محمود محمد عليهناك رواد تنحسر عنهم أضواء الشهرة من أساتذة الفلسفة الإسلامية؛ وبالأخص في مصر بسرعة لافتة للنظر، مع  أنهم أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس في مجالها، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم، وعلي أن يبدعوا في أكثر من مجال مثل أقرانهم الأكثر شهرة الذين كان عليهم الإسهام في كل مجال من مجالات الفلسفة الإسلامية المختلفة (سواء في علم الكلام أو في التصوف أو الحكماء العرب)، استجابة إلي تحديات الركود الفكري في مجتمعهم ورغبة في الوقت نفسه في الارتقاء بهذا المجتمع من خلال نشر التنوير.

ويعد الأستاذ الدكتور محمد حسيني أبو سعده (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب – جامعة حلوان بجمهورية مصر العربية)، واحداً من رواد الفلسفة الإسلامية الذين انحسرت عنهم أضواء الشهرة ؛ حيث أنه قلما يذكر اسمه في المؤتمرات والمحافل التي تهتم بالفلسفة الإسلامية في مصر وفي العالم العربي، مع العلم بأن هذا الرجل كان واحداً من الأساتذة الجامعيين الذين يقومون بتدريس الفلسفة الإسلامية من وجهة نظر إسلامية خالصة، بعد أن كانت تُدرس من خلال الدرس الإستشراقي الذي ربط الفلسفة الإسلامية بالتراث اليوناني، وأهم من نادوا بالبحث عن أوجه الأصالة والابتكار في الفلسفة الإسلامية، وهو بالإضافة إلي ذلك نموذج للأستاذ الجامعي كما ينبغي أن يكون سواء في التزامه بأداء واجباته الوظيفية الاكاديمية علي أحسن ما يكون الأداء، أو في ارتباطه بطلابه في علاقة إنسانية رفيعة المستوي في هدي من التقاليد الجامعية التي يحرص عليها كل الحرص، إذ هي دستوره في كل معاملاته مع كل من هو في الوسط الجامعي .

كما كان واحداً من كبار الرواد في دراسة الفلسفة الإسلامية في مصر، والعالم العربي الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الإسلامية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

يشهد علي ذلك زملاؤه بكلية الآداب فرع سوهاج جامعة أسيوط (سابقاً) التي شهدت مولده الوظيفي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي (قبل أن ينتقل إلي مثل وظيفته بكلية الآداب– جامعة حلوان)، بل ويشهد علي ذلك طلابه الذين أشرف عليهم وأزعم (ولي الشرف في ذلك) أنني واحداً منهم .

نعم لقد كنا نري في الدكتور أبو سعده نعم الرجل المتوحد الشامخ: سراجاً هادياً، عالياً كالمنار، وارفاً كالظل، زاخراً كالنهر، عميقاً كالبحر، رحباً كالأفق، خصيباً كالوادي، مهيأ كالعلم، لا يرجو ولا يخشي، طاقته لا تنضب، كأن وراءها مدداً يرفدها من سر الخلود .

والدكتور أبو سعده من مواليد 1943 بمحافظة القاهرة – المرج – الخصوص، حيث تم تعيينه مدرساً للفلسفة الإسلامية سنة 1988 بكلية الآداب بسوهاج – جامعة أسيوط (سابقاً)، وترقي لدرجة أستاذ مساعد سنة 1992، ونقل إلي مثل وظيفته إلي كلية الآداب بجامعة حلون سنة 1994، ثم حصل علي درجة الأستاذية سنة 1995، وعين رئيساً لقسم الفلسفة سنة 1996، وأخيراً قد وافته المنية في صيف عام 2003 بسبب مرض انتشر في ظهره .

وللدكتور أبو سعدة كتابات كثيرة في الفلسفة الإسلامية، نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: كتاب "الله والعالم بين الاتجاه المشائي والاتجاه الإشراقي عند مفكري الإسلام : دراسة مقارنة، وكتاب الوجود والخلود في فلسفة أبي البركات البغدادي، وكتاب الآثار السينوية في مذهب الغزالي في النفس الإنسانية، وكتاب الإستشراق والفلسفة الإسلامية، وكتاب المنهج النقدي عند الباقلاني، وكتاب الشهرستاني ومنهجه النقدي دراسة مقارنة مع آراء الفلاسفة والمتكلمين،  وكتاب النفس وخلودها عند فخر الدين الرازي ... الخ.

كانت أول بداية علاقتي بالدكتور أبو سعد سنة 1992، حين أشرف علي رسالتي للدكتوراه، والتي كانت بعنوان " المنطق وعلاقته بالفقه عند الأشاعرة "، حيث كان مشرفاً مشاركاً مع أستاذنا الدكتور عاطف العراقي (رحمة الله عليه)، وكان دخوله علي في الإشراف من خلال الدكتور عاطف العراقي الذي أخبرني أنه سيفيدني كثيراً، وبالفعل ذهبت لمقابلته بمكتبة بقسم الفلسفة بكلية الآداب بسوهاج، حيث كان سيادته آنذاك أستاذاً مساعدا ً للفلسفة الإسلامية، وحين قابلت وتحدثت معه أدركت للمرة الأولي أنني أمام شخصية متميزة لأستاذ أكاديمي، تختلف عن شخصيات كثيرين غيره من الأساتذة، شخصية تتوفر علي سمات ومقومات وأبعاد، تنتزع بذاتها الاحترام وتفرضه، وتستأهل التقدير وتثير الإعجاب، وتغرس في النفوس حبا تخامره رهبة، وأملا يواكبه شعور بالتفائل، وانتماءً بصاحبه شعور بالزهو بالإشراف علي يديه .

كثرت لقاءاتي به خلال إشرافه علي رسالتي للدكتوراه، وهنا اكتشفت بعداً آخر في شخصية الدكتور أبو سعده، حيث كنت أشعر في حضرته دون ثالث لنا بالأب الحاني والأستاذ القدير، الناصح والموجه والمرشد، لا يفرض توجهاً معيناً، ولا يستبد برأي، ولا يلزمني بوجهة نظر خاصة، وإنما يحاور ويناقش ويوجه، ويفتح أمامي أفاقاً جديدة، ويعرض آراءه وافكاره ورؤاه، ثم يترك لي حرية الاختيار .

لقد كان له فوق ذلك ومعه، تواضع وحنو يذهبان عني كل رهبة دون افتقاد الاحترام والهيبة ويشجعاني علي طرح المزيد من الاستفسارات والتساؤلات، مما يطيل الحوار معه، ولم ألحظ منه قط ضيقاً أو امتعاضاً أو مللاً، ولا استعلاء وتكبراً، ولا أسمع منه إلا كلمات التشجيع بما يعزز الأمل عندي ويبعثني علي مضاعفة الجهد وبذل أقصي ما في الوسع عن رضي واقتناع .

ومما جذبني في الدكتور أبو سعده حبه العميق للغة العربية، فقد كان عاشقاً لها، غيوراً عليها، حفياً بها – وقد انعكس ذلك كله علي أسلوبه في كتاباته؛ حيث كان أسلوبه جذلاً، فيه رصانة وطراوة، وإغداق وإثمار، وفيه عذوبة تشد الآذان إليه لسهولته، وإن تكن من نوع السهل الممتنع . فعباراته قصيرة، لكنها واضحة الدلالة؛ وتنتظم في حلقات من سلسلة تشبه جواهر منظومة في عقد، تجسد الفكرة، وتقدمها للمتلقي في سياق يصعب أن تحذف منه كلمة، أو تضيف إليه كلمات، وتكاد تشعر أنك مع شاعر مبدع يعزف علي أوتار كلماته لحناً عذباً رائعاً يستلب القلوب، ويأخذ بمجامع العقول، فيشيع فيها امتاعاً  وأنساً مع شئ من الحماسة تضطرم به الأفكار، غير أنك لا تكاد تسمع منها في الأعماق إلا همساً . ومع هذا أسلوب علمي يتضمن صياغات في ثوب أدبي - رفيع - قشيب.

إن الدكتور أبو سعد حين تقرأ له أي كتاب من كتاباته في الفلسفة الإسلامية،  يشعرك بالمتعة، وأقصد بالمتعة متعة الأفكار، وهي تغزو عقلك في زحف هادئ، لكنه معزز بالدليل والبرهان، فيرغمك علي تقبلها باقتناع، ومتعة الروح التي تتسرب إلي كيانك من رقة الأسلوب وعذوبة الكلمات وسلاسة العبارات . كل ذلك يعكس مدي قدرة الأستاذ علي توظيف قدراته اللغوية وثقافته الوسيعة لخدمة أغراضه العلمية التي تجسدها بحوثه ودراساته .

وثمة بعد آخر في شخصية الدكتور أبو سعده العلمية، ويتمثل في منهجيته في البحث، تلك المنهجية التي تكشف عن اقتدار وكفاءة عالية في الالتزام لقواعد المنهج العلمي وضوابطه، لا حظت ذلك بجلاء خلال فترة الإشراف علي في الدكتوراه في طرحه للموضوعات وإثارة المشكلات وطريقة تناولها ومعالجتها . فهو قد علمني كيف أفصل المجمل، وأكشف عن المستور من المعاني التي تخفيها ظواهر النصوص، وأُوضح الغامض من الأفكار، كما علمني بألا أترك شاردة ولا واردة تتصل اتصالاً وثيقاً بالموضوع إلا ويجب علي أن أذكرها أو أشير إليها في بحثي .

كما علمني أيضاً كيف أعُول علي أمهات المصادر والمراجع، ثم أدلي بدلوي في الموضوع، مدعماً آرائي وأفكاري بمنطق البرهان، وكيف أكون حريصاً علي أن أنتقد بعض وجهات النظر من منظور النقد، بحيث لا أقتصر علي بيان السلبيات والعورات، وإنما علي أن أتوسع ليشمل أيضاً تبيان الإيجابيات التي تتضمنها مشيداً بصاحبها، فلا أبخسه حقه في الابتكار والإبداع، التزاماً من جانبي بالموضوعية والتجرد، بحيث أجعل العقل يعمل وطأته منفصلاً عن بقية النوازع الإنسانية.

وثمة بعد آخر علمني إياه الدكتور أبو سعدة وهو كيف يتسني لي أن أحدد موضوع البحث تحديداً دقيقاً، وأن أعمد إلي إبراز أهم عناصره ومحاوره وأبعاده،  ثم أستعرض الآراء  التي قيلت بخصوص كل عنصر، وأن أردها إلي أصولها ومصادرها الأصلية، بحيث أكشف  بهذا عن مدي تأثر اللاحق بالسابق من الفلاسفة والمفكرين والباحثين؛  ثم أتابع الفكرة في تناميها وتطورها منذ نشأتها، حتي تصل إلي منتهي ما وصلت إليه لدي من تناولوها بالدراسة؛ بحيث أكشف عما طرأ علي الفكرة أو النظرية من انتكاسة، أو إضافة، أو تجلية، أو دعم، أو هجوم نقدي، أو تأصيل عقلي وفكري، وأن أضع ذلك كله في منظومة علمية تبث الروح في النظرية، وأن تثير في القارئ ميلاً عقلياً إلي احتضانها أو النفور منها، بمبررات عقلية – منطقية في كلتا الحالتين، بحيث تفرض عليَ أن أتخذ موقفاً ما، دون الاقتصار علي مجرد التلقي أو السرد والحكاية . فأين من هذا كله أساتذة هذه الأيام (وأخص بالذكر الأساتذة غير الشرفاء الذين لا يخافون الله ولا يحترمون أنفسهم) هؤلاء الذين يريدون أن يحلبوا الباحث حلباً ليعطيهم الدرهم والدينار نظير أن يكتبوا له رسالته ويناقشوه (ماجستير أو دكتوراه) نظير مبلغ كبير من المال !!

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة، وهي أنني قد تعلمت علي يد الدكتور أبو سعدة الكثير من قضايا المنهج العلمي، ومنها قوله لي (الذي لا أنساه) بأن علة ضحالة وهشاشة معظم الكتابات الفلسفية في ثقافتنا العربية المعاصرة ترجع في المقام الأول إلي افتقار أصحابها المنهج – أي – ذلك الطريق الواضح والخطوات المنظمة التي يخطوها الكاتب في التصنيف والتأليف والترجمة والتحقيق. وتعلمت منه أيضاً أن مثل هاتيك الكتابات غالباً ما تتسم بالغموض في الأسلوب والركاكة في الصياغة والاضطراب في عرض الأفكار، والتناقض في الاستنتاج، وذلك لأن صاحبها غير مؤهل للكتابة لكونه من أشباه الدارسين وأنصاف الباحثين الذين حرموا من ملكة الابداع والنزعة النقدية . والسمات الذاتية التي تميز أصحاب الأقلام عن دونهم من المقلدين ومنتحلي الأفكار والآراء.

كما لا أنسي قوله لي كثيراً ومراراً بأن الكاتب الذي لا يعي منهجه ولا يستطيع قراؤه التمييز بين أسلوبه وأسلوب غيره من الكتاب يجب أن يتوقف عن الكتابة لأنه من لم ينتقل بعد من طور التتلمذ، فعليه أن ينتظر حتي تكتمل شخصيته وينفرد قلمه وينضج ذهنه.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الأستاذ الدكتور محمد حسيني أبو سعده بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر فلسفي وعالم لغوي، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطولها وعرضها لخدمة الفلسفة واللغة والثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود، وما تركه من آثار تجعله الحاضر بيننا رغم رحيله عنا، الغائب في عنا رغم تواجده وحضوره في عقولنا وقلوبنا. وبين حضوره وغيابه درجات لا تكاد تبين، فهو لم يغب عنا ولن يغيب.

رحم الله الدكتور أبو سعده، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت امرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقبل : جامعة أسيوط

 

 

منير لطفيمهما كانت التحدِّيات والعراقيل التي تقف حجر عثرةٍ أمام تقدُّم الدول ورِفعتها، فإنّ بعض التجارب الواقعية والحديثة تُبرْهن على أنّ الفارق بين الخيال والواقع وبين الحلم والحقيقة، ليس سوى قيادة تتَّصِف بالمسئولية وتتحلَّى بالصدق وتتّسِم بالإخلاص وتَتبنّى  شعار "القيادة بالقدوة"..فما أرخص القيادة إذا كانت شعارات، وما أغلاها إذا كانت عملًا بالغَدَوات والعَشِيّات.

في الجنوب الشرقي الآسيوي، وفي مدينة ألور سِتار عاصمة ولاية قِدَح الواقعة على الحدود الماليزية التايلاندية، وُلِد مهاتير محمد في عام 1925م لأبَويْن مُسْلمَيْن متوسِّطِي الحال، وبعد إتمام دراسته الأوَّلية وبموجب منحة دراسية، التحق بكلية الملك إدوارد السابع الطبيّة في سنغافورة، مخالِفا بذلك نصيحة أمِّه الحنون في أن لا يكون شُرطيا أو طبيبا حتى لا يَعتاد السَّهر ويُحرَم النّوم، ومخالفا أيضا لعزمه على دراسة الحقوق التي يجيد لها مهارة النقاش والحوار، وهو ما علّق عليه قائلا: لم أفكّر جديًّا من قبل في دراسة الطب، لكنّ قدري قرّر مصيري، وقد سعدتُ بقدَري كثيرا، لأنه تبيَّن أنّ الطبّ مجال تعليميّ مناسب على نحو غريب لمسيرة سياسية.

 وبعد تخرّجه، مارس مهنة الطبّ عبر المستشفيات الحكوميّة، وأجرى بها العديد من المهام الطبية في تخصّص الجراحة الذي شُغِف به أيَّما شَغف، وذلك قبل أن يستقيل ويفتتح بمسقط رأسه (ألور ستار) عيادة خاصة ذاع صيتُها وعمّ نفعُها وامتدّ عطاؤُها، إلى أنْ اختِير وزيرا وشُغِل عن علاج المواطن بمداواة الوطن. والواقع أنّه كان سياسيا منذ نعومة أظفاره، حتى ذَكر أنّه سياسيٌّ تحوَّل إلى طبيب، وكأنّ الطبّ كان جسرًا أطلّ منه على أعالي السياسة، ومنبرا بسط له الطريق لمخاطبة عموم الناس والوقوف على همومهم وطموحاتهم.

أربعين عاما أمضاها الرجل في دهاليز السياسة؛ بدَأها بالانضمام إلى حزب منظمة الملايو الوطنية المتحدة (أمْنو) الذي تأسَّس في أواخر الأربعينيات، وتبوّأ الصدارة كحزب حاكم منذ الاستقلال حتى قبل سنوات. ثمَّ خاض غمارها وامتطى صهوتها وسط حلبة مليئة بالأشواك، فكان عضوا برلمانيا، ووزيرا للتعليم، ووزيرا للتجارة والصناعة، ونائبا لرئيس الوزراء. وذلك قبل أن يتقلَّد في عام 1981م رئاسة الوزراء، ويصبح رابع رئيس وزراءٍ لماليزيا بعد استقلالها في عام 1957م وتأسيس الدولة المَلَكيّة الدستوريّة التي يملِك فيها الملِك ولا يَحكُم.

 وبهذا التكليف والتشريف، كان قدَرُه أن يحمِل على عاتقِه إشكالية أمَّةٍ تتعدَّد في ربوعها العِرْقيَّات المَلَوية (61%) والصينية (24%) والهندية (7%)، وتتجاور فيها الديانات الإسلامية (61%) والبوذية (19%) والمسيحية (9%) والهندوسية (6%) والكونفوشية (3%)، ويستشري في جنَباتها رثاثة الفقر وآفة البطالة. إضافة إلى معضلة السكّان الأصليين التي سطّر فيها عام 1970م كتابا بعنوان (معضلة الملايو) أغضب به السلطات الحاكمة آنذاك وتمّ مصادرته، حيث حمَل فيه بشدّة على الكسل الذي انتاب هؤلاء السكّان الأصليين ومهّدَ لسيطرة الصينيين والهنود على مفاصل النشاط الاقتصادي، وانتقد السلطةَ الحاكمة جرّاء تخلِّيها عن دعمهم ومساهمتها في تهميشهم حتى باتوا مواطنين من الدرجة الثانية، وهو ما عمل بجدّ على معالجته عندما دانت له السلطة على اعتبار أنّ وعدَ الحُرّ ديْن وكلمة الصادق سيف، فانتهج حيالهم سياسة التمييز الإيجابي المقنَّن دستوريا.

وعلى مدار الاثنين والعشرين عاما التى تقلّد فيها رئاسة الوزراء، عكَف علَى بناء النهضة الماليزية الحديثة، مِن خلال رؤية مدروسة وخطّة طَموحة وإدارة رشيدة، تحوّلتْ بموجبِها ماليزيا من حَمَلٍ إلى نَمِر، ومِن اقتصادٍ زراعيّ إلى اقتصادٍ صناعيّ يدعمه نهضةٌ معرِفيّة قائمة على تعليمٍ حديث وصناعةٍ تكنولوجيةٍ متطوِّرة، بالإضافة إلى بُنية تحتيَّة شاملة. فكان أن تدفَّقتْ الاستثمارات كالشلّال في شرايين الاقتصاد، وتوافَد السيّاح للتنزّه وحدانا وزرافات، وتقاطَر الطُلّاب للدراسة من كلّ حدب وصوب، فارتفع الناتج القومي وتضاعَفَ الدّخل الفردي وانخفضتْ البطالة وانتحر الفقر، كما وُلِدت (بوتراجايا) كعاصمة إدارية جديدة، وحلَّق برجا (بتروناس) في سماء العاصمة كوالا لامبور كأطول ناطحة سحاب في العالم آنئذ. وكأنه بذلك يعيد إنتاج التجربة اليابانية المعجِزة، ولكن بمرجعية ثقافية إسلامية.

ومن مواقفه التي تُكتب بماء العين وتُنقش على جدار القلب، ذلك الموقف الذي  حدث في العام الثامن من تولّيه رئاسة الوزراء، حين داهمته أزمة قلبية بعد تناوله لوجبة دسمة، نُقل جرّاءها على عجل إلى المستشفى، وتقرّر إجراء عملية قلب مفتوح يتمّ فيها استبدال شرايين القلب التاجية المعطوبة بأوردة مِن الساق، وخُيِّر في السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإجراء الجراحة هناك على عادة الوزراء والحكام، ولكنّه قرّر بلا تردّد إجراء الجراحة في كوالالمبور، مبرّرا ذلك بقوله: كان عليّ الوثوق بأطبائنا الماليزيين، وعرفت أنّه إذا لم أجعل من نفسي قدوة في ذلك، فلن يثق أحدٌ بخدماتنا الطبية.

لم يكن غريبًا إذنْ بعد كلّ هذه الإنجازات أن يُوصف مهاتير محمد بأنّه أبو النهضة الماليزية، كما لم يكن عجيبا أن يبكيه الماليزيون عندما قرَّر التقاعد واعتزال السياسة طوْعِيًّا في عام 2003م بعد أطول فترة حكمٍ لرئيس وزراءٍ ماليزي، ولم يكن كثيرا عليه أن يمنحه المَلِك أعلى تكريم لشخصيّة مدَنيَّة فينال لقب (تون)، وذلك بعد أن كرَّمته المحافل الدولية وأهدتْه العديد من الأوسمة والجوائز، كجائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام عام 1997م، وجائزة جواهر لال نهرو للتفاهم الدولي عام 1994م. ولكن العجيب والغريب أن لا يحذو حذْوَه مَنْ تقلَّدوا السُّلْطة في دول أخرى مماثلة للظرف الماليزي، فكانوا وبالا على شعوبهم، وما زادوا الزّبَدَ إلَّا زَبَدا ولا الغَثَّ إلّا غثّا ولا الخَبَثَ إلّا خبَثا.

 وقد تنادَى السياسيّون وهرول الاقتصاديون ليغرِفوا مِن معِين الدَّرْس الماليزي، وجَدَّ الباحثون فألَّفوا  وكتَبوا عن إنجازات الرجل الفريدة، ولكنَّه بتواضع الطبيب وخبرة السياسي  وحكمة الإنسان، يرى ما لا يراه الكثيرون مِن القادة فيقول: "أعظمُ ثروةٍ في أيّة دولة هي شعبُها". وهو ما باح به للدكتور أحمد زويل فضمّنه كتابه (عصر العلم)، وذلك عندما استفسر منه عن سرّ نجاحه في النهضة الماليزية فأجاب: "جعلتُ الشعبَ كلّه يفكّر في المستقبل".

ولأنّه من طراز فريد لا يسلِّم سلاحَ العمل إلّا لمَلَك الموت؛ فقد واصل عطاءه بعد الاعتزال، فأسّس في عام 2005م منظمة بيردانا للسلام العالمي التي كرَّست رسالتَه في نبذ الحروب والانحياز لخيار السلام، وقام بدورٍ بارز في إعادة إعمار البوسنة والهرسك التي أنهكتها الحرب الطائفية حتى تسامعَت بجهوده إدارة جائزة نوبل فرشّحتْه لنيل الجائزة عام 2007م. ثمّ حبّرتْ أناملُه في عام 2011م مذكّراتِه التي قارَبت الألف صفحة في نسختها العربية، فضمَّنها وجبة دسمة في السياسة والإدارة والاقتصاد والتاريخ، وأثنى فيها على الطبّ الذي أفاده في ممارسة السياسة؛ وذلك حين أَكسَبه فضيلة الإنصات، وميزة القرب من الناس وتحسُّس معاناتهم، وفرصة معايشة الموت الذي تراءى له دوما كسوْطٍ يَردعه وزاجرٍ يَعصمه من إساءة استعمال السُّلْطة.

وكالبدر الذي يُفتقد في الليلة الظلماء، وعلى خلفيّة ما رآه من انحراف حزب (أمنو) عن الجادّة، وما لمسه من تباطؤ القطار الماليزي في مسار الحداثة والتنمية التي كرّس حياتَه من أجلها؛ أنشأ حزبا جديدا خاض به الانتخابات البرلمانية، ففاز بأغلبية المقاعد وتقلَّد رئاسة الوزراء في عمر الثانية والتسعين، ليصبح بذلك سابع رئيس وزراءٍ لماليزيا وعميدًا لحكّام العالم باعتباره الأقدم سنًّا بينهم، وليصحّح ما اعتبره خطأ جسيما حين اعتزل السياسة وترك مقدّرات البلد في يدٍ لم تكن جديرة بها.

ورغم الهدوء الذي يبدو على محيّاه، وابتسامته الودودة التي تجد طريقها ممهَّدا إلى القلوب، وقيمة التسامح التي تسلَّح بها واعتبرها أكبر قيمة إسلامية؛ إلّا أنّ مواقفه تنمّ عن أسدٍ هصورٍ في مواجهة ما أسماء بالنفاق الغربي، فناصر القضية الفلسطينية بحزم، وأدان احتلال أفغانستان بأعلى صوت، وشدّ على يد المقاومة العراقية في مواجهة جنود الاحتلال الأمريكي البريطاني قائلا: "أعيدوهم بالأكفان"، بل طالب بمحاكمة بوش وبلير كمجرمي حرب ومسعِّري نار. كما أبى الانصياع لعصا العولمة وذراعها الطويلة المسمَّاة صندوق النقد الدولي، وذلك حين رفض تعويم العملة الماليزية إبّان الأزمة المالية التي عصفَت بجنوب شرق آسيا عام 1997م، وخرج منها سالما دون تنفيذ روشتة البنك التي طالما أغرقت دولًا في بحر من القروض والديون.

***

بقلم: د. منير لطفي

طبيب وكاتب - مصر

 

ضياء نافع(ستروفه) كان لقبا غريبا بالنسبة لنا، نحن الطلبة الاجانب بموسكو في ستينات القرن العشرين، اذ انه لا يتناسب ولا يتناسق ولا ينسجم مع الالقاب الروسية التي كانت سائدة حولنا، والتي تنتهي عادة بحرفي الواو والفاء مثل ليرمنتوف او تشيخوف ...الخ، او التي تنتهي بحرفي الياء والنون مثل بوشكين او بونين ...الخ، او التي تنتهي بحروف السين والكاف والياء مثل دستويفسكي او بيلينسكي ...الخ، ولهذا اعتبرنا (ستروفه) لقب شخص اجنبي لا علاقة له بروسيا، ولكن، وبعد ان تعمّقت معارفنا بتاريخ الثقافة الروسية (اكتشفّنا !)، ان بيوتر ستروفة (1870 – 1944) وفلاديمر لينين كانا رفيقين معا في الحركة الاشتراكية الروسية، ولكنهما اختلفا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بشكل جذري حول مسيرة الافكار الاشتراكية ومستقبلها في روسيا، ولهذا انفصلا بعضهما عن البعض، وسار كل واحد منهما في طريقه الخاص. وهكذا عرفنا، ان ستروفه هو فيلسوف روسي واقتصادي ومؤرخ وشخصية سياسية مرموقة في الحياة الفكرية والسياسية الروسية، وكان مؤثرا في مسيرة التاريخ السياسي واحداثه، وكل ذلك طبعا يرتبط بتاريخ الفكر الروسي بشكل عام، وتاريخ الحركة السياسية الروسية قبيل ثورة اكتوبر 1917 وما أعقبها من أحداث، وهي بعيدة عن موضوعنا، الذي نود ان نتكلم عنه في مقالتنا هذه، رغم انها مقدمة ضرورية جدا، اذ ان مقالتنا تدور حول حفيد ستروفه هذا، وهو مواطن فرنسي (ولد في فرنسا من أب روسي وام روسية ايضا، وهو بالتالي فرنسي من اصول روسية)، واصبح البروفيسور نيكيتا ستروفه (1931 – 2016) – استاذ الادب الروسي في جامعة باريس، والشخصية التي لعبت دورا (مع اللاجئين الروس الاخرين طبعا) في تعزيز التعاون الثقافي بين روسيا وفرنسا (بعد انهيار الاتحاد السوفيتي طبعا)، وقد تم منحه مدالية بوشكين لتعزيز التعاون الروسي – الفرنسي في مجال الثقافة والتعليم، ومدالية الدولة الروسية للحفاظ على الثقافة الروسية وتراثها خارج روسيا، ومدالية (اسرعوا لعمل الخير) الروسية في مجال حقوق الانسان.

غالبا ما كنا نلتقي طبعا، نيكيتا ستروفه وانا في القسم الروسي بجامعة باريس نهاية الستينات من القرن الماضي عندما كنت طالب دراسات عليا هناك، وكان هو آنذاك تدريسيّا في القسم المذكور، ويكتب ايضا اطروحة دكتوراه دولة حول الشاعر ماندلشتام، والذي كان شبه ممنوع آنذاك في الاتحاد السوفيتي (أصدر ستروفه بعدئذ كتابا ضخما عن ماندلشتام، ويعدّ الان واحدا من المصادر المهمة لدراسة حياة ماندلشتام وابداعه)، وغالبا ما كنّا نتحدث سوية، وسألني ستروفه مرة عن انطباعاتي حول موسكو والاتحاد السوفيتي بشكل عام باعتباري درست وتخرجت هناك، وقد تكلمت عن الجوانب الايجابية، التي رأيتها شخصيا رغم بعض السلبيات التي كانت موجودة فعلا في الحياة السوفيتية، ولكنه قال لي، انهم ( وكان يتحدث باسم اللاجئين الروس في فرنسا) يعتقدون، ان دولة الاتحاد السوفيتي ستنهار في نهاية القرن العشرين او، كحد اعلى، في بداية القرن الحادي والعشرين، ولم اتفق معه مطلقا وكليّا حول ذلك، وقلت له، ان الدولة السوفيتية قوية جدا بجيشها ومؤسساتها الامنية وتنظيماتها الحزبية، وانني لم أجد اي معارضة في تلك الدولة، عدا النكات السياسية التي كانت سائدة بين اوساط الطلبة بالاساس، وان قضية باسترناك وجائزة نوبل التي اضطر باسترناك ان يرفضها هي ليست قضية كبيرة يمكن ان تؤثر على مسيرة تلك الدولة، وقد استمع ستروفه اليّ بكل أدب، وقال لي مختتما هذا الحديث بمثل روسي هو – (نعيش ونرى) (وهو يذكّر طبعا بالمثل بلهجتنا العراقية – نعيش ونشوف) . لقد تذكرت وقائع حديثنا هذا عندما انهار الاتحاد السوفيتي طبعا في بداية التسعينات، وقلت بيني وبين نفسي، كم كان ستروفه على حق بكلامه آنذاك حول ذلك . لقد رويت هذه الحادثة مرة في مؤتمر علمي بجامعة قازان عام 2006، وقد علّق بروفيسور روسي من جامعة موسكو (كان يشارك في اعمال المؤتمر المذكور) قائلا، ان اللاجئين الروس كانوا يحللون بعمق واهتمام حقيقي كل صغيرة وكبيرة تحدث في الحياة السوفيتية، وكان لديهم الوقت الكافي لمتابعة ذلك بدقة ودراسته، بينما لم يكن لدينا نحن السوفييت سوى التأييد المطلق لكل خطوة يتخذها الحزب الشيوعي السوفيتي دون اي تحليل وتمحيص ونقاش موضوعي متفتح لدرجة، اننا نسينا حتى معنى التحليل والتدقيق والنقاشات المعمقة والعلمية حول تلك الخطوات وقيمتها وجدواها في مسيرة حياتنا اليومية آنذاك...

نيكيتا ستروفه اسم كبير في دنيا الادب الروسي، وله عشرات المؤلفات المنشورة باللغتين الفرنسية والروسية، ولديه مئات المقالات والدراسات والبحوث حول هذا الادب باللغتين ايضا، ولا مجال هنا حتى للتعريف بها، ويؤسفني الاشارة في الختام، الى ان ستروفه يكاد ان يكون مجهولا تقريبا للقارئ العربي...

 

أ.د. ضياء نافع

 

873 توفيقلا لا تقاوم صدا عقول البعض فهي متحجرة

تقاوم حتى الزمن.

تجمع مجموعة من الشباب حول شاب قصير القامة اسمر. كان قد زار بعض المدارس ليعرف من يحب ان يسجل اسمه في فرقة مسرحية طلابية. عرفت لاحقا بانه المخرج. كنت انا وزميلي في الصف سمير المسيحي من رفعنا أصبعنا يحذونا أمل ان نصبح من الممثلين الكبار وهذا على الأقل كان في مخيلتنا ونحن نصعد خشبة المسرح لأول مرة في يوم رمضاني في إعدادية كركوك للبنين عام ١٩٦٨على ما اتذكر صحح لي صديقي الأستاذ والاديب فهمي الكاكائي التاريخ لانه كان معنا ومثل دور الحارس الليلي في المسرحية. عرض المسرحية في ثلاث عروض وشارك الفرقة الموسيقية للنشاط المدرسي في عزف الموسيقى..

الخيال اجمل ما منحه الخالق للإنسان بواسطته تمكن من اكتشاف جميع الاكتشافات العلمية وصولا الى عالم المعلوماتية وعصر غزو الفضاء.

طبعا لم أتحول الى ممثل رغم أني قدمت فقط الى أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد قسم الفن التشكيلي وأخذت تايد من مدرس الرسم الأستاذ خالد بعد نجاحي في الامتحانات النهائية (الباكالوريا ) في الإعدادية الشرقية في بغداد صيف عام ١٩٧٢ قبل ان يقرر الوالد رحمة الله عليه ورضوانه إرسالي الى الدراسة في الخارج لعلي اصبح طبيبا. حيث كان اخي الكبير علي قد سبقني ويدرس في كلية الهندسة. كانت الفترة بين إنهائي الامتحان والحصول على موافقة السفر من دائرة البعثات من الفترات الصعبة من حياتي لانها صادفت تأميم النفط وإغلاق الحدود ومنع السفر الى خارج العراق الا انه في نهاية الأمر حصلت على الأوراق الأزمة وفيزا لتركيا وركبت قطار الشرق في المحطة العالمية في بغداد متوجها الى تركيا وبعد ثلاثة ايام وصلت انقرة تعبا وحين نزلت من القطار لم اجد اخي في انتظاري.

انتظرت عند احد المصطبات وقلت لعله يأتي بعد حين فشاهدت شابين وفي يدهم صورة فوتغرافية وينظرون الى وجوه المسافرين. لم عا يلاحظوا وجودي لكن بعد ان فرغ المكان عادوا وفجأة شاهدوني من بعد فعرفني احدهم ومناداتي باسمي توفيق قلت نعم فقدم نفسه نامق فوجه قصاب رحمة الله عليه ورضوانه اما الاخر فقال عثمان اوچمان وعرفت من حديثه انه تركي كان يعيش معنا ابو عمر في نفس الشقة ويدرس في الجامعة قسم الآثار اصبح لاحقا مديرا لمتحف مدينة مرسين وانقطع أخباره. 

كل عام لي في العاصمة انقرة كنت أعيش في خيال دائم وادرس في الجامعة اللغة التركية. من الغرائب ان الجامعات كانت تقبل الطلاب الأجانب بدون امتحان ولكن حظي جاء مع قرار وزاري بإجراء امتحانات للطلاب الأجانب . بدأت في انقرة من جامعة الى اخرى حصلت على قبول في جامعة انقرة اولا في قسم السومريات.

كنت في محطة القطار انتظر قدوم احدهم من العراق لكنه لم يكن لين المسافرين وبعد انتظار طويل وجدت اخد الوجوه شاب في مقتبل العمر ينتظر وحيدا فعرفته اذ كان يدرس معي وفي نفس الصف في الإعدادية وكانت شعبانا دال فإذا به يطير من الفرح للقائي. هذا الصديق هاجر بعد اشهر الى الولايات المتحدة وهومن المسيحيين كان يحلم ان يكون صيدليا ويشتري سيارة كاديلاك. المهم بعد دقائق جاء صديقه الذي كان من المفروض ان يكون في انتظاره ذهبنا سويا الى شقتي وبقى معنا ولكننا عدنا بعد بضعة اشهر الى الوطن بعد ان أخذ الحنين بنا. عند زيارتي لصديقي وجدت مدى انزعاج عائلته من عودته على عكس ما كان اهلي وبعد سنوات فهمت ان قصده كان الهجرة. سافرت الى إستانبول لإجراء امتحان في كلية المعمار سنان على ساحل المضيق. اليوم الأول امتحنا في الرسم وكان السؤال تخيل كوب قهوة مقلوبة على طرف الماعون. تذكرت الوالد حين كان يراني حالما مع خيالي وانا يقظ يقول:

اترك الخيال وارجع الى الواقع يا بني. 

ما احوجي الى الخيال اليوم وانا اودي الامتحان كي اصبح معماريا ولو في الخيال. كنت كممثل للطلبة عام ١٩٨٨ في الجامعة الشعبية في مدينة يڤله السويدية وحضرت مؤتمرا في مدينة اوسا قرب القطب المتجمد الشمالي وكانت المحاضرة تردد قائلة:

شجعوا الطلاب على الخيال

ان الخيال سيودي الى النجاح

لا تنهروا الطلبة قط حين تجدونهم لأهون في أحلام اليقظة.

بعد الظهر كان امتحان التحريري وجاء السؤال حول قول احد الفلاسفة الإغريق

لا اتذكر النص الان ولكن مرة اخرى احتجت الى الخيال كي اعود آلاف السنين وأتخيل عالم ذلك الفيلسوف واكتب الإنشاء.

عدت الى الفندق الصغير في احدى ازقة بي اوغلو لأنام .

دق جرس التلفون في منتصف الليل فاستقضت فزعا لأسمع صوت اخي الكبير علي في الطرف الاخر ليخبرني باني حصلت على مقعد دراسي في كلية طب الأسنان في انقرة وعلي ان احضر غدا صباحا الى الكلية.

تركت إستانبول ليلا وتوجهت الى محطة آلحافلات متوجها الى العاصمة انقرة تاركا الامتحان حيث كان الجزء الثاني عبارة عن مقابلة شفهية لمعرفة مدى معرفتي للتركية.

لا اعرف طبعا نتيجة الامتحان لحد اليوم لكني بعد حوالي ٤٥ عاما وحدت نفسي مع زوجتي أمام بناية الكلية فحددثها عن تلك الأيام الخوالي.

المسرحية كانت من ضمن فعاليات جمع معونة الشتاء اخرجها سلمان فائق وشارك فرقة الموسيقية للمدينة في العزف. عرضت فيما اتذكر ثلاث مرات وفي شهر رمضان كان معظم الممثلين من الطبقة الفقيرة.

تدور حوادث المسرحية حول طفل يتيم مثل الدور صديقي سمير يذهب لكاتب العرائض كي يكتب له وسأله يشكوا فيها الخالق نفسه لانه أفقده أمه العزيزة.

اما انا فذهبت الى الكلية كي أدوم في اليوم التالي وإذا ب السكرتيرة تقول بان متقدما اخر باسم قاسم قلنجي قد سجل مكاني واني في الاحتياط. كانت العلاقات السياسية قد فعلت فعلتها و خسرت مقعدي في العاصمة انقرة وفي إستانبول.. 

كنت وعلى حالتي هذا أتمشى في الشارع الرئيسي للمدينة وإذا بأحد الأصدقاء وهو قريبين المرحوم الدكتور اكرم بامبوغجي  يضربني على كتفي من الخلف التفت اليه وعانقته. سالني عن حالي فرويت له ما حصل معي واني الان ممطر للعودة الى العراق بعد ان فقدت كل الامل بالحصول على مقعد دراسي.

قال تعال معي وبعد دقائق كنا امام بناية ليست بعيدة عن ميدان الهلال الأحمر وسط العاصمة. دخل الى غرفة العميد بهيبته وحقيبته الدبلوماسية ثم خرج بعد عدد دقائق ليصحبني معه الى غرفة العميد حيدر قرال الذي تحدث معي وسألني بعض الأسئلة فأجبت عليها ثم قال تعال في اليوم الفلاني سيكون هناك امتحان لان هناك العديد ممن قدموا للكلية. ذكرت ذلك لرفاقه في البيت فما كان من احدهم الا ان طلب الذهاب الى الكلية كي يقدم أيضا طلبا لان حالته كانت مشابه لما كنت انا عليه ذهبنا في اليوم المحدد للامتحان وبعد اجتيازنا بقينا معا اربع سنوات ولا زال صداقتنا مستمرة رغم كونه يعيش الان في جزيرة قبرص.

أودعنا تلكم الأيام ولم تكن القادمات احسن.

لنا عودة للموضوع لاحقا

 

توفيق التونجي

 ......................

من صفحات ( 3) ئالتون نامة- سيرة ذاتية

 

جمال العتابيهل يمكننا إستعادة صورة من الماضي، لتمسح بعض عثراتنا وإخفاقاتنا وخطايانا؟ أم انها ستكون ذاكرة للألم وحده؟ إذ نعيش مرحلة الفشل التربوي الآن، الصورة التي نستعيدها تشكلت منذ ثلاثينيات القرن المنصرم، كانت مشروعاً للعمل والأمل وتجاريب التربية الرصينة، دار المعلمين الريفية، لايمكن فصلها عن تاريخ العراق السياسي، وإذا كانت دار المعلمين العالية علامة في تاريخ الدراسات الأكاديمية والثقافية، فأن الريفية ستدرس في حدود تاريخها، كحضور متميز لجيل من التربويين الرواد في العراق، ومع ان النظرة العابرة لايمكن ان تستقصي كل أبعاد التجربة، كما انها لاتستطيع ان تقع على حرارة الإخلاص التي تشعّ منها، الا انها تستطيع ان تؤكد حقيقة واحدة، وهي ان خريجي الدار ارادوا التعبير عنها بقدر واف من الوفاء في إمتلاك المهارات، وقدر أوفى من المعرفة في ميادين التعليم .

كنت في مراحل الدراسة جميعها، أعود لأبي في حل إشكالات عديدة في اللغة، والإعراب والبلاغة، أوشرح مفردة أوقصيدة، فيأتيني الجواب شافياً وافياً من الوالد المعلم، وهوأحد خريجي دار المعلمين الريفية منذ أوائل أربعينيات القرن الماضي .

وطالما تساءلت مع نفسي، من أين لك كل هذا القدر من المعرفة يا أبي ؟ في النحو والصرف، كيف تسنى لك ان تنصرف للفن بكل طاقتك ؟ترسم وتمشق الحرف ؟ علمتنا فنون الخط العربي وجماليات اللون، كيف تمكنت من التحنيط ؟ وصنع المجسمات من الجبس والخشب ؟ كيف خلقت مسرحاَ من طاولة كرة المنضدة ؟ في مدرسة ريفية من طين، في قرية (سويج شجر)، التي لم تر النور بعد؟ وأيقظت الأحاسيس الخامدة في الطين، وذكّرت تلامذتك بجماليات الصلصال، ووصلت بفريق من الطلبة الحفاة الى نيل (الكاس) في لعبة الكرة الطائرة، وفزت على مدارس ريف (لواء المنتفك). فضلاً عن كل هذا، فهناك معاني أخرى ألّفت مصادر وعيك الفكري والسياسي، وإنحيازك لليسار فكراً وإنتماءً، منذ ذلك التاريخ .

اسم دار المعلمين الريفية يدل على موقعها في أطراف بغداد، في موقع الرستمية، خلف جدرانها نخيل سامقة، وساحاتها تخرج منها فاكهة خضراء، ونهر ديالى يلفها من الجنوب فأخصب أراضيها،طيورها تروي حكايا تلامذتها القادمين من ريف العراق الذي يتضور بؤساً من الفقر، فإنمحت آثار مفاتنه .

أو يمكن أن نفصل بين اللؤلؤة وضوئها الباهر؟نتساءل : بين الدار (التجربة)، والضوء تلك النخبة من الأساتذة العراقيين، أو الوافدين من بلاد الشام ومصر، الذين أودعوا أماناتهم في جيل من الطلبة وفق مناهج دراسية رصينة في مختلف حقول المعرفة والفن والرياضة .ترى من كان يمنح هذه التجربة روحها الجميلة ؟ لتظفر في النهاية بمجدها التربوي، الذي أسهمت الدولة العراقية في صنعه منذ بداية تأسيسه، إن إستعادة هذه التجربة يذكرنا بمساحة مجهولة مازالت مستكينة في أعماقنا، على شكل ومضات أصبحت في طيات النسيان، لتظل أنظارنا معلقة بالمختزن والموروث منها .

ان الباعث نفسه يغرينا بالتأمل في المجلة الدورية التي تصدرها الدار بإنتظام، وهي تتضمن مقالات ودراسات مهمة لأساتذة كبار، كما تنشر المجلة صور خريجيها، وفعالياتها، ونشاطاتها المتعددة، فتحيل المجلة الى عمل عقلي يدرك أسرار العالم .ومرة إثر اخرى بالسؤال، من أين للدار كل هذه الإمكانات والقدرات المالية والبشرية لتنهض بهذا الدور الريادي التربوي؟ الذي تنبعث منه أشعة الحكمة .

من المؤسف القول اننا وجدنا صعوبة بالغة في العثور على أي مصدر أو وثيقة، يمكن ان تقدم للباحث مادة مهمة،يمكن إعتمادها في الكتابة عن تاريخ هذه المؤسسة، فلا وزارة التربية ولا الدوائر المرتبطة تحتفظ بما يغني البحث، بإستثناء عدد واحد أو عددين من مجلة الدار الصادرة في أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، متوفرين في دار الكتب والوثائق ببغداد،وعدا ذلك، فلا أثر يعيد المنابت الحقيقية في بستان المعرفة، سوى المدرسة الريفية الإبتدائية في مدينة الحرية، التي كانت مدرسة لتطبيقات طلبة الدار، والتي ماتزال تحمل نفس الإسم .

ليس في مقدورنا النفاذ الى أعماق تاريخ التعليم في العراق، وقد أدركه النسيان من طول ما بعُد ونأى، وإذا بدت لنا تلك الذكرى من وراء شفيف ضباب السنين، وردية قليلا، شاحبة بعض الشيء أحياناً، فذلك يعني ان إستذكارها اليوم أصبح صعب المنال،ثم يأتي عصر رمادي، ينتزع العطر من دار المعلمين الريفية، وتظل أبنيتها خاوية تنتظر المواعيد، وكأنها نبضة حياة عابرة .

 

جمال العتّابي

 

محمود محمد عليأن ترحل قامة علمية مثل الدكتور "رمضان صالح الصباغ"، (أستاذ فلسفة الفن والجمال بكلية الآداب – جامعة سوهاج بجمهورية مصر العربية)، دون كلمة رثاء فى الإعلام المصري والعربي، فتلك علامة من علامات التردي، ودليل من أدلة الرداءة والعشوائية، فهذا الرجل كان من أولئك الرجال الذين يعيشون وفق ما يكتبون، ويظهرون ما يضمرون، ويعلمون بما يؤمنون، ولذلك أقول أي الكلمات لديها القدرة أن ترثى مفكراً وكاتباً بالغ الصدق والنبل والنقاء مثل رمضان الصباغ ؟! أي الكلمات لديها القدرة ؟!، فالذين يتسمون بالصدق والنبل في مهنة الفلسفة قليلون، وقد ازدادوا برحيله قلة!.. لا أظن أنه من قبيل المبالغة أن أقول إنه من أكثر الذين قدر لي أن أعرفهم من أستاذة الفلسفة بعداً عن المداهنة أو المتاجرة بالمهنة لحساب أي سلطة من السلطات بما في ذلك سلطة الرأي العام ذاته الذى كثيراً ما يغازله بعض الكتاب على حساب الحقيقة الموضوعية!.

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون وهي أن الدكتور رمضان الصباغ هو واحداً من كبار الرواد في دراسة علم الجمال الماركسي بمصر والعالم العربي، وقد استطاع من خلال بحوثه ومؤلفاته أن ينقل البحث في علم الجمال الماركسي من مجرد التعريف العام به، أو الحديث الخطابي عنه – إلي مستوي دراسته دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

فلقد  أقبل رمضان الصباغ علي الدرس الفلسفي في شوق ورغبة وتأمل وعناية، وانتهي به ذلك إلي إنتاج له وزنه - بحثاً – وتأليفا- أو تعليقاً وترجمة ؛ حيث يجمع رمضان الصباغ بين الدراسات الأكاديمية المتخصصة في الفلسفة المعاصرة وجه عام؛ وفى مجال علم الجمال بوجه خاص، وبين الإبداع الشعرى، والروائى، والنقدى المتميز، ولعل نظرة واحدة إلى سيرته الذاتية كفيلة بأن تعطى فكرة واضحة عن مدى خصب تجربته سواء على المستوى الإبداعي فى مجال الشعر بوجه خاص من خلال ستة دواويين شعر نشرت متفرقة على مراحل زمنية مختلفة هى: مجموعة:"معذرة يا قمري"، ومجموعة "مكابدات السندباد"، ومجموعة "حين انكسر"، ومجموعة " من مفكرة الحب الضائع"، ومجموعة "ايقاعات الحب والموت"، وأخيراً مجموعة النورس وأنت":  ثم نشرت بعد ذلك تلك المجموعات  في مجلد واحد تحت عنوان: الاعمال الشعرية، التى تضم بين دفتيها الأعمال سالفة.

وبالإضافة إلى الأعمال الشعرية للدكتور رمضان الصباغ ، فقد أضاف إلى سجله الأدبي روايته المتميزة : " ليلة رأس السنة ".  أما فى مجال النقد، فقد قدم عدداً  من الدراسات النقدية التطبيقية التي نشرها في عدد من المجلات الأدبية والفكرية المتخصصة، وأما على مستوى الدراسة الأكاديمية الخالصة، فقد قدم عددا من الدراسات التي تقع على خط التماس بين الفلسفة والأدب، ومن أهمها دراسته عن جماليات الشعر المعاصر، والذى يتضمن تأصيلاً للجماليات الشعرية، وتطبيقاً لها عند الشعراء المحدثين والمعاصرين؛ وبوجه خاص عند الشاعر السورى المجدد – ادونيس  والشاعرين المصريين الكبيرين– صلاح عبد الصبور –  وأحمد عبد المعطى حجازي، بالإضافة إلى الشاعر العراقي "عبد الوهاب البياتي"، وذلك جنباً إلى جنب مع دراسته التطبيقية لجماليات الشعر عند  الشاعر الإنجليزى ت س . إليوت .

هذا بالإضافة إلي الكتابات العديدة في مجال الفلسفة ومنها: جماليات الشعر العربي- وفلسفة الفن عند سارتر وتأثير الماركسية عليها – والأحكام التقويمية في الجمال والأخلاق - وعناصر العمل الفني دراسة جمالية - وجماليات الفن- والنظرية الجمالية السياقية عند ستيفن بيبر- والفن والأخلاق عند جاك ماريتان- والفن والقيم الجمالية بين المثالية والمادية – وفلسفة عند زكي نجيب محمود- والفن والايديولوجيا- وفيلسوف الموسيقي(فاجنر)...الخ

وقد علمتنا قراءة تاريخ الأعلام أن الشخصية العظيمة هي التي تختلف آراء الناس حولها اختلافاً كبيراً، وكلما كانت الشخصية أشد لمعاناً كان الاختلاف بشأنها أكثر حدة . والواقع أنني لم أكن أتصور في يوم في من الأيام أن ألتقي في حركة الحياة الجارية، بمثل هذه الشخصية، حتي وضعتني الظروف في طريق الدكتور رمضان الصباغ .

كان رمضان الصباغ رجلاً وهبه الله خلقة حسنة، فهو معتدل الطول، ليس باليدين المفرطح، ولا القصير المنكدر، له عينان يشع منهما بريق حاد يدل علي ذكاء متقد  ويوحي بشخصية قوية . ملبسه أميل إلي الأناقة، ولكنها الأناقة التي لا يبدو منها تكلف ولا يظهر عليها استعلاء . كان متحفظاً في حركاته، وقوراً في مشيته . أما مجلسه فغاية في الاحترام الذي لا يخلو أحياناً من تبسط، ولكنه لا يشجع الثرثارين والمتفيقهين، ويستبعد تماماً النمامين والوشاة .

عايشت رمضان الصباغ، ما يقرب من أكثر من عشرين عاماً، لم أره فيها ينحني أمام أحد من رؤسائه، أو يتملقه، أو يداهنه، وكان شديد الاعتزاز بنفسه، معتمداً علي قدراته الخاصة، وكفاحه الشخصي، ولم يكن يفخر بجاه ولا مال، وإنما كان موضع فخره الدائم : انجازه العلمي الذي حققه بالعمل الدؤوب، والجهد المتواصل.

كان رمضان الصباغ يجيد اللغة الإنجليزية تماما وترجم منها العديد من المؤلفات في فلسفة الجمال، كما كان متزوجا من سيدة فاضلة وهي الدكتورة سناء خضر (أستاذ فلسفة القيم المساعد بكلية الآداب جامعة جنوب الوادي) وقد أنجبت له سمر ورنا  .

كما كان يحب الشعر وفي نفس الوقت؛ كان اهتمامه بالفلسفة، والنقد الأدبي، والسياسة، وغيرها من المجالات، وقد ظل اهتمامه بها جميعاً، حتى وفاته المنية، وكان الشعر عنده متنوعاً؛ ففيه الشعر السياسي، والفلسفي، والغزل، وغير ذلك، والشعر، بالنسبة له كان تعبير عما يجول في خاطره ونفسه، وقد درس رمضان الصباغ مدارس الشعر والفن؛ خاصة الشعر الغربي (الإنجليزي والأمريكي والفرنسي والألماني)، بالإضافة إلى الشعر الروسي والعربي بالطبع؛ فاستفاد  كثيراً من اطلاعه على هذه المدارس المختلفة، وقد قدم في ذلك ست دواوين من الشعر الحر (شعر التفعيلة)؛ أحدها من قصائد النثر سريالى الطابع، كما قدم دراسة مستفيضة عن الشعر العربى المعاصر (الشعر الحر)، درس فيها، بالتفصيل، مفهوم الشعر وتطوره، والتجربة الشعرية، واللغة الشعرية، وموسيقى الشعر، والمؤثرات الغربية على الشعر، والإيقاع، والتضمين، والتدوير، والتكرار، كما درس الخيال والصورة وتطورهما، والتناص مع الأسطورة والتراث، هذا بالإضافة إلى كتابة روايتين؛ إحداهما منشورة، وعدداً من الدراسات عن الرواية، وهو، بشكل عام، في الشعر والرواية، أميل إلى التجديد، وذلك من خلال متابعته للأدب الغربي المعاصر، كما أنه مهتم بالفنون التشكيلية، والموسيقى الكلاسيكية، والأوبرا، والباليه، ولكنه على مستوى الدراسة والنقد والتذوق.

وبجانب اهتمامه بالشعر كان رمضان الصباغ مهتماً بالفلسفة الحديثة؛ حيث كان يعتبرها بأنها  فلسفات نسقية، بمعنى؛ أن كل فيلسوف يشكل مذهباً بعينه، وعلى سبيل المثال؛ هناك المذاهب المادية، أو أنساق الفلسفة المادية؛ التي أسس لها هوبز وهولباخ، مثلاً، وهناك المذهب العقلي؛ الذي أسس له ديكارت، وهناك المذهب المثالي؛ الذي أسس له كانط وهيجل، على سبيل المثال، أما الفلسفات المعاصرة؛ فهي فلسفات لا نسقية، وقد غاب عنها البعد (الشمولي)؛ الذي كانت تتسم به الفلسفة الكلاسيكية والحديثة؛ فظهرت نزاعات، وتيارات، واتجاهات. فالفلسفة الوجودية، مثلاً، هي: اتجاه فلسفي، وليست مذهباً بالمعنى الدقيق، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الفلسفات الوضعية، والبراجماتية، والتحليلية؛ فهي أقرب ما تكون إلى النزاعات والتيارات الفلسفية، منها إلى المذاهب والأنساق الفلسفية الشاملة.

وثمة نقطة جديرة بالإشارة وهي أن الدكتور رمضان الصباغ كان ينظر للفلسفة علي أنها تمثل رؤية للعالم الذى نعيش فيه، ومحاولة لتقديم معرفة منظمة عن عالم مشوش وغير منظم، وتقوم الفلسفة بتنظيم رؤية الفيلسوف أو المفكر في نسق عقلي منطقي متماسك، وتتم صياغته في عبارات لغوية منضبطة، وبذلك، يسهل التعامل مع الواقع والتأثير فيه، وعندما تتبنى طبقة معينة، أو فئة، أو جماعة، فلسفة معينة، وتجعلها برنامجاً للممارسة العملية تنتج الإيديولوجيا؛ فالإيديولوجيا: هي التعبير عن الانتقال من عالم الفلسفة المجرد، إلى الواقع والممارسة العملية، ويتم التأثير المادي على وقائع الحياة، وشروطها، وتغييرها. وبما أن الإيديولوجيا تُعَدُّ تعبيراً عن طبقة أو فئة أو جماعة، لذا؛ فهي انتقال من التعبير عن الرؤية الفردية (الفلسفة)، إلى التعبير الجماعي أو عن الجماعة، وتعتبر الفلسفة الماركسية، عندما تتبناها طبقة البروليتاريا: هي التعبير الإيديولوجي عن مصالح وتطلعات هذه الطبقة، وكذلك، تعدّ الفلسفة الليبرالية تعبيراً عن الحرية الفردية، والمصالح الإيديولوجية للطبقة البورجوازية، وبذلك؛ تعتبر الإيديولوجيا: تطبيقاً خاصاً لفلسفة أو فكر محدد. وتنبع مشكلة الصراع بين الفلسفة والإيديولوجيا، أساساً، من محاولة تحريف الفلسفة أو الفكر، وفقاً لمصالح وتطلعات الفئة أو الجماعة، مما يجعلها تخرج عن إطار النسق الفلسفي أو تتعارض معه، وذلك يكون وفقًا لتفسير محدد لهذه الفلسفة أو ذلك الفكر، يراه آخرون تحريفاً، ويقوم على تنفيذ الإيديولوجيا جماعة سياسية، تعتقد بها، وتعمل من أجل ترسيخها في الواقع، ويشعر جميع المنضوين تحت لوائها، أن مصالحهم المباشرة ورغباتهم، سيتم تحقيقها ضمن الممارسة العملية للأهداف التى تنطوي عليها الإيديولوجيا، وكل إيديولوجيا تحاول إلغاء التناقضات الفردية، وتوحيد الأفراد المنضوين تحتها، في سياق عملية الاندماج ضمن شعاراتها العامة؛ فالإيديولوجيا تجيد الإيهام في أنها هي فقط: الحق، والحقيقة، والخير، والأخلاق، وأنها بعيدة عن التطلعات الأنانية؛ بل لابد أن نضع في اعتبارنا، القائمين عليها ومصالحهم؛ فقد تكون الشعارات زائفة، وتتناقض مع الممارسة العملية.

وأما عن نظرته لمستقبل الدراسات الفلسفية في عالمنا العربي، فهي نظرة قاتمة؛ حيث يري أنه بعد جيل من المؤسسين للفلسفة في العالم العربي، أخص بالذكر "على عبد الرازق" و"طه حسين"، ثم جيل الرواد، مثل: "عبد الرحمن بدوي"، و"توفيق الطويل"، و"يوسف كرم"، و"زكريا إبراهيم"، و"عاطف العراقي و" حسن حنفي" و" محمد علي أبو ريان"، وغيرهم، نلاحظ اضمحلال في حركة الفلسفة في الوطن العربي. وتواجه دراسة الفلسفة في العالم العربي مشكلات كثيرة، لعل أهمها؛ مشكلة انغلاق الباحث على تخصصه، وفي كثير من الأحيان، تقوقعه على كتابات فيلسوف أو اثنين فقط، هذا يؤدى إلى تحجر الفكر والفلسفة وموت الإبداع.

تحية طيبة للدكتور رمضان الصباغ التي كان وما يزال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علييعد الدكتور جمال حمدان أحد أعلام الجغرافيا المصريين الأفذاذ، والذى حلت ذكرى رحيله السادسة والعشرين قبل أيام، فقد تفرد بلا منافس في علوم الجغرافيا وفلسفات الشعوب، ولطالما ظل اسمه مدونًا في كل المراجع العالمية بلا استثناء، بل ترجمت كتبه العظيمة لمختلف اللغات، واعتبره البعض حالة متميزة جادت بإبداعاتها بكل تفانٍ وإخلاص، ولم لا، فقد كان راهب الجغرافيا والوطن والعروبة بامتياز، جمع بين العلم والفن والفلسفة، كما عُد أحد أعلام الجغرافيا المصريين، ولكنه كما قيل، لم يكن مجرَّد أستاذٍ للجغرافيا في جامعة القاهرة، بل كان مفكِّرًا وعالِمًا، أفنى عمره كلَّه باحثًا عن ينابيع العبقرية في الشخصية المصرية، محلِّلاً للزمان والمكان والتاريخ الذي أدى إلى حفاظ تلك الشخصية على مقوماتها.

فمثلا نجد أنه شكل بمفرده مدرسة راقية في التفكير الاستراتيجي المنظم، مزج فيها بطريقة غير مسبوقة ما بين علم الجغرافيا الذي لا يتعدى مفهومه لدى البعض نطاق الموقع والتضاريس، وعلوم التاريخ والاقتصاد والسياسة، ليخرج لنا مكون جديد أسماه “جغرافيا الحياة”. وأوضح “حمدان” في مقدمة كتابه الموسوعي “شخصية مصر” المقصود بتلك الجغرافيا مشيرًا إلى أنها: “علم بمادتها، وفن بمعالجتها، وفلسفة بنظراتها.. وهذه الرؤية ثلاثية الأبعاد في التعاطي مع الظاهرة الجغرافية تنقل عالم الجغرافيا من مرحلة المعرفة إلى مرحلة التفكير، ومن جغرافية الحقائق المرصوصة إلى جغرافية الأفكار الرفيعة.

ولم تكن الجغرافيا هم “جمال حمدان” الوحيد، لكنه أراد أن يجعل منها مركزًا لكل العلوم، فكان لكل وادٍ عنده نظرية، ولكل بحر دلالة وأهمية، ليصيغ من خلال ذلك نظرية استراتيجية كاملة في عبقرية المكان، ويحلل من خلال تلك النظرية التاريخ والحاضر والمستقبل.

وُلد جمال حمدان في العام 4 فبراير 1928م ، وحصل على الشهادة الابتدائية عام 1939، وقد اهتم والده بتحفيظه القرآن الكريم، وكذلك تجويده وتلاوته؛ مما كان له أثر بالغ على شخصيته، وعلى امتلاكه نواصي اللغة العربية، وقد ظهر ذلك جلياً في كتاباته التي تميزت بأسلوب أدبي مبدع.

وبعد المرحلة الابتدائية التحق بالمدرسة “التوفيقية الثانوية” وحصل على شهادة الثقافة عام 1943، ثم حصل على التوجيهية الثانوية عام 1944، وكان ترتيبه السادس على القطر المصري، ثم التحق بكلية الآداب قسم الجغرافيا.

تخرج من كليته في عام 1948، وتم تعيينه معيداً بها، ثم أوفدته الجامعة في بعثة إلى بريطانيا سنة 1949، حصل خلالها على الدكتوراه في فلسفة الجغرافيا من “جامعة ريدنج” عام 1953، وكان موضوع رسالته: “سكان وسط الدلتا قديما وحديثاً”.

كان الدكتور جمال حمدان يرى أن مصر تحوَّلت من أول أمّة في التاريخ إلى أول دولة، ثم أول إمبراطورية، وتوصل إلى تلك الحقائق من خلال دراسات جادة وأبحاث متعمقة، درس في كلية الآداب- قسم الجغرافيا، وتخرَّج منها في العام 1948 ليعُيِّن معيدًا بها، ثم يسافر إلى بريطانيا في بعثةٍ لدراسة الدكتوراه في العام 1953، وكانت أطروحته بعنوان “سكان الدلتا قديمًا وحديثًا”.

ولا شك في أن كتاباه “دراسات عن العالم العربي” و”جغرافيا المدن”، كانا أول ما سلّط الضوء على عمله المتميز، ليحصل على جائزة الدولة التشجيعية وعمره حينها لم يتجاوز31 سنة.

والناظر بإمعان إلى كتابات حمدان ومنهجه ونظمه الجغرافي؛ يجد أنه كان قد حلَّق بعلم الجغرافيا إلى آفاق بعيدة، لم يستشعر بها أحد من أقرانه الجغرافيين قبله، فحمدان هو روح الجغرافيا الجديدة المتجددة دائمًا وأبدًا، مع أن كتاباته تميل إلى النسق العلمي المتسق بالأدب.

ترك جمال حمدان إرثاً عظيماً نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: (دراسات في العالم العربي، القاهرة، 1958) و(أنماط من البيئات، القاهرة، 1958) و(دراسة في جغرافيا المدن، القاهرة، 1958) و(المدينة العربية، القاهرة، 1964) و(بترول العرب، القاهرة، 1964) و(الاستعمار والتحرير في العالم العربي، القاهرة، 1964) و(اليهود أنثروبولوجيا، كتاب الهلال، 1967) و(شخصية مصر، كتاب الهلال، 1967) و(استراتيجية الاستعمار والتحرير، القاهرة، 1968) و (مقدمة كتاب (القاهرة) لديزموند ستيوارت، ترجمة يحيى حقي، 1969) و(العالم الإسلامي المعاصر، القاهرة 1971) و(بين أوروبا وآسيا، دراسة في النظائر الجغرافية، القاهرة، 1972) و(الجمهورية العربية الليبية، دراسة في الجغرافيا السياسية، القاهرة، 1973) و(6 أكتوبر في الاستراتيجية العالمية، القاهرة، 1974) و(قناة السويس، القاهرة، 1975) و(إفريقيا الجديدة، القاهرة، 1975) و(موسوعة شخصية مصر ـ دراسة في عبقرية المكان من 4 أجزاء، القاهرة، 1975 – 1984).

ولم يكتف جمال حمدان بذلك بل كتب عشرات الصفحات من خواطره، أتوقف أمام بعض منها، متأملا ومتعلما، حيث يقول، العرب بغير مصر "كهاملت" بغير الأمير، سيناء ليست مجرد صندوق من الرمال كما يتوهم البعض، وإنما صندوق من الذهب الأسود. مصر كانت دائما شعبا محاربا، ولكن دون أن تكون دولة محترفة حرب، لأنها محارب مدافع أساسا لا محارب معتد.

وعن إسرائيل يقول : إسرائيل ليست عنكبوتا، ولكنها بناء ملئ بالثقوب، يقوم علي أرض أكثر امتلاء بالحفر، والعلل الأصيلة في مجتمعها هي نقاط قوة لنا في صراعنا ضدها، ونقاط ضعف محققة لها، غير أن إسرائيل، لن تهزم بالنقاط كما يقولون في عالم الرياضة، وإنما تهزم بالضربة القاضية. علي المسلم الذي يكتب عن العالم الإسلامي، أن يضع نفسه في مكان غير المسلم، خاصة الأوروبي المسيحي، ليس فقط ليكون موضوعيا، وإنما، ليستوعب وجهة نظر الآخر. نحن والأقباط شركاء، وإنهم أقرب المسيحيين في العالم، إلي الإسلام بمعني أو بآخر. .

ولم يكتف بذلك بل وينسف بكل ثقة ويقين ادعاءات إسرائيل بأحقيته المزعومة  في أراضي ومقدسات فلسطين، وكذا يستشرف مبكرًا باقتدار مآلات واحتمالات الصدام والتصدع المبكر بين القوى العالمية المهيمنة على إدارة المشهد الدولي حينها ولكن قبل حدوثها بسنوات.

ومن الرؤى المستقبلية التي طرحها وتبدو في طريقها إلى التحقيق تلك النبوءة الخاصة بانهيار الولايات المتحدة، حيث كتب “حمدان” في بداية التسعينيات يقول: “‏أصبح من الواضح تمامًا أن العالم كله وأمريكا يتـبادلان الحقد والكراهيـة علنًا، والعالم الذي لا يخفي كـرهه لها ينتظر بفارغ الصبر لحظة الشماتة العظمى فيها حين تسقط وتتدحرج، وعندئذ ستتصرف أمريكـا ضد العالم كالحيوان الكاسر الجريح”.

كذلك كان أول من أشار إلى مدى تأثير البترول ليس فقط على المجال الاقتصادي، ولكن على المجال السياسي والاستراتيجي أيضًا، وذلك في كتابه “بترول العرب”، وبالفعل ثبت كلامه، فكان البترول وسيلة ضغط فعالة استفاد منها القادة العرب خلال حرب أكتوبر 1973.

كما تنبأ بانهيار الاتحاد السوفيتي في كتابه “استراتيجية الاستعمار والتحرير” عام 1968، وبالفعل انهار الاتحاد السوفيتي عام 1991، كما قام في كتابه الشهير “اليهود أنثروبولوجيًا” بإثبات أن يهود إسرائيل ليسوا أحفادًا لليهود الذين خرجوا من فلسطين قبل الميلاد، وإنما ينتمون إلى إمبراطورية “الخزر التترية” التي قامت بين بحر قزوين والبحر الأسود، واعتنقت اليهودية في القرن الثامن الميلادي، هذا الأمر الذي أكده بعد ذلك “آرثر بونيسلر” مؤلف كتاب “القبيلة الثالثة عشر” الصادر عام 1976.

وذكر الأستاذ إبراهيم النجار (في مقاله الذي نشره بجريدة الأهرام "جمال حمدان.. درس في عشق مصر) أن جمال حمدان المؤرخ المصري، في (17 أبريل 1993م)  قد اغتيل ، عقب احتراق شقته في القاهرة، ووجد وقد احترق نصف جسمه، إثر تسرب غاز حسب الرواية الرسمية آنذاك، إلا أن شقيقه قال، إنه رأى أثار ضربة بأداة حادة في رأس جثة جمال، فيما لم تتجاوز الحروق منطقة الصدر.

كما ذكر شهود عيان، أن ثلاثة كتب انتهى حمدان من تأليفها اختفت من البيت، أهمها "اليهود والصهيونية وبنو إسرائيل"، كما اختفى أجنبيان أقاما شهرين ونصف في شقة تقع فوق شقة حمدان. فهل قتل حرقا أم بضربة على الرأس؟!

ونحن في رحاب الذكري السادسة والعشرين لرحيله، مازال السؤال يتردد، ومازالت هناك علامات استفهام كبيرة لا تنتهي، لا زالت قائمة حتى اليوم، ولم تجد من يفك ألغازها ويجيب علي طلاسمها، حول رحيل واحد من المع وأنبل الظواهر المعرفية في تاريخنا المعاصر، وسط إهمال يعكس جهلا مطلقا بقيمته العلمية والأدبية، ووسط ضياع للإجابة عن سؤال يتعلق بكراسات موسوعته العملاقة، "جغرافيا العالم الإسلامي". وكراسات كتابة المهم "اليهودية والصهيونية"، وهو السؤال الذي لم يجب عنة أحد حتى الآن، ولم يقل لنا أحد أين توجد كراسات الموسوعة والكتاب؟.

وفي نهاية مقالي لا أملك إلا أن أقول رحم الله جمال حمدان، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت امرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه إذا يعروه فقدان في كل يوم ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقبل : جامعة أسيوط

 

 

 

علجية عيشهكذا انقلب قادة الفيس FIS على زعيمهم الشيخ عباسي مدني

كانت كلماته مثل الرصاص تتسلل إلى القلب في صمت، وقد خاطب مرة رافقه قائلا : "ليست مشكلة أن يموت الشيخ بعد أن يكون قد ولد أبناءً صالحين، ولكن المشكلة أن لا يلد أو يلد أبناءً فاسدين"، وإن كان عباسي مدني قد واجه صراعا عنيفا مع اليساريين، فقد تعرض لإنقلاب شديد على يد رفقاء دربه في الحزب حين غازلوا السلطة من أجل اعتماد حزبهم مقابل إقالته هو وعلي بن حاج، فكانت نهاية مطافه المنفى الذي توفي فيه اليوم عن عمر يناهز 88 سنة

غادر زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ الشيخ عباسي مدني ومؤسسها الحياة إلى الأبد تاركا وراءة إرثا سياسيا ضخما مُحَمَّلاً بالأثقال والتبعات والغموض أيضا، هذا الرجل الذي طبع أول حزب إسلامي في الجزائر، ينحدر من مدينة سيدي عقبة ولاية بسكرة، فهو من مواليد 28 فيفري 1931 بمدينة سيدي عقبة، وهي السنة التي تأسست فيها جمعية العلماء الجزائريين على يد رائد النهضة الإسلامية العلامة عبد الحميد ابن باديس، تلقى الشيخ عباسي مدني داخل الزوايا والكتاتيب، ثم واصل دراسته بجمعية العلماء المسلمين، قبل ان ينتقل إلى المدارس الفرنسي، وكان الفقيد أن صرح أنه تلقى تعليمه الديني على يد الشيخ نعيم النعيمي ببسكرة وتلقى دروسا في القرآن والسنة والفقه، حسب الشهادات اقتحم عباسي مدني المعترك السياسي وعمره لا يتجاوز 20 سنة، حيث انخرط في حركة الإنتصار من أجل الحريات الديمقراطية وليدة نجم شمال افريقيا وحزب الشعب، وكانت هذه الحركتين معروف عنها أنهما حركاتن ثوريتان ذات طابع شعبوي.

كان عباسي مدني يرى أن الكفاح المسلح هو الطريق الصحيح لمواجهة الإستعمار الفرنسي، فكان من بين مجموعة حركة الإنتصار التي أسست تنظيما شبه عسكريا وهم: أحمد بن بلة، أحمد محساس، بن بوالعيد، كريم بلقاسم، عمر أوعمران، لخضر بن طوبال، محمد خيضر، محمد بوضياف وحسين آيت أحمد)، وعرف عن عباسي مدني أنه من أبرز النشطاء في هذا التنظيم السرّي، ألقي عليه القبض في عملية الهجوم على مكتب بريد وهران عام 1949، ودخل السجن، فدفعه ذلك إلى المشاركة في عمليات أول نوفمبر 1954 بعد خروجه من السجن، ليلقى على القبض من جديد، فكان مثل الرحّالة من سجن لآخر ( بين سركاجي، سجن بربروس، وسجن الحراش) ولم ير النور إلا بعد الإستقلال، يكشف عباسي مدني في تصريحات ألقاها أن عدم اتفاقه مع جبهة التحرير الوطني هو لأنها انحرفت عن المبادئ الثورية التي كانت عليها من قبل، بل انحرفت عن الإسلام وهو طبعا تصريح خطير من رجل يعرف كيف يداعب المصطلحات السياسية ويلونها باللون الذي تليق بجبهة التحرير الوطني، لم يكن عباسي مدني على وفاق مع الأفلان لأن هذا الأخير أبعد رجاله الحقيقيين وعوضهم بانتهازيين وتينى إيديولوجية دخيلة، وكان في خطاباته يردد عبارة: نحن لسنا تجار مبادئ"، وكان يخشى أن تقع للجبهة الإسلامية للإنقاذ ما وقعت فيه جبهة التحرير الوطني.

وهو يدرس الفلسفة بالجامعة تعرف عباسي مدني على وجوه فكرية وعلمية، من بينهم الهاشمي تيجاني، الشيخ أحمد سحنون، والشيخ العرباوي وعبد اللطيف سلطاني، واتفقوا على تاسيس جمعية سموها جمعية القيم، مهمتها الدفاع عن القيم الروحية والحضارية للجزائر، لكن سرعان ما تعرضت للمضايقات في عهد أحمد بن بلة، ثم حلت نهائيا في عهد بومدين في سنة 1966، كانت المشكلات التربوية في البلاد الإسلامية واحدة من القضايا التي عكف عباسي مدني على دراستها ومعالجتها، وقد حصر هذه الإشكالية في إبراز حجم الإصلاحات التي تعرضت لها النظم التربوية في البلدان الإسلامية وانعكاساتها الثقافية والحضارية، وجعل من النظرية التربوية الحديثة محور اهتماماته مركزا في ذلك على الجانب النهضوي والحداثي، الأول يمثله جمال الدين ألأفغاني ومحمد عبده وابن باديس، والثاني كمال اتاتورك وغيرهم، حسب الكتابات كان الشيخ عباسي مدني يتخذ من مسجد أبو بكر الصديق زاوية لتقذيم دروسه، وكان المسحد عبارة عن كنيسة.

بدأ صراع عباسي مدني مع اليساريين إلى مشادات بين الإسلاميين بالجامعة المركزية بابن عكنون بسبب انتخاب لجنة حرة للطلبة، حيث حاولت مجم وعة من اليساريين يمثلون "المنظمة الثورية "  حسب الكتابات فهذه المنظمة خرج منرحمها حزب العمال الذي تراسه لويزة حنون ومجموعة أخرىتمثل الأفافاس وألأرسيدي، أراد هؤلاء ان ينزعوا لجنة الحي من جماعة مسجد ابن عكنون، ووقعت مشادات عنيفة ذهب ضحيتها احذد الطلبة، وهو المدعو كمال أمزال طالب بمعهد اللغات الأجنبية، المصادر تشير ان ما وقع في تلك الفترة من تخطيط الشيوعية العالمية والماسونية الهدف منها توريط الدولة واصطدامها مع الشعب وضرب الدين الإسلامي والأمة ورجالها، رغم مواقفه، فقد تعرض عباسي مدني ويده اليمنى المتمثلة في علي بن حاج إلى الإنقلاب على يد رفقاء النضال في الفيس، وهم رابح كبير رئيس الهيئة التنفيذية الذي كان في المنف في ألمانيا والشيخ مدني مزراق قائد الجيش الإسلامي للإنقاذ الذان قدما للسلطات تعهدات بإقالة زعيم الجبهة عباسي مدني ونائبه علي بلحاج في حال السماح للحزب بالعودة إلى النشاط أو تأسيس حزب جديد، وأعلن رابح كبير عن تاسيس حزب جديد يختلف في منهجه وإيديولوجيته عن الفيس، هل يمكن القول أن الفيس بوفاة عباسي مدني انتهى إلى الأبد أم أن عناصره سيتحركون من جديد في ظل الضبابية التي تشهدها الساحة السياسية في الجزائر وما يرافقها من مسيرات شعبية يطالب أصحابها برحيل النظام وإحداث تغيير جذري في كل المجالات.

 

قراءة علجية عيش

 

866 شعبان 3حين علمت بصدور مذكرات "عبد الرحمن اليوسفي" رئيس الوزراء المغربي (الأسبق) والذي يسمى في الأدب السياسي المغاربي "الوزير الأول" بادرت بالسؤال عنها لاقتنائها لما يمثله اليوسفي من رمزية وطنية وعروبية وحقوقية وإنسانية كبيرة، تكاد تكون نادرة في هذه الأيام، ولكي أطّلع على تفاصيل أخرى من حياته ومحطّات مهمة كنت أجهل الكثير عنها، وهو الأمر الذي تأكّدت منه بعد قراءتي نصوص المذكرات التي صدرت في ثلاثة أجزاء وهي بعنوان "أحاديث في ما جرى" عكست ما جاء في الجزء الأول "شذرات من سيرتي كما رويتها لبودرقه "كما قال اليوسفي نفسه، والمقصود ببودرقه هو امبارك بودرقه (عباس)  الذي يقول في مقدمته الموسومة" محاولاتي مع بوح سي عبد الرحمن اليوسفي":

"عندما قررتُ في سنة 2016 نشر رسالة باريس للمرحوم محمد باهي حرمة، وشرعت مع صديقي أحمد شوقي بنيوب في تجميع موادها من أرشيف صحافتنا ووثائقنا، برزت لنا مواد أخرى ذات أهمية، كانت بدورها تتطلّع للنشر، وتتمثّل في مداخلات في الثقافة السياسية والذاكرة النضالية للأستاذ عبد الرحمان اليوسفي".

ويشير بودرقه إلى أن ذلك حلم راوده لفترة قاربت عقدين من الزمن، وكثيراً ما حاول إقناع اليوسفي بتدوين سيرته، خصوصاً أدواره ومواقفه في الحركة الوطنية وفي المقاومة وجيش التحرير وفي ما شهده المغرب من أحداث جسام بعد استقلاله، لكنه كان يقابل الإلحاح بالصمت أو بابتسامة عريضة تلك التي لا تفارقه، والحاملة لكل المعاني والتأويلات التي يمكن أن تتبادر إلى الذهن.

ويبدو أن المذكرات ما إن صدرت حتى نفذت لأن كثيرين كانوا ينتظرونها  بشوق مثلي وعلى أحرّ من الجمر كما يُقال، وكنت قد سمعت عن عبد الرحمن اليوسفي وشاهدته  لأول مرّة حين حضر إلى بغداد في ربيع العام 1968 للمشاركة في الحفل التأبيني للشخصية الديمقراطية الكبيرة كامل الجادرجي، الذي أقيم في قاعة الخلد ببغداد، والذي كتبت عنه في جريدة المستقبل اللبنانية يوم 13 آذار (مارس) 2008 ما يلي:

أتذكر ذلك المساء الربيعي، يوم الجمعة 12 نيسان عام 1968، حين بدأ الحفل في قاعة الخلد ببغداد وامتدّ إلى حدائقها لتأبين وتكريم كامل الجادرجي المفكر الديمقراطي ـ الليبرالي، ولعل المفارقة التاريخية يوم اقترب التأبين من يوم مولده المصادف 4 نيسان 1897، حيث اجتمع عند تكريمه رجال فكر وقادة من المشرق والمغرب، إضافة إلى كوكبة لامعة من الشخصيات الوطنية العراقية، الأمر الذي يثير سؤالاً حاراً هو كيف يصبح الاستثناء قاعدة وتلتقي عندها التيارات المتصارعة بما فيها الشمولية أيضاً ؟ افتتح الحفل بكلمة لرفيق عمره ونائب رئيس الحزب الوطني الديمقراطي محمد حديد.

كان مصطفى البارزاني، الزعيم الكردي العراقي حاضراً بشخص صالح اليوسفي، رئيس تحرير جريدة التآخي، واعتلى المنصة الزعيم اللبناني كمال جنبلاط، لينقل تحية الأرز إلى النخيل، ثم ألقى يوسف السباعي تحية شعوب آسيا وأفريقيا، وأعقبه العلاّمة آغا بزرك الطهراني من الحوزة العلمية في النجف، ووصلت برقية الكنانة والأهرام إلى بلاد سومر وبابل وأرض الرافدين وكانت باسم خالد محي الدين وألقيت كلمات للفريق عفيف البزري وبرقية شفيق رشيدات ورسالة من أحمد بهاء الدين، كما تحدث في الافتتاح الدكتور صفاء الحافظ باسم أساتذة الجامعة، والأديب والمفكر اللبناني حسين مروة. وكان عبد الرحمن اليوسفي الشخصية المغربية البارزة، قد وصل لتوه، ومن الطائرة إلى الاحتفال (ليلقي كلمته المؤثرة ) واختتم الحفل بكلمة عائلة الفقيد ألقاها نجله رفعت الجادرجي.

وبالعودة إلى مذكرات اليوسفي فقد جرّبت السؤال عنها في طنجة فلم أجدها، وفي الدار البيضاء في سفرة أخرى، فقيل لي ستجدها في الرباط، وخابت جميع محاولات وآمالي في الحصول عليها في جميع المكتبات التي سألتُ عنها، وكان صديقي الأكاديمي والروائي والكاتب الدكتور محمد المعزوز قد وعدني بتأمين نسخة منها، ولكن الدكتور خير الدين حسيب حين عرف برغبتي  بالاطلاع عليها بادر بتقديمها لي مشكوراً وهي مهداة له من المؤلف ذاته وبخطه وبتوقيعه. وبالمناسبة فإن اليوسفي يرتبط بعلاقات صداقة حميمة مع عدد من الشخصيات العراقية في مقدمتهم أديب الجادر وقد تزاملا في عملهما في جنيف وفي إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان.

866 شعبان 1

II

لعلّ من خصال اليوسفي وشخصيته الأثيرة كما تقول مقدمة بودرقه وما تكشفه نصوص المذكرات ذاتها، وما عرفناه عنه، أنه كثير التأني والتأمل وقليل البوح وبقدر صبره وطول نَفَسِه وتحمّله للشدائد، فقد كان أيضاً دقيقاً في اختيارات جمله ومفردات خطابه، التي يحرص على تدوينها وتوثيقها لأنه لا يريد الارتجال أو لردود الفعل الآنية أن تأخذ مكانها عكس ما يرغب به المرء أحياناً. ومع كل التردد والانتظار وافق  أخيراً وبعد نأي على محاولات بودرقه المتكرّرة ومخاطباته المتعدّدة لتدوين سيرته أو لنقُل بعضاً منها، وهكذا شرع الأخير بتجميع وتوثيق واستكمال نتاجات ونشاطات اليوسفي المتنوعة التي غطت مرحلة تاريخية كاملة، سواء على صعيد الفكر أم السياسة أم حقوق الإنسان أم القانون أم الإدارة أم الصحافة، وقد خصص الجزء الثاني والثالث من مذكراته لرؤيته الاستراتيجية على مستوى الفكر والمواقف والتحليلات السياسية، خصوصاً وهو من الموقع الأول في الدولة.

ومن عمق الذاكرة الحيّة والمتوقدة لرجل تجاوز التسعين (مواليد 8 مارس /آذار 1924)، أمكن رفد المكتبة المغاربية بشكل خاص والعربية بشكل عام، بمادة حيّة وزاخرة لمفكر رؤيوي وسياسي استراتيجي وصاحب رأي ووجهة نظر في التحوّل الديمقراطي، ومناضل مشهود له في ميدان حقوق الإنسان، وهذه المادة ليست سوى ذخيرة أولية يمكن قراءتها بعناوينها الأساسية والاستناد إليها بالتوسّع والتعمّق لفضاء أرحب للمغرب بشكل خاص والعالم العربي بشكل عام، بل على مستوى السياسة والفكر العالميين، بما فيها ملابسات المنظمات الدولية الكبرى.

ولعلّ أهمية قراءة هذه المذكرات أنها  تعطي القارئ فكرة تكاد تكون مدهشة عن عملية ديناميكية متواصلة، طرفيها: السلطة والمعارضة، بما فيها من تداخل وتخارج واتفاق وتعارض وتواصل وتباعد، لكنها عملية متفاعلة تنطلق بالأساس من روح الشعور بالمسوؤلية الوطنية والواجب الإنساني والاعتبارات الأخلاقية في إطار اجتهادات خاصة لكل منهما، دون نسيان المشتركات التي تجمعهما  تحت " الخيمة الوطنية" ولذلك كان كل طرف على الرغم من الجفاء أحياناً يسعى لمدّ جسور من الثقة مع الطرف الآخر الشريك في الوطن حتى وإن بدت الضفتان متباعدتين.

وبالفعل تم بناء هذه الجسور بعمل مضني في ظروف قاسية، لكن تحقيقه وإن كان صعباً وبدا في فترة ما مستحيلاً، إلّا أن روح الشعور العالي بالمسؤولية والحرص على تطور البلاد باتجاه التحوّل الديمقراطي هو الذي ساد في نهاية المطاف، وهذا ما حصل وهكذا انتقل اليوسفي من المعارضة إلى المشاركة ومن الرفض إلى النقد ومن المطالبة بتغيير النظام إلى تحمّل المسؤولية للمشاركة في  إدارته والمساهمة في إصلاحه والعمل من أعلى موقع في الدولة لتقديم رؤية جديدة تتعلق بالتطور السلمي استجابة لمتغيرات داخلية وعالمية.

وقد أسهم هذا التطور في ثلاث جهات أساسية:

أولها - توفر إرادة ملكية سامية بالانتقال السلمي للديمقراطية والعمل على تطويرها بخطوات تدرّجية وتراكمية.

وثانيها - مجتمع مدني ناشط وأجواء حقوقية مساعدة راصدة وناقدة وتسعى لتكون "قوة اقتراح" وليس "قوة احتجاج" فحسب،  بل تبذل ما في وسعها لكي تكون شريكا في اتخاذ القرار وفي تنفيذه لتحقيق التنمية المنشودة.

وثالثها- حركة سياسية وطنية التقت رؤيتها مع الإرادة الملكية العليا ومع تطلّعات المجتمع المدني، ويضاف إلى كل ذلك شجاعة من جميع الأطراف بمواجهة الصعوبات ومجابهة التحدّيات للوصول إلى المشترك الذي يخدم البلاد والعباد  ويطمح للحاق بركب البلدان الديمقراطية تأسيساً على قيم إنسانية مشتركة، وفقاً لثلاثة اعتبارات:

الاعتبار الأول- تجاوز مآسي الماضي وفتح صفحة جديدة من العلاقات بين الأطراف المعنيّة في إطار مسار طويل الأمد ونضال متعدّد الجهات والوجوه والأشكال.

والاعتبار الثاني- تطبيق معايير العدالة الانتقالية وفقاً للظروف المغربية، سواء بكشف الحقيقة أم بالمساءلة أم بجبر الضرر أم بالتعويضات للوصول إلى إصلاح النظام القانوني والقضائي والأمني ووضع آليات لمنع تكرار ما حصل، والهدف هو تحقيق المصالحة الوطنية، في إطار الاعتراف والتسامح بعيداً عن الانتقام والثأر والكراهية. وتعتبر التجربة المغربية بسياقها التاريخي أولى تجارب العدالة الانتقالية في العالم العربي، علماً بأن بعض من تولى مسؤولية قيادة مثل هذا التحوّل الحقوقي المهم هم من ضحايا العسف سابقاً الذين شاركوا بفاعلية في عملية التحوّل الديمقراطي، أذكر منهم الصديق إدريس بن زكري الذي قضى 17 عاماً في السجن وكنت قد أهديت له كتابي " الشعب يريد... تأملات فكرية في الربيع العربي" (2012) وكان قد غادرنا قبل هذا التاريخ.

أما الاعتبار الثالث- فهو التطلع للمستقبل، خصوصاً باحترام معايير حقوق الإنسان والشرعة الدولية، والانضمام إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وإطلاق حريّة التعبير والحرّيات الديمقراطية بما فيها الحق في التنظيم الحزبي والنقابي والاجتماعي والحق في الشراكة والمشاركة وعدم التمييز. وقد كانت للتغيرات الدستورية في المغرب التي حصلت بعد فترة ما سمي بالربيع العربي أن أرست قواعد دستورية جديدة لأفق تطور لاحق للانتقال الديمقراطي  توّجت بدستور العام 2011.

وكانت فترة إدارة اليوسفي قد أسست لمثل هذا التطور، وكنت شاهداً وراصداً عليها، وداعماً لها بالمقترحات والمشاورات، خصوصاً من خلال وزير حقوق الإنسان الصديق محمد أوجار، الذي أسهم بحيوية واقتدار في تحمّل مسؤولياته ما أهلّه اليوم ليكون وزيراً للعدل. وخلال رئاستي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن  كنت قد استضفته (أواخر التسعينات) في محاضرة بجامعة سواس Soas وفي لقاءات مع الجالية العربية ومع جهات رسمية ودولية عديدة لشرح آفاق التجربة المغربية، مثلما التقيت بالوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي أكثر من مرّة خلال رئاسته للوزارة، وهو ما سيرد ذكره في هذه المداخلة.

866 شعبان 2

III

ولد عبد الرحمن اليوسفي في يوم 8 آذار (مارس) 1924 في مدينة طنجة وتلقى تعليمه الأولي فيها وكانت طنجة حينها تخضع لنظام دولي بعد ثورة الريف بقيادة عبد الكريم الخطابي. خلال عمله النضالي تعرّض للسجن والتعذيب واضطر للعيش في المنفى 15 عاماً وعاد إلى المغرب العام 1980، بعد لقاء والدته مع جلالة الملك الحسن الثاني بطلب من الأخير، سألها في آخر اللقاء عن أي طلب لها، فقالت له أريد عودة " ولدي" وهذا ما حصل، حيث كان قد صدر عفواً عنه.

وكان عبد الرحمن اليوسفي على علاقة وطيدة مع المهدي بن بركة الذي اختطف من باريس العام 1965 واختفى قسرياً منذ ذلك الحين، ويتحدث في مذكراته بإعجاب عنه منذ أن تعرّف عليه العام 1943 فيذكر قدراته التنظيمية والحوارية وديناميكيته وطاقته العالية وفكره المتنوّر، وكان في ذلك التاريخ قد انخرط معه في حزب الاستقلال.

ومن الطرائف التي يذكرها اليوسفي في مذكراته أنه ظلّ متمسكاً بالطربوش والجلباب  التقليدي في مراكش والرباط، لكنه تخلّى عنهما بعد حادثة عرضية منذ العام 1944، وعاد لارتدائهما في مناسبات بروتوكولية العام 1998 بعد تعيينه وزيراً أولاً من طرف الملك الحسن الثاني .

ويستذكر اليوسفي عمله في الحركة الوطنية وفي تنظيم الخلايا النقابية العمالية التي شكّلت بذوراً للمقاومة في الحي المحمدي وكانت تنشط في إطار " الاتحاد العام للنقابات المغربية" التي يشرف عليها كما يقول، مناضلون من الحزب الشيوعي الفرنسي (في الأربعينات).

ويروي اليوسفي عن لقائه  الأول بـ عبد الرحيم بو عبيد (1949-1950) في باريس، وكان عبيد قد اعتقل العام 1944 وقضى سنتين في السجن، ثم ذهب هو الآخر إلى باريس لإتمام دراسته، وكان مسؤولاً عن حزب الاستقلال فيها، ويستذكر انعقاد دورة للجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس (1951) ولقاءه بـ عبد الرحمن عزّام " أمين عام جامعة الدول العربية"، الذي ساعده في طرح القضية المغربية على العديد من الوفود العربية، لكن السلطات الفرنسية شعرت بعدم الرضا وقامت بطرده، وكان يومها مسؤولاً عن الطلبة.

ولكن الملك محمد الخامس احتجّ على قرار الطرد والاحتجاز لدى السلطات الفرنسية، ثم تم تنسيبه إلى قيادة مكتب القاهرة وسعيه للحصول على جواز سفر مصري، لكن نجاح ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 حال دون ذلك. واضطر اليوسفي للعودة إلى طنجة (1952)، ويستذكر الإضراب الذي تم تنظيمه في المغرب تضامناً مع تونس بعد اغتيال مجموعات متطرّفة فرنسية القائد النقابي التونسي  فرحات حشّاد (1952)، وتعرّض التظاهرات الحاشدة لقمع قوات الاحتلال الفرنسي، وخصوصاً في الدار البيضاء.

وفي الوقت الذي كانت البلاد محتلّة من الفرنسيين، كان الشمال المغربي محتلاً من طرف إسبانيا، وكانت المقاومة المغربية تتركّز في الشمال، وحين انطلقت الثورة الجزائرية العام 1954، استفادت من هذا الفضاء الذي وفّرته المقاومة المغربية، ويستذكر اليوسفي عودة الملك محمد الخامس إلى المغرب 1955 ويشير إلى التنسيق بين قادة المقاومة في المغرب والجزائر، والبحث عن أسلحة ومعدّات لدعم جيش التحرير المغربي والجزائري وبمساعدة الأجهزة  المصرية في ذلك عبر أحمد بن بلّه الذي كان يمثّل الثورة الجزائرية ومعه محمد بوضياف ومحمد العربي بالمهيدي.

ونقلت الأسلحة من الإسكندرية  بباخرة تدعى دينا Dina  وصلت إلى مدينة الناظور المغربية (28 شباط/فبراير/1955) وكان على ظهرها محمد بوخروبه وهو الاسم الحقيقي لـ"هواري بومدين" الذي كان يتابع دراسته بالأزهر الشريف.

وكان ربّان السفينة شاب يوغسلافي اسمه ميلان،  عاش في الإسكندرية هو وزوجته وابنته، وحين حصل العدوان الثلاثي على مصر العام 1956، تطوّع للدفاع عنها، فاستشهد في بور سعيد، حين انخرط مع المقاومة المصرية أثناء قيامه بإحدى العمليات. وكان الأمير مولاي الحسن قد زار مصر بعد تأميم قناة السويس وتفقّد عائلة ميلان الذي غامر بحياته لقيادة الباخرة التي نقلت الأسلحة  إلى المقاومة المغربية والجزائرية، وقدّم لها هدايا رمزية، كما يذكر اليوسفي، وقد تزوّج الأخضر الإبراهيمي الشخصية الجزائرية الوطنية والدبلوماسية من ابنة ميلان واسمها مليكا.

ويشير اليوسفي إلى أن المجلس الوطني للمقاومة كان يترأس اجتماعاته علّال الفاسي وبغيابه يتولى المهمة عبد اللطيف بنجلون، ويذكر أن الفقيه محمد البصري كان من أنشط عناصر هذا المجلس وهو ما أهّله ليكون رئيساً له وأعلن عن "ثورة الملك والشعب"، وفي الذكرى الثانية لها (1957) انتقد البصري انزلاق البلاد نحو الاستعمار الجديد بسبب سياسة الاستيطان الفرنسية، ويشير إلى الخلافات داخل حزب الاستقلال  التي قادت إلى تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية 1959، وذلك اعتماداً على العناصر الشابة ذات التوجه التجديدي.

ويروي عبد الرحمن اليوسفي قصة اختطاف القادة الجزائريين الخمسة يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1956، حين أقلعت طائراتهم من المغرب إلى تونس، حيث اعترضتها المقاتلات الحربية الفرنسية، والقادة الخمسة هم أحمد بن بلّه وحسين آية أحمد ومحمد خيضر ومحمد بو ضياف ومصطفى الأشرف، وقد توجهوا إلى تونس لحضور الندوة المغاربية التي شارك فيها الملك محمد الخامس والحبيب بورقيبة، وكان اليوسفي، كما ينقل، قد رافقهم خلال وجودهم  في المغرب، كما دافع عنهم لاحقاً كمحامي انتدبته الحكومة الثورية المؤقتة للثورة الجزائرية، وبالتضامن من جانب قادة المقاومة المغربية.

وبالطبع قضى القادة الخمسة نحو ستة سنوات في السجون الفرنسية، وأطلق سراحهم في 19 مارس (آذار) 1962 عشية محادثات إيفان وقبيل استقلال الجزائر بنحو 3 أشهر.

IV

في العام 1959 حجزت السلطات المغربية جريدة "التحرير"  التي كان رئيس تحريرها عبد الرحمن اليوسفي واعتقلته، كما اعتقلت الفقيه محمد البصري بالدار البيضاء، إثر افتتاحية للجريدة، ونقل إلى "سجن لعلو" وقد أضرب عن الطعام مما اضطر إدارة السجن إلى استدعاء طبيبين لعلاجه، وقرّرا نقله إلى مستشفى ابن سيناء بالرباط، وتم إطلاق سراحه بعد أسبوعين، وبقي البصري نحو ستة أشهر.

بعد خروجه من المعتقل التقى بالملك محمد الخامس في كانون الأول (ديسمبر) 1959 في جنيف وكان هذا آخر لقاء، حيث توفي الملك بعد ذلك كما يذكر اليوسفي  في 26 فبراير (شباط) 1961 وتولّى الأمير الحسن الذي أصبح الملك الحسن الثاني مقاليد العرش في مارس (آذار) 1961.

ويذكر اليوسفي الصراعات التي أعقبت تولي الحسن الثاني إدارة البلاد، ابتداء من الاستفتاء على دستور العام 1962 ومروراً بإشكالات المجلس الدستوري  والانتخابات التشريعية، تلك التي يتناولها بمرارة حيث تمت الإطاحة به فيها، وكان الحزب قد رشحه عن طنجة، بينما نجح جميع أعضاء الأمانة العامة للاتحاد الوطني للقوى الشعبية، وقد شهدت تلك المرحلة حملة ضد الصحافة وحرية التعبير،إضافة إلى  حملة الاعتقالات حيث  تعرّض لها العديد من المناضلين (حوالي 100) بإشراف الجنرال محمد أوفقير (مدير الأمن الوطني آنذاك) والرائد أحمد الدليمي وقد تم تقديمهم للمحاكمة وصدرت الأحكام بإدانتهم (1964) لاتهامهم بمؤامرة مزعومة، بينهم من حُكم عليه بالإعدام (11 من المتهمين)، وجاهياً وغيابياً، والقسم الآخر بأحكام غليظة. وحكم على اليوسفي سنتين مع وقف التنفيذ.

ويقول اليوسفي أن هناك محاولة أولى للتناوب ابتدأت في ذكرى 20 أغسطس (آب) 1964، حيث أصدر الملك الحسن الثاني عفواً بتحويل بعض الأحكام من الإعدام إلى السجن المؤبد، ثم إطلاق سراح 65 معتقلاً بمن فيهم الفقيه البصري وعمر بنجلون ومؤمن الديوري، واستقبل الملك عبد الرحيم بوعبيد وأبلغه بالتفكير بتكوين حكومة وحدة وطنية، وأرسل ابن عمه مولاي علي لإقناع المهدي بن بركه العودة إلى المغرب، وتم اللقاء في فرانكفورت، وأبدى بن بركه تحفظاته حول الجنرال أوفقير وعصابة الإجرام  كما يسميها اليوسفي، لكن اختطاف المهدي بن بركه يوم 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1965 بدّد تلك المحاولات وأدخل البلاد في دوامة جديد من الصراع وشغل الرأي العام الوطني والدولي، ولا يزال مصير بن بركه مجهولاً حتى الآن وكان الرئيس ديغول قد اتهم أوفقير بالضلوع بالعملية حسبما يذكر اليوسفي.

V

يروي اليوسفي جانباً آخر من حركته في المنفى وهو متابعة دراسته واهتمامه بحقوق الإنسان وعمله في إطار اتحاد المحامين العرب (الأمين العام المساعد) ويشير إلى مشاركته بتأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليماسول (قبرص) 1983 والدفاع عن المناضلين الفلسطينيين أمام المحاكم الأوروبية وكذلك ضد الجرائم التي ترتكب في الفيتنام، كما عمل في إطار منظمة التضامن الأفروآسيوي (الأبسو) .

وبعد صدور عفو عنه العام 1980 عاد إلى الوطن وكان قد تعرف على زوجته كما يقول" هيلين" في العام 1947 بمدينة الدار البيضاء كما يذكر، وهي من أصل يوناني، وسكن والدها الخياط في المغرب. بعد أن عاشت العائلة في فرنسا، وقد تزوج منها بعد 21 عاماً من التعرف الأول عليها، حيث انتقلت العائلة إلى مدينة "كان" الفرنسية.

يتناول اليوسفي قيادة عمر بن جلون ثم عبد الرحيم بوعبيد للاتحاد الوطني للقوى الشعبية، ومن بعد قيادته، وتعيينه وزيراً أول بعد استقباله الملك الحسن الثاني بالقصر الملكي بالرباط يوم الأربعاء يوم 4 فبراير(شباط) 1998 وخاطبه الملك قائلاً" إنني أقدّر فيك كفاءتك وإخلاصك وأعرف جيداً منذ الاستقلال إنك لا تركض وراء المناصب، بل تنفر منها باستمرار، ولكننا مقبلون جميعاً على مرحلة تتطلّب بذل الكثير من الجهد والعطاء من أجل الدفع ببلادنا إلى الأمام حتى نكون مستعدين لولوج القرن الحادي والعشرين..."

ويشير اليوسفي إلى الثقة الكبيرة والواعدة من جانب الملك الذي قرّر أن يجعل "التناوب" لا مجرد تناوب أشخاص أو أحزاب، بل بداية مسيرة جديدة خصّها جلالته بقسم خاص..."

وقد فتحت تلك الخطوة ديناميكية جديدة في المسار السياسي للمغرب وأغلقت الصفحات السابقة بما فيها من صراع ومآسي، وهو الأمر الذي شهد تطورات لاحقة لتعزيز التوجّه الديمقراطي، خصوصاً ببناء أعراف جديدة وتفعيل ثقة المواطن بالدولة ومصالحة الشعب مع الحكومة . وعلى الرغم من أن الحكومة كانت مدعومة بثقة الملك، لكنها تعرّضت لتحديات عديدة وواجهتها صعوبات داخلية وخارجية، بما فيها بعض التوجهات من داخل الحزب الذي يقوده اليوسفي الذي أصرّ على أنها تجربة علينا أن نخوضها كاجتهاد وهو ما حاولت أن أحاوره فيه.

وكانت وفاة الملك الحسن الثاني 23 يوليو (تموز) 1999، وأتذكّر ذلك اليوم جيّداً، حيث كنّا باجتماع خبراء حقوقيين وعددنا 19 خبيراً في أثينا، وكان الأخ عبد العزيز البنّاني بيننا، وإذا بتلفون يأتيه فيتجه إلى زاوية من المكان الذي كنّا نجتمع فيه والحزن والألم ظاهرين عليه، ومن الحاضرين: بهي الدين حسن (مصر) هيثم مناع (سوريا) محمد السيد سعيد (مصر) أمين مكي مدني (السودان) خضر شقيرات وراجي الصوراني (فلسطين) وكاتب السطور (العراق)، وأبرقنا إلى اليوسفي نعزّيه.

واستمر اليوسفي حتى تم إجراء الانتخابات في 27 سبتمبر (أيلول) 2002 بعد مبايعة الملك محمد السادس، وكانت تلك الانتخابات الأكثر نزاهة وهي بإشراف حكومة التناوب التوافقي، أو يمكن القول الأقل تزويراً حسب تأكيدات الصحافة العالمية بما فيها اللوموند الفرنسية ومنظمات دولية معتمدة.

وكان اليوسفي قد قرّر الاعتزال بعد ذلك بنحو عام في أكتوبر (تشرين الأول) 2003، فكتب استقالته من الحزب وسلّمها إلى الصديق المحامي (رئيس نقابة محامي الرباط) محمد الصديقي (عضو المكتب السياسي) كما أبلغ عبد الواحد الراضي بنقل رسالة استقالته إلى أعضاء المكتب السياسي، مقدّماً تجربة رائدة على مستوى تحمّل المسؤولية بنزاهة منقطعة النظير ونكران ذات وشعور وطني صادق.

ويشير الجزء الأول من المذكرات إلى بعض المعالجات التي أقدمت عليها حكومة اليوسفي مثل الضمان الصحي وتشغيل الشباب من حاملي الشهادات العليا وترسيخ الانتقال الديمقراطي، والأهم في ذلك هو مسار العدالة الانتقالية الذي تميّزت به التجربة المغربية، كما احتوت على عدد من الملاحق المهمة التي هي تحتاج إلى قراءة خاصة.

VI

وكنت قد جئت على لقاء خاص جمعني باليوسفي  (ننيسان/ ابريل/ 1999 في منزل المحامي عبد العزيز البنّاني) وقد نشرته في كتابي الموسوم" سعد صالح : الضوء والظل - الوسطية والفرصة الضائعة" والمنشور في بيروت العام 2009 والمطبوع ثانية في بغداد 2012، وأحاول أن أنقل بعض الفقرات الخاصة منه والتي جاء بعنوان " استعادة تاريخية" حيث ورد فيه :

في حديث جمعني في كازابلانكا " الدار البيضاء" العام 1999 مع عبد الرحمن اليوسفي وكان حينها قد تولّى رئاسة الوزراء " الوزير الأول" كما يسمّى في المغرب العربي بعد أن كنت قد تعرفت عليه عندما كان رئيساً لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو من الشخصيات الحقوقية المؤثرة، حيث عمل في المنظمة العربية لحقوق الإنسان وفي اتحاد الحقوقيين العرب، ثم قبل تكليفاً ملكياً بتولي رئاسة الوزراء، وكان اليوسفي قد طلب اللقاء مع نخبة من زملائه العاملين في الإطارين ذاتهما، على دعوة عشاء نظمها الأستاذ عبد العزيز البنّاني في بيته، يومها تحرّك فيّ الهاجس الصحفي لسببين، الأول هو كيف يمكن لمعارض وطني قضى أكثر من ثلاثة عقود في المنفى أن يتبوأ رئاسة وزارة في عهد ما زال مستمراً وكان من أشد المعارضين له، بل داعياً لإلغائه؟ والثاني كيف يفهم السياسي الوطني معارضته من خلال هيكل الدولة وكيف يمكن التعامل معها؟

بادرت حينها إلى إثارة النقاش بسؤال الوزير الأول: ألا تشعر أحياناً بالغربة أو الاغتراب، يا " دولة" سي عبد الرحمن وأنت في هذا الموقع؟ وكان جوابه، نعم والى حدود غير قليلة، لكن شفيعي أن جزءًا من خطابي ما زال معارضاً، وهو ما كنت ألمسه في أحاديثه وخطبه التي تابعتها لأكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، بما فيها عندما أستقبل عدداً محدوداً من الذين يرتبطون بعلاقة أو معرفة معه في منزله وكنت بينهم، الذي رفض البقاء فيه رغم طلب الملك نفسه، لكنه عاد إلى شقته التي كان يسكنها قبل توليه الوزارة، وبعدها أردف اليوسفي قائلاً: لقد كنّا نعارض الدولة من خارجها وربما بعض معارضتنا الآن من داخلها، وهي تجربة اخترناها بالأغلبية رغم تحفظ بعض الأصوات، وعلينا اجتيازها، نأمل أن تكون مفيدة وناجحة، وهي تجربة مفتوحة للزمن للمناقشة والتقييم.

وقال اليوسفي كنّا نعتقد ان بعض الملفات يمكن أن نفتحها بيُسر وسهولة وإذا بها مغلقة أمامنا، وبعضها اعتقدنا بصعوبة فتحها وإذا بها مفتوحة أمامنا، بل أننا استطعنا المضي فيها إلى حدود كبيرة، بما فيها ملفات التعذيب والمساءلة وجبر الضرر والتعويض، فضلاً عن إعادة النظر ببعض القوانين وتشريع قوانين جديدة.

استذكرتُ أثناء حديثه سعد صالح، وأنا أعدّ كتاباً عنه،  فسعد صالح عندما انتقل إلى المعارضة، جاء إليها من موقع الدولة والمعرفة بشبكة علاقاتها المركّبة والمعقّدة، لاسيّما مواطن الخلل والضعف فيها، لا معارضة بالشعارات حسب، ولعلّ المعارضة ليست وظيفة دائمة، كما أن الحكم ليس هدفاً بحد ذاته أو وظيفة مستمرة، وعلى السلطة والمعارضة، فيما إذا توفّرت فرصة التناوب والتداول والانتخاب، انتظار رأي الناس ببرامجهم ومشاريعهم السياسية، فذلكم هو ما ندعوه بـ"التجربة الديمقراطية" في الدول العصرية المتقدمة. التجربة إذاً معيار أساس في المعرفة ولفحص وتدقيق النظرية، والتأكد من صواب وصحة ومدى انطباق الممارسة، وسيرها بخط متوازي مع النظرية.

وإذا كان سعد صالح قد انتقل من موقع المسؤولية في الحكم إلى موقع المعارضة، فقد ترك بصماته وختمه على الحياة السياسية، فمن كان يتصوّر أن بإمكان مسؤول ما أن يبادر إلى اتخاذ إجراءات تتعلّق بإجازة أحزاب معارضة راديكالية وإلغاء السجون وإطلاق سراح المعتقلين، وإطلاق حرية الصحافة، لكن سعد صالح كان قد قرأ الوضع الدولي جيّداً، لاسيما بعد هزيمة الفاشية واتساع نطاق الأفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان وبخاصة بعد إبرام ميثاق الأمم المتحدة  العام 1945، وبالتساوق مع بعض إرهاصات الوضع الداخلي، (ومثل هذا الأمر قام به عبد الرحمن اليوسفي حين قرأ اللحظة التاريخية وقرر بشجاعة خوض التجربة) وهو ما يدخل في إطار علم السياسة التنبوئي حيث يضع الجميع أمام مسؤولياتهم.

في الختام أقول أن اليوسفي جمع في شخصه الاستقامة الشخصية والنزاهة الأخلاقية، إضافة إلى قوة المبادئ وصلابة الرأي، فضلاً عن قدرته عن التقاط الجوهري من الأشياء، لاسيّما اللحظة التاريخية، وتعكس مذكراته الإيمان الحقيقي بقيم الحرية وحقوق الإنسان واحترام الرأي والرأي الآخر في وقت كانت الأفكار الشمولية هي السائدة، مثلما تظهر الغنى الروحي والثراء المعنوي .

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

ضياء نافعخليل هو الدكتور خليل عبد العزيز، السياسي المعروف ومؤلف كتاب – (محطات من حياتي) الصادر في بغداد العام 2018، وابراهيم هو ألاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف، المؤرخ العراقي الكبير والاستاذ اللامع في جامعة الموصل، والخلاف الذي حدث بينهما هو خلاف فكري بحت حول موقفهم الشخصي من احداث معينة جرت في التاريخ الحديث للعراق كانا (كلاهما) شاهدين لها وشاهدين عليها كل من موقعه. ولنبدأ قصة الخلافات (الفكرية!) الطريفة هذه من بدايتها، اذ انها – في رأينا - تستحق المتابعة الدقيقة فعلا (وصولا الى الاستنتاج المنطقي حول ذلك، وهو الهدف الاساسي لهذه المقالة)، فهي خلافات بين علميين من أعلام المثقفين العراقيين المعاصرين، الذين يساهمون (بحياكة!) التاريخ العراقي الحديث وتدوينه للاجيال العراقية الحالية واللاحقة، وتدوين الاحداث (مهما كانت صغيرة) بدقة وموضوعية ينعكس – بالتأكيد – على مجمل مسيرة التاريخ العراقي ومصيره، وعلى نبض الحياة طبعا بالنسبة لحاضر بلادنا ولمستقبلها ايضا، ولنتذكر بيت الجواهري، الذي رسم صورة فنيّة وعميقة لهذه الحالة  –

 ومن لم يتعظ لغد بامس   وان كان الذكي- هو البليد

القصة هذه بدأت عندما كتب العلاف عرضا جميلا – كعادته دائما لأنه مؤرخ يتابع ويسجّل ما يجري حوله من أحداث – لكتاب خليل عبد العزيز (محطات من حياتي) باعتباره وثيقة مهمة من وثائق العراق وتاريخه، ونشر العلاف هذا العرض في موقع الكتروني معروف وواسع الانتشار، وهذا العرض هو قراءة موضوعية وهادئة وشاملة للكتاب المذكور. في ذلك العرض جاءت نقطة الخلاف الوحيدة واقعيا بين الاثنين، وكانت تدور حول تفاصيل احداث الموصل عام 1959 الشهيرة، والمرتبطة بحركة الشواف، والتي ساهم بها شخصيا د. خليل عبد العزيز، عندما كان أحد المسؤولين عن التنظيمات الطلابية آنذاك، والتي شاهدها أ.د. ابراهيم العلاف ايضا عندما كان يافعا.

 بعد ان نشر د. ابراهيم العلاف تلك القراءة للكتاب، أجاب د. خليل عبد العزيز عليه بمقالة نشرها ايضا، ودافع طبعا عن وجهة نظره التي جاءت في كتابه المذكور حول تلك الاحداث، وهكذا اصبح الخلاف بينهما علنيا، وقد اضطر العلاف بالطبع ان يجيب بمقالة جديدة يناقش فيها ذلك، وعاد عبد العزيز وكتب جوابا على ذلك الجواب، وهكذا أصبح لدينا مجموعة مقالات، وهي - عرض للكتاب بقلم العلاف وجواب على العرض بقلم عبد العزيز وجواب على الجواب بقلم العلاف وجواب على جواب الجواب بقلم عبد العزيز، وكنت اتابع هذا النقاش بدقّة بين زميلين أعتّز جدا بزمالتهما، وبغض النظر عن رأيّ الشخصي الخاص حول ذلك الخلاف، فقد كنت ارى في تلك النقاشات بينهما المستوى الرفيع والعفيف والنبيل للتعبير عن تلك الخلافات، فلا يوجد تشنج ولا عصبية ولا اتهامات ولا احكام حادة تجاه البعض، وكان كل باحث يعرض بهدوء رأيه الخاص به، مع التأكيد على احترام الرأي الآخر رغم الاختلافات غير البسيطة بين الاثنين، وهذه مسألة كبيرة جدا في زماننا الردئ هذا، حيث نرى النقاشات (البذيئة والوسخة!) مع الاسف الشديد جدا، والتي يعطّ منها الاندفاع الذاتي الوقح، والذي ينطلق من المصالح الشخصية البحتة، والمنافع المادية ليس الا، وكل ذلك يجري طبعا (برعاية !!!) من جهات واضحة المعالم ...

ونعود الى قصة هذا الخلاف بين خليل وابراهيم (التزاما بعنوان مقالتنا طبعا)، فقد انقطعت أخباره عنّي رغم اني كنت اتابعه بدقة، واستفسرت عن ذلك، فجاء الجواب من الزميل الدكتور خليل نفسه، اذ تبين انه زار العراق، ومن الطبيعي انه يجب ان يمرّ حتما بمدينته الحبيبة الموصل، وطنه الصغير ومسقط رأسه، ولكن هذا المرور كان لمدة يوم واحد فقط لا غير، اذ لم تسمح ظروفه باكثر من ذلك، ومع هذا، فقد اراد ان يلتقي بالدكتور ابراهيم الذي يسكن هناك، ولكن كيف ؟ وهكذا قرر ان (يجازف!) ويبعث اليه بخبرعن رغبته تلك بحذر شديد وبوجل طبعا، واذا بالدكتور ابراهيم يستجيب للمقترح رأسا وبحماس منقطع النظير، وهكذا تم اللقاء في بيت الدكتور ابراهيم نفسه، وفي هذا اللقاء الجميل تحدثا عن تلك المقالات والخلافات، وتم (تسويتها!!!) بنفس تلك الروحية الانيقة والراقية والنبيلة، التي تحدث بين المثقفين الحقيقيين، الذين توحّدهم روحيّة عراقيتهم الاصيلة وعراقة اصالتهم العراقية وجذورهم الوطنية في اعماق الارض العراقية . وهذا هو الاستنتاج الذي أشرت اليه في بداية هذه المقالة، وهذا هو الهدف من كل هذه السطورالتي أكتبها، والتي أريد في نهايتها ان أحيي الدكتور خليل، الذي كتبت عنه العديد من مقالاتي، ومنها مثلا – (خمس ساعات في موسكو مع د. خليل عبد العزيز بحلقتين / كتاب نصف قرن بالروسية ..وغيرها)، وكذلك اريد ان أحيي الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف، الذي أعرفه منذ سنوات النشر في جريدة الجمهورية البغدادية في سبعينات القرن العشرين، والذي اقترحت مرة عليه (عندما كنت مديرا لمركز الدراسات العراقية – الروسية في جامعة فارونش الروسية بداية القرن الحادي والعشرين هذا) اصدار كتاب بتأليفه عن المركز، يعرّف الروس بعدة شخصيات عراقية، وأذكر استجابة د. العلاف السريعة لهذا المقترح، وكيف انه أرسل لي فعلا المواد الاولية عن هؤلاء الاعلام العراقيين، وكم تأسفت آنذاك لان مركزنا لم يستطع تحقيق ذلك المقترح الرائد، والذي لازلت لحد الان أحلم بتحقيقه مستقبلا ضمن خطط دار نوّار للنشر.  

 

 أ.د. ضياء نافع

 

محمود محمد عليالدكتورة قدرية إسماعيل إسماعيل.. هي واحدة من كبار الرواد في دراسة فنومنولوجيا هوسرل  بمصر، والعالم العربي، وقد استطاعت من خلال بحوثها ومؤلفاتها أن تنقل البحث في الفلسفة الفنومنولوجية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كانت في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديها هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

وشخصية الدكتورة قدرية إسماعيل هي الأخرى متميزة بطابع الجدية . وقد كان الحوار معها من أصعب الأمور، وخاصة علي أولئك الذين لا يحسنون استخدام عقولهم . فهي لا تقبل هذراً ولا فوضي. والألفاظ لديها ينبغي أن تكون علي قدر معانيها . فالتزيد مرفوض، والفيهقة مستحيلة . لذلك كانت دائرة أصدقائها ضيقة جدا، ومعارفها قليلين . وصارت الفكرة التي شاعت عنها أن الصغار يخشون منها، والكبار يهابونها.

وهَبَت الدكتورة قدرية إسماعيل حياتها كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظلت اهتماماتها الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن . وكانت تعتقد أن قدراتها الخاصة لا تقل بحال من الأحوال عن قدرات أي باحث مماثل لها في أوربا . لذلك فإن حوارها مع كبار الأساتذة في إنجلترا ( خلال البعثة في سبعينات القرن الماضي) أو الولايات المتحدة الأمريكية ( عندما زارتها في تسعينيات القرن الماضي)، كان يتسم بالندية . وكانت تصحح الكثير من آرائهم بالاعتماد علي المنهج العلمي الحديث في البحث والدرس الفلسفي .

إن مثل هذه الشخصية العلمية المتميزة كانت تحتاج إلي البيئة الملائمة لكي تقدم أطيب الثمار، وقد عملت الدكتورة قدرية إسماعيل في ظل ظروف غاية في الصعوبة، ومع ذلك استطاعت أن تؤكد ذاتها، وأن تحفر بأظافرها مجري خاصاً بها، بين دارسي الفلسفة المحدثين، وعلي الرغم من ذلك الجهد الجبار الذي بذلته في البحث والعطاء، فقد خلت حياتها تقريباً من لحظات التقدير التي يتلقاها العامل المجد، بل علي العكس : كان نجاحها هو سر مأساتها ! الغيرة والحسد، ومحاولات الوقيعة، ونشر الشائعات المغرضة : هي كل ما كانت قدرية إسماعيل تراه من حولها، في داخل كليتها. أما في خارجها، وعلي مستوي دارسي الفلسفة في مصر، فلم يكن هناك سوي الصمت المطبق عن جهودها البحثية، وكان هذا الصمت بمثابة عملية قتل بطئ .. والوحيد الذي مزق هذا الصمت كان هو (أستاذنا) الدكتور عاطف العراقي، حين تحدث عن جهودها وامكاناتها في الفلسفة الغربية، وتحدث عن منهجها، وبعد موت د. عاطف العراقي عاد الصمت واستمر النكران.

والدكتورة قدرية اسماعيل من مواليد 26/9/1941، بمحافظة الدقهلية، حيث حصلت علي  المرحلة الجامعة الأولي وهي ليسانس الآداب  من كلية البنات بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولي، وذلك سنة 1962، وحصلت علي درجة الماجستير من كلية البنات في موضوع سنة 1969 في موضوع بعنوان  "فلسفة ليبنتز : الميتافيزيقا والإلهيات بتقدير ممتاز سنة 1969، وحصلت علي درجة الدكتوراه من كلية الآداب في موضوع عنوانه "مشكلة المعني في فلسفة اللغة " بتقدير ممتاز بمرتبة الشرف الثانية سنة 1979.

ولقد شهد لها زملاؤها ومعاصروها لها بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة ..إلي جانب ما تتمتع به من خلق رفيع،. ولا غرو في ذلك فهي تمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثة ومنقبة، محققة ومدققة، مخلفة وراءها ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطتهم خلاصة فكرها وعلمها.

وأما عن تدرجها الوظيفي فقد تم تعينها معيدة بكلية البنات – جامعة عين شمس في نوفمبر سنة 1962،  ثم تعيينها مدرساً مساعداً عام 1971، وفي عام 1972 بدأت للتسجيل في درجة الدكتوراه وذلك تحت إشراف الأستاذ الدكتور فؤاد زكريا، وخلالها حصلت علي بعثة داخلية لمدة عامين، مكنتها للسفر إلي  إنجلترا من أن تقابل كبار الفلاسفة آنذاك، وعقب عودتها من البعثة كان الدكتور فؤاد زكريا قد سافر إلي العمل بجامعة الكويت، فأُسند الإشراف بعد ذلك إلي الأستاذ الدكتور نازلي إسماعيل حسين (التي أبت أن تناقشها لولا تدخل رئيس الجامعة في ذلك الوقت وهو الأستاذ الدكتور صلاح قطب "رحمه الله" )، ونوقشت الرسالة عام 1979.

وفي فبراير سنة 1980 تم تعيين الدكتورة قدرية إسماعيل مدرساً للفلسفة الحديثة والمعاصرة، وفي عام 1981 -1982،  سافرت إلي الولايات المتحدة الأمريكية في مهمة علمية لمدة عامين؛ حيث تمكنت من جمع مادة علمية لدراسة الفلسفة الفنومنولوجية .

وعقب عودتها بدأت تكثف جهدها للبحث في غمار فلسفة هوسرل، وكان أول عمل فلسفي لها هو كتاب  بعنوان " الجذرية في ظاهريات هوسرل "، وكانت فكرة البحث الرئيسة في هذا الكتاب هي؛ تأسيس فعل التفلسف وتحويل الفلسفة إلي علم دقيق بفضل استخدام المنهج المسمى بالمنهج الفنومنولوجي، حيث حدد هوسرل موضوع الفلسفة ومنهجها بأنه يقوم علي دراسة الماهيات . وبالتالي الفنومنولوجيا تعني نسق يتألف من أنظمة معرفية تنتج بواسطة استخدام ما أسماه منهج جديد للتفكير وهو منهج فلسفي أصيل، وهو المنهج الفنومنولوجي وقد صدر هذا الكتاب في حوالي 300 ورقة من القطع الكبير.

والكتاب الثاني كان بعنوان " تأملات في الظاهريات "  ويدور حول موضوعين رئيسيين، حيث تكشف لنا الدكتورة قدرية إسماعيل أبعاد الفنومنولوجيا من خلال موضوعين؛ الموضوع الأول الذي تناولته الباحثة ويدور حول المعني الدقيق للفنومنولوجيا ؛ حيث كشفت عن كيف نفهم فنومنولوجيا هوسرل؛ كما كشفت عن كيفية استخدام المعني الدقيق لفنومنولوجيا هوسرل من حيث: كيف تفهم أو كيف تؤول وكيف تستخدم . والموضوع الثاني كان ما أسماه هوسرل في كتابه أزمة العلوم الأوربية ( وهو آخر كتاب كتبه ولم ينشر في حياته لأنه توفي سنة 1938) ؛حيث تكلم عن امكان استخدام المنهج الفنومنولوجي في دراسة عالم الحياه اليومية، وهو العالم الذي نعيش فيه ونتصارع فيه ونموت فيه ...إلي آخره، وكان هذا الكتاب يقع في حوالي 120 صفحة من القطع الكبير.

وأما الدراسة الثالثة وهو بحث صدر بالإنجليزية بعنوان "مسألة أسس المعرفة في الفنومنولوجيا"، هل مصدر المعرفة براني أم براني، أو مصدر خارجي صرف أم خارجي وما هو دور الوعي الذي ركز عليه هوسرل، وخلصت الباحثة إلي أن عملية المعرفة عند هوسرل لها عناصر متعددة  وكان هذا البحث يقع في حوالي 43 صفحة .

والبحث الرابع وهو بعنوان " فكرة أخلاق فنومنولوجية، حيث أبرزت الباحثة كيف يمكن استخدام المنهج الفنومنولوجي في دراسة مسائل الأخلاق، والبحث هو تطبيق للمنهج الفنومنولوجي، وإشكالية البحث تدور حول أن ما يسمي بالمفاهيم الأخلاقية وهو أن أي مفهوم في الأصل يمثل خبرة معاشة فكوني أتصف بالأمانة أو الشرف أو الاجتهاد.. كل ذلك يكون من خلال معايشتي هذه القيمة أو تلك،  فاللص مهما أقسم فهو يعلم بداخله أنه لصا. وقد نشر هذا البحث بالمجلس الأعلى للثقافة بلجنة الفلسفة في ثمانينات القرن المنصرم.

وقد تقدمت الدكتورة قدرية بتلك الأبحاث للحصول علي درجة أستاذ مساعد، حيث كان قد قام بتقييم إنتاجها العلمي كل من أ.د/ نازلي إسماعيل، و أ.د/ أميرة حلمي مطر، و أ.د / محمد علي أبو ريان، وقد منحت علي درجة أستاذ مساعد في أكتوبر 1968، حيث أكدت أن هذا العمل يمثل انتاج متخصص في الفنومنولوجيا، وهذا أول مرة وأنه جدير بأن يرقي الدكتورة قدرية إسماعيل إلي درجة أستاذ مساعد.

وعقب حصولها علي أستاذ مساعد توجهت الدكتورة قدرية اسماعيل إلي مشروع آخر؛ وذلك في محاولة جريئة لكنها كانت مهمة بالنسبة لها، وهو كيف يمكن لها أن تستخدم مناهج التفلسف الذي تعلمته من إنجلترا والولايات المتحدة وكيف يمكن توظيفها في دراسة المسائل الفلسفية، فكان أول عمل لها في أبحاث الأستاذية يدور حول المنهج  المثالي (التراندسندنتالي) عند إرنست كاسيرر، وهو بحث مكون من 45 صفحة، وكان  البحث يدور حول "الشكل الرمزي عند إرنست كاسيرر- الجذور  والأصالة"، وقد ناقشت تلك الفكرة الرئيسية التي سيطرت علي كاسيرر؛ بحيث أنه قدم لنا أكبر مجلد في تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وهي فلسفة الأشكال (والذي صدر بعد ذلك في كتاب يقع في ثلاث مجلدات) - الفكرة نفسها-  أي المفهوم -وهو الشكل الرمزي، يدور حول كيف تكون الفكرة، وكيف يكون الرمز، وكيف طبقه  كاسيرر في فهم الواقع، سواء كان هذا الواقع حضارة،  أو واقع مادي... إلي آخره.

والبحث الثاني وهو كتاب بعنوان "منطق المفهوم العلمي من منظور مثالي تراندسندنتالي عند كاسيرر ؛ حيث يتحدث كاسيرر عن الفرق بين concept، conception ، إذ إن تلميذته سوزان لانجر قد أوضحت الفرق بين المصطلحين، حيث بينت الدكتورة قدرية كيف طبق كاسيرر المثالي التراندسندنتالي ( وهو المتابع لكانط ) وكيف طبقه كاسيرر علي مفهوم العدد، وهذا الكتاب يقع في 180 صفحة .

والكتاب الثالث وهو بحث مكثف  ودقيق، ويدور حول "الاستقراء من منظور نقد المعرفة العلمية"، وهذا البحث تناولت فيه الباحثة النقاش الدقيق بين العمليات المنطقية الأساسية في مناهج البحث العلمي، وهي عمليات التفكير، وقدمت من خلاله رؤيتين متقابلتين: الرؤية التجريبية والرؤية المثالي (التراندسندنتالي) لبنية العلم ووظائف العلم وما هي كفاءتها وعدم كفاءتها عند كل منهما، وشرحت الدكتورة قدرية اسماعيل فيه : ما الذي جعل الرؤية التجريبية عاجزة عند فلاسفة العلم الذين يتبنون الاتجاه التجريبي، ولماذا أضحوا عاجزين عن أن يفسروا مكونات العلم سواء كانت مفاهيم علمية أو فروض أو قوانين أو مبادئ أو أحكام علمية ... إلي آخره،  وخلصت إلي أنهم افتقدوا الرؤية المثالي التراندسندنتالي، وهذا البحث يقع في حوالي 120 صفحة من القطع الكبير.

وأما الدراسة الرابع فهي تطبيق المنهج الفينومينولوجي في دراسة علم الأخلاق من خلال الفيلسوف الألماني" شيلر"، واعتمدت فيه الباحثة علي المناقشات والاجتماعات والمؤتمرات التي حضرتها في جامعة هارفرد وكانت مركزة علي الفينومنولوجيا، وكان الجيل الرابع من علماء الفينومنولجيا كان موجودين في ذلك الوقت وكانت الباحثة توجد بينهم وتناقشهم. المهم تناولت فيه الباحثة ما يسمي بالحوار الساخن بين شيلر وبين وكانط، وكيف شَرحَ شيلر كانط في كتاب نقد العقل العلمي وفكرة الواجب ..إلي آخره , وقد سأل شيلر سؤال بسيط : هل يمكن أن ندرس المفاهيم الأخلاقية دون أن نراعي أن كل مفهوم أخلاقي هو يعبر عن خبرة معاشه، أي عن حال بشري - أي أننا نعيش عن حال بشري - أي خبرة نحن نعيشها سواء كوني صالحا أو طالحا .. الي آخره وبدأ يعطينا مواصفات هذه الرؤية ويخرج منها أنه لكي نؤسس علم الأخلاق بمفاهيمه ويكون علم أخلاق حقاً  لا بد أن يستند إلي القيم، وكل قيم ليست في عالم مفارق، بل نعيشها (فحين أقول عن فلان أنه إنسان صالح كونه صالحا فهو صالح لكوني أراه صالحا من خلال أعماله علي أنه كذلك). وبدأ يوضح شيلر كيف يكون الإنسان ذاتا أخلاقية ووضع لها شروط . والكتاب يقع في حدود  388 صفحة.

والدراسة الخامس هو بحث عن ألفريد إير عن اقتلاع فكرة الميتافيزيقا، ونشر هذا البحث تحت عنوان نصوص فلسفية ترجمة وتعلق ودراسة؛ حيث كشفت الدكتورة قدرية إسماعيل عن منهج التحليل الفلسفي عند إير، والذي طبقته الوضعية المنطقية، وإير كان من أعضاء دائرة فيينا، وهو قد إنفصل، وكان هناك خلاف علي أمور معينة، وشكلَ بعد ذلك التجريبية المنطقية التي تبناها بعد ذلك الدكتور زكي نجيب محمود، وكشف الباحثة أن الدكتور زكي قد تبني أفكار إير في كتابه نحو فلسفة علمية.

والدراسة السادس بحث بعنوان : "موريتس شليك : محاولة لرؤية أخلاق علمية" وفي هذا البحث تقول الباحثة أن مورتش شليك قد نجح في أن يقنعنا بأن ما هو معياري يصير علي أنه فعلي،  كما قدم نموذج شليك جديد لأخلاق العقل، فالأفكار التي قدمها شليك بينت كيف يمكن أن نحقق الانسجام والسلام بين البشر عن طريق الاهتمام المتبادل من المراعاة والسلام بين البشر .

ولم تكن الدكتورة قدرية إسماعيل ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان عملها العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكانت في ذلك متسقةً مع نفسها تمام الاتساق، فقد كانت تبحث دائماً عن النوعية من الحياة، وتعرف كيف تتذوقها وتُرضي بها حسها المرهف . ولكن لعل السبب الأهم في عزوفها عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليها، هو أنها كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث .

وقد حصلت الدكتورة قدرية اسماعيل عن درجة الأستاذية سنة  1992، وترأست قسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية حتي  بلوغ سن المعاش في عام 2001، وخلال تلك الفترة قامت بترجمة العديد من الكتب والدراسات الفلسفية، مثل كتاب مدخل إلي المنطق الرمزي لسوزان لا نجر، كما قامت بنشر الكثير الفلسفية في كثير من المؤتمرات والندوات والتي أفرزت العديد من دراساتها حول الفلسفة الفنومنولوجية، ونذكر منها علي المثال دراسة عن : الخطاب الفينومنولوجي -الماهية والمعني، والعنف من زاوية فينومنيولوجيا، وفينومنولوجيا الخلاف والاختلاف...وهلم جرا .

تحية طيبة للدكتور قدرية اسماعيل التي كانت وما تزال تمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً لامرأة عظيمة لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنسانى رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

 

 

835 بصريونكان يطلق على مدينة البصرة بقمة الاسلام وقطب الثقافة العربية في الوقت الذي كانت المدن العربية الاخرى جامدة جرداء على مفترق طرق، وكانت البصره فيها رونق ونكهة الشرق الاصيل واساطيره الخيالية التي ادهشت واثارة العالم الغربي فحولوا قصصها الى مسلسلات تلفزيونية وافلام كارتونية وروائية مثل السندباد البصري او البحري وقصص الواق واق . ويذكر ان احد الخلفاء العباسيين قال بان ذهب وفضة الارض لا يبلغ ثمن نخلة في البصرة .

اليوم نحن امام شخصية بصرية سجلت لها حضورا مميزا في الساحة الادبية من خلال كتاباتها وترجماتها وندواتها الثقافية والتي تعتبر بدون شك اظافة جميلة الى حركة الادب البصري المتصاعدة . وكانت كتاباته عن الادباء البصريين واعداده وتقديمة للبعض منهم تعد مراكبة راقية وحضورا جميلا في الحركة الادبية البصرية منها كتاب – بصريون يصنعون الحكايات – وهي عبارة قصص قصيرة والتي تكشف عن الحقائق النفسية للرواة حيث نجد في هذه القصص اماطة اللثام عن عما هو كامن وخفي وراء هذه الحكايات من افكار ومشاعر وقلوب معتمة او مسفرة مستبشرة وابداع وخيال واسع يفصح عن كنوز الارث الحضاري والادبي لاهل البصرة ..

من ناحية اخرى اهتم السامر بالترجمة من الانكليزي الى العربي حيث ترجم مجموعة معتبره من قصائد الاطفال منها – الازهار كيف تنمو – و– اهطل بعيدا ايها المطر – وغيرها، وهي ما تعطي تهذيبا تربويا وشفافية للنفس وحب للجمال الذي يؤدي الى الابتعاد عن كل ما هو قبيح وسيئ .. وتعتبر الترجمة لون من الوان التبادل الثقافي والتسامح والتنوير الحضاري حيث تخلق فضاءا انسانيا مشتركا والاطلاع على ما وصل اليه الآخر .. واليوم يذكر ان الترجمة في عالمنا العربي في تراجع وربما لنقص في التموين وعدم وجود حضورا واسعا من المؤسسات المختصة بذلك الا القليل، كما يذكر ان الترجمة من الصعب ان تكون فردية بل هي عمل جماعي يضع قواعد للمصطلحات والمفاهيم وا لمفردات بدقة متناهية ... ويذكر ان الترجمة بدأت في علمنا العربي في مصر عام 1835 حيث انشأ محمد علي باشا مدرسة تسمى – مدرسة الالسن-

كان رئيسا لها رفاعة الطهطاوي، وتخرج منها طلبة قاموا بترجمة الكتب الغربية الى العربي ..

كما يذكر احصائية عن حركة الترجمة في عالمنا العربي ما بين عام 1970 وعام 1980 بلغ 2840 كتابا منها 62 في المئة في مصر و17 في المئة في سوريا و9 في المئة في العراق ...

وهو ما يعده البعض انخفاضا كبيرا في كمية الكتب المترجمة ..

836 بصريونمن ناحية تاريخية اسس الخليفة العباسي المأمون بيت الحكمة عام 813 م وكانت فيه تترجم الكتب الاجنبية الى العربي . وفي مدينة طليطلة ظهرت مدرسة للترجمة عام 1130 قامت بترجمة كتب علماء عرب ومسلمي اهل الاندلس الى اللغات الاوربية وعلى اثرها قامت الثورة الصناعية في اوربا .

وعلى اية حال فان ما يقوم به عبد الكريم السامر من حركة ثقافية متنوعة على صعيد الادب والترجمة يعد تجديدا واشعاعا وانفتاحا على الذات وثقافة الاخر وهو ما نحتاجه نحن اليوم لان ظاهرة الخطابة الصوتية لم تجني نفعا وقد اصمت الآذان واصبحت غثاءا كغثاء السيل .

والله يرحم الشاعر ابراهيم اليازجي عندما قال:

انتبهو واستفيقوا ايها العرب   فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب

فيم التعلل بالآمال تخدعكم     وانتم بين راحات القنا سلب

الله اكبر ما هذا المنام فقد      شكاكم المهد واشتاقتكم الترب

من ناحية اخرى يعد اتحاد الادباء والكتاب في البصرة ظاهرة حضارية تأوي اليها افئدة اهل الثقافة والادب والفن .. وهو في انشطة مستمرة ومتميزة ومثمرة بقوة هاديئة وناعمة وباسلوب متمدن انيق فهو يبشر بحماسته عن النغمة الثقافية الشامخة، وبالتالي فهو رمزا لكل ظاهرة ادبية بصيرة وجريئة في مدينة البصرة .

 

د. كاظم شمهود

 

محمد فتحي عبدالعالصديقتي الّتي كنتُ أزورها في الصّغرِ كانت جدتها تردد عبارة يا مقصوفة الرّقبة وكنا نضحكُ كلّما سمعناها . ولكن عندما كبرتُ علمتُ سرّ هذا المصطلح الذي  تناقلتهُ الألسن عبرَ عشرات السنين لتصف أيّ امرأة تتمرد على القيود والعادات المجتمعية . يعتقد الكثيرون أنّ هدى شعراوي وصفية زغلول   كانتا أوّل رائدات التحرر النسائيّ في العصر الحديث لكن لم يلتفت أحد إلى أن محاولات التحرر النسائي كانت سابقة على ذلك بكثير وأن البداية الحقيقة كانت مع زينب البكري

وسأحدثكم عنها زينب ذات السّادسة عشر من عمرها هي ابنة الشيخ خليل البكري نقيب الأشراف وشيخ الطريقة البكرية والتي تنتسب لأبي بكر الصديق

كان هذا الشيخ حالة فريدة بين المشايخ حيث أبدى تعاونا كبيراً مع نابليون وسلطات الاحتلال الفرنسي ضدّ أبناء بلده فعينه نابليون نقيبا للأشراف خلفا لعمر مكرم الذي فرّ مع انكسار جند المماليك إلى الشام  ...كان الشيخ البكري  من مشايخ الصوفية إلا أنّه كان يمتلك صفات ذميمة أبرزها ولعه بالغلمان وحرصه على الشّراب حتى السكر  ... إنّ شيخا بهذه الصفات لم يكنْ ليكترث بالإشاعات التي أحاطت بابنته الصغيره زينب من وجود علاقة آثمة مع نابليون قائد الحملة الفرنسية على مصر وترفها في اللباس كما قيل في ذاك الزمان !

بحسب شهادة عبد الرحمن الجبرتي صاحب كتاب  عجائب الآثار في التراجم والأخبار وهو المعاصر لفترة الحملة الفرنسية  أن جريرة زينب الصغيرة مخالطة المجتمع الفرنسي المفتوح والعصري فلبست الفساتين والمناديل الملونة والطرح الكشمير وهذا قمة التبرج في هذه العصور ! فالمجتمع الفرنسي كان جذابا للعديد من الفتيات المصريات واللواتي عشن في زمن الجهل والجمود لقرون لا يدرون عن العالم المتحضر شيئا، لقد نقل الفرنسيون معهم صوراً براقة للمجتمع العصري فالنساء الفرنسيات المثقفات والمليئات بالحيوية والنشاط يتجولن في شوارع المحروسة ويشاركن في الحفلات والمناسبات الاجتماعية بأناقتهن الأوربية حيث عهود النهضة، وهو حافز لتقليدهم وخاصة الأثرياء والمشاهير من المصريين، ولكنّ علاقة الأب المشينة مع نابليون دفعت الابنة ثمنها من شرفها وسمعتها في ذاك العصر ..

انتهت الحملةُ الفرنسية وخرج الفرنسيون من مصر ليعود العثمانيون مرة أخرى إلى مصر ولتبدأ مرحلة العقاب لكلّ من ساعد الفرنسيين وأولهم الشيخ البكري وابنته زينب ...

ويروي الجبرتي أنّه ” في يوم الثلاثاء رابع عشرينه طُلبت ابنة الشيخ البكري، حيثُ حضر معنيون من طرفِ الوزير العثماني إلى بيت أمها وأحضروها ووالدها، فسألوها عما كانت تفعله، فقالت إني تبت من ذلك ولن أكرره، فقالوا لوالدها ما تقول أنت؟ فقال: أقول إني بريء منها، فكسروا رقبتها. وماتت الصبية المسكينة. نقول قصفت الرقبة ايّ كُسرت إلى قسمين والقصف هو إصدار صوت قوي. فهل كانت تستحق هذه المسكينة أن تقتل بهذه الطريقة الوحشية لأفعال كان السبب بها والدها الشيخ الفاجر السكير ومجتمع يعيش في قوقعة العادات والتقاليد .

ومن التاريخ إلى العلم وبحسب موقع fact slides الأمريكي فالمرأة لديها غريزة الاهتمام بمظهرها وشكلها وأن المرأة تفكر في ذلك تسع مرات في اليوم الواحد وهي تستغرق عاماً كاملا في تقرير ما ترتديه يوميا ! والطريف في التقرير أنّ الرجال أوّل من ارتدوا الكعب قبل النساء. لذلك على كلّ امرأة أن تلتزم بعادات وتقاليد المجتمع أو ستلقب بمقصوفة الرّقبة من قبل العجائز ومن يحيط بها من الجهال.

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الكاتبة والباحثة السّورية

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري

 

محمود محمد عليترجع معرفتي بالدكتور "حسن عبد الحميد عبد الرحمن " إلي منتصف تسعينيات القرن الماضي، عندما تم تعينني مدرساً مساعداً للمنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب – جامعة حلوان، وعقب استلامي للتعيين تقدمت بطلب لمجلس قسم الفلسفة بحصولي علي درجة الدكتوراه (والتي كنت قد ناقشتها قبل أن استلم تعييني بأيام سنة 1995)، وهنا بادر مجلس قسم الفلسفة برئاسة أستاذنا الدكتور "محمد حسيني أبو سعده"، في وضع تشكيل لجنة الفحص، والمكونة من الأستاذ الدكتور حسن عبد الحميد وكل من الأستاذ الدكتور علاء حمروش رحمه الله، والأستاذ الدكتور محمد فتحي عبد الله رحمه الله، وعقب هذا التشكيل طلب مني الدكتور أبو سعده (رحمه الله) أن أذهب لمقابلة أستاذنا الدكتور حسن عبد الحميد في مكتبة بقسم الفلسفة بآداب عين شمس لتسلميه الرسالة، وحين ذهبت إليه وجدته في كوكبة من تلاميذه بالسنة التمهيدية للماجستير، وطلب مني الجلوس حتي يفرغ من محاضرته، وبدأت أستمع إلي محاضرته، حيث كان يقوم بتدريس مادة "منهج البحث "، واستغرقت المحاضرة أكثر من ثلاث ساعات، ولقد أعجبتني جداً طريقة الدكتور حسن عبد الحميد في تدريسه، وعقب تسليمي له الرسالة استأذنته أن أحضر مع طلبة السنة التمهيدية للماجستير للاستماع إلي محاضرته للإفادة والتعلم فوافق علي الفور.

وبالفعل أخذت في مواظبة الحضور علي محاضراته العام كله والأعوام اللاحقة، واكتشفت منه أمراً مهماً، وهو أن أسلوب الدكتور حسن كان أكثر من رائع، فقد كان أسلوباً مفيداً وشيقاً، فقد لا حظت وهو يقوم بالتدريس أمام تلاميذه كأن تلاميذه أنداداً له، وليسوا مجرد طلبة تتلقي العلم علي يديه، وكان تواضعه الجم متناسباً مع علمه الغزير، فمن فرط أدبه العظيمين أنه كان يدلي برأيه من غير ما إصرار علي صحته، وكنت أراه يفصح عن وجهة نظره السديدة في الوقت الذي يطالبك فيه إبداء وجهة نظرك بكل صراحة ووضوح .

ولعل أول ما يجذبك – كما جذبني وغيري من شخصية الدكتور حسن عبد الحميد، سمة الهيبة والوقار الذي يكسو ملامحه الشخصية الظاهرة، ويكشف عن باطن ثري، يعمر بإيمان قوي، وثقة بالنفس، وعاطفة جياشة، وسريرة نقية، وقلب صاف عن الكدورات.

علاوة علي ذلك كانت لشخصيته تلك الجاذبية الخاصة والحضور الثري الذي يقيم بينه وبين تلاميذه وأصدقائه ومعارفه جسوراً من المحبة والاحترام والاحساس بالألفة العميقة . ومن هنا كان ذلك التأثير البالغ الذي تركه فيمن يحيطون به، والذي من الصعب أن يتحقق لو كان قد ترك من وراءه المئات من المؤلفات.

والأستاذ الدكتور حسن عبد الحميد هو من مواليد محافظة سوهاج – مركز المنشاة – قرية الحُريزات- سنة 1940، وهو يعد واحداً من أهم أساتذة الفلسفة المصريين الذين تخصصوا تخصصاً دقيقاً في مجال المنطق وفلسفة العلوم، وذلك منذ بدء حياته العلمية؛ فقد أرسلته جامعة عين شمس إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه في الآداب في المنطق من جامعة السربون بفرنسا في الفترة من عام 1964 حتى عام 1975.

وأثناء دراسته عمل باحثاً بالمركز القومي الفرنسي للبحث العلمي من عام 1968 حتى 1973؛ وقد كانت الفترة التي قضاها في فرنسا فترة مليئة بالزخم البحثي والعلمي، هي التي شّكلت تكوينه الفلسفي حتى حصل على الدكتوراه برسالة بعنوان "منطق الاستدلالات القانونية".

ويبدو أنه تأثر أثناء بعثته بالمدرسة الفرنسية في مجال المنطق ومناهج البحث العلمي والإبستمولوجيا (أو نظرية المعرفة العلمية)، كما يُطلق عليها الفرنسيون؛ فقد درس عن كثب فلسفات كل من جاستون باشلار، وجان بياجيه، وروبير بلانشيه، وتأثر برؤيتهم الجديدة للإبستمولوجيا التى تقابل مدرسة الوضعية المنطقية.

فبينما تؤكد الوضعية على التحليل المنطقي للمعرفة العلمية، نجد أن الفلاسفة الفرنسيين يستخدمون المنهجين: التاريخى النقدى والارتقائى النفسى ؛ وفى حين تأخذ الوضعية بنظرة تجريبية متطرفة، يهدف أصحاب المدرسة الفرنسية إلى نزعة عقلانية معتدلة لا تستبعد دور التجربة فى تشكيل المعرفة العلمية.

لقد عمل الدكتور حسن عبد الحميد مدرساً بقسم الدراسات الفلسفية بجامعة عين شمس عند عودته من بعثته (من عام 1975 ـ 1981)، ثم تمت ترقيته إلى درجة أستاذ مساعد عام 1981، ثم أستاذا عام 1993. وقد درّس إلى جانب ذلك فى قسم الفلسفة بآداب صنعاء، وقسم الفلسفة بآداب الكويت، وهو يشغل الآن وظيفة أستاذ متفرغ بآداب عين شمس.

وخلال عمله بهذه الجامعات قام بتدريس مقررات عديدة، فبجانب مقررات المنطق ومناهج البحث العلمي والأبستمولوجيا، هناك مقررات فلسفية أخرى، مثل مدخل إلى الفلسفة، والفلسفة اليونانية، والتفكير العلمي عند العرب، والفلسفة المعاصرة؛  كذلك إلى جانب خبرته التدريسية والبحثية الكبيرة فقد شارك في كثير من المؤتمرات العلمية، كما أشرف على عدد كبير من الرسائل العلمية فى مختلف تخصصات الفلسفة؛ وغنى عن الذكر أن كثيراً من تلامذته يعملون في الجامعات المصرية والعربية.

لكن من الأهمية بمكان أن نذكر بعض المؤلفات التي تجسد فكره الفلسفي وإسهاماته العلمية، ولعل من بين هذه المؤلفات الكتب التالية:

1- المدخل إلى الفلسفة، القاهرة، مكتبة سعيد رأفت، 1977.

2- فى فلسفة العلوم ومناهج البحث، بالاشتراك مع د. محمد مهران، القاهرة، مكتبة سعيد رأفت 1978، والطبعة الأخيرة، القاهرة 1999.

3- نظرية المعرفة العلمية (الإبستمولوجيا) ترجمة مع تقديم وتعليق (تأليف روبير بلانشيه)، الكويت، مطبوعات جامعة الكويت 1986.

4- La Logique des raisonnements juridiques, koweit University press,1988 (رسالة دكتوراه  )

5- مقدمة فى المنطق الصورى، القاهرة، مكتبة الحرية الحديثة، 1990.

6- المنطق القانوني، بالاشتراك مع د. محمد مهران، حقوق القاهرة، 1997.

7- مستويات الخطاب المنهجى فى العلوم العربية الإسلامية، القاهرة، دار النهضة العربية، 2003.

8- موجز تاريخ الفلسفة اليونانية، القاهرة، 2000 .

9- تاريخ التشريع من التقليد إلى التجديد، بالاشتراك مع أ.د. آمال كامل عبد الرحمن الزقازيق، مطبعة جلال، 2012.

فإذا أتينا إلي ميدان الترجمة عن اللغات الأجنبية وجدنا إسهاماته في هذا الميدان لا تقل عن إسهاماته الأخرى في ميدان البحث الأكاديمي المختلفة، ولعل المتابعين لأنشطة الدكتور حسن عبد الحميد يلحظون أن أهم ترجماته، وهو كتاب " الابستمولوجيا لروبير بلانشيه"، كانت من اللغة الفرنسية التي كان له ولع بها.

ويمكننا تقسيم الإنتاج العلمي للدكتور حسن عبد الحميد إلى ثلاثة أنواع (بشهادة تلميذه النجيب الدكتور عصام الدين بيومي) : فهناك رؤية متميزة لتاريخ مناهج البحث العلمي، ويوجد ثانياً تفسير إبستمولوجى جديد لنشأة العلم، ثم أخيراً تطبيق لتلك الرؤية المنهجية وهذا التفسير الإبستمولوجى على مجال العلوم الإسلامية ؛ وبخاصة علم أصول الفقه. وتترابط تلك الأبحاث حيث تؤيد نتائجها بعضها البعض، كذلك من حيث اعتمادها على المنهج التاريخي النقدي والمنهج الارتقائي.

ولم يكن الدكتور حسن عبد الحميد ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية من الحياة، ويعرف كيف يتذوقها ويُرضي بها حسه المرهف . ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث .

لقد كان الدكتور حسن عبد الحميد نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا اخلاصهم لإسلافهم بالانغلاق، والتزمت، وكراهية الحياة، وإغماض العين عن ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء .

وأما عن علمه الغزير فحدث ولا حرج، فلطالما لاحظت أن تبحره في الميثودولوجيا وفلسفة العلم، كان يدفع به إلي الدخول في تفاصيل كثيرة حول أسهل القضايا وأبسط الموضوعات، وذلك علي نحو نشعر إزاءه بوجود استكمال جوانب معرفتنا حول أمور كنا نظن أننا نعرفها كل المعرفة .

وقد شهد له كل من عرفه بأنه كان يخلص في العمل، ويتفاني في أداء واجباته، ويقرن إخلاصه في كل ذلك بالإعلان عن الرأي بوضوح، ومن غير أن يخشي في الله لومة لائم. وكما حظي الدكتور حسن بتقدير عظيم وبإعجاب بالغ في ندوات فكرية، وفي مؤتمرات علمية، أو حلقات نقاش، استهدفت الكشف عن الجوانب الابستمولوجية في كل العلوم والمعارف الأخرى .

لقد حظي الدكتور حسن عبد الحميد بكل ذلك التقدير والإعجاب والإكبار نظراً لما كان يتميز به من خلق رفيع، وأسلوب منطقي هادئ ورصين في عرض الحجج والآراء الفلسفية، فضلاً عن استلهام الدين في دفع الشبهات عن العقيدة السمحاء.

كان الدكتور حسن عبد الحميد رجلاً فاضلاً ذا خلق رفيع، قبل أن يكون رجل علم ذا معرفة وافرة وثقافة واسعة، ولا أظن أحد ممن عرفه يري في ذلك أي غرابة، فلقد ترعرع في بيئة إسلامية صالحة وتشبع – منذ صغره – بتعاليم الدين الحنيف، فكان ذلك خير معين له علي التماس طريق الحق والصواب في الفكر والسلوك، وخير زاد له علي بلورة نظرته الفلسفية حول الكون والإنسان والحياة .

وإذا ما جئنا لنكشف ما تميز به الدكتور حسن من علم وافر وثقافة واسعة، وجدنا صيته في هذين المجالين يتجاوز نطاق العالم العربي والإسلامي إلي ما هو أوسع وأرحب . ولعل الذي أعان علي انتشار صيته وازدياد شهرته، ومعرفته المتنامية باللغات الأجنبية الحية من انجليزية، وفرنسية، وألمانية وغيرهم . وغني عن البيان أن هذه اللغات، التي كان يعرفها الدكتور حسن عبد الحميد، لها شأن كبير في تشكيل تيارات الفكر والثقافة في عصرنا الحاضر . ناهيك عن أنه كان ضليعاً بلغته العربية – لغة القرآن الكريم – وعارفاً بالمصطلحات الفلسفية اليونانية واللاتينية.

تحية طيبة لأستاذنا الدكتور حسن عبد الحميد الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

كلية الآداب – جامعة أسيوط

 

ضياء نافعاسميناه في مقالة سابقة لنا - (ابن المقفع الروسي) (انظر مقالتنا بعنوان – كريلوف ابن المقفع الروسي) لأنه يذكرنا – نحن العرب – بابن المقفع الذي ترجم لنا الكتاب الخالد (كليلة ودمنه)، اذ ان كريلوف ايضا ترجم وقدّم للقراء الروس (كليلتهم الخالدة)، كما يطلقون عليه في روسيا بعض الاحيان تسمية (لافونتين الروسي)، لأنه ترجم حكاياته الخرافية واساطيره الى الروسية، ولكنه كان وسيبقى طبعا بالنسبة للروس كما يسميه الجميع في روسيا – الجدّ كريلوف، المحبوب والمفهوم من قبل الصغار والكبار معا (وهي ظاهرة قلما تحدث في  تاريخ الآداب عند الشعوب بشكل عام)، وها هي روسيا تحتفل هذا العام (2019) بالذكرى 250 على ميلاد (جدّها!)، وهي تتذكر مقاطع خالدة من حكاياته الخرافية واساطيره، والتي تحولت مقاطع كثيرة منها الى أمثال وحكم يستخدمها الروس ويستشهدون بها لحد الان في مسيرة حياتهم اليومية، لدرجة، ان جريدة (ليتيراتورنايا غازيتا) الروسية الاسبوعية قد نشرت على صفحتها الاولى في عددها الصادر بتاريخ 13- 19 شباط / فبراير 2019 مانشيتا رئيسيا كبيرا لها بعنوان – (جدّ كل الروس كريلوف  بلغ من العمر 250 سنة)، وتحت هذا المانشيت البارز نرى جزءا من صورة لتمثاله الشهير مع مقطع من حكايته الخرافية عن اربع حيوانات تريد ان تعزف الموسيقى (كفرقة رباعية) ولكنهم لا يستطيعون، وكل واحد منهم يقول، ان السبب يكمن في  انهم يجلسون بشكل خاطئ، وكل واحد يوجّه الاخرين كيف يجب ان يجلسوا، ولكن بلا نتيجة، الى ان يأتي البلبل ويقول لهم الحقيقة في نهاية الحكاية (والتي اصبحت مثل روسي شهير)، والحقيقة البسيطة تلك هي جملة يقول فيها  البلبل –

وانتم ايها الاصدقاء

كيفما تجلسون

كموسيقيّن لا تصلحون

وقد تم نشر هذا المقطع في جريدة (ليتيراتورنايا غازيتا) على خلفية صورة لصالة كبيرة مليئة بالجالسين امام اجهزة الكومبيوتر وهم يمارسون عملهم، ولا تحتاج هذه الصورة الى تعليق طبعا، اذ ان معناها واضح، فهي تشير الى مؤسسة هائلة يجلس فيها مئات العاملين امام اجهزة الكومبيوتر يوجهون بها الامور، ولكنهم لا يصلحون لادارة تلك الشؤون رغم مظاهرهم واجهزتهم، كما لم تكن تلك الحيوانات (ومنهم حمار ودب) تصلح لعزف الموسيقى كفرقة رباعية بغض النظر عن امتلاكهم للآلات والنوتات الموسيقية المدوّنة والمثبّتة امامهم وكل المستلزمات الاخرى .....

وكريلوف ليس مجهولا لدى القراء العرب، رغم اننا لا نستطيع القول – مع ذلك - ان معرفتنا لابداعه متكاملة . لقد قدّم المترجمون لدينا  بعض حكايات كريلوف الى القراء العرب، ومنهم غائب طعمه فرمان وامين سلامة مثلا،  لكن ما قدموه من نتاجاته هو في نهاية المطاف قليل جدا، ولا يتناسب مع مكانته الرفيعة والمتميّزة في الادب الروسي بلا شك، ولا يعرف القارئ العربي طبعا، لماذا قال عنه  شمس الشعر الروسي بوشكين، انه (اي كريلوف)  – (أكثر شعرائنا وطنية وأعظمهم شعبية)، ولا يعرف القارئ العربي ايضا موقعه الحقيقي في مسيرة الادب الروسي، بل اني وجدت بعض الباحثين العرب يشيرون الى ان كريلوف هو (مناضل!) ضد النظام القيصري الجائر، وانه كان (مضطهدا)، وانه كان (مضطرا) لكتابة حكاياته الرمزية واساطيره تلك ...الخ من الكتابات  العامة التي يكتبها هؤلاء (الملكيون أكثر من الملك !)، ولم يسأل هؤلاء انفسهم، لماذا يقرأ الروس نتاجات كريلوف لحد الان، رغم ان النظام القيصري قد انتهى منذ عشرات السنين، وان الانسان الروسي المعاصر لا يعرف (لا هو ولا اجداده) حتى اسماء هؤلاء القياصرة. لقد كنت – مرّة – شاهدا بمحض الصدفة  (قبل  فترة قصيرة في روسيا) على واقعة حدثت امامي، اذ قال مواطن روسي (وهو في حالة غضب) الى شخص آخر كان يتحدث معه – (لقد تصرّف معي مثل الذئب مع الحمل عند جدنا كريلوف، لأن الضعيف مذنب دائما امام القوي بغض النظر عن كل منطق!)، وقد سألت صديقي الروسي الذي كان يشاهد هذه الواقعة ايضا – (هل يعرف هذا الروسي، ان الاغريقي ايسوب هو الذي كتب هذه الحكاية قبل ميلاد السيد المسيح، اي قبل أكثر من ألفين  سنة ؟)، فضحك صديقي الروسي وقال، ولا انا ايضا اعرف ذلك، فهي بالنسبة لنا – نحن الروس - واحدة من الحكايات الخيالية الرائعة، التي كتبها لنا كريلوف بلغتنا الروسية، ولهذا، فاننا سنحتفل في هذا العام (2019) بمناسبة مرور 250 سنة على ميلاده.   

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

محمود محمد عليلا يدور الحديث عن هموم الشباب في مناسبة من المناسبات إلا وتقفز في الأذهان ذكري بعض مفكرينا الكبار ، وصور أعلامنا الخالدين في هذا الميدان من النشاط الفكري؛ أمثال الأمام محمد عبدة، ورفاعة الطهطاوي، ومصطفي عبد الرازق، وطنطاوي جوهري، ومحمد فريد وجدي ، والدكتور عاطف العراقي ، والدكتور حسن حنفي ،والدكتور عصمت نصار .

ولعل الذي يجمع بين هؤلاء علي اختلاف مشاربهم – هو إيمانهم الراسخ بأن إعداد النخب وصناعة العقول وتدريب القيادات من الأمور التي تؤدي إلي نهضة الأمم ، ولذا أكد هؤلاء علي ضرورة بناء المدارس كخطوة أولى لتخليص المجتمع من قيود الجهالة وسجن الأمية وتهيئة العقول لاستيعاب شتى المعارف للاستفادة منها في تدبير شئون المجتمع، ثم تشييد المنابر الثقافية والمنتديات الأدبية التي عكفت بدورها على تشكيل المجالس العلمية والحلقات البحثية والصالونات الأدبية، وذلك لإعداد الطبقة الوسطى المستنيرة، لتصبح حركة الوصل، وحجر الزاوية بين السلطة الحاكمة، والرأي العام التابع، ذلك فضلا عن دورها التوجيهي والتربوي، لخرق ما نطلق عليه الروح الجمعي، والذوق السائد، وتوحيد الولاءات، وتحديد الثوابت، والمتغيرات في العادات، والتقاليد، والقيم، والأخلاق، والموروث، والوافد.

أما الذي يهمني بشكل مباشر فهو الأستاذ الدكتور عصمت نصار والتي ترجع معرفتي به في أوائل تسعينيات القرن الماضي ، فق كان هذا الرجل العظيم يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد ، والشموخ الإنساني المتميز ، باحثاً ومنقباً ، محققاً ومدققاً ، مخلفاً وراءه ثروة من الكتب العلمية ، والبحوث الاكاديمية الرصينة ، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه.

والمتتبع للحياة الاكاديمية والثقافية للدكتور عصمت نصار يلحظ بوضوح العطاء العلمي والإسهام الثقافي اللذين أثري بهما الحياة الاكاديمية والمواسم الثقافية في مصر والعالم العربي.

يشهد علي كتاباته وأبحاثه الكثيرة في مجال الفكر العربي الحديث والمعاصر ، فمن كتاباته علي سبيل المثال لا الحصر  : الأبعاد التنويرية للفلسفة الرشدية في الفكر العربي (2000) ، واتجاهات فلسفية معاصرة في بنية الثقافة الإسلامية (2003) ، و فكرة التنوير بين سلامة موسي بين أحمد لطفي السيد وسلامة موسي ، وأحمد فارس الشدياق قراءة في صفائح المقاومة، والفكر العربي الحديث بين النقد والنقض ، وإمام المستنيرين الشيخ حسن العطار وبواعث النهضة المصرية في القرنين 18، 19، وثقافتنا بين الإيمان والإلحاد (2000) ، وحقيقة الأصولية الإسلامية في فكر الشيخ عبد المتعال الصعيدي ،والخطاب الديني والمشروع العلماني وجهان لعملة زائفة، والروحية الحديثة في الثقافيتين الشرقية والغربية ... وهلم جرا .

والدكتور عصمت نصار أحد أعمدة الفلسفة الإسلامية ورائد من روادها، الذين اتسمت شخصيتهم الفكرية بالنبوغ المبكر، والعبق القديم، وعطر الزمان الجميل . لقد شهد له زملاؤه ومعاصروه بالدقة والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة.

وقد أسهم الدكتور عصمت نصار بعضويته في كثير من المؤسسات العلمية، ومراكز البحث العلمي العالمية، وألقي العديد في بحوث في مؤتمرات وندوات محلية ودواية، منها أبحاث نشرت في الكويت في متخصصة، كما حاضر عن الفكر العربي الحديث والمعاصر في كثير من الجامعات المصرية والعربية.

كما كان الراحل كاتباً مرموقاً فى عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية كجريدة الأهرام ، والوطن، وروزا ليوسف، والوفد، والبوابة نيوز، وفيتو، والأخبار ...الخ.

والدكتور عصمت نصار له اهتمامات بهموم الشباب ، يظهر ذلك بوضوح في كل مقالاته الكثيرة والثرية للحديث عن مشاكل الشباب وهمومهم ، ويكفينا استشهادا بتلك  المقالة والتي نشرت بعنوان " الشباب والكراسي والبرنامج الرئاسي"، في 21  يوليو 2017 بمجلة روزر يوسف، حيث استعرض الدكتور عصمت نصار، تطور جهود الدولة وقادة الرأي من المصلحين لإعداد ظهير سياسي وطني من الشباب لقيادة المجتمع، وذلك منذ برنامج محمد عبده في العقد الأخير من القرن التاسع عشر إلى أخريات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وذلك للتأكيد على أن البرنامج الرئاسي الذي أزمع الرئيس عبد الفتاح السيسي تنفيذه -آن ذاك- من أعظم المشروعات الإصلاحية التي ترمي إلى إعادة بناء الطبقة الوسطى التي أعياها التشتت وأقعدها اليأس وحال الجهل والتطرف بينها والقيام بوظيفتها في إنهاض المجتمع.

ثم بينا لنا الدكتور عصمت نصار بأن " الغرض الرئيسي من الإسراع لتفعيل هذا المشروع هو خلو الأحزاب المصرية من الكوادر التي يمكنها حمل المسئولية والمشاركة الإيجابية في التخطيط والقيادة، الأمر الذي يضطره في معظم الأحايين إسناد الكثير من الأمور للمؤسسة العسكرية، وذلك ليس تحزباً أو المضي في ما يطلقون عليه عسكرة الدولة بل غيبة الكوادر أو إن شئت قل غيابها عن مسرح الأحداث أو بعدها عن المشهد السياسي والعمل العام، وأعتقد أن الواقع المعيش خير دليل على ما أزعم".

ويفرح الدكتور عصمت نصار فرحاً شديدة ببدء مشروع السيسي تحت عنوان "البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة" في 6 فبراير 2016 وقد تخرجت الدفعة الأولى منه في نوفمبر من نفس العام، بعد تثقيف المشاركين بالعديد من المعارف السياسية والإدارية والاجتماعية عقب الاستعانة ببيوت الخبرة الخاصة بإعداد الكوادر الشبابية في الداخل والخارج، وذلك في وضع المحتوى المعرفي والعلمي والتدريبي الذي استغرق ثمانية أشهر.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة يؤكد عليها الدكتور عصمت نصار فيقول :" ولا ريب في أن البدايات مبشرة إلى حد كبير وقد تابعت ذلك من خلال ما كُتب وما شوهد من وقائع في الدورات واللقاءات التي كان السيد الرئيس أحرص ما يكون على حضورها للتحاور مع الشباب حول قضايا الساعة. ولعل قلة المعلومات والبيانات عن مضمون المعارف التي وضعت في البرنامج هي التي أقعدتني عن نقد البنية المعرفية والمنهجية للبرنامج، أما ما كُتب عن مصير الخريجين هو الذي جعلني أشعر بأن هناك ازدواجية في استراتيجية البرنامج الرئاسي وعدم وضوح الغايات أو إن شئت قل تحديد المرامي منه، فبعض خريجي الدورة الأولى قد عادوا إلى وظائفهم وأعمالهم، والبعض الأخر عُين في أجهزة الدولة (مساعدين للوزراء أو محافظين)، مع العلم بأن الصفحة الرئيسية الخاصة بالبرنامج أكدت على أن ليس من مهام هذا المشروع إيجاد فرص عمل للشباب وتوظيفهم، ولا تشكيل منظمة شبابية تكون بمثابة ظهير سياسي لينمو فيصبح حزبًا يدافع عن القيادة العسكرية للدولة".

ويستطرد فيقول الدكتور عصمت نصار :" وأعتقد في ضوء المعلومات التي وقفت عليها يجب إعادة النظر في استراتيجية المشروع لتحديد وجهته. هل يرمي إلى إعادة بناء الطبقة الوسطى على أسس حديثة تمكنها من محاربة الفساد وكل مظاهر التطرف في المجتمع، أو أن البرنامج يهدف إلى إعداد كوادر شبابية لإدارة شئون الدولة والمشاركة الإيجابية في الحياة الحزبية والإشراف على المؤسسات الحكومية والجمعيات الأهلية وحل المشكلات والأزمات الحياتية للمجتمع".

وأخيرا يخلص الدكتور عصمت نصار إلي أنه " وبموجب تحديد الهدف والغاية تتمكن الهيئة الرئاسية من وضع البرنامج المناسب، فثمانية أشهر من الدورات التثقيفية لا يمكنها أن تصنع قيادة، كما أن معايير اجتياز هذه الدورات غير معلنة، هل هو النجاح على غرار الدورات التي تعقدها المؤسسات والهيئات الحكومية أم هو شيء أخر، وهل من ضمن البرنامج الذي يريد تخريج قيادات دورة تدريبية على التفكير الناقد واتخاذ القرار، الأمر الذي يمكن الطلاب من اجتياز الاختبار الرئيسي الذي يلزمهم بوضع تصورات لإدارة الأزمات وحل المشكلات المختلفة التي تعوق المجتمع عن تقدمه أم لا؛ ويتراءى لي ضرورة الفصل في البرنامج الرئاسي بين شعبتين أولهما تعمد إلى تثقيف الشباب وإعادة بناء الطبقة الوسطى على أن تتسع قاعدتها لتشمل كل المحافظات ويشيد في كل منها مقرًا لهذا الغرض، وذلك لاستيعاب 500 طالب في كل دورة بالشروط والقواعد السابقة؛ وثانيها تنصرف جهودها لإعداد القيادات وهي تحتاج بطبيعة الحال إلى مدة أكبر وبرنامج مغاير للشعبة الأولى، ولجان بحثية تعمد إلى:- وضع خطط لإدارة الأزمات، واستطلاع الرأي والتقصي لمد القيادات بنبض الشارع، والإعلام والإشراف على هيئة الاستعلامات ومحاربة الشائعات، والارتقاء بالذوق العام وذلك لإصلاح ما فسد في أجهزة التواصل الاجتماعي والأغاني والمسلسلات والمطبوعات".

تحية طيبة للدكتور عصمت نصار الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره ، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة ، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً

 

بقلم د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمد السعديفي برنامجه الشهير على قناة الفلوجه (شهادات خاصة) الصديق حميد عبدالله . يستضيف في حلقة جديدة النصيرة الشيوعية السابقة (نصيرة القيسي). ومنذ اللحظات الأولى للإعلان عن الحلقة عبر فيلم فديو قصير على مواقع التواصل الاجتماعي وموقع الفلوجه، توالت ردود الافعال بين مؤيد ومعارض . وتلقيت شخصياً عدة أتصالات، كانت أحدها من الدكتور حميد عبدالله لشهادتي السابقة على تداعيات إعتقال فالح حسن (أبو بهاء) وإعدامه في كتابي الذي صدر في طبعته الاولى من دار (فيشون) في السويد (سجين الشعبة الخامسة)، في حينها لم أدخل في تفاصيل الحدث، لكنني أشرت بما يمليه عليه موقفي الشيوعي، ولتكن شهادة للتاريخ وبعد خروج زوجة المعدوم أبو بهاء على شاشة قناة الفلوجه السيدة (نصيرة القيسي) أبنة طبيب الاسنان المشهور والشهيد الشيوعي عبد الستار القيسي . سأتوقف عند تفاصيل الحدث بما وقع، وثمة من أتصل بي لمعرفته حول قربي وموقفي من تلك التفاصيل .

في شتاء عام ١٩٨٥ وصلت من قاطع (سليمانية وكركوك) عبر مدينة (الرضائية) الايرانية الى موقع (لولان) شريط المثلث الحدودي (العراق، أيران، تركيا) . كان تواً قد أسدل الستار على يوميات المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي العراقي من ١١ الى ١٥ تشرين الثاني في منطقة (أرموش السفلى) في لولان . كانت السجال محتدم في لقاءات الانصار الشيوعيين بين اليمين واليسار على تداعيات وقائع المؤتمر ونتائجه . كانوا رفاق الفرات الاوسط يلومون الرفيق باقر أبراهيم لموقفه بوقوفه بين مندوبين المؤتمر وأعلانه بعدم ترشيحه مره أخرى لقيادة الحزب، وأعفائه عن مهامه، ورفاق أخرون منتشين يعتبروه نصراً ساحقاً بازاحة الرعيل القديم من قيادة الحزب .

بعد أيام تهيأنا، مفرزة أنصارية من مناطق لولان الى قاطع بهدينان، هنا تعرفت على (أبو بهاء) لأول مرة وعلى عدنان الطلقاني (أبو هيمن) . وبلغنا رسمياً بالحيطه والحذر من الرفاق أبو بهاء وأبو هيمن لشكوك أثيرت حولهم بارتباطهم بأجهزة المخابرات العراقية وأنهم منعوا من حضور أيام وقائع المؤتمر أي حجروا في موقع بعيد عن خيمة المؤتمر في أرموش السفلى . في صباح ممطر وبارد من نهاية شهر تشرين الثاني تحركت المفرزة ضمت على ما أتذكر حكمة أقبال (أبو قبال)، كريم عرب (أبو ماجد) كانوا عائدين تواً من دورة حزبية في بلغاريا، والفقيد أبو ميلاد وأخرون لم تسعفني الذاكرة بأسمائهم، وكانوا معنا أبو بهاء وأبو هيمن . أستغرقت مسيرة المفرزة خمسة ليالي صعبة بسبب أجواء الطبيعة والطقس من أمطار وعواصف وثلوج . كانوا (الرفاق) أبو بهاء وأبو هيمن، كما كانت المخاطبات بيننا في وضع معنوي بعيداً عن التوقعات السيئة حول مصيرهم من خلال أستغلالهم لأي فرصة في الاستراحات بالهجوم على قيادة الحزب والتنكيل بوقائع المؤتمر، ويكررون ماذا سيتمخض عن الجبل الا ولادة فأراً . والتأكيد على معاني النضال في الداخل وأهميتها لحزب ثوري .

شهادتي تقول … كانت لهم فرصة مناسبة ومتاحة للهروب الى مواقع السلطة لو كان لهم أدنى شك بمصيرهم الذي سيؤول الى نهاية حياتهم .. مررنا بقرية أسمها (جمجو) وسط ربايا وتحركات السلطة كان هروبهم أسهل من رقراق الماء لو تدفق، لكن ربما لم يفطنوا ماذا ستخبيء لهم الايام والاقدار .

وصلنا الى مقرات (زيوه) على ضفاف نهر الزاب الصغير، وكنت معهم في الفصيل المستقل التابع للمكتب السياسي لتنظيمات الداخل، وكانوا الرفاق أراخاجادور (أبو طارق)، عمر الشيخ (أبو فاروق)، حميد مجيد موسى (أبو داود) في قيادة الموقع والتنظيم مع عشرات من الكوادر الحزبية (المهمة) والمهيأة لعمل الداخل .

ابو بهاء .. يمارس حياته بشكل طبيعي في الفصيل المستقل من حراسات الى خفارات، وكنت شخصياً معه بنفس الغرفة للمبيت مع مجموعة رفاق لا يقل عددهم عن ١٥ رفيقاً . كانت ردود أفعاله غاضبة أحياناً في الحديث عن وقائع المؤتمر ونتائجه وسياسة الحزب بشكل عام، وحتى أسألته كانت شديدة ولاتخلوا من الشك أثناء المحاضرات من قبل رفاق المكتب السياسي سواء كان أبو طارق أو أبو فاروق أو أبو داود حول سياسة المؤتمر الجديدة . بين عصرية وأخرى ينسل معه أحد رفاق المكتب السياسي في التمشي الى داخل الوادي، ونحن لنا الظاهر فقط أما ماذا يجري من أحاديث لا أحد يعرف فقط كنا نتلقى توصيات بالانتباه . يبدوا لي ومن خلال تطورات الاحداث، بدأ الحزب يتحرك بشكل جدي للوقوف على تداعيات هذا الملف، كنت حينها مبلغ بالتهيؤ الى الذهاب الى بغداد مع مجموعة رفاق الشهداء أبو أحمد وأبو سرمد ناحية (الدغارة)، أبو سالار وأبو بشرى (السماوة) والفقيد علي الجبوري ديالى (جديدة الشط)، وسلام العجيلي (محمد عرب) . في يومها وشوش في آذني (أبو هيمن) في فضاء مطبخ الفصيل، أذا تريد أعطيك تلفوني عندما تصل الى بغداد أتصل بي لنشكل قيادة في الداخل، وهذه قيادة جبانة، مباشرة أرعبني الخوف، وبلغت قيادة التنظيم بتلك السابقة الخطيرة في العمل السري، بقى أبو هيمن بين صفوفنا متحدي الجميع بدون تردد ولاخوف، في ليلة أختفى من الفصيل، وعرفنا فيما بعد أن أحد أعضاء المكتب السياسي زجه الى بغداد على مسؤوليته تنكيلاً بموقف قادة تنظيمات الفرات الأوسط، وحسب المعلومات التي تواردت لنا قضى على ماتبقى من بقية الخطوط التنظيمية . 

توصلت قيادة الحزب عبر محلية (دهوك) بقيادة أبو روؤف بالتنسيق مع عميلنا المزدوج (شهاب)، الذي نقل المعلومة الى الحزب في نزول أبو بهاء الاخير الى الداخل وأيقافه من قبل مفرزة وسط الطريق وأطلاق سراحه عبر كلمة سر أو أتصال تلفوني سريع ليواصل طريقه الى بغداد، لتنقل المعلومة الى قيادة الحزب عما حدث، وبدأت الشكوك تحوم على عدة رفاق ذهبوا الى بغداد بنفس الفترة الزمنية وعلى نفس الطريق .

قرر عقد المؤتمر الرابع في (تشرين الثاني) عام ١٩٨٥ دعا الحزب مندوبيه من الداخل، وكان أبو بهاء واحد منهم، وبدأت الشكوك تزداد حوله أستناداً الى تقرير العميل (شهاب) الوقت والتاريخ ولون بشرته.

بات الرفاق في الحزب أمام منحى خطير لو طال به الزمن سيكثر اللغط ويثير البلبلة ويكسر حاجز الصمت، فلابد من قطع الشك باليقين، فتم ترتيب لقاء مباشر بين المتهم (أبو بهاء)والعميل المزدوج (شهاب) عبر محلية دهوك . في أطراف مدينة العمادية تم اللقاء بين شهاب الذي جاء عبر رفاق محلية دهوك ومن فصيلنا (المستقل) تحركت المفرزة بقيادة (أبو طالب)، الذي هو أيضا نفذ به حكم الأعدام في مدينة (شقلاوه) بعد ما أدين بتعاونه مع أجهزة البعث في مطلع التسعينيات، وعلي العقابي (ابو برافدا)، وملازم آزاد، وأبو بهاء بعد أن بلغ سوف يشارك بمفرزة أستطلاعية حول المنطقة وربما راوده أحساس أنعشه قليلاً سوف يذوب الجليد لأعادة العلاقة من جديد، وبهذا راح عن ذهنه هنا سوف تنتهي قصة حياته .

في اللحظات الأولى من اللقاء أشار العميل شهاب بأصبعه الى أبو بهاء، قائلاً هو هذا فخر منهاراً فجرد من السلاح معتبريه معتقلاً بأمر حزبي . قبل وصول المفرزة الى مقر الفصيل المستقبل وصل الخبر الى أجهزة الامن حيثيات اللقاء ودوافعه فاعتقلت السلطات العميل شهاب وساومته على جريمة أغتيال أبو روؤف ورفاقه وبدم بارد أغتال ثلاثة رفاق .

وصلت المفرزة سالمة الى الفصيل المستقل وزج ببو ببهاء بغرفة، كانت مناماً لبعض رفاق، تحولت خلال ساعات الى زنزانة أنفرادية، وبدأ معه التحقيق والضغط المباشر والشديد، وظل لفترة ليس قليلة يهتف بالشيوعية وحياة فهد، لكن بعد فترة شعر لامفر من الخلاص وقدمت له بعض التطمينات من بعض الرفاق لو تحدث بشكل صريح وواضح سوف ينقذون حياته، لكن الذي تم عكس ذلك . أدلى أبو بهاء أعترافات كاملة لمحققه الذي كان يجري تحقيقاً يومياً معه في وادي (زيوه)، وقبل سنوات كانوا قادة تنظيمات محلية البصرة من ضمنهم أبو زكي يتباهون أن بينهم مناضل بمستوى أبو بهاء . أعترف أبو بهاء بارتباطاته المشبوهه مع أجهزة المخابرات منذ نهاية السبعينيات في أعتقاله أبان الحملة على تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي وبعد أطلاق سراحه ترك العراق بأتجاه سوريا وبيروت وعدن وعاد من بعدها الى كردستان العراق مع زوجته عبر معبر القامشلي . من الجيل عاد الى بغداد الذي سبقته زوجته وحسب أدعائه بسبب سوء الاوضاع في الجبل والصراع الداخلي عدت الاتصال مع أجهزة البعث وعملت وكيلاً لهم وسكنت في بغداد مع عائلتي وباتت زوجتي على علم بارتباطاتي الجديدة وعملي مع أجهزة البعث . اليأس والغبن الذي تعرضا له بين صفوف الشيوعيين هو الذي دفعا للاتصال والتعاون مع أجهزة الدولة القمعية .

نصيرة القيسي.. في شهادتها الخاصة وتعقيباً على بعض الاعترافات ..

 تقول أن بعد أحتلال العراق زارها الشيوعيين مع باقات ورد؟.

ذهبت الى مقر الحزب لتسأل عن مصير زوجها ولم تتلقى رداً واضحا ً ؟.

في عام ٢٠٠٢ ذهبت الى أربيل والتقت ب هناء أدور وسألتها عن زوجها؟.

في محاولة أخرى ذهبت الى قصر المؤتمرات وألتقت بحميد مجيد موسى وقدمت نفسها أنها زوجة أبو بهاء وتهرب من الحديث معها بحجة هو تعبان .. وأن هو حسب أدعائها كان غير قيادي في الحزب وربما لم يعرف زوجها ؟.

تدعي أن مهند البراك هو الذي أطلق النار على زوجها ؟.

تلك الأدعاءات بعضها غير واقعية ولاحقيقية ولا تمت بصلة الى تطورات الاحداث بحاجة الى أدلة وشهود ووقائع .

أيلول العام ١٩٨٦، أجري أتصال هاتفي بعد تكليف من قيادة الحزب للتأكد من وجود (نصيرة القيسي)، حسب المعلومات التي وصلت عبر أبو بسيم، أنها تعيش في بيت أمن وبناتها يمارسن حياتهن بشكل طبيعي حضانة ومدرسة . سألتها عن أبو بهاء فقالت لي في سفرة سريعة ويرجع .. وأنتهت المكالمة .

العميل شهاب لاقى مصيره الحتمي على يد قوات البشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني .

 

محمد السعدي - مالمو

 

محمود محمد عليشهد عصر النهضة ثورة فى الفن نتيجة اكتشاف "جيوتو" للبعد الثالث أو ما يسمى بقانون المنظور الذي به تأخذ المرئيات بعدها الثالث ألا وهو "العمق" (أو الارتفاع).. فلا تبدو المرئيات مسطحة بالطول والعرض وحدهما. وأساس هذا القانون هو أن الأجسام تبدو أصغر وأصغر ببعدها أكثر وأكثر عن خط النظر، وأن الخطين المتوازيين يبدوان أضيق فأضيق ببعدهما عن خط النظر حتى أنهما يلتقيان بالوهم عن عين الناظر إذا امتدا بالدرجة الكافية.

ونتيجة اكتشاف هذا القانون صار الأمر ممكناً للفن أن يقلد الطبيعة والحياة أو أن يبدع منهما الفنان إبداعاً خلاقا دون أن يتهم بالشرك أو الردة فى إقامة الأصنام. وقد أدت الرغبة فى تقليد الطبيعة والحياة إلى الاهتمام بدراسة العلوم البحتة والتطبيقية. وهنا أخذ الفن والعلم يتلاقيا شيئاً فشيئاً تلاقياً حميماً خلال عصر النهضة، لدرجة أنهما غالباً ما أصبحا قابلين للتبادل. وفى مرات عديدة لا يستطيع المشاهد الحديث القول بما إذا كان يجب النظر إلى رسم معين على أنه عمل فنى أم على أنه دراسة علمية. كذلك لسنا متأكدين دائماً مما إذا كان يجب " تصنيف" عبقرية فردية معينة على أنها عالم أم فنان .

ومن ناحية أخرى كان على الفنانين أن يغرسوا لا التمثيل الواقعى للتفاصيل الطبيعية ودراسة المنظور فحسب، بل كذلك تمثيل التشريح والحركة. كيف كان الناس يتحركون فى عالمهم، جاعلين أنفسهم فى دراهم، كان بالتأكيد جانبا بارزا من التوكيد الجديد ثلاثى الأبعاد، وربما كان من أهم الجوانب من الناحية الذاتية، إذ كان يزود المشاهد بنوع ممتع من التماهى – الذاتي ؛ وكان على التشريح أن يتعامل مع ثلاثية أبعاد الجسم الإنساني. فى مجالات مثل هذه عادة ما كان البحث العلمي فى الطبيعة وبهجة الفنان (المشاهد) الجمالية يقتربان من بعضهما إلى درجة التراكب فعلياً .

وقد أثمرت العلاقة الوثيقة بين الفن والعلم إلى بروز فكرة " الإنسان الشامل"  L`Uomo Universale.فقد كان تحول الفنان السهل من مقاربة جمالية إلى مقاربة علمية والعكس جزءً من تعدد المواهب الظاهر الذى أطلقه عصر النهضة من خلال مناشدته للطاقة الإبداعية.. فما الذى كان يمكن فى نهاية المطاف، أن يكون محفزا لتفتح مواهب المرء أكثر من مناخ ثقافي ينادى بالكشف عن جمال هذه الطبيعة وأسرارها الخفية؟ وجدت كل طاقة المرء نفسها فى صراع مع مغامرة العالم. واستنفز هذا التحدي الشامل للشخصية المبدعة كل شئ للفعل – الفن، والعلم والمهارات التقنية، وإجادة مختلف الوسائط، ومجالا عريضا من القدرات الذهنية. وأصبح التراوح بين مختلف الوسائط شائعاً شيوع التراكب بين الفن والعلم. وطوال كل عصر النهضة، كان الموهوبون يثبتون لأنفسهم – وللآخرين – أنهم موهوبون أكثر مما يتخيل أى شخص، ليس فقط فى مجالاتهم المختارة بل فى مهن أخرى كذلك .

وليوناردو دافنشى Leonardo Da Vinci (1452-1519) هو مجرد الحالة الأشد إثارة ضمن صف طويل من الفنانين – العلماء فى عصر النهضة. وقد أطلق عليه لقب " العبقرية الشاملة لعصر النهضة المبكر" . لقد كان أعجوبة عصره ومتقدماً فى فنه عن معاصريه بمراحل كبيرة، فكان مهندساً ومخترعاً للآلات الحربية وبارعا بعلوم التشريح والطبيعة وموسيقيا. بالإضافة إلى أنه كان مثالاً ومصوراً ومهندساً .

وعلاوة على ذلك فقد كان واحداً من أعظم فناني عصر النهضة الذين اهتموا بالمنهج العلمي قبل فرنسيس بيكون " (1561-1626)، فقد أكد على أهمية الملاحظة والتجربة فى كشف آيات الطبيـعة والوقوف على أسرارها، كما دعا الباحثين في بحوثهم إلى تدوين ملاحظاتهم والقيام بتجاربهم، ونادى بأن التأمل النظري أمر عقيم لا يليق بالإنسان، وحث على التروي فى الملاحظة والتأني فى التجربة، وحذر من التسرع فى التعميم واستنباط القوانين .

كما كان واحداً ممن أثروا العـلاقة الحميمة بين الفن والعلم، فالفن عنده علم واسع الحدود، والعلم عنده أمر لا ينفصل عن الفنون. ولذلك نجده لا تفارقه محاولاته وتجاربه العلمية، فهو يمارسها في الوقت الذي يمارس فيه الفنون، وهو يعالج موضوعاً علمياً كان قد بدأه ويريد متابعة تجاربه فيه أو موضوعاً جديداً يجرب نفسه في دراسته أو يحاول له العلاج ليصل إلى نتيجة أفضل .

ولم يكتف دافنشى بذلك؛ بل نراه يبحث عن أسرار كل شئ، ويعمد إلى الكشف عن الألغاز الغامضة، ويتحرى عن العمليات والنظريات وظواهر الطبيعة. وتنوعت ميوله وهوايته حتى دفعته إلى التعلق بكل ما يحيط به ويقع تحت عينيه، فلم عناصر الأعشاب الطبيعية ومظاهر حركات الأجرام السماوية ومدار القمر وطبيعة الشمس وعلم التشريح…الخ .

ولم يعكف إنسان بقدر ما عكف دافنشى على العمل مواصلاً البحث العلمي للقضاء على الأسرار الغامضة وتنوير العالم بالاكتشافات التي نشر فيها الملاحظة والتجربة .

وقد شهد له بذلك بعض أساتذتنا المعاصرين؛ فنجد الدكتور " زكى نجيب محمود" يقول عنه: " لا أحسب أحد فى تاريخ الفكر كله يلخص عصره تلخيصاً جامعاً مانعاً بقدر ما لخص ليوناردو دافنشى عصره !. وأي عصر !. إنه عصر النهضة الأوربية التي انبعثت فبها الحياة انبعاثا، أوشك ألا يترك نحواً من أنحاء الأرض ولا رجا من أرجاء السماء إلا أرتاده .ولعلك قد سمعت به مصوراً فناناً، فهو صاحب "العشاء الأخير" – صورة رائعة رسمها في أحد أديرة ميلان أثناء مقامه بتلك المدينة فناناً رسمياً لقصر الأمير لودوفيكو سفورتزا، وهو صاحب " الجيوكندا " الموجودة الآن في متحف اللوفر بباريس رسمها وهو في فلورنسا إبان عهد قيصر بورجيا. ثم لعلك قد سمعت به مهندساً في قوى الماء، وفي ابتكار الآلات لشتى المناسبات. وقد تكون سمعت به أيضاً عالماً في الجيولوجيا والنبات. ولكن القصة التي تروي لك شيئاً من تفصيلات حياته تلك التي كانت كأنها مائة حياة لمائة عظيم اجتمعت كلها في رجل واحد. ستثير فيك العجب ما لا يثيره إلا قلة قليلة من أحداث التاريخ ورجاله .

كما وصفه الأستاذ " يوسف كرم بأنه : " ثمرة من خير ثمار عصر النهضة. اشتغل بالتصوير والنحت والموسيقى فكان فناناً عظيماً، وتبحر في التشريح والمعمار والميكانيكا فكان عـالماً مبرراً واستخلص من أبحاثه أصول المنهج العلمي، ومن مشاهداته للناس عوامل سيرتهم فكان فيلسوفاً مذكوراً . تناول علم الميكانيكا حيث تركه " أرشميدس " ونهج فيه نهجه، فوصل إلى نتائج تختلف عما كان وصل إليه الأسميون الباريسيون في القرن الربع عشر، وكان مقتنعاً بأن العلم ابن التجربة، وأن النظريات التي لا تلقي تأييداً من التجربة نظريات باطلة . فكان يرمي الكيميائيين والمنجمين بأنهم دجالون أو مجانين. وليست التجربة عنده مجرد الإدراك الحسي، بل البحث عن العلاقة الضرورية بين الأشياء، ووضع هذه العلاقات في صيغ رياضية تخلع على نتائج التجربة يقيناً كاملاً وتسمح باستنتاج الظواهر المستقبلية من الظواهر الراهنة.

 

د. محمود محمد علي

كلية الآداب – جامعة أسيوط

 

 

ضياء نافعيثرثر سائقو سيارات الاجرة من الشعوب السوفيتية سابقا (وما أكثرهم الان في المدن الروسية الكبيرة) مع الركاب في موسكو، ويذكروني بالقصص الطريفة عن ثرثرة الحلاقين في مادة القراءة بمدارسنا الابتدائية ايام زمان، وهذا ما حدث معي قبل فترة قصيرة في موسكو، اذ لاحظ سائق سيارة الاجرة ملامحي غير الروسية رأسا، وسألني بفضول واضح وصريح ومباشر – من اين انت ؟ اضطررت طبعا ان اجيبه عن سؤاله (خصوصا واني لاحظت ان ملامحة وكلامه بالروسية تبينان بوضوح انه ليس روسيّا)، وقلت له اني من العراق، فصاح باندهاش واضح – آه لو كان المرحوم جدي يعلم، ان عراقي جلس معي في سيارة الاجرة التي أقودها في شوارع موسكو . تعجبت انا طبعا من رد فعله غير الاعتيادي هذا، ومن اندهاشه، ومن مضمون جملته تلك التي قالها لي، وسألته رأسا – وما علاقة جدك بكل ذلك ؟ فقال، لأن جدي قد مرّ في بغداد عندما سافر الى الحج مع مجموعة كبيرة من الحجاج الطاجيك الآخرين، الا ان الباص الذي كان يقلّهم قد تعطّل في بغداد اثناء تلك الرحلة، ولم يستطيعوا تصليحه رغم كل محاولاتهم، وقد احتاروا ولم يعرفوا ما العمل، فنصحوهم ان يتوجهوا الى السلطات العراقية بطلب للمساعدة و بالذات الى صدام حسين، وفعلوا ذلك فعلا، فجاءت المساعدة، وتم توفير باص جيد لهم، واكملوا سفرتهم الى الحج، وانتظرهم الباص العراقي هناك وعاد بهم الى بغداد، حيث وجدوا ان حافلتهم قد تم تصليحها مجانا من قبل السلطات العراقية، وهكذا عادوا الى طاجكستان سالمين، وقد بقي جدي يتحدث عن هذه الحادثة طوال عمره في البيت وفي كل مكان يحل به، وعندما تم اعدام صدام، كان عند جدي مأتم حقيقي، وكم حاولنا ان نقنعه، ان الشعب العراقي يفكّر بشكل آخر حول صدام، ويعتبره دكتاتورا قاسيا، ولكن دون فائدة، اذ كان جدي يكرر قصة مساعدته لهم عندما كانوا في رحلة الحج، ويقول لولا صدام لما استطاع لا هو ولا رفاقة من الوصول الى مكة واكمال مراسم الحج ولا الرجوع الى طاجكستان . صمت السائق قليلا، ثم سألني – هل فهمت الان لماذا قلت لك جملتي الاولى عندما عرفت انك عراقي ؟ ابتسمت أنا، وقلت له – نعم فهمت، فارتاح جدا لاجابتي، وأضاف قائلا – ولهذا قلت لك آه لو كان جدي يعرف ان عراقي جلس معي وانني حدثته عن هذه الحادثة المهمة جدا في حياته، ثم سألني – ما ذا تقول حول هذه القصة، التي نرويها في عائلتنا دائما و حتى بعد وفاة جدي قبل عشر سنوات من الان ؟ اذ اننا لا نستطيع نسيانها . قلت له ان جدك على ما يبدو كان انسانا بسيطا جدا وساذجا، وانه تأثّر بالحادث طبعا، ولكنه لا يعرف بتاتا ماذا عمل صدام في العراق طوال تلك السنين الطويلة التي حكم فيها، ففرح السائق بجوابي، وقال، اننا جميعا في عائلتنا كنا نقول له ذلك الرأي، ولكنه كان يرفض الاستماع الينا، وانني الان، عندما سأعود الى بيتنا في طاجكستان، سأحكى لهم ماذا قال العراقي الذي جلس معي في سيارة الاجرة في موسكو حول قصة جدي . سألته، وهل ستعود نهائيا الى بيتكم في طاجكستان؟ فأجاب بحسرة – ياليت، اذ ان هناك زوجتي و اطفالي، ولكني أعمل في موسكو لعدم وجود العمل هناك، وان والدي ووالدتي وزوجتي يعملون في طاجكستان، ولكنهم لا يستطيعون العيش حتى بشكل متواضع، ولهذا فانني مضطر ان أعمل سائقا في موسكو لمساعدتهم في العيش، وازور بيتنا في طاجكستان مرة كل ستة أشهر، ولمدة اسبوعين لا أكثر، وأعود الى العمل في موسكو . قلت له، الا تستطيع ان تعمل هناك سائقا ايضا، اذ ستكون عندها قرب عائلتك واهلك، فقال، ان السائق في موسكو يكسب أضعاف السائق هناك، وانه لهذا يعمل في موسكو، فقلت له، ولكنك تصرف هنا ايضا اضعاف ما تصرفه هناك، فقال لالالا، انا وخمسة من اصدقائي الطاجيك نعيش سويّة في غرفة واحدة صغيرة و متواضعة جدا نؤجرها في اطراف موسكو لأن الايجارات خارج موسكو أرخص ، ونقتصد في كل شئ، و حتى في اكلنا وشربنا، من اجل ان نساعد عوائلنا هناك، ثم أضاف ضاحكا انه يرتاح فقط اثناء الاسبوعين تلك، عندما يزور بيتهم في طاجكستان، ويكون مع والديه وزوجته واطفاله، وتأسف جدا لان الايام الجميلة في تلك الاسبوعين تمرّ بسرعة مثل لمح البصر .

عندما وصلنا الى العنوان المطلوب، اعطيته اجرته (وبخشيشا) جيدا ايضا، وقلت له، انها لشراء هدية متواضعة بهذا المبلغ لعائلتك، وان يقول لهم انها من العراقي الذي لا يؤيد بتاتا المرحوم جدكم في احاديثه، فضحك وقال، سأحكي لهم ذلك حتما، وستكون هذه القصة الجديدة المرتبطة بالعراق ايضا مهمة جدا في مسيرة حياة عائلتنا بطاجكستان.

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

اسعد عبداللهذاكرة مختنقة هي التي تتحدث عن التسعينات من القرن الماضي، ايام الحصار الذي سحق المجتمع بشكل مخيف، كانت سلوتنا القراءة السرية ومحاولات للكتابة، وكنت احاول الكتابة عن احداث عام 1980التي سبقت حرب ايران، والتي مثلت مفترق الطرق للعراقيين، عبر استشهاد السيد محمد باقر الصدر، لكن كنت دوما اتوقف وتتحول الى كتابات غير مكتملة، نتيجة عدم تهيء المعلومات والاجواء المناسبة، وبسبب خطورة الكتابة والتي تعتبر جريمة لا يقل فاعلها عن الاعدام، فالأحداث السياسية يجب ان نسكت عنها، كانت كلمات واوامر يرددها الكبار علينا، لان سلطة صدام ترفض أي كلام معارض لما تراه.

ليلة الامس اخرجت بعض الاوراق القديمة، كانت فقط خمس وريقات لكن مليئة بالكلمات، والمتكدسة في كيس كبير محتفظ به في مخزن البيت، وسأنشرها كما هي:

سوق الاولى – شارع الداخل

نحن جيل عاش عتمة سنوات حكم البعث، كنا اطفالا عندما استشهد السيد الصدر، وتحول اسمه لخطر تخاف ان تذكره الناس، فهو جريمة لا غفران معها، مع انتشار جواسيس البعث وتغلغلهم داخل المجتمع، لذا اصبح امر اكتشاف السيد الصدر من الصعاب، كنت كثير التجوال في الاسواق الشعبية، ابحث وسط الكتب القديمة والمجلات عن المعلومة التي تغذي ذاتي، وفي احدى جولاتي في سوق الاولى الواقع في بداية شارع الداخل من مدينة الثورة، حيث يجلس عجوز يبيع كوم من الاوراق والكتب الممزقة وبقايا المجلات.

فمددت يدي ابحث عن شيء ما، وفجأة وقع بين يدي كراس فيه كتابة بخط اليد، وكان صاحبها ذو خط انيق، لا اسم للكراس ولا لصاحب السطور، لكن ذهلت من العناوين ( اين ولد محمد باقر الصدر؟ اين درس؟ ما هي كتبه؟ ) يا الهي صدمة كبيرة، بحثت عن اشياء اخرى لم اجد، ثم لففت الكراس ببعض المجلات وبقايا الكتب، واشتريتها جميعا، وعدت مسرعا للبيت، اسرعت نحو غرفتي ومعي ما يشبه الكنز، حاولت ترتيب الاوراق حسب الزمن المكتوب في اعلى كل ورقة، وشرعت بقراءتها.

الورقة الاولى: ولادته .. الثلاثاء 1-1-1985

"منذ ايام وهنالك حملات كبيرة للتفتيش عن الكتب الدينية، مع حملة اعتقالات مسعورة بالتزامن مع اخبار الهزائم العسكرية، لقد فقدت الكثير من الاصدقاء ممن اعتقلوا او اجبروا على خوض الحرب، واحس ان ايامي قليلة، لكن سأصبر كما علمنا الاستاذ الشهيد، وسأكمل سطوري اليوم سأكتب عن نشأت السيد الصدر.

ولد الشهيد محمد باقر الصدر في مدينة الكاظمية في عام 1934، ونشأ السيّد الصدر يتيماً، فقد مات والده السيّد حيدر الصدر وهو في السنوات الأولى من عمره، احتضنت رعايته والدته بنت آية اللّه الشيخ عبد الحسين آل ياسين وهم من أعاظم الفقهاء، وقد عرف عن والدة الشهيد الصدر أنها مثالاً عالياً للتقوى والورع، كانت لا تفارق القرآن تتلوه آناء الليل وأطراف النهار، وقد تحملت الكثير الكثير من المعاناة حيث عاشت مع الشهيد الصدر أيام المحنة الصعبة وأيام الحصار الأخير، وكانت صابرة محتسبة.

في هذا الكنف الطاهر ترعرع ونشأ السيّد الصدر، ويجب أن لا ننسى دور أخيه الأكبر آية اللّه السيّد إسماعيل الصدر فقد أولاه الكثير من الرعاية والاهتمام مما خفف عنه آلام اليتم وقسوة الحياة

خلّف الشهيد الصدر ولداً واحداً هو السيّد محمد جعفر الصدر، كما خلّف الشهيد الصدر خمس بنات".

الورقة الثانية: دراسته.. الخميس 7-2-1985

"اعود للكتابة من جديد، بعد الخلاص من حصار البعثيين، وتحسن حالة والدي المريض، لكن يجب ان اكمل ما بداته، في الكتابة عن الشهيد السعيد السيد الصدر، واليوم سأكتب ملخصا عن دراسته.

تعلم السيد الصدر القراءة والكتابة وتلقى جانباً من الدراسة في مدارس منتدى النشر الابتدائية في مدينة الكاظمية المقدسة، وكان موضع إعجاب الأساتذة والطلاب لشدة ذكائه ونبوغه المبكر، ولهذا درس أكثر كتب السطوح العالية دون أستاذ، بدأ بدراسة المنطق وهو في سن الحادية عشرة من عمره، وفي نفس الفترة كتب رسالة في المنطق، وكانت له بعض الإشكالات على الكتب المنطقية.

في بداية الثانية عشرة من عمره بدأ بدراسة كتاب معالم الأصول عند أخيه السيد إسماعيل الصدر.

هاجر الشهيد الصدر من الكاظمية المقدسة إلى النجف الاشرف، لإكمال دراسته، وتتلمذ عند شخصيتين بارزتين من أهل العلم والفضيلة وهما: آية الله الشيخ محمد رضا آل ياسين، وآية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي.

بالرغم من أن مدة دراسة السيد الصدر منذ الصبا وحتى إكمالها لم تتجاوز 17 أو 18 عاماً، إلا أنها من حيث نوعية الدراسة تعدّ فترة طويلة جداً، لأن السيد كان خلال فترة اشتغاله بالدراسة منصرفاً بكلّه لتحصيل العلم، فكان منذ استيقاظه من النوم مبكراً وإلى حين ساعة منامه ليلا كان يتابع البحث والتفكير، حتى عند قيامه وجلوسه ومشيه".

الورقة الثالثة: دراسته.. الجمعة 3-5-1985

"للتو خرجت من سجن دام شهرين، بعد ورود اسمي باعترافات احد الاصدقاء القدماء: باني ذهبت معهم في عام 1982 لزيارة النجف الاشرف، وبأعجوبة تم اخلاء سبيلي، شفع لي دعاء امي المسكينة وعزلتي في اخر سنتين، احوال البلد لا تسر، البعث يبطش بالبلد، ومطحنة الحرب مازالت تأكل اجيالا من ابناء البلد، اليوم سأكمل الورقة الثالثة وفاءا مني للشيد السعيد الصدر.

بدأ السيد الصدر في إلقاء دروسه ولم يتجاوز عمره خمس وعشرون عاماً، فقد بدأ بتدريس الدورة الأولى في علم الأصول بتاريخ 12 / جمادى الآخرة / 1378 هـ وأنهاها بتاريخ 12 / ربيع الأول / 1391،

وشرع بتدريس الدورة الثانية في 20 رجب من نفس السنة، كما بدأ بتدريس البحث الخارج في الفقه على نهج العروة الوثقى في سنة 1381هـ.

وخلال هذه المدة استطاع سيدنا الأستاذ أن يربي طلاباً امتازوا من حيث العلم والأخلاق والثقافة العامة، لأن تربية السيد الصدر لهم ليس منحصرة في الفقه والأصول، بل أنّه يلقي ع ليهم في أيام العطل والمناسبات الأخرى محاضراته في الأخلاق، وتحليل التأريخ، والفلسفة، والتفسير، من أبرز طلابه ما يأتي ذكرهم: آية الله السيد كاظم الحائريي، وآية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، وآية الله السيد محمد باقر الحكيم".

الورقة الرابعة: مؤلفاته.. الاربعاء 19-6-1985

"بدأ الصيف هادئ وهنالك اخبار عن قرب توقف مطحنة الحرب، بالأمس جاءوا لجارتنا ام باقر بابنها الثالث جريحا حيث بترت ساقاه، لم يبق في البيت الا هذه العجوز وابنها المعوق والنساء والاطفال، ان الحرب دمرت النسيج الاجتماعي، مع حالة الرعب التي نعيشها نتيجة تسلط رجال البعث على الحياة، اني احس بالاختناق فكل شيء ممنوع، وعليك ان تفكر باي كلمة تريد قولها هل ستنسجم مع سياسة الدولة، ام ستدخلك في خانة المعارضة.

حتى كتابتي لسطور هو امر طبيعي، لكن في العراق مخاطرة، والبعض يعتبره انتحارا او معارضة، او بطولة غير محسوبة، سأعود من جديد لمواصلة ما بدأت:

سأتكلم عن اهم  مؤلفات السيد محمد باقر الصدر التي عرفتها:

اولا: فدك في التاريخ: وهو دراسة لمشكلة (فدك) والخصومة التي قامت حولها في عهد الخليفة الأول.

ثانيا: دروس في علم الأصول بثلاث اجزاء.

ثالثا: بحث حول المهدي: وهو عبارة عن مجموعة تساؤلات مهمة حول الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)

رابعا: نشأة التشيع والشيعة.

خامسا: نظرة عامة في العبادات.

سادسا: فلسفتنا: وهو دراسة موضوعية في معترك الصراع الفكري القائم بين مختلف التيارات الفلسفية، وخاصة الفلسفة الإسلامية والمادية والديالكتيكية الماركسية.

سابعا: اقتصادنا: وهو دراسة موضوعية مقارنة، تتناول بالنقد والبحث المذاهب الاقتصادية للماركسية والرأسمالية والإسلام، في أسسها الفكرية وتفاصيلها.

ثامنا: الأسس المنطقية للاستقراء: وهي دراسة جديدة للاستقراء، تستهدف اكتشاف الأساس المنطقي المشترك للعلوم الطبيعية وللإيمان بالله تبارك وتعالى.

تاسعا: رسالة في علم المنطق: اعترض فيها على بعض الكتب المنطقية، ألفها في الحادية عشرة من عمره الشريف.

عاشرا: غاية الفكر في علم الأصول: يتناول بحوثا في علم الأصول بعشرة أجزاء، طبع منه جزء واحد، ألفه عندما كان عمره ثماني عشرة سنة.

حادي عشر: المدرسة الإسلامية: وهي محاولة لتقديم الفكر الإسلامي في مستوى مدرسي ضمن حلقات متسلسلة صدر منها: الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية، وماذا تعرف عن الاقتصاد الإسلامي؟

الثاني عشر: البنك اللاربوي في الإسلام: وهذا الكتاب أطروحة للتعويض عن الربا، ودراسة لنشاطات البنوك على ضوء الفقه الإسلامي.

الثالث عشر: الفتاوى الواضحة: رسالته العملية، ألفها بلغة عصرية وأسلوب جديد".

الورقة الخامسة: الثورة ... الجمعة 11-10-1985

" لا اعلم كيف تم تسريب قصة الاوراق التي اكتبها، وقد اخبرني محب ان اسمي رفع بتقرير للفرقة الحزبية من قبل احد الجيران، واخبرني بأهمية الفرار سريعا، قبل قرار القاء القبض، والتهمة اني من محبي السيد الصدر واني اكتب سيرة حياة الشهيد السعيد، سأكتب اليوم عن اجواء عام 1980:

في هذا العام كانت الاحداث تتسارع خصوصا بعد انقلاب صدام على حزبه في محاولة للتفرد بالقرار، ثم اعلان العداء لسوريا، واشتعال حرب الجواسيس بين البلدين، من جهة اخرى كان صدام وعفالقته يشعلون حربا شديدة ضد الخط الديني في المجتمع خصوصا بعد تظاهرات شهر صفر، واجبار السلطة على اطلاق سراح السيد الصدر بعد اعتقاله الاول، كان هنالك غليان شعبي في بغداد والنجف وكربلاء، لذلك عمدت سلطة صدام الى العنف والاشاعات لإخماد نار الثورة.

وشنت حملة اعتقالات ضد شباب الشيعة في كل محافظات القطر، في شهري اذار ونيسان من عام 1980 حتى غصت السجون بالشباب، مع حملة اعدامات للناشطين وخيرة شباب الامة.

ثم قامت السلطة البعثية بمحاصرته السيد عشرة أشهر في الإقامة الجبرية، ثم تم اعتقاله في يوم 19جماد الأول 1400هجري الموافق 5/4/1980 ميلادي. وبعد ثلاثة أيام من الاعتقال والتعذيب الشديد تم إعدامه مع أخته العلوية الطاهرة بنت الهدى وكان عمره الشريف 47 سنة وفي مساء يوم 9/4/1980، وفي حدود الساعة التاسعة أو العاشرة مساء قطعت السلطة البعثية التيار الكهربائي عن مدينة النجف المقدسة، وفي ظلام الليل الدامس تم دفنهما مضرجين بدماء الشهادة الطاهرة، وعلامات التعذيب واضحة على الجسدين الشريفين في مقبرة وادي السلام المجاورة للمرقد الشريف للإمام علي (ع).

ليدخل العراق في فترة مظلمة، سحقت الشعب وتجبر صدام ليحكم العراق بالحديد والنار، الى ان سقط في حفرته".

الوفاء

اجد من الوفاء للسيد الشهيد محمد باقر الصدر ان انشر هذه السطور، الشهيد الذي ضحى بنفسه في سبيل الحق والعدل ورفض الطغاة ودنياهم، وكان مثالا لجده الحسين (ع) حيث قدم كل ما يملك في سبيل الاسلام، في مواجهة طاغية متجبر في عنفوان قوته، وكذلك وفاءا مني لصاحب السطور، ذلك الانسان المجهول والمحب للسيد الصدر، والذي لم استطع التعرف عليه، فمصيره صعب في ضل تلك الظروف القاهرة التي شهدت تجبر الطاغية وزبانيته، وكانت اخر اشاراته انه قريبا من الشهادة.

 

 الكاتب والاديب اسعد عبدالله عبدعلي

العراق – بغداد