جعفر المظفربداية السبعينات حضرت المهرجان الشعري الذي إنعقد تكريما للشاعر العظيم أبي تمام في ألفيته الأولى، كان من ضمن المشاركين شعراء كبار من أمثال البردوني شاعر السودان وأيضا جميل الشعراء نزار قباني والشاعرة العراقية الرائعة لميعة عباس عمارة وغيرهم.

كان جميع الشعراء قد شاركوا بقصائد رائعة وجميلة، غير أن الأمر الذي لفت أنظاري هو وجود رجل كان يرتدي، خلاف كل الحاضرين، دشداشة بيضاء و(قبوطا) اسودا كذلك الذي إعتاد الحراس الليلين إرتداءه في ليالي الشتاء الباردة. كان كريم العينين، غامق السمرة، طويل القامة، أما وجهه فكان خصما عنيدا للوسامة، إذ لم يترك الجدري مكانا فيه دون أن يثقبه بيده اللعينة.

لكن "لميعة عباس عمارة" بدلا من أن تتجه بالرجل إلى خارج القاعة، إتجهت به به نحو المسرح لتتركه واقفا خلف منصة الإلقاء التي كان غادرها توا أحد الشعراء الكبار، ثم إذا بعريف الحفل يعلن أن الوقت قد حان للإستماع إلى شاعر من اليمن بإسم (عبالله البردوني) وقصيدة تتحدث عن عروبة اليوم وعن وضاح اليمن.

صبرنا على الرجل وهو يأخذ رشفة ماء من قدح أتى به عريف الإحتفال. نظر الجميع إلى الجميع مستغربا من بروده وهدوئه. أزاح الرجل بِكُم ردائه ما تبقى من الماء على شفتيه، ثم بدأ قراءته لقصيدة المذهلة، عن "صنعاء" و"وضاح اليمن" الذي راح ضحية للعشق مدفونا بأمر من السلطان.

وكمحاكاة لقصيدة أبي تمام الشهيرة (السيف أصدق إنباء من الكتب..) بدأ البردوني قصيدته:

ما أصدقَ السيف إنْ لم ينْضِهِ الكذِبُ / وأكذبَ السيف إن لم يصدق الغضبُ

أدهى من الجهل ، عِلْمٌ يطمئنُّ إلـى / أنصافِ ناسٍ طغوا بالعلم واغتصَبوا

قالوا همُ البَشَرُ الأرقَى، وما أكلوا / شيئاً، كما أكلوا الإنسانَ أو شـــربوا

ثم قال وقال وقال، وكنا مذهولين، ظنّاً منا بأن الرجل لم يحضر إلا طمعاً بوجبة عشاء مجانية، فإذا به وقد أنسى الحاضرين جوعهم، ثم رأيناه، حينما نزل بصحبة سيدتنا "عمارة"، وقد صارأكثر وسامة من كل الشعراء.

وأذكر أن القاعة كلها وقفت تصفق للرجل حينما قال:

ماذا أحدث عن صنـــــــعاء يا أبتي / مليحة عاشقاها الســــلُ والجربُ

ماتت بصندوق وضاح بلا ثمن / ولم يمت في حشاها العشقُ والطربُ.

أما وضاح اليمن فقصته معروفة. قيل أن شبابيك الحي كانت تُفتح إذا سمعت نساؤها وقع أقدامه، فقد كان غاية في الوسامة حتى أن زوجة السلطان كانت قد أغرمت به، فقرر الأخير مفاجأة زوجته بالعودة عن قصة السفر التي كان إخترعها، فلما طرق سمعها خبر عودته أمرت وضاح أن يختفي في صندوق ملابسها ظانة أن السلطان لن يفكر بتفتيشه.

لكن السلطان، وعيناه تتجولان في كل أرجاء الغرفة، لم يخبرها عن سر عودته المفاجئة، فالإتيان على الخبر كان سيأكل منه الكثير، مفضلا أن يرى الجند المرافقون خلو الغرفة من وضاح لكي يكونوا شهودا على عفة زوجته، ولكنه قبل أن يغادر طلب منها أن تهديه الصندوق، فأسقط في يدها، ثم أمر الجند حينما وصلوا خارج أسوار القصر أن يحفروا قبرا لينزلوا الصندوق فيه.

وقبل أن يغادر وقف السلطان على حافة القبر مخاطبا نزيل الصندوق:

يا وضاح، إن كنت فيه فخير لنا، وإن لم تكن فيه فخير لك.

مات البردوني الكبير قبل سنوات، وأظنه يدري أن وضاح اليمن لم يمت بعد، فها هويتسلل في كل ليلة من صندوقه لكي يتغلب على كل السلاطين الذين يحاولون أن يدفنوه حيا.

 

جعفر المظفر

 

1278 برناردين أفيريستوبرناردين أفيريستو

ترجمة: صالح الرزوق

***

خلال عملي المهني غالبا ما انتابني الشعور أنني أشبه الحلزون المحاصر بعدة قطط برية. لم أربح، تماما، من الإعلام الاهتمام الذي طالما حلمت به، حتى نشرت ثالث كتاب لي وهو (دلال الإمبراطور) عام 2001. ثم دخلت مرحلة الكتابة الاحترافية عام 1982، وبدأت من المسرح. ومنذئذ لم أتوقف عن الكتابة. فقد وجدت أنها تحفزني على الحياة وترضيني ماديا. وأحببت أن أصبح صوتا يسمع العالم إبداعه. وكان علي أن أحفر عميقا وأن أومن بنفسي، لأن النفس مثل الموهبة، تحتاج للرعاية. وتلقيت دروسا شخصية لتطوير الذات. واستمعت لأشرطة تسجيل تأهيلية. وفي النهاية بدأت أشق طريقي دون توقف. وعلى امتداد عدة عقود من تدريس الكتابة الإبداعية للطلبة، رأيت أن الأكثر التزاما بتطوير حرفتهم هم أصحاب الفرص الأقوى بالنجاح، وأنا أعني بكلامي أولئك الذين يحسنّون كتاباتهم حتى تصل للناشر وما بعد النشر. إن الطالب الهادئ والمجد، الذي يلتزم بما يتلقاه من توجيهات، هو غالبا الذي يتخطى الطالب الموهوب الذي كما يبدو ينتج كتابة عالية المستوى وبلا جهد يذكر، والذي يحصد ثناء مفرطا، وبالتالي لا يجهد نفسه بعمله لتطوير مهاراته. الموهبة هي بذرة تحتاج للسقاية. وإذا أنبتت بسهولة دون بذل مجهود، يمكن أن يكون مصيرها الإهمال والذبول. نحن جميعا بحاجة للمديح، ولكن المديح أحيانا يكون أسوأ شكل من أشكال التشجيع. وفي بدايات صباي، كنت دائما أحصل على التقريظ من القراء، أو على الأقل ما يكفي لأعرف كيف كانوا يتلقون كتاباتي. ولكن نحن الكتاب ننمو بشكل أفضل بعد النقد البناء. وحتى يومنا هذا كنت أعتمد على المحررين في هاميش هاميلتون - بنغوين لنقد عملي قبل النشر. نحن الرواة نحترم دائما زملاءنا الكتاب ونقرأ لهم أو نتابع الأعمال الممثلة والمصورة. وهكذا نهضم الأدب ونتعلمه ثم نصبح مبدعين لأنفسنا. بمعنى أننا لاحقا نصنع أنفسنا. ومؤلفو الكتب هم أولا قراء لها، وهذا ما يكون عليه الحال حتى النهاية وإلى الأبد. وعلى المسرحيين متابعة العروض المسرحية. يا فناني الكلمات المنطوقة - مرحبا!!.. ويا كتاب السيناريو - أهلا. كنت قارئة نهمة منذ بدأت أعرف كيف أقرأ جملة. فالقراءة كانت أسلوبي للتواصل مع عالم بعيد. فقد كنت أعيش في ضاحية صغيرة. والقراءة الآن هي الطريقة التي أضاعف بها ربط نفسي مع حياة الآخرين الداخلية والخارجية. كان عملي هو الذي يتحكم بانتقاء قراءاتي، أو بالكتابة عن مادة منشورة أو بطبيعة المناقشة التي أشارك بها أو حتى للمشاركة في لجنة تحكيم، ولكن هذا قد يكون أحيانا محنة. وإذا ما أحببت كتابا، أجد في قراءته متعة فائقة. فهذا يفيض  بالطمأنينة على روحي ويغنيها.   

لقد ساعدتني كل التجارب الأدبية لبلورة كتاباتي، إما من خلال تقديم نموذج أو بإرشادي لأمكنة الخلل الممكنة في أي رواية. أما الكتب التي أحببتها فقد ساعدتني على امتلاك زمام ثلاثة عناصر أساسية في تكويني وهي - اللغة والبنية والشخصية. والكتب المفضلة عندي هي التي ساعدتني على امتلاك البنية وصياغة الجمل. وهي مؤلفات لكتاب يصنعون سردا متميزا، تتألق فيه الشخصيات والسلوك البشري والفضاء النفسي. أما الجمل العابرة والسريعة، والتشخيص النمطي أو قليل الكثافة، والحبكة المتوقعة، فتصيببني بالضجر. ودائما أبحث عن طرق جديدة وأصيلة وقيّمة لمتابعة تطورات العالم مع صفات غير معرفة وسحرية، وهي التي تساعد الفضاء الأدبي على التحليق والغناء. 

المكان الذي تنتمي له - ثقافتك، طفولتك، بيئتك، علاقاتك، تعليمك، دراستك، أساليبك وهويتك طوال الحياة - يصنع الكاتب الذي أنت عليه. فهذه هي المكونات السحرية التي توجد داخل شخصيتك وحياتك وبها يكتمل إبداعك. ومهما كانت مشاعرك حيال ذاتك، ومهما حصل لك في الحياة، والقرارات التي تتخذها أو التي تكون هدفا لها، وخلفياتك، عرقك، سلالتك، ثقافتك وجنسك وتفكيرك الجنسي وكل تفاصيل عالمك - هو الرافعة التي يصعد عليها إبداعك المتفرد. إنه لا يمكننا تغيير الماضي، ولكن يمكننا قبوله على ما هو عليه وقبول كتابتنا من أجله على ما هي عليه. بدأت حياتي في بيت يمتزج فيه العرق الإنكليزي مع النيجيري، ثم تابعتها في منطقة بيضاء من لندن، حيث كانت عائلتي تبدو لهم من الأغراب وعليه كانت معزولة. وقد أثر ذلك في تشكيل اختياراتي الإبداعية ككاتبة طوال حياتي في فترة البلوغ، ولن أغير هذا الأسلوب الأداتي لأن عالمي - ككاتبة - يدين له بكل شيء. عليك أن تمتلك ما أنت عليه، ويجب أن تعلم أنك تستعمل خلفياتك، بقصد أو دون قصد، لتكتب من زاوية نظرك الخاصة والمتميزة. إن الصور والأفكار هي عضلات تتطور بقدر استعمالك لها. فكر ببطل سباحة. وفكر بتعلم اللغة. وفكر بالطهي والعناية بالحديقة. وفكر بعالم فاز بنوبل. كل شخص لديه خيال، ودائما الأفكار تسبح من حولنا. ونحن بحاجة لترويضها واستئناسها واستيعابها في طفراتنا ونحن نتطور باتجاهها. ولن أخلو من الأفكار لأنني أنفقت كل حياتي بإنتاج تلك الأفكار والوصول إليها. وفي الواقع، لدي العديد من الأفكار وأحيانا أجد أنه من الصعب أن أستقر على واحدة منها. وها هو كتاب جديد يتشكل في داخلي بعد الانتهاء من آخر نسخة لي من رواية جديدة هي “بنت وامرأة وآخرون” في شباط عام 2019. وكان ذهني باستمرار مجالا خصبا للأفكار منذ تلك اللحظة. وهذا يعني أنه يجب علي تسجيل ملاحظات، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه يجب أن أعود لتوسيعها في نهاية العام. وفي العام القادم، حينما أبدأ بكتابة كتابي الجديد، سأختبر هذه الأفكار وأشاهد أي فكرة تثير اهتمامي أكثر من سواها. وككاتبة أنحو لاختبار أفكاري وركوب المخاطر، وهكذا إن ما يثير انتباهي أكثر من غيره سيكون هو نواة الأفكار التي أركز عليها لتوسيع حدود معانيها والتي أشعر أنها تستحق المخاطرة والتجريب.             

الكتاب هم حرفيون. ونحن نبني ببطء أجزاءنا الأدبية حتى نصل لنهايتها. ورواياتي تتكرر غالبا بأربع مسودات، ولكن كل جملة أو فقرة تمر بعدة مسودات مركبة قبل الوصول لأول مسودة نهائية. ماذا أعني بكلمة مركبة؟. 30،20، 10 مسودة، حتى أخنق التعديلات، وأصل لمرحلة علامات التنقيط، وأشعر أنني أكملت دوري. ينظر القراء للنتاج المتكامل ويعتقدون أن كتابته مسألة بسيطة، هل هذا صحيح؟. فأنت تبدأ مع أول صفحة وتتابع حتى تنتهي، وبذلك تكون مهمتك قد اكتملت. ولكن بالنسبة لي، لا شيء يمكنه أن يتخطى الحقيقة. وأسمع أن غيري من الأدباء ينجزون أعمالهم بسرعة تفوق الصوت. لكن الأدباء الطموحين يتعلمون بسرعة معنى أن “الكتابة هي في إعادة الكتابة كذلك”. أنا مغرمة بإعادة الكتابة. أولا تجد فيها بذرة تدفق الروح الإبداعية، ثم يأتي الاختزال والصيانة حتى تشكيل المادة الخام. أخذت “بنت وامرأة وآخرون” من وقتي خمس سنوات، وأنا منكبة عليها فوق طاولتي. لقد كتبتها على الشاشة، وطبعتها، ثم بدأت أضع العلامات على الورق. ومعظم طلبتي في المرحلة الجامعية الأولى لا يملكون طابعات، وعدد كبير منهم لا يحبون استعمال الطابعات في مكتبة الجامعة. وأشجعهم على البدائل. أحيانا يكتبون بهواتفهم ويرسلونها بالبريد الإلكتروني لي بشكل وظيفة منزلية، ودائما دون مراجعة أو تدقيق. أنا متأكدة من ذلك. ولكن شاشات الحواسيب وبكل أحجامها مخادعة. فالحرف على الشاشة يبدو لماعا، وحرفيا، ومنتهيا. ومع ذلك، ما أن تقوم بالطباعة يتضح لك الفشل والإخفاق. كن دائماعلى استعداد لاحتمال تحسين كتابتك بما يتخطى قدراتك الجنونية على التخيل إن استفدت من ساعات وقتك، وكن جاهزا للمراجعة، ومستعدا للطريق الطويل الذي يمتد أمامك. واسمحوا لي بإعادة صياغة جملتي لو أنها ليست واضحة: إن كنت مستعدا للقيام برحلة نحو ينابيع إبداعك التي تنتظرك كي تملأ الفراغ. المبدعون بحاجة لاحترام طموحاتهم أو أنها ستبلى في داخلنا. وأنا أعرف أشخاصا هجروا الكتابة بالعشرينات من العمر وندموا على ذلك في أربعيناتهم. ولكن لا يوجد توقيت لبداية العمل الفني. ويمكننا البداية مع الكتابة في أي عمر أو مرحلة من حياتنا. ولم أندم أبدا على اختيارالاستمرارمع الكتابة، مع أنها كانت تعني اقتصاديا القليل من النقود وتهميش وجودي في حياتي المهنية. وقد اعتدت أن أكون في بداية كل عام غير مرتاحة فيما يتعلق بإعالة نفسي.  حتى في احتياجاتي الأساسية - المسكن والطعام والمواصلات وما تبقى. ولدي قناعة تامة أن هذا سيرعب معظم الناس. ولكن هكذا عشت حياتي وأصبحت مدمنة على ذلك. ولم أحصل على الدعم من شريكي، ولم أعتمد على عائلتي الكبيرة فعائلتي بلا نقود. وفي النهاية تبدل الحال وأصبح لي راتب شهري بصفة أستاذة باختصاص الكتابة الإبداعية في الجامعة. ومع ذلك لم أصل لهذه النقطة إلا بعد معاناة ثلاثة عقود. وقد تعرفت على كتاب ملهمين انهزموا أمام أول رفض وهو شيء متوقع بالنسبة لمعظمنا في بعض المراحل من سيرتنا المهنية. إما أن يطحنك الرفض وتتوقف عن الكتابة، أو أنه يشد من عزم إصرارك على تطوير مهاراتك وقصصك، إلى أن تصل بمستوى كتابتك للضفة الثانية. والمرونة هي من أهم خصال الكاتب الجيد، فهي تعني أنه بمقدورك تطوير قدراتك الداخلية ومصادرك حتى تتمكن من الاستمرار رغم كل التحديات التي تضعها الحياة أمامك، والحياة مع الفن يمكنها أن تكون صخرة صعبة بأقل تقدير.  والنجاح الفوري لا يساعد الناس لمقاومة المصاعب المتوقعة. وأنت، وحدك أنت، من يعلم مدى قدراتك حينما تكون موضع الامتحان، وحينما تذوب أحلامك وخططك ولكن ترفض تماما أن تيأس وتستسلم. 

وإن لم تنجح بالنشر أو النتاج الأدبي أو الأداء، ولكن الكتابة بقيت هي هدفك الأسمى، ما عليك إلا أن تستمر، حتى لو لنفسك. أو لبضعة أصدقاء. أو لمجموعة من الأصدقاء الكتاب أو في المنتدى والمدونة وبالنشر الذاتي. وربما ذات يوم ستصل بصوتك لدائرة أوسع، إذا كانت هذه هي رغبتك. وربما في وقت ما ستفهم أنك لست مستعدا لمزيد من التضحيات في سبيل الكتابة، وتعلن يأسك ونهاية علاقتك الغرامية معها. أو بداية علاقة بديلة مع شكل فني آخر تفضله. أو تشعر أنك مخدوع بالبريق الظاهري للكتابة وأن الواقع لا يتوازى معها. وقد أخبرت طلابي أن ينتظروا في الخلف، ليس حينما تحين ساعة السقوط والفشل، ولكن حالما ينتابهم الشعور أنهم في خضم السقوط. وأنا أفعل ذلك كل الوقت وأتبع ما أسميه ـ م. ع. إ. (موقف عقلي إيجابي). وأصارح نفسي بأي شيء يزعجني في حياتي المهنية - الرفض والتهميش والتكبر والتجاهل. وأقول لنفسي: سيحين دوري. يومي قادم.

 

 

....................

بيرناردين أفيريستو Bernardine Evaristo: كاتبة بريطانية. لها ثماني روايات. حازت على المان بوكر عام 2019.

 

 

زهير الخويلدي"إن الإصلاحات الثقافية والدينية أهم من السياسية، لأنها شرط لأية إصلاحات مدنية أخرى"

خسرت الثقافة العربية فارسا من أعظم فرسانها الذين دافعوا عن العلم والنقد والعقلانية في زمن التراجع والانغلاق ألا وهو الأستاذ والمفسر السوري محمد شحرور الذي اشتهر بقراءاته العلمية للقرآن ودوره البطولي الاستثنائي في اعتماد التفسير التقدمي للنصوص والانتصار إلى القيم الكونية والمبادئ الحضارية. لقد ولد العلامة سنة 1938 ودرس الهندسة المدنية في جامعة دمشق وسافر إلى موسكو بعد إعجابه بالفكر الماركسي ولكنه تحول إلى الدراسات التراثية وأصدر سنة 1990 بحثه المثير المعنون: "الكتاب والقرآن" الذي جعل منه واحدا من أفضل الباحثين المجددين في القراءات المعاصرة للوحي حيث طبق مناهج لغوية واستنتج منها رؤى وتصورات ثورية وانتهى إلى التمييز اللافت بين التنزيل والذكر والفاتحة وأم الكتاب ولقد جعله ذلك ينطلق نحو القيام بمراجعات جذرية للموروث الديني أفضت إلى تشكيل مرجعية حداثية للمسلمين واحتلال مكانة بارزة في وجدان الكثير منهم بفضل توفيقه بين النقل والعقل وبين الفهم والشرع. لقد انطلق المهندس في صناعة الظاهرة الشحرورية غير مكترث بحملات التشويه والتطاول التي شملته وتوغل في عالم المعرفة الدينية متسلحا بالعقل والعلم والتجربة ومعتمدا على اللغة في الفهم والتنقيب والنقد والمقارنة بين العقائد والمرافعة عن الجوانب النيرة من التراث ومثل صوته العلامة الفارقة والمنيرة في سماء ثقافة اجتاحتها الجحافل والخفافيش من كل حدب وصوب وعمل جاهدا على التمييز المفهومي وإنارة السبل المظلمة وإرشاد التائهين وإجابة الحائرين والرد على المشككين في قوة منهجه العقلاني التنويري. والحق أنه أدى واجبه المعرفي والتنويري باقتدار وانتمى إلى جيل من المفسرين المجدديين العمالقة على غرار الجابري وأركون وتيزيني ومروة والعظم والذين تباهت بهم الثقافة العربية والإسلامية وسط الأمم ولكنهم رحلوا وتركوا فراغا كبيرا احتله التافهون والسفسطائيون والمتاجرون بالمعرفة وبآلام البسطاء. لقد تضمنت قراءته المعاصرة للقرآن رؤية متكاملة للعلاقة بين الدولة والمجتمع وحاول التمييز بين الدين والسلطة من خلال تشريحه لمفهوم الحاكمية وبين الإسلام والإيمان عن طريق التركيز على القصص وإعادة تأصيل علم أصول الفقه بحيث يراعي حقوق الإنسان وينصف المرأة وينتصر للمساواة والكرامة من خلال تأسيسه لفقه المرأة في الإسلام ولم يهمل في بحثه المعمق قضية الحديث والسيرة وميز بين السنة النبوية والسنة الرسالية وحاول تجفيف منابع الإرهاب وبرهن على تهافت التقليديين وقصر نظر النصيين. من أعمال الراحل الإصلاحية يمكن ان نذكر رفضه الخضوع لسلطان الفقه الإسلامي واعتماده التجديد المنهجي في التفسير وإيمانه بالقيم المدنية ودعوته إلى الإقلاع عن الماضوية والعودة إلى إحياء الاجتهاد. في هذا الإطار يصرح المصلح الديني في واحدة من أهم أقواله ما يلي: "العقل الفقهي جعل العقل العربي عاجزا عن إنتاج المعرفة، عندما يصنع هاتف مثلا أول ما يسأله العربي هو: هل هذا حرام أم حلال؟، بدل من أن يسأل كيف صنع!، والعقل الفقهي جعل المواطن العربي لديه عدة التلقي وليس عدة السؤال". لقد خسرت الدراسات العلمية المعاصرة للدين برحيل المفكر اللامع محمد شحرور أهم وجوهها الفاعلين في المشهد الإعلامي ودعاتها المتحمسين للتنوير والعقلانيية وهو ما يعقد الوضعية ويعسر المجهود النقدي الذي يعرف في العقود الأخيرة الكثير من التراجع وينبه كل المثقفين العضويين إلى الاستئناف والاستفاقة. في الواقع فارس من جيل العمالقة التنويريين يترجل ويترك فراغا كبيرا في زمن يحكم فيه التافهون ويطفو فيه على السطح المزيفون وخسارة كبيرة لا يمكن تعويضها بسهولة بالنسبة للعلوم الدينية رحيل هذا المفسر المجدد. فكيف يمكن استثمار المواقف الشجاعة التي اتخذها والجرأة النقدية التي تميز بها في إحداث ثورة ثقافية؟

 

 د. زهير الخوي - لديكاتب فلسفي

 

 

فالح الحجيةهو بدر بن شاكر بن عبد الجبار بن مرزوق السياب وال السياب من قبيلة ربيعة العدنانية وجدهم (سياب) كان احد امراء ربيعة في (البصرة) وهو مااكدته الروايات والمصادر التاريخية المتعلقة بالموضوع وهذه الاسرة انجبت العديد من رجال العلم والادب والسياسة في تاريخ العراق الحديث .

اما والده فهو شاكر بن عبدالجبار بن مرزوق السياب، فقد ولد في قرية (بكيع) المجاورة لقرية (جيكور) في ابي الخصيب في محافظة البصرة العراقية وزاول التجارة والأعمال الحرة الا انه لم يفلح وخسر في الجميع ثم اصبح موظفا في دائرة (تموين أبي الخصيب) . له ثلاثة أولاد هم:

عبدالله- وبدر- ومصطفي -  .

و اما والدته فتدعى كريمة بنت سياب بن مرزوق السياب، وهي ابنة عم ابيه وقد توفيت قبله بمدة طويلة، وتركته واخوانه صغارا، مما حدى بوالده ان يتزوج بامرأة أخرى .

ولد الشاعر بدر شاكر السياب بتاريخ \ 25/12/1925 في قرية (جيكور) وهي احدى ثلاث قرى تقع على نهر (ابو فلوس) المتفرع من نهر(شط العرب) وهي (جيكور) و(كوت بازل) و(بكيع) التابعة لقضاء (أبي الخصيب) في محافظة البصرة العراقية .

و(جيكور) قرية يسقيها نهر صغير يسمى(بويب) متفرع من نهر (ابو فلوس)كما ذكره الشاعر في قصائده ياخذ ماءه من شط العرب فيسقي حقول قرية (ديكور) وبساتينها التي كانت غناء خضراء فيها الكثير من النخيل و انواع الفاكهة ويسقي مزارعها الواسعة والكثيرة .

توفيت والدة بدر وتركته واخوته صغارا . فقد حنان الام فعاش واخوته يتامى الام وكانت تحنو عليه جدته ام ابيه .

درس بدر في مدرسة (باب سليمان) الابتدائية في أبي الخصيب التي تبعد قرابة سبعة كيلومترات عن قريته (جيكور)

ثم انتقل إلى مدرسة (المحمودية) في مدينة (ابي الخصيب) وفي هذه المدينة وقرب المدرسة يوجد بيت فخم تزينه شرفات خشبية مزججة بالزجاج الملون وهذه الشرفات تدعى (الشناشيل) لتكون فيما بعد اسما لمجموعة شعرية له (شناشيل ابنة الجلبي) احد دواوينه الشعرية - والجلبي هو لقب للأعيان الأثرياء- كانوا يسكنون في مثل هذه البيوت الجميلة وكان في مدينتنا (بلد روز بيتا منها يقع على نهرالروز في منتصف المدينة نسميه بيت الجلبي الا انه تقادم وال للسقوط فازيل وشيدت مكانه الى مقاهٍ ومحلات)  وفى هذه المدرسة تعلم أن يردد مع أترابه أهزوجة يرددها أبناء الجنوب عند هطول المطر، وقد ضمنها فيما بعد لإحدى قصائده يقول :

يا مطرا يا حلبي

عبّر بنات الجلبي

يا مطرا يا شاشا

عبر بنات الباشا

وكانت محبة جدته له ولاخوته تمنحه العزاء والطمأنينة والعطف والحنان عن فقدان امه في طفولته لكنه سرعان ما ا فتقد جدته ايضا فقد توفيت في أيلول\ 1942وهو في المرحلة الثانوية ليكتب في رثائها قصيدة يقول فيها :

جدتي من أبث بعدك شكواي؟

طواني الأسى وقل معيني

أنت يا من فتحت قلبك بالأمس

لحبي أوصدت قبرك دوني

فقليل على أن اذرف الدمع

ويقضى على طول أنيني

وتخرج من مدرسة المحمودية في الاول من تشرين الثاني (أكتوبر) 1938م. ثم أكمل الدراسة الثانوية في البصرة ما بين عامي 1938 و 1943م. وقد تغيرت اوضاعه وكثرت مصاعبه فقد فقد أمه وخسر أباه و توفيت جدته وسلبت منه حبيبته. وهذا كله احتشد في أعماق روحه ليندلع فيما بعد مثل حمم بركانية او بحر زاخر هائج تدفق شعرا ملتهبا وقصائد من حنين .

انتقل إلى بغداد فدرس في دار المعلمين العالية من عام \ 1943 إلى \1948، والتحق بفرع اللغة العربية، ثم الإنجليزية. ومن خلال تلك الدراسة أتيحت له الفرصة للإطلاع على الأدب العربي والإنجليزي بكل تفرعاته وخاصة الشعر .

تزوج السياب إحدى قريباته، وأحب زوجته وكان لها الزوج المثالي، وانجبت منه ثلاثة اولاد:

غيداء وغيلان  والاء

بعدها اصيب بمرض عضال فكانت زوجته مثال المرأة الحنونة، وتحملت كل متاعب وآلام الحياة لاجله ، حيث كانت الأيام معه اياما قاسية. تقول عنها زوجته :

(عندما تغدو قسوة الأيام ذكريات، تصبح جزءً لا يتجزأ من شعور الإنسان، تترسب في أعماقه طبقة صلبة يكاد يشعر يثقلها إذ ما تزال تشدني ذكرياتي معه كلما قرأت مأساة وسمعت بفاجعة..).

وكسب في بغداد ومقاهيها صداقة بعض من أدبائها وينشر قصيدة لبدر في جريدته (الاتحاد) هي أول قصيدة ينشرها بدر في حياته .

واسس عندما كان طالبا في دار المعلمين العالية في السنة الدراسية 1944-1945 مع اخرين جماعة اطلقت على نفسها (أخوان عبقر) كانت تقيم المواسم و المهرجانات الشعرية فظهرت مواهب للشعراء الشبان، ومن الطبيعي ان يتطرق أولئك إلى أغراض الشعر بحرية وانطلاق و وجد هؤلاء الشباب من عميد دارالمعلمين الدكتور متى عقراوي،وهو أول رئيس لجامعة بغداد ومن الأساتذة العراقيين والمصريين تشجيعا كبيرا .

كان السياب من أعضاء هذه الجماعة البارزين وكانت الشاعرة نازك الملائكة من أعضائها.

وتعرف بدرشاكر السياب على مقاهي بغداد الأدبية ومجالسها مثل مقهى الزهاوي ومقهى ا لبلدية و المقهى البرازيلية وكان يرتادها مع مجموعة من الشعراء الاخرين فشكلوا فيما بعد (رواد حركة الشعر الحر) منهم بلند الحيدري وعبد الرزاق عبد الواحد ورشيد ياسين وسليمان العيسى وعبد الوهاب البياتي وغيرهم .

والتقى امرأة فاحبها لكنها لم تبادله الشعوربالحب فكتب يقول:

أبي.. منه جردتني النساء

وأمي.. طواها الردى المعجل

ومالي من الدهر إلا رضاك

فرحماك  فالدهر لا  يعدل

.

وكتب لها بعد عشرين عاما- وكانت تكبره عمرا- فقال :

(وتلك.. لأنها في العمر اكبر

أم لأن الحسن أغراها

بأني غير كفء

خلفتني كلما شرب الندى ورق

وفتح برعم مثلتها وشممت رياها؟ ..

.

غلام ضاو نحيل كأنه قصبة،

ركب رأسه المستدير كحبة الحنظل،

على عنق دقيقة تميل إلى الطول،

وعلى جانبي الرأس أذنان كبيرتان،

وتحت الجبهة المستعرضة التي تنزل

في تحدب متدرج أنف كبير

يصرفك عن تأمله العينين الصغيرين العاديتين

على جانبيه فم واسع،

تبز (الضبة) العليا منه

ومن فوقها الشفة بروزا

يجعل انطباق الشفتين فوق صفي الأسنان

كأنه عما اقتساري

تنظر مرة أخرى إلى هذا الوجه الحنطي فتدرك أن هناك اضطرابا في التناسب بين الفك السفلي الذي يقف عند الذقن كأنه بقية علامة استفهام مبتورة وبين الوجنتين الناتئتين وكأنهما بدايتان لعلامتي استفهام أخريين قد انزلقتا من موضعيهما الطبيعيين.)

وتزداد شهرة بدر الشاعر النحيل القادم من أقصى قرى الجنوب العراقي، وكانت الفتيات اثناء دراسته يستعرن دفتر أشعاره ليقرأنها ، فكان يتمنى أن يكون هو هذا الديوان يقول :

ديوان شعر ملؤه غزل

بين العذارى بات ينتقل

أنفاسي الحرى  تهيم

على صفحاته والحب والأمل

وستلتقي  أنفاسهن بها

وترف  في  جنباته القبل

وفى قصيدة أخرى يقول:

يا ليتني  أصبحت  ديواني

لأفر من صدر إلى ثان

قد بت من حسد أقول له

يا ليت من تهواك تهواني

ألك الكؤوس ولى ثمالتها

ولك الخلود وأنني فاني؟

 

وبعد تخرج السياب عين مدرسا لمادة اللغة الإنجليزية في ثانوية في مدينة (الرمادي) التي تبعد عن (بغداد) قرابة تسعين كيلومترا وتقع على نهر الفرات غرب العراق.الا انه ظل يرسل قصائده من هناك إلى الصحف البغدادية تباعا.

وفى يناير (مايس) 1949 ألقي عليه القبض في (جيكور) أثناء عطلة نصف السنة ونقل إلى سجن بغداد وتم الاستغناء عن خدماته في وزارة المعارف العراقية رسميا فى25 يناير 1949 وقد افرج عنه بكفالة بعد بضعة أسابيع الا انه بقي مفصولا من وظيفته ومنع إداريا من التدريس لمدة عشر سنوات، فعاد إلى قريته ينشد الراحة بعد المعاملة القاسية التي لقيها في السجن .

ثم اخذ يبحث عن عمل في البصرة لعله يسد حاجته المالية فعين (ذوّاقا) في شركة التمورالعراقية في البصرة . ثم عين كاتبا في شركة النفط في البصرة . وذاق في هذه الاوقات مرارة الفقر وشظف العيش والشقاء والظلم مما حدى به ان يترك كل اموره ويعود الى بغداد فيلتقي ببعض اصحابه فيها ثم عمل في مخزن لاحدى شركات تعبيد الطرق في بغداد وكان قد توقف عن قول الشعر ونشره كل هذه الفترة.

وهكذا ظل يتنقل من عمل يومي إلى آخر مثله ، وفى عام 1950 نشر له الخاقاني مجموعته الثانية (أساطير) بتشجيع من (أكرم الوتري) مما أعاد إلى روحه هناءتها وأملها بالحياة، وقد تصدرتها مقدمة لبدر أوضح فيها مفهومه للشعر الجديد الذي يبشر به ويبدأ بدر بكتابة المطولات الشعرية مثل أجنحة السلام و اللعنات وحفار القبور و المومس العمياء وغيرها .

ولما اضطرب الوضع السياسي في بغداد عام 1952 حاول بدر ان يهرب الى ايران فهرب متخفيا ومنها انتقل الى الكويت بجوازسفر ايراني باسم (على ارتنك) حيث وجد عمل له في شركة كهرباء الكويت وكتب كل ذلك في قصيدته (فرار) ثم كتب قصيدته (غريب على الخليج) يقول فيها :

مازلت اضرب، مترب القدمين أشعث

في الدروب تحت الشموس الأجنبية

متخافق الأطمار

أبسط بالسؤال يدا نديه

صفراء من ذل وحمى

ذل شحاذ غريب بين العيون الأجنبية

بين احتقار، وانتهار، وازورار.. أوخطيه

والموت أهون من خطيه

من ذلك الإشفاق تعصره العيون الأجنبية

قطرات ماء.. معدنية

. ولم يطل البقاء بالكويت حيث رجع الى بغداد ليعين موظفا في الاستيراد والتصدير.

وفي عام 1955 عاد الى البصرة ليتزوج من احدى قريباته معلمة في احدى مدارس البصرة . وتم نشر كتابه (قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث) له ايضا .

وقد تعرف على مجلة (شعر) اللبنانية واخذ ينشر فيها قصائده وترجماته ثم دعته الصحيفة الى لبنان فسافر اليها عام 1957 فيلتقي بالشعراء والكتاب :أدونيس و أنسي الحاج وشوقي أبى شقرا وفؤاد رفقه ويوسف الخال وغيرهم .

وفي اثناء وجوده في لبنان اعلنت مجلة(شعر)عن مسابقة ادبية فقدم ديوانه المخطوط للسابقة ففاز فيها لترفع من شانه وتقوم المجلة بطبع مجموعته الفائزة (انشودة المطر) .

عاد إلى بغداد أشد ثقة بشاعريته. واكثر إحساسا بالغبن في بلده حيث كان يشعر وعائلته بمصاعب الحياة براتب ضئيل. ويرزق بولده (غيلان) ليكتب قصيدته (مرحى غيلان) يقول فيها :

بابا ..بابا ينساب صوتك في الظلام إلى كالمطرالغضير

ينساب من خلل النعاس وأنت ترقد في السرير

من أي رؤيا جاء؟ أي سماوة؟ أي انطلاق؟

وأظل أسبح في رشاش منه، أسبح في عبير

أن أودية العراق

فتحت نوافذ من رؤاك على سهادي

كل واد

وهبته عشتار الأزاهر والثمار

كأن روحي

في تربة الظلماء حبة حنطة

وصداك ماء أعلنت بعثي

يا سماء

هذا خلودي في الحياة

تكن معناه الدماء

ولماعاد من لبنان عيّن في الموانئ العراقية في البصرة وسكن في دار حكومية تابعة للموانئ الا انه ظهرت عليه بوادر المرض فاعتلت صحته وساءت جراء ضغط العمل المضني والتوتر النفسي .

وفي 7 يوليو 1961 رزق بابنة ثانية ليكون عدد اولاده ثلاثة الا ان حالته الصحية ساءت .وكذلك أحواله المالية، وحملته حالة العوز إلى ترجمة كتابين أمريكيين لمؤسسة فرانكلين، لكن هذه جرت عليه العديد من الاتهامات والشكوك .

تسلم في العام نفسه دعوة للاشتراك في (مؤتمر للأدب المعاصر) انعقد في(روما) برعاية المنظمة العالمية لحرية الثقافة .

وفي عام 1961 حصل على زمالة دراسية في لندن لدراسة الدكتوراه في اللغة الانكليزية و كانت وطأة المرض في بدء شدتها على الشاعر، حتى أخذ يفكر في أن لابد له من علاج في لندن قد يطول. وحصل على موقع دراسي في جامعة(درم) من جامعات شمال إنكلترا، المعروفة بدراساتها الشرقية وفي أوائل خريف 1962 سافر إلى إنكلترا لأول مرة والمرض يكاد يقعده، وتوجه إلى مدينة (درم)، وهو شديد القلق  المخاوف على حالته الصحية . درم مدينة جبلية صغيرة، ابتنت شهرتها على وجود جامعة فيها هي من أفضل الجامعات البريطانية.

بيد أنها رغم جمالها الطبيعي، وجمال كلياتها التي يتباهى بعضها بروائع هندستها المعمارية، مدينة يلفها الضباب في معظم أيام السنة، ولقربها من مناجم الفحم المحيط بها من كل صوب، يشتد فيها الضباب قتاما أيام الخريف و الشتاء لدرجة الكآبة . فأقام فيها بضعة أيام كانت له أيام خيبة ومرارة، كتب في كل يوم منها.

ولم يستطع أن ير أحدا، ولم يره أحد. فعاد إلى مستشفي في لندن، حيث نظم شعرا كثيرا يحمل بعض ما أحس به من كآبة في تلك المدينة الصغيرة التي لم تتح له أن يرى فيها شيئا من فتنة كان يتوقعها .

وعاد الى البصرة منهكا الى الدار التي يقطنها منذ تعينه في مصلحة الموانئ، يكابد أهوال المرض حيث امض فيه فلم يعد قادرا على المشي بمفرده ولم يعد أمامه سوى السفر لغرض العلاج فعاد إلى بيروت في أبريل(نيسان) 1962 وفي الثامن عشر من الشهر ذاته أدخل مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، وبعد عدة محاولات فاشلة لتشخيص مرضه ترك المستشفى بعد أسبوعين من دخوله إليه وكتب قصيدته (الوصية) مخاطبا فيها زوجته :

يا زوجتي الحبيبه

لا تعذليني، ما المنايا بيدي

ولست، لو نجوت، بالمخلد

كوني لغيلان رضى وطيبه

كوني له أبا و أما وارحمي نحيبه

وفي السنتين الاخيرتين ساءت حالته الصحية ولم يعد بمقدوره تحمل المرض فنقل الى الكويت ليدخل المستشفى في الكويت ثم يتوفاه الموت فيها. واخر قصيدة كتبها فيقول :

يا أم غيلان الحبيبة صوبي في الليل نظره

نحو الخليج. تصوريني اقطع الظلماء وحدي

لولاك ما رمت الحياة، ولا حننت إلى الديار

حببت لي سدف الحياة، مسحتها بسنا النهار

لم توصدين الباب دوني؟ يا لجواب القفار

وصل المدينة حين أطبقت الدجى ومضى النهار

والباب أغلق فهو يسعى في الظلام بدون قصد....

ثم ينهي بدر قصيدته بنغمة عاطفية فيقول :-

إقبال مدي لي يديك من الدجى و من الفلاه

جسي جراحي و امسحيها بالمحبة و الحنان

بك أفكر لا بنفسي : مات حبك في  ضحاه

وطوى الزمان بساط عرسك و الصبى في عنفوان

توفي الشاعر بدر شاكرالسياب في يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر كانون الاول (ديسمبر) من عام 1964 بالمستشفى الأميري في الكويت، عن عمر \ 38 عاما ونقل جثمانه إلى قرية (جيكور) في البصرة ،في يوم ماطرشديد البرودة حيث شيّعه عدد قليل من أهله وأبناء محلته وورلاي الثرى في مقبرة الحسن البصري في مدينة (الزبير) من اعمال (البصرة).

ومن المفارقات ان بدر شاكرالسياب ولد في 25-12-1926 وتوفي في يوم 24-12- 1964 اي ان عمره ثمانية عشر عاما بالتمام والكمال لم ينقص يوما ولم يزد يوما .

ترك بدر شاكرالسياب مجموعة من الدواوين الشعرية وبعض الكتب التي ترجمها لقصائد لشعراء غربيين ومنها الكتب التالية:

الدواوين الشعرية

أزهار ذابلة-

أساطير-

.حفار القبور-

المومس العمياء-

-الأسلحة والأطفال

أنشودة المطر-

.-المعبد الغريق

.منزل الأقنان-

-أزهار وأساطير

شناشيل ابنة الجلبي-

-اقبال

.قيثارة الريح -

أعاصير-

الهدايا   -

- البواكير

- فجر الاسلام

اما كتبه المترجمة

عيون إليزا أو الحب والحرب

قصائد عن العصر الذري

قصائد مختارة من الشعر العالمي

اتسم شعره في الفترة الأولى بالرومانسية وبدا تأثره بجيل علي محمود طه من خلال تشكيل القصيد العمودي وتنويع القافية ذلك واضحا في ديوانه أعاصير الذي حافظ فيه السياب على الشكل العمودي وبدأ فيه اهتمامه بقضايا الانسانية وقد تواصل هذا النفس مع مزجه يثقافته الإنجليزية متأثرا ب(إليوت) وظهرت محاولاته الأولى في الشعر الحر وقيل ان قصيدته (هل كان حبا) كانت نقطة التحول الى الشكل الجديد في الشعر (الشعرالحر) ويعد السياب رائدا من رواد الشعر الحر في العراق والوطن العربي .

وفي أول الخمسينات كرس السياب كل شعره لهذا النمط الجديد واتخذ المطولات الشعرية وسيلة لقول الشعر الحر وصار هو الشكل الأكثر ملائمة لشعراء الأجيال الصاعدة وأخذ السياب موقع الريادة بفضل تدفقه الشعري وتمكنه في جميع الأغراض وكذلك للنفس الأسطوري الذي أدخله على الشعر العربي بإيقاظ أساطير بابل واليونان القديمة كما صنع رموزا خاصة بشعره مثل المطر، تموز، عشتار، جيكور قريته التي خلدها. وتخللت سنوات الشهرة صراعات السياب مع المرض ولكن لم تنقص مردوديته الشعرية وبدأت ملامح جديدة تظهر في شعره وتغيرت رموزه من تموز

ثم توغل السياب في ذكرياته الخاصة وصار شعره ملتصقا بسيرته الذاتية

وفي هذه الفترة الأخيرة من حياته كثيرا للتداوي والعلاج وكذلك لحضور بعض المؤتمرات الأدبية وكتب في رحلاته هذه بوفرة ربما لاحساسه الدفين باقتراب النهاية.

واختم بحثي بهذه الابيات من شعره :

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شُرْفَتَان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

يَرُجّه المجذّاف وَهْناً ساعةَ السحر

وتبلغ القصيدة ذورتها في قوله:

أتعلمين أي حزن يبعث المطر

وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر

وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع

بلا انتهاء كالدم المراق، كالجياع

كالحب، كالأطفال كالموتى هو المطر

***

امير البيان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلد روز

....................

لاحظ الجزء الاول من المجلد التاسع من موسوعتي (موسوعة شعراء العربية) عمان-  الاردن 2019 .

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن يمر علينا نبأ  حصول الدكتور سعيد توفيق، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، بجائزة الدولة التقديرية فى مجال العلوم الاجتماعية، خلال الأشهر الماضية، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا المفكر والفيلسوف العظيم، فهو بلا شك يمثل أحد النجوم الكبيرة المتلألئة في سماء الفلسفة خلال أكثر من نصف قرن، حيث يمثل لنا مفكراً أصيلاً وعالما كبيراً ؛ لقد كان سعيد توفيق يمتلك الكثير من عمق المعرفة وجدية الأدوات المنهجية، فهو يمثل صاحب مسيرة طويلة وممتدة في تاريخنا الثقافي، فله أكثر من خمسين كتاباً بين مؤلفاً ومترجماً في الفلسفة والعلوم الإنسانية.

لقد شهد الأسبوع الماضي إعلان المجلس الأعلي للثقافة بجمهورية مصر العربية عن فوز الدكتور سعيد توفيق، بجائزة الدولة التقديرية فى مجال العلوم الاجتماعية، وذلك تتويج لمجهود عبر عشرات السنين التي بذلها الرجل لخدمة الفلسفة والآداب والفنون . وكان الدكتور سعيد توفيق قد حصل قبل ذلك علي جائزة الشيخ مصطفى عبد الرازق عن رسالة الدكتوراه، من كلية الآداب- جامعة القاهرة، سنة 1988، وجائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية، سنة 2006، وجائزة جامعة القاهرة التقديرية في فرع الإنسانيات والعلوم التربوية، 2018، علاوة علي حصوله علي الكثير من شهادات التقدير ؛ مثل شهادة تقدير وإعزاز من جامعة القاهرة في عيد العلم السابع، وشهادة تقدير من مؤتمر فناني مصر التشكيليين في دورته الأولى، وشهادة تقدير من كلية الإعلام جامعة القاهرة لدعم تدريب طلبة الإعلام في 2011-2012.

والدكتور سعيد توفيق هو أستاذ الفلسفة المعاصرة وعلم الجمال بآداب القاهرة، حيث كان متأثراً في أغلب كتاباته بالاتجاه الفينومينولوچي (الظاهراتي) وامتداداته في تيار فلسفة التأويل، وهو يعمل على ترسيخ هذا الاتجاه في واقع الثقافة العربية من خلال العديد من الدراسات النظرية والتطبيقات العملية (خاصة في مجالات الجماليات والنقد والسرد). وهذا التيار يشكل الآن- على استحياء- مدرسة فكرية من خلال بعض شباب الأساتذة والباحثين من تلاميذ الدكتور سعيد توفيق في جامعة القاهرة وغيرها.  كما أعدّ سعيد بمشاركة نخبة من كبار الأساتذة مشروعًا بتعديلات جوهرية على قرار إنشاء المجلس الأعلى للثقافة الذي أصدره الرئيس السادات سنة 1980، بما يواكب متطلبات اللحظة التاريخية الراهنة، وبما يتيح إعادة هيكلة المجلس الأعلى للثقافة، على نحو ينعكس تأثيره الإيجابي على قطاعات الوزارة كافة. وهو مشروع تم اعتماده من المجلس الأعلى للثقافة بعد مناقشته عبر جلسات عديدة، وإن لم يتم تفعيله كاملًا حتى الآن؛ لأنه كان يتطلب أن يصدر به قانون بقرار جمهوري.

ولد سعيد توفيق بالقاهرة عام 1954، وتدرج في مراحل التعليم، حيث دخل كلية الآداب قسم الفلسفة جامعة القاهرة، وحصل علي الليسانس سنة 1976 بتقدير جيد جدًا، ثم حصل علي الماجستير في الفلسفة، ثم حصل بعد ذلك علي الدكتوراه في الفلسفة بمرتبة الشرف الأولى، عام 1987، ثم تدرج في السلك الجامعي ؛ حيث حصل بعد ذلك علي درجة أستاذ مساعد، ثم أستاذ لعلم الجمال الفنون، الأمر الذي أهله بعد ذلك لتقلده منصب أستاذ ورئيس قسم الفلسفة من 12 فبراير 2009 حتى 11 فبراير 2012، ثم تقلده منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة بمصر: من 12 فبراير 2012 حتى 30 مايو 2013، ثم من 22 يوليو 2013 حتى 23 يونيو 2014 .

ولم يكن سعيد توفيق منعزلا داخل جدران الجامعة، بل كانت له مشاركات في كثير من الهيئات والجمعيات العلمية ؛ فكان عضوا عاملا باتحاد كتاب مصر، وعضو بلجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضو بالجمعية الفلسفية المصرية، وعضو بالمعهد العالمي للفينومينولوجيا بماساسوستش، وعضو بأتيليه القاهرة، وعضو بجمعية محبي الفنون الجميلة بالقاهرة، وعضو لجان الترقية بأكاديمية الفنون، وعضو هيئة تحرير مجلة...الخ.

وللدكتور سعيد توفيق كتابات كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: ميتافيزيقا الفن عند شوبنهاور، الخبرة الجمالية : دراسة في فلسفة الجمال الظاهراتية، ومداخل إلى موضوع علم الجمال : بحث عن معنى الاستطيقي، ومعنى الجميل في الفن، وجدل حول علمية علم الجمال: دراسات على حدود منهج البحث العلمي، وجدل حول علم الجمال، تهافت مفهوم علم الجمال الإسلامي، وماهية الشعر: قراءات في شعر حسن طلب، وهويتنا في عالم متغير، وفي ماهية اللغة وفلسفة التأويل، والتأويل في الفكر التراثي والمعاصر: آفاقه وتطبيقاته.. الخ .

كما قام بترجمة الكثير من الكتب منها: تجلي الجميل ومقالات أخرى لجيورج جادامر، العالم إرادة وتمثلاً لشوبنهاور، نظرية الفن: مقدمة موجزة لسنثيا فريلاند، موسوعة تاريخ الفلسفة لفريدريك كوبلستون، شوبنهاور لكريستوفر جاناواي، السعادة: موجز تاريخي لنيكولاس وايت.. الخ .

وفي هذه الكتابات كان سعيد توفيق مؤمنا بأن الفكر الجمالي أو التفكير في الفن والجمال فيما قبل منتصف القرن الثامن عشر ظل - رغم ما فيه من لمحات واستبصارات عميقة - فكراً تابعاً، ولم يكن مكرساً للفن الجميل، ولم يتحدث بلغته، ولم تكن مباحثه تشكل نسقاً واحداً منظماً. وأن فكرة الجمال بوصفه كمالاً كانت سائدة في التصور الميتافيزيقي واللاهوتي المدرسي؛ لأنه وفقا لهذا التصور يكون كل شىء حسناً أو جميلاً بقدر ما يكون واقعياً، حيث إن الوجود نفسه يعد كمالاً، فهو وجود قد أُحسِنَ صنعه، ومن ثم كان أيضاً جميلاً... وأنه نظراً لتعدد السياقات التي تستخدم فيها كلمة الجمال، فقد كثر الخلط واللغو حول مفهوم الجمال الفني، واختلط بغيره من السياقات المتعددة للكلمة في معناها الدارج. ولنقل صراحة ً وبشكل مباشر منذ البداية: إن علم الجمال ليس هو العلم الذي يبحث في الجمال بمعناه الدارج، أو قل إنه ليس هو العلم الذي يبحث في الجمال بإطلاق، وإنما يبحث في نمط أو قطاع خاص من الجمال، هو الجمال المعطى من خلال خبرتنا بالعمل الفني. فالإستطيقي أو الجمال الفني ليس هو ما تعارفنا على تسميته أو وصفه بكلمة الجمال، وإنما هو نمط خاص متميز من الجمال قد يكون مضاداً لمفهوم الجمال بمعناه الدارج، وقد يكون مختلفاً عنه فحسب، وقد يكون غير متعلق به أية علاقة.

وكان يقول: الفن يعبر بروعة حتى حينما يعبر عن القبح، ويعبر ببراعة حتى حينما يعبر عن الفشل واليأس والإحباط...وأنه ليس من الصحيح القول بأن الطبيعة تكون جميلة فحسب عندما نراها من خلال الفن؛ فإن جمال الطبيعة ليس في حاجة لشىء آخر كي يبرهِن عليه. وليس  من الصحيح كذلك القول بأن الفنان يعمل بمعزلٍ عن الطبيعة، كما لو كان يعمل في غرفة سحرية لا يستهلم إبداعاته إلا من إبداعات الفن.

ويستطرد فيقول : عندما نقول أن "الإستطقي" يمكن التعبير عنه من خلال موضوعات نعتبرها "غير جميلة"، فنحن نعني بذلك أن "الجمال الفني" يمكن التعبير عنه من خلال موضوعات تبدو لنا "غير جميلة" في عالم الحياة اليومية؛ فالإستطيقي ليس هو الجميل الذي اعتدنا تصوره باعتباره مضاداً للقبيح، بل إن القبيح نفسه يمكن أن يكون موضوعاً جميلاً بالمعنى الإستطيقي للجميل، وذلك عندما يعطى لنا من خلال عمل فني. ولذلك يمكن للمرء دائماً أن يتحدث عن "استطيفا القبح"، أي جماليات القبح أو القبح الجميل. ولعل أبسط مثال يمكن أن نسوقه في هذا الصدد هو لوحة فان جوخ التي تحمل عنونا "حذاء برباط"، والتي اشتهرت باسم "حذاء الفلاحة". إننا لا نجد في اللوحة سوى زوج من الأحذية رُسم بلون بني قاتم، وليس هناك أي شىء آخر في خلفية اللوحة يشير إلى الفلاحة أو عالم الفِلاحة - لا شىء شوى حذاء فظ غليظ ثقيل صعب الاحتمال، نلمس في جلده خشونه، ونرى تمزقاً في أجزائه الداخلية. وباختصار يمكن القول بأن هيئة الحذاء "قبيحة"، فليست هيئته مما يسر الناظرين، وليس منا من يتمناه لنفسه في دنيا الحياة الواقعية. ومع ذلك فإننا يمكن أن نرى هذا الحذاء برؤية أخرى، وذلك حينما نتأمله لا بعتباره حذاءً يمكن أن نرتديه، وإنما باعتباره عملاً فنياً مليئاً بالدلالات الخصبة. فهناك الكثير مما يمكن أن نراه في اللوحة كما يبين لنا هيدجر في تحليله العميق لها: فالأجزاء الداخلية الممزقة في الحذاء تعكس الخطوات المنهكة المكدودة للفلاحة، وفي غلظة الحذاء وخشونته نلمس قسوة العمل ومشقته؛ فالحذاء ثقيل صعب الاحتمال مثلما يكون العمل في الحقل. فمثل هذا الحذاء قد صُمم ليُستخدم في الحقل وحده. وعلى جلد الحذاء تقع رطوبة وخصوبة التربة. وفي الحذاء يتردد النداء الصامت للأرض، وعطاؤها الصامت للغلة. فهذا الحذاء ينتمي إلى الأرض، وفيه تنكشف العلاقة بينه وبين مرتديه بالنسبة للأرض. إنه يكشف عن عالم الفلاحة، ولذلك يرى هيدجر أن لوحة فان جوخ تكشف عن ماهية أو حقيقة هذا الحذاء باعتباره "حذاء فلاحة". وهذه الدلالات المعبر عنها في اللوحة هي ما نسميه الإستطيقي أو الجمال الفني.

ومن أقوله أيضا :  إن التجريد في الموسيقى لا يعني التجريد من الدلالة، وإنما يعني التعبير عن هذه الدلالة بطريقة مجردة، أي دون تمثل لأي موضوع أو ظاهرة جزئية في الواقع الخارجي على الإطلاق. وهذا التوصيف الذي يصدق على الموسيقى الخاصة pure music بوجه خاص، يمثل صورة من صور "حياد الموضوع الإستطيقي"... وإن الفنون ذاتها هي جزء من سياق ثقافي كلي، وهي بدورها ثؤثر فيه، بحيث يمكن القول بأن وظيفة الفنون أوسع بكثير من مجرد التعبير عن مدلولها الجمالي، وأن الفن في صوره المتنوعة له وظائف وفيه عناصر سيكولوجية وسوسيولوجية وأخلاقية وميتافيزيقية..إلخ، ولكن هذه العناصر ينبغي أن تبقى متميزة عن البعد الجمالي للفن الذي هو محور اهتمام علم الجمال، فعلم الجمال لا يعير هذه الوظائف أو العناصر اهتماماً إلا بقدر ما يتم التعبير عنها من خلال موضوع جمالي، والفن ينطوي على هذه العناصر جميعاً؛ لأنه رؤية شاملة شمول الحياة، وهو تجسيد لخبرة إنسانية متعددة الأبعاد والعناصر تمثل بالنسبة للفنان المادة الخام التي يقوم بتحويلها من خلال العمل الفني إلى تشكيل جمالي له قيمته المستقلة وأهميته الخاصة.

وكان سعيد توفيق مؤمناً أشد الإيمان بأن فكرة الكمال في حد ذاتها لا تشكل ماهية الجمال. حقاً إن الكمال - من حيث هو اكتمال ونظام أو نسب منسجمة بين عناصر الشىء أو صورته - يعد عنصراً أساسياً في كثير من الموضوعات الجميلة، ولكنه ليس معياراً أو شرطاً جوهرياً يميز الموضوع الجميل عن غيره من الموضوعات. فلا يكفي أن يسود النظام والتمام أجزاء موضوع ما ليكون بالضرورة موضوعاً جمالياً، فهو قد يكون موضوعاً منظماً فحيب كما هو الحال - على سبيل المثال - حينما يسود النظام إجراءات عمل أو مشروع ما يتم تنفيذه على أتم نحو، أو حينما يتمثل النظام في البناءات الرياضياتية على نحور دقيق مكم البنيان..إلخ. فمثل هذه الموضوعات - وإن كان منظمة - لا توصف بالجمال، اللهم إلا على سبيل المجاز لا الحقيقة. فنحن عندما نصفها بتلك الصفة فإننا لا نقصد أن نعدها بالفعل ضمن الموضوعات الجميلة، وإنما نقصد أنها تبدو شبيهة في بنائها بالموضوعات الجميلة. فالقول بأن كل موضوع جميل يكون منظماً أو مكتملاً لا يعني أن كل موضوع منظم أو مكتمل يكون جميلاً. وحتى القول بأن "كل موضوع جميل يكون منظماً" هو قول مشكوك في مصداقيته. فهو لا يصدق مثلاً على بعض صور الجمال في الفن: فبعض الأعمال الفنية تعبر عن الفوضى وتجسد معنى الاضطراب واللاتحدد وليس النظام.

كما كان مؤمنا بأن التصور الوظيفي للجمال في الأشياء المصنوعة لا يفسر لنا الجمال في أي شىء آخر، ولا حتى في مجال الطبيعة أو الأشياء الطبيعية. فأجزاء الجسم البشري على سبيل المثال قد تكون مهيئة للقيام بوظائفها على أتم نحو، ولكن هذا وحده لا يكفي لجعلها جميلة: فالعين الجميلة لا يتوقف جمالها على النحو الذي تؤدي به وظيفتها، ورُبّ عين جاحظة أصح بصراً من عين جميلة. كذلك فإن الأنف الجميل قد يعتريه خلل أو فساد عضوي يعوقه عن أداء وظائفه، ولكنه مع ذلك يظل جميلاً. وفي مقابل ذلك، فإن الأنف المعقوف أو الأفطس قد يقوم بمهمته خير قيام. بل إن علة فقدان الأنف لجماله قد تكون هي نفسها علة قيامه بوظيفته على أتم نحو: فالأنف الزنجي الأفطس قد زُوّدَ بفتحتين واسعتين تنقصان من جماله لتزيدا من ملائمته لمناخ ينقص فيه الأوكسجين.

والحديث عن ابداعات سعيد توفيق لا تتسع لها مقالة بل تحتاج لمئات المقالات، وفي نهاية لا نملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الدكتور سعيد توفيق الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

تحية وفاء وعرفان واحترام لهذا الأستاذ الجليل الذى ظل معدنه أصيلًا لامعًا لا يصدأ أبدًا، فهو ذلك الذي كان متربعًا على قمة أساتذة الفلسفة الجمال والقيم في مصر والوطن العربي، كما كان صاحب قلب كبير، وعاطفة جياشة، وكبرياء لا ينحنى، ونفس تعلو فوق كل الصغائر. بارك الله في سعيد توفيق بما قدم لنا ولغيرنا من إسهامات مجيدة فى فلسفة الجمال والقيم.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

رياضـالسنديتمهيد: قامت دولة العراق بعد إنفصالها عن الدولة العثمانية عام 1921، وبعد سنة من أول معارضة شعبية عارمة عُرفت بثورة العشرين. وكانت قد تزامنت معها حركة الشيخ محمود الحفيد، كأول معارضة كردية عام 1919-1931، ثم تلتها حركة التمرد الأشوري، أو ما عُرف حينها بثورة التياريين عام 1930-1933.

وقد فُسِّرت كل حركات المعارضة هذه بأنها ضد سياسة الاحتلال البريطاني في العراق. بينما لم يشهد التاريخ معارضة أو ثورة عراقية ضد الدولة العثمانية التي حكمت المنطقة طيلة 400 سنة بأسم الإسلام إمتداداً لسلسلة خلفاء للرسول العربي، وطاعة لأولي الأمر.

وبعد قيام الحكم الوطني في العراق، ونتيجة لإستقرار الأوضاع بصورة عامة، ولقمع السلطات لأي معارضة بصورة خاصة، فَلَم تقم معارضة حقيقية للحكم في العراق، بإستثناء بعض الحركات الإنقلابية التي قام بها عدد من ضباط الجيش العراقي، ولكن حركة التمرد الكردي عادت ثانية بعد عودة مصطفي البارزاني من منفاه في الإتحاد السوفييتي عام 1958. وظلت المعارضة الوحيدة التي شغلت الحكومات المتعاقبة منذ عام 1961 وحتى عام 1970. 

لماذا لم تقم المعارضة في العهد العثماني؟

والسؤال الذي يثار بهذا الصدد، وهو لماذا لم يثُر العراقيون على الحكم العثماني رغم أوضاعهم المزرية وضعف الخدمات وتخلفها طيلة أربعة قرون؟

يمكن إرجاع ذلك إلى عدّة عوامل، أهمها: -

العامل الديني: فقد كان يُنظر إلى السلطان العثماني على إنه خليفة المسلمين وولي أمرهم، ويجب طاعته وعدم الخروج عليه.

قساوة العثمانيين وقمعهم لكل من يعارضهم، وقد بدا ذلك واضحاً من قمع الأكراد والأرمن.

إعتماد العثمانيين أسلوب "الحكم السائب" -على حد تعبير الدكتور علي الوردي- الذي يرى إن إلعراقيين -وخاصة الشيعة- لم يثوروا على العثمانيين، بحسب تفسيره، بسبب " أن الشيعة لا يميلون الخضوع للقانون، ويحبذون أن يعيشوا حياتهم الخاصة التي إعتادوا عليها، حتى لو كانت في نظر الأخرين فوضى ... وكل ما يطمحون إليه هو نظام حكم يجارهم في عاداتهم هذه، وهم لا يبالون إذ ذاك أن يكون الحاكم مسلماً أو كافراً، نجفياً، أو غير نجفي، سُنياً كان، أو شيعياً. ولهذا كانوا راضين عن الحكم التركي قبل الحرب، فلَم يثوروا عليه؛ وقد إتّبَع الأتراك نظام "الحكم السائب"، إذ هي إعتادت أن تترك الناس يفعلون ما يشاؤون ولا تتدخل في شؤونهم إلاّ فيما يخص جباية الضرائب ... وقد أعتاد العراقيون على هذه الحياة وألفوها حتى أصبحت في نظرهم كإنما هي الحياة الطبيعية التي لا يمكن أن يكون هناك شيء أخر غيرها. [1] ويقول الكابتن البريطاني لايل: " إن الطبيعة الفوضوية المشاغبة التي إتصف بها أهل العراق معروفة تماما لدى المطّلعين على شؤون الشرق الأوسط من الساسة الأوربيين وإن عدم رغبة العراقيين فينا ليس بالأمر الجديد فهُم لا يحبون أي شكل من أشكال الحكومة يمنعهم من مواصلة غرائزهم الموروثة في التمرد على القانون وإقتراف الجرائم العنيفة". [2]

ضعف الوعي الشعبي بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان. 

معارضة أعداء صدام

بدأت المعارضة تظهر للوجود بعد بروز صدام حسين كمتنفذ رئيسي في السلطة منذ عام 1970، فقد حاول القضاء على المعارضة بوسائل ومعالجات غير محسوبة، فقرّب الأكراد وأغراهم بالحكم الذاتي 1970، ثم ضربهم عام 1975 بالإتفاق مع شاه إيران على إتفاقية الجزائر. ثم تودّد للشيوعيين وضمهم في الجبهة الوطنية والقومية القدمية عام 1972، ثم ضربهم عام 1975، وإنفك عقد الجبهة عام 1979. ثم ضرب المؤسسة العسكرية العراقية الرصينة، عندما منح نفسه رتبة (مهيب) وهي أعلى رتبة عسكرية حتى الوقت الحاضر، ولم يحصل عليها أي شخص أخر من الذين جاءوا بعده، وهذا ما أدى إلى تذمر العديد من الضباط السابقين، وإلتجأ الكثير منهم إلى سوريا، وبدأوا معاضته من هناك. كما حاول صدام كسب المسيحيين، فأصدر قانون منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية عام 1972 [3]، وجرى التضييق عليهم أيضاً في عام 1979. ثم كسب صدام أعداء جدد عند وصول الخميني إلى السلطة في إيران عام 1979، فقرر ترحيل قرابة 60 ألف عراقي من أصول إيرانية إلى إيران مع بدء الحرب العراقية الإيرانية عام 1980.

هذه كانت المجموعات المعارضة لصدام حسين والتي لم تكن تفرق بين الدولة والحكومة، كما إن صدام ربط الدولة بشخصه، مما قاد إلى سقوطها بسقوطه. 

معارضة مشتتة.. وتجنيد أجنبي

ظلّ المعارضون العراقيون تائهون في بلدان العداوات للعراق، وهي سوريا البعثية، وإيران الفارسية، وليبيا التوتاليتارية، ليستقر الكثير منهم لاحقاً في بريطانيا، حاضنة التطرف في العالم، يتنقلون فيما بينها، ولا أحد يصغي لهم، ويعاملوهم مضيفيهم بإحتقار واضح، وقد عانوا الخوف من خشية تسليمهم إلى السلطات العراقية، أو أن تلاحقهم المخابرات العراقية فتغتالهم هناك، كما عانوا الحرمان من التعليم والحياة الحرة الكريمة، وبقوا على تحصيلهم الدراسي الذي إكتسبوه في العراق. لذا عاشوا حياة التقشف والبؤس، وكانوا لا يعلمون ما سيؤول إليه مصيرهم المظلم دون أن يبدو أي ضوء في نهاية نفق اللجوء.

وجاء تغيير النظام في إيران من النظام الملكي الشاهنشاهي إلى النظام الإسلامي الشيعي في 11 شباط/فبراير عام 1979 بمثابة طوق نجاة يرمى لهم في بحر اللجوء المتلاطم.

بقي اللاجئون العراقيون هناك ليشهدوا أكبر تحول سياسي جذري هزّ منطقة الشرق الأوسط، وسيبقى عامل عدم إستقرارها لأكثر من 40 سنة قادمة، دون أن يتوقع أي أحد منهم ذلك، ألا وهو سيطرة الخميني وتياره الديني المتشدد على إيران. وعلى غرار حزب البعث في إنتشاره القومي (العروبي) للأقطار العربية، فإن هذا النظام الإسلامي بشَّر بإنتشاره المذهبي (الشيعي) حصراً وفقاً لمفهوم تصدير الثورة الإسلامية الذي تبنَّاه الخميني.

هذا الشعور بالإنفراج المشوب بالحذر ساد جميع الفصائل العراقية المعارضة لحكم صدام حسين، وأحيا الأمل فيهم، ولاح نور في نفق معاناتهم الطويل. وفي مقدمة هؤلاء -بالطبع- المجموعات الإسلامية الشيعية الصغيرة الملتفة حول مراجع دينية شيعية هربت من العراق، أبرزها عائلة الحكيم [4]، وعلى رأسهم محمد باقر الحكيم [5]، وإخوانه مهدي الحكيم [6]، وعبد العزيز الحكيم. وكذلك عائلة الصدر، ولكن بدرجة أقل، نظراً لأصولهم العراقية، بعكس عائلة الحكيم وأصولها من أصفهان بإيران، ولإكتواءهم بنار التطرف الخميني منذ البداية. [7] فقد أعدم محمد باقر الصدر عام 1980، وقتل محمد محمد صادق الصدر عام 1999 [8]، وكلاهما أيدا ثورة الخميني. كما إن أصابع الإتهام في إختفاء الإمام موسى الصدر [9] مؤسس حركة أمل في لبنان، تشير إلى الدور الإيراني في الطلب من معمر القذافي بقتله، لعدم تناغمه مع التوجهات الشيعية الفارسية المتنامية. 

حزب الدعوة الإسلامية

اجتمع الأعضاء المؤسسون للحزب في سنة 1957، وتأسست النواة الأولى لحزب الدعوة الإسلامية على صيغة هيئة مؤلفة من 8 أعضاء، وكان لـمحمد باقر الصدر دور رئيسي في لجنة قيادة الحزب الذي تشكل لخلق حالة توازن فكري مع الشيوعية والعلمانية والقومية العربية وغيرها من الأفكار المادية، كما كان لمحمد حسين فضل الله تأثرًا كبيرًا بفكره وعقلانيته وتدينه.

في عام 1975 قامت الحكومة العراقية بحظر أحد الطقوس الدينية الشيعية وهو المسيرة من النجف إلى كربلاء والذي كان يطلق عليه اسم "مراد الراس". وفي عام 1977 قام حزب الدعوة وكتحد منه للحكومة العراقية بتنظيم هذا الطقس الديني الشيعي فحصلت في ذلك العام أي 1977 ما يطلق عليه حزب الدعوة "انتفاضة صفر الجريئة" حيث قتل في هذه الانتفاضة عناصر قيادية من حزب البعث.

أما حزب الدعوة فأن الكثير من قيادته إيرانية الجنسية والهوى مثل مرتضى العسكري (زعيم الحزب في مرحلته الثالثة.. في تاريخ حزب الدعوة) ومحمد مهدى الآصفي (حاليا يمثل ولى الفقيه في العراق بعد أن كان الأمين العام لحزب الدعوة قبل تسليمها لإبراهيم الجعفري وعلى زندي (الأديب) وغيرهم كثير)، فقد تهيأت للدعاة معسكر الأهواز وانطلاق العمليات العسكرية التي قتلت الآلاف من الأبرياء من الحدود الإيرانية العراقية فقد اشتركت في عمليات الداخل وكذلك الكثير من عمليات الحرب بين العراق وإيران فضلا عن مكاتب سورية ومسؤولها نوري كامل المالكي، فضلا عن مكاتب وبيوت وجوازات تهيؤها أجهزة المخابرات الإيرانية والسورية وغيرهما. لكن مشكلتين أساسيتين أضعفت الدعاة أولاهما أن المسؤولين على معسكر الأهواز وغيره كحسين بركة الشامي وتورطهم في تسليم ما يسمى بالمجاهدين بصفقات مشبوهة وقصة أبى حوراء واتضاح عمالة قيادات الدعوة لأجهزة المخابرات العالمية من خلال وثائق خصوصا السفارة الأمريكية في طهران وأجهزة السافاك مما أدى على التحجير على مرتضى العسكري (الذي كان يقود الحملة السيئة ضد المفكر الاجتماعي على شريعتي) ولجوء حسين الشامي وإبراهيم الجعفري وغيرهم إلى لندن وغير ذلك من قضايا يخاف الدعاة كشفها ويهددون ناشرها.

بعد انطلاق الثورة الإسلامية في إيران أعلن حزب الدعوة الوقوف إلى جانبها فقامت الحكومة العراقية في 31 مارس 1980 بإصدار قرار نص على إعدام كل من ينتمي إلى حزب الدعوة الإسلامية، وكان في طليعة من أعدم بهذا القرار محمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى في 8 أبريل 1980.

بعد ذلك قام الحزب في عام 1981م بإنشاء معسكر الصدر في الأهواز بإيران وهو نواة لعمل عسكري بهدف إسقاط صدام حسين. [10] وهي البداية الفعلية لحزب الدعوة بنسخته الفارسية الصرفة حتى يومنا هذا. 

المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق

أنشأ هذا المجلس عام 1982، أي بعد سنتين من قيام الحرب العراقية - الإيرانية، بإدارة إيرانية ليتولاها لاحقاً محمد باقر الحكيم، حتى إغتياله بعبوة ناسفة زرعت في سيارته عام 2003، الذي لعباً دوراً قذراً في تعذيب الأسرى العراقيين في إيران، وما زالت عائلته تكمل هذا الدور التخريبي لهذه العائلة الأصفهانية (عائلة الحكيم) حتى يومنا هذا، وقد تولى رئاسة الحزب من بعده أخوه عبد العزيز الحكيم الذي إغتصب دار طارق عزيز منذ عام 2003، كما فعل أخوه عندما إغتصب دار تاجر إيراني معارض طيلة 21 سنة، والذي توفي عام 2009 إثر مرض عضال، وتولاها بعده أبن أخيه عمار الحكيم، وما زال حتى الآن.  

ولدينا شهادتين موثوقتين عن خفايا أسرار وتفاصيل وتوجهات هذا الحزب. 

شهادة شاهد شيعي

يعد الباحث نبيل الحيدري [11] المختص في الشأن الشيعي، من أبرز من إنتقد ممارسات الأحزاب الشيعية التي نشأت في إيران، وقد كتب يقول: -

" بعد مجيء الثورة الإيرانية كانت القضية العراقية من اهتمام المسؤولين الإيرانيين على أعلى المستويات من قيادتها التي لجأت إلى العراق في 14 عاما وحتى مراجعها الذين درسوا في حوزات العراق من الكاظمية وكربلاء وسامراء والنجف وغيرها حتى تزوج البعض من العوائل العراقية المعروفة بطيبتها فضلا عن تأثير وأهمية العراق وعمقه العربي... كان مكتب حركات التحرر التابع للشيخ المنتظري فيه فرع (مكتب العراق) الذي سيطر عليه وعلى الإذاعة آنذاك الخط الشيرازي ومنظمة العمل الإسلامي للمدرسي.

محمد باقر الحكيم كان مترددا في المجيء لإيران باعتبار العلاقة التاريخية بين الشاه وآل الحكيم خصوصا المرجع محسن الحكيم. لقد دخلت على إحدى قياداتهم الخلفية فرأيت صورة الشاه كبيرة خلفه في مكتبه. قلت له: (لقد سقط الشاه) أجابني (سيعود قريبا الوفي الكريم). عرف آل الحكيم بالعلاقة التاريخية والإستراتيجية بالحكام كالشاه وهاهي الرسائل المتبادلة والمبالغ الضخمة واضحة، كما اشتهرت علاقتهم بالتجار الفجار والمترفين والبرجوازيين وبعدهم عن الفقراء والمحرومين وزواجاتهم وبيوتهم وترفهم كالطواغيت.

بعد تردد طويل خوفا من الإنتقام والقتل فكر باقر الحكيم في لبنان أو غيره لكن الإشارات والرسائل من طهران كانت هي الأقوى لدرجة (القرار الصعب دون بديل مناسب) كما قال لي. علما أن الحكيم هو الرجل الثاني في المرحلة الأولى من الدعوة وقد خرج عام 1960 بعد طلب أستاذه الصدر كما شرحت سابقا. حزب الدعوة الذي كشفت بعض أسراره وفساده أراد رمزا لمشكلة القيادة والزعامة المزمنة للدعاة فاستقبل الحكيم كزعيم وتهيأت الجماهير العراقية وغيرها في وقت مشحون عاطفيا زمن اشتعال الحرب بين العراق وإيران وتهجير صدام للآلاف إلى إيران، كان الدعاة وغيرهم من العراقيين والإيرانيين إستقبلوا باقر الحكيم كزعيم وقائد ورمز وهم يرددون بالآلاف (يا حكيم سير سير كلنا جنودك للتحرير). [12]

حتى توهم البعض في مرحلات معينة أن محمد باقر الحكيم هو زعيم حزب الدعوة خطأً في فترة كانت الصراعات على أشدها بين الحكيم والدعوة وأخذ الإيرانيين معسكر الأهواز من حزب الدعوة إلى الحكيم وكذلك دعم مؤسساته مثل (مؤسسة الشهيد الصدر) ومجلسه الأعلى فضلا عن تسليمه الأسرى العراقيين بيد صدر الدين القبانجي مسؤول حزب الله الإيراني فرع العراق. [13]  

كانت الحكومة الإيرانية قد أعطت باقر الحكيم بيتا عظيما في طهران. الظاهر كان بيتا لتاجر لم يؤيد الحكومة الإيرانية مما جعلها تصادره كما صادرت آلاف البيوت والممتلكات لمن يعارضها بحجة محاربة الله ورسوله. هكذا يستخف ما يسمى بالحكم الإلهي بمصادرة حقوق الناس وأموالهم لكن الله تعالى برئ ممن يتحرك ظلما بنفسه. دعاني باقر الحكيم إلى بيته مرة فتفاجأت بكونه بيتاً جباراً طاغوتياً فسألته عن ذلك مستغربا (إن بيت على بن أبى طالب كان بسيطاً) وأجابني (إنه بيت لأحد معارضي الحكومة الإسلامية وقد لجأ إلى دول الكفر) فقلت له (وهل يجوز الصلاة في مكان مغصوب لا يرضى صاحبه) فنظر إليّ نظرة متعجب قائلا (لم يسألني أحد هذا السؤال من قبل) قلت له (لأن حاشيتك ممن لا يعترض عليك أبدا كما أنه لا يعرض الحقائق. أخرج بنفسك لترى الحقائق ومحنة العراقيين ومعاناتهم في إيران). 

تأسس (مكتب العراق) ثم (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) في 17 تشرين الثاني عام 1982 برعاية مباشرة من أجهزة المخابرات الإيرانية حيث يشرف جهاز إيراني بحت يسمى (بشتبانى) فضلا عن ممثل الولي الفقيه الذي كان أحيانا على خامنئي نفسه (ولى الفقيه المعاصر) الذي قد يرفض حتى الورقة البسيطة لإذلال العراقيين وطريقة تعامل غير أخلاقية كان يشكو منها الحكيم نفسه مرارا، وهي طبيعة مزمنة للإيرانيين بسبب عقدة النقص عندهم من الشخصية العراقية. علما أنه ليس من حق العراقي في إيران أن يعمل أو يتزوج أو أي حق آخر.. كانت محنة كبيرة وعظيمة لآلاف العراقيين في دولة تدعى الإسلام بالاسم فقط وتطبق أعلى أنواع العنف والدكتاتورية والعنصرية والبعد عن حقوق الإنسان، فيكفي أن تهين المقابل بتسميته عراقي وتعنى وقتها في العرف الفارسي صدامي برؤيتهم. نعم حاول الإيرانيون إستغلال العراقيين كثيرا مثل محاولة تجنيدهم وتجنيد الأسرى العراقيين لما سموهم التائبين لمحاربة إخوتهم العراقيين في حرب أراد النظام الإيراني إطالتها خوفا من ثورة شعوبه المتعددة القوميات في الداخل لكنهم يمكن أن يتحدوا عند الأزمات الخارجية مما يسهل تصفية خصومهم الإيرانيين في الداخل واتهامهم بالعمالة للخارج كما فعل النظام الإيراني مع الشيوعيين ومجاهدي خلق وفدائيين إسلام وغيرهم في تصفيات وإعدامات واعتقالات رهيبة حتى أنها تنكرت للكثير من القوى والتيارات والشخصيات التي اشتركت معها في إسقاط الشاه لكنها استفردت في القرار وصفت خصومها بحجة أنهم أعداء لولاية الفقيه. 

كان حزب الدعوة يمتلك معسكر الأهواز وقوات الشهيد الصدر وجريدة الجهاد، أما الحكيم فقد فتح مكتب الشهيد الصدر وجريدة لواء الصدر فضلا عن تأسيس لواء بدر واسمه الحقيقي (سباه نوه بدر) وإدخال الأسرى العراقيين فيه كمقاتلين للخروج من جحيم الأسر والتعذيب والإذلال وسوف أكتب عما جرى لهم من الويلات تحت رحمة الطغاة في الحلقات القادمة. 

كانت قيادات (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) الأولى هي إيرانية صرفة كاملا أولا محمود الهاشمي الشاهرودي (رئيس القضاء الأعلى حاليا في إيران الذى يسرع في إمضاء الإعدامات الكثيرة لمن يعترض على الظلم والظالمين إرضاء لولي الفقيه وجبروتها) ثم على الحائري صهر على المشكيني (رئيس مجلس الخبراء الذى يختار ولى الفقيه) وكان الحكيم ناطقا رسميا في دوراته الأولى ولا يمتلك القرار الحاسم حيث كان المجلس يضم وقتها الحكيم والدعوة ومنظمة العمل الإسلامي وتيارات أخرى. أرادت بعض قيادات الدعوة استلام رئاسة المجلس لكنها متهمة في الكويت بتصريحها الإعلامي المعروف (الخميني حمار تمتطيه الشيوعية) فضلا عن اتهام القيادات العلمائية العليا بالماسونية من خلال الوثائق والمستندات مما حجبها عن القيادة رغم وجود شخصيات إيرانية الجنسية والهوى كفقيههم كاظم الحائري وقياداتهم من محمد مهدى الآصفي ومرتضى العسكري وكوادره كعلى زندي الأديب وموسى الخوئي وعماد الخوئي فضلا عن المرتبطين المعروفين بأجهزة المخابرات الإيرانية. كان الصراع بين باقر الحكيم ومحمود الهاشمي وكاظم الحائري على أشده للسيطرة على الزعامة في القضية العراقية.

شيئا فشيئا بدأ الحكيم يتولى رئاسة المجلس بعد عدة دورات ويجلب مؤيديه مثل أبى على المولى التركماني وصدر الدين القبانجي وعبد العزيز الحكيم وهمام حمودي وسامي البدري ومحمد الحيدري وأبو ميثم الخفاجي للإستحواذ على المجلس تماما مبعدا كل الخصوم مما أدى إلى خروج الكثير من التيارات الأخرى فضلا عما أشرنا إليه في الحلقة الأولى حول الشيرازيين وفضائح حزب الدعوة، وعندها بدأ المجلس يصير حكيمياً بامتياز مما يجعل القضية العراقية تدخل في مرحلة جديدة من الصراعات والأهواء.

وفي 17 تشرين الثاني 1982 أعلن عن تأسيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق (تغيّرت تسميته إلى المجلس الأعلى الإسلامي العراقي لاحقاً) برعاية النظام الديني الجديد في إيران، وبرئاسة محمود الهاشمي شاهرودي [14] (إيراني) لفترة قصيرة بحدود  سنة واحدة، وهو التشكيل الذي كان يضم تنظيمات وقوى سياسية شيعية معارضة عدة (فهو لم يكن حزبا بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنما إطار عام ومجلس يضم مختلف الأحزاب العراقية التي لجأت إلى إيران، من أهمها: حزب الدعوة بانشقاقاته فصائله المتنوعة، ومنظمة العمل الإسلامي، وحركة الجماهير المسلمة، وجماعة العلماء المجاهدين، وحركة المثقفين الرساليين، وحركة المجاهدين، وغيرها من القوى والحركات المعارضة الشيعية)، وذلك بدعمٍ وإشرافٍ مباشرين من الحكومة الإيرانية، ثم سُلِّمت رئاسة المجلس إلى السيد محمد باقر الحكيم واشترك المجلس إلى جانب الجيش الإيراني في حربه ضد العراق من خلال جناحه العسكري المسمى بفيلق بدر.

لقد كان المجلس الأعلى تعبيراً عن التقاء الإرادة الإيرانية مع الإرادة العراقية المعارضة، وذلك تحت قيادة الحرس الثوري الإسلامي الإيراني (Pasdaran)، الذي كان مهتما بتقديم الدعم للحركات والأحزاب العراقية بهدف إسقاط نظام صدام حسين من الداخل. وقد تطور المجلس الأعلى من تنظيم مقاتل يجمع الفصائل السياسية المتنوعة على هدف إسقاط نظام البعث، إلى ما هو عليه الآن، بتشكيلاته الثلاث [15]، التي تضم أكثر من خمسة عشر ألف منتسب، بحسب بعض التقديرات، وذلك برغم انسحاب الكثير من مكوناته (إذ انسحب حزب الدعوة ما عدا الدعوة تنظيم العراق، وحركة العمل الإسلامي وقوى أخرى)، وبرغم أن عملية تفكيك منتظرة بعد سقوط نظام صدام حسين كانت ستحدث. لكن شيئاً منها لم يتم، ربما لأن الإرادة الإيرانية التي أرادت تفكيك التنظيم بعيد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، قد أعادت حساباتها من جديد. 

رواية شاهد مسيحي [16]

كتبَ أحد الشهود مستذكراً ذكرياته عن تلك الفترة، قائلا: في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، كنا نعمل مع المعارضة العراقية في سوريا ضد النظام الدكتاتوري في بغداد، وتحت قيادة اللواء الركن حسن مصطفي النقيب، وكنت آنذاك ممثل لحزب بيت نهرين الديمقراطي في دمشق، وفي سياق نشاطات حزبنا السياسية، قمت بزيارة الى ايران ولعدة مرات، وفي احدى هذه الزيارات كانت بتاريخ 1982، وبينما كنت في طهران ، ذهبت الى مؤسسة الصدر للاطلاع على لوائح  الأسرى العراقيين الذين كانت قوائم أسمائهم تعلق في  بناية مؤسسة الصدر التي كانت تضم مقر قيادة المجلس الإسلامي الأعلى برئاسة المرحوم  آية الله محمد باقر الحكيم وفي تلك الأثناء التقيت مع بعض العناصر التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى، وطٌلب من عندي بصفتي ممثل للحزب تقديم الاعتراف، والتأييد للتشكيل السياسي الجديد الذي انبثق منه المجلس الإسلامي الأعلى باعتباره  الممثل الشرعي، والوحيد للمعارضة الشيعية العراقية ضد النظام الدكتاتوري في بغداد، ولكن قبل تلبية طلبهم طالبتهم بتأمين مقابلة لي مع قيادة المجلس ولا سيما السيد محمد باقر الحكيم، للاطلاع على السياسة الجديدة لهذه الجبهة السياسية الجديدة، وفعلاً تم استصحابي الى الطابق الثاني من البناية والتقيت مع السيد أبو حيدر لترتيب المقابلة وبعد نصف ساعة تقريباً، دخلت الى مكتب السيد محمد باقر الحكيم وإستقبلني بحفاوة، وكان عدد من أعضاء قيادة  المجلس الإسلامي الأعلى موجودين داخل المكتب، ومن ضمنهم السيد محمود الهاشمي الذي كان يرأس المجلس آنذاك، وهو رجل دين  إيراني ولكنه سياسي محنك، وكذلك أتذكر الشيخ أبو علي وهو من أهالي تلعفر، والسيد أبو حيدر وأخرين، ودار بيننا حديث طويل مع السيد الحكيم، وبعضه كان اجتماعياً حيث تحدث عن العلاقة الودية التي كانت تربط المرحوم والده السيد محسن الحكيم مع المرحوم البطريرك مار بولص شيخو الذي هو من أقربائي، وبعدها عرضت عليهم بعض الأسئلة التي تتعلق بمستقبل شعبنا الأشوري الكلداني، وفجأة رفض هذه التسميات وقال نحن نتعامل معكم كمسيحين ليس إلا، لأننا لا نؤمن بالقومية لأي كان، لأن في الإسلام لا توجد قومية ولا فرق بين فارسي وعربي وتركماني وأخرين طالما هم مسلمين،  والدليل على ذلك إن رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية حالياً هو السيد بني صدر وهو تركماني من تبريز وليس فارسي، ثم قلت له نحن في حزب بيت نهرين الديمقراطي نؤمن، ولنا أمل كبير بان النظام في بغداد سوف لن يدوم طويلاً وان البديل الوحيد لهذ النظام هو مجلسكم المؤقر بدعم ورعاية القيادة الإيرانية الحالية، فما هو موقفكم من شعبنا الأشوري الكلداني السرياني؟

 ومرة أخرى قاطعني وقال إننا لا نحبذ أن نسمع مثل هذه الألفاظ والأفضل لك أن تستخدم تسمية المسيحين، وأضاف قائلاً اسمع مني جيدا، إننا لسنا سياسيين، يجب أن تعرف ذلك، إننا رجال دين، لا نكذب عليكم، ولا نبالغ في كلامنا، وليس عندنا تكتيك، أو ديالكتيك كما لدى غيرنا من أحزاب المعارضة العراقية ومنهم البعثين، والشيوعين، و الأحزاب الكردية، وغيرها، انهم يكذبون ويخدعون الأخرين عندما يكونون خارج السلطة، ولكن متى ما يستلموا الحكم فيعملون عكس الوعود التي قطعوها مع الأخرين، وهذا ليس نهجنا، وليست قيمنا وأخلاقنا، وهذا ما لمسناه منهم في الماضي القريب وان تجاربنا معهم في العراق ماثلة أمامنا منذ تموز عام 1958والى يومنا هذا أما نحن فنعاملكم بصراحة واحترام كمسيحين من أهل الكتاب وكما جاء في القرآن الكريم، وحسب فهمنا وتفسيرنا للآيات القرآنية إننا سوف لن نعاملكم كاليهود وان الحكومة العراقية الملكية آنذاك قامت بطرد اليهود وحجزت أموالهم المنقولة وغير المنقولة وإستولت على ممتلكاتهم  وأصبحت ملك وقف للدولة العراقية، أما انتم سوف نطبق عليكم الشريعة الإسلامية ونضع أمامكم ثلاث خيارات، الخيار الأول وهو اعتناق الدين الإسلامي وحسب المذهب الشيعي الاثني عشري، والخيار الثاني وهو دفع الجزية، أما الخيار الثالث فهو مغادرة البلاد، ثم قاطعته وقلت له كيف يمكن أن تعاملوننا ذلك ونحن  أهل البلد الأصليين ولنا دور رئيسي في بناء تاريخ  وحضارة هذا البلد، وأثارنا في بابل ونينوى تشهد على ذلك، فرد عليَّ قائلاً: نعم انتم من أهل البلد الأصليين وشاركتم في بناء التاريخ وحضارة بلاد ما بين النهرين ولا احد ينكر عليكم ذلك ولكن، لكم عندنا خصوصية وليس كما فعلنا باليهود فإننا نسمح لكم في بيع ممتلكاتكم واستلام أثمانها لتساعدكم في مغادرة البلاد والسفر الى بقاع الدنيا الواسعة، وهذا هو موقفنا الإيجابي تجاهكم الآن ونحن خارج الحكم، وسوف يكون نفس الموقف في المستقبل القريب ونحن في دفة الحكم، وكل من يقول لكم غير ذلك فهوا يكذب عليكم أو يجاملكم، وعليكم أن تعرفوا جيداً أننا نقدم كل هذه التضحيات بأرواحنا وممتلكاتنا من اجل استلام الحكم في بغداد لتطبيق الشريعة الإسلامية في  العراق ومن ثم لتصديرها الى دول الجوار كما أوصى بها الأمام الخميني، وحسب المذهب الشيعي، وبموجب نظام ولاية الفقيه، وكما هو قائم الآن في جمهورية ايران الإسلامية، ولا يمكن أن نحيد عن ذلك قيد أنملة، هذا هو موقفنا الآن وسوف يكون نفس الموقف في المستقبل القريب عند استلامنا للسلطة ،وسيبقى هكذا والى الأبد، حتى نحقق كافة أهدافنا.

وبعدها غادرت مكتب السيد وإستصحبني معه الشيخ أبو علي مسؤول الإعلام في المجلس آنذاك الى الطابق الأرضي، ودخلنا في غرفة كانت تضم جهاز إرسال لإذاعة المجلس، وأجرى معي مقابلة إذاعية مباشرة على الهواء حول موقفنا من التشكيل الجديد للأحزاب والمنظمات الشيعية التي انبثق عنها المجلس الإسلامي الأعلى للثورة العراقية في إيران. 

خاتمة

بعد هذا الإستعراض الموجز لنشوء المعارضة العراقية -إن جاز التعبير- وكيف نمت، وما هي الأحداث التي مرّت بها، فإن شهادتي من عاصرها، تلقي الضوء على خفايا تفكيرها وخططها، ودور الأيادي الأجنبية في تشكيلها وحمايتها وصولا إلى تسليم الولايات المتحدة السلطة لها عام 2004، بعد إسقاط نظام صدام حسين، ونتيجة لأيدلوجياتها المتطرفة فقد فشلت في أدائها السياسي وإدارة الحكم طيلة 17 عاماً، وما جلبته جراء ذلك من خراب ودمار وقتل وقمع وتبديد الثروات وسرقة الأثار وهدم مؤسسات الدولة وتحطيم المرافق الأساسية في التعليم والصحة والصناعة والزراعة وغيرها، تقطع أي شك في وجود وعِظَم حجم المؤامرة على العراق. مما قاد إلى ظهور وعي عراقي شعبي جديد بدأته جماعات النخبة بالتحشيد لمقاطعة الانتخابات عام 2018، ثم إندلاع حركة الإحتجاجات الشعبية في الأول من أكتوبر عام 2019 وخاصة في المحافظات الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية، ومع تزايد الضغط الشعبي إزاء قمع الحكومة أدى إلى إستقالة حكومة عادل عبد المهدي في الأول من ديسمبر من ذات العام، مما يجعل نهاية هذا النظام الذي أقيم برعاية وحماية أجنبية إلى أن يشارف على نهايته. وما زالت هذه الأحزاب التي أنشأها نظام الخميني في إيران بعيد الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 تمارس نفس الأساليب اللإجرامية في القتل والتفجير وتهديم الكنائس وإرغام السُنّة والأقليات من المسيحيين والأيزديين والصابئة على ترك مناطقهم والهجرة خارج العراق في كل مرافق الدولة (وبضمنهم كاتب هذا المقال) بدعم إيراني واضح بقيادة قاسم سليماني، وقد أدى هذا القمع إلى قتل 450 متظاهراً، وجرح نحو 20 ألف أخرين، وإعتقال الالآف من المحتجين، ولكن تبقى إرادة الشعوب هي الأقوى وهي مصدر كل السلطات. ولا بد أن تشرق شمس الحرية على أرض العراق قريباً.

 

د. رياض السندي

دكتوراه في القانون الدولي

كاليفورنيا في 15 ديسمبر 2019

 ......................

[1] د. علي الوردي، لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج 5 حول ثورة العشرين، القسم الأول، بغداد 1977، ص 18.

[2]Thomas Lyell, Ins and Outs of Mesopotamia, London 1928, pp. 183-194.                                                                  

[3] صدور قانون منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية بموجب قرار مجلس قيادة الثورة المرقم 251 لعام 1972.

[4] آل الحكيم أو بيت الحكيم هي أسرة عراقية (غير عربية) يرجع نسلها إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، تشتهر بدراسة الفقه والأصول والعقائد، يسكنون مدينة النجف منذ مجيء جدهم الذي جاء مع الشاه عباس الأول لزيارة العراق سنة 1033هـ (1624م).

[5] السيد محمد باقر محسن الحكيم الطباطبائي (8 تموز 1939 - 29 آب 2003) هو محمد باقر ابن السيد محسن الحكيم المرجع الديني الشيعي الكبير. وهو أيضا مؤسس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق والتي تعد من قوى المعارضة العراقية التي عملت ضد النظام العراقي السابق، يعد من أبرز القادة الشيعة في العراق. ولد عام 1939 م في النجف. اغتيل في 29 آب 2003 أثر تفجير النجف 2003 بعد خروجه من ضريح الأمام علي حيث كان يلقي خطبة صلاة الجمعة. وراح ضحية ذلك التفجير ما يقارب من 83 شخص. هاجر من العراق بعد وفاة آية الله السيد محمد باقر الصدر في أوائل شهر نيسان عام 1980 م، وذلك في تموز من السنة نفسها قبل أشهر من اندلاع الحرب العراقية الإيرانية. كان محمد باقر الحكيم دور كبير في تصعيد العمل المعارض ضد النظام العراقي آن ذاك وقد قام بخطوات كبيرة في هذا المجال، أسفرت عن زعامة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق (المجلس الأعلى الإسلامي العراقي) بعدما كان قد أسس من قبل الخميني والذي أنيط زعامته محمود الهاشمي الشاهرودي. إلا بعد قدوم محمد باقر الحكيم وتكريما لآل الحكيم عزي زعامة المجلس الأعلى للسيد محمد باقر الحكيم، انتخب رئيساً للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق منذ عام 1986 إلى اغتياله. كما اهتم بإنشاء المؤسسات ذات الطابع الخيري، فأسس "مؤسسة الصدر" والمؤسسات الصحية، ثم المركز الوثائقي لحقوق الإنسان في العراق، ومنظمات حقوق الإنسان في العراق المنتشرة في أرجاء العالم.

[6] هو النجل الثالث ابن الإمام محسن الحكيم (قدس سره) حامل الاسم المركب السيد محمد مهدي بن السيد إبراهيم (الملقب بـ طباطبا (بن إسماعيل الشهير بالديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الإمام الزكي المجتبى الحسن بن الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام. ولد العلامة الشهيد عام 1935 م ـ1353 هـ في مدينة النجف الأشرف. واستشهد اغتيالا بتاريخ 17|ك2|1988 م ـ 1408 هـ في السودان |الخرطوم اثر اطلاق ناري من قبل محطة المخابرات الصدامية الكائنة بمبنى السفارة العراقية في السودان بعد وضع خطة مبرمجه واستدراجه لحضور مؤتمر الجبهة الوطنية الإسلامية في البلد المذكور أنفا. وكان مهدي الحكيم وهو معارض عراقي شيعي من أسرة الحكيم، وصل إلى الخرطوم في منتصف يناير 1988 بدعوة من الجبهة الإسلامية القومية لحضور مؤتمرها العام، ومع ذلك لم يستطع حضور الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، وأوفدت الجبهة محمد يوسف محمد والكابتن النور زروق الى الحكيم في مقر إقامته بفندق الهيلتون، معتذرين عن ما حدث من ملابسات، كما استقبل خلال اليوم الثاني الدكتور أحمد علي الإمام الذي نقل له رغبة الدكتور حسن الترابي في لقائه، فلبى الحكيم الدعوة في اليوم التالي، حيث زاره وعُقد اجتماع موسع بينهما تمت خلاله مناقشة بعض القضايا التي تهم العالمين العربي والإسلامي، ومنها دور الحركة الإسلامية في العراق وكيفية إقامة حكومة إسلامية. استنادا الى محاضر التحقيق الجنائية السودانية التي وقع عليها العقيد أمين القريش مدير التحقيقات الجنائية في السودان فان الشهيد مهدي الحكيم قدس سره الشريف استدرج الى السودان بواسطة المدعو نور الله رزوق سوداني الجنسية حيث تلقى دعوة رسمية من الجبهة الشعبية برئاسة الدكتور حسن الترابي لحضور مؤتمرها في السودان وقد استلم الدعوة من ممثل الجبهة في لندن نور الله رزوق الذي رافقه الى مطار هيثرو وذكر السيد أمين القريش ضابط التحقيق بان السيد مهدي الحكيم ومرافقيه حضروا الى السودان يوم الخميس 14/1/ 1988وقابلهم بالمطار مدير سيتي بانك وأخذهم للهيلتون؟

يقول نور الله رزوق كلفني أمين عام الجبهة «الدكتور حسن عبدالله الترابي» بالذهاب ضمن وفد من الجبهة لمقابلة السيد مهدي الحكيم ومرافقيه بالهلتون وتحديد موعد معه للقائه وأبلغناه إن الدكتور حسن عبدالله الترابي يرحب به في منزله وكان حديثاً مختصراً وأبلغناه بان الدكتور احمد علي الإمام سوف يحضر له يوم الأحد 17/1/88 لأخذه في اليوم الثاني قابلته بمكتب الأستاذ محمد يوسف في الساعة الثانية عشرة ظهراً تحديداً ثم أخذناهم لمنزل السيد محمد يوسف. بعد رجوعه من الاجتماع مع نور الله رزوق عاد الى فندق هيلتون الخرطوم الذي كان يقيم فيه فكان اثنان من جلاوزة المخابرات العراقية العاملون في السفارة العراقية في السودان بانتظاره وحينما دخل الى قاعة الاستقبال أطلقا عليه الرصاص ثلاث طلقات كانت هي خاتمة حياة الشهيد الذي لبى نداء ربه صابرا محتسبا وهرب الجناة في سيارة تحمل أرقاما دبلوماسية وفرا الى جهة غير معلومة. وقيل إن الذي سلم دعوة حضور المؤتمر في لندن للعلامة الشهيد الحكيم هو سعيد محمد رئيس تحرير جريدة العالم الإيرانية. وهو الذي نقل جواز سفر الشهيد ومرافقه السيد عبد الوهاب الحكيم الى القنصلية السودانية في لندن. والمضيف في السودان كان متواجد في القنصلية المذكورة ويدعى التيجاني. ومرتين لم يحصل الشهيد على تأشيرة الدخول للسودان من القنصلية. يعني ترتيب لشيء مجهول. بعد وصول الشهيد تم منعه من حضور افتتاح المؤتمر بعض التصرفات بقصد. وزاره الكابتن النور زروف ومعه محمد يوسف في الفندق واعتذار عن تلك التصرفات محذرين سماحته من حزب البعث السوداني بقولهم "هؤلاء مجرمون قتلة وقد يتعرضون لكم".

وبعد اغتيال الشهيد وإصابة مرافقه لم يتم إسعافه أو نقله للمستشفى لمدة ساعتين. وهذا دليلا قطعا على اشتراك الحكومة السودانية. وبعد ذلك حضر وزير الداخلية السوداني بعد عدة ساعات لمكان الحادث. وهذا دليل أيضا على الاشتراك في الجريمة.

وكان حضور وزير الزراعة العراقي لمطار الخرطوم بعد الحادث بدقائق ودخلت سيارة المنفذين للمطار كونهما يحملان رقم دبلوماسي فصعد الجناة بطائرة وزير الزراعة ونقلتهم الطائرة الى مكان أخر. أنظر، مجاهد منعثر منشد، الشهيد السيد مهدي الحكيم دم مهدور في الخرطوم، موقع خفاجة في أبريل 11, 2011. الرابط: http://kafajh.forumarabia.com/t32-topic

من جهته نفى محمد ضياء الدين، عضو القيادة القطرية لحزب البعث، أية علاقة لهم بتلك الحادثة، وقال إن البعث بريء من دم الحكيم، مشدداً على أن الجهة التي قدمت الدعوة وراء عملية التصفية، وهي جهة مخابراتية، ولفت إلى أن المجموعة التي اخترقت دائرة الحماية كانت لها علاقة بالدائرة، وأردف: “الاغتيال جزء من عملية الصراع الشيعي المحتدم بين الزعامة التقليدية العربية في كربلاء والزعامة الفارسية في قم”. أنظر، الصادق المهدي يحمٌل الجبهة الإسلامية مسؤولية مقتل الحكيم، موقع النيلين، في 2016/06/14.

الرابط:https://www.alnilin.com/12786245.htm

لقد مرّ الحدث باردا من أمام منصة المعارضة العراقية برمتها كما مرت جنازة العلامة الشهيد وهي صامتة تحملها عشرات الألاف من الأيدي التائهة بين خطاب متردد للمعارضة وتنافس محموم على تمثيل التيار الإسلامي في ساحة إيرانية مشغولة بالحرب والتحدي الدولي وتعاني من الحصار والتآمر. ورغم إستلام الأحزاب الشيعية للحكم في العراق إلا إنها لم تكشف عن تفاصيل هذا الملف بعد مرور 17 عاماً مما يدل على ضلوع إيران في حادث الإغتيال بالتماهي مع الحكومة العراقية.

[7] أُعدم نظام صدام حسين المرجع محمد محمد باقر الصدر في عام 1980 بتهمة العمالة والتخابر مع إيران بعد أن أعلن تأييده للجمهورية الإسلامية الإيرانية وقد أرسلت حكومة البعث إليه موفداً من قبلها يطلب منه أن يتراجع عن مواقفه المؤيدة. وهنا لعب الخميني دوراً خبيثاً إذ أرسل له رسالة مفتوحة عِبرَ وزارة الاتصالات العراقية يدعوه فيها للبقاء في العراق وعدم مغادرته لقلب نظام الحكم، وهذا ما دفع صدام لإعدامه.

[8] وفي يوم الجمعة الرابع من ذي القعدة الموافق التاسع عشر من شباط 1999 وبينما كان محمد محمد صادق الصدر برفقة ولدية مؤمل ومصطفى في سيارته عائداً إلى منزله في الحنانة أحد مناطق النجف، تعرض لملاحقة من قبل سيارة مجهولة فاصطدمت سيارته ميتسوبيشي بشجرة قريبة، وحسب التقارير الطبية والشهود العيان إن المهاجمين ترجلوا من السيارة وأطلقوا النار على الصدر ونجليه وتوفى إبنه مؤمل الصدر فورا، أما محمد محمد صادق الصدر فقد جاءته رصاصات عدة، ولكنه بقي على قيد الحياة، وعند نقله إلى المستشفى تم قتله برصاصة بالرأس، أما إبنه مصطفى أصيب بجروح ونقل إلى المستشفى من قبل الأهالي وتوفى هناك متأثراً بجراحه. في أعقاب مقتل الصدر، فقد شهدت مناطق جنوب العراق، ومدينة صدام (مدينة الصدر حاليا) اضطرابات ونزاعات عسكرية سميت بانتفاضة الصدر 1999 حيث قامت مجاميع مسلحة بالهجوم على قوات الأمن ومراكز الشرطة ومقرات حزب البعث في الجنوب.

[9] الإمام موسی الصدر (بالفارسية: امام موسی صدر) (ولادة: 4 يونيو 1928 في قم- مختفى: 31 أغسطس 1978 في ليبيا) عالم دين ومفكر وفيلسوف وسياسي وزعيم ديني شيعي ولد في 4 يونيو عام 1928 في مدينة قم الإيرانية وهو ابن السيد [3] صدر الدين الصدر المنحدر من جبل عامل في لبنان. خضع لكلا الدراستين الحوزوية والأكاديمية في إيران. غادر قم إلى النجف لاستكمال دراساته الدينية وعاد إلى إيران بعد انقلاب 1958 العراقية. ولد في مدينة قم الإيرانية في 4 حزيران عام 1928م، حيث درس العلوم الدينية بعد نيله لشهادتين في علم الشريعة الإسلامية والعلوم السياسية من جامعة طهران في العام 1956م. بعد عدّة سنين في قم توجه الإمام موسى الصدر إلى النجف لإكمال دراسته تحت إشراف المرجع الأعلى للطائفة الشيعية الإمام محسن الحكيم الطباطبائي وزعيم الحوزة العلمية آية الله أبو القاسم الخوئي. في العام 1960م توجه للإقامة في صور اللبنانية. وما زالت حركته (أمل) في لبنان والتي يرأسها نبيه بري أضعف مرتبة من حزب الله الذي يتزعمه حسن نصر الله، الموالي لولاية الفقيه في إيران.

[10] حزب الدعوة الإسلامية، ويكيبيديا-الموسوعة الحرة.

[11] باحث عراقي مختص بالشأن الشيعي. ولد في بغـداد، اهتم مبكرا بهوايته في الرسم، حصل على الجائزة الأولى للفنانين الشباب بعد إقامته معرضه الشخصي الأول في بغداد، تشرين الأول 1970، خريج قسم الفيزياء -كلية العلوم- الجامعة المستنصرية. كتب ونشر بعضا من كتاباته الشعرية والأدبية، فضلا عن نشره رسوم كاريكاتيرية في مجلات وصحف عراقية، وكتب في صفحات الطلبة والشباب. اجتاز دورة متخصصة للمذيعين في معهد التدريب الإذاعي والتلفزيوني في بغداد 1974. بدأ العمل لإذاعة العراق الحر منذ عام 2003 مراسلا في بغداد ثم مديرا لمكتبها، والتحق عام 2007 بمقر الإذاعة في براغ. عضو نقابة الصحفيين العراقيين. أصدر عدداً من الكتب والمقالات التي تنتقد التشيع الفارسي، أبرزها كتابه التشيع العربي والتشيع الفارسي.

[12] نبيل الحيدري، المجلس الأعلى الإسلامي العراقي في الميزان، ح1، موقع الحوار المتمدن، الرابط:

 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=260675

[13] نبيل الحيدري، في ذكرى محمد باقر الصدر... حزب الدعوة في الميزان، موقع الحوار المتمدن، العدد 3697 في 2012 / 4 / 13.

[14] السيد محمود الهاشمي الشاهرودي (بالفارسية: محمود هاشمی شاهرودی) (1 سبتمبر 1948 - 24 ديسمبر 2018) هو سياسي ومرجع دين عراقي-إيراني. نال درجة الاجتهاد في حوزة النجف من قبل أستاذه محمد باقر الصدر. كان من مؤسسي المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وتولّى رئاسته لأربع دورات عقب تأسيس المجلس في مطلع عقد الثمانينيات. شغل محمود الشاهرودي منصب رئاسة السلطة القضائية في إيران لدورتين (1999-2009). تولى رئاسة الهيئة العليا لحل الخلاف وتنظيم العلاقات بين السلطات الثلاث، وعيِّن رئيسا في مجمع تشخيص مصلحة النظام وعضوا في مجلس صيانة الدستور من قبل المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي. كما كان عضواً في المجمع العالمي لأهل البيت ومجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية. ولد محمود الشاهرودي في الثاني من ذي القعدة عام 1367 هـ/ 15 آب 1948م، بمدينة النجف، في عائلة متدينة تنحدر أصولها من مدينة شاهرود في إقليم سمنان. كان والده علي الهاشمي الشاهرودي رجل دين ومن تلامذة أبو القاسم الموسوي الخوئي وكان جدّه علي أكبر الهاشمي الشاهرودي، الذي هاجر من مدينة شاهرود إلى كربلاء لمجاورة مرقد الإمام الحسين. أما والدته فكانت بنت آية الله علي مدد الموسوي القائيني، الذي كان أحد علماء قرية سيدان التابعة لمدينة بيرجند.

[15] المقصود بها:

1) تنظيم المجلس الأعلى: وهو الوجه السياسي للمجلس.

2) منظمة دار التبليغ: وقد تحول اسمها إلى شهيد المحراب بعد مقتل محمد باقر الحكيم، وهي تمثل التنظيم الاستخباراتي للمجلس.

3) فيلق بدر: وهو الجناح العسكري لتنظيم المجلس الأعلى.

[16] داود برنو، الكردينال عمانوئيل دلي ومقال السيد حميد الشاكر، موقع عنكاوا، على الرابط: http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=306396.msg3914898#msg3914898

 

1264 مصطفى جوادبكل فخر واعتزاز نستذكر هذه الايام بمرور خمسين عاما على رحيل أيقونة العراق الموسوعية وحارس اللغة العربية العلامة الدكتور مصطفى جواد الذي أغمض عينيه بتاريخ (17 /12/ 1969) وغاب جسده الطاهر وصار ترابا عند رب كريم ولكن صوته الرخيم ما زال يصدح في الأجيال ب (قل ولا تقل) على الرغم من اليوبيل الذهبي لرحيله.

لعل من المفيد ان نشير هنا وبهذه المناسبة الى معلومات قد تكون جديدة عن فترة ايفاد د مصطفى جواد الى إنكلترا لتدريس الملك فيصل الثاني اللغة العربية حينما كان يدرس في احدى المدارس الإنكليزية في لندن والتي وردت في سياق مذكرات الدبلوماسي الراحل نجدة فتحي صفوة (الأدب والدبلوماسية في حياة نجدة فتحي صفوة) الذي كان يعمل ضمن طاقم السفارة العراقية في تلك الفترة، ولكن قبل التطرق الى هذه الذكريات نجد لزاما علينا أمام الأجيال الشابة التذكير بقليل من كثير مما قيل او كتب عنه من قبل كبار العلماء والمفكرين والكتاب باجمل الكلمات واروع الاوصاف التي تليق بعاشق العراق الذي قال عنه النحات الراحل محمد غني حكمت :

- ( ابالغ اذا قلت .. مصطفى جواد جعلني أعشق العراق أكثر، وهو عاشق كبير للعراق، فقد تعلمت منه كيف احب العراق).

فيما يصفه رئيس المجمع العلمي العراقي الاسبق الراحل الدكتور عبد الرزاق محي الدين :

- (مصطفى جواد رجل في مجمع ومجمع في رجل .. لقد أولدك العراق فكنت من انجب ابناءه راعيا لطامس اثاره وكاشفا عن دارس اخباره وتبنتك العربية فكنت من اكرم ابنائها برا بها وحدبا عليها بل كنت من صفوة الصفوة ولب اللباب).

وكتب عنه العلامة الراحل د حسين علي محفوظ

- (كان مصطفى جواد مرآة تاريخ بغداد، ومرآة خطط بغداد ويعد من فلاسفة النحو العربي، وهو من أعلام المؤرخين وأكابر المحققين. لا بل هو في الطراز الأول في العربية والتحقيق والتاريخ، استاذ الكل واليه تنتهي المعرفة في اللغة والتاريخ في عصره) .

عن تميز شخصيته تحدث زميله شيخ الوثائقيين العراقيين الراحل د. سالم الألوسي قائلا :

- (لم تجتمع في اي شخصية عراقية، كما اجتمعت فيه هذه الصفات كمؤرخ وأديب وعالم في اللغة وعالم في الفلكلور، وعالم في البلدانيات .. هذه هي التي ميزت مصطفى جواد وجعلته مميزا من بين الشخصيات العلمية والأدبية ليس في العراق فحسب وانما على مستوى الوطن العربي.. لم يلمس اي فرد من اصدقائه ومحبيه اي ميل الى اي طائفة، المسيحيون يحبونه،اليهود،الشيعة، السنة، الأكراد يدينون له بالإكبار، وبالإعجاب المطلق، لأنه يمثل الشخصية الوطنية العراقية).

في حين يصفه الراحل الدكتور علي جواد الطاهر بالكنز الضائع !:

- (أمّا مصطفى جواد فليس كنزاً بهذا المعنى المادي، وبهذا المفهوم الضيّق، إنّه كنز ضاع دون أن يستثمر، وتبدد قبل أن يستنفد. لقد ذهب الرجل وذهب الكنز معه، ولا يمكن في هذه الحال ردّ الفائت وتعويض الخسارة).

مصطفى جواد في مذكرات الدبلوماسي نجدة فتحي صفوة ..

في مذكراته " التي نشرها شقيقه نجيد فتحي صفوة مؤخرا يشير الدبلوماسي الراحل نجدة فتحي صفوة الى دماثة الخلق والشخصية اللطيفة والتميز بعذوبة الحديث وروح النكتة والتعليقات الذكية عند مصطفى جواد حيث اذ يقول في سياق مذكراته :

- ( توطدت علاقة الدكتور مصطفى جواد مع موظفي السفارة لكثرة تردده عليهم حيث كان يقضي معهم سويعات يمتعهم فيها بأحاديثه وتعليقاته الذكية، فاذا انتهى الدوام خرجوا معا لتناول الغداء في احدى المطاعم .... كنت حينها قد انتميت الى معهد الدراسات الشرقية في جامعة لندن وشرعت في اعداد أطروحة في أدب المهجر فصرت انتهز فرصة زيارة مصطفى جواد لنا لأطلعه على ما اكتبه من فصولها وافيد من ملاحظاته وآرائه .. وخلال الأيام التي يزور فيها السفارة كان يقف وسط الغرفة، او يقطعها جيئة وذهابا بخطوات قصيرة ويقف أحيانا متكئا على احد المكاتب، فيحدثنا حديثا عذبا في شأن من شؤون الأدب او في احداث العالم، ويقارنها بما يماثلها من احداث التاريخ مستخرجا من العبر او يعود للحديث عن السياسة او يطلق عليها النكات التي كانت طابعه الملازم في حديثه، الا انه لم يضمنها كتاباته - مع الأسف – اذ اتسمت بالجد ولم تنعكس شخصيته اللطيفة عليها، من جملة ذلك تعليق لطيف اطلقه د مصطفى جواد اثر حادث وقع لفراش إنكليزي ووكر وكان هذا حريصا على واجبه وجم الادب صباحا، ولكنه مدمن على شرب الخمر مساء، مما اودى بصحته وان لم يخل بعمله ..وبينما كان الدكتور مصطفى جواد في زيارتنا ذات يوم، علمنا بأن ووكر سقط فاقد الوعي في الطابق السفلي من مكاتب السفارة، حيث كان يقيم، فهرعت اليه ووجدته ممددا ارضا بقامته الطويلة، وقد اصفر وجهه وجحظت عيناه وكانت زوجته الى جانبه تبكي،عندها تذكرت أن الدكتور" ماكس ماكوفسكي" البولوني الجنسية جاء في زيارة للسفير، اذ كان طبيبا للملك الحسين بن علي، ملك الحجاز السابق ثم جاء الى العراق وأصبح من أطباء العائلة المالكة، وكانت له في بغداد شهرة واسعة وتكتظ عيادته الواقعة في شارع المتنبي بالمراجعين، الا انه لم يكن يحسن التحدث باللغة العربية، واسلوبه بالكلام مضحك ولا يفرق بين المؤنث والمذكر ولحراجة الموقف طلبت مساعدته فنزل الى السرداب مسرعا، وعندما عاد قال وهو يهز رأسه " ماتت ..من صك ماتت " بتاء التأنيث وعند سماعي الخبر عدت الى غرفتي متأثرا فوجدت زميليَ احمد كاشف الغطاء وخليل إبراهيم ومعهما الدكتور مصطفى جواد لا يزالون مستمرين بالحديث وسألني الجميع ما الخبر ؟فرويت لهم ما حدث ثم قلت ان الدكتور ماكس يقول انه " ماتت ..من صك ماتت " ويقصد انه مات حقا، فغط الجميع بالضحك لصفة التأنيث، على الرغم من أسفهم لما حدث ...... اما الدكتور مصطفى جواد tقال بنبرته المعروفة : لا تضحكوا كثيرا ! فقد يموت المرء ضاحكا ! وهو ما يردد بالعامية عن الضحك الكثير من الأعماق (يموت من الضحك)! كان ذلك التحذير للتوقف عن الضحك تعليقا نردده كلما نغص بالضحك لنكتة نسمعها ونتذكر من خلالها الدكتور مصطفى جواد..).

الحديث عن شخصية مصطفى جواد يطول ويطول ولا ينتهي في نقطة ولا يتوقف عند حد، لذا أحببت ان اجدد دعوة شيخ المؤرخين العرب الراحل د. حسين امين الى تكريمه من قبل الدولة والشعب قال وهو يصفه :

- (مصطفى جواد عراقي اصيل، رجل صريح، صادق الكلمة، لا يخاف من احد، وصرح انه من قرة تبة، وانه تركماني الاصل الذي جمع بين الاصل التركماني والابداع اللغوي في العربية ذلك الابداع الكبير ..مصطفى جواد النبتة اليانعة، المؤرقة، المثمرة، التي اعطى للعربية الكثير من الابداع والتطوير والازدهار، و يستحق من الدولة ان تكرمه ومن الشعب ان يذكره دائما، لما قدمه للثقافة العربية من علوم رائعة .. شخصية نادرة أنجبته العراق ولا يزال العراق يفتخر بمصطفى جواد، ويعد رمز من رموز العراق الكبيرة).

اليوم وبعد مرور خمسين عاما على رحيله، ترى هل استذكرناه بما يليق بمكانته وقامته العلمية ؟

 زاهد البياتي

 

محمود محمد عليشكلت النضالات التي خاضتها المرأة من أجل الحرية والمساواة جزءً من جميع الحركات الاجتماعية التي تطلع إلي التغيير والعدالة الاجتماعية علي مر التاريخ . النسوية Feminism هي مجموعة من الحركات والايديولوجيات التي تسعي إلي ايجاد حالة من المساواة في الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية للمرأة، وهذه الحركة موزعة حول العالم ويوجد بعض الاختلافات فيما بينها اعتمادا علي الثقافة والمجتمع، والبعض يطلق علي هذا المصطلح كل حركة تدافع عن حقوق المرأة عبر التاريخ ويخص الآخرون هذا المصطلح بحركات القرن العشرين.

وتعد يمني طريف الخولي إحدى رائدات الفكر النسوي في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث صدر عام.. كتابها ذائع الصيت" النسوية وفلسفة العلم" علاوة لترجمتها لكتاب " أنثوية العلم- العلم من منظور الفلسفة النسوية ضمن سلسلة عالم المعرفة " الذي يعد علامة مميزة وقلة نوعية تركت بصماتها علي الفكر المعاصر في مصرنا الحبيبة، حيث تكمن أهمية الكتاب في النظر إلي قضية المرأة نظرة فلسفية وجودية، أي أصبح المرأة إشكالية فلسفية في حاجة إلي طرح فلسفي، فاستقت يمني الخولي الرؤية الفلسفية اللازمة لهذا الطرح من أعمال كثيرين من رائدات الفكر النسوي في أوربا وعلي {راسهم سيمون دي بوفوار؛ حيث سارت علي خطاها ومفاهيمها الوجودية عند طرحها لإشكالية المرأة .

ويمني الخولي من مواليد 31 أغسطس 1955 وقد حصلت علي الليسانس الممتازة بمرتبة الشرف من قسم الفلسفة، كلية الآداب، جامعة القاهرة، عام 1977، وحصلت علي درجة الماجستير في الفلسفة عن موضوع فلسفة العلوم عند كارل بوبر: نظرية في تمييز المعرفة العلمية، تحت إشراف أ. د. أميرة مطر، جامعة القاهرة، عام 1981، وحصلت علي دكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عن موضوع مبدأ اللاحتمية في العلم المعاصر ومشكلة الحرية إشراف أ. د. أميرة مطر، جامعة القاهرة، عام 1985.

وقد تم تعيينها معيدة بقسم الفلسفة، كلية الآداب، جامعة القاهرة، عام 1977، ثم مدرسة مساعدة الفلسفة، كلية الآداب، جامعة القاهرة، عام 1981، ثم مدرسة الفلسفة، كلية الآداب، جامعة القاهرة، عام 1985، أستاذة مساعدة اعتبارًا من 23 أكتوبر 1991، ثم أستاذة اعتبارًا من 30 يوليو 1999، هي الأن أستاذ فلسفة العلوم المتفرغ بجامعة القاهرة.

وقد أسهمت في نشر الثقافة العلمية وأصول التفكير العلمي والعقلاني بالعشرات من المقالات والبرامج التلفزيونية والمحاضرات العامة، ولها الكثير من الكتب والبحوث العلمية ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر :

- العلم والاغتراب والحرية: مقال في فلسفة العلم من الحتمية إلى اللاحتمية، القاهرة، عام 2000.

- فلسفة كارل بوبر: منهج العلم، منطق العلم، القاهرة، عام 1989، ط2 2003.

- مشكلة العلوم الإنسانية، 1990، ط5 2002.

- الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية، 1990.

- الوجودية الدينية: دراسة في فلسفة باول تيليش، القاهرة، عام 1998، ط3 2007.

- الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى الحاضر، 1995، ط2 1998.

- بحوث في تاريخ العلوم عند العرب، 1998.

- الزمان في الفلسفة والعلم، 1999.

- أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد، القاهرة، عام 2000.

- فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول الحصاد الآفاق المستقبلية، سلسلة عالم المعرفة، 2000.

- أسطورة الإطار: في دفاع عن العلم والعقلانية، تأليف: كارل بوبر، (ترجمة)، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عام 2003.

- أنثوية العلم: العلم من منظور الفلسفة النسوية، تأليف: ليندا جين شيفرد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2004.

- الثورة العلمية من منظور معرفي، القاهرة، عام 2003.

- ركائز في فلسفة السياسة، 2008.

ويمني الخولي هي عضو لجنة التاريخ وفلسفة العلوم بأكاديمية البحث العلمي، وعضو مجلس إدارة الجمعية الفلسفية المصرية، وعضو الجمعية المصرية لتاريخ العلوم، وعضو مجلس إدارة مركز أبحاث وتطوير التمريض، وعضو لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة.

وقد نالت يني الخولي عدة جوائز وميداليات وشهادات علمية نذكر منها :

- جائزة الشيخ مصطفى عبد الرازق من جامعة القاهرة، عام 1981

- جائزة الدكتور زكي نجيب محمود للتفوق العلمي عن رسالتي الماجستير والدكتوراه عامي 1985,1981

- جائزة مؤسسة عبد الحميد شومان للعلماء العرب الشبان في مجال العلوم الإنسانية، عام 1990

- شهادة تقدير من رئيس الجمهورية لأفضل كتاب صدر، عام 1999

- ميدالية كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية من جامعة الإمارات العربية المتحدة، عام 2002.

لقد كان كتاب النسوية وفلسفة العلم للدكتورة يمني الخولي بمثابة نص تعريفي لما آلت إليه الفلسفة النسوية في مرحلتها التطورية الثالثة والتي امتدت في الفترة ما بين أواخر السبعينيات وأواخر التسعينات من القرن الماضي المنصرم، فاصبح الكتاب فضلا عن أنه عمل نسوي، عملاً فلسفياً أيضاً، فقد شرعت يمني الخولي في كتابها وصف حالة المرأة بوجه عام والأوضاع الي آلت إليها بعد الأساطير التي روجها الرجل من خلال علوم الكونيات والعقائد والخرفات والايديولوجيات والآداب، فقد حاولت أن تبحث عن مكمن الداء فوجدت يكمن في أن الرجل يتم النظر إليه بوصفه ذاتا Subject، في حين يُنظر للمرأة علي أنها موضوع object أو آخر The other .

وقد صدر كتاب "النسوية وفلسفة العلم" ضمن سلسلة الهيئة العامة لفصول الثقافة "إصدارات خاصة"، ويقع في 148 صفحة. ويتكون الكتاب من مدخل و 16 فصلا، وقالت الدكتورة يمنى فى مقدمة الكتاب: "في مطالع ثمانينيات القرن العشرين ظهرت الابستمولوجيا وفلسفة العلم النسوية في الفكر الغربي وسارت قدما على مدار العقدين الأخيرين حتى قبل القرن الحادي والعشرون، وقد باتت من ملامح المشهد الفكري كتيار ذي معالم مميزة يمثل اضافة حقيقية لميدان فلسفة العلوم ونظريات المعرفة العلمية "الابستمولوجيا" والمنهج العلمي "الميثودولوجيا".

علاوة علي أن هذا الميدان في نظر يمني الخولي يشهد قضايا مستجدة، من قبيل قضايا فلسفة البيئة، وأخلاقيات العلم، وقيم الممارسة العلمية، وعلاقة العلم بالأبنية الحضارية، والمؤسسات الاجتماعية الأخرى، فضلاً عن علاقة العلم بالأشكال الثقافية المختلفة، واتخاذه أداة لقهر الثقافات والشعوب الأخرى.

وفلسفة العلم النسوية بمنطلقاتها المستجدة ورؤاها المغايرة، وموقفها النقدي الرافض التسليم بالوضع القائم، النازع إلي إلقاء الضوء علي مثالبه وتصوراته وحيوداته والهادف إلي تعديله وتطويره ... هي التيار الأكثر توشجاً بتلك القضايا والنضر عطاءً لها.

كما كان العلم الحديث كما تقول يمني الخولي أكثر من سواه تجسيدا للقيم الذكورية، أحادي الجانب باقتصاره عليها واستبعاده لكل ما هو أنثوي، فانطلق بروح الهيمنة والسيطرة علي الطبيعة وتسخيرها واستغلالها مما تمخض عن الكارثة البيئية، واستغلال قوي العلم المعرفية والتكنولوجية في قهر الثقافات والشعوب الأخرى، وجاءت العولمة لتنذر بعالم يفقد تعدديته وثراء خصوبته .

وتأتي فلسفة العلم النسوية كما تؤكد يمني الخولي لترفض التفسير الذكوري الوحيد المطروح للعلم بنواتجه السلبية، وتحاول إبراز وتفعيل جوانب ومجالات وقيم مختلفة خاصة بالأنثى، جري تهميشها وإنكارها والحط من شأنها بحكم السيطرة الذكورية، في حين أنها يجب أن يُفسح لها المجال وتقوم بدور أكبر لإحداث توازن منشود في مسار الحضارة والفكر.

وتستطرد يمني الخولي حديثها فتقول :" وكبديل عن الأبستمولوجيا التي تقطع علاقتها بالميتافيزيقا وبالقيم التي تكون علمية علي الأصالة، تريد الابستمولوجيا العملية النسوية أن تكون تحريرية، تمد علاقة بين المعرفة والوجود والقيمة، بين الابستمولوجيا والميتافيزيقا، لتكشف عن الشكل العادل لوجودنا في العالم، وتري العلم علما بقدر ما هو محمل بالقيم والهداف الاجتماعية، ولا بد أن يكون ديمقراطيا يقبل التعددية الثقافية والاعتراف بالآخر . إنه الانفتاح علي الطبيعة والعالم بتصورات أنثوية تداوي أحادية الجانب، لا تنفي الميثودولوجيا العلمية السائدة أو تريد أن تحل محلها، بل فقط أن تتكامل معها من أجل التوازن المنشود، فالنسوية ضد الاستقطابية والمركزية .

وهكذا تحاول الفلسفة النسوية في نظر يمني الخولي أن تضيف إلي العلم قيماً أنكرها، فتجعله أكثر إبداعية وإنتاجاً، وتجعل فلسفة العلم ذاتها تطبيقية بالواقع الحي النابض، بحيث يمكن القول كما تقول يمني الخولي بأن فلسفة العلم التقليدية المنحصرة في منطقه ومنهجه جميعها تُبلور إيجابيات العلم وتستفيد منها، أما الفلسفة النسوية فهي تحاول أن تضيف إلي العلم ما ينقصه ويجعله أفضل.

لقد كان ظهور الابستمولوجيا وفلسفة العلم النسوية تمثل في نظر يمني الخولي تطورا ملحوظا للفلسفة النسوية عموما التي ظهرت في العقود الأخيرة، وتقوم بشكل أساسي من اجل رفض المركزية الذكورية ورفض مطابقة الخبرة الإنسانية بالخبرة الذكورية، واعتبار الرجل الصانع الوحيد للعقل والعلم والفلسفة والتاريخ والحضارة جميعاً، وتُجِد لإبراز الجانب الأخرى للوجود البشري وللتجربة الإنسانية الذي طال قمعه وكبته . وفي هذا تعمل الفلسفة النسوية بسائر فروعها علي خلخلة التصنيفات القاطعة للبشر إلي ذكورية وأنثوية بما تنطوي عليه من بنية تراتبية هرمية (هيراركية) سادت لتعني وجود الأعلى والأدنى، المركز والأطراف، السيد والخاضع . امتدت في الحضارة الغربية من الأسرة إلي الدولة إلي الإنسانية جمعاء، فكانت أعلي صورها في الأشكال الاستعمارية والإمبريالية، والظلم الذي ستراه في معالجة أرسطو للنساء والعبيد هو عينه الظلم في معالجة شعوب العالم النامي، إنه تصنيف البشر والكيل بمكيالين، وتعمل الفلسفة النسوية علي فضح كل هياكل الهيمنة وأشكال الظلم والقهر والقمع، وتفكيك النماذج والممارسات الاستبدادية، وإعادة الاعتبار للآخر المهمش والمقهور، والعمل علي صياغة الهوية وجوهرية الاختلاف، والبحث عن عملية من التطور والارتقاء المتناغم الذي يقلب ما هو مألوف ويؤدي إلي الأكثر توازناً وعدلاً، أمعنت الفلسفة النسوية في تحليلاتها النقدية للبنية الذكورية التراتبية، وتوغلت في استجواب قسمتها غير العادلة، وراحت تكسر الصمت وتخترق أجواء المسكوت عنه، حتي قيل أنها تولدت عن عملية إعطاء أسماء لمشكلات لا اسم لها وعنونة مقولات لا عناوين له، ولئن كان ظهور الفلسفة النسوية إنجازاً لافتاً للحركة النسوية، فإن امتدادها إلي مجال الابستمولوجيا وفلسفة العلم ضربة استراتيجية حقاً، أحرزت أكثر من سواها أهدافاً للحركة وللفكر النسوي، وجعلت الفلسفة النسوية استجابة واعية أكثر عمقاً للموقف الحضاري الراهن.

وبهذه النزعة النقدية المتقدة للوضع القائم في الحضارة الغربية ولمنطلقات التنوير والحداثة، تندرج الفلسفة النسوية في نظر يمني الخولي في إطار ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمارية اللذين يستقطبان أقوي التيارات النقدية للحضارة الغربية.

وثمة أخري مهمة تؤكد عليها يمني الخولي في هذا الكتاب وهي النِّسوِيةُ قامت أصلًا كَي لا تَظلَّ المَرأةُ «آخَرَ» بالنِّسبةِ للرَّجُل، وسَارتْ قُدُمًا فِي هَذا الطَّريقِ حتَّى وصَلتْ لفَلسَفةِ العِلمِ الشَّاملةِ لأبْعادٍ حَضارِيةٍ عَمِيقةٍ مُترامِيةِ الآفَاق. باقٍ ألَّا تَظلَّ فَلسَفةُ العِلمِ النِّسوِيةُ اتِّجاهًا «آخَر»، فَتنسابَ بقِيَمِها الدَّافِئةِ الحَميمَةِ النَّبِيلةِ في قَلبِ العِلمِ وَفَلسَفتِه ومُمارَساتِه وتَوظِيفاتِه وعَلاقَاتِه عَلى السَّواء.»

وكانَتِ المَرأةُ في نظر جُزءًا أصِيلًا مِنَ المُجتمعِ مُنذُ فَجرِ الإنْسانِيَّة؛ فَقدِ اضْطلعَتْ بدَورِها فِي جَمعِ الثِّمارِ والدِّفاعِ عَن وُجُودِها، ولمْ تَتخلَّ عَن هَذا الدَّورِ حِينَما بَدأَ الإنْسانُ تَمدُّنَه، فاعتلَتِ النِّظَامَ الاجتِماعِيَّ والسِّياسِيَّ وتَولَّتْ مَسئُولِياتِ العَرشِ في عِدَّةِ حَضارَات، كمِصرَ وبِلادِ الرَّافِدَينِ والإِغرِيق. وارتَقتْ أيضًا لِما هُو أَعلَى مِن ذَلِك؛ فَكَانَت إِلهةً تُعبَدُ فِي أَكثرِ الحَضارَاتِ تَمدُّنًا. غَيرَ أنَّ هَذا التَّوازُنَ بَينَ الرَّجلِ والمَرأةِ لمْ يَستمِر؛ فَقدْ سَيطرَتِ الذُّكورِيةُ عَلى المُجتمَع، ولمْ تَعرِفِ الإنْسانِيةُ مَرحَلةً سَيطرَ عَليها الفِكرُ الذُّكورِيُّ والنِّظامُ الأَبويُّ مِثلَما عَرَفتْه قُبَيلَ القَرنِ التَّاسِعَ عَشَر؛ حَيثُ سادَ العَصرُ الذُّكورِيُّ بِتأوِيلاتِه للعِلمِ والفَلسَفةِ والكَونِ وشَتَّى مَنَاحِي الحَياة. لَكنَّ المَرأةَ انتَفضتْ بَعدَما خَضعَتْ لقُيودِ العَصرِ الأَبويِّ لتَبدأَ مَسِيرةُ العَصرِ الأُموميِّ الَّذِي خَرجَ مِن بَوتَقةِ كَونِه حَركةً اجتِماعِيةً وسِياسِيةً ليُصبحَ حَركةً فَلسفِيةً تُنادِي بِنَظرةٍ نِسوِيةٍ للعِلمِ والمَعرِفة، لتُضِيفَ بُعدًا جَديدًا تَسودُه التَّعدُّدِيةُ وقَبولُ الآخَر، كَمَا تَرتَبطُ تِلكَ النَّظرةُ النِّسوِيةُ لِفلسَفةِ العِلمِ بِالواقعِ وتَكشِفُ السِّتارَ عَنِ المَسكُوتِ عَنْه.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذة الدكتورة يمني طريف الخولي لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للأستاذة الفاضلة التي كانت وما تزال تمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لامرأة لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف تبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليترجع معرفتي بالدكتور "حسن حنفي" إلي أواخر ثمانينات القرن الماضي عندما كان يحاضرنا في السنة التمهيدية للماجستير بقسم الفلسفة في مادة "مصادر فلسفة العصور الوسطي" بكلية الآداب جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية؛ وخلال المحاضرات الأولي له، أدركت بوعي أنني أمام شخصية متميزة لأستاذ أكاديمي تختلف عن شخصيات كثير من الأساتذة غيره، حيث كانت  لشخصيته تلك الجاذبية الخاصة والحضور الثري الذي يقيم بينه وبين تلاميذه جسوراً من المحبة والاحترام والاحساس بالألفة العميقة، ومن هنا كان ذلك التأثير البالغ الذي تركه فينا حسن حنفي، خاصة بعد أن أدركنا أنه يمثل أهم  وأبرز المشتغلين المصريين في الفكر العربي والفلسفة المعاصرة.

وقد وصفه كثير من زملائنا بأوصاف كثيرة، فقال عنه الدكتور مصطفي النشار (في كتابه فلسفة حسن حنفي مقاربة تحليلية نقدية)  بأنه :" يعد واحداً من أهم فلاسفة العالمين العربى والإسلامي الآن بل وربما عبر العصور؛ فهو صاحب مشروع فكرى مهم ومؤلف موسوعى كبير يذكرنا بالفلاسفة المسلمين الأوائل".. كما وصفه النشار أيضاً بالفيلسوف الذي طاف العالم شرقاً وغرباً حاملاً رسالته التنويرية ومبشراً بها، إنه الذي أصبح في كل المنتديات الفكرية العالمية علامة بارزة علي أن في العالم العربي فلاسفة مبدعين ينبغي الاستماع إليهم والمناقشة الفكرية معهم، ويستحق انتاجهم الفكري التأمل وتقديم البحوث العلمية والدراسات الأكاديمية حولها ".

كما وصفه الصديق د. أحمد سالم فقال (في مقاله المنشور بحفريات تحن عنوان: التراث في فكر حسن حنفي) بأن : "حسن حنفي، بما له وما عليه، يمثل حالة خاصة في تاريخ الثقافة المصرية والعربية؛ ذلك لأنّه الأستاذ الذي إذا دخلت أرضه، واطلعت على ميراثه الفكري، فلن تخرج كما كنت، ذلك لأنّ حسن حنفي هو الأستاذ الرائد والمفكر الكبير الذي يترك بصماته على ذهنك، ويعلّم في وعيك، قد نتفق على الاختلاط الواضح في أعماله بين المعرفي والأيديولوجي، بين المفكر والزعيم، ولكن يُغفر له دوماً أنّه كان، وما يزال، المفكر المهموم بهموم وطنه على مدار عمره الأكاديمي المديد".

ولد الدكتور حسن حنفي في القاهرة العام 1935 وفيها نشأ وتعلم وحصل على البكالوريوس العام 1956 ثم سافر إلى فرنسا فنال درجة الدكتوراه من جامعة باريس (السوربون) العام 1966 وعاد ليعمل بقسم الفلسفة بآداب القاهرة حتى وصل إلى درجة أستاذ متفرغ.

علاوة على إتقانه أصول اللغة العربية فإنه يجيد الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وهو ما مكَّنه من العمل كأستاذ زائر في عدد من الجامعات بالعالم، منها: جامعة تمبل (فيلادلفيا) 1971 1975، جامعة فاس (المغرب) 1982 ـ 1984، جامعة طوكيو (اليابان) 1984 ـ 1985 كما عمل مستشاراً علمياً لجامعة الأمم المتحدة في طوكيو (1985ـ 1987). والسكرتير العام للجمعية الفلسفية المصرية. وهو كذلك نائب رئيس الجمعية الفلسفية العربية.

وفي لقاء معه على قناة دريم 2 برنامج العاشرة مساء مع المذيعة منى الشاذلي في أواخر القرن الماضي،  قال أنه انتمى للإخوان المسلمين في مرحلة الثانوية والجامعة وأنه كان زميلا للمرشد السابق مهدي عاكف في شعبة باب الشعرية، لكنه تحول فكريا، قائلا :" أن ملفه في وزارة الداخلية مصنف تحت عنوان "إخواني شيوعي"، وأنه يدعو إلى اليسار الإسلامي"، وقال أن " الكثير من الأتراك والماليزيين والإندونيسيين الإسلاميين استفادوا من أفكاره وأطروحاته".

استهل حسن حنفي مسيرته العلمية بنشر كتاب (المعتمد في أصول الفقه) لأبى الحسين البصري، وقد صدر في جزءين، بدمشق 1964. كما ترجم عدداً من الكتب أبرزها:

- نماذج من الفلسفة المسيحية" (الإسكندرية 1968).

- رسالة في اللاهوت والسياسة ـ اسبينوزا" (القاهرة 1973).

- تربية الجنس البشري ـ لسنج" (القاهرة 1977).

- تعالي الأنا موجود ـ سارتر" (القاهرة 1977).

وقد كتب حسن حنفي آلاف الصفحات محددا معالم مشروعه الفكرى الذى بدأ بكتاب «التراث والتجديد» ثم توالت المجلدات والأجزاء شارحة ومحللة الجوانب أو الجبهات الثلاث لهذا المشروع الفكري الضخم وكان آخر هذه المجلدات المجلد الذى صدر هذا العام 2018م تحت عنوان «التفسير الموضوعى للقرآن» واختتم به مشروعه الفكري الكبير فى التراث والتجديد فقد غطى به الجبهة الثالثة–جبهة الواقع، وصدر معه فى نفس العام كتابان أحدهما تحت عنوان « ذكريات » والثانى تحت عنوان «شخصيات وقضايا»؛ وبينما كان الأول مجرد ذكريات شخصية روى فيها جوانب وطرائف من حياته الشخصية متشابكة مع جوانب من مسيرته الفكرية الطويلة التى امتدت من عام مولده 1935م حتى الآن (وذلك حسب ما ذكره د. مصطفي النشار).

ومن مؤلفاته أيضا بالعربية : عرب هذا الزمان، وبين النص والواقع، وسلسلة "موقفنا من التراث القديم، والتراث والتجديد (4 مجلدات)، ومن العقيدة إلى الثورة، وحوار الأجيال، ومن النقل إلى الإبداع (9 مجلدات)، وموسوعة الحضارة العربية الإسلامية، ومقدمة في علم الاستغراب، وفيشته فيلسوف المقاومة، في فكرنا المعاصر، في الفكر الغربي المعاصر، وحوار المشرق والمغرب، ودراسات إسلامية، واليمين واليسار في الفكر الديني، ومن النص إلى الواقع، ومن الفناء إلى البقاء،  ومن النقل إلى العقل، والواقع العربي الراهن، وحصار الزمن.

وصدر له بالإنجليزية: الحوار الديني والثورة"، والإسلام في العصر الحديث، كما صدر له بالفرنسية مناهج التأويل"، وتأويل الظاهريات"، وظاهريات التأويل" .

والباحث المتصفح لتلك الكتابات الكثيرة للدكتور حسن حنفي يدرك أنه ذا طابع إحيائي وإصلاحي وثوري ضد الاحتلال تارة، وضد الأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية الفاسدة تارة أخرى، كما يجده كذلك ذا طابع تحديثي تجديدي، ينطلق من الحاضر وما يختص به من حداثة وتجديد في الفكر والثقافة، ومن منظور معاصر يحرص الدكتور حسن حنفي على ضمان ملائمته مع المتغيّرات والمستجدات التي يشهدها واقعنا الحالي وهذ واضح جيدا في كتابه “التراث والتجديد – موقفنا من التراث القديم ” وهو مشروع كان يمثل البيان النظري لمشروع فلسفي ضخم يتمحور كما قال صاحبه حول : مُهمَّةُ التُّراثِ والتَّجديدِ حلُّ طَلاسِمِ المَاضي مرَّةً واحدةً وإلى الأَبَد، وفكُّ أسرارِ الموروثِ حتَّى لا تعودَ إلى الظُّهور. مُهمَّةُ التراثِ والتَّجديدِ التحرُّرُ مِنَ السُّلطةِ بكلِّ أنواعِها؛ سُلطةِ الماضِي، وسُلطةِ المورُوث، فلا سُلطانَ إِلَّا للعَقل، ولا سُلطانَ إِلَّا لِضرُورةِ الواقِعِ الذِي نَعيشُ فيهِ وتحريرِ وِجدانِنا المُعاصرِ مِنَ الخَوفِ والرَّهبةِ والطَّاعةِ للسُّلطة."

كما يُوصَفُ كتابُ "التراث والتَّجديد" بأنه "مانيفستو حسن حنفي"، إِذْ حدَّدَ فيهِ مَعالمَ مشروعِه الفِكري؛ لذا فلا بدَّ من قراءةِ البيانِ الحنفيِّ الأولِ قبلَ الوُلوجِ إلى مشروعِهِ الفِكري. طَرحَ حنفي مشروعَهُ " التراث والتجديد" - الذي يُعدُّ واحِدًا من أهمِّ المشاريعِ الفِكريةِ في العالَمِ الإسلاميِّ في العصرِ الحَديث — منذُ ثَمانينيَّاتِ القرنِ العشرين، وهو المشروعُ الذي أَفنَى فيه عُمرَهُ وبثَّ فيه عِلمَه وعملَه، حامِلًا على عاتقِهِ رُؤيتَه لتجديدِ التراث، مُنطلِقًا من دراستِهِ ومُحاوَلةِ فَهْمِه لإِعادةِ بِنائِه مرَّةً أُخرى من خلالِ عُلومِه، مُؤسِّسًا ما يُمكِنُ تسميتُه "أيديولوجيا الواقع". يَقومُ مشروعُ التراثِ والتَّجديدِ على ثلاثةِ مَحاوِر؛ الأولُ هو "مَوقِفُنا مِنَ التراثِ القَديم"، والثاني هو «مَوقِفُنا مِنَ التراثِ الغَرْبي»، أمَّا المحورُ الأَخيرُ فقد جاءَ بعُنوانِ «نَظرية التفسير".

ولقد فتح الدكتور حسن حنفي مشروعه "التراث والتجديد" وفلسفته على أكثر من صعيد  فهو يكافح على جبهات ثلاث، يبدي موقفه الحضاري ويؤسس لمنظومة قيّم ودلالات فكرية وفلسفية تبنّاها المشروع، جبهة التراث العربي الإسلامي والموقف منه وجبهة التراث الغربي الوافد والموقف منه وجبهة الواقع بكل أبعادها. فالجبهة الأولى والموقف منها جعل منه مفكراً إسلامياً تراثياً مبدعاً والجبهة الثانية والموقف منها جعله مفكراً غربياً أما الجبهة الثالثة والموقف منها جعله صاحب مشروع حقيقي وجريء في السياسة والاجتماع والأخلاق والحياة عامة. هذه الاستراتيجية مرتبطة بالعقل والنقل والواقع، لأن العقل هو الذي يعي ويقرأ ويحلل وينقد ويبني ويركب ويكشف ويغيّر ويطوّر ويجدد، يبني الواقع ويصنع التاريخ والحضارة. ولأنّ النقل وراء إنتاج الحضارة لأمة لها ماضي وتراث تاريخ ودين، وتأثير المنتجات الفكرية والعلمية للحضارة الإسلامية لازال يطبع نفوس أصحابها على الرغم من مرور الزمن عليها. ولأن الواقع يجد فيه صاحبه آماله ويعيش أحزانه، فيه حياته في جميع مستوياتها الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وقراءة المقولات الكبرى في الفلسفة التي يقوم عليها مشروع “التراث والتجديد” مقولة العقل ومقولة النقل ومقولة الواقع، وقراءة صلة هذه المفاهيم ببعضها البعض يدل بوضوح على ورودها بمدلولات متعددة ومتباينة تبعا لمرجعياتها، فهي أخذت نصيبها من التحليل في مستوى أرقى من الدقة والعمق والكفاية. لكنها تبقى دوما تعبر عن مواقف صاحب المشروع الفكرية والفلسفية والإيديولوجية والسياسية كما يغلب عليها الطابع التاريخي أحياناً والطابع التجريدي في أحيان أخرى على الرغم من أنّ المشروع يعطي الأولوية للواقع دون غيره(وذلك حسب قول أسماء بوبكر جيلالي  في مقاله "، التراث والتجديد بين قيّم الماضي ورهانات الحاضر.. قراءة في فلسفة “حسن حنفي” وفي مشروعه الحضاري").

ثم بعد ذلك انطلق الدكتور حسن حنفي من التيارات الليبرالية والعلمانية؛ لأنّها منفصلة عن التراث وتاريخ الذات، ولأنّها ربطت نفسها بتراث الآخر الغربي وواقعه، فوقعت في التغريب، وامتدت روافدها وجذورها في الغرب، سواء في العقلانية أو العلمانية أو الليبرالية والاشتراكية، وهذا التحديث، الذي يأتي من الخارج، ينكر المرحلة التاريخية التي تمرّ بها مجتمعاتنا، وتسقط علينا المذاهب الغربية الأدبية والفنية والسياسية والاجتماعية؛ لذا دعا حنفي كما قال الدكتور أحمد سالم (في مقاله سالف الذكر) إلى تأسيس علم الاستغراب لمواجهة التغريب الذي امتدّ أثره، ليس فقط على حياتنا الثقافية، وتصوراتنا للعالم، وهدّد استقلالنا الحضاري؛ بل امتدّ إلى أساليب الحياة الغربية، وفقه اللغة، ومظاهر الحياة اليومية، وفنّ العمارة.

ولكن على الرغم من نقد حسن حنفي للآخر الغربي، فلا يمكن أن نغضّ الطرف عن الأثر الكبير للفكر الغربي في أعماله، وفي الدور الذي لعبته المنهجيات الحداثية في تقديمه قراءات جديدة للتراث الإسلامي، وهذا واضح من تأثير إسبينوزا، وهيجل، وفيورباخ، وماركس، وهوسرل، وغيرهم كثيرون. ورأى حسن حنفي؛ أنّ أيّة نهضة للأمة العربية لابدّ من أن تنطلق من تراث الذات، ومن الانتظام في التاريخي الثقافي لها؛ وذلك لأنّ التراث ما يزال حيّاً وفاعلاً في وجدان الجماهير وحياتهم، فالتراث هو المخزون النفسي الحي، فالتراث هو جزء من الواقع ومكوناته النفسية، فما يزال التراث القديم بأفكاره فاعلاً في حياتنا، ومن ثم فمن الضروري تجديد نظرتنا إلى التراث بإعادة تفسيره وفق حاجات العصر ( وذلك حسب قول د. أحمد سالم ).

ومن جهة أخري لقد استحضر الدكتور حسن حنفي (بشهادة د. مصطفي النشار) كل التجارب الفكرية المصرية والعربية السابقة عليه وتتلمذ عليها من رفاعة الطهطاوي إلي الأفغاني ومحمد عبده وعثمان أمين وأحمد لطفي السيد وقاسم أمين، كما عاش كل التجارب الفكرية والثورية في عصره وتفاعل معها وشارك فيها فكان دائما صاحب الموقف الصريح والرأي الحر المختلف ... إنه المحاور الفذ القادر وحده بين أقرانه علي مجابهة كل الأفكار والتحاور مع ممثلي كل الثقافات حيث يتقن اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والفارسية والتركية... إنه المثقف والفيلسوف الملتزم بكل جلسة علمية وبكل محفل علمي أينما كان في كل زمان وأي مكان ولا يترك مكانه لغيره ولا يعتذر طالما في العمر لحظة وفي الجسم قدرة ولا زلت أذكر أنه لم يتنازل عن المشاركة في افتتاح مؤتمرا علميا عقدته الجمعية الفلسفية وهو سكرتيرها العام وهو علي سرير المرض وعقب عملية جراحية خطيرة فقرر إلقاء محاضرته الافتتاحية إلي المؤتمرين عبر الفيديو كونفرنس . وحتي مع اشتداد حالته الصحية خطورة لدرجة أن قدميه لم تعد قادرتين علي حمل الجسم الذي يعاني المرض وقد تجاوز الثمانين من العمر، فقد فاجأ حسن حنفي الجميع أن كل ذلك لم ولن يمنعه من الحرص والالتزام بحضور كل الفاعليات العلمية والاجتماعات المهمة وهو علي كرسيه المتحرك، فالعقل الذي عاش حياته متأملاً وناقداً وباحثاً ومبدعاً لا يزال يشع الفكر المستنير والآراء السديدة سواء عبر عنها بكتبه التي تتوالي اصداراتها في عدة دور نشر أو بمقالاته التي لا تزال تتري في العديد من المجلات والصحف .

تحية طيبة لأستاذنا الدكتور حسن حنفي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

عدنان الظاهر(سفينةُ الهواءِ تطيرُ في الفضاءِ / من أناشيد السنة الثانية في مدارس العراق الإبتدائية أيام زمان.. ايام الرُخُص!).

أجلْ، الكلام لا عن الفضاء ولا الهواء ولا سفائن الكون الدائرة حول كوكبنا ليلاً ونهاراً تُحصي أنفاسنا وتلتقط صوراً لعوراتنا المكشوف منها والمستور وتفضحُ علاقة الزوج بأم ولده على سطوح صيف العراق في شهور الحر الذي لا يُطاق. لا اللحاف يفيد ولا الكلّة تنفع أو تستر وربُّك هو الساتر والستّار ! من أية سماء نزلت إليكَ سيّدةُ البهجة والبهاء إذاً يا إبنَ آدم وكيف نزلت؟ نزلت إليَّ من سماءٍ خاصةٍ لا علمَ للبشر بها، لم تُكتشف بعدُ وأرضها ما زالت بِكراً لا من زرعٍ فيها ولا ضرع. وإني لفي شوق عارم عرمرم لأنْ أسمع سيدة البهاء تقصُّ عليَّ حكاية طبيعة ورقم تسلسل [أو تسنسل / من كلمة ستنسل] السماء التي كانت فيها ونزلت لي منها. ثم ما شأني بالسماوات وما ومَن فيها وأنا لستُ أنا إلا كائناً متواضعاً بسيطاً كباقي أهل أرض السواد من النبيط والعُربِ والعجم ؟ تهمّني بالدرجة الأولى والأخيرة السيدة البهيّة الجليلة التي جاءتني تتهادى من هناك. فاجأتني أو [فأجتني] بزيارتها حيث أنَّ بيتي خالٍ حتى من الحطب وباقي أصناف المحروقات من ديزل ونفط أسود وروث وبعر مستورد مجفف ومعلّب بعناية من هناك... من بلاد البعر والبعران حيث يأكلُ البشرُ حتى الجراد والأفاعي والأراول والسحالي وأبو بريص فضلاً عن الريم والغزلان والحُمُر الوحشية الجميلة التخطيط [طيط]. فاجأتني حقاً إذْ لم تكتب لي رسالة ألكترونية أو بريدية عادية بطمغة وطابع ولم تستخدم تلفونها المحمول [على الضمّ] أو موبايلها النقّال ولمْ ولمْ ثمَّ ولمْ فما بالها وقد خطر على بالها أنْ تزورني فأهلاً بها وبأمها وأبيها ولكن، كان عليها إشعاري بموعد زيارتها الدقيق فنحن نحيا عصر ما وراء الذرّة والألكترون، عصر الإنترنت وباقي وسائل الإتصالات الخرافية. رحم اللهُ أيام الحمام الزاجل حيث لا رقيب عليه ولا رقابة حكومية ولا سطو ألكتروني حاذق ولا فايروسات مدسوسة. حمامٌ حرٌّ طليق يعرف جيداً طريقه ويعرف درب العودة بدقة. فهل جاءتني الحبيبةُ سيّدةُ البهاءِ على جناح حمامة زاجلة ؟ قالت كلا، إنما أسقطتني السماءُ مثل [ميتيوريت] أو كنجمٍ مذنّبٍ هوى بكل ثقله وزخمه فوقع عليك وأنت في عقر دارك. هيّا، قالت، قمْ، أنهض ورتّب أمور بيتك وتسوّق طعاماً وشراباً وحاجاتٍ أخرى يقتضيها بقائي لديك ضيفةَ شرفٍ وبهجة. سيّدةُ البهاء في بيتي ؟ لا أصدّقُ ذلك لا أُصدّقُ ذلك أبداً أبداً. إكشفي سيدتي لي رأسك كيما أتبيّنُ حقيقتك وأتعرّفُ على هويتك. قالت كلاّ، ذلك أمرٌ محالٌ. لا أكشف شعر رأسي إلاّ لأبي وأخوتي وزوجي. إجعليني سيدتي أباك أو في مقام أبيك. قالت كلاّ، أنت مهما قربتَ منّي تظلُّ رجلاً غريباً عليَّ. فكّرت وأنا في أشدِّ حالاتي إضطراباً وتشوّشاً... كيف أستطيعُ أن لا أكونَ غريباً على زائرتي وكيف تعتبرني غريباً وهي في بيتي تشاركني طعامي وشرابي وربما حاجاتٍ أخرى كثيرة شديدة الخصوصية ؟ واللهِ قد حيّرني زماني. سيدتي، سيدة البهاء والرونق والروعة، سيدتي، تساهلي قليلاً، تلطّفي، رقّي على حالي وحالي كالعدم أو أكثر تعاسةً. تساهلي وانزلي عن بغلتك العالية فالدنيا لا تدومُ لحيٍّ وغرورها لا محالةَ إلى زوال. أنا ـ سيّدتي ـ لم أطلبْ أكثر من أنْ تكشفي رأسكِ لأرى وجهك الفاتن كما هو. قالت لا أسمحُ لك حتّى أنْ ترى شعرات رأسي. شعرُ الرأسِ حرمةٌ يا رجل فانصفْ واعدلْ ولا تتجاوز الحدود. سبحانَ الله ! هل أنا الذي يتجاوزُ حقوق الناس وحقوقي انا مهضومة بالطول والعرض ؟ سيدة البهاء منشغلة بهواجسها الخاصة عني. تقلّب صفحات ألبوم وضعت فيه حديثاً مجموعة صور تمنيّتُ لو كانت صورتي بين هذه الصور. هل أستطيعُ ـ سيدتي البهيّة التقيّة النقيّة ـ أنْ أمتّعَ نظري برؤية ما في ألبومك من تصاوير ؟ قالت نعم ولكن، بعد حين، ربّما غداً. سمعاً وطاعةً يا أخت العرب. تمتمتُ : وإنَّ غداً لناظرهِ قريبُ. تبسّمت السيدة وهي قليلاً ما تبتسم ولا تضحكُ أبداً كأنَّ الأطبّاء منعوها من الضحك حفظاً على صحتها وسلامة أسنانها فبالضحك تتآكلُ أسنان الإنسان خاصةً إذا اقترب (أو اقتربت) من الخمسين. ظلّت السيدةُ ضيفتي متشاغلة بتصفّح ألبوم الصور وكنتُ أختلسُ بين الفينة والفينة النظرَ بعين واحدة إلى محتوياته... تماماً كلصٍّ غير مُحترف {غشيم}. يبدو أنها أدركت أني أسترق النظر فيما بين أناملها من صور تتعاقب الظهور والإختفاء لكنها لنبلها ورفعة محتدّها كانت تتغاضى ولا تعتبْ أو تُلفت النظر. هكذا يكون البهاء وها هي معي سيدة البهاء إبنة السماء وماء السماء. نفد صبري فوددتُ لو أرفع عن رأسها الغطاء السمائي اللون كيما أراها كما هي لا كما يريدُ منها الشرعُ والعادات والتقاليد. لعنتُ شيطاني وعدتُ لوقاري وتركتها تتصفح البومها غير عابئةٍ بي متجاهلةً كامل وجودي. حرّكتُ الموقف المتعثر بأنْ سألتها أما ترغبُ في أنْ تأكلَ شيئاً وتشربَ مشروباً وأنْ لا تنسى أنها السيدة وأنها ضيفي الكريم. رفعت رأسها بأبّهة وبهاء ثم قالت بوقار طبيعي غير مُتَكلّف : هات ما عندك من طعام وشراب فلقد أحسست للتو بشيء من الجوع وقدر كبير من الظمأ. أتاها على عجلٍ ما أرادت. حمله لنا عاملُ مطعم البيتسا القريب على دراجته الهوائية. كانت حقاً جوعى إذْ شرعت تأكلُ بنهمٍ ونسيتْ حتى أنْ تغسلَ يديها. هكذا يفعلُ بالبشرِ الجوعُ. حاولتْ أنْ تعودَ ثانيةً لألبوم أو متحف الصور لكنها إستثنت وقالت ما لديك من أخبار جديدة سارّة ؟ ومن أين تأتي الأخبار السارّة يا سيدة البهجة والوقار ؟ أجبتها. دخلت مريمُ على الخط فجأة وكانت غضبى. إحتجّت قائلةً لِمَ لمْ توجه لي دعوة لحضور هذا اللقاء لأتعرّفَ على إبنة السماء وسليلة ماء السماء وأطّلعَ على ما يدور بينكما من خاص الأحاديث ؟ مشكلة، إنها حقّاً مشكلة. كيف أدعو المريم لحضور لقاء شديد الخصوصية بيني وبين سيدة البهاء وكانت هذه قد قبلت دعوتي بشروط شديدة القساوة منها : لا أحد يحضر لقاءنا. لا من تقبيل إلا تقبيل الكف الأيمن. لا غزل ولا رومانس. لا دعوة للمبيت. وأن أرافقها بعد لقائنا حتى حدود سمائها السابعة حيث مقر سكناها وعملها والجنات الملحقة بحديقة قصرها. كنتُ قبلتُ ورضختُ لشروطها فمن أين وكيف جاءت مريمُ العذراء على حين غرّةٍ وكيف سأبرر حضورها لسيدة البهاء الأسطوري؟ كنتُ قلقاً في حقيقة أمري وكنتُ خائفاً من وقوع ما لا تُحمدُ عُقباهُ. طلبت إبنةُ ماء السماء شيئاً تشربه فأتيتُ السيدتين بعصير برتقال طبيعي مركّز خالٍ من السكّر وهو شرابي المفضَّل. رفعت السيدة كأسها مع إبتسامة ودودة وجهتها لمريم فتجاوبت على الفور معها وردّت الإبتسامة بأحسنَ منها رافعةً كأسها إلى أعلى ما تستطيع مبالغةً في المجاملة والتكريم. إذاً قد حصل التحوّل فتغيّرت المعادلة وزال همّي وقلقي بعد أنْ إستطابت السيدة [أو العلوية] حضور مريم واستلطفتها بل وتركت أريكتها لتجلس إلى جانبها كتفاً لكتف. سبحانَ مُغيّر الأحوال. الزمن أفضل طبيب وأنجعُ دواء فعلّقت السيدة بمرح وبهجة : الفضلُ لعصير البرتقال المركّز الخالي من السكّر. إرتعبتُ ! ما تقصد السيدة بكلامها هذا ؟ هل تعرف أني مريضٌ بداء السكّري؟ تجاهلتُ الملاحظة حتى لكأني لم أسمعها لكنَّ مريم الذكية القوية الملاحظة عقّبت قائلةً : أجلْ، الفضلُ كل الفضلِ للبرتقال على الشجر ولعصيرة في كؤوس البللور المتألقة الشديدة الشفافية والنقاء. أضفتُ إنه كريستال بوهيمي من أرقى الأنواع فلم تفهم ضيفاتيَ ما قصدتُ ولم تعلّقا. تركت السيدتين العذراء وابنة السماء منسحباً بحجة إنجاز بعض المهات العاجلة منها الرد على بريدي الألكتروني وكتابة بعض الرسائل وإتمام بعض الحواريات فانبسطتا أكثر وراحتا في أحاديثَ لها أولٌ وليس لها آخرُ. كنتُ أراقبهنَّ خلسةً عن بُعد وما كانتا تشعران بي مراقباً. أهكذا إذاً تنسجمُ النساءُ إذا اختلين ببعضهنَّ وخلا الجو لهنَّ من الرجال؟  

 

عدنان الظاهر

23.11.2009 

 

قاسم حسين صالحعفيفة اسكندر

في العام (1972) كنت اعمل مذيعا في اذاعة بغداد، ومحررا في مجلة (الاذاعة والتلفزيزن).. التي كانت الاوسع انتشارا والاغزر في تنوعها الثقافي والفني، والاكثر استقطابا لمحررين متميزين بينهم: زهير الدجيلي، فالح عبد الجبار، فاطمة المحسن، زهير الجزائري، محمد الجزائري، سؤودد القادري.. الذين صاروا من ابرز الكتّاب العراقيين.

كنت حينها شابا وسيما نشطا (طالب دراسات عليا، ومذيع، ومحرر صحفي في آن واحد). وكان الراحل زهير الدجيلي (رئيس التحرير) يختارني لاجراء لقاءات صحفية مع الاشخاص "الصعبيين" مثل محمد القبنجي وآخرين افتقدناهم ونسيناهم في زمن شح به الوفاء لمن كانوا رموزا فنية وثقافية وعلمية ايضا في زمن أشاع ثقافة القبح واعتبر الفن حراما!

في صباح احد الايام، طلبني زهير الدجيلي، ونظر اليّ من فوق نظارته وقال:

- حبيبي قاسم.. اريدك تعمل لقاء صحفي مع عفيفه.. صار تلث مرات تعتذر.. وهي بطبيعتها تكره اللقاءات الصحفية.. يلّه وريني شطارتك ياحلو.

كنت حينها قد علّقت في اذني نصيحة تلقيتها من صحفي مصري اسمه (كرم شلبي). كان يدرّسنا مادة (الفن الصحفي) في دورة اذاعية لعشرة من بين اكثر الف متقدم اجتازوا اختبار لجنة مؤلفة من: محمد سعيد الصحاف، سعاد الرمزي، سعد لبيب مدير برامج اذاعة صوت العرب، عبد المرسل الزيدي، بدري حسون فريد، وثامر مهدي (هكذا كان ينتقى المذيع ويدخل دورة اذاعية لثلاثة اشهر يتلقى فيها دروسا في اللغة وفن الألقاء والصوت).

كانت نصيحة كرم شلبي هي [حين تذهب لاجراء مقابلة صحفية.. اذهب معبئا]. وكان يقصد بها ان على الصحفي ان يفاجيء الشخصية التي يقابلها بمعلومات يظن ان لا احد يعرفها.

كنت حينها اعمل في القسم الثقافي الذي يرأسه الشاعر حسب الشيخ جعفر، وكان الشاعر حسين مردان (الوجودي، المتمرّد) يعمل فيه ايضا.. وقيل لي ان له علاقة حب بعفيفه.. وانه نظم لها قصيدة حب رائعه.

حييته بتحية خاصة.. وبعد ان هيأته نفسيا قلت له: بداعة عفيفه.. اريدك تعطيني القصيدة اللي نظمتها لعفيفه اسكندر.

حدّق بي وهو يمسّد شعره المنسدل على اذنيه بلا تمشيط.. وقال:

- انها هنا.. خذها ان استطعت.. واشار الى قلبه!

وبعد موقف رومانسي.. وقبلة على خده.. وضعت القصيدة في جيبي.. وكانت اول تعبئه.

ورحت ابحث عن تعبئه ثانية.. فقيل لي.. ان احد شيوخ الديوانية.. دعى عفيفه اسكندر لاحياء حفلة بمناسبة زواج ابنه، وانها تعرضت الى حادث اعتداء عليها اذ كانت وقتها جميلة جدا، تلهب الحفلات بحركاتها (وخبلّت ناس ماشايفين) بحسب تعبير من روى لي، الذي افادني بأن ابن هذا الشيخ يعمل في (مصرف الرافدين) فقصدته، وروى لي تفاصيل الحادث.. فكانت التعبئة الثانية.

كان موعد اللقاء الساعة السابعة عصرا، في شقتها بشارع ابي نؤاس. فانطلقنا انا والمصور حسين التكريتي، الذي اصبح فيما بعد المصور الخاص للرئيس صدام حسين.

وصلنا على الموعد.. ووجدنا عفيفه بكامل اناقتها.. فستان احمر منقط بأبيض.. تسريحة بشعر مرفوع الى اعلى يمنحها طولا وكبرياء.

رحبت بنا.. وقالت:

- تره المجال ساعة فقط.. لأن عندي التزام الساعة ثمانيه.

اجبتها: ولا يهمك ست عفيفه.. كلش كافي.. والتفت الى المصور: يله ابو علي.. شوف شغلك.. التقط لها صورة غلاف جميلة.. وغادرنا.. وبقينا.. في الشقه.. انا وعفيفه فقط!.

وجرّ الحديث.. واجتزنا الساعة الثامنه.. وادخلتني الى جناح اخر في الشقه.. كانت على احد رفوفه تماثيل خشبيه لرؤوس بشرية منحوته بدقة.. فأجأتني انها من صنعها.. وكانت على الحائط صورة لطفلة جميلة، بأطار انيق، سألتها.. من تكون هذه الطفلة، اجابت: انها انا.

- ممكن أخذها معي.. لتنشر مع الموضوع.

- قالت: وبريق الدمع بدأ يلمع بعينيها:

- خذها، وثقتي بك انك ستعيدها، فهي اعز ذكرى واكثرها ألما في حياتي.

وبدأت تروي لي حكايات طفولتها.. واوجعها.. يوم زفوها وهي بعمر 12 سنة الى زوجها (اسكندر اصطفيان) ومنه اخذت الاسم.

- البسوني البدله البيضاء، وكعب عالي لأنني كنت قصيره، وزفوني، وانا لا اعرف ما يجري.. ودخلت على رجل يكبرني بأربعين سنه.

تبادلنا الاحزان، وبكت عفيفه.. يالجمال الدمع على خديها المتوردين بحمرة اضافية وضعتها باناقة فوق وجنتيها. وكنت لحظتها بين المشفق عليها المداري لاحزانها، وبين (الصحفي السيكولوجي الخبيث) الذي يستهوي ان يزيدها حزنا لتفيض بما استقر في موطن الاسرار!

سألتهاعن علاقتها بحسين مردان.. فأجابت انه حب من طرف واحد، وانها ما كانت تحبه لشخصه، انما تحب فيه الشاعر المتمرد الجريء.

وسألتها ان كانت تجد في "تعذيبه" ما يشعرها بالمتعه، فأجابت.. ابدا، بل انها تشفق عليه، وتستمتع بشعره، وان ادباء كثيرين غيره حاولوا، غير انه كان نظيفا ونقيا.. ولطيفا في ساعات صفائه!

اجتزنا التاسعة مساءا.. تناولنا عشاءا خفيفا.. وحكت لي عن لقاءاتها بفنانيين مصريين كبار، وشعراء كبار، بينهم ابراهيم ناجي صاحب قصيدة الاطلال، ومحمد عبد الوهاب، وتحية كاريوكا.

والاكثر من ذلك.. ان عفيفه اسكندر كان لها في بغداد صالونا ادبيا يحضره ادباء وشعراء وفنانون وسياسيون بينهم نوري السعيد والوصي عبد الاله!، وأن صالونها كان مطبخا فنيا وثقافيا وسياسيا ايضا.. وعندها كان عليّ انا الصحفي.. ان اقلب صورة عفيفة اسكندر في اذهان العراقيين، في زمن مبكر نسبيا (بداية السبعينيات). ذلك ان الفكرة المأخوذة عن الفنانة، انها تبيع الهوى، ولا شرف عندها، وان (لحمها رخيص).. فعمدت الى تصحيح، بل قلب هذه الصورة الى ان عفيفه.. فنانه.. مثقفه.. محبه للادباء والمثقفين وان بيتها كان صالونا ثقافيا وفنيا و.. سياسيا ايضا!.

وللأسف.. فأن الصورة المأخوذه عنها في اذهان عامة الناس، كانت نفسها موجودة لدى مثقفيين ايضا. ففي صباح اليوم التالي استقبلني زملائي الصحفيين في المجلة (مهنئين) لي بقضاء ليلة ممتعه!.. وما علموا ان عفيفه التي تخلت عن التزامها ومدت الموعد من الثامنه الى قريب منتصف الليل.. كانت نقيه.. مثقفه.. مهذبه.. فنانه من طراز خاص.. وانها وجدت صحفيا استفاد من خبرة من علموه فن الصحافة في العزف على اوتار ما عزف عليها احد قبله.. فكان تحقيقا صحفيا مميزا في حينه قلب الصورة المأخوذه عن عفيفه اسكندر، من كونها فنانة (ملاهي) الى فنانة مثقفة كانت تحظى باحترام وتقدير ادباء وشعراء وسياسيّ زمانها.

وما يؤلم، ان عفيفه عاشت شيخوختها بما يشبه التراجيديا. فلقد كانت تملك الدنيا وقلوب الناس، فما ملكت منها في شيخوختها شيئا، ولا خفّ احد لتشيع جنازتها من جمهورها الذي كانت تغص به صالات حفلاتها، ولا جازاها عراقي بخطوة وراء تابوتها مع أنها اطربت العراقيين لنصف قرن وسحرتهم بعذوبة صوت مثقف رصين يتقن اللغة، وان من كان يحظى بمصافحتها كان يتباهى وقد لا ينام ليلته من روعة فرحه.

كم تمنيت، بعد ما رأيت، لو أن الموت زارها قبل عشرين سنه، كي لا ارى قساوة " التسعين " على من كانت في شبابها حمامه ملونه توزع الفرح على الناس، وان تموت بعزّة نفسها.. لا ان تستجدي حكومة اهدرت المليارات بين نهب وترف سفيه.. وما عطف عليها سوى الرئيس جلال طالباني بمخصصات متعثره هي اقل بكثير من المبلغ الذي منحته مؤسسه المدى.

يالهذا الزمن النحس، المقرف، الكاره للفن والجمال.. ويالنهايات من يقترب الآن من مشهد تراجيديا.. عفيفه اسكندر.

 

* احتفل محرّك البحث جوجل في يوم (الثلاثاء 10 /12 /2019) بالذكرى الثامنة والتسعين لميلاد عفيفة اسكندر، ويأتي هذا المقال من اول صحفي يكشف الوجه الآخر الراقي لأيقونة الطرب العراقي الذي لا يعرفه الكثير من الكبار والغالبية من الشباب!

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

 

محمود محمد عليقد لا أكون مبالغا إن قلت بأنني لست من أنصار وأتباع من يكابرون ويتبرمون على الجهر بالحقيقة وفي وقتها القانوني دون أن تطالهم صافرة اللوم والنقد والعتاب مهما يكن من أمر أو تشتد بهم العواصف العاتية والرياح الهوجاء التي قد تجرفهم في تيارها الواسع البعيد في نقطة اللاعودة، ولأن أستاذ الفلسفة كما اعتقد هو ذلك الكيان المسكون والمخلوط بروح العطاء الخارق، فهو يمثل الرسالة البيضاء المليئة والمتدفقة في كل الجامعات والمحافل الفلسفية أينما كان وحيثما وجد فلولا هذا الأستاذ ما أطلت علينا نسائم وبشائر التفوق في عالم الفلسفة، وما شعرنا بقيمة الرجال العظماء والمفكرين الأفذاذ ، وما تلذذنا بطعم الكلمات والتعليقات الساخرة واللاذعة التي تقطر بها أقلامهم وتلهج بها ألسنتهم وتخطها أناملهم في كبريات المؤتمرات غير عابئين أو مكترثين بما يعترضهم من مصاعب ومشاق.

والدكتور أحمد عبد الحليم عطية واحد من هؤلاء الأساتذة العاشقين للمؤتمرات الفلسفية، فلا يًعقد مؤتمرا فلسفيا في الشرق والغرب إلا ويكون أحمد عبد الحليم أحد المشاركين فيه إما بالحصور أو بألقاء بحث وهذه ميزة تحمد له .

ولمعرفة القارئ الكريم بالدكتور أحمد عبد الحليم عطية نقول عنه بأنه أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة وعضو في عديد من الجمعيات الفلسفية العربية والدولية ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية، وهو مصرى الجنسية من مواليد القاهرة في 11 فبراير 1951، متزوج وله أربعة أبناء، حاصل على ليسانس آداب قسم الفلسفة بتقدير جيد جداً 1973 جامعة القاهرة، ماجستير فلسفة "القيم عند رالف بارتون بيرى" بتقدير ممتاز 1980 كلية الآداب القاهرة ودكتوراه الفلسفة "مفهوما الطبيعة والإنسان عند فيورباخ: دراسة نقدية" 1986، كلية الآداب – جامعة القاهرة.

وقد كتب أحمد عبد الحليم في الكثير من مجالات الفلسفة، وشارك في العديد من الندوات، فاهتم بدراسة علم الجمال، وهو قد حصل على بكالوريوس معهد السينما، وقام بتدريس مادة علم الجمال في قسمي الفلسفة واللغة الإنجليزية، وصدر عن هذه التجربة كتابه "دراسات جمالية"، هذا بالإضافة إلى اهتمامه المكثف بالفكر العربي المعاصر، فكتب عن الأخلاق وعلم الجمال في الفكر العربي، وكتب عن د. عبد الرحمن بدوي، وعن محمد عبد الهادي أبو ريدة ، وتوفيق الطويل وقدم دراسات مستفيضة عن هشام شرابي وعلي أومليل وناصيف نصار وغيرهم. أما عن جهده في تخصصه الدقيق (الأخلاق والقيم والفلسفة المعاصرة) فقد كتب في الأخلاق الإسلامية واليونانية والحديثة والمعاصرة؛ بالإضافة الى الفكر العربي وما بعد الحداثة.

كما يُعد الدكتور أحمد عبد الحليم عطية واحد من أساتذة الفلسفة الكبار في العالم العربي المشهورين بحضور المؤتمرات العلمية، حيث اهتم في مشروعه الفكري بالأخلاق والقيم وعلم الجمال ودرس الفلسفة والسينما واللغات الأجنبية في المحافل الفلسفية، لديه ما يزيد عن 50 كتابُا منشورًا في الفلسفة ما بين ترجمات ومؤلفات؛ تذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: القيم في الواقعية الجديدة عند ر.ب. بيرى، وفلسفة فيورباخ، والأخلاق في الفكر العربى المعاصر، والصوت والصدى: الأصول الاستشراقية في فلسفة بدوى الوجودية، والديكارتية في الفكر العربي المعاصر، والأخلاق الهيجلية: ترجمة كتاب وولش ودراسة، وأصل الدين، ترجمة كتاب فويرباخ: ودراسات في تاريخ العلوم عند العرب، والسعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية، دراسة و"تحقيق"، نظرية القيمة ونصوص أخرى، دراسة ترجمة لايريان، وميتافيزيقا القيم عند دويت باركر، والأخلاق والحياة الأخلاقية عند المسلمين "ترجمة عن دى بور"، ودراسات أخلاقية، ومحاضرات في الفلسفة العربية "إعداد لمحاضرات جلارزا بالجامعة المصرية"، الموسوعات الفلسفية المعاصرة في العربية "قراءة نقدية تحليلية"، وجالينوس بين الفلسفة والعلم، وإعادة تقييم الحديث "العودة إلى القرآن" ترجمة لكتاب قاسم أحمد،  ما بعد الحداثة والأخلاق التطبيقية.. وهلم جرا.

إن كتابات الدكتور أحمد عبد الحليم عطية تنتمي – فيما يرى البعض – إلى نمط الكتابة ما بعد الحداثية: أي الكتابة غير النسقية، وهي كتابة لا تتقيد ببناء محدد أو خط سير معين، وإنما تمضي في كل اّتجاه بحسب الحاجة والضرورة التي تفرضها المناسبات البحثية والقضايا الآنية. فكتابات أحمد عبد الحليم – في معظمها – كانت أبحاث ودراسات قصيرة أتت بهدف المشاركة في الفعاليات البحثية والدوريات المتخصصة، ولعل هذا كان هو السبب في أن أحمد عبد الحليم لم يصرح بكونه يسعى باتجاه إنجاز مشروع فكري ما ، ولكنه صاحب رسالة.

ولذلك لا أنسي تلك المقولة التي قالها عنه الدكتور مراد وهبة حينما قال: إذا أردت أن تعرف الرسالة الفلسفية للأستاذ الدكتور أحمد عبد الحليم عطية فاقرأ المجلدات الثالثة التي أصدرها تحت عنوان "موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين"؛ حيث يكتب فيها كل مفكر رأيه في مفكر آخر. وكانت الغاية من ذلك تعريف الجمهور الفلسفي بالإصدارات الفلسفية هؤلاء المفكرين "الذين يسعون إلى التحديث والنهضة والتقدم ويتوسلون إلى ذلك بأساليب العقل والعلم والنقد، ويهدفون إلى تحقيق حياة مدنية حديثة تليق بالإنسان وتحقق غاياته وآماله وحقيقته.

كذلك قال عنه الدكتور فتحي التريكي: ليس ثمة شك أن الصديق الأستاذ الدكتور أحمد عبد الحليم عطية قد كرس مجهودا متواصلا بالمواقف والمقاربات ّالفكرية في ميادين عديدة داخل تيارات الفلسفة للتعريف ومناهجها.  فالعدد الضخم من الكتب التي ألفها أو التي أشرف عليها وقّدمها أو التي حققها أو أنجزها للطبع تشير بما لا يدعو للشك إلي سعة اطلاعه وإلمامه الشديد بكل ما يجد في الميادين الفلسفية والفكرية. والحقيقة أنه أثري المكتبة العربية بهذه الأعمال الضخمة التي أصبحت مراجع أساسية للبحث والفكر، فقد كان الفكر الفلسفي اليوناني حاضرا في هذه الأعمال كما كانت الفلسفة العربية القديمة ملهمة لبعض أطروحاته. أما الفلسفة الحديثة والمعاصرة غربية كانت أم عربية فهي التي أخذت الجانب الأكبر من تفكيره ونقده الفلسفي. كان إذن أرسطو وأفلاطون من مراجعه المهمة، وكان حضور الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون متواترا هنا وهناك في مجمل أعماله. كما كان ديكارت ولا كانط وفيورباخ بالإضافة إلى هيجل ونيتشه وهيدجر من فلاسفة الغرب الحديث الذين اعتمدهم في فلسفته. كما اهتم صاحبنا بالفكر الفلسفي المعاصر مجسدا في فلاسفة كبار مثل جيل دولوز وميشال فوكو وهابرماس وجون رولز وغيرهم. أما إذا أردنا إثبات المفكرين والفلاسفة العرب الذين اهتم بهم وبأعمالهم أحمد عبد الحليم عطية فستكون القائمة طويلة لا يتسع المجال هنا لفتحها.

ولست في حاجة إلي تناول أفكار الدكتور أحمد عبد الحليم الفلسفية والنقدية في هذا المقال ، فقد قام بهذه المهمة عدد من الزملاء بأبحاثهم التحليلية النقدية في المجالات المختلفة التي أسهم فيها أحمد عبد الحليم بكتاباته ، وسوف يتابع القارئ هذه الأبحاث لكنني سوف أشير إلي أن هذا المقال يأتي ربما متأخرا بعض الشئ عن وقته فأفكار أحمد عبد الحليم وغيره من رواد فكرنا المعاصر جدير بالبحث المنهجي تأكيدا للقيم التي التزموها والقضايا التي طرحوها.

لقد كان الدكتور أحمد عبد الحليم وعي بمهمته ورسالته ودوره في بداية نشاطه الفلسفي، الذي بدأ منذ تخرجه في قسم الفلسفة بجامعة القاهرة عام 1975،وهو تقديم "تاريخ واسع شامل للفكر الفلسفي اليوناني واللاتيني والإسلامي والحديث والمعاصر". وقد رأى أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا من خلال وسائل ثلاث متاحة أمام الباحث الجاد وهي: الترجمة الأمينة للكتب الأساسية في اللغات المختلفة التي تتناول الفلسفة اليونانية والإسلامية والحديثة والمعاصرة، وتحقيق المصادر الأصلية في فروع الفلسفة؛ بالإضافة لتقديم الدارسات مبتكرة تحيي الجوانب الهامة في هذه الفلسفة وهي عنده الجوانب الفلسفية والدينية والعلمية والفنية التي اهتم بها كثيرا وتابعها طوال حياته.

ويهمنا هنا أن نشير إلي بعض الملامح الأساسية في كتابة الدكتور أحمد عبد الحليم الفلسفية التي تعطي بعض المؤشرات في تفكيره موقفه الفلسفي العام ، وأول هذه الملامح هو فهمه للفلسفة من أنه يجعل منها فاعلية دائمة تجاه الواقع والتاريخ والإنسان وهذه الملامح هي: التفاؤل بالغ والإنسان والتاريخ والحوار البشري ، فالحوار هو ارتفاع بالحديث البشري إلي مستوي الخلاف الفكري بحثا عن الحقيقة، والخلاف الفكري لا يعني بالضرورة التشاجر ولا يعني البغضاء أو العداء ، والحوار البشري هو محاولة للارتفاع بالتنوع والاختلاف إلي إطار مشترك من الوحدة وهو ضبط لإيقاع الحركة والنشاط الواقعي ، وتجمع وبلورة للخبرات الحية وهو فرز اما هو صحيح سديد عما هو فاسد معوج ، إنه جوهر أسلحة الإنسان للوصول إلي الحقيقة ، حقيقته ، وحقيقة الوجود من حوله . وأخيرا النقد ؛ والنقد هنا ليس بالمعني الأدبي ولكنه النقد الفلسفي الكانطي ؛ وكأن لسان حالة حال الدكتور أحمد مستجير الذي عرف نفسه قائلا "أنا في الحق موزع بين شاطئين كلاهما خصب وثري، أجلس على شاطئ وأستعذب التأمل في الآخر.. وأعرف أن الفن أنا، والعلم نحن، ذبت في الـ نحن وأحن إلى الأنا، وأعرف أن الفن هو القلق وأن العلم هو الطمأنينة؛ فأنا مطمئن أرنو إلى القلق".

وأخيراً إذا أردت عزيزي القارئ أن تتعرف علي بعض جوانب وقدرة ومهارة الدكتور أحمد عبد الحليم في النقد والتحليل، وإذا أردت أن تتعرف علي براعته الفلسفية وطريقته الفريدة في البحث وراء معاني التصورات والمفاهيم في بحر الفلسفة العميق المترامي الأطراف، فعليك بقراءة كتبه علها تفتح شهيتك لقراءة المزيد من كتاباته وتستحثك للخوض بنفسك في بحار الحكمة ومحيطات المعرفة.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ الدكتور أحمد عبد الحليم لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للأستاذ الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

معراج احمد الندويمحمد اقبال الذي طبق صيته في الآفاق وتجاوز شهرته حدود الزمان والمكان، ولم يمض وقت طويل حتى رسخت مكانته كأحد أكبر المفكرين في العالم الإسلامي. واليوم لا يوجد مثقف عربي من لا يعرف اقبال وإسهامه في إثراء الفكر الإسلامي.

استخدم هذا الشاعر الإسلامي عبقريته الشعرية ومواهبه الأدبية في نشر عقيدته وشعوره ودعوته. لقد اقبل على دعوة الشعوب الإسلامية إلى الاتحاد وتكوين رابطة لها تكون قيمها ومبادئها بمثابة النور الذي يهدي العالم إلى الحق والخير والجمال والقوة والحرية والإخاء. ولقد قدم إقبال للإسلام خير ما في الحضارة الحديثة من أفكارعلمية وفلسفية. لقد خصص اقبال قصيدة من أبدع قصائده للحدث مع الأمة العربية ليسجل فيها فضلها وسبقها في حمل الرسالة الإسلامية والأخذ بيد الإنسانية وافتتاحها لتاريج جديدووفجرسعيد.

إن شعر اقبال يعبر عن هموم الأمة العربية والإسلامية وآلام الإنسانية في حياتها الفردية والجماعية، ويقدم لأدوائها دوائا ويهدي إلى طريقة لهم حقيقة الحياة. وكانت أفكاره عصارة علوم الشرق والغرب، وهب حياته للمسلمين وللإنسانية، فاتخذ الشعر وسيلة لها، لأنه رأى أن الشعر أكثر نفوذا وتأثيرا.

إن أعظم ما حملنا على الإعجاب بشعر اقبال هو الطموح والحب والإيمان، وهي تندفع اندفاعا قويا إلى كل أدب ورسالة يبعثان الطموح، وسمو النفس وبعد النظر، والحرص على سيادة الإسلام، وتسخير هذا الكون لصالحه، والسيطرة على النفس والآفاق، ويغذيان الحب والعاطفة، ويبعثان الإيمان بالله، والإيمان برسوله نبينا الكريم وبعبقرية سيرته وخلود رسالته، وعموم إمامته للأجيال البشرية كلها. إنه كان صاحب فكرة واضحة وعقيدة راسخة عن خلود الرسالة المحمدية وعمومها، وعن خلود هذه الأمة العربية وصلاحيتها للبقاء والازدهار.

ذكر إقبال الأمة الإسلامية وآلامها وآمالها، وهوغارق في حزن عميق وألم شديد بما رأى أحوال المسلمين المؤلمة، فيقول في بلاغة الشاع روصدق الرائد وهو يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم: إن هذه الأمة الإسلامية البائسة التي لا تزال فيها بقية من شمم وإباء، وأنفة الملوك وعزة الآباء، لقد فقدت مع مرور الزمن يا رسول الله! لوعة القلب واكسير الحب، إن قلبها حزينة منكسرة ، ولكنها لا تعرف سر ذلك.

ماذا أحدث بها يا رسول الله؟ فلطف الله بهذه الأمة المنكوبة الهاوية منقمة المجد العالية، أنه لا يزال الزمان يعاديه ولا يزال ركبها تائها في الصحراء، بعيدا غايتها ومنزلتها. حسبك من هذه الأمة، وما يسود فيها من الفوضى والاضطراب أنها تعيش من غير إمام، إن غمده فراغ ككيسه، فهو أعزل فقير، إن الكتاب الذي فتح به العالم وضعت هذه الأمة في بيتها تراكمت عليه الأتربة ونسج عليه العنكبوت.

إن هذه الأمة العربية تحمل القلوب، ولا تعرف المحبوب.إنها تملك مادة الحب ولكنها لا تعرف من تشغلونها به وتوجههونها  إليه، فقلوبها تائهة وعقولها مضطربة، وجهودها ضائعة وعملها ضعيف، أصحبت حياتها لا لذة فيها ولا سرور، لا أمل فيها ولا شعور، وهي حياة من رق القلب وحرم الحب، ولا شك أن الحب هو خير حاجزللقلب، وخيرحارس له. إن الحب هومصدر الشعر الرقيق، والعلم العميق، والحكمة الرائعة، والمعاني البديعة والبطولة الفائقة والشخصية الفذة والعبقرية النادرة، إليه يرجع الفضل في غالب عجائب الإنسانية، ومعظم الآثار الخالدة في التاريخ.

رأى إقبال أن الإسلام هو الرسالة الأخيرة المختارة، الرسالة الوحيدة التي تستطيع أن تجدف سفينة الحياة، الإسلام هوالذي يستطيع أن ينقذ العالم من براثن الجاهلية والوثنية، وعبادة الإنسان وعبادة الأوثان، وعبادة الشهوات وعبادة البطون والمعدات، إنه كان قوي الأعجاب بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وبمكانته، كالمنير للسبل، وخاتم الرسل، ومقتدى الجميع، إماما الكل الذي رفع من قيمة غبار الأرض فجعله إثمدا للعيون وصيقلا للقلوب.

رأى إقبال أن من أهم أسباب التخلف للأمة الإسلامية والعربية هو الابتعاد عن الإسلام ورسالته الخالدة وإخلادهم إلى المادة وزخارفها الخلاية، بالرغم أن لهذه الأمة العربية لها تاريخ مشرق، لقد أدت دورا فعالا في بناء الحياة الإنسانية المثالية وفي إحلال السلام والأمن في العالم كله. إن هذه الأمة قد اتخذت القرآن مهجورا، وأنها فتنت بالمال وشغفت بجمعه وادخاره كغيرها من الأمم والشعوب. وأن علماء الإسلام وشيوخه ليست عندهم تلك اليد البيضاء التي تشرق لها الظلمات ويضييء لها العالم.

يقول إقبال وهو يخاطب الأمة العربية: أسفا على الجمود والخمود يا عمار البادية، كنتم أمة واحدة ،فصرتم اليوم أمما، كنتم حزبا واحدا، فأصبحتم أحزابا، يا رجل البادية، يا سيد الصحراء، عد إلى قوتك وعزمك، وامتلك ناصية الأيام، وخذ عنان التاريخ، وقد قافلة البشر نحو الغاية المثلى،... لن تسعكم الصحراء والفيافي ، فاضربوا خيمتكم في وجودكم الذي يسع الآفاق، كونوا أسرع من العاصفة وأقوى من السيل حتى تسرع ركائبكم في مضمار الحياة وتسبق الريح، يقول أخيرا: معذرة يا عظماء العرب، لقدأراد هذا الهندي أن يقول كلمة صريحة، فلا تقولوا أيها الكرام:هندي ونصيحة للعرب، إنكم كنتم أيها السادة أسبق الأمم إلى معرفة حقيقة الدين، وأنه لا يتم الاتصال بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا بانقطاعكم عن أبي لهب، ولا يصح الإيمان بالله إلا بالكفر بالطاغوت، إن العالم العربي أيها السادة لا يتكون بالثغور والحدود فقط، وإنما يقوم على هذا الدين الإسلامي وعلى الصلة بمحمد صلى الله عليه وسلم.

لقد ادرك إقبال قيمة هذا الظمأ الحنان فوجه الأنظار إليه حين قال في قصيدة له: أنزل أيها المسلم إلى أعماق نفسك وادخل في قرارتك شخصيتك حتى تكشف سر الحياة، انصف نفسه يا هذا، وكن لها وفيا صادقا، إن عالم القلب كله حرارة وسكر وحنان وشوق، أما عالم الجسم فتجاوز وزور واحتيال، ثروة القلب لا تفارق صاحبها، أما ثروة الجسم فظل زائل ونعيم راحل، إن عالم القلب، لم أر فيه سلطة الأفرنج ولا اختلاف الطبقات.

رأى اقبال ان الأمة العربية تحمل رسالة خالدة وتحتضن أمانة خالدة، وتعيش لغاية خالدة، أن الأمة العربية الإسلامية هي مصدر الانقلاب الصالح في التاريخ ومطلع فجرالسعادة في العالم، إنها لم تزل ولا تزال رائدة الانقلاب ورسول الحياة. إذا نادت الآفاق بأذانها، أشرق العالم واستيقظ الكون. الأمة العربية الإسلامية هي كالشمس إذا غربت في جهة طلعت في جهة أخرى، فلا تزال طالعة.

رأى إقبال أن مستقبل الأمة العربية منوط بالإسلام ويلزم على المسلمين الاتحاد والوئام فيما بينهم على هذه الأرض، وإن سبيلهم الوحيد إلى الاتحاد والترقي والمجد،إنما هي العودة إلى تطبيق تعاليم الإسلام قولا وفعلا وعقيدة. هذه هي رسالته إلى الأمة العربية، وهي رسالة إلى الحياة والقوة والأمل والعمل، وهي رسالة تدعو إلى نبذ اليأس والمخاوف والخنوع، وهي رسالة تعيد المجد الماضي المشرق في حياة الأمة العربية.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

ضياء نافعنتحدث في هذه الحلقة عن اثنين من العراقيين في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو . كلاهما ترك الدراسة فيها . اتوقف اولا عند اسم طالب الدراسات العليا المرحوم سليم غاوي عبد الجبار، الذي كان يحمل شهادة البكالوريوس من دار المعلمين العالية في اللغة العربية وآدابها . كان انسانا هادئا ومتواضعا وخلوقا، الا انه كان منعزلا بعض الشئ، وارتبط اسمه بيننا (نحن الطلبة العراقيين) باسم الناقد الروسي بيساريف، والذي كان سليم غاوي يخطط ان يكتب عنه اطروحته وكان يتحدث عن هذا الناقد الروسي دائما، لدرجة، ان بعض الطلبة كانوا يطلقون عليه اسم بيساريف في احاديثهم الضاحكة الخاصة جدا في اوساطهم، ولم يكن سليم يعرف بذلك طبعا. لم يتميّز سليم غاوي بمعرفته العميقة للغة الروسية، هذه المعرفة الضرورية جدا – بلا شك - لدراسة النقد الادبي الروسي وكتابة اطروحة دكتوراة حول واحد من اعلامه الكبار مثل دميتري ايفانوفيتش بيساريف (1840 -1868)، ولا اعرف سبب تركه الدراسة لاحقا، ولكني اظن، ان احدى هذه الاسباب حتما تكمن في انه فهم تلك الحقيقة العلمية والبسيطة في آن . ان الكتابة عن بيساريف (رغم ان هذا الناقد عاش 27 سنة فقط) تتطلب معرفة معمقة لمفاهيمه وآرائه حول بوشكين وليرمنتوف وغوغول وتورغينيف ودستويفسكي، ومعرفة معمقة لمسيرة النقد الادبي الروسي واعلامه من بيلينسكي وتشرنيشيفسكي ودبرالوبوف، وكل ذلك يتطلب طبعا معرفة معمقة باللغة الروسية، ويتطلب سنوات طويلة من الدراسة تكاد تصل – بالنسبة للاجنبي - الى ضعف المدة القانونية المحددة للدراسة . ولكن مع ذلك، يجب القول هنا، ان اختيار سليم غاوي لهذ الموضوع المهم والمتميّز في تاريخ النقد الادبي الروسي يعني ان غاوي كان يعرف بعض اوليات الموضوع، ويعني ايضا انه قرار شجاع وطموح جدا، ولكنه قرار غير واقعي، ولا يتناسب مع شخص اجنبي متخصص في اللغة العربية وآدابها ويريد ان يكتب اطروحة دكتوراة في النقد الادبي الروسي في جامعة موسكو .

حاولت ان ابحث عن معلومات اخرى حول سليم غاوي وانا اكتب هذه السطور عنه بعد اكثر من نصف قرن من آخر لقاء لي معه في جامعة موسكو آنذاك، ووجدت مقالة نقدية له نشرها في مجلة (الرسالة) الشهيرة عام 1952 بعنوان – (القيم الفنية للشعر المنطلق)، وما اجمل هذا العنوان وما أعمقه، اذ انه يحمل مصطلحات مبتكرة واصيلة حتى بالنسبة للقارئ المعاصر، ووجدت ايضا اشارة جميلة في مذكرات عبد الرزاق عبد الواحد حول سليم غاوي (الذي كان يدرس معه في قسم اللغة العربية في دار المعلمين العالية)، ويقول عبد الرزاق عبد الواحد  عنه – (كان لي ابن عم  اسمه سليم غاوي عبد الجبار ..كان معنا في القسم  ...انه مشروع ناقد يلفت النظر، لولا ان تشعبت به سبل الحياة..)، ويتحدث عبد الواحد في مذكراته تلك عن دراسة نقدية عميقة كتبها سليم غاوي عن شعر عبد الوهاب البياتي وألقاها امامه في (البرازيلية)، المقهى البغدادية الشهيرة في شارع الرشيد، وكل ذلك حدث في العراق الملكي قبل ثورة 14 تموز 1958 طبعا.

الاسم الثاني، الذي يستحق ان اتوقف عنده وبكل جدارة هو د. سعد الجادر، الاخ الاصغر للفنان التشكيلي العراقي الكبير المرحوم د. خالد الجادر، والذي يرتبط اسمه في تاريخ العراق المعاصر بتأسيس اكاديمية الفنون الجميلة وكان اول عميد لها، وأخ الآثاري العراقي المرحوم  د. وليد الجادر، الاستاذ في قسم الآثار بكلية الاداب في جامعة بغداد، والذي يرتبط اسمه باكتشافات آثارية عالمية مهمة في  تاريخ حضارات  وادي الرافدين، وابرزها طبعا مكتبة سوبار (انظر مقالتنا بعنوان – وليد الجادر ..عشرون عاما بعد الرحيل). سعد الجادر هو الابن البار لهذه العائلة العراقية  العريقة في دنيا الثقافة العراقية المعاصرة . كان طالبا متميّزا جدا في الصف الاول في كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو، وكان واحدا من ألمع العراقيين معرفة باللغة الروسية، ومتابعا دقيقا للحياة الثقافية الروسية حوله آنذاك . انتقل سعد للدراسة في معهد الهندسة المعمارية عندما دعت الملحقية الثقافية طلبة الدراسات الانسانية الى تبديل اختصاصاتهم (انظر الحلقة رقم 8 من هذه السلسلة)، وانهى الدراسة الاولية  ثم الدراسة العليا في هذا المعهد وبشكل متميز، وعمل في عدة دول باختصاصه الهندسي المعماري هذا، وأخذ يجمع التحف الفضيّة في تلك البلدان التي عمل فيها، وهكذا استطاع ان يجمع كمية هائلة منها، مستخدما كل طاقته وامواله، وتحولت هذه الهواية الفنية الى هدف حياتي له، وقام بتنظيم عدة معارض كبيرة في بلدان مختلفة لتلك التحف الفضية، وأثارت تلك المعارض ردود فعل عالمية، ثم أصدر كتابا ضخما باللغة الانكليزية عن هذه التحف الفضية الرائعة، ويضم هذا الكتاب صورا تفصيلية وتعليقات وشروحات عن تلك التحف . اعلن د. سعد تبرعه بكل هذه التحف الى المتحف العراقي في بغداد لعرضها الدائم في قاعة تحمل اسم الجادر، ووضع كل هذه الثروة الفنية الهائلة في بنك بالمانيا، ونشر وصيّة في موقع (ايلاف) يعلن فيها ذلك . لقد قرأت تلك الوصيّة وانا اكاد أبكي، وقلت بيني وبين نفسي لماذا لا تتبنى جمعية الفنانين العراقيين مثلا (او اي جهة عراقية اخرى ذات علاقة بالموضوع) هذا المقترح العملاق وتسعى الى تنفيذه ؟ ...   

 

أ.د. ضياء نافع

 

ضياء نافعنتوقف في هذه الحلقة عند كليّة الفيلولوجيا في جامعة موسكو. كنّا نسميها آنذاك (كليّة الاداب) انسجاما مع تسميات الكليّات السائدة في العراق وعالمنا العربي، ولكنها كانت تختلف عنها بشكل جذري . كليّة الاداب في العراق (عندما عملت فيها تدريسيّا منذ 1973 الى 1987 حيث انتقلنا للعمل في كليّة اللغات) هي واقعيا جامعة الدراسات الانسانية، ففيها اقسام اللغة العربية واللغات الاوربية (تحول الى قسم  اللغة الانكليزية بعد تأسيس كلية اللغات) والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والآثار والدراسات الشرقية (انتقل الى كلية اللغات) والفلسفة واللغة الكردية (انتقل الى كلية التربية) والصحافة (تحول الى كلية الاعلام)، وربما نسيت بعض الاختصاصات الاخرى في كليّة الاداب بجامعة بغداد، اما كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو فكانت تقتصر على دراسة اللغات وآدابها فقط، وكلنا (نحن العراقيين) كنّا في القسم الروسي، وهذه هي التسمية الرسمية لهذا القسم (وليس قسم اللغة الروسية كما هو متبع في العراق)، والقسم الروسي هذا واسع جدا، ويكاد ان يشكّل كليّة باكملها بالمفهوم العراقي، ففيه عدة فروع مستقلة بعضها عن البعض، وفي كل فرع توجد ادارة فيها رئيس ومقرر وسكرتارية متكاملة من عدة موظفين، وتوجد طبعا مجموعة من التدريسيين المتخصصين واعداد كبيرة من طلبة الدراسات الاولية والعليا وكافة المستلزمات العلمية الضرورية من المصادر والمكتبة والنشر ...الخ .  يوجد في القسم الروسي هذا - فرع اللغة الروسية المعاصرة وفرع تاريخ اللغة الروسية وفرع علم اللغة وفرع علم الادب وفرع الفلكلورالروسي وفرع الادب الروسي القديم  وفرع تاريخ الادب الروسي للقرن الثامن عشر وفرع تاريخ الادب الروسي للقرن التاسع عشر وفرع تاريخ الادب الروسي للقرن العشرين وفرع تاريخ آداب شعوب الاتحاد السوفيتي، اما بشأن تدريس مادة  الادب الاجنبي لطلبته في الدراسات الاولية (والتي تبدأ منذ الصف الاول وتنتهي في الصف الخامس جنبا لجنب مع مواد التخصص المرتبطة باللغة الروسية وآدابها، وهي مادة ضرورية وليست ثانوية بتاتا) فيجري التنسيق من اجل تدريسها بين القسم الروسي والقسم  المختص بدراسة اللغات الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسبانية وغيرها، والذي يضم ايضا فروعا عديدة اخرى، وباختصار شديد، فان كليّة الفيلولوجيا تختلف جذريا عن بنية كليّة الاداب بالمفهوم والواقع العراقي، ولهذا، اطلق عليها الخريجون العرب مختلف التسميات، منها مثلا، كليّة فقه اللغة، ولكننا نظن، ان الافضل والاصح ان نسمّيها - كليّة اللغات وآدابها، فكلمة (فيلولوجيا) تعني دراسة اللغة وآدابها .

العراقيون في الدراسات الاولية بهذه الكلية (وحسب الابجدية طبعا) هم -  المرحوم ادهام يحيى سليم (اولية وعليا) وسعد الجادر (انتقل الى معهد الهندسة المعمارية) وضياء نافع وعادل الجبوري (اولية  ثم عليا في كلية الصحافة، انظر مقالتنا بعنوان – مع د. عادل الجبوري في موسكو، ومقالتنا بعنوان – المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي) والمرحوم غازي العبادي (انظر مقالتنا بعنوان عراقيون مرّوا بموسكو (12) غازي العبادي،  ومقالتنا بعنوان – حديث مع فيرا، ومقالتنا بعنوان – جولة في القسم الداخلي لجامعة موسكو، ومقالتنا بعنوان – العراقيون في كتاب الادب الروسي والعالم العربي) وفاروق الشيخ وفاضل فرج وماركريت طاويد كانيكانيان (انظر مقالتنا بعنوان – عراقيات درسن في جامعة موسكو) والمرحوم محمد يونس (اولية وعليا ، انظر مقالاتنا العديدة جدا عن د. محمد يونس) وناشئة بهجت الكوتاني (اولية وعليا، انظر مقالتنا بعنوان – عراقيات درسن في جامعة موسكو، ومقالتنا بعنوان حديث مع فيرا ) والتحق معنا في السنة التالية كل من حسين محمد سعيد (انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مروا بموسكو (18) مرتضى سعيد الحديثي) وماهي قاسم، اما العراقيون في الدراسات العليا فهم – المرحوم جليل كمال الدين (انظر مقالتنا بعنوان – وداعا جليل كمال الدين، العبقري الذي لم يعرف قيمة نفسه) وجميل نصيّف التكريتي (انظر مقالتنا بعنوان – العراقيون في كتاب الادب الروسي والعالم العربي  ومقالتنا بعنوان – تسفيتايفا وبوشكينها) وحسن البياتي (انتقل الى الدراسات الشرقية، انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مرّوا بموسكو (25) د. حسن البياتي، ومقالة د. حسن البياتي نفسه بعنوان –  رسالة الى د. ضياء نافع تعقيبا على مقالته) والمرحومة حياة شرارة (انظر مقالاتنا العديدة جدا عن حياة شرارة) والمرحوم سليم غاوي عبد الجبار(ترك الدراسة) والمرحوم فائق ابو الحب (ترك الدراسة، انظر مقالتنا بعنوان – قبور عراقية في موسكو، وبعنوان - كلمات عربية في اللغة الروسية)

كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو تستحق ان نتوقف عندها في الحلقة القادمة، ليس فقط لأنها كليّتي الحبيبة، وانما لأنها تضم فعلا اسماء عراقيين جديرين ان نتحدث عنهم وعن دورهم بالحياة الثقافية في العراق المعاصر.

 

أ. د. ضياء نافع

 

ضياء نافعالمرحومة ا. د.حياة شرارة كانت بعيدة عن الكاتب الروسي تورغينيف عندما كانت تدرس في جامعة موسكو، اذ انها كتبت اطروحة الدكتوراه عن الكاتب تولستوي، اما المرحوم أ.د. محمد يونس فقد كان يدرس في جامعة موسكو نتاجات تورغينيف، وكتب عنه رسالة تخرجّه، اي رسالة الماجستير . وهكذا اصبحت حياة شرارة – بعد تخرجها – متخصصة بادب تولستوي، واصبح محمد يونس متخصصا بادب تورغينيف. كلاهما عادا الى العراق في الستينيات وهما يحملان هذا التخصص الدقيق في الادب الروسي، وبدأ كلاهما بالعمل في قسم اللغة الروسية بكلية الاداب في جامعة بغداد . محمد عاد قبل حياة، وبدأ يعمل رأسا في القسم المذكور باعتباره قد حصل على (شهادة جامعية اولية أمدها خمس سنوات – هكذا اطلقت عليها وزارة التعليم العالي العراقية تلك التسمية آنذاك كي لا تعادلها بالماجستير)، فلا هي بكالوريوس ولا هي ماجستير، او كما قال عنها احد المسؤولين العراقيين في الوزارة ساخرا مرة – (شبر اعلى من البكالوريوس وشبرين اوطأ من الماجستير!). عاد محمد يونس الى جامعة موسكو مرة اخرى لاكمال دراسته العليا بعد ان فهم، ان وزارة التعليم العراقية لن تعادل هذه الشهادة بالماجستير بأي حال من الاحوال، وحصل فعلا على شهادة الدكتوراه هناك، ولكنه ترك تورغينيف، وكتب اطروحة عن تولستوي . وهكذا اصبح في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد واقعيّا متخصصان في ادب تولستوي هما د. حياة شرارة ود. محمد يونس (انظر مقالتنا بعنوان تولستوي بين حياة شرارة ومحمد يونس). لم ينعكس التخصص الدقيق هذا على طبيعة العمل التدريسي في القسم، اذ كانت التدريسات في هذا القسم كلها تدور في اطار المعلومات الاولية البسيطة ليس الا في اللغة الروسية وآدابها لطالب عراقي يبدأ بدراسة اللغة الروسية من الصفر، بل وان معظم هؤلاء الطلبة كانوا حتى لا يرغبون بدراستها، ولكن بالنسبة للبحث العلمي اللاحق لكليهما انعكس هذا التخصص طبعا بشكل واضح، فقد نشرت حياة شرارة كتابا بعنوان (تولستوي فنانا)، وهي اطروحتها واقعيا، ولكنها لم تستمر بالكتابة عن تولستوي، بل ابتدأت بالانتقال (ان صح التعبير) الى تورغينيف بالتدريج، وهكذا قررت ترجمة اعماله الكاملة الى العربية، واستطاعت ان تترجم وتنشر فعلا عدة نتاجات لتورغينيف هي (مذكرات صياد) و(عش النبلاء) و(رودين) ، وحياة (وليس محمد) التي كتبت الفصل الخاص بتورغينيف في كتاب (مدخل الى تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر)، الذي صدر في بيروت آنذاك (واعادت دار المدى طبعه ثانية في بغداد)، وهو كتاب منهجي باللغة العربية لطلبة قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد حول مادة تاريخ الادب الروسي من تأليف حياة شرارة ومحمد يونس معا، اما محمد، فكتب الفصل الخاص بتولستوي في ذلك الكتاب.

جاء مرّة الى قسمنا الصحافي المعروف الاستاذ ماجد السامرائي، وطلب منّا باسم صاحب المؤسسة العربية للنشر في بيروت (الكيالي) المشاركة بمشروعها الثقافي، وهو نشر سلسلة حول اعلام الفكر العالمي . اختار محمد الكتابة عن تورغينيف وتولستوي معا (اختصاصه الدقيق الاول واختصاصه الدقيق الثاني)، اما حياة، فقد قررت الكتابة عن بيلينسكي، اي انها لم تقرر الكتابة عن تولستوي (اختصاصها الدقيق)، ولا عن تورغينيف، الذي بدأت بالانتقال اليه، وذلك لأن محمد أخذ على عاتقه الكتابة عنه باعتباره اختصاصه الاول آنذاك، وحياة لم تكن تحب المنافسة والدخول بدروبها الضيّقة، اذ انها كانت دائما موسوعية الافآق، وتجد دائما المواضيع الجديدة ضمن اختصاصها العام طبعا، وكانت حتى لا تطيق تدريس نفس المواد كل عام، وانما كانت تحاول تنويع جدولها ولو جزئيّا . ان ثقافة حياة شرارة الواسعة جعلتها هكذا، فقد ترعرت منذ صباها في اجواء ثقافية راقية، اذ انها ابنة الكاتب محمد شرارة، وهي خريجة قسم اللغة الانكليزية قبل ان تسافر الى موسكو، اي انها تحمل شهادة البكالوريوس في اللغة الانكليزية وآدابها، وكانت لغتها الانكليزية ممتازة، وكانت تستخدم هذه اللغة ومصادرها في بحوثها حول الادب الروسي، اما محمد يونس، فانه خريج المدرسة السوفيتية منذ الدراسات الاولية وحتى العليا، ولذلك، فانه يمكن القول، ان محمد يونس هو الابن البار لهذه المدرسة الفكرية، وقد انعكست كل هذه الخصائص لدى حياة شرارة ومحمد يونس على مسيرتهما العلمية اللاحقة، ولا مجال هنا طبعا للكلام التفصيلي عن كل ذلك، اذ يقتضي هذا مقارنة كل نتاجات د. حياة شرارة و د. محمد يونس، وهي عملية ليست بسيطة ابدا في مجال البحث العلمي حول الادب الروسي في العراق (وكم أتمنى ان أعود الى هذا الموضوع يوما ما)، ولكن التزاما بعنوان المقالة هذه نود ان نشير في الختام، الى ان حياة شرارة ساهمت – في نهاية المطاف - بنشر اسم تورغينيف ونتاجاته (والذي هو ليس اختصاصها الدقيق) بشكل اوسع من محمد يونس (الذي هو اختصاصه الدقيق الاول) .

دور حياة شرارة و دور محمد يونس في اطار دراسة الادب الروسي في العراق لازال ينتظر الباحثين العراقيين ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

ضياء نافعنستمر في هذه الحلقة بحديثنا عن الطلبة العراقيين في كلية الاقتصاد بجامعة موسكو في الستينيات. نتوقف عند المرحوم د. عباس الدباغ . كان واحدا من طلبة الدراسات العليا، الذين كانوا يحملون شهادة البكالوريوس العراقية عند وصولهم الى موسكو . كان طالبا جدّيا، وانهى دراسته ضمن الفترة القانونية بنجاح، وعاد الى العراق، وعانى (كما هو حال خريجي الجامعات الروسية بشكل عام) من مشاكل معادلة الشهادة والتعيين، واستطاع – بعد التي واللتيا - ان يعمل في جامعة الموصل لفترة، واضطر اخيرا للسفر الى اليمن للعمل هناك، واختاروه عميدا لاحدى كليات الجامعة التي كان يعمل بها في اليمن، اذ لاحظوا هناك مستواه العلمي الراقي ونضوج شخصيته وجدّيته واخلاصه في العمل، وسمعت، انه وضع في تلك الجامعة  كتابا منهجيا لهم في اختصاصه، ولكني لم اطلع عليه ولا اعرف مضامينه. لقد علّق أحد الزملاء مرة قائلا، ان العراقيين لم يلاحظوا شخصية د. عباس المتميّزة علميا واخلاقيا، لأن مغنية الحي لا تطرب (خصوصا اذا كانت خريّجة الاتحاد السوفيتي)، بينما اكتشفوا في اليمن رأسا تلك الميزات الواضحة بسهولة .  رجع د. عباس الدباغ الى العراق بعد العمل – ولمدة ليست قصيرة -  في اليمن، وساهم مساهمة فعّالة ورائعة في عملية تأسيس الجمعية العراقية لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية والاعداد القانوني لانبثاقها، وتم انتخابه في لجنتها الاولى في الاجتماع العام لخريجي الجامعات الروسية، الذي انعقد في كلية اللغات بجامعة بغداد عام 2004 . توفي المرحوم د. عباس مبكرا في بغداد اثر مرض عضال، ولازالت ذكراه العطرة راسخة في نفوس كل اصدقائه وزملائه . اختتم هذه السطور الوجيزة عنه بذكرياتي في جامعة موسكو معه، اذ كنت غالبا ما اتلاطف معه في جامعة موسكو  واطرح عليه سؤالا واحدا وهو  – من وجهة نظر علم الاقتصاد، لماذا يستلم طالب الدراسات العليا 150 روبلا شهريا، بينما نستلم نحن طلبة الدراسات الاولية 90 روبلا شهريا، وهل هذا يعني ان طالب الدراسات العليا يحتاج ان يأكل أكثر من طالب الدراسات الاولية؟ وكان عباس يضحك من اعماق قلبه عندها، وقد ذكّرني مرة في بغداد بذلك السؤال، وقهقهنا معا، وهو يقول لي، انه لن يجيبني ابدا عن هذا السؤال  من وجهة نظر علم الاقتصاد .

الاسم الثاني الذي اود ان اتوقف عنده هو المرحوم خالد الزبيدي، الذي كان طالبا في كلية الاقتصاد، ولكن الملحق الثقافي محمود شكري استدعانا، نحن طلبة الدراسات الانسانية، واخبرنا بضرورة تبديل اختصاصنا الى دراسات علمية، وان ذلك التبليغ رسمي وصادر من الدولة العراقية، وانه اتفق مع الجانب السوفيتي بشأن تنفيذ هذا النقل . لقد كنّا آنذاك في الصف الثاني، وقد ناقشناه – نحن طلبة كلية الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) -  وقلنا له ان العراق يحتاج الى مترجمين عن اللغة الروسية لتوسّع العلاقات العراقية – السوفيتية في مجالات متنوعة وعديدة جدا، فأجابنا، ان العراق يحتاج الى مترجمين اثنين فقط لا غير من الذين يعرفون اللغة الروسية، وان البقية فائضين عن حاجة العراق، وقد ضحكنا من منطقه الافلج  هذا. يمكن القول ان اكثرية الطلبة رفضت مقترح الملحقية، الا ان بعض زملائنا وافقوا على ذلك، معتبرين انه لا ضير من الانتقال الى الاختصاص الذي يرومون دراسته، وانها  فرصة يجب الاستفادة منها رغم كونها تحمل صفة سياسية واضحة المعالم، اذ انها انعكاس لما كان يجري في العراق اواخر حكم عبد الكريم قاسم .  كان خالد الزبيدي من جملة الطلبة الذين قرروا الانتقال الى كليّات اخرى، رغم انه كان الشخص الثاني في رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي، وهكذا ترك خالد كليّة الاقتصاد و انتقل الى الدراسة في معهد الهندسة المعمارية، اذ وافق الجانب الروسي على ذلك بتنسيق مع الملحقية الثقافية طبعا . وأذكر اني تحدثت معه عندئذ، وقلت له، ان هذا الاختصاص يتطلب موهبة ذاتية في قضايا الرسم والتخطيط المعماري، فقال لي مبتسما، ان المهندس المعماري في العراق يرسم خريطة بناء البيت على (باكيت جكاير تركي او لوكس) (وهي سجائر عراقية كانت موجودة في الخمسينيات ويتذكرها زملائي الشيّاب طبعا) ويعطي الخريطة للمقاول، ويؤكد المهندس فقط على مواقع الابواب والنوافذ . لقد كان المرحوم خالد الزبيدي انسانا مرحا ولطيفا وبسيطا ومجاملا ومحبوبا من الجميع، ولكنه لم يتميّز علميا، ومع انه اكمل دراسته وحصل على شهادة الهندسة المعمارية، وعمل في العراق مهندسا في احدى دوائر الدولة، فانه واقعيّا لم يكن مهندسا معماريا حقيقيا مثل بعض زملائه الذين انهوا دراستهم في هذا المعهد الشهير، ومنهم، مثلا، المعماري العراقي المعروف د. خالد السلطاني، الذي يعدّ الان واحدا من كبار منظريّ الهندسة المعمارية في العراق وأحد اهم مؤرخيّها، واصبحت كتبه وبحوثه مصادر اساسية في المكتبة المعمارية العربية.   

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

بكر السباتينمن هو الزعيم الإسباني الذي طالب بالهوية الأندلسية التراثية وكيف فرض تدريس اللغة العربية والأزياء الأندلسية جنوب البلاد!

ما هي علاقة رقصة الفلامنجو بسقوط الأندلس؟ وأسئلة أخرى..

لا يمكن تهميش التاريخ طويلاً حتى لو عربدت في تفاصيله العقول المجيرة لرواية المنتصر دون اعتبار لدور المهزوم الحضاري ذات يوم في إيقاظ مصابيح النهار، من هنا سيرجم المهزوم بعد السقوط بالتهم التي يتذرع بها الطاغي، لاجتثاثه من الجذور، وستوظف من أجل تحقيق هذه الغاية البرامج التربوية المسيسة، ترسيخاً لرؤية حامل الصولجان حتى في مجال البحث العلمي الموضوعي ولولا القليل من مراكز الأبحاث الحيادية لماتت الرواية التاريخية بتفاصيلها التي تظل تتردد فقط في القلوب المكلومة؛ لتذوب في الموروث الشعبي كمفردات ذات دلالات يمكن التقاطها ذات يوم.. حتى تتحرك الرمال وتتكشف الحقيقة في وضح النهار في عالم منفتح على الفضاء دون قيود ووعي يتغذى دون حدود.

وينبغي في سياق هذه المقدمة أن نتتبع مقولة أن تهميش التاريخ لا ينسجم مع الواقع الذي يقر بعكس ذلك تماماً من خلال ما جرى في إسبانيا الاتحادية أو ما تعرف بشبه الجزيرة الإيبيرية منذ سقوط الأندلس على يد القشتاليين عام 1492، وصولاً إلى يومنا هذا، حيث تقف إسبانيا الإتحادية مضطربة أمام تحدٍّ مستقبلي ورثته من ماضيها السقيم البعيد القريب، ما وضعها في أزمة هوية كبرى، جعلتها عاجزة عن التفاعل المجدي مع القوميات الطرفيّة مثل الأندلوثية والكَتَلونية والباسكيّة وأضعفت من موقف مركز الإتحاد. وهذا ما جرى لإقليم أندلوثيا الذي جرد من هويته الدينية والتراثية بعد سقوط الأندلس قبل 527 عاماً، وإبادة أهلها لتسود الإقليم فوبيا استرجاع الماضي الأندلسي الأليم.. وأغلقت الذاكرة صناديقها على أسوأ ملفات الإبادة البشرية التي شهدها التاريخ.. ولكن المخرجات انتظرت طويلاً في دهاليز الرعب قبل أن تتسلل إلى الحاضر فتنعش الوعي في عقول ورثة الحضارة الأندلسية، المورسكيين المغبونين، وهم يعيشون في قطيعة مع تراثهم الإنساني العظيم.

ففي إقليم أندلوثيا (الأندلس)، خرجت الأنفاس ملتهبة من خلال زعماء أنيط بهم إحياء الوعي الأندلسي بالكارثة التي حلت بأجدادهم، والتي تم تغييبها من التاريخ الإسباني واعتبارها مجرد حدث عابر دون الإشارة إلى مخرجات الكارثة على سكان الإقليم وانتزاع هويتهم التراثية في إطار الإبادة التي تعرضوا لها بعد سقوط الأندلس.. ورغم ذلك عاد ذلك الموروث ليتنفس من جديد في وعي أبنائه.. حتى في الموروث الموسيقى وعلى ضفاف العزلة القهرية التي فرضت عليهم، نمت رقصة الفلامنجو.. والتقط شاعر إسبانيا العظيم، لوركا الدرر من تجربة التراث الأندلسي ليؤسس فرقة "مسرح العرب الجوال" الذي اعتمد فيه على التراث الفني والأدبي الأندلسي القديم.

إذن كيف استعاد إقليم أندلوثيا (الأندلس) وعيه بكل أبعاده السياسية والتراثية متحرراً من فوبيا الهوية الأندلسية التي أصابت أهل الإقليم بلعنة العزلة والقطيعة مع الماضي التليد؟ ولنتطرق إلى مفجر هذا الوعي الذي تحرر من تلك الفوبيا ليضع النقاط على الحروف.. واستطاع أن يحرك الوعي في عقول الأندلوثيين الإسبانيين لكي يستعيدوا هويتهم كباقي الأقاليم في إسبانيا الاتحادية..إنه "بلاس انفانتي بريث" فمن هو هذا الزعيم الذي لقب بأب الأمة الأندلسية، الذي أنعش الذاكرة التاريخية بتفاصيلها؟.

وقبل الحديث عن هذا الزعيم الفذ، لا بد من التذكير بأن إقليم أندلوثيا (الأندلس) يعتبرالأخطر في قائمة التحديات التي تواجه إسبانيا الاتحادية، من حيث الذاكرة التاريخية التي تدين جرائم القشتاليين ضد المسلمين في الأندلس التاريخية الذين أبيدوا عن بكرة أبيهم في إطار خيارات ثلاثة تجلت في الإبعاد أو الانقلاب إلى الدين المسيحي وإلا فالإعدام قتلاً بالسيف أو بالحرق (في هذا الوقت اكتشف فيه الإسبانيون الأمريكيتين ومارسوا ذات الجبروت ضد الهنود الحمر كما تؤكد الوثائق التاريخية)

فالعودة إلى الذاكرة (بتصرف: مقال لي /صوت العروبة) أيقظت “بلاس انفانتي بريث” الذي اعتبره سنة 1983 م برلمانُ إقليم الأندلس بالإجماع أب الأمة الأندلسية و رائد النضال للحصول على قانون للحكم الذاتي بالأندلس وبالتالي الحصول على حق رفع العلم الأندلسي الإسلامي القديم إلى جوار العلم الإسباني الحديث؛ ما يعني أن مربع الحكم الذاتي كان هو الأساس لدفع قضية الإقليم باتجاه نيل الاستقلال عن إسبانيا الاتحادية، فمقومات ذلك كما كان يراها “إنفانتي” تتمثل بوحدة التاريخ المتمثل بتاريخ العرب في إسبانيا الأمر الذي دعاه للمطالبة باستعادة اللغة العربية إلى جانب الإسبانية لاعتمادها في الحياة العامة وتعليمها في المدارس والجامعات.. لا بل وأكد على حرية أهل الإقليم في استعادة زي أجدادهم العربي الأصيل الذي كان سائداً في عهد الأندلس في إطار الخصائص الاجتماعية الخاصة للإقليم ما يجعلها لا تنسجم نسبياً مع النمط السائد في عموم المقاطعات الإسبانية الأخرى وخاصة أنه كان قد أعلن إسلامه أسوة بأجداده من بني أمية! ولتحقيق مطالب الإقليم السياسية أسس “إنفانتي” حزباً يطالب بإعادة إقليم الأندلس للوجود وتحققت مطالب هذا السياسي القوي في إطار ما يسمى اليوم إقليم (أندلوسيا) ويضم سبعة مدن إسبانية جنوبية رئيسية، هي غرناطة وهي عاصمة الإقليم، قرطبة، إشبيليا، ملقه، ألمريا، ألبا، وكادث.

والإقليم اليوم مستقل في القانون وإدارة الشؤون الداخلية؛ إلا في مجال الدفاع والخارجية.

إلا أن “إنفانتي” لاقته المنية بعد مطالباته باعتماد العربية لغةً رسمية للبلاد إضافة للزي العربي الأندلسي؛ حيث تم قتله في ظروف غامضة بينما لم يستطع القاتل طي صفحته التي تبلورت في إرثه السياسي الذي ما يزال حاضراً في التداعيات الانفصالية للأقاليم التي تشكل إسبانيا الاتحادية في عموم شبه الجزيرة الأيبيرية.

وفي سياق متصل، فإن عودة الوعي أخرجت التراث الأندلسي ليتجلى في الثقافة الإسبانية كملهم، لا بل فقد أعطى الثقافة الإسبانية خصوصية ميزتها عن سمات عصر النهضة الأوروبي المستوحى من التجربة الفلورنسية في إيطاليا (التراث القوطي والباروكي) حتى في الفن المعماري والزخارف التجريدية المستوحاة من آثار العرب في الأندلس مثل قصر الحمراء..

- الشاعر الإسباني لوركا وإحياء التراث الأندلسي

وقد أبدع شاعر إسبانيا العظيم لوركا في استلهام الموروث الفني والأدبي الأندلسي في الثقافة الإسبانية المعاصرة، من خلال تبني مشروعه الثقافي القائم على استلهام التراث الأندلسي في إطار الوعي بقيمته الحضارية كجزء من التاريخ الثقافي لإسبانيا لا يمكن تهميشه، لكنه أيضاً راسخاً في قلب المكان الذي شهد مأساة الأندلس وجُرِّدَ من هويته التراثية. فماذا فعل هذا الشاعر العظيم؟

قام لوركا في عام 1922 بالتعاون مع فنانين اخرين بتأسيس مهرجان الأغنية العميقة بمدينة غرناطة تحت اشرافه واشراف (ما نويا دى فايا) فكان أول مهرجان يوظف الغناء الاندلسي الموروث عن زرياب، كي يثبت أن الغناء العميق ليس مجرد ارث قديم بل هو شيء يفيض بالحيوية والجمال والتميز.

ويتميز الغناء العميق بتقسيمات فرعية لنغمات تقل مدتها الزمنية عن نغمات الموسيقى الغربية ولذلك لا تؤدى على آلات الموسيقى المنهجية المعروفة مثل البيانو والكمان وغيرهما، ومن أكثر الآلات المناسبة لهذا اللون الأندلسي هو الجيتار بكل ما يتمتع به من قدرة تعبيرية.

لذلك كرس لوركا بعد ذلك جهوده للغناء الشعبي الإسباني وبعث الحياة في الغنائيات التراثية ليؤديها اعضاء فرقته الجوالة التي قدمت عروضها ضمن "مسرح العرب الجوال" كما الف (لابرابا) وهى نوع من الغنائيات الشعبية ذات الإيقاعات العربية الاصيلة . وفي غمرة هذه التجارب كانت التجربية المنسية للموركسيين الذي هربوا من بطش القشتاليين إلى الجبال العالية الوعرة والوديان المعزولة قد أيقظوا تجربتهم الفنية لتعبر عن هويتهم في حيز الثقافة الأندلسية وضمن الثقافة الإسبانية الاتحادية، من خلال الفلامنجو.

- الفلامنجو وعودة الوعي

قسم الباحثون الفلامنكو كما جاء في الموسوعة الحرة (بتصرف) إلى ما يلي:

"أغاني غجرية الأصل، أغاني أندلسية الأصل، أغاني خفيفة".

ولنقترب أكثر من الهوية الأندلسية في إطار ثقافة الاتحاد الإسباني من خلال رقصة وموسيقى الفلامنجو.. وها نحن أمام وصلة موسيقية راقصة لفن الفلامنجو الأندلسي.. إذْ ينبغي على مؤدى الرقصة أن يرتجل الكلمات التي تعبر عن الاغتراب والقهر والتمرد على الأسر حتى لو كانت الكلمات في الحب أو الحماسة بحناجر ملتهبة متفجرة، ويكون ذلك من خلال التعبيرات الحركية المنسجمة مع إيقاع القطعة الموسيقية المصاحبة للرقصة، وذلك من خلال حركة القدمين وطقطقة الأصابع، حيث يصحب كل ذلك حركات قوية للذراعين لكنها انسيابية رشيقة. ويمكن أن يؤدى رقصات الفلامنكو شخص بمفردة أو زوج أو فرقة كبيرة العدد، والراقصون المهرة ينفعلون بروح حماسية وينقلون حماسهم وانفعالهم للمشاهدين.. وتسهم الأزياء المتنوعة الألوان والضجيج العالي في إضافة الكثير من الإثارة على تكنيك الأداء الحركي. وكان يصاحب راقصي الفلامنكو في الأصل التصفيقُ والغناءُ والضربُ الخفيفِ بالأقدام؛ إلا أنه أضيف إليها بعد ذلك الجيتار. إن هذا العنف الجسدي والحركة المتشنجة على إيقاع الموسيقى والصوت الذي يخرج من الأعماق ليتفجر في الفضاء المفتوح، إنما يعبر عن طاقة مكبوتة لروح أسيرة أو منفية.. روح قلقة توارثها غجر إسبانيا من بقايا المسلمين المورسكيين الذين نأوا بأرواحهم عن بطش القشتاليين بعيداً في قمم الجبال النائية والوديان المتوارية عن الأنظار، وكان فن الفلامنجو هو صوتهم الذي نما في الهامش، وظل الغجر مطيته إلى قلوب الإسبانيين دون أن يدركوا بأنهم يُدْخِلون صوت الضحية إلى حياضهم، ذلك الوجع المسكون في إيقاعات فن الفلامنجو والذي يحكي عن مأساة ما بعد سقوط الأندلس التي حلت بالهاربين من الفلاحين والمتمسكين بدينهم الإسلامي من المورسكيين الأندلسيين الذين ابتلعتهم الوديان وتواروا في هامش الأحداث بعيداً عن مركز الفعل الحضاري المعاصر في قلب شبه الجزيرة الليبيرية القشتالية (الإتحاد الإسباني).. إلى أن استيقظت تلك الأوجاع في قلوب ورثة الحضارة الأندلسية من الأجيال الحديثة، الحضارة التي بقيت معالمها شامخة في قرطبة وغرناطة.

وعن الأثر الأندلسي على "الفلامنكو" كتب الإسباني، أنطونيو مانويل راموس، وهو ملحن وأستاذ بجامعة قرطبة، قائلاً:

إن "العديد من المورسكيين واليهود المتحولين بقوا في شبه الجزيرة الأيبيرية. طائفة كبيرة هاجرت إلى المنحدرات الداخلية للعيش في الأكواخ والكهوف المنعزلة عن المناطق الحضرية، كانوا متجولين أو مجتمعين في مناطق جبلية يصعب الوصول إليها." ويكمل رامس قائلاً:

"لقد كانوا الفلامنكو.. لأن كلمة فلامنكو، في النحو، مقتبسة من الكلمتين العربيتين: (فلاح-منكوب)، أي مطرود، مهمش، مُجرُّد من أرضه ولسانه ودينه. لكنه ليس مجرداً من ذاكرته. لقد كظم الفلامنكو (الفلاحون المنكوبون) ألم الضياع لينشدوا في انفراد موسيقاهم الشعبية بحنجرة مملوءة بالدم. هكذا وُلدت (الكانتي خوندو) أي (الأغنية العميقة). إنه التعبير الغامض والمجهول عن ألمهم الشخصي. يرفع المنشدون السبابة ويذكرون اسم الله (أولي Olé) تعظيماً لاسم الجلالة. بينما يرتلون وسط التصفيق بداية (الشهادتين) (لا إله إلا الله). ثم يغمضون أعينهم وهم ينشدون:

جزر الوادي الكبير

التي رحل منها الموروس

الذين أبوا الرحيل

وما أروع المرور من طريانة

ومشاهدة البرج الذهبي..

بلا أجراس.

لا يفهمون ما يقولون،

لكنهم يحسون به".

وكثيرة هي الأغاني التي تغنى صمن أناشيد الفلانجو دون أن يدرك المؤدون معناها وقد أوضح أنطونيو مانويل راموس في مقالته بأن المياومين الفلاحين دأبوا على ترديد صلاة مورسكية دون أن يعلموا أنه وِرْدٌ مثيرٌ ارتدى قناع لعبة فلامنجو، يغير وجهه عند كل تغيير صوتي، مثل تبادل السلام.

وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن الضغط يولد الانفجار.. وتغريب القشتاليين عبر تاريخ إسبانيا للهوية الأندلسية في إطار الاتحاد الإسباني سيؤدي إلى تلك النتيجة، فالشخصية الأندلسية لها امتدادات تاريخية لا يمكن تحجيمها فقد تجاوزت قدرات الاتحاد الإسباني على لجمها وإعادة المارد إلى قمقم الهامش والنسيان.. وها هم راقصو الفلامنجو يطرقون الحاضر بذاكرة الوجع الأندلسي القديم.. ويرفع الجيل الجديد في إقليم أندلوثيا علم الأندلس الأخضر فوق المباني الرسمية ويرتدون أزياء المعتمد ابن عباد وابن زيدون وولادة وابن رشد، ويتعلمون فن الموسيقى والإتكيت من زرياب، وينحنون احتراماً لرموز الحضارة الأندلسية التي انتشرت تماثيلهم في المواقع الاستراتيجية داخل الإقليم.

 

تحليل تاريخي ثقافي..

بقلم بكر السباتين..

 

 

ضياء نافعنستمر في هذه الحلقة بالحديث عن الطلبة العراقيين في كلية الاقتصاد بجامعة موسكو . في الحلقة السادسة تكلمنا عن اول رئيس لرابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي المرحوم د. محمد علي الماشطة، الطالب في كليّة الاقتصاد، ونتحدث في هذه الحلقة عن الرئيس الثاني للرابطة، الطالب ايضا في كليّة الاقتصاد وهو المرحوم د. وجدي شوكت سري . وصل وجدي الى موسكو بعد عامين من وصولنا، والتحق بكليّة الاقتصاد بعد ان درس اللغة في الكلية التحضيرية . كانت هناك هالة كبيرة حوله باعتباره كان مناضلا شيوعيا في العراق ودخل السجون والمعتقلات بسبب عقيدته الشيوعية، وهكذا اصبح رأسا الرئيس الثاني لرابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي، ولكن الفرق بينه وبين محمد علي الماشطة كان واضحا، اذ كان وجدي مغرورا ومتعجرفا ويهتم بمظهره الخارجي ودائم الحديث عن نفسه ونضاله عكس محمد علي الذي كان يمتاز بالبساطة المتناهية والتواضع والطيبة والابتسامة الدائمة، ولم يكن وجدي يتقن اللغة الروسية ولا يعرف خصائص المجتمع السوفيتي حوله مثل محمد علي الماشطة طبعا، وكان يحتاج دائما الى مترجمين عند تعامله مع الروس . أذكر مرة، عندما زار موسكو الشاعر محمد صالح بحر العلوم، دعوناه كي نلتقي معه في جامعة موسكو، وكان وجدي باعتباره رئيس الرابطة مدعوا طبعا . كان اللقاء في قاعة صغيرة في الاقسام الداخلية لجامعة موسكو، واشترينا قليلا من الفواكه والشربت البسيط كي نقدمها للجميع اثناء اللقاء، فاذا بوجدي شوكت سري يطلب ان تكون له مع بحر العلوم مائدة خاصة تمتاز عن موائد الطلبة، مائدة تحتوي على كذا وكذا من الطعام والشراب، وعندما اخبرناه بعدم امكانية ذلك، غضب وأخذ يهدد ويرعد ويزبد، وقال وهو يصرخ، انه رئيس الرابطة، وان كلمته لا يمكن ان نناقشها . بل يجب ان ننفذها . لم ننفذ طلباته طبعا، ولكن وجدي – مع ذلك - جاء الى اللقاء وجلس مع بحر العلوم بشكل طبيعي ولكنه كان متجهما، ولم يتكلم بتاتا. انتهت فترة وجدي لرئاسة الرابطة، وبقي طالبا في كلية الاقتصاد وحسب، ولكنه استمر طبعا كواحد من قادة التنظيم الشيوعي الطلابي، وبعد ان انهى الدراسة، عاد الى العراق وترك كل ارتباطاته السابقة وكل علاقاته مع زملائه واصدقائه القدامى اثناء مرحلة الدراسة، ورجع مرة اخرى في السبعينيات للدراسة العليا في جامعة موسكو وفي كليّة الاقتصاد طبعا، ولكنه كان يختلف جذريا عن تلك الشخصية السابقة بكل معنى الكلمة، وقد كنت انا بايفاد الى موسكو للمشاركة بندوة اساتذة اللغة الروسية وادابها في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، ومررت لزيارة اصدقائي العراقيين القدامى بجامعة موسكو، فرأيتهم يلعبون كرة القدم في باحة الاقسام الداخلية، وتعجبت عندما رأيت وجدي بينهم وهم يهزأون بلعبه وتصرفاته، وقلت لاحدهم ذلك همسا، فاجابني ضاحكا، انك تنظر اليه بعيون الستينيات عندما كان (قائدا منتفخا!)، اما الان، فانه اصبح شخصا آخر تماما. تحدثت معه قليلا عندما لاحظني، وقال لي انه يعرف انني اعمل في صحيفة الجمهورية البغدادية، فتعجبت انا من قوله، وقلت له انني اعمل تدريسيّا في قسم اللغة الروسية بكليّة الاداب في جامعة بغداد، فاندهش وقال لي، انه قرأ مقالاتي شخصيّا في جريدة الجمهورية، فقلت له، انني انشر ترجماتي عن الروسية في صفحة آفاق، التي اسسها ويديرها الصحافي العراقي المعروف محمد كامل عارف خريج كلية الصحافة في جامعة لينينغراد، وان النشر في صفحة آفاق لا يعني انني اعمل في تلك الصحيفة، فصمت وجدي ولم يعلق بأي كلمة حول ذلك، وقد فهمت طبعا حتى من طبيعة حوارنا القصير هذا، انه اصبح شخصا مختلفا فعلا . وكان هذا آخر لقاء لي مع المرحوم د. وجدي شوكت سري وآخر دردشة معه .

ان المرحوم د. وجدي شوكت سري هو جزء لا يتجزأ من تاريخ الطلبة العراقيين في موسكو ومسيرتهم في الستينيات، جزء ايجابي وسلبي في آن واحد، ايجابي لانه أدّى دورا واضحا ومعيّنا في ادارة عمل الرابطة، اذ كان رئيسا لها لمدة سنة دراسية باكملها رغم بيروقراطيته وعنجهيته، وايجابيا ايضا لانه لم ينحدر في العراق (عندما ترك كل شئ) الى مواقع مضادة لافكاره السابقة التي تركها، وانما اكتفى بعزل نفسه كليّا عن كل ماضيه ليس الا، وهذا موقف شخصي بحت، ولكنه موقف اخلاقي ايجابي بحد ذاته، موقف يستحق عليه التقدير والاحترام بلا شك، اذ كانت هناك تجارب اخرى مع هؤلاء الذين تركوا مواقعهم الفكرية السابقة وتحولوا الى عناصر مضادة عدوانية وانتهازية، ولكن وجدي لم يكن هكذا ابدا .

ختاما، اود ان اشير، الى ان ارملته اتصلت مرة بعمادة كلية اللغات (وكنت انا معاونا للعميد آنذاك)، وقالت انها تريد ان تهدي للكلية القاموس الروسي – الانكليزي الكبير، الذي كان عند المرحوم زوجها، فرحبنا بها واستلمنا منها القاموس المذكور، وكان اسم وجدي شوكت سري مكتوبا على صفحته الاولى وبخط يده، وقد شكرناها على هذه المبادرة العلمية الطيبة، وترحمّنا على روحه، واودعنا القاموس في مكتبة قسم اللغة الروسية بكليتنا، المكتبة التي احترقت باكملها اثناء الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 .

 

أ. د. ضياء نافع

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر علينا ذكرى وفاة قدري أبو حسين محافظ حلوان الأسبق، في مثل هذه الأيام من العام الماضي، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا الوطني العظيم، فهو الذي قام بتأسيس حزب "مصر بلدى" فى 2014، وهو الذي سعي بالتنسيق مع مجموعة من الأحزاب، لتشكيل تحالف انتخابي تحت مسمى ائتلاف الجبهة المصرية، وهو الذي خاض انتخابات البرلمان الماضية ضمن تحالف أحزاب الجبهة المصرية وتيار الاستقلال ولقب بـ"صانع التحالفات"، وهو ذلك الرجل العظيم الذي قدم خلال مرحلته الطويلة في حياته الكثير من العمل الوطني والسياسي تخللها العطاء والانجاز في جميع المواقع التي تحمل فيها المسئولية، وكان حسه وشعوره الوطني حاضراً مما جعل الجميع يثني علي سيرته العطرة.

وكان قدري أبو حسين قد شغل منصب رئيس مجلس مدنية أخميم بمحافظة سوهاج، حتى تولى سكرتير عام محافظة أسيوط، ومن ثم عُين في منصب نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، حتى شغل منصب محافظ حلوان بعدما وافق قرار رئاسى بإنشائها فى 17 أبريل 2008 . وقد قالت الصحفية اللامعة "ياسمين مبروك" في مقال لها بجريدة الفجر بعنوان (محطات بارزة في حياة الراحل "قدري أبو حسين" محافظ حلوان الأسبق) : " كان أبو حسين، نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، وهو ما أهله لاختياره كمحافظ لحلوان بعد حازم القويضي... رشحه حازم القويضي، لإكمال مسيرته بعد تركه لمنصبه، كمحافظ لحلوان.. تم تعينيه كمحافظ لحلوان في فبراير 2010 أي قبل أقل من عام من ثورة 25 يناير.

كان قدري أبو حسين رجلاً وطنيًا وعاش مخلصًا في أداء عمله، والمناصب التنفيذية التى تولاها، كما كان نموذجاً رائعاً فى العمل التنفيذي والسياسي والحزبي وبذل أقصى الجهد لخدمة الوطن والشعب، وقد وصفه النائب الأستاذ  مصطفي بكري (في مقال نشره في جريدة السبوع) بأنه صاحب القلب الطيب الجسور اللين السياسي المخضرم وواحد من أهم رجال المحليات فى مصر.. إنه قدري أبو حسين الأخ والصديق والإنسان عرفته منذ سنوات طوال اقتربت منه، وعندما تولى منصب محافظ حلوان دائرتي الانتخابية، اقتربت منه كثيرا شاهدته عن قرب لم يتغير لم يتبدل أنه نفس الإنسان البسيط المتواضع ابن الصعيد، الذى يفتح لك صدره ويترك مكتبه لاستقبالك ويصر على أن يوصلك إلى باب الأسانسير وهو لا يتوقف عن إسداء كلمات الترحيب التى تبدأ بكلمة "يا مرحبًا بابن العم" وتنتهي بأجمل كلمات الوداع... كان دوما يفخر بأنه صعيدي وكانت أحلى لحظات حياته عندما يجلس وسط جمع من أصحاب العمم البيضاء ويحتسي معهم الشاي على الطريقة الصعيدية... وكان مكتبه مفتوحاً للجميع منذ الصباح الباكر وحتى وقت متأخر من المساء كأنها "قعدة عرب" على "المسطبة" فى حواري أخميم (أخميم التي أحبها وأحبته)، سوهاج التي قضى فيها أجمل سنوات عمره لذلك أحبه السوهاجية من المغتربين فى القاهرة بذات درجة حبهم له فى المحافظة واختاروه رئيسا لجمعيتهم".. فى عام 2013 بدأنا سوياً جنبا إلى جنب فى تأسيس جبهة مصر بلدي مع اللواء أحمد حمال الدين، تجولنا فى المحافظات، كانت كلماته تخرج من القلب ولم يكن يعرف لغة الزيف أو النفاق... كان صافياً نقياً ودوداً، كريماً، إنساناً، يمتلك قلب طفل، وعقل الرجال الكبار.. وإذا ذهبت إلى زيارته فى منزله أو مكتبه، ينتفض على الفور، جهزوا الغدا يا ولاد، .. اخترناه رئيسا لحزب مصر بلدي فقد كان الأجدر، والأكثر حنكة... تحمل المسئولية بشجاعة وعزيمة، ظل على ثوابته ومواقفه حتى اللحظات الأخيرة في حياته، لم يكن فقط عم السوهاجية فى القاهرة وغيرها، بل كان رمزًا لكل أبناء الصعيد. وعندما كنا نلتقي في إفطار جمعية أبناء سوهاج، أو أبناء قنا فى القاهرة، كنا نسمع منه أحلى الكلمات التي تعيد إلينا أشياء كثيرة افتقدناها في غمرة الحياة فى القاهرة.. رحل صاحب الضحكة الصافية من القلب، والذى تسمع صوت قهقهته عن بعد، فتقول أنه قدري أبو حسين الذى لا يعرف سوى لغة التفاؤل في حياته رغم قساوة الحياة وظروفها.. رحل الرجل الذى كان مهموما بأهله، ساعيا إلى حل مشاكلهم من أخميم إلى قلب القاهرة، وداعًا أيها الأخ والصديق والإنسان، وداعًا يا رمزنا الذي ستبقى فى ذاكرة كل من عرفوك واقتربوا منك، سلامُا على روحك الطاهرة إلى أن نلتقي".

وفي مقال نشرته " د. سامية أبو النصر" بعنوان "وداعا قدرى أبو حسين" بجريدة الأهرام، قالت : " لست من الشخصيات التي تنعى كل من تعرفه، ولكننى أفضل بين الحين والآخر أن أكتب عن بعض الشخصيات الذين تأثرت بهم وأثروا في حياتي، وهذا احتراما وتقديرا لهؤلاء الشخصيات الذين كان لهم عظيم الأثر فى حياتى، وها هو الوزير قدري أبو حسين، محافظ حلوان الأسبق، حيث اقتربت من هذا الرجل الخلوق رحمة الله عليه فى الفترة الأخيرة، عقب تأسيسه حزب مصر بلدى بعد ثورة 30 يونيه وكان له دوراً كبيراً فى دعم ركائز هذه الثورة.... عرفته شخصية صعيدية من الطراز الأول، حيث إنه ابن بار من أبناء سوهاج ورئيس جمعية أبناء سوهاج. كان يعشقها حتى أنه فى أواخر أيامه فضل البقاء هناك، وكان شخصية خلوقة محبة لتراب هذا الوطن، وبرغم أنه كان سياسي محنك إلا أنه لم يكن يوماً يعرف لغة المؤامرات أو التحالفات المشبوهة (السياسة غير النظيفة) وعندما قررت خوض المعركة الانتخابية الانتخابات التكميلية لحدائق القبة عام 2016 كان من المشجعين والداعمين لى، وكنت أشعر معه بمشاعر حب الأب لابنته وكيف كان داعماً ومشجعاً ومناصراً، حيث كان يقدر عمل المرأة للغاية.... وكان دائماً مهموماً بقضايا وطنه، قلقاً من تولى غير الأكفاء المناصب القيادية، وكان يقلقه فساد بعض المسئولين في المحليات، ولما لا فهو الرجل الذى قضى كل عمره في المحليات... وداعا صاحب القلب الطيب العاشق لوطنه، الذى كان لا يعرف الخصام مع أحد.. الطيب في غير ضعف.. المتسامح مع نفسه ومع الآخرين.. رحل ابن الصعيد الذى عاش ومات مناضلاً من أجل أن تعيش بلاده حرة كريمة.

تحية طيبة لابن بلدي الحبيب قدري أبو حسين  الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً لرجل الدولة الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله قدري أبو حسين، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط