نبيل عبدالامير الربيعيصبري أفندي وأحدث فرهود محلات اليهود  في مدينة البصرة حزيران 1941م

في شهر آيار 1941م قامت ما سُميت بحركة رشيد عالي الكيلاني، كانت مصادر المعلومات حول الحركة يتناقلها راديو (بغداد ولندن وبرلين وأنقرة باللغة العربية)، وقد لجأ الوصي عبد الإله إلى البصرة فاراً من بغداد يرافقه عدد من وزرائه، والتحق بهم صالح جبر الذي كان متصرفاً للواء البصرة يومذاك، وقد أقاموا حسبما قيل على ظهر بارجة عسكرية بريطانية في شط العرب.

كانت الحياة تسير بصورة اعتيادية في مدينة البصرة رغم تأزم الموقف ونُذُر احتلالها من قبل البريطانيين، كان الجو متوتراً في المدارس الثانوية والمتوسطة حيث توقفت الدراسة وتجمع الطلبة وشاركوا في المظاهرات، وبعد أيام دخل البريطانيين العشار متوجهين لاحتلال بناية المتصرفية، وقد انتشرت قوات بريطانية بعدئذ في العشار ومن ثمّ بعد أيام وصلت إلى البصرة القديمة . إذ ترك موظفو الدولة وظائفهم وانصرف أفراد الشرطة إلى بيوتهم وساد شعور بضعف الأمن في المدينة، يذكر د. فاروق برتو في مذكراتهحول تلك الأحداث قائلاً ص79/83 :"وما هي إلاً بضع ساعات حتى بدأ (الفرهود) في سوق البصرة القديمة بكسر وسرقة مخازن ودكاكين اليهود أولاً وتلاه الهجوم على مخازن المسلمين... لم تحدث حسب علمي اعتداءات على اليهود ولم تُهاجم دورهم في فرهود البصرة القديمة، ولا أعلم ما حدث في العشار، وفي مساء ذلك اليوم اجتمع عدد قليل من وجوه محلتنا وعلى رأسهم صبري أفندي وقرّروا تنظيم حراسة المحلة حتى صباح اليوم التالي وتزويد عدد من شباب المحلة بأسلحة بسيطة للقيام بذلك . وأحسب أن شيئاً مماثلاً جرى في العديد من محلات البصرة ذلك المساء . كان والدي حينئذ رئيساً لبلدية البصرة بالوكالة إضافة إلى عمله محامياً، وكان رئيس محاكم البصرة بريطانياً يدعى مستر لويد، وما أن سقطت البصرة حتى استبدل لويد ثيابه المدنية بملابس عسكرية حاملاً رتبة عقيد في الجيش البريطاني واصبح مستشاراً لقائد جيش الاحتلال وقيل أنه كان الحاكم الفعلي للبصرة.

في مساء اليوم الثاني من الفرهود أعلن منع التجول وحالة الطوارئ من قبل هيئة تشكلت للمحافظة على الأمن برئاسة أمين العاصمة أرشد العمري، وتدخلت الشرطة لإيقاف الاعتداءات والسرقات، وبعد ذلك صدر بيان يمنع إخفاء البضائع المسروقة والاحتفاظ بها ويأمر بتركها في مواقع تم تعيينها مع التهديد بعقوبات قاسية لمن يُعثر عليها لديه.. و"أخذ الهدوء والأمن يعودان شيئاً فشيئاً".

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

ميثم الجنابيجلال الماشطة ومهمة الإعلام الملتزم بقضايا العرب القومية

إن احدى الصفات الجوهرية التي تميز جلال الماشطة في ميدان الكتابة الصحفية هو تمثيله لما يمكن دعوته بصحافة الانتماء العربي. فقد كانت القضية الفلسطينية بالنسبة له قضيته الشخصية. وفيها ومن خلالها تبلور موقفه من إشكاليات العالم العربي، على الأقل، في مستوى تحسسها الوجداني.

إذ لم يكتب جلال الماشطة دراسات علمية اكاديمية حول القضية الفلسطينية أو إشكاليات الوجود التاريخي للعالم العربي الحديث والمعاصر، إلا أن ذلك لا يقلل من توهجها فيما كتبه. اذ يمكن تلمس هذه الأبعاد في اغلب ما كتبه من مقالات صحفية.

والمقصود بصحافة الانتماء العربي حالما نطلقها على كتابات حلال الماشطة، هو وجودها الظاهر والمستتر في كل ما كتبه، بما في ذلك في المقالات المتعلقة بالشأن الروسي البحت. الأمر الذي يشير إلى تغلغل وفاعلية هموم الانتماء العربي في أعمق أعماقه. ونعثر على ذلك في دفاعه الدائم والمستميت عن المصالح العربية العليا في مواجهة الدعاية الصهيونية، التي اخذت بالهيمنة شبه المطلقة بعد انحلال الاتحاد السوفيتي في الصحافة الروسية المرئية والمسموعة والمكتوبة. من هنا نقده المبطن والصريح للكسل والانحدار المنحط في الوعي الصحفي العربي. كل ذلك يكشف عن مستوى وطبيعة الالتزام السياسي والثقافي الواضح في مواقفه بهذا الصدد. إذ كانت مهمة كشف مؤامرات الصهيونية في روسيا عبر الصحافة من القضايا التي اثارت اهتمامه على الدوام.

وليس مصادفة أن تكون هي أيضا إحدى القضايا التي كانت في صلب اهتمام الكتاب الدوري الذي كنا نعمل عليه وإصداره نحن الثلاثة (جلال الماشطة والدكتور نوفل نيوف وأنا). وقد كنا نعمل سوية في هيئة التحرير. فقد كانت قضية التصدي للدعاية والسياسة الصهيونية هي من اهتمام جلال الماشطة، بينما كان الدكتور نوفل نيوف يتناولها من خلال ترجمة مختلف الأعمال الفكرية والأدبية والفنية. فقد قام بترجمة مختصرة لكتاب شولغين (ما لا يعجبنا فيهم)، ومقال ايغور يرماكوف (اليهودية الصهيونية والدولة العالمية)، ومقال كيسيليوف (الحريق الذي لا ينطفئ)، ومقال (الكنيسة والدولة. سياسة روسيا تجاه فلسطين) وكثير غيرها. فقد كان الدكتور نوفل نيوف ماهرا باهرا في الترجمة، شديد الحذر والنقد تجاه كل ما هو يهودي بشكل عام وصهيوني بشكل خاص. وتبين مع مجرى الأحداث في روسيا ما قبل وبعد انحلال الاتحاد السوفيتي صدق وسلامة وصحة جميع ملاحظاته النقدية بهذا الصدد. بينما تناولت انا القضية اليهودية والظاهرة الصهيونية في سلسلة ابحاث فكرية وفلسفية وتاريخية وثقافية مثل (الصورة والمعنى في الصراع العربي اليهودي) و(اليهودية الصهيونية في روسيا) وغيرها، والتي جمعتها لاحقا وأضفت اليها الكثير من الفصول والأبواب وأصدرتها في كتاب مستقل متكامل من حيث بنيته ومنطقة الداخلي هو (اليهودية الصهيونية والصراع العربي اليهودي) الذي طبع مرتان، ثم توسعت فيه وصدر في كتاب آخر بعنوان (اليهودية الصهيونية وحقيقة البروتوكولات) الذي طبع خمس مرات.

غير أن ما يميز جلال الماشطة عنا (الدكتور نوفل وأنا) هو احتكاكه العملي بهذه القضية في روسيا وعمله عليها في ميدان الدعاية والكتابة الصحفية واللقاءات السياسية والنشاط الشخصي بين الهيئات الدبلوماسية العربية والروسية. ووجد ذلك انعكاسه في المقالات التي كتبها بهذا الصدد، والتي انشر اثنتين منها وهي على التوالي (آن للأبكم أن ينطق!) في نقده وتمرده وحسرته على صمت الهيئات الدبلوماسية العربية والصحافة العربية حول مختلف جوانب هذه القضية، ومقال (الإعلام الصهيوني في روسبا). ومن خلالهما يمكن رؤية شخصيته الصحفية وطبيعة الهموم والالتزام الشخصي بقضايا الأمة العربية ككل.

***

ميثم الجنابي

.............................

آن للأبكم أن ينطق!

جلال الماشطة

صمت العرب على تشويه صورتهم في الإعلام الروسي

من المذنب في كون العربي اصبح، في الإعلام الروسي ، صنوا للجهل والتخلف والإرهاب؟

ما العمل لتغيير هذا الواقع الذي يسيء إلى العرب، والانكى انه يحول دون قيام علاقات طبيعية بينهم وبين القارة الاورآسوية التي اسمها روسيا؟

السؤالان مصاغان على الطريقة المألوفة في الفكر التقليدي الروسي الذي غالبا ما  يبحث عن العلة خارج الجسد. ونحن إذ نقتبس الصيغة، فإننا لا نريد أن نجعل من الآخرين مشجبا يعلق عليه العرب ذنوبهم وعيوبهم، بل نقر سلفا بأنهم يتحملون وزرا، بل ربما الوزر الأكبر في إخلاء ساحة المعركة الإعلامية في روسيا خمولا يقارب العيّ المخجل أحيانا.

ولكن لماذا غدا العرب عرضة لهجوم إعلامي كاسح ووقح، وهل أن وسائل الإعلام هي فعلا مرآة للمجتمع، أو بعبارة أخرى هل يرى الروسي في العربي عدوا؟

تاريخيا، كان الروس يستخدمون مصطلح "باسورمانين" في الحديث عن الأجانب عامة والمسلمين تحديدا. وهذه المفردة مثقلة بظلال سلبية ولعلها اقرب إلى كلمة "الأعجمي" في استعمالها الشائع على لسان العرب اليوم. وقدم أدباء روس كبار، مثل ليرمنتوف وتولستوي، صورة متميزة لـ "الباسورمانين" الذي حاربه الروس في القوقاز إلا أن تلك كانت صورة خصم عنيد لا عدو مكروه.

ونظرا لجهل عامة الروس بالعرب فان العربي كان في نظرهم "الباسورمانين" البعيد الذي يشبه القوقازيين إلا انه يقطن الصحارى وليس الجبال. هذا الموقف "المحايد" اخذ يتغير بعد الثورة البلشفية التي سعى  قادتها إلى جعل الشرق حليفا استراتيجيا لهم، لذا فان الإعلام المؤدلج في العهد السوفيتي دأب على الحديث عن الشعوب المضطهدة والحضّ على التعاطف معها. إلا أن العالم العربي ظل مفهوما  تجريديا لا يلامس عقول وعواطف رجل الشارع السوفيتي، لحين بزوغ نجم الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي اصبح رمزا  لحركة التحرر الوطني وتجسيداً ملموسا لصورة العربي لدى الإعلام الموجه. واعتمدت الآلة الدعائية السوفيتية معادلة تسطيحية تقضي بفرز لونين من العرب: التقدمي ذو الوجه النير، الطويل القامة، الجهوري الصوت الشجاع…الخ، والرجعي القميء الكئيب الخبيث وهكذا دواليك. وبما أن التقدميين اكثر، طبعا، من الرجعيين فان صورة العربي رسمت بألوان زاهية في الغالب وان كانت تثير الشفقة اكثر من الاحترام.

هذا على الصعيد الرسمي. أما الشارع فقد كان متأثرا بعوامل عدة منها "الإعلام الشفاهي" الذي اعتمد أحيانا روايات كاذبة كتلك التي نشرتها صحيفة "كمسمولسكايا برافدا" في مطلع الستينات عن عربي تزوج فتاة روسية ثم باعها بناقات معدودات. واذكر أن هذا المقال اليتيم أثار ضجة كبرى في أوساط الطلاب العرب وشكلت وفود للاحتجاج واضطرت الصحيفة إلى نشر توضيح يقول أن اسم الشاب (محمود) لا يعني انه عربي. واليوم نجد الصحف والمجلات الروسية غاصة بمثل هذه المقالات أو ما هو أسوأ منها، ولا من يحتج ولا من يعترض.

وساعد على خلق صورة اقرب إلى الواقع عن العالم العربي أن مئات الآلاف من الخبراء السوفيت عملوا في مصر والجزائر والعراق وسورية واليمن ودول أخرى فنقلوا مشاهداتهم التي كانت خليطا من الإعجاب والاستياء. إلا أن الإعلام الرسمي ظل في خطوطه العامة يرسم العرب باللونين الأبيض (الدول التقدمية) والأسود (الرجعية). ومن حيث العموم كان مؤيدا للحقوق العربية ضمن حدود السياسة الرسمية لموسكو آنذاك. ورغم أن اللوبي الصهيوني لم يكن يمارس نشاطه في شكل مكشوف كما يجري حاليا، إلا انه سعى إلى "تكوين الصورة" وطمس بعض الحقائق. وحسبنا الإشارة إلى أن كتاب "حذار من الصهيونية" ليوري إيفانوف  صدر بموافقة من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي إلا انه لم ينزل إلى الأسواق لان ما طبع منه كان يشترى و… يحرق. وما زال المثقفون الروس يتذكرون المعركة الكبرى التي دارت في السبعينات حينما منعت مراجع عليا، بتحريض من جهات معروفة تضمين المؤلفات الكاملة لدستويفسكي بحثا كان صاحب "الجريمة والعقاب" كتبه عن اليهود، في حين أن ترجمة الاعمال الكاملة لغوته ،مثلا، صدرت من دون أي اعتراض .

ولان المواطن السوفيتي كان محروما من فرصة الاستماع إلى الرأي الآخر علنا داخل بلاده، فانه غالبا ما كان يلجأ ، سرا، إلى الإذاعات الغربية التي قدمت الصورة المنحازة المألوفة في الغرب عن العرب واليهود والصراع الشرق اوسطي.

إلا أن الإعلام الرسمي السوفيتي ظل في خطوطه العامة مؤيدا للحقوق العربية ضمن حدود سياسة الدولة آنذاك. وفي السنوات الأولى للبيريسترويكا وضمن عملية قلب معادلة "الأسود والأبيض" إلى ثنائية جديدة اخذ الإعلام في الاتحاد السوفيتي أولا، وبعد انهياره في روسيا بصورة خاصة، يسعى إلى تلطيخ ما كان يظهر مشرقا في العقود السابقة وتلميع ما كانت الدعاية السوفيتية ترسمه بألوان قاتمة. ولئن كان قلب المفاهيم نوعا من "التمرد" في البداية فانه اصبح تدريجيا أيديولوجية جديدة عززها النهج السياسي الذي اتبعته الدولة ابتداء من عهد ميخائيل غورباتشوف الذي قرر "الانسحاب" من الشرق الأوسط أولا وبالتالي التخلي عن الحلفاء الاستراتيجيين لبلاده والتقارب مع إسرائيل التي تدفق عليها مئات الآلاف من اليهود (وغير اليهود) الذين سمح لهم بالهجرة من الاتحاد السوفيتي.

وفي عهد غورباتشوف تحديدا بدأ الإعلام السوفيتي يتحدث عن "إهدار الأموال لمساعدة العرب المتخلفين" وبدأت الصحف تنشر معلومات صحيحة عن صادرات عسكرية وخدمات وبضائع سوفيتية صدرت إلى الدول العربية، لكن الأعلام كان يوحي بان كل ما قدم كان مجانا واقتطع من رزق المواطن السوفيتي المسكين، متناسيا أن يقول إن موسكو كانت أحيانا تتقاضى الثمن سيولة نقدية (من العراق والجزائر وليبيا) أو مقايضة (البضائع المصرية) أو تسهيلات للأسطول السوفيتي (موانئ سورية والجزائر).

إلا أن العداء للعرب اصبح سياسة شبه رسمية إثر تفكيك الدولة السوفيتية، ولم يعد وزير الخارجية الروسي اندريه كوزيريف يجد غضاضة في استخدام كلمة "أوباش" للتحدث عن قادة عرب.

وشهدت وسائل الإعلام هجمة مدروسة على طول خط الجبهة تكللت بالاستيلاء شبه الكامل على أهم أدوات التأثير في الرأي العام. فعلى سبيل المثال أسس فلاديمير غوسينسكي رئيس المؤتمر القومي اليهودي في روسيا إمبراطورية إعلامية ضمت تلفزيون "أن. تي. في" وإذاعة "صدى موسكو" وصحيفة يومية واسعة الانتشار هي "سيفودنيا" ومجلات مثل "ايتوغي" و"7 أيام" وغيرها. وغدت القناة الاولى  "أو. آر. تي" واقعة تحت هيمنة الملياردير اليهودي الآخر بوريس بيريزوفسكي رغم انه لا يملك سوى 11 في المئة من أسهمها مقابل 51 في المئة تملكها الدولة التي "لا تتدخل" في سيل الشتائم التي توجه من هذه القناة إلى العرب. ولم يتخلف عن الركب تلفزيون "أر. تي. أر" وهو ملكية حكومية صرف من الناحية القانونية إلا انه يبدو ملكا خالصا للوبي الصهيوني من الناحية العملية.

وغدا الافتراء على العرب لازمة لا بد منها لكي تفتح أمام المطبوع الروسي الأبواب (والخزائن). وتتبارى الصحف أما في تشويه الحقائق أو طرح الأكاذيب السافرة واثقة أن أحدا لن يتصدى لها. مجلة "ايتوغي" الأسبوعية ، مثلا، تقدم الصورة التالية :"المزابل تبدأ فورا بعد العبور"من إسرائيل إلى الأراضي الفلسطينية. والفلسطينيون الذين كانوا يستقبلون الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن وصفوا بحرس شرف يشبه أفراده رجال الأنظمة الدكتاتورية في أميركا اللاتينية وباعة البنزين في الشيشان".

هذه الصورة التي تجمع بين الازدراء والسخرية والعنصرية مألوفة حد القرف في الصحف "الروسية" اليوم، إلا أن هناك مطبوعات "متميزة" مثل "أنباء  موسكو". فهي تقول أن إسرائيل جعلت من الجولان "جنة زاهرة" واستخدمت في الزراعة وتوزيع الموارد المائية تكنولوجيات عالية المستوى "يعجز عن ادارتها السوريون الذين ينظرون حتى الآن بارتياب إلى لكمبيوتر".. وهذا، بالطبع، تبرير لإبقاء الجولان لدى الإسرائيليين المتحضرين الذين يتقنون العمل الكمبيوتري.

وفي موضع آخر تنقل الصحيفة عن يهودي من اصل روسي صار أحد المسؤولين عن هياكل الاحتلال في الجولان تساؤله: "هل تريدون أن نعطي (ولتنتبهوا إلى هذه "النعطي" وليس ننسحب) إلى السوريين ما تعبنا هذه السنوات الطوال في صنعه؟ انهم سيلوثون المياه فورا". واستطرادا تشير إلى أن الوافدين من روسيا يشكلون 35 في المئة من 17 ألف مستوطن في الجولان وبالتالي فانهم الشريحة الأكثر عدوانية في رفض إعادة الحق إلى نصابه.

وفي مقال تحليلي تتحدث صحيفة "نوفيه إزفيستيا" عن احتمال إجراء استفتاء في إسرائيل في شأن "التنازل عن جزء من أراضي الدولة" هكذا وبجرة قلم صارت الجولان جزءا من إسرائيل.

ولا باس من الكذب السافر كما يفعل الكاتب دميتري رادتشيفسكي بادعائه أن الرئيس السوري حافظ الأسد "أيديولوجي القومية العربية رغم انه ليس عربي الدم الرجل الذي يتلاعب  بأفكار الأصولية الإسلامية (هكذا في النص) في حين انه يعتنق في السر دينا دخيلا على الإسلام".

وعلى ذات المنوال تتحدث صحيفة "موسكوفسكي كمسمولتس" عما وصفته بـ "زيف" الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي قالت انه "يغازل" الكنيسة الأرثوذكسية في حين أن المقربين إليه يبشرون بان المسيحية "اشتقاق يهودي" يعادونها.

وحتى الكتاب المتخصصون الذين عرفوا سابقا بالموضوعية بدءوا يقدمون صورة غريبة للوضع في المنطقة. ومن هؤلاء قسطنطين كابيتونوف الذي أقام فترة طويلة في الشرق الأوسط، فهو في مقال نشرته مجلة "ايتوغي" يقول أن دمشق تريد أن "تحصد عوائد" المفاوضات مع الإسرائيليين باسترجاع الجولان من دون أن "تسدد ديونها" المتمثلة بالتطبيع الكامل. ووفق هذا المنطق العجيب يصبح استرداد الأراضي المحتلة ليس تنفيذا لقرارات دولية وإحقاقا لحقوق شرعية بل "عوائد"، وفي المقابل يصبح التطبيع "دينا" لا بد من الوفاء به! بل انه يمضي شوطا ابعد بإشارته إلى أن توقيع معاهدة السلام مع سورية بدفع أميركي سيعني أن إسرائيل والولايات المتحدة تصبحان "حاميتين لنظام تعسفي" (في سورية طبعا) على أساس معاهدة "ليست في صالح إسرائيل أبدا"

واستثمرت القوى المناوئة للعرب الحرب الشيشانية لشن حملة واسعة شارك فيها عدد من كبار المسؤولين ووزعت خلالها الاتهامات من دون أي قرائن لإسنادها، إلا أنها أفلحت في خلق جو معاد للعرب بوصفهم "يساندون الإرهاب". ولعل من المثير أن مطبوعات مختلفة نشرت نصوصا متطابقة تقريبا، ما يوحي بان مصدرها واحد. إذ أن "ايتوغي" ذكرت أن بين "جنرالات عرفات" عددا من قادة … منظمتي "فتح" و"حماس" اللتين يجري في معسكراتهما إعداد مقاتلين وإرسالهم إلى الشيشان". وصحيفة "أنباء موسكو" تكرر الأكذوبة وتوسعها بالإشارة إلى أن "الإرهابيين الإسلاميين الذين يحاربون روسيا تدربوا في قواعد فتح وحماس" وتمضي إلى القول أن مدربين سوفيت كانوا شاركوا في إعداد تلك القواعد.. في الأراضي الأردنية.

كيف لروسيا، أذن، أن تواجه هذا "الإرهاب" العربي الشيشاني؟ الجواب يغدو بديهيا، إذ أن صحيفة "إزفيستيا" تشير إلى أن "الإسرائيليين فهموا أن آهات وتأوهات المدافعين عن حقوق الإنسان لا يمكن أن تغدو المنقذ". ولمزيد من الوضوح تقول أن "إسرائيل وروسيا تواجهان الإرهابيين (… ) وتل أبيب تفهم لماذا تحارب روسيا في الشيشان".

هكذا تكتمل الحلقة ويتضح الفرز بين "الحليف" و"العدو" وفي الوقت ذاته تغدو إسرائيل الطرف المسكين الذي يتعرض لـ "إرهاب" عربي.

ويشارك في رسم هذه الصورة مسؤولون كبار. فالناطق الرسمي باسم الكرملين سيرغي  ياسترجيمبسكي لم يكف عن الحديث عن "مرتزقة عرب" يقاتلون إلى جانب الشيشانيين بل أشار إلى قوى في الشرق الأوسط تسعى إلى زعزعة الاستقرار في روسيا. والتقط زميله المتحدث باسم وزارة الأمن الكسندر زدانوفيتش المبادرة ليعلن أن 1500 مليون (!) دولار جمعت في دول عربية وإسلامية بهدف التأثير في الإعلام الروسي. ويبدو أن "القابضين" لم يفهموا المطلوب فتواصلوا إطلاق السهام المسمومة إلى "المانحين" العرب!!

والى جانب الكذب السافر، غالبا ما يعمد الإعلام الروسي (روسي بمعنى الانتماء الجغرافي فقط) إلى قول نصف الحقيقية أو إخفاء نصفها الآخر. فقد أثارت تلفزيونات موسكو ضجة كبرى عن أموال جمعت في السعودية لمساندة الشيشانيين وبذا خلق انطباع وكأن السعوديين اصبحوا في صف من يحملون السلاح ضد روسيا. إلا أن التلفزيونات إياها لم تورد حرفا واحدا عن عشرات الملايين من الدولارات التي قدمت فعلا كمساعدات إلى اللاجئين الشيشانيين عبر قنوات حكومية فيدرالية.

وباتت نغمة "المرتزقة العرب" أثيرة لدى المسؤولين الروس الذين قدموا أرقاما عن أعداد هؤلاء "المرتزقة" توحي بان في الشيشان جيشا عربيا جرارا كان يمكن أن يحرر فلسطين. ومن دون إنكار احتمال وجود عرب في القوقاز فان الموضوعية كانت تقتضي أن تقدم موسكو براهين أخرى غير "قوائم بأسماء الضباط العرب" التي ضمت 41 اسما يبدأ كلها بـ "أبو". وكان لمدبجي هذه القوائم أن يحصوا 41 مليون اسم فهي كلها مختلقة، والهدف الأساسي كان الإيحاء للمواطن الروسي بان "الآباء" العرب يذبحون شبان روسيا.

وثمة قصاصة من نشرة "ايتار ـ تاس" وهي وكالة أنباء حكومية رسمية تدعي الرصانة، وقد نقلت عن أحد رجال الشرطة إن معركة في موقع ما في الشيشان أسفرت عن مصرع عدد من "الإرهابيين" وان جثة واحد منهم … توحى بأنها لعربي. وهكذا يغدو الشرطي عالما انتروبولوجيا يحدد "المنشأ" من النظرة الأولى ومن دون البحث عن البراهين، فالمهم أن تضع الفرشاة بصمة سوداء أخرى على وجه العرب.

أين العرب من ذلك كله؟ من لم يكن نائما فهو يتثاءب بكسل، ومن كف عن التمطي يتذرع بان الإعلام الروسي صهيوني كله واختراقه مستحيل وكفا الله المؤمنين شر القتال! والحال، انه رغم قوة مواقع اللوبي الصهيوني، فان العرب ما برحت أمامهم أبواب، إن لم تكن مفتوحة على مصاريعها فهي ليست موصدة تماما. فالمصالح الاستراتيجية العليا والبعيدة المدى لروسيا تدفع نحو التحالف مع العرب أو على الأقل نحو إقامة علاقات طبيعية معهم. وثمة مجموعات متنفذة داخل روسيا يمكن التعاون معها بهدف التصدي للحملة الشرسة والظالمة في آن. ونعنى بذلك شرائح واسعة من المجمع الصناعي العسكري وهياكل إنتاج الطاقة والنفط والري… وما إلى ذلك من القطاعات المهتمة بالتعاون مع العرب.

والإجابة على سؤال ما العمل؟ تقتضي، أولا، الإقرار بوجود ظاهرة العداء للعرب والاعتراف بأنها انتشرت كالورم في الجسد الإعلامي الروسي، والتصدي لها يحتاج جهدا عربيا مشتركا لا تعيقه الخلافات الثانوية.

وقد خسر العرب هذه الساحة الإعلامية في أواخر الثمانينات لأنهم اعتبروها في حينه "وقفا" لهم بحكم الاستمرارية، وحينما تحرك القطار لم يحاولوا اللحاق به وتذرعوا بان قاطرات صهيونية اندفعت به بسرعة ولم يبق لنا إلا أن نتفرج من على الرصيف.

ولذا ظلت على الرفوف مقترحات طرحت منذ سنوات، وهي ما برحت حيوية حتى الآن، جوهرها تشكيل فريق عمل لوضع خطة تحرك إعلامي في روسيا. وفي إطار هذا الفريق ينبغي أن تعمل مجموعة رصد تتابع ما تكتبه الصحف والمجلات وما تبثه محطات الإذاعة والتلفزيون وتقترح صيغ الرد والتفاعل. ولكن الأهم من ذلك أن يجرى "اختراق مضاد" هدفه اطلاع الرأي العام الروسي على الحقائق وليس "تلميع" صورة العرب. وفي هذا السياق ينبغي الإفادة من خبرات الكتاب والباحثين الذين ظلوا أوفياء لموقفهم النزيه من العرب، إلا انهم غدوا مهملين منسيين. وربما كانت على حق تلك الصحافية التي أخذت اثر عودتها من رحلات في الدول العربية، تكتب مقالات فيها الكثير من الغمز أن لم نقل الهجوم الصريح، وحينما عوتبت أجابت "هكذا انتم العرب تكرمون من يشتمكم وتهملون من يقول الحقيقة".

وقد حان الوقت للتعلم من الإسرائيليين، فهم دعوا مستعربين لإلقاء محاضرات في إسرائيل أو زيارتها وعاد كثيرون منهم بعدها ليجد "حرجا" في الكتابة الموضوعية عن مشاكل الشرق الأوسط. وكل مسؤول إسرائيلي يزور موسكو يضع في خطة عمله برنامجا طويلا للمقابلات الصحافية في حين أن العرب غالبا ما يغلقون الأبواب في وجه الصحافة متذرعين بـ "ضيق الوقت" ثم يتعالى بكاؤهم على "فقدان" روسيا وعبث الصهاينة فيها.

بديهي أن أي خطة لتحرك إعلامي عربي لن تكون فاعلة إذا لم تستند إلى رؤية استراتيجية واضحة لموقع روسيا ودورها في القرن الواحد والعشرين. فهذه القارة الاورآسيوية، وإن  فقدت الكثير من مقومات الدولة العظمى، ما زالت تملك السلاح النووي وصوتا دائما في مجلس الأمن وتملك ثروات طبيعية وبشرية هائلة. فهل يرضي العرب أن تشوه صورتهم في "مرآة" تشغل مساحتها سبع اليابسة في العالم كله؟

***

الإعلام الصهيوني في روسيا

جلال الماشطة

لسان الكذب

الإعلام في روسيا يصّبح بناتان شارانسكي ويمسي ببنيامين نتانياهو وأثناء النهار تقدم صورة للعربي "الإرهابي القاتل" الذي يردع "المستوطنين" (المستعمرين) اليهود "المساكين"، ثم تعود أناء الليل لتعرض سيناريوهات مرعبة عن أممية أصولية إسلامية تخطط لاكتساح العالم.

ومع انتفاضة الأقصى سقطت أوراق التوت وهتكت الأقنعة لتظهر الصورة من دون لبس. فالإعلام في روسيا (هل الإعلام وحده؟) تحت سيطرة القوى اليهودية، بل قل غلاة الصهاينة، في حين أن الرسميين في البلد اصمت من أبي الهول، وان احسنا الظن قلنا انهم عاجزون، أما إذا أطلقنا للمنطق الصوري العنان فلا بد أن يقودنا إلى مقولة أن السكوت من الرضى.

وغالبا ما يردد الاصلاحيون في روسيا أن من بين المثالب الكبرى للنظام السوفياتي انه كان معاديا للسامية محابيا للعرب، ناسين أو متناسين أن نسبة اليهود بين القيادات السوفيتية اثر الثورة بلغت 70 في المئة أو اكثر. ولن نرتكب إثم الظن فندعي أن الحركة الثورية استخدمت مطية لتحقيق أغراض معينة، ولكن لا شك أن اختلال التناسب القومي لم يخدم بأي حال الغايات العليا للثورة.

وثمة من يزعم أن موجة العداء للسامية اكتسحت الاتحاد السوفياتي أبان حكم يوسف ستالين وان اليهود ابعدوا لاحقا عن جميع مراكز القرار والسلطة. إلا أن ميخائيل غورباتشوف (وهو ليس على الإطلاق من المحبين للعرب) أو المناوئين لليهود، بل ربما كان العكس هو الصحيح، أكد في حينه أن اليهود يشغلون زهاء 20 في المئة من المناصب الحاسمة رغم أن نسبتهم إلى العدد الإجمالي للسكان لم تكن لتتعدى 1 إلى 2 في المئة.

ولا نذكر هذه الأرقام بدوافع عنصرية إنما لوضع الحق في نصابه، وكشف واحد من الافتراءات الكثيرة التي تساق على أنها حقائق بديهية.

ويعرف مجايلو المرحلة السوفياتية أن اليهود غالبا ما كانوا يحتلون مواقع في الظل كمساعدين للأمناء العامين للحزب الشيوعي أو أعضاء المكتب السياسي، وهذه المواقع كانت مفصلية، إذ أنها تتيح لشاغليها التحكم في عتلات أساسية من دون أن يتحملوا مسؤولية مباشرة أو يكونوا في الواجهة.

وتغيرت اللوحة في زمن البيريسترويكا ثم بانهيار الاتحاد السوفيتي حيث انتفت الحاجة إلى الحجب، وصار الانتماء اليهودي مدعاة للتفاخر والمباهاة وأحيانا دليلا على التفوق القومي اعتمادا على مقولة "شعب الله المختار".

وفي عهد الرئيس السابق بوريس يلتسين بلغت نسبة اليهود في الحكومة والديوان الرئاسي 40 ـ 50 في المئة، وفي قيادة المؤسسات المالية 80 ـ 90 في المئة. إلا أن السيطرة غدت شبه كاملة على وسائل الإعلام وخاصة الإلكترونية، إذ أن فلاديمير غوسينسكي رئيس المؤتمر اليهودي يملك مؤسسة "ميديا موست" الإعلامية الكبرى التي تضم تلفزيون "ان. تي. في" وإذاعة "صدى موسكو" التي تبث على مدار الساعة وصحيفة "سيفودنيا" اليومية الواسعة الانتشار ومجلتي "ايتوغي" و"7 أيام" وعددا كبيرا من المحطات التلفزيونية الإقليمية. وعلى منواله سار الملياردير بوريس بيريزوفسكي فهو اشترى من الدولة بـ 300 ألف دولار قرابة 11 في المئة من اسهم القناة التلفزيونية الأولى "أو. آر. تي" التي كان دخلها الإعلامي وحده يصل إلى 40 مليون دولار، ثم زاد حصته إلى 49 في المئة من الأسهم. ورغم أن الـ 51 في المئة المتبقية ظلت شكليا ملكا للدولة فان بيريزوفسكي تمكن من تنصيب رجاله في جميع المناصب القيادية في "أو. آر. تي"، ثم وسع إمبراطوريته ليضم إليها 75 في المئة من اسهم شركة "TV6” واشترى صحيفة "كوميرسانت" و"نيزافيسيمايا غازيتا" وكلتاهما كانتا تعدان من المطبوعات الرصينة قبل انتقال ملكيتهما إلى "راسبوتين" الجديد الذي استحوذ على أهم المفاصل في ميادين المال والإعلام… والسلطة من خلال صلاته الوثيقة مع "عائلة" الرئيس السابق بوريس يلتسين.

والإعلام في روسيا ليس مجالا استثماريا أو واحدا من فروع البيزنس، بل انه اصبح أداة لممارسة السلطة أو ابتزاز القائمين عليها، إلى جانب كونه قناة لتمرير اطروحات أيديولوجية مغرضة. ولم تكن القوى المهيمنة على هذا الحقل في روسيا بحاجة إلى إتقان تكنولوجيات مرهفة ومعقدة للإيحاء بوجود نوع من الموضوعية، بل أنها اعتمدت أسلوب "اللي اختشوا ماتوا". فكانت تكذب من دون حياء ثم تعدو فتنتقض الكذبة بأخرى. واستند الإعلام في المرحلة اليلتسنية إلى "ثوابت" منها إلغاء الآراء الأخرى بالكامل واحتكار المنابر ومخاطبة الغرائز واعتماد أساليب الإثارة للتغطية على الحقائق الموضوعية وادعاء ملكية مفاتيح الحق والحقيقة.

وقد سلبت الغالبية الساحقة من الروس حق الكلام وغدا "الديمقراطيون" المتحدثين الوحيدين باسم الشعب رغم أن حزبهم "الخيار الديمقراطي" اخفق في حينه في عبور حاجز الخمسة في المئة المطلوب للتأهيل إلى البرلمان. وكانت الانتخابات الرئاسية عام 1996 تحديا سافرا للأحكام الديموقراطية والأعراف الأخلاقية والقواعد المهنية. فقد كرست كل قنوات التلفزيون لرفع بوريس يلتسن من حضيض الـ 2% (اثنين في المئة) الذي بلغته شعبيته وتلميع صورته وتسويقه إلى الناخبين، أو بالأحرى فرضه عليهم، في حين لم يوفر الإعلاميون أكذوبة إلا وأطلقوها لتشويه سمعة منافسه غينادي زيوغانوف. واجمع المراقبون الأوربيون على انه إجحاف غير مسبوق لحق منافسي يلتسن. واقر غوسينسكي نفسه لاحقا بان المنابر الإعلامية التي يملكها كانت "منحازة".

وبانتهاء حكم يلتسن عقدت آمال على أن يفتح خلفه فلاديمير بوتين النوافذ لـ "تهوية" البيت الروسي، وتعززت هذه التوقعات حينما أعلن نيته التصدي لتسلط عدد من أساطين المال على مفاتيح السلطة وبدأت النيابة العامة فتح ملفات التجاوزات القانونية وعمليات نهب المال العام التي قام بها بيريزوفكسي وغوسينسكي.

ولكن اهتزاز مواقع القطبين الماليين لم تغير أسلوب الإعلام الروسي في التعاطي مع المعارضة اليسارية التي ظلت المنابر الإعلامية مغلقة دونها، ولم يبدل من طريقة التعامل مع الملفات الحساسة المتعلقة بالعرب واليهود والقضايا الإسلامية.

ومنذ قيام ارييل شارون باقتحامه الاستفزازي للحرم القدسي استنفرت قنوات التلفزيون في روسيا كلها عمليا للدفاع عن "المستضعفين" اليهود والتنديد بـ "الإرهابيين" الذين يجب أن تكوى أجسادهم بالدبابات.

وقد نقلت صحيفة "فريميا نوفوستيه" عن عميد كرسي لغة الايدش في إسرائيل، أن إسرائيل "قد يصل بها الغضب حدا يدفعها إلى أن تبصق على الرأي العالم العالمي". واستشهد بمقولة لبن غوريون الذي أكد انه "ليس المهم ما يقوله ويفكر فيه غير اليهود، بل المهم ما يفعله اليهود". واستنادا إلى ذلك أشار إلى أن إسرائيل "دولة اليهود والحقوق القومية هناك لهم وحدهم". وأبدى هذا العميد أقصى قدر من "الروح الإنسانية" حينما "وافق" على منح الفلسطينيين "فرصة الحياة في بلدان أخرى".

الدعاية الصهيونية – العداء للإنسانية

وكما القرد في الأساطير المعروفة "لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم" فان التلفزيونات الروسية تبدو مصابة بالصم والعمى والخرس حين يتعلق الأمر بالفلسطينيين، إذ أن مشهد القتل العلني لمحمد الدرة لم يعرض سوى مرة واحدة في النهار ولم يسمع به الكثيرون من الروس، لكن المشاهد ظل يحقن بجرعات مسمومة عن "الهمج" الفلسطينيين الذين زعم انهم دمروا مقام النبي يوسف، من دون التطرق بحرف واحد إلى الثكنة العسكرية ومستودعات السلاح التي كان الإسرائيليون أقاموها هناك. وفي الوقت الذي لا يدعى العرب أو حتى الخبراء المحايدون للحديث عن الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فان كل القنوات تشرع شاشاتها أمام دعاة الحرب الإسرائيليين أمثال شارانسكي ونتانياهو، أو أمام حلفائهم واصدقاتهم في روسيا. ولم يغب عن كل الحلقات سفير روسيا السابق في إسرائيل ألكسندر بوفن الذي يصفه زملاؤه في الخارجية بأنه "سفير يهود روسيا لدى يهود إسرائيل".

وفي العهود الماضية كان بوفن أحد مساعدي الأمين العام للحزب الشيوعي لكنه صار بقدرة قادر "ديمقراطيا" غربويا متحمسا واختار لكتاب أصدره أخيرا عنوان (خمس سنوات بين اليهود والدبلوماسيين)، أي انه "لم يلاحظ "خلال فترة سفارته في إسرائيل أن اكثر من 1،2 مليون عربي يحملون جنسية هذا البلد. ويحاول بوفن أن يقنع المشاهد الروسي بان باراك "قدم تنازلات لم يكن ليحلم بها عرفات"، لكن الأخير أبدى تعنتا ورغبة في الاستحواذ على "القدس المقدسة لدى اليهود كما الكرملين لدى الروس". وكرر بوفن هذه العبارة غير مرة من دون الإشارة إلى قدسية المسجد الأقصى لدى المسلمين وكنيسة القيامة لدى المسيحيين، ساعيا إلى الإيحاء بان التنازل عن القدس "مرفوض" كما هو مرفوض لدى الروسي أن يتنازل عن الكرملين.

ولا يتورع صديق بوفن، المفوض السابق لحقوق الإنسان سيرغي كوفاليوف عن استخدام تعابير مثل "السافل" في الحديث عن الرئيس ياسر عرفات، بينما اقتفت خطاه صحيفة "اوبشيا غازيتا" حين وصفت القائد الفلسطيني بأنه "قاتل موهوب وضليع" وأضافت أن "وعيه القروسطي يتجاوب مع الأصولية الإسلامية المعاصرة".

وغالبا ما تلجأ محطات التلفزيون والصحف إلى مغالطات وأكاذيب سافرة. فتقول "ازفيستيا" أن المتظاهرين الفلسطينيين في بيت لحم رفعوا شعارات تطالب بـ "تفجير باصات الركاب الإسرائيلية". وفي سلسلة تحقيقات تحت عنوان "حملة مشتركة لاتحاد الجاليات اليهودية والإدارة الدينية لمسلمي روسيا" نشرت صحيفة "كوميرسانت" ريبورتاجات حافلة بالحقد وتحدثت عن "عرب فقدوا الضمير والشرف" وقالت أن مراسليها سمعوا فلسطينيين "يرددون أغاني توحي بأنهم يدعون إلى شيء مرعب وعندما ترجمت كلمات الأغاني اتضح أنها مرعبة حقا، إذ تضمنت دعوة إلى دولة فلسطينية".

اذن الإدارة الدينية الإسلامية تنفق على إيفاد مراسلين عن صحيفة يملكها الملياردير اليهودي بيريزوفسكي لتكتب عن "خطيئة" المطالبة بدولة فلسطينية، وبذا فان أيهود باراك الذي المح إلى انه يوافق بشروط على قيام الدولة يغدو ارحم من الكتاب الذين تدفع لهم القيادات الإسلامية في روسيا.

وغدا العنصر "الإسلامي" عاملا مهما في التحرك الأيديولوجي والسياسي والإعلامي الإسرائيلي. وقد أشار نتانياهو إلى أن روسيا وإسرائيل تقفان في خندق واحد لمواجهة عدو مشترك هو "التطرف الإسلامي".

ويكرر هذا اللحن باستمرار المسؤولون الإسرائيليون الذين غدوا "نجوم الشاشة". وفي حال غيابهم ينوب عنهم أصدقاؤهم في روسيا. والمؤسف أن مسؤولين كبارا في الدولة تلقفوا هذه المقولة، فقد أشار سكرتير مجلس الأمن القومي سيرغي إيفانوف إلى وجود "منشأ واحد للإرهاب" يدير العمليات التي تجري في جميع أنحاء العالم ابتداء من الفيليبين وانتهاء بكوسوفو مرورا بالشرق الأوسط والقوقاز". ونجح الإسرائيليون في تسويق أطروحة "تماثل الحالتين" الفلسطينية والشيشانية، وبالتالي فانهم دعوا روسيا إلى أن تقف إلى جانبهم لمواجهة "خطر مشترك". ولم ينتبه الساسة والمعلقون الروس الذين "بلعوا" هذا "الطعم" إلى انهم بذلك اعترفوا بتدويل المشكلة الشيشانية رغم انهم كانوا يصرون على أنها شأن داخلي روسي صرف. وبلغ الأمر بسيئ الذكر بوفن حد التحريض السافر فهو يتساءل: لماذا يلومون إسرائيل على ما يسمونه رد فعل غير مكافئ للتحرك الفلسطيني؟ ماذا تراك تفعل إذا أطلقت عليك النار؟ نحن في الشيشان نرد بإطلاق النار على المسلحين وأحيانا يموت مدنيون". هذه العبارة تكثيف نمطي للمغالطات التي غدت معهودة في إعلام روسيا، فبوفن يتهم الفلسطينيين بأنهم يطلقون النار وليس الحجارة، ويتجاهل "أسبقية" الاحتلال على رفضه ويقارن بين ما يقوم به الجيش الفيدرالي داخل روسيا وتصرفات المحتلين الإسرائيليين، وأخيرا يعترف بـ "موت" مدنيين من دون أن يسمح لقلمه أو لسانه أن "يزل" بكلمة رأفة بهم.

ولوحظ أن وسائل الإعلام الموالية لليهود كانت تتخذ موقفا مناوئا للحرب القوقازية الأولى، وتحدثت عن تجاوزات قانونية وانتهاك حقوق الإنسان في الشيشان، إلا أنها عمدت في الآونة الأخيرة إلى تخفيف لهجتها تدريجيا لكي تبدو محايدة أو حتى موالية للسلطة. وقد يوحي ذلك بوجود ترتيب معد سلفا لإذكاء نيران الحرب ومنع موسكو من إحراز النصر ثم استثمار الوضع القائم لصالح أطروحة "التحالف في مواجهة الخطر الإسلامي". وما يعزز هذا الاعتقاد أن الماكنة السياسية والأيديولوجية الإسرائيلية تحركت في وقت واحد على عدة محاور، فإضافة إلى روسيا توجه مبعوثون إسرائيليون على رأسهم ناتان شارانسكي (المنشق السوفياتي سابقا ورئيس حزب "إسرائيل باعاليا" المتطرف) إلى عدد من جمهوريات آسيا الوسطى التي تخوض مجابهة مع مجموعات إسلامية في المثلث الواقع بين اوزبكستان وطاجكستان وقرغيزيا. وقام شارانسكي باتصالات واسعة لإقناع قيادات هذه الدول بالانضمام إلى ائتلاف واسع يضم إسرائيل وروسيا والهند ودول آسيا الوسطى وتركيا لمواجهة "الأصوليين".

والى جانب التحرك السياسي والأيديولوجي المباشر يلجأ الإعلام الموجه إلى أساليب إيحائية هدفها التأثير في الأحاسيس أو العقل الباطن أو اعتماد مصطلحات لها دلالات تخدم الطرح الإسرائيلي.

فعلى سبيل المثال لا تكف وسائل الإعلام في روسيا عن استخدام كلمات مثل "الأراضي" أو "يهودا والسامرة" للحديث عن الأراضي الفلسطينية، أو أنها تشير إلى "اضطرابات في إسرائيل" مكرسة بذلك مفهوم الضم القسري للأرض الذي تخلى عنه الإسرائيليون أنفسهم.

ووصفت وكالة "ايتار ـ تاس" الحكومية الرسمية كوادر الانتفاضة الفلسطينية بأنهم "قادة ميدانيون" وهو مصطلح يطلق على قيادات المقاومة المسلحة في الشيشان، ويستدعي في نفس المواطن الروسي مشاعر سلبية. ودأب مراسلو القنوات التلفزيونية على إجراء مقابلات مع جنود إسرائيليين وافدين من روسيا للإيحاء بوقوع عدوان على "أهلنا في إسرائيل" على حد تعبير صحيفة "سيفودنيا".

وعرض التلفزيون "أن. تي. في" مقابلات مع عدد من هؤلاء الجنود جمعها إلى مشاهد تشييع شهداء فلسطينيين تعمد المخرج إظهار الأعلام الخضراء وإبراز هتافات "الله اكبر" في محاولة لإقناع المشاهد الروسي بوجود "عدو واحد" في فلسطين والشيشان، وبالتالي دفعه إلى القبول بأطروحة التحالف بين روسيا وإسرائيل.

ضرورة محاكمة الإعلام الصهيوني

لقد شن الإعلام في روسيا (لا نقول الإعلام الروسي إذ أن الانتماء القومي معروف) عدوانا سافرا على العرب والمسلمين، وقدم "نماذج" فريدة من الأكاذيب والمغالطات وغدا انحيازه الفاضح فجا إلى حد جعله أسوأ من الإعلام الأميركي المعروف بمحاباته المطلقة لإسرائيل.

ولعل لهذه الظاهرة الجديدة أسبابا جديرة بدراسة معمقة، إلا أن المهم أن يجري عمل منسق لمواجهة الصلف الذي جسد عمق الحقد المتراكم من جهة، وأوضح أن المعتدين واثقون أن عدوانهم وعدوانيتهم سوف يبقيان دونما حساب.

ولذا ندعو إلى رفع سلسلة من الدعاوى القضائية على الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون التي تعمدت إثارة العداء القومي والحط من قيمة القوميات والأديان منتهكة بذلك الدستور وسائر التشريعات المعتمدة في روسيا. ومثل هذه المحاكمات يحقق أغراضا عدة. فهي ستنهي الحالة الغريبة التي كان أبانها الطرف الآخر يحصى على الناس أنفاسهم ويجهز يافطة "العداء للسامية" لإلصاقها بكل من يخالفه الرأي. وبرفع الدعوى سيشعر الجميع أن العرب اخذوا يبرأون من داء الصمم. والى ذلك فان استصدار قرار قضائي ضد مخالفي قانون المطبوعات والدستور الروسي سوف يدفع سائر وسائل الإعلام إلى أن تزن الكلام قبل إطلاقه.

وأخيرا فان المحاكمات بحد ذاتها توفر ما يسمى بـ "المناسبة الإعلامية" لكسر حاجز الصمت وكسب منابر كانت حتى الآن حكرا على الخصم.

***   ***   ***

 

ضياء نافعالاكثرية من سائقي سيارات الاجرة في موسكو هم من شعوب الاتحاد السوفيتي السابق . هذه ظاهرة واضحة المعالم الآن لكل من  يستخدم سيارات الاجرة في موسكو، اذ ان فرص العمل امامهم في دولهم المستقلة تقلصت بشكل هائل . لقد سبق لي ان كتبت عدة مقالات عن انطباعاتي حول تلك الظاهرة، واظن ان تلك المقالات كانت تعكس وضع تلك الشعوب في الوقت الحاضر، او في الاقل تعطي صورة واقعية لظروف حياة بعض ابنائهم . وامس كنت مع سائق من اوزبكستان . لم يكن ثرثارا  كما هي العادة، ولكن ما ان عرف اني من العراق، حتى (انفتحت قريحته !)، و بدأ يمطرني بسيل  من الاسئلة والآراء المتنوعة، والتي تعكس بالطبع افكاره الخاصة واهتماماته الشخصية وثقافته العامة ومعاناته الحياتية. قرأ لي اولا سورة الاخلاص بعربية ركيكة جدا (بالكاد فهمتها !)، وطلب منّي ان اشرح له معناها، فقلت له انها سورة الاخلاص، فاعترض قائلا، كلا كلا، انها سورة (قل هو)، ولفظها (كل خو) . ضحكت انا طبعا واوضحت له صلب الموضوع (كما يقال)، فاندهش اندهاشا مثيرا، وسألني وبكل جديّة - هل انت من رجال الدين ؟ ولما علم انني لست من رجال الدين ازداد اندهاشه اكثر . ثم قال لي، انه امس علّم ابنته هذه السورة، وانه سيقول لها اليوم انها سورة الاخلاص، وأضاف قائلا، انه يقدسّ هذا النص لانه من القرآن الكريم، ولكنه لا يفهم معناه بتاتا (تذكرت قصة زميلتي الصحافية الكبيرة د. سلوى زكو، التي قرأتها قبل ايام في الفيسبوك عن صديقتها السوفيتية ايام زمان في كلية الصحافة بجامعة موسكو، والتي اسمها تكزبان، والتي قالت لسلوى – وهي تعيّرها – انها (اي سلوى) لا تعرف ان اسمها مقتبس من الاية الكريمة – وبأي آلاء ربكما تكذّبان !!!، اذ انهم يلفظون الفعل – تكزبان، دون ان يفقهوا معناه طبعا).

بدأ هذا السائق بعدئذ يتحدث بأسى وبشكوى مريرة جدا عن وضع حياته في موسكو، وقال لي انه يعمل طوال النهار و بعض الاحيان في الليل ايضا، وكذلك تعمل زوجته الاوزبيكية، وانهما – مع ذلك - يعيشان بالكاد، لان ايجار الشقة بموسكو غال جدا، ومتطلبات الابن والبنت في المدرسة تقتضي صرف مبالغ كبيرة بالنسبة لدخلهم المحدود، ويجب عليهما ايضا مساعدة والديهما في اوزبكستان رغم انهم لازالوا يعملون هناك، وذلك لان وضع اوزبكستان الاقتصادي صعب جدا جدا.  وأضاف انه لولا عمل زوجته، فانهم (سيموتون جوعا !) . حاولت انا ان اخفف من صعوبات حياته، والتي كان يحكيها لي وهو يتألم بوضوح، وقلت له، انني التقيت كثيرا من ابناء شعوب الاتحاد السوفيتي، وان وضعهم كان لابأس به رغم انهم كانوا ايضا يعانون مثله بشكل او بآخر، ويساعدون اهلهم في بلدانهم، فقال، نعم، ولكن معظمهم لا يأتون بعوائلهم، و يسكنون في موسكو سوية و في غرف صغيرة، و حتى غير ملائمة للسكن الطبيعي بعض الاحيان اقتصادا بنفقات الايجار، أما انا، فلا استطيع ان اسكن هكذا مثلهم، اذ اني مع زوجتي وابني وابنتي، ولهذا فاننا نؤجّر شقة مستقلة .

 وانتقل بعدئذ بالحديث عن مشكلة اخرى يعاني منها، وهي قضية تربية الاطفال، اذ انهما – هو وزوجته – يحاولان دائما الكلام معهم باللغة الاوزبيكية وتعليمهم لها، ولكن الاطفال يدرسون في مدرسة روسية ويتحدثون في الشارع مع الاخرين بالروسية، ولهذا فان اللغة الروسية اصبحت بالنسبة لهم اللغة الام قراءة وكتابة وكلاما، اما اللغة الاوزبيكية، فانها ثانوية بالنسبة لهم، وقال لي وهو يبتسم، ان الاطفال يسخرون مني ومن والدتهم عندما نتحدث معهم بالروسية، ويصلّحون الاخطاء التي نعملها  اثناء الكلام، واختتم حديثه عن هذه المشكلة وهو يتنهد بعمق قائلا، كيف سيكون مصيرهم عندما نرجع الى اوزبكستان ؟ فسألته، وهل تخططون للرجوع الى هناك ؟ فقال انا وزوجتي نريد الرجوع حتما، ونتمنى ذلك كل يوم، ولكن الاطفال لا يرغبون بذلك بتاتا، ولا يمكن لهم حتى ان يتصوروا العيش دون مدرستهم الروسية، ولهذا، فانهم جميعا يستمرون بالعيش في موسكو، ولا يعرفون مستقبل حياتهم، وتحسّر هذا السائق على ايام الاتحاد السوفيتي، وقال، لم تكن الامور معقدة هكذا رغم بعض المشاكل، فقد كانت الحياة بسيطة و مضمونة من دراسة وعمل و علاج مجاني وتقاعد، وكنا نعيش بدولة واحدة، ولم تكن هناك امام الاوزبيك او غيرهم من الشعوب السوفيتية مثل هذه الصعوبات، التي نعاني منها اليوم، وقال بحسرة، انه من المستحيل العودة الى تلك الايام .

عندما وصلنا الى العنوان المطلوب، دفعت له المبلغ اللازم مع اكرامية بسيطة، فرفض ذلك، وقال ان ذلك (حرام)، فابتسمت انا، وقلت له، ان ذلك (حلال)، اذا كان برضا الزبون ومبادرته ...     

 

أ.د. ضياء نافع

 

نبيل عبدالامير الربيعيامتلك صبري افندي بستاناً صغيرة جميلة (بقجة) كما كانت تسمى باللغة التركية، في محلة المعصرة بالبصرة . والمعروف أنّ تلك البقجة كانت مرتعاً للطرب والرقص في شبابه تحيي لياليها المطربات والراقصات ومنهن صديقة الملاية نفسها، ويقال أنّ مغنية أخرى هي أول من غنّى الأغنية التي مطلعها :

لفندي لفندي عيوني لفندي الله يخلّي صبري صندوق أميني البصرة

لكن الأغنية ذاعت وانتشرت عندما غنتّها صديقة الملاّية ثم عدَّت من أغاني التراث الشعبي . إلا ان الأستاذ حامد البازي يروي قصة (صبري أفندي) مع الأغنية بشيء من الإفاضة اذ يذهب إلى أنهُ كان هناك مغنية حلبية اسمها (حياة)، وكان والي البصرة (الدروبي) يحبها، ولكنها كانت لا تأبه بحبه، ولذلك أرادَّ الانتقام منها، فساق ولدها للخدمة العسكرية بينما لم يكن قد بلغ السن القانوني للجندية، وكان صبري أفندي بحكم وظيفته المالية عضواً في لجنة السوق العسكرية، وقد استاء من عمل الوالي ورفض قرار السوق، ما أدى إلى أزمة بين الوالي وصبري أفندي انتهت بأن دفع صبري البدل النقدي عن ابن المغنية وهو حل وسط، اذ استاء صبري من أن يرى الوالي ينزل إلى درجة الانتقام من المغنية بالخروج على القانون . وبرغم أن صبري أفندي كان يحب الطرب فهو لم يعمل فاحشة أو يشرب خمراً طيلة حياته، على أثر هذا الحادث نظمت المطربة حياة الأغنية بنفسها واعتقدت أن صبري أفندي يحبها فحاولت التحرش به . ولما رفض ذلك أشارت عليه أن يعاشرها (بسكوت) أي سراً، ولكنه رفض ذلك، وقد غنت (حياة) تلك الأغنية وكان ذلك في العام 1912م في حديقة صغيرة تقام عليها اليوم بناية محاكم البصرة . وكان من ضمن مقاطع هذه الأغنية :

بلسكوت بلسكوت.. عاشره بلسكوت..

الله يخلي صبري.. صندوق أمين البصرة

رمانتين بفد أيد متنلزم

غير ان الأستاذ البازي كان قد ذكر بان المطربة (نجاة) غنت هذه الأغنية في ملهى (اولكا) في البصرة في العام 1912م، وغناها عبد الله أفندي مسجلا ذلك اسطوانة حاكي (كرام فون) سنة 1928م، ثم غنتها صديقة الملاية وسجلتها على اسطوانة العام 1926م فاشتهرت بها وكان الناس اذا ارادوا ان يصفوا شخص بالكرم والنزاهة يقال له : (قابل انت صندوق امين البصرة)، ولكنه عاد مستدركاً أنه في سنة 1928م غنى المطرب إسماعيل أفندي هذه الأغنية مسجلة على اسطوانة (بيضافون)، وعلى وجهها الآخر أغنية (رمانتين بفد أيد متنلزم)، وفي سنة 1932م غنت المطربة البصرية صديقة الملاية (فرجة بنت عباس) هذه الأغنية على اسطوانة أيضاً، وألحقت بها ما يشير إلى بصريتها، مثل قولها (يا عسكر السلطان بالبر يخيمون) مشيرة إلى معركة الشعيبة . كما قالت أيضاً (ما تنفع الحسرات) (رحنه من ايديهم) مشيرة إلى ضياع البصرة من ايدي العثمانيين . ويتابع : ليس لي إلاّ أن اعرج على ما ذكره الاستاذ المرحوم أمين المميز بكتابه (بغداد كما عرفتها) في معرض كلامه عن بعض فئات المجتمع البغدادي . أي الفتيان المعروفين بوسامتهم وجاذبيتهم والذين كثيرا ما ترددت أسماء بعضهم في الاغنيات والبستات البغدادية التي كانت تغنى في المقاهي البغدادية المعروفة . وقد حشر الأستاذ المميز اسم (صبري أفندي) الذي خلب الألباب بوسامته وجماله ضمن هذه الفئة التي خلدت البستّات أسماءهم ومنها بستة :

الأفندي الأفندي.. عيوني الأفندي

الله يخلي صبري.. صندوق امين البصرة بس إلي وحدي

 

نبيل عبد الامير الربيعي

 

محمود محمد عليهناك رواد تنحسر عنهم أضواء الشهرة من المتخصصين في الفلسفة؛ وبالأخص في مصر بسرعة لافتة للنظر، مع أنهم أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس في مجالها، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم، وعلي أن يبدعوا في أكثر من مجال مثل أقرانهم الأكثر شهرة الذين كان عليهم الإسهام في كل مجال من مجالات المنطق وفلسفة العلوم، استجابة إلي تحديات الركود الفكري في مجتمعهم ورغبة في الوقت نفسه في الارتقاء بهذا المجتمع من خلال نشر التنوير.

ويعد الدكتور عبد النور عبد المنعم عبد اللطيف غباشي (1965-2006)- مدرس المنطق وفلسفة العلوم – جامعة سوهاج –بجمهورية مصر العربية - والذي مات في ريعان شبابه بعد معاناة طويلة مع المرض عام 2006 م، من رواد المنطق وفلسفة العلوم الذين انحسرت عنهم أضواء الشهرة ؛ حيث أنه قلما يذكر اسمه في المؤتمرات والمحافل التي تهتم بالمنطق وفلسفة العلوم في مصر وفي العالم العربي، مع العلم بأن هذا الرجل كان واحداً من الأساتذة الجامعيين الذين استطاعوا في بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في المنطق وفلسفة العلوم من مجرد التعريف العام به، أو الحديث الخطابي عنه – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

يشهد علي ذلك زملاؤه بكلية الآداب فرع سوهاج جامعة أسيوط (سابقاً) التي شهدت مولده الوظيفي في أواخر تسعينيات القرن الماضي، بل ويشهد علي ذلك طلابه الذين أشرف تعلموا علي يديه وزملاؤه الذي احتكوا به في ؛ نعم لقد كانوا يروا جميعا في الدكتور عبد النور، بأنه نعم الرجل المتوحد الشامخ: سراجاً هادياً، عالياً كالمنار، وارفاً كالظل، زاخراً كالنهر، عميقاً كالبحر، رحباً كالأفق، خصيباً كالوادي، مهيأ كالعلم، لا يرجو ولا يخشي، طاقته لا تنضب، كأن وراءها مدداً يرفدها من سر الخلود .

والدكتور عبد النور من مواليد 1965 - قرية صهرجت الصغرى – اجا – دقهلية- بجمهورية مصر العربية، وهو حاصل علي ليسانس الآداب تخصص فلسفة بتقدير عام جيد جدا عام 1987م من كلية الآداب جامعة الزقازيق، ثم حصل علي السنة التمهيدية للماجستير في الآداب تخصص فلسفة حديثة ومعاصرة من قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، 1992 م، ثم حصل أيضا علي ماجستير الفلسفة تخصص فلسفة العلوم من قسم الفلسفة بكلية الآداب بسوهاج – جامعة اسيوط عام 1995 م في موضوع بعنوان " الاحتمال وأبعاده الفلسفة عند كارناب . بإشراف : أ. د/ نصار محمد عبد الله، وفي مرحلة الدكتورة سافر إلي الولايات المتحدة الأمريكية في بعثة علمية لجمع المادة العلمية للدكتوراه لمدة عامين 1996-1998 م، ثم حصل علي دكتوراه الدولة في الفلسفة تخصص فلسفة العلوم من قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة – عام 2000م بإشراف : أ. د/ يمنى طريف الخولى والدكتور بدوي عبد الفتاح في موضوع بعنوان "التفسير الآداتي للقانون العلمي" .

وتاريخه يشهد له بخبرات علمية لابأس بها، فمنها أنه عمل معيداً بقسم الفلسفة كلية الآداب بسوهاج – جامعة أسيوط في الفترة من 1991 وحتى، ثم عين مدرساً مساعدا للمنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب بسوهاج في الفترة من 1995 م، ثم عين مدرساً لفلسفة العلوم بكلية الآداب بسوهاج خلال الفترة من 2000 وحتى 2006، سافر للعمل مدرسا لفلسفة العلوم بجامعة عمر المختار بدولة ليبيا (فرع درنة) خلال الفترة 2003-2005 .

وللدكتور عبد النور العديد من المؤلفات فإلي جانب إلي جانب رسالتيه للماجستير والدكتوراه قام بنشر عدد من المؤلفات ابرزها :

1-أخلاقيات العلم (مدخل) تأليف : ديفيد ب. رزنيك، ترجمة د/ عبد النور الغباشي، مراجعة أ.د/ يمنى الخولى، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 316 لسنة 2005 م.

2- بحث بعنوان "النسباوية في التحليل الإجرائي للعلم" مجلة كلية الآداب - جامعة سوهاج: العدد.28، ج.1 (مارس 2005)، ص. 127-156..

3- بحث عقلانية التقدم العلمي عند أ. لاكاتوش، مجلة كلية الآداب - جامعة سوهاج: العدد.28، ج.1 (مارس 2005)، ص.157-182 .

4- تاريخ العلوم عند العرب، مطبعة الجامعة بسوهاج، 2003 م .

5- محاضرات في فلسفة العلوم، مطبعة الجامعة بسوهاج، 2003م .

كان الدكتور النور رحمه الله من عشاق العقلانية الأداتية؛ وبالذات عقلانية ستيفن تولمن، فقد كان يري العقلانية أساساً هي الاتجاه التنويري الذي يثق في الإنسان وقدراته، فيرفع كل وصاية عليه ويتركه يبحث عن الحقيقة بلا سلطة تفرضها ؛ وهو من المؤمنين بأن العقلانية ضد السلطة بكل أنواعها، فقد حررت العقلانية الإنسان من الأفكار الدجماطيقية واللاهوتية والأفكار التسلطية والآراء التعسفية وأفكار ذوى النفوذ والسلطان والأيديولوجيات السياسية التي تقف حجر عثرة في سبيل الانطلاق بعقله إلى أفاق الحرية التي هي تاج التجربة الإنسانية، ومن ثم دعوة نحو المذهب الإنساني الذي يقوم على دعامته الإنسانية ألا وهى الحرية الإنسانية.

وفي كتابه التفسير الأداتي للقانون العلمي "، وهي رسالة دكتوراه غير منشورة بآداب القاهرة،2000-2001، حيث كتب المؤلف فصلاً عن " المعرفة العلمية والخرائط الجغرافية في ضوء رؤية س. تولمن الأداتية ؛ أكد لنا الدكتور عبد النور أن الفهم الوظيفي للنظرية مثل القانون يرتكز بداية علي التفسير، وليس الوصف شأنه في ذلك شأن معظم المفكرين والفلاسفة الأداتيين، فالعلم الفيزيائي في نظره لم يكن آلة حاسبة عقلية، وإنما بالأحري نمط تشريحي أو تفسيري، ومن ثم يختلف عن التاريخ الطبيعي مثلاً الذي يركز علي الوصف بدلاً من التفسير . وهذا ما يجعل الفيزيائي يبحث في صيغة أو شكل القانون أو النظرية بدلاً من أن يتتبع انتظاماً أو اطراداً لظاهرة ما أو أخري . إن كل العلوم الوصفية فيما يري " تولمن " هي في حقيقة الأمر علوم يصعب قبولها.

ومن جهة أخري فقد أشاد الدكتور عبد النور بقيمة وأهمية ابستمولوجيا " ستيفن تولمن "، حيث أكد بأن هذا الرجل تولمن بقدرته علي تجسيد وعي الأداتية الفريد بتاريخ العلم، والذي ناهضته الوضعية المنطقية . لذلك سوف يحتل موقعه بين فلاسفة الردح الأخير من القرن العشرين الواعدين بأفاق مستقبلية لفلسفة العلم، علاوة علي أنه كان يجمع الخير من الخير من طرفيه، فهو أداتي بارز فيسهل عليه تأكيد أن صدق المعرفة العلمية في حد ذاته ليس موضع الاهتمام . ثم يلتقي مع بوبر بعد ذلك حين يؤكد أن الاهتمام فقط بنمو المعرفة وتطورها، ويلتقي معه أكثر وأكثر حين يري المعرفة تنمو في ضوء النقد الموجه لها، ولكنه أكثر من كارل بوبر وعياً بتاريخ العلم، فهو يصغر بوبر بعشرين عاماً تمثل مزيداً من تقدم فلسفة العلم نحو الوعي بتاريخه ؛ رأي " تولمن " – بحكم أداتيته – أن تاريخ تطور معالجات المشكلة المطروحة للبحث، أهم بالنسبة للعالم الباحث من الانشغال بقضايا المحتوي المعرفي وإشكالية الصدق.

وعن أهمية العقلانية عند تولمن تساءل الدكتور عبد النور قائلاً : هل استجاب" تولمن " إلي نداء العقلانية بهذه المعاني السابقة؛ وخصوصاً التي تعد العقل، هو المصدر الوحيد للمعرفة ؟ هل يعني تولمن بالعقلانية الثورة علي السلطة الدينية في العصور الوسطي ؟ هل يعني بها عقلانية ديكارت التي تمكننا من قراءة الطبيعة من خلال العقل؟

ثم أجاب قائلاً: إن العقلانية عند تولمن هي العقلانية الناقدة للمعرفة لا المؤمنة بالمعرفة إيمان تسليم؛ بمعني أنها عقلانية باحثة عن الأسباب، ساعية إلي التفسير والتنبؤ، تبدع قبل أن تتلقي، تخلق اشكالياتها مع لحظة وجودها.

ومن جهة أخري أكد عبد النور أن عقلانية تولمن تعول علي أن العلم لم يعد ثمرة جهد أفراد أو مجموعات منفصلة، بل أضحي قطاعاً هاماً وحاسماً في النشاط الاجتماعي، منظما كمؤسسة اجتماعية وبالتالي مخططاً إلي درجة عالية. وهكذا أصبح العلم صيغة منظمة اجتماعياً للنشاط الروحي الإنساني الذي ظهر عند مرحلة محدودة من التطور التاريخي، ويرتبط ارتباطاً بالتطور التاريخي للبشرية وتوجد جماعات متخصصة تعمل في إطار المجتمع والتاريخ عاكفة علي الإنتاج المتصل لمعارف موضوعية جديدة عن الطبيعة والمجتمع وفكر الإنسان . يضاف إلي هذا أن العلم أصبح الآن قوة إنتاجية وعاملاً فعالاً في تغيير العالم والطبيعة والإنسان والمجتمع . وهو ما يعني أن العلم بات يعتمد بالإضافة إلي قدراته الذهنية والابداعية وتنميتها بغير حدود وزيادة فعالية فكرة وخلق الظروف المادية والروحية لتطوره المتكامل والشامل .

هذا ويري عبد النور أن عقلانية تولمن تقف موقفاً وسطاً بين التجريبيين والعقليين، فهي تعتبر المسلمات بصفة عامة مواضعات أو اتفاقات عرفنا بالتجربة أنها ملائمة، تفيد فى وضع الفروض التى تؤدى إلى التعميم والتنبؤ؛ فاعتقادنا بوحدة الطبيعة وبساطتها وانتظامها واطرادها يجعلنا نصحح نتائج التجارب التى تمثلها نقط مشتتة، فنحن نصل بينها بخط متصل لنعبر عن القانون العلمى الذى يسمح لنا بالتنبؤ، فإذا لم تكن الطبيعة واحدة وبسيطة ومنتظمة ومطردة، علينا أن نتصرف كما لو كانت كذلك، والذى لا يقوم بهذا التصحيح يصل حتما إلى قوانين شديدة الغرابة .

إن أهم ما ميز ابستمولوجيا تولمن في نظر عبد النور هو أنه قاد ما كان يسمى بـ "فلسفة العلم"، أو "فلسفة المعرفة"، لا فرق، نحو النقطة الحاسمة التي أصبح فيها الانفصال والاتصال مع نظام إشكاليتها يطرح كضرورة نظرية ومعرفية قصوى. وبعمله على تحقيق هذا التجاوز، فلقد أحدث تولمن تحولاً ثورياً في بنية التعامل الفلسفي مع الممارسات العلمية. وهو تحول عين للابستمولوجيا وضعا نظرياً جديداً وحدد لها مكانا للتدخل: وضعا جعل منها ممارسة نظرية تعنى بفهم السيرورات الفعلية لإنتاج المفاهيم العلمية وتبرز الإطار الفلسفي الحقيقي لذلك الإنتاج من جهة، ومن جهة أخرى تهتم بنقض كل محاولات الإحتواء التي تمارسها فلسفة الفلاسفة. ومكانا للتدخل هو فصل العلمي عن الفلسفي ضمن عملية ابستمولوجية تتسم بالإحالة على تاريخ العلم وتاريخ ما يعترض تكونه وصيرورته، ولقد شكل هذا الربط بين الابستمولوجيا وتاريخ العلوم، عند تولمن، وحدة عضوية في موقع جدتها الثورية وأصالتها العميقة.

كما يؤكد عبد النور أيضا تولمن قد نجح في عقلانيته أن يزيل ما علق في ذهن الإنسان الغربي المنتمي للمشروع الكلاسيكي للعقلانية، وبالذات ذلك المشروع الذي انبثقت من كل العقلانيات النسقية وبالذات تلك التي ظهرت في القرن السابع عشر والتي تزعم أن العقل له صفة الكلية والثبات .

ومن القيم الهامة التي أفرزتها عقلانية تولمن في نظر عبد النور: هي قيمة النقد وقابلية كلي شئ للمراجعة، وبالتالي فهي لا تعترف ببناء أو نسق نهائي للفكر العلمي، بل تري فيه بناء يتجدد باستمرار علي ضوء التطورات العلمية المستمرة ؛ ويقول أيضا إذا أردنا أن نلخص العقلانية عند تولمن فيمكن القول بأنها عقلانية تسعي إلي الانتقال من عقلانية الحداثة إلي عقلانية ما بعد الحداثة، وهذه العبارة تعني أن مشروع العقلانية الحديث بشقيه العقلي والتجريبي قد بلغ ذروته وأنتهي إلي مرحلة جديدة في تاريخ العقلانية هي مرحلة ما الحداثة . فعقل ما بعد الحداثة يختلف عن العقل الحديثة (عقل التنوير) فعقلانية ما بعد الحداثة تهدف إلي تغيير الوضع القائم للعقلانية تغييرا فعليا وجذريا .

ويستطرد عبد النور قائلاً: إن العقلانية عند تولمن لا تختلف في جوهرها عن رؤية عقلانية كارل بوبر التي تعول علي أن نمو الأفكار تكمن في ضوء انتقادات موجهة إليها، انتقادات يستخدمها العلماء بغية التقدم . الأمر الذي جعل تولمن يهتم بتاريخ العلم ويجعله أساس التقدم في هذه الأفكار أو تلك ز زمن ثم وجدناه قد رفض كافة الرؤي التي لا تهتم إلا بالعلم من الداخل أو منطق العلم .

ولقد أكد تولمن كما يري عبد النور أن العقلانية التي يدعوا إليها ترفض أية وصاية منهجية علي العقل نتيجة التغيرات الجذرية التي تجسدت بفعل ثورة العلم المعاصرة، تلك الثورة التي جعلت العقل يعيد النظر في أطره وأسسه ومبادئه، ولم يعد الأمر متعلق بتشييد أداة أنساق ومناهج ثابتة ومطلقة وكلية، بل أصبح أداة نقد وتقويض لهذه الأسس نفسها التي يسعي فلاسفة القرن السابع عشر وبالذات ديكارت وجون لوك دائما لتبريرها دائما لتبريرها، فأصبح العقل أكثر مرونة حين تخلي عن أكبر قدر ممكن من مبادئه الثابتة، وبدأ يتنازل عن الأفكار الجامدة والمناهج العلمية الثابتة .

إن العقلانية التي يبغيها تولمن كما يري عبد النور هي نفس عقلانية بوبر التي تؤكد بأننا علي الدوام في حاجة إلي أفكار جديدة . وهذا معناه أن العالم كما يراه تولمن من حيث المبدأ مادة للتغيير علي طول الزمن قادر علي أن يخلق فروضا ومشكلات ومعايير جديدة أو علي الأقل التعديل فيها.

وفي نهاية مقالي لا أملك إلا أن أقول: إن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الزميل العزيز حقه بعد أن قهره المرض فمات في ريعان شبابه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة، فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور عبد النور غباشي الذي كان يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور عبد النور غباشي، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

1096 صبري افنديصبري أفندي (صندوق أميني البصرة)، الاسم الذي كان يتداول بين الناس ثلاثينيات القرن الماضي بسبب الأغنية الشعبية التي خلّدت اسمه فيها المطربة (صديقة الملاّية)، حيث ذاع لقب (صندوق أميني البصرة) في عالم الطرب العراقي.

يروي لنا الدكتور العراقي المغترب فاروق عبد الجليل برتو في كتابه الموسوم (ذكريات عراقية عن الكفاح والاحباط – والإرادة والأمل – العراق 1928م-1969م) السيرة الذاتية للدكتور برتو خلال الحقبة الزمنية من حياته قبل خروجه من العراق والهجرة إلى النمسا، لقد سلط الضوء على حياته العائلية وحياته السياسية وانتماءه لصفوف الحزب الشيوعي العراقي، والسيرة الذاتية لصبري أفندي زوج عمته نجيبة.

ولد صبري أفندي محمد ملّة سلمان في لواء البصرة عام 1875م، وتخرج من المدرسة الرشيدية وتسلم خلال حياته وظائف عدة منها: مدير مالي في لواء البصرة، وصندوق أمين البصرة لولاية البصرة.

يذكر د. فاروق برتو في ص56 من كتابه واصفاً زوج عمته قائلاً: "كان صبري افندي فارع القامة، عريض المنكبين، متين البنيان مهيباً، جميل الصورة، يمتاز بالأخلاق الحميدة، والكرم، ويقرض المحتاجين، ويتصدق على الايتام، منذُ رأيته في طفولتي وهو ابن الخمسين عاماً (د. فاروق برتو تولد 1928م) أو حواليها، كانت له لحية بيضاء خفيفة تحيط كامل وجهه . كما كان يضع على رأسه الفينة (الطربوش) ويرتدي جُبّة بيضاء تزيد صورته جلالاً".

الكثيرين خارج البصرة ربّما يحسبونه شخصية أسطورية، وذلك لما للقب (صندوق أميني البصرة) من وقع تركي عصملّي (عثماني) على السمع، إلا أن صبري أفندي ظلّ منذ شبابه محباً للعثمانيين ولتركيا الكماليّة بعدهم . يذكر الدكتور فاروق عبد الجليل برتو في كتابه ص56 عن زوج صبري أفندي قائلاً: "وظلّ منذُ عرفته عن قرب في طفولتي وبداية شبابه مُحباَ للعثمانيين وحكمهم".

ومن الغريب أن بعض الأشخاص، ممن لم تكن لهم علاقة أو صلة تذكر، شاءوا أن يرددوا عنه وعن شخصيته مؤخراً في وسائل الاتصال الحديثة (Face book) حكايات عن الواقع فصورّوه حسبما شاءت خيالاتهم أو أغراضهم.

زواجه الأول

كان صبري أفندي متزوج من ابنة خالته، التي ولدّت له (فاضل وأحمد)، توفيّ فاضل مبكّراً بمرض السل، وله ولد اسمه عباس وبنت اسمها خالدة . أما أحمد (يعرف باسم أحمد أيوب)، فقد كان شخصية ظريفة محببة بالنسبة لأقربائه، أكمل الدراسة الثانوية واشتغل كاتباً في محاكم البصرة، كان أحمد طويل القامة وسيماً، سريع النكتة حاضر البديهية، كريم النفس، يتذكره الدكتور فاروق برتو في مذكراته قائلاً ص59/60: "ما زلت أتذكر أن أهلي كانوا يعطونني (عيديّة) خمسين فلساً (درهماً) كلّ يوم من أيام العيد وأنا صغير، وعندما رآني أحمد في الشارع صدفة أوقفني وقال لي: عيدك مبارك يا فاروق وأعطاني ريالاً، وكان ذلك أول ريال (قطعة فضية كبيرة تعادل مائتي فلس) امتلكته وأريحية كبيرة من عمّو أحمد . أما صبري أفندي أو جدّو صبري كما كنت أسميّه فكان يمنحني عشرين فلساً، وكانت العملية تستغرق عدة دقائق عادةً إذ يطلب مني أن أفتح كفي ويتباطأ في وضع الفلوس فيه فلساً فلساً أو آنة بعد أخرى (آنة أو عانة وتعادل أربعة فلوس، والكلمة لعملة هندية) مستأنساً باستثارة رغبتي وطمعي في المزيد، وكان يكرر ذلك مع كافة أطفال العائلة في الأعياد".

تزوج أحمد من امرأة اسمها لُطفية تقرب إلى عائلته، كان بينهما حب واعجاب متبادل قبل الزواج، وكان ذلك أمراً يقرب من المُنكر في تلك الأيام . كانت لطفية معلمة مدرسة ابتدائية في بغداد فانتقلت للتدريس في "إحدى مدارس البصرة، ولأنها كانت سافرة لا ترتدي العباءة التي كانت سائدة كنوع من الحجاب للنساء، فقد استقبلت من قبل نساء وأفراد عائلة صبري أفندي ومن سكان المحلة بالاستنكار والتشنيع، ولعلها كانت ذات مزاج انعزالي، وقد سكن الزوجان في دار عائدة لصبري أفندي وبالقرب منه . كان للاستقبال وللعلاقات المتأزمة والمشاكسات التي واجهتها أسوأ الأثر على لطفية، إذ أصيبت باضطراب عصبي وعقلي واختفت عن البصرة عائدة "إلى بغداد بعد مرور سنوات قليلة على زواجها من أحمد، ثم طلقت منهُ، ولا شك أن أحمد قاسى الكثير وحزن عليها حزناً كبيراً فأدمن على شرب الخمر (العرق) وأصيب بمرض تشمّع الكبد ومات بصورة مأساوية وهو في العقد الرابع من العمر.

ولدت لطفية لأحمد ولداً لطيفاً وسيماً اسمه رياض، اشتغل مفوضاً في الشرطة في البصرة، ثم نقل إلى بغداد وتزوج من حذام ابنة عمته فاطمة، ثم نقل مكان عمله "إلى شمال العراق ثم سيق للمشاركة في الحرب العراقية الإيرانية وفقد أثره فأدرج اسمه في قائمة المفقودين.

زواجه صبري أفندي الثاني

تزوج صبري أفندي مرة ثانية من السيدة نجيبة حسن عثمان برتو المولودة في مدينة الديوانية عام 1893م/ 1311 هـ لوالد يعمل موظفاً في المدينة عند ذاك، وقد جاء جدها عثمان إلى العراق من تركيا للعمل ناظراً للأوقاف في بغداد حيث تزوج من إحدى بنات حبيب أغا قرة بير التي ولدت له حسن برتو . وولدت نجيبة لصبري أفندي بنتاً هي فاطمة وولد اسمه كمال.

أكملت فاطمة دراستها المتوسطة وعينت مباشرة معلمة في "إحدى المدارس الابتدائية في البصرة، تزوجت من عبد المجيد يوسف السالم البدر الذي كان عندئذ ملازماً في الجيش، وقد كوّنا أسرة كبيرة من أولاد وبنات، وقد فجعت الأسرة بمقتل ابنها زياد وهو مجند في الحرب العراقية الايرانية. وأصبحت أخته حذام نائبة في مجلس النواب أيام حكم صدام.

أما كمال فقد تزوج ورزق بأطفال ولكنه فجع بولده الكبير عصام الذي جُند وقتل في الحرب العراقية الايرانية، وقد اضطر كمال لترك البصرة بسبب ظروف الحرب القاسية وانتقل للعيش في الخالص في محافظة ديالى.

كانت دار صبري أفندي تقع في محلة الصبخة الصغيرة، وهي إحدى المحلات الواقعة على نهر البصرة (المدّة) الذي يخترق المدينة متفرعاً من شط العرب وجارياً من العشّار حتى نهاية المدينة القديمة . والدار ملاصقة لدار السيد عبد الجليل برتو والد الدكتور فاروق برتو والمناضلة الشيوعية بشرى برتو . ودار صبري أفندي هي دار كبيرة بمقاييس تلك الأيام، وتتكون من طابقين تتوسطها باحة (حوش) مرصوف بالطابوق الفرشي، وهناك في الطابق الثاني غرف عديدة أهمها وأكبرها طبعاً غرفة صبري أفندي بزجاج نوافذها الملّون الجميل وجدرانها وسقفها من الخشب المنقوش، ومقابل غرفة صبري أفندي كانت هناك دائماً منضدة صغيرة وضعت عليها (تنكة) وعاء معدني يكبس فيه التمر للاستهلاك المحلي تحوي عادة نوعاً فاخراً من تمور البصرة أو المعسّل (وهو تمر مكبوس يضاف إليه لبّ الجوز وتوابل خفيفة) . تنكة التمر هذه مخصصة لاستعمال صبري أفندي فقط.

وقد تملّك صبري أفندي عدّة دور في المنطقة المحيطة بالبستان (البقجة) الذي بُنيت على موقعه محكمة البصرة في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، كان صبري أفندي يعتبر من الموسورين نسبياً، وكان كريماً معطاءً فاتحاً داره لاستضافة الأقرباء والأصدقاء الكثيرين.

يذكر د. فاروق برتو في ص 101 من مذكراته أن صبري أفندي كان ملتزماً دينياً وبشعائر الاسلام، "كان الكثيرون من المسلمين يسيرون على نفس المنوال، إذ يبدأ التزامهم بتلك الشعائر عند بلوغهم سن الشيخوخة . كذلك لم يفرض صبري أفندي زوج عمتي وجارنا في السكن في البصرة وهو الملتزم بالشعائر على فؤاد وعائلته الكبيرة الالتزام بها وهو في شيخوخته . ورغم اسلوبه الصارم في التعامل معهم في شؤون الحياة الأخرى".

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

ميثم الجنابيهو المَوتُ، فاخْتَرْ ما عَلا لكَ ذِكْرُهُ

فلم يَمُتِ الإنسانُ ما حَيِيَ الذِّكْرُ

جلال الماشطة: التحليل الواقعي والنزعة النقدية

يمثل جلال الماشطة أحد النماذج الصحفية الرفيعة في مزاوجته للتحليل الواقعي والنزعة النقدية. فقد كان هو على الدوام يتتبع الأحداث ومجرياتها كما هي. وفي الوقت نفسه يستجمع مختلف الآراء والمواقف بما في ذلك المتضادة ومن خلالها يحاول استبيان واكتشاف المسار الفعلي للأحداث. وهي صفات لا تكشف عنها ما كتبه من مقالات صحفية تخص الشأن الروسي الذي تخصص فيه، بل وفي حياته الشخصية العادية. ففي الكثير من احاديثنا الشخصية كان يمكن رؤية الكمية الكبيرة بل والهائلة من تجميعه للوقائع والشخصيات في مجرى استعراض مواقفه وتقييمه للأحداث. لاسيما وانه كان واسع الاطلاع ومعايش للتاريخ السوفيتي والروسي وكذلك للكثير من الشخصيات السياسية والفكرية والصحفية والاجتماعية والدبلوماسية.

فعندما كان يتناول حالة الواقع الروسي بمختلف جوانبه ومشاكله، فإننا عادة ما نلاحظه يبدأ برسم الصورة العامة والخاصة للأحداث، ثم يأخذ بالكشف عن مسبباتها ونتائجها المحتملة من خلال استعراض مختلف الآراء من جهة وتثبيت موقفه الشخصي منها من جهة أخرى. من هنا جاذبية ما يكتبه للقارئ العادي او للمتخصص والمهتم بالشأن السوفيتي والروسي.

بمعنى ابتداءه بالمعطيات الدقيقة التي كان يتتبعها ويمتلكها وانتهاء بالأحكام الشخصية. وقد اشرت أعلاه إلى أن ذلك لم يكن معزولا عن علاقاته الواسعة والمتشعبة والعميقة بالقوى السياسية والحزبية والدبلوماسية ورجال الدولة الروس ووزارة الخارجية بشكل خاص. وقد كنت استجيب احيانا (في حالات نادرة) لدعواته للذهاب سوية الى انواع مختلفة من هذه القاءات. وقد لاحظت كيف انه في أغلب الأحيان لا يتكلم ولا يقدم أحكاما، بل كان يستفسر لكي يجمع الآراء والمواقف والمعلومات الضرورية.

وقد حد ذلك أيضا أسلوبه النقدي في الكتابة. ولم تكن الصفة النقدية لجلال الماشطة محدودة بالمواقف والأحكام والأبحاث الصحفية، بل وكانت صفة جوهرية في شخصيته. لهذا كان البعض (من العراقيين خصوصا، وهم قوم شكاك بإفراط كما انهم سريعو الصدق أحيانا أخرى، حسب قاعدة "قال لي" و"سمعت". اضافة إلى أن سلوكهم في الأغلب محكوم بقاعدة "مغنية الحي لا تطرب"). من هنا نظرتهم إلى مواقفه النقدية (وقد كان جلال الماشطة كثير النقد والاحتجاج) على انها تعبير عنه بوصفه "رجلا مشاكسا"! ولا يخلو طبع جلال الماشطة من افراط احيانا في الشك والأحكام الجزمية(!). إلا أن كل ذلك هو نتاج رؤيته الواقعية والنقدية. ومن الممكن تلمس ذلك، فيما ادرجه من مقالاته النموذجية بهذا الصدد، في تحليله ومواقفه التقيمية تجاه مجمل السياسة الروسية زمن يلتسن بشكل خاص وبداية بوتن.

كما ان هناك أبعاد دفينة في رؤيته النقدية لما كان يجري في الاتحاد السوفيتي زمن غورباتشوف ويلتسن وبداية حكم بوتن، ألا وهي بقايا الشيوعية الكامنة في وعيه السياسي ووجدانه الاجتماعي. من هنا نلاحظ الومضات السريعة والحادة في نقده للواقع السياسي الروسي آنذاك. بمعنى تأثره العميق بقيمة روسيا والتحسر على فقدانها الكلي بما في ذلك انهيارها. مما أدى به احيانا إلى بلورة مواقف متشائمة. من هنا عدم ثقته بالأفكار التي كان يجري الهمس بها في بداية ومنتصف رئاسة بوتن عن سياسته المسالمة تجاه سلوك ومواقف وأعمال الولايات المتحدة الامريكية على انه مجرد أسلوب تكتيكي. وقد رفض جلال الماشطة هذه الأفكار واعتبرها احلاما مزيفة. بينما برهن الواقع والأحداث اللاحقة والحالية على صحتها. وقد كان له بعض الحق بهذا الصدد. اذ كان من الصعب توقع ان يخرج رجل من تحت عباءة يلتسن لكي يكون على نقيض منه.

كما يمكن رؤية الملامح العميقة والمتجانسة في هيمنة الهموم العربية في كل ما كتبه، بما في ذلك عن السياسية الروسية وأحداثها وتياراتها وأيديولوجياتها ومواقفها. اذ نراه يتتبع اغلب حيثياتها. من هنا عمله الدءوب من اجل أن تتكون لدى البعثات الدبلوماسية العربية رؤية واقعية ومستقبلية عن روسيا. لكن الأمر كان صعبا للغاية. أولا لأن السفارات والسفراء العرب يعتبرون انفسهم في قمة الهرم من الرفعة والذكاء. بينما هم في الأغلب موظفون وإمعات خاضعة لأجهزة الأمن والمخابرات "الوطنية". كما أن اغلبهم يتسم بالأنفة الزائفة وسطحية المعارف وعدم معرفة اللغة الروسية والواقع الروسي والتاريخ الروسي. وأتذكر هنا حادثة عندما كنا انا وإياه في ضيافة بعض السفراء، حيث طلبوا مني أن اكتب لهم كتابا عن التاريخ الروسي لأنهم لا يعرفون أي شيئ عنه. عندها اجبتهم بإمكانية الكتابة عن هذا الموضوع، لكن الأفضل لو عملوا على ترجمة بعض الكتب التاريخية للروس انفسهم، ويمكنني اختيار ما هو مناسب من المؤلفات بهذا الصدد. لكنهم تركوا هذا الأمر. والسبب في اعتقادي هو عدم رغبتهم في دفع أجور المترجم!! إذ ان اغلبهم يتصف بالجشع والغيرة والبخل وتفاهة الشخصية. وقد كان جلال يعرف مدى قرفي من الجلوس معهم لإدراكي نوعية الجبن والخوف والبخل في كل ما يتعلق بالعمل الحر والمستقبلي في روسيا في مجال الدفاع عن المصالح القومية العليا للعرب. لكنني كنت أحيانا استجيب لدعوته بسبب إلحاحه. وقد كان دوما يكرر نفس العبارة "ميثم! مجرد ساعة ساعتين. بعدين نتحرر . وشوية ترتاح من الكتابة"! ويضيف " انا لوحدي اشعر بالملل". وعندا ارد عليه "تريد ان اتقاسمه معك!"، عندها يأخذ بضحكته الجميلة. وعندما كنت اقول له، بأنه لا معنى للعمل مع هذه "المؤسسات" الخربة، وانه عمل بلا معنى. كما نه جهد ووقت ضائع. لأنهم مجرد تعبير قبيح عن رذائل السلطات التي يمثلوها. انهم ليسوا ممثلي دولا بالمعنى اللدقيق للكلمة. اما الفكرة القومية فإنها معدومة عندهم تماما. والوطنية أيضا. وفي تجاربي الشخصية (قبل اكثر من عشرين سنة) لم ار بينهم آنذاك من يتصف بطيب الخاطر والشخصية والمعرفة والأدب والعمل الدءوب من اجل مصالح الوطن والعالم العربي سوى سفراء قطر وعمان، اما البقية الباقية فسقطات ومزابل! ان هذا الحكم ينطبق على احداث كانت قبل عقود. اما الان فلا اعرف شيئا على الإطلاق، لأنني لا استجيب لدعوة أيا منهم على مدار عقود. وهذا بدوره من فضائل جلال الماشطة أيضا!

وقد اخترت هنا مقالان من مقالاته للكشف والبرهان على الفرضيات التي وضعتها في التقديم عن نوعية الكتابة الصحفية لجلال الماشطة، وهما كل من (هل تفقد روسيا خاصرتها الضعيفة؟) و(ضياع الهوية - موقع روسيا في العالم الجديد).

*** *** ***

هل تفقد روسيا خاصرتها الضعيفة؟

بقلم جلال الماشطة

في كتابه النثري "داغستان وطني" قدم الشاعر رسول حمزاتوف معادلة بسيطة ومركبة في آن للصلة الجدلية بين الفرد والوطن والكون، فهو يريد الإطلال على العالم واحتضانه ولكن… من كوة بيته الجبلي، فان هبط إلى مدن السهول غامت الصورة وضاعت ملامحها، وإذا اعتكف بين الجدران الحجرية في الأعالي حرم من رؤية أمواج البحر وهي تلاطم الساحل.

ورغم أن القوقاز ليس كله جبالا، فان العديد من سكانه يواجهون هذه الإشكالية المعقدة، فهم يطمحون إلى الإبقاء على نمط حياتهم التقليدي، ولا يرغبون في قطع الأواصر مع العالم الذي ظل أمدا طويلا يتمثل لديهم في دول الجوار. وحل هذه المعادلة هو السبيل الوحيد للإبقاء على الاستقرار في المنطقة والحيلولة دون تحولها مسرحا لصراع دام تكوي نيرانه العالم كله.

والى ذلك فالقوقاز مثقل بمشاكله الداخلية، فهو فسيفساء اثنية ـ طائفية ـ حضارية شديدة التعقيد، وقد تكفي الإشارة إلى أن في داغستان وحدها زهاء 40 قومية وشعبا تتعايش (أو تحترب) على رقعة لا تزيد مساحتها عن 50 ألف كيلومتر مربع. وثمة خلط في الفهم الجغرافي ـ التاريخي للقوقاز. فالروس، مثلا، جعلوا من سلسلة جبال القوقاز حدا فاصلا للتمييز بين "شمال القوقاز" وهو الآن الجزء الجنوبي من روسيا و"ما وراء القوقاز" المكون حاليا من ثلاث دول مستقلة هي أذربيجان وأرمينيا وجورجيا. و"القوقازيون" لدى الروس هم الشعوب غير السلافية ذات البشرة السمراء، في حين أن أقاليم روسية واسعة، مثل كراسنودار وستافروبل، تعد جزءا من شمال القوقاز وتسكنها أغلبية سلافية.

ولكي لا ندخل، ونورط القارئ معنا، في متاهات لا نخرج منها، سنستخدم كلمة "القوقاز" للاصطلاح على المنطقة الواقعة على جانبي سلسلة الجبال التي تحمل نفس الاسم، والتي كانت تشكل الجزء الجنوبي للاتحاد السوفياتي السابق وتتاخم تركيا وإيران وتمتد من البحر الأسود إلى بحر قزوين.

هذه المنطقة كانت مهدا لواحدة من اعرق حضارات العالم وهي "اورارتو" في أراضي أرمينيا الحالية، إلا أن هذه البقعة لم تشهد في القرون الأخيرة قيام دول وأمم بالمعنى المتعارف عليه في أوربا، ربما باستثناء المملكة الجورجية التي وقعت مع روسيا "معاهدة حماية" قبل ثلاثة قرون وغدت امتدادا للإمبراطورية وإن تمتعت باستقلال نسبي.

واصبح القوقاز مسرحا لصراعات ضارية بين الروس والعثمانيين والفرس، وبدأت الكفة ترجح لصالح القياصرة في القرن الثامن عشر حينما سيطرت روسيا على غالبية أراضي "ما وراء القوقاز" وبعض المناطق الساحلية ـ السهلية التي تربطها بالمركز. إلا أن شمال القوقاز، وخاصة جباله، ظلت خارج نطاق السيطرة الروسية.

واستخدم القياصرة أساليب مختلفة للاستيلاء على "الحلقة الوسيطة": تارة بعقد اتفاقيات مع إمارات وخانات، وأخرى بإسكان القوزاق (الروس) في شمال القوقاز، إلا انهم بدأوا في أواخر القرن الثامن عشر تحركا واسعا تكلل في مطلع القرن التالي باحتلال نقاط ارتكاز مهمة واكتمل بسط الهيمنة عمليا بحصول روسيا على منافذ على البحر الأسود وفي مقدمها ادلر (سوتشي) وأنابا.

بيد أن الأمر لم يستتب لروسيا، واندلعت الحرب القوقازية الأولى في أواسط الثلاثينات من القرن الماضي حينما بدأ الإمام شامل حركته لإقامة ما عرف "بدولة الإمامة" الإسلامية التي أريد لها أن تمتد "من البحر إلى البحر" إلا أنها شملت في البداية أراضي داغستان والشيشان.

ورغم اسر الإمام شامل بعد قتال دام زهاء عشرين عاما فان عددا من مريديه لم يلقوا السلاح وواصل الشيشانيون ما يعرف حاليا بـ "حرب الأنصار" في الجبال، وبعد قرابة 150 سنة يمكن أن تتكرر المأساة القوقازية، وان بصورة أخرى تستخدم أبانها الصواريخ بدلا من السيوف.

بديهي أننا لا نطمح هنا إلى تقديم استعراض تاريخي بل نحاول تسليط الأضواء على نقاط ـ مفاتيح لفهم الأوضاع الراهنة في القوقاز. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن نقلة مهمة جرت بعد الثورة البلشفية في روسيا أعقبها قيام، ثم سقوط، جمهوريات مستقلة في جورجيا وأذربيجان وأرمينيا، وتشكيل كيانات قومية في شمال القوقاز ما لبث أن أعيد ترتيبها بعد انتهاء الحربين العالمية الأولى والأهلية.

من الناحية الشكلية نادت السلطة السوفيتية بمبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها، وفي ضوء ذلك أحدثت تغييرا جوهريا في هيكلية الدولة، فألغت التقسيمات الإدارية ـ الجغرافية، واستحدثت وحدات إدارية ـ قومية إلا أنها ظلت بنى شكلية في نواح عديدة ولم تحل مشاكل التداخل السكاني ضمن كل وحدة، أو معضلات ترابطها مع المركز الفيدرالي.

لكن القول بان سياسة موسكو حيال القوقاز كانت غائمة الملامح وتعتمد حوك الدسائس أو استخدام القوة فقط، إنما هو قول فيه الكثير من العسف والتجني، كما فيه جزء من الحقيقة.

فلا يستطيع أحد أن ينكر أن حملات التهجير القسري وخاصة في الاربعينيات خلقت جرحا لا يندمل في قلوب الشيشانيين، مثلا، كما أن غياب المدارس القومية في العديد من مناطق التجمعات الاثنية لم يكن عاملا يساعد على تطوير الثقافات المحلية. وغالبا ما تجاهلت موسكو التنوع الاثني والتداخل السكاني فعمدت إلى تطبيق "مساطر" موحدة سميت سياسة قومية. ولكن لا ينبغي إنكار حقيقة أخرى وهي أن عملية تصنيع حثيثة بدأت في القوقاز وحاولت السلطة معالجة بعض من مشاكل الريف المعقدة. والاهم من ذلك أن الكثيرين من أبناء القوقاز، وخاصة في جزئه الشمالي فتحت أمامهم أبواب اكبر الجامعات وظهر بينهم علماء ومفكرون وأدباء وفنانون كونوا شريحة مهمة في النخبة السوفياتية، بل اصبحوا في طلائعها.

والطموح إلى التعلم أو ممارسة الاعمال والقدرة على التحرك في مناطق غير الوطن الاثني هي صفات اكتسبها القوقازيون الشماليون بفعل عوامل موضوعية. فخلافا لمناطق "ما وراء القوقاز" أو الأجزاء الروسية من شمال القوقاز فان البقاع الجبلية والسفوح المجاورة لها هي في الغالب ارض غير خصبة ومناخها قاس ومواردها الطبيعية ضئيلة وطرق المواصلات عبرها وعرة.

وحاولت السلطة السوفيتية "تجاوز" هذه الإشكاليات بإعادة توزيع جزء من الموارد. واعتاد القوقازيون، كما سائر مواطني الاتحاد السوفياتي، فكرة أولوية الدولة التي غدت بمثابة "الراعي" الذي يتصدى لمعالجة المعضلات متجاهلا أحيانا رأي "الرعية" ودورهم.

وبانهيار الاتحاد السوفياتي لم تطرح السلطة الجديدة بديلا سوى نظرية ليبرالية لم تجد في شقيها النظري والعملي صدى واسعا لدى القوقازيين، إلا أنها وجدت تربة صالحة جزئيا في الشق الاقتصادي إذ أن أهالي المنطقة كانوا انفتحوا على علاقات السوق قبل إعلانها رسميا، وذلك بفعل العوامل التي أشرنا إليها آنفا.

وطرح قادة "الثورة الليبرالية" في مطلع التسعينات فكرة مؤداها أن هيكلية الدولة التي ورثتها روسيا عن الاتحاد السوفياتي مرفوضة أصلا لذا دعوا إلى هدمها والبداية من الصفر عمليا، وفي هذا السياق عرض على القوميات أن "تأخذ من السيادة ما استطاعت أن تهضم"، أي أن المركز الفيدرالي (أو ما كان يفترض أن يكون مركزا) تخلى أصلا عن معالجة مشاكل القوقاز وركنها جانبا منكفئا على همومه وصراعاته الداخلية. بل انه زاد في طين المشاكل بلة بإصداره تشريعات غير مدروسة منها قانون إعادة الاعتبار إلى القوميات المضطهدة. وهو لائحة منصفة في شقها النظري إلا أنها لم تراع التحولات التي طرأت على المنطقة". فالإقرار، مثلا، بحق الانغوش في العودة إلى قضاء بريغورودني التابع حاليا لاؤسيتيا الشمالية أدى إلى مجابهة ضارية تتحول بين الحين والحين إلى اشتباكات دموية. فرفع الحيف عن الانغوش كان ينبغي أن يقترن بحل مشاكل الاوسيتيين الذين جرى توطينهم (من دون رغبة منهم أحيانا) في مناطق أرغم سكانها على الرحيل منها.

وإذا كان النزاع بين الأرمن والأذربيجانيين على قره باغ واحدا من العوامل التي أسهمت في زعزعة الدولة السوفيتية فان الصراعات القومية ـ الطائفية في القوقاز غدت تهدد الكيان الروسي علاوة على أنها تهدد وجود المنطقة ذاتها.

ولم تعالج موسكو مشكلة الروس الذين أستوطنوا القوقاز منذ زهاء 200 سنة إلا انهم اخذوا يحسون تدريجيا بوطأة "رد الفعل" على توطينهم هناك، بل وتعرضوا لتهجير قسري من الشيشان ومناطق أخرى.

وفي ظل غياب السياسة الواضحة حيال القوقاز شهدت المنطقة مخاضا عسيرا لإفراز حل يجمع بين الطموح إلى التفرد القومي والتواصل مع روسيا، بين الليبرالية الاقتصادية والروابط العشائرية ـ الاثنية بين الدين والعلمانية.

وتجلى هذا المخاض بأعنف صورة لدى الشيشانيين الذين كانوا أول من بادر إلى إعلان الانفصال عن روسيا من جانب واحد دون أن يطرحوا أي تصور عن شكل وجوهر الدولة التي يطمحون إلى إقامتها، بل انهم لم يوضحوا في البداية ما إذا كان يريدون أصلا دولة كاملة الاستقلال.

ولم تنتبه موسكو إلى خطورة التحرك بل اعتبرته مجرد "فورة" سرعان ما تزول، بل أن بعض القوى فيها تحمس لفكرة إسقاط السلطة "الشيوعية" في غروزني واعتبر جوهر دودايف حليفا لليبراليين.

وبعد مضي ثلاث سنوات قرر الكرملين "استرجاع" ما فقده في القوقاز وتهيأ للرئيس بوريس يلتسين الذي ضرب البرلمان الروسي واستصدر دستورا يخوله صلاحيات مطلقة، انه غدا قادرا على معالجة مشكلة الشيشان بضربة واحدة تقضي على "التمرد" وتبث الرعب في سكان المناطق المجاورة لردعهم عن الاقتداء بالمثال الذي قدمته غروزني.

أي أن الرقاص الروسي تحرك من الليبرالية المطلقة في التعامل مع الشأن القوقازي، إلى العنف المطلق، دون أن تكون هناك محاولة لدرس الوضع ميدانيا ومعالجة الأسباب الموضوعية المحفزة لنزعات الابتعاد عن المركز.

واهم هذه العوامل، في اعتقاد الكثيرين من الخبراء، هو الخلل في المركز والناجم بدوره عن "إصلاحات" أدت في الواقع إلى تدمير البنى الاقتصادية وبعثرة أو نهب ممتلكات الدولة من دون أن تؤدي إلى قيام علاقات سوق سليمة. وغدت المحنة في القوقاز مضاعفة بسبب انحسار الإنتاج الصناعي، بل توقفه في قطاعات كثيرة، والهجرة من الجبال والأرياف إلى المدن وتزايد البطالة في ظل التناقص المستمر لفرص العمل. وأمست الحرب الشيشانية عاملا إضافيا اثقل اقتصاد روسيا ودمر اقتصاد القوقاز خاصة، وان القتال أدى إلى تعطل شبكة المواصلات في المنطقة.

وافرز القوقاز صورة مصغرة، وشائهة للوضع في روسيا تمثلت بتمركز المال في أيادي حفنة ضئيلة وخصخصة الموارد والسلطة وانتشار المافيا. فالمهيمن على أسواق الأسماك والكافيار في داغستان، مثلا، اصبح مرجعا سلطويا أساسيا، والمسيطر على شبكة مصافي وأنابيب النفط في الشيشان له كلمة تعلو، أحيانا، على كلمة الرئيس الشرعي.

إلا أن روسيا الشمالية الغنية بالثروات الطبيعية والتي ما تزال فيها صناعات قادرة على الصمود تبقى افضل حالا من القوقاز بوصفه "الريف" الجنوبي الفقير. وبدلا من البحث عن الحل في معالجة الاقتصاد، شرعت النخب المحلية صياغة مقتربات للحل على أساس قومي في البداية، ثم طرح الدين (الإسلام) كعنصر أساسي في تشخيص الهوية المحلية وكبديل في ظل فراغ أيديولوجي لم يتمكن المركز الفيدرالي من ملئه. وبدلا من البحث عن حلول ديموقراطية جرى توزيع السلطة على أساس "محاصصة" عرقية ـ طائفية، أي أن القوقاز كرر تجربة لم تبرهن الحياة فاعليتها في لبنان.

 وكانت الأصوات الخافتة الداعية إلى حل تتضافر في إطاره الجهود الفيدرالية والإقليمية تقمع بسرعة، وتتهم محليا بـ "خيانة المصالح القومية"، أو تجد صدودا من موسكو التي تعاملت مع الأوضاع بدافع من اعتبارات سياسية آنية. فهي تغاضت عن أحداث الشيشان وشجعت عددا من الأطراف المحركة لها أولا، ثم لجأت إلى البطش السافر، وحينما حل موعد الانتخابات الرئاسية عام 1996 غدا شعار وقف الحرب الضمانة للفوز بكرسي الكرملين فجرى اعتماده فورا ولكن ما أن تحقق الهدف المرحلي حتى تركت موسكو القوقاز في مهب الرياح الداخلية والأعاصير الخارجية. واثر تفاقم الأوضاع مجددا لم يجد المركز الفيدرالي صيغة أخرى غير زج القوات مستغلا تحول الرأي العام وقبوله فكرة خطيرة مفادها أن القوقاز "لا يفهم لغة سوى القوة".

وزاد من خطورة التخبط تعدد مراكز القوة والقرار في العاصمة الفيدرالية وغياب الرؤية الواضحة للأهداف والغايات، وتغليب العناصر التكتيكية على الثوابت الاستراتيجية. وارتكبت موسكو خطيئة التبسيط وحصر المشكلة في "الغلو الديني" أو "التطرف القومي" مما عنى تجاهل أسباب وعوامل أخرى قد تكون أهم واخطر.

 

العامل الخارجي

عد تفكيك الاتحاد السوفياتي وانتهاء دوره كواحدة من القوتين الأعظم. ولخص زبيغنيو بزيجينسكي الهدف الجيوسياسي لواشنطن بمعادلة تنص على أن روسيا، بعد انحسار دورها عالميا ينبغي أن تكف عن كونها قوة إقليمية، وبالتالي أن تفقد نفوذها في دول الجوار، تمهيدا لتحقيق غرض آخر هو تحجيم أو حتى إلغاء موقفها كواحدة من القوى الكبرى التي تملك سلاحا نوويا.

وبعد أن تراجعت روسيا (أو أرغمت على التراجع) من مناطق عديدة في العالم بدأ الطوق يضيق من حولها بانتماء دول أوربا الشرقية إلى حلف الأطلسي وإعلان احتمال انتساب بلدان البلطيق إلى الحلف وفي المنطقة التي نحن بصددها سعى الغرب إلى تشجيع محاولات الابتعاد عن روسيا، ونجح عمليا في دفع جورجيا إلى إعلان نيتها الانضمام إلى الأطلسي واحتمال طلب قوات دولية للمرابطة في منطقة النزاع الابخازي مما يعني إلغاء دور روسيا التي تقوم بمهمات حفظ السلام هناك، وحرمان موسكو من مرتكزات مهمة على ساحل البحر الأسود.

وفي أذربيجان بدأ الرئيس حيدر علييف اتباع سياسة "الانسحاب التدريجي" بتقليص علاقاته السياسية مع روسيا واسرة الدول المستقلة والانفتاح على الغرب ومنح شركاته النفطية امتيازات واسعة لاستثمار النفط في بحر قزوين.

وحتى أرمينيا التي كانت حليفا تقليديا لموسكو بفعل مخاوفها من الجارين التركي والأذربيجاني، أخذت تعيد النظر في مواقفها وحساباتها في ضوء ضعف روسيا وعجزها عن تقديم مساعدات عسكرية وسياسية ومادية ليريفان.

وبعد قضم "ما وراء القوقاز" يغدو منطقيا أن تتجه الأنظار إلى مناطق شمال القوقاز التي تعد الخاصرة الضعيفة لروسيا وباختراقها تفقد موسكو منافذها على البحار الدافئة وسيطرتها على حقول النفط وشبكات الأنابيب المارة عبر القوقاز وبحر قزوين.

واعترف الجنرال ليونيد ايفاشوف، مسؤول العلاقات الدولية في وزارة الدفاع الروسية بان أحداث القوقاز تجري ضمن "لعبة كبرى ترتبط بنفط قزوين والوضع الجيوسياسي للمنطقة وطموح دول معينة إلى الهيمنة عليها". ورغم انه لم يحدد هذه الدول فمن الواضح أن المقصود الولايات المتحدة الطامحة إلى تكريس وضعها كقطب وحيد في العالم، وتركيا التي تطرح في صورة جديدة مخطط إنشاء الدولة الطورانية، إلى جانب أنها تريد أن ترتبط بها شبكات النفط والغاز في المنطقة للانتفاع من مواردها أولا ولجعلها شرايين حساسة يمكن توظيفها سياسيا للضغط والمساومة. وقد لا يكون من قبيل المصادفة أن الانفجار الأخير في القوقاز جاء بعد اعتقال عبد الله اوجلان وتحجيم دور وفاعلية حزب العمال الكردستاني، وبالتالي فان انقره صارت تملك ورقة رابحة في المساومة على مسارات الأنابيب والادعاء بان الطرق في تركيا أصبحت امنة خلافا للمسارات القوقازية.

والقوقاز، إلى ذلك، ملتقى طرق مهم بين آسيا وأوربا والشرق الأوسط ويسكن المناطق الممتدة بين البحرين، الأسود وقزوين، زهاء 20 مليون نسمة منهم حوالي 11 ـ 12 مليون مسلم و8 ـ 9 ملايين مسيحي، ولذا فان إضفاء صبغة دينية على الصراع الدائر هناك يعني إثارة مجابهة واسعة بين الإسلام والمسيحية الأرثوذكسية، وهذه واحدة من الغايات التي يطمح إلى تحقيقها عدد من واضعي الاستراتيجية في الغرب. ولو حصلت هذه المجابهة فأنها ستؤدي إلى توتر في جميع أنحاء روسيا حيث يشكل المسلمون 13 في المئة من السكان، إلى جانب أنها ستكون عاملا يقوض العلاقات بين موسكو والدول الإسلامية وخاصة العربية، وتستغل القوى الموالية للصهيونية داخل روسيا هذا العامل للدفع في اتجاه تعزيز العلاقات مع تركيا وإسرائيل بحجة "التعاون الأمني ضد الأصوليين الإسلاميين".

وقد يغدو القوقاز منطلقا لعملية "التمزيق الثاني" للإمبراطورية بعد أن تسنى تفكيك الاتحاد السوفياتي. ولكن هل سيكون ذلك لصالح شعوب المنطقة؟ واضح أن هناك مبررات كثيرة للتمرد على سياسة الترويس القسري وللاستياء من "الإصلاحات" الكارثية والرفض الكامل لاستخدام القوة في معالجة المشاكل القومية. إلا أن أي دولة جديدة تنشأ في المنطقة ستغدو مضطرة للاحتماء بـ"مظلة" دولية أو إقليمية تحجم استقلالها الفعلي، وتقطع روابطها التاريخية مع روسيا حيث يوجد شتات قوقازي كبير. وانسحاب روسيا من القوقاز قد يؤدي إلى انفلات أمني خطير وتسلط المافيا المحلية على الحكم والأخطر من ذلك أن "الفراغ" الذي قد ينشأ اثر قطع الصلات مع الدولة الفيدرالية سيؤدي إلى طرح مطامع متبادلة في الأراضي "التاريخية" وخلق معضلات جديدة تؤدي بدورها إلى اشتباكات بل حروب بفعل ثارات " قديمة بين الشركس والقره تشاي، بين الانغوش والاوسيتيين، بين القبرده والبلقار… الخ.

بيد أن مخاطر الانفصال لا ينبغي أن تعني الرضوخ للأمر الواقع والاستكانة للسياسة الطائشة التي تتبعها موسكو في عموم روسيا وحيال القوقاز، أو الكف عن المطالبة بالحقوق القومية.ويبحث عدد من المفكرين القوقازيين عن صيغة مقبولة لتطوير العلاقات الفيدرالية من دون تقطيعها، وإيجاد معادلة للخروج بالمنطقة من المأزق الراهن.

وإذا لم يتسن للجانبين، القوقازي والفيدرالي، العثور على الحل الوسط فان انسلاخ القوقاز سيكون بداية مفاعل متسلسل يؤدي إلى انهيار روسيا كدولة وانسلاخ مناطق الشرق الأقصى وانضمامها إلى اليابان والصين، وفصل كالينينغراد والحاقها مجددا بألمانيا … الخ.

والى ذلك فان الانفصال، أو حتى استمرار التوتر في القوقاز، سيعني استفحال التآكل الداخلي والضمور الاقتصادي والثقافي العلمي. وفي ظل هذا السيناريو قد تبقى روسيا موحدة شكليا لكن المركز سيضطر إلى تحويل صلاحيات متزايدة إلى الأطراف لمنع انفصالها. والمقاطعات بدورها ستعجز عن معالجة مشاكلها الداخلية من دون وجود صلات وثيقة مع المناطق الأخرى من الفيدرالية، ويكون ذلك سيناريو آخر لتفكيك الدولة.

إن ما يجري في القوقاز هو تجسيد مكثف للازمة الخانقة التي تعاني منها روسيا على جميع الصعد، وحلّ مشاكل المنطقة متعذر، بل مستحيل، إذا لم ترتب الأوضاع على المستوى الفيدرالي. وبخلاف ذلك فان روسيا ستفقد خاصرتها الضعيفة وعندئذ لن يصمد البدن طويلا.

*** *** ***

ضياع الهوية - موقع روسيا في العالم الجديد

بقلم الدكتور جلال الماشطة

كثيرون من الكتاب وخبراء السياسة يتحدثون عن "عالم ما بعد 11 أيلول"، معتبرين الهجوم على نيويورك وواشنطن حداً فاصلاً بين حالين في العلاقات الدولية، إلاّ أن ملامح التوازنات والاصطفافات الجديدة كانت، في واقع الامر، في طور المخاض ولم يصبح هدم برجي التجارة العالمية سوى ولادة " قيصرية " أفرزت الكيان الذي كان في حالة جنينية.

وأدى انهيار نظام القطبين وحلول ما أسماه فرانسيس فوكوياما نهاية التاريخ إلى بروز ظاهرة الواحدية الأيديولوجية والقطبية. وفشلت محاولات لإقامة توازن جديد يعتمد نظرية تعدد الأقطاب التي بشر بها في روسيا يفغيني بريماكوف وحظيت بدعم أوروبي وصيني.

وخلال المرحلة التي أعقبت انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي علقت آمال على قيام أقطاب متعددة لكي يعود بعض التوازن إلى العلاقات الدولية ولكن ما حصل أ ن أوروبا عجزت عن الاضطلاع بدور مستقل بفعل الخلافات الداخلية وانشغال ألمانيا بـ"التهام" الجزء الشرقي وانفجار مشكلة البلقان التي عولجت بأساليب فرضت واشنطن الكثير منها. لم تصبح اليابان مارداً اقتصادياً منافساً للولايات المتحدة كما كان متوقعاً بل أن الانهيار الاقتصادي المالي فيها أظهر أن ضعفها عسكرياً وموقعها المنزوي جغرافياً من العوامل التي لم تساعد على جعلها نداً لأمريكا.

وظلت الصين قارة" مكتفية بذاتها" وانحصر اهتمامها بالتنمية الداخلية وتطوير علاقاتها ونفوذها في المناطق الآسيوية القريبة ورغم كونها عضواً دائماً في مجلس الأمن إلاّ إنها لم تصبح لاعباً أساسياً في العديد من القضايا الدولية والإقليمية.

وانكفأت روسيا على مشاكلها الداخلية وغدا غياب مركزية القرار وتعدد مراكز القوى وتشتت الإرادة من العوامل التي مهدت لتحولها من قوة عالمية إلى دولة إقليمية محدودة النفوذ. بيد أن هذه المراكز الدولية (ربما باستثناء روسيا في مستهل القرن الواحد والعشرين) لم تخف طموحها إلى أن تغدو قطباً إلى جوار الولايات المتحدة وان لم تكن موازية لها.

ولتحقيق هذا الهدف حفزت أوروبا عمليات التكامل التي قد تسفر عن ظهور ما سماه لينين "الولايات المتحدة الأوروبية". وهي تصوغ سياسة خارجية موحدة وتعمل على إنشاء قوات مسلحة. وقد أصدرت "اليورو" الذي غدا منافساً للدولار كعملة عالمية. ويتوقع أن تنجز العمليات التكاملية في غضون 10-15 سنة إلاً أن مدير معهد الولايات المتحدة وكندا سيرغي روغوف يحذر من الوقوع في أوهام عن احتراب أمريكي- أوروبي. ويرى أن تطابق وتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية سوف يخفف من حدة الخلافات رغم انه لن يلغيها.

 وتعمل اليابان على إعادة بناء مجدها الاقتصادي وغزو أسواق جديدة والخروج من إسار التقييدات المفروضة على برامجها العسكرية. وتسير الصين بوتائر حثيثة نحو بناء قوة نووية تدعم جبروتها الاقتصادي المتزايد بوتائر تفوق وتائر النمو في غالبية الدول الصناعية المتطورة مما يؤهلها لاحتلال موقع أساسي في الحياة الدولية لاحقاً.

وحدها روسيا شذت عن سائر الأقطاب المحتملين رغم إنها تمتلك موضوعياً مقومات تؤهلها لان تكون قوة مؤثرة في الموازنات العالمية، إلاّ أن مجمل سياساتها وأساليب أدائها في الحقبة الماضية تضعها على منحدر قد يؤدي إلى تفككها أو على الأقل تهميش دورها.

على هذه الخلفية عملت الولايات المتحدة الأمريكية على إرساء صرح علاقات جديدة تكرس "نهاية التاريخ" والواحدية القطبية". واتبعت لهذا الغرض أساليب عدة بينها اعتماد نظرية وضعها زبيغنيو بزيجينسكي ومفادها أن الأطراف الأساسية في العلاقات الدولية يجب أن تصطرع في " نقاط ساخنة" مثل الشرق الأوسط وأفغانستان والقوقاز والبلقان وسواها من الأماكن البعيدة عن الولايات المتحدة بشرط أن تشرف الأخيرة على" إدارة النزاعات" وفق مصالحها مما يؤدي إلى مشاغلة الخصوم المحتملين وإضعافهم وخلق علاقات "هرمية" تضع واشنطن في قمة "المليار الذهبي" الذي يضم الدول الغنية أي أن الولايات المتحدة أرادت تكريس انفرادها في قمة هرم السلطة العالمية لكنها كانت في الوقت ذاته بحاجة إلى "حلفاء ضعاف" لكي تواجه وإياهم المليارات الأربعة المتبقية من دول "الجنوب" الفقيرة. وكان البيت الأبيض يرى أن لديه كل مسوغات التربع على "عرش العالم" فهو يمتلك القوة العسكرية الضارية والجبروت الاقتصادي وله إيديولوجية متكاملة تطرح (أو تفرض) على الأخريين باسم العولمة ولكن واشنطن كانت تشعر أن الزمن لا يعمل لصالحها، فهو قد يوفر للأوربيين والصينيين واليابانيين والروس فرصة لاستجماع القوى والتطلع الى دور المنافس أو حتى الشريك في تصريف شؤون العالم والتصرف بثرواته، وهو ما لا ترضاه الولايات المتحدة.

ومن اجل الحفاظ على "الواحدية" في هياكل السلطة الدولية وجدت واشنطن أنها بحاجة إلى الانفكاك من "أيسار" القواعد والأحكام التي نشأت خلال القرن العشرين وكسر الأطر التي فرضها قيام هيئة الأمم المتحدة ضمن توازنات ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي هذا السياق جرت خلال التسعينيات "تجارب ميدانية" لاختبار إمكانيات اتخاذ قرارات تخرج عن المرجعيات الدولية أو حتى تكون مضادة لها، ومثال ذلك ما حدث في البلقان والعراق. وقامت إسرائيل باختبارات مماثلة على نطاق أضيق حينما أعلنت جهاراً إنها ليست في وارد تطبيق قرارات دولية أو استقبال بعثات الأمم المتحدة حتى ولو كان قرار إيفادها مقترناً بموافقة جماعية من كل أعضاء مجلس الأمن الدولي. وهذا التجارب، الشمولية والإقليمية والموضعية، بينت "رخاوة" ردود الفعل على التجاوزات الأمريكية (والإسرائيلية) إلا أن الولايات المتحدة ظلت بحاجة إلى حجة أو ذريعة للانتقال "شرعياً" إلى نمط جديد من العلاقات الدولية.

في هذا السياق فان أحداث 11 أيلول (سبتمبر) كانت "منآً" على السياسة الأمريكية ولو لم تحصل لكان ثمة حاجة إلى ابتداعها. وحتى إذا لم يكن لأي من المراجع السلطوية أو النخبوية في الولايات المتحدة ضلع في التخطيط للعمليات الهجومية على نيويورك وواشنطن أو التغاضي عن معلومات كان يمكن أن تحبط العمليات قبل تنفيذها فان واشنطن وظفت، بالتأكيد، الغارات الإرهابية لتنفيذ مشاريع كانت جاهزة وبدأ تطبيق جزء منها عملياً.

وهيأ هجوم 11 أيلول (سبتمبر) الأرضية اللازمة التي طرحها الرئيس جورج بوش في صيغته الشهيرة "من ليس منا فهو مع الإرهاب" وكانت تلك دعوة للاصطفاف والتماسك وإعلان حرب في الوقت ذاته0 فهو عرض عملياً على دول "المليار الذهبي" الانتساب إلى تحالف تتزعمه أمريكا ويضم الدول الغنية للاتفاق على إعادة اقتسام العالم وفق قواعد تصفي ما تبقى من اتفاقات سابقة ( سايكس بيكو، يالطا، ميثاق سان فرنسيسكو) وتقيم هيكلية جديدة للعلاقات الدولية تلغي ثوابت كثيرة في مقدمتها الديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الأمم في تقرير المصير وسائر "الترهات" التي كان الغرب استثمرها كواجهة في صراعات القرن العشرين وتخلي عنها الآن لصالح منطلقات تقوم على القسر وفرض "القيم الحضارية" على الآخرين ونهب ثرواتهم باعتبارها "ملكاً للبشرية" والعودة إلى السياسة الكولونيالية السافرة.

من جهة أخرى لم تكن دعوة بوش عرضا بل غدت فرضاً يجب اتباعه والمخالف مهدد بان يصنف ضمن قائمة الإرهابيين أو الداعمين للإرهاب وهي قائمة بدأت باسامة بن لادن و"طالبان" واتسعت لتشمل "محور الشر" ثم تضخمت لتضم 62 دولة اعتبرها الرئيس بوش ضالعة بصورة أو أخرى في تأييد الإرهاب أو على الأقل عدم الوقوف مع أمريكا وهذه بحد ذاتها "جريمة نكراء" يعاقب مقترفها حتى وان لم تثبت إدانته.

على هذه الخلفية وتحاشياً للوقوع تحت رحمة إعصار الغضب الأمريكي رأت دول كثيرة أن إحناء الرأس طلباً للسلامة هو الحل الأمثل، وأيد 70 بلداً ما عرف بالائتلاف المناوئ للإرهاب لشن حملة على أفغانستان وكان بين تلك البلدان دول عربية وإسلامية حاولت احتواء العاصفة ولكنها في خاتمة المطاف أمست في مقدمة ضحاياها.

وبقدر ما تعلق الأمر بـ"الكبار" فأن الحملة الأمريكية حظيت بتأييد متفاوت القوة من الصين واليابان والدول الأوروبية، وان كان ذلك التأييد اقترن بتحفظات أبقت هوامش للمناورة والتراجع بعد أن تهدأ السورة الأمريكية. واختارت روسيا مرة أخرى أن تغرد خارج هذا السرب وأصبحت أول دولة تؤيد الولايات المتحدة الأمريكية من دون تحفظ وأخذت تقدم القرابين تباعاً على مذبح التقارب مع واشنطن. وبدا أن الكرملين احرق كل الجسور وقرر تحويل وجهة السفينة الروسية إلى موانئ أمريكية حتى قبل التأكد من إنها ستجد هناك رصيفاً ترسو عنده.

وقد بدأ سلوك الرئيس فلاديمير بوتين خالياً من المنطق تماماً إلا إن المقربين من الكرملين يسوقون عدداً من الذرائع لتبريره، فهم في الكواليس يتحدثون صراحة عن انتهاء الدور العالمي لروسيا مؤكدين أن حصتها في الاقتصاد العالمي لا تتعدى 1-1،5 في المائة في حين أن للولايات المتحدة ربع الناتج الإجمالي في العالم.

وهم يشيرون إلى أن النفقات العسكرية الأمريكية بلغت زهاء 360 مليار دولار سنوياً أي ما يعادل ستة أضعاف كل النفقات العسكرية والمدنية الروسية. ولا يتعدى ما تنفقه روسيا على أغراض العلم والتعليم، أي الحقول التي ترسي أسس التطور اللاحق من 0،003 (ثلاثة في الألف) في المائة من مجموع ما يخصص لهذه الأغراض في العالم. وبناء على هذه وسواها في الأرقام التي تبين الدرك الذي انحدرت إليه روسيا في السنوات العشر الأخيرة، يقول أنصار فكرة "الانحناء أمام العاصفة" أن على موسكو القبول بدور إقليمي محدود تفرده لها واشنطن مقابل الحصول على تكنولوجيات واستثمارات تقدر بـ 200 –400 مليار دولار لاستنهاض الاقتصاد الروسي. ويرى هؤلاء أن هذه الأموال والتكنولوجية موجودة لدى الولايات المتحدة أساساً ولذا يدعون إلى إقناعها بتغيير استراتيجيتها النفطية والتحول من الاعتماد على نفط الخليج إلى نفط شرق سيبيريا وحوض قزوين بكل ما يترتب على ذلك من علاقات استراتيجية تراكمية بين روسيا والولايات المتحدة.

وقد أثار هذا الطرح اعتراض عدد من الساسة والخبراء وبينهم الفريق أول ليونيد ايفاشوف الذي نبّه إلى أن روسيا المنهكة اقتصادياً بفعل "الإصلاحات" ما برحت تملك 30 في المائة من مجموع الموارد (النفط، الغاز، الخشب، الماء الخ) العالمية. وهذه الثروة الهائلة بحاجة فعلاً إلى توظيف أموال لاستخراجها، إلا أن بوسع روسيا الحصول على الاعتمادات اللازمة على أسس المنفعة المتبادلة، ومن دون اشتراطات سياسية كالتي تفرضها الولايات المتحدة. وهذا يعني أن على موسكو إيجاد مصادر استثمارية بديلة في أوروبا واليابان وبلدان الاوبك. (ونشير هنا استطراداً إلى أن الأموال العربية "الهاربة" من أمريكا يمكن أن تستثمر جزئياً في روسيا)

 وإلى جانب الاعتبارات الاقتصادية ساق أنصار التقارب مع الولايات المتحدة ذرائع أخرى منها أن الحرب في أفغانستان تعني تخليص روسيا من بؤرة تؤدي وتمون وتدرب الانفصاليين الشيشانيين وأنصار الحركات الإسلامية التي يمكن أن تزعزع أنظمة موالية لموسكو في آسيا الوسطى أو حتى تهدد بتفجير صراعات داخل روسيا ذاتها (القوقاز، تترستان، بشكيريا) وهم يرون أن مكاسب روسيا تفوق الأثمان التي سددتهاعند انضمامها إلى "الائتلاف".

وأخيرا يورد دعاة السير في الركب الأمريكي فكرة مفادها أن الحرب التي تقودها واشنطن ستؤدي إلى إعادة تقسيم مناطق النفوذ وهم يفترضون أن النصر فيها محتوم، ويستنتجون من ذلك أن الاصطفاف إلى جانب الطرف الرابح (الأمريكي) سيعود بغنائم أو على الأقل لن تترتب عليه الخسائر التي ستدفعها الجهات المتخلفة عن مواكبة واشنطن.

وفي هذا الصدد أشار الزعيم الشيوعي غينادي زيوغانوف إلى أن روسيا ترتكب افدح خطأ بانضمامها إلى ما وصفه بـ"نادي اللصوص". وأوضح أن روسيا لن تحصل على مكاسب بل ستقع بين كفي الرحى في حمأة الصراع بين القوى المتنفذة في "النادي" إياه وستخرج من المعركة خاسرة الخيط والعصفور، إضافة إلى تأكيده أن "اللصوص" سيحصدون خيبة تاريخية.

ولم يلتفت الكرملين إلى حجج المعترضين على سياسة التنازلات المجانية وقدم سلسلة من "الهبات" الاستراتيجية والتكتيكية، بدأت بإعلان المندوب الروسي الدائم في الأمم المتحدة سيرغي لافروف أن واشنطن لا تحتاج إلى تفويض من مجلس الأمن الدولي للقيام بعملية ضد أفغانستان باعتبار أنها تمارس حقاً مشروعاً في الدفاع عن النفس.

 وبذا فان موسكو وافقت طوعاً على إلغاء واحدة من أهم الركائز التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، والمتمثلة في أن استخدام القوة في العلاقات الدولية محظور إذا لم يقترن بموافقة مجلس الأمن.

ولو كانت الولايات المتحدة طلبت من المجلس توفير غطاء شرعي لحملتها لحصلت بالتأكيد على موافقة جماعية من الدول الدائمة العضوية، إلاً أن مثل هذا الإجراء الشكلي كان سيمنع الولايات المتحدة من تسجيل سابقة خطيرة تعني الإلغاء الفعلي لدور مجلس الأمن وميزة حق النقض (الفيتو) الممنوح لخمس دول بينها روسيا نفسها التي وقعت عملياً صكاً بالتخلي عن موقعها كدولة كبرى.

ولأول مره في تاريخ العلاقات بين موسكو وواشنطن سمحت روسيا للطائرات الأمريكية بالمرور عبر أجوائها وقدمت للأمريكيين معلومات استخبارية وتسهيلات لوجيستية كبرى وأعطت الضوء الأخضر لإقامة قواعد ومراكز عسكرية للولايات المتحدة في آسيا الوسطى.

واستمر مسلسل التنازلات بالانسحاب الطوعي من قاعدتي لورديس في كوبا وكامران في فيتنام، وهو إجراء قالت موسكو أنها اتخذته بسبب افتقارها إلى المال الكافي للإنفاق على وجود عسكري في الخارج في حين انه كان في الواقع دليلاً أخر على تراجع روسيا عن موقعها كقوى دولية وفي الوقت ذاته كان "عربون صداقة" يمنح للولايات المتحدة من دون مطالبتها بإجراءات مماثلة كتصفية قاعدة التجسس، المماثلة للورديس، في النرويج، أو على الأقل المطالبة بتعويض مالي كانت واشنطن مستعدة بالتأكيد لدفعه. ولكن يبدو أن صناع القرار في موسكو أرادوا إثبات "حسن النية" الذي تقابله واشنطن دائماً بالتجاهل بل والازدراء. فالسياسة الأمريكية تقوم على احترام القوة وليس على الأخلاق وهذا ما برهنته تجربة ميخائيل غورباتشوف. ولاحقاً بوريس يلتسين وأخيراً فلاديمير بوتين.

هذه الحقيقة أكدها "الامتنان" الأمريكي والذي تجسد بإعلان واشنطن انسحابها من جانب واحد من معاهدة "أي. بي. أم" للصواريخ المضادة للصواريخ والتي ظلت موسكو طوال سنوات تصر على أنها الحجر الأساس في عمارة الأمن الاستراتيجي في العالم، بل أن بوتين هدد بالانسحاب من زهاء 30 اتفاقية تتعلق بنزع السلاح إذا ألغت واشنطن معاهدة "أي. بي. أم" ولكن الكرملين ادخل تعديلاً جذرياً على موقفه الرسمي، ووصف وزير الدفاع سيرغي ايفانوف المعاهدة بأنها "من مخلفات الحرب الباردة" ووافقت موسكو على أن تبتلع الحنظل وتقبل بانكماش دورها كقوة استراتيجية. وقدم الأمريكيون المزيد من "آيات العرفان" لروسيا بإصرارهم على تجاهل اعتراضاتها في شأن توسيع الحلف الأطلسي. وبعد أن اصبح انضمام جمهوريات البلطيق الثلاث (لاتفيا ولتوانيا واستوانيا) إلى الحلف أمراً مسلماً به، اخذ الأمريكيون يتحدثون صراحة عن رغبتهم في رؤية اوكرانيا عضواً في الأطلسي ما يعني قطع صلات روسيا بثاني اكبر الجمهوريات السوفيتية السابقة وواحدة من أهم الجسور التي تربطها بأوربا. ومن جانبها "تبرعت" موسكو بتقطيع أواصر تحالفها مع بيلاروسيا التي ظلت متمسكة بموقف مناوئ للأطلسي، مما يعني أن روسيا تساهم في إنشاء "مناطق عازلة" من حولها ووضع طائرات وقنابل الحلف الذي تسيّره الولايات المتحدة على أبواب روسيا.

وبذا يكتمل طوق الحصار الذي كان قد بدأ إنشاؤه (بمساعدة روسية!) في آسيا الوسطى. وفي بداية عمليات التهيئة للحرب ضد أفغانستان كان وزير الدفاع الروسي قد قال انه "لا يتخيل حتى في كابوس مزعج" أن يتخذ الأمريكيون من جمهوريات آسيا الوسطى منطلقاً لتحرك عسكري. إلا أن الرئيس بوتين "عدل" الموقف بإعلانه أن هذه الجمهوريات أصبحت دولاً مستقلة ويحق لكل منها اتخاذ قرارها السيادي.

وأقسم الأمريكيون إيماناً غليظة بان وجودهم العسكري في المنطقة سينتهي بانتهاء "الحرب على الإرهاب"، وهو تعبير فسره الروس على انه يعني الحملة الأفغانية. ولكن الولايات المتحدة تفهمه بصورة أخرى"فالحرب على الإرهاب" لانهاية لها عملياً وبالتالي فان على روسيا أن ترضخ للأمر الواقع وتقبل بـ"جيرة" جديدة. وقد أقامت الولايات المتحدة اكبر قاعدة عسكرية في "ماناس" بقرغيرستان بالإضافة إلى مرتكزات في اوزبكستان وطاجكستان وكازاخستان وبدأت نشاطاً واسعاً لترسيخ مواقعها السياسية في "الحديقة الخلفية" لروسيا وقد أكدت صحيفة "ايكونوميست" البريطانية أن "أمريكا صارت الجار الثالث لجمهوريات آسيا الوسطى" بعد روسيا والصين وأصبحت قواعدها في المنطقة بمثابة "أبراج مراقبة وسيطرة" على هذه المنطقة البالغة الأهمية، خصوصاً في ضوء احتمالات المجابهة القادمة بين الولايات المتحدة والتنين الصيني.

ولن يكون من السهل على روسيا المثقلة بمشاكلها الاقتصادية والصراعات السياسية الداخلية أن تنافس الولايات المتحدة في تقديم التكنولوجيات والقروض والغطاء السياسي للأنظمة الحاكمة في جمهوريات آسيا الوسطى وهي أنظمة توصف بأنها استبدادية، لكن الولايات المتحدة لم تعد تهتم بذلك باعتبار أن "عين الرضى عن كل عيب كليلة" ومحاربة الإرهاب هي ستار مهلهل لأغراض أمريكية مكشوفة في آسيا الوسطى، وهي تتمثل إضافة إلى الموقع الاستراتيجي، في السيطرة على مكامن النفط والغاز في حوض قزوين ووضع اليد على شبكة المواصلات والنقل هناك، وذلك ضمن الاستراتيجية الأمريكية الهادفة إلى إيجاد بدائل عن النفط العربي. وفي هذا السياق ثمة توقعات بان تبدأ إقامة أنابيب تمر عبر أفغانستان إلى موانئ باكستان أولاً ثم الهند لاحقاً وذلك في إطار مشروع كانت شركة "يونوكال" الأمريكية بدأت بحثه مع حكومة "طالبان" ولكنه تعطل وقتياً لأسباب سياسية.

وبعد أن رسخت الولايات المتحدة مواقعها في آسيا الوسطى وجهت اهتمامها إلى جنوب القوقاز وعززت تحالفها مع نظام الرئيس الجورجي إدوارد شيفارنادزه الذي كان اثبت ولاءه لواشنطن أبان إدارته السياسة الخارجية للاتحاد السوفيتي. ووصل إلى هذه الجمهورية عسكريون أمريكيون بحجة " تدريب" الجيش الجورجي بيد انهم صاروا في الواقع نواة لوجود دائم في هذه المنطقة الحساسة في خاصرة روسيا وأخذت جورجيا تلعب دوراً ملحوظاً في إطار محاولات أمريكية لإزاحة روسيا من القوقاز وإبعادها عن مكامن النفط ومنع استخدام أنابيبها لنقل النفط من حوض قزوين إلى البحر الأسود، وغدا الشروع في مد خط باكو- تبليسي- جيهان لنقل النفط من أذربيجان إلى الموانئ التركية خطوة بالغة الأهمية لعزل روسيا عن عمليات النقل وتحجيم نفوذها في المنطقة.

ويرى محللون روس أن الولايات المتحدة استثمرت التوتر الناجم عن الحرب الشيشانية لتعطيل مشاريع تفعيل خط الأنابيب المار من باكو الى نوفوروسيسك عبر الأراضي الروسية. واتخذت واشنطن من جورجيا "ذراعاً" لتحريك الشوكة الشيشانية في الجسد الروسي بين الحين والحين بهدف الضغط على موسكو.

وقد خابت آمال عقدها الكرملين على تغيير في موقف البيت الأبيض من النزاع الشيشاني لجهة تأييد روسيا في حربها القوقازية "مكافأة" لها على دعمها الحملة الأمريكية في أفغانستان. واقتصرت واشنطن في المراحل الأولى التي كانت محتاجة فيها إلى مؤازرة روسيا على التزام "الحياد" ثم رفضت طلب موسكو إطلاق صفة "الإرهابيين" على المقاومين الشيشانيين، بل إنها دعت مجدداً إلى حل سياسي ووجهت انتقادات إلى السياسة الروسية في القوقاز.

من جهة أخرى فات وسائل الإعلام الروسية وهي في غالبيتها غربية الهوى ويسيطر اللوبي الصهيوني على الكثير منها، استثمرت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) وعقدت مقارنة " ثلاثية" بين القائمين بالهجوم على نيويورك وواشنطن والمقاومة الشيشانية و"الإرهابيين "الفلسطينيين في محاولة لوضع علامة مساواة بين هذه الأطراف وبالتالي استعداء المواطن الروسي على العرب والمسلمين والإيحاء له بحتمية "التحالف" مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

ولم يقتصر الأمر على وسائل الإعلام بل لوحظ تحول نحو الأسوأ في السياسة الرسمية. وشرعت موسكو بـ"تليين" مواقفها من إسرائيل والتغاضي عما ترتكبه من أعمال وحشية بينما شددت لهجتها المنددة بـ"الإرهاب" الفلسطيني. واخذ قادة الأحزاب اليمينية التي تسيطر على أهم المفاصل في أجهزة السلطة يدعون جهاراً إلى تقليص أو حتى وقف التعامل مع المسلمين والعرب "غير المتحضرين" وقد أيد الكثيرون من هؤلاء الرئيس الأمريكي بوش في دعوته إلى مقاطعة ومحاصرة "محور الشر" رغم أن لروسيا علاقات وثيقة مع كل من إيران والعراق وكوريا الشمالية.

ورغم أن الكرملين رفض رسمياً إقامة مثل هذه "المحاور" ولم يؤيد مطالب واشنطن في وقف التعامل مع إيران وكوريا وعارض مخططات ضرب العراق، فان المراقبين لاحظوا أن الموقف الروسي على كل هذه الاتجاهات كان "يتراخى" مع ازدياد التشدد الأمريكي.

وقد لخص أحد مستشاري الكرملين هذا الموقف بالمعادلة التالية "نحن حريصون على علاقاتنا الاقتصادية مع طهران وبغداد وبيونغ يانغ، ولكن إذا أصبحت هذه العلاقة مصدر خطر على صلاتنا مع واشنطن فإننا سنضع مصالحنا الاستراتيجية العليا فوق الاعتبارات الأخرى". وهذا التفسير المشوّه "للمصالح العليا" هو مفتاح أساسي لفهم السياسية الخارجية الروسية في عالم ما بعد 11/9، وهي التي كرست موقع روسيا كدولة إقليمية محدودة النفوذ ومن دون هوية واضحة. وهذه السياسة لم تحقق أي مكاسب حتى على الصعيد التكتيكي لكنها أدت إلى هزائم وانكسارات استراتيجية كبرى:

- فقد انحسر دور روسيا كقوة عالمية وأخذت تتحول من قطب مواز للولايات المتحدة في القوة النووية إلى مجرد عضو في النادي النووي، وثمة في الأفق ما يشير إلى أن واشنطن لن تكف عن بذل مساع لتقليص القدرة الهجومية والدفاعية الروسية.

- وبانكماش دور الأمم المتحدة أضاعت موسكو المكاسب التي حققتها بفضل انتصارها في الحرب العالمية الثانية، ومن أهمها الحصول على حق النقض (الفيتو) الذي ضمن لها على امتداد عقود، توازناً سياسياً مع القطب الأعظم وغدت موافقة روسيا على التحجيم أو التعطيل الفعلي لدور مجلس الأمن إقراراً بدور ثانوي على الصعيد الدولي.

- إن قبول روسيا عضواً ثامناً في محفل الدول الصناعية كان إجراءً شكلياً صرفاً إذ أن موسكو ظلت في الواقع مستبعدة عن القرارات الاقتصادية التي يصدرها "نادي الكبار" مما يجعل من مشاركتها في مناقشة الشؤون السياسية أمراً اعتبارياً فقط. وحتى هذا "المكسب" عادلته خطوات غير ودية حيال موسكو في مقدمتها توسيع حلف الأطلسي وجعل قواعده على حدود روسيا من الشمال والغرب والجنوب.

- كان يمكن لروسيا الاورآسيوية أن تلعب بعد 11/9 دوراً مهماً كمعبر بين القارات وجسر بين الحضارات وتكون وسيطاً فاعلاً، إلاّ أنها دفعت أو اندفعت إلى فخ العداء للمسلمين واستعدائهم، وهي بذلك حرمت نفسها من مكاسب مهمة على صعيد العلاقات الخارجية وغامرت بخوض نزاعات مع دول جارة، والأهم من هذا وذاك أن موسكو سمحت بتأجيج احترابات داخلية بين الأرثوذكسية والإسلام، وهما الكتلتان الدينيتان الأساسيتان في روسيا.

- إن التورط في دعم اطروحات عن "محاور الشر" سيؤدي إلى فقدان روسيا أسواقاً ومصادر خامات فائقة الأهمية، ناهيك بالعلاقات السياسية التقليدية. هذا علماً بان أي موقع تبرحه روسيا لن يبقى شاغراً وسوف "تملأه" الولايات المتحدة بسرعة، وهذا ينطبق على العراق وإيران وكوريا وغيرها.

- بدلا من استثمار الثروات الطبيعية والبشرية الهائلة والإفادة من الموقع الجغرافي المتميز آثرت روسيا أن تستجدي أموالا مقرونة بشروط سياسية جائرة مما يكرس تحولها إلى مصّدر للمواد الخام ومستهلك للسلع الصناعية، وبالتالي يعود بها من مواقع الدول المتقدمة إلى صفوف البلدان التابعة.

***

استهل الرئيس فلاديمير بوتين عهده بشعارات وخطوات بدت نقيضا كاملا لسياسة سلفه بوريس يلتسن. وأوحى بأنه يريد استعادة أمجاد غابرة لبلاده. واخذ ينفتح على الصين والهند ويشدد على أهمية "المحور الشرقي" ولا يتهيب من انتقاد الاستفراد الأمريكي بالعالم. كما سعى في الداخل إلى تحقيق نوع من المصالحة الوطنية وإنهاء الاحتراب. إلا انه سرعان ما "خفف السرعة" وشد الزمام ليستدير بعد ذلك إلى الاتجاه النقيض وينطلق دون الالتفات إلى الأصوات المحذرة.

وقدم المحللون تفسيرات شتى لهذا التحول تطرقنا إلى بعض منها في موقع سابق. ولكن هناك من يتحدث همسا انطلاقا من قناعة أو بدافع من أمل، عن "سيناريو ذكي" فحواه التالي: الكرملين يناور ساعيا إلى تفادي الصدام بسبب الضعف الحالي لروسيا، وهو يريد أن يستدرج الخصوم السابقين إلى مساعدتها في النهوض من عثرتها الحالية. وعندما تستعيد عافيتها الاقتصادية بعد 10-15 سنة، فإنها ستشن هجوما مضادا يعيدها إلى مصاف الدول العظمى.

وقد يكون "التمني رأسمال المفلس"، أو لربما ثمة نوع من السذاجة والتبسيط في التعامل مع ظواهر مركبة بالغة الخطورة والتعقيد. وأيا كانت الحقيقة وراء هكذا "نظريات"، فان المستجدات على أرض الواقع تسوق كل يوم براهين تفندها وتثبت العكس!

فقد صارت روسيا بلدا محاصرا من الخارج. ويمتد الطوق من آسيا الوسطى والقوقاز، حيث الوجود العسكري الأمريكي إلى تركيا الأطلسية ودول البلطيق التي سيعني انتماؤها قريبا إلى حلف الأطلسي وضع القوات الغربية على بعد "رمية عصا" من العاصمة الشمالية لروسيا سانت بطرسبورغ.

ويزيد من خطورة طوق الحصار الخارجي، أن الكيان الداخلي يتآكل بفعل عمليات النهب والاستنزاف المتواصلة وتفسخ هياكل القوة وتعاظم النزعات اللامركزية. وكماشة الحصار الخارجي والتآكل الداخلي تطبق على الجسد الروسي وتهدد بتشظيه أو على الأقل تجزئته. وفي ضوء ذلك لا تبدو ضربا من الخيال توقعات عن احتمال تقسيم روسيا إلى كيانات شبه مستقلة في الشرق الأقصى وسيبيريا والقوقاز وحوض الفولغا. عند ذاك ستكون مشكلة روسيا ليس البحث عن هوية، بل الصراع من أجل البقاء.

*** *** ***

 

علي القاسميانتُدبتُ من جامعة بغداد للتدريس في كلية التربية بعد افتتاحها في العام الدراسي 1967- 1968، وكان عدد طلابها آنذاك محدوداً، وبعضهم من قطر والبحرين. وكان عميد الكلية هو الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الفدا الذي كان قد عاد لتوّه من بريطانيا بعد حصوله على الدكتوراه في الأدب الأندلسي من جامعة كيمبرج الشهيرة.

عيَّنني عميد الكلية رئيساً للجنة الثقافية في الكلية. وتولّت هذه اللجنة تنظيم سلسلة من المحاضرات العامة يلقيها أساتذة الكلية أو مثقفون من خارج الكلية، وإصدار دوريةٍ أدبيةٍ ثقافية يساهم فيها الطلبة، وعرض أفلام نستعيرها من المراكز الثقافية في الرياض، البريطاني والأمريكي والفرنسي. فلم تكن آنذاك ثمة دور للسينما في الرياض. وهكذا كنا نستعير بكرة الفيلم من أحد هذه المراكز ونقوم بعرضه بواسطة الجهاز العارض (بروجكتر) في قاعة الكلية للطلاب أثناء استراحاتهم..

ذات يوم التقيتُ خارج الكلية بشاب سعودي اسمه "محمد السليم"  (1939 - 1997) ، وتوثَّقت أواصر المودة بيننا، فدعاني مرّة من المرات للذهاب معه إلى منزله، قائلاً إنه يود أن يطلعني على شيء لأخذ رأيي فيه. وصلنا إلى منزله الذي كان يقع في بداية طريق الرياض - مكة المكرمة. ويتألَّف منزله من طابق واحد وفيه غرفتان وساحة صغيرة. أخرجَ من غرفة كانت مقفلة، عدداً من اللوحات الفنية، وعرضها عليّ كأنه يعرض بضاعة مهرّبة ممنوعة. فسألته عن أسباب السرّية، فقال إن الاعتقاد السائد آنذاك هو أن الرسوم والتماثيل من المحرَّمات، لأن أهل الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام. وقد أنستني بغداد إبان دراستي التي تعاصرت مع حركةٍ فنّية نشطة، حقيقةَ أن بعض الفقهاء رأوا حرمةً أو كراهةً في الرسوم والتماثيل.

في اليوم التالي، قابلت العميد الدكتور الفدا، وأخبرته بما رأيتُ من لوحاتٍ فنيةٍ رائعة لدى محمد السليم. واقترحتُ على العميد إقامة معرض لهذه اللوحات في الكلية، ضمن أنشطة اللجنة الثقافية. سألني العميد الذي أمضى سنوات طويلة من الدراسة في بريطانيا وإسبانيا، ما إذا كانت تلك اللوحات بورتريهات أم مناظر طبيعية. أخبرته بأن معظمها مناظر طبيعية وبعض الحيوانات من البيئة العربية مثل الخيول والإبل والماشية، وقليل من الوجوه البدوية .

أطرق العميد قليلاً ثم وجهني بإقامة المعرض في سرداب الكلية (الطابق تحت الأرضي)، بشرط أن لا تُعرَض فيه البورتريهات (رسوم الرجال أو النساء)، فقط المناظر الطبيعية؛ أما رسوم الحيوانات، فينبغي إضافة شريط لاصق أحمر على رقبة كل حيوان (تعبيراً عن كون الحيوان مذبوحاً وليس حيّاً)؛ وأخيراً وليس آخراً، يجب أن لا يُسمَح لغير أساتذة الكلية وطلبتها بزيارة المعرض، فقط أُسْرة الكلية من أساتذة وموظفين وطلاب.

وهكذا أفتتح الدكتور العميد المعرض وبجانبه الفنان محمد السليم وقد غمرت الفرحة وجهه. أما أنا فشعرتُ بالامتنان للدكتور العميد والاعجاب بشجاعته وحكمته، على الرغم من أن أشرطتي الحمراء قد شوّهت بعض تلك اللوحات البديعة وصور الخيول العربية الأصيلة.

بعد مدة فرحت بسماع أخبار الفنان محمد سليم، فقد ابتعثته وزارة التربية إلى إيطاليا لدراسة الديكور، وأن مِن الموسرين من اشترى بعض لوحاته لقاء عشرات الآلاف من الريالات. ويبدو أن الرسام محمد السليم قد أحب إيطاليا الفن واستقر فيها وتوفي فيها.

وبعد حوالي خمسة عشر عاماً عندما عملتُ مديراً لإدارة الثقافة والاتصال بالمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) في الرباط، وجَّهت سؤالاً لخبير الشريعة الإسلامية في الإدارة، الدكتور عمر القاضي وهو من شيوخ جامعة الأزهر ومن مفسري القرآن الكريم بكتابه " التفسير المنير، ومعالجة قضايا المجتمع من خلال القرآن الكريم":

- هل الرسوم والتماثيل حلال أو حرام أو مكروه في الشريعة الإسلامية، يا دكتور عمر؟

أجاب قائلاً:

ـ هذا يتوقّف على القصد والغاية منها.

وسألني:

ـ إذا رأيتَ رجلاً يقوم بحرقِ نسخٍ كثيرة من القرآن الكريم، فهل تحكم عليه بالكفر أو الإيمان؟

أدركتُ قصده وغايته، فأجبتُ:

ـ لعلَّ خطأً مطبعياً وقع في تلك النسخ، ولا يريدها أن تنتشر .

قال:

ـ تماماً. فالنية ركنٌ أساسيٌّ في الموضوع. فإذا كنا نصنع تمثالاً قصد اتخاذه صنماً نعبده، فهذا حرام. أما إذا كان القصد من هذا التمثال استخدامه وسيلةَ إيضاحٍ لتعليم درس التشريح لطلاب كلِّيّة الطبِّ، فهذا مندوب بل واجب.

واستطرد الدكتور عمر في تقديم أدلةٍ من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والتاريخ الإسلامي. فذكر أن النبي سليمان (ع) كان يستخدم التماثيل للزينة فقد ورد في القرآن الكريم:

(يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)(القرآن: سبأ، 13)

 وروى الدكتور عمر أن الرسول (ص) كان يدخل في داره فيجد أم المؤمنين عائشة (ر) تلهو بِدُمى، فيتبسَّم. وبعد أن فتح الصحابي عَمرو بن العاص (ر) مصر، جاءه بعض أصحابه ليخبروه أنهم عثروا على صنم بالقرب من الفسطاط (المقصود تمثال أبي الهول)، واستأذنوه في تحطيمه. ولكنه طلب إليهم أن يتركوه لأنه لم يعُد يُعبَد. وهكذا تدرُّ حصافة هذا القائد المحنّك اليوم دخلاً على مصر بفضل عرض "الصوت والنور" حول تمثال أبي الهول لرواية تاريخ مصر الحضاري، وهو حفل يؤمه مئات السياح كلَّ ليلة، لقاء تذاكر يبلغ سعر التذكرة الواحدة أكثر من 250 جنيهاً.

فرجوتُ الدكتور عمر أن يؤلِّفَ كتيباً بعنوان "الرسوم والتماثيل في الإسلام" يقع في حوالي 30 صفحة من الحجم الصغير، على شرط أن يوثِّق أدلَّته من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والتاريخ الإسلامي. وقد فعل، واضطلعت المنظمةُ بنشر الكتيب سنة 1992 في ثلاث طبعات: عربية وفرنسية وإنجليزية، وهي لغات العمل بالمنظمة، ووزَّعتْه على الدول الأعضاء. وبعد سنوات قليلة قامت حركة طالبان أوائل سنة 2001 بتدمير جميع التماثيل الآثارية العملاقة في جميع أنحاء أفغانستان مستخدمة الصواريخ والدبابات والديناميت، وأثارت ضجةَ احتجاجٍ عالمية، استغلها أعداء الإسلام في محاولةٍ لتشويه مقاصد الشريعة الإسلامية السمحاء.

 

د. علي القاسمي

 

 

ميثم الجنابيهو المَوتُ، فاخْتَرْ ما عَلا لكَ ذِكْرُهُ

فلم يَمُتِ الإنسانُ ما حَيِيَ الذِّكْرُ

جلال الماشطة والصحافة السياسية:

لقد تبلورت الشخصية الصحفية لجلال الماشطة في مجرى عقود من الزمن. ولازمها على الدوام اهتمامه السياسي بالتاريخ والمشاكل والقضايا الحية والحيوية. فهو من بين الرعيل العراقي لخمسينيات وستينيات القرن العشرين، أي مرحلة ما قبل وما بعد ثورة الرابع عشر من تموز العراقية عام 1958. ومن ثم تأثر بالضرورة بقوتها ووهجها الفعال والمتنوع في بلورة نفسية وذهنية الحرية والثورة. بمعنى انه كان نتاج الصعود العقلي والعقلاني والفكري التحرري، والكفاح ضد الرجعية والامبريالية والدعوة للاشتراكية والشيوعية، أي كل تلك الحالة الثورية والرومانسية والواقعية التي كانت تهز العالم في مختلف قاراته وبقاعه. تماما كما نرى مضادها في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين حتى نهايته بأثر انهيار أو فشل التجارب السياسية الوطنية والقومية والحداثة، بمعنى صعود مختلف التيارات والأحزاب والعقائد السلفية الدينية وما لازمها بالضرورة من انحطاط عقلي وهيمنة لا عقلانية وافتقاد شبه تام لمعاناة الهموم الاجتماعية والوطنية والقومية. وأفضلها لم يخرج عن اطار الدعوات الهائمة في سماء الالعاب اللاهوتية والعوم في أوهامها وأسقامها.

غير ان ذلك لا يعني، أن هذا الرعيل الذي ينتمي اليه جلال الماشطة قد تأثروا بمجريات الأحداث الثورية والفكرة الجمهورية لخمسينيات القرن العشرين فقط، بل وتمثلوا بتجاربهم الشخصية قيم البدائل الوطنية والقومية العربية. فإذا اخذنا بنظر الاعتبار ولادته عام 1944 في مدينة الحلة (بابل)، فإن رؤيته للأحداث السياسية ونوعيتها الاولية جرت وهو في الرابعة عشر من العمر، أي عندما كان صبيا. غير ان صبيان تلك المرحلة وما بعدها بقليل كانوا نتاج التاريخ الواقعي. لقد كان الكومبيوتر الوحيد عندهم آنذاك هو الحكايات والذكريات والكتب والمجلات والجرائد. وهذه كلها كانت موجودة في حياته العائلية. فجلال الماشطة، هو بمعنى ما وريث عمه الشهير الشيخ عبد الكريم بن عبد الرضا الماشطة (1881-1959)، الذي كان من علماء المسلمين الشيعة المجتهدين المتنورين، الذين جرى اتهامه بالشيوعية! وقد كان له اسهامات كبيرة وشهيرة في ميادين الفكر والثقافة والسياسية العراقية. وقد كان يوقع كتاباته باسم الشيخ عبد الكريم الحلي. اما لقب الماشطة فقد جرى اشتقاقه من اسلوبه في تدريس طلبة العلم. وهي تقاليد اسلامية ثقافية بحتة عندما يلصق بالشخصيات المؤثرة لقب من الالقاب. ولقب الماشطة اطلق عليه لأنه كما يقولون كان يمشط العقول وينورها ويحررها من الخرافات. ومن كتبه التي لعبت دورا حاسما فيما يبدو بانتماء جلال الماشطة نفسه للحركة الشيوعية هو كتاب (الشيوعية لا تتصادم مع الدين ولا مع القومية العربية). (طبع في الناصرية عام 1959 ، أي بعد الثورة). وقد واجه الشيخ الماشطة معارضة شديدة من رجال الدين المتحجرين وبالاخص على كتابه المذكور. كما اننا نرى فيه نقيضا لكثير من مرجعيات الدين الشيعة، وبالاخص عائلة محسن الحكيم، الذي كانت همومه بهذا الصدد تقوم في محاربة الشيوعيين انذاك والجمهورية الفتية والثورة.

وقد اورد جلال الماشطة نادرة عن عمه عندما كان معتقلاً في السراي ببغداد، حيث أفردت له غرفة فيها مروحة، وخصص له شرطي لمرافقته ومراقبته، وبعد أيام اقتحم مدير المركز الغرفة معاتباً الشيخ: تريد تجعل من شرطتنا شيوعيين؟ المقصود من وراء ذلك، هو ان للعائلة وتراثها وتقاليدها دورا جوهريا في بلورة الشخصية الباطنية والظاهرية للأفراد.

فقد اشار جلال الماشطة في احدى مداخلاته بمناسبة الاحتفاء بشخصية عمه الشيخ عبد الكريم الماشطة، الى انه كان يزور مدينة الحلة بعد انتقالهم الى بغداد، حيث كان يقضي العطلة الصيفية فيها، وكيف انه كان يقضي اياما في بيت عمه الشيخ عبد الكريم، وكيف كان يعامله، وكيف كان يختار له ما ينبغي قراءته من مجلات وكتب تناسب مداركه آنذاك. لاسيما وأن من آراء الشيخ ومواقفه هو ايمانه بأن النخب الفكرية والسياسية ينبغي أن تؤثر في المجتمع عبر التداخل والتفاعل معه.

انني لا اسعى من وراء ذلك للقول، بأن جلال الماشطة هو نسخة عن عمه، لكنه استمرار لها بمعايير أخرى استمدها من تجاربه الحياتية والثقافية والسياسية والعلمية (الدراسة) والعملية في ميدان الترجمة والعمل الصحفي بشكل خاص.

فالشخصية الأصيلة هي التي تتمثل تجارب وتاريخ الأسلاف الكبار. وهي الصفة التي جسدها جلال الماشطة في ابداعه الصحفي المتنوع، مع الاحتفاظ الباطني العميق بالانتماء للفكرة المدنية واليسارية والنزعة الانسانية. ونعثر على ذلك في النماذج التي اقدمها للقارئ، ممن لم تتوفر له فرصة الاطلاع على ما كتبه بهذا الصدد، بمعنى رؤية مواقفه من خلال تحليل الاشكاليات السياسية التي كان يتناولها عل مثال الواقع والأحداث الروسية.

***

ميثم الجنابي

....................

الطيف السياسي في روسيا المعاصرة

بقلم جلال الماشطة

المادة السادسة من الدستور السوفيتي التي تثبت الدور "القيادي" للحزب الشيوعي كانت رمزا وتجسيدا لحقبة دامت زهاء سبعة عقود وابتدأت عمليا بانهيار أول حكومة ائتلافية قامت بعد ثورة أكتوبر، وحل الجمعية التأسيسية (البرلمان) التي لم يكن للبلاشفة أغلبية فيها. و من عام 1918 لم يعرف الاتحاد السوفيتي تعددية حزبية بالمعنى المألوف، ولذا غدا إلغاء المادة السادسة في مؤتمر نواب الشعب عام 1990 إضفاء للشرعية على التنظيمات الحزبية والاجتماعية.

إلا أن حزب العمال الاشتراكي الديموقراطي الروسي الذي انفرد بالسلطة غير بمرور السنين اسمه وهيكليته وعناصر كثيرة من مقومات أيديولوجيته، ولم يعد حزبا بالمفهوم المتعارف عليه، بل غدا أداة سلطوية وهيكلا بيروقراطيا بل وسلما يعتمده الوصوليون للوثوب إلى الكراسي.

هذا لا يعني حكما بالإلغاء على التنظيم كله أو شطب تاريخه، بل أن هناك منطقا يحتم التحولات التي تطرأ على أي قوة منظمة أبان خروجها من شرنقة التنظيمات السرية إلى دهاليز السلطة، ابتداء من الثورة الفرنسية التي "أكلت أبناءها" وانتهاء بتنظيمات حزبية عربية لم يبق لها بعد توليها الحكم سوى الشعارات التي رفعتها في مرحلة التكوين أو أبان صراعها مع القوى الأخرى.

ورغم التمسك الشكلي بمقولات النظرية الماركسية فان الأيديولوجيا الشيوعية لم تكن المحرك الوحيد لسياسة الاتحاد السوفيتي دوليا أو لنشاطه الداخلي. فعلى الصعيد العالمي غالبا ما كانت موسكو "تتجاهل" مبادئ أساسية، كالتضامن الاممي، وتتحالف مع أنظمة معادية للشيوعية من اجل تحقيق مصالح الدولة. والخوض في هذه الإشكالية المعقدة يقتضي عودة إليها في أعداد قادمة من "رمال" إلا أن الإشارة إليها ضرورية لفهم طبيعة الكيانات الحزبية القائمة اليوم. فهي بمعنى ما إفراز وامتداد لـ "منابر" نشأت داخل الحزب الشيوعي وظهرت عبر صراعات في قمة هرم السلطة وكان الخاسر فيها يتهم دائما بأنه "منحرف" أو "منشق" أو "مرتد" بل إن تهمة "الخيانة" ألصقت بكثيرين من مؤسسي وقادة الحزب الذين جرت تصفيتهم في مراحل معينة.

وبعد تنحية نيكيتا خروشوف عن زعامة الحزب والدولة جرت أول محاولة جدية لخلق "قيادة جماعية" تكون مظلة لمنابر مختلفة تقدم طروحات متباينة في شأن الخروج من الدائرة المغلقة للاقتصاد المبرمج واعتماد عناصر الحفز المادي التي كانت تعد من المحرمات الرأسمالية. وكانت برامج الإصلاح الاقتصادي التي عرضها رئيس الوزراء اليكسي كوسيغين تسعى فعليا لإحداث ثغرة في الجدار، إلا أنها أخفقت بسبب تصادمها مع البيروقراطية الحزبية التي التمت حول الأمين الأول، آنذاك، ليونيد بريجنيف، وطمرت لاحقا بذور التجديد وعادت إلى فردية الشخص ووحدانية الحزب الخالي من التعدد المنبري. وأدى الانفتاح على العالم الخارجي، وخاصة توقيع ميثاق هلسنكي عام 1975 إلى هبوب رياح التغيير مجددا، والتسليم بإمكان تصارع آراء مختلفة داخل التنظيم الواحد ومن دون الخروج عن أطر محددة سلفا.

ومن المفارقات أن يوري اندروبوف الذي قاد لجنة أمن الدولة (كي.جي. بي) قبل توليه زعامة الحزب أطلق مبادرات هدفت إلى إحداث إصلاحات حقيقية تذكر في بعض مقوماتها بالتجربة الصينية، ومحورها الأساسي تغيير الاقتصاد كبداية وتمهيد لتحولات أيديولوجية وسياسية. إلا أن التجربة القصيرة أحبطت بوفاة اندروبوف بعد حكم دام سنة ونصف السنة، وتولى أثره السلطة قسطنطين تشيرنينكو الذي استفحلت في عهده الصراعات الداخلية في المكتب السياسي وهيأت وفاته تربة لبروز ميخائيل غورباتشوف الذي عمد إلى وضع أفكار اندروبوف رأسا على عقب فقرر الشروع بالتغيير السياسي من دون المساس بالهيكل الاقتصادي، مرتكبا بذلك الخطأ القاتل الذي أدى إلى تعطيل الإصلاح على المحورين وتدمير آليات الحكم والإدارة، بل أطاح لاحقا بغورباتشوف ذاته.

وفي النصف الثاني من الثمانينات بدأت المنابر تطفو من أعماق التنظيم الحزبي إلى السطح أخذت الصراعات تتفاقم داخل المكتب السياسي بين الجناح "المتشدد" بزعامة يغور ليغاتشوف والمجموعة الليبرالية التي قادها الكسندر ياكوفليف. ولم يفلح غورباتشوف في إمساك العصا من الوسط بل كان مترددا بين مراكز القوى يميل إلى واحدة تارة ويمايل الأخرى تارة ثانية.

بيد أن موافقته على إلغاء المادة السادسة، رغم المقاومة الضارية داخل المكتب السياسي واللجنة المركزية، أطلقت العنان لاستقطابات داخل الحزب وخارجه أسفرت عن قيام هياكل تنظيمية جديدة اتخذت في البداية شكل تجمعات داخل مؤتمر نواب الشعب، وكان أهمها "المجموعة الإقليمية" التي قادها ليبراليون يتزعمهم الأكاديمي اندريه ساخروف وانضم إليهم بوريس يلتسين الذي أمسى رمزا لحركة التمرد داخل الحزب الشيوعي. وبالضد من هؤلاء قاد ايفان بولوزكوف السكرتير الأول للحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية آنذاك حركة مناوئة لليبراليين ولغورباتشوف على حد سواء، إلا أنها لم تتمكن من حشد قوى تجديدية بل استقطبت عناصر بيروقراطية كانت تخشى فقدان مواقعها واستغلت شعارات مقاومة الفوضى التي أحدثها الانفتاح كذريعة للتمسك بالكراسي وليس لوقف الانهيار فعلا.

وبأحداث صيف 1991 حسمت المعركة لصالح الفريق الأول ولكن الصدع اخذ يدب في صفوفه بعد الانتصار وانقسمت "المجموعة الإقليمية" إلى حركات وأحزاب متعددة اصطرعت على السلطة واقتسام الغنائم.

وبفعل عملية الخصخصة ظهرت بسرعة فئات من المالكين أخذت تشكل تنظيمات وأحزابا وشللا للدفاع عن مصالحها. إلا أن نظام الملكية الخاصة لم يمر بمراحل التكوين الطبيعية بل نشأ بفعل ارادوي قسري وجرى توزيع الثروات، أو بالأحرى نهبها، وفق قواعد شللية ـ نفعية ألغت احتمالات فرز الأحزاب وفقا لموقفها من الملكية أو بموجب عقائد ومبادئ واضحة. والى ذلك فان التغيرات السريعة كانت ترفع المعدمين إلى مصاف أصحاب الملايين تارة، وتسقط ذوي الدخل المتوسط إلى درك الإفلاس تارة أخرى، ما أدى إلى غياب الاستقرار في الهيكلية الحزبية وانتقال أفراد وفئات من تنظيم إلى آخر بدوافع الكسب أو الانتقام وليس بحافز المبادئ أو التضامن الاجتماعي ـ الطبقي.

أين كان الحزب الشيوعي من ذلك؟

حينما انهارت محاولة "لجنة الدولة لشؤون الطوارئ" الرامية إلى إقصاء غورباتشوف كان في الحزب الشيوعي 16 مليون عضو. وعندما داهم متظاهرون مناوئون لـ "لجنة الطوارئ" مبنى اللجنة المركزية يوم 21 آب (أغسطس) واضطر العاملون فيها إلى الهرب من أبواب خلفية، لم يتصد حتى عشرة أشخاص للدفاع عن مقر حزبهم. وكان ذلك برهانا آخر على أن الانتماء إلى التنظيم كان في حالات كثيرة لا يعني اعتناق أيديولوجيا محددة والسعي إلى تحقيق مبادئ، بل مسايرة للحزب الحاكم أو مناورة للوثوب إلى منصب أو التمتع بأفضلية ما.

إلى ذلك فان عامل الإحباط والحيرة إزاء التغيرات العاصفة أدى إلى انكفاء شرائح واسعة من أعضاء الحزب على أنفسهم إما بفعل البلبلة أو بهدف التريث انتظارا لما سيسفر عنه الصراع في القيادات إذ أن القواعد لم تكن مهيأة للتحرك بوازع داخلي، بعد أن قتلت لديها روح المبادرة.

ولم يفق شتات الحزب الشيوعي من الصدمة إلا بعد مضي فترة طويلة تمكن خلالها المنتصرون من تثبيت أقدامهم والسيطرة على جميع مواقع السلطة والإعلام، ومن ثم المال عبر عملية الخصخصة التي كانت في واقع الحال "توزيعا" للثروات على فئات محددة ومحددة سلفا.

بيد أن المهيمنين على مقاليد الحكم لم يفلحوا في تكوين تنظيم يلمهم بل أن حركة "روسيا الديموقراطية" التي صار لكثيرين من مؤسسيها دور فاعل في السلطة، أخذت تتصدع وتفرز عددا من الكتل والمحاور المتصارعة فيما بينها لكنها الموحدة في مواجهة العدو الذي لم يفق من سباته بعد.

التكوين الأولي

أدى انهيار الاتحاد السوفياتي والشروع في هدم هياكل الدولة داخل روسيا أواخر عام 1991، ومن ثم اتباع سياسة "العلاج بالصدمة" مطلع عام 1992 إلى تحولات بنيوية كبرى في المجتمع الروسي، تزامنت معها وترتبت عليها محاولات إنشاء تنظيمات سياسية واجتماعية تمثل مصالح الفئات المتكونة حديثا أو الشرائح التي تغير موقعها الاجتماعي. وبسبب التبدل في علاقات الملكية والموقف من الخصخصة غدت المحاور والتنظيمات أشبه بكثبان رملية سريعة الحركة والانهيار في آن. وعلى الجانب الآخر سعت القوى المناوئة لعملية الهدم إلى لملمة صفوفها على أسس جديدة، أو بالاعتماد على ركائز قديمة.

ولا تصلح المعايير المألوفة لتوصيف الاستقطابات الفكرية ـ التنظيمية في روسيا المعاصرة التي شهدت خلطا غريبا للمفاهيم والمصطلحات. فلا يمكن ، مثلا، أن ينطبق مفهوم "اليسار" على أحزاب تدعو إلى التمسك بالتقاليد المتوارثة ومن ضمنها القومية والدينية وإن كانت "تعجنها" بشعارات ذات توجه اجتماعي، كما تفعل تنظيمات كثيرة لها صفة شيوعية في روسيا. وعلى الجناح الآخر فان "اليمين" وخاصة جناحه الراديكالي يدعو إلى ويعمل على هز الركائز وإجراء تغييرات سريعة متميزا بذلك عن اليمين الأوروبي المحافظ في الغالب. ولغياب التقسيم الطبقي الواضح لم تعد تصلح المعايير الماركسية التقليدية لفهم طبيعة الهيكلية الحزبية في روسيا.

ولذا فان التسميات المعتمدة في هذا المقال تبقى اصطلاحية مستندة إلى الشائع المألوف لدى القارئ العربي. وليس من اليسير الحديث عن زهاء 100 ألف تنظيم مسجل لدى وزارة العدل الروسية منها قرابة خمسة آلاف حزب، إلا أن الغالبية الساحقة منها ظلت هياكل "ورقية" إما لأن بعضها أنشئ لأغراض عبثية على موجة الانفتاح والليبرالية، أو لان البعض الآخر يقام لأهداف تكتيكية محددة ويزول بزوالها، أو لكون تنظيمات معينة شكلت كستار لتغطية عمليات مالية مشبوهة. والحاصل إن الهياكل التنظيمية الفاعلة في الحياة السياسية لا تتجاوز العشرات ولتيسير التعرف عليها سوف نصطلح على فرزها في مجموعات كبرى وإن كانت الحدود فيما بينها عائمة وثمة حركة مكوكية بين الواحدة والأخرى. وبالتأكيد لن نتطرق إلى هياكل مثل "حزب عموم روسيا لسلامة الأسنان" أو "حزب حماة قوس قزح" رغم أن تنظيما مثل "حزب هواة البيرة" شارك في الانتخابات البرلمانية وحصل على مئات الآلاف من الأصوات وإن لم يعبر حاجز الخمسة في المئة المطلوب للتأهيل إلى الدوما.

اليسار

الخلاف على ارث الحزب الشيوعي بدأ بعد فترة قصيرة من حظر نشاط الحزب رسميا واستمر طوال 18 شهرا نظرت خلالها المحكمة الدستورية في شرعية القرار الذي أصدره الرئيس بوريس يلتسن بتعطيل الحزب ومصادرة مقراته. وبعدما قضت المحكمة بان الحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية يحق له ممارسة نشاطه استكملت عملية التفرق والتوحيد داخل الحزب والتمت الغالبية حول المجموعة التي قادها غينادي زيوغانوف. وبعد المؤتمر الاستثنائي الذي انعقد في شباط (فبراير) عام 1993 تحت راية "الإحياء والتوحيد" غدا الحزب (وما برح حتى الآن) اكبر تنظيم في روسيا ويضم حاليا ما يربو على 550 ألف عضو وله فروع في 88 جمهورية ومقاطعة (لا يوجد له تنظيم في الشيشان). ورغم الحصار المالي والإعلامي والقانوني تبوأ الشيوعيون المركز الثاني في الانتخابات البرلمانية أواخر عام 1993 وصار لهم 45 نائبا في مجلس الدوما، وارتفع العدد إلى 157 في برلمان 1995.

إلا أن حزب زيوغانوف لم يفلح في احتواء جميع التنظيمات الشيوعية التي طعن بعضها في "شرعية" الحزب الشيوعي الروسي واتهمه بالتراجع عن مبادئ أساسية في النظرية الماركسية اللينينية والتخلي عن فكرة الثورة ودكتاتورية البروليتاريا ونظام الحزب الواحد.

واكبر التنظيمات المنافسة هو حزب العمال الشيوعي الروسي الذي قاده في البداية فيكتور انبيلوف لكنه ما لبث أن تعرض إلى انقسامات داخلية وتولدت عنه تنظيمات جديدة أبرزها في سانت بطرسبورغ بقيادة فيكتور تيولكين. ويقدر عدد أعضاء الحزب الأخير بـ 20 ألف عضو ومن أهم شعاراته العودة إلى التخطيط الاشتراكي وإلغاء الخصخصة وتعزيز نظام الكولخوزات والسوفخوزات واعادة بناء الدولة الموحدة.

وثمة تنظيمات شيوعية أخرى يمكن اعتبارها هامشية مثل اتحاد الأحزاب الشيوعية ـ الحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي بقيادة اوليغ شينين والذي يضم 22 تنظيما شيوعيا من الجمهوريات السوفياتية السابقة. والى ذلك نشأت هياكل زاوجت بين القومية والشيوعية مثل "الحزب البلشفي القومي" الذي أسسه الكاتب المعروف إدوارد ليمونوف. وينفي قادة الحزب اتهامات بالنازية مؤكدين إن تعبير "القومي" ينطبق على كل من يقر بانتمائه إلى تاريخ روسيا وثقافتها ولغتها، وإن لم يكن روسيا، ويشير في صورة خاصة إلى أن الروس والمسلمين "يجب أن يواجهوا الغرب سوية".

وثمة تنظيمات شيوعية برزت في المراحل الأولى ثم توارت مثل "الحزب الشيوعي السوفياتي البلشفي" بقيادة نينا اندرييفا التي كانت مقالتها "لا أريد التخلي عن المبادئ" قد اعتبرت في أواخر الثمانينات إشارة الانطلاق للقوى المناوئة لغورباتشوف.

ويقترب من الشيوعيين في طروحاتهم الاجتماعية الحزب الزراعي، وهو ثاني اكبر تنظيم في روسيا حاليا ويضم 300 ألف عضو ولكنه لم يتمكن من عبور حاجز الخمسة في المئة إثناء انتخابات 1995، واضطر إلى "استعارة" نواب من الحزب الشيوعي لتشكيل كتلة برلمانية.

ومن ابرز المعارك التي خاضها الحزب الزراعي مقاومته لقانون إطلاق بيع وشراء الأراضي الزراعية خوفا من "عودة الإقطاع" إلى روسيا في صورة جديدة. واصطف الزراعيون إلى جانب حلفائهم الشيوعيين في معالجة أهم ملفات الحياة السياسية بدءا من تشكيل الحكومات وانتهاء بالدعوة إلى حجب الثقة عن رئيس الدولة.

والى جوار هؤلاء تقف كتلة "سلطة الشعب" التي يقودها رئيس الوزراء السوفياتي السابق نيكولاي ريجكوف والتي لجأت إلى تقليد "الاستعارة" من الشيوعيين لتشكيل كتلة برلمانية هي الثالثة من الكتل اليسارية في مجلس الدوما. وبفعل غياب التجانس الكامل داخل الكتلة فإنها تتخذ موافق متمايزة أحيانا عن حلفائها، فهي اقل تشددا فيما يتعلق بالقضايا الاقتصادية والأيديولوجية "الطبقية" لكنها اكثر صرامة في مواقفها من إعادة بناء الدولة الموحدة واعتراضها على توقيع معاهدات تكرس الوضع القائم بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي.

لئن كانت المجاميع الثلاث الآنفة الذكر ذات طابع تقليدي فان حركة "التراث الروحي" اعتمدت منطلقات جديدة تراعي الواقع الروسي الراهن. ويؤكد زعيم الحركة اليكسي بودبيريوزكين إن "قدرة الأمة تنبع من تراثها التاريخي" ولذا يدعو إلى خلق "أيديولوجيا وطنية تستند إلى القيم التاريخية والروحية والذهنية لروسيا والى المنجزات الثقافية والعلمية المعاصرة "وتفيد من القدرة المعنوية" للاشتراكية من دون أن يدعو إلى الاشتراكية ذاتها.

ويجدر التوقف قليلا عند هذه الحركة غير المعروفة على نطاق واسع إلا إنها تستمد أهميتها من كون زعيمها يعد واحدا من ابرز المستشارين لدى زيوغانوف ولعل الأخير يستخدم بودبيريوزكين كـ "بالون اختبار" لعملية تجديد الحزب الشيوعي وتغيير أيديولوجيته. فقائد "التراث الروحي" طرح نظرية "معارضة في النظام" بدلا من "معارضة النظام" مستندا إلى أن المجموعة الحاكمة لن تسلم السلطة عبر انتخابات ديموقراطية ولن تسمح لليسار بكسبها، ولذا فان المعارضة أمام خيارين: إما اللجوء إلى القوة وبالتالي زج البلد في حرب أهلية، أو "قضم" النظام تدريجيا من الداخل وليس إسقاطه، من دون استخدام أي شكل من أشكال العنف والقسر.

وفي واقع الحال صار "التراث الروحي" مختبرا لصنع منظومة فكرية جديدة نلمس الكثير من ملامحها في مؤلفات زيوغانوف التي أعلن فيها عمليا التخلي عن بنود تعد أساسية في الماركسية اللينينية مثل الصراع الطبقي والأممية البروليتارية ما قد يمهد لتحولات قادمة في الحركة الشيوعية ويهيئ لقيام تنظيم أو ائتلاف اشتراكي ـ ديموقراطي ذي توجه قومي ـ وطني.

بل إن هذا الائتلاف آخذ في التجسد عمليا عبر تشكيل "الاتحاد الشعبي الوطني" الذي يضم الكتل البرلمانية اليسارية الثلاث الممثلة في البرلمان والعديد من الأحزاب والتنظيمات اليسارية والقومية ويدعو إلى "سلطة الشعب وبناء دولة ديموقراطية قوية تسودها العدالة الاجتماعية".

القوميون

من المستبعد أن يحتوي "الاتحاد الشعبي" الأحزاب القومية المتعصبة مثل "المجمع القومي" الذي يقوده جنرال المخابرات السابق الكسندر ستيرليغوف. وهذا التنظيم شبه السري محدود العدد ولا يقدم بسهولة على عقد تحالفات بل انه يتهم أحزاب المعارضة بالضلوع في "تواطؤ" مع النظام. ورغم وجود تماثل في عدد من طروحاته مع أفكار اليسار وخاصة إعادة بناء الدولة السوفياتية، فان الشيوعيين لا يمكن أن يتحالفوا مع سياسي يرى إن ثورة أكتوبر كانت جزءا من "مؤامرة صهيونية ـ ماسونية" ضد روسيا.

والى يمين ستيرليغوف نشاهد تنظيمات مثل "باميات" (الذاكرة") السلافية الأرثوذكسية المناوئة لليهود والمطالبة بالعودة إلى الأصول القومية والدينية. وكانت هذه الحركة قد برزت في السنوات الأولى التي أعقبت البيريسترويكا، بيد أن انقسامات كثيرة أدت إلى تفككها وانسلاخ كتل وأفراد شكلوا تنظيمات متطرفة مثل "الوحدة القومية الروسية" التي يدعو زعيمها الكسندر باركاشوف إلى أن تكون "روسيا للروس" ويعتمد طروحات ورموزا تذكر في كثير من مقوماتها بعناصر الحركتين النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا. ويدعي باركاشوف إن حركته تضم زهاء 200 ألف عضو إلا أن المحللين يعتبرون الرقم مبالغا فيه، ورغم ذلك فان تردي الأوضاع الاقتصادية وتفشي الإجرام وغياب السلطة وعوامل أخرى تشكل تربة خصبة لنمو "الوحدة" التي صارت بعبعا لتخويف رجل الشارع ومنعت تنظيماتها في موسكو. ومن خلال حركة "الوحدة القومية الروسية" يمكن أن نشخص اقتراب القوميين من مواقع اليمين وتداخلهم معه.

اليمين

تجسد هذا التداخل في الحزب الديموقراطي الليبرالي المعروف باسم حزب فلاديمير جيرينوفسكي وهو شخصية تثير تساؤلات وشكوكا سواء في طروحاته الفكرية أو سلوكه السياسي. فهو من جهة يدعو إلى إحياء الإمبراطورية الروسية ـ السوفياتية وامتدادها شرقا وجنوبا لكي تكون حدودها متاخمة للعراق والهند ويخوض "نزالات" كلامية ضد الإمبريالية إلا انه من جهة أخرى غدا حليفا لليمين الراديكالي في اللحظات الحاسمة من تاريخ روسيا المعاصر، ولعبت كتلته البرلمانية دورا مهما في إحباط عملية حجب الثقة عن بوريس يلتسن. وقد تمكن جيرينوفسكي من توظيف صورته كسياسي "شرس" إلى حد الصلافة ليستقطب القوى الرثة والهامشية مستفيدا في الوقت ذاته من دعم السلطة و"المكافآت" التي يحصل عليها لقاء مساندة مواقفها في البرلمان.

ولم يصبح جيرينوفسكي بعد جزءا من النخبة السلطوية التي استحوذت على مقاليد الحكم منذ بداية التسعينات وجسدت اليمين المهيمن على الدولة دون أن تكون له ركائز واسعة في المجتمع. ورغم أن يلتسن رمز لهذا التيار إلا انه لم يشكل حزبا ولم ينتم إلى تنظيم بعد انسحابه من الحزب الشيوعي بل كان يعقد تحالفات تكتيكية لعل أولها ائتلافه مع "روسيا الديموقراطية" التي جمعت فلول المنشقين في العهد السوفياتي وجعلت من العداء للشيوعية عنوانا أساسيا لها إلا إنها لم تفلح في صياغة شعارات للمرحلة الجديدة.

وعلى أكتافها ظهر "الخيار الديموقراطي لروسيا" الذي شكله يغور غايدار بعد إقصائه من رئاسة الحكومة وسعى إلى تحقيق الثورة عبر مواقع السلطة وطرح أفكارا تستند إلى التجربة الأميركية في بناء المجتمع والاقتصاد. وهذا التيار الذي قاد عملية "العلاج بالصدمة" تجاوز حتى مدرسة شيكاغو الليبرالية وطبق سياسة "مونيتارية" كانت السبب الأساسي لانهيار الاقتصاد.

وتكفي الإشارة إلى أن برنامج الخصخصة الذي أعده اناتولي تشوبايس أحد عرابي "الخيار الديموقراطي" كان ينص على أن يسيطر القطاع الخاص على 93 في المئة من اقتصاد روسيا، بينما لا تزيد النسبة في غالبية البلدان الرأسمالية على 65 ـ 70 في المئة.

ويعتمد عدد من الكتاب مصطلح "كومبرادورية" في حديثه على هذا التيار. ولكن ربما كانت الكلمة الادق هي "المؤقتون" وهذا تعبير شاع في روسيا في القرن الثامن عشر كناية عن الفئات التي كان القيصر الضعيف "يقتطع" لها ولايات وتستثمر الجاه والسلطة لإغراض النهب والانتفاع دون الالتفات إلى مصالح الدولة.

فمن الأهداف التي وضعها قادة "الخيار الديموقراطي" وطبقوا جزءا منها حينما تولوا السلطة عام 1992 إغلاق المؤسسات "غير الريعية" ما أدى إلى تعطيل مرافق حيوية تنفق عليها الدولة في كل مكان، ومنها الزراعة حيث أدى حجب الدعم الحكومي أو تقليصه إلى فقدان روسيا أمنها الغذائي بعد أن صارت تستورد اكثر من 50 في المئة من احتياجاتها الغذائية. ولو تسنى لـ "الخيار" تحقيق هدفه في إطلاق حرية بيع وشراء الأراضي الزراعية لأصبحت روسيا مكبلة بأغلال الاستيراد و"مستعمرة غذائية" تستهلك ما يفيض عن الإنتاج  في دول أخرى أو توفر هناك فرص عمل على حساب مواطنيها في الداخل.

وقد آثرنا أن نتوقف قليلا عند هذا التنظيم لأنه واحد من ابرز رموز اليمين ومنه تفرعت هياكل عديدة وخاصة بعد أن استبعد، جزئيا، عن السلطة وانهارت آماله في الهيمنة على البرلمان. ورغم التعبئة المالية الهائلة والدعم الإعلامي غير المشروط لم يتمكن "الخيار" من عبور حاجز الخمسة في المئة عام 1995 وكانت تلك هزيمة مريرة لليمين وادعى أقطابه إن سببها هو تشرذم القوى "الإصلاحية" ما دفعهم إلى تشكيل كتلة جديدة باسم "برافويه ديلو" التي يمكن أن تترجم إلى "قضية الحق" و"قضية اليمين" في آن. إلا أن التلاعب بالألفاظ لا يخفي إن اليمين الراديكالي في روسيا تراجع ليفسح مجالا لتكتلات اكثر اعتدالا.

يمين الوسط والوسط

تاريخ روسيا كان صراعا بين الأحزاب والكتل المتطرفة أو المغالية، يمينا ويسارا، فيما ظل الوسط مهمشا وغائبا في فترات كثيرة. وقد حاول غورباتشوف أن يملأ الفراغ، إلا أن عزله أجهض التجربة، وبدأت المجموعات غير اليسارية بعده مساعي للابتعاد عن التزمت اليميني المتمثل في "الخيار" تمهيدا لإنشاء كتل وسطية من أهمها "يابلوكو" التي رفعت شعارا هلاميا هو "الكرامة والنزاهة والعدل" ودعت إلى إنشاء "دولة قانون تعتمد اقتصاد السوق من دون فساد أو إجرام".

ويحظي زعيم الكتلة غريغوري يافلينسكي بمساندة شرائح من المثقفين وبدعم الفئات المتوسطة ولكن مشكلته الكبرى تتمثل في أن "الإصلاحات " الكارثية قسمت المجتمع عمليا إلى فقراء وأغنياء وغيبت الطبقة المتوسطة التي قدر عدد ممثليها بستة في المئة من مجموع السكان، لكنها عادت فانكمشت بعد الأزمة المالية الكبرى صيف عام 1998.

وتزعم محافظ موسكو يوري لوجكوف كتلة "الوطن" التي أراد لها أن تجمع فلول الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية من جهة، والقوى النافرة عن اليمين الراديكالي من جهة أخرى. ولكن من الواضح إن هذا التجمع يهدف إلى تحقيق أغراض تكتيكية عشية الانتخابات البرلمانية والرئاسية ولن يتحول إلى حزب منظم ما لم يعتمد أيديولوجية واضحة المعالم.

التنظيمات المهنية

النقابات التي اعتبرها فلاديمير لينين "مدرسة للشيوعية" تحولت في العهد السوفياتي إلى هيكل بيروقراطي خامل الهدف منه احتواء أي محاولة للتململ ضد النظام القائم. وظلت هذه الصفة لصيقة بالنقابات  بعد انهيار الدولة السوفياتية، إذ أنها انتقلت بسرعة إلى خدمة النظام الجديد، ولم تصبح قوة فاعلة بذاتها، كما إن التنظيمات اليسارية فشلت في تجسير علاقات وثيقة مع النقابات.

وكانت الحركات العفوية التي قام بها عمال المناجم وقطاعات أخرى ناقوس خطر حذر القادة النقابيين التقليديين من أن سلطتهم آيلة إلى الانتهاء، فبدأ بعضهم الجمع بين العمل النقابي والسياسي، أسس اندريه ايسايف "اتحاد العمل" المتحالف مع كتلة "الوطن" إلا انه لم يتمكن من صوغ مواقف نقابية مهنية واضحة، والأرجح إن العمل النقابي ما برح أرضا بكرا تنتظر من يحرثها.

قد تلعب التنظيمات ذات الطابع "العسكري" دورا مهما في الحياة السياسية رغم أن القيمين عليها يعلنون أن دوافعهم مهنية. وكان من أوائل التنظيمات الكبرى "اخوة المقاتلين" التي أسسها قائد القوات السوفيتية في أفغانستان سابقا بوريس غروموف وضم إليها المشاركين في الحروب الإقليمية والنزاعات العسكرية المحلية ويقدر عدد المنتسبين إلى "الإخوة" بـ 70 ـ 100 ألف شخص. وبوسع هذا التنظيم أن يغدو قوة مؤثرة إلا أن غروموف حرص على إبعاده عن السياسة، وإن كان يعد "احتياطيا" للوجكوف.

وشكل اليسار تنظيما ذا أهداف سياسية واضحة هو "حركة دعم الجيش والصناعات الحربية والعلم العسكري" وإثر مقتل مؤسسها ورئيسها الأول الجنرال ليف روخلين ترأس "الحركة" النائبان الشيوعيان فيكتور ايليوخين والبرت ماكاشوف اللذان يصنفان على الجناح المتطرف في المعارضة اليسارية. ورفعت "الحركة" شعار "استنهاض الشعب للاحتجاج" وتعزيز القوات المسلحة وبناء دولة قوية، مما يجعلها وثيقة الصلة باليسار، إلا أن قادة الحزب الشيوعي يتخوفون من "راديكالية" هذا التنظيم ومن احتمال استغلاله  "كبعبع" لتخويف الناخب.

* * *

مؤسسات الأبحاث المختصة بإعداد قوائم بالأحزاب والتنظيمات العاملة في روسيا تضطر إلى إصدار طبعات جديدة مرة كل شهر. وبداهة إننا اقتصرنا على فرز "عينات" لاطلاع القارئ على صورة بانورامية للحركة السياسية المتجددة بسرعة. وقد نفترض أن عددا من الأحزاب والحركات المشار إليها سيؤول إلى الضمور وحتى التواري، وتظهر تنظيمات جديدة كإفراز لغياب الاستقرار عن روسيا.

***  

 

ميثم الجنابيهو المَوتُ، فاخْتَرْ ما عَلا لكَ ذِكْرُهُ  

فلم يَمُتِ الإنسانُ ما حَيِيَ الذِّكْرُ

لجلال الماشطة وقع في ذاكرتي خاص. فقد كان هو من بين اثنين ممن كنت اسمح لنفسي بزيارتهما. نجلس ونتحاور، أو بصورة أدق هو كان يسألني وأنا اجيب. وقد كانت الأحاديث متنوعة ومختلفة تتعلق بالتاريخ والفكر والفلسفة والتصوف والتراث والثقافة والحضارة والسياسة والأدب والفن وكثير غيرها. ولا اعرف إن كان يخطط هو لها، بفعل مهنته الصحفية التي تحبذ إعداد الأسئلة، أم لا، لكنه كان أيضا سريع البديهة. وبغض النظر عن التأويل الممكن هنا، فإن الفرق بيننا هنا هو انني لم اكن أعرف عما كان يخطط له من اسئلة. الأمر الذي كان يضفي على الحوار طابعا حيا. فقد كانت اجابتي دوما تتصف بوقع الحال وقدر المعرفة. وبعد كل لقاء كان يقول نفس العبارة. والتغير فيها يتعلق بالمدة. حيث كان يقول "ما حدثتني به يكفيني لشهر من التأمل والتفكر". وأحيانا يقول لشهرين، ومرة قال لي "تكفيني لمدة سنة". عندها اجبته "اذن نلتقي في مثل هذا الشهر من السنة القادمة!". عندها انفجر ضاحكا وقال "لا يمكنني قول تكفيني لأسبوع!".

كان هذا الحوار المعرفي مريحا لكلينا، لأنه ليس هناك ما كان بإمكانه عرقلة الحديث والأنس به. لاسيما وانه كان يعرف بأنني لا آكل ولا احب الأكل في اللقاء. بينما العراقيون يحبون الأكل في الاجتماع، بحيث اطلقوا على الوليمة كلمة العزيمة، مشوهين بذلك قول شاعرهم الأعظم

عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ     وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ

ومع ذلك تبقى العزيمة والوليمة من فضائل أهل العراق. فهم بالفعل كرماء في الروح والجسد والمأكل بشكل خاص! والعراقي يقرف من البخلاء على قلتهم! بحيث اجبرت الجاحظ بتأليف كتابه الشهير عنهم من وجهة نظر النقد والسخرية.

وعودة الى موضوعنا، فقد كان جلال في حالات نادرة يقوم بعمل الشاي لي حالما يحصل على "شحنة" من الحلويات الشامية أو اللبنانية. عندها يقدمها ويمزح بصوته الرنان "هذه مزة كبار السن والمرضى!". ويصحبها بقهقهة لا زيف فيها ولا اصطناع. وقد تكون الحسرة الخفية هي الوحيدة التي يمكن استرقاق السمع إليها في نبرة كلامه.

فقد كان جلال فيما مضى، أو اغلب حياته، قبل أن تمسكه نوبة قاتلة وهو في سفرة سياحية إلى الصين، والتي على أثرها قطع "الشرب"، محبا له. وكان مشروبه المحبب هو الكونياك. وكان يحبذ الكونياك الأرمني. وفيما يبدو لسببين، الأول هو أن الأرمني فاخر بالفعل، والثاني قد يكون بسبب زوجته الأولى الأرمنية ماجدة. وقد كانت ماجدة (ماجدولين) آية في الخلق النبيل واللطف والصوت الهادئ والحنون، شأن كونياك الماشطة. وللنادرة أذكر هنا إحدى الحوادث بهذا الصدد عندما قدم هادي العلوي إلى موسكو للعلاج من داء القصبات والرئة. عندها اتصل بي جلال على أمل التنسيق بالنسبة لموعد زيارة العلوي في الفندق (فندق الرئاسة). اذ سبق لهادي ان اتصل بي حال وصوله الى موسكو وكذلك بجلال. واتفقنا على الساعة الخامسة عصرا. وحالما التقينا وبدأ الحديث، تذكر جلال بأنه لم يشتر قنينة الكونياك. فاعتذر وغادر المكان سريعا وعادة بسرعة أكبر. وقد ابتسم هادي على هذا السلوك وانا ايضا. وقد كان العلوي عصاميا بهذا الصدد، وأنا أيضا آنذاك. لكنه كان ضروريا لجلال لأنه يشحنه بطاقة الجدل والخلاف. وقد أخذه هذا إلى عوالم الحماسة في الرد والانتقاد والتعليق على كلام العلوي، بحيث اعتبر فكرة هادي العلوي عن "المشاعية العراقية" في مساعدة المحتاجين ومهمتها السياسية مجرد فكرة ساذجة. وقد صمت العلوي ولم يرد على هذا التعليق. وتحمس جلال بحيث اعتبر آراء هادي العلوي "سذاجة سياسية". وصمت هادي مرة أخرى. لكن جلال كرر هذه العبارة من جديد، عندها انفجر هادي بطريقة لم اكن اتوقعها منه! لقد كان عنيفا في رده على فكرة "السذاجة السياسية". وصرخ بعبارة كان يمكن تحسس الألم البليغ فيها: "أنا ساذج؟ أنا الذي احمل في رأسي كل مكتبات العالم؟". لقد احرج هذا الرد جلال الماشطة لكنه تداركه بسرعة قائلا، "إنني اقصد أن فيها ملامح طوباوية. والطوباوية أيضا نبيلة الغاية". بعدها عاد الحديث إلى مجراه. لقد نسى هادي العلوي هذه التهمة بفعل قلبه الكبير وعقله الحصيف وروحه النقية. كما نسي جلال ما حدث، رغم تأسفه الشديد على ما قاله بعد أن خرجنا سوية وأوصلني الى البيت بسيارته الخاصة. لكنني واسيته بعبارات تقول، بأن الكونياك شراب يطير بالعقل والوجدان حالما يكون في موضعه، أي بين من يحبون الأكل أو يتلذذون بالجدل السياسي أو مع فتيات العمر الفائت!

لكن ما هو العمر الفائت بالنسبة لجلال؟ لا اعرفه! إذ لا فائت. لم يكن جلال مغامرا في هذا الميدان. لهذا عاش عاشقا لعمله الصحفي رغم تنقله في الزواج للمرة الثانية من روسية وثالثة من عراقية. وتوفي قبل ان يربّع لكي تكتمل الصورة الاسلامية فيه بأكمل أشكالها إثارة للسخرية العراقية. ولم يكن ذلك لأنه كان مزواجا مطلاقا. بل هكذا كان المصير والقدر بالمعنى الحياتي العادي. ولربما كان زواجه الأخير هو الموت فيما لو اطلقنا عليه كلمة مناة أو المنية.

وقد احسست أنا به عندما أتصل بي قبل حوالي أسبوعين من وفاته، بعد عودته من فترة علاج طويلة ولكن بدون جدوى. فقد كان جسده منهكا، وصوته أيضا. وطلب مني أن اوفر له متخصصا بمساج العضلات، بسبب انعدام حركته عندما كان في العلاج. ووفرت له الشخص المناسب ممن أعرفه، لكن ذلك لم يدم أكثر من يومين. بعدها ساءت صحته. وجاء الخبر عن وفاته بعد حوالي أسبوع، ولم أكن آنذاك في موسكو.

والذي يحزنني، انني لم استطع حضور جنازته ودفنه هنا في موسكو، وهو الذي هرب منها في أول فرصة سانحة وعاد إلى العراق لينخرط في لعبة سياسية ليست بذي آفاق أفضل بالنسبة له. غير أن الأمور جرت كما جرت. بل غالى مرة بالقول بعد زيارة قصيرة له لموسكو وهو في أوج "رقيه السياسي" في عراق ما بعد الصدامية، بأن الرجوع الى العراق هو محك الوطنية العراقية. وهو قول يصعب الرد عليه رغم ما فيه من إشكالية مفارقة. وحالما اختليت به، قلت له مازحا. نعم! كلامك صحيح لو توفرت لمن خاطبتهم ما توفر لك! وقد كانت تلك مزحة لكنها جدية في الوقت نفسه. وعموما، أن محك الوطنية وكل موقف سياسي أو اجتماعي أو أخلاقي هو الصدق والإخلاص بمعايير الحق والحقيقة. وما عداها مجرد أهواء ورغبات ومصالح. وهي نافعة ولكن عند حدود معينة وبمعايير ملموسة وصادقة.

لقد عاد إلى العراق يحمل هموم الرغبة والإرادة والمعاناة التي كانت تحتل حيزا في قلوب العراقيين جميعا ممن عانى من زمن الغربة لفترة طويلة. ومن ثم لم يفسح لهم الزمن والقدر تحقيق ما في أعماقهم من مصير محتمل. وأول ما انخرط فيه هو رئاسة تحرير جريدة (النهضة). وفي وقتها طلب مني كتابة المقالات الفكرية لها. وأخذ بنشرها باستمرار ثم خفف منها جدا لسببين، كما أخبرني، الأول وهو إن القارئ لا يفهم في الأغلب ما أكتبه، وإن الكتابات الفكرية بين العراقيين وعندهم شبه معدومة. ولكي لا يصاب بالحرج، من انه ينشر لي فقط، لهذا قرر تحويل الصفحة الفكرية إلى اسبوعية. وكان هو على حق. وقد رأيت بأم عيني هذه الظاهرة حالما التقيت به في مقر الجريدة بالكرادة، ومن بعدها ذهبنا إلى بيته في حي الربيع أو قرب شارع فلسطين. لا اتذكر الأسماء كما انني اجهلها. انني اعرف بصورة دقيقة الكاظمية وبغداد الجديدة، أي تلك المناطق التي ترعرت فيها سنوات طويلة. وبقيت عنده أيام قبل عودتي إلى موسكو. ولا غرابة في الأمر. إذ كان العراق بعد سقوط الصدامية كمية هائلة من الحثالة الاجتماعية والرماد الثقافي! وقد كان هو يلح عليّ دوما بالقدوم إلى العراق، على الأقل للزيارة، وعنده بيت جاهز لكنه لم يؤثثه ويمكنه تأثيثه والعيش فيه كم وكيف أريد. بل كان ينتهز كل فرصة للاتصال بي، لكي يشرح لي أهمية ما انشره في الجرائد العراقية وعلى صفحات المواقع الالكترونية من مقالات تخص الشأن العراقي. وكان هذا سلوكه على الدوام في حالات الصحة والمرض، والحضور والغياب. وأنا كنت دوما أعزه وأحبه. المقصود من وراء كل ذلك، إن جلال الماشطة كان كريم النفس إلى اقصى الحدود بمن يثق به وقريبا إليه بالمعنى المعنوي. واكشف هنا عن سر كان بيننا. ولم اقله لحد الآن لأي كان. فعندما تعرضت صحته للسوء بعد سفرته إلى الصين، تبين بأن إحدى كليتيه مصابة بالعطل. وانه بحاجة إلى عملية جراحية سريعة، ولا تخلو من الخطورة. عندها اتصل بي وبعبارة مقتضبة: "امر مهم جدا وشخصي". وعندما التقيت به (والمسافة بيننا ليست كبيرة) اخبرني بما عنده وآفاق العملية الجراحية المزمع القيام بها في لندن. وقال لي بالحرف الواحد "لا اعرف سأعيش ام لا. فإن مت فإن ابنائي أمانة بيديك. تحفظ لهم حقوقهم حتى استقلالهم الشخصي". وأدخل فيها أمواله وأشياء أخرى. وعندما قلت له، بأن ذلك يحرجني أمام ماجدة وأهلك، فرد علي قائلا "انني لا اثق في العالم بشخص أكثر منك". ولحسن الحظ، امهلته الحياة عقود أخرى من الزمن وحررتني من هذا الالتزام الثقيل بمعاني الروح والمعنى. وبلغ ابناءه حالة الاستقلال التام. وكان سعيدا بذلك. ولكل منهما صفاته إلا ان ما يجمعها الخلق الجميل والأدب والجدية في الحياة والعمل.

لقد كان يستشيرني في المواقف التي لم يكن واثقا مما إذا كان سلوكه صحيحا أم لا. واذكر هنا فقط حادثتين بهذا الصدد. الاولى عندما اقترحوا عليه العمل في جريدة (الحياة) اللندنية. اذ كان يشعر بالحرج من كونها سعودية التمويل والقيادة. لكنني كنت إلى جانب أن يعمل فيها، بوصفها أداة ووسيلة أوسع لعرض مواقفه الصحفية مما يجري من أحداث في روسيا. فالمهم ليس المكان بل الموقف. ووجد في موقفي هذا دافعها مشجعا وليس حاسما. والثانية عندما أراد الزواج بزوجته الروسية. وهنا أيدته أيضا. فقد كانت (سفيتا) شخصية ظريفة وطيبة القلب. المقصود مما اورده هنا، ان العلاقة بيننا كانت تتسم بقدر كبير من الثقة والصدق.

وعموما ان كل ما قلته وما يمكن قوله عنه بهذا الصدد هو من صفاته الفعلية. انها متأصلة فيه لأنه كان يشعر دوما بقوته وصلابته وتفوقه ولكن بدون افتخار مزيف. إذ كل ما حصل عليه كان من صنع يديه. بينما كانت هذه الصفة محل استنكار واستهجان خفي من جانب اغلب من يحتك به بالمظاهر. أما هو فقد كان أمينا مع نفسه. ولم اسمع منه قط ولو لفظة سيئة عابرة بحق أي شخص من الأشخاص. لكنه كان ينتقد ويعلق أحيانا بالطريقة التي يعتقدها هي الأصح ولكن من دون اسفاف وإسراف أو استهزاء. لقد كانت تلك سجيته، التي كانت بدورها نتاج انهماكه الدائم بالعمل وابتعاده عن ضيق المهاترات المميزة للعاطلين عن العمل من جهة، وإحساسه الداخلي بأن ما يمتلكه من قدرات تجعله "يترفع" قليلا ولكن بدون افتعال، أي أن سلوكه وردود فعله كانت تعبيرا عما فيه، كما نقول كل اناء بما فيه ينضح. والقول حقيقة، وينطبق على جلال الماشطة بالفعل.

لقد كان جلال الماشطة صحفيا ألمعيا، دقيق العبارة متفحصا للأخبار والواقع ولا يقبل بما لا فيه ارقام ووقائع وحقائق. بل هو في تصوري افضل صحفي عراقي في الاتحاد السوفيتي وروسيا. ولا يدانيه احد بهذا الصدد. كما كان جلال الماشطة عارفا باللغة الروسية على خلاف اغلب الصحفيين الآخرين. وينعكس ذلك في احد جوانبه فيما قام به من تراجم للكتب الروسية. فقد قال لي مرة، عندما جرى الحديث حول هذا الجانب، بانه ترجم سبعة وعشرين كتابا عن الروسية. واستغربت أنا من هذه الكمية، والسبب هو انني لا اقرأ التراجم العربية من الروسية، بل اعود للنص الأصلي. واكتفي هنا ببعض مما ترجمه، وهي من الكتب الكبيرة مثل كتاب نيكولاي نوفيكوف، فلاديمير فينوجرادوف: يوميات دبلوماسي في بلاد العرب، القاهرة، دار الاهالي، 1990، وكتاب قسطنطين زارودوف (الاقتصاد السياسي للثورة)، وكتاب (تاريخ العربية السعودية) لمؤلفه فاسيليف (هو وخيري الضامن)، و (انا وجدتي) لمؤلفه نودار دومبادزه، وكتاب (اسس علم الجمال الماركسي اللينيني) لمؤلفه افسيانيكوف، وكتاب (فرونزه – القوة الروسية) لمؤلفه ارخانغلسكي، وكتاب بليخانوف (دور الفرد في التاريخ) وكثير غيرها.

واذا كان هذا الانتاج الغزير والمهم مجهولا ولم يجر تقييمه لحد الآن كما ينبغي، فبسبب فوزه في مجال الصحافة والكتابة الصحفية. وهي كتابات ترتقي مع ذلك الى مصاف التحليل والنقد والتأمل والاستشراف المستقبلي لمجريات الاحداث ومسارها المحتمل، كما سيراها القارئ فيما ارفقه من مقالاته التي نشرها. انه كان يتمثل التقاليد الصحفية العربية العريقة. حقيقة انه لم يرتق الى مصاف فطاحل الصحافة العربية ونماذجها الراقية مثل فارس الشدياق ومحمد حسنين هيكل. ولهذا اسباب عديدة لا علاقة لها بكفاءة جلال الماشطة. وكان بإمكانه الارتقاء الى هذه المستويات، غير ان الرياح سارت، كما يقول المتنبي، بما لا تشتهي السفن. وهذه ليست حالته الفردية الوحيدة. لقد كانت تلك وما تزال لحد ما نتيجة الظروف الحياتية والعملية التي عانى منها اغلب الرعيل السياسي الاول للعراقيين. اذ افقدتهم الغربة وظروف العيش والحياة اغلب طاقاتهم ووجهتها ليس صوب ما كان بإمكانهم انجازه. وهذا هو على الدوام مصير الأفراد، وأحيانا الجماعات والأمم. 

وأقدم للقارئ سلسلة المقالات التي كتبها ونشرها في الكتاب الدوري (رمال) الذي كنت اترأس تحريره. فقد كان هو عضوا في هيئة التحرير الى جانب الدكتور الألمعي نوفل نيوف. ففي هذه المقالات يمكن للقارئ ان يكوّن صورة عن الكتابة الصحفية لجلال الماشطة من جهة، وكذلك الاحتفاظ بها واستعمالها كمادة وثائقية ثرية وواقعية ومجارية للأحداث الدرامية  زمن البيرسترويكا وما قبل وبعد انحلال الاتحاد السوفيتي، من جهة اخرى. كما يمكن للقارئ رؤية همومه ومواقفه السياسية المدافعة عن المصالح القومية العربية. 

وسوف انشرها على اربع حلقات، في كل حلقة مقال أو مقالان. كما توجد عندي مقالات اخرى لم استطع لحد الان تحويلهما إلى صيغة الكترونية لكي يجري نشرها. وسوف اعمل على نشرها في وقت لاحق حالما يتوفر لي الوقت للقيام بذلك.

جلال! هذا هو القدر الذي يمكنني الآن أن احي بها ذكراك! مع انك في قلب كل من أحبك.

 

ميثم الجنابي

....................

الزلزال: انهيار الاتحاد السوفياتي: الأسباب والواقع الراهن والآفاق

بقلم جلال الماشطة

 

سيارات الليموزين السوداء اسدلت ستائرها حاجبة وجوه ركابها، وانطلقت باقصى سرعة نحو محمية بيلوفيجيه وسط الغابات البيلاروسية المغطاة بثلج ديسمبر. وفي قصر الصيد الذي كان شيد للترفيه عن كبار الزعماء السوفيات اجتمع قادة ثلاث جمهوريات اشتراكية سوفياتية: الرئيس الروسي بوريس يلتسن والرئيس الاوكراني ليونيد كرافتشوك ورئيس برلمان بيلاروسيا (لم يكن فيها منصب رئيس الجمهورية) فياتشييسلاف شوشكيفيتش. وبعد مناقشات لم تستغرق سوى ساعات وّقع ليل 6/7 كانون الأول (ديسمبر) عام 1991 اتفاق يقضي بتفكيك الدولة السوفياتية. 

هكذا، بجرة قلم، اعلن عن إلغاء كيان يمتد تاريخه مئات السنين ويحتل سدس اليابسة من العالم. هكذا، بقرار قسري، قلبت موازين القوى والمعادلات الاستراتيجية، وتجوهلت ارادة الشعب السوفياتي الذي كان قبل تسعة اشهر فقط صوت لصالح بقاء الدولة الموحدة.

فهل كانت هذه الدولة قائمة، كما يقال الآن، على ارجل من طين فانهارت بمثل هذه السهولة، ام انها حملت بذور انهيارها وكانت بيلوفيجيه تكريساً لأمر واقع؟ ما هي العوامل الموضوعية التي أدت الى التفكك وما هو تأثير العامل الخارجي؟ هذه وغيرها من التساؤلات تطرح اليوم ليس لمجرد معاينة واحد من اهم احداث القرن العشرين، بل ان الاجابة عليها تمهد لوضع تنبؤات عن مستقبل رابطة الدولة المستقلة وركيزتها الاساسية: الاتحاد الروسـي، مع كل ما يترتب على ذلك من تأثيرات في الاوضاع الاقليمية والعالمية.

ولا ندعي ان هذه المقالة يمكن ان تجيب على كل هذه التساؤلات إلا انها يمكن ان تكون بمثابة رؤوس اقلام لتسليط اضواء اولية على معضلة كتب وسيكتب عنها الكثير من الدراسات المطولة.

استعمار؟ احتلال؟ امتداد؟

الشعوب السلافية او «الصقالبة» كما سماهم العرب القدماء، هي المكون الاساسي لما عرف بالاتحاد السوفياتي ومن قبله الامبراطورية القيصرية؛ التي كانت نواتها الأولى، كدولة، تشكلت فيما عرف بـ «روس كييف». وعلى امتداد التاريخ شهدت هذه المنطقة مراحل مد وجزر، فانكمشت وخضعت للاحتلال ابان الغزو التتري المغولي، أو اثناء غزوات الفايكينغ واجتياحات البولنديين، وامتدت شمالاً وشرقاً أثر حملات يرماك الذي سيطر عملياً على سيبيريا كلها. والحقت بالامبراطورية مناطق ما وراء النهر (آسيا الوسطى حالياً) والقوقاز؛ بقوة السـلاح تارة وبمعاهدات جائرة او منصفة جزئياً تارة اخرى. وعشية الحـرب العالمية الأولى كانت الامبراطورية تشمل رقعة تمتد من بولنده غرباً الى تخوم اليـابان والصين شـرقاً من فنلنده شمالاً الى القوقاز وآسيا الصغرى جنوباً.

وكان احتلال الاراضي واستيطانها واقعاً اكيداً يحمل طابعاً استعمارياً واضحاً، ولكن خلافاً للدول الاستعمارية الاخرى، مثل بريطانيا وفرنسا والبرتغال وهولنده، كانت الاراضي المحتلة امتداداً جغـرافياً للمتروبوليا وسكنتها جاليـات روسـية كبيـرة تخـالطت مع السـكان الاصليين وكانـت احيـاناً تحكم مستندة الى النخب الاثنية الاصلية.

والعامل الاخير لم يمنع قيام انتفاضات تحريرية مثل حركة الأمام شامل الذي اراد انشاء  «دولة الامامة» الممتدة من بحر قزوين الى البحر الاسود حيث تسكن اغلبية مسلمة. ونشأت حركات قومية في العديد من المحافظات في روسيا التي كانت مقسمة ادارياً الى وحدات اقتصادية ـ سياسية وليست اثنية.

وكان الشعور بالحيف القومي عاملاً دفع عدداً من القادة المحليين الى موالاة ثورة البلاشفة ضد الحكم القيصري أملاً في الحصول على كيانات قومية مستقلة في ضوء دعـوة لينين الى حق الأمم في تقرير مصيرها بما في ذلك حقها في الانفصال. وتحقق ذلك لبولنـده وفنلنـده، ولكن عملية التفكك توقفت بعد انتهاء الحرب الاهلية (1921) وبدأت مرحلة التجميع القصري او الطوعي. وقبل ذلك اقر البلاشـفة بمبدأ التقسيم القومي للدولة بكل ما ترتب على ذلك من سلبيات وايجابيات لاحقاً.

وفي اواخر عام 1922 وقعت الجمهوريات السلافية الثلاث، روسيا واوكرانيا وبيلاروسيا، وجمهوريات ما وراء القوقاز (ارمينيا وجورجيا واذربيجان) معاهدة انشاء اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية.

وبفعل عوامل عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر اعتماد الالحاد سياسة رسمية للدولة، تأخر التحاق آسيا الوسطى بالدولة الجديدة بل ان هذه المنطقة، شهدت حرباً ضارية في اطار ما سمي بحركة البصماتش ذات الطابع الديني ـ القومي.

وبدلاً من سياسـة الاقنـاع والتراضي لجأ ستالين الى القوة لارغام سكان الامبراطورية القيصرية سابقاً على الاذعـان للواقـع الجديد والالتحاق بالاتحـاد السوفياتي.

وخلافاً للدولة القيصرية جرى تقسيم الاتحاد السوفياتي على اساس قومي ـ جغرافي ومنحت الجمهوريات الاتحادية حقاً (شكلياً) في الانفصال ولكنه حجب عن الجمهوريات التي تتمتع بحكم ذاتي داخل كل من الكيانات الاتحادية الخمسة عشر.

وحققت الاطراف، وخاصة المتخلفة منها، نهضة اقتصادية ولحق بعض منها بركب الصناعة وبدأت حملة شاملة لمحو الامية. إلا ان ذلك ترافق مع اضطهاد غير معلن تمثل في ارغام جميع القوميات (باستثناء الجورجيين والارمن) على اعتماد الابجدية السلافية؛ مما احدث انقطاعاً خطيراً في التواصل الثقافي ولم يعد الاوزبكي، مثلاً، قادراً على قراءة كتب ألفها اسلافه قبل سنوات.

وعلى غـرار ما جرى في المسـتعمرات «التقليدية» تكونت في المناطق القومية داخل الاتحاد السوفيـاتي نخب راغبة في اقامة وقيادة دول مستقلة ليست تابعة لمركز واحد، إلا ان جزءاً من هذه النخب اصبح بحكم انتمائه الى الحزب الشيوعي وحصوله على المواقع المتقدمـة في الجمهوريـات، عدوا للحركات القومية المحلية. وهذا التنـاقض انفجر، كما سـنرى لاحقاً، في السـنوات الاخيرة في عمـر الاتحاد السوفياتي.

ورغم ان السكرتير الأول للتنظيم الشيوعي في كل من الجمهوريات القومية كان من اصل محلي الا ان التقليد غير المعلن كان ينص على ان يليه (من حيث الترتيب وليس الاهمية) مسؤول روسي او «منتدب» من المركز.

وهذا «القوميسـار» كان شوكة في عيون النخب المحليـة وفي الوقت ذاته عيناً عليها، ما خلق استياء مكبوتاً لدى القيادات ومعلناً في القاعدة. وغدت سياسة «الترويس» ظاهرة شائعة في السبعينات ويكفي ان نشير الى ان كالميكيا، مثلاً، لم تكن فيها مدرسة واحدة باللغة المحلية، او ان المكاتبات الرسمية في الجمهوريات كانت بالروسية.

ووصل الأمر احياناً حد المفارقات المضحكة المبكية، إذ ان اللجنة العليا لفحص الشهادات الزمت طلبة الدكتوراه بان يقدموا اطروحاتهم باللغة الروسية حتى وإن كانت تعالج... اشكالية في اللغة الارمنية. كل ذلك خلق نفوراً من المركز واستياء من الروس ونقمة على الايديولوجيا.

ومع بداية البيريسترويكا بدأ المرجل يفور تهيئة للانفجار، ولم يفلح ميخائيل غورباتشوف في ايجاد التوازن الذي يمكن ان يحفظ حقوق القوميات ويدرأ خطر التفكك في الوقت ذاته.

ورغم ذلك كان الاستفتاء الذي جرى في اذار (مارس) عام 1991 اثبت ان 75 في المئة من سكان الاتحاد السوفياتي ايدوا بقاء الدولة الموحدة «في صيغة جديدة» معبرين بذلك عن رغبتهم في تغيير دونما تمزيق.

ولكن القيادة في موسكو بدأت تفقد السيطرة وبدأت «حرب القوانين» باعلان عدد من الجمهوريات ان التشريعات السوفياتية لا تسري في اراضيها. وقد يبدو من المفارقة ان المبادرة في هذا السياق انطلقت من... روسيا رغم انها كانت المحور الاساسي للدولة الاتحادية.

واقر مؤتمر نواب الشعب الروسي «لائحة السيادة» والتي حصلت على اغلبية مطلقة من الاصوات حيث ايدها الليبراليون الموالون للغرب والشيوعيون المنتمون الى الحزب الذي قاده ايفان بولوزكوف، وقد انطلقت الكتلتان من مواقع متباينة واهداف مختلفة، فالليبراليون بقيادة يلتسن كانوا يريدون زعزعة كيان الدولة واسقاط غورباتشوف، والشيوعيون المحسوبون على الخط المتشدد حاولوا اقصاء غورباتشوف ولكن ... للحفاظ على الدولة.

واياً كانت المقاصد فان تحالفاً فعلياً قام وحقق هدفه الاساسي بهز الكرسي من تحت الرئيس السوفياتي الذي كان حائراً وضعيفاً ازاء الزخم العارم للاحداث.

ووجدت الصراعات الفوقية تربة خصبة في الشارع بسبب تخبط المركز الفيدرالي وما نجم عن ذلك من تأزم اجتماعي زاد من حدته اختفاء المواد الغذائية. واستطراداً تجدر الاشارة الى معلومات ظهرت لاحقاً واكدت ان الاغذية كانت موجودة بكميات كبيرة في المستودعات وان «تغييبها» كان يستهدف غرضين الاول سياسي وهو زعزعة الوضع في الاتحاد السوفياتي والثاني نفعي يتمثل في الحصول على ارباح من طـرح البضائـع بعد ارتفـاع اسعارها عدة اضعاف اثر اطلاق «الاصلاحات» الغايداراية.

ولوقف الانهيار بدا غورباتشوف اعداد المعاهدة الاتحادية الجديدة التي وافق عليها قادة اثنتي عشرة جمهورية (تحفظت عليها او رفضتها استونيا وليتوانيا ولاتفيا) وكان من المفترض ان توقع في 20 آب (اغسطس) عام 1991.

وفي رسالة سرية نشرت فيما بعد اشار رئيس مجلس السوفيات الاعلى انذاك  اناتولي لوكيانوف الى ان المعاهدة المقترحة تعني عملياً انهيار الدولة الموحدة وسجل اعتراضه عليها. وكانت افكار لوكيانوف محوراً اساسياً التف حوله قادة «لجنة الدولة لاحوال الطوارئ» التي اعلنت قبل يوم واحد من موعد التوقيع تنحية غوراتشوف بحجة مرضه وحولت المهمات الرئاسية الى نائبه غينادي يانايف.

وضمت اللجنة، الى جانب يانايف، كلا من رئيس الوزراء ووزيري الدفاع والداخلية ورئيس جهاز «كي.جي.بي» أي حاملي المفاتيح الاساسية للسلطة. إلا ان الحركة اخفقت في السيطرة على الاوضاع بفعل اضطراب داخلي فيها ولغياب الشرعية عنها واحجام الشارع عن دعمها.

واثر فشل الحركة واعتقال قادتها اصبح يلتسن الحاكم الفعلي للبلد وهُمش دور المركز وتعاظمت وتائر التشرذم التي بلغت ذورتها باعلان جمهوريات البلطيق الثلاث انفصالها.

وغدت الفترة الممتدة بين آب وكانون الاول مرحلة فوضى سلطوية كاملة فرئيس الدولة السوفياتية يصدر ايعازات يلغيها رئيس روسيا الاتحادية ورؤساء الجمهوريات الاخرى. وقادة اجهزة الامن والدفاع والداخلية يتلقون الاوامر من مركزين وتعطل عملياً نشاط الحكومة المركزية. ورغم ضعف غورباتشوف وفقدانه العتلات الرئيـسية للقـرار فانه ظـل في نظـر يلتسـن عقبـة تمنـع تحقيـق طموحه الى التربـع على عرش الكرمليـن، واصـبحت تنحيته رسـمياً الهدف الاول للرئيس الروسي.

وابتدع مساعدو يلتسن، وفي مقدمتهم «الايديولوجي» غينادي بور  بوليس الشخص الثاني من حيث الاهمية آنذاك، و«العراب» سيرغي شاخراي البارع في حياكة الدسائس، ذرائع لتبرير هدم الدولة الموحدة.

وشبه بوربوليس روسيـا الاتحـادية بانها قاطرة ينبغي ان تجر العربات ـ الجمهوريات، ولكنها غير قادرة في ظل اوضاعها على اداء المهمة، ولذا يجب فصلها كي تنطلق بسرعة وبعد ان تستعيد عافيتها وطاقاتها تعود لسحب العربات الاخرى. هذه الكناية التي لا تصمد أمام أي تحليل موضوعي كانت مجرد ستار لما جرى في بيلوفيجيه ليلة 6/7 كانون الأول (ديسمبر) من انتهاك للشرعية الدستورية والتاريخية. فمن الناحية القانونية كان الدستور السوفياتي ينص على حق كل جمهورية في الانفصال إلا انه لا يمنح اياً منها حق الاعلان عن الغاء الدولة الموحدة. والى ذلك فـان المتجمعين في غابات بيلاروسيا كانوا يمثلون ثلاثاً من اصل خمس عشرة جمهورية وبالتالي فانهم اقلية عددية رغم كون الجمهـوريات السـلافية تضـم اكثر من نصـف سـكان الاتحـاد السوفياتي.

وغدا الاجتماع الذي عقده رؤساء تسع جمهوريات في العاصمة الكازاخية الما آتا في 22 كانون الاول (ديسمبر) مجرد تحصيل حاصل واقراراً بالواقع المر الذي جرت «تحليته» باعلان قيام رابطة الدول المستقلة التي ظهر لاحقاً انها كيان هلامي لا قيمة حقيقية له. وبعد هذا الاجتماع اعلن غورباتشوف استقالته رسمياً ومنح مهلة ثلاثة ايام ليجمع اوراقه ويلملم متاعه في الكرملين، لكن يلتسن لم يطق الانتظار فاوعز الى مساعديه بطرد غورباتشوف في أول ليلة ونكس العلم السوفياتي فوق قبة الكرملين ايذاناً بانتهاء حقبة كبرى في التاريخ.

أثمرت حنظلاً

جسد المريض لا يعالج بتقطيع اوصاله، وكل من القطع المجتزأة لا يمكن ان يحيا بمفرده. وإذا افترضنا ان الاتحاد السوفيـاتي كان كياناً مفتعلاً (وهو افتراض بعيد عن الدقة كل البعد) فان تغيير هيكليته كان يقتضي مقارنة متأنية ودراسة مستفيضة، وتكفي الاشارة الى ان «الطلاق المخملي» بين تشيخيا وسلوفاكيا استغرق سنوات ولم يكتمل فصولاً بعد.

فقد «اهمل» الموقعون على اتفاق بيلوفيجيه قضايا غدت محاور لصراعات عنيفة كالخلاف على شبه جزيرة القرم التي كانت جزءاً من روسيا وعنواناً لمجدها العسكري طوال قرون ولكن الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف قدمه «هدية» الى اوكرانيا عام 1954. ولكن الحدود بين الجمهوريات في الزمن السوفياتي كانت ادارية ـ رمزية لا قيمة فعلية لها ضمن الدولة الموحدة، في حين ان تفكيك الدولة كان يقتضي معالجة جدية لهذا الموضوع.

وعلى الصعيد الانساني فان المولدافي الذي درس في روسيا وعمل في جورجيا وتقاعد في كازاخستان لا يعرف الى أي بلد ينتمي ومن الذي سيدفع له معاشه التقاعدي. ومصنع الالومنيوم الضخم المقام في طاجكستان كان مفخرة للجمهورية إلا انه تعطل لانه كان يستلم مواده الاولية من روسيا ويبيع السبائك الى بيلاروسيا، واصبحت هاتان الجمهوريتان دولتين مستقلتين يفرض كل منهما قيوداً جمركية على حركة الخامات والبضائع. كيف يمكن مطاردة المجرم الذي يرتكب جنايته في اذربيجان ويهرب مستغلاً «شفافية» الحدود الى اوزبكستان فلا يقع تحت طائلة القانون فيها؟ كل هذه التساؤلات بدت «تافهة» ازاء الهدف الاساسي الذي توخاه دعاة هدم الدولة بالصورة القسرية التي جرت وفقها.

ثبتت دراسة اعدها مجلس السياسة الخارجية والدفاعية في روسيا اهم ما اسفر عنه التفكيك. ونوجزها بثلاث نقاط وهي

أولا: انحلال الروابط الاقتصادية التقليدية بين الجمهوريات ادى الى انخفاض حاد في الانتاج تراوح بين 50 و80 في المئة، وتعمقت الكارثة بسبب اختلاف سبل وتوجهات التنمية الاقتصادية وصعوبة التكامل الذي تعترضه عقبات سياسية ـ نفعية.

ثانيا: انهيار الوحدة الزراعية بعد ان كانت آسيا الوسطى المصدر الاساسي لتزويد سائر المناطق (باستثناء روسيا واوكرانيا) بالمحاصيل والمواد الغذائية، والجمهوريات الآسيوية بدورها عانت من نقص المواد المصنعة.

ثالثا: انهيار القدرة على «المناورة» بالموارد المالية والانتاجية والطبيعية، وتكفي هنا الاشارة الى ان عواقب الزلزال الذي هدم العاصمة طشقند عام 1966 تم تلافيها بسرعة بفضل حشد جهود جميع الجمهوريات.

على الصعيد السياسي

بدأت عملية تغير اساسي في موازين القوى العالمية والاقليمية وتوفرت ظروف لاشتعال الحروب الاقليمية والنزعات المحلية.

 فقدت كل الدول، وفي مقدمتها روسيا، الامكانات المتوفرة لها سابقاً في الدفاع عن مصالحها. (نشير استطراداً الى ان القوات الاساسية كانت منتشرة على حدود الاتحاد السوفياتي، أي خارج روسيا، وظل القسم الاكبر منها في مواقع المرابطة دون ارتباط بمركز موحد، وتحتاج الجمهوريات الى مليارات الدولارات لاقامة شبكات حدودية قوية).

بقاء الملايين من ابناء الاثنيات الاخرى في جمهوريات لا ينتسبون اليها قومياً. وقدر عدد الروس المنتشرين في رابطة الدول المستقلة بـ 20—25مليوناً، اما العدد الاجمالي للسكان غير الاصليين فيصل الى 50—55مليوناً، بكل ما يترتب على ذلك من مشاكل قومية ونزاعات بين الدول.

عدد من الجمهوريات لم يكن يملك مقومات الدولة وعليه ان يعمل على بنائها من الصفر عملياً مما يديم عدم الاستقرار، ويخلق ممهدات لتفكك جمهوريات وقيام دول اخرى وانسلاخ اجزاء وضمها الى قوى اقليمية ودولية.

هل كانت عملية التفكيك سلبية بالمطلق ام ان فيها عناصر ايجابية؟ الاجابة الوافية لدى التاريخ ولكن من المؤكد ان النخب القيادية في الجمهوريات وجدت في الاستقلال متنفساً لطموحاتها القومية والذاتية وفسحة للعمل الميداني من دون وصاية من المركز. فسياسة الترويس والترويض الايديولوجي كانت تقيد الفكر والحركة في الجمهوريات، كما في روسيا ذاتها.

ورغم ذلك فان الطموح الى التكامل حاضر في جميع ارجاء الاتحاد السوفياتي السابق بدرجات متفاوتة، فهو قوي في بيلاروسيا ومتدنٍ في البلطيق.

ولم يترجم هذا الطموح عملياً في رابطة الدول المستقلة التي اصدرت حتى الآن اكثر من 1200 قرار ظلت غالبيتها الساحقة حبراً على ورق. وجوبهت محاولة البرلمان الروسي الذي يهيمن عليه اليسار لاستصدار قانون يلغي اتفاقيات بيلوفيجية بمقاومة ضارية في موسكو وفي العواصم الاخرى، رغم ان القانون كان مجرد اعلان نوايا لا تترتب عليه تبعات عملية. ويتفق المحللون على ان صدور مثل هذا التشريع عن جمهورية، او جمهوريات، غير روسيا كان سيدفع التهم المحتملة بـ «عوة الاستعمار» ويهيئ مناخاً تكاملياً حقيقياً.

الى الوراء نحو المستقبل!

ثمة عوامل كثيرة تعيق عملية التكامل وتعزز النزعات النابذة للمركزية، واخرى غير قليلة تدفع في اتجاه التقارب والتعاون.

ويأتي في صدارة المجموعة الاولى العامل الخارجي. فالولايات المتحدة التي غدت القوة الاعظم الوحيدة في العالم لا تريد، بالتأكيد، قيام دولة قوية تغدو محوراً منافساً لها، خاصة وان واشنطن لعبت دوراً كبيراً في انهاك الاتحاد السوفياتي بسباق التسلح المضني وطوقته بحصارات عسكرية واقتصادية وايديولوجية وعملت في داخله على زعزعة الوحدة الداخلية وتنشئة ودعم نخب موالية للغرب هيمنت على السلطة في موسكو لاحقاً.

وكانت خطة هدم الدولة «المعادية» ظهرت في الولايات المتحدة قبل اكثر من خمسين عاماً. ونستميـح القارئ عذراً في ايراد مقطع مطـول من تقريـر رئيس وكالة المخابرات المركزية (C.I.A.) سابقاً الآن دالاس، اعده قبل اشـهر من انتهاء الحرب العالمية الثانية، أي حينما كـانت بـلاده داخلة في تحالف مع الاتحاد السوفياتي. فهو يقول:

«... سوف تنتهي الحرب وتهدأ الامور وتستقر على نحو ما. وحينذاك سنزج بكل ما نملك، بكل الذهب والجبروت المادي، لغسل عقول الناس. عقل البشر ووعيهم قابلان للتغيير. وباثـارة الفوضى سـوف نعمل خفية على اسـتبدال القيم (الفعلية) باخرى مـزيفة ونرغمهم على ان يصـدقوا بها. كيف؟ سنجد لنا انصـاراً وحلفـاء داخل روسيا.

ولمحة اثر اخرى سوف تكتمل مشاهد تراجيديا كبرى من حيث ابعادها، تراجيديا مصرع شعب رفض الخنوع، وضمور وعيه بذاته. وسنطمس تدريجياً من الادب والفن جوهرهما الاجتماعي (...) وسيسخر الادب والمسرح والسينما لعرض وتمجيد اخس الاحاسيس البشرية. وسندعم بكل سبيل ووسيلة «الفنانين» الذين سيزرعون ويبشرون بالجنس والعنف والسادية والخيانة، أي باختصار كل ما يسمى باللااخلاق. وفي ادارة الدولة سنخلق الفوضى والاضطراب.     

وبشكل غير ملحوظ ولكن نشيط، سوف نسعى على تفشي التغطرس والارادوية لدى الموظفين والمرتشين. وستظهر البيروقراطية والمماطلة وكانهما من الفضائل. اما النزاهة والامانة فستكونان موضع سخرية ويتحولان الى مخالفات من الماضي. في حين ان الصلافة والوقاحة والكذب والخداع وادمان الكحول والمخدرات والخوف الحيواني المتبادل بين الناس وغياب الحياء وانتشار الخيانة والعداء بين الشعوب، وخاصة العداء للشعب الروسي، كل ذلك سنعمل، بمهـارة ودون ان يلحظ ذلك احد، على زرعه وازدهاره.

القلائل، قلائل جداً، سوف يحدسون او يفهمون ماذا يجري. ولكن سنضع هؤلاء في وضع العاجزين ونحولهم الى مسخرة ونجد اسلوباً للافتراء عليهم واعلانهم نفايات للمجتمع. وسوف ننزع الجذور الروحية ونبيد اسس الاخلاق الشعبية. وبذا سوف نزعزع جيلاً اثر جيل. وسنتعامل مع البشر منذ طفولتهم وصباهم، وسيكون رهاننا الرئيسي متركزاً على الشباب، وسنعمل على ان نجعلهم كسموبوليتيين سنصنع منهم اجلافاً وقحين متفسخين منحطين».

هذا التقرير نشر في صحف روسية، ورغم اثارة تساؤلات عن صحته فان ما ورد فيه ينطبق الى حد كبير على واقع الحال.

وخلافاً للولايات المتحدة فان عدداً من القيادات الاوربية يرى في روسيا حليف محتملاً للحد من النفوذ المتعاظم لواشنطن، غير ان الدول الاوربية لا تريد، بالتأكيد عودة روسيا الى جبروتها السابق.  

وتستخدم الدول المذكورة، وخاصة الولايات المتحدة، كتلات متعددة لعرقلة التكامل، كالضغط السياسي المباشر وتوسيع حلف الاطلسي وتوظيف قروض صندوق النقد الدولي لاغراض سياسية، ورسم مسارات لخطوط انابيب النفط والغاز من حوض بحر قزوين الى الموانئ التركية او حتى الباكستانية.

ويتضافـر ذلك مع عـوامل داخلية من ابرزها التباين المتزايد في المستويات الاقتصادية ومعـدلات النمو (او بالاحرى وتائر الانكماش). وهذا التباين فعلي احياناً ومفتعل في حالات اخرى إلا انه يعيق موضـوعياً تحقيق تكامل اقتصادي ـ سياسي سريع.

ولا شك ان النخب في الجمهوريات ليست متحمسة لقيام كيان تكاملي قد يحد من صلاحياتها شبه المطلقة حالياً، ولذا فانها تغذي المشاعر الانعزالية.

ورغم ان المواطن العادي، في الغالبية الساحقة من الجمهوريات، يشعر تحت وطأة الاوضاع الراهنة القاسية بحنين الى الماضي السـوفياتي، إلا انه لن يقـف فوراً الى جانب تكامل جديد وخاصة مع روسـيا الضعيفة اقتصـادياً والمترفعة قوميـاً في آن واحـد، حيث يتعرض ابناء القومـيات الاخرى الى اضـطهاد سافر او مستتر في موسكو.

ولكن العامل الاقتصادي الذي يشكل الآن موطن الضعف وأحد اهم اسباب التشرذم قد يصبح في الوقت ذاته دافعاً للتكامل. اذ ان هو انخفاض الانتاج وتدني نوعيته وبالتالي تقليص قدرته التزاحمية في العالم يجعل من بلدان الرابطة اسواقاً متبادلة لبعضها البعض، وهذا التوجه يعززه وجـود تطابق في القاعدة الصناعية واساليب الادارة والتسويق.

ومن الناحية السياسية ـ الدفاعية سيجد عدد من دول الكومنولث نفسه ازاء معادلة معقدة: فاما تكوين تحالف حقيقي او الانضواء تحت مظلة قوة دولية خارجية او التعرض الى خطر الانهيار الداخلي.

ولذا فان التكامل سيغدو تدريجياً محركاً اساسياً للاوضاع الداخلية في كل من الجمهوريات وقد يؤدي الى تغيير الهرم السلطوي في كل منها. وهذه الظاهرة ملموسة في روسيا حيث ادى الفشل الذريع لسياسة «الاصلاحات» إلى نقمة على قادتها الذين كانوا في الوقت ذاته دعاة التفكيك ومحركيه. بل ان روسيا في عهدهم امست نفسها مهددة بالانهيار بعد ان كان يلتسن دعا الجمهوريات الى ان «تأخذ من السيادة ما استطاعت ان تهضم» لكنه ما لبث ان جهز حملة عسكرية كبرى ضد جمهورية الشيشان التي ارادت تطبيق مقولته حرفياً.

وهزيمة «الإصلاحيين» في روسيا ترسي بداية تحولات كبرى في الفضاء المتخلف عن انهيار الاتحاد السوفياتي. وفي حال تمكن القيادات الجديدة، او التي تتبع نهجاً جديداً، من وقف الكارثة الاقتصادية ووضع استراتيجية واضحة فان التكامل قد يصبح، في غضون سنوات، واقعاً فعلياً.

وكما كانت روسيا قد قادت عملية التفكيك فانها قادرة على تزعم حركة في الاتجاه المعاكس وتكوين نواة تضم الجمهوريات القريبة منها جغرافياً او اقتصادياً. وقد يبدأ التقارب بعلاقات على النمط الذي تشهده اوربا حالياً، ثم يتحول تدريجياً الى كونفيدرالية تضم روسيا وكازاخستان وقرغيزيا وطاجكستان وارمينيا. وبفعل عوامل قومية (الطموح الى التوحيد مع رومانيا) يحتمل ان تتخذ مولدافيا موقفاً حذراً من الكيان الجديد، ولدوافع اخرى قومية واقليمية ستحذو جورجيا حذوها. وستكون العلاقة معقدة مع اوكرانيا، فهي ثاني اكبر جمهورية بعد روسيا (52 مليون نسمة) ما يؤهلها لان تكون دولة اوربية قوية ولكن اعتمادها على المحروقات الروسية والنزعات السلافية الموجودة داخلها قد تدفع في اتجاه التقارب مع الكيان الجديد.

الوضع اكثر تعقيداً بالنسبة لاذربيجان وتركمانيا الغنيتين بالنفط والغاز واللتين اصبحتا في «دائرة النفوذ» الغربية وقد تقتصر علاقاتهما مع الكونفيدرالية الجديدة على صلات جمركية وتبادل تجاري واسع النطاق.

وتحقيق التكامل يقتضي في المقام الاول استقراراً سياسياً وتحركاً اقتصادياً في اتجاه الابتعاد عن الهاوية، وتهيئة نفسية هادئة ومدروسة.

وفي مطلق الاحوال فان عودة الاتحاد السوفياتي في صورته القديمة امر مستحيل ولو حصل (باستخدام القوة مثلاً وهو مستبعد) لكان ذلك قسراً ضد التاريخ شبيهاً بالقسر الذي مارسه موقعو اتفاق بيلوفيجيه. 

***

 

 

 

شاكر فريد حسنمرت خمس سنوات منذ أن غادر الحياة وانتقل إلى العالم الآخر شاعرنا الفلسطيني الكبير سميح القاسم، ابن بلدة الرامة الجليلية، بعد مسيرة زاخرة بالنضال والابداع والحياة والعطاء اللامحدود في خدمة قضايا شعبه الوطنية .

وسميح القاسم هو أحد أبرز واهم وأشهر الشعراء الفلسطينيين، ارتبط اسمه بشعر الثورة والمقاومة والالتزام الوطني والطبقي، وتركزت أشعاره حول الهم والجرح الفلسطيني النازف والمأساة الفلسطينية المتواصلة وكفاح أبناء شعبه التحرري الاستقلالي .

سميح القاسم من مواليد الزرقاء الاردنية العام 1939 لعائلة فلسطينية من قرية الرامة، تعلم الابتدائية في بلده، وانهى الثانوية في الناصرة، بعدها سافر الى الاتحاد السوفييتي لمدة عام، حيث درس اللغة الروسية والفلسفة والاقتصاد، ثم عمل مدرسًا لفترة قصيرة، بعدها اخرط في العمل الحزبي والنشاط السياسي من خلال عضويته في الحزب الشيوعي، وعمل سنوات طويلة في الصحافة الشيوعية " الاتحاد " و " الجديد " و " الغد "، ثم تفرغ للكتابة الأدبية وعمل رئيس تحرير صحيفة " كل العرب " الأسبوعية، وترأس اتحاد الكتاب العرب والاتحاد العام للكتاب والادباء الفلسطينيين في الداخل.

اعتقل سميح القاسم وزج به في غياهب السجون والزنازين، وفرضت عليه الاقامات الجبرية على خلفية نشاطه ومواقفه الوطنية والكفاحية، لكن ذلك زاده تفولذًا وايمانًا أكثر بطريقه السياسي والنضالي، وتمسكه بقضايا شعبه والتزامه الوطني .

صدر لسميح القاسم أكثر من ستين كتابًا في الشعر والقصة والمقالة والرسائل والمسرح والترجمة، وصدرت أعماله الناجزة في سبعة مجلدات عن دور نشر مختلفة في الدخل والخارج .

 ولفتت تجربته الشعرية والأدبية أنظار الكثير من النقاد المعاصرين على اختلاف اتجاهاتهم، فتناولوها بالتحليل والنقد والدراسة، وصدرت العديد من المؤلفات والدراسات النقدية والبحثية حول سيرته وأعماله ومنجزاته .

قدّم سميح القاسم الكثير للأدب الفلسطيني والعربي والكوني، واشتهر بأشعاره الوطنية والثورية والغنائية، وبإضافاته للتجارب الشعرية من خلال السربيات والكولاجات والبنى المركبة وبأدوات الاوزان الكلاسيكية والتفعيلات والمقاطع النثرية وعصرنة الايقاع الكلاسيكي حتى في قصيدة التفعيلة وتحديث الجناس .

ارتبطت تجربة سميح القاسم بقضية شعبه ووطنه وأمته، وأعماله الشعرية هي خلاصة علاقته الفردية بالكون كله وليس بمساحة محدودة في الجغرافيا، وهو شاعر قضية، وجماليات شعره جزء لا يتجزأ من جماليات الصوت والفكرة والروح التي ميزت هذه القضية.

ومضامين سميح القاسم على الأغلب هي مضامين فلسطينية وقومية إنسانية، وتعامله مع الأرض بقدر تعامله مع التاريخ والتراث .

قصائد سميح مشحونة بالتمرد والرفض والثورة ومراجل الغضب، والمواجهة الساخنة هي لغته، ومواجهة التحدي يحتشد لها بأدق التفاصيل واخفاء الايماءات، ويصنع نسيجه الشعري من لغة بسيطة متحررة، حادة المواجهة، شديدة الولع بالوصول إلى مضايق الاشياء، لتحرك وتحرض وتثوِّر .

ونجد في شعره العودة الى الماضي والانطلاق منه مع حركة التاريخ وصيرورته إلى المستقبل في رؤيا أسطورية يرى فيها عروبته وانسانيته، ويرى المستقبل فردوسً أرضيًا من تكوين يديه .

وللقرآن والتوراة والانجيل حضورًا بارزًا في الكثير من نصوصه، لغة ورموزًا، وتأخذ النبوءة والاساطير اهتمامًا في بنية قصيدته، تتحول فيه على بناء تكويني مفعم بعناصر العمل الملحمي .

والموت من المصطلحات والموتيفات البارزة في قصائد وأعمال سميح القاسم الشعرية، وحتى في عناوين مجموعاته مثل : الموت الكبير، قرآن الموت والياسمين، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، والهي الهي لماذا قتلتني، وهذا نابع من الثكل الذي عاناه في حياته، ومأسي شعبه ومشاهد الشهداء الذين يتساقطون يوميُا . ولا ننسى مقولته " لا احبك يا موت لكني لا اخافك " .

سميح القاسم من أبرز الرموز والاصوات الشعرية الفلسطينية والعربية المعاصرة، التصق اسمه بمأساة ومعاناة وهموم شعبه، منذ بداياته مزج بين الذاتي والجماعي . إنه شاعر المواقف الدرامية، وشاعر الصراع، وقصائده الشعرية تقترب من قلب الإنسان الكادح المسحوق في كل مكان .

تتميز أشعاره وقصائده عامة بسعة الخيال، وخصوبة اللغة، والالم والحزن الممزوج بحدة الانفعال بالشكوى لما آلت أحوال وأوضاع شعبه وغياب الحل العادل لقضيته الوطنية المقدسة، ويبدو وكأنه يرسم بالسنة النار المتأججة في أعصابه وتهاويل الحلم المتأرجح في عينيه، الخط البياني للحرب الدائرة على الجانبين من قلبه .

 وفي النهاية يمكن القول، مسيرة سميح القاسم باذخة، ونجح ان يفرض تجاربه الشعرية المتجددة دائمًا وأبدًا، وعرف بقصائده الإبداعية النابضة بروح الكفاح والمقاومة والرفض  والإباء للشر السياسي، وللمؤامرات الاستعمارية والامبريالية على مصير شعبه، ولا شك أن بسالة الروح المقاومة التي تشع في أشعاره شديدة الوقع والتأثير على القارئ أينما كان .

وإن غاب سميح القاسم أبو وطن فهو عصي على النسيان، وخالد بشعره الوطني والثوري الملتزم المقاوم واعماله الإبداعية.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر هذه الأيام علينا ذكري وفاة الأستاذ الدكتور محمود رجب (أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب – جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية)، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا العالم الكبير، فقد كان محمود رجب ظاهرة فريدة ومميزة في الفلسفة الحديثة والمعاصرة، حيث كان مفكراً يحلل المادة الفلسفية التي بين يديه تحليلاً عميقا، ثم يحلق بعقله في آفاق الفلسفة البعيدة، فيعود لنا بخلاصة استدلالاته وأفكاره.

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون وهي أن الدكتور محمود رجب هو واحداً من كبار الرواد في دراسة الميتافيزيقا بمصر والعالم العربي، وقد استطاع من خلال بحوثه ومؤلفاته أن ينقل البحث في الميتافيزيقا من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة؛ وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

وكان الدكتور محمود رجب قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة: تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وقد قال عنه أستاذنا الدكتور "مجدي الجزيري" (في مقاله بعنوان لقاء الفيلسوف والفنان في فلسفة المرآة لمحمود رجب) :" لم يكن محمود رجب من المشتغلين بالفلسفة بقدر ما كان من هواتها ومحبيها وعشاقها، بل يبدو لي أن عمله كأستاذ للفلسفة فرض عليه بحكم الثقافة والتقاليد المتعارف عليها بأن يكون لكل منا مهنة يسترزق منها، ولم تكن هذه المهنة غير العمل بتدريسها . وربما يفسر لنا هذا محدودية الدراسات التي كتبها لنا، والتي لا يمكن مقارنتها بطاقاته وقدراته وأدواته البحثية، فالرجل كان بمقدوره أن يقدم لنا آلاف الصفحات في الفلسفة، لكنه آثر أن يخلص لها، ولا يقدم لنا إلا ما يعد إضافة حقيقية وجادة للفكر الفلسفي، بل وللإبداع الفلسفي . تعامل رجت مع الفلسفة بعشق ومحبة حقيقية، وبآلا يضن علينا بكتاباته ولم يكن يزعجه أن يجد غيره يقدم للمكتبة العربية مجلدات ومؤلفات شتي لا قيمة لها في عالم الإبداع الفلسفي، وإن دلالاتها في عالم في عالم الزيف وخداع النفس لا تقدر بثمن يكتب في صمت ويبدع في صمت، ويحيا في صمت، ويعمل في صمت، لكنه في نهاية المطاف يستمع بما يكتب ويمتعنا بما يبدع.

ولم يكن الدكتور محمود رجب ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية من الحياة، ويعرف كيف يتذوقها ويُرضي بها حسه المرهف. ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث.

لقد كان محمود رجب من ذلك النوع من الفلاسفة الذين يمكن أن يطلق عليهم الفلاسفة الخلص، أي الذين يمضون العمر منشغلين بقضايا الفكر ذاته. فإنتاج محمود رجب الفلسفي يغلب عليه الطابع المفاهيمي ولا يتماس مع الواقع، إلا عرضا وفيما نذر، فلا نجد عنده هماً اجتماعيا أو سياسيا أو حضارياً كما نجد عند زكي نجيب محمود أو حسن حنفي أو عابد الجابري أو محمد أركون مثلاً، وإنما نجد عنده الفكرة من أجل الفكرة والتفلسف دراسة على دراسة، والمفهوم هو المحور الأساسي لكل تأمل، ولا يستغرب أن نجد من بين مؤلفات رجب كتابا كاملا مخصصا لتتبع سيرة مصطلح واحد من المصطلحات الفلسفية الهامة والشائعة وهو "الاغتراب". كما لا يستغرب أن نجد من بين مؤلفات رجب كتابا كاملا مخصصا لتتبع سيرة مصطلح واحد من المصطلحات الفلسفية الهامة والرائعة وهو " الاغتراب" . كما لا يستغرب أن نجد لديه كتابا كاملا يتجاوز الـ"300" صفحة تم تخصيصه لموضوع لا لمباحث الفلسفة التقليدية بصلة، وهو "فلسفة المرآة". وبالرغم من أنه يتناول موضوع شديد الالتصاق بالواقع الحياتي واليومي، إلا إنه يتناوله من جهة التنظير الفلسفي الخالص. فاختيار محمود رجب للمرآة كموضوع للتأمل لا يمكن تحميله بأي دلالة سياسية أو اجتماعية، بالرغم من احتشاده بكم هائل من الأمثلة الحية والعملية والتاريخية في مجالات العلم والفن والأخلاق. ولا ينفي ذلك إمكانية اللعب بآليات التأويل والتفسير التي يمكن أن تفتح آفاقا في تحويل النشاط الفلسفي الخالص إلى رؤى تطبيقية وعملية (وذلك حسب ما قاله د. ماهر عبد المحسن فقد عنه في مقالة بعنوان جماليات الصورة المرآوية عند محمود رجب).

وعلى ذلك فإننا لا نخجل في أن نقول عن هذا الرجل بأنه عاشق للميتافيزيقا وعشقه لها قائم علي فكرة أنها أشد التصاقا بالدراسات الفلسفية، وبالتالي فهي ليست كما قيل عنها بأنها شيء مفارق للواقع، بعيد عن الإنسان، أو أنها مرادفة للاواقعي، والخرافي، أو ما لا معنى له، وهو يرفض تلك الأحكام التي ذهبت إليها بعض الاتجاهات الفلسفية، مثل مدرسة الوضعية المنطقية إلى تصنيفها على أنها أشباه قضايا، أو قضايا فارغة المعنى.

ويؤكد محمود رجب بأن تلك الاتهامات المجحفة قد طالت الفلسفة في حد ذاتها، وهذا ما جعل من التفكير الفلسفي يدخل نطاقا خطيرا من التصورات السلبية التي جعلته كفرا وزندقة، أو ضربا من اللغط والهرطقات التي غرضها الكلام من أجل الكلام، وعليه فإنه يتحتم علينا أن نتوجه إلى ضرورة تحديد أعمق لمفهوم الميتافيزيقا وعلاقتها بغيرها من الدراسات الفلسفية، حيث يقول في كتابه " الميتافيزيقا عند الفلاسفة المعاصرين ( وهو في الأصل كان رسالته للماجستير التي يشرف عليها أستاذه عبد الرحمن بدوي وناقشه فيها كل من د. محمد عبد الهادي أبو ريدة ود. نازلي إسماعيل حسين) يقول رجب: "ما الميتافيزيقا؟ ما منهج الميتافيزيقا؟، هل الميتافيزيقا بوجه عام ممكنة . تلك هي الأسئلة التي أثارها – صراحة وتفصيلا الفيلسوف الألماني " كنت"، الذي يعد بلا جدال أول من وضع مشكلة الميتافيزيقا موضع الفحص والتساؤل، فلقد كان الفلاسفة قبل " كنت" يتفلسفون ويشيدون المذاهب والنظم الميتافيزيقية، لكن ما من أحد منهم توقف –طويلا – وتساءل عن طبيعة الميتافيزيقا: ما هي؟ وعن منهج الميتافيزيقا: ما هو؟ . وزعم أن الشك في إمكان قيام الميتافيزيقا أمر قديم، فإن كنت هو أول من صاغ هذا الشك صياغة منهجية صريحة، اتخذت صورة السؤال التالي: هل من الممكن – علي الإطلاق – قيام شئ كالميتافيزيقا؟.

ويستطرد محمود رجب فيقول: "ونفس هذه الأسئلة هي شغل الفلاسفة المعاصرين، وهي تمثل وتجسد اختلافات في المصطلح ووجهة النظر، تبلغ من الكثرة حدا يصر معه الجدال الذي لا ينتهي حول الميتافيزيقا أمرا ليس بالمستغرب. وهذا الجدال يتأرجح بين قطبين من الأحكام والتقويمات المتضاربة أشد التضارب، فأحيانا تلقب الميتافيزيقا بملكة العلوم، وأحيانا تنبذ وتهجر كما لو كانت إمرأة زال جمالها.

إن مشكلة الميتافيزيقا كما قال محمود رجب ليست كما قال "كنت" في عدم قدرتها علي تحقيق مهمتها علي النحو الذي يمكنها من التقدم بخطي ثابتة، فالحق بركب العلوم الطبيعية والرياضة، وإنما هي في عدم وجود تعريف واحد عام للميتافيزيقا يكون في أذهان الذين ينادون باستبقاء الميتافيزيقا والذين يدعون إلي استبعادها علي السواء، مما يؤدي إلي تناقض الأحكام التي تطلق علي الميتافيزيقا وتضاربها.

وبما أن الجميع يتفق على أن الميتافيزيقا هي ما بعد أو ما وراء الطبيعة، فإنه الأجدر في نظر محمود رجب أن نغوص في هذا المعنى، للكشف عن المعنى الأصيل والبنّاء الذي يحمله هذا التعريف البسيط، فبأي وجه يمكن أن تستثمر الميتافيزيقا في خدمة العلم والفلسفة والإنسان بمجال الدراسات الرصينة القائمة على هذه الاهتمامات بشكل علمي، رغم كون نطاق الميتافيزيقا تتموقع دائرته في ما وراء الطبيعة، ورغم وجود وتنوع أنماط العلم الطبيعي، لا سيما المعاصر منه، مدعيا أنه كفيل بحل مشكلات الإنسان دون الحاجة إلى دراسات ميتافيزيقية، ما جدوى الميتافيزيقا حيال ذلك؟ وهل ثمة حاجة إلي الميتافيزيقا في عصر العلم؟

لقد شغل هذا السؤال ذهن ووجدان محمود رجب عندما حاول أن يجد أواصر قربي بين العلم والميتافيزيقا تزيل الشك في إمكانية إيجاد مثل هذه الصلة، إن السؤال الذي ظل مسيطرا علي محمود رجب (كما قال خالد قطب في مقاله الرائع عن العلاقة بين الميتافيزيقا والعلم: رؤية محمود رجب) أثناء بحثه عن العلاقة التي يمكن إيجادها بين العلم والميتافيزيقا هو: ما هو فيصل التفرقة بين العلم والميتافيزيقا؟ أيتمثل في الموضوع الذي يبحثه كل منهما، أم في المنهج الذي يستخدم، أم في الموضوع والمنهج علي السواء.

وهنا يري محمود رجب أنه لا بد من ضرورة التكامل بين الميتافيزيقا والعلم، بين التأمل والتجريب، فلا يجب أن نتعصب لعلم ضد الميتافيزيقا فننادي باستبعادها، ولا نتعصب للميتافيزيقا ضد العلم، ونحط من قيمته، ولا نتعصب الميتافيزيقا والعلم علي السواء، فننادي باستبعادهما معا؛ ولقد وجد محمود رجب ضالته في الفيلسوف الإنجليزي وايتهد، الذي يعد بمثابة النموذج الذي جمع بين الميتافيزيقا والعلم علي أسس فلسفية ومنطقية وعليمة صحيحة غاية هذا الجمع هو إثراء روح الإنسان وتزكية وجوده، فلم يعزل وايتهد العلم عن الميتافيزيقا، بل اتخذها معبرا أو سلما للوصول إلي الميتافيزيقا: فالميتافيزيقا هي غاية المعرفة الإنسانية وتاجها .

كان هذه وايتهد أن يقيم مذهبا للأفكار يستطيع أن يضم الاهتمامات الجمالية والأخلاقية في علاقة مع تصورات العالم الميتافيزيقية التي تتأصل في العلم الطبيعي، ف الميتافيزيقا، من وجهة نظر وايتهد هي البحث عن الخصائص العامة للكيانات الفعلية، ومحاولة اكتشافها، ولكي تكتشف الخصائص العامة الواقعية الفعلية تلك، لا بد أن نستجيب للتجربة، ولكن لما كانت التجربة متغيرة بتغير الشئ الملاحظ، كان لا بد من الركون إلي العناصر الممكنة الثابتة التي نجدها في الميتافيزيقا، أي الخصائص العامة والكلية للأشياء لأنها ثابتة لا تتغير، وضرورية في مجال الحياة اليومية، لأنها تهتم بالتفاصيل، بل هي ضرورية أيضا لتقديم الدليل أو البيئة، إذن يحاول محمود رجب أن ينتفع بمنجزات العلم وتطبيقاته علي مستوي الحياة اليومية، ولكن لا يمنع هذا وجود التصورات والتأملات والفروض التي تنبع من الميتافيزيقا، فكلاهما يكمل الآخر، وكل منهما ضروري لوجود الإنسان وللحضارة الإنسانية بعامة (وذلك حسب خالد قطب) .

إن البنية المتماسكة للفكر الميتافيزيقي هي التي جعلته يقف صامدا أمام الهجمات الشرسة التي تعرض لها طوال تاريخ الفكر الفلسفي، وهي من دعاة النزعة العلمية أنفسهم، بحيث لا نستطيع كما يقول مارتن هيدجر " أن نتخلص من الميتافيزيقا مثلما نغير رأيا من آرائنا، ولا يكفينا أن ندعي العلمية أو نعتنق الأفكار الوضعية كي نجد أنفسنا خارج الميتافيزيقا وعلي هامشها، فحتي الأسس التي يقوم عليها العلم تظل متجذرة في الميتافيزيقا، والعلوم، كما يري هيدجر ذاته، ليست إلا الميتافيزيقا وقد بلغت أوجهها . العلم هو البعد الميتافيزيقي للعالم المعاصر، هذا العالم الذي تسوده إرادة القوة، والذي يسعي لأن يجعل من الإنسان كائننا يتفوق علي الإنسان.

لذا حاول محمود رجب أن يقدم درسا فلسفيا كما يقول خالد قطب نحن أحوج ما نكون إليه، وهو أن " الموقف الميتافيزيقي هو ذلك الموقف الذي يتخذه الإنسان بالضرورة عندما يدرك أن العلم هو من خلقه، وإن صلته وعلاقته بالوجود هو من نوع آخر غير ما تفترضه المعرفة الموضوعية، وليس هناك في تاريخ الفلسفة أي تقدم مطرد، بل هناك سرمدية مستمرة لنداء الوجود الذي يهيب بكل فيلسوف أن يعود إلي " الوجود "، هذا الأساس الذي لا بد أن تتأسس فيه الميتافيزيقا، أو الأرض الخصب التي تمد جذر شجرة الفلسفة (أي الميتافيزيقا) بالعصارة والقوة اللازمتين لنموها . ولا بد أيضا لكل فيلسوف أن يعود إلي "الذات" فإن ما تكشف عنه الميتافيزيقا، إنما هو دائما " الإنسان" في علاقته بالوجود، و " الإنسان" هو الكلمة النهائية للميتافيزيقا، فالإنسان بعد رأسي هو الذي يجعل منه موجودا ميتا- فيزيقيا... إننا عندما نستبعد الميتافيزيقا – سواء باسم العلم أو الإنسان، فكأننا نستبعد من الإنسان ماهيته، أي قدرته علي التجاوز والعلو.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور محمود رجب الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور محمود رجب، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا.. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

علي القاسميكثيراً ما أضع نفسي في مآزق بسبب قبولي الآخر ومنحه كامل ثقتي بصورة تلقائية حتى لو لم أعرفه من قبل. فكلُّ من ألتقيه أوَّل مرَّة وأتحدَّث معه، يحصل على ثقتي التامة وأفضي إليه بجميع أسراري، دون اتخاذ الحيطة. وقد تكرّر هذا الأمر معي وسبَّب لي حرجاً كبيراً عدَّة مرّات.

ذات يوم كنتُ في زيارةٍ لعالِم اللغة المغربي الدكتور أحمد الشرقاوي إقبال (1927 - 2000) في منزله بمدينة مراكش، فأخبرني بأنه أمضى سنوات عديدة في تأليف كتاب بعنوان "درجات الذكاء ودركاته" بحيث جمع فيه أكثر من مئة مصطلح تدلُّ على مراتب القدرات العقلية المتفاوتة، مرتَّبةً من أعلى مكانةٍ في الذكاء إلى أدنى حضيض الغباء، معزِّزاً استنتاجاته باستشهادات من الشعر والنثر. فاغتنمت هذه الفرصة، وشرحتُ له حالتي، ورجوته أن يشخّصها، ويُمدَّني بالصفة المناسبة لي. ففكر قليلاً وقال:

 - " إنها السذاجة. فأنت رجل ساذج. فقد يكون الرجل ذكياً أو عالِماً متخصِّصاً في حقلٍ علميٍّ معيِّن ولكنه، في الوقت نفسه، ساذج. والسذاجة طبعاً على درجات، والساذج أعلى درجة من الغِرّ."

عدتُ إلى منزلي وتناولت معاجم اللغة فوجدتها تعرّف " الساذج: بسيط، غير محنّك". وتعرّف " الغرّ: مَن ينخدع بسهولة." فقلتُ في نفسي: يمكن أن يكون الساذج غرّاً في الوقت نفسه، فكثيراً ما يخدعني بعض الباعة لأنني أصدّق ما يقوله الناس وأثق بهم.

وسأروي حادثة وقعت لي، ويستطيع القارئ الكريم أن يحكم بنفسه ويشخِّص الصفة المناسبة للإطلاق عليَّ.

حوالي سنة 1965، كنتُ طالباً في الجامعة الأمريكية في بيروت وعمري في مطلع العشرينيات. والتقيتُ ذات يوم بشابٍّ دمث الأخلاق وتعارفنا فقدّم نفسه باسم خلدون ساطع الحصري. وكان اسم ساطع الحصري (ولد في اليمن سنة 1879 ـــ وتوفي في بغداد سنة 1968) آنذاك أشهر من نار على علم، كما يقولون. فقد كان يلقَّب حينذاك بأبي القومية العربية، أو رائد القومية العربية، أو فيلسوف القومية العربية، أو إمام القومية العربية، على الرغم من أنه كان يتكلَّم اللغة العربية برطانة تركية، لأنه درس في المدارس التركية ، وتولّى مناصب إدارية وتربوية عليا في الدولة العثمانية، وانضمَّ إلى جمعية تركيا الفتاة، ودعا إلى الطورانية والتتريك، وشغل منصب الحاكم العثماني في إحدى دول البلقان، وعمل في بلاط عبد الحميد الثاني سلطان الإمبراطورية العثمانية ( 1876- 1909)، وأستمر الحصري في خدمة البلاد حتى سقوط الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918). وبعد ذاك عاد سنة 1919 إلى سوريا، واتصل بالأمير فيصل بن الحسين (ولد في مكة سنة 1883 وتوفي في بيرن بسويسرا سنة 1933) الذي حارب العثمانيين في الشام أثناء الثورة العربية الكبرى التي أطلقها والده شريف مكة، الحسين بن علي، سنة 1916، من أجل استقلال البلدان العربية بدعم ووعود زائفة من حلفائه البريطانيين. وعندما أصبح فيصل بن الحسين ملكاً على سوريا (من مارس إلى يوليو 1920)، اختار ساطع الحصري وزيراً للمعارف. وحينما دخل الجيش الفرنسي سوريا واستعمرها، خرج الملك فيصل منها فساعده حلفاؤه الأنجليز الذين استعمروا العراق، فتوَّج ملكاً على العراق (1921 - 1933)، فالتحق به ساطع الحصري وتولَّى منصب مدير عام بوزارة المعارف في بغداد.

نشر الحصري حوالي خمسين كتاباً معظمها عن فكرة القومية العربية بتوجّه علماني، أصدر معظمها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت سنة 1985 تحت عنوان " الأعمال القومية لساطع الحصري" في ثلاثة مجلدات. وعندما كنتُ تلميذا في السنة الأولى الابتدائية، كان أوَّل كتبي المدرسية هو كتاب القراءة " -القراءة الخلدونية -" من تأليف ساطع الحصري، وكانت طرائقه التعليمية جيدة جداً في عصرها. وقد أسمى الكتاب باسم ابنه خلدون، هذا الذي التقيتُ به..

ولهذا عندما تقابلنا في رحاب الجامعة الأمريكية في بيروت، قلتُ:

 ـ أنا أعرفك فقد تعلَّمتُ القراءة من كتاب " القراءة الخلدونية".

وسألته عما يفعله في الجامعة.

- أكتب رسالة ماجستير في العلوم السياسية.

- وما موضوع رسالتك -؟

- التوجهات السياسية لرجال الدولة العراقية بين الحربين العالميتين.

قلت له:

- رائع، لأنني أود أن أسألك عن رشيد عالي الكيلاني. إذ يقول بعضهم أنه قام بانقلابه بإيعاز من الإنجليز، فهل تؤيّد رسالتك هذا الرأي؟

ولعل الذين يقولون بذلك هم من المؤمنين بنظرية المؤامرة، أو بمقولة زعيم الهند المهاتما غاندي (1869 ـ 1948) " ما تخاصمت سمكتان في أعماق البحر إلا وكان الإنجليز وراء ذلك". فالمعروف عن رشيد عالي الكيلاني (1892 ـــ 1965) انتماؤه إلى أسرة وطنية، وكان من السياسيين العراقيين الوطنيين في العهد الملكي، ومن القوميين البارزين منذ أن كان عضواً في الجمعيات العربية السرية الداعية الى استقلال البلدان العربية عن الإمبراطورية العثمانية ووحدتها، وتولّى رئاسة الوزارة العراقية ثلاث مرات في 1933 و1940 و1941. وكان من المناوئين لبريطانيا، وقرَّر أن يقف العراق على الحياد أثناء الحرب العالمية الثانية، ونظراً لأن ذلك مخالف لموقف الأمير عبد الإله بن علي (1913-1958)، الذي أضحى وصياً على العرش سنة 1939، ولا يتفق مع توجهات نوري باشا السعيد، ويخرق المعاهدات التي تربط العراق مع بريطانيا، فقد قام الكيلاني بما يسمى بـ " ثورة رشيد عالي الكيلاني" التي تعدّ في حقيقتها من الانقلابات العسكرية، إذ شارك فيها قادة الفرق العسكرية العراقية الأربع. وعندما فشلت " الثورة"، أُعدِم القادة الأربعة في حين لجأ الكيلاني إلى إحدى دول الجوار ونجا بنفسه..

ولهذا كله، فإن خلدون ساطع الحصري أجابني بكلِّ هدوء ولطف قائلاً:

- إنني عملتُ جدولاً إحصائيا في رسالتي لمواقف كلِّ سياسي عراقي في تلك الفترة، ويشير هذا الجدول إلى أن جميع مواقف رشيد عالي الكيلاني في الوزارات التي شغلها مناوئة لبريطانيا، وأنه كان يسعى لألغاء المعاهدات التي تربط العراق بها، ووضع حدٍّ لتدخُّلها في شؤونه.

وخلدون ساطع الحصري كان نشطاً في الحركة القومية في العراق، وألَّف بعض الكتب في السياسة منها كتابه " ثورة 14 تموز وحقيقة الشيوعيين في العراق" الذي نشرته دار الطليعة في بيروت سنة 1963.

في مساء ذلك اليوم، كنتُ مدعواً لتناول طعام العشاء مع خليل إسماعيل البستاني (1902-1978)، عم خطيبتي بتول عبد المجيد البستاني (فيما بعد زوجتي أم حيدر). والسيد خليل سبق أن شغل مناصب إدارية عليا في العراق منها منصب وزير المالية. وعلى مائدة الطعام، أخبرته بما دار بيني وبين خلدون ساطع الحصري حول رشيد عالي الكيلاني. فأصيب الرجل بنوع من الدهشة، وقال باستغراب:

- هل قلت ذلك لخلدون عن رشيد عالي الكيلاني -؟!

- قلتُ: نعم. ولِمَ لا -؟

قال الرجل بنوع من الحرج:

- إن خلدون هو زوج ابنة رشيد عالي الكيلاني.

قلت: وأنّى لي أن أعرف ذلك؟

بعد مدة، قدِمَ أبي من العراق لزيارتي في بيروت وتفقُّد أحوالي، وتحدثنا عن أمور كثيرة، فأخبرته بما دار بيني وبني خلدون ساطع الحصري، وكيف أن السيد خليل إسماعيل البستاني دُهش عندما أخبرته بذلك. وإذا بوالدي يقول باستغراب:

- وهل أخبرت السيد خليل بذلك؟!!

- نعم، ولمَ لا؟

قال والدي:

- لأن السيد خليل هو قريب رشيد عالي الكيلاني، وكان يده اليمنى عندما كان رشيد عالي الكيلاني وزيراً للداخلية، فقد اختار خليل وكيلاً للوزارة..

قلتُ بنوع من الاستياء:

- وكيف لي أن أعرف أنهم جميعاً أقرباء؟

هذا أحد الأمثلة على سذاجتي.

 

د. علي القاسمي

 

علي القاسميلأخـرجنَّ من الدنيا وحبــُّـــكم    بين الجــــوانحِ لم يشعرْ به أحـــدُ

العباس بن الأحنف    

تخرّجتُ في ثانوية الديوانية سنة 1957، والتحقتُ بدار المعلمين العالية في بغداد وهي كلية تُعدّ المدرسين للمدارس الثانوية في العراق. كنتُ أرغب في دراسة التاريخ، ولكن عمادة الدار ألحقتني بقسم اللغة الإنجليزية وآدابها، لأنهم كانوا في حاجة لمدرسي اللغة الإنجليزية أكثر من مدرسي التاريخ.

وعلى الرغم من أن معظم دروسنا باللغة الإنجليزية يتولاها أساتذة بريطانيون، فقد كان المنهج يتضمَّن في السنة الأولى درساً للغة العربية وآدابها. ومن حسن الحظ، كانت أستاذتنا في ذلك الدرس هي الشاعرة المتألقة الدكتورة عاتكة وهبي الخزرجي.

بعد ما يقرب من خمسين عاماً على تشرُّفي بالتتلمذ على يديها وبعد أن واراها الثرى، كتبتُ دراسة مطوله عنها وعن شعرها الرائق قلتُ فيها:

" أحرر دراستي هذه عن الشاعرة عاتكة وهبي الخزرجي، قيثارة العراق، لعلّي أستطيع أن أردَّ بعض جميلها عليَّ، فقد كانت تدرّسنا الأدب العربي بدار المعلِّمين العالية في بغداد سنة 1957، بعد عام واحدٍ فقط من حصولها على شهادة دكتوراه الدولة في الآداب من السوربون بباريس.

اختارت ذلك العام أن تدرّسنا شعر الشاعر العباسي، العباس بن الأحنف (ت نحو 194هـ/ 807م)، بوصفه نموذجاً للأدب العربي والحضارة الإسلامية وقِيمها ومُثلها في أزهى عصورها، عصر هارون الرشيد (149 ـ 193 هـ / 766 ـ 809م). وكانت عاتكة قد اكتشفت، وهي فتاة صغيرة، شاعريّة العباس بن الأحنف الفذة وأغرمت به، وتألَّمت لما أصابه من آلام حبِّه الخائب لمعشوقته "فوز".

كانت الدكتورة عاتكة الخزرجي تجمع في شخصيتها الجميلة بين غنج الفتاة البغدادية المترفة والأناقة الباريسية الجذّابة، والخُلق الإسلامي المحافظ. كانت في ذروة شبابها لم تتعدَ السنة الحادية والثلاثين من عمرها المبارك، تصفِّف شعرها الفاحم السواد على شكل زهرتي دالية تحتضنان وجهها الصبوح ذا الملامح الجميلة المتناسقة الساحرة، الذي تشرق فيه ابتسامتُها الصغيرة الحيَّية المرسومة بعنايةٍ على شفتيْها الحمراويْن المكتنزتيْن. وعندما تكبر ابتسامتها، تكشف عن أسنانٍ لؤلؤيةٍ ناصعة البياض، وتبدو غمّازتان أخّاذتان على الخدَّين الأسيليْن. قوامها لدن رشيق لا يشتكي منه طولٌ ولا قصر، مع بروزٍ ملحوظ في صدرها الناهد. تمشي بخطواتٍ رشيقةٍ خفيفةٍ مموسقة كما لو كانت تؤدِّي رقصة الفرح على ألحان شِعرها المنغَّم، ويفوح خلفها عطرُها الباريسي النادر الفريد.

في تلك الأيام كان يكفيني أن أقترب من غرفة أساتذة اللغة العربية في بناية دار المعلمين العالية، لأعرف ما إذا كانت الدكتورة عاتكة قد وصلت أم لا (وفي هذه اللحظات التي أكتب خلالها هذا المقال بالحاسوب في المقهى الشتوية في شارع محمد السادس في مدينة مراكش الرائعة، تناهي إليَّ، على بُعد المسافة، أريجُ عطرك الفوّاح، يا عاتكة، بعد أكثر من خمسين سنة من الفراق وعلى بعد أكثر من ألف ميل).

كانت تحدّثني بصوتٍ خفيضٍ رخيمٍ ذي رنين عذب يشيع المرح في الجو، وأنا أرافقها بعد الدرس من غرفة الصفِّ إلى موقف السيّارات حيث سيّارتها الصغيرة. ولكن لم أكُن قد تعلّمت آنذاك ما يكفي من الشهامة واللياقة واللباقة لأفتح لها باب السيّارة، بل كنتُ أقف مشدوهاً أراقبها بحسرةٍ وهي تركب سيارتها وتغادر.

باختصار، كانت عاتكة ــ في نظري ــ أجملَ امرأة تقود سيّارتها أو تمشي بين الرصافة والجسر، بل حتّى أحلى وأملح وأفصح وأكثر جاذبية من جميع طالباتها اللواتي كنَّ يصغرنها بأزيد من عشر سنوات. كنتُ أنظر إليها مأخوذاً منبهراً كما لو كنت أقف مبتهلاً أمام صورة مقدّسة، فائقة الحسن خلابة الجمال، أبدعها الخالق المصوِّر الأعظم. 

وُلدت عاتكة في أسرةٍ ميسورة في بغداد سنة 1924. فقد كان والدها يشغل ُمنصب متصرِّف (محافظ) الموصل إبان العهد العثماني. ويبدو أنه كان رجلاً متديناً تقيّاً، وأن عاتكة تأثّرت بما سمعته، عن سيرته وتديّنه، من أُمِّها الصالحة التي أحسنت تربيتها. فعندما بعث إليها الشاعر المصري الكبير، عزيز أباظة (1899 ـ 1973)، بتحيّةٍ شعرية، ردَّت حالاً بقصيدةٍ لها نفس الوزن وذات القافية

أنا يا مولاي بنتُ الصِّيدِ والغرِّ الأُبـاةِ

بنتُ ذاكَ القانتِ الحرِّ الكريمِ الخلواتِ

مَن يُقيم اللَّيلَ بالذِكرِ ووحي الصلواتِ

خاشعاً لله في المحراب، بَرَّ الدعــواتِ

وأبي ما ماتَ بل عاشَ بِسَمْتي وسماتي...

أورثها اليُتم المبكِّر أسىً شفيفاً وحسرةً دفينة، حوّلتهما أحاسيسُها المرهفة ومشاعرُها الرقيقة إلى شعرٍ حزين، حتّى أصبح الألم والحزن والحبُّ بمعناه الواسع (حبّ الأُمّ والأهل، حبّ الوطن، الحبّ الإلاهي) من موضوعات شعرها الرئيسة. وراحت تسمّي نفسها " ابنة الآلام والشعر والحبِّ"، كما في قصيدتها " هوى الوطن" التي تخاطب فيها حمامةً على غصنها أو تخاطب نفسها، فهي تلك الورقاء الحزينة:

قِفي أَنشديني من لحونكِ ما يُصبي     فأنـتِ ابنـةُ الآلام والشـــعرِ والحـــــبِ

قفي أســعدي قلباً برته يدُ الأســـــى      ومثلكِ مَن يأسو الجراحات في القلبِ...

أورثها اليتمُ المبكّر أسىً مُقيماً وجُرحاً أليما، تتذكَّره كلّما رأت أُمّها التي تداري دمعها ومصيبتها، كيما تبتسم لابنتها الصغيرة وتشجّعها على القراءة والدرس، حتّى أضحت الأمومة موضوعاً من موضوعات شعر عاتكة. ففي قصيدة " نشيد الأمومة" تعبّر عاتكة عن حبِّها الطافح لأمّها وافتتانها بها وامتنانها لها:

أنتِ معنى الحبِّ، بل  معنى الحياه         أنتِ نورٌ فاضَ من نورِ الإله

أنـــتِ، يا أمــاه، من قلبـــي مُنـاه         أيعيــــش المرءُ دون الأملِ ؟.

دخلت عاتكة دار المعلِّمين العالية حوالي سنة 1941 وكانت فتاةً خجولةً حيَّية  محافظة في سلوكها وتصرُّفاتها، وظلَّت كذلك طوال حياتها، ولكنّها كانت متحرِّرة ثوريَّة في شِعرها الذي تناولت فيه موضوعاتٍ وطنيةً واجتماعية، وتتَّسم بجرأةٍ وشجاعةٍ أدبيتيْن عندما تلقي شِعرها بصوتها الرخيم وطريقتها المنغّمة.

وفي السنوات الأربع التي أمضتها عاتكة الخزرجي في دار المعلّمين العالية، كانت هذه الدار تحتضن روّاد الشعر الحرّ في العراق ، مثل زملائها نازك الملائكة (1923 - 2007)، وبدر شاكر السياب (1926 ــ 1964)،  وعبد الوهاب البياتي (1926 - 1999)، ولميعة عباس عمارة (1929 -)، وشاذل طاقة ( 1929- 1974)، ومحمد جميل شلش ( 1930 -)، وعبد الرزاق عبد الواحد (1930 -)؛ وغيرهم كثير من خارج دار المعلمين العالية، مثل بُلند الحيدري (1926 - 1996)، وكاظم السماوي (1919- 2010 )، وكاظم جواد  (  1929- 1985). وكلهم ينشرون أشعارهم في دوريّات العراق والمجلات الأدبية اللبنانية مثل "الآداب"، وكانت عاتكة في طليعتهم. وكان هؤلاء الشعراء هم الذين ابتكروا الشعر الحرَّ وحملوا مشعله. ومع ذلك، فإنَّ عاتكة الخزرجي ظلّت محافظةً وفيةً لتقاليد الشعر العربي العمودي، ولكنّها حدّثته بموضوعاتها الجديدة، وبأسلوبها المتميِّز، وأحاسيسها المرهفة، وعاطفتها المتأجّجة. كانت ترى أنَّ شكل الشعر العربي بقافيته وأوزانه قادرٌ على التعبير عن مختلف الموضوعات في متباين الأزمان، ولا ترى في الشعر الحرِّ إلا هروباً من القافية والبحور الخليلية التي يصعب ضبطها على غير الشعراء المطبوعين، وتقول في ذلك: " إنَّ صعوبة الوزن والقافية لا يشكوها شاعرٌ مبدع، وإنَّما هي عقبة كأداء في وجه المقلِّدين... وجمال شعرنا العربي آتٍ من هذا الإيقاع الموسيقيِّ المنغَّم، وإعجاز شعرنا العربي آتٍ من رصانة قوافيه واتساق أنغامه."

 تخرّجت عاتكة في دار المعلِّمين العالية سنة 1945، وعُيّنت مدرِّسة للغة العربية وآدابها في مدرسةٍ ثانويةٍ للبنات في بغداد. وبعد أن أمضت خمس سنوات في التعليم حصلت على منحةٍ دراسية من مديرية البعثات في وزارة المعارف، للحصول على دكتوراه الدولة من السوربون في باريس.

أخذت تتهيّأ للرحيل وتتهيّب منه، لأنّها ستفارق أحبّاءَها: أمَّها، بغداد، العراق. وهكذا كتبت قصيدة "قبل الرحيل" تخاطب فيها بغداد:

هاتِ العهود على الوفاءِ وهاكِ      وإليـكِ ذي يُـمناي في يُمـنــاكِ

قسماً بحبِّكِ والذي برأ الهـوى        وأذابَ روحي في سعيرِ لظاكِ

لأظلُّ أرعى العهدَ  شأنَ متيَّمٍ          آلى علــى الأيـامِ أن يــهــواكِ

تقضي التقاليد الجامعية في السوربون والجامعات العريقة في أوربا مثل أكسفورد وكيمبرج، أن طالب الدكتوراه لا يتمُّ تسجيله إلا بعد أن يوافق أحد أساتذة الجامعة المختصّين بموضوع الطالب على الإشراف على دراسته وأطروحته. اختارت عاتكة الخزرجي أن يشرف على دراستها وأطروحتها المستشرق ريجي بلاشير (1900 ـ 1973) المشهور آنذاك بترجمته الفرنسية الأدبية لمعاني القرآن الكريم، وكتابه عن المتنبي؛ ولأن عاتكة كانت تريد أن تكتب أطروحتها عن الشاعر العباس بن الأحنف؛ وبلاشير هو الذي كتب مقالة " العباس بن الأحنف" في  " دائرة المعارف الإسلامية "، فوافق على الإشراف على أطروحتها..

وحصلت على الدكتوراة سنة 1956 وعُيّنت أستاذة بكليتها السابقة، دار المعلمين العالية ببغداد، قبل سنة واحدة من التحاقي بها طالباً.

وفيما كانت تدرّسنا شعر العباس بن الأحنف في دار المعلمين العالية، طلبتْ منا ذات يوم حفظ قصيدةٍ من قصائد العباس بن الأحنف. وعندما سألتْ في اليوم التالي ما إذا كان أحدنا قد حفظها، رفع بعضنا أصابعه، وكنتُ من بينهم. ويبدو أنّني كنتُ أرفع إصبعي بشيءٍ من الإلحاح، ولم أنتبه إلى أنَّ غيري قد سبقني إلى ذلك. فطلبتْ من أحد الطلّاب تلاوة القصيدة، وفي الوقت نفسه التفتتْ إليّ وخاطبتني بلطف وبابتسامةِ اعتذار قائلة: " أنتَ مسكُ الختام."

ولكن عندما جاء دوري، ارتُجَّ علي ولم أستطِع تذكّر القصيدة. فقالت ملتمسةً لي العذر:

ـ " كثيراً ما يحصل هذا عندما نحفظ النصَّ جيِّداً"

رحمك الله يا عاتكة.

 

د. علي القاسمي

 

صبحي عبدالنبيبرز عنترة واضحًا في صفحات الأدب العربي برمز الشجاعة ورمز الحرب، وما ينتج منهما من أقوال وأحاسيس، وكثيرًا تجد في شعره الحرب والثأر واثارة الشجون نحو الإغارة والغزو، ويمت هذا بحكم بيئته التي لم تعط له حظًا من الحرية لذنب قد اقترفه أبوه إذا كان بالفعل  ذنبًا على حد زعم القبيلة .

فقد عاش الشاعر وظهر نبوغه في ظل القسوة والتفرقة البشرية التي سادت آنذاك في خواصر العرب، وهي التمييز والتميز بين العبد والحر الذان يأتيان طبقًا لتصانيف أزلية قد تكون المعني لا يعلم طرف خيطه، كما الحال في شاعرنا عنترة بن شداد الذي صارع العبودية فترة من الزمن لأنه ابن زبيبة وهي امرأة حبشية قطعت صحراء العرب تلحث مصائبها وثغراتها الى أن استقرت في يد شداد بن قراد الذي ربما كان آخر عتبة في المسيرة الزوجية، ومنه انجبت عنترة بن شداد اسطورة التاريخ وسنام الحكمة والأدب ورمز العروبة.

وبعد فترة استطاع عنترة ان يشتري حريته بحر فكره وعزمه، فكان امنيته الوحيدة أن يعيش حرًا كريمًا لينثر ما لديه من درر وإنسانية التي تغيب في أعماق العبودية، والناظر لحاله وعزمه على الحرية يرى أن العبودية كانت تمي ملامح الانسانية والبشرية من الوجود فبالنظرية التقريبية العبد كالميت في عرائك المجتمع، وإلا لماذا هذا الشاعر العظيم كان حريصًا لنيل الحرية، حتى أنه عمل كل ما في وسعه .

طلب عنترة بن شداد من أبيه ان يلحق بنسبه ليكتب اسم ابيه بعد اسمه في الالسن والرسائل طلبا شديدا وقد صده أبوه في هذا بأشد التصدية برفض وعقاب، إلى أن جاءت الحرية بدرب لم يتوقعه الابن ولا الاب، فذات يوم جاءت قبيلة بغزو بني عبس في وجود (شداد) فقال كريا عنترة لعلمه بمهاراته وامكانياته لانه سبق أن حجز عنترة مثل هذه الإغارة من قبيلة عبس وحماية ابناء زهير ملك القبيلة . فقال عنترة العبد لا يحسن الكر بل يحسن الحلابة والصر فقال أبوه :كر وأنت حر،،،فأصبح بين لحظة ولحظة حرًا طليقا يجالس الزعماء بدلا من اصطحاب الابل فكر عنترة وقاتل قتالا عنيفًا إلى أن حرر القبيلة من شر الغزاة ....

ظل عنترة في أذهان الناس بأنه رجل جاف لا يخرج من الا صلابة الكلمات التي تنبت من اماكن الحرب والقسوة كقوله:

إذا نحنُ حالفنا شفارَ البواتر

وسُمْرَ القَنَا فَوْقَ الجيادِ الضَّوامر

على حربِ قومٍ كان فينا كفاية ً

ولو أنهُم مثْلُ البحار الزَّواجرِ

وما الفخْر في جمع الجيوشِ

وإنمافخارُ الفتى تفريق جمعِ العساكر

سلي يا ابنة َ الأعمام عني وقد أتت

قبائلُ كلبٍ معْ غني وعامر

ولكن تكمن في نفسه الحنية والشوق والبكاء في فقد الصديق والعزيز لديه ولدى القبيلة سمة لا تفارقه ولكن قل ما تجده في شعره مقارنة بالجم من اشعاره ..

ومن رقائقه ...

بكى هذا الرجل الشجاع الذي فصل كثيرا من الرؤوس من أجسادهم، عندما مات الملك زهير زعيم بني عبس بكاءً شديدًا وقال فيه ابيات ابكت كل من سمعها. وهذه دلالة على أنه كان يكن له الحب والاحترام والأدب حيث قال عند موته ..

تولى زهيرٌ والمقانبُ حولهُ

قتيلاً وأطراقُ الرماح الشواجر

وكان أجلّ الناس قدراً وقد غدا

أجلّ قتيل زارَ أهل المقابر

فَوا أسفا كيْفَ اشْتفى قلْبُ خالِدٍ

بتاج بني عبْس كرَام العشائر

وكيف أنامُ الليل من دون ثاره

وقَدْ كانَ ذُخري في الخُطوب الكَبائر

انظر إلى رقة الابيات في رثاء زهير زعيمهم وحكيمهم .

 

الدكتور صبحي عبد النبي (السودان) أستاذ لغة عربية بالإمارات العربية المتحدة

 

محمود سعيدمدينة صغيرة يلفظون اسمها "جابالا، بـ ج معطشة، كأختها العراقية "جا شلون"، في وسط المكسيك، لا يتجاوز سكانها مع القرى المحيطة بها عشرة آلاف نسمة. من حسن حظي أنني زرتها، في شهر تموز الماضي، بالرغم من أنني لم أصدق الدعاية التي جذبتني تماماً، قلت إنها مبالغة. كل ما أعرفه ان الجو في المكسيك ساخن صيفاً، لكني غامرت، وهكذا وجدت نفسي في البيت الذي استأجرته، وكان أكبر من أن يضمني وحدي، لذا توجست من الملل، لكن الوقت انقضى على أفضل مما أتوقع.

كنا في العراق نعاني من احتباس المطر كثيرا، ونادراً ما تدر السماء بكرمها المتلألئ على قدر ما نتمنى، فأحيانا تنقطع المطر سنتين أو أكثر، وأحياناً تهطل وتفيض وتضر وتخلق فيضانات مدمرة، لكني لحظت في تشابالا مطراً يوميا ينهمر بين الساعة السادسة والنصف مساءً حتى التاسعة، لا يدوم أكثر من نصف ساعة، فإن زاد اتخذ هيئة المداعبة، فهو طلّ، يصفع الوجوه لحيظات ثم ينسحب خجلاً بسرعة، ليكرر ملاطفته بين حين وآخر، حتى إذ حلت التاسعة صفا الجو، وهبت نسائم رائعة جففت الماء والبلل، فكأن لا وجود للمطر قبل ذلك.

كلما كانت المطر تطل بقبلها الخفيفة أتذكر ما جاء في التراث "إن أريد خير بلد أُمطر ليلاً وصُحّى  نهاراً". فلاح تشابالا لا يحتاج لري زرعه مطلقاً، فما يتلقاه من منح السماء كاف لزرعه ويزيد، كل ما يهمه أن يقتلع النبتات الطفيلية من بين الزرع، وينظفه تماماً، ولما كانت شوارع المدينة الصغيرة مبلطة بآجر وأحجار طبيعية، مختلفة الأحجام، فالأرض مليئة بمثل هذه النباتات التي تبرز في  الفراغات، وهذا ما يسلي بعض السكان الذين يدأبون بقلعها من أمام بيوتهم.

ما تجود به ارض تشابالا من خير وفيرلا يصدق، فقد رأيت في هذه المدينة من الفواكه عشرة أمثال ما رأيت في الهند. المعروف أن الهند بلد المانكو "العنبة". لكنه بالتأكيد يحسّ بالخجل والصغار أن رأى شقيقه في تشابالا، ربما يزيد وزن الواحدة هنا على نصف كيلو، أما النوع الصغير الذي بحجم العنبة الهندي فيباع بأكياس نايلون لا بالوزن، ربما كل عشر وحدات بعشرة بنسات. كل ما نعرفه من فاكهة موجود عندهم: موز، عنب، برقوق، خوخ، رمان، شليك، كرز، أجاص، تفاح الخ، إضافة الى أنواع لم ارها في العراق، ولا أعرف أسماءها، لحظت بعضها في ماليزيا وتايلند لكنها متوافرة هنا، وبكثرة تفقد المرء رغبته بتذوقها، وحتى بمعرفة أسمائها، أما جوز الهند عندهم فذو حجم هائل، ولا أبالغ إن قلت أن حجمه بين ضعف أو ثلاثة أضعاف حجمه في دول شرق آسيا والهند، وهذا هو أحد معاني مصداقية الخير الذي يتوافر في المطر الدائم ليلاً.

عندما صرفت العملة التي معي، كان بقربي، لحسن الحظ، من يستطيع فك مغاليق اللغة، فيترجم لي، إذ رأيت تشابها بين عملة فرنسا وعملة المكسيك، فعلى وجه العملة الورقية رجال لا علاقة لهم بالسلطة، عرفت بعدئذ أنهم شعراء، أدباء، أو فنانون، قسم منهم معاصرون، وهذا يعني أنهم يقدرون الفن، ولست بحاجة إلى دليل لتكتشف ذلك، فأي بيت في هذه المدينة الصغيرة حديث وقديم مصبوغ بلون ما، يختلف عن اللون البيت  الذي قبله، أو يماثله، لن تر آجرّ بيت من دون صبغ مطلقاً. ولما كان البناء يمتد إلى جبل متواضع في إحد أضلاعها، فقد سرت الألوان الى الجبل، الذي استحالت شوارعه إلى درائج كمدينة عمّان، لكنها هنا مصبوغة بألوان عدة، تجذب الأنظار بصورها المختلفة.

لكلاب الهند وعي يوحدها، ففي كل ركن من مدينة نيودلهي "مثلا" كلابه الخاصة التي لا تسمح لكلب آخر من حي آخر المرور في شوارعها، فتراها تنبح جميعاً بصوت موحد، لتهاجم، أو ترحب، أو تتسكع، بينما كلاب تشابالا قليلة لا تتجاوز عشرة كلاب، وهي مؤدبة رزينة ذوات خلق جم، فلا تكاد تسمع لها صوت مطلقاً، وكل واحد منها، ينحدر من سلالة تختلف عن غيرها، سلالات غالية الثمن في أسواق أمريكا وأوربا، أرخصها يباع بما لا يقل عن ٥٠٠ دولار، ولو كانت هذه الكلاب في مدينة أمريكية، لما بقي واحد منها بالشوارع ساعة واحدة، لتبناها  أحدهم حالاً، معززة مكرمة، واشبعها حناناً وإلفة. 

من ملاحظاتي أن الأهالي هنا لا يحبون الاحتفاظ بالكلاب، فلم ارَ مواطناً مع كلب قط، من يحوي كلباً سائح فقط. إذن من اين جاءت كلاب  الشوارع؟ بعد التفكير حدست أن السواح، لحظة سفرهم افتقدوا كلابهم، فلم يروها، وتخلوا عنها لظروف اضطرارية، وهكذا انساب في الشارع نحو عشرة كلاب، تجمعت معظمها في الساحة الرئيسة أمام قيصرية المطاعم وباعة الخضار، والتي تقع على الشارع الرئيس "مادورو" قرب الميناء، على البحيرة، تأكل مما تضعه السيدة كارمن أمام عتبتها، أو مما يجود به رواد عربات الطعام في الشارع  الرئيس "مادورو"، ثم تستلم للنوم ليلاً تحت أشجار الساحة.

مع كل هذا الجمال، لن ترَ في الشوارع أي قطة، يبدو ان المدينة كانت تخلو من الكلاب والقطط، حتى جاء السياح، فعرفت الكلاب، لكنها لم تعرف القطط، ثم قادني حسن الحظ إلى السيدة كارمن وهي خمسينية تضع كل يوم طاسة مليئة بطعام صناعي للكلاب، قرب عتبتها، مع طاسة أخرى مملوءة بالماء، دعتني للدخول إلى بيتها، عندها قطتان لا واحدة، وحصلت عليهما من سياح لا تدري لماذا اضطروا لتركهما حين رحلوا.

سألتها إن كانت تعرف السيدة رولا، هزت رأسها، ابتسمت "نعم".  بيت رولا على بعد عشرة امتار من بيتي، وقد تبنت أربعة كلاب من أجمل السلالات، أحدها "فالنتينو" ليس جميلاً كاسمه حسب، بل هو أجمل كلب في تشابالا كلها، رولا فقيرة جداً تعيش من بيع خبز تجلبه من المخبز يومياً صباحاً، وتضعه في سلة أمام بيتها، وما تربحه تأكله وتطعم الكلاب منه.

كلاب تشابالا ينطبق عليها المثل: "عزيز قوم ذل". حينما يراك أحد هاته الكلاب، ينظر إلى عينيك بتركيز واضح، لعله يسأل نفسه هل رآك يوما ما مع سيده، أو في أيام عزه؟ ثم يسحب نظره وطيف ألم يبدو واضحاً في عينيه، مع شعور بالاستسلام لقدر ظالم فرض نفسه عليه.

 

محمود سعيد

علي ثوينيفي حينا (مدينة الحرية) المتهالك، سبق وأن كتبت عن (بيت محينه) الواقع في أول (الدربونه) وخالهم (عجم)، وأولاد أخته البعثيين في الحرس القومي. لكن المفارقة أن جيرانهم القاطن في مساحة الـ55 متر مربع المتاخمة والمتلاصقة كان يأمه شاب نشط ومتكلم لبق أسمه (كاظم الرماحي) وهو يتردد على أخته مالكة هذا "القن". كانت أمرأه راجحة العقل بملامح الفلاحة الجنوبية الحاذقة، من أصول الكوت أو جهاتها، طويلة ومهيبه، اسمها (أم حسنه) لديها بنتين وولد صغير أسمه حمد، وزوجها الحالي هو الثاني، لكن يطلق عليه كذلك (أبو حسنه)، وكانت متحدثه شيقة تضع (البهارات) على ما تقصه، وعادة ما تنقل لوالدتي كل الأخبار والأفكار الدارجة في الحي، وكنت أستمع لها بشغف، و التقط ما يروق لي ويثير فضولي، وحسبي أنها فترة تدريب تطبيقي على مفاهيم الحياة الإجتماعية العراقية التي لم أقطف منها سوى 18 عام فقط، كانت حصيلة كل ما عشته وتعلمته وأتذكره من العراق.

كان (ابا حسنه) عصبي المزاج، وكثير التعرق، وكان يردد (بالقيض لا اشرج ولا أغرب) أي يمكث بدون حراك في بيته. ولفت نظري رغم أمية تكتنف العائلة لكن بيتهم يحوي على مكتبة ضخمة تحوي آلاف الكتب، كانت تثير أهتمامي رغم بعثرتها على الأرض، حيث تناغمت مع سجية بحب الكتب والمكتبات أكتشفته بنفسي لاحقا. وكان صاحب الكتب (كاظم الرماحي) الشخصية الغامضة والمحبوبه. كان قارئ للكتب، مطلع وواعي، رغم عدم حصوله على قسط من التعليم المدرسي ولا يحمل أي شهادة، بل لم أعرف وظيفته ومكان إقامته.

وقد شكل (كاظم) وعمره في نهاية العشرينات، أحد سمات جيل الخمسينات والستينات حينما كان العراقي يقرأ من أجل مسايرة المجتمع الصاعد ويتحاشى الهامش المعرفي للمجتمع، ولاسيما من اقرانه الشباب. وقد شهدتها لدى تجمع من شباب الحي الذين يتراوح أعمارهم بين (16-20 عام) يلتقون دوريا بنهاية الشارع (راس الطرف) ويتكلمون عن أمور لم أكن أفهمها لكنها نقاش يثير حماسي، وربما شكل لي الفضول المعرفي المؤسس. ومازالت ذكرى الحوارات عالقة في ذهني، منها مثلا: هل الإنسان مسجى على تفضيل مصلحته الذاتيه على المصلحة العامة أم العكس؟. وتبين لي لاحقا أنه يفضل مصلحته الذاتية، لكن رومانسية المرحلة الستينية كانت توحي بالعكس. وكان حديث الشباب في حينا يتسم بأدب الحوارالممتع، و تقاذف مفردات جنابك وحضرتك وأخي وعزيزي وسيدي الفاضل.. وأقولها بأمانة اليوم وبعد أكثر من نصف قرن من التغريب والتجريب، بأن ما كان يدور من سجالات عالية الهامة والهمة لدى شباب صغار في حينا الهامشي، يكافئ اليوم بل يزيد على المستوى المعرفي الذي يتشدق به أساتذة الجامعات ولاسيما من يحمل لقب دكتور، وقد التقيت بعضهم، وتيقنت أنهم أقل فقها من جيل الستينات الشباب. وحسبي وبحسب "تحليل خطاب" المرحلة بأن ذلك الرقي الأدائي للفكر، جاء من تأثير توسع نطاق الطبقة الوسطى وتصاعد الهم السياسي الذي فحواه وصلبه فكري، ناهيكم عن إنتشار أفكار المرحوم علي الوردي (1913-95)، حيث كان نشط حينها، و الأمور مازالت إيجابيه في أواسط ستينات القرن العشرين حتى نهاياتها.أي قبيل حلول البعثيين في تموز/ يوليو 1968، وتغير مسار الحياة العراقية الجذري نحو دجل (ديماغوجي) ثم لحقتها شمولية تصاعدت حتى جسدها صدام عام 1979.

لم أكن أتحاور مع كاظم الرماحي بسبب فارق السن ومستوى الوعي، بل كنت أصغي لكلامه الرومانسي "الكبير" عن حقوق المظلومين والفلاحين.وكان جمهوره بنات أخته، اللاتي هزجن يوما في أحد مناسبات الفرح بشكل عفوي: أسمع يا حميد خالك وكع طياره!.. وكان المقصود بها الطائرة الهليكوبتر التي أسقطها ثوار (هور الغموكه) الواقع بين الغراف والشطرة والناصرية، حيث ثار نفر من الشيوعيين المنشقين عن الحزب الشيوعي الذي قصم ظهره البعثيين والناصريين عام 1963، فما كان منهم إلا أن يتأثروا، ويثأروا لأنفسهم، من خلال الحركات الثورية "التروتسكية" التي دعت إلى (الكفاح المسلح) لتصحيح المسارات السياسية، والتي تبنتها عام 1967-68 ودعمتها الصين الماوية، على عكس الإتحاد السوفيتي الذي تحفظ على بعضها و أيد من هو تابع لمخابراته، ويبدوا أن حركة (القيادة المركزية للشيوعيين العراقيين) لم تتبع مخابراتهم ولعبة الأمم وسياقات الحرب الباردة كما في ظفار وأرتيريا والكونغو مثلا، لذا لم تدعم ولم تذكر بعد أفولها.

لقد سبب هؤلاء الشباب الثائرين إحراج لهيبة الدولة المركزية (القومية) التي قدوتها عنتريات عبدالناصر، رغم أنها كان يمكن ان يكون لهم دور في رسم خريطة السياسة في العراق لو كتب لها التصاعد والموائمة مع الظروف، وهي المفعمة بالرومانسية الثورية على هدى (كاسترو) و(لومومبا) و(جي كيفارا) وحرب فيتنام . وقد قادها مهندس مثقف عاش ودرس في بريطانيا، يدعى خالد أحمد زكي، ولمع منها شهيدان هما محسن حواس ومنعثر سوادي، ضمن 12 شاب قادوا ونفذوا الأنتفاضة المسلحة وحركوا ساكن (الوعي الثوري). ويعرف اليوم أن رئيسها الفيلي البغدادي (عزيز الحاج)، والذي أمسك به البعثيون بعد وشاية، وساوموه على أن يعترف عن التنظيم والحركة ويسلم عناصرها لهم، ويظهر في التلفزيون العراقي عام 1969 يشيد بسلطة البعث ويعدها (النموذج الثوري)، مقابل إطلاق سراحه وتعيينه في منصب دبلوماسي، وتحديدا مندوب العراق في منظمة اليونسكو بباريس عام 1971، وقد حاول أن يبرر صفحة الخيانة التي مارسها مع رفاقه، في كتابه (شهادة للتاريخ)، الصادر عام 2001 و شرح فيه سيرته السياسية بتبرير غير موفق.

ذات مره جاءتنا أم حسنه ترتجف وتحمل أكياس كبيره (كونيه) هي وبناتها ويتكلمن مع أمي بسريه وخشيه، وصعدن السطح جرياً، ثم عادن ونقلن غيرها من الأكياس.. ومن فضولي وأنا صغير صعدت أتسقط أمر الأكياس والكلام المثير الذي تداولنه مع والدتي. وكان بيتنا قد حور من حوش داخلي ليغطى سقفه، كما لجأ لذلك في بيوت الحي الصغيرة والحانية، و أحتفظ بيت الدرج في زاوية يمين البيت الذي يؤدي ألى بيتونة السطح وتحته الحمام وجنبه مخزن المفروشات(الحواس) التي تحوي مطارحنا في الصيف والنوم على سطوح بغداد، كعرف بيئي، وتقليد يبدوا أنه تلاشى اليوم. ووجدت الأكياس، وفتحتها فضولا، فوجدتها ملئى بالكتب، لاغير. وتبين بعد الإستقصاء بعد سنين أن تلك هي مكتبة (كاظم الرماحي) التي أرادت أخته (أم حسنه) إتلافها أكثر من إخفاءها خشية من أن يداهمهم العسس وأمن الدولة، ويجدون تلك الكتب التي ل ايعرفون فحواها ومحتواها، كما يبدوا أنها كانت تهمة كافية لأن تزج هي وعائلتها بالسجن.

وكانت (أم حسنه) ألتمست من أمي أن تقوم بحرقها في التنور الذي يقبع فوق السطح . ولم تدخر والدتي جهدا بأيثارها و"نشميتها" المعهودة، وإخلاصها لجيرانها، بأن طفقت تفرغ أكياس الكتب مباشرة بالتنور، وبدات تقيد النار بها، بجهل بقيمة كنوز تحرق. وتسنى لي أن أسرق كتابين أو ثلاث وأخفيها كي لا أوبخ ، وقد أستهوتني أغلفتها، تبين أحدها عن الحرس القومي، لكن البقية ذهبت حصة التنور ودخانها أدراج الرياح. ومكث هاجس يؤرق والدتي وهي اللوامة لنفسها، بأن ربما كان ضمن المحروقات كتاب الله(القرآن)، بعدما أملت الأمية الإعدام المبرم للمكتبة. وعند الوعي بعد سنين أخبرتها، بأن الرجل كان شيوعي، ويستبعد أن يكون قد شمل القرآن لمكتبته.

وهكذا قتل قائد ثورة الهور التي كتب عنها رواية (أعشاب لوليمة البحر) للسوري حيدر حيدر، حينما كان يعمل مدرسا في الجزائر، وبنى نصها على معلومات أمدها بها أحد المساهمين في تلك الثورة الحزبية،  وقد زاد شهرتها أن الأزهر حرمها بطبعتها العاشرة، رغم أنها لا تمس دين أو يقين. وهكذا تكتم الكل على كل أسرار الحركة وشخوصها، وتوارى منذئذ كاظم الرماحي او ربما أعدم ضمن من وشى بهم عزيز الحاج، ولم أشاهده بعد ذلك، بل أن اسماء الـ12 المعلنون لم يكن منهم كاظم و هم: خالد أحمد زكي (جبار) محسن حواس (شلش) منعثر سوادي (كاظم) عقيل عبد الكريم حبش (أبو فلاح) حسين ياسين (أبو علي) عبد الجبار علي جبر (هادي) عبد الأمير عبد الواحد يونس الركابي (لفته) عبد الله شهواز زنكنه ومحمد حسين الساعدي وعبود خلاطي وعلي ابوجي وحمود (صالح)، وربما يكون منعثر لكن لا يمكن أن يكون أسمه الحركي داخل عائلته كذلك .وهكذا مضى أكثر من نصف قرن على تلك الأحداث، لكنها مكثت في ذاكرتي البغدادية مما علق بها من ذكريات بعيدة، في مغترب طال وسنين تمضي وذاكرة يخفت وهجها.

 

د. علي ثويني

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر علينا الذكري الثانية والثلاثين علي وفاة الأستاذ الدكتور عزمي إسلام موسى إسلام (أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب – جامعة عين شمس بجمهورية مصر العربية)، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا العالم الكبير، فهو يعد رائداً من رواد المنطق وفلسفة العلوم بعد الدكتور زكي نجيب محمود الذين أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس في هذا المجال، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم.. كما يمثل أحد كبار مفكرينا المصريين الذين كانوا في القرن الماضي يشرفوننا في المؤتمرات والمحافل التي تهتم بالمنطق وفلسفة العلوم في مصر وفي العالم العربي وأوربا.. كما كان كذلك أحد أبرز أساتذتنا الكبار الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في المنطق الحديث من مجرد التعريف العام به، أو الحديث الخطابي عنه – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

كان الدكتور عزمي إسلام قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وقد شهد له تلاميذه في مصر بالكفاءة والقدرة غير المحدودة علي اكسابهم مهارة التفكير الفلسفي وجعل الأفكار الفلسفية حية في نفوسهم وعقولهم وكان شديد التأثير في تلاميذه لما تميز به من حب لا محدود لتلاميذه لدرجة أن كان يهدي إليهم مؤلفاته المطبوعة من شدة اعتزازه بهم ؛ فقال عنه كلا من : (د.أحمد عبد الحليم عطية – د. حسين علي في مقال بعنوان عزمي إسلام، المنطق وفلسفة التحليل):" يمثل عزمي إسلام، المفكر والأستاذ الجامعي المصري المتخصص في الفلسفة، والذي تركزت جهوده العلمية وإنتاجه الخصب الدقيق في مجال الفلسفة الحديثة عامة، وتحددت بشكل واضح في المنطق (الرياضي أو الرمزي بوجه خاص) والعلوم الفلسفية المتصلة به مثل مناهج البحث وفلسفة العلم ونظرية المعرف... وإذا كان عزمي إسلام بمزاجه العلمي والمنطقي قريباً من فلسفة التحليل المعاصرة، فقد اهتم كذلك بالكتابة في الفلسفة المعاصرة والميتافيزيقا، سواء في كتبه أو بحوثه ومقالاته، كما أولى تراثنا الفلسفي جزءً من وقته واهتمامه، فكتب عن ابن رشد وابن تيمية".

ولم يكتف أحمد عطية وحسين علي بذلك بل أكدا لنا أن :"المنطق الذي شغف به عزمي إسلام – وبخاصة الرمزي – كما ذكر أحمد عبد الحليم عطية – حسين علي يحتاج أكثر من أي مبحث آخر في الفلسفة، إلى معالجة فنية متخصصة لمشكلاته. فالمشكلات المنطقية لا تُحل بلغة مجازية، وإنما تقتضي دقة الصياغة الرياضية، بل إن مجرد التعبير عن المشكلة يكون في كثير من الأحيان مستحيلاً بدون مساعدة لغة تماثل في دقتها لغة ً الرياضيات. والمنطق هو الجزء الفني في الفلسفة، ولهذا السبب ذاته كان شيئا عنه للفيلسوف. ولقد غدت أهمية المنطق الرمزي بالنسبة للتفكير الفلسفي تعادل الآن أهمية الرياضة لعلم الفيزياء".

ويستطردا فيقولا :" إن عزمي إسلام قد اختار أن يدخل إلى الفلسفة من أصعب أبوابها، وأن يسير على أشق دروبها، فخص المنطق الرياضي وفلسفة العلم بقدر كبير من جهده العلمي الدقيق. ولا شك أن كتاباته في المنطق القديم والحديث تضعه بين رواد هذا الميدان العسير من ميادين الدراسات الفلسفية، وتجعله أحد روادها القليلين. أن ولا شك أيضا دراسة المنطق الحديث تمثل القاعدة الصلبة التي تنهض عليها الدراسات الفلسفية المعاصرة، وبخاصة ما أصبحت ٍ في مجالات فلسفة العلوم ومناهج البحث ونظرية المعرفة، بل ربما أصبحت ضرورة لا غنى عنها لفهم التطورات الحديثة في مجالات أخرى تبدو بعيدة عنها، كفلسفة الأخلاق، والميتافيزيقا وفلسفة اللغة".

ولا شك في أنني أؤيد أحمد عطية وحسين علي فيما قالاه عن هذا الرجل العظيم؛ فهو نعم العالم المتوحد الشامخ: سراجاً هادياً.. عالياً كالمنار.. وارفاً كالظل.. زاخراً كالنهر.. عميقاً كالبحر.. رحباً كالأفق.. خصيباً كالوادي.. مرفرفاً كالعَلم.. لا يرجو ولا يخشي.. طاقته لا تنضب.. كأن وراءها مدداً يرفدها من سر الخلود .

ولد الدكتور عزمي إسلام بالقاهرة في اليوم الثاني عشر من شهر أغسطس سنة 1931، وتوفى في خريف 1987 بمدينة القاهرة عن عمر 56 عاماً عقب إصابته بأزمة قلبية. حصل عزمي إسلام على درجة “الليسانس” في الفلسفة من كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1953، وعلى “الدبلوم” العامة في التربية وعلم النفس من جامعة عين شمس في السنة التي تلتها (1954). وقد عمل بتدريس المواد الفلسفية بالمدارس الثانوية ما يقرب من اثنى عشر عاما، تقدم خلالها للحصول على درجة الماجستير عن “نظرية المعرفة عند جون لوك” (1962) من جامعة القاهرة. وكان معاراً من قبل وزارة التعليم العالي للتدريس بالجامعة الليبية (كلية الآداب والتربية) خلال المدة سبتمبر 1964 إلي فبراير 1967، قبل تعيينه مدرساً بجامعة عين شمس. ثم حصل علي درجة الدكتوراه في قسم الفلسفة بآداب القاهرة بـ “مرتبة الشرف الأولي” في السادس عشر من مارس عام 1966 .وكانت أطروحته للدكتوراه “فلسفة التحليل عند فتجنشتين” بإشراف الدكتور زكي نجيب محمود.

بدأ عزمي إسلام عمله مدرساً بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة عين شمس في الأول من شهر فبراير سنة 1967، وأخذ يترقى في سلم الدرجات الجامعية من مدرس إلى أستاذ مساعد ( 3/10/1973(  إلى أستاذ (27/2/1978 ( إلى رئيس لقسم الفلسفة بآداب عين شمس (1978 – 1979(. وسافر للعمل في قسم الفلسفة بكلية جامعة الكويت في الفترة من 12/9/1971 إلي 31/8/1975، وعاد واستلم عمله بقسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة عين شمس اعتبارا من 2/9/1975، واستقال ليواصل العمل بجامعة الكويت. نال الدكتور عزمي إسلام جائزة الدولة التشجيعية (في تاريخ الفلسفة والمنطق) قبل وفاته بعشر سنوات (في شهر ديسمبر سنة 1978).

وللدكتور عزمي إسلام مؤلفات كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : كتاب أسس المنطق الرمزي، وكتاب الاستدلال الصوري (جزآن)، وكتاب دراسات في المنطق، وكتاب مقدمة لفلسفة العلوم، وكتاب مبادئ التفكير العلمي، وكتاب مفهوم التفسير في العلم، وكتاب جون لوك، وكتاب مدخل إلى الميتافيزيقا، وكتاب مفهوم المعنى –دراسة تحليلية، وكتاب اتجاهات في الفلسفة المعاصرة، وكتاب مدخل إلى الميتافيزيقا.. الخ.

هذا بالإضافة إلي الكتب المترجمة مثل : مقدمة للمنطق ولمنهج البحث في العلوم الاستدلالية”، لـ (ألفرد تارسكي)، “فلسفة الذرية المنطقية” (وهى المحاضرة الأولى من ثماني محاضرات ألقاها "رسل" في جامعة لندن بين عامي 1917 و 1918،”، وكتابي بحوث فلسفية”، "رسالة منطقية فلسفية" لـ (لودفيج فتجنشتين)، مطبوعات جامعة الكويت، الكويت، 1990، مراجعة وتقديم د. عبد الغفار مكاوي..الخ.

ومن البحوث والدارسات والمقالات التيَ طُُّور معظمها أو أُدمِج في كتب ما يلي: “ رسالة منطقية فلسفية للودفيج فتجنشتين”، و“مشكلة المعنى في الفلسفة المعاصرة” و“التحليل في الفلسفة المعاصرة” و “واحدية محايدة بين العقل والمادة”،  و“الاتجاه الذري في الفلسفة المعاصرة”، و“مبادئ الأخلاق لجورج مور”، و“مشكلة الحتمية في الفكر المعاصر”، و“ من حقوق الإنسان في الإسلام”، و“من الميتافيزيقا إلى فلسفة العلوم”،و“ابن تيمية والرد على المنطق الأرسطي”، و“المنطق الصحيح لتشارلز بيرس”،، و“برتراند رسل الفيلسوف الإنسان”، و“ألفرد نورث هويتهد”، و“فتجنشتين وفلسفة التحليل”، و“الفلسفة والطب لليدرمان”،و“ابن رشد، دراسة تحليلية”،و“مفهوم الزمان عند ماكتجارت”، و“الدكتور زكي نجيب محمود ومكانته في الفكر العربي المعاصر”، و“في فلسفة العلوم الإنسانية”، و“البرهان الرياضي على المعرفة بوجود الله عند جان موران”، فضلاً عن كتابة عدد من مواد "معجم الأعلام" عن بعض المصطلحات في المنطق وفلسفة العلم وبعض أعلام الفلسفة الحديثة والمعاصرة.

وبجانب اهتمامه بالمنطق الصوري، كان عزمي إسلام مهتما بالفلسفة التحليلية ؛ وبالأخص تحليلية فتجنشتين، حيث كان الرجل يؤمن بأن فلسفة " فتجنشتين"  نقطة تحول حاسمة في تاريخ الفكر الفلسفي المعاصر، ويرجع ذلك إلي أهمية المنهج الذي اصطنعه في بحث مشكلات الفلسفة وهو المنهج التحليلي الذي يتناول عبارات اللغة، التي نصوغ  فيها الأسئلة والمشكلات الفلسفية، يتناولها بالتحليل المنطقي لكي يكشف عن أن هذه المشكلات ليست أصلا بمشكلات، وأنها لم تنتج إلا عن سوء استخدام اللغة، الأمر الذي جعل فلسفة " فتجنشتين" كما يقول عزمي إسلام، أشبه ما تكون بالثورة علي الفلسفة التقليدية، وذلك لأنها غيرت من مفهوم الفلسفة نفسها وكذا من مجالها ووظيفتها، فأصبحت الفلسفة لديه عبارة عن تحليل للغة، وانتقل مجال البحث فيها من البحث في الأشياء في ذاتها أو الوجود من حيث هو موجود أو العلة أو المطلق أو الجوهر أو اللامتناهي أو العدم .. إلي غير ذلك – إلي البحث في العبارات والألفاظ التي يقولها الفلاسفة وتحليلها لبيان ما له معني منها وما لا معني له أو لبيان الصحيح منها والخاطئ بناء علي اتفاقها أو اختلافها مع قواعد الاستخدام العادي للغة، ومن ثم تغيرت مهمة الفلسفة فأصبحت تحليل مشكلات الفلسفة بدلاً من إقامة نسقات فكرية أو ميتافيزيقية متكاملة، أصبحت الفلسفة لديه فلسفة للفلسفة، وأصبح عمل الفيلسوف عنده، هو أن يكون فيلسوفا للفيلسوف بتحليله لما يقول.

ويؤكد عزمي إسلام أن عمل " فتجنشتين " الفلسفي ينقسم إلي فترتين، فترة مبكرة وأخري متأخرة . وتجد الفترة المبكرة صياغة دقيقة لها في " الرسالة المنطقية الفلسفية " . ولكن فتجنشتين لم ينشر شيئاً عن فترته المتأخرة، وإن كان لدينا صورة أولي عنها، وذلك في كتابيه " الأزرق" و" البني" نسبة للون غلاف كل منهما، ثم صورة ثانية في كتابه : البحوث الفلسفي" Philosophical Investigations .

ثم يوضح عزمي إسلام أن هذا الرأي هو الذي يتفق عليه معظم الشراح والباحثين، حتي أن بعضهم  لا يقتصر علي تأكيد الفروق الأساسية بين المرحلتين، وإنما يذهب إلي حد الكلام عن فلسفة " أولي " وفلسفة " ثانية "، مثل الاستاذ فولفجانج اشتيجمولر في كتابه عن التيارات الأساسية في فلسفة العصر الحاضر . غير أن فيهم من يكتفي ببيان الأفكار التي عدل عنها في فلسفته المتأخرة، والتعديلات التي أدخلها علي آرائه ومواقفه التي تبنهاها في الرسالة نتيجة للتوسع في منهج التحليل، واختلاف تطبيقه، وتغير مفهومه عن اللغة، مثل أ.ج. آير في كتابه عن فلسفة القرن العشرين، وفيهم كذلك من يحاول أن يثبت أن فلسفة " فتجنشتين " ظلت في جوهرها وغايتها واحدة لم تتغير، وأن الهدف منها – علي الرغم من التوسع والتنويع في استخدام منهج التحليل اللغوي والمنطقي – هو نفي الفلسفة نفسها ودفعها إلي النهاية وإجبارها علي " الانتحار" وتقديم الأدلة والمسوغات لبيان أن عباراتها إن لم تكن لغوا هاماً ( كما قال في الرسالة) فهي في أفضل الأحوال تحاول أن تقول ما لا يمكن أن يقال، وإنما يظهر نفسه أو يتجلي بنفسه ( كما قال في البحوث الفلسفية) ... وكأن الهدف من " فاعلية " الفلسفة هو في النهاية تأكيد أن قضايا الفلسفة لا معني لها، ومن أراد أن يبحث عن المعني فليذهب إلي العلوم الطبيعية أو فليرجع إلي لغة الحياة اليومية " الجارية" التي هي صورة من صور الحياة.

ويستطرد فيقول إن دراسة فكر " فتجنشتين " في المرحلة الأولي يبدو وكانه مقطوع الجذور عن تطوره في المرحلة الثانية ؛ بمعني أن فكر " فتجنشتين " المتأخر هو سلب أو نفي لفكرة فتجنشتين المبكر. وبالتالي فإن هناك قطائع ابستمولوجية في فلسفة " فتجنشتين "، وهذه القطائع تنبثق من منطلق أن " تاريخ العلم يتخلله الكثير من القفزات والوثبات والتحولات الفجائية والجذرية وأن التقدم في تاريخ العلم لا يشبه ابدا درجات السلم التي يصعد عليها العلماء درجة بعد درجة للوصول إلي الغاية المنشودة وهي التقدم، وإنما التقدم كما يشهد عليه تاريخ العلم لا يسير وفقاً لخطي متصلة مستمرة، وإنما يحدث من خلال قطائع وانفصالات". وهذه القطائع نحاول هنا في هذه الدراسة إلقاء الضوء عليها، وتحليل عناصرها الأساسية في ضوء أهمية دراسة الابستمولوجيا في الفكر الفلسفي المعاصر.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور عزمي إسلام الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور عزمي إسلام، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

منير لطفيرغم تفاوت الأزمنة والأمكنة، وتمايُز الرتوش والتفاصيل؛ إلّا أنّ التاريخَ ما برح  يكرَّر نفسَه ويعيد الحدَثَ ذاتَه مع تطابُقٍ في المضمون وتوافُقٍ في الجوهر، حتَّى ليُخيَّل إليك أنَّ التاريخ ينفخ في رمادٍ حين يُعلِّم ولا أحد يتعلَّم، ويصرخ في وادٍ حين يُدرِّس ولا أحد يَدْرُس؛ فالرحلة من السجون والمنافي إلى القصور والعروش، لم يكن الجنوب إفريقي المناضل (نيلسون مانديلا) هو مَن قصَّ شريطَها وأعلن افتتاحها، ولن يكون التونسيّ النبيل (المنصف المرزوقي) هو مَن يكتب خاتمتها أو يغلق الباب دونها، طالما أنَّ عجلة التاريخ تسير وذاكرة البشَر تتبلَّد، بينما سُنَن الله لا تتبدَّل ولا تتحوّل.. "سنّة الله التي قد خلَت من قبل ولن تجدَ لسُنّة الله تبديلا" ، "فهل ينظرون إلّا سنّت الأوّلين فلن تجد لسنّت الله تبديلا ولن تجد لسنّت الله تحويلا".

في تونس الخضراء الواقعة في الشمال الإفريقي على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وفي قرمبالية الواقعة 30 كم جنوبي العاصمة، وإبّان الاحتلال الفرنسي الذي جثم على صدر التونسيين لسبعة عقود ونصف؛ وُلِد محمد المنصف المرزوقي في السابع من يوليو عام 1945م، وتربّى في حِجر عائلة بدويّة تنتمي إلى قبيلة المرازيق التي وصَف أطفالَها في مذكّراته بأنهم يُولدون وفي فمهم عَجُز أو صدْر بيت من الشِّعر، ولا يزعقون إلّا على وزنٍ من أوزان الخليل، كناية عن امتلاكهم ناصية اللغة والشّعر.

 وبعد تلقِّيه مبادئ الدراسة الأوّلية بالعاصمة التونسية، رحل إلى والده المَنفِيّ سياسيّا بطنجة المغربيّة، وذلك في عام 1961م، حيث تحصَّل هناك على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة)، قبل أن يمدّ له القدر يده بفرصة ابتعاث ثمينة لدراسة الطبّ في فرنسا بدعم من الحكومة الفرنسية. وعن علاقته بالقراءة في هذه السنّ المبكّرة، ذكر أنه ببلوغه عتبة الخامسة عشرة كان قد قرأ مؤلَّفات العقّاد والمنفلوطي وطه حسين وتيمور وجبران، إضافة إلى دواوين كبار الشعراء.  علاوة على الفرنسيّة التي أجادها وقرأ بها لموليير وراسين وكوناري وغيرهم. هذا بالإضافة إلى الأدب الروسي وزعيميْه تولستوي ودوستويفسكي.

وبين جنبات مدينة النور (باريس)، لبث خمسة عشر عاما (1964-1979م)، التحق خلالها بجامعة ستراسبورغ التي تُعَدُّ مِن أعرق الجامعات الأوروبية وأكبر الجامعات الفرنسيّة؛ فدرَس الطبّ، وتحصَّل على درجة الدكتوراه في تخصّص الأعصاب، ثمّ عمل بالتدريس في الجامعة ذاتها، قبل أن يسافر إلى الصين ليدرس نظام الكومونات وطريقة تقديم الخدمات الصحيّة، والتي استفاد منها لاحقا لدى عودته لتونس وعمَلِه كأستاذ مساعد لطبّ الأعصاب في الجامعة التونسية، ثمّ مشرفا على قسم طبّ المجتمع وتجربة الطبّ الجماعي بكلية طبّ سوسة، وهو القسم الذي يركّز على الجانب الوقائي ويحتكّ بقعر المجتمع في القرى والنجوع.

واستنادًا إلى نشاطه السياسي المناوئ لسلطة (زين العابدين بن علي) الاستبدادية آنذاك، ودعْمه للحريّات والحقوق من خلال تأسيسه للرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان؛ اعتُقِل وطُرِد من وظيفته الجامعية، وكان عليه أن يختار بين ثلاثة اختيارات أحلاها مرّ، تلك الاختيارات التي ضمّنها ابن خلدون مقالته حين قال: "إذا دخلتَ إفريقية (تونس) فوافِق أو نافِق أو غادِر". ولمّا أبت نفسه الحرّة أن يوافق أو ينافق، اختار أن يحزم حقائبه من بلدٍ جارت عليه وهي عزيزة وقومٍ ضنّوا عليه وهم كرام، فغادر إلى فرنسا كمنفًى قسْريّ لمدة عشرة أعوام أخرى (2001-2011م)، عمل خلالها محاضرا في جامعة باريس، واستكمل  بذلك عدّة الربع قرن في فرنسا.

وعلى أنغام ثورة الياسمين التي كانت باكورة الثورات العربية، وجاءت كريحٍ صرْصرٍ عاتية فرّ مِن هولها الطغاة وطأطأ لها الجبابرةُ الأعناق؛ عاد المرزوقي إلى تونس مرفوع الرأس موفور الكرامة، فأسّس حزب المؤتمر مِن أجل الجمهورية، وترشّح للرئاسة، وفاز بها في أوّل انتخابات حرّة وديمقراطية منذ نشأة الجمهورية وانتهاء عصر البايات الملكي في عام 1957م ، ليَعْبر بالثورة التونسية في تؤدة واتزان إلى مرفأ السلامة وبَرِّ الأمان، رغم أشواك الثورة المضادة وتربُّص العديد من القوى الإقليميّة والدوليّة.

والواقع أنه لم يكن طبيبا وسياسيّا وحقوقيّا فحسب، ولكنه يُضاف إلى عداد المفكّرين بالنظر لمؤلَّفاته التي جابت حقولًا معرفيّة متباينة، كالطبّ والفكر والسياسة والأدب، ولعلّ أشهرها مؤلّفه الصادر عام 2010م  تحت عنوان (الرحلة..مذكّرات آدمي)، بعدما وُلد بعمليّة قيصرية تعرّض فيها للنصب من قبل أحد الناشرين الذي قبض المبلغ والمخطوطة وذهب كالريح، وجُوبه من قِبل ناشرين آخَرين بالرفض المهذّب تارة وغير المهذّب تارة. مع أن الكتاب سِفرٌ فتِيٌّ غجريّ، حفل بالسرد الروائي والحوار المسرحي والعمق الفكري والتحليل الفلسفي والأسلوب الأدبي، وجاء مغايرا لِما عهده القرّاء في المذكّرات من استقصاء الوقائع وسرْد الأحداث حسب الترتيب الزماني والمكاني، وهو ما استشْعره المرزوقي ونبّه إليه في صدر الكتاب قائلا: "لن يكون من السهل تصنيف هذا الكتاب، فهو كتاب قد يقبل به الأدب أو الفلسفة أو حتى العلوم الإنسانية.. وقد يُطرَد من كلّ هذه الميادين باعتباره جنسا هجينا لا ينتمي لأيّ حقل معرفي محترَم ومعترَف به".

ولعل هذا ما دعا الجهات الدولية لتكريمه في محافلها المختلِفة؛ فنال درجة الدكتوراه الشرفيّة من جامعة تسوكوبا اليابانية، وصنَّفته مجلة فورين بوليسي الأمريكية ضمن أفضل مائة مفكر عالميّ في عامي 2012و2013م. كما تمَّ تكريمه من قِبَل المُنتدَى المغاربي، والمعهد الملكي للشئون الدولية في لندن. عدا عن حصوله على ميدالية حقوق الإنسان مِن قِبَل الأكاديميّة الوطنيّة الأمريكيّة للعلوم ، وغيرها.

وبالرغم من إخفاقه في الترشّح الثاني للرئاسة التونسية عام 2014م، وبلوغه منتصف العقد الثامن من العمر؛ إلّا أنه ظلّ وفيًّا لمبدئه حين قال: "كونوا صُنَّاعا للحدَث ولا تكونوا مِن ضحاياه"، إذ مازال يَشتعل حماسة لإرساء دعائم الحريّة والديمقراطيّة، ليس في تونس وحدها بل في محيطه العربي والإفريقي، ومنها تأسيسه لحزب سياسي جديد اندمج بموجبه حزب المؤتمر من أجل الجمهورية مع كيانات سياسية أخرى، وهو حزب حراك تونس الإرادة الذي رأى النور في عام 2015م، وهو العام نفسه الذي انطلق فيه ضمن أسطول الحرية الرابع لكسر الحصار الظالم على غزّة، فاعتقله الصهاينة وقاموا بترحيله إلى فرنسا، بعد أن مُنعت السفن من الوصول لبغْيتها.

ومن الناحية الفكرية، وعلى امتداد مسيرته النضالية الطويلة؛ ظلّ يفاخر بانتمائه إلى مدرسة سياسيّة متفرّدة، احتذى فيها بمانديلا إفريقيا وتأسَّى بغاندي الهند، تلك المدرسة التي تهدف إلى أخْلقة السياسة وتنقيتها من عفن الاستبداد والفساد والكذب، وإلى أنْسنة الحُكم بنفْض القدسيّة عن الحاكم الذي يتألّه فيعتبر نقدَه عيبا في الذات العليّة وتَعدِّيا على قدس الأقداس! وهو بهذا ليس علمانيا قحّا يغرّد خارج سرب الدِّين، بل علمانيّا متصالحًا مع عروبته وإسلامه، ومتباهيًا بالاقتداء بمحمّد النبيّ صلى الله عليه وسلّم وعمر الفاروق رضي الله عنه. بمعنى أنّ العلمانية في نظره ليست سوى تقنيات تكنولوجية حديثة، وأدوات حكم جديدة، تسعى إلى تحقيق المقاصد الشريفة التي هي من صلب الدِّين ولا ريب، كالحريّة والكرامة وحقوق الإنسان والمساواة وتداول السلطة.

ومع أنه قضى شطرا كبيرا من عمره في فرنسا، وتشبّع بثقافتها، وكتب أربعة كتب بلغتها، وتزوّج من إحدى بناتها؛ إلّا أنه لم يستغرب كما استغرب الكثيرون من سكان المغرب العربي الذين نزحوا إلى فرنسا، بل ظلّ وفيًّا لجذوره البدوية وحضارته الإسلامية ولغته العربية، إيمانًا منه بأنه لا تَقدُّم لأمّة لا تحترم نفسها ولا تقدّر لغتها، وهو ما أقرّه بوضوح قائلا: "أنا لا أستطيع التنكّر لأصولي البدوية ولا لانتمائي للطبقة الفقيرة ولا لمجيئي من منطقة مهمَّشة، كلّ هذا سيبقى موجودا في داخلي". ولعلّ هذا عائدٌ –كما قال- إلى متانة وعمق الانتماء الذي تربَّى عليه في البيت والمدرسة، والتصاقه بأخبار وطنه وهموم أمّته، ومداومته على القراءة والكتابة بلغة الضاد. إضافة إلى معرفته الدقيقة بأمراض الحضارة الغربيّة من استشراء إدمان الكحول، والتشتّت العائلي، والماديّة المفرِطة.

وقد وضع يده على نقطة التقاطع بين الطبيب والسياسي، وأشار إلى استراتيجية التوازن المشترَكة بين الطبّ والسياسة، وذلك في إحدى لقاءاته الصحفية بقصر قرطاج الذي أدار منه دفّة البلاد قائلا: "أنا طبيب أعرف أنّ الصحة هي قدرة الجسم على إعادة التوازنات التي اختلّت بعد المرض، وبالنسبة لي: السياسة وحقوق الإنسان هي إعادة هذه التوازنات التي اختلّت بين المناطق، بين الجهات، بين الأمم العربية والأمم الأخرى".

ومن مواقفه الإنسانية التي أبَت فيها نفسُه أن تسكنها روح التشفّي والانتقام، توديعه لجسد بورقيبة عام 2000م، والذي حكاه ضمن مذكّراته قائلا: "على جثمان رجلٍ حقدتُ عليه طفلا لأنه كان عدوّ الأب، وشابا لأنه كان عدوّ العروبة، وكهلا لأنه كان عدوّ الديمقراطية؛ قرأتُ الفاتحة بتأثُّر، لأنه من القِيم التي ربّتْني عليها والدتي أنه بحضور الموت تنتهي الضغائن والأحقاد". 

***

بقلم: د. منير لطفي

طبيب وكاتب - مصر

 

 

عبد الرضا عليحينَ عرضتْ جامعةُ الموصل على ثالث النهرين ضيافته، ليفتتحَ موسمها الثقافي للعام 1980م،  اشترطَ أنْ يصحبه في الزيارة صديقاه الحميمان: الدكتور مهدي المخزومي، والدكتور عليّ جواد الطاهر (رحمهم الله)، فما كان من رئيسِ الجامعة المرحوم الدكتور محمّد مجيد السعيد(آنذاك) إلاَّ أنْ يُبادرَ بفرحٍ غامرٍ إلى تكليفِ زميلي الدكتور سعيد جاسم الزبيدي بالاتصالِ بهم، وتحديدِ موعدِ الزيارةِ، ومرافقتهم في الرحلةِ إلى الموصلِ .

لكنَّ سعيداً الزبيديَّ لم يوفقْ في إصعادِهم الطائرة في اليومِ المحدّدِ للسفرِ إلى نينوى، فقد أُلغيتِ الرحلةُ، فهاتف رئيس الجامعة، وطلبَ موافقتهَ في نقلهم بالسيّارات إلى الموصل، فأرسلَ السيِّد رئيس الجامعة سيّارتين إلى بغداد، كانت الأولى سيّارته، وكانت الثانية سيّارة نائب رئيس الجامعة، ويقول الدكتور سعيد الزبيدي: (وانطلقنا صباحاً، ركبَ الجواهري والمخزومي والطاهر في سيَّارةٍ، وركبتُ سيَّارةً أُتابعهم بتا، وبعد أن تجاوزنا حدود مدينة بغداد وقفتْ السيارةُ التي تُقلُّهم جانباً، فظننتُ أنَّهم يبتغونَ أمراً، فوقفتْ السيّارة التي أستقلُّها خلفهم، ورأيتُ الأستاذَ الطاهرَ يترجَّلُ، ويتَّجهُ نحوي، وطلبَ منّي أنْ أُشاركَهم في السيّارةِ التي يستقلُّونَها، فكانت فرحتي لا توصفُ وأنا أتوسّطُ المقعدَ بين المخزومي والطاهر، ومن فُرجةٍ بين مقعدِ الجواهري، ومقعدِ السائقِ لمحتُ الجواهري يُمسِكُ ورقةً ويكتبُ في أوَّلها كلمة لم أتبيَّنها،ثمَّ يكتبُ كلمةً في آخرِ السطرِ منها، فاستغربتُ من صنيعِهِ هذا، ثمَّ التفتُّ إلى أستاذي الطاهرِ لأخبرهُ بما رأيتُ، فقال: هكذا تولدُ القصيدةُ الجواهريَّة!)¹

1056 الجواهري4

وكان الأستاذ سعيد الزبيدي قد هاتف رئيس الجامعة قبل انطلاقهم، محدّداً ساعةَ وصولهم الموصل، فارتأى السيّد رئيس الجامعة أنْ يتمَّ استقبالُ الضيوفِ على مشارف مدينة الموصل بمبعدةٍ لا تقلُّ عن ثلاثين كيلومتراً، عند موقعٍ معيّنٍ، ففرحنا،لأنّنا سنلتقي بالجواهري عن قرب، ووجهاً لوجهٍ، فخرجَ المستقبلون من الأساتذة وأبناءِ الموصلِ الكرامِ بسيّاراتهم، وببعضِ سيّارات الجامعة، وكان على رأسهم السيّد رئيس الجامعة، وأعضاء من مجلسها.

1056 الجواهري8

وصل الموكبُ عصراً (في العشرين من شهر شباط من العام 1980م)، وبعدَ أن تمَّ استقبالهم بالأحضان والقبل، والترحيب، سارَ الموكبُ إلى المركزِ الثقافي لجامعةِ الموصل حيثُ دارُ الضيافةِ، فحلّوا ضيوفاً مكرّمين، وبعد استراحتهم (بضعِ ساعات) أُقيمت الأمسيةُ الشعريَّة في قاعةِ مسرحِ المركز الثقافي لجامعة الموصل، فألقى الدكتور أحمد الحسّو الأمين العام للمكتبات كلمة جامعة الموصل، ثمَّ تولّى الدكتور طارق عبد عون الجنابي رئيس قسم اللغة العربيّة في كلية التربية إدارة الأمسية، فدعا الأستاذ سعيد جاسم الزبيدي لإلقاءِ قصيدته الترحيبيّة بالجواهري، فألقى بين يدي ثالثِ النهرينِ قصيدةً من أربعةٍ وثلاثين بيتاً كان مستهلها:

أطلقْ جناحَ القوافي أيُّها الغردُ

                           فما يُشنِّفُ آذانَ الورى أحدُ

فكان صدى وقعها على الجواهري محبَّباً مريحاً.

1056 الجواهري3

ثمَّ قدّمَ الكتور طارق الجنابي الأستاذ العلاّمة الدكتور عليّ جواد الطاهر، فألقى دراسةً تعريفيّةً نقديَّة وسمها بـ (هو الجواهري)، وبعد انتهاء الطاهر من دراستِهِ النقديّة، ارتأى العلاّمة الدكتور مهدي المخزومي أنْ يتنازلَ عن الوقت المخصَّصِ لدراستِه النقديَّة لصديقهِ الجواهري، وآثرَ أن يتمَّ نشرَ دراستِه النقديّة التي وسمها بـ (في لغة الجواهري) مع ما سيدورُ في الأمسية في الكتابِ الذي أسندَ السيّد رئيس الجامعة مهمّة إصدارهِ للصديقِ سعيد الزبيدي، ولكاتبِ هذه السطورِ، فأصدرناهُ موسوماً بـ (الجواهري في جامعة الموصل، كلمات ومختارات) بعد وقتٍ قصير من الزيارة.

1056 الجواهري2

ثمَّ قدّمَ الدكتور طارق الجنابي الجواهري قائلاً: (تقرأ الجواهري فتـشمُّ رائحةَ الترابِ العربيّ المضمَّخِ بدماءِ الشهداءِ، وبالحضارةِ العربيَّةِ، وبالوجودِ العربيّ، ثمَّ تسمع الجواهري، فتسمع صوتاً عربيَّاً دافئاً دافقاً يتحدَّرُ إليكَ عبر التأريخ الطويلِ، نسيجٌ عربيٌّ، وكلامٌ عربيٌّ، وضميرٌ عربيٌّ، لكأنَّنا نعيشُ مع الجواهري تاريخنا المعطَّرَ كلَّهُ.

أيها الأعزَّاءُ، أقدّمُ لكم بحبٍّ، وودٍّ، وإخلاصٍ صادقٍ، الكلمة الصادقة في كلِّ مكانٍ، وكلِّ زمانٍ أُستاذَنا أبا الفراتينِ، ابن الفراتينِ)²

فارتقى الجواهري الكبير المنصّةَ مُستهلاً قراءته بكلمةٍ قال فيها: (أشكُرُكم جزيلَ الشكر. أنا خجلٌ، ولخجالتي أكثر من سبب... أنا خجل لأنَّني مغمورٌ بألطافٍ أكثر ممّا أطيق التعبير عنها... وأنا خجلٌ مما غمرني به الأخوانُ: وفي الطليعةِ والأول منهم سيادة الرئيس، رئيس الجامعة (أبو غدير) والأستاذ الشاعر المبدع السيّد سعيد، أمَّا الدكتور علي جواد الطاهر فكما رأيتُم فهو أنا، أكثر ممّا أنا... ولا أريد أنْ آخذ من وقتكم.

أولاً: النثرُ بوجودِ الأستاذ الطاهرِ، والدكتور المخزومي، ووجودِ أساتذتكم أولى منّي بهذا الموقف، سبق لي أن قلتُ: (لقد أكلتْ القوافي لساني، ولم تترك منه شيئاً لغيرِ الشعر.)

وثانياً: لا حاجة للنثرِ، فكل كلمة نثر تأخذُ منكم قافيةَ شعر، فلا حاجة لها... إنَّما أعيد شكري، وشُكري الجزيل، لأنَّني سعيد بهذه الفرصةِ التي أتاحها لي سيادة الرئيس، رئيس الجامعة، والأخوان.

هذه فرصةٌ أعدُّها من العمر. وأسالُ اللهَ ألاّ يذهب هذا العمر دونَ أنْ أراكم مرَّةً ثانية، ثمَّ أشارَ إلى ظروفِ الرحلةِ، وكيفَ كادت أن تُلغى بسبب إلغاءِ رحلةِ الطائرةِ، منبِّهاً إلى أنه كتبَ (أُمّ الربيعينِ) في الطريقِ ما بينَ بغداد والموصلِ بصحبةِ الأستاذينِ الدكتور علي جواد الطاهر، والدكتور مهدي المخزومي، مختتماً مستهلَّهُ النثري بقولهِ: (وجئتُ، وفي الطريقِ قلتُ: يجبُ أن أُقدِّمَ شيئاً للموصلِ العظيمة،لأبناءِ الموصل، لشبابِ الموصل، وكنتُ بينَ لحظةٍ ولحظة أُسجِّلُ كلمةً، وهذهِ هي المُسوَّدةُ، وأنا أعِدكم – إن شاء الله- أنَّها قريباً ستكون لديكم كاملة)³

1056 الجواهري6ثمَّ استهلَّ قراءاتهُ الشعريّةَ برائعتهِ (أمَّ الربيعين) التي حيَّا بها الموصلِ، وأبناءها:

أُمَّ الربيعينِ يا منْ فُـقْتِ حُسنَهُما

              بثالثٍ من شبابٍ مُشـرقٍ خضلِ⁽⁴⁾

وحين وصل إلى قولهِ:

ويا محطَّ المُـنى فـي كلِّ مأزمةٍ

               ويا مِجنَّ الحِمى في الحادثِ الجلَلِ

عهدٌ بأنْ سأصونُ العهدَ في قفصٍ

                 من الضلوعِ، وفي زاهٍ من الحُلَلِ

ويا عطوفـينَ لمَّتـني شمائلُهمْ

                   كمـا يلِمُّ الكميُّ السـيفَ من فَلَلِ

شوقاً إليكمْ مدى عمْرٍ تجيشُ بهِ

                شتَّى الدواعي وما زالتْ ولمْ يَزَلِ

توهَّـجتْ وهْوَ في مُزْبَدِّ عارِمِهِ

                 وتغتلي فيهِ، وهْوَ اليومَ في وشلِ

شوقاً أمِنتُ جَناني أنْ يَزِلَّ بـهِ

                   وقد يزِلُّ الفتى خوفاً من الزَّلَـلِ

شوقاً تعثَّرَ بي في زحمةِ الخجلِ

                    ألاَّ أُطيقَ لهُ وصفاً على عجَـلِ

ضجَّتِ القاعةُ بالتصفيقِ المرتفعِ ارتياحاً، وإعجاباً، وتكريماً للشاعر.

ثمَّ بدأ بقراءةِ  مختاراتهَ التي أعدَّها في قصاصاتٍ لا يستطيع أحدٌ غيره قراءتها، لأنَّه يكتبُ أحياناً مفردةً واحدةً من صدر البيت، ومثلها من عجزه، وأحياناً مطلع الصدر برمَّتهِ، وأحياناً المفردة الأولى من العجز، وأحياناً قليلةً جدَّاً يكتبُ البيتَ كاملاً، وسيرى القارىء الكريم أُنموذجاً من خطِّ الجواهري، وكتابتِه مع هذه الدراسة.

وكانت تلك المختارات:

يا دجلة الخير.

لغزُ الحياةِ.

ليلة عاصفة على فارنا.

وصرفتُ عيني.

وحيُ الموقِد.

أرِحْ ركابك.

أزفَ الموعد.

يا أمّ عوف.

رسالة مُملَّحة.

***

وبعد انتهاءِ الزيارةِ مباشرةً شرعنا بإعدادِ الكتاب، وتوزَّعتْ موادُّهُ في ثلاثةِ أبوابٍ، بعد المقدّمةِ، ولقطات من الزيارة هي:

الباب الأوّل: احتوى على ما قيلَ في الأمسيةِ من كلمات، وشعر، ودراسات، وتعليقات.

الباب الثاني: احتوى على قصيدة (أمّ الربيعين) وما قرأ الجواهري من مختاراته الشعريَّة، وهي:

1 – يا دجلة الخير.

2 – لغز الحياة.

3 – ليلة عاصفة على فارنا.

4 – وصرفتُ عيني.

5 – وحي الموقد.

6 – أرحْ ركابكَ.

7 – أزفً الموعدُ.

8 – يا أُمَّ عوف.

9 – رسالة مُملَّحة.

1056 الجواهري7الباب الثالث: لمَّا يُنشرْ في ديوان، وهي تلك القصائد التي لم يحوِها (حتى ذلك الحين) أيُّ ديوانٍ مطبوع، وكانت:

1 – رسالة إلى محمَّد علي كلاي.

2 - آهٍ على تلكمُ السنينِ.

3 – لُغةُ الثياب.

4 – سجا البحر.

5 – فتى الفتيان..المتنبِّي.

6 – محمَّد البكر.

7 – تغنَّ بـ (تمُّوز) .

8 – إلى المجد.

9 – دمشق.

10 – فتيان الخليج (المقدِّمة).

11 – التحيَّة.

12 – فتيان الخليج (القصيدة).

1056 الجواهري1

واتفقنا مع مطبعة جامعة الموصل على أن يكونَ ورقُ الكتابِ صقيلاً ملوّناً (آرت 80)، وأن يكونَ طبعُهُ عرضيّاً (بالعَرضِ) وليس طوليَّاً.أي يكون كالكرّاسِ، لنستفيدَ من وضعِ لوحاتٍ تخطيطيَّةٍ على بعضِ تلك الصفحاتِ الداخليّةِ العرضيّة.

كما اتفقنا مع الفنّانِ التشكيليِّ الموهوب المهندس شاهين عليّ ظاهر(أطالَ الله في عمره) أنْ يتولَّى هو وضع تخطيطات للجواهري، ولبعضِ قصائدهِ، وزوَّدناهُ بصورٍ عديدةٍ لأبي فراتٍ التُـقِطتْ له في أثناء زيارتهِ لجامعةِ الموصل، باستثناء لوحةِ الغلافِ الأول، فقد كانتْ للفنان المرحوم عبد الحميد الحيالي، لكونها لوحةً فنيَّة جميلةً للموصلِ القديمة.

أمّا الخطُّ، فقد تولاّهُ الخطَّاط الكبير الأستاذ يوسف ذنون.

***

وصدر الكتابُ كما أردنا، ونفَّذتِ الجامعةُ القسمَ الأوّلَ من العقدِ الذي أبرمتْهُ معنا، فسلَّمتْـنا أربعينَ نسخةً من الكتابِ تقاسمناها، فضلاً عن المكافأةِ التي كانت ألفِ دينارٍ عراقيٍّ، فحمل الصكَّ صديقي الأستاذ سعيد الزبيدي، ونزلَ بهِ إلى بغداد، وسلَّمه إلى الجواهري، (لأنَّنا اتفقنا سلفاً أنْ نتنازلَ عن حقِّنا في المكافأةِ لصالحِ أُستاذنا الجواهري)، فما كانَ من الجواهري (كما أخبرني الزبيدي) إلاَّ أن سلَّمه  لنجلهِ المرحوم فرات.

وبعدَ عشرةِ أيّامٍ من صدورهِ نفدتْ نُسخُنا الأربعون التي زوَّدتنا بها الجامعة، لأنّنا أهديناها لزملائنا الأساتذةِ في قِسمي اللغة العربيّة في جامعة الموصل: (التربية والآداب) وبعض الأصدقاء خارج الجامعة، وأردنا تنفيذ القسم الثاني من العقد المبرم مع الجامعة ببيعِنا خمسين نسخة من الكتابِ بنصفِ السعر،  فصدمنا بخبرٍ اختفاءِ الكتابِ من مخازنِ المطبعةِ، ومن المكتبات، دونَ أنْ نحظى بالسببِ، وعندما ألحفنا في السؤال قيلَ لنا: لقد تمَّ شحنُه إلى بغداد بأمرٍ من المهيمنين على الثقافةِ في جمهوريّةِ الخوفِ ومنظّمتِها السريّة، فبقينا حيارى، لكنّ صديقنا المرحوم (سامي محمَّد) الذي كان يعمل مترجماً بمجلَّةِ ألف باء ضمن وزارة الثقافة والإعلام  ببغداد همس بأُذني حين زرتُه في مقرِّ الوزارة  قائلاً: كان ذلك بسبب نشركما  لقصيدة أزعجت المنظّمة السريّة، لما تثيره من تأويلات بشأنِ حادثةٍ معيَّنة، فكان ظنُّ الجميع أنَّها قصيدة الجواهري في رثاء محمّد البكر(والله أعلم)، علماً أنَّ القصيدة حتى ذلك الحين لم يضمَّها ديوان، مع كونها قد نُشِرتْ في جريدة الجمهورية، العدد 3231، الأربعاء 29 آذار 1978م، عندما كان والدهُ أحمد حسن البكر ما زال رئيساً لجمهوريَّة العراق.

***

1056 الجواهري5وقبل بضعةِ أيَّام، أي بعدَ ما يقرب من أربعين عاماً على زيارة الجواهري للموصلِ وجامعتها، وصدور كتابنا عن تلك الزيارة فاجأني صديقي الدكتور سعيد الزبيدي بإهدائه (لي) قصيدةً جميلةً تعاطت مع أسئلةٍ ملحَّةٍ بشأنِ قصيدة الجواهري (يا أُمَّ عوفٍ)، وهي أسئلةٌ تريدُ الوصولَ إلى خلاصاتٍ تفتحُ مغاليق الشعرِ، وما كانَ توريةً بين سطور قصيدة الجواهري، فحاولتُ (قدر استطاعتي) معارضته شعريّاً كي أجاري (بقصيدتي) قصيدتَهُ العصماءَ (أخا عوف)، وأجيب عن أسئلته الذكيّة فنيَّاً، وليسَ علميَّاً، فرأيتُ عرضهما معاً في هذه المقالة، فضلاً عن عرضِ ما كان متعلِّقاً بكتابنا (الذي صادرته منظّمة جمهوريَّة الخوف الثقافيَّة آنذاك) من صورٍ، ولوحات، وتخطيطات⁽⁵⁾.

مع عظيمِ الامتنانِ للصديقِ الشاعرِ المرهف الدكتور سعيد جاسم الزبيدي على تلك المفاجأة التي استولدت قصيدتي (رفيق الدرب..) وهذه المقالة الأدبيَّة.

***

أخا عوف ٍ...

سعيد جاسم الزبيدي

(مهداة إلى أخي الناقد المبدع د. عبد الرضا علي)

أتيتُكَ سائلاً يا خـيرَ إلـف ِ

                       أتدري ما ليـالي أُمِّ عوف ِ؟

أسـرٌّ لم يبحْـهُ أبو فـرات ٍ

                       فلمْ يُبدِ الذي قد كانَ يُخفـي؟

أم التبَسَ الأنيـنُ فساءَ ظنِّي

                    بنونات ٍ الرويِّ صدىً لحيفِ؟

ألم تكنِ الليـالي موحيـات ٍ

                      لدى الشّعراءِ مُذْ ألفٍ وألفِ؟

بلى، مُلِئتْ على أرَقٍ شَـكاةً

                       وهمَّاً ناصِـباً يُودي لحتْـفِ!

فهل عَرَضتْ عليهِ أُمُّ عـوفٍ

                   بما عانتْ ضنى جَورٍ وعسفِ؟

وهل دارتْ مطـارحةٌ فأوحتْ

                      إليهِ ليستَعيرَ ثيـابَ ضَـيفِ ؟

وقد عُدَّ الحديث قِرىً وأضحى

                     كربِّ البيتِ من كـرمٍ ولُطْـفِ

أخا عـوفٍ وأسـئلةٌ بأخـرى

                       تُلاحِقُـني وتُـشرِكُني بطيفي

(عجيباتٌ ليـاليهِ) وأولـى

                        يكنَّ اللائقـاتِ لـنا بوصـفِ

فـكانت أمُّ عـوفٍ مسـتراحاً

                         وتسـريةً لَهُ تُغـني وتَـُشفي

ولكنْ هـل تلفَّـتَتِ الليـالـي

                          إليـنا عـندَ غربتِـنا لتـكفي

فلا بُـسُطٌ تُمـدُّ ولا حَشـايا

                       ولا مُـسِحتْ مدامِعُـنا بكـفِّ

وكـم بلـداً حسـِبْناهُ مـلاذاً

                       نبا فيهِ المقامُ لطــولِ خسفِ

ولم نأمَـنْ بلـيل ٍ أو نهـارٍ

                       كأنَّا في البـيوتِ بغيرِ سقفِ

أجبـني إنَّـني مُذْ رُبعِ قرنٍ

                       مُدمَّى ألتظي من غيرِ نزْفِ

فهل حقَّاً ليـالي أمِّ عـوفٍ

                       عجيباتٌ إذا قيـستْ بظرفي

سـأفرُكُ خيـبةً راحاً براح ِ

                        كأنِّـي لم أعُدْ منها بخُـفِّ !

تقاذفني هنا السـبعون قهراً

                    ومن ضـعفٍ يُسلِّمُني لِضعف ِ

ومن نِعَم ٍ وجدْتُ بكـم ملاذاً

                         أتيـتُكَ سـائلا ًيا خيرَ إلـفِ

               ***

رفيقُ الدرب...

عبد الرضــا عليّ

1056 عبد الرضا عليمهداة إلى أخي اللغوي الثبت الدكتور سعيد جاسم الزبيدي

(معارضةً أجاري بها قصيدته العصماء أخا عوف)

وتـسـألُني أبا زيـدٍ بلطـفِ

                     بما قـد كان من سـرِّ امِّ عوفِ

فهل لي أنْ أُجيـبَ وأنتَ أدرى

                     بما قاسـيتَ من حـالٍ وظرفِ

عرفتُـكَ كاشـفاً فطِناً مجيـباً

                       ولم أعرفْـكَ تَسـآلاً  لمخـفي

ولكـنَّ الكبـيـرَ أبـا فـراتٍ

                      يـورِّي خادعـاً قصـفاً بعزفِ

فكـانتْ أُمُّ عوفٍ خَـيرَ بـابٍ

                     ليمضيَ كاشفاً مـا كان يُخـفي

نظامٌ شـنَّ فـي بغدادَ جَـوراً

                   وآذى الناسَ في عَـنَتٍ وخسفِ

فلمْ يـرَ ثالـثُ النـهريـنِ إلاّ

                   رحيلاً عن أذى صَـلِفٍ وجِلْفِ

فولَّى شـطرَ ميـسانٍ مسـيرأ

                 فكانَ لهُ (علي الغربي) يُعَـفِّي¹

كمـا أخـفتْ منافيـنا (تـباعاً)

                        رؤانا، ثـمَّ غـطَّتْـنا بسـجفِ

              ***

لنا يا صـاحبي كُـتِبتْ نجـاةٌ

                      من الأزلامِ والبعـثِ المُسـفِّ

أتذكرُ يـا رفـيقَ الـدربِ أنَّا

                   مشينا صوبَ موتٍ دونَ خوفِ

فأخرجنا سـجيناً ذاتَ ليـل ٍ

                     وأحكمنا التمـوُّهَ والتـخـفِّي²

من المشـفى أخذنـاهُ لبـيت ٍ

                     وعندَ الفجرِ عادَ وكانَ يُغْـفي

وعُدنا ضاحكـينَ بشـأنِ قولٍ:

                      إذا عرفوا سنُـنتَفُ شرَّ نتـفِ

                    ***

أبا زيـدٍ رحيـلُ الـروحِ دان ٍ

                        فهذا القلـبُ أضنـاهُ بنـزْف ِ

فعزفُ الناي باتَ خفيضَ صوتٍ

                     ومنخفضاً بدا  لحنـي وعزْفي

فهل لي أنْ أرى وطني سعيداً

                     وهل لي أنْ أُعيدَ بناءَ سقْفي؟

***

عبد الرضا عليّ

..............................

¹ - يُعَفِّي = يستر، يخفي.

²- كان زميلنا المرحوم مزاحم أحمد البلداوي قد اختطفته المخابرات الصداميّة  من قاعة الامتحان في جامعة الموصل في العام 1982، ثمَّ حكم عليه بسبع سنوات، ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة، وبعد أربع سنوات تعرَّض إلى أزمةٍ قلبيّة حادة، فتمَّ نقله إلى مشفى قرب اتحاد الأدباء، لعلّ اسمه (ابن النفيس)، وحين تحسّنَ وضعه الصحيّ قليلاً اتصل بزوجه الشجاعة أمِّ أحمد، فبادرت هي واتصلت بنا، فخططنا لحملهِ ليلاً إلى بيته، وإعادته في الصباح الباكر إلى المستشفى، لأنّ الحارس الشخصي كان سكّيراً مدمناً، وكان المرحوم مزاحم يغريه بالمال يوميّاً، فيتركه في الساعة الثامنة مساء، ويعود إليه في السابعة من صباح كلِّ يوم، فخطّطنا لنقله إلى داره مساءً، والعودة به إلى المشفى فجراً، ونجحنا في ذلك، وقد كتب عن مجازفتنا تلك الدكتور قصي الشيخ عسكر رواية أسماها بـ(الساعة الثامنة والنصف مساءً) وقد يطول الحديث في تفاصيلها.

.......................

إحـــــــالات

(1) الدكتور سعيد جاسم الزبيدي (من معجم الجواهري) 17، ط1، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، الأردن/عمّان،2015م.

(2) عبد الرضا عليّ، وسعيد جاسم الزبيدي (الجواهري في جامعة الموصل، كلمات ومختارات)، ط1، ص 36، منشورات جامعة الموصل 1980م.

(3) نفسه، 35.

(4) نفسه، 37.

(5) التخطيطات، وغلاف الظهر للفنان التشكيلي البارع شاهين عليّ ظاهر،، أمّا لوحة غلاف الكتاب الأوّل، فهي للفنّان التشكيليّ المرحوم عبد الحميد الحيالي، وثمَّةَ صورتان لخطّ الجواهري حين يهيئ مختاراته للقراءة.