910 فوزي كريمودّع المشهد الثقافي العراقي والعربي الشاعر فوزي كريم الذي صارع المرض طويلاً لكنه واجه مصيره المحتوم  ليلة الخميس المصادف 16 مايو 2019 إثر أزمة قلبية حادة لتخسر الثقافة العربية علامة فارقة ومضيئة بدأت حضورها الشعري في أواسط الستينات من القرن الماضي، ثم توزعت اهتماماته الأدبية لتشمل القصة القصيرة، والنقد الأدبي، والتشكيلي، والموسيقي. كما كان رسامًا مثابراً، وصحفيًا متميزًا أغنى الصحف والمجلات التي عمل فيها أو رفدها بالعديد من مقالته الرشيقة المتفردة.

برز فوزي كريم كواحد من شعراء الستينات في العراق، وكان يتميز منذ البداية بتعدد اهتماماته الثقافية والفنية التي كانت تغذّي قصائده بنبرة مختلفة، ونكهة متميزة أخرجته عن النمط الشائع من القصائد الستينية، ولعل المتابعين لتجربته الشعرية يعرفون من كثب أهمية الصورة التشكيلية، والإيقاع الموسيقي القادم من خارج النص الشعري، والأهمّ من ذلك أنّ فوزي كريم كان صانع أفكارٍ لافتة للانتباه سواء في القصيدة التي يكتبها أو المقالة التي يدبّجها حتى ليشعر القارئ بأنه أمام منجم أفكار وليس خطرات فنية ترد هنا وهناك. أنجز كريم العديد من المجموعات الشعرية التي ظلت مستقرة في أذهان القرّاء والنقّاد والمتابعين لتجربته الشعرية التي أخذت حيّزها المهم في المشهد الشعري العراقي والعربي رغم عدم ميله للأماسي  الاحتفائية والمهرجانات، ولكنه كان يلبّي بعض الندوات الشعرية والثقافية التي تُنظم له من قبل بعض المؤسسات الثقافية العراقية والعربية في لندن ويتحفنا بقراءة نماذج من أشعاره، أو محاضرة من محاضرته عن الموضوعات التي تشغله مثل "كلكامش" أو الموسيقى الكلاسيكية التي يحبها، ويكتب عنها مقالات نقدية شديدة التركيز في المعلومة، والمقاربة النقدية، وطريقة التناول. مَنْ من المتابعين للمشهد الشعري العراقي لا يتذكر "عثرات الطائر"أو "مكائد آدم" أو "لا نرث الأرض"؟ هذه المجموعات وأخرى غيرها تذكّرنا بحلاوة الصورة الشعرية عند فوزي كريم، وطلاوة المفردة المنتقاة التي تتساوق ضمن الجملة التي يكتبها الشاعر بعد تأمل طويل، فثمة مساحة للأفكار، والمشاعر، والخلجات الإنسانية في شعره الذي يصمد أمام تقادم السنوات. ربما تكون "قارات الأوبئة" فنارًا تهدي القرّاء إلى ساحل القصيدة التي تحفر في أعماق القارئ، وتترك فيه أثرًا لا يُنسى بسهولة، وهذا الأمر ينسحب على "قصائد من جزيرة مهجورة" و"السنوات اللقيطة"و"آخر الغجر"، وتمتد من دون شك إلى "ليلُ أبي العلاء" الذي يشترك معه في شعر الفكرة أو النص الثقافي العميق الذي يتواشج مع القصيدة الذهنية أو الفلسفية التي يطوّعها في قصيدته التي تغوص في أعماق الإنسان، وتستهدف بصره وبصيرته وحزمة مشاعره الإنسانية المتأججة. تحتاج دواوين الشاعر فوزي كريم إلى دراسات تفصيلية معمقة تستغور ثيماتها الرئيسة والفرعية وما هذا الكلام سوى إشارات خاطفة تدلّ القارئ على كنز شعري لمبدع فذّ أخلص للقصيدة، وتفانى من أجل مشروعة الشعري المتفرد.

يندر أن تجد مثقفًا عراقيًا لم يقرأ "مدينة النحاس" التي خلقت بصمته القصصية مثلما خلقت دواوينه صوته الشعري الذي يومئ إليه أينما حلّ وارتحل. فبعد تخرجه من قسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة بغداد، غادر العراق عام 1969 وأصدر مجموعته الشعرية المعنونة "أرفع يدي احتجاجًا " ثم عاد إلى بغداد عام 1972 ليغادرها من جديد عام 1978 إلى لندن، المدينة التي يحلم بها العديد من الأدباء والفنانين العراقيين، ولعل مدينة الضباب هي التي حرّضته على الموسيقى الكلاسيكية بشكل أكبر مما كان يسمعه في بغداد، وأثرتْ ذائقته الفنية طوال حياته التي بلغت 74 سنة وزّعها بالتساوي على الفنون القولية وغير القولية. ومثلما كان يرتاد صالات الفن التشكيلي ويتأمل جديد الفنانين التشكيليين البريطانيين والعرب والأجانب، كان يستمتع بمشاهدة الأفلام السينمائية، وخاصة الجادة والتجريبية منها، فالسينما هي أم الفنون، وليست فنًا سابعًا فقط.

كان فوزي كريم ينقد الشعر ويُنظِّر له، يشترك في البيانات الشعرية أو يكتبها بنفسه بعد أن يقع عليه الاختيار. وبما أن موجة الستينات قد أثارت جدلاً لم ينقطع حتى اللحظة فلابد أن يكون القِدحْ المعلّى، فهو "ابن بَجدتها" كما يقال. لذا كتب عن هذه الموجه بعد عدة عقود متأملاً إيّاها بنظرة العارف بالأمور الثقافية، والخبير بها فأصدر كتابه الإشكالي الجميل، والمثير للجدل وهو " ثياب الامبراطور: الشعر ومرايا الحداثة الخادعة" الذي صدر عن دار المدى عام 2000 ثم تبعه بـ "تهافت الستينيين: أهواء المثقف ومخاطر الفعل السياسي"، وما بينهما أصدر "العودة إلى گاردينيا"و"يوميات نهاية الكابوس" وكلها صدرت عن الدار نفسها لأنها كانت وفيّة للمثقفين العراقيين وخاصة اليساريين منهم الذين منحوا الحياة العراقية نَفَسًا إنسانيًا جديدًا لم نألفه من قبل.

أشرنا إلى أنّ الشاعر فوزي كريم كان رسّامًا وقد أقام عدة معارض متباعدة زمنية لكنه لم يجد بُدًا من تفريغ بعض هواجسه القلقة، ومشاعره الداخلية المُحتَبَسة على الورق والكانفاس مُبتعدًا قدر ما يستطيع عن الرسم الكلاسيكي مُحاورًا متلقيه بلغة تشكيلية جديدة يتابعها بنفسه في أروقة المتاحف وصالات الفن التشكيلي، ويكتب عنها مقالات مكثفة في أعمدته الصحفية الكثيرة كان آخرها "المتحف الخيالي" و"البرج العاجي" قبل أن يترجل منه ليلة أمس المُفجعة لكل مثقف إنساني نبيل لأنه كان أقرب إلى الأيقونة الجميلة التي تبتسم لكل المثقفين في العالم.

قد لا يكون الراحل متخصصًا في الموسيقى الكلاسيكية أو الحديثة، ولكنه مستمع من طراز رفيع لا يضاهيه إلاّ الكاتب الراحل نجيب المانع، المُدمن هو الآخر على سماع الموسيقى، والكتابة النوعية عنها وقد أثرى المكتبة العربية ببعض الإصدارات المهمة في هذا المضمار.

على الرغم من قلّة محاضراته وندواته في السنوات العشر الأخيرة التي لازمه فيها المرض إلاّ أنه لم يكن يبخل علينا بالموافقة على مشاركته في تقديم بعض المحاضرات التي كشفت عنه كباحث متمرس يعتمد المصادر والمراجع العربية والإنجليزية الكثيرة مثل محاضرته الموسومة عن "ملحمة كلكامش" التي قدّم فيها قراءة مختلفة عمّا هو سائد ومعروف، ومردّ ذلك، بحسب ظني المتواضع، إلى قدرته على اصطياد الأفكار، وتقديمها على طبق من ذهب إلى القارئ أو المستمع الذي يترك مشاغله جانبًا ويأتي إلى الندوة الفكرية أو الفنية أو الثقافية التي يقدّمها هذا المثقف العراقي الذي قدّم لنا زادًا ثقافيًا متنوعًا لن يغادر ذاكرة المتلقين بسهولة.

 

عدنان حسين أحمد

 

محمد فتحي عبدالعالفي العصور المملوكية بلغت العناية بالتجهيز  لشهر رمضان والأحتفال به  درجة هائلة لا يضاهيها عصر أخر من  حيث المظاهر الرمضانية المميزة بالفخامة والابهة والاسراف ومع بدايات رمضان كانت  أقدام  المصريين تتجه  بهم نحو "الخوانق" أو بيوت الصوفيين، والتي كانت تمثل أكبر منازل الاحتفاء الديني برمضان، يحتشد فيها الصوفيون لأداء الصلوات الخمس والتراويح وقراءة القرآن في خشوع واجلال يخطف الأنظار والقلوب . ومن اشهرها خانقاة سعد الدين ابن غراب  وبحسب طبيعة هذه العصور كانت بيوت الله تبني بأموال حرام ومع ذلك كانوا يبنونها طمعا في الجنة!! وابن غراب بحسب  أحد معاصريه "كان  غداراً، لا يتوانى عن طلب عدوه ولا يرضى من نكبته بدون إتلاف النفس، فكم ناطح كبشاً وئل مكانة وعالج جبالاً شامخة واقتلع دولاً من أصولها الراسخة، وهو أحد من قام بتخريب إقليم مصر برفعه سعر الذهب.."

لم يكن الناس علي قلب واحد فيما يتعلق  بمسألة الألتزام بالصيام في رمضان فقد كانت النساء البدينات - وهو الذوق المطلوب في هذه العصور- يتجنبن الصيام  خشية فقد أوزانهن وخاصة  الأبكار منهن !! حيث كن يتعاطين وصفة بلدي مكونة من أكل الطين والطفلة الطينية مع بعض الادوية من العطار حتي يزدادو وزنا  ومن الطريف أن  نائب السلطان برقوق الأمير كَمشبُغا في شهر رمضان سنة 784هـ حينما وجد النساء يرتدن المقابر بثياب واسعة الأكمام فقد عين من يقطع لهن هذه الأكمام الواسعة !!!

كان  المماليك أول من خصصوا في حجج أوقافهم العقارات والأطيان الزراعية لينفق ريعها  في إقامة الشعائر الدينية وتوزيع الحصص المالية  علي الفقراء وطلبة العلم والمساجد طوال أيام رمضان .وقد كان لشهر رمضان العديد من  المظاهر والخصائص المميزة  في العصر المملوكي والتي منحته نكهة خاصة .. و أولي هذه  الخصائص والمظاهر :طريقة أستطلاع هلال رمضان حيث يجتمع قاضي القضاة و الفقهاء لرؤية الهلال عبر منارة مدرسة المنصور قلاوون بالنحاسين فأذا تثبتوا  عادوا وبصحبتهم  أرباب الحرف والطوائف متهللين و حاملين الفوانيس والشموع لتتزين القاهرة بمجيئهم بأزهى حلة فقد جاء رمضان و يصف الرحالة  ابن بطوطه هذا المشهد وقد زار مصر في عهد السلطان  الناصر محمد بن قلاوون وذلك  مع دخول شهر رمضان حيث نزل عند قاضي مدينة أبيار (عز الدين المليجي الشافعي) قائلاً: (وعادتهم فيه أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان بدار القاضي، ويقفُ على الباب نقيب المتعمّمين، وهو ذو شارة وهيئة حسنة، فإذا أتى أحد الفقهاء أو الوجوه تلقّاه ذلك النقيب ومشى بين يديه قائلا: بسم الله. سيدنا فلان الدين! فيسمعُه القاضي ومن معه فيقومون له، ويجلسه النقيبُ في موضع يليق به، فإذا تكاملوا هنالك ركب القاضي وركب من معه أجمعين وتبعهم جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والعبيد والصبيان، وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مرتقبُ الهلال عندهم، وقد فُرش ذلك الموضع بالبُسُط والفُرش فينزل فيه القاضي ومن معه فيرتقبون الهلال ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب، وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس، فيكون ذلك دليلًا على ثبوت الرؤية ويوقِدُ أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون، هكذا فعلهم كل سنة) .  ثم يجلس السلطان علي كرسيه بالقلعة  حيث يتوافد عليه المهنئون وفي طليعتهم القضاة الأربعة الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة وكبار رجال الدولة ويمكننا أن نري هذا المشهد أكثر  مع حوليات عام 920هـ مع وصف المؤرخ محمد بن شهاب الدين بن إياس في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" لموكب الرؤية في عهد السلطان قنصوه الغوري قائلاً: (وأما في ليلة رؤية الهلال فحضر القضاة الأربعة إلى المدرسة المنصورية، وحضر الزيني بركات بن موسى المحتسب، فلما ثبتت رؤية الهلال وانفض المجلس ركب بركات من هناك. فتلاقاه الفوانيس والمنجانيق والمشاعل والشموع الموقدة، فلم يحص ذلك لكثرته. ووقدوا له الشموع على الدكاكين وعلقوا له التنانير والأحمال الموقدة بالقناديل من الأشاطيين إلى سوق مرجوش إلى الحباشية، إلى سويقة اللبن، إلى عند بيته). ثم يتوجه القضاة الأربعة والمحتسب إلى السلطان، لتهنئته بحلول شهر رمضان. ثم يعرض الوزير والمحتسب اللحم والدقيق والخبز والسكر والبقر والغنم على السلطان ..ولا يخلو الأمر من طرافة فقد حدث أن ثبت الهلال مع انتصاف النهار في عصر السلطان برقوق فحدث اضطراب شديد  و سارع قاضى الشافعية بالنداء بالإمساك بعد أن كان الطعام قد وضع على الموائد،كما طرد السلطان مدعويه، وأمر برفع الصحاف،و أعلن الصيام، و لم يكن باقيا على المغرب سوى بضعة ساعات !! وفى عصر السلطان ” الغورى” حدث خلاف علي رؤية الهلال  بين الجراكسة و شيوخ الأزهر، ففيما أعلن الجراكسة ومعهم الوالي أنهم رأوا الهلال من فوق مآذن مسجد المتولي وساد الأحتفال الناس فكبروا وأوقدوا المشاعل ابتهاجا،ففي المقابل أعلن القضاة الاربعة ومشايخ الازهر أنه لا أثر للهلال  وصاح أحد المشايخ في الناس : ” أطفئوا المصابيح يا حرافيش، أتصدقون الجراكسة وتكذبون العمائم؟ فأطفأ الناس المشاعل، ومع اتساع المواجهة بين الطرفين  عاد الجراكسة ومعهم مزيد من الجند وأصروا أنهم  رأوا الهلال، فأوقد الناس المشاعل مرة أخري، فصاح المشايخ ” أيعلمنا الجراكسة أمور ديننا ؟ ” فأطفأ الناس المشاعل وأوقدوها  وأطفأوها عدة مرات واحتدم الأمر مع أمساك أحد الجراكسه لذقن أحد المشايخ فأوسعه الشيخ ضربا بالمركوب وانطلقوا جميعا الي السلطان ليحكم بينهم وكان السلطان في موقف لا يحسد عليه فالسماء أعلاه مظلمة ولو أقر بصحة المشايح فسيغضب الجراكسة وهم أعوانه فمال الي الجراكسة وأقر انه لمح الهلال  وباتت القاهرة منقسمة بين صائم ومفطر .

ومع انهيار الحكم المملوكي وتولي العثمانيون فقد أوكلوا الي قاضي حنفي تركي مهمة استطلاع الهلال وبحسب ابن اياس فقد كان القاضي جاهلا بالقواعد الفقهية المنظمة لاستطلاع الهلال، حتى وصفه معاصروه بأنه كان "أجهل من حمار " وقد شهد استطلاع هلال شهر رمضان لعام 924 هجرية (الموافق 1518 ميلادية) تضاربا وتخبطا في تحديد أول أيام الصيام وأول أيام عيد الفطر، حتى أن أهالي الإسكندرية ودمياط صاموا قبل سكان القاهرة بيوم، وقد ذكر ابن إياس أن "الناس في مصر المحروسة (القاهرة) صاموا يوم السبت، بينما صام أهالي الإسكندرية ودمياط يوم الجمعة، ولم يعلم الناس بهذا الخطأ إلا بعد انقضاء أيام العيد".وعندما علموا هاجم الشعراء القاضي التركي فقال أحدهم:

يا قاضيا بات أعمي

عن الهلال السعيد

أفطرت في رمضان

وصمت في يوم عيد..

ومن المظاهر  الأخري انتشار أمامة الغلمان للتراويح  ووصل الأمر الي الحرم المكي ذاته وهو من الظواهر الفريدة  في التاريخ الاسلامي من حيث الكثرة والانتشار ومن  أشهرهم الإمام سراج الدين البُلقيني  والذي صلّى بالناس وعمره عشر سنوات بعدما  أتم حفظ القرآن الكريم. والامام ابن حجر  العسقلاني  والذي صلّى  بالناس التراويح في وعمره لم يتجاوز  اثنتا عشرة عاما والحال كذلك مع  العلامة سبط ابن العجمي برهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبي..وهي من المظاهر الحسنة في العهد المملوكي والتي أفرزت العديد من الأئمة التاريخيين في هذه العصور ... وكانت مدة صلاة التراويح تتفاوت  ما بين السرعة الشديدة حتي جاء وصفها بالصلاة المسلوقة  ومنهم أحمد بن عبد الله الدوري المكّي، أحد فرّاشي الحرم المكي، قال عنه السخاوي: (كان يُصلِّي بالنَّاس التَّراويح فيصلِّي معه الجم الغفير لمزيد تخفيفه، ويلقبِّون صلاته المسلوقة ) أو تأديتها ببطء شديد إلى قُبيل صلاة الفجر، منهم تقيّ الدّين عبد الرَّحمن بن أحمد بن عليّ المعروف بابن الواسطيّ، وكان عارفًا بالقراءات، ويقرأ بالمصحف في الجامع الأزهر ويقوم في رمضان بعد التَّراويح إلى طلوع الفجر.

ويبدو أن تجربة السلطان المملوكى حشقدم لأحد المدافع الجديده قد دخل به وبعمله هذا التاريخ من أوسع أبوابه  حيث  صادف إطلاق المدفع وقت الغروب فى أول يوم رمضان فظن الناس أن السلطان قد استخدم المدفع في سبيل تنبيه الصائمين إلى موعد الإفطار فخرج الناس  فى جموع لتقديم واجب الشكر للسلطان علي صنيعه مما دفع السلطان الي تخصيص مدفعين واحدا للافطار والاخر للسحور  وصار تقليدا حتي يومنا هذا .

وكان المسحراتي أحد ابرز المظاهر الرمضانية فكان يطوف القاهرة بصوته بينما في الاسكندرية  كان  يطرق على الأبواب قائلا:ً (قوموا كلوا) وذلك بحسب الرحالة المغربي ابن الحاج والذي زار مصر في عهد الناصر محمد بن قلاوون ..ويعود الفضل للظاهر بيبرس في حماية هذه المهنة من الأندثار باجتذاب عدد من العامة وصغار رجال الدين للقيام بها  .

الطريف في المظاهر الرمضانية في العهد المملوكي هو ختم صحيح البخاري كل عام في مقر الحكم  بالقلعة  في حفل كبير يحضره السلطان والقضاة الاربعة والفقهاء وكبار موظفي الدولة، ويتم توزيع الخلع والهبات على العلماء والفقهاء وطلبة الأزهر والأيتام والأرامل .يقول ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة»: (كانت العادة من أيّام الأشرف شعبان بن حسين (ت 778هـ) أن تبدأ قراءة البخاري في أول يوم من شهر رمضان، ويحضر قاضي القضاة الشافعي، والشيخ سراج الدين عمر البلقينىّ وطائفة قليلة العدد لسماع البُخاري، ويختم في سابع عشرينه، ويُخلع على قاضي القضاة، ويركب بغلة بزنّاري (غطاء من الصوف للبغلة أو الفرس) تُخرج له من الإسطبل السلطاني، ولم يزل الأمر على هذا حتى تسلطن المؤيَّد شيخ (ت 824هـ) فابتدأ بالقراءة من أول شعبان إلى سابع عشرين شهر رمضان، وطلب قضاة القضاة الأربعة ومشايخ العلم وقرّر عدّة من الطلبة يحضرون أيضا). وأحيانا كانت تناقش وسط هذا الجمع  بعض المسائل الفقهية ولربما تطور الأمر الي مالايحمد عقباه مثلما حدث عام  1434م في حضور السلطان الأشرف برسباي حيث أمر بإحضار «الفلقة والعصا» في المجلس لتأديب المتشاحنين المتجاوزين . ثم جاء السلطان جقمق ليمنع أية مناقشات في مجلس قراءة صحيح البخاري.

وكانت القناديل أو الفوانيس تضيء المساجد والشوارع ليلا وقد اقترح العلماء علي السلطان برسباي عدم أطفاءها الي طلوع الفجر لتكون علامة للناس علي اخر وقت للسحور فإن أطفئت الفوانيس بدأ الصيام.

ومن عادات السلاطين الطريفة في رمضان فتح الابواب لشكاوي الشعب في عهد السلطان " برقوق " ومن العادات الاخري طلب الفتوي من العلماء ومن أغربها ما أقدم عليه السلطان " الأشرف أبو المعالى "والذي استدعي شيوخه ذات يوما علي عجل وكان بصحبته وزيره (منجك)  فأبتدرهم الوزير والهدوء علي وجهه : (السلطان يريد فتوى لإفطار رمضان) فساد الوجوم وكأن علي رؤوسهم الطير واحتقن وجه السلطان غضبا وهو يصيح: (هيه يا مشايخ، ماذا تقولون؟ ) فراح القاضى المالكى يسرد عليه أحكام الصوم و مبيحات الافطار، و لكن ليس فيها ما بيبح للسلطان الافطار، فغضب السلطان قائلا :  (أنا مريض يا مشايخ، ضعيف)  ثم اهتدى أحد المشايخ إلى الحل، فليسافر السلطان  فالسفر عذر شرعي مبيح للإفطار وهنا تهلل وجه السلطان ووزيره ومن فوره سافر لتفقد قلاع الإسكندرية و دمياط ثم رحل بعد ذلك إلى الشام !!..أما السلطان قلاوون فكان يشغله ليلة الرؤية فتوي اعادة بناء كنيس لليهود بفلسطين ايلة للسقوط  وكانت المعضلة: (هل يجوز هدمها لهذا السبب دون أن يعد ذلك اعتداء على أهل الكتاب، أم يعاد بناؤها كما كانت من قبل؟).وشهد الأمر انقساما بين الحضور حيث  أفتي البعض  بجواز هدمها ما دام وجودها علي هذه الحالة يعد خطرا، وبعضهم حبذ إعادة تجديدها وظل السلطان في حيرة!!!ولو عرف ما تخبيء الأقدار لهذه الامة لهدمها  واراح واستراح !!!

كما اعتاد سلاطين المماليك إعتاق ثلاثين عبدا في رمضان والأفراج عن بعض المساجين الا أن قاعدة العفو لم تكن دوما علي نفس الوتيرة لدي السلاطين المماليك فقد استخدام السلطان فرج بن برقوق قاعدة العفو في رمضان لتكون حيلة لاجتثات معارضيه من المماليك الظاهرية (مماليك أبيه) حيث أطلق المنادين في القاهرة  بأن المماليك المختفين يظهرون وعليهم أمان الله، وأنهم عتقاء شهر رمضان وكلما ظهرت مجموعة كان يقبض عليهم في سرية تامة ودون أشعار الأخرين ويقول المقريزي انه لم يمض الشهر الكريم إلا وكان أكثر من اربعمائة مملوك في السجن، ويذكر صاحب كتاب 'النجوم الزاهرة' انهم سجنوا جميعا في سجن القلعة، ولهذا لم يأمنه بقية المماليك بعد ذلك . ومن أغرب العادات السلطانية في رمضان عادة تربية الحمام لدي السلطان  حاجي بن الناصر محمد بن قلاوون  وكان قدوم شهر رمضان فرصته حيث انشغال الناس بالصيام والاحتفالات، فيأمر كبار رجال الدولة بعدم الحضور إلى قصره  حتى ينتهي شهر رمضان؛ حتي يتسني له اللعب بالحمام مع أوباش الناس حيث يتعري ويلبس ثياب جلد ويصارع معهم، ويصف ابن تغري بردي ذلك  قائلاً: (أعاد حضير الحمام وأعاد أرباب الملاعيب من الصّراع والثقاف والشباك، وجري السّعاة، ونطاح الكباش، ومناقرة الدّيوك، والقمار، وغير ذلك من أنواع الفساد. ونودي بإطلاق اللعب بذلك بالقاهرة، وصار للسلطان اجتماع بالأوباش وأراذل الطوائف من الفراشين والبابية ومُطيّري الحمام، فكان السلطان يقفُ معهم ويُراهن على الطير الفلاني والطيرة الفلانيّة. وبينما هو ذات يوم معهم عند حضير الحمام، وقد سيّبها إذ أذّن العصرُ بالقلعة والقرافة فجفَلت الحمام عن مقاصيرها وتطايرت، فغضب وبعث إلى المؤذّنين يأمرهم أنهم إذا رأوا الحمام لا يرفعون أصواتهم، ويلعب مع العوامّ بالعصىّ، وكان السلطان إذا لعب مع الأوباش يتعرّى ويلبس تبّان جلد، ويُصارع معهم ويلعب بالرّمح والكرة، فيظلّ نهاره مع الغلمان والعبيد، وصار يتجاهر بما لا يليق به أن يفعله). أما السلطان  بيبرس  والذي شهد عصره طفرة عسكرية فقد كان حريصا علي متابعة  التدريبات العسكرية في رمضان، وكان يُعطي الهدايا والجوائز لمن يرى فيه القوة والمهارة، قال المقريزي: (رسم للعسكر بالتأهّب للعب القبق (الرمي بالرماح على هدف عال) ورمي النشَّاب (السهام) فيكب من كل عشرة فارسان في أحسن زيهم وقت الحرب، وركب السُّلطان في مماليكه ودخلوا في الطعن بالرِّماح، ثمَّ أخذ السُّلطان الحلقة ورمى النشاب، وجعل لمن أصاب من الأمراء فرسًا من خيله الخاص… فاستمرّ ذلك أيَّامًا تارة يكون اللّعب فيها بالرُّمح وتارة بالنشاب وتارة بالدبابيس (آلة كالبلطة) وفرق السُّلطان فيها من الخيل والبغالطق (قمصان تلبس أسفل العباءات  لا أكمام لها) جملة. وساق السُّلطان يومًا عادته في اللّعب وسلَّ سيفه فسلَّت مماليكه سيوفها، وحمل هو ومماليكه الخواصّ حملة وحمل واحد واصطدموا فكان منظرًا مهولا، وأطلق السُّلطان من التشاريف ما عم به سائر من في خدمته: من ملك وأمير ووزير ومقدمي الحلقة والبحرية ومقدمي المماليك والمفردية ومقدمي البيوتات السُّلطانيَّة وكل صاحب شغل وجميع الكتاب والقضاة وسائر أرباب الوظائف).

أما عن عطايا السلاطين المماليك في رمضان فحدث ولا حرج فالسلطان برقوق  اعتاد أن يذبح كل ليلة خمسة وعشرين بقرة ليتصدق بلحومها، فضلا عن توزيع الخبز على أهل المساجد والروابط والسجون، بحيث يحصل كلَّ فرد علي قدر معين هو رطل لحم مطبوخ وثلاثة أرغفة، ويذكر المقريزي أن الظاهر بيبرس كان «يُطعم كل ليلة من ليالي شهر رمضان خمسة آلاف نفس» كما شهد عصر قلاوون ألوانا من  التوسعة على العلماء فكانت  تصرف لهم رواتب إضافية في شهر رمضان، وقد وصل الكرم في توزيع السكر الي أقصي مداه حيث  بلغت كمية السكر  المنصرفة  لصنع الحلوي (مثل القطايف والكنافة ) في عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون عام 745هـ ثلاثة آلاف قنطارا قيمتها ثلاثون ألف دينار منها ستون قنطارًا في كل يوم من أيام رمضان..ومن أغرب ما يتعلق بالعطايا ما هم به السلطان «الأشرف شعبان» والذي فكر بالتوسعة علي الفقراء ليكتشف  أن الخزينة السلطانية بغرفة نومه  قد سرق منها  عشرين ألفا من الدنانير الذهبية، وبالطبع دارت الشبهات حول خاصة قصره ليجمع خدمه أن السارقة  هي محظيته  «خوند سوار باي».وعلي الرغم من ضربها بالسياط فلم تعترف وخرجت من السجن بعد سنوات عدة عجوز فاقدة السمع !! .

أما السلطان الغوري فقد كان الابخل بين كل هؤلاء السلاطين وكانت حينما ترفع له قضايا تستلزم الدعم المالي  كان رد السلطان على المشايخ قائلا : "الخزائن فارغة يا مشايخ، و الجند طلباتهم كثير "، فيعيد المشايخ الكرة  لاستعطاف السلطان  "فالناس مساكين و عيالهم كثير " فيفحمهم  السلطان بعباراته البليغة " العيال لا يملكون إلا البكاء، و لكن الجند يلعبون بالسيوف و المكاحل يا مشايخ!!!

والي هنا نختتم رحلتنا عبر ليالي رمضان المشهودة في  التاريخ المملوكي ..

 

د.محمد فتحي عبد العال - كاتب وباحث مصري

.....................

المراجع

١- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي

٢-بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن اياس

٣-السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي

٤-كتاب المدخل لابن الحاج

٥-تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار لابن بطوطة

٦-كتاب لحظة تاريخ ٣٠ حكاية من الزمن العربي للاستاذ محمد المنسي قنديل

 

 

ضياء نافعفريد الله ويردي بالنسبة لي هو تجسيد رائع و رمز خالد لتواضع العظماء، الذين مرّوا  في حياتي . وكنت اخطط طوال  السنوات العشرين الماضية ان اكتب عنه، خصوصا عندما عرفت بوفاته، وذلك لانني اودّه جدا واحترمه كثيرا ومعجب ببساطته وعمق ثقافته وتواضعه الرائع، ولكني لم اكتب، اذ وجدت ان الدكتور سيّار الجميل قد كتب  عنه – بعد وفاته - اعمق واوسع مما اردت ان اكتب انا، وهكذا تركت الموضوع، وكنت آنذاك لازلت في بغداد، ولكن عندما انتقلت للسكن في موسكو، وبدأت بنشر سلسلة مقالاتي (عراقيون مرّوا بموسكو)، عادت فكرة الكتابة عنه من جديد، باعتباره علما من اعلام العراقيين بموسكو، الذين كانوا معنا في بداية ستينات القرن الماضي، ولكني وجدت، ان الزميل عبد الله حبه كتب عنه بالذات مقالة جميلة ووافية حول ذلك الجانب المشرق من حياة ويردي آنذاك ونشرها ضمن مقالاته الاخرى عن اعلام العرب بموسكو في موقع (روسيا اليوم) والتي تم حذفها مع الاسف بعدئذ، وقد سألتني ارملته السيدة لودميلا (وكنا نسميها جميعا ميلا) ويردي عن كاتبها في احدى رسائلها لي، واخبرتها  طبعا باسم الزميل عبد الله حبه، ثم علمت من عبد الله بعدئذ، انها طلبت منه ان يترجم مقالتها (التي كتبتها طبعا بالروسية) عن زوجها الراحل، وفعلا قام عبد الله حبه بترجمة رائعة لتلك المقالة المليئة بالحنان والامتنان والمعلومات البيبلوغرافية المهمة جدا حول مسيرة المرحوم  فريد الله ويردي في عالم الموسيقى الساحر الجمال منذ خطواته الرائدة الاولى في المملكة العراقية  ثم في الجمهورية العراقية ودراسته لاحقا في شتى بقاع العالم وعمله الفني الكبير، اذ ان السيدة لودميلا ويردي رافقته منذ ان كان يدرس بموسكو في الستينات وبعد رجوعه الى بغداد، ثم سفره مرة اخرى الى الغرب، وعودته الى الاردن للسكن والعمل هناك، ثم هجرته الاخيرة الى ايرلندا حيث توفي عام2007.

لم أشأ ان اكتب عن المرحوم فريد الله ويردي بعد مقالات سيّار الجميل وعبد الله حبه و ارملته السيدة ميلا ويردي ومقالات عديدة اخرى، اذ ان تلك المقالات قد رسمت فعلا صورة متكاملة ومشرقة وحقيقية عنه كانسان وكموسيقي رائد ومتميز في دنيا الموسيقى العراقية، ولكني اطلعت قبل ايام على مقالة جميلة وموضوعية وموسوعية بعنوان – (الثقافة الامريكية وتعزيز قيم الحداثة  في العراق)، يتناول فيها كاتبها الاستاذ علي عبد الامير عدة شخصيات ثقافية عراقية كبيرة و متميزة فعلا في تاريخ العراق المعاصر ممن درسوا في امريكا، ويتحدث في سطور وجيزة عن ابرز اعمالهم الثقافية  (مثل علي الوردي واحمد سوسه وطه باقر وكامران حسني ونازك الملائكة وبياتريس اوهانيسيان وجعفر علي وبدري حسون فريد...الخ هذه الاسماء اللامعة الاخرى)، ووجدت  هناك اسم فريد الله ويردي ايضا، ، وهي اشارة صحيحة طبعا، لان فريد درس في امريكا فعلا  بعد موسكو، ولكني فوجئت، لاني وجدت في تلك السطور عن فريد الله ويردي فقط (دون الاسماء الاخرى) تأكيدا على الجانب السياسي لنشاطه اكثر من الحديث عن الجانب الابداعي لدى هذا الموسيقيّ الكبير، اذ يقول الاستاذ علي عبد الامير هناك، ان (النظام البعثي – القومي قد حكم عليه غيابيا بالاعدام ...)، وذلك عندما كان فريد يدرس بموسكو في الستينات، ثم يشير كاتب المقالة بعدئذ، الى ان فريد (..وجد ملاذا في الدولة التي كان يقف بالضد من نظامها السياسي وفكرتها، فيما هرب من الدولة التي توقعها جنة على الارض...) . اقول اني قد فوجئت من كل ذلك، اذ ان المرحوم فريد الله ويردي لم يكن سياسيا ابدا، بل كان يجسّد في كل سلوكه وتصرفاته وعلاقاته ومسيرة حياته صورة الفنان الرقيق والخلوق والمبدع والمؤدب والخجول والمسالم والدائم التفكيربالموسيقى ليس الا، ولم نسمع – نحن العراقيين المحيطين به في موسكو آنذاك – الحكم عليه بالاعدام غيابيا (ولا اظن ان هذا الامر الكبير و الخطير يمكن التعتيم عليه او عدم اعلانه، رغم اننا نقرأ الان ذلك في بعض المواقع الالكترونية دون الاشارة الى المصدر)، ولم نسمع منه ابدا، انه كان يرى في الاتحاد السوفيتي (جنة على الارض)، بل ولم نسمع منه ابدا اي حديث سياسي محدد، اذ كان فريد يعيش ويتفاعل ويتناغم مع الموسيقى حتى في حياته اليومية  الاعتيادية . ولهذا اكتب انا هذه السطور عن المرحوم فريد الله ويردي .

الرحمة والسكينة والطمأنينة لروح الفنان الكبير فريد الله ويردي، والذكر الخالد لاسمه ولمكانته الفريدة في عالم الموسيقى في العراق.

 

ا. د. ضياء نافع

 

 

903 kasemabdulamirإشارة: في يوم أسود من أيام الثقافة العراقية، أغتيل الربيع الثقافي كما كنا نسميه، أبو ربيع – المبدع الإنسان العراقي الغيور “قاسم عبد الأمير عجام ” على أيدي قتلة أوغاد. إنسانا كان قاسم أباً حانياً وأخاً كبيراً وصديقاً صدوقاً للجميع وبلا استثناء. ومبدعا كان قاسم أنموذجا للمثقف المهذب المتحضر المتسامح الصبور الداعي أبدا إلى الحوار وعدم التعصب. إن ما أخاف الأوباش في أبي ربيع هو هذا الربيع الإنساني الدائم أيضاً. من ينسى الإبتسامة الحيية الدائمة والنظرة الحنون شبه المنكسرة والخدّين المتوردين وكأنه خَجِلٌ من وقوف إنسانيته العظيمة عند حدود لا يستطيع تعدّيها. أبا ربيع، أخي الحبيب، دمتَ في عليين …

في مذكراته عن يوم 6/4/2003 وتحت عنوان (رتل الكلاب المسرّفة) كتب الصديق الشهيد الحبيب أبو ربيع (قاسم عبد الأمير عجام ) الذي اغتالته أيدي الإرهاب الآثمة يوم 17/5/2004 يشرح المعاناة العاصفة التي ألمت به وهو يرى رتل دبابات الغزاة يطأ تراب مدينته المقدس ( ناحية المشروع ):

(فاضتْ روحي بالآلام، وهممتُ مسرعا لأفتح الباب الخارجي فأنظر إلى رتل الغزاة … فلحقني أحد أبنائي ليعيدني إلى الداخل محذرا من عدوانيتهم المتناثرة . سحبني إلى الداخل واستجبتُ له فقد كنت موقنا أن كل غضب الدنيا وحزن كل العراق يشتعلان في عيوني، وكنت مشتعلا بكل لعنات الصبر والتحمل على من أوصل الوطن إلى هذه اللحظة مما كان لابدّ له أن يدفعني لحركة ما أو فعل ما: بصقة كبيرة عليهم – على الأقل – أو حجارة هي أثمن من كل الحديد الراعد الذي جاءوا يرهبوننا به، مما كان سيجعلني عرضة لوحشيتهم أو هستيرياتهم .. فعدتُ وارتكنتُ إلى جدار بيتي أدقّ عليه رأسي التي أثقلها الغضب الحزين أو الغضب المأسور بكبت السنين، ثم لم أطق صبرا حتى على تلك الوقفة المنكسرة فصرت أدور حول مبنى بيتي – القابض على الجمر – ص 419).

ومن يعرف سيرة حياة الشهيد أبي ربيع سيتأكد أن هذه المذكرات هي درس في التربية الوطنية . لقد كان قاسم شيوعيا معروفا وقد تعرّض بسبب انتمائه هذا للسجن والتعذيب والملاحقة منذ الستينات، ومُنع عليه حتى العمل وفق شهادته وكفاءته العالية المعروفة .. وصل حاله حدا – كما يكتب يوم 20/2/1967 – أن يُصاب بالإكتئاب لأنه لا يملك حتى مبلغ مال يمكنه أن يذهب لمقهى دون أن يضطرب حاجة وعوزا، وموعد محاكمته يقترب: فهل أذهب إلى المجهول خالي الجيب وإلام سأظل أستدين؟).

وفي السبعينات حيث كان يتوقع أن يكون حاله أفضل حوصر سياسيا وفُرضت عليه البراءة بطريقة خانقة ومذلة صار يعد نفسه فيها الميت الحي: كتب في 6/1/1979:

(في البيت التقينا بشقيقتي وزوجها وأطفالها، وكان البيت ميدانا للركض وملعبا للكرة . لكن الطاحونة دارت . الحديث إياه: إستسلم استسلم يا أبا ربيع فما عادت المقاومة تجدي، إخلد إلى الهدوء وانعم بالبركة فالكل فعلوها قبلك، والصغار سجلوا في (الطلائع) وأمهم بدأت عملها في الحزب، وسينضم أبوهم غدا، فمتى ستفعلها أنت؟ القرار، واضح . الكل في حزب الدولة ولا غيره منبر أو كيان أو حركة . وكالعادة أضافت لهم السيدة الوالدة مقولاتها المعتادة ورغبتها في الأمان وراحة البال وحاجتهم إلى سلامتي وبدأت تعيد قصص من عُذبوا حتى الموت .كفى كفى . ودارت في الذهن أحاديث البارحة مع عديلي، مطاردته حتى إرغامه على (التوقيع) – آه من التوقيع – قلقهُ على أخته الطالبة الجامعية، صور التعذيب التي حدثوه عنها، وتهديده باختطاف ابنته الطفلة الوحيدة وربما زوجته .. و ..و . غادروا مساء . تمنوا لي السلامة والصبر على المكروه، فودعتهم وعدتُ أجتر همومي مذهولا: كيف وصلت إلى هذا المنعطف؟ كيف أصبح ممكنا أن أفكر أنا، أنا، بإمكانية ولوجه؟ مَنْ مِنّا الجبان ومن منا الشجاع؟ الذي يموت تحت التعذيب وهو يدري أنه كان يركب سفينة مخروقة أم الذي يقرر الانتقال إلى سفينة أولئك الذين حاصروا السفينة الأولى ودفعوها نحو الهاوية؟ ولكن هل يستطيع أحد أن يقرّر؟ وهل بمستطاع أحد في بلادنا أن يقرّر لنفسه موقفا؟ لست أدري شيئا، ولا أعرف إلا أني حوصرتُ في عنق الزجاجة وأن الحياة ما عادت ممكنة بدون ركوب سفينة الحزب الحاكم، القرار صريح أن تركب معنا أو تغرق في بحر الدم والعذاب، ولست أريد أن أخسر الحياة في معركة خاسرة مقدما من أجل ناس تنازلوا عن سبب المعركة وأهدافها . فمازال في القلب والرأس طموح بالعمل والخدمة . نعم، الخدمة العامة، والإبداع والسعي إلى حياة أخرى أجمل وأنظف – ص 166).

ثم كتب في 11/1/1979:

(أخيرا، وقع المحذور . جاء أحد (زوّار الفجر) واقتادني إلى المركز ومنه إلى المقر حيث مات الذي أحكي لك قصته، وخرج من عنق الزجاجة شخص آخر مخذولا مذهولا يتلمس طريقا جديدا . فيا للحياة في هذا البلد من مهنة شاقة – ص 167) .

مُنع من إكمال دراسته العليا . وسِيق في قواطع للمهمات الخاصة في الجيش الشعبي رغم كبر سنه لفترات متطاولة ذاق فيها عذابات جسيمة وتعرض للموت أكثر من مرة ( راجع يومياته في المبحث الثاني ( من يوميات الحرب ) على الصفحات 181-330) وذاق مرارة فجيعة الإنسحاب المُذل عام 1991 . ثم عانى العوز الشديد في سنوات الحصار العجاف، لتتوج مسيرة عذابه باحتلال بغداد الأم وحرقها وسلبها على أيدي الرعاع وعملاء الأجنبي الذين سبقوه وأعضاء جيش (إنطوان لحد) كما يقول –راجع الصفحات الخطيرة في المبحث الرابع: من يوميات المخاض الأخير، ص 397-449)..

 وبرغم هذه المحاصرة والإذلال والمهانة والجوع والعوز والإجحاف يحاول قاسم – كما يصف حاله بحرقة - الهجوم على الأمريكان الغزاة بيديه العاريتين الكريمتين أو البصاق عليهم .. وعندما لم يفلح صار يضرب رأسه في الحائط . نسمع عن البعض من آكلي أثداء أمهاتهم دُربوا على استقبال الغزاة ورمي الورود عليهم. موقف الشهيد قاسم عجام ومذكراته التي تعكس روحه الوطني الغيور هي درس في التربية الوطنية التي تعرّضت للتشويه القاسي عبر عقود طويلة حتى صار المواطن العراقي لا يميز بين العراق الخالد والحاكم الفاني، ولا بين أرض وطنه ومقر الحزب . أدعوا إلى نشر هذا الكتاب بأوسع صورة وأن يُحفظ في المكتبات المدرسية والعامة وأن تُعقد الندوات الموسعة لمناقشته واستقاء الدروس والعبر منه . وفي الختام لابد من تحية وافرة للدكتورة (نادية غازي العزاوي) التي بذلت جهدا هائلا في جمع هذه المذكرات والتقديم لها بمقدمة وافية محبة، ولدار الشؤون الثقافية التي أصدرته بحلة جميلة تذكرنا بأيام مجدها الطباعي والفكري . (القابض على الجمر – من مذكرات ويوميات الشهيد قاسم عبد الأمير عجام – (1945-2004)- دار الشؤون الثقافية- بغداد- 2009).

في ختام يوميات يوم 3/8/1986، يتساءل قاسم:

(أيّة حياة تمضي بالعراقي أو يمضي بها؟ لعلها ستبقى وإلى أمد بعيد أحد الأسئلة التي ستتعب كثيرا من علماء الاجتماع والنفس حين يطلون على سجلنا هذا).

ومن الغرائب أن مذكرات الشهيد قاسم عجام قد كَتبَ رسالةَ توصيةِ نشرها الشهيد (كامل شياع) .. فأية حياة حياة العراقيين هذه؟ وإلى أين تمضي بنا؟ .

 

د. حسين سرمك حسن

.....................

ملاحظة:

نُشرت هذه المقالة في 24 – 3 – 2011 وأ‘يد نشرها الآن في ذكرى استشهاد الناقد والمفكر "قاسم عبد الأمير عجام"

 

محمود محمد عليترجع معرفتي بالأستاذ شوقي جلال إلي منتصف تسعينيات القرن الماضي، عندما كنت أكتب أول كتاب لي بعد حصولي علي درجة الدكتوراه عام 1995، وكان هذا الكتاب بعنوان ” الأصول الشرقية للعلم اليوناني”، وبدأت أجمع المادة للعلمية للكتاب، فوقعت علي كتاب “جورج جيمس” بعنوان ” التراث المسروق: الفلسفة اليونانية فلسفة مصرية مسروقة”، والكتاب ترجمه عن الانجليزية شوقي جلال، وقد أعجبتني مقدمته لترجمة الكتاب، وطلبت من صديقي الدكتور حسن طلب (والذي كان زميلاً لي بقسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة حلوان – قبل أن أنتقل إلي جامعة أسيوط بعد ذلك) الحصول علي رقم تليفون الأستاذ شوقي جلال، وبالفعل اتصلت به وتعرفت عليه، وبدأت علاقتي به حتي الآن فلا أتخلف عن أي مناسبة إلا وأتصل به: إما لأسأل عنه أو أستفسر عن أمر ما في قضايا العلم والثقافة .

كان حديث شوقي جلال ممتعاً ومشوقاً، وكنت منبهراً به ومتيماً بفكره، خاصة بترجماته العلمية الرصينة، كان دائماَ يقول لي أن الترجمة عملية لا تقتصر على النقل اللغوي للجُمل والعبارات ومعاني الكلمات فحسب، بل تمتد لتشمل البعد الثقافي أيضًا، فالمترجم هو كاتب، أي أن عمله هو صَوْغ الأفكار في كلماتٍ موجهةٍ إلى قارئ. والفارق بينه وبين الكاتب الأصيل هو أن الأفكار التي يصوغها ليست أفكاره، بل أفكار سواه، لذا على المترجم قبل أن يشرع في ترجمة النص، عليه أن يراعي جيدًا الأبعاد والبيئة الثقافية التي وُلِد فيها هذا النص، والقارئ المتلقي له، ليُخَاطبه ليس بلغته فحسب، بل بثقافته أيضًا التي قد تشبه ثقافة المترجم، وقد تختلف عنها تمام الاختلاف، وكان يبرز لي كثيراً من الأمثلة، ولعلّ من أبرزها مثلًا، ما ذكره العالم اللغوي البارز “ابن خالويه” أن للأسد في اللغة العربية زهاء الخمسمائة اسمًا، في حين أنه يترجم في الإنجليزية باسم واحد وهو Lion.

والأستاذ شوقي جلال من مواليد منطقة الإمام الشافعي بالقاهرة (بجمهورية مصر العربية)، حيث ولد في 30 أكتوبر 1931 في أسرة مصرية ممتدة من 17 أخ وأخت غيب الموت منهم خمسة، تمتع والده وكان عامل فني بسلاح المهمات بالجيش المصري، وصاحب ورشة في حي الخليفة، بأفق واسع وشغف بالقراءة والعلم والموسيقي ملأ بهم أركان بيته .. وعقل صغيره شوقي. ضم البيت كتب ومجلات مصرية ذخرت بما لذا وطاب من الأفكار والرؤي، واحتضنت حجرات البيت أصدقاء الأب من مسلمين، ومسيحيين، ويهود يجمعهم الود والمحبة في محيط عائلي مصري لم يعرف التعصب الديني.

لقد عرف شوقي جلال من والده قيم التسامح والمحبة والتلاقح الإنساني مع الآخر، حيث عاش أبوه مبادئ وقيم ثورة 1919 ؛ حيث كان أبوه يعيش نتاج الثورة الوطنية التي عاشتها مصر ابتداء من رفاعة الطهطاوي؛ حيث يقول عن نفسه:" ثم بعد ذلك تمكنت في العشرينات وكنا لا نجد أي حساسية بينا وبين الأقباط، أو اليهود الذين يعشون بيننا في تلك الحقبة".

وفتحت حوارات الأب مع الصغير شبابيك التفكير والتساؤل، فكان جلال الأب أول من ذكر لشوقي كلمة التطور واسم داروين، وفي بساطة مفردات الصغير، استمع شوقي جلال لحديث أبيه وأصدقاءه حول السياسة في مصر والعالم وإن غاب عنه مفهوم الاشتغال بها.

وفي المرحلة الثانوية حلت رحابة عوالم الكتب محل حوارات الأب والصغير فبحثت عينا شوقي الشاب عن مرفأها في كل الاتجاهات: القرآن والعهدين الجديد والقديم والرد علي الدهريين ورسالة التوحيد لمحمد عبده، وفكر ومنهج الأفغاني، والشعر الصوفي، وترجمات للأدب الهندي وسادهانا طاغور، وأحاطت به وجيله مجلات: الرسالة، والثقافة، والكاتب، والمقتطف، والفصول، والبعبوكة.

ومع عودة أعضاء حزب الوفد للحكم خرج شوقي جلال بعد عامين من السجن، إذ أضحي يحدوه الأمل في الالتحاق بالجامعة، وبالفعل التحق بها عام 1951 -1952، حيث التحق بكلية الآداب – قسم الفلسفة وعلم النفس، بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن)، وفي هذا القسم مارس الطالب شوقي جلال حياة الفكر الحر؛ فقرأ عن البوذية وبوذا واستهوته النيرفانا والتوحد مع الكون، ونهل من كونفوشيوس وعقلانيته، ورأي في نظرية التطور منهجاً في التفكير، وفي الماركسية إطاراً خاصاً لتفسير ظواهر الحياة الاجتماعية وفتح له الفيلسوف الهندي رادا كراشنان وفلسفات الغرب ” أبواب العبادة جميعها علي مصراعيها.

وبدأ حلم الكتابة الذي داعب مخيلته يترائي له جلياً، وفي 1953 نشر أول كتاباته عن مذكرات تشارلز داروين في سلسلة " كتابي" التي يصدرها حلمي مراد، وفي عام 1954 لاح شبح الإخوان المسلمين مرة أخري، وتم القبض مرة أخري علي شوقي جلال في سجن العامرية بضعة شهور تبعتهم سنتان بالسجن الحربي. وفي السجن أعجب شوقي جلال بالراحل المناضل الشيوعي صلاح حسين كفاحه في كمشيش . وحفرت زياراته لكمشيش بعد الخروج هيروغليفية " الذهب الخالص": " الإنسان المصري الصلب المتسامح الواعي "، وبعد التخرج من الجامعة في 1956 عمل شوقي مدرساً للفلسفة وعلم النفس في معهد المعلمين بشبين الكوم، وبدأت رحلة دراساته العليا بالسنة التحضيرية في جامعة القاهرة في حضرة أساتذة، مثل زكي نجيب محمود ويوسف مراد.

بعد تجارب شوقي جلال المتنوعة في الحياة سلك منهج التنوير سبيلاً لمجتمعه ظناناً منه أن هذا النهج سيخرج مصر من أزماتها المتلاحقة، وهناك مقاله لسمير مرقص (نشرت بجريدة المصري اليوم في يوم الثلاثاء- 25- 7- 2017) وكان عنوانها شوقي جلال: المثقف الموسوعي، حيث يشبه الأستاذ شوقي جلال بالتنويريين الفرنسيين، واسمحوا لي أقتطف جزءً منها حيث يقول سمير مرقص إن: المثقف الموسوعي هو الوصف الذى يمكن أن نطلقه على مبدع مصري معاصر هو الأستاذ شوقي جلال . والموسوعية (الإنسيكلوبيدية) هى تعبير أطلق على جماعة من المثقفين الفرنسيين من: فلاسفة وعلماء القرن الـ 18 الذين انكبوا على وضع مرجع علمي شامل في مختلف العلوم والفنون والآداب. وكان هدفهم من وضع هذه الموسوعة- بحسب لويس عوض- "هو إشاعة التنوير بوجه عام وتصفية معارف معاصريهم من الخزعبلات…، وتدريب الناس على المنهج العلمي والعقلي في التفكير والمعرفة". وكان نجمها البارز "ديدرو" (1713- 1784).

ويستطرد مرقص فيقول:" ديدرو وموسوعته، هو ما ألح علىّ عندما نويت أن أكتب عن " شوقي جلال"، فالمراجع لحصيلة كتاباته المؤلفة والمترجمة، ما يقرب من 25 عملاً مؤلفاً و50 ترجمة، سوف يلحظ كيف تعددت وتنوعت اجتهادات شوقي جلال؛ كذلك مواكبته لجديد أفكار الحقول المعرفية المختلفة: الفلسفة، والحضارة، والتنمية، والسياسة، والفكر وفلسفته وقضاياه المعاصرة، والثقافة، العلم فلسفته وتاريخه وثوراته، الجغرافيا السياسية، وعلم الاجتماع، والمستقبليات، والعولمة،… إلخ. ما يؤهله للفوز بلقب “المثقف الموسوعي”، أخذاً في الاعتبار أن ما أنجزه كان من المفترض أن تقوم به مؤسسات في إطار جماعي، إلا أنه تصدى وحده بوعى تام لبناء صرح معرفي: تأليفا وترجمة، لكى ينهل منها العقل المصري والعربي في شتى المجالات…أي أنه سار بأمانة على درب جدنا “الطهطاوي” رائد النهضة المصرية الحديثة.

وهنا نسأل لماذا الكاتب سمير مرقص شبه شوقي جلال بالتنويريين الفرنسيين وليس بالتنويرين العرب ؟

وهذا السؤال سألته للأستاذ شوقي جلال فقال:” اعتقد أنه ربما التنوع في الموضوعات التي تناولها شوقي جلال، وأن في تربيته الثقافية وفي تثقيفه النفسي كان شوقي يشبه التنويريين الفرنسيين، علاوة علي كتبه الذي أصدرها سواء (في ترجمات أو مؤلفات) تستهدف هذه الرؤية التنويرية للمجتمع “

كما لوحظ في كتابات شوقي جلال تخلف الأمة العربية، وهنا سألته ما السبب في ذلك فقال: الأمم والمجتمعات، إما أنها أمم ثباتيه (أي علي وجه فُعاليه – أي مرض) أو ديناميكية ( أي متغيرة)، وهناك ثقافتان في العالم، ثقافة الوضع وثقافة الموقف، ثقافة الوضع راضية برصيدها الموروث – أي تقف علي قارعة الطريق، بينما الحياة تمضي بجوارها وتردد إلا ما كان لتقول بهوامش وحواشي ولكن كما هي، وأما ثقافة الموقف فهي إرادة وإنجاز ومشروع مستقبلي وتتغير وتجد في عملي غذاء فكري لها . أما نحن فثقافتنا ثقافة كلمة وليست ثقافة فعل، ثقافة ورث وليت ثقافة تغيير.

وسألته ذات مرة عن الدولة المدنية ماذا تقول فيها، فأجابني قائلاً: الدولة المدنية كما عرفتها في كتابي المتجمع المدني وثقافة الإصلاح أن مصر قبل 1952 كان بها مجتمع جنين لمجتمع مدني بدأ في العصر الحديث، ومصر غابت قرون طويلة لم يكن لها اسم ولا هوية بحيث أنك تسأل الإنسان الذي ولد هنا (في مصر) أنت من أي جنس، يقول لك أنا عثمانلي مثلاً ونسي الجميع مصر؛ وهنا بدأت مصر لأول مرة يعود لها اسمها علي لسان رفاعة رافعة الطهطاوي، وبدأ المصري يكون له وجود حين اضطر "محمد علي"، أن يأخذ جنود من الفلاحين المصريين لأنه لا يأمن للماليك ولغيرهم، ومن هنا خرج أحمد عرابي أيضا، وبالتالي كان الأمل أن نبني مصر من جديد، وأول شخص أعاد هيبة مصر كان من خلال رفاعه الطهطاوي، حيث حدثنا حديث الإنسان التنويري عن مؤسسات الدول الأخرى في فرنسا، وكيف يحكمون، وكيف يعلمون، وعن دور المرأة، وبالتالي كانت حركة النهضة في مصر علي مرتين، ثم انزوت، ثم انكسرت، ثم بدأت في أوائل القرن العشرين وإلي جاءت ثورة 1952 والمجتمع المدني هو المجتمع المستقل ذاتيا والمؤمن بحق العدل والمساواة.

وأما في مجال الترجمة، فقد كان شوقي جلال يتميز بالترجمات العلمية ذات البعد الأكاديمي العلمي الصرف، وكان يمثل بحق رحلة عطاء فهو المترجم والناقد والأكاديمي، وهو نموذج فريد من نماذج إشباع المثقف، استطاع الجمع بين أمرين مطلوبين لمن أراد أن يكون رائدا في الثقافة، وهما الأكاديمية والإبداع. وفي علوم العربية كان عالماً متمرساً في أسرارها يعلمها علم أهلها، وذلك هو الشرط الأساسي ليولد من بين أحضان الثقافة الخاصة ثقافة عامة.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة وهي حصول المترجم شوقي جلال على جائزة “رفاعة الطهطاوي” للترجمة هذا العام، عن ترجمته لكتاب “موجات جديدة في فلسفة التكنولوجيا” والصادر عام 2018 عن المركز القومي للترجمة، الكتاب من تأليف جان كيربرج أولسن؛ والكتاب يعول علي أن وجود التكنولوجيا وتطورها رهن وجود الإنسان والمجتمع المبدع على مبدأ التاريخ . وإبداع التكنولوجيا هو الذى يحقق مجتمعا قادراً على البقاء والاستمرار . فاليد الصانعة التى تطورت بفعل العمل الاجتماعي هي التي صاغت بفعلها مخ الانسان وثقافته ولغته، وصاغت المجتمع. لذا يمكن القول إن التكنولوجيا هي التي صاغت هوية الإنسان، وتطورت هذه الهوية مع تطور التكنولوجيا، وتطور دورها في صياغة طابع الحياة مع اختلاف العصور ذلك أن الإنسان / المجتمع كما يوضح الكتاب ليس فقط كياناً عاقلاً / مفكراً بل كيان صانع. وتمثل فلسفة التكنولوجيا وافداً جديداً نسبياً فى مجال الفلسفة . بدأت إرهاصتها في أواخر القرن التاسع عشر وتطورت مع تطور عصر الصناعة والمعلوماتية . كما يعرض الكتاب " موجات جديدة" بقلم جيل جديد هو الجيل الثالث من فلاسفة التكنولوجيا المعاصرين . ويكشف عما تنطوي عليه التكنولوجيا أبدأً من نعمة ونقمة، من نفع وخطر، وإذا كانت تمثل على مدى التاريخ وعداً بتعزيز مطرد للبشرية، إلا إنها فى الوقت نفسه نذير دمار وفناء.

وكان شوقي جلال قد نال من قبل جائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، حيث كان قد ترجم العديد من الكتب العلمية والفلسفية إلى اللغة العربية، ومنها نذكر على سبيل المثال لا الحصر: الشرق يصعد ثانية لأندريه جوندر فرانك، وتشكيل العقل الحديث لكرين رينتون، وبنية الثورات العلمية لتوماس كون، بعيدا عن اليسار واليمين: مستقبل السياسات الراديكالية لأنتونى جيدنز، والتنمية حرية: مؤسسات حرة وإنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر لأمارتيا سِن، أفريقيا فى عصر التحول الاجتماعي، والعالم بعد مائتى عام، ولماذا ينفرد الإنسان بالثقافة، والتراث المسروق: الفلسفة اليونانية فلسفة مصرية مسروقة، والصدام داخل الحضارات: التفاهم بشأن الصراعات الثقافية، والآلة قوة وسلطة: التكنولوجيا والإنسان منذ القرن 17 حتى الوقت الحاضر لبوكانان، والتنين الأكبر: الصين فى القرن الـ21، والفيل والتنين: صعود الهند والصين ودلالة ذلك لنا جميعا، وكامى وسارتر، ولماذا العلم، وتاريخ العلم: 1543- 2001 لجون جريبين، والانتخاب الثقافي، الثقافات وقيم التقدم لهانتينجتون، بافلوف وفرويد،… إلخ…

تحية طيبة لأستاذنا شوقي جلال الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وفي تلك الكتابات المترجمة كان الأستاذ شوقي جلال يؤكد لي علي حقيقة مهمة، وهي أن الترجمة العلمية تعد في جوهرها عملية مقاربة ومقابلة بين أساليب لغوية مختلفة قد تتشابه أحيانا، ولكنّها تختلف في معظم الأحيان. وفي كل الأحوال، تتضمّن تفاعلاً فيما بين اللغات يتولد عنه إبداعاً جديداً بلغة امتطت لغة أخرى، واتخذتها أداة للاجتهاد ووسيلة للابتكار وللترجمة انعكاسات فكرية وسلوكية كبيرة على ممارسها قبل متلقّيها؛ فاللّغة المضافة، أو الثانية بالنسبة للمترجم، تخصّب أفكاره وسلوكه، وتمنحه الشعور باتساع الأفق والحريّة في التفكير؛ وبمعنى آخر فهي توسّع نطاق ممارسة الحريّة الإنسانية والسيكولوجية. كما أنّ اللّغة المضافة تشغل قدراً كبيراً من طاقة المترجم الذهنية والعقلية؛ إلى جانب التبديل الذهني وممارسة ذاتين في آن واحد، وما يترتّب عن ذلك من بلورة وصقل لشخصيته التي ما هي إلاّ مجموع أفكاره وثقافته وعاداته المؤثرة على صياغة أحاسيسه. ومن خلال ممارستي للترجمة العلمية، وبعيداً عن الإلمام بنظريات الترجمة ومدارسها والنماذج الموضوعة لها من قبل أهل الاختصاصي، ارتأيت أن أضع أمام المهتمين بالموضوع بعضا من تصوّراتي وأحكامي حول هذه الممارسة، والتي تبقى نسبية ومفتوحة على النقاش والتقويم والإسداء من المتضلّعين في الميدان. كما أعتبر هذه المساهمة المتواضعة محاولة لإثراء موضوع شائك كالترجمة، وبشكل خاص في المجال العلمي.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ شوقي جلال لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

كاظم شمهودكان للمسلمين السبق في ميدان الرحلات والاكتشافات الجغرافية والعلمية في العصور الوسطى. وكانوا متفوقين على غيرهم بعدة قرون ثم بدأوا يؤلفون ويؤرخون في تقويم البلدان ويصنفون اجزاء امبراطوريتهم وما جاورها من الاقاليم . وكان المؤرخون العرب هم في الحقيقة رحالة مثل المسعودي واليعقوبي والمقدسي، البيروني، ياقوت الحموي، الادريسي، ابن حوقل، ابن فضلان، ابن وهب القرشي، ابن بطوطة، ابن جبير الاندلسي وغيرهم .. . وقد ذكر بعض هؤلاء بان كتبهم ومذكراتهم قد نهبت وسرقت اثناء رحلاتهم من قبل الهنود في الشرق الاقصى والصليبيين في بلاد الشام. وكان امتداد الامبراطورية الاسلامية من الصين الى بلاد الاندلس شجع على الاسفار والرحلات على طول وعرض الامبراطورية والتي لولاها لما كان لنا ان نعرف اليوم شيئا عن ثقافات وتقاليد وعادات وعمران تلك الامم السابقة .

901 شمهود 1

من طرائف الرحالة:

يذكر بان ابن فضلان كان في رحلة عام 961 م الى بلاد البلغار والتي تقع جنوب روسيا في مهمة دينية فوجد من عادات الناس المسلمين هناك ان يضعوا على رؤسهم القلانس وعند التحية يرفعها ويضعها تحت ابطه مع انحناء الرأس احتراما، وهذه العادة عبرت الى اوربا في القرون اللاحقة .. كما ان من الاشياء التي اتعبت ابن فضلان في النصح والارشاد هي ان الرجال والنساء كانوا ينزلون الى النهر عراة فيغتسلون ولا يستر بعضهم من بعض ( ...؟) وقد كتب المؤرخ المستشرق الروسي فلادمير مينورسكي بان ابن فضلان كان دقيق الملاحظة والوصف حيث وصف حفل دفن زعيم روسي وصفا دقيقا حتى جاء احد الرسامين في القرن العشرين ورسم صورة لهذا المشهد اعتمادا على وصف ابن فضلان، واليوم الصورة تزين المتحف التاريخي في موسكو .. وكان معظم المؤرخين المسلمين قد اعتمدوا على مذكرات ابن فضلان مثل المؤرخ المسعودي .

901 شمهود 2

ومن الرحالة ايضا ابن وهب القرشي الذي انطلق من البصرة عام 256 هجرية / 870 ميلادية متجها الى الصين، وساح في بلاد الهند ثم دخل الاراضي الصينية وطلب مقابلة الامبراطور فسمح له بعد انتظار طويل، وعندما التقى بالامبراطور رحب به ودار حوار بينهما ثم عرض عليه الامبراطور بعض الصور لعدد من الانبياء مثل نوح في السفينة وموسى وبني اسرائيل وعيسى على حماره والحواريون معه .. ثم عرض عليه صورة تمثل محمد على جمل واصحابه محدقون به وقال له هذا صاحبك .. وتعتبر هذه الصورة من اقدم الصور الشخصية للنبي محمد –ص- ان لم تكن الاولى في تاريخ الفن الاسلامي، ثم جاء بعد ذلك الفنانون الايرانيون بعدة قرون ورسموا صور شخصية خيالية للنبي والائمة وبعض الصحابة خاصة في زمن الدولة الصفوية في بداية القرن السادس عشر ..

ويذكر ان رحلات المسلمين اقبل عليها المستشرقون الاوربيون بتشوق واعجاب كبير في القرن التاسع عشر ودرسوها ثم ترجموها الى اللغات الاوربية ثم طبعوها مثل رحلات ابن وهب القرشي التي طبعت عام 1811 على يد المستشرق الانكليزي لانجلس LANGLOS ، واعتبرها الدكتور حسين فوزي بانها من اهم الآثار العربية في ادب الرحلات الى الشرق الاقصى .. كما ترجمت وطبعت رحلات ابن دلف عام 1845 بعناية المستشرق فون شاوزر واتصفت بالايجاز والدقة في التدوين .

901 شمهود 3

ونتيجة لطول السفر والتعب والمخاطرة يبقى الرحالة سنوات بعيدين عن الاهل والاوطان مما يظطرهم الى الزواج، فذكر بان ابن بطوطة في رحلته تزوج في مصر مرتين وفي جزر الملديف اربع مرات، كما ذكر ابن بطوطة بان الرحالة يتزوجون ويخلفون اولادا ثم يرحلون عنهم اما الزوجات فلا يخرجن من بلداهن ولو اعطيت لهن ملك الدنيا ..

ومن الطرائف الاخرى ما دونه الرحالة سليمان السيرافي في حوالي 237 هجرية / 851 م حيث بدأ رحلته من البصرة في احد السفن التجارية المتجهة الى الشرق الاقصى، وقد اعتبرها المؤرخون من اول الرحلات الاسلامية الى الصين فاهتموا بها كثيرا لما فيها من غرابة ووصف لتلك الشعوب البعيدة ..، وقد وجد في احد الجزائر في المحيط الهندي بانه اذا اراد احد منهم الزواج لم يتزوج الا بقحف رأس رجل من اعدائهم فاذا قتل اثنين تزوج اثنين واذا قتل خمسين زوج خمسين امرأة ..؟ 

اما الرحالة الاندلسي الكبير فهو ابن جبير فقد قام بثلاثة رحلات الى الشرق حيث كتب مذكراته تحت عنوان – تذكرة بالاخبار عن اتفاق الاسفار – وقد طبعت بعد ذلك ونشرت على يد المستشرق الانكليزي رايت عام 1852 –W-Wright - وكانت رحلته الاولى قد بدات عام 1183 م . وقد مر ابن جبير على بغداد ووصف اهلها وصفا قاسيا ( ان هذه المدينة العتيقة وان لم تزل حاضرة الخلافة العباسية قد ذهب اكثر رسمها ولم يبقى فيها الا شهر اسمها، اما اهلها فلا تكاد تلقي منهم الا من يتصنع بالتواضع رياء، ويذهب بنفسه عجبا وكبرياء ...)

 وفي رحلته الثالثة الى الشرق كانت عام 614 هجرية / 1217 . ويذكر ان سبب هذه الرحلة وجده وآلامه على زوجته عاتكة التي توفت في تلك السنة والتي نظم فيها ديوانه (نتيجة وجد الجوانح في تأبين القرين الصالح)، ثم استقر في الاسكندرية في مصر وهناك توفى عام 1217 .

 

د. كاظم شمهود

 

عبد الاله الياسريأذكر أنّي ــ حين تأهّلت، وأنا تلميذ في (إعداديّة النجف) ، لتمثيل مدرستي، في المباراة الشعريّة لثانويات المحافظة، عام ثمانية وستين وتسع مائة والف للميلاد ــ عرضتُ قصيدة لي، بعنوان (الجراح تتكلّم) ، على استاذي (زهير غازي زاهد) مدرّس اللغة العربيّة يومذاك، لأشارك بها في تلك المباراة الشعريّة؛ فاستحسنها ، ثمّ اقترح عليّ أن أعرضها على الخطيب الشاعر الشيخ (عبدالصاحب البرقعاويّ) ، استئناساً بخبرته الخطابيّة والشعريّة، في أمسية أدبيّة خاصّة، تكون في دار قريبه الأديب (توفيق زاهد) صاحب (مكتبة زاهد ــ لبيع القرطاسيّة وتجليد الكتب) في (شارع الخورنق) بمدينة (النجف) .

سرّني اقتراح استاذي رغبة في التعرّف الى الشيخ الخطيب الشاعرأوّلاً، وفي الإفادة من خبرته في الخطابة والشعر ثانياً.  ومن بعد يومين أو ثلاثة، تلاقينا مجتمعين في الدار المذكورة آنفاً، ولم يكن حاضرو الإجتماع الا بضعة أشخاص.  وما ان فرغنا من شربنا الشاي، حتّى تعجّل الشيخ الأمرَ، وخاطبني بحزم مهني: (إقرأ قصيدتك على ظهر قلب الآن، كما لو كنتَ أنت واقفاً على خشبة المسرح، ونحن الجمهور الجالس أمامك في قاعة الحفل) .  بدأت أقرأ مطلع القصيدة، فإذا هو منصرف عنّي كلّ الإنصراف.  يتحدّث إلى صاحب الدار، ثم نهض فجأة، وقاطعني بقوله: (ماينبغي للشاعر أن ينشد شعره والجمهور مشغول عنه بالكلام!. ) قلت: (وما عساني أن أفعل، إذا كان المتكلّم هو الشيخ وصاحب الدار؟) قال: (حتّى لو كانا والديك، فلا تتردّد في أنْ تنهرهما بطريقة ما لتسكتهما، كقولك لهما مثلاً: أأسكت فتتكلّما أم أتكلّم فتسكتا؟ إنّك بازاء فنّ الخطابة لا أدب السلوك.  إيّاك إياّك أن تقرأ مطلع قصيدتك من دون أن تتاكّد من صمت الجمهور وإصغائه إليك) .

كان درساً قاسياً. قبلته كالدواء المرّ، لكنّه كان مفيداً فعلاً. ثم شرعت أنشد الأبيات بيتاً فبيتاً حتّى بلغت بالإنشاد البيت التالي: (فياسمائي أحيلي الشمس عاصفةً ــ تطوي الغزاة تدقّ الرأس والذنبا)؛ فألقَى الشيخ عباءته جانباً، وشمّر عن ساعديه، وهو يخاطبني منفعلاً : (مالك حييّاً بارداً؟ ماهكذا يكون إنشاد العاصفة السماويّة التي تريد أن تدقّ بها الطغاة دقاً؟) ثمّ طفق ينشد البيت وهو في أشدّ حالة من الحماس الخطابيّ؛ ليريني بالصوت وبالإشارة القوّة التعبيريّة التي تصير بها الشمس الجميلة عاصفة مدمّرة بين يدي الشاعر. حاكيته، في طريقة إنشاده الأبيات التي أظهر أهميّتها في القصيدة، سامعاً وطائعاً. ومضت المشاهد المسرحيّة تتكرّر وتعاد بيننا، حتّى تيقَّن كلَّ التيقّن أنّي قد أتقنتُ الدورالذي يجب أن يكون عليه المثال الأعلى لمنشد الشعر الحماسيّ؛ فابتسم حينئذ رضىً وغبطةً، ودخّن سيجارة متنفساً الصعداء. أشهد أنّه كان مُخرِجاً مسرحيّاً مبدعاً وممثلاً مدهشاً. لم تُتح لموهبته الفنيّة فرصة الظهور، في مدينة كالنجف وبلد كالعراق. وأشهد أنّي أخذت منه أصول الخطابة في الشعر ومبادئها. وله الفضل كلّ الفضل، في غلبة قصيدتي قصائدَ ثانويّات المحافظة (كربلاء) فوزاً بالجائزة الأُولى، في تلك السنة المنصرمة ــ كانت (النجف) قضاء تابعا لـ (كربلاء) وقتذاك ــ وله الفضل كذلك، في تطوير إنشادي الشعرَ في المهرجانات الشعريّة الجامعيّة، وغير الجامعيّة من بعد. ولعلّ اعترافي الدائم، بهذا الفضل، هو الذي جعل صاحب كتاب (مستدرك شعراء الغريّ) يقول عنّي: (نظمَ الشعر وتمرّسَ به على الشيخ عبد الصاحب البرقعاويّ) ، ثم نسخَ قولَه نصّاً صاحب كتاب (معجم الأدباء من العصر الجاهليّ حتى2002م) دون تحقيق ولا تدقيق. إنّي لا أستنكف من أن يكون كمثله معلّمي في الشعر؛ لكنّ علاقتي به على المستوى الشعريّ ــ والحقّ يقال ــ لم تكن علاقة مُتعلِّم بمُعلِّم.                       

 نعم. قد وثّقت علاقتي فيه، بعد حكاية تلك القصيدة وفوزها، توثيق مُتأثِّر بمُؤثِّر لا مُتعلِّم بمُعلِّم؛ إذ أمسيت أقصد إلى (مكتبة زاهد) عشاءً بين حين وآخرــ حيث هو يجلس هناك بعد صلاة المغرب ــ لأقرأ عليه مااستجدّ من شعري مستنيراً بقبساته النقديّة المفيدة؛ كما انّي كنت أرى ثُلّة من الشعراء الشباب، يقصدون إلى المكتبة مثلي، طامعين في لقائه ونقده الشعريّ طمع الطيور في شجرة وارفة الظلّ، في ساعة قائظة؛ حتّى صارت (مكتبة زاهد) وكراً شعريّاً لنا، نتلاقى عنده إلى حين. كانت تلك المكتبة التي سميتها"وكراً" فارغة من القرطاسيّة، او كالفارغة منها. لا تكاد تعرف رفوفها المقفرة تجاريّاً غير الشعر وأهله، وغير سجالات أنصار الجديد وأنصار القديم، من شيوخ الشعر وأساتذته الذين كثيراً ما كانوا يعرّجون عليها، كلّما مرّوا في (شارع الخورنق) قادمين من منتديينِ للشعر يجاورانها. هما مقهى (ابو المسامير) و (الرابطة الادبيّة) . وكان ذلك الشيخ البرقعاوي المعمّم الملتحي يضفي حضوره على قفرها التجاريّ بهاء علمياً وأدبيّاً يوم كانت الناس تظنّ رجالَ الدين هم العلماء والأدباء في تلك المدينة لاغيرهم. وكلّما نظرت إليه نظرةَ رويّةٍ واناة,ألفيت الناس محقّين فيما يظنّون، وصدّقت ظنّهم. فهو زاهد زهادة شيخ صوفيّ. لايكاد يتكلّم حتّى يفكّر ملياًّ. وكثيراً ما كانت عيناه تسبقان لسانه بالنطق، ولا تزوغان يميناً او شمالاً إلا إذا اضطُرّتا الى الزوغ. تشعّان دهاء وإقداماً وقوّة. وكم من مرّة استنبطت ماتقولان قبل ان تفوه بحرف شفتاه.

أسمعته ذات مساء قصيدة من قصائدي الغزليّة. ولمّا وصلت بالقراءة الى كلمة (إصبع) في البيت التالي:

 (وأرى الزمان أقام سدّاً بيننا / والبعد مابيني وبينكِ إصبعُ)

أغرقت عيناه في الضحك قبل سنّه، وقال لي مُقاطِعاً ممازحاً: (إِستبدل كلمة (إصبع) بـكلمة (أذرُع) فوراً، قبل ان تسمع محبوبتك بهذا البعد الدالّ على العجز الجنسيّ، فتستبدلك برجل آخر) . ما كان أحسن فطنته النقديّة! وما كان أقبح غفلتي الشعريّة!. كان ناقداً ذكيّاً دقيقاً حقّاً. لايكاد يخطئ مرماه النقديّ اذا رمى. وكان عميقاً أيضاً. يُؤثر التلميح مُوجِزاً على التصريح مُطنِباً. وجدته يوماً يخبر صاحبه الأديب (توفيق زاهد) أنّ سجّانيه سألوه قصيدة مدح لهم؛ فردّهم بقوله: (كيف تسألون بلبلاً أن يغرّد لكم، وانتم واضعوه في قفص؟) . ولا أشكّ في أنّ سجّانيه هم (الحرس القوميّ) الذين أغرقوا العراق بدماء أهله ودموعهم ، سنة ثلاث وستين وتسعمائة والف للميلاد.. وكان واسع الصدر. يذكّرني حِلمه بقول المتنبي:

 (شيم الليالي أنْ تشكّك ناقتي / صدري بها أفضى ام البيداء؟)

في صدره مكمن أسرار خفيّة. وتزاحم أخبار قصيّة. لاتعرف منها إلا ما بدا وظهرمصادفة. أَسمعني ذات مرّة مطلع قصيدة له:

 (لئن شنقتكَ أشرار الطغاةِ / فحبل الشنق ينبض بالحياةِ)

قرأه ثم استدركه بالإعراض عنه ساكتاً.  كأنّه قد سها عنه,في ساعة من غفلة الرقيب الذاتيّ,فانزلق إلى شفته لاشعورياًّ؛ ولمّا انتبه إلى سهوته، استعان عليها بالسكوت شعوريّاً. أغراني جمال المطلع الثوريّ بأن أسمع ما تليه من أبيات؛ لكنّه كتمني إيّاها، وأبى ان يجهر بالقصيدة.  وأحسبها مقولة في الخمسينيّات في رثاء (فهد) سكرتير الحزب الشيوعيّ العراقيّ . لعلّه تذكّر مانسي من ضريبة الشعر الوطنيّ ــ السياسيّ في العراق، فأحسّ بما يوجب التزام السكوت في مثل هذا الموقف، فسكت محترزاً. ولعلّه..  كم كنت أتمنّى لو أسمعني تلك القصيدة. لكنْ هيهات من رجل دين مثله أن يُسمع شابّاً مثلي إياها، وهيهات من صوت وطنيّ مغلوب أن يتحدّى صوتاً دينيّاًّ غالباً بفتواه (الشيوعيّة كفر وإلحاد) التي دوّت في أرض العراق تلويحاً بالسجن والتعذيب والقتل والإعدام . لم يكن احترازه ليَفجأَني. لقد علمته وغيري من مريديه شيخاً محترزاً فيما يقول عن الشيوعيّة ، على العكس من نظيره الشاعر الأستاذ (مرتضى فرج الله) الذي كان يجاهر محدّثيه بشيوعيته، غير مبال بردود الأفعال ولا بالنتائج . ولربَّما أسف شيخنا على تجربة سياسيّة أَنقضت ظهره أشدّ الأسف؛ فطوى صحائف ذكرها يائساً مُختصِراً معناها,في بيت من الشعرله، طالما ردّده تأسّفاً:

 (إنَّ شعباً تذيب روحك فيه / يتلقّاك في شعور بليدِ) .

ومهما يَطوِ حقيقته أو يُخفِها تحفّظاً أو تواضعاً، فإنّ شهرته الشعريّة بين الناس اوسع من ان يطويها أو يخفيها تحفّظ او تواضع .  وإنّي لأحسبه شعريّاً

أميل الى التجديد والإبداع منه الى التقليد والإتّباع..  ماأجمل شعره العموديّ! وماأجمل شعره الحرّ أيضاً! بل ماأجمل شعره كلّه! وليت آل بيته ومحبّيه يُعنون بموروثه الشعريّ، فيجمعوه إن لم يكُ مجموعاً؛ ويُعنون، كذلك، بكتابة سيرته التي مافتئت أجهل صيرورتها مذ هجرتي القسريّة من الوطن ــ العراق في أواخر السبعينيّات. وآخر عهدي به أنّه قد أسّس ندوة أدبيّة في مدينة (النجف) ، أسماها (ندوة الأدب المعاصر) .  ومازلت لاأدري حتّى الساعة: كيف كانت عقبى ذلك المشروع الثقافيّ، في وقت، كانت فيه جميع المشروعات الثقافيّة، تحت سيطرة سلطة الدولة القمعيّة ورقابتها؛ وجميع المثقّفين بين موالٍ لها، أو منكفئ لائذ بالصمت عنها. ؟رحم الله الخطيب الشاعر الشيخ عبد الصاحب البرقعاويّ، وطيّب ثراه، وأخلد ذكره.

 

عبدالإله الياسري

........................

*هذا المقال، أَصلاً، هو إجابة عن تساؤل لطالب الماجستير الأستاذ (عبّاس الأنيس) عن الشيخ (عبد الصاحب البرقعاويّ)؛ بعد إعادة صياغتها شكليّاً للنشر.

 

مراسيم فريدة: حين دعته رئاسة الوزراء في فرنسا ليتم تقليده وسام جوقة الشرف الوطنية عام ٢٠١٦، لم يذهب وحده بل أصطحب معه أصدقاءه المعوقين عقلياً الذين كرس الجزء الأكبر من حياته لإخراجهم من سجن المصحات العقلية ليعيشون معه في بيته، ولم يكن أصدقاءه هؤلاء لينبهروا بتلك الأجواء الرسمية الصارمة، ولا ليلتزموا بأي بروتوكول، حتى أنهم كثيراً ما قاطعوا كلمة رئيس الوزراء (مانويل ڤالس)، وسرعان ما طالبوا بأخذ الصور معه، ولم يكن نادراً أثناء عملية التصوير تلك أن يتلقى (مانويل ڤالس) دفعة ما ليتنحى قليلاً ويفسح المجال لأحد أصدقاء. نعم، ربما لم يستقبل قصر (الماتينيون Matignon) وفداً بهذه الخصوصية. لكن ذلك هو ثمن دعوة (جان ڤانييه Jean Vanier) ليحل ضيفاً.

898 جوفه

نبي حرية المجانين

كان مانويل ڤالس وقتها يسعى لأن يترشح للإنتخابات الرئاسية، فما كان على (جان ڤانييه) أن يقول يومها في حفل تقليده الوسام: ( يريد بنو آدم على الدوام سلطة أكثر، مالاً أكثر، دائماً أكثر، أكثر، أكثر… هذا هو أكبر فرق بيننا وبين الطيور).

توفي (جان ڤانييه) قبل أيام، ونشرت مختلف الصحف الفرنسية مقالات عنه، وكانت جريدة اللوموند قد إختارت بدء مقالها عنه بحفل تقليده الوسام ذلك الفريد من نوعه وما جرى فيه من طرائف وحسناً فعلت فذلك أفضل ما يبين لنا عقلية هذا الرجل الفريد الذي قد أطلقت عليه الجريدة وصف (نبي حرية المجانين) في عنوان المقالة. 

نجده دوماً يدعو للتواضع حين يجري تكريمه، فقبل سنة من يوم تقليده الوسام، حين كان حينها يتسلم جائزة (تيمپيلتون Templeton) في بريطانية، قال: (هذا العالم سوف يقوم بتغييره أناس جرى إحتقارهم ونبذهم).

تدرب على البحرية العسكرية اثناء فترة الحرب العالمية الثانية وكان يؤخذ عليه (قلة إحترامه لرؤسائه)، وأعتقد أنه لم يتحمل عنجهيتهم. صار ضابطاً على متن حاملة طائرات كندية، لكنه سرعان ما إستقال وكرس نفسه للصلاة ودراسة الدين والتعرف على رجاله خصوصاً الدومينيكيين منهم.

السفينة

لا عجب بعد ذلك أن نعرف أن (ڤانييه) هذا إختار أن يقيم في قرية في شمال فرنسا منذ عشرات السنين حيث أنشأ مؤسسة (سفينة L’Arche) المدافعة عن المعوقين، وحيث يؤوي معه معاقين عقلياً هناك. يرجع إهتمام (ڤانييه) بالمعاقين إلى بدء إلتزامه بالعمل مع الكنيسة، لكن سنين الستينات تحديداً هي التي جعلته يهتم بشكل خاص بالمعاقين عقلياً. فقد دعي يوماً ما للمشاركة في فعالية (إشراف على إرشاد روحي) لمعاقين عقلياً، ومن ذلك اليوم تنامى إهتمامه بهذه الشريحة.

 

 إلا أن حقيقة كونه يعيش في قرية لم يعني أن يغفله الإعلام فقد كان مشهوراً ويشار إليه بين فترة وأخرى، حتى أنهم أطلقوا على كويكب كان يشار إليه سابقاً برقم (٨٦٠٤)، إسم (ڤانييه) منذ عام ٢٠١٠ تكريماً له.

تشمل اليوم مؤسسة (سفينة نوح) ١٤٧ فرعاً، ٣٢ منها فقط في فرنسا أما البقية فتنتشر في كل قارات العالم وتعرف على أنها مؤسسة (طبية-إجتماعية).

والحديث عن تجربة ڤانييه يطول لكن لنذكر أول ليلة قضاها في تجربته في (السفينة)، فقد أعترفت الدولة بمؤسسته وقررت منح تخصيص مالي بسيط لكل معاق يسكن معه في ذلك البيت الذي كان يحتوي على أبسط الأثاث، ولم يكن في البدء مزوداً بالكهرباء، فإستقبل ثلاث معاقين عقلياً كانوا في ثلاثتهم بكماً، وكان الإتفاق أن يبقون معه لمدة شهر، يقررون بعده إن كانوا سيستمرون في العيش معه أم الرجوع إلى حيث كانوا، وفي الليلة الأولى تلك هاج أحد المعاقين ولم يستطع النوم وخرج إلى خارج السكن مزمجراً، ولم يستطع ڤانييه التواصل معه فصار القرار أن يعيدوه إلى مكانه الأول، فبقي معه إثنان شاركوه في حياته اليومية، من مأكل وتسوق، وتفسح واهتمام بالحديقة، وصلاة. فبقوا معه وصاروا عائلة واحدة، ورغم ان ڤانييه كان يتوقع أنه لن يستقبل أكثر من أربعة معاقين معاً، إلا أنه حصل وأن عاش معه أكثر من ضعف ذلك العدد.

ڤانييه والعالم العربي

نجد أن رجال الكنيسة في المشرق هم أول تصدوا لترجمة أعمال (ڤانييه) للعربية، ونقرأ في مقدمة أحد الكتب المترجمة، وهو كتاب (مرافقة الآخر) الذي نقله للعربية الأب حبيب هرمز النوفلي، والذي نشر في بغداد عام ٢٠٠٦ وهو من منشورات (الكنيسة الكلدانية في بريطانيا)، نقرأ في تلك المقدمة أن المترجم كان قد إلتقى بـ(ڤانييه) في العراق قبل سبع سنين. عدا تلك الإشارة لزيارته بغداد لم أجد مصدراً آخر في تفاصيل أكثر. نقرأ في المقدمة كذلك أن هناك كتباً آخرى لـ(ڤانييه) قد ترجمت وهي كتاب (اصبح إنسانا Becoming Human) و(باب الرجاء A door of hope) وكلاهما بمشاركة الأب حبيب هرمز النوفلي.

وهناك كتابان مترجمان له نشرتهما دار الشروق في بيروت وهما (ألتقي يسوع يقول لي « أنا أحبك »)، و(لا تخف)، هذا وتذكر الويكيبيديا باللغة الفرنسية ٣٣ عنوان كتاباً من تأليفه مثل (صمتك يناديني Ton silence m’appelle) عام ١٩٧١، (كل شخص هو قصة مقدسة Toute personne et une histoire sacré) عام ١٩٩٤، (الرب يختار الضعف Dieu choisit la faiblesse) عام ١٩٩٨.

هذا ويتيح موقع الكاتب (أديب مصلح) في الإنترنيت تحميل كتابه (جان فانييه وسفينته)، وهو من كتابة (أديب مصلح) ويتكون من ٦٤٦ صفحة نشرته (منشورات المكتبة البولسية) تحت مجموعة (سلسلة النوابغ). ونجد في نفس الكتاب نبذة عن أغلب كتب ڤانييه المذكورة في الويكيبيديا.

نجد كذلك في الإنترنيت صوراً لڤانييه في عاملنا العربي، فله صورة يرقص مع المعاقين في الأردن، وصور في الفايسبوك من زيارته لسوريا عام ١٩٨٣ في افتتاح فرع جمعية (إيمان ونور Foi et Lumiere) في دمشق. ومن البلدان التي استفادت من تلك التجربة هي مصر، حيث أنشأت هناك مؤسسة تشبه مؤسسة (سفينة)، وذلك في المينا تحديداً، ويطلق عليها (أرش المينا).

ڤانييه والإسلام

نقرأ في كتاب (جان ڤانييه وسفينته) أنه حين أفتتح مركز (السفينة) في (بيت عنيا) في فلسطين، كان يشغل الطابق الأرضي والقبو لمبنى يسكن طوابقه العائليا عائلة مسلمة، وكانت أولى معاقة يستقبلها المركز مسلمة أيضاً، فطلب من أب العائلة الساكنة أعلى المركز أن يترأس إفتتاح المركز ذلك وتأدية الصلاة، ونقرأ من الكتاب: (وكانت لحظات حافلة بالوقار، والتواصل، والتوادّ، عندما تلا الفاتحة بصوت خفيض).

وتخبرنا (نايلة طبارة) نائبة رئيس مؤسسة أديان في لبنان ومؤلفة كتاب (الإسلام من وجهة نظر إمرأة) باللغة الفرنسية مع (ماري مالزاك Marie Malzac)، بأنه قال لها مرة بأن رابعة العدوية قد ألهمته الكثير من الأشياء. وتقول (طبارة) بأن زيارتها لـ(السفينة) جعلتها تفكر في موضوع (الضعف) في الإسلام، وتنتبه إلى أن القرآن الكريم يذكر ضعف الإنسان وحدود قدرته.

وفعلاً ما تقوله (طبارة) صحيح، ألم ينبهنا القرآن الكريم إلى أفضلية الضعيف، على سبيل المثال في حادثة الأعمى إبن أم مكتوم في سبب نزول سورة (عبس)، في طلبه للهداية والمعرفة، من كبراء القوم الذي استغنوا وتكبروا؟

الطب النفسي الإجتماعي

وأخيراً لو أردنا تصنيف نشاط (ڤانييه) في ضوء علم الطب النفسي فإننا سنصنفه تحت خانة (طب النفس الإجتماعي Community Psychiatry)، وهو ذلك التخصص الدقيق المهتم في إيجاد حل لمشكلة عيش المعوقين عقلياً في المجتمع. فمن جهة لا يجب تركهم يتكدسون في المستشفيات كالمساجين، ومن جهة أخرى لا يمكن ترك مسؤولية إندماجهم في المجتمع عليهم وحدهم.

رحل الرجل تاركاً وراءه تجربة يمكن أن يستفيد منها من يريد، رحل ولم تقتصر المقالات المنشورة وكلمات التأبين على جهة معينة، فالصحيفة التابعة للكنيسة (لا كروا « الصليب » La Croix)، كما صحف اليسار أشادت بجهوده، وربما لم تبالغ جريدة الـ(لوموند) حين وصفته بأنه نبي.

 

سامي عادل البدري

..........................

المصادر:

1- رابط فيه بعض المعلومات عن أرش المينا في مصر:

http://coptcatholic.net/مرور-50-عاما-على-تأسيس-الأرش-الدولي-الخا/

٢- مقالة نشرت في جريدة (الصليب La Croix)، الناطقة باللغة الفرنسية والتي تكلمت عن ردة فعل (نايلة طبارة) بعد سماعها بخبر وفاة (ڤانييه):

https://www.la-croix.com/Religion/experience-lArche-amenee-penser-fragilite-islam-2019-05-07-1201020113

٣- مقالة (اللوموند Le monde) بعد وفاة (ڤانييه) الذي أعتمد عليه كثيراً في هذه المقالة:

https://www.lemonde.fr/disparitions/article/2019/05/07/mort-de-jean-vanier-fondateur-de-l-arche-prophete-de-la-liberte-des-fous_5459218_3382.html

٤- تحميل كتاب (جان فانييه وسفينته) من موقع الكاتب (أديب مصلح):

http://www.adibmousleh.com/books/jan%20vanyeh%20wa%20safeenatuh.pdf

٥- رابط تحميل كتاب (مرافقة الآخر) من موقع (بطريركية بابل للكلدان):

http://saint-adday.com/books/2013/encountering84yt62.pdf

٦- الرابط حيث نجد صورة ڤانييه يرقص مع المعاقين في الأردن

https://www.abouna.org/holylands/’إيمان-ونور‘-47-سنة-في-العالم-و27-في-الأردن

 

محمود محمد عليهناك رواد تنحسر عنهم أضواء الشهرة من أساتذة الفلسفة الإسلامية؛ وبالأخص في مصر بسرعة لافتة للنظر، مع  أنهم أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس في مجالها، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم، وعلي أن يبدعوا في أكثر من مجال مثل أقرانهم الأكثر شهرة الذين كان عليهم الإسهام في كل مجال من مجالات الفلسفة الإسلامية المختلفة (سواء في علم الكلام أو في التصوف أو الحكماء العرب)، استجابة إلي تحديات الركود الفكري في مجتمعهم ورغبة في الوقت نفسه في الارتقاء بهذا المجتمع من خلال نشر التنوير.

ويعد الأستاذ الدكتور محمد حسيني أبو سعده (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب – جامعة حلوان بجمهورية مصر العربية)، واحداً من رواد الفلسفة الإسلامية الذين انحسرت عنهم أضواء الشهرة ؛ حيث أنه قلما يذكر اسمه في المؤتمرات والمحافل التي تهتم بالفلسفة الإسلامية في مصر وفي العالم العربي، مع العلم بأن هذا الرجل كان واحداً من الأساتذة الجامعيين الذين يقومون بتدريس الفلسفة الإسلامية من وجهة نظر إسلامية خالصة، بعد أن كانت تُدرس من خلال الدرس الإستشراقي الذي ربط الفلسفة الإسلامية بالتراث اليوناني، وأهم من نادوا بالبحث عن أوجه الأصالة والابتكار في الفلسفة الإسلامية، وهو بالإضافة إلي ذلك نموذج للأستاذ الجامعي كما ينبغي أن يكون سواء في التزامه بأداء واجباته الوظيفية الاكاديمية علي أحسن ما يكون الأداء، أو في ارتباطه بطلابه في علاقة إنسانية رفيعة المستوي في هدي من التقاليد الجامعية التي يحرص عليها كل الحرص، إذ هي دستوره في كل معاملاته مع كل من هو في الوسط الجامعي .

كما كان واحداً من كبار الرواد في دراسة الفلسفة الإسلامية في مصر، والعالم العربي الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الإسلامية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

يشهد علي ذلك زملاؤه بكلية الآداب فرع سوهاج جامعة أسيوط (سابقاً) التي شهدت مولده الوظيفي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي (قبل أن ينتقل إلي مثل وظيفته بكلية الآداب– جامعة حلوان)، بل ويشهد علي ذلك طلابه الذين أشرف عليهم وأزعم (ولي الشرف في ذلك) أنني واحداً منهم .

نعم لقد كنا نري في الدكتور أبو سعده نعم الرجل المتوحد الشامخ: سراجاً هادياً، عالياً كالمنار، وارفاً كالظل، زاخراً كالنهر، عميقاً كالبحر، رحباً كالأفق، خصيباً كالوادي، مهيأ كالعلم، لا يرجو ولا يخشي، طاقته لا تنضب، كأن وراءها مدداً يرفدها من سر الخلود .

والدكتور أبو سعده من مواليد 1943 بمحافظة القاهرة – المرج – الخصوص، حيث تم تعيينه مدرساً للفلسفة الإسلامية سنة 1988 بكلية الآداب بسوهاج – جامعة أسيوط (سابقاً)، وترقي لدرجة أستاذ مساعد سنة 1992، ونقل إلي مثل وظيفته إلي كلية الآداب بجامعة حلون سنة 1994، ثم حصل علي درجة الأستاذية سنة 1995، وعين رئيساً لقسم الفلسفة سنة 1996، وأخيراً قد وافته المنية في صيف عام 2003 بسبب مرض انتشر في ظهره .

وللدكتور أبو سعدة كتابات كثيرة في الفلسفة الإسلامية، نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: كتاب "الله والعالم بين الاتجاه المشائي والاتجاه الإشراقي عند مفكري الإسلام : دراسة مقارنة، وكتاب الوجود والخلود في فلسفة أبي البركات البغدادي، وكتاب الآثار السينوية في مذهب الغزالي في النفس الإنسانية، وكتاب الإستشراق والفلسفة الإسلامية، وكتاب المنهج النقدي عند الباقلاني، وكتاب الشهرستاني ومنهجه النقدي دراسة مقارنة مع آراء الفلاسفة والمتكلمين،  وكتاب النفس وخلودها عند فخر الدين الرازي ... الخ.

كانت أول بداية علاقتي بالدكتور أبو سعد سنة 1992، حين أشرف علي رسالتي للدكتوراه، والتي كانت بعنوان " المنطق وعلاقته بالفقه عند الأشاعرة "، حيث كان مشرفاً مشاركاً مع أستاذنا الدكتور عاطف العراقي (رحمة الله عليه)، وكان دخوله علي في الإشراف من خلال الدكتور عاطف العراقي الذي أخبرني أنه سيفيدني كثيراً، وبالفعل ذهبت لمقابلته بمكتبة بقسم الفلسفة بكلية الآداب بسوهاج، حيث كان سيادته آنذاك أستاذاً مساعدا ً للفلسفة الإسلامية، وحين قابلت وتحدثت معه أدركت للمرة الأولي أنني أمام شخصية متميزة لأستاذ أكاديمي، تختلف عن شخصيات كثيرين غيره من الأساتذة، شخصية تتوفر علي سمات ومقومات وأبعاد، تنتزع بذاتها الاحترام وتفرضه، وتستأهل التقدير وتثير الإعجاب، وتغرس في النفوس حبا تخامره رهبة، وأملا يواكبه شعور بالتفائل، وانتماءً بصاحبه شعور بالزهو بالإشراف علي يديه .

كثرت لقاءاتي به خلال إشرافه علي رسالتي للدكتوراه، وهنا اكتشفت بعداً آخر في شخصية الدكتور أبو سعده، حيث كنت أشعر في حضرته دون ثالث لنا بالأب الحاني والأستاذ القدير، الناصح والموجه والمرشد، لا يفرض توجهاً معيناً، ولا يستبد برأي، ولا يلزمني بوجهة نظر خاصة، وإنما يحاور ويناقش ويوجه، ويفتح أمامي أفاقاً جديدة، ويعرض آراءه وافكاره ورؤاه، ثم يترك لي حرية الاختيار .

لقد كان له فوق ذلك ومعه، تواضع وحنو يذهبان عني كل رهبة دون افتقاد الاحترام والهيبة ويشجعاني علي طرح المزيد من الاستفسارات والتساؤلات، مما يطيل الحوار معه، ولم ألحظ منه قط ضيقاً أو امتعاضاً أو مللاً، ولا استعلاء وتكبراً، ولا أسمع منه إلا كلمات التشجيع بما يعزز الأمل عندي ويبعثني علي مضاعفة الجهد وبذل أقصي ما في الوسع عن رضي واقتناع .

ومما جذبني في الدكتور أبو سعده حبه العميق للغة العربية، فقد كان عاشقاً لها، غيوراً عليها، حفياً بها – وقد انعكس ذلك كله علي أسلوبه في كتاباته؛ حيث كان أسلوبه جذلاً، فيه رصانة وطراوة، وإغداق وإثمار، وفيه عذوبة تشد الآذان إليه لسهولته، وإن تكن من نوع السهل الممتنع . فعباراته قصيرة، لكنها واضحة الدلالة؛ وتنتظم في حلقات من سلسلة تشبه جواهر منظومة في عقد، تجسد الفكرة، وتقدمها للمتلقي في سياق يصعب أن تحذف منه كلمة، أو تضيف إليه كلمات، وتكاد تشعر أنك مع شاعر مبدع يعزف علي أوتار كلماته لحناً عذباً رائعاً يستلب القلوب، ويأخذ بمجامع العقول، فيشيع فيها امتاعاً  وأنساً مع شئ من الحماسة تضطرم به الأفكار، غير أنك لا تكاد تسمع منها في الأعماق إلا همساً . ومع هذا أسلوب علمي يتضمن صياغات في ثوب أدبي - رفيع - قشيب.

إن الدكتور أبو سعد حين تقرأ له أي كتاب من كتاباته في الفلسفة الإسلامية،  يشعرك بالمتعة، وأقصد بالمتعة متعة الأفكار، وهي تغزو عقلك في زحف هادئ، لكنه معزز بالدليل والبرهان، فيرغمك علي تقبلها باقتناع، ومتعة الروح التي تتسرب إلي كيانك من رقة الأسلوب وعذوبة الكلمات وسلاسة العبارات . كل ذلك يعكس مدي قدرة الأستاذ علي توظيف قدراته اللغوية وثقافته الوسيعة لخدمة أغراضه العلمية التي تجسدها بحوثه ودراساته .

وثمة بعد آخر في شخصية الدكتور أبو سعده العلمية، ويتمثل في منهجيته في البحث، تلك المنهجية التي تكشف عن اقتدار وكفاءة عالية في الالتزام لقواعد المنهج العلمي وضوابطه، لا حظت ذلك بجلاء خلال فترة الإشراف علي في الدكتوراه في طرحه للموضوعات وإثارة المشكلات وطريقة تناولها ومعالجتها . فهو قد علمني كيف أفصل المجمل، وأكشف عن المستور من المعاني التي تخفيها ظواهر النصوص، وأُوضح الغامض من الأفكار، كما علمني بألا أترك شاردة ولا واردة تتصل اتصالاً وثيقاً بالموضوع إلا ويجب علي أن أذكرها أو أشير إليها في بحثي .

كما علمني أيضاً كيف أعُول علي أمهات المصادر والمراجع، ثم أدلي بدلوي في الموضوع، مدعماً آرائي وأفكاري بمنطق البرهان، وكيف أكون حريصاً علي أن أنتقد بعض وجهات النظر من منظور النقد، بحيث لا أقتصر علي بيان السلبيات والعورات، وإنما علي أن أتوسع ليشمل أيضاً تبيان الإيجابيات التي تتضمنها مشيداً بصاحبها، فلا أبخسه حقه في الابتكار والإبداع، التزاماً من جانبي بالموضوعية والتجرد، بحيث أجعل العقل يعمل وطأته منفصلاً عن بقية النوازع الإنسانية.

وثمة بعد آخر علمني إياه الدكتور أبو سعدة وهو كيف يتسني لي أن أحدد موضوع البحث تحديداً دقيقاً، وأن أعمد إلي إبراز أهم عناصره ومحاوره وأبعاده،  ثم أستعرض الآراء  التي قيلت بخصوص كل عنصر، وأن أردها إلي أصولها ومصادرها الأصلية، بحيث أكشف  بهذا عن مدي تأثر اللاحق بالسابق من الفلاسفة والمفكرين والباحثين؛  ثم أتابع الفكرة في تناميها وتطورها منذ نشأتها، حتي تصل إلي منتهي ما وصلت إليه لدي من تناولوها بالدراسة؛ بحيث أكشف عما طرأ علي الفكرة أو النظرية من انتكاسة، أو إضافة، أو تجلية، أو دعم، أو هجوم نقدي، أو تأصيل عقلي وفكري، وأن أضع ذلك كله في منظومة علمية تبث الروح في النظرية، وأن تثير في القارئ ميلاً عقلياً إلي احتضانها أو النفور منها، بمبررات عقلية – منطقية في كلتا الحالتين، بحيث تفرض عليَ أن أتخذ موقفاً ما، دون الاقتصار علي مجرد التلقي أو السرد والحكاية . فأين من هذا كله أساتذة هذه الأيام (وأخص بالذكر الأساتذة غير الشرفاء الذين لا يخافون الله ولا يحترمون أنفسهم) هؤلاء الذين يريدون أن يحلبوا الباحث حلباً ليعطيهم الدرهم والدينار نظير أن يكتبوا له رسالته ويناقشوه (ماجستير أو دكتوراه) نظير مبلغ كبير من المال !!

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة، وهي أنني قد تعلمت علي يد الدكتور أبو سعدة الكثير من قضايا المنهج العلمي، ومنها قوله لي (الذي لا أنساه) بأن علة ضحالة وهشاشة معظم الكتابات الفلسفية في ثقافتنا العربية المعاصرة ترجع في المقام الأول إلي افتقار أصحابها المنهج – أي – ذلك الطريق الواضح والخطوات المنظمة التي يخطوها الكاتب في التصنيف والتأليف والترجمة والتحقيق. وتعلمت منه أيضاً أن مثل هاتيك الكتابات غالباً ما تتسم بالغموض في الأسلوب والركاكة في الصياغة والاضطراب في عرض الأفكار، والتناقض في الاستنتاج، وذلك لأن صاحبها غير مؤهل للكتابة لكونه من أشباه الدارسين وأنصاف الباحثين الذين حرموا من ملكة الابداع والنزعة النقدية . والسمات الذاتية التي تميز أصحاب الأقلام عن دونهم من المقلدين ومنتحلي الأفكار والآراء.

كما لا أنسي قوله لي كثيراً ومراراً بأن الكاتب الذي لا يعي منهجه ولا يستطيع قراؤه التمييز بين أسلوبه وأسلوب غيره من الكتاب يجب أن يتوقف عن الكتابة لأنه من لم ينتقل بعد من طور التتلمذ، فعليه أن ينتظر حتي تكتمل شخصيته وينفرد قلمه وينضج ذهنه.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الأستاذ الدكتور محمد حسيني أبو سعده بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر فلسفي وعالم لغوي، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطولها وعرضها لخدمة الفلسفة واللغة والثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود، وما تركه من آثار تجعله الحاضر بيننا رغم رحيله عنا، الغائب في عنا رغم تواجده وحضوره في عقولنا وقلوبنا. وبين حضوره وغيابه درجات لا تكاد تبين، فهو لم يغب عنا ولن يغيب.

رحم الله الدكتور أبو سعده، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت امرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقبل : جامعة أسيوط

 

 

منير لطفيمهما كانت التحدِّيات والعراقيل التي تقف حجر عثرةٍ أمام تقدُّم الدول ورِفعتها، فإنّ بعض التجارب الواقعية والحديثة تُبرْهن على أنّ الفارق بين الخيال والواقع وبين الحلم والحقيقة، ليس سوى قيادة تتَّصِف بالمسئولية وتتحلَّى بالصدق وتتّسِم بالإخلاص وتَتبنّى  شعار "القيادة بالقدوة"..فما أرخص القيادة إذا كانت شعارات، وما أغلاها إذا كانت عملًا بالغَدَوات والعَشِيّات.

في الجنوب الشرقي الآسيوي، وفي مدينة ألور سِتار عاصمة ولاية قِدَح الواقعة على الحدود الماليزية التايلاندية، وُلِد مهاتير محمد في عام 1925م لأبَويْن مُسْلمَيْن متوسِّطِي الحال، وبعد إتمام دراسته الأوَّلية وبموجب منحة دراسية، التحق بكلية الملك إدوارد السابع الطبيّة في سنغافورة، مخالِفا بذلك نصيحة أمِّه الحنون في أن لا يكون شُرطيا أو طبيبا حتى لا يَعتاد السَّهر ويُحرَم النّوم، ومخالفا أيضا لعزمه على دراسة الحقوق التي يجيد لها مهارة النقاش والحوار، وهو ما علّق عليه قائلا: لم أفكّر جديًّا من قبل في دراسة الطب، لكنّ قدري قرّر مصيري، وقد سعدتُ بقدَري كثيرا، لأنه تبيَّن أنّ الطبّ مجال تعليميّ مناسب على نحو غريب لمسيرة سياسية.

 وبعد تخرّجه، مارس مهنة الطبّ عبر المستشفيات الحكوميّة، وأجرى بها العديد من المهام الطبية في تخصّص الجراحة الذي شُغِف به أيَّما شَغف، وذلك قبل أن يستقيل ويفتتح بمسقط رأسه (ألور ستار) عيادة خاصة ذاع صيتُها وعمّ نفعُها وامتدّ عطاؤُها، إلى أنْ اختِير وزيرا وشُغِل عن علاج المواطن بمداواة الوطن. والواقع أنّه كان سياسيا منذ نعومة أظفاره، حتى ذَكر أنّه سياسيٌّ تحوَّل إلى طبيب، وكأنّ الطبّ كان جسرًا أطلّ منه على أعالي السياسة، ومنبرا بسط له الطريق لمخاطبة عموم الناس والوقوف على همومهم وطموحاتهم.

أربعين عاما أمضاها الرجل في دهاليز السياسة؛ بدَأها بالانضمام إلى حزب منظمة الملايو الوطنية المتحدة (أمْنو) الذي تأسَّس في أواخر الأربعينيات، وتبوّأ الصدارة كحزب حاكم منذ الاستقلال حتى قبل سنوات. ثمَّ خاض غمارها وامتطى صهوتها وسط حلبة مليئة بالأشواك، فكان عضوا برلمانيا، ووزيرا للتعليم، ووزيرا للتجارة والصناعة، ونائبا لرئيس الوزراء. وذلك قبل أن يتقلَّد في عام 1981م رئاسة الوزراء، ويصبح رابع رئيس وزراءٍ لماليزيا بعد استقلالها في عام 1957م وتأسيس الدولة المَلَكيّة الدستوريّة التي يملِك فيها الملِك ولا يَحكُم.

 وبهذا التكليف والتشريف، كان قدَرُه أن يحمِل على عاتقِه إشكالية أمَّةٍ تتعدَّد في ربوعها العِرْقيَّات المَلَوية (61%) والصينية (24%) والهندية (7%)، وتتجاور فيها الديانات الإسلامية (61%) والبوذية (19%) والمسيحية (9%) والهندوسية (6%) والكونفوشية (3%)، ويستشري في جنَباتها رثاثة الفقر وآفة البطالة. إضافة إلى معضلة السكّان الأصليين التي سطّر فيها عام 1970م كتابا بعنوان (معضلة الملايو) أغضب به السلطات الحاكمة آنذاك وتمّ مصادرته، حيث حمَل فيه بشدّة على الكسل الذي انتاب هؤلاء السكّان الأصليين ومهّدَ لسيطرة الصينيين والهنود على مفاصل النشاط الاقتصادي، وانتقد السلطةَ الحاكمة جرّاء تخلِّيها عن دعمهم ومساهمتها في تهميشهم حتى باتوا مواطنين من الدرجة الثانية، وهو ما عمل بجدّ على معالجته عندما دانت له السلطة على اعتبار أنّ وعدَ الحُرّ ديْن وكلمة الصادق سيف، فانتهج حيالهم سياسة التمييز الإيجابي المقنَّن دستوريا.

وعلى مدار الاثنين والعشرين عاما التى تقلّد فيها رئاسة الوزراء، عكَف علَى بناء النهضة الماليزية الحديثة، مِن خلال رؤية مدروسة وخطّة طَموحة وإدارة رشيدة، تحوّلتْ بموجبِها ماليزيا من حَمَلٍ إلى نَمِر، ومِن اقتصادٍ زراعيّ إلى اقتصادٍ صناعيّ يدعمه نهضةٌ معرِفيّة قائمة على تعليمٍ حديث وصناعةٍ تكنولوجيةٍ متطوِّرة، بالإضافة إلى بُنية تحتيَّة شاملة. فكان أن تدفَّقتْ الاستثمارات كالشلّال في شرايين الاقتصاد، وتوافَد السيّاح للتنزّه وحدانا وزرافات، وتقاطَر الطُلّاب للدراسة من كلّ حدب وصوب، فارتفع الناتج القومي وتضاعَفَ الدّخل الفردي وانخفضتْ البطالة وانتحر الفقر، كما وُلِدت (بوتراجايا) كعاصمة إدارية جديدة، وحلَّق برجا (بتروناس) في سماء العاصمة كوالا لامبور كأطول ناطحة سحاب في العالم آنئذ. وكأنه بذلك يعيد إنتاج التجربة اليابانية المعجِزة، ولكن بمرجعية ثقافية إسلامية.

ومن مواقفه التي تُكتب بماء العين وتُنقش على جدار القلب، ذلك الموقف الذي  حدث في العام الثامن من تولّيه رئاسة الوزراء، حين داهمته أزمة قلبية بعد تناوله لوجبة دسمة، نُقل جرّاءها على عجل إلى المستشفى، وتقرّر إجراء عملية قلب مفتوح يتمّ فيها استبدال شرايين القلب التاجية المعطوبة بأوردة مِن الساق، وخُيِّر في السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإجراء الجراحة هناك على عادة الوزراء والحكام، ولكنّه قرّر بلا تردّد إجراء الجراحة في كوالالمبور، مبرّرا ذلك بقوله: كان عليّ الوثوق بأطبائنا الماليزيين، وعرفت أنّه إذا لم أجعل من نفسي قدوة في ذلك، فلن يثق أحدٌ بخدماتنا الطبية.

لم يكن غريبًا إذنْ بعد كلّ هذه الإنجازات أن يُوصف مهاتير محمد بأنّه أبو النهضة الماليزية، كما لم يكن عجيبا أن يبكيه الماليزيون عندما قرَّر التقاعد واعتزال السياسة طوْعِيًّا في عام 2003م بعد أطول فترة حكمٍ لرئيس وزراءٍ ماليزي، ولم يكن كثيرا عليه أن يمنحه المَلِك أعلى تكريم لشخصيّة مدَنيَّة فينال لقب (تون)، وذلك بعد أن كرَّمته المحافل الدولية وأهدتْه العديد من الأوسمة والجوائز، كجائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام عام 1997م، وجائزة جواهر لال نهرو للتفاهم الدولي عام 1994م. ولكن العجيب والغريب أن لا يحذو حذْوَه مَنْ تقلَّدوا السُّلْطة في دول أخرى مماثلة للظرف الماليزي، فكانوا وبالا على شعوبهم، وما زادوا الزّبَدَ إلَّا زَبَدا ولا الغَثَّ إلّا غثّا ولا الخَبَثَ إلّا خبَثا.

 وقد تنادَى السياسيّون وهرول الاقتصاديون ليغرِفوا مِن معِين الدَّرْس الماليزي، وجَدَّ الباحثون فألَّفوا  وكتَبوا عن إنجازات الرجل الفريدة، ولكنَّه بتواضع الطبيب وخبرة السياسي  وحكمة الإنسان، يرى ما لا يراه الكثيرون مِن القادة فيقول: "أعظمُ ثروةٍ في أيّة دولة هي شعبُها". وهو ما باح به للدكتور أحمد زويل فضمّنه كتابه (عصر العلم)، وذلك عندما استفسر منه عن سرّ نجاحه في النهضة الماليزية فأجاب: "جعلتُ الشعبَ كلّه يفكّر في المستقبل".

ولأنّه من طراز فريد لا يسلِّم سلاحَ العمل إلّا لمَلَك الموت؛ فقد واصل عطاءه بعد الاعتزال، فأسّس في عام 2005م منظمة بيردانا للسلام العالمي التي كرَّست رسالتَه في نبذ الحروب والانحياز لخيار السلام، وقام بدورٍ بارز في إعادة إعمار البوسنة والهرسك التي أنهكتها الحرب الطائفية حتى تسامعَت بجهوده إدارة جائزة نوبل فرشّحتْه لنيل الجائزة عام 2007م. ثمّ حبّرتْ أناملُه في عام 2011م مذكّراتِه التي قارَبت الألف صفحة في نسختها العربية، فضمَّنها وجبة دسمة في السياسة والإدارة والاقتصاد والتاريخ، وأثنى فيها على الطبّ الذي أفاده في ممارسة السياسة؛ وذلك حين أَكسَبه فضيلة الإنصات، وميزة القرب من الناس وتحسُّس معاناتهم، وفرصة معايشة الموت الذي تراءى له دوما كسوْطٍ يَردعه وزاجرٍ يَعصمه من إساءة استعمال السُّلْطة.

وكالبدر الذي يُفتقد في الليلة الظلماء، وعلى خلفيّة ما رآه من انحراف حزب (أمنو) عن الجادّة، وما لمسه من تباطؤ القطار الماليزي في مسار الحداثة والتنمية التي كرّس حياتَه من أجلها؛ أنشأ حزبا جديدا خاض به الانتخابات البرلمانية، ففاز بأغلبية المقاعد وتقلَّد رئاسة الوزراء في عمر الثانية والتسعين، ليصبح بذلك سابع رئيس وزراءٍ لماليزيا وعميدًا لحكّام العالم باعتباره الأقدم سنًّا بينهم، وليصحّح ما اعتبره خطأ جسيما حين اعتزل السياسة وترك مقدّرات البلد في يدٍ لم تكن جديرة بها.

ورغم الهدوء الذي يبدو على محيّاه، وابتسامته الودودة التي تجد طريقها ممهَّدا إلى القلوب، وقيمة التسامح التي تسلَّح بها واعتبرها أكبر قيمة إسلامية؛ إلّا أنّ مواقفه تنمّ عن أسدٍ هصورٍ في مواجهة ما أسماء بالنفاق الغربي، فناصر القضية الفلسطينية بحزم، وأدان احتلال أفغانستان بأعلى صوت، وشدّ على يد المقاومة العراقية في مواجهة جنود الاحتلال الأمريكي البريطاني قائلا: "أعيدوهم بالأكفان"، بل طالب بمحاكمة بوش وبلير كمجرمي حرب ومسعِّري نار. كما أبى الانصياع لعصا العولمة وذراعها الطويلة المسمَّاة صندوق النقد الدولي، وذلك حين رفض تعويم العملة الماليزية إبّان الأزمة المالية التي عصفَت بجنوب شرق آسيا عام 1997م، وخرج منها سالما دون تنفيذ روشتة البنك التي طالما أغرقت دولًا في بحر من القروض والديون.

***

بقلم: د. منير لطفي

طبيب وكاتب - مصر

 

ضياء نافع(ستروفه) كان لقبا غريبا بالنسبة لنا، نحن الطلبة الاجانب بموسكو في ستينات القرن العشرين، اذ انه لا يتناسب ولا يتناسق ولا ينسجم مع الالقاب الروسية التي كانت سائدة حولنا، والتي تنتهي عادة بحرفي الواو والفاء مثل ليرمنتوف او تشيخوف ...الخ، او التي تنتهي بحرفي الياء والنون مثل بوشكين او بونين ...الخ، او التي تنتهي بحروف السين والكاف والياء مثل دستويفسكي او بيلينسكي ...الخ، ولهذا اعتبرنا (ستروفه) لقب شخص اجنبي لا علاقة له بروسيا، ولكن، وبعد ان تعمّقت معارفنا بتاريخ الثقافة الروسية (اكتشفّنا !)، ان بيوتر ستروفة (1870 – 1944) وفلاديمر لينين كانا رفيقين معا في الحركة الاشتراكية الروسية، ولكنهما اختلفا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بشكل جذري حول مسيرة الافكار الاشتراكية ومستقبلها في روسيا، ولهذا انفصلا بعضهما عن البعض، وسار كل واحد منهما في طريقه الخاص. وهكذا عرفنا، ان ستروفه هو فيلسوف روسي واقتصادي ومؤرخ وشخصية سياسية مرموقة في الحياة الفكرية والسياسية الروسية، وكان مؤثرا في مسيرة التاريخ السياسي واحداثه، وكل ذلك طبعا يرتبط بتاريخ الفكر الروسي بشكل عام، وتاريخ الحركة السياسية الروسية قبيل ثورة اكتوبر 1917 وما أعقبها من أحداث، وهي بعيدة عن موضوعنا، الذي نود ان نتكلم عنه في مقالتنا هذه، رغم انها مقدمة ضرورية جدا، اذ ان مقالتنا تدور حول حفيد ستروفه هذا، وهو مواطن فرنسي (ولد في فرنسا من أب روسي وام روسية ايضا، وهو بالتالي فرنسي من اصول روسية)، واصبح البروفيسور نيكيتا ستروفه (1931 – 2016) – استاذ الادب الروسي في جامعة باريس، والشخصية التي لعبت دورا (مع اللاجئين الروس الاخرين طبعا) في تعزيز التعاون الثقافي بين روسيا وفرنسا (بعد انهيار الاتحاد السوفيتي طبعا)، وقد تم منحه مدالية بوشكين لتعزيز التعاون الروسي – الفرنسي في مجال الثقافة والتعليم، ومدالية الدولة الروسية للحفاظ على الثقافة الروسية وتراثها خارج روسيا، ومدالية (اسرعوا لعمل الخير) الروسية في مجال حقوق الانسان.

غالبا ما كنا نلتقي طبعا، نيكيتا ستروفه وانا في القسم الروسي بجامعة باريس نهاية الستينات من القرن الماضي عندما كنت طالب دراسات عليا هناك، وكان هو آنذاك تدريسيّا في القسم المذكور، ويكتب ايضا اطروحة دكتوراه دولة حول الشاعر ماندلشتام، والذي كان شبه ممنوع آنذاك في الاتحاد السوفيتي (أصدر ستروفه بعدئذ كتابا ضخما عن ماندلشتام، ويعدّ الان واحدا من المصادر المهمة لدراسة حياة ماندلشتام وابداعه)، وغالبا ما كنّا نتحدث سوية، وسألني ستروفه مرة عن انطباعاتي حول موسكو والاتحاد السوفيتي بشكل عام باعتباري درست وتخرجت هناك، وقد تكلمت عن الجوانب الايجابية، التي رأيتها شخصيا رغم بعض السلبيات التي كانت موجودة فعلا في الحياة السوفيتية، ولكنه قال لي، انهم ( وكان يتحدث باسم اللاجئين الروس في فرنسا) يعتقدون، ان دولة الاتحاد السوفيتي ستنهار في نهاية القرن العشرين او، كحد اعلى، في بداية القرن الحادي والعشرين، ولم اتفق معه مطلقا وكليّا حول ذلك، وقلت له، ان الدولة السوفيتية قوية جدا بجيشها ومؤسساتها الامنية وتنظيماتها الحزبية، وانني لم أجد اي معارضة في تلك الدولة، عدا النكات السياسية التي كانت سائدة بين اوساط الطلبة بالاساس، وان قضية باسترناك وجائزة نوبل التي اضطر باسترناك ان يرفضها هي ليست قضية كبيرة يمكن ان تؤثر على مسيرة تلك الدولة، وقد استمع ستروفه اليّ بكل أدب، وقال لي مختتما هذا الحديث بمثل روسي هو – (نعيش ونرى) (وهو يذكّر طبعا بالمثل بلهجتنا العراقية – نعيش ونشوف) . لقد تذكرت وقائع حديثنا هذا عندما انهار الاتحاد السوفيتي طبعا في بداية التسعينات، وقلت بيني وبين نفسي، كم كان ستروفه على حق بكلامه آنذاك حول ذلك . لقد رويت هذه الحادثة مرة في مؤتمر علمي بجامعة قازان عام 2006، وقد علّق بروفيسور روسي من جامعة موسكو (كان يشارك في اعمال المؤتمر المذكور) قائلا، ان اللاجئين الروس كانوا يحللون بعمق واهتمام حقيقي كل صغيرة وكبيرة تحدث في الحياة السوفيتية، وكان لديهم الوقت الكافي لمتابعة ذلك بدقة ودراسته، بينما لم يكن لدينا نحن السوفييت سوى التأييد المطلق لكل خطوة يتخذها الحزب الشيوعي السوفيتي دون اي تحليل وتمحيص ونقاش موضوعي متفتح لدرجة، اننا نسينا حتى معنى التحليل والتدقيق والنقاشات المعمقة والعلمية حول تلك الخطوات وقيمتها وجدواها في مسيرة حياتنا اليومية آنذاك...

نيكيتا ستروفه اسم كبير في دنيا الادب الروسي، وله عشرات المؤلفات المنشورة باللغتين الفرنسية والروسية، ولديه مئات المقالات والدراسات والبحوث حول هذا الادب باللغتين ايضا، ولا مجال هنا حتى للتعريف بها، ويؤسفني الاشارة في الختام، الى ان ستروفه يكاد ان يكون مجهولا تقريبا للقارئ العربي...

 

أ.د. ضياء نافع

 

873 توفيقلا لا تقاوم صدا عقول البعض فهي متحجرة

تقاوم حتى الزمن.

تجمع مجموعة من الشباب حول شاب قصير القامة اسمر. كان قد زار بعض المدارس ليعرف من يحب ان يسجل اسمه في فرقة مسرحية طلابية. عرفت لاحقا بانه المخرج. كنت انا وزميلي في الصف سمير المسيحي من رفعنا أصبعنا يحذونا أمل ان نصبح من الممثلين الكبار وهذا على الأقل كان في مخيلتنا ونحن نصعد خشبة المسرح لأول مرة في يوم رمضاني في إعدادية كركوك للبنين عام ١٩٦٨على ما اتذكر صحح لي صديقي الأستاذ والاديب فهمي الكاكائي التاريخ لانه كان معنا ومثل دور الحارس الليلي في المسرحية. عرض المسرحية في ثلاث عروض وشارك الفرقة الموسيقية للنشاط المدرسي في عزف الموسيقى..

الخيال اجمل ما منحه الخالق للإنسان بواسطته تمكن من اكتشاف جميع الاكتشافات العلمية وصولا الى عالم المعلوماتية وعصر غزو الفضاء.

طبعا لم أتحول الى ممثل رغم أني قدمت فقط الى أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد قسم الفن التشكيلي وأخذت تايد من مدرس الرسم الأستاذ خالد بعد نجاحي في الامتحانات النهائية (الباكالوريا ) في الإعدادية الشرقية في بغداد صيف عام ١٩٧٢ قبل ان يقرر الوالد رحمة الله عليه ورضوانه إرسالي الى الدراسة في الخارج لعلي اصبح طبيبا. حيث كان اخي الكبير علي قد سبقني ويدرس في كلية الهندسة. كانت الفترة بين إنهائي الامتحان والحصول على موافقة السفر من دائرة البعثات من الفترات الصعبة من حياتي لانها صادفت تأميم النفط وإغلاق الحدود ومنع السفر الى خارج العراق الا انه في نهاية الأمر حصلت على الأوراق الأزمة وفيزا لتركيا وركبت قطار الشرق في المحطة العالمية في بغداد متوجها الى تركيا وبعد ثلاثة ايام وصلت انقرة تعبا وحين نزلت من القطار لم اجد اخي في انتظاري.

انتظرت عند احد المصطبات وقلت لعله يأتي بعد حين فشاهدت شابين وفي يدهم صورة فوتغرافية وينظرون الى وجوه المسافرين. لم عا يلاحظوا وجودي لكن بعد ان فرغ المكان عادوا وفجأة شاهدوني من بعد فعرفني احدهم ومناداتي باسمي توفيق قلت نعم فقدم نفسه نامق فوجه قصاب رحمة الله عليه ورضوانه اما الاخر فقال عثمان اوچمان وعرفت من حديثه انه تركي كان يعيش معنا ابو عمر في نفس الشقة ويدرس في الجامعة قسم الآثار اصبح لاحقا مديرا لمتحف مدينة مرسين وانقطع أخباره. 

كل عام لي في العاصمة انقرة كنت أعيش في خيال دائم وادرس في الجامعة اللغة التركية. من الغرائب ان الجامعات كانت تقبل الطلاب الأجانب بدون امتحان ولكن حظي جاء مع قرار وزاري بإجراء امتحانات للطلاب الأجانب . بدأت في انقرة من جامعة الى اخرى حصلت على قبول في جامعة انقرة اولا في قسم السومريات.

كنت في محطة القطار انتظر قدوم احدهم من العراق لكنه لم يكن لين المسافرين وبعد انتظار طويل وجدت اخد الوجوه شاب في مقتبل العمر ينتظر وحيدا فعرفته اذ كان يدرس معي وفي نفس الصف في الإعدادية وكانت شعبانا دال فإذا به يطير من الفرح للقائي. هذا الصديق هاجر بعد اشهر الى الولايات المتحدة وهومن المسيحيين كان يحلم ان يكون صيدليا ويشتري سيارة كاديلاك. المهم بعد دقائق جاء صديقه الذي كان من المفروض ان يكون في انتظاره ذهبنا سويا الى شقتي وبقى معنا ولكننا عدنا بعد بضعة اشهر الى الوطن بعد ان أخذ الحنين بنا. عند زيارتي لصديقي وجدت مدى انزعاج عائلته من عودته على عكس ما كان اهلي وبعد سنوات فهمت ان قصده كان الهجرة. سافرت الى إستانبول لإجراء امتحان في كلية المعمار سنان على ساحل المضيق. اليوم الأول امتحنا في الرسم وكان السؤال تخيل كوب قهوة مقلوبة على طرف الماعون. تذكرت الوالد حين كان يراني حالما مع خيالي وانا يقظ يقول:

اترك الخيال وارجع الى الواقع يا بني. 

ما احوجي الى الخيال اليوم وانا اودي الامتحان كي اصبح معماريا ولو في الخيال. كنت كممثل للطلبة عام ١٩٨٨ في الجامعة الشعبية في مدينة يڤله السويدية وحضرت مؤتمرا في مدينة اوسا قرب القطب المتجمد الشمالي وكانت المحاضرة تردد قائلة:

شجعوا الطلاب على الخيال

ان الخيال سيودي الى النجاح

لا تنهروا الطلبة قط حين تجدونهم لأهون في أحلام اليقظة.

بعد الظهر كان امتحان التحريري وجاء السؤال حول قول احد الفلاسفة الإغريق

لا اتذكر النص الان ولكن مرة اخرى احتجت الى الخيال كي اعود آلاف السنين وأتخيل عالم ذلك الفيلسوف واكتب الإنشاء.

عدت الى الفندق الصغير في احدى ازقة بي اوغلو لأنام .

دق جرس التلفون في منتصف الليل فاستقضت فزعا لأسمع صوت اخي الكبير علي في الطرف الاخر ليخبرني باني حصلت على مقعد دراسي في كلية طب الأسنان في انقرة وعلي ان احضر غدا صباحا الى الكلية.

تركت إستانبول ليلا وتوجهت الى محطة آلحافلات متوجها الى العاصمة انقرة تاركا الامتحان حيث كان الجزء الثاني عبارة عن مقابلة شفهية لمعرفة مدى معرفتي للتركية.

لا اعرف طبعا نتيجة الامتحان لحد اليوم لكني بعد حوالي ٤٥ عاما وحدت نفسي مع زوجتي أمام بناية الكلية فحددثها عن تلك الأيام الخوالي.

المسرحية كانت من ضمن فعاليات جمع معونة الشتاء اخرجها سلمان فائق وشارك فرقة الموسيقية للمدينة في العزف. عرضت فيما اتذكر ثلاث مرات وفي شهر رمضان كان معظم الممثلين من الطبقة الفقيرة.

تدور حوادث المسرحية حول طفل يتيم مثل الدور صديقي سمير يذهب لكاتب العرائض كي يكتب له وسأله يشكوا فيها الخالق نفسه لانه أفقده أمه العزيزة.

اما انا فذهبت الى الكلية كي أدوم في اليوم التالي وإذا ب السكرتيرة تقول بان متقدما اخر باسم قاسم قلنجي قد سجل مكاني واني في الاحتياط. كانت العلاقات السياسية قد فعلت فعلتها و خسرت مقعدي في العاصمة انقرة وفي إستانبول.. 

كنت وعلى حالتي هذا أتمشى في الشارع الرئيسي للمدينة وإذا بأحد الأصدقاء وهو قريبين المرحوم الدكتور اكرم بامبوغجي  يضربني على كتفي من الخلف التفت اليه وعانقته. سالني عن حالي فرويت له ما حصل معي واني الان ممطر للعودة الى العراق بعد ان فقدت كل الامل بالحصول على مقعد دراسي.

قال تعال معي وبعد دقائق كنا امام بناية ليست بعيدة عن ميدان الهلال الأحمر وسط العاصمة. دخل الى غرفة العميد بهيبته وحقيبته الدبلوماسية ثم خرج بعد عدد دقائق ليصحبني معه الى غرفة العميد حيدر قرال الذي تحدث معي وسألني بعض الأسئلة فأجبت عليها ثم قال تعال في اليوم الفلاني سيكون هناك امتحان لان هناك العديد ممن قدموا للكلية. ذكرت ذلك لرفاقه في البيت فما كان من احدهم الا ان طلب الذهاب الى الكلية كي يقدم أيضا طلبا لان حالته كانت مشابه لما كنت انا عليه ذهبنا في اليوم المحدد للامتحان وبعد اجتيازنا بقينا معا اربع سنوات ولا زال صداقتنا مستمرة رغم كونه يعيش الان في جزيرة قبرص.

أودعنا تلكم الأيام ولم تكن القادمات احسن.

لنا عودة للموضوع لاحقا

 

توفيق التونجي

 ......................

من صفحات ( 3) ئالتون نامة- سيرة ذاتية

 

جمال العتابيهل يمكننا إستعادة صورة من الماضي، لتمسح بعض عثراتنا وإخفاقاتنا وخطايانا؟ أم انها ستكون ذاكرة للألم وحده؟ إذ نعيش مرحلة الفشل التربوي الآن، الصورة التي نستعيدها تشكلت منذ ثلاثينيات القرن المنصرم، كانت مشروعاً للعمل والأمل وتجاريب التربية الرصينة، دار المعلمين الريفية، لايمكن فصلها عن تاريخ العراق السياسي، وإذا كانت دار المعلمين العالية علامة في تاريخ الدراسات الأكاديمية والثقافية، فأن الريفية ستدرس في حدود تاريخها، كحضور متميز لجيل من التربويين الرواد في العراق، ومع ان النظرة العابرة لايمكن ان تستقصي كل أبعاد التجربة، كما انها لاتستطيع ان تقع على حرارة الإخلاص التي تشعّ منها، الا انها تستطيع ان تؤكد حقيقة واحدة، وهي ان خريجي الدار ارادوا التعبير عنها بقدر واف من الوفاء في إمتلاك المهارات، وقدر أوفى من المعرفة في ميادين التعليم .

كنت في مراحل الدراسة جميعها، أعود لأبي في حل إشكالات عديدة في اللغة، والإعراب والبلاغة، أوشرح مفردة أوقصيدة، فيأتيني الجواب شافياً وافياً من الوالد المعلم، وهوأحد خريجي دار المعلمين الريفية منذ أوائل أربعينيات القرن الماضي .

وطالما تساءلت مع نفسي، من أين لك كل هذا القدر من المعرفة يا أبي ؟ في النحو والصرف، كيف تسنى لك ان تنصرف للفن بكل طاقتك ؟ترسم وتمشق الحرف ؟ علمتنا فنون الخط العربي وجماليات اللون، كيف تمكنت من التحنيط ؟ وصنع المجسمات من الجبس والخشب ؟ كيف خلقت مسرحاَ من طاولة كرة المنضدة ؟ في مدرسة ريفية من طين، في قرية (سويج شجر)، التي لم تر النور بعد؟ وأيقظت الأحاسيس الخامدة في الطين، وذكّرت تلامذتك بجماليات الصلصال، ووصلت بفريق من الطلبة الحفاة الى نيل (الكاس) في لعبة الكرة الطائرة، وفزت على مدارس ريف (لواء المنتفك). فضلاً عن كل هذا، فهناك معاني أخرى ألّفت مصادر وعيك الفكري والسياسي، وإنحيازك لليسار فكراً وإنتماءً، منذ ذلك التاريخ .

اسم دار المعلمين الريفية يدل على موقعها في أطراف بغداد، في موقع الرستمية، خلف جدرانها نخيل سامقة، وساحاتها تخرج منها فاكهة خضراء، ونهر ديالى يلفها من الجنوب فأخصب أراضيها،طيورها تروي حكايا تلامذتها القادمين من ريف العراق الذي يتضور بؤساً من الفقر، فإنمحت آثار مفاتنه .

أو يمكن أن نفصل بين اللؤلؤة وضوئها الباهر؟نتساءل : بين الدار (التجربة)، والضوء تلك النخبة من الأساتذة العراقيين، أو الوافدين من بلاد الشام ومصر، الذين أودعوا أماناتهم في جيل من الطلبة وفق مناهج دراسية رصينة في مختلف حقول المعرفة والفن والرياضة .ترى من كان يمنح هذه التجربة روحها الجميلة ؟ لتظفر في النهاية بمجدها التربوي، الذي أسهمت الدولة العراقية في صنعه منذ بداية تأسيسه، إن إستعادة هذه التجربة يذكرنا بمساحة مجهولة مازالت مستكينة في أعماقنا، على شكل ومضات أصبحت في طيات النسيان، لتظل أنظارنا معلقة بالمختزن والموروث منها .

ان الباعث نفسه يغرينا بالتأمل في المجلة الدورية التي تصدرها الدار بإنتظام، وهي تتضمن مقالات ودراسات مهمة لأساتذة كبار، كما تنشر المجلة صور خريجيها، وفعالياتها، ونشاطاتها المتعددة، فتحيل المجلة الى عمل عقلي يدرك أسرار العالم .ومرة إثر اخرى بالسؤال، من أين للدار كل هذه الإمكانات والقدرات المالية والبشرية لتنهض بهذا الدور الريادي التربوي؟ الذي تنبعث منه أشعة الحكمة .

من المؤسف القول اننا وجدنا صعوبة بالغة في العثور على أي مصدر أو وثيقة، يمكن ان تقدم للباحث مادة مهمة،يمكن إعتمادها في الكتابة عن تاريخ هذه المؤسسة، فلا وزارة التربية ولا الدوائر المرتبطة تحتفظ بما يغني البحث، بإستثناء عدد واحد أو عددين من مجلة الدار الصادرة في أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، متوفرين في دار الكتب والوثائق ببغداد،وعدا ذلك، فلا أثر يعيد المنابت الحقيقية في بستان المعرفة، سوى المدرسة الريفية الإبتدائية في مدينة الحرية، التي كانت مدرسة لتطبيقات طلبة الدار، والتي ماتزال تحمل نفس الإسم .

ليس في مقدورنا النفاذ الى أعماق تاريخ التعليم في العراق، وقد أدركه النسيان من طول ما بعُد ونأى، وإذا بدت لنا تلك الذكرى من وراء شفيف ضباب السنين، وردية قليلا، شاحبة بعض الشيء أحياناً، فذلك يعني ان إستذكارها اليوم أصبح صعب المنال،ثم يأتي عصر رمادي، ينتزع العطر من دار المعلمين الريفية، وتظل أبنيتها خاوية تنتظر المواعيد، وكأنها نبضة حياة عابرة .

 

جمال العتّابي

 

محمود محمد عليأن ترحل قامة علمية مثل الدكتور "رمضان صالح الصباغ"، (أستاذ فلسفة الفن والجمال بكلية الآداب – جامعة سوهاج بجمهورية مصر العربية)، دون كلمة رثاء فى الإعلام المصري والعربي، فتلك علامة من علامات التردي، ودليل من أدلة الرداءة والعشوائية، فهذا الرجل كان من أولئك الرجال الذين يعيشون وفق ما يكتبون، ويظهرون ما يضمرون، ويعلمون بما يؤمنون، ولذلك أقول أي الكلمات لديها القدرة أن ترثى مفكراً وكاتباً بالغ الصدق والنبل والنقاء مثل رمضان الصباغ ؟! أي الكلمات لديها القدرة ؟!، فالذين يتسمون بالصدق والنبل في مهنة الفلسفة قليلون، وقد ازدادوا برحيله قلة!.. لا أظن أنه من قبيل المبالغة أن أقول إنه من أكثر الذين قدر لي أن أعرفهم من أستاذة الفلسفة بعداً عن المداهنة أو المتاجرة بالمهنة لحساب أي سلطة من السلطات بما في ذلك سلطة الرأي العام ذاته الذى كثيراً ما يغازله بعض الكتاب على حساب الحقيقة الموضوعية!.

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون وهي أن الدكتور رمضان الصباغ هو واحداً من كبار الرواد في دراسة علم الجمال الماركسي بمصر والعالم العربي، وقد استطاع من خلال بحوثه ومؤلفاته أن ينقل البحث في علم الجمال الماركسي من مجرد التعريف العام به، أو الحديث الخطابي عنه – إلي مستوي دراسته دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

فلقد  أقبل رمضان الصباغ علي الدرس الفلسفي في شوق ورغبة وتأمل وعناية، وانتهي به ذلك إلي إنتاج له وزنه - بحثاً – وتأليفا- أو تعليقاً وترجمة ؛ حيث يجمع رمضان الصباغ بين الدراسات الأكاديمية المتخصصة في الفلسفة المعاصرة وجه عام؛ وفى مجال علم الجمال بوجه خاص، وبين الإبداع الشعرى، والروائى، والنقدى المتميز، ولعل نظرة واحدة إلى سيرته الذاتية كفيلة بأن تعطى فكرة واضحة عن مدى خصب تجربته سواء على المستوى الإبداعي فى مجال الشعر بوجه خاص من خلال ستة دواويين شعر نشرت متفرقة على مراحل زمنية مختلفة هى: مجموعة:"معذرة يا قمري"، ومجموعة "مكابدات السندباد"، ومجموعة "حين انكسر"، ومجموعة " من مفكرة الحب الضائع"، ومجموعة "ايقاعات الحب والموت"، وأخيراً مجموعة النورس وأنت":  ثم نشرت بعد ذلك تلك المجموعات  في مجلد واحد تحت عنوان: الاعمال الشعرية، التى تضم بين دفتيها الأعمال سالفة.

وبالإضافة إلى الأعمال الشعرية للدكتور رمضان الصباغ ، فقد أضاف إلى سجله الأدبي روايته المتميزة : " ليلة رأس السنة ".  أما فى مجال النقد، فقد قدم عدداً  من الدراسات النقدية التطبيقية التي نشرها في عدد من المجلات الأدبية والفكرية المتخصصة، وأما على مستوى الدراسة الأكاديمية الخالصة، فقد قدم عددا من الدراسات التي تقع على خط التماس بين الفلسفة والأدب، ومن أهمها دراسته عن جماليات الشعر المعاصر، والذى يتضمن تأصيلاً للجماليات الشعرية، وتطبيقاً لها عند الشعراء المحدثين والمعاصرين؛ وبوجه خاص عند الشاعر السورى المجدد – ادونيس  والشاعرين المصريين الكبيرين– صلاح عبد الصبور –  وأحمد عبد المعطى حجازي، بالإضافة إلى الشاعر العراقي "عبد الوهاب البياتي"، وذلك جنباً إلى جنب مع دراسته التطبيقية لجماليات الشعر عند  الشاعر الإنجليزى ت س . إليوت .

هذا بالإضافة إلي الكتابات العديدة في مجال الفلسفة ومنها: جماليات الشعر العربي- وفلسفة الفن عند سارتر وتأثير الماركسية عليها – والأحكام التقويمية في الجمال والأخلاق - وعناصر العمل الفني دراسة جمالية - وجماليات الفن- والنظرية الجمالية السياقية عند ستيفن بيبر- والفن والأخلاق عند جاك ماريتان- والفن والقيم الجمالية بين المثالية والمادية – وفلسفة عند زكي نجيب محمود- والفن والايديولوجيا- وفيلسوف الموسيقي(فاجنر)...الخ

وقد علمتنا قراءة تاريخ الأعلام أن الشخصية العظيمة هي التي تختلف آراء الناس حولها اختلافاً كبيراً، وكلما كانت الشخصية أشد لمعاناً كان الاختلاف بشأنها أكثر حدة . والواقع أنني لم أكن أتصور في يوم في من الأيام أن ألتقي في حركة الحياة الجارية، بمثل هذه الشخصية، حتي وضعتني الظروف في طريق الدكتور رمضان الصباغ .

كان رمضان الصباغ رجلاً وهبه الله خلقة حسنة، فهو معتدل الطول، ليس باليدين المفرطح، ولا القصير المنكدر، له عينان يشع منهما بريق حاد يدل علي ذكاء متقد  ويوحي بشخصية قوية . ملبسه أميل إلي الأناقة، ولكنها الأناقة التي لا يبدو منها تكلف ولا يظهر عليها استعلاء . كان متحفظاً في حركاته، وقوراً في مشيته . أما مجلسه فغاية في الاحترام الذي لا يخلو أحياناً من تبسط، ولكنه لا يشجع الثرثارين والمتفيقهين، ويستبعد تماماً النمامين والوشاة .

عايشت رمضان الصباغ، ما يقرب من أكثر من عشرين عاماً، لم أره فيها ينحني أمام أحد من رؤسائه، أو يتملقه، أو يداهنه، وكان شديد الاعتزاز بنفسه، معتمداً علي قدراته الخاصة، وكفاحه الشخصي، ولم يكن يفخر بجاه ولا مال، وإنما كان موضع فخره الدائم : انجازه العلمي الذي حققه بالعمل الدؤوب، والجهد المتواصل.

كان رمضان الصباغ يجيد اللغة الإنجليزية تماما وترجم منها العديد من المؤلفات في فلسفة الجمال، كما كان متزوجا من سيدة فاضلة وهي الدكتورة سناء خضر (أستاذ فلسفة القيم المساعد بكلية الآداب جامعة جنوب الوادي) وقد أنجبت له سمر ورنا  .

كما كان يحب الشعر وفي نفس الوقت؛ كان اهتمامه بالفلسفة، والنقد الأدبي، والسياسة، وغيرها من المجالات، وقد ظل اهتمامه بها جميعاً، حتى وفاته المنية، وكان الشعر عنده متنوعاً؛ ففيه الشعر السياسي، والفلسفي، والغزل، وغير ذلك، والشعر، بالنسبة له كان تعبير عما يجول في خاطره ونفسه، وقد درس رمضان الصباغ مدارس الشعر والفن؛ خاصة الشعر الغربي (الإنجليزي والأمريكي والفرنسي والألماني)، بالإضافة إلى الشعر الروسي والعربي بالطبع؛ فاستفاد  كثيراً من اطلاعه على هذه المدارس المختلفة، وقد قدم في ذلك ست دواوين من الشعر الحر (شعر التفعيلة)؛ أحدها من قصائد النثر سريالى الطابع، كما قدم دراسة مستفيضة عن الشعر العربى المعاصر (الشعر الحر)، درس فيها، بالتفصيل، مفهوم الشعر وتطوره، والتجربة الشعرية، واللغة الشعرية، وموسيقى الشعر، والمؤثرات الغربية على الشعر، والإيقاع، والتضمين، والتدوير، والتكرار، كما درس الخيال والصورة وتطورهما، والتناص مع الأسطورة والتراث، هذا بالإضافة إلى كتابة روايتين؛ إحداهما منشورة، وعدداً من الدراسات عن الرواية، وهو، بشكل عام، في الشعر والرواية، أميل إلى التجديد، وذلك من خلال متابعته للأدب الغربي المعاصر، كما أنه مهتم بالفنون التشكيلية، والموسيقى الكلاسيكية، والأوبرا، والباليه، ولكنه على مستوى الدراسة والنقد والتذوق.

وبجانب اهتمامه بالشعر كان رمضان الصباغ مهتماً بالفلسفة الحديثة؛ حيث كان يعتبرها بأنها  فلسفات نسقية، بمعنى؛ أن كل فيلسوف يشكل مذهباً بعينه، وعلى سبيل المثال؛ هناك المذاهب المادية، أو أنساق الفلسفة المادية؛ التي أسس لها هوبز وهولباخ، مثلاً، وهناك المذهب العقلي؛ الذي أسس له ديكارت، وهناك المذهب المثالي؛ الذي أسس له كانط وهيجل، على سبيل المثال، أما الفلسفات المعاصرة؛ فهي فلسفات لا نسقية، وقد غاب عنها البعد (الشمولي)؛ الذي كانت تتسم به الفلسفة الكلاسيكية والحديثة؛ فظهرت نزاعات، وتيارات، واتجاهات. فالفلسفة الوجودية، مثلاً، هي: اتجاه فلسفي، وليست مذهباً بالمعنى الدقيق، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الفلسفات الوضعية، والبراجماتية، والتحليلية؛ فهي أقرب ما تكون إلى النزاعات والتيارات الفلسفية، منها إلى المذاهب والأنساق الفلسفية الشاملة.

وثمة نقطة جديرة بالإشارة وهي أن الدكتور رمضان الصباغ كان ينظر للفلسفة علي أنها تمثل رؤية للعالم الذى نعيش فيه، ومحاولة لتقديم معرفة منظمة عن عالم مشوش وغير منظم، وتقوم الفلسفة بتنظيم رؤية الفيلسوف أو المفكر في نسق عقلي منطقي متماسك، وتتم صياغته في عبارات لغوية منضبطة، وبذلك، يسهل التعامل مع الواقع والتأثير فيه، وعندما تتبنى طبقة معينة، أو فئة، أو جماعة، فلسفة معينة، وتجعلها برنامجاً للممارسة العملية تنتج الإيديولوجيا؛ فالإيديولوجيا: هي التعبير عن الانتقال من عالم الفلسفة المجرد، إلى الواقع والممارسة العملية، ويتم التأثير المادي على وقائع الحياة، وشروطها، وتغييرها. وبما أن الإيديولوجيا تُعَدُّ تعبيراً عن طبقة أو فئة أو جماعة، لذا؛ فهي انتقال من التعبير عن الرؤية الفردية (الفلسفة)، إلى التعبير الجماعي أو عن الجماعة، وتعتبر الفلسفة الماركسية، عندما تتبناها طبقة البروليتاريا: هي التعبير الإيديولوجي عن مصالح وتطلعات هذه الطبقة، وكذلك، تعدّ الفلسفة الليبرالية تعبيراً عن الحرية الفردية، والمصالح الإيديولوجية للطبقة البورجوازية، وبذلك؛ تعتبر الإيديولوجيا: تطبيقاً خاصاً لفلسفة أو فكر محدد. وتنبع مشكلة الصراع بين الفلسفة والإيديولوجيا، أساساً، من محاولة تحريف الفلسفة أو الفكر، وفقاً لمصالح وتطلعات الفئة أو الجماعة، مما يجعلها تخرج عن إطار النسق الفلسفي أو تتعارض معه، وذلك يكون وفقًا لتفسير محدد لهذه الفلسفة أو ذلك الفكر، يراه آخرون تحريفاً، ويقوم على تنفيذ الإيديولوجيا جماعة سياسية، تعتقد بها، وتعمل من أجل ترسيخها في الواقع، ويشعر جميع المنضوين تحت لوائها، أن مصالحهم المباشرة ورغباتهم، سيتم تحقيقها ضمن الممارسة العملية للأهداف التى تنطوي عليها الإيديولوجيا، وكل إيديولوجيا تحاول إلغاء التناقضات الفردية، وتوحيد الأفراد المنضوين تحتها، في سياق عملية الاندماج ضمن شعاراتها العامة؛ فالإيديولوجيا تجيد الإيهام في أنها هي فقط: الحق، والحقيقة، والخير، والأخلاق، وأنها بعيدة عن التطلعات الأنانية؛ بل لابد أن نضع في اعتبارنا، القائمين عليها ومصالحهم؛ فقد تكون الشعارات زائفة، وتتناقض مع الممارسة العملية.

وأما عن نظرته لمستقبل الدراسات الفلسفية في عالمنا العربي، فهي نظرة قاتمة؛ حيث يري أنه بعد جيل من المؤسسين للفلسفة في العالم العربي، أخص بالذكر "على عبد الرازق" و"طه حسين"، ثم جيل الرواد، مثل: "عبد الرحمن بدوي"، و"توفيق الطويل"، و"يوسف كرم"، و"زكريا إبراهيم"، و"عاطف العراقي و" حسن حنفي" و" محمد علي أبو ريان"، وغيرهم، نلاحظ اضمحلال في حركة الفلسفة في الوطن العربي. وتواجه دراسة الفلسفة في العالم العربي مشكلات كثيرة، لعل أهمها؛ مشكلة انغلاق الباحث على تخصصه، وفي كثير من الأحيان، تقوقعه على كتابات فيلسوف أو اثنين فقط، هذا يؤدى إلى تحجر الفكر والفلسفة وموت الإبداع.

تحية طيبة للدكتور رمضان الصباغ التي كان وما يزال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علييعد الدكتور جمال حمدان أحد أعلام الجغرافيا المصريين الأفذاذ، والذى حلت ذكرى رحيله السادسة والعشرين قبل أيام، فقد تفرد بلا منافس في علوم الجغرافيا وفلسفات الشعوب، ولطالما ظل اسمه مدونًا في كل المراجع العالمية بلا استثناء، بل ترجمت كتبه العظيمة لمختلف اللغات، واعتبره البعض حالة متميزة جادت بإبداعاتها بكل تفانٍ وإخلاص، ولم لا، فقد كان راهب الجغرافيا والوطن والعروبة بامتياز، جمع بين العلم والفن والفلسفة، كما عُد أحد أعلام الجغرافيا المصريين، ولكنه كما قيل، لم يكن مجرَّد أستاذٍ للجغرافيا في جامعة القاهرة، بل كان مفكِّرًا وعالِمًا، أفنى عمره كلَّه باحثًا عن ينابيع العبقرية في الشخصية المصرية، محلِّلاً للزمان والمكان والتاريخ الذي أدى إلى حفاظ تلك الشخصية على مقوماتها.

فمثلا نجد أنه شكل بمفرده مدرسة راقية في التفكير الاستراتيجي المنظم، مزج فيها بطريقة غير مسبوقة ما بين علم الجغرافيا الذي لا يتعدى مفهومه لدى البعض نطاق الموقع والتضاريس، وعلوم التاريخ والاقتصاد والسياسة، ليخرج لنا مكون جديد أسماه “جغرافيا الحياة”. وأوضح “حمدان” في مقدمة كتابه الموسوعي “شخصية مصر” المقصود بتلك الجغرافيا مشيرًا إلى أنها: “علم بمادتها، وفن بمعالجتها، وفلسفة بنظراتها.. وهذه الرؤية ثلاثية الأبعاد في التعاطي مع الظاهرة الجغرافية تنقل عالم الجغرافيا من مرحلة المعرفة إلى مرحلة التفكير، ومن جغرافية الحقائق المرصوصة إلى جغرافية الأفكار الرفيعة.

ولم تكن الجغرافيا هم “جمال حمدان” الوحيد، لكنه أراد أن يجعل منها مركزًا لكل العلوم، فكان لكل وادٍ عنده نظرية، ولكل بحر دلالة وأهمية، ليصيغ من خلال ذلك نظرية استراتيجية كاملة في عبقرية المكان، ويحلل من خلال تلك النظرية التاريخ والحاضر والمستقبل.

وُلد جمال حمدان في العام 4 فبراير 1928م ، وحصل على الشهادة الابتدائية عام 1939، وقد اهتم والده بتحفيظه القرآن الكريم، وكذلك تجويده وتلاوته؛ مما كان له أثر بالغ على شخصيته، وعلى امتلاكه نواصي اللغة العربية، وقد ظهر ذلك جلياً في كتاباته التي تميزت بأسلوب أدبي مبدع.

وبعد المرحلة الابتدائية التحق بالمدرسة “التوفيقية الثانوية” وحصل على شهادة الثقافة عام 1943، ثم حصل على التوجيهية الثانوية عام 1944، وكان ترتيبه السادس على القطر المصري، ثم التحق بكلية الآداب قسم الجغرافيا.

تخرج من كليته في عام 1948، وتم تعيينه معيداً بها، ثم أوفدته الجامعة في بعثة إلى بريطانيا سنة 1949، حصل خلالها على الدكتوراه في فلسفة الجغرافيا من “جامعة ريدنج” عام 1953، وكان موضوع رسالته: “سكان وسط الدلتا قديما وحديثاً”.

كان الدكتور جمال حمدان يرى أن مصر تحوَّلت من أول أمّة في التاريخ إلى أول دولة، ثم أول إمبراطورية، وتوصل إلى تلك الحقائق من خلال دراسات جادة وأبحاث متعمقة، درس في كلية الآداب- قسم الجغرافيا، وتخرَّج منها في العام 1948 ليعُيِّن معيدًا بها، ثم يسافر إلى بريطانيا في بعثةٍ لدراسة الدكتوراه في العام 1953، وكانت أطروحته بعنوان “سكان الدلتا قديمًا وحديثًا”.

ولا شك في أن كتاباه “دراسات عن العالم العربي” و”جغرافيا المدن”، كانا أول ما سلّط الضوء على عمله المتميز، ليحصل على جائزة الدولة التشجيعية وعمره حينها لم يتجاوز31 سنة.

والناظر بإمعان إلى كتابات حمدان ومنهجه ونظمه الجغرافي؛ يجد أنه كان قد حلَّق بعلم الجغرافيا إلى آفاق بعيدة، لم يستشعر بها أحد من أقرانه الجغرافيين قبله، فحمدان هو روح الجغرافيا الجديدة المتجددة دائمًا وأبدًا، مع أن كتاباته تميل إلى النسق العلمي المتسق بالأدب.

ترك جمال حمدان إرثاً عظيماً نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: (دراسات في العالم العربي، القاهرة، 1958) و(أنماط من البيئات، القاهرة، 1958) و(دراسة في جغرافيا المدن، القاهرة، 1958) و(المدينة العربية، القاهرة، 1964) و(بترول العرب، القاهرة، 1964) و(الاستعمار والتحرير في العالم العربي، القاهرة، 1964) و(اليهود أنثروبولوجيا، كتاب الهلال، 1967) و(شخصية مصر، كتاب الهلال، 1967) و(استراتيجية الاستعمار والتحرير، القاهرة، 1968) و (مقدمة كتاب (القاهرة) لديزموند ستيوارت، ترجمة يحيى حقي، 1969) و(العالم الإسلامي المعاصر، القاهرة 1971) و(بين أوروبا وآسيا، دراسة في النظائر الجغرافية، القاهرة، 1972) و(الجمهورية العربية الليبية، دراسة في الجغرافيا السياسية، القاهرة، 1973) و(6 أكتوبر في الاستراتيجية العالمية، القاهرة، 1974) و(قناة السويس، القاهرة، 1975) و(إفريقيا الجديدة، القاهرة، 1975) و(موسوعة شخصية مصر ـ دراسة في عبقرية المكان من 4 أجزاء، القاهرة، 1975 – 1984).

ولم يكتف جمال حمدان بذلك بل كتب عشرات الصفحات من خواطره، أتوقف أمام بعض منها، متأملا ومتعلما، حيث يقول، العرب بغير مصر "كهاملت" بغير الأمير، سيناء ليست مجرد صندوق من الرمال كما يتوهم البعض، وإنما صندوق من الذهب الأسود. مصر كانت دائما شعبا محاربا، ولكن دون أن تكون دولة محترفة حرب، لأنها محارب مدافع أساسا لا محارب معتد.

وعن إسرائيل يقول : إسرائيل ليست عنكبوتا، ولكنها بناء ملئ بالثقوب، يقوم علي أرض أكثر امتلاء بالحفر، والعلل الأصيلة في مجتمعها هي نقاط قوة لنا في صراعنا ضدها، ونقاط ضعف محققة لها، غير أن إسرائيل، لن تهزم بالنقاط كما يقولون في عالم الرياضة، وإنما تهزم بالضربة القاضية. علي المسلم الذي يكتب عن العالم الإسلامي، أن يضع نفسه في مكان غير المسلم، خاصة الأوروبي المسيحي، ليس فقط ليكون موضوعيا، وإنما، ليستوعب وجهة نظر الآخر. نحن والأقباط شركاء، وإنهم أقرب المسيحيين في العالم، إلي الإسلام بمعني أو بآخر. .

ولم يكتف بذلك بل وينسف بكل ثقة ويقين ادعاءات إسرائيل بأحقيته المزعومة  في أراضي ومقدسات فلسطين، وكذا يستشرف مبكرًا باقتدار مآلات واحتمالات الصدام والتصدع المبكر بين القوى العالمية المهيمنة على إدارة المشهد الدولي حينها ولكن قبل حدوثها بسنوات.

ومن الرؤى المستقبلية التي طرحها وتبدو في طريقها إلى التحقيق تلك النبوءة الخاصة بانهيار الولايات المتحدة، حيث كتب “حمدان” في بداية التسعينيات يقول: “‏أصبح من الواضح تمامًا أن العالم كله وأمريكا يتـبادلان الحقد والكراهيـة علنًا، والعالم الذي لا يخفي كـرهه لها ينتظر بفارغ الصبر لحظة الشماتة العظمى فيها حين تسقط وتتدحرج، وعندئذ ستتصرف أمريكـا ضد العالم كالحيوان الكاسر الجريح”.

كذلك كان أول من أشار إلى مدى تأثير البترول ليس فقط على المجال الاقتصادي، ولكن على المجال السياسي والاستراتيجي أيضًا، وذلك في كتابه “بترول العرب”، وبالفعل ثبت كلامه، فكان البترول وسيلة ضغط فعالة استفاد منها القادة العرب خلال حرب أكتوبر 1973.

كما تنبأ بانهيار الاتحاد السوفيتي في كتابه “استراتيجية الاستعمار والتحرير” عام 1968، وبالفعل انهار الاتحاد السوفيتي عام 1991، كما قام في كتابه الشهير “اليهود أنثروبولوجيًا” بإثبات أن يهود إسرائيل ليسوا أحفادًا لليهود الذين خرجوا من فلسطين قبل الميلاد، وإنما ينتمون إلى إمبراطورية “الخزر التترية” التي قامت بين بحر قزوين والبحر الأسود، واعتنقت اليهودية في القرن الثامن الميلادي، هذا الأمر الذي أكده بعد ذلك “آرثر بونيسلر” مؤلف كتاب “القبيلة الثالثة عشر” الصادر عام 1976.

وذكر الأستاذ إبراهيم النجار (في مقاله الذي نشره بجريدة الأهرام "جمال حمدان.. درس في عشق مصر) أن جمال حمدان المؤرخ المصري، في (17 أبريل 1993م)  قد اغتيل ، عقب احتراق شقته في القاهرة، ووجد وقد احترق نصف جسمه، إثر تسرب غاز حسب الرواية الرسمية آنذاك، إلا أن شقيقه قال، إنه رأى أثار ضربة بأداة حادة في رأس جثة جمال، فيما لم تتجاوز الحروق منطقة الصدر.

كما ذكر شهود عيان، أن ثلاثة كتب انتهى حمدان من تأليفها اختفت من البيت، أهمها "اليهود والصهيونية وبنو إسرائيل"، كما اختفى أجنبيان أقاما شهرين ونصف في شقة تقع فوق شقة حمدان. فهل قتل حرقا أم بضربة على الرأس؟!

ونحن في رحاب الذكري السادسة والعشرين لرحيله، مازال السؤال يتردد، ومازالت هناك علامات استفهام كبيرة لا تنتهي، لا زالت قائمة حتى اليوم، ولم تجد من يفك ألغازها ويجيب علي طلاسمها، حول رحيل واحد من المع وأنبل الظواهر المعرفية في تاريخنا المعاصر، وسط إهمال يعكس جهلا مطلقا بقيمته العلمية والأدبية، ووسط ضياع للإجابة عن سؤال يتعلق بكراسات موسوعته العملاقة، "جغرافيا العالم الإسلامي". وكراسات كتابة المهم "اليهودية والصهيونية"، وهو السؤال الذي لم يجب عنة أحد حتى الآن، ولم يقل لنا أحد أين توجد كراسات الموسوعة والكتاب؟.

وفي نهاية مقالي لا أملك إلا أن أقول رحم الله جمال حمدان، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت امرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه إذا يعروه فقدان في كل يوم ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقبل : جامعة أسيوط

 

 

 

علجية عيشهكذا انقلب قادة الفيس FIS على زعيمهم الشيخ عباسي مدني

كانت كلماته مثل الرصاص تتسلل إلى القلب في صمت، وقد خاطب مرة رافقه قائلا : "ليست مشكلة أن يموت الشيخ بعد أن يكون قد ولد أبناءً صالحين، ولكن المشكلة أن لا يلد أو يلد أبناءً فاسدين"، وإن كان عباسي مدني قد واجه صراعا عنيفا مع اليساريين، فقد تعرض لإنقلاب شديد على يد رفقاء دربه في الحزب حين غازلوا السلطة من أجل اعتماد حزبهم مقابل إقالته هو وعلي بن حاج، فكانت نهاية مطافه المنفى الذي توفي فيه اليوم عن عمر يناهز 88 سنة

غادر زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ الشيخ عباسي مدني ومؤسسها الحياة إلى الأبد تاركا وراءة إرثا سياسيا ضخما مُحَمَّلاً بالأثقال والتبعات والغموض أيضا، هذا الرجل الذي طبع أول حزب إسلامي في الجزائر، ينحدر من مدينة سيدي عقبة ولاية بسكرة، فهو من مواليد 28 فيفري 1931 بمدينة سيدي عقبة، وهي السنة التي تأسست فيها جمعية العلماء الجزائريين على يد رائد النهضة الإسلامية العلامة عبد الحميد ابن باديس، تلقى الشيخ عباسي مدني داخل الزوايا والكتاتيب، ثم واصل دراسته بجمعية العلماء المسلمين، قبل ان ينتقل إلى المدارس الفرنسي، وكان الفقيد أن صرح أنه تلقى تعليمه الديني على يد الشيخ نعيم النعيمي ببسكرة وتلقى دروسا في القرآن والسنة والفقه، حسب الشهادات اقتحم عباسي مدني المعترك السياسي وعمره لا يتجاوز 20 سنة، حيث انخرط في حركة الإنتصار من أجل الحريات الديمقراطية وليدة نجم شمال افريقيا وحزب الشعب، وكانت هذه الحركتين معروف عنها أنهما حركاتن ثوريتان ذات طابع شعبوي.

كان عباسي مدني يرى أن الكفاح المسلح هو الطريق الصحيح لمواجهة الإستعمار الفرنسي، فكان من بين مجموعة حركة الإنتصار التي أسست تنظيما شبه عسكريا وهم: أحمد بن بلة، أحمد محساس، بن بوالعيد، كريم بلقاسم، عمر أوعمران، لخضر بن طوبال، محمد خيضر، محمد بوضياف وحسين آيت أحمد)، وعرف عن عباسي مدني أنه من أبرز النشطاء في هذا التنظيم السرّي، ألقي عليه القبض في عملية الهجوم على مكتب بريد وهران عام 1949، ودخل السجن، فدفعه ذلك إلى المشاركة في عمليات أول نوفمبر 1954 بعد خروجه من السجن، ليلقى على القبض من جديد، فكان مثل الرحّالة من سجن لآخر ( بين سركاجي، سجن بربروس، وسجن الحراش) ولم ير النور إلا بعد الإستقلال، يكشف عباسي مدني في تصريحات ألقاها أن عدم اتفاقه مع جبهة التحرير الوطني هو لأنها انحرفت عن المبادئ الثورية التي كانت عليها من قبل، بل انحرفت عن الإسلام وهو طبعا تصريح خطير من رجل يعرف كيف يداعب المصطلحات السياسية ويلونها باللون الذي تليق بجبهة التحرير الوطني، لم يكن عباسي مدني على وفاق مع الأفلان لأن هذا الأخير أبعد رجاله الحقيقيين وعوضهم بانتهازيين وتينى إيديولوجية دخيلة، وكان في خطاباته يردد عبارة: نحن لسنا تجار مبادئ"، وكان يخشى أن تقع للجبهة الإسلامية للإنقاذ ما وقعت فيه جبهة التحرير الوطني.

وهو يدرس الفلسفة بالجامعة تعرف عباسي مدني على وجوه فكرية وعلمية، من بينهم الهاشمي تيجاني، الشيخ أحمد سحنون، والشيخ العرباوي وعبد اللطيف سلطاني، واتفقوا على تاسيس جمعية سموها جمعية القيم، مهمتها الدفاع عن القيم الروحية والحضارية للجزائر، لكن سرعان ما تعرضت للمضايقات في عهد أحمد بن بلة، ثم حلت نهائيا في عهد بومدين في سنة 1966، كانت المشكلات التربوية في البلاد الإسلامية واحدة من القضايا التي عكف عباسي مدني على دراستها ومعالجتها، وقد حصر هذه الإشكالية في إبراز حجم الإصلاحات التي تعرضت لها النظم التربوية في البلدان الإسلامية وانعكاساتها الثقافية والحضارية، وجعل من النظرية التربوية الحديثة محور اهتماماته مركزا في ذلك على الجانب النهضوي والحداثي، الأول يمثله جمال الدين ألأفغاني ومحمد عبده وابن باديس، والثاني كمال اتاتورك وغيرهم، حسب الكتابات كان الشيخ عباسي مدني يتخذ من مسجد أبو بكر الصديق زاوية لتقذيم دروسه، وكان المسحد عبارة عن كنيسة.

بدأ صراع عباسي مدني مع اليساريين إلى مشادات بين الإسلاميين بالجامعة المركزية بابن عكنون بسبب انتخاب لجنة حرة للطلبة، حيث حاولت مجم وعة من اليساريين يمثلون "المنظمة الثورية "  حسب الكتابات فهذه المنظمة خرج منرحمها حزب العمال الذي تراسه لويزة حنون ومجموعة أخرىتمثل الأفافاس وألأرسيدي، أراد هؤلاء ان ينزعوا لجنة الحي من جماعة مسجد ابن عكنون، ووقعت مشادات عنيفة ذهب ضحيتها احذد الطلبة، وهو المدعو كمال أمزال طالب بمعهد اللغات الأجنبية، المصادر تشير ان ما وقع في تلك الفترة من تخطيط الشيوعية العالمية والماسونية الهدف منها توريط الدولة واصطدامها مع الشعب وضرب الدين الإسلامي والأمة ورجالها، رغم مواقفه، فقد تعرض عباسي مدني ويده اليمنى المتمثلة في علي بن حاج إلى الإنقلاب على يد رفقاء النضال في الفيس، وهم رابح كبير رئيس الهيئة التنفيذية الذي كان في المنف في ألمانيا والشيخ مدني مزراق قائد الجيش الإسلامي للإنقاذ الذان قدما للسلطات تعهدات بإقالة زعيم الجبهة عباسي مدني ونائبه علي بلحاج في حال السماح للحزب بالعودة إلى النشاط أو تأسيس حزب جديد، وأعلن رابح كبير عن تاسيس حزب جديد يختلف في منهجه وإيديولوجيته عن الفيس، هل يمكن القول أن الفيس بوفاة عباسي مدني انتهى إلى الأبد أم أن عناصره سيتحركون من جديد في ظل الضبابية التي تشهدها الساحة السياسية في الجزائر وما يرافقها من مسيرات شعبية يطالب أصحابها برحيل النظام وإحداث تغيير جذري في كل المجالات.

 

قراءة علجية عيش

 

866 شعبان 3حين علمت بصدور مذكرات "عبد الرحمن اليوسفي" رئيس الوزراء المغربي (الأسبق) والذي يسمى في الأدب السياسي المغاربي "الوزير الأول" بادرت بالسؤال عنها لاقتنائها لما يمثله اليوسفي من رمزية وطنية وعروبية وحقوقية وإنسانية كبيرة، تكاد تكون نادرة في هذه الأيام، ولكي أطّلع على تفاصيل أخرى من حياته ومحطّات مهمة كنت أجهل الكثير عنها، وهو الأمر الذي تأكّدت منه بعد قراءتي نصوص المذكرات التي صدرت في ثلاثة أجزاء وهي بعنوان "أحاديث في ما جرى" عكست ما جاء في الجزء الأول "شذرات من سيرتي كما رويتها لبودرقه "كما قال اليوسفي نفسه، والمقصود ببودرقه هو امبارك بودرقه (عباس)  الذي يقول في مقدمته الموسومة" محاولاتي مع بوح سي عبد الرحمن اليوسفي":

"عندما قررتُ في سنة 2016 نشر رسالة باريس للمرحوم محمد باهي حرمة، وشرعت مع صديقي أحمد شوقي بنيوب في تجميع موادها من أرشيف صحافتنا ووثائقنا، برزت لنا مواد أخرى ذات أهمية، كانت بدورها تتطلّع للنشر، وتتمثّل في مداخلات في الثقافة السياسية والذاكرة النضالية للأستاذ عبد الرحمان اليوسفي".

ويشير بودرقه إلى أن ذلك حلم راوده لفترة قاربت عقدين من الزمن، وكثيراً ما حاول إقناع اليوسفي بتدوين سيرته، خصوصاً أدواره ومواقفه في الحركة الوطنية وفي المقاومة وجيش التحرير وفي ما شهده المغرب من أحداث جسام بعد استقلاله، لكنه كان يقابل الإلحاح بالصمت أو بابتسامة عريضة تلك التي لا تفارقه، والحاملة لكل المعاني والتأويلات التي يمكن أن تتبادر إلى الذهن.

ويبدو أن المذكرات ما إن صدرت حتى نفذت لأن كثيرين كانوا ينتظرونها  بشوق مثلي وعلى أحرّ من الجمر كما يُقال، وكنت قد سمعت عن عبد الرحمن اليوسفي وشاهدته  لأول مرّة حين حضر إلى بغداد في ربيع العام 1968 للمشاركة في الحفل التأبيني للشخصية الديمقراطية الكبيرة كامل الجادرجي، الذي أقيم في قاعة الخلد ببغداد، والذي كتبت عنه في جريدة المستقبل اللبنانية يوم 13 آذار (مارس) 2008 ما يلي:

أتذكر ذلك المساء الربيعي، يوم الجمعة 12 نيسان عام 1968، حين بدأ الحفل في قاعة الخلد ببغداد وامتدّ إلى حدائقها لتأبين وتكريم كامل الجادرجي المفكر الديمقراطي ـ الليبرالي، ولعل المفارقة التاريخية يوم اقترب التأبين من يوم مولده المصادف 4 نيسان 1897، حيث اجتمع عند تكريمه رجال فكر وقادة من المشرق والمغرب، إضافة إلى كوكبة لامعة من الشخصيات الوطنية العراقية، الأمر الذي يثير سؤالاً حاراً هو كيف يصبح الاستثناء قاعدة وتلتقي عندها التيارات المتصارعة بما فيها الشمولية أيضاً ؟ افتتح الحفل بكلمة لرفيق عمره ونائب رئيس الحزب الوطني الديمقراطي محمد حديد.

كان مصطفى البارزاني، الزعيم الكردي العراقي حاضراً بشخص صالح اليوسفي، رئيس تحرير جريدة التآخي، واعتلى المنصة الزعيم اللبناني كمال جنبلاط، لينقل تحية الأرز إلى النخيل، ثم ألقى يوسف السباعي تحية شعوب آسيا وأفريقيا، وأعقبه العلاّمة آغا بزرك الطهراني من الحوزة العلمية في النجف، ووصلت برقية الكنانة والأهرام إلى بلاد سومر وبابل وأرض الرافدين وكانت باسم خالد محي الدين وألقيت كلمات للفريق عفيف البزري وبرقية شفيق رشيدات ورسالة من أحمد بهاء الدين، كما تحدث في الافتتاح الدكتور صفاء الحافظ باسم أساتذة الجامعة، والأديب والمفكر اللبناني حسين مروة. وكان عبد الرحمن اليوسفي الشخصية المغربية البارزة، قد وصل لتوه، ومن الطائرة إلى الاحتفال (ليلقي كلمته المؤثرة ) واختتم الحفل بكلمة عائلة الفقيد ألقاها نجله رفعت الجادرجي.

وبالعودة إلى مذكرات اليوسفي فقد جرّبت السؤال عنها في طنجة فلم أجدها، وفي الدار البيضاء في سفرة أخرى، فقيل لي ستجدها في الرباط، وخابت جميع محاولات وآمالي في الحصول عليها في جميع المكتبات التي سألتُ عنها، وكان صديقي الأكاديمي والروائي والكاتب الدكتور محمد المعزوز قد وعدني بتأمين نسخة منها، ولكن الدكتور خير الدين حسيب حين عرف برغبتي  بالاطلاع عليها بادر بتقديمها لي مشكوراً وهي مهداة له من المؤلف ذاته وبخطه وبتوقيعه. وبالمناسبة فإن اليوسفي يرتبط بعلاقات صداقة حميمة مع عدد من الشخصيات العراقية في مقدمتهم أديب الجادر وقد تزاملا في عملهما في جنيف وفي إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان.

866 شعبان 1

II

لعلّ من خصال اليوسفي وشخصيته الأثيرة كما تقول مقدمة بودرقه وما تكشفه نصوص المذكرات ذاتها، وما عرفناه عنه، أنه كثير التأني والتأمل وقليل البوح وبقدر صبره وطول نَفَسِه وتحمّله للشدائد، فقد كان أيضاً دقيقاً في اختيارات جمله ومفردات خطابه، التي يحرص على تدوينها وتوثيقها لأنه لا يريد الارتجال أو لردود الفعل الآنية أن تأخذ مكانها عكس ما يرغب به المرء أحياناً. ومع كل التردد والانتظار وافق  أخيراً وبعد نأي على محاولات بودرقه المتكرّرة ومخاطباته المتعدّدة لتدوين سيرته أو لنقُل بعضاً منها، وهكذا شرع الأخير بتجميع وتوثيق واستكمال نتاجات ونشاطات اليوسفي المتنوعة التي غطت مرحلة تاريخية كاملة، سواء على صعيد الفكر أم السياسة أم حقوق الإنسان أم القانون أم الإدارة أم الصحافة، وقد خصص الجزء الثاني والثالث من مذكراته لرؤيته الاستراتيجية على مستوى الفكر والمواقف والتحليلات السياسية، خصوصاً وهو من الموقع الأول في الدولة.

ومن عمق الذاكرة الحيّة والمتوقدة لرجل تجاوز التسعين (مواليد 8 مارس /آذار 1924)، أمكن رفد المكتبة المغاربية بشكل خاص والعربية بشكل عام، بمادة حيّة وزاخرة لمفكر رؤيوي وسياسي استراتيجي وصاحب رأي ووجهة نظر في التحوّل الديمقراطي، ومناضل مشهود له في ميدان حقوق الإنسان، وهذه المادة ليست سوى ذخيرة أولية يمكن قراءتها بعناوينها الأساسية والاستناد إليها بالتوسّع والتعمّق لفضاء أرحب للمغرب بشكل خاص والعالم العربي بشكل عام، بل على مستوى السياسة والفكر العالميين، بما فيها ملابسات المنظمات الدولية الكبرى.

ولعلّ أهمية قراءة هذه المذكرات أنها  تعطي القارئ فكرة تكاد تكون مدهشة عن عملية ديناميكية متواصلة، طرفيها: السلطة والمعارضة، بما فيها من تداخل وتخارج واتفاق وتعارض وتواصل وتباعد، لكنها عملية متفاعلة تنطلق بالأساس من روح الشعور بالمسوؤلية الوطنية والواجب الإنساني والاعتبارات الأخلاقية في إطار اجتهادات خاصة لكل منهما، دون نسيان المشتركات التي تجمعهما  تحت " الخيمة الوطنية" ولذلك كان كل طرف على الرغم من الجفاء أحياناً يسعى لمدّ جسور من الثقة مع الطرف الآخر الشريك في الوطن حتى وإن بدت الضفتان متباعدتين.

وبالفعل تم بناء هذه الجسور بعمل مضني في ظروف قاسية، لكن تحقيقه وإن كان صعباً وبدا في فترة ما مستحيلاً، إلّا أن روح الشعور العالي بالمسؤولية والحرص على تطور البلاد باتجاه التحوّل الديمقراطي هو الذي ساد في نهاية المطاف، وهذا ما حصل وهكذا انتقل اليوسفي من المعارضة إلى المشاركة ومن الرفض إلى النقد ومن المطالبة بتغيير النظام إلى تحمّل المسؤولية للمشاركة في  إدارته والمساهمة في إصلاحه والعمل من أعلى موقع في الدولة لتقديم رؤية جديدة تتعلق بالتطور السلمي استجابة لمتغيرات داخلية وعالمية.

وقد أسهم هذا التطور في ثلاث جهات أساسية:

أولها - توفر إرادة ملكية سامية بالانتقال السلمي للديمقراطية والعمل على تطويرها بخطوات تدرّجية وتراكمية.

وثانيها - مجتمع مدني ناشط وأجواء حقوقية مساعدة راصدة وناقدة وتسعى لتكون "قوة اقتراح" وليس "قوة احتجاج" فحسب،  بل تبذل ما في وسعها لكي تكون شريكا في اتخاذ القرار وفي تنفيذه لتحقيق التنمية المنشودة.

وثالثها- حركة سياسية وطنية التقت رؤيتها مع الإرادة الملكية العليا ومع تطلّعات المجتمع المدني، ويضاف إلى كل ذلك شجاعة من جميع الأطراف بمواجهة الصعوبات ومجابهة التحدّيات للوصول إلى المشترك الذي يخدم البلاد والعباد  ويطمح للحاق بركب البلدان الديمقراطية تأسيساً على قيم إنسانية مشتركة، وفقاً لثلاثة اعتبارات:

الاعتبار الأول- تجاوز مآسي الماضي وفتح صفحة جديدة من العلاقات بين الأطراف المعنيّة في إطار مسار طويل الأمد ونضال متعدّد الجهات والوجوه والأشكال.

والاعتبار الثاني- تطبيق معايير العدالة الانتقالية وفقاً للظروف المغربية، سواء بكشف الحقيقة أم بالمساءلة أم بجبر الضرر أم بالتعويضات للوصول إلى إصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني ووضع آليات لمنع تكرار ما حصل، والهدف هو تحقيق المصالحة الوطنية، في إطار الاعتراف والتسامح بعيداً عن الانتقام والثأر والكراهية. وتعتبر التجربة المغربية بسياقها التاريخي أولى تجارب العدالة الانتقالية في العالم العربي، علماً بأن بعض من تولى مسؤولية قيادة مثل هذا التحوّل الحقوقي المهم هم من ضحايا العسف سابقاً الذين شاركوا بفاعلية في عملية التحوّل الديمقراطي، أذكر منهم الصديق إدريس بن زكري الذي قضى 17 عاماً في السجن وكنت قد أهديت له كتابي " الشعب يريد... تأملات فكرية في الربيع العربي" (2012) وكان قد غادرنا قبل هذا التاريخ.

أما الاعتبار الثالث- فهو التطلع للمستقبل، خصوصاً باحترام معايير حقوق الإنسان والشرعة الدولية، والانضمام إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وإطلاق حريّة التعبير والحرّيات الديمقراطية بما فيها الحق في التنظيم الحزبي والنقابي والاجتماعي والحق في الشراكة والمشاركة وعدم التمييز. وقد كانت للتغيرات الدستورية في المغرب التي حصلت بعد فترة ما سمي بالربيع العربي أن أرست قواعد دستورية جديدة لأفق تطور لاحق للانتقال الديمقراطي  توّجت بدستور العام 2011.

وكانت فترة إدارة اليوسفي قد أسست لمثل هذا التطور، وكنت شاهداً وراصداً عليها، وداعماً لها بالمقترحات والمشاورات، خصوصاً من خلال وزير حقوق الإنسان الصديق محمد أوجار، الذي أسهم بحيوية واقتدار في تحمّل مسؤولياته ما أهلّه اليوم ليكون وزيراً للعدل. وخلال رئاستي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن  كنت قد استضفته (أواخر التسعينات) في محاضرة بجامعة سواس Soas وفي لقاءات مع الجالية العربية ومع جهات رسمية ودولية عديدة لشرح آفاق التجربة المغربية، مثلما التقيت بالوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي أكثر من مرّة خلال رئاسته للوزارة، وهو ما سيرد ذكره في هذه المداخلة.

866 شعبان 2

III

ولد عبد الرحمن اليوسفي في يوم 8 آذار (مارس) 1924 في مدينة طنجة وتلقى تعليمه الأولي فيها وكانت طنجة حينها تخضع لنظام دولي بعد ثورة الريف بقيادة عبد الكريم الخطابي. خلال عمله النضالي تعرّض للسجن والتعذيب واضطر للعيش في المنفى 15 عاماً وعاد إلى المغرب العام 1980، بعد لقاء والدته مع جلالة الملك الحسن الثاني بطلب من الأخير، سألها في آخر اللقاء عن أي طلب لها، فقالت له أريد عودة " ولدي" وهذا ما حصل، حيث كان قد صدر عفواً عنه.

وكان عبد الرحمن اليوسفي على علاقة وطيدة مع المهدي بن بركة الذي اختطف من باريس العام 1965 واختفى قسرياً منذ ذلك الحين، ويتحدث في مذكراته بإعجاب عنه منذ أن تعرّف عليه العام 1943 فيذكر قدراته التنظيمية والحوارية وديناميكيته وطاقته العالية وفكره المتنوّر، وكان في ذلك التاريخ قد انخرط معه في حزب الاستقلال.

ومن الطرائف التي يذكرها اليوسفي في مذكراته أنه ظلّ متمسكاً بالطربوش والجلباب  التقليدي في مراكش والرباط، لكنه تخلّى عنهما بعد حادثة عرضية منذ العام 1944، وعاد لارتدائهما في مناسبات بروتوكولية العام 1998 بعد تعيينه وزيراً أولاً من طرف الملك الحسن الثاني .

ويستذكر اليوسفي عمله في الحركة الوطنية وفي تنظيم الخلايا النقابية العمالية التي شكّلت بذوراً للمقاومة في الحي المحمدي وكانت تنشط في إطار " الاتحاد العام للنقابات المغربية" التي يشرف عليها كما يقول، مناضلون من الحزب الشيوعي الفرنسي (في الأربعينات).

ويروي اليوسفي عن لقائه  الأول بـ عبد الرحيم بو عبيد (1949-1950) في باريس، وكان عبيد قد اعتقل العام 1944 وقضى سنتين في السجن، ثم ذهب هو الآخر إلى باريس لإتمام دراسته، وكان مسؤولاً عن حزب الاستقلال فيها، ويستذكر انعقاد دورة للجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس (1951) ولقاءه بـ عبد الرحمن عزّام " أمين عام جامعة الدول العربية"، الذي ساعده في طرح القضية المغربية على العديد من الوفود العربية، لكن السلطات الفرنسية شعرت بعدم الرضا وقامت بطرده، وكان يومها مسؤولاً عن الطلبة.

ولكن الملك محمد الخامس احتجّ على قرار الطرد والاحتجاز لدى السلطات الفرنسية، ثم تم تنسيبه إلى قيادة مكتب القاهرة وسعيه للحصول على جواز سفر مصري، لكن نجاح ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 حال دون ذلك. واضطر اليوسفي للعودة إلى طنجة (1952)، ويستذكر الإضراب الذي تم تنظيمه في المغرب تضامناً مع تونس بعد اغتيال مجموعات متطرّفة فرنسية القائد النقابي التونسي  فرحات حشّاد (1952)، وتعرّض التظاهرات الحاشدة لقمع قوات الاحتلال الفرنسي، وخصوصاً في الدار البيضاء.

وفي الوقت الذي كانت البلاد محتلّة من الفرنسيين، كان الشمال المغربي محتلاً من طرف إسبانيا، وكانت المقاومة المغربية تتركّز في الشمال، وحين انطلقت الثورة الجزائرية العام 1954، استفادت من هذا الفضاء الذي وفّرته المقاومة المغربية، ويستذكر اليوسفي عودة الملك محمد الخامس إلى المغرب 1955 ويشير إلى التنسيق بين قادة المقاومة في المغرب والجزائر، والبحث عن أسلحة ومعدّات لدعم جيش التحرير المغربي والجزائري وبمساعدة الأجهزة  المصرية في ذلك عبر أحمد بن بلّه الذي كان يمثّل الثورة الجزائرية ومعه محمد بوضياف ومحمد العربي بالمهيدي.

ونقلت الأسلحة من الإسكندرية  بباخرة تدعى دينا Dina  وصلت إلى مدينة الناظور المغربية (28 شباط/فبراير/1955) وكان على ظهرها محمد بوخروبه وهو الاسم الحقيقي لـ"هواري بومدين" الذي كان يتابع دراسته بالأزهر الشريف.

وكان ربّان السفينة شاب يوغسلافي اسمه ميلان،  عاش في الإسكندرية هو وزوجته وابنته، وحين حصل العدوان الثلاثي على مصر العام 1956، تطوّع للدفاع عنها، فاستشهد في بور سعيد، حين انخرط مع المقاومة المصرية أثناء قيامه بإحدى العمليات. وكان الأمير مولاي الحسن قد زار مصر بعد تأميم قناة السويس وتفقّد عائلة ميلان الذي غامر بحياته لقيادة الباخرة التي نقلت الأسلحة  إلى المقاومة المغربية والجزائرية، وقدّم لها هدايا رمزية، كما يذكر اليوسفي، وقد تزوّج الأخضر الإبراهيمي الشخصية الجزائرية الوطنية والدبلوماسية من ابنة ميلان واسمها مليكا.

ويشير اليوسفي إلى أن المجلس الوطني للمقاومة كان يترأس اجتماعاته علّال الفاسي وبغيابه يتولى المهمة عبد اللطيف بنجلون، ويذكر أن الفقيه محمد البصري كان من أنشط عناصر هذا المجلس وهو ما أهّله ليكون رئيساً له وأعلن عن "ثورة الملك والشعب"، وفي الذكرى الثانية لها (1957) انتقد البصري انزلاق البلاد نحو الاستعمار الجديد بسبب سياسة الاستيطان الفرنسية، ويشير إلى الخلافات داخل حزب الاستقلال  التي قادت إلى تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية 1959، وذلك اعتماداً على العناصر الشابة ذات التوجه التجديدي.

ويروي عبد الرحمن اليوسفي قصة اختطاف القادة الجزائريين الخمسة يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1956، حين أقلعت طائراتهم من المغرب إلى تونس، حيث اعترضتها المقاتلات الحربية الفرنسية، والقادة الخمسة هم أحمد بن بلّه وحسين آية أحمد ومحمد خيضر ومحمد بو ضياف ومصطفى الأشرف، وقد توجهوا إلى تونس لحضور الندوة المغاربية التي شارك فيها الملك محمد الخامس والحبيب بورقيبة، وكان اليوسفي، كما ينقل، قد رافقهم خلال وجودهم  في المغرب، كما دافع عنهم لاحقاً كمحامي انتدبته الحكومة الثورية المؤقتة للثورة الجزائرية، وبالتضامن من جانب قادة المقاومة المغربية.

وبالطبع قضى القادة الخمسة نحو ستة سنوات في السجون الفرنسية، وأطلق سراحهم في 19 مارس (آذار) 1962 عشية محادثات إيفان وقبيل استقلال الجزائر بنحو 3 أشهر.

IV

في العام 1959 حجزت السلطات المغربية جريدة "التحرير"  التي كان رئيس تحريرها عبد الرحمن اليوسفي واعتقلته، كما اعتقلت الفقيه محمد البصري بالدار البيضاء، إثر افتتاحية للجريدة، ونقل إلى "سجن لعلو" وقد أضرب عن الطعام مما اضطر إدارة السجن إلى استدعاء طبيبين لعلاجه، وقرّرا نقله إلى مستشفى ابن سيناء بالرباط، وتم إطلاق سراحه بعد أسبوعين، وبقي البصري نحو ستة أشهر.

بعد خروجه من المعتقل التقى بالملك محمد الخامس في كانون الأول (ديسمبر) 1959 في جنيف وكان هذا آخر لقاء، حيث توفي الملك بعد ذلك كما يذكر اليوسفي  في 26 فبراير (شباط) 1961 وتولّى الأمير الحسن الذي أصبح الملك الحسن الثاني مقاليد العرش في مارس (آذار) 1961.

ويذكر اليوسفي الصراعات التي أعقبت تولي الحسن الثاني إدارة البلاد، ابتداء من الاستفتاء على دستور العام 1962 ومروراً بإشكالات المجلس الدستوري  والانتخابات التشريعية، تلك التي يتناولها بمرارة حيث تمت الإطاحة به فيها، وكان الحزب قد رشحه عن طنجة، بينما نجح جميع أعضاء الأمانة العامة للاتحاد الوطني للقوى الشعبية، وقد شهدت تلك المرحلة حملة ضد الصحافة وحرية التعبير،إضافة إلى  حملة الاعتقالات حيث  تعرّض لها العديد من المناضلين (حوالي 100) بإشراف الجنرال محمد أوفقير (مدير الأمن الوطني آنذاك) والرائد أحمد الدليمي وقد تم تقديمهم للمحاكمة وصدرت الأحكام بإدانتهم (1964) لاتهامهم بمؤامرة مزعومة، بينهم من حُكم عليه بالإعدام (11 من المتهمين)، وجاهياً وغيابياً، والقسم الآخر بأحكام غليظة. وحكم على اليوسفي سنتين مع وقف التنفيذ.

ويقول اليوسفي أن هناك محاولة أولى للتناوب ابتدأت في ذكرى 20 أغسطس (آب) 1964، حيث أصدر الملك الحسن الثاني عفواً بتحويل بعض الأحكام من الإعدام إلى السجن المؤبد، ثم إطلاق سراح 65 معتقلاً بمن فيهم الفقيه البصري وعمر بنجلون ومؤمن الديوري، واستقبل الملك عبد الرحيم بوعبيد وأبلغه بالتفكير بتكوين حكومة وحدة وطنية، وأرسل ابن عمه مولاي علي لإقناع المهدي بن بركه العودة إلى المغرب، وتم اللقاء في فرانكفورت، وأبدى بن بركه تحفظاته حول الجنرال أوفقير وعصابة الإجرام  كما يسميها اليوسفي، لكن اختطاف المهدي بن بركه يوم 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1965 بدّد تلك المحاولات وأدخل البلاد في دوامة جديد من الصراع وشغل الرأي العام الوطني والدولي، ولا يزال مصير بن بركه مجهولاً حتى الآن وكان الرئيس ديغول قد اتهم أوفقير بالضلوع بالعملية حسبما يذكر اليوسفي.

V

يروي اليوسفي جانباً آخر من حركته في المنفى وهو متابعة دراسته واهتمامه بحقوق الإنسان وعمله في إطار اتحاد المحامين العرب (الأمين العام المساعد) ويشير إلى مشاركته بتأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليماسول (قبرص) 1983 والدفاع عن المناضلين الفلسطينيين أمام المحاكم الأوروبية وكذلك ضد الجرائم التي ترتكب في الفيتنام، كما عمل في إطار منظمة التضامن الأفروآسيوي (الأبسو) .

وبعد صدور عفو عنه العام 1980 عاد إلى الوطن وكان قد تعرف على زوجته كما يقول" هيلين" في العام 1947 بمدينة الدار البيضاء كما يذكر، وهي من أصل يوناني، وسكن والدها الخياط في المغرب. بعد أن عاشت العائلة في فرنسا، وقد تزوج منها بعد 21 عاماً من التعرف الأول عليها، حيث انتقلت العائلة إلى مدينة "كان" الفرنسية.

يتناول اليوسفي قيادة عمر بن جلون ثم عبد الرحيم بوعبيد للاتحاد الوطني للقوى الشعبية، ومن بعد قيادته، وتعيينه وزيراً أول بعد استقباله الملك الحسن الثاني بالقصر الملكي بالرباط يوم الأربعاء يوم 4 فبراير(شباط) 1998 وخاطبه الملك قائلاً" إنني أقدّر فيك كفاءتك وإخلاصك وأعرف جيداً منذ الاستقلال إنك لا تركض وراء المناصب، بل تنفر منها باستمرار، ولكننا مقبلون جميعاً على مرحلة تتطلّب بذل الكثير من الجهد والعطاء من أجل الدفع ببلادنا إلى الأمام حتى نكون مستعدين لولوج القرن الحادي والعشرين..."

ويشير اليوسفي إلى الثقة الكبيرة والواعدة من جانب الملك الذي قرّر أن يجعل "التناوب" لا مجرد تناوب أشخاص أو أحزاب، بل بداية مسيرة جديدة خصّها جلالته بقسم خاص..."

وقد فتحت تلك الخطوة ديناميكية جديدة في المسار السياسي للمغرب وأغلقت الصفحات السابقة بما فيها من صراع ومآسي، وهو الأمر الذي شهد تطورات لاحقة لتعزيز التوجّه الديمقراطي، خصوصاً ببناء أعراف جديدة وتفعيل ثقة المواطن بالدولة ومصالحة الشعب مع الحكومة . وعلى الرغم من أن الحكومة كانت مدعومة بثقة الملك، لكنها تعرّضت لتحديات عديدة وواجهتها صعوبات داخلية وخارجية، بما فيها بعض التوجهات من داخل الحزب الذي يقوده اليوسفي الذي أصرّ على أنها تجربة علينا أن نخوضها كاجتهاد وهو ما حاولت أن أحاوره فيه.

وكانت وفاة الملك الحسن الثاني 23 يوليو (تموز) 1999، وأتذكّر ذلك اليوم جيّداً، حيث كنّا باجتماع خبراء حقوقيين وعددنا 19 خبيراً في أثينا، وكان الأخ عبد العزيز البنّاني بيننا، وإذا بتلفون يأتيه فيتجه إلى زاوية من المكان الذي كنّا نجتمع فيه والحزن والألم ظاهرين عليه، ومن الحاضرين: بهي الدين حسن (مصر) هيثم مناع (سوريا) محمد السيد سعيد (مصر) أمين مكي مدني (السودان) خضر شقيرات وراجي الصوراني (فلسطين) وكاتب السطور (العراق)، وأبرقنا إلى اليوسفي نعزّيه.

واستمر اليوسفي حتى تم إجراء الانتخابات في 27 سبتمبر (أيلول) 2002 بعد مبايعة الملك محمد السادس، وكانت تلك الانتخابات الأكثر نزاهة وهي بإشراف حكومة التناوب التوافقي، أو يمكن القول الأقل تزويراً حسب تأكيدات الصحافة العالمية بما فيها اللوموند الفرنسية ومنظمات دولية معتمدة.

وكان اليوسفي قد قرّر الاعتزال بعد ذلك بنحو عام في أكتوبر (تشرين الأول) 2003، فكتب استقالته من الحزب وسلّمها إلى الصديق المحامي (رئيس نقابة محامي الرباط) محمد الصديقي (عضو المكتب السياسي) كما أبلغ عبد الواحد الراضي بنقل رسالة استقالته إلى أعضاء المكتب السياسي، مقدّماً تجربة رائدة على مستوى تحمّل المسؤولية بنزاهة منقطعة النظير ونكران ذات وشعور وطني صادق.

ويشير الجزء الأول من المذكرات إلى بعض المعالجات التي أقدمت عليها حكومة اليوسفي مثل الضمان الصحي وتشغيل الشباب من حاملي الشهادات العليا وترسيخ الانتقال الديمقراطي، والأهم في ذلك هو مسار العدالة الانتقالية الذي تميّزت به التجربة المغربية، كما احتوت على عدد من الملاحق المهمة التي هي تحتاج إلى قراءة خاصة.

VI

وكنت قد جئت على لقاء خاص جمعني باليوسفي  (ننيسان/ ابريل/ 1999 في منزل المحامي عبد العزيز البنّاني) وقد نشرته في كتابي الموسوم" سعد صالح : الضوء والظل - الوسطية والفرصة الضائعة" والمنشور في بيروت العام 2009 والمطبوع ثانية في بغداد 2012، وأحاول أن أنقل بعض الفقرات الخاصة منه والتي جاء بعنوان " استعادة تاريخية" حيث ورد فيه :

في حديث جمعني في كازابلانكا " الدار البيضاء" العام 1999 مع عبد الرحمن اليوسفي وكان حينها قد تولّى رئاسة الوزراء " الوزير الأول" كما يسمّى في المغرب العربي بعد أن كنت قد تعرفت عليه عندما كان رئيساً لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو من الشخصيات الحقوقية المؤثرة، حيث عمل في المنظمة العربية لحقوق الإنسان وفي اتحاد الحقوقيين العرب، ثم قبل تكليفاً ملكياً بتولي رئاسة الوزراء، وكان اليوسفي قد طلب اللقاء مع نخبة من زملائه العاملين في الإطارين ذاتهما، على دعوة عشاء نظمها الأستاذ عبد العزيز البنّاني في بيته، يومها تحرّك فيّ الهاجس الصحفي لسببين، الأول هو كيف يمكن لمعارض وطني قضى أكثر من ثلاثة عقود في المنفى أن يتبوأ رئاسة وزارة في عهد ما زال مستمراً وكان من أشد المعارضين له، بل داعياً لإلغائه؟ والثاني كيف يفهم السياسي الوطني معارضته من خلال هيكل الدولة وكيف يمكن التعامل معها؟

بادرت حينها إلى إثارة النقاش بسؤال الوزير الأول: ألا تشعر أحياناً بالغربة أو الاغتراب، يا " دولة" سي عبد الرحمن وأنت في هذا الموقع؟ وكان جوابه، نعم والى حدود غير قليلة، لكن شفيعي أن جزءًا من خطابي ما زال معارضاً، وهو ما كنت ألمسه في أحاديثه وخطبه التي تابعتها لأكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، بما فيها عندما أستقبل عدداً محدوداً من الذين يرتبطون بعلاقة أو معرفة معه في منزله وكنت بينهم، الذي رفض البقاء فيه رغم طلب الملك نفسه، لكنه عاد إلى شقته التي كان يسكنها قبل توليه الوزارة، وبعدها أردف اليوسفي قائلاً: لقد كنّا نعارض الدولة من خارجها وربما بعض معارضتنا الآن من داخلها، وهي تجربة اخترناها بالأغلبية رغم تحفظ بعض الأصوات، وعلينا اجتيازها، نأمل أن تكون مفيدة وناجحة، وهي تجربة مفتوحة للزمن للمناقشة والتقييم.

وقال اليوسفي كنّا نعتقد ان بعض الملفات يمكن أن نفتحها بيُسر وسهولة وإذا بها مغلقة أمامنا، وبعضها اعتقدنا بصعوبة فتحها وإذا بها مفتوحة أمامنا، بل أننا استطعنا المضي فيها إلى حدود كبيرة، بما فيها ملفات التعذيب والمساءلة وجبر الضرر والتعويض، فضلاً عن إعادة النظر ببعض القوانين وتشريع قوانين جديدة.

استذكرتُ أثناء حديثه سعد صالح، وأنا أعدّ كتاباً عنه،  فسعد صالح عندما انتقل إلى المعارضة، جاء إليها من موقع الدولة والمعرفة بشبكة علاقاتها المركّبة والمعقّدة، لاسيّما مواطن الخلل والضعف فيها، لا معارضة بالشعارات حسب، ولعلّ المعارضة ليست وظيفة دائمة، كما أن الحكم ليس هدفاً بحد ذاته أو وظيفة مستمرة، وعلى السلطة والمعارضة، فيما إذا توفّرت فرصة التناوب والتداول والانتخاب، انتظار رأي الناس ببرامجهم ومشاريعهم السياسية، فذلكم هو ما ندعوه بـ"التجربة الديمقراطية" في الدول العصرية المتقدمة. التجربة إذاً معيار أساس في المعرفة ولفحص وتدقيق النظرية، والتأكد من صواب وصحة ومدى انطباق الممارسة، وسيرها بخط متوازي مع النظرية.

وإذا كان سعد صالح قد انتقل من موقع المسؤولية في الحكم إلى موقع المعارضة، فقد ترك بصماته وختمه على الحياة السياسية، فمن كان يتصوّر أن بإمكان مسؤول ما أن يبادر إلى اتخاذ إجراءات تتعلّق بإجازة أحزاب معارضة راديكالية وإلغاء السجون وإطلاق سراح المعتقلين، وإطلاق حرية الصحافة، لكن سعد صالح كان قد قرأ الوضع الدولي جيّداً، لاسيما بعد هزيمة الفاشية واتساع نطاق الأفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان وبخاصة بعد إبرام ميثاق الأمم المتحدة  العام 1945، وبالتساوق مع بعض إرهاصات الوضع الداخلي، (ومثل هذا الأمر قام به عبد الرحمن اليوسفي حين قرأ اللحظة التاريخية وقرر بشجاعة خوض التجربة) وهو ما يدخل في إطار علم السياسة التنبوئي حيث يضع الجميع أمام مسؤولياتهم.

في الختام أقول أن اليوسفي جمع في شخصه الاستقامة الشخصية والنزاهة الأخلاقية، إضافة إلى قوة المبادئ وصلابة الرأي، فضلاً عن قدرته عن التقاط الجوهري من الأشياء، لاسيّما اللحظة التاريخية، وتعكس مذكراته الإيمان الحقيقي بقيم الحرية وحقوق الإنسان واحترام الرأي والرأي الآخر في وقت كانت الأفكار الشمولية هي السائدة، مثلما تظهر الغنى الروحي والثراء المعنوي .

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

ضياء نافعخليل هو الدكتور خليل عبد العزيز، السياسي المعروف ومؤلف كتاب – (محطات من حياتي) الصادر في بغداد العام 2018، وابراهيم هو ألاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف، المؤرخ العراقي الكبير والاستاذ اللامع في جامعة الموصل، والخلاف الذي حدث بينهما هو خلاف فكري بحت حول موقفهم الشخصي من احداث معينة جرت في التاريخ الحديث للعراق كانا (كلاهما) شاهدين لها وشاهدين عليها كل من موقعه. ولنبدأ قصة الخلافات (الفكرية!) الطريفة هذه من بدايتها، اذ انها – في رأينا - تستحق المتابعة الدقيقة فعلا (وصولا الى الاستنتاج المنطقي حول ذلك، وهو الهدف الاساسي لهذه المقالة)، فهي خلافات بين علميين من أعلام المثقفين العراقيين المعاصرين، الذين يساهمون (بحياكة!) التاريخ العراقي الحديث وتدوينه للاجيال العراقية الحالية واللاحقة، وتدوين الاحداث (مهما كانت صغيرة) بدقة وموضوعية ينعكس – بالتأكيد – على مجمل مسيرة التاريخ العراقي ومصيره، وعلى نبض الحياة طبعا بالنسبة لحاضر بلادنا ولمستقبلها ايضا، ولنتذكر بيت الجواهري، الذي رسم صورة فنيّة وعميقة لهذه الحالة  –

 ومن لم يتعظ لغد بامس   وان كان الذكي- هو البليد

القصة هذه بدأت عندما كتب العلاف عرضا جميلا – كعادته دائما لأنه مؤرخ يتابع ويسجّل ما يجري حوله من أحداث – لكتاب خليل عبد العزيز (محطات من حياتي) باعتباره وثيقة مهمة من وثائق العراق وتاريخه، ونشر العلاف هذا العرض في موقع الكتروني معروف وواسع الانتشار، وهذا العرض هو قراءة موضوعية وهادئة وشاملة للكتاب المذكور. في ذلك العرض جاءت نقطة الخلاف الوحيدة واقعيا بين الاثنين، وكانت تدور حول تفاصيل احداث الموصل عام 1959 الشهيرة، والمرتبطة بحركة الشواف، والتي ساهم بها شخصيا د. خليل عبد العزيز، عندما كان أحد المسؤولين عن التنظيمات الطلابية آنذاك، والتي شاهدها أ.د. ابراهيم العلاف ايضا عندما كان يافعا.

 بعد ان نشر د. ابراهيم العلاف تلك القراءة للكتاب، أجاب د. خليل عبد العزيز عليه بمقالة نشرها ايضا، ودافع طبعا عن وجهة نظره التي جاءت في كتابه المذكور حول تلك الاحداث، وهكذا اصبح الخلاف بينهما علنيا، وقد اضطر العلاف بالطبع ان يجيب بمقالة جديدة يناقش فيها ذلك، وعاد عبد العزيز وكتب جوابا على ذلك الجواب، وهكذا أصبح لدينا مجموعة مقالات، وهي - عرض للكتاب بقلم العلاف وجواب على العرض بقلم عبد العزيز وجواب على الجواب بقلم العلاف وجواب على جواب الجواب بقلم عبد العزيز، وكنت اتابع هذا النقاش بدقّة بين زميلين أعتّز جدا بزمالتهما، وبغض النظر عن رأيّ الشخصي الخاص حول ذلك الخلاف، فقد كنت ارى في تلك النقاشات بينهما المستوى الرفيع والعفيف والنبيل للتعبير عن تلك الخلافات، فلا يوجد تشنج ولا عصبية ولا اتهامات ولا احكام حادة تجاه البعض، وكان كل باحث يعرض بهدوء رأيه الخاص به، مع التأكيد على احترام الرأي الآخر رغم الاختلافات غير البسيطة بين الاثنين، وهذه مسألة كبيرة جدا في زماننا الردئ هذا، حيث نرى النقاشات (البذيئة والوسخة!) مع الاسف الشديد جدا، والتي يعطّ منها الاندفاع الذاتي الوقح، والذي ينطلق من المصالح الشخصية البحتة، والمنافع المادية ليس الا، وكل ذلك يجري طبعا (برعاية !!!) من جهات واضحة المعالم ...

ونعود الى قصة هذا الخلاف بين خليل وابراهيم (التزاما بعنوان مقالتنا طبعا)، فقد انقطعت أخباره عنّي رغم اني كنت اتابعه بدقة، واستفسرت عن ذلك، فجاء الجواب من الزميل الدكتور خليل نفسه، اذ تبين انه زار العراق، ومن الطبيعي انه يجب ان يمرّ حتما بمدينته الحبيبة الموصل، وطنه الصغير ومسقط رأسه، ولكن هذا المرور كان لمدة يوم واحد فقط لا غير، اذ لم تسمح ظروفه باكثر من ذلك، ومع هذا، فقد اراد ان يلتقي بالدكتور ابراهيم الذي يسكن هناك، ولكن كيف ؟ وهكذا قرر ان (يجازف!) ويبعث اليه بخبرعن رغبته تلك بحذر شديد وبوجل طبعا، واذا بالدكتور ابراهيم يستجيب للمقترح رأسا وبحماس منقطع النظير، وهكذا تم اللقاء في بيت الدكتور ابراهيم نفسه، وفي هذا اللقاء الجميل تحدثا عن تلك المقالات والخلافات، وتم (تسويتها!!!) بنفس تلك الروحية الانيقة والراقية والنبيلة، التي تحدث بين المثقفين الحقيقيين، الذين توحّدهم روحيّة عراقيتهم الاصيلة وعراقة اصالتهم العراقية وجذورهم الوطنية في اعماق الارض العراقية . وهذا هو الاستنتاج الذي أشرت اليه في بداية هذه المقالة، وهذا هو الهدف من كل هذه السطورالتي أكتبها، والتي أريد في نهايتها ان أحيي الدكتور خليل، الذي كتبت عنه العديد من مقالاتي، ومنها مثلا – (خمس ساعات في موسكو مع د. خليل عبد العزيز بحلقتين / كتاب نصف قرن بالروسية ..وغيرها)، وكذلك اريد ان أحيي الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف، الذي أعرفه منذ سنوات النشر في جريدة الجمهورية البغدادية في سبعينات القرن العشرين، والذي اقترحت مرة عليه (عندما كنت مديرا لمركز الدراسات العراقية – الروسية في جامعة فارونش الروسية بداية القرن الحادي والعشرين هذا) اصدار كتاب بتأليفه عن المركز، يعرّف الروس بعدة شخصيات عراقية، وأذكر استجابة د. العلاف السريعة لهذا المقترح، وكيف انه أرسل لي فعلا المواد الاولية عن هؤلاء الاعلام العراقيين، وكم تأسفت آنذاك لان مركزنا لم يستطع تحقيق ذلك المقترح الرائد، والذي لازلت لحد الان أحلم بتحقيقه مستقبلا ضمن خطط دار نوّار للنشر.  

 

 أ.د. ضياء نافع

 

محمود محمد عليالدكتورة قدرية إسماعيل إسماعيل.. هي واحدة من كبار الرواد في دراسة فنومنولوجيا هوسرل  بمصر، والعالم العربي، وقد استطاعت من خلال بحوثها ومؤلفاتها أن تنقل البحث في الفلسفة الفنومنولوجية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كانت في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديها هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

وشخصية الدكتورة قدرية إسماعيل هي الأخرى متميزة بطابع الجدية . وقد كان الحوار معها من أصعب الأمور، وخاصة علي أولئك الذين لا يحسنون استخدام عقولهم . فهي لا تقبل هذراً ولا فوضي. والألفاظ لديها ينبغي أن تكون علي قدر معانيها . فالتزيد مرفوض، والفيهقة مستحيلة . لذلك كانت دائرة أصدقائها ضيقة جدا، ومعارفها قليلين . وصارت الفكرة التي شاعت عنها أن الصغار يخشون منها، والكبار يهابونها.

وهَبَت الدكتورة قدرية إسماعيل حياتها كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظلت اهتماماتها الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن . وكانت تعتقد أن قدراتها الخاصة لا تقل بحال من الأحوال عن قدرات أي باحث مماثل لها في أوربا . لذلك فإن حوارها مع كبار الأساتذة في إنجلترا ( خلال البعثة في سبعينات القرن الماضي) أو الولايات المتحدة الأمريكية ( عندما زارتها في تسعينيات القرن الماضي)، كان يتسم بالندية . وكانت تصحح الكثير من آرائهم بالاعتماد علي المنهج العلمي الحديث في البحث والدرس الفلسفي .

إن مثل هذه الشخصية العلمية المتميزة كانت تحتاج إلي البيئة الملائمة لكي تقدم أطيب الثمار، وقد عملت الدكتورة قدرية إسماعيل في ظل ظروف غاية في الصعوبة، ومع ذلك استطاعت أن تؤكد ذاتها، وأن تحفر بأظافرها مجري خاصاً بها، بين دارسي الفلسفة المحدثين، وعلي الرغم من ذلك الجهد الجبار الذي بذلته في البحث والعطاء، فقد خلت حياتها تقريباً من لحظات التقدير التي يتلقاها العامل المجد، بل علي العكس : كان نجاحها هو سر مأساتها ! الغيرة والحسد، ومحاولات الوقيعة، ونشر الشائعات المغرضة : هي كل ما كانت قدرية إسماعيل تراه من حولها، في داخل كليتها. أما في خارجها، وعلي مستوي دارسي الفلسفة في مصر، فلم يكن هناك سوي الصمت المطبق عن جهودها البحثية، وكان هذا الصمت بمثابة عملية قتل بطئ .. والوحيد الذي مزق هذا الصمت كان هو (أستاذنا) الدكتور عاطف العراقي، حين تحدث عن جهودها وامكاناتها في الفلسفة الغربية، وتحدث عن منهجها، وبعد موت د. عاطف العراقي عاد الصمت واستمر النكران.

والدكتورة قدرية اسماعيل من مواليد 26/9/1941، بمحافظة الدقهلية، حيث حصلت علي  المرحلة الجامعة الأولي وهي ليسانس الآداب  من كلية البنات بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولي، وذلك سنة 1962، وحصلت علي درجة الماجستير من كلية البنات في موضوع سنة 1969 في موضوع بعنوان  "فلسفة ليبنتز : الميتافيزيقا والإلهيات بتقدير ممتاز سنة 1969، وحصلت علي درجة الدكتوراه من كلية الآداب في موضوع عنوانه "مشكلة المعني في فلسفة اللغة " بتقدير ممتاز بمرتبة الشرف الثانية سنة 1979.

ولقد شهد لها زملاؤها ومعاصروها لها بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة ..إلي جانب ما تتمتع به من خلق رفيع،. ولا غرو في ذلك فهي تمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثة ومنقبة، محققة ومدققة، مخلفة وراءها ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطتهم خلاصة فكرها وعلمها.

وأما عن تدرجها الوظيفي فقد تم تعينها معيدة بكلية البنات – جامعة عين شمس في نوفمبر سنة 1962،  ثم تعيينها مدرساً مساعداً عام 1971، وفي عام 1972 بدأت للتسجيل في درجة الدكتوراه وذلك تحت إشراف الأستاذ الدكتور فؤاد زكريا، وخلالها حصلت علي بعثة داخلية لمدة عامين، مكنتها للسفر إلي  إنجلترا من أن تقابل كبار الفلاسفة آنذاك، وعقب عودتها من البعثة كان الدكتور فؤاد زكريا قد سافر إلي العمل بجامعة الكويت، فأُسند الإشراف بعد ذلك إلي الأستاذ الدكتور نازلي إسماعيل حسين (التي أبت أن تناقشها لولا تدخل رئيس الجامعة في ذلك الوقت وهو الأستاذ الدكتور صلاح قطب "رحمه الله" )، ونوقشت الرسالة عام 1979.

وفي فبراير سنة 1980 تم تعيين الدكتورة قدرية إسماعيل مدرساً للفلسفة الحديثة والمعاصرة، وفي عام 1981 -1982،  سافرت إلي الولايات المتحدة الأمريكية في مهمة علمية لمدة عامين؛ حيث تمكنت من جمع مادة علمية لدراسة الفلسفة الفنومنولوجية .

وعقب عودتها بدأت تكثف جهدها للبحث في غمار فلسفة هوسرل، وكان أول عمل فلسفي لها هو كتاب  بعنوان " الجذرية في ظاهريات هوسرل "، وكانت فكرة البحث الرئيسة في هذا الكتاب هي؛ تأسيس فعل التفلسف وتحويل الفلسفة إلي علم دقيق بفضل استخدام المنهج المسمى بالمنهج الفنومنولوجي، حيث حدد هوسرل موضوع الفلسفة ومنهجها بأنه يقوم علي دراسة الماهيات . وبالتالي الفنومنولوجيا تعني نسق يتألف من أنظمة معرفية تنتج بواسطة استخدام ما أسماه منهج جديد للتفكير وهو منهج فلسفي أصيل، وهو المنهج الفنومنولوجي وقد صدر هذا الكتاب في حوالي 300 ورقة من القطع الكبير.

والكتاب الثاني كان بعنوان " تأملات في الظاهريات "  ويدور حول موضوعين رئيسيين، حيث تكشف لنا الدكتورة قدرية إسماعيل أبعاد الفنومنولوجيا من خلال موضوعين؛ الموضوع الأول الذي تناولته الباحثة ويدور حول المعني الدقيق للفنومنولوجيا ؛ حيث كشفت عن كيف نفهم فنومنولوجيا هوسرل؛ كما كشفت عن كيفية استخدام المعني الدقيق لفنومنولوجيا هوسرل من حيث: كيف تفهم أو كيف تؤول وكيف تستخدم . والموضوع الثاني كان ما أسماه هوسرل في كتابه أزمة العلوم الأوربية ( وهو آخر كتاب كتبه ولم ينشر في حياته لأنه توفي سنة 1938) ؛حيث تكلم عن امكان استخدام المنهج الفنومنولوجي في دراسة عالم الحياه اليومية، وهو العالم الذي نعيش فيه ونتصارع فيه ونموت فيه ...إلي آخره، وكان هذا الكتاب يقع في حوالي 120 صفحة من القطع الكبير.

وأما الدراسة الثالثة وهو بحث صدر بالإنجليزية بعنوان "مسألة أسس المعرفة في الفنومنولوجيا"، هل مصدر المعرفة براني أم براني، أو مصدر خارجي صرف أم خارجي وما هو دور الوعي الذي ركز عليه هوسرل، وخلصت الباحثة إلي أن عملية المعرفة عند هوسرل لها عناصر متعددة  وكان هذا البحث يقع في حوالي 43 صفحة .

والبحث الرابع وهو بعنوان " فكرة أخلاق فنومنولوجية، حيث أبرزت الباحثة كيف يمكن استخدام المنهج الفنومنولوجي في دراسة مسائل الأخلاق، والبحث هو تطبيق للمنهج الفنومنولوجي، وإشكالية البحث تدور حول أن ما يسمي بالمفاهيم الأخلاقية وهو أن أي مفهوم في الأصل يمثل خبرة معاشة فكوني أتصف بالأمانة أو الشرف أو الاجتهاد.. كل ذلك يكون من خلال معايشتي هذه القيمة أو تلك،  فاللص مهما أقسم فهو يعلم بداخله أنه لصا. وقد نشر هذا البحث بالمجلس الأعلى للثقافة بلجنة الفلسفة في ثمانينات القرن المنصرم.

وقد تقدمت الدكتورة قدرية بتلك الأبحاث للحصول علي درجة أستاذ مساعد، حيث كان قد قام بتقييم إنتاجها العلمي كل من أ.د/ نازلي إسماعيل، و أ.د/ أميرة حلمي مطر، و أ.د / محمد علي أبو ريان، وقد منحت علي درجة أستاذ مساعد في أكتوبر 1968، حيث أكدت أن هذا العمل يمثل انتاج متخصص في الفنومنولوجيا، وهذا أول مرة وأنه جدير بأن يرقي الدكتورة قدرية إسماعيل إلي درجة أستاذ مساعد.

وعقب حصولها علي أستاذ مساعد توجهت الدكتورة قدرية اسماعيل إلي مشروع آخر؛ وذلك في محاولة جريئة لكنها كانت مهمة بالنسبة لها، وهو كيف يمكن لها أن تستخدم مناهج التفلسف الذي تعلمته من إنجلترا والولايات المتحدة وكيف يمكن توظيفها في دراسة المسائل الفلسفية، فكان أول عمل لها في أبحاث الأستاذية يدور حول المنهج  المثالي (التراندسندنتالي) عند إرنست كاسيرر، وهو بحث مكون من 45 صفحة، وكان  البحث يدور حول "الشكل الرمزي عند إرنست كاسيرر- الجذور  والأصالة"، وقد ناقشت تلك الفكرة الرئيسية التي سيطرت علي كاسيرر؛ بحيث أنه قدم لنا أكبر مجلد في تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وهي فلسفة الأشكال (والذي صدر بعد ذلك في كتاب يقع في ثلاث مجلدات) - الفكرة نفسها-  أي المفهوم -وهو الشكل الرمزي، يدور حول كيف تكون الفكرة، وكيف يكون الرمز، وكيف طبقه  كاسيرر في فهم الواقع، سواء كان هذا الواقع حضارة،  أو واقع مادي... إلي آخره.

والبحث الثاني وهو كتاب بعنوان "منطق المفهوم العلمي من منظور مثالي تراندسندنتالي عند كاسيرر ؛ حيث يتحدث كاسيرر عن الفرق بين concept، conception ، إذ إن تلميذته سوزان لانجر قد أوضحت الفرق بين المصطلحين، حيث بينت الدكتورة قدرية كيف طبق كاسيرر المثالي التراندسندنتالي ( وهو المتابع لكانط ) وكيف طبقه كاسيرر علي مفهوم العدد، وهذا الكتاب يقع في 180 صفحة .

والكتاب الثالث وهو بحث مكثف  ودقيق، ويدور حول "الاستقراء من منظور نقد المعرفة العلمية"، وهذا البحث تناولت فيه الباحثة النقاش الدقيق بين العمليات المنطقية الأساسية في مناهج البحث العلمي، وهي عمليات التفكير، وقدمت من خلاله رؤيتين متقابلتين: الرؤية التجريبية والرؤية المثالي (التراندسندنتالي) لبنية العلم ووظائف العلم وما هي كفاءتها وعدم كفاءتها عند كل منهما، وشرحت الدكتورة قدرية اسماعيل فيه : ما الذي جعل الرؤية التجريبية عاجزة عند فلاسفة العلم الذين يتبنون الاتجاه التجريبي، ولماذا أضحوا عاجزين عن أن يفسروا مكونات العلم سواء كانت مفاهيم علمية أو فروض أو قوانين أو مبادئ أو أحكام علمية ... إلي آخره،  وخلصت إلي أنهم افتقدوا الرؤية المثالي التراندسندنتالي، وهذا البحث يقع في حوالي 120 صفحة من القطع الكبير.

وأما الدراسة الرابع فهي تطبيق المنهج الفينومينولوجي في دراسة علم الأخلاق من خلال الفيلسوف الألماني" شيلر"، واعتمدت فيه الباحثة علي المناقشات والاجتماعات والمؤتمرات التي حضرتها في جامعة هارفرد وكانت مركزة علي الفينومنولوجيا، وكان الجيل الرابع من علماء الفينومنولجيا كان موجودين في ذلك الوقت وكانت الباحثة توجد بينهم وتناقشهم. المهم تناولت فيه الباحثة ما يسمي بالحوار الساخن بين شيلر وبين وكانط، وكيف شَرحَ شيلر كانط في كتاب نقد العقل العلمي وفكرة الواجب ..إلي آخره , وقد سأل شيلر سؤال بسيط : هل يمكن أن ندرس المفاهيم الأخلاقية دون أن نراعي أن كل مفهوم أخلاقي هو يعبر عن خبرة معاشه، أي عن حال بشري - أي أننا نعيش عن حال بشري - أي خبرة نحن نعيشها سواء كوني صالحا أو طالحا .. الي آخره وبدأ يعطينا مواصفات هذه الرؤية ويخرج منها أنه لكي نؤسس علم الأخلاق بمفاهيمه ويكون علم أخلاق حقاً  لا بد أن يستند إلي القيم، وكل قيم ليست في عالم مفارق، بل نعيشها (فحين أقول عن فلان أنه إنسان صالح كونه صالحا فهو صالح لكوني أراه صالحا من خلال أعماله علي أنه كذلك). وبدأ يوضح شيلر كيف يكون الإنسان ذاتا أخلاقية ووضع لها شروط . والكتاب يقع في حدود  388 صفحة.

والدراسة الخامس هو بحث عن ألفريد إير عن اقتلاع فكرة الميتافيزيقا، ونشر هذا البحث تحت عنوان نصوص فلسفية ترجمة وتعلق ودراسة؛ حيث كشفت الدكتورة قدرية إسماعيل عن منهج التحليل الفلسفي عند إير، والذي طبقته الوضعية المنطقية، وإير كان من أعضاء دائرة فيينا، وهو قد إنفصل، وكان هناك خلاف علي أمور معينة، وشكلَ بعد ذلك التجريبية المنطقية التي تبناها بعد ذلك الدكتور زكي نجيب محمود، وكشف الباحثة أن الدكتور زكي قد تبني أفكار إير في كتابه نحو فلسفة علمية.

والدراسة السادس بحث بعنوان : "موريتس شليك : محاولة لرؤية أخلاق علمية" وفي هذا البحث تقول الباحثة أن مورتش شليك قد نجح في أن يقنعنا بأن ما هو معياري يصير علي أنه فعلي،  كما قدم نموذج شليك جديد لأخلاق العقل، فالأفكار التي قدمها شليك بينت كيف يمكن أن نحقق الانسجام والسلام بين البشر عن طريق الاهتمام المتبادل من المراعاة والسلام بين البشر .

ولم تكن الدكتورة قدرية إسماعيل ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان عملها العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكانت في ذلك متسقةً مع نفسها تمام الاتساق، فقد كانت تبحث دائماً عن النوعية من الحياة، وتعرف كيف تتذوقها وتُرضي بها حسها المرهف . ولكن لعل السبب الأهم في عزوفها عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليها، هو أنها كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث .

وقد حصلت الدكتورة قدرية اسماعيل عن درجة الأستاذية سنة  1992، وترأست قسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية حتي  بلوغ سن المعاش في عام 2001، وخلال تلك الفترة قامت بترجمة العديد من الكتب والدراسات الفلسفية، مثل كتاب مدخل إلي المنطق الرمزي لسوزان لا نجر، كما قامت بنشر الكثير الفلسفية في كثير من المؤتمرات والندوات والتي أفرزت العديد من دراساتها حول الفلسفة الفنومنولوجية، ونذكر منها علي المثال دراسة عن : الخطاب الفينومنولوجي -الماهية والمعني، والعنف من زاوية فينومنيولوجيا، وفينومنولوجيا الخلاف والاختلاف...وهلم جرا .

تحية طيبة للدكتور قدرية اسماعيل التي كانت وما تزال تمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً لامرأة عظيمة لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنسانى رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

 

 

835 بصريونكان يطلق على مدينة البصرة بقمة الاسلام وقطب الثقافة العربية في الوقت الذي كانت المدن العربية الاخرى جامدة جرداء على مفترق طرق، وكانت البصره فيها رونق ونكهة الشرق الاصيل واساطيره الخيالية التي ادهشت واثارة العالم الغربي فحولوا قصصها الى مسلسلات تلفزيونية وافلام كارتونية وروائية مثل السندباد البصري او البحري وقصص الواق واق . ويذكر ان احد الخلفاء العباسيين قال بان ذهب وفضة الارض لا يبلغ ثمن نخلة في البصرة .

اليوم نحن امام شخصية بصرية سجلت لها حضورا مميزا في الساحة الادبية من خلال كتاباتها وترجماتها وندواتها الثقافية والتي تعتبر بدون شك اظافة جميلة الى حركة الادب البصري المتصاعدة . وكانت كتاباته عن الادباء البصريين واعداده وتقديمة للبعض منهم تعد مراكبة راقية وحضورا جميلا في الحركة الادبية البصرية منها كتاب – بصريون يصنعون الحكايات – وهي عبارة قصص قصيرة والتي تكشف عن الحقائق النفسية للرواة حيث نجد في هذه القصص اماطة اللثام عن عما هو كامن وخفي وراء هذه الحكايات من افكار ومشاعر وقلوب معتمة او مسفرة مستبشرة وابداع وخيال واسع يفصح عن كنوز الارث الحضاري والادبي لاهل البصرة ..

من ناحية اخرى اهتم السامر بالترجمة من الانكليزي الى العربي حيث ترجم مجموعة معتبره من قصائد الاطفال منها – الازهار كيف تنمو – و– اهطل بعيدا ايها المطر – وغيرها، وهي ما تعطي تهذيبا تربويا وشفافية للنفس وحب للجمال الذي يؤدي الى الابتعاد عن كل ما هو قبيح وسيئ .. وتعتبر الترجمة لون من الوان التبادل الثقافي والتسامح والتنوير الحضاري حيث تخلق فضاءا انسانيا مشتركا والاطلاع على ما وصل اليه الآخر .. واليوم يذكر ان الترجمة في عالمنا العربي في تراجع وربما لنقص في التموين وعدم وجود حضورا واسعا من المؤسسات المختصة بذلك الا القليل، كما يذكر ان الترجمة من الصعب ان تكون فردية بل هي عمل جماعي يضع قواعد للمصطلحات والمفاهيم وا لمفردات بدقة متناهية ... ويذكر ان الترجمة بدأت في علمنا العربي في مصر عام 1835 حيث انشأ محمد علي باشا مدرسة تسمى – مدرسة الالسن-

كان رئيسا لها رفاعة الطهطاوي، وتخرج منها طلبة قاموا بترجمة الكتب الغربية الى العربي ..

كما يذكر احصائية عن حركة الترجمة في عالمنا العربي ما بين عام 1970 وعام 1980 بلغ 2840 كتابا منها 62 في المئة في مصر و17 في المئة في سوريا و9 في المئة في العراق ...

وهو ما يعده البعض انخفاضا كبيرا في كمية الكتب المترجمة ..

836 بصريونمن ناحية تاريخية اسس الخليفة العباسي المأمون بيت الحكمة عام 813 م وكانت فيه تترجم الكتب الاجنبية الى العربي . وفي مدينة طليطلة ظهرت مدرسة للترجمة عام 1130 قامت بترجمة كتب علماء عرب ومسلمي اهل الاندلس الى اللغات الاوربية وعلى اثرها قامت الثورة الصناعية في اوربا .

وعلى اية حال فان ما يقوم به عبد الكريم السامر من حركة ثقافية متنوعة على صعيد الادب والترجمة يعد تجديدا واشعاعا وانفتاحا على الذات وثقافة الاخر وهو ما نحتاجه نحن اليوم لان ظاهرة الخطابة الصوتية لم تجني نفعا وقد اصمت الآذان واصبحت غثاءا كغثاء السيل .

والله يرحم الشاعر ابراهيم اليازجي عندما قال:

انتبهو واستفيقوا ايها العرب   فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب

فيم التعلل بالآمال تخدعكم     وانتم بين راحات القنا سلب

الله اكبر ما هذا المنام فقد      شكاكم المهد واشتاقتكم الترب

من ناحية اخرى يعد اتحاد الادباء والكتاب في البصرة ظاهرة حضارية تأوي اليها افئدة اهل الثقافة والادب والفن .. وهو في انشطة مستمرة ومتميزة ومثمرة بقوة هاديئة وناعمة وباسلوب متمدن انيق فهو يبشر بحماسته عن النغمة الثقافية الشامخة، وبالتالي فهو رمزا لكل ظاهرة ادبية بصيرة وجريئة في مدينة البصرة .

 

د. كاظم شمهود