الأشهب (كتاب)، دراسة وتحقيق: تقديم الدكتور حسين أمين شيخ المؤرخين – طبع في المغرب 2012.

4- كتاب التاريخ الإسلامي رؤية معاصرة (كتاب)، مراجعة الدكتور حسين علي محفوظ، دار المعرفة 2009.

5- كتاب من الشك إلى اليقين (كتاب)، دراسة في نسب الشيخ عبد القادر الجيلاني، بحث نقدي في مصادر التاريخ الإسلامي الوسيط، تقديم الدكتور حسين علي محفوظ، دار الزنبقة، القاهرة، 2013.

6- كتاب هكذا تكلم الشيخ عبدالقادر الكيلاني (كتاب)، عرض كلام الإمام الجيلاني بصورة عصرية، دار العالمية، داكا - بنغلاديش، 2013.

7- كتاب تحقيق فتوح الغيب (كتاب)، للامام عبدالقادر الجيلاني، دار العالمية، داكا - بنغلاديش، 2013.

8- كتاب التاريخ العثماني تفسير جديد (كتاب)، المنظمة المغربية، الرباط، 2013 .

9- كتاب الأمام أحمد الرفاعي المصلح المجدد (كتاب)، بالاشتراك مع الدكتور زياد الصميدعي، المنظمة المغربية، الرباط، 2013.

10- كتاب الرحلات والرحالة في التاريخ الإسلامي (كتاب)، دار الزنبقة، القاهرة، 2013.

11- كتاب المدخل لتاريخ الفلسفة الإسلامية (كتاب)، دار المصطفى، القاهرة، 2012.

12- كتاب فلسفة الإستشراق (كتاب) القاهرة، 2011 [17].

13- كتاب بديع الزمان سعيد النورسي، قراءة جديدة في فكره المستنير (كتاب)، دار الزنبقة، القاهرة، 2013 .

14- كتاب دراسات في التاريخ الأوربي (كتاب)، تقديم الدكتور كمال مظهر أحمد،القاهرة،2010.

15- كتاب ثورة الروح (كتاب)، دار الزنبقة، القاهرة [18].

16- كتاب خراسان التأريخية: في ضوء المصادر العربية الاسلامية (كتاب)، دار الزنبقة،القاهرة، 2013.

17- كتاب من معالم الحضارة الإسلامية في الصين (كتاب)، دراسة ميدانية_تاريخية، دار الزنبقة، القاهرة، 2016.

18- كتاب نهضة التصوف (كتاب) دراسة في تاريخ التصوف الإسلامي، دار الزنبقة، القاهرة، 2016[19].

مقدمات الكتب

حبر مقدمات لعدد من الكتب منها:

1- الإمام أحمد الرفاعي في التاريخ والسير، ماجد البياتي، دار الكوثر، بغداد،2017.

2- الكنوز النورانية في الأوراد القادرية، مخلف العلي، دار النور، القاهرة، 2016.

3- مقالات ثقافية في التاريخ والأدب، عباس المخزومي، دار الآداب، بغداد، 2016.

4- من تاريخ الطريقة القادرية، حياة الفقيه، دار المجد، تونس، 2016.

5- الأمير، نيكولو مكيافيلي، دار المعارف، بيروت، 2015.

6- المحبة عند الامام الغزالي،نصر الدين أجدير، دار الجمورية، الجزائر، 2015.

7- السادة الرفاعية أصول وفروع، للحلبي، مكتبة جرير، جدة، 2018.

8- الشيخ عبدالقادر الجيلاني ومنهجه في التربية والسلوك، عمر محمود السامرائي، طبعة دار الزنبقة، بيروت، 2018.

9- في الانساب العربية، عهد الكيلاني،مكتبة الصفت، بيروت، 2018.

10- الفيوضات الريانية،إسماعيل القادري،تحقيق مخلف العلي،دار النور، بيروت، 2018[20].

11- تاريخ العائلة الالوسية، جمال طالب الألوسي، مكتبة خالد / حي الجامعة، بغداد، 2020[21].

بحوث ودراسات

كتاب الإمام عبد القادر الجيلاني عبد القادر الجيلاني - تفسير جديد في مجلة فكر حر 2009.

مخطوطة مهجة البهجة ومحجة اللهجة (كتاب) منشورة في جريدة الصباح 2005.

مصطفى جواد ومخطوطة نادرة عن الكيلاني جريدة الصباح 2006.

رشيد عالي الكيلاني ابن ديالى المشورة في جريدة العراق 2002.

المقدادية أصل التسمية المنشورة في جريدة العراق 2002.

" الشرق الأوسط واصل التسمية" المنشورة في مجلة كلية الآداب جامعة عين شمس 2009.

" براغماتية السيد عبد الرحمن الكيلاني النقيب ",مجلة فكر حر2009.

"الشيخ عبد القادر الجيلاني: جيلان العراق لا جيلان طبرستان"، مجلة كلية الآداب جامعة عين شمس 2009.

" تفسير الجيلاني – دراسة في نسبة التفسير للمؤلف"، مجلة رؤى 2010.

"المؤرخ هشام جعيط – دراسة في رؤيته للسيرة النبوية "، مجلة رؤى 2010 .

"لقاء الامامين الغزالي والجيلاني - حقيقة تاريخية"، مجلة جامعة عين شمس 2011[22].

الفكر العربي والفكر الاستشراقي بين محمد أركون وادوارد سعيد، مجلة التربية، 2008

قراءة في كتاب قصة الحضارة، ل ويل ديورانت، مجلة الديار اللندنية،2012.

قراءة في كتاب دراسة للتاريخ،ل أرنولد توينبي، مجلة الرسالة، القاهرة، 2010.

قراءة في فكر محسن مهدي،وكتابه عن الفارابي، مجلة الديار، لندن، 2015.

من تاريخ المسلمين في غوانزو مع دراسة عن ضريح أبي وقاص، مجلة الديار اللندنية،2017.

الرحالة قهرمان البغدادي قصته وضريحه والمتحف الخاص به في ولاية قانسو، مجلة الديار اللندنية،2017.

ضريح قتيبة بن مسلم الباهلي في في وادي فرغانة، في أوزبكستان دراسة ميدانية، مجلة رؤى 2018.

قومية هوي المسلمة: التعايش السلمي في الصين الأندماج والحياة: مشاهدات وملاحظات، مجلة رؤى 2018.

المدينة المقدسة في لاسا دراسة وصفية ميدانية،مجلة الديار اللندنية، 2018 .

ضريح ضياء الدين الجيلاني،في هينان، في مجلة الديار اللندنية، 2019 .

بين إحياء علوم الدين و الغنية لطالبي طريق الحق: قراءة في التواصل الفكري بين الغزالي والجيلاني، في مجلة الديار اللندنية، 2019 .

أضواء على الادب الروائي الاوربي والأمريكي والروسي الكلاسيكي، الديار اللندنية 2013.

"تلمذة الامام الرفاعي أحمد بن علي الرفاعي على الامام الجيلاني - حقائق جديدة" مجلة التراث 2011 [23].

مراقد الأولياء الصوفية في الصين: دراسة وصفية - تاريخية، مجلة الديار اللندنية 2015.

أنتشار القادرية في البلاد الصينية: دراسة ميدانية، مجلة الديار اللندنية، 2015.

التراث الصوفي في ماليزيا ودور القادرية فيها: دراسة ميدانية - تاريخية، مجلة الفكر الحر، الأردن 2015.

التجاور المكاني بين الاسلام و البوذية في التبت، إنموذجا للتعايش السلمي: دراسة ميدانية- وصفية، الفكر الحر، الأردن، 2015.

مدينة لينشيا الصينية "مكة الصغرى" ومكانتها بين المسلمين في الصين: دراسة ميدانية، مجلة الفكر الحر،2015.

جامع شيان الكبير: دراسة آثارية تاريخية وصفية ميدانية، مجلة الديار اللندنية، 2015.

ممر واخان قراءة في الأبعاد "الأستعمارية" للأتفاق التاريخي الذي برمته بريطانيا وروسيا عام 1893 وخلق منطقة عازلة تسيطر عليها أفغانستان للحيلولة دون تلامس الإمبراطوريتين، مجلة الفكر الحر، 2016[24].

مزار الشريف والضريح: جدلية الأسطورة والتاريخ: قراءة أولى في سيرة علي بن أبي طالب البلخي، مجلة الفكر الحر، 2017[25].

من تاريخ المساجد في الصين: دراسة تاريخية - ميدانية، مجلة الديار اللندنية، 2015[26].

لمياء الكيلاني، حوار في التاريخ والأثار، مجلة الديار اللندنية، 2017 .

أحمد السبتي، دراسة في السيرة والضريح،، مجلة رؤى 2018.

مخطوطات منتشلة من نهر دجلة خلال الغزو المغولي لبغداد، مجلة رؤى 2018.

الرحلة العراقية لأحمد البدوي قراءة ثانية، مجلة الفكر الحر، لسنة 2016

ظاهر الرفاعي ودوره في التصوف البغدادي المعاصر، مجلة الديار اللندنية، 2018 .

دراسة في مشجر آل الكيلاني الذي نشره البريطانيين سنة 1915، مجلة الديار اللندنية، 2017 .

الحضرة القادرية وتاريخ الضريح، رد علمي على كتاب المراقد المزيفة، مجلة رؤى 2019.

نوادر التحف الاسلامية في متحف العاصمة بكين دراسة وصفية ميدانية، مجلة الديار اللندنية، 2019[27].

فلسفته

الدكتور الكيلاني مؤرّخاً، ينتمي إلى "المدرسة التاريخية العراقية" ويرى إن وظيفة المؤرخ إعادة تشكيل الحدث التاريخي كما وقع بالضبط. وبشأن منهجه أجرت معه الدكتورة مها ناجي الخفاجي، حواراً في جريدة البيان قال فيه إن ثمة مشاكل تعترض المؤرخ، منها مشكلة الرجوع إلى المصادر الحقيقية، ومشكلة المؤلفات القديمة والتحقيقات المختلفة، ومشكلة تشتّت المخطوطات وتبعثرها. ويعيب الدكتور الكيلاني على المؤرخين أخذهم بالعموميات بدلاً من اعتماد المنهج العلمي، ويضيف أن على المؤرخ أن يدرس التاريخ وفقاً للظروف والحوادث التي وقعت، وليس كما هو الحاضر. ويحذر المؤرخين من تدخّل العواطف وتحكّم المذهبية واصطباغ التاريخ بصبغة عقدية، وعليه نقد الروايات نقداً علميا محايداً ... ثم يقوم بربط الأخبار بعضها ببعض، وشد أجزائها شداً محكماً بأسلوب يتناول كل الوجوه، واعتبار التاريخ تاريخ بشر، وهو حكم وسياسة، والسياسة سياسة في كل وقت ومكان ولن يختلف فيها إنسان عن إنسان"، ويدعو إلى أن يكون المؤرخ، مؤرخا مفكرا لا مؤرخا كلاسيكيا، يستسلم للروايات المتراكمة، بدون نظر وتدقيق،بل ان يضع الشك العلمي منهجا نصب عينه، وهو ما دعى إليه كبار مؤرخي المدرسة العراقية التأريخية[28].

يؤمن، " أن التاريخ لايعرف اليوم والأمس والغد وإنما هو نهر الحياة يمضي إلى الاجل المضروب الذي قدره علام الغيوب، فالتاريخ كله تاريخ معاصر،نعم له تقسيمات علمية، ولكنه يعيش معنا ويهمنا وعلينا أن نستفاد منه في حياتنا كلها ويستند في هذا الرأي على أن استقراء التاريخ خير من التجارب،وان اختيار سنة بعينها أو حدث بذاته لتحديد نهاية عصر من عصور التاريخ أو بداية عصر آخر،يبدو، امرا بعيدا عن الحقيقة والواقع لان التطور التاريخي يمتاز دائما بالتدرج والاستمرار وتداخل حلقاته بعضها ببعض، وان وقائع التاريخ الكبرى عائمات جليد طرفها ظاهر فوق الماء، وكتلتها الرئيسية تحت سطحه ومن يريد استكشافها عليه أن يغوص في الأعماق،و التاريخ هو طريق الإنسانية إلى الحضارة، لأنه ضوء ينير الماضي لرؤية الحاضر والمستقبل، فجذور أنظمتنا السياسية،والاقتصادية والاجتماعية والدينية والعلمية،تمتد عميقا في تربة الأجيال الماضية وان الفرق بيننا وبين الغرب أننا مازلنا نعيش في الماضي وهم يستغلون التاريخ لخدمة مصالحهم ودعم توجهاتهم في الحاضر والمستقبل[22]" [22].

اننا عندما نتابع الانتاج الفكرى والثقافي والعلمي لأهلنا بالعراق، يدفعنا الأمل وتصل بنا السعادة إلى الاطمئنان على بلاد الرافدين التى انتجت علما وادبا انار الارض بمشارقها ومغاربها، و الدكتور "جمال الدين الكيلاني" رافدا قويا ينبع من هذا الجدول الصافي، من بغداد حاضرة العلم والفكر والتراث، أنتم من تبثون في ارواحنا الامل القائل "اننا لازلنا أمة العرب على قيد الحياة".

- فهمي جدعان[29]

عضويات

جمال الكيلاني عضو في عدد من المنظمات و الجمعيات الثقافية منها:

عضو اتحاد المؤرخين العرب في بغداد 1996 .

عضو الهيئة العربية لكتابة تاريخ الانساب 1998 .

عضو جمعية المؤرخين والاثاريين في العراق 1995 .

عضو الجمعية المغربية للتاريح والاثار 1997 .

عضو اتحاد المؤرخين العرب في القاهرة 2004 [30].

جوائز وتكريمات

المجمع العلمي العراقي 1996 .

اتحاد المؤرخين العرب 1997 .

جامعة القرويين 1996 .

الهيئة العربية لكتابة تاريخ الأنساب 2000 .

الهيئة العامة للآثار 1997 .

جامعة بغداد 1999 .

جامعة الموصل 2003 .

جامعة عين شمس 2009 .

معهد التاريخ العربي والتراث العلمي 2010 .

جامعة سامراء 2014 .

جامعة صلاح الدين 2011 .

جامعة كيرلا - الهند 2012 .

مؤسسة عبد الواحد القادري - المغرب 2019.

جامعة تكريت 2017.

جامعة الإسكندرية 2013 .

الجامعة الإسلامية العالمية (ماليزيا) 2014 .

جامعة المنوفية 2014 .

مركز الدراسات الإسلامية ـ قانسو 2014 .

إتحاد المؤسسات الإسلامية ـ البرازيل 2014 .

مركز احياء التراث العلمي العربي 2014 [5].

جامعة قاصدي مرباح _ الجزائر 2015 .

الجامعة الإسلامية العالمية (إسلام آباد) 2015[31].

الجامعة العثمانية _ الهند 2015 .

جامعة عليكرة الإسلامية _ الهند 2015 .

منحته IIOC College of Islamic Studies لندن _ المملكة المتحدة شهادة دكتوراه فخرية، برقم 735615/2014[32].

دار النوادر في حيدر آباد _ الهند 2018.

معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية 2019[33].

تطرقت لأعمالَه دراساتٌ عديدةٌ منها

رسائل النورسي التربوية، د.هاني إسماعيل محمد بجامعة كريسون التركية 2017.

التصوف عند بديع الزمان النورسي، د.عرفان رشيد شريف - جامعة السليمانية - 2016

توظيف الرمز في النص الصوفي، د.كاملة مولاي، جامعة الجزائر، 2017.

القادرية ووجودها في الباكستان، رسالة ماجستير، حامد خان، جامعة فيصل آباد 2014

عبد القادر الجيلاني وجهوده التربوية، رسالة ماجستير - سعادنة سليمة - الجزائر جامعة باتنة سنة 1016.

شِعرية الخطاب الصوفي ديوان عبد القادر الجيلاني أنموذجا عبد الله خضر حمد، رسالة ماجستير جامعة صلاح الدين 2016[34].

كتاب احاديث بغداد، للعلامة مصطفى جواد، بتحقيق د. كاظم المنذري بجامعة القادسية 2017.

الدكتور عماد عبد السلام رؤوف ومنهجه في البحث، رسالة ماجستير - نيشروان كركوكي جامعة صلاح الدين، 2017

الدكتور ماجد عرسان الكيلاني وجهوده الفكرية، محمد يونس حبيب، رسالة ماجستير - بغداد 2018.

تحقيق كتاب نثر الجمان في تراجم الاعيان، تحقيق: د.علي العزوز، أطروحة دكتوراه بجامعة سامراء 2018.

السر الظاهر فيمن احرز بفاس الشرف الباهر من أعقاب الشيخ عبد القادر، أبي الربيع سليمان الحوات/الشفشاوني، تحقيق الحسن بلحبيب وأشراف الطيب الوزاني، دار الكتب العلمية،بيروت 2018.

الإحياء بعد الإنساء، عبد الفتاح فتحى أبو حسن شكر، دار الكلمة، القاهرة 2017.

الأسطورة، عبد الرحمن سعيد الوليلي، اطلس للنشر، القاهرة، 2017.

خمسة عشر مكتوبا للشيخ عبد القادر الجيلاني، تحقيق د.لؤي فتوحي و فائز فتوحي،دار الكتب العلمية بيروت، 2016.

دراسات تاريخية نسبية، د.أحمد محمود الخليل، دار الدراسات الكردية، الولايات المتحدة 2014.

الباحث في التراث القادري جمال الدين فالح الكيلاني، احمد بختي الكيلاني، مركز الدراسات القادرية، الجزائر 2010.

المؤرخ جمال الدين فالح الكيلاني في الميزان، الدكتورة مها ناجي الخفاجي، جريدة البيان، بغداد، 2011.

"المؤرخ جمال الدين الكيلاني وجهوده في خدمة التاريخ العربي والإسلامي" - مدونة الدكتور إبراهيم العلاف- اطلع عليه بتاريخ 2012- 05- 03.

« جمال الدين الكيلاني اور إسلامي علوم كي تحقيق (جمال الكيلاني وخدماته في البحوث العلمية الإسلامية)» د.محمود هاشم قاسمي، مجلة تحقيقات إسلامي، علي جراه، الهند، يناير- مارس 2014 م[35].

المدخل لعلم الأنساب، د.حسام عبد عودة الموسوي، دار الكتب والوثائق، بغداد 2019[36].

 

بقلم : فالح الكيلاني

.....................

مراجع

 الدكتور عماد عبد السلام رؤوف (2009- 12- 27). "الدكتور جمال الدين فالح الكيلاني رؤيته التربوية والتاريخية". مؤلفات الدكتور جمال الدين الكيلاني. Retrieved 2010- 05- 06.

- مخطوطة:سلسلة نسب ال يحيى بن حسام الدين الكيلاني وذريته، 1790 م، محفوظة عند الاسرة الكيلانية، وطولها،7 متر، تحقيق:المهندس عبد الستار هاشم سعيد الكيلاني،1999.

- كتاب بلدروز في الذاكرة، فالح الحجية الكيلاني، مكتبة المصطفى القاهرة، ص241 .

- جريدة البيان، السنة 4، عدد 867, 2, 2012

- أ ب مؤرخ جاد:جمال الدين فالح الكيلاني،الدكتور زكريا الملكاوي،مجلة الفكر الحر،الأردن،2012.

- مصباح الله عبد الباقي (2014م). المدارس الاسلامية واساتذتها في العالم (الطبعة الأولى). القاهرة: مكتبة مدبولي. صفحة ١١٦.

- كتاب: محاظرات في التاريخ الإسلامي،د/ جمال الدين فالح الكيلاني،مكتبة المصطفى،القاهرة،2011،ص672.

- مقالة "جمال الدين فالح الكيلاني" في موسوعة المعرفة العالمية .

- كتاب:الانساب الهاشمية في العراق، عبد القادر فتحي سلطان، نقيب اشراف القدس الشريف، مكتبة الامل،بيروت،ج3،ص242،2010.

- كتاب الحياليون شرف الاسم والتاريخ، طارق الحيالي، دار الوراق، بغداد، 2014، ص 76- 124

- المؤرخ جمال الدين فالح الكيلاني في الميزان، الدكتورة مها ناجي الخفاجي،جريدة البيان،بغداد،2011.

- جريدة الدستور - اتحاد الناشرين يكرم مؤسسات عديدة و د.الكيلاني الشخصية الفكرية المحتفى بها.

- موسوعة المؤرخين العراقيين، الدكتور إبراهيم العلاف،الموصل،2010.، ص33.

- إبراهيم خليل العلاف،. "المؤرخ جمال الدين الكيلاني وجهوده في خدمة التاريخ العربي والإسلامي". مدونة الدكتور إبراهيم العلاف. اطلع عليه بتاريخ 2012- 05- 03.

- « جمال الدين الكيلاني اور إسلامي علوم كي تحقيق (جمال الكيلاني وخدماته في البحوث العلمية الإسلامية)» د.محمود هاشم قاسمي، مجلة تحقيقات إسلامي، علي جراه، الهند، يناير- مارس 2014 م، ص. 21.

- المؤرخ جمال الدين فالح الكيلاني في الميزان، الدكتورة مها ناجي الخفاجي،جريدة البيان،بغداد،2011.

- مقالة " جمال الدين فالح الكيلاني " في موسوعة المعرفة العالمية .

- « جمال الدين الكيلاني اور إسلامي علوم كي تحقيق (جمال الكيلاني وخدماته في البحوث العلمية الإسلامية)» د.محمود هاشم قاسمي، مجلة تحقيقات إسلامي، علي جراه، الهند، يناير- مارس 2014 م، ص. 96.

- جريدة البيان، السنة 6، عدد 653, 2016

- ماجد الكيلاني وجوده، رسالة ماجستير محمد القيسي، جامعة الامام الاعظم، سنة 2018

- كتاب(العطرة الزكية للعائلة الالوسية) للباحث جمال طالب الالوسي بتقديم: الدكتور جمال الدين فالح الكيلاني والدكتور زياد حمد الصميدعي. تتوزع فصوله على بعض من تأريخ آلوس وتراثها وأشهر سكانها وتراجم رجالاتها من العلماء والادباء والشعراء والقضاة في بغداد وآلوس وبرواته وعنة وتكريت وواسط . متوفر في بغداد ...

شارع المتنبي / الكتبي احمد العبادي .

مكتبة خالد / حي الجامعة قرب كلية الادارة والاقتصاد .

- أ ب ت المؤرخ جمال الدين فالح الكيلاني في الميزان، الدكتورة مها ناجي الخفاجي،جريدة البيان،بغداد،2011.

- سيرة الباحث " جمال الدين فالح الكيلاني "، مكتبة أي كتاب الألكترونية، مرام عباسي .

- مقالة منشورة في مجلة الفكر الحر، لسنة 2016

- International Islamic University Islamabad

- معجم المؤرخين العراقيين المعاصرين،د. صباح المرزوك، بغداد، 2013.

- جمال الكيلاني مؤرخا، نصر الدين اجدير، مجلة ورود،2019

- موسوعة المؤرخين العراقيين، الدكتور إبراهيم العلاف،الموصل،2010.، ص33.1

- ، الجامعة الأردنية، 2014.

- الباحث في التراث القادري جمال الدين فالح الكيلاني، احمد بختي الكيلاني، مركز الدراسات القادرية، الجزائر2011.

- Robert U. Ayres Turning Point: The End of the Growth Paradigm. James & James publishers. p. 63. ISBN 1- 85383- 439- 4.

- سيرة الباحث " جمال الدين فالح الكيلاني "، مكتبة أي كتاب الألكترونية، مرام عباسي .

- جمال الكيلاني مؤرخا، نصر الدين اجدير، مجلة ورود،2019

- كتاب جغرافية الباز الاشهب للدكتور جمال الكيلاني بين مادحيه وناقديه بقلم محمد جيلاني، مجلة السبل، السودان، 2014، عدد 895

- * الدكتور ماجد عرسان الكيلاني وجهوده الفكرية، محمد يونس حبيب، رسالة ماجستير - بغداد 2018.

- * المدخل لعلم الأنساب، حسام عبد عودة الموسوي، دار الكتب والوثائق، بغداد 2019، ص252.

 

 

علي القاسميأثر أسرة آية الله محمد رضا فرج الله في حياتي

تكرّم فضيلة الشيخ فلاح الحلفي فطلب إليّ أن أكتب حول ذكرياتي عن النجف وصداقتي مع المرحوم حميد نجل العلامة الشيخ محمد رضا فرج الله. وكتابة الذكريات مسألة شائكة، لأنها إذا كانت تعتمد على الذاكرة فقط، كما في حالتي هذه، فالذاكرة لا يمكن الركون إلى دقتها وصوابها فقد تصيبها الثقوب ويغلب عليها النسيان، فتميل إلى ملء الفراغ بالوهم والخيال؛ أو تلوّنها الأحداث المستجدَّة، فتُقحم شيئاً من أحداث الحاضر وأفكاره في نطاق الماضي. فتعاقُب السنين ومرور الأزمان يصيب الإنسان والبنيان بالوهن والخذلان. أضف إلى ذلك أن عواطف الفرد تؤثِّر في موضوعية ذكرياته ونزاهة تصوراته. وكنتُ قد أحببتُ أسرة العلامة فرج الله ـ ولا أزال ـ حبّاً صافياً من أعماق القلب وحنايا الروح، تماماً كما لو كانوا أهلي وأسرتي.

أمضيتُ السنة الدراسية 1955ـ 1956 في ثانوية النجف، حيث درستُ السنة الرابعة الثانوية في الفرع الأدبي. وكانت الثانوية في العراق تتألَّف آنذاك من خمس سنوات فقط. وكان من حسن حظي وجميل قدري أن ارتبطت بعلاقة مودة وصداقة حميمة مع أحد زملائي هو الشاعر حميد فرج الله. ولأني كنتُ ذلك العام ضيفاً على عائلة أختي التي لا يوجد فيها من هم في مثل سنّي أو مَن له نظير اهتماماتي، فإنني كنتُ أفضّل أن أمضي معظم أوقاتي مع أخي حميد فرج الله، في منزله العامر الذي كان يستقبل كثيراً من الزوار والضيوف، كما يشتمل على مكتبة خاصة عامرة بالمخطوطات والمطبوعات، تعدّ من أكبر وأنفس المكتبات في النجف على كثرتها، وذلك بفضل العلامة الشيخ محمد رضا فرج الله، والد حميد.

فهذا الشيخ الجليل، محمد رضا فرج االله (1902 ـ 1969)، هو سليل أسرة من العلماء الفضلاء، قدِم جدّهم من الجزائر في محافظة البصرة إلى مدينة النجف لطلب العلم في حوزتها. ونشأ الشيخ محمد رضا في النجف وواصل تلقّي العلم على أبيه العالم الجليل الشيخ طاهر فرج الله، وأخيه الشيخ محمد طه، وكبار علماء النجف آنذاك كالسيد أبي الحسن الأصفهاني والسيد أبي القاسم الخوئي اللذين آلت إليهما المرجعية الدينية ورئاسة الحوزة العلمية بالتتابع، وغيرهما حتى نال درجة الاجتهاد وأجازه كبار العلماء كالسيد الخوئي وأغا بزرك الطهراني وأضرابهما. وكان الشيخ محمد رضا فرج الله شاعراً على طريقة العلماء ينظم الشعر في الأمور الدينية والتعليمية، فله منظومة في الأصول، كما كان أديباً ماجداً كتب إبان شبابه مقالات في اللغة والاجتماع في مجلَّة " العرب" للكرملي. وخلّف عدداً من المؤلَّفات المطبوعة والمخطوطة.

كان للشيخ محمد رضا فرج الله أربعة أبناء سعدتُ بالتعرّف عليهم، وهم: الشيخ جعفر فرج الله الذي كان يواصل دراساته في الحوزة العلمية بالنجف؛ وأحمد فرج الله الذي تخرّج في كلية الحقوق ببغداد، وواصل دراسته في فرنسا، والتحق بالدبلوماسية العراقية حتى بلغ رتبة سفير عند تقاعده؛ وعلي فرج الله الذي كان يعمل تاجراً في سوق الشورجة ببغداد؛ وأخي حميد. بيدَ أن الشيخ محمد رضا فرج الله، بدافع من كرمه الأصيل وشهامته وعطفه الإنساني، كان يقول لنا، أنا وحميد عندما نسعد ونتشرَّف بمقابلته:

ـ لي خمسة أبناء.

أي أنه يضيفني إلى أبنائه، لكي يُشعرني بأنني منهم، فلا أتردد في تمضية وقت أطول في منزلهم، وتناول وجبات الطعام اللذيذة التي كانت تقدمها عائلته الكريمة لي وأنا بصحبة حميد، وكذلك لكي أطَّلع بحريّة على محتويات مكتبته النفيسة من مخطوطات ومطبوعات. وكنت أبذل أقصى الجهد لأكون عند حسن ظن الشيخ بي.

لم تضم مكتبة العلامة فرج الله المخطوطات والمطبوعات الدينية والأدبية التي ورثها عن الشيخين أبيه وجدّه فحسب، بل كانت تشتمل على أحدث الكتب والدوريات في مختلف الموضوعات والتخصُّصات والفلسفات والإيديولوجيات كذلك، فقد كان يغذّيها بالمطبوعات الجديدة بانتظام. أذكر أنني، ذات يوم، وجدتُ فيها كتاب "رأس المال " للفيلسوف الاقتصادي الألماني كارل ماركس (1818ـ1883) الذي كانت حيازة كتبه ممنوعة في العراق آنذاك، بحجة أن الماركسية والشيوعية هما نوعاً من الكفر؛ وكان الانتماء إلى الحزب الشيوعي السري يعدّ جريمة تعرِّض صاحبها للسجن سنوات طويلة. وقد أمضى اثنان من أعمام حميد سنواتٍ في الاعتقال والسجن بهذه التهمة.  قلتُ لأخي حميد مازحاً:

ـ كتاب كارل ماركس الشيوعي في مكتبة آية الله!

فقال حميد بجدّيته المعهودة:

ـ وإذا أراد آية الله أو طلابه أن ينقدوا هذه النظرية، ألا ينبغي عليهم دراستها أولاً؟

وهكذا اطلعتُ على كثير من معالم النظرية الماركسية في الاقتصاد. وكنا في درس العلوم الاقتصادية في المدرسة الثانوية، ندرس النظرية الرأسمالية فقط، كما وردت في كتاب " ثروة الأمم" للفيلسوف الاقتصادي البريطاني آدم سميث (1723ـ1790).

ولعلَّ أحد أسباب تنوّع مكتبة العلامة فرج الله، هو أن أخاه مرتضى فرج الله يشتغل في التعليم الرسمي، وأن أخاه الأستاذ محمد حسين فرج الله يعمل في المحاماة في بغداد، بل من أبرز المحامين العراقيين في أواسط القرن العشرين، إضافة إلى تنوع تخصّصات أولاده ومحبتهم لقراءة الكتب واقتنائها. وكانوا جميعاً يودعون معظم الكتب التي يقرؤونها في مكتبة العلامة، ويرفدونها بأفضل الكتب التي تصدر سنوياً، بوصفها مكتبة الأسرة، إضافة إلى علاقات العلّامة الثقافية مع كبار العلماء خارج العراق وشيوخ الخليج الذين يبعثون إليه بهداياهم من الكتب. ويبدو لي أن هذه الأسرة العريقة دأبت في القرن الميلادي العشرين على أن يواصل الابن الأكبر من كل جيل الدراسة في الحوزة العلمية بالنجف، على حين يعمل بقية إخوته في المهن المختلفة داخل النجف وخارجها.

كنا، أنا وأخي حميد، في حوالي الخامسة عشرة من العمر. وفي تلك السنِّ كان حميد يُعدُّ من شعراء النجف البارزين، علما بأن النجف تعجُّ بالشعراء، أو كما قال الشاعر الكبير نزار قباني عنها ذات يوم: "أعرف مدينة في العراق، أهلها كلهم شعراء". وهذه المدينة هي التي أنجبت شاعر العرب الأكبر في العصر الحديث، محمد مهدي الجواهري (1899ـ1997).

كان شعر أخي حميد يمتاز بجزالة اللغة وعمق الأفكار وجدّتها، وفخامة الألفاظ وأناقتها، وجمال المعاني وعذريتها. حاولت أن أقول الشعر مثله، لكي أنال إعجابه ورضاه، فلم أفلح. ولم أعلم آنذاك أنه سليل أسرة توارثت الشعر والأدب والعلوم الدينية. فأبوه الشيخ محمد رضا وجده الشيخ طاهر عالمان شاعران، وعمه الأستاذ مرتضى فرج الله (1914ـ 1984) من كبار شعراء النجف، وله عدّة دواوين قيمة: " أشرعة الفجر" و "مرايا في الأفق" و "وراء الملامح"، و" مرفأ الظل"؛ كما أن له كتابين مخطوطين هما " النهضة الشعرية وتطورها في العراق" و " مفاهيم في الشعر". أما عمّه المحامي محمد حسين فرج الله (1918ـ 1994)، فهو شاعر كذلك له ديوان مطبوع عنوانه " عبث وأنين" وكتاب مخطوط " أبو العلاء في موكب النور". فالشعر وهمومه وأهله هو من تراث هذه الأسرة الكريمة، توارثته كما توارثت الكرم والزعامة.

كان أخي حميد يُدعى للمشاركة في الاحتفالات التي تُقام بالمناسبات الثقافية في النجف والكوفة، فيستجيب للدعوات المختلفة ويقدّم قصيدة من قصائده الجيدة في كل مناسبة.  بيدَ أن شعره لم يقتصر على المناسبات الدينية فقط، فأهمّ الأغراض التي غلبت على شعره، هي: القضية الفلسطينية، والثورة الجزائرية، والشعر القصصي. أذكر أن صديقي المجاهد الجزائري السفير الدكتور عثمان سعدي أهداني ذات يوم كتابه القيم " الثورة الجزائرية في الشعر العراقي"، الذي جمع فيه أكثر من مئة وخمسين قصيدة أبدعها شعراء عراقيون، وكان لمعظمهم قصيدة أو قصيدتان. أما أخي حميد فاختار له المؤلِّف ثلاثة قصائد لجودة شعره الذي يعكس صدق مشاعره تجاه الثورة الجزائرية وشهدائها.

كان أخي حميد يصطحبني معه إلى الاحتفالات الثقافية التي يدعى إليها في النجف، ويشجعني على المشاركة فيها بكلمة. كنتُ أتردد في إلقاء كلمة نثرية تبدو قميئة أمام تلك القصائد العملاقة. ثمَّ، وبإلحاح من أخي حميد، أخذتُ أعدّ بعض الكلمات القصيرة وأعرضها عليه، فيثني عليها، ويعدّلها بفكره ، ويحسِّنها بأسلوبه الجميل. ولما كانت المهارات، جسدية أو فكرية، تتحسَّن وتتطوَّر بالمران طبقاً لمبدأ " كلُّ عضوٍ يُستعمَل ينمو ويكبر، وكل عضو يُهمَل يضمر ويصغر"، فإن كلماتي النثرية تحسّنت تدريجياً، وصار إلقائي أفضل وأجمل؛ حتى أنني وجدتُ في نفسي الجرأة الكافية للمشاركة في المباراة الخطابية التي أقامتها ثانوية النجف لطلابها ذلك العام.

كان رئيس لجنة المباراة الخطابية أستاذنا في مادة اللغة العربية الأديب الشاعر صالح الجعفري (1908ـ 1997) صاحب " ديوان صالح الجعفري" الذي حقَّقه ونشره الناقد العراقي الكبير الدكتور علي جواد الطاهر بمساعدة أحد زملائه. والجعفري من أسرة كاشف الغطاء الشهيرة، ولكنه اتخذ اسم جدِّه جعفر لقباً له. ولشدّ فرحتي أنني فزت بالجائزة الأولى، وتسلَّمت جائزتي من يد أحد أعضاء اللجنة، الأستاذ كاظم الشمرتي المدرس في ثانوية النجف، والذي كان قد درَّسني اللغة العربية في ثانوية الديوانية سابقاً، ثمَّ عُيّن مستشاراً ثقافياً في بيروت بعد حركة 14 تموز العسكرية 1958 (ثورة 14 تموز)؛ ولكنه ترك وظيفته بعد الانقلاب العسكري في بغداد سنة 1963، فلجأ إلى المغرب، وأسَّس مدرسة حُرَّة (أهلية) في الدار البيضاء حقَّقت نجاحاً كبيراً. والتقيتُ معه في المغرب عندما قدمتُ أستاذا زائراً في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط أواخر سنة 1972.

كانت الجائزة التي نلتها في المباراة الخطابية في ثانوية النجف، عبارة عن كتاب " حديث الأربعاء" بأجزائه الثلاثة، لعميد الأدب العربي آنذاك الدكتور طه حسين. وفي اليوم نفسه، قمت بتقديم جائزتي هديةً لأخي حميد، اعترافاً بفضله الأدبي عليَّ، وشعوراً مني بأنه يليق بأجزائه المسفّرة المجلّدة برفوف مكتبة الأسرة، فمعظم كتبها مجلَّدة. وكانت مهنة تجليد الكتب شائعة في النجف، لكثرة المهتمين باقتناء الكتب وتجليدها. ولا أدري إذا كانت تلك المهنة رائجة حالياً أم أن المطابع الحديثة التي تسفّر الكتب قبل تسويقها قد قلّصت من رواج تلك المهنة.

لم أدرِ آنذاك أن أخي حميد لم يقتصر على إبداع القصائد الجميلة في ذلك العام الدراسي فحسب، بل كان أيضاً يدوِّن مذكراته اليومية بنثرٍ فنّي سلس أخّاذ. ولم أعلم بذلك حتى كتب إليّ بالبريد الإلكتروني قبل سنة تقريباً الأديب الأستاذ مسلم عقيل الشاوي يخبرني بأنه عثر على تلك المذكرات وأنه يقوم حالياً بتحقيقها وكتابة الهوامش اللازمة لها للتعريف بأسماء الأعلام التي وردت فيها. ولكثرة ما تردَّد اسمي فيها فقد قرَّر أن يتَّصل بي ويرجوني أن أكتب مقدِّمة للكتاب. وبعث إليّ بالمذكرات، فقرأتُها بتأثُّر عميق، وأدهشتني بلاغة أسلوبها المزدان بتقنيات أدبية يندر وجودها في كتابات مَن هم أكبر سناً وأعلى شهادة من فتى في الخامسة عشرة من عمره ما زال في المدرسة الثانوية. وأعادت إليّ تلك اليوميات سعادة أحداث ومناسبات فقدتْها ذاكرتي المنهكة بعد أن عفا عليها غبار السنين الطويلة، ومنها فوزي بجائزة الخطابة ذلك العام.

في نهاية تلك السنة الدراسية، قرَّر والدي أن أعود إلى ثانوية الديوانية لأمضي سنة البكالوريا بالقرب من أهلي، بيد أنه نصحني باغتنام الفرصة وتمضية العطلة الصيفية في الدارسة بالحوزة العلمية. وعندما أطلعتُ أخي حميد على نيتي، أسرع بتيسير الأمر لي، إذ اتصل بمدير مدرسة الإمام كاشف الغطاء الدينية، الذي خصص لي غرفة في تلك المدرسة أسوة ببقية طلبة العلم القاطنين فيها الوافدين من أنحاء العالم الإسلامي. وكان أخي حميد يحظى بتقدير رؤساء المؤسَّسات الثقافية بالنجف، لا لمكانة والده الروحية السامقة فحسب، بل لكونه كذلك أديبا شاعراً يدعمهم بمشاركاته اللامعة في أنشطتهم الدينية، والثقافية عموماً.

ولكي ألتحق بتلك المدرسة الدينية، كان عليَّ أن أتخلى عن الزي الأوربي الذي كنتُ أرتديه في ثانوية النجف الرسمية. فطلاب مدرسة الإمام كاشف الغطاء يرتدون زي الطلبة في الحوزات العلمية الدينية المكوَّن من الجبّة والعمامة. بيدَ أني شعرتُ بأن درجتي العلمية أدنى بكثير ممن يرتدون العمامة، وسني أصغر منهم؛ ولهذا نصحني أخي حميد أن أعتمر الكوفية والعقال بدلاً من العمامة. وأذكر أن أخاه الأكبر، الشيخ جعفر، كان يعتمر الكوفية والعقال وهو من طلبة العلم في الحوزة الحيدرية. ومع ذلك فقد كنتُ أحسُّ بأنني، وأنا اعتمر الكوفية والعقال بين طلبة العلم المتوَّجة رؤوسهم بالعمائم البيضاء والسوداء، مثل فلاحٍ قرويٍّ عراقي ظلَّ طريقه في أزقّة النجف.

كان طلاب المدارس الدينية يختارون الموضوعات التي يريدون تعلُّمها، وينضمّون إلى حلقات العلم المنبثة في المساجد المختلفة في النجف بعد استئذان شيوخ تلك الحلقات. وقد وقع اختياري على ثلاثة موضوعات: النحو، والمنطق، وعلم الكلام. وتولى أخي حميد اختيار الشيخ الذي أنضمُّ إلى حلقاته، وهو من أصدقاء آل فرج الله، واسمه الشيخ عبد الهادي الفضلي (1935ـ2013)، وأصله من المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية. كان الشيخ الفضلي شاباً دمث الأخلاق، تتوقَّد عيناه ذكاء وطموحاً علمياً، ولم يعُد إلى بلاده إلا بعد أن حاز درجة الاجتهاد في الحوزة العلمية في النجف، والماجستير من كلية الآداب بجامعة بغداد، فقد كان يجمع بين الدارسة الإسلامية التقليدية والدراسة الرسمية الحديثة. وعند عودته إلى السعودية عُيّنَ مدرِّساً في جامعة الملك عبد العزيز بجدّة، التي ابتعثته لمواصلة دراسته العليا في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، فنال منها الدكتوراه بامتياز سنة 1976، وعاد إلى جامعته بجدّة. وانتُدِب للتدريس مدّةً في الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية في لندن. وأمضى أواخر سنوات حياته مع أهله في مدينة الدمام.

في حلقة النحو، كنا ندرس منظومةً في النحو عنوانها " الآجُرُّمية" التي مطلعها:

كلامنا لفظٌ مفيدٌ كاستقِمْ     واسمُ وفعلٌ ثمَّ حرفٌ، الكَلِمْ

ولم أعلم آنذاك أنَّ مؤلّف تلك المنظومة هو فقيه نحوي مغربي أمازيغي ( بربري) اسمه محمد بن آجُرُّوم (672ـ723 هـ) من أهالي فاس، حتى استقر بي المقام في المغرب العزيز. والعنوان الكامل لهذه المنظومة هو: " المقدّمة الآجُرُّمية في مبادئ علم العربية" وهي تلخيص شعري لكتاب أبي القاسم الزجاجي (ت 340) البغدادي داراً ونشأة النهاوندي أصلاً ومولدا، الموسوم بـ " الجُمل في النحو"، الذي ظلَّ النحويون يتصدّون لشرحه أكثر من ثلاثة قرون. وقد ألّف ابن آجُرُّم منظومته في مكَّة المكرَّمة عندما وصلها حاجاً وأقام فيها مجاوراً.

أما في علم الكلام فكنا ندرس " الباب الحادي عشر" المخصَّص لعلم الكلام من أبوب كتاب " منهاج الصلاح في مختصر المصباح" للعلامة الحسين بن المطهر الأسدي المعروف باسم العلامة الحلي (648ـ726هـ). وقد أخذ علم الكلام في عصر العلامة الحلي يقترب من الفلسفة ويتماهى فيها.

وأما في علم المنطق، فكان الشيخ عبد الهادي الفضلي يلقي علينا دروساً يستخلصها من كتاب " المنطق" للعلامة محمد رضا المظفر (1904ـ1964). وكانت تلك الدروس نواة لكتاب " خلاصة المنطق" للشيخ الفضلي، الذي يُعدّ من أشهر كتب المنطق في العصر الحديث، إن لم يكُن أفضلها.

لم تكن في النجف آنذاك وسائل الترفيه كالسينما أو التلفزيون، وكانت الوسيلة الرئيسة لذلك تتمثل في التقاء الأصدقاء في منزل أحدهم في أمسية للمسامرة. وكان أخي حميد يصطحبني معه بين الفينة والأخرى إلى إحدى هذه المسامرات التي تجري فيها مطاردات شعرية. وإحدى صور المطاردة الشعرية هي أن ينشد أحد المتسامرين بيتاً من الشعر، فيسارع آخر بالإتيان ببيت شعر يبدأ بقافية البيت السابق. فمثلاً يقول الأول:

الحربُ أوَّلُ ما تكونُ فتيةً ... تسعى بزينتها لكلِّ جَهولِ

فيقول آخر: اللام، ويأتي ببيت شعر أوله لام:

لا يبلغُ الأعداءُ من جاهلٍ ... ما يبلغُ الجاهلُ من نفسِهِ

فيقول ثالثٌ: الهاء، وينشد بيتاً يبدأ بحرف الهاء:

هل تعلمينَ وراءَ الحبِّ منزلةً ... تُدني إليكِ، فإنَّ الحبَّ أقصاني؟!

والفائز في هذه المطاردة هو من يُسهم بأكبر عدد من الأبيات أو من يورد بيتاً يعجز الآخرون عن الإتيان ببيت يبتدئ بقافيته. ولعل لهذه المطاردة أنواعاً وصوراً وقواعد متعدّدة مختلفة.

في نهاية تلك العطلة الصيفية عدتُ إلى مدينة الديوانية والتحقتُ بالسنة الخامسة في ثانويتها، وهي السنة الأخيرة التي يجري في نهايتها امتحان البكالوريا. وكانت نتيجتي فيه الأول في اللواء (المحافظة) والثالث في العراق لسنة 1956ـ1957. وقد أسهمتْ في هذه النتيجة المشرِّفة عدّةُ عوامل أهمّها في نظري تلك السنة التي أمضيتها في النجف وعلى وجه الخصوص صداقتي مع حميد فرج الله والتحاقي بحلقات العلم في الحوزة الحيدرية. وقد تعلَّمتُ من أسرة العلامة كثيراً من المعارف والأخلاق، مثل محبة الآخرين واحترامهم وإكرامهم وعونهم لأنهم " إخوة لنا في الدين أو نظير لنا في الخَلق"، وطلب العلم لوجه الله ولذة تحصيل المعرفة، ومساعدة الآخرين بها. لقد كان لفضاء النجف الحافل بالعلم والفكر والأدب أثرٌ واضح في توسيع آفاقي الثقافية وتفوُّقي على زملاء لي لم تُتَح لهم فرصة مماثلة تشحذ هممهم وتفتح أمامهم آفاقاً فكرية متنوعة.

بعد الدراسة الثانوية، التحقتُ بدار المعلمين العالية في بغداد، ذات الأمجاد الشعرية والأدبية، فهي مهد حركة الشعر الحرّ بأعلامها الرواد: بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وغيرهم. وتمنيتُ لو أن أخي حميد كان معي في تلك الكلية. ولكن حميد اختار الانضمام إلى كلية الآداب في بغداد، ذات المستوى العلمي الراقي، التي يدرِّس فيها أعلام العراق في اللغة والأدب، كالدكاترة مهدي المخزومي، وإبراهيم السامرائي، وعلي جواد الطاهر وأضرابهم.

في بغداد، كنتُ أسكن في القسم الداخلي التابع لدار المعلمين العالية، وأتناول وجبات الطعام اليومية في مطعمها. فقد كانت هذه الدار تستقبل طلابها من مختلف أنحاء العراق، لإعدادهم مدرِّسين في المدارس الثانوية. أما كلية الآداب فليس لها قسم داخلي ولا يؤمُّها إلا الميسورون من الطلبة أو ممن أهاليهم في بغداد. ولهذا كان أخي حميد يسكن مع شقيقه علي، الذي يقطن في دار قريبة من مكان عمله. وظل أخي حميد يصطحبني إلى دار أخيه في عطلة نهاية الأسبوع لتناول طعام العشاء الذي كان له طعم لا أتذوقه في وجبات القسم الداخلي.

وللمحبّة الراسخة بيننا، كنتُ أشتاق إلى رؤية أخي حميد قبل عطلة نهاية الأسبوع، فأذهب للقائه في كلية الآداب بدار المعظم. وذات يوم ولكي يطول لقاؤنا، اقترح أخي حميد أن أحضر الدرس معه، وتولّى هو استئذان الأستاذ. وهكذا صرتُ أحضر مُستمعاً في عدد من مواد كلية الآداب. ولم أدرِ آنذاك أن الاستماع هو جزء من النظام الجامعي في الدول الغربية، حتى رحلتُ إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة دراستي العالية. فألفيتُ أن الطالب الذي أدى الأجور الدراسية لعدد من الدروس، في وسعه أن يحضر دروساً أخرى بصفة مستمع ولا يشارك في امتحاناتها ولا يحصل على النقاط عنها. ويسمى هذا النظام في الجامعات الأمريكية بالاستماع (auditing). ولم يدُر في خلدنا، أنا وحميد، آنذاك أننا ابتكرنا نظام الاستماع في جامعة بغداد. ولا يخفى أن الحوزات العلمية الإسلامية، تتيح حرية اختيار الطالب للدروس التي يريد، إضافة ً إلى مجّانية العلم.

بعد تخرّجنا في جامعة بغداد، عمل أخي حميد مدرساً في النجف، وأنا مدرساً في الحلة، وكنّا نتزاور بانتظام. وسرعان ما اختير أخي حميد مديراً لمدرسة متوسطة ثم مديراً لمدرسة ثانوية في النجف، أما أنا فحصلتُ بعد مدة قصيرة على منحة للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت. واغتنمت وجودي في لبنان للتسجيل في كلية الحقوق بجامعة بيروت العربية. وقد فعل أخي حميد الشيء نفسه عندما درس في كلية الحقوق وحصل على شهادتها سنة 1976. ولعل رغبتنا في المعرفة وانجذابها لتنوّعها يعود الفضل فيها إلى مكتبة العلّامة محمد رضا فرج الله وحريتنا في الاطلاع على كتبها. لقد كانت المعرفة في نظرنا مثل شجرة معمِّرة ذات أغصان وفروع متشابكة متداخلة يزداد الفرد متعةً عندما يتسلّقها متنقلاً من غصنٍ إلى آخر مثل طائر حرّ.

في لبنان، قُدّر لي أن ألتقي بفتاة بغدادية، بتول عبد  المجيد إسماعيل البستاني، وفَّقني الله بالزواج منها بعد انتهائي من الدراسة، وقاسمتني غربتي، وأنجبت ابننا حيدر. بعد مراسيم الزواج لدى أهلها في بغداد قمنا بزيارة عددٍ محدود من أهلي، فتشرّفنا بزيارة أسرة أخي حميد. واستقبلت والدته وأخواته زوجتي في جناحهن من الدار، واحتفين وفرحن بها كما لو كانت ابنتهم، وخلعن عليها هدايا عديدة، منها قلادة ذهبية جميلة، فبقيت زوجتي في غاية التأثر، فأخبرتها بأن الجود يجري في دماء هذه الأسرة الكريمة، وتلك هي عادتهم حتى مع الضيوف الأغراب، وينطبق عليهم قول الشاعر:

ونكرم ضيفنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا

ظلّت زوجتي أم حيدر تعتزُّ بذكرى تلك الزيارة السعيدة لأسرة آل فرج الله والعواطف النبيلة والمحبة الأصيلة التي غمرونا بها..

لا أريد أن أتحدَّث عن الحزن الذي ألمَّ بي عندما بلغني النبأ المفجع بالرحيل المبكر لأخي حميد، وأنا في الغربة، فزادني غربة على غربة. وكل غريب يحتفظ، في زاوية من زوايا روحه، ببصيصِ أملٍ في العودة يوماً إلى وطنه والالتقاء بالأصحاب والأحباب. ولكن زوبعة رحيل أخي حميد أطفأت ذلك البصيص وأخمدته بحيث تسربلت حنايا الروح بدامس من الظلمة والسواد.

ومما خفف من وقع غياب أخي حميد وأنين روحي، ما لمسته في مراسلات نجله وسام فرج الله، بعد أن تعرَّفت عليه بالمراسلة بمساعدة الأديب مسلم عقيل الشاوي، من أدب جم، ولطف شفيف، ومحبة سامية. وقلت في نفسي: لا عجب فإن هذا الشبل من ذاك الأسد، وهذا الغصن من تلك الدوحة المثمرة المعطاء.

 

علي القاسمي

مدينة مراكش 1441هـ/2020م