ضياء نافعقال لي أحد طلبتي القدامى، الذي التقيته قبل فترة وبمحض الصدفة في موسكو، ان كليّة اللغات في جامعة بغداد، و بفضل زراعتك للنخيل في حدائقها (عندما كنت أحد مسؤوليها الاداريين) اصبحت تسمى الان في بعض الاوساط الجامعية هناك  – (واحة باب المعظم)، وذلك، لان  الشخص الذي يقترب من كليّة اللغات في مجمع الكليات ، يلاحظ من بعيد تلك الواحة المكتظة بالنخيل، والتي تقف شامخة امام بنايات كليّة اللغات . وقال لي هذا الطالب القديم، اننا – نحن الطلبة آنذاك – كنّا نتساءل فيما بيننا، لماذا قرر معاون العميد ان  يزرع ذلك العدد الكبير من النخيل في حدائق كلية اللغات فجأة وفي نهاية التسعينيات بالذات . ثم طرح عليّ هذا السؤال ضاحكا وهو يقول، اننا لم نتجاسر ان نسألك حول ذلك عندما كنّا طلبة لديك، ولكنني اتمنى ان اسمع منك الجواب الآن، اذ ان الاسرار لا تبقى اسرارا بعد مرور السنوات، واليوم مضى ربع قرن على هذا الحدث (الاخضر الجميل !) . ضحكت أنا طبعا، وقلت له، ان اسلوب طرحك للسؤال يجبرني فعلا ان اجيب عنه بلا شك، وهكذا بدأت بالحديث عن قصة تلك الحملة التي اسميناها آنذاك (نزرع 100 نخلة في حدائق كليّة اللغات)، وها هي ذا بتفاصيلها كما حدثت، ارويها للقارئ العراقي، لاني أرى انها تعدّ الان تاريخا طريفا يستحق ان نعرفه و نتأمله ونستنتج منه دروسا .

استدعاني مرّة عميد الكليّة أ.د. مخلف الدليمي فورا لأمر هام جدا (وكنت أنا حينئذ معاون العميد)، وعندما ذهبت اليه وجدته قلقا، وقال لي، ان رئيس جامعة بغداد أ.د. عبد الاله الخشاب اتصل به هاتفيا الان، وأخبره وهو غاضب وزعلان جدا، انه عرف من مصادره الموثوقة، ان  الاستاذ فلان الفلاني في كليّة اللغات قد استلم رشوة جماعية من طلبة الماجستير، وانه طلب من عمادة الكليّة متابعة ذلك ومعالجة الموضوع بكل حزم ودقّة واعلامه فورا بالنتائج . قلت له، ان احالة ذلك الامر الى اللجان التحقيقية سينعكس سلبيا على سمعة الكلية (خصوصا وان هذا الاستاذ معروف في الاوساط الاعلامية)، لهذا اقترحت عليه ان نعالج الموضوع بحذر شديد وفي اضيق مجال، وطلبت منه ان اذهب انا الى بيت هذا الاستاذ اليوم مساء واتكلم معه بشكل مباشر ورسمي حول ذلك، اذ ربما نصل معه الى حل محدد لهذه القضية الاخلاقية المعيبة . وافق العميد على هذا المقترح، وهكذا اتصلت هاتفيا بالاستاذ المذكور واخبرته، اني سازوره مساء في بيته لأمر هام . ذهبت في الموعد المحدد، ووجدت ذلك الاستاذ ينتظرني بقلق امام باب بيته، وسألني رأسا عن الموضوع ونحن لانزال في الشارع، فقلت له بشكل مباشر ودقيق وموجز ما ذكره رئيس الجامعة، وانني جئت لبحث الموضوع معه، لأن عمادة الكليّة تريد ان تجد حلا لهذه المسألة دون تلطيخ سمعة الكليّة بمثل هذه الامور غير الاخلاقية في حالة نشرها واعلانها . اخبرني هذا الاستاذ رأسا وبدون لف او دوران، انه أخذ من كل طلبة الماجستير فعلا مبلغا متساويا من المال، لانهم ارادوا ان يساعدوه بعد ان أخبرهم حول حادث جرى له في بيته، وانه حذّرهم من عدم الكلام عن ذلك بتاتا، وقال لي وهو يكاد يبكي انه مستعدّ الان وفورا ان يسلمني المبلغ باكمله واعلام عميد الكليّة و رئيس الجامعة بذلك . استلمت منه المبلغ، وهو ليس بالقليل، خصوصا في زمن الحصار آنذاك، وعدت في اليوم التالي الى العميد ووضعت المبلغ على منضدته وحكيت له ما دار في اللقاء . اتصل العميد رأسا برئيس الجامعة، واخبره بذلك، وقال له انه مستعد الان ان يجلب المبلغ له لبحث الموضوع . رفض رئيس الجامعة هذا المقترح رفضا حادا وشديدا ومطلقا، وقال، المهم ان الاستاذ هذا فهم ان الجامعة تتابع الامور و لا تتهاون مع هذه الافعال المشينة، ويجب على العمادة الان ان تجد حلا  للموضوع، وان هذا المبلغ لا يمكن ان يدخل في حسابات الكلية او الجامعة باي حال من الاحوال . وهكذا قررنا ان نعيد المبلغ الى الطلبة كي يعلموا بموقف العمادة والجامعة اولا، وثانيا، كي نتخلص من هذا المأزق، واتفقنا ان نستدعي كل طالب على حدة ونرجع المبلغ له . تقبّل بعض هؤلاء الطلبة المبلغ بكل سرور وقالوا انهم كانوا مضطرين لذلك، و رفض البعض الآخر الاقرار بانهم أعطوا المبلغ هذا خوفا من تبعات هذا الاقرار . بقي لدينا مبلغا لا نعرف (العميد وانا) ماذا يمكن العمل به، اذ لا يمكن الحديث حوله مع رئيس الجامعة بتاتا بعد موقفه الغاضب والحازم والصارم عندها، ولا يمكن ادخاله ضمن ميزانية الكلية وحساباتها باي شكل من الاشكال، ولا يمكن اجبار هؤلاء الطلبة على الاقرار بعملهم واستلام المبلغ  مثل بقية زملائهم . وبعد التي واللتيا، اقترحت استخدام المبلغ المتبقي لشراء فسائل نخيل كي نزرعها في حدائق الكليّة (والاقتراح طبعا يعكس عشقي الدائم للنخيل !) ، وقد وافق العميد على هذه الفكرة، وهكذا ابتدأت بشراء الفسائل وحددنا اماكن زرعها بمساعدة المهندس الزراعي ومساهمة الفلاحين وتأييد بعض الزملاء المتحمسين للفكرة من حولنا، وأخص بالذكر منهم بالذات المرحوم أ.د. علي يحيى منصور (المعاون العلمي آنذاك)، وانجزنا العمل كما يجب . وقد زار كليتنا مرة رئيس الجامعة الخشاب، ورافقته في زيارته، واثناء مسيرتنا في الممر الخارجي للكليّة تحدثت معه حول النخيل التي كانت امامنا في الحدائق وقد كان منظرها  جميلا، وقلت له انها نتيجة حملة (لنزرع 100 نخلة في حدائق كلية اللغات)، والتي قامت العمادة  بها بعد مكالمته الهاتفية حول تلك (القضية !!!) التي يعرفها ومن المؤكد انه يتذكرها، فضحك الخشاب وقال – احسنتم .

هذه هي قصة النخيل التي تم زرعها قبل ربع قرن في حدائق كليّة اللغات، الحدائق التي يسميها البعض (واحة باب المعظّم)، كما قال لي طالبي القديم عند اللقاء معه في موسكو...        

 

ا.د. ضياء نافع

 

ضياء نافعهناك مثل روسي يقول – العين ترى الشئ الذي تريد ان تراه، وهو مثل دقيق فعلا وينطبق على العراقيين في الايام (او حتى الاسابيع والشهور) الاولى من وصولهم الى روسيا، ولازلت أتذكر حادثتين طريفتين حدثت معي في اليوم الاول من وصولي الى موسكو العام 1959. الحادثة الاولى في المطار، حيث كان هناك موظف سوفيتي يستقبلنا مع طالبين عراقيين وصلا قبلنا باسبوعين، فطلب منّا الطالب الاول (واسمه أحمد) ان نناديه (احمدوف)، وقال لنا الطالب الثاني (واسمه تحسين) ان نناديه (تحسينوف)، واوضحا سبب هذا الطلب، ان قواعد اللغة الروسية تقتضي ذلك، وان الروس حولهم  ينادونهما  هكذا الان، وانهما تعوّدا على ذلك، وكنّا ننظر اليهما متعجبين، ولا نعرف ماذا نقول لهما. أما الحادثة الثانية، فقد جرت في القسم الداخلي، حيث وصلنا، وبدأ مسؤول القسم منحنا ارقام الغرف التي سنسكن فيها . كنّا اول وجبة تصل الى هذا القسم، وتبين ان الغرف التي منحونا اياها تقع في الطابق الخامس، فطلبنا تبديلها، كي نسكن في الطابق الثاني كي لا نصعد وننزل كل يوم خمسة طوابق، خصوصا وان كل القسم الداخلي كان فارغا . لم يوافق المسؤول على ذلك، وقال، انه لن يغيّر الغرف . انزعجنا نحن من هذا الموقف، فانبرى  أحد العراقيين  بيننا وقال لنا، انه واثق، ان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي قد بحثت هذا الموضوع قبل وصولنا، وان هذا الموظف ينفّذ قرارات اللجنة المركزية للحزب ليس الا، ولهذا فانه يرفض تلبية طلبنا، اذ ان هذا يعني عدم تنفيذ قرارات  اللجنة المركزية للحزب . تعجبنا جميعا من تعليقه هذا، وسألناه ان يوضح لنا هذا الذي يقوله لنا، فقال، من المؤكد، ان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي تعرف، ان العراقيين لا يمارسون الرياضة البدنية الضرورية للانسان يوميّا، ولهذا قررت اللجنة المركزية تقديم غرف الطابق الخامس للطلبة العراقيين الذين يصلون قبل الآخرين تقديرا ومكافأة  لهم، كي يمارسوا الرياضة البدنية تلقائيا وهم يصعدون الى الطابق الخامس وينزلون منه كل يوم ولعدة مرات . استمعنا الى زميلنا هذا بغرابة، ولكننا لم نستطع ان نناقشه طبعا، اذ كان يتكلم بثقة مطلقة، لدرجة، ان أحد الطلبة قال، يبدو انه يعرف ذلك من مصادر عليا، وهكذا اضطررنا ان نوافق – وعلى مضض طبعا – للسكن في الطابق الخامس، وبدأنا بحمل حقائبنا الثقيلة (كما تعوّدنا السفر على الطريقة العراقية!) والصعود – وبصعوبة - الى الطابق الخامس .

وهناك حادثة طريفة جدا وقعت امامي، وهي وصول أحد الرفاق المتحمسين جدا الى موسكو، وقال لنا، ان من جملة الاشياء المدهشة، التي لاحظها منذ وصوله ولحد الان عدم وجود الذباب في موسكو، واضاف قائلا، ان هذا يعني، ان السلطة الثورية البلشفية هنا قد قررت (ونفّذت فعلا) تخليص الانسان  نهائيا من الذباب و شروره على حياة الانسان.  ضحكنا نحن جميعا، اذ مضى علينا عدة سنوات هناك، ولكن احد العراقيين المرحين انسحب رأسا، وعاد بعد دقائق وبيده قنينه زجاجية صغيرة مليئة بالذباب وهو يضحك ويعطيها له ويقول – (اصطدت مجموعة من الذباب لاجلك خصيصا)...

وهناك حوادث (من الجانب الآخر) طبعا، اي من هؤلاء الذين كانوا  ضد الاتحاد السوفيتي على طول الخط (ان صح التعبير)، وهي حوادث تدخل ايضا  ضمن هذه الآراء الجاهزة والطريفة والبعيدة طبعا عن النظرة الموضوعية والمنطقية ايضا، وأذكر حديثا رواه لي أحد هؤلاء عندما التقيته في باريس مرة في نهاية ستينيات القرن الماضي (وهو مدير عام زمن عارف الثاني)، وقال لي انه زار موسكو ضمن وفد رسمي عراقي، وذهبوا به لزيارة مرقد لينين في الساحة الحمراء، فشاهد (بامّ عينيه !) كيف كان الناس يقبّلون الابواب وحتى العتبة عند الدخول لزيارة مرقد لينين، وانه قال لهم، لماذا تقومون بهذه الطقوس الدينية المقدسة وهو انسان مثل كل البشر، فأجابوه انهم يعبدونه، فقال لهم، ولكن الجثمان سيتلاشى بمرور الزمن، فقالوا له، انهم عندها سيجلبون جثمانا جديدا لهذا الغرض . وقد سألت هذا الشخص وانا استمع اليه مندهشا، باي لغة تحدثت معهم، اذ انك لا تعرف اللغة الروسية، فقال، انه تحدث معهم باللغة الانكليزية، التي يجيدها كل الروس  .

هذه الامثلة تبدو – للوهلة الاولى – طريفة ليس الا، ولكن تحليلها بعمق وموضوعية تبين اسلوب التفكير لدينا وطريقة انعكاسه على مسيرة حياتنا الفكرية والعملية ايضا . كم من الاخطاء تم ارتكابها نتيجة هذا التفكير السطحي الساذج، وما احوجنا الان ان نتأمل – وبعمق - كل ذلك ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

عدنان الظاهرهل حقاً في بابلَ أسواق ٌ من نار؟ نعم ولكنْ، إنقلبت بابلُ بأهلها ودمّرها زلزالٌ مرعب بعد أن غزتها جيوش ممالكَ مجاورة فأحرقت ما أحرقت وقتلت من قتلت وسبت باقي الأحياء وخاصة النساء والأطفال كما كانت تقتضي تقاليد وجنون ذاك الزمان. إذا إنقلب كل شئ في بابل فما الذي يمنع إنقلاب الأسماء وشكل وترتيب الحروف في الكلمات؟ الجزء يتبع الكل وكان التدمير والخراب عاماً شاملاً كلياً كما هو معروف. فلا عجبَ إنْ إنقلب الفعل (رنا ـــ يرنو) إلى كلمة (نار) والنار شقيقة الفعل رنا بل وتؤمه السيامي لأنَّ فيهما عين الحروف الثلاثة [ نون أليف راء]. الآن يفهم القارئ الكريم ولا سيما القارئ الحلاوي والقارئة الحليّة إياها أصل ومغزى (أسواق النار في بابل)... أسواق النار !! قف ْ، نقطة إعتراض نظامية : من ترى يجازف بحياته فيدخل سوقاً من نار ٍ وما تخلّف النارُ إلا الرماد؟ أدخلْ... قالت له حبيبته، أدخلها... يا نارُ كوني على هذا العاشق العابد الولهان برداً وسلاماً. دخلتُ، وكيف لا أدخل وقد أمرتني آلهتي أنْ لا أتردد وأن لا أخشى ناراً ولا حطباً ولا أسلحة دمار ٍ شامل ٍ؟ أضافت إنه مجمع أسواق عصرية تجد فيه الإبرة والكومبيوتر والتلفزيون والثلاجة وباقات الورود الطبيعية فضلاً عن جناح الأثاث المنزلي والتحافيات وكل ما قد يخطر على بال المتسوّق. كومبيوتر تلفزيون ثلاجة؟! كيف تعمل في الحلة هذه الأجهزة بدون كهرباء؟ قالت لا تهنْ ولا تحزن يا هذا، في بيوت أهل الحلة مولدات خاصة تبدأ العمل لحظة أنْ ينقطع عنها كهرباء الدولة المحصّنة بسور سليمان !! كم ساعةً في اليوم يا ربة َ الحلة  وبابل َ تقطع دولتكم عنكم الكهرباء؟ ساعتان لنا، للشعب،  وأربع ساعات للحكومة أي وللذكر  مثلُ حظ الأنثيين... فالشعب لغوياً مذكر والحكومة أنثى أو خنثى وهذا هو الأصح (ساعتان مقابل أربع ساعات أي ساعة للشعب وساعتان للحكومة أي 1 × 2). ما شاء الله ما شاء الله !  تلكم هي القسمة الضيزى ... ما زال القانون القديم ساري المفعول حتى في زمان دمقراطية الكركري والمصقول والحامض حلو. عدتً إلى ربة بابلَ أسائلها عن أمور كثيرة لا أفهمها خاصة ً وقد غادرتُ الحلة َ منذ قرون سبقت طوفانَ نوح. سألتها : لمن تعود ملكية هذا المجمع الهائل الجديد ومن يقوم على خدمته وتمشية أمور زبائنه؟ قالت لا أحدَ يدري، بل ولا من أحد يتجرأ على وضع  مثل هذا السؤال، بل وليس لهذا السؤال من معنى. كل أمورنا في بلاد عراقستان أو سورستان تجري غامضةً في أغلب جوانبها ومن يسأل لا يجد جواباً على سؤاله. هكذا غدت حياتنا ولقد تعوَّدنا عليها أو الأصح قد روّضنا أنفسنا على تقبل الموجود والمفروض والمقسوم وعلى الدنيا العفاءُ.

قبل أن ننهي جولتنا المتعبة في شتى أجنحة أسواق نار بابلَ قلت فلأسأل الربّة [تعمل نصف وقتها مديرة ً للأسواق مجاناً تشجيعاً لإقتصاد السوق الحر] هل في سوقكم جناح خاص للدراجات الهوائية؟ فتحت عينيها الجميلتين الكحيلتين ربة ُ بابلَ التي إنقلبت فجأة رأسمالية الهوى والقناعة ثم قالت: سؤالك يا غريبُ هذا وجيه. ليس لدينا بعدُ جناح خاص للدراجات الهوائية. سنفتتح من أجلك هذا الجناح حفاظاً على البيئة من التلوث ولا سيما الورود التي أنت قبل غيرك تعرف كم أحبها وطالما عملتُ مع حمورابي وزيرة ً  للبيئة وصحة الحيوان. سنحذو حذو الصين وسننافسها في كثرة ما لدينا من دراجات هوائية تجوب شوارعنا وطرقنا.

رأيتُ أنَّ من اللائق أن ْ أقدم َ للملاك الذي أتى بي إلى هذا المجمع ـ أسواق النار ـ هدية ً باقة َ ورد ٍ غالية الثمن من المتوفر في بعض أجنحة هذه الأسواق. لم أسألها ليقيني أنها تعشق الورود الجميلة وتهوى أنْ أسميها : يا أغلى وأجمل وردة في الوجود وإنها حقا ً كذلك. إنحنيت أمامها وعرضتُ لها ما حملتُ بيديَ اليمنى لها من باقة ورود مختلفة الألوان والأشذاء فلم أجدها كما كنتُ أتوقع أمامي. غابت ربّة ُ بابلَ ووزيرة البيئة فيها. فتشت عنها في أجنحة المُجمّع، مُجمّع النار، فعثرت عليها في الجناح الخاص بالألبسة النسائية المستوردة خصيصاً من أرقى دور الأزياء الإيطالية. مددتُ لها يدي التي تحمل باقة الورود فصدت عنها وأشاحت بوجهها القمري الملائكي عني وراحت تدقق في بعض بدلات العرائس وتقارن بعضها مع مقاسات طول قامتها وسعة كتفيها وقطر خصرها فوقفتُ ذاهلاً حائراً صعقتني المفاجأة. هل أتت بي من أجل هذا الغرض ولا من شيء ٍ آخرَ عداه؟ أن تختارَ لها بدلة عرس بيضاء اللون من الحرير وإكليل ماس وزمرّد أخضر؟ ما علاقتي بعرسها خاصة ً وإني غير مسبوق بهذا الأمر ولم يجر ِ بيننا الحديث عنه لا الآن ولا في سالف الزمان؟ إرتدت البدلة البيضاء وراحت تستعرضها أمام مرآة كبيرة تمتد من السقف حتى الأرض. سألتني، وأنا ما زالتُ ذاهلاً كمن  فقد نصف وعيه، ما رأيك بهذه البدلة يا خطيب؟ يا خطيب؟ تلفتُ حولي عسى أنْ أجدَ مَن خاطبت سوايَ فإني لست الخاطب بل ولا أصلح أنْ أكون خاطباً ولا عريساً. لم أجد في كابينة تجريب مقاسات الملابس سوانا فسألتها وجلاً مستحياً من نفسي لا منها : هل وجهت مليكتي السؤالَ لي أم لسواي؟ قالت مستنكرة ً وهل رأيتَ أحداً سوانا في هذا المكان الضيق الذي لا يتسع إلا لإثنين؟ قلتُ مرتجفَ النبرات بل لا أرى إلاك يا سيدتي النبية. لا أرى نفسي ولا أريد أنْ أراها وأنا لم أزل هناك حيث كنتُ لأكثر من ثلاثين سنةً. قالت حسناً، إنسَ نفسك، كيف ترى هذه البدلة وهذا الإكليل، هل يناسبانني أم ترى لك رأي ٌ آخر؟ لا من رأي آخرَ  لي سيدتي وحبيبة قلبي وعمري، لا من رأي ٍ لي، رأيكِ هو رأيي. ضيّقت عينيها الساحرتين المعبأتين بكل سحر بابلَ ثم قالت : هل أصلح زوجة ً  لك؟ وقعتُ على الأرض من شدة هول المفاجأة وصدمة السؤال وغرابته. رشت قليلاً من الماء على وجهي فأفقتُ متثاقلاً واهناً مغلوباً على أمري. أعادت السؤال إياه نفسه ولكن بنبرة رقيقة فيها الكثير من الإغراء الأنثوي فلم تحظَ مني بجواب. لا أجرؤ على القول نعم  ولا أجرؤ على القول لا  وتلك مصيبة المصائب : الوقوف محايدا ً بين الجنة والنار. تذكرتُ أنَّ إسم هذا المجمع هو أسواق النار في بابل. فإختيار النار أولى بي وأجدى. سأقول لها (لا).. سيدتي وحبيبتي وربتي لا تصلحين !! بل أنا الذي لا يصلح لك زوجاً. فات زمن الزواج ومرَّ أكثر من قطار على سكك حديدي وعبرنا أكثر من جسرِ  حديدٍ  وإسمنت وخشبٍ وضاقت بي مضائق الدنيا وإحترقت السفن. رمت البدلة على الأرض وقالت سوف لن أتقبل بعد اليوم منك ورودك. خذها وقدمها لغيري من صديقاتك الأجنبيات. كف َّ عن مراسلتي وتوقف ْ عن تسميتي بالحبيبة والنبية والربّة. في بابلَ غيري الكثيرات من الربّات وأشباه الربات. عد ْ لصاحبتك عشتار آلهة الجنس والجسد والخصب والتناسل. إنها تصلح لكل الرجال حتى لو كانوا من أمثالك. عدْ إليها فأنت لا تليق إلا بها وهي لا تليق إلا بأمثالك. لم ترتدِ عشتارُ يوماً بدلة عرس ولا إكليل ماس ٍ وزمرّد أخضر. كل لياليها أعراس جنس رخيص وكل حياتها فوضى فما حاجتها للزواج أو الأكاليل؟ يا حبي، قلتُ خائفاً مرتعداُ، لكني قدمتُ  لك أغلى ورود بابل وآشور فرفضتيها مستنكفة ً قبولها من رجل يعشقك حد َّ الذوبان الصوفي الحلولي فيك ِ. رجل ٌ لا يسميك إلا ربتي ونبيتي وحبيبتي وكل أجدادي وتأريخي وحياتي. رجلً تغاضى حتى عن ماضيك حيث كنتِ شبيهة ً أو بدلاً من عشتار آلهة الجنس والتناسل وأنت تعرفين مَن هي عشتار تلك. حلّت فيك وحللتِ فيها حتى إنفصمتما ساعةَ وصولي بابلَ ممتطياً صهوةَ جواد أدهم ملبياً دعوة عشتار. أفلم ْ تكوني أنتِ بلحمك ودمك وصيفة ً لعشتار هذه؟ أفلمْ تخدمي في بلاط الملك الجبار حمورابي كواحدة من سبايا بني إسرائيل في بابل؟ أفلم ْ ترقصي وتغني مع غيرك من الراقصات والمغنيات في حفلات الملك الليلية الحمراء والخضراء وبقية الوان المجون والطرب؟ نسيتُ ماضيك سيدتي وغفرت لكِ إذ أحببتك حباً سماوياً ساميا ً لا نظيرَ له ورفعتك في عيني وإحساسي إلى مقام النبيات والربّات. تدخل إلهُ بابلَ الأكبرُ السيد مردوخ فأسرَّ لي قائلاً : إنك يا غريبُ على حق بشأن هذه السيدة. أنا أشهد لك أني رأيتها مع غيرها من سيدات مجتمع بابل تغني وترقص وتعزف في الكثير من حفلات مجون صدام حسين وولده عَدي. ولا أرى من فرق ـ أضاف َـ بين الترفيه عن صدام والترفيه عن الملك حمورابي ولا بين مَن ترفه ُعن هذا وذاك !! الترفيه ترف ٌ والترف واحد لا متعدد الوجوه. تعكّرت الأجواء وتلبّدت السماءُ بالغيوم السود ثم تساقط المطر مدراراً فأطفأ  نيرانَ مجمّع أسواق بابل. إختفيتُ هرباً من خوفي وعاري وسط الدخان الكثيف الأسود الذي ملأ المكان ولا أدري بعد ذلك مصير مَن أحببتُ حتى الوله والجنون. {حياتها أكثر أهمية ً من حياتي}.

هل من عودة ثانية لبابل وأسواق النار فيها ولعشتارها البديل التي رفضت ورودي ثم أشعلت النار فيَّ وفي السوق الذي قادتني إليه؟

أرسلتْ لي رسالة بالبريد الألكتروني تقول فيها : لا يا صديقي، لم أرفضْ ورودك أبداً وكيف أرفضها من رجل عظيم ٍ مثلك؟ وهكذا هي قاسية متجبرة في صحوها لكنها رقيقة جداً في منامها وعالم أحلامها فهل أتبعها وأصدقها في صحوها أم في حلمها؟ مرة ً أخرى أجد نفسي حائراً بين خطي النار والجنة : عالم اليقظة وعالم المنام. اليقظة أقسى عليَّ من النوم!! صرتُ أحلم. أحلم أنها قالت لي : لماذا تسأل عن إسم رئيس جامعة بابل، هل تنوي العودة؟ لا أصدّق !! تعالَ وسو ِ معاملة تقاعدك. تعالَ لأراك. تعالَ كي نلتقطَ الصور في بعض متنزهات بابل ونتمشى في شوارعها. تعالَ كي ترى جنة العبير وبستان الخلود الملحقتين بحدائق قصري الملكي. تعالَ كي أُريك كيف يرقص  نخيل بابل بهجة ً بعُرس مقدمك وكيف تهتز أمواج نهر الفرات طرباً لحضورك. تعالَ كي تراني كما أنا بشعري الكستنائي الناعم الحريري الذي أخذ الشيب يتكاثر فيه لتفكيري فيك وكيف أداري هذا الشيب ببعض الحناء. هل تعرف أو تتذكر الحناء؟ أنا معجبة بك !

أجلْ يا حبيبة أعرف الحناء. كان في قديم الزمان رجل كبير السن أعمى يدور في درابين الحلة صارخاً بأعلى صوته : حنّة عَجم والقول عالتجروبة... أي تجربة هذه الحناء هي المحك المعوّل عليه. لعل أبناء جيلي ومَن قبلنا وبعدنا يتذكرون هذا الرجل المسكين الذي يكسب قوتَ يومه وهو ضرير. لا تموت بابلُ ما دام فيها أمثال هذا الرجل الكادح الأعمى الشريف. إنها بحاجة لأمثاله عميانَ ومبصرين وليست بحاجة إلى آلهة وأرباب وملوك.

 

عدنان الظاهر

27.07.2008

 

محمود محمد علييقال أن الباحث في المجتمعات العربية عندما يتحدث عن المرأة فإنه يسير علي أرض مليئة بالألغام .. ونحن هنا في صحيفة المثقف الزاهرة نغرف غرفا، لنتحدث عن امرأة عزيزة علي القلب والروح؛ ألا وهي الدّكتورة "نجاح موسي علي"  - الأستاذ المساعد بقسم الفلسفة - بكلية الآداب – جامعة سوهاج بجمهورية مصر العربية ، والذي خطفها الموت خطفا بعد صراع طويل مع المرض، لتصعد روحها إلي باريها وذلك في يوم الجمعة الموافق 20 سبتمبر 2019 عن عمر يناهز 64 عاما، تاركة سمعة وسيرة عطرة ستخلّدها في قلوب من عرفوها.. صمتّ وحدي عندما اتصل بي صديقي الدكتور علي قاسم (الأستاذ المساعدة بقسم الفلسفة بسوهاج)  ليبلغني بذلك الخبر الفاجع.. تعطّلت قواي، عادت بي الذّاكرة إلى مواقف كثيرة لا تنسى.

تذكّرت مقولة للإمام عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول فيها: "أكره الحق، وأهرب من رحمة الله، وأصلي دون وضوء! فسئل: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أكره الموت وهو حق، وأهرب من المطر وهو رحمة من الله، وأصلي على الرّسول دون وضوء.

ووالله إنّ الموت مكروه مع أنّه حقّ على الأحياء كلهم، خصوصا إذا ما اختطف إنسانة وأستاذة شرفت بالتدريس علي يديها، كانت أستاذة لا مثيل لها في القيم الأخلاقية ؛ فقد كانت تنضح حبّا إنسانيّا قلّ مثيله. رحلت عنا.. وهي لم تحمل ضغينة لأحد.. رحلت لتترك غصّة في قلوب من عرفوها كلهم، فوالله إنّ العين لتدمع وإن القلب ليحزن، "وإنّا لفراقك  يا دكتورة نجاح لمحزونون".

ولعلى بهذا المقال أوفيها شيئا من حقها وفضلها في حق التتلمذ على يديها سنين طوال، وإن لم أستطع ملازمتها طويلا، لكنى استلهمت بعضا من روحها الجميلة وحنوها مع صلابته وقوتها، فهو نموذج نادر لتلك المرأة الصعيدى التي جمعت الصلابة فى الحق والصدع به، مع الرحمة بالخلق والعطف عليهم والمودة لهم.

وتعد الدكتورة نجاح موسي علي نموذج حقيقي لنضال المرأة المصرية فى سعيها للتميز والنجاح؛ حيث أبحرت بين أصعب القضايا الفلسفية الحديثة والمعاصرة في لغاتها الأصلية، وظلت تثق بنفسها وصريحة إلي حد التطرف في المصارحة والبعد عن المداهنة ولا تقول لنا إلا الحق، وهي من جيل جاء فى زمنٍ كان يقتصر فيه دور المرأة على المنزل فقط، ولا شك أن إسهاماتها ستظل علامة مضيئة للمرأة المعاصرة، وهي ظاهرة لا تتكرر كثيرا بين النساء  الصعيديات بمصر المحروسة.

وقد حصلت الدكتورة نجاح موسي علي ليسانس آداب قسم الفلسفة بتقدير "جيد جًدا" من كلية الآداب جامعة المنيا عام 1977م، ودرجة الماجستير في الآداب بتقدير "ممتاز" من جامعة أسيوط 1984م، ودرجة الدكتوراه في الفلسفة مع مرتبة الشرف الأولي من جامعة الزقازيق سنة 1989م؛ وعلي إثر ذلك تم تعيينها مدرسا للفلسفة الحديثة والمعاصرة عام 1989 ومن قبل كانت معيدة خلال عام 1977، ثم مدرسا مساعدا عام 1984، وشاءت عناية الله أن ترقي درجة أستاذ مساعد لتكون أول امرأة تشرف علي قسم الفلسفة بكلية الآداب بسوهاج.

وللدكتورة نجاح موسي العديد من الكتب والأبحاث المنشورة منها بحث بعنوان "الحب العقلي لله وعلاقته بالسعادة عند سبينوزا، والاتجاه النسبي في الأخلاق في إحدى الفلسفات المعاصرة - "وليم جيمس نموذجا"، وبحث بعنوان "مشكلة وجود الشر في العالم عند ليبنتز"، وبحث بعنون "تصور هوبز للإلزام الأخلاقي، والمنفعة الحدسية عند سدجويك"، وكتاب من أعلام الفلسفة الحديثة، وكتاب بعنوان دراسات في فلسفة الأخلاق، وكتاب المنفعة الفردية عند توماس هوبز، علاوة علي ترجمتها لكتا مقالات في الأخلاق البيولوجية؛ كما أشرفت علي العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه . علاو ة علي أنها حضرت الكثير من الندوات والمؤتمرات خلال الأعوام من 2001 وحتي أعوام 2009.

كانت الدكتورة نجاح موسي من جيل الأستاذة الذين يؤمنون بأن الأخلاق تمثل الأخلاق الجانب المعنوي والروحي في الحضارة الإسلامية وجزءً أصيلا من بنيتها الثقافية، كما أن للأخلاق دورا حاسما في التطور الفكري والتقدم الحضاري، فهي تلمس كل مظاهر الحياة الإنسانية، وتقرر مواقفنا إزاء الظواهر والمعطيات الخارجية. وبالتالي، يتميز الحديث عن الأخلاق بكونه يتصل بوجودنا الإنساني مع الحياة بتفاعلنا مع ما تطرحه من تحولات ومسارات.

وفي ذات الوقت كانت تؤمن الدكتورة نجاح موسي بأن الفلسفة هي في أصلها نظرية أقرب ما توصف بأنها عمليه، وهذا قد لا ينطبق على الأخلاق من حيث أنها سلوك والسلوك أمر لا يفسر لمجرد النظر بل أقرب ما يكون بالعمل وكثيرا ما كنت أسمعها تبين أن الفلسفة نظر استدلالي، بحيث لا نحتاج إلا لاستخدام العقل والنظر للوصول إلى الحقائق سواء بالكونيات أو الغيبيات أو السلوكيات.

ومع بداية بزوغ البحث الفلسفي في بلاد اليونان تؤكد الدكتورة نجاح موسي أن الفلسفة بمعناها العام انشطرت إلى قسمين أساسيين: قسم نظري وآخر عملي. وإذا كان ثمة خلاف في عديد مباحث القسم النظري، فلا يوجد مثل ذلك الخلاف فيما يرتبط بالقسم العملي، فقد تلقّى الباحثون منذ القدم هذا القسم في أبحاث ثلاثة: سياسة وأخلاق وتدبير المنزل. فالأخلاق تمثل ضلعًا من ثلاثي أضلاع الحكمة العملية التي تهتم بتكاليف الإنسان ووظائفه.

علاوة على ذلك، فإن البحث الأخلاقي في نظر الدكتورة نجاح موسي له جانبان؛ يرتبط أحدهما بالنظر والأسس والتصورات العامة عن الأخلاق، فيما يتعلق الجانب الآخر بالعمل وبيان أنماط السلوك الفردي والجمعي، ووفق هذا التقسيم فإن الجانب الأول يتكفّل وضع النظريات والمبادئ العامة التي يستند إليها السلوك البشري، وكذا عرض ونقد مختلف وجهات النظر والمقولات التي يمكن أن تطرح في هذا الشأن. فيما يتكفّل الجانب الثاني البحث في التطبيقات العملية للسلوك الأخلاقي بوجوده المحدّد الخارجي.

وحول التفرقة بين بين حقلي علم الأخلاق وفلسفة الأخلاق، فمن جهة أولى تعتمد فلسفة الأخلاق في  نظر الدكتورة نجاح موسي علي العقل كأداة في البحث والتحليل والاستدلال، فيما يمكن لعلم الأخلاق أن يعتمد أدوات ومصادر متعددة كالعقل والنص الديني وتواضعات الناس واتفاقاتهم وسائر نتائج البحوث الإنسانية. ومن جهة أخرى فإن فلسفة الأخلاق لا تتكفّل البحث في تفاصيل المسائل الأخلاقية، خلافًا لعلم الأخلاق فإنه يقدم الفتاوى الأخلاقية وما ينبغي وما لا ينبغي فعله من تفاصيل المواقف العملية السلوكية ؛ كما أن فلسفة الأخلاق ليست أخلاقًا في نظر الدكتور نجاح موسي، بمعنى أنها لا تمثل مجموعة قواعد سلوك خاصة، وإنما هي إطار نظري واقع خلف الأخلاق (ميتا أخلاق)، فهي نظرية عقلية عن الخير الشر والقيم والسلوك الأخلاقي؛ تفكك قواعد الأخلاق وتحلل بناها، وتقدم رؤية متكاملة عن الأخلاق.

وكانت تعول الدكتور نجاح موسي علي أن أفعال العقل كثيرا ما تكون أفعال خُلقية، حيث تري أنه طالما أن جميع أفعال الإنسان بما فيها أفعال العقل أفعال خلقية، فيلزم أن يكون العقل جزء من الأخلاق، بحيث يصبح العقل تابع للأخلاق. أي أن قابلية الأفعال النظرية والفكرية للتقويم الخُلقي هي ما يجعل العقل تابعاً لمجال الأخلاق. بل أكثر من هذا، حيث أن التصرفات التي تعد تصرفات لا أخلاقية هي لا توصف على أنها تصرفات لاعقلانية بل توصف بأنها لا إنسانية، حين نقول بأنه تصرف لا أخلاقي فإنه يعتبر تصرف لا إنساني. أما حين نقول أنه تصرف لاعقلاني لا يلزم عنه أنه تصرف لا إنساني.

وحول الأخلاق في الفلسفة العملية (البرجماتية) كانت الدكتورة نجاح موسي تبين لنا أن المذهب النفعي تفرع في النصف الأول من هذا القرن فروعًا شتى وانتصر له طائفة من الفلاسفة الأمريكيين بوجه خاص وأصبح من الجائز في منطق هؤلاء النفعيين أن يوضع لحل المشكلة الواحدة مجموعة من المذاهب قد تصدق كلها أو يصدق الكثير منها في وقت واحد، متى أفضت هذه الفروض إلى تحقيق منفعة بغير اعتراف للحق لذاته أو الباطل لذاته، ويتضح المذهب بصورة أوضح عند أحد كبار فلاسفته وهو "وليم جيمس" الذي يرى أن الخير يقوم في إشباع مطالب الإنسان وتحقيق رغباته، جاء بعده "جون ديوي" الذي اعتبر الأفكار والمثل العليا والمبادئ مجرد وسائل وذرائع يستعين بها الإنسان فيتوجه سلوكه إلى حيث تتحقق مطالبه وغاياته.

وعن نقد البعد الأخلاقي عند البرجماتية كثيراً ما نجد الدكتورة نجاح موسي تعول في ذلك علي ما قاله أستاذها الدكتور الطويل في تقييم هذه الفلسفة والذي يقول :"ويكفي أن نعتبر البرجماتية الحق أو الخير كالسلعة المطروحة في الأسواق، قيمتها لا تقوم في ذاتها بل في الثمن الذي يدفع فيها فعلًا فالحق فيما يقول جيمس كورقة نقد تظل صالحة للتعامل حتى يثبت زيفها، ولم يجد أصحاب البرجماتية غضاضة في النظر إلى الحق أو الخير، كما ينظرون إلى السلعة التي تطرح في الأسواق، هذه هي العقلية الأمريكية في الفلسفة وفي الأخلاق وفي السياسة وفي كل مجال"، بيد أن الدكتورة نجاح موسي تضيف إلى ذلك أن هذه الفلسفة كانت ملهمة للنظام الرأسمالي القائم على مبدأ المنافسة الحر، ثم ظهرت مساوئه عند التطبيق واستفحلت أخطاره التي تتضح في اللا أخلاقية بالرغم من التقيد ببعض الفضائل كالأمانة والانضباط والدقة ومراعاة المواعيد، ثم الارتباط الوثيق بالحرب، وأخيرا الانحرافات السلوكية وأظهرها الإجرام، إذ أن فتح الباب على مصراعيه للمنافسة والصراعات من شأنه تمجيد العنف.

وأخيرا تصل الدكتورة نجاح موسي إلي نتيجة هامة ومهمة وهي أن الأخلاق الحقة هي التي تبقى لجوهرها وتصلح لكل زمان ومكان. إنها تتطور وتسمو بالفرد إلى الأفق، نحو نظام متكامل منسجم، وإلا فالباقي هو قيم الانحطاط والارتداد. لذلك نجد في الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية تشديدا على الأخلاق، ليس كمحدد لطريقة تصرف الإنسان وسلوكه مع كل مظاهر الحياة فقط، بل أيضا كعلم يهدي إلى التي هي أقوم.

وفي النهاية لا أملك ألا أقول: أستاذتي الدكتورة نجاح لكِ منا كل الثناء والتقدير، بعدد قطرات المطر، وألوان الزهر، وشذى العطر، على جهودك الثمينة والقيمة .. فمنك تعلمنا أنّ للنجاح قيمة ومعنى .. ومنك تعلمنا كيف يكون التفاني والإخلاص في العمل، ومعك آمنا أنّ لا مستحيل في سبيل الإبداع والرقي.. ومنك تعلمنا أنّ للنجاح أسرار .. ومنك تعلمنا أنّ المستحيل يتحقق بثانويتنا.. ومنك تعلمنا أنّ الأفكار الملهمة تحتاج إلى من يغرسها بعقول طالباتنا .... فلك الشكر على جهودك القيمة لكونك كنت ملاكاً يمشى على الأرض فى زمن يتكالب فيه الناس على الحطام.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ضياء نافعنستمر في هذه الحلقة بالحديث عن طلبة كلية الجيولوجيا في جامعة موسكو. الاسم الذي اريد ان اتوقف عنده قليلا هو المرحوم غريب رياح . كنّا نناديه باسمه واسم ابيه دائما – غريب رياح، ربما (لغرابة!) هذين الاسمين معا، وربما لطرافة غريب نفسه ورشاقته الروحية وخفّة دمه وابتسامته الدائمة واستجابته للتعاون والتعاطف مع الجميع . لقد كان منسجما مع جميع المحيطين به من عراقيين وروس . ذهبت اليه مرّة، وقلت له، ان الكليّة دعتنا – نحن العراقيين – للمشاركة في حفلتها، ونحن لسنا مستعديّن، فقال لي رأسا، انه يعرف اغنية روسيّة يغنيّها الشباب الروس في سفراتهم ويحبونها جدا، وانه يمكن لنا – نحن العراقيين - ان نحفظها ونغنيّها بسرعة، واذا ما قدمناها امامهم في الحفلة، فستكون مشاركة ناجحة وطريفة . وافقنا جميعا على هذه الفكرة (الغريبية الرياحية!)، وامسك غريب بيده غيتارا (وهو لا يعرف بتاتا العزف عليه) وبدأ وكأنه يعزف، وبدأنا نحن حوله نتدرب على غناء تلك الاغنية الروسية حسب الكلمات التي علّمنا اياها، وهي كلمات رقيقة وبسيطة تتحدث عن انطباعات الناس وهم ينظرون الى الجنود الذين يمرّون امامهم ويدكّون الشوارع باحذيتهم العسكرية. حفظنا الاغنية – بحماس الشباب ومرحه - خلال اقل من ساعة، واتفقنا ان نكون هناك في الوقت المحدد . حضرنا طبعا، واخبرت مسؤول الحفلة، اننا سنقدّم اغنية روسيّة . فرح المسؤول الروسي واندهش من قرارنا، ووافق رأسا على هذه (المشاركة العراقية الجميلة!) دون ان يسألنا عن تلك الاغنية، وهكذا ظهرنا على خشبة المسرح وقدمّنا تلك الاغنية وغريب رياح يتوسطنا وهو يمسك بالغيتار وكأنه يعزف عليه . استقبلنا الحضور الكبير (وهم طلبة روس طبعا) بحرارة وحماس هائل ومرح وابتسامات وضحك وهم يستمعون الينا، وصفقوا لنا تصفيقا حادا جدا أدهشنا عندما انتهينا من الغناء، وما ان انسحبنا من خشبة المسرح ونحن سعداء بهذا النجاح الرائع، فاذا بالمسؤول عن الحفلة يركض نحونا وهو يصرخ قائلا، ماذا عملتم، وكيف تقدمون اغنية ممنوعة في الاتحاد السوفيتي على خشبة مسرح بجامعة موسكو!!. فوجئنا نحن طبعا بردة الفعل هذه، وقلنا له، اننا لا نعرف انها ممنوعة، ولكننا سمعناها من الشباب الروس انفسهم وهم يغنونها. حاولنا طبعا ان نخفف من ردود فعله، ونحن نعتذر ونتعثّر بالكلام معه ونتحدث عن مضمون تلك الاغنية البسيط جدا، وانسحبنا – بعدئذ - رأسا بهدوء وبسرعة من تلك الحفلة . لقد تبين لنا (بعد فترة طويلة طبعا)، ان هذه الاغنية من تأليف وتلحين وغناء الشاعر بولات أكودجافا، وهو من اوائل الشعراء السوفيت الذين بدأوا بالقاء قصائدهم مغناة امام الجمهور وهم يعزفون على الغيتار، وقد تقبّله الجمهور السوفيتي بحماس منقطع النظير، لأن أشعاره كانت بسيطة ورقيقة وذات مضامين انسانية بحتة، وخالية بتاتا من الشعارات والكلمات الطنانة والرنانة، التي كانت تسود في تلك الايام الخوالي . والشاعر أكودجافا من أب جورجي تمّ اعدامه زمن ستالين بتهمة (عدو الشعب!!) وامّ ارمنية تمّ سجنها ونفيها لنفس تلك الاسباب السياسية الواهية والرهيبة في ذلك الزمن المتجهم (انظر مقالتنا بعنوان – الشاعر بولات أكودجافا ..تعريف وقصائد). كان الشباب السوفيتي يتابع اغانيه سرّا وعن طريق اشرطة التسجيل التي يسربوها من يد الى يد، وان الدولة السوفيتية آنذاك قد منعت رسميّا نتاجاته كليا من التداول في وسائل الاعلام السوفيتية، ولكن الممنوع مرغوب كما يقول المثل، ولهذا كان الشباب يغنون تلك الاغاني بحب وحماس اثناء سفراتهم، وكان الجميع طبعا يعرفون تلك الاغاني، ولكن لا احد يجرأ ان يقدمها في الحفلات الرسمية او يتحدث عنها علانية، ولهذا السبب بالذات استقبلتنا القاعة آنذاك بذلك الحماس والتصفيق، لانهم ظنوا، اننا قررنا تأييدهم وتقديم الاغنية من على خشبة المسرح بغض النظر عن منعها من قبل السلطات السوفيتية، وذلك لكوننا أجانب، وان السلطات لا تستطيع ان تحاسبنا مثلهم . ضحكنا كثيرا – بعد انسحابنا من الحفلة بعد هذا العرض -  ونحن نقول لغريب رياح انك ورطّتنا، رغم اننا جميعا كنّا لا نعرف طبعا تلك التفصيلات عن الرقابة السوفيتية ومفاهيمها وتعليماتها الصارمة واجهزتها، والحمد لله، ان المسألة انتهت آنذاك بسلام .

عاد غريب رياح الى العراق بعد التخرّج، ولم يحاول التشبث بالبقاء للحصول على الدكتوراه كما فعل بعض الخريجين آنذاك، وسمعت انه شغل منصبا محترما في احدى المحافظات، وسمعت ايضا بوفاته مع الاسف، ولا اعرف سبب رحيله المبكر.

 الرحمة والسكينة لروحك يا صديقنا وزميلنا الرائع غريب رياح .

 

أ. د. ضياء نافع

 

ساطع هاشمفاجأني قبل ايام الصديق الفنان يوسف الناصر بأرساله صورة لإحدى لوحاته التي كان قد رسمها سنة 1975 في السنة الاخيرة من دراسته في اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد وبمساعدة استاذه الفنان الكبير الراحل فائق حسن ولمسات فرشاته الزاهية، وسألني ان كنت أنا الموديل المرسوم بهذه اللوحة، نظرا للتشابه بيني وبين الشاب الجالس.

وقد أعادتني المفاجأة وهذه اللوحة الى خمسة واربعين سنة ماضية، والى بداياتي في عالم الرسم، عندما عملت لمدة حوالي الشهرين موديلا في اكاديمية الفنون، وكانت فترة قصيرة رائعة اتذكرها دائما لأني لم ادرس الفن بالعراق ولا في اية مدرسة او معهد عراقي، وكانت تلك الشهرين بالنسبة لي هي الفترة الوحيدة التي اعتبر نفسي بها باني درست خلالها الفن بالعراق، والقصة هي:

في صيف سنة 1974 انهيت الدراسة المتوسطة في بغداد، وقد قررت مصيري قبل ذلك بسنتين في ان اصبح رساما، وتقدمت بأوراقي للقبول في معهد الفنون الجميلة لتلك السنة، لكنهم رفضوا قبول اوراقي لأنها لا تحتوي على تزكية من منظمة البعث الطلابية تؤكد انتمائي اليهم، والتي كنت امقتها واحاربها لأني أحد اعضاء اتحاد الطلبة العام بالجمهورية العراقية احدى المنظمات المهنية للحزب الشيوعي العراقي، وكانت تلك السنة هي بداية التبعيث القسري للمجتمع العراقي، مما اضطرني ذلك الى سحب تقديمي وتقديم اوراقي الى المدرسة الاعدادية، وقد رفضت اوراقي هناك ايضا لنفس الاسباب، الى ان استعمَلت الوساطة عن طريق احد الاقرباء وقبلت في مدرسة اعدادية اخرى.

ومنذ تلك السنة بدأت مشاكلي ومتاعبي السياسية مع البعثيين، حالي من حال الالاف من الشبيبة الديمقراطية والشيوعية العراقية الحرة، وقد اضطرني اضطهاد السفلة البعثيين الى ترك العراق بعد اكمالي الدراسة الاعدادية مباشرة سنة 1978 والى الان، وعلى مدى هذه السنوات الواحدة والاربعين التقيت بالكثير من البشر من مناطق وقوميات ودول مختلفة من دول العالم ولم ارى خلال هذه العقود الاربعة من الزمن من هم اكثر خسة من البعثيين، فلا توجد حقارة ونذالة وقذارة بالنفس البشرية مثلما هي موجودة عند البعثي، نذل دنئ مجرم قاتل سافل، هكذا جرى ويجري تدريبهم منذ الصغر، لكن تلك قصة اخرى ذكرتها هنا لأوضح كيف ولماذا قادني طموحي في سبيل احتراف الفن الى مرسم الفنان الخالد فائق حسن وطلبته.

بدأت العمل في بداية شهر اذار وقد تعهدت للأكاديمية بأني سألتزم بالحضور صباح كل يوم والى ان يتم تبديل موضوع الرسم الى موديل اخر، وجرى تحذيري من ان اي انقطاع سيسبب ارباك للطلبة وسأفقد اجوري ان غبت، وكنت سعيدا جدا في هذا الالتزام لأني كنت عازما على التعلم والتعرف على اصول الفن لاحترافه لاحقا، وكانت اجرتي ديناراً واحد عن كل يوم، وكان ذلك مبلغا جيدا جدا بالنسبة لمراهق في الخامسة عشر من العمر، كنت اصرفها جميعا على شراء الكتب ومواد الرسم، واجور المواصلات لحضور المعارض، وانتهى عملي في اواخر نيسان مع نهاية العام الدراسي واستعداد الطلبة للمعرض النهائي.

وقد رسمني اولا طلبة الصف الرابع الذي كان يديره الفنان فائق حسن ثم انتقلت الى الصف الثالث الذي كان تحت اشراف الفنان حافظ الدروبي، ولا اتذكر الان غالبية الطلبة، حتى اني لا اتذكر الفنان يوسف الناصر نفسه وتعرفت عليه في لندن سنة 1996 ، حيث ربطتني علاقة تعارف محدودة بالطلبة اثناء تواجدي بالعمل وبعدد محدود من الطلبة، اتذكر منهم الفنان كاظم شمهود الذي كان يعمل في المساء رساما في مجلتي والمزمار لرسوم الاطفال، ومازلت اتذكر كيف عمل اسكيجات لموضوع الانشاء باستعمال مادة الحفر على الزنك، وكنت اجلس الى جانبه وهو يرسم، وقد رسم في حينها موضوع واقعي واجتماعي من خلال حياته ومشاهداته الشخصية، وكان لامرأة فلاحة تبكي بقرتها الميتة، وقد اعجبني ذلك الموضوع جدا وحاولت عدة مرات اعادة رسمه من الذاكرة بعد ذلك.

ثم تعرفت على الفنان منصور البكري الذي كان يعمل في صحافة الاطفال ايضا، وكنت من المعجبين جدا برسومه والوانه الشفافة، ولا اعتقد اني شاهدت خلال تلك الفترة من هو اكثر براعة بالتلوين المائي منه، وكان طالبا بارزاً وعلى ما أتذكر في السنة الثانية، وقد دعاني الى منزله في منطقة البتاوين عدة مرات، واخر مرة التقيت به كانت في ربيع سنة 1978 قبل سفري بشهور قليلة، ليكشف لي عن مفاجأة كان سعيدا بها، وهي اقتنائه احدى لوحات الفنان فيصل لعيبي بمبلغ خمسين دينار من المعرض الذي اقيم في قاعة كولبنكيان / الطابق الثاني بالاشتراك مع الفنان صلاح جياد والفنان نعمان هادي، وهو المعرض الذي حظي بإعجابنا جميعا، وبعد ذلك لم التقي لا بالفنان كاظم شمهود ولا بالفنان منصور البكري، ولا ادري ان كانوا يتذكرونني الان ام لا.

كان مرسم الفنان فائق حسن أكثر جدية وحيوية من مراسم بقية الفنانين، وكان حضوره يوميا، وغالبا ما يقوم بمساعدة الطلبة بتعديل رسومهم بنفسه، ودائما يستعمل طرق ايضاحية مع الكثير من الشرح لتدريب عين الطالب على الدقة بالملاحظة فكان حريصا مثلا على وضع اضاءة البروجكتر بزاوية حادة بحيث يخلق الضوء والظل بشكل واضح يساعد الطالب على رؤية الموديل بتفاصيله، وفي بعض الاحيان كانت الاضاءة الشديدة تسبب لي الحرقة والدمع، مما يستدعي استراحتي لفترة، واتذكر العطف الحنون في احدى المرات من احدى الطالبات عندما شاهدت دموعي تنهمر بغزارة وانا لا اشكو، فسارعت بإطفاء البروجكتر واعطتني منديلها اجفف به الدمع، وللأسف لا اتذكر اسمها الان.

اضافة الى انه كان يحثهم على الممارسة والتعلم من الفن العالمي، واتذكر مرة كان قد غضب على طلبته قبل نهاية الدوام لقباحة الوانهم وسوء استخدامهم الاصباغ الزيتية، وقد احضر لهم كتاب البوم لوحات الفنان الفرنسي مونيه، وصار يقلب الصفحات والصور ببطيء واحدة بعد الاخرى ويشرح لهم بصبر وتأني اصول – الكونتراس /التضاد اللوني والتدرج الهارموني وغير ذلك، وهذه المصطلحات وغيرها لم اكن قد سمعت بها من قبل وكانت جديدة علي كل الجدة، فكنت استمع اليه وكأني احد طلابه وانا مبهور وغير مصدق بأني اقف الان واستمع واتعلم من هذا العظيم الذي انتج في السنة التي ولدت فيها رائعته العملاقة المعروفة باسمه بين الجمهور، جدارية فائق حسن، وعندما زرت بغداد في نيسان من العام الحالي 2019 بعد واحد وأربعين سنة فأن اول مكان ذهبت اليه وصورته كان ساحة الطيران والجدارية الخالدة، وقد نشرت بعض من تلك الصور على صفحتي بالفيس بوك.

كانت تلك الايام سعادة حقيقية بالنسبة لي، عززت من ثقتي بالفن والرسم واهميته بالحياة، وزادت من إصراري على احترافه، حتى إني كنت اعمل فوتو كوبي لوصل صرف اجوري موقعا من استاذ المرسم لإثبات إني عملت لهذا اليوم او ذاك في هذا الصف او ذاك، اذا كان يحمل توقيع الفنان فائق حسن واحتفظ به كذكرى احيانا، ولم أكن أعيد النسخة الاصلية للوصل الى قسم الحسابات لاستلام المبلغ الا بعد يومين او ثلاثة، الى ان يشاهد اهلي واصدقائي توقيع فائق حسن نفسه واسمي في اعلى الورقة، فانا لم اعمل موديلا بالأكاديمية لأني كنت بحاجة الى المال آنذاك بل لأتعلم.

1207 فائق حسن

كان قد رسمني الفنان فائق حسن مرات عديدة وفي كل يوم اكون به الموديل ولكن ضمن لوحات طلبته التي لا تخلو من بصماته كما ذكرت، لكنه رسمني بلوحة مستقلة من انتاجه مرة واحدة فقط، في اسكيج سريع بحجم ربما 30 سم / 50 سم على ما اتذكر ليوضح به للطلبة كيفية توزيع الظل والضوء واختيار لون البشرة وما شابه، وفي النهاية سألته اذا كان بإمكاني الاحتفاظ باللوحة فوافق، غير معتبرا لها عملا مهما وانما عمل عادي يومي، وبما انها مرسومة بالألوان الزيتية فقد (نصحني) بعض الطلبة الى تركها حتى غدا لتجف الاصباغ وآنذاك يمكن نقلها بدون تلف، لان الرسم سيتغير وتفسد اللوحة اذا لامستها اليد او اي شيء اخر، وقد اقتنعت بالحجج وتركت اللوحة، وعندما عدت باليوم التالي كانت اللوحة قد اختفت وكل واحد يدعي انه لا يدري اين ذهبت ومن اخذها، وراحت جهودي للبحث عنها اسبوعا كاملا دون جدوى ثم ضاعت والى الان، واتمنى انها مازالت في مكان ما بين لوحات طلبة الصف الرابع اكاديمية الفنون للسنة الدراسية 1974 / 1975 وارجو ان نعثر عليها ذات يوم.

في نفس تلك الايام كان فائق حسن قد رسم الفنان المسرحي أسعد عبدالرزاق عميد الأكاديمية وقتها، وكنت حاضرا على مدى يومين او ثلاثة اشاهد فائق حسن وانامله الساحرة الى ان انجز العمل، وكانت تلك اللوحة بالأصل قد رسمها الفنان صلاح جياد عندما كان طالبا قبل ذلك التاريخ بثلاثة سنين، وقد طلب أسعد عبد الرزاق من فائق حسن تعديلها، وتغيير الوانها وتعديل الملابس باللوحة الى البدلة الانيقة التي كان يرتديها، وهذا ما قام به الفنان الكبير ببراعة، وقد عرضت هذه اللوحة في السنة التالية 1976 في قاعة كولبنكيان ضمن معرض الاحتفالية بيوم الفنان فائق حسن وانجازه الشخصي الذي ضم حوالي المئتين لوحة، وقد كنت حاضرا في الافتتاح وفي الندوة الخاصة التي اقيمت للفنان والتي ادارها شاكر حسن ال سعيد وسٌجلت على اشرطة كاسيت والكثير من الصور الفتوغرافية ونقلت بفلم وثائقي عرض في تلفزيون بغداد.

كذلك كنت حاضرا عندما رسم أحد طلبته واسمه جبار مجبل، بلوحة متوسطة الحجم شاهدتها من بداية الرسم الى ان اكتملت، وكان جبار سعيدا وفخورا باللوحة بشكل لا يوصف (وربما مازال) وقد شاهدت قبل عدة سنوات صورة لهذه اللوحة عل أحد مواقع الانترنيت، واتمنى ان تكون مازالت في حوزة جبار مجبل، فهي لوحة رائعة، بها طابع العمل السريع وايضا البطيء المتقن.

ومنذ تلك الشهور والى ان تركت العراق في اب من سنة 1978، لا اعتقد انه يوجد معرض جماعي او شخصي وفي اي منطقة من مناطق بغداد لم ازوره، ولا اعتقد ان هناك كتابا واحدا بالفن لم اقتنيه وأقرأه، كانت سنوات غنية جداً كونت بها نفسي بنفسي بدون معلم رسم، واصبحت الاوراق وعدة الرسم تلازمني في اي مكان اذهب اليه، بالبيت والمدرسة والمقهى ومع الاصدقاء وفي كل مكان وما زلت على هذا الحال الى الان، وكان لتشجيع واعجاب بعض اصدقائي من جيلي برسومي ونقاشاتنا الدائمة تأثير كبير على استمراريتي وتذليل الصعاب وتحملها، واتذكر على الخصوص صداقتي المميزة مع الشاعر والمفكر المبدع عادل عبدالله، الذي تعرفت عليه في صيف تلك السنة وكان عمره اثنين وعشرين سنة ويكبرني بستة سنوات، وكان قارئ نهم وشعلة من الذكاء والفكر، تعرفت عن طريقه على الشعر وقراءة الرواية والفنون السريالية ومعنى الوجودية وغير ذلك الكثير، وانقطعت علاقتنا منذ ان تركت العراق مثلما حدث لي مع اصدقاء اذكياء اخرين لا يقلون موهبة وروعة عن عادل.

من المفترض (نظريا على الاقل) ان تكون هناك ما لا يقل عن عشرين لوحة لطلبة الاكاديمية من تلك السنة تمثلني، فقد كان هذا هو عددهم على ما اتذكر، هذا على افتراض انهم ما زالوا يحتفظون بلوحاتهم من سنين الدراسة، وليس الفنان يوسف الناصر وحده من يحتفظ بلوحته، واعتقد ان غالبيتها (ان وجدت) كانت بهذا الشكل او ذاك قد رسمت وهي تحمل بصمات واسلوب الفنان الملون الخالد فائق حسن.

 

ساطع هاشم

 

عبد الحسين شعبانعبارة أثورة وبشرطة نور السعيد

هي التي تخرج الزعيم عن حلمه

كرّمني الجواهري حين عدّني صديقاً له ،فكتب في العام 1986  في مقدمة كتاب "الجواهري في العيون من أشعاره" "... ويسرّني في الختام أن أخصّ بالشكر الجزيل والامتنان العميق أخي وصديقي الأديب والمؤلف الدكتور عبد الحسين شعبان، على أتعابه وفرط عنايته وجهوده الحميدة، سواء بما تقابل به معي في اختيار هذه " العيون" وفيما يختص بضمّ هذه اللقطة المختارة إلى جانب تلك أو في تصويرها أو الإشراف على طبعها وتصحيحها وكما قيل:

من يصنع الخير لا يعدم جوازيه    لا يذهب العرف بين الله والناس"

وكتاب "الجواهري في العيون من أشعاره" المشار إليه في أعلاه هو "مختارات من شعره ومن بعض قصائده" بذائقة أدبية، حيث تم اختيار العيون في إطار عشريات (كل عشر سنوات) من أشهر القصائد، ومن أهم الأبيات التي فيها للقصائد الطويلة، وكتب هو مقدمته، وقد صمّم غلافه الفنان مكي حسين، وصدر عن دار طلاس في دمشق (1986).

ولعلّ وقع كلمة الصديق والأخ كبير في نفسي،  وهو ما عاد وكرّره في الأبيات التي أهداها إليّ في العام 1990، وأعتبر ذلك بمثابة تشريف أعتزّ به،  ولم أكن أعتبر نفسي  أكثر من "تلميذ" كان قد تأثّر بالجواهري الكبير في بدايات مشواره، فهو أكبر سنّاً من والدي، وكنت دائماً أعتبر أن الشعر بعامة والجواهري بخاصة أحد روافدي الروحية، وأشرتُ أكثر من مرّة أننا كبرنا مع الجواهري، حيث كانت مكتبة الأخوال والأعمام مليئة بدواوينه وبصحف ومجلات  وقصائد وأخبار عن كل ما يتعلّق بالجواهري، لدرجة كنت أشعر وكأنه يعيش معنا، وأتذكّر أن والدي عزيز شعبان كان يردّد دائماً :

أنا حتفُهم ألِجُ البيوتَ عليهم ُ  أُغري الوليدَ بشتمهمْ والحاجبا

وكان يستعيد قصيدة طرطرا التي يبدأها ونقوم بإكمالها له :

أيْ طرطرا تطرطري

تقدّمي، تأخّري

 

تشيَّعي تسنّني

تهوَّدي تنصَّري

 

تكرّدي تعرَّبي

تهاتري بالعنصرِ

 

تعممي، تبرّنطي

تعقلّي، تسدّري

وأتذكّر أيضاً، أننا لأول مرّة نستنشق هواء الحرّية ونملأ أفواهنا باسم الجواهري، حين جاء مدرّس اللغة العربية جواد الرفيعي في متوسطة الخورنق، وكان حينها عضواً في الحزب الشيوعي، وقد اعتقلنا معاً في العام 1963، ليطلب منّا أن نحفظ قصيدة الجواهري التي تغنّى فيها بالثورة:

جيش العراق ولم أزل بك مؤمنا        وبأنّـكَ الأمــــلُ المرجّى والمنى

عبد الكريم وفي العراق خصاصة             ليــــــدٍ وقد كنت الكريم المُحسنا

وهي القصيدة التي رفض الجواهري أن أصنّفها ضمن قصائد الخمسينات في مختاراتي للعيون، بل قال بصيغة استنكارية: أنها لا تعود لي وأرجوك شطبها من أرشيفك. ولعلّ ذلك ما دفعني للبحث في ما يتعلّق بما وراءها ، وهو موضوع هذه المقالة. وامتثلت لقراره بالطبع، لكنه لم يكتفِ بذلك، فعاد واتّصل بي تلفونياً من براغ ليتأكد من ذلك.

أعود إلى قصيدة جيش العراق، فلم يكن بوسعي  ونحن في الأسابيع الأولى للثورة  أن أخفي فرحي وغبطتي، لأنني كنت قد قرأت القصيدة في البيت واحتفظنا بها، وشعرت بنوع من التميّز على عدد من زملائي آنذاك، وهو ما أحاطني به الأستاذ الرفيعي. وعلى الرغم من أن هذه القصيدة ليست الأحب إلى قلبي من شعر الجواهري، لكنها ظلّت تشغلني لذكراها الخصوصية المصحوبة بالنشوة الأولى للثورة قبل أن نتجرّع مرارتها لاحقاً. وما زاد من انشغالي بالقصيدة هو تعليق الجواهري الآنف الذكر وتأكيده على حذفها.

كما وظلّ موقف الجواهري الشديد من قاسم محيّراً لي وكنت أحاول الاقتراب في إيجاد تفسير له، على الرغم من معرفتي بما حصل بينه وبين قاسم، وهو ما رواه الجواهري لي في تسجيلات خاصة أجريتها معه في مطلع الثمانينات، واقتبس منها الصديق حسن العلوي وأشار إلى مصدرها في كتابه المتميّز " الجواهري ديوان العصر"، ثم دوّنت جزءًا منها  في كتابي الموسوم "الجواهري - جدل الشعر والحياة" ط/1، دار الكنوز الأدبية ، بيروت ، 1997، وقد صدر قبل وفاته ببضعة أشهر، لكنني كنت أحاذر من التوغّل أكثر  في تلك المنطقة المحرّمة، حتى وقعت على "الطين الحرّي" كما يقال بعد حين، وذلك حين أتصل بي سعد صالح جبر في لندن، وقال هناك صديق يريد التحدث إليك، وهكذا التقيت بجرجيس فتح الله الذي ربطتني به صداقة وثيقة وتبادلنا الكثير من الآراء والرسائل واللقاءات فيما بعد، سواءً في المنافي أو  في كردستان، حتى توفي في العام 2006.

وقد فكّ جرجيس فتح الله "اللغز الغامض" في علاقة الجواهري بقاسم، وهو الذي  بقيت أسعى لحلّه سنوات طويلة، حين روى لي ما حصل في المشادّة الكلامية بين قاسم والجواهري التي كنت أعرفها، لكنني أجهل خفاياها كما يُقال، وعبثاً حاولت ذلك دون جدوى، وحسب ما ذكر جرجيس فتح الله،إن هناك محاولات عديدة بُذلت للنيل من الشاعر الجواهري، مفادها أن نوري السعيد منحه أرضاً زراعية ومضخة لسقيها على الفرات وأوصى به إقطاعيين كبار، إلى غير ذلك من " الترهات"، التي تم ترويجها .

وحين اندلعت الثورة كانت المهمة التي أنيطت  بوصفي طاهر هي إلقاء القبض على نوري السعيد بحكم كونه مرافقاً عسكرياً له طوال سنوات، حيث جرى اقتحام منزل السعيد الذي كان قد غادره عبر نهر دجلة في قارب ،كما هي الرواية المعروفة، فتم جمع الوثائق والمستمسكات والكتب منه وبضمنها نسخة من "ديوان الجواهري" وعليها إهداء شخصي رقيق إلى نوري السعيد وقد احتفظ بها قاسم في مكتبه .

ويمضي فتح الله ليقول حين انفتحت معركة أولى بين الجواهري وجريدته "الرأي العام" وبين "جريدة الثورة" وصاحبها يونس الطائي كان ذلك بسبب ما نشرته جريدة الرأي العام من افتتاحية بعنوان " ماذا يجري في الميمونة؟" التي سأعود لروايتها على لسان الجواهري، وكان الطائي ينطق وإن لم يكن رسمياً بلسان قاسم، فاستغل التوتّر الذي حصل بين قاسم والجواهري،  فهدّد الطائي بنشر صورة تدين الجواهري وكان يقصد بـ"الجرم المعلوم" ولم يكن ذلك سوى " الإهداء المزعوم"، وهو ما أظهره الطائي لعدد من أصحابه وزوّاره في مقر الجريدة بنيّة نشره كمستمسك ضد الجواهري، ولكن أحد زائريه اختلس الوقت ليخفي "الصورة الزنغرافية" عن "الإهداء المذكور"، بناء على اقتراح من جرجيس فتح الله الذي كان ملاحقاً كما أخبرني، وظلّ الطائي يفتش عنها فلم يجدها. وعلى الرغم من أنني دوّنت ذلك على لسان فتح الله، لكنني حين أصدرت كتابي عن الجواهري، لم أذكر ذلك.

واعتقدت أن الأمر ليس بذي بال، لكن جرجيس فتح الله نشر ذلك في جريدة القدس (العربي) بعد وفاة الجواهري، وأهملتُ الإشارة إلى الحادث في الطبعة الثانية من كتابي "الجواهري- جدل الشعر والحياة" (دار الآداب، بيروت، 2008) والطبعة الثالثة (دار الشؤون الثقافية ، بغداد،2010)، ولكن جرجيس فتح الله عاد ونشر مقالته المشار إليها في كتاب بعنوان " رجال ووقائع في الميزان" (حوار أجراه معه مؤيد طيّب وسعيد يحيى، دار آراس، إربيل، 2012)، الأمر الذي استوجب إجلاء الصورة وتوضيحها، علماً بأن الكتاب المذكور نُشر بعد وفاته.

وحسب رواية فتح الله فإن الورقة الخاصة بالإهداء (الصورة الزنكغرافية) بقيت معه وقد سلّمها للجواهري، الذي بقي صامتاً ولم يبنس بحرف مثلما يقول،  وحسب تفسيري فإن الجواهري حين يهدي كتاباً أو ديواناً، يكتب عليه عبارات مودّة وليس في ذلك شيء  ينتقص من الجواهري أو يسيء إليه، لاسيّما في العلاقات الإنسانية ، ولم يجد قاسم ما يهدّد الجواهري به سوى ذلك  الإهداء الرقيق- وبالطبع فهو إهداء شاعر لرجل دولة - وهو الذي قال عن زيارته إلى بيت الجواهري، " هذا البيت هو الذي أنبت الثورة"، لكن عصابية قاسم وردود فعله الغاضبة والانفعالية هي التي دفعته للصدام مع الجواهري دون مبرّر كاف، فالجواهري كان يعدّ نفسه من معسكره وهو من قام بتمجيده ، ومن جانبي كنت رويت الحكاية  من زاوية سسيوسايكولوجية ثقافية وذلك حين ذكرت:

يمكن القول أن حساسية ما بدأت غير معلنة بين الزعيم عبد الكريم قاسم والجواهري بعد الثورة، لما يمثّل كلّ منهما من مكانة رفيعة حيث كان الزعيم عبد الكريم قاسم قائد الثورة والقائد العام للقوات المسلحة ورئيساً للوزراء ، أي على رأس السلطتين السياسية والعسكرية، بينما كان الجواهري زعيماً للسلطتين الثقافية والإعلامية في العراق، فهو رئيس اتحاد الأدباء ونقيب الصحفيين العراقيين، بما توّفر هاتين المسؤوليتين من نفوذ أدبي ومعنوي.

وأضفتُ: كنتُ كلما مررتُ في شارع الرشيد قرب ساحة حافظ القاضي، تستوقفني صورة الجواهري، وهي تزين واجهة استوديو المصور المعروف الفنان (أرشاك) فقد انتشرت صوره على نطاق واسع مما كان يثير حفيظة بعض المسؤولين وقد يكون قاسم في مقدمتهم، وبقدر ما كان اسم الجواهري مثيراً، فهو إشكالي أيضاً، وبتقديري إن الرمز يثير إشكاليات عديدة، ويكون مصدراً للصراع في زمانه أو حتى بعد ذلك الزمان، نظراً لموهبته الهائلة وقدرته على إثارة أسئلة ليس بالإمكان الإجابة عنها في الحال، وإلى تفرّده وخصوصيته وعنصر الجدّة لديه، خصوصاً إذا ما حاول صدم ما هو سائد أو الإتيان بما ليس مألوفاً.

وكنت قد سألت الجواهري في مطارحاتي العديدة معه: أبو فرات، نعود إلى العلاقة مع «الزعيم» عبد الكريم قاسم وقصة المنفى.. ماذا تقول؟ فأجاب: من أكثر القضايا إثارة، هو علاقة شاعر بجنرال قائد ثورة أو انقلاب، وأضاف: تعرفت على عبد الكريم قاسم في لندن، وقد رافقني إلى طبيب الأسنان، لمعالجة أسناني، عندها كان هو في دورة عسكرية، والتقيته في السفارة العراقية آنذاك. ومرّت الأيام وسمعت بنبأ «الثورة» وإذا بي أفاجأ بصورة رجل كنت قد نسيت ملامحه، فإذا به «الزعيم» الذي أُطلق عليه «الأوحد» فيما بعد، وركبه الغرور حدّ التعسف.

ثم خاطبني: يمكن أن تتعجّب إذا قلت لك أن «الزعيم» كان كثير التهيّب في علاقته مع الأدباء وكان أول بيت زاره في العراق بعد الثورة هو بيتي وقد تكرّرت الزيارات، وعندما بدأت الأمور تسوء وبدأ يركب رأسه وينفرد بكل شيء، كتبت مقالة في الصحيفة التي كنت أصدرها «الرأي العام» بعنوان: ماذا يجري في الميمونة؟ والميمونة قرية في جنوب العراق تعرّضت لهجوم بوليسي انتهكت فيه الأعراض.

وبعد ذلك جاء على ذكر المشادة الكلامية بقوله: وصادف أن قابلنا الزعيم عبد الكريم قاسم في وزارة الدفاع، باسم الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء، وكان يحضر معي السيد الحبوبي والدكتور صلاح خالص والفنان يوسف العاني والدكتور المخزومي والدكتور علي جواد الطاهر، وإذا بالزعيم يخاطبني «.. أستاذ الجواهري: ماذا يجري في الميمونة؟..» وقد كنتُ أخشى مثل هذه المواجهة، لأنني كنت أتحاشاها، ولم أحدّد المعركة بعد. فأجبت بأدب وقلت له «سيدي الزعيم أنا لا أستطيع أن أدافع عن نفسي كثيراً في هذا الموضوع».

وقال مخاطباً الزعيم: أسألك فقط سؤالاً واحداً، هنّ بناتك وأظنهن جئن إليك وعرضن ما تعرّضن له.. بمعنى أنني لم أكتب ذلك عبثاً. ويمضي الجواهري في روايته فيقول : وقد أحرج «الزعيم» فهو لا يستطيع أن يقول لي نعم ولا يرغب أن يقول لي: لا. وأخذ يتهرب. ويقول الجواهري:الغلطة الكبرى التي ارتكبتها حين قلت له «أثورة وبشرطة نوري السعيد؟» فخرج (الزعيم) عن حلمه لأول مرّة، وبدون تفكير منه حسبما أظن قال لي: أنت من بقايا نوري السعيد (ولديّ الوثائق).

ويواصل الجواهري روايته بالقول: كان يفترض بي أن أقول له، أنا فلان، أول من كنت تحاول مصاحبته في لندن وأول من زرته في البيت، وقد كنت آنذاك الغالب في هذه المعركة، لكنني لم أقل له ذلك، بل قلت له: هل تأذن لي بالخروج يا سيادة الزعيم؟ وأردفت بالقول بما نصَّه: «أتحداك وأمام الجالسين.. أتحداك وأشرت له بإصبعي.. نعم أتحداك مرة أخرى.. » وأعتقد أنني أرفقتها بـ" يا سيادة الزعيم عبد الكريم".

واستكمالاً لهذه الرواية: غضب الزعيم وبدا الشرر يتطاير من عينيه واتجه إلى الغرفة الأخرى لجلب الوثائق الدامغة على حد تعبيره، والمقصود عبارات الإهداء والمجاملة التي كتبها الجواهري لنوري السعيد، وهناك احتضنه وصفي طاهر وحاول التخفيف من روعه والتمسه أن يهمل ذلك أو ينساه، ثم عاد به إلى حيث اللقاء، وكان الجو قد تكهرب وهكذا انتهت الزيارة.

وكنت قد سألت الجواهري هل كانت هذه الحادثة، هي السبب في مغادرة العراق إلى المنفى؟ فأجاب ربَّ ضارة نافعة، مثلما يقولون. رحم الله عبد الكريم قاسم، فلو لم تكن له معنا هذه القصة، فقد كنّا قبعنا في العراق، والله العالم ما كان سيحدث لنا في السنوات السوداء، لكنه اضطرنا إلى «التشرّد» عن الوطن في خريف 1961، وربما للتشرّد الموعود، وهي حسنة وربما كفّارة عن كل ما فعله معنا قبل التشرد أنا وزوجتي «أم نجاح» وبنتينا خيال وظلال، وكنت بحكم علاقاتي مع اتحادات الأدباء، ونقابات الصحفيين في الدول الاشتراكية، قد أمّنت مقاعد دراسة لأبنائي في صوفيا وموسكو وباكو وبراغ، جزاهم الله ألف خير، وهكذا كان مصير فرات وفلاح ونجاح وكفاح. رحم الله عبد الكريم قاسم الذي قلت فيه : «ورمى بنا خلف الحدود كأننا / بُردٌ إلى الأمصار عجلى ترزمُ ».

وعدتُ إلى سؤال الجواهري: كيف عشت خلف الحدود؟ ماذا كان هناك؟ زمهرير الغربة أم فردوس الحرية؟. فأجاب الاثنان معاً (أي والله)  كان هناك الفردوس المفقود والموعود معاً. كانت براغ الذهبية مدينة الأبراج والجمال. صحيح أننا دفعنا أثماناً باهظة من كراماتنا المهانة، ومن شماتة الشامتين، وتشفّي المتشفين، ولكننا مع جفاف الغربة، كسبنا حريتنا وحلاوة الحياة وقد أعطتنا براغ الكثير، وقلت فيها:

أطلتِ الشوطَ من عُمُري

أطالَ الله من عُمرك

 

ولا بُلغتُ بالشرِّ

ولا بالسوء من خبرك

 

وفي براغ كتب الجواهري قصيدته العصماء "يا دجلة الخير" التي يقول فيها:

حَييتُ سفحكِ عن بُعـدٍ  فحييني

يا دجلةَ الخيرِ، يا أُمَّ البساتينِ

 

حييتُ سفحَك ظمآناً ألـوذُ  بــه

لوذَ الحمائمِ بين الماء والطين

 

يا دجلةَ الخير يا نبعاً أفارقــهُ

على الكراهةِ بين الحين والحين

 

إني وردتُ عُيونَ الماء صافيـة

نبعاً فنبعاً فما كانت لتَرْويني

كما كتب قصيدة كردستان موطن الأبطال  وقصيدة أرح ركابك وقصيدة رسالة مملحة وقصيدة زوربا وغيرها بما فيها ديوان الغربة وهي مجموعة قصائد صدرت في العام 1965.

وبالعودة إلى جرجيس فتح الله فقد ذكر إنه أسرّ مسعود البارزاني بتلك الحادثة وأنا الشخص الثاني،  وهو لا يريد أن تذهب الظنون به بأنه يقصد دالّة أو فضلاً، وإنما فعل ذلك محبة واعتزازاً، وقال إنه سيحتفظ بها حتى الممات، فإن توفّاه الأجل قبل الجواهري، سيكون قد دفن السر معه، وإن توفي الجواهري قبله، فربما سيجد مناسبة لتدوينه، علماً بأنني لم أجد فيها سرّاً يذكر، بقدر ما هي حادثة عابرة ، وأستدرك بالقول أنه حتى الحوادث العابرة لشخصيتين متميزتين ، فإنها ذات دلالة خاصة ومعنىً معبّراً، فكيف لا والمسألة تخصّ الجواهري وعبد الكريم قاسم، ولهذا السبب كنت أسعى لأجد الوقت المناسب لإيضاح هذه المسألة بعد نشرها من جانب جرجيس فتح الله، مشدّداً على أن روح المجاملة والتواصل والمودة التي كان يبديها الجواهري مع الآخر، هي وراء ذلك الإهداء المملّح حتى وإن اختلف مع صاحبه وقال بحقه ما لم يقله مالك في الخمرة، فما بالك حين يهدي ديوانه له.

 

عبد الحسين شعبان

أكاديمي وأديب عراقي

 

 

محمد عبد الكريم يوسفوقف أمام الحشود قبل 22 قرنا وقال: "الشعب الذي ينسى من أذله لا يستحق لقمة العيش والشعب الذي لا يعرف الكراهية العظمى لا يستحق المجد الأعظم ولا يستحق أن يعيش". بهذه الكلمات أنهى هانيبال خطابه لشعبه ردا على أباطرة روما الذين اعتادوا أن ينهون خطاباتهم بالعبارة التالية: "يجب أن تُدمر قرطاجة." كان هانيبال ملكا للرعب في البر والبحر وعاصفة للغضب والحقد وقد ظُلم من أجل فكره في حياته ومماته . هناك من اعتبره الوحش والسفاح والمجنون ومصاص الدماء و الحقد الأسود واللعنة وشبح الدمار الرهيب . وقد كان ذنبه الأعظم أنه يحب بلاده لدرجة الموت وكان مستعدا أن يشرب من دم أعدائها ولم يكن الرومان أقل وحشية وسفكا للدماء وعدوانا وحقدا .

فما حكايته من أولها إلى آخرها؟

كانت روما تتوسع أفقيا في عموم ايطاليا وعلى الشاطئ الإفريقي الشمالي وكانت قرطاجة في تونس بأشرعتها التجارية الممتدة على طول البحر المتوسط وعرضه وفي وقت من الأوقات طمعت روما بثروات قرطاجة التجارية فنشبت الحرب الأولى بين روما وقرطاجة واستمرت لمدة 23 عاما دُمرت خلالها العديد من المزارع المحيطة بقرطاجة فتنازلت لروما عن معظم الجزر التي تقع تحت سيطرتها وفقدت الكثير من أسطولها التجاري وبقيت تدفع لروما إتاوة لمدة 10 سنوات من أموالها وذهبها وفضتها وشعر الناس بمذلة الهزيمة .

وفي غمرة أحداث جسام من المذلة والخوف، شكلت أسرة بارك وصهرها أسد روبال حزبا عسكريا مهمته الثأر من روما . كان العسكريون يريدون لقرطاجة المجد والفخر وعندما قتل أسد روبال (الأسد الرئبال) الملقب بالبرق في إسبانيا لم يجد العسكريون القرطاجيون أفضل من شقيق زوجته الملقب بالرعد لقتال روما. كان في الخامسة والعشرين من عمره وكان يفتخر بأنه رضع بغض روما وكراهيتها مع حليب أمه وأنه لم ينم من قبل تحت سقف أبدا . أخذ عليه والده وكان عمره تسع سنوات عهدا أن يحارب روما إلى الأبد وفي كل مكان، فاحترف العمل العسكري في الخيام والقلاع والبراري . لقد كان العمل العسكري الذي قام به هانيبال من معجزات الحروب.

1202 قرطاجة

وبدأ الرجل حربه الضروس ضد روما في إسبانيا . طالبت روما قرطاجة تسليمها هانيبال فأجابها بمسيرة حربية لم يسبقه إليها أحد في التاريخ إذ حشد أربعين ألف مقاتلا وجيشا في مقدمته ثلاثين فيلا . لقد كانت الفيلة بدعته في الحروب وسار نحو روما برا منطلقا من اسبانيا . عَبَر جبال البيرينية ثم بلاد الغال وكان يحارب على طول الطريق . كانت دباباته من الفيلة كافية بأن تهزم كل من وقف في طريقه وتقدم حتى وصل جبال الألب حيث الثلوج والبرد القارس . كانت جبال الألب العقبة الكبرى أمامه. يقال في التأريخ الغربي أن مصادفة كبرى غيرت مجرى التاريخ وهي انفجار بركان بجوار جيشه قتل من جيشه عشرين ألف مقاتل وبقي معه عشرين ألفا آخرين . ويذكر التاريخ الشرقي أن العواصف الثلجية هي من قتل جنوده العشرين ألف وأكلت الصخور الزرق من أجسادهم . ورغم ذلك استطاع اجتياز جبال الألب وانحدر بهم نحو روما من الشمال واقترب من محاصرة عاصمة الكون في ذلك الزمان لدرجة أن نساء روما كانت تهدد أطفالهن بهانيبال . كان أمامه طريقان لا ثالث لهما إما الموت أو النصر . ظل الرجل يحارب في ايطاليا سبعة عشر عاما لم يخسر فيها معركة واحدة . الخطر الوحيد الذي كان يهدده كان فقط قلة المدد من قرطاجة . وحين وصل إلى مشارف روما جاءه خبر اتفاق التجار والحكومة في العاصمة قرطاجة ضده تحت الضغط الروماني واتهموه بالجنون وبأنه ضلل الشعب وبدد الأموال مع أنهم لم يدفعوا له شيئا . ثم أبلغوه القرار بأن يعود. غادر هانيبال الأراضي الإيطالية مهزوما وهو الذي لم يقهر في معركة من المعارك . ولدى وصوله إلى قرطاجة حاول أن يجمع قادة الجيش والتجار لمحاربة روما إلا أن الخونة والمرتزقة والعملاء فضلوا الاحتلال على الحكم الوطني فهزم الجيش القرطاجي وسلمت السفن الحربية والتجارية للرومان وكل الفيلة مع إتاوة تدفعها البلاد للاحتلال الروماني لمدة خمسين عاما بالإضافة إلى تقديم رهائن من الذكور حتى لا تعود للحرب مرة ثانية . حاول هانيبال تجميع الرجال لكن الخونة والتجار والمرتزقة رفضوا وطالبت روما برأسه فهرب إلى سورية فطاردته روما هناك فهرب إلى أرمينيا لكن روما لاحقته هناك ولم يكن له إلا كمية صغيرة من السم القاتل يحتفظ بها في خاتمه تكفيه للخلاص . يقول الناس أنه كتب على جدار غرفته: "إلى روما أعدائنا . لقد حاربتكم أربعين عاما ولم أتعب . اليوم يموت أخر جندي في رتل الكراهية الأبدية لكم . "

وحصلت روما على ما أرادت من قرطاجة ...

رحل هانيبال بأيدي شعبه ...ودمر الرومان قرطاجة تدميرا لم يسبق له مثيل، وأصدر مجلس الشيوع الروماني قرارا يلعن هذه الأرض وساكنيها ومن يبني عليها حجرا فوق حجر . لكن بقايا الحجارة ما زالت تئن وتقول: " الشعب الذي ينسى من أذله لا يستحق لقمة العيش والشعب الذي لا يعرف الكراهية العظمى لا يستحق المجد الأعظم ولا يستحق أن يعيش ."

وما الحياة إلا دروس وعبر ....أليس كذلك ؟

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

ضياء نافعكلية الجيولوجيا هي المحطة الثانية في هذه السلسلة من المقالات عن الطلبة العراقيين بجامعة موسكو في ستينات القرن العشرين ومصائرهم . كانت هذه الكليّة جديدة كليّا لمفاهيمنا، اذ استطعنا ان نترجم الى العربية اسماء معظم الكليّات تقريبا، الا اننا كنا نقول – كليّة الجيولوجيا . تميزت هذه الكليّة بقبول مجموعة كبيرة نسبيا من الطلبة العراقيين وفي الدراسات الاولية فقط، اذ لم يكن هناك طالب عراقي في الدراسات العليا . اسماء هؤلاء الطلبة وكما اتذكرهم وحسب حروف الهجاء هم كما يأتي – المرحوم انترانيك (نسيت اسم والده) / المرحوم الشهيد د. حامد الشيباني / المرحوم جمال منير / د. ديكران يوسف / صاحب (نسيت اسم والده) / صدّاع العاني / المرحوم د. عدنان عاكف / المرحوم غريب رياح / المرحوم فيصل الجبوري/ كبه (نسيت اسمه) / د. محي السعد / منذرنعمان الاعظمي / د. يحيى قاسم.

احاول ان اتوقف عند هذه الاسماء (الحبيبة الى قلبي) ومصائرهم حسب معلوماتي المتواضعة، وحسب ما انحفر في ذاكرتي عن احداث ارتبطت بهم وعرفت بها او سمعت عنها، وكم أتمنى ان يكمل الآخرون هذه السطور او يصححونها في الاقل، اذ رحل البعض منهم عن الحياة، ومن واجبنا، نحن الذين لازلنا على قيد الحياة، ان نسجّل ما شاهدناه وما عرفناه آنذاك للاجيال العراقية القادمة من الابناء والاحفاد وابناء الاحفاد، كي نبرز الحقائق والوقائع كما كانت فعلا ونسجلها قبل ان تضيع الى الابد، اولا، وكي لا تكرر هذه الاجيال الاخطاء والعثرات الى حدثت في مسيرتنا، ثانيا، وتلك هي مهمة التاريخ العظيمة  .

المرحوم انترانيك، وكنت اسميه دلعا انتران . كان مرحا وبسيطا ومبتسما ومتفائلا دائما، وهو الذي اطلق (هلهولة عراقية مدوّية) عندما اجتمع معنا الدكتور المشاط (مدير البعثات في وزارة المعارف آنذاك) في قاعة (02) بجامعة موسكو (انظر مقالتنا بعنوان – رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي 2) . لقد تصرف المشاط بعنجهية وغرور وبشكل فظ تجاه الطلبة العراقيين، واستخف بالشهادات السوفيتية، واعلن ان شهادة الكانديدات حسب القاموس الروسي العربي الذي اطلع عليه هذا المدير بحثا عن معنى تلك الكلمة الروسية هي (مرشح علوم)، وبالتالي فانها لا يمكن الا ان تعادل شهادة ماجستير ليس الا، وكان رد فعل القاعة واضحا ضد هذه الافكار السطحية، واذا بنا نسمع (هلهولة) مدوّية من وسط القاعة يطلقها انترانيك، وقد ضجّت القاعة بالضحك طبعا، وكان ذلك اجمل رد (شبابي!) رائع (رغم كل ما قيل ويقال) على هذا  المدير (المبوّز!)، الذي  يتكلم عن العلم السوفيتي (وكان آنذاك يغزو الفضاء) وتعادل شهاداته من وجهة نظر سياسية عراقية ساذجة ومضحكة وضحلة ولئيمة، وجهة نظر تعكس طبعا تلك الخلافات السياسية التي كانت سائدة في الساحة العراقية بداية الستينات . ولقد تذكرت المرحوم انترانيك وهلهولته المدوية عندما جمعنا مرّة (نحن اساتذة جامعة بغداد والمستنصرية) وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور المشاط نفسه، وتكلم امامنا بنفس ذلك التعجرف والعنجهية والغرور والسطحية ايضا، نحن الاساتذة، وهو يمجّد ويمجّد (القائد الضرورة!!!) بتلك الكلمات الطنانة والرنانة المقرفة حتى الضجر، وقلت بيني وبين نفسي، آه لوكنت معنا الان ايها المرحوم انترانيك !!!، وتذكرت المرحوم انترانيك ايضا عندما قرأت اسم الدكتور المشاط  ضمن عرائض الذين (يرجون !!!) الامريكان بالتدخل لانقاذ العراق ...

الاسم الثاني هو الشهيد د. حامد الشيباني، والذي كتبت عنه عدة مرات، وسأبقى اكتب عنه وأذكر سيرته المتواضعة (والعظيمة ايضا) منذ كان طالبا متميّزا (علما واخلاقا) في كلية الجيولوجيا بجامعة موسكو وهو يرفع اسم العراق عاليا، وكيف اقترح مشرفه العلمي نفسه ان يكمل حامد دراسته العليا لانه لاحظ تميّزه، وهكذا حصل على شهادة الدكتوراه، وعاد الى العراق واصبح – وبجدارة - شخصية علمية وادارية بارزة في شركة النفط الوطنية في السبعينات، وكيف اعتقلوه في شركة النفط هذه واثناء الدوام، ومن ثم اختفى أثره، ولا يوجد له الآن حتى قبر، رغم كل محاولات عائلته، التي ارادت فقط ان تعلم مصير ابنها، او حتى مكان قبره في ارض الوطن، الوطن الذي رفع المرحوم د . حامد الشيباني رايته عاليا في اجواء كلية الجيولوجيا بجامعة موسكو في تلك الايام الخوالي ... الرحمة والذكرى العطرة والخلود لك ايها الشهيد الدكتور حامد الشيباني .

 

 أ.د. ضياء نافع

 

محمد فتحي عبدالعالاليوم تأخذنا خطانا عبر مسالك التاريخ إلي واحدة من أشهر نساء العهد الأيوبي والمملوكي أنها أول سلطانة مملوكية في التاريخ المصري وواحدة من الملكات القلائل اللاتي حكموا أقطارا في التاريخ الاسلامي .

شخصيتنا اليوم هي السلطانة شجر الدر أو كما عرفها العامة بشجرة الدر. يقول ابن تغري بردي عنها في النجوم الزاهرة: "وكانت خيّرة دَيِّنة، رئيسة عظيمة في النفوس، ولها مآثر وأوقاف على وجوه البر، معروفة بها…"

النشأة:

اختلف المؤرخون حول أصلها فمنهم من ذهب إلی كونها أرمينية أو خوارزمية والبعض أنها تركية او شركسية..

كانت شجر الدر جارية لدی الخليفة العباسي المستعصم وقد ابتسم لها القدر حينما اهداها المستعصم للسلطان الأيوبي نجم الدين أيوب في مصر لتصبح ضمن جواريه ولكن بجمالها وذكائها وفطنتها واجادتها للقراءة والكتابة والغناء وصوتها الشجي استطاعت أن تستحوذ علي قلب وعقل السلطان وسرعان ما اصطفاها نجم الدين لمصاف زوجته المفضلة بعد ولادتها لابنه خليل والذي اختاره القدر ليموت مبكرا وبلغت منزلتها مبلغا عظيما فكانت تنوب عن السلطان حال غيابه.يقول عنها ابن إياس في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور: (ذات عقل وحزم، كاتبة قارئة، لها معرفة تامة بأحوال المملكة، وقد نالت من العز والرفعة ما لم تنله امرأةٌ قبلها ولا بعدها، وكانت تكتب خطاً يشبه خط زوجها الملك الصالح، فكانت تعلم على التواقيع).

الإخوة الأعداء:

كانت طريقة صلاح الدين في تقسيم الدولة الإسلامية بين أسرته من بعده نذيرة باندلاع حروب لا تنتهي بينهم وهو ما حدث بالفعل وأدی إلی ضياع القدس أضافة إلی تكوين الجيش من مماليك مجلبون من شتات العالم لا يدينون بالولاء إلا لمن اشتراهم كانت هي الأخري طريقة من تولوا بعده فكانت وبالا علی الدولة الإيوبية ومدعاة لنهايتها.

كان السلطان الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الكامل ممن قادهم حظهم العاثر ليكون من ورثة تركة صلاح الدين المثقلة بالصراعات فبدأها بالصراع مع أخيه السلطان العادل علي حكم مصر إلي أن آل الأمر إليه في نهاية المطاف فقضي ما بقي من سنوات حكمه في حروب مع بني عمومته الأيوبيين بالشام حيث تحالف عليه الناصر داوود والصالح اسماعيل مع الصليبين فيما تحالف نجم الدين أيوب في المقابل مع القوات الخوارزمية والتي كانت تشبه المرتزقة ولقد لاقت حروب نجم الدين ضد أبناء عمومته تعضيدا من كبار العلماء وفي مقدمتهم العز بن السلام حتي كان النصر حليفا لنجم الدين ضد ايوبي الشام والصليبين في معركة غزة او لافوربيه وتمت إستعادة القدس.

كما توسع نجم الدين في شراء المماليك وبني لبعضهم قواعد بحرية علي منيل الروضة فتسموا بالمماليك البحرية كما ألحق البعض الآخر بأبراج القلعة ومنها كانت تسميتهم بالمماليك البرجية...

علی الباغي تدور الدوائر:

كانت صحة نجم الدين أيوب قد اعتلت في وقت كانت مصر علی أعتاب معركة مصيرية مع الصليبين والذين تزعمهم في هذه الحملة السابعة لويس التاسع ملك فرنسا فنجح في الإستيلاء علي دمياط وتحويل مسجدها إلی كاتدرائية فتوجه نجم الدين علی الرغم من تأخر حالته الصحية إلی المنصورة ليكون بالقرب من قواته في هذا الخطب الجلل...يموت السلطان فجأة فتتكتم شجرة الدر وكبار القادة على الخبر كي لا يصاب الجيش بالوهن كما أسرعت في طلب إبنه توران شاه والذي كان يحكم مدينة تعرف "بحصن كيفا "(في تركيا الآن).      

ومع كل هذه الحيطة تسرب خبر وفاة نجم الدين أيوب إلى الشعب، وكذلك الصليبيين ولأن المصاعب لا تأتي فرادی فقد قتل قائد الجيش فخر الدين بن شيخ الشيوخ حيث باغته الصليبيون في المنصورة وكان بالحمام فقاتلهم حتي استشهد..

فأولت شجرة الدر زمام معركة المنصورة لفارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس واللذين استدرجا الجيش الصليبي إلی كمين محكم داخل أزقة المدينة الضيقة مغلقين عليه طريق العودة وأوقعا به هزيمة ساحقة  ومع مجيء توران شاه وانضمامه للمعركة ألحق بالفرنسيين هزيمة جديدة عند مدينة "فارسكور" حيث أمر بنقل عدة سفن مفككة على ظهور الجمال وإنزالها خلف الخطوط الصليبية في النيل فضلا عن إستخدم المسلمون للنار الإغريقية في تدمير مراكب الإمدادات الصليبية المتجهة من مدينة دمياط إلى قوات لويس التاسع ملك فرنسا فتفشت الاوبئة والأمراض في صفوف الجيش الصليبي ووقع  الملك لويس التاسع في الأسر ، وسيق مكبلاً بالأغلال إلى المنصورة، حيث حبس في دار "فخر الدين إبراهيم ابن لقمان".

ووضعت شروط قاسية للإفراج عن الملك الاسير، وكان من ضمنها أن يدفع فدية كبيرة من الذهب دفع نصفها بمساعدة زوجته "مرجريت دو بروفنس" والتي أنجبت ابنها من لويس في دمياط وأسمته "جان تريستان" أي "جان الحزين"، ووعد بدفع المتبقي عند وصوله لعكا وهو ما لم يفي به كما تضمنت شروط الإفراج عنه تسليم دمياط وعدم العودة لمهاجمة مصر مرة أخري إلا أنه لم يلتزم بذلك أيضا حيث جهز حملة صليبية ثامنة وجهتها تونس حتي يتمكن من مهاجمة مصر فمني بهزيمة جديدة مع تفشي المرض والاوبئة بين صفوف قواته ..

مقتل توران شاه:

بعد النصر الذي تحقق بفضل تآزر الجميع حانت ساعة الصراع علي السلطة والذي عادة ما يفسد أي صورة بديعة من صور الإنتصار عبر التاريخ ...

فما بين طموح زوجة السلطان الراحل في الإستحواذ علي رمانة الحكم وعسكر مماليك دفعتهم شهوة الإنتصار إلی تحقيق أكبر قدر من المناصب ومواطن النفوذ في بلادنا الطيبة تلاقت غايات الطرفين وكانت العقبة هي السلطان الجديد الذي بدا واضحا أنه يحاول أن يملأ فراغ والده ويستعيد زمام سلطاته فطالب شجر الدر بأموال أبيه فكان التخلص منه هو الطريقة المثلي..ولكن بطريقة شنيعة فبينما كان

 توران شاه يتناول طعام الإفطار في خيمته السلطانية فهجم عليه جماعة من المماليك ، ومنهم بيبرس البندقداري وقلاوون الصالحي وأقطاي الجمدار متكالبين عليه ولم تجدي معهم توسلاته بأن يتخلی عن الحكم قائلا "ما أريد مُلكاً، دعوني أرجع، خذوا مُلككم ودعوني أعود إلى حصن كيفا"، فقالوا له: "بعد جرح الحية لا ينبغي إلا قتلها"

فحاول الفرار منهم  لكشك خشبي فأحرقوه عليه فحاول الفرار عبر القفز في النيل فسلطوا سهامهم ونيبالم عليه حتي مات وهكذا استدل الستار علي الدولة الإيوبية بموت آخر سلاطينها محروقا وغريقا وقتيلا.

شجرة الدر سلطانة علي مصر:

اجتمع أمر المماليك بعد مقتل توران شاه على تولية شجر الدر لمنصب السلطنة ولاقی هذا الإختيار عاصفة من الرفض تزعمها الشيخ العز بن عبد السلام والذي سطر كتابا في عاقبة القوم الذين تحكمهم امرأة فيما بايعها قاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعز علي مضض ونظرا للمكانة التي كان يحتلها العز في نفوس الناس فقد خرجوا علي أثر فتواه مطالبين بعزل شجر الدر ومع تفاقم الوضع الأمني في مصر وخشية شجر الدر من انفلات الأمور قررت أن تتنازل عن العرش بعد ثمانين يوما .

وعلی الرغم من قصر الفترة التي حكمت فيها شجر الدر إلا أنها مارست أعمال السلطنة بإقتدار فخلعت علی أمراء المماليك الأموال والإقطاعات، وسكت العملة بإسمها وصارت المراسيم السلطانية ممهورة بتوقيعها "والدة خليل"، وكما دعي لها فى خطبة الجمعة بعد الدعاء للخليفة العباسي فيقولوا:" واحفظ اللهم الجهة الصالحية، ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين، ذات الحجاب الجليل، والستر الجميل، والدة المرحوم خليل". كما يذكر لها التاريخ أنها أول من سيرت المحمل حيث كانت مصر ومنذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب تصنع فيها كسوة الكعبة من قماش القباطي نسبة لإقباط مصر فصارت علي عهد شجر الدر تحمل علی الجمال وفق مراسم وأجواء بهيجة من مصر وحتي تصل أرض الحجاز يحرسها الجنود وتحوطها الرايات ...

المستعصم في مواجهة نموذج شجر الدر:

رفض الخليفة العباسي المستعصم هذه التولية ربما خشي الخليفة من استفحال النموذج النسائي المستنير في الحكم والذي بدأ في العهد الفاطمي السابق عليه بأروى بنت أحمد الصليحي أول ملكة في التاريخ الاسلامي باليمن خاصة وأن الحدث نفسه تكرر في الهند بتولية رضية الدين بنت السلطان شمس الدين ألتمش خلفا لأخيها ركن الدين فيروز علي عرش سلطنة المماليك بدلهي وتسمت بعمدة النساء ملكة الزمان السلطانة رضية الدين بنت شمس الدين ألتمش وهذا قد يكون السبب الذي جعل الخليفة يستعجل الإجهاز علي نموذج شجرة الدر في فترة وجيزة فأرسل إلى قادة المماليك بمصر قائلا لهم باستهزاء:" أعلمونا إن كان ما بقى عندكم من رجال فنرسل إليكم رجلاً".

كما رفض أمراء البيت الايوبي بالشام الدخول في طاعتها..

زواج شجرة الدر:

رأت شجرة الدر أنه لا مفر من الاستجابة لرغبة الرأي العام المناهض لحكمها داخليا وخارجيا والنزول عن العرش بعد ثمانين يوما من حكمها حيث وقع اختيارها علي عز الدين أيبك ليكون زوجها وخليفتها علي الحكم لما رأت فيه من لين جانب وما ظنته نقاط ضعف تستطيع من خلالها بسط نفوذها والحكم من خلاله..وفي محاولة لإسترضاء الإيوبيين وإضفاء قدرا أكبر من الشرعية  قام المماليك بتنصيب طفلا أيوبيا وسلطنوه باسم "الملك الأشرف مظفر الدين موسى إلی جانب أيبك في سابقة تاريخية من تولي حاكمين في آن واحد.

الصراع بين الاميرين:

مثل الاميرين فارس الدين اقطاي أمير المماليك البحرية وعز الدين ايبك أمير المماليك البرجية زعامتان كبيرتان بين أوساط المماليك إلا أن روح التوجس والمنافسة علي النفوذ كانت السائدة بين الرجلين ..خروج أقطاي من معركة المنصورة وما تلاها من قضائه علي تمرد القبائل العربية بقيادة حصن الدين ثعلب والتصدي لمطامع الناصر يوسف كل هذه الإنتصارات جعلت من أقطاي ندا لا يؤمن جانبه إضافة إلی فصله للإسكندرية عن السلطنة لتكون تحت نفوذه وكان مطلب أقطاي لإيبك بالدخول علي عروسه أخت الملك المظفر صاحب حماة بالقلعة استفزازا جعل أيبك يری أنه لا مناص من التخلص من غريمه أقطاي فدعاه إلی قلعة الجبل بدعوي استشارته ثم قام مماليكه بالاجهاز علی اقطاي وإلقاء رأسه لاثارة الفزع في نفوس مناصريه من المماليك البحرية والذين فر بعضهم ودخلوا في طاعة السلطان الايوبي الناصر يوسف في دمشق فيما وقع بعضهم في يد أيبك فأعدمهم.

انقلاب السحر علي السحر:

لم تستتب الأمور لإيبك كما كان يحلم بعد تخلصه من غريمه أقطاي بل كانت بداية الشرارة لإنشقاقات داخل الصف المملوكي بعد فرار مماليك أقطاي كما أسلفنا وبدخولهم في طاعة الناصر يوسف الأيوبي أصبحوا مصدر تهديد لسلطة أيبك في مصر بتحريضهم الأيوبيين علی غزو مصر ...فقرر ايبك أن يقطع الفرصة علي الأيوبيين ومساعيهم بالعودة عبر مصاهرة سياسية بزواجه من إبنة صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ فجن جنون شجرة الدر فقد رأت في هذه الزيجة من أميرة حرة عودة بها إلي صفوف الجواري وسحبا للبساط من تحت قدميها كما ساءها هجر ايبك لها وكثرة زياراته لزوجته ام ابنه نور الدين علي علي الرغم من مطالبتها له مرارا بتطليقها...حاولت شجر الدر الإتصال بالناصر يوسف ووعدها له بالزواج منه وتسهيل بلوغ مرامه بحكم مصر غير أن بدر الدين لؤلؤ كشف لايبك هذه المراسلة في الوقت الذي خشي الناصر يوسف أن يكون في رسالة شجرة الدر له خدعة فلم يعيرها إنتباها..

ضاقت الحيل بشجر الدر فقررت التدبير لإغتيال زوجها أيبك أثناء استحمامه بقلعة الجبل علي يد مجموعة من الخدم ثم اذاعت أنه مات أثناء الليل لكن هذا لم ينطلي علي مماليك ايبك وابنه المنصور نورالدين علي والذين انتزعوا من الخدم اعترافات تحت التعذيب بضلوعها في المؤامرة ففرت شجرة الدر لتتحصن بالبرج الاحمر في حماية المماليك الصالحية...

الليلة الأخيرة في حياة السلطانة:

استولي علي شجرة الدر الهلع بعد تنصيب المنصور نور الدين علي بن ايبك خلفا لوالده وكان في الخامسة عشر من عمره وكان ما يشغلها في ليلتها الإخيرة هو كيف تطحن مجوهراتها في الهاون كي لا تقع في أيدي ضرتها ام السلطان الجديد!!!

الضرب بالقباقيب:

بعد تخلي المماليك الصالحية عن شجر الدر حملت إلي والدة السلطان المنصور بعد ثلاثة ايام فأمرت جواريها بضرب شجر الدر بالقباقيب حتي الموت ثم ألقوا بجثتها من سور القلعة إلى الخندق، وليس عليها سوى سروال وقميص. فبقيت في الخندق أياماً. فأخذ بعـض أراذل العامة تكة سراويلها (المزينة بالجواهر الثمينة)، ثم رق لها بعض الناس فواروها الثری في مشهدها النفيسي ووزعت والدة المنصور علي الناس حلوى مكونه من الدقيق واللبن والسكر والزبيب عرفت لاحقا بأم علي احتفالا بخلاصها من ضرتها!!!.

من نور الدين إلي ميخائيل !!:

كان تهديد المغول متعاظم خاصة بعد أن وصلوا دمشق وارسل الناصر يوسف من دمشق يستغيث فلما رأی قطز وكان الوصي علي المنصور نور الدين منه عدم إكتراث بالأمر خلعه وتولی مكانه وأمر بترحيله هو واخيه قليج قان وامهما إلي دمياط ومنها إلی بلاد الاشكري البيزنطية وكما ذكر قليج قان للمؤرخ شمس الدين الذهبي من أن المنصور تنصر هناك وتسمي ميخائيل بن أيبك وتزوج وأنجب هناك!!!!.

ولاية المرأة ..الحق الغائب:

يستدل المنكرون لحق المرأة في تقلد مناصب السياسة والحكم بما رواه البخاري – بإسناده - عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم - أيام الجمل بعد ما كِدت أن ألْحَق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم - قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة .والحديث خاص بإبنة كسری وملابسات الحديث من سؤال النبي صلي الله الله عليه وسلم لنفر من فارس عن من يحكمهم؟ ثم إجابة أحدهم بأنها امرأة ثم ما تقدم من قول النبي لهم هو نبوءة سياسية بزوال مملكة كسري التي عمها الفساد والفوضي وليس تشريعا ينقض حق المرأة في مباشرة حقوقها السياسية.

والقصص القرآني يتحدث عن نموذج المرأة الحاكمة في شخص ملكة سبأ و ما تمتعت به من حنكة وديموقراطية في إدارة مستنيرة لمملكتها.

كما لا يخلو الواقع الاسلامي من نماذج في عصوره الأولی فالشفاء بنت عبدالله العدوية كان قد ولاها عمر بن الخطاب رضي الله عنه مراقبة أسواق المدينة كما ذكر ابن حزم في (المحلى) . كما ذكر ابن عبدالبر - في (الاستيعاب) أن (سمراء بنت نهيك الأسدية) كانت تتولى شيئا من أمور الحسبة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و(تأديب) المخالفين..

والواقع المعاصر قدم لنا نماذج ناجحة للمرأة الحاكمة في العالم الغربي في ظل عمل مؤسسي ناجح قائم علي تشريعات تضمن الحقوق المتساوية والحق في الشوري والتعبير وتداول السلطة وهو طريقنا نحو المستقبل.

 

د.محمد فتحي عبد العال

كاتب وباحث

 

1196 فرجينيا وولففرجينيا وولف: محاضرة لفرجينيا وولف ..

ترجمة: خضير اللامي

***

يبدو أنني الشخص الوحيد(1) في هذه القاعة الذي ارتكب حماقة الكتابة؛ أو حاول كتابة الرواية (2)؛ أو اخفق في كتابتها . تساءلت مع نفسي بعد دعوتكم لي في أنْ اتحدث اليكم عن الرواية المعاصرة . أيّ عفريت هذا الذي همس في اذنيَّ، وحثني ازاء قدري وبرز أمامي على هيأة رجل أو امرأة . "أنا براون، إمسكي بي إنْ كان بمقدورك؟!"

معظم زملائي الروائيين يمرون بهذه التجربة . بيد أنَّ الإختلاف في إسم العفريت، البعض اسمه براون، والآخر سمث، أو جونز، يظهر أمامهم ويتحدث بطريقة مغرية جدا، وساحرة في الغالب، (ها أنذا أمامكم هل تستطيعون الإمساك بي؟!) وهكذا يستدرجهم بهذه الطريقة السرابية . ويروح الروائيون يتخبطون في كتابة رواية بعد أخرى، ويقضون جلَّ سنين أعمارهم في المطاردة، ولا يتسلَّمون مقابل ذلك إلاّ جزءا قليلا من الأجر، والبعض الآخر لا يقبض إلاّ الريح . والغالبية منهم تقنع بخرقة بالية من بدلة تلك الشخصية، او خصلة شعر من رأسها .

واعتقد أنًّ النساء والرجال ممن يكتبون الروايات يستخدمون طعما في خلق شخصية روائية تفرض نفسها عليهم، وعلى وفق مواصفات السيد آرنولد بينيت للشخصية . ففي مقالة له أقتبس هذه الفقرة " فأساس الرواية الجديدة هو خلق الشخصية، ولا شيء آخر . فالإسلوب يؤثر، والحبكة تؤثر، ووجهة النظر الأصيلة تؤثر، ولكن، لا شيء له تأثير فاعل ابدا، مثل تأثير الشخصيات، فإنْ كانت الشخصيات واقعية، فثمة فرصة لها، وإنْ كان العكس، فالنسيان سيكون من نصيبها، ويستنتج السيد بينيت في ختام مقاله .. إنه ليس لدينا روائيون شباب، مهمون من الدرجة الاولى في الوقت الحاضر؛ لانهم غير قادرين على خلق شخصيات واقعية وحقيقية ومقنعة . "

هذه هي المسائل التي أريد أنْ أناقشها، واريد أنْ أبرهن، ماذا يعني حينما نتحدث عن (الشخصية) في الرواية . لنذكر شيئا ما عن السؤال الذي اثاره السيد بينيت عن الواقعية، ولنقدِّم بعض الأسباب عن إخفاق الروائيين الشباب في ابداع الشخصيات الروائية، فإذا هم كما يؤكد السيد بينيت فشلوا حقيقة في هذه المهمة، وهذا سيقودني، وانا واثقة من ذلك الى بعض المسوحات والتأكيدات الغامضة جدا، ذلك أنَّ السؤال غاية في الصعوبة . ألا تتفقون معي أننا لا نعرف إلاّ النزر اليسير عن الشخصية، ومعلوماتنا تقتصر على الشيء القليل من الفن؟ ولكن، لا بد لي من أنْ اكون واضحة قبل أن اشرع بالإجابة، هو أنْ نصنف الكتّاب الادوارديين (3) والكتاب الجورجيين (4) الى مخْيميْن، وسأطلق على السيد ويلز والسيد بينيت والسيد غالزوورثي مخيم (الإدوارديين) والسادة، فورستر ولورنس وستراشي وجويس واليوت مخيم (الجورجيين) . فإن تحدثت باسم ضمير المتكلم المفرد الاول وبذاتية ربما لا تطاق، فإنني استميحكم مقدما العذر، فانا لا اريد ان اعزو الى نفسي عالم الاراء الانعزالية، والفردية المضللة والسرد المريض .

فتأكيدي الأول، هو احد التاكيدات التي اعتقد انكم ستخولونني إياها – إنَّ كل شخص كما افترض هو محلل في هذه القاعة، وفي الواقع، سيكون من المستحيل أنْ تمر سنة دون ان تلّم بنا كارثة، ولا يمكن مواجهتها ما لم يمارس المرء قراءة الشخصية، ويمتلك شيئا من المهارة في الفن، فعلاقاتنا الزوجية وصداقتنا تعتمد عليها، وشؤون عملنا ترتكز عليها بقدر او آخر، وفي كل يوم يمر تثار اسئلة لا يمكن حلها الا بقدرتنا على تحليل الشخصية . اخاطر بالتاكيد الثاني، وخاصة عندما نشير الى العام 1910، الذي ترك بصماته وتاثيراته على الشخصية .

وهنا، لا ادعي ان التغير يحدث سريعا، مثلما يخرج شخص الى حديقة ويشاهد هناك ان زهرة جديدة قد تفتحت، وان دجاجة قد وضعت بيضة، فالتغير لا ياتي فجاة ومحددا بهذه الطريقة، بيد أنَّ التغير حاصل رغم ذلك، ومهما كان الانسان تعسفيا في ارائه . فدعونا نضع تاريخا للتغير للعام 1910، (5) . فعلاماته الاولى، مدونة في مؤلفات صاموئيل بتلر، في كتابه، طريقة الجنس البشري، The Way of All Flesh، واستمرت مسرحيات جورج برنادشو تشير اليه .. من هنا نستطيع ان نلاحظ وتيرة التغير في مسار الحياة . فلنأخد مثالا مألوفا لدينا نحن الانجليز، عن شخصية الطباخ في العهدين الفيكتوري والجورجي، فالطباخ في العهد الفيكتوري عاش شبيها بالوحش البحري الشرير في الاعماق السفلى، فهو كائن مرعب، وصامت، وغامض، ومحاط بالالغاز، في حين أنَّ الطباخ في العهد الجورجي مخلوق لشروق الشمس، والهواء الطلق في داخل وخارج قاعة الإستقبال . وثمة مثال آخر، دعونا نلتمس من الديلي هيرالد،The Daily Herald، أنْ تقدم لنا نصيحة في شراء قبعة، فهل نطلب منها تفاصيل وافية عن تاريخ السلالة البشرية وسلطتها وتغيرها؟!! اقرا اغا ممنون، Agamemnon، ولاحظ إنْ كانت مشاركتك الوجدانية في عملية الزمن في الغالب لا تتطابق مع كليتمنسترا Clytemnestra، او تأمل الحياة الزوجية لكارليل، والنواح على الخراب، واللاجدوى (له او لها)، هو العرف المحلي المرعب الذي يجعل من ذلك شيئا ملائما للمرأة العبقرية في أنْ تمضي وقتها في مطاردة الخنافس، والبحث عن الفضلات في القدور بدلا من تأليف الكتب ! فقد تغيرت جميع العلاقات الانسانية – تلك التي بين السادة والعبيد، والازواج والزوجات، والاباء والابناء . من المنطقي، حينما يعتري العلاقات الانسانية تغيرا، فلا بد ان يحدث تغيرا في الدين، والسلوك، والسياسة والادب . دعونا نتفق على المتغيرات في العام 1910 .

وقد ذكرت أنه يتطلب من الناس قدرا جيدا من المهارة، لقراءة الشخصية لمواجهة أية نكبة قد تواجههم، وقراءة الشخصية هو فن الشباب . فقد أستخدم هذا الفن في العصر الوسيط والعصر القديم، وكان من النادر أنْ تخلق الصداقات والمغامرات الأخرى، والتجارب في فن قراءة الشخصية، ولكن، الروائيين يتمايزون عن بقية الناس، لأنهم لا يتوقفون عند الإستمتاع في تحليل الشخصية ذاتها .. وحين تكون جميع الاعمال العملية في الحياة قد افرغت من مضامينها، فإنَّ ثمة شيئا ما يستمر حول الناس؛ يبدو لهم ذا اهمية غامرة بالرغم من الحقيقة أنْ ليس هناك قدرة على الاحتمال . مهما كانت اهميتها، لها تاثير على سعادتهم وراحتهم، وربما على دخلهم، وامست دراسة الشخصية بالنسبة لهم مطاردة شيقة، ليضفوا عليها نوعا من التسلط الفكري .. وقد وجدنا هنا، من الصعوبة بمكان، ان نوضح، ماذا يعني الروائيون عندما يتحدثون عن الشخصية؟ وما هو الدافع الذي يحثهم بقوة بين مدة واخرى ليجسدوا رؤيتهم في العمل الابداعي؟

وهكذا، فلو سمحتم لي، أنْ اسرد عليكم بدلا من هذا التحليل والتجريد، قصة بسيطة، هي على كحال، لا تحتوي على ثيمة، بيد انها جديرة، ان تكون حقيقية . وهي عبارة عن رحلة ريجموند الى واترلو، على امل ان اريكم ماذا اعني بالشخصية ذاتها .. وبالتالي بامكانكم ان تدركوا المظاهر المختلفة التي يمكن أنْ تتلبسها الشخصية، والخطر الشنيع الذي يحدق بكم مباشرة،سأحاول أن اصفها لكم . .

موعد مع السفر

في احدى الليالي، قبل اسابيع مضت، كنت على موعد مع السفر، بيد انني تاخرت بعض الشيء، عن موعد القطار، وعند وصولي المحطة، قفزت الى اول عربة واجهتني، وعند جلوسي انتابتني مشاعر غريبة، وغير مريحة في الوقت ذاته، ذلك انني قطعت حديثا كان يجري بين شخصين كانا جالسين في العربة، ليس لأنهما شابان او سعيدان، أنَّ الامر يتعدى ذلك، كانا كلاهما متقدمان في العمر، فالمرأة تجاوزت الستين والرجل فوق الاربعين، وكانا متقابلين في جلستهما، كان الرجل يتكلم بثقة، كان ذلك يبدو ومن خلال جلسته، ومن خلال الضوء الذي ارتسم على وجهه، لاذ بالصمت، ويبدو انني سببت له ازعاجا . فضلا عن مضايقتي له . اما السيدة العجوز التي ساطلق عليها، على كل حال، اسم السيدة براون، كانت تبدو الى حد ما، مرتاحة، وكانت واحدة من السيدات اللائي يتمايزن بالنظافة، برغم الملبس الرث – فكل شيء مزرر، ومربوط باحكام، ومرتب، ومصقول، وتوحي بالفقر اكثر مما توحي اسمالها، وثمة شيء ما يبدو ا يضايقها – نظرة المعاناة والخوف من شيء مرتقب، كانت ضئيلة البنية جدا، وكان قدماها في جزمتها الصغيرة النظيفة، نادرا ما تمسان الارض، وشعرت بان لا احد يريد انقاذها، وعليها ان تفكر بطريقة ما للخلاص من هذا الوضع الحرج . ويبدو انها هجرت او تركت ارملة منذ سنوات مضت، ويبدو انها تعيش حياة يشوبها الترقب والانهاك، ربما كان ذلك ناتجا عن معاناتها من تربية وليدها الوحيد، او من المحتمل انه في هذا الوقت يسيء التصرف .. كل هذا انثال في ذهني بسرعة وانا جالسة، وانتابني شعور بعدم الارتياح، مثل بقية الناس الذين هم في سفر مع زملائهم المسافرين، واحسسب لهم حسابا آخر، بطريقة او باخرى، بعد ذلك، تطلعت الى ذلك الرجل، لم تكن له علاقة مع السيدة براون، وانا متاكدة من ذلك تماما، انه ضخم البنية، ومن النموذج الذي يعوزه التهذيب، واستطيع ان اتخيل انه من رجال الاعمال، ومن المحتمل جدا، ان يكون بائع قمح قادما من الشمال، يرتدي نسيجا صوفيا ازرق جيدا، يحتوي على جيب سكين، وقد وضع منديلا حريريا في جيب صدره، ويحمل حقيبة جلد كبيرة . ومن الواضح، على كل حال، انه ارتكب عملا غير سار ويريد ان يضع حلا مع السيدة براون، عملا سريا، ربما عملا فاسدا، لا ينويان مناقشته في حضوري . قال السيد سمث " كما سأسميه " " ان الكروفتيين (6) سيئوا الحظ مع خدمهم " .. قال ذلك، بطريقة توحي بالاحترام عائدا الى الموضوع الرئيس بقصد التمويه والحفاظ على المظاهر . ردت السيدة براون " آه، يالها من انسانة مسكينة .. " قالت العبارة بطريقة تظهر تفوقا تافها، ثم اردفت " كان لجدتي خادمة، جاءت عندما كانت في الخامسة عشرة، وبقيت معها حتى الثمانين " قالت ذلك، بشفقة مشوبة بالم، واعتداد عدائي،ربما بدافع التاثير علينا . قال السيد سمث بنبرة توفيقية " ان المرء لا يلتقي احيانا بهذا البشر في هذه الايام"، ثم لاذ بالصمت لمدة وجيزة، بعدها اردف، ويبدو ان الصمت لم يبعث في داخله الارتياح . " انه من الغريب، انهم لم يبدأوا بعد تاسيس ناد للغولف – واعتقد ان احد الزملاء الشباب سيقوم بذلك . "

ولم تاخذ السيدة براون المشكلة محمل الجد، لذا لم تكلف نفسها بالاجابة .

قال السيد سمث، وهو يتطلع الى النافذة ويختلس النظر اليً كما يفعل دوما " ما هي التغيرات التي يقومون بها في هذا الجزء من العالم؟"

يبدو جليا من صمت السيدة براون، ومن الدماثة غير المحببة التي تحدث بها السيد سمث ان له تاثيرا عليها من خلال الجهد الذي بذله من اجل ذلك . ربما كان بسبب ابنتها، ولربما كانت ذاهبة الى لندن لتوقيع بعض الوثائق لتحويل ملكية عقار، ومن الواضح، انها وقعت في براثن السيد سمث ضد رغبتها .. وبدأت اشعر بتعاطف كبير ازاءها، حينما قالت فجاة وبطريقة لا صلة لها بالموضوع وبصوت نير والى حد ما دقيق، وبطريقة مهذبة يشوبها الفضول، " هل بالامكان ان تحدثني ان كانت اوراق شجرة البلوط تموت عندما تبدأ الدودة الجرارة باكلها على مدى سنتين متتاليتن . "

جفل السيد سمث، لكنه تنفس الصعداء، ليتناول موضوعا لا ينطوي على مخاطر عن السؤال الذي وجهته اليه، اخبرها بسرعة عن وباء الحشرات، وقال،ان له شقيقا كان يمتلك مزرعة فواكه في منطقة كينت . واخبرها ايضا عن عمل المزراعين الذين ياتون الى في كل سنة الى هذه المنطقة . وهكذا، وهكذا، وعندما تحدث اليها عن شيء غريب حدث هناك، تناولت السيدة براون منديلا صغيرا ابيض، وبدأت تمسح عينيها، كانت تبكي، بيد انها استمرت في الاصغاء برباطة جأش لما يقوله سمث، استمر يتحدث بصوت مرتفع قليلا، تتخلله نبرات غضب، كما لو انه كان فعلا قد شاهدها من قبل تبكي، وكما لو انها كانت مادة مؤلمة، وفي النهاية اثارت عصبيته، توقف حالا، تطلع الى النافذة، ثم مال باتجاهها، وبينما هو كذلك، افسحت مجالا، وهددته متوعدة ان يكف عن هذا الحديث، عن هذا الهراء .

قالت السيدة براون وهي تجمع نفسها وتوحي تعبيراتها بكرامة فائقة : " سبق ان كنا نتناقش في هذا الموضوع . ومن الافضل الا اتاخر اكثر لان جورج سيكون هناك يوم الثلاثاء القادم ."

لم ينبس سمث ببنت شفة، نهض زرر معطفه، تناول حقيبته، وقفز من عربة القطار، قبل ان يتوقف في محطة كافلام جنكشن، وقد نال ما اراد، ولكنه احس بالخجل من نفسه . مع انه بدأ عليه السرور وهو يغادر مشهد السيدة براون .

بقينا انا والسيدة براون حسب؛ جلست هي في زاويتها المقابلة، جد انيقة، جد ضئيلة، غريبة الى حد ما، تعاني الكثير، مما تركت لدي انطباعا غامرا، جاءني متدفقا مثل تيار، مثل رائحة حريق، كيف تكوَن ذلك الانطباع الخاص، وذلك التيار الغامر؟! انهما يتألفان من افكار وعناصر لا تعد ولا تحصى، متناثرة وغير مترابطة، واخرى منسجمة مع بعضها، تزدحم في رأس الانسان في مثل هذه المناسبات، فانت تشاهد انسانا ما، والاخر يشاهد السيدة براون في مركز جميع المشاهد المتباينة .. تخيلتها وهي تسكن في دار على شاطيء البحر، تحيطها زخارف غير مألوفة، وقنافذ بحرية، ونماذج من السفن موضوعة في صناديق زجاجية، واوسمة زوجها معلقة فوق رف الموقد الحجري . وهي تدخل الغرفة ثم تخرج منها تتكيء على حافات الكراسي، تلتقط بعض الطعام من الاواني القريبة منها، وتطلق العنان لتحديقات طويلة وصامتة في الفضاء، بدت تتأمل الدودة الجرارة، وشجرة البلوط التي تحتوي على جميع هذه الاشياء، وفي خضم هذه الحياة الخيالية المنعزلة، رايت السيد سمث يتهاوى في مهب الريح في يوم عاصف مطير، وهو يتكلم ويضرب ويصفق بمظلته الارض، مما ادى الى خلق بركة من الماء وسط الغرفة وقد جلسا مختليين معا .. بعد ذلك، واجهت السيدة براون الهاما مرعبا، فقد اتخذت قرارها البطولي، في وقت مبكر من الفجر، حزمت حقيبتها وحملتها بنفسها الى المحطة ولن تدع السيد سمث يمسسها، فقد احست ان كبرياءها قد جرحت وتحرر مركبها من مرساة المرفأ، ووصلت الى مرتبة الاشراف الذين يملكون الخدم – ولكن لا بد من انتظار التفاصيل، وما يهمنا هو ان نبدأ بفهم شخصيتها والغور في قاع محيطها؛ بيد انه ليس ثمة وقت كاف لاوضح ان ثمة احساسا قد غمرني، ان تلك الشخصية كانت الى حد ما، تراجيدية، وبطولية، وقذفت بالطيش والفنتازيا جانبا قبل ان يتوقف القطار . راقبتها وهي تختفي وهي تحمل حقيبتها، دخلت في وهج المحطة الهائل، بدت صغيرة ومتضائلة، وبطولية، ولم ارها ثانية، ولم اعرف ماذا حل بها ..

من ريجموند الى واترلو

القصة تنتهي دون اي موضوع يشير اليها، بيد انني لم اخبركم، ان هذه الحكاية توضح اما براعتي او سعادتي في السفر من ريجموند الى واترلو . اريدكم ان تلاحظوا مايلي : هنا شخصية اسمها السيدة براون فرضت نفسها على شخص اخر، كي توحي للكاتب اوتوماتيكيا في الاغلب ان يكتب رواية عنها . واعتقد ان جميع الروائيين، لنقل هكذا، يتعاملون مع الشخصية ليعبروا عنا – ولا يعظون تعاليم او يؤدون اغان، او يحتفلون بامجاد الامبراطورية البريطانية . هذا النوع من الرواية هو ثقيل جدا، ومطنب، ولا دراماتيكي؛ رغم انه ثر، ومرن، وحيوي، للتعبير عن الشخصية، وكما قلت، انكم ستبقون تتأملون مليا، ان ذلك التأويل الواسع جدا، يمكن ان تحتال عليه الكلمات، فعلى سبيل المثال، ان شخصية السيدة براون ستدهشكم بطريقة مختلفة جدا طبقا للعمر، والبلد الذي ولدتم فيه . ومن السهولة بمكان، ان تكتب ثلاثة روايات متمايزة للحادثة التي وقعت في القطار، رواية انجليزية، ورواية فرنسية، واخرى روسية . فالكاتب الانجليزي سيحول السيدة براون الى شخصية character، وسيظهر غرائبها، واخلاقياتها، وازرتها، وتجاعيدها، اوسمتها وثآليلها، وستسود شخصيتها في الرواية . اما الكاتب الفرنسي، سيزيل كل هذه الصفات، وسيضحي بفردية السيدة براون ليعطي فكرة عامة عن الطبيعة الانسانية، ليجعل من ذلك اكثر تجريدا وتناسبا . وسينفذ الكاتب الروسي الى السيدة براون من خلال جلدها، وسيظهر لنا روحها – الروح فقط، متجولا في واترلو ليطرح تساؤلا كبيرا عن الحياة سيبقى يرن ويرن في اذاننا حتى نهاية الرواية، فضلا عن العمر، ثمة مزاجية الكاتب التي يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار . فانت ترى في الشخصية شيئا وانا ارى شيئا آخر . انت تقول تعني كذا، وانا اقول تعني كذا، وحين يحين مخاض الكتابة، فكل واحد منا يختار ما يناسبه وانسجاما مع مبادئه . وهكذا، بالامكان ان تتعامل مع السيدة براون في تنوع مطلق من الاساليب؛ طبقا للعمر والبلد ومزاج المؤلف . والان يجب ان ان نستحضر قول السيد ارنولد بينيت، حيث يقول: " اذا كانت الشخصية واقعية فقط، فان الرواية لها نصيب في البقاء على قيد الحياة؛ وبعكسه، فموتها حتمي . ولكن دعونا نطرح هذا السؤال على انفسنا، ما هي الواقعية؟ ومن الذي يحكم عليها؟ فالشخصية يمكن ان تكون واقعية من وجهة نظر السيد بينيت، ولا واقعية من وجهة نظري تماما . فعلى سبيل المثال، يقول، D. Watson، في شرلوك هولمز، هو شخصية واقعية بالنسبة له . اما انا فارى د. واتسون هو عبارة عن كيس محشة بالقش، ابكم ومثير للسخرية . وهكذا، مع بقية الشخصيات الاخر، وبقية الروايات واحدة بعد الاخرى، ولا شيء يثير جدلا اكثر مثل الواقعية في الشخصية المعاصرة، فاذا وسعنا المشهد اكثر، فاعتقد ان السيد بينيت كان صائبا تماما . ومن هذا المنطلق، المشهد، بامكاننا ان نفكر بروايات قد تبدو لنا عظيمة، مثل الحرب والسلام، وتدسترام وشاندي، وعمدة كاستر بريدج الخ .. وان تاملتم هذه الروايات فانكم لا تفكرون فجاة في شخصية محددة، قد تبدو لكم واقعية، " ولا اعني بذلك الحياة الواقعية " . ذلك انها، اي الشخصية تمتلك القوة لتجعلك تفكر بقوة ليس فيها حسب؛ بل تفكر في كل انواع الاشياء من خلال عينيها – في الدين، والحب، والسلام،والحرب، والحياة الاسرية، والعاب الكرة في مقاطعات البلدان، وشروق الشمس، وبزوغ القمر، وخلود الروح . وقلما نجد موضوعا عن التجربة الانسانية لم تتناوله رواية (الحرب والسلام) . وان جميع الروايات هذه وجيمع اولئك الروائيين العظام طلبوا منا ان نرى ما كانوا يظهرونه من خلال الشخصية؛ والا لما كانوا روائيين، بل مجرد شعراء ومؤرخين او كتَاب كراسات .

ولكن دعونا نتمحص . مايريده السيد بينيت هو الاستمرار في حديثه . فقد ذكر انه لا يوجد روائي عظيم بين الكتَاب الجورجيين، لماذا؟ لانهم لا يستطيعون خلق شخصيات واقعية، وحقيقية، ومقنعة . وهنا، لا اتفق معه . ثمة اسباب ومبررات وامكانات تجعلني افكر في ان اضع طيفا على القضية؛ وتبدو لي هكذا على الاقل، بيد انني ادرك جيدا، ان هذه القضية التي من المحتمل ان اكون فيها متحيزة، ومتفائلة، او قصيرة النظر . وساضع وجهة نظري هذه امامكم على امل انكم ترون فيها النزاهة والشرعية والعقل الحصيف .. وهنا، نتساءل، هل من الصعوبة بمكان بالنسبة للروائي في هذا العصر، ان يخلق شخصية تبدو واقعية ليس بالنسبة لبينيت حسب، ولكن على نطاق العالم اجمع؟ بيد ان ثمة سؤالا لا بد ان يطرح نفسه، لماذا اخفق الناشرون تزويدنا برائعة ادبية منذ العام 1910؟ للاجابة على ذلك، هناك سبب واحد، هو ان الروائيين والروائيات الذين استلهموا كتابة الرواية من العام 1910، او قريبا من هذا التاريخ، كانوا يواجهون مشكلة عويصة – ذلك لانه ليس ثمة روائي انجليزي حي استطاع الافادة من تجربته الروائية باستثناء السيد كونراد Mr. Conrad، الذي كان يشكل في الرواية احد قطبي ارضين جامدين، بالرغم من انه كان رائعا، لكنه لا يبدي اية مساعدة .اما السيد هارديHardy، فلم يكتب اية رواية منذ العام 1895، وكان اغلب الروائيين البارزين والذين حققوا نجاحا يذكر منذ العام 1910، هم، كما افترض ويلز، والسيد بينيت، والسيد غالزوورثي، والان، يبدو لي الموضوع، كما لو انك تذهب الى هؤلاء الرجال وتطلب منهم ان يعلمونك كيف تكتب رواية – وكيف تبدع شخصيات واقعية – وعلى وجه الدقة، كما لو انك تذهب الى اسكافي وتطلب منه ان يعلمك كيف تصنع ساعة؟ وهنا، لا اريد ان اعطيكم انطباعا انني لا اعجب او استمتع برواياتهم – فهم يبدون لي ذا فائدة عظيمة، فضلا عن انهم سيشكلون ضرورة كبيرة بالنسبة لي، وهناك فصول من السنة تكون اكثر اهمية في ان نصنع فيها احذية بدلا من صنع ساعات . دعونا نسقط هذه الاستعارة، ذلك انه بعد النشاط الابداعي في العصر الفكتوري، اعتقد من الضرور ي جدا، ان على الانسان ان يؤلف او يعيد تاليف الكتب التي الفها ويلز وبينيت وغالزوورثي، ليس في الادب حسب؛ وانما في الكتب التي تتناول مختلف مسارات الحياة، واتساءل مرة اخرى، ماهذه الكتب الغريبة؟! ان كنا صائبين ان نسميها كتبا؛ اذ ثمة شعور غريب ينتابني ان هذه الكتب لا تسد حاجة القاريء او جوعه، وهي غير مقنعة . ولكن قد تم كل شيء . وطبعت الكتب ولا يمكن الا ان نضعها على الرف، ولا نحتاج الى قراءتها مرة ثانية . بيد ان الامر مع الروائيين مختلف، فرواية ترسترام وشندي .. ورواية Pride and Prejudice، هما روايتان تامتان، ويتمتعان باكتفاء ذاتي، ويخلقان لدى القاريء شعورا غامرا بالعودة الى قراءتهما ثانية بهدف استيعابهما، وربما الاختلاف هو، ان ستيرن Sterne، وجين اوستن Jane Austen، كانا كلاهما يستمتعان في الاشياء وفي الشخصية ذاتها، وفي مجمل الكتاب ذاته . وهكذا، فان كل شيء كان في داخل الكتاب ولا شيء خارجه، بيد ان الادوارديين كانوا على العكس من ذلك، لا يستمتعون في الشخصية او في الكتاب، انهم يستمتعون بشيء خارج الكتاب . ولهذا، فان كتبهم او رواياتهم تعد كتبا ناقصة، وفي هذه الحالة، يتطلب من القاريء ان يبذل جهدا عمليا وحيويا لانجاز هذه الروايات .

وربما، نقدم صورة اوضح،ان اخذنا حريتنا في تخيل حفلة صغيرة في عربة قطار السيدة العجوز براون – فالسادة ويلز وغالزوورثي وبينيت هم مسافرون الى واترلو مع تلك العجوز، وقد سبق لي ان ذكرت ان هذه السيدة كانت رثة الثياب الى حد ما، وضئيلة الجسم، وتمتلك نظرات متلهفة ومنهكة . وقد انتابني شك، حينما اطلقتم عليها صفة امرأة متعلمة، وربما ساكون غير منصفة عندما لا اعير اهمية للتعليم المدرسي، ولكن لا استطيع الا ان اكون غير ذلك ..

حسنا، سيعرض السيد ويلز من خلال لوح زجاج نافذة القطار رؤية لعالم افضل واروع واسعد وايسر واكثر مخاطرة وعملقة . من خلال عربات قديمة في احداها امرأة عجوز محافظة، في وقت تجلب البوارج العملاقة الفواكه الموسمية من كامبرويل في الساعة الثامنة صباح كل يوم، وحيث مشاتل الازهار العامة منتشرة، والنافورات والمكتبات في كل زاوية، وبيوت فيها غرف استقبال وغرف طعام، وتقام حفلات الزواج، والمواطن الانجليزي كريم ونزيه وشهم ومعتد بنفسه؛ والى حد ما شبيه بالسيد ويلز، ولكن لا احد يشبه السيدة براون، وليس ثمة سيدات بهذا الاسم في عالم اليوتوبيا . وفي الحقيقة، لا اعتقد ان السيد ويلز يريد ان يجعل من عاطفته ما ينبغي ان تكون عليه السيدة براون، ولكن من جهة اخرى، ماذا يرى السيد السيد غالزوورثي؟ هل نستطيع ان نشك ان جدران مصنع دولتون تستقبل تصوره؟ ففي هذا المصنع ثمة نساء يصنعن خمسا وعشرين دزينة من الخزف في كل يوم، وثمة امهات في مايل ايند وود يعتمدن في رزقهن على ربع ما تكسبه تلك النساء . ولكن، هناك في المقابل اصحاب عمل في سوري يدخلون السيجار الفاخر على انغام صوت العندليب، ويمورون سخطا ورؤوسهم محشوة بالمعلومات التافهة، فضلا عن عدم رضاهم عن الحضارة .

ويرى السيد غالزوورثي في السيدة براون مجرد اناء خزف مكسور مقذوف على عجلة عربة في احدى الزوايا المهملة، بيد ان السيد بينيت هو الكاتب الوحيد في العهد الادواردي الذي يحافظ على نظرته في عربة القطار . وفي الواقع، انه سيراقب كل التفاصيل باعتناء دقيق، بما فيها الاعلانات وصور سواناج وبورتسموث وانتفاخ تنجيد جلود المقاعد وتقطع ازرتها . وسيلاحظ كيف ان السيدة براون تضع دبوس الزينة الذي اشترته بثمن بخس من وتوورث وقد عدلت من قفازيها . ويبدو ان ابهام قفاز اليد اليسرى قد وضع خطأ في ابهام قفاز اليد اليمنى، ولن يفوته على مسافة سير القطار دون التوقف من وندسور الى ريجموند، هو ملائم لمواطني الطبقةالوسطى الذين بامكانهم ارتياد المسارح دون ان ترهقهم النفقات . بيد انهم لم يصلوا المرتبة الاجتماعية التي تؤهلهم شراء سيارة . لكنهم بامكانهم الذهاب لحضور بعض المناسبات بوساطة استئجار السيارات وهكذا، سيمشي السيد غالزوورثي برصانة اتجاه السيدة براون ليقدم لنا؛ او ليقول، ان السيدة براون قد تركت ارضا هي ملكا صرفا copyhold (7)، واخرى اقطاعية ملزمة freehold (8)،وثروة في داتشيت مرهونة باسم السيد بنغيه المحامي .

ولكن، لماذا عليَ ان استأنف التلفيق ضد السيد بينيت؟ هل انه لم يكتب روايات بنفسه؟ ان السيد بينيت لم ينظر بكل قوة ملاحظاته المدهشة وعاطفته وانسانيته العظيمة الى السيدة براون في زاويتها ولو مرة واحدة – فهي تجلس هناك في زاوية العربة التي كانت مسافرة ليس من ريجموند الى واترلو، ولكن من عصر الادب الانجليزي الى عصر اخر، لهذا، فان السيدة براون تتغير فقط على السطح، وليس ثمة احد من الكتاب الادوارديين قد نظر اليها كثيرا . فهم نظروا نظرة قوية ومتفحصة وعاطفية من خلل النافذة الى المصانع واليوتبيات، وحتى الى زينة تنجيد اثاث العربة، ولكن ليس الى السيدة براون، ولا الى الحياة، او الى الطبيعة الانسانية . وعلى هذا فهم قد طوروا تقنية كتابة الرواية التي تلائم اغراضهم، ولكن تلك الاساليب (الادوات) لم تكن اساليبنا، وتلك لم تكن اعمالنا . وان تلك التقاليد والاساليب بالنسبة لنا هي بقايا اثار عفا عليها الزمن حسب .

وهنا، ربما تشكون من غموض لغتي، وربما تتساءلون ما هي التقاليد؟ وما هي الاساليب؟ وماذا تعنين بقولك ان تقاليد السيد بينيت والسيد ويلز والسيد غالزوورثي هي تقاليد خاطئة من وجهة نظر الجورجيين؟ ويبدو ان السؤال غاية في الصعوبة، ذلك ان التقاليد في الكتابة لا تختلف كثيرا عن التقاليد في الاخلاق . فكلاهما ضروريان في الحياة والادب . ولا بد لنا من بعض الوسائل لتجسير الثغرة بين الكاتب وقارئة المجهول . فالكاتب على وفق هذه الاساليب يجب ان يكون في تماس مع قارئه من خلال شيء ما امامه يعرفه ويحفز مخياله ويخلق لديه الرغبة في التعاون في اعمال اكثر صعوبة وحميمية . ومن الاهمية بمكان ان هذا اللقاء العام بينهما يجب ان يصل بسهولة وبطريقة عفوية، كما لو ان الكاتب يسير في الظلام ويستخدم في الوقت ذاته عينا واحدة في تلمس الاشياء، وهنا، يستخدم السيد بينيت هذه الارضية المشتركة بين المؤلف والمتلقي . والان لو تسمحون لي، ان امزق حكايتي هذه الى مزق صغيرة، وسترون كيف انني اشعر بحماس لحاجتي الى التقليد، وكم يبدو ان الموضوع جاد حينما تكون ادوات احد الاجيال عديمة الفائدة للجيل التالي . فالحادثة حفرت في ذاكرتي انطباعا حادا، ولكن كيف انقله لكم؟ كل ما استطيع فعله هو ان اكتب بدقة قدر الاستطاعة لأصف بالتفصيل ما قد ارتدت السيدة براون من زي، ولاقول ان جميع تلك المشاهد انثالت في ذهني لمتابعة تخبط الروائيين، ولأصف هذه الحيوية، وهذا الانطباع الغامرالشبيه بالتيار المتدفق، او رائحة الحريق، ولا اكتمكم اذا قلت انني اغريت بقوة لفبركة رواية من ثلاثة اجزاء عن ابن السيدة العجوز، ومغامراته عبر المحيط الاطلسي، وابنتها وكيف حافظت على محل صنع قبعات النساء في ويستمنستر، والحياة الماضية لسمث ذاته، ومنزله في شيفيلد، رغم ان هذه القصص تبدو اكثر جفافا، وغير مترابطة، فضلا على احتوائها قضايا احتيال في العالم؟

ولكنني، اذا انجزت ذلك فلا بد لي من الهروب من الجهد المروع من قول ما اعنيه، ولكي ادرك ما عنيته، فعلي العودة الى الخلف، ثم الخلف، ثم الخلف . ولاجرب هذه الجملة اوتلك، وهذه الفقرة او تلك، والرجوع الى مصدر كل كلمة من خلال رؤيتي، واجعل لها مرادفا دقيقا قدر الامكان . ومعرفة ذلك بطريقة او اخرى، فانه من الضروي ايجاد ارضية مشتركة بيننا، وتقليد ادبي لا يبدو لكم غريبا جدا او غير واقعي، او تصديقه بعيد الاحتمال، واعترف انني تجنبت هذا التعهد الشاق . وجعلت سيدتي براون تنزلق من بين اصابعي ولم اخبركم عنها اي شيء . بيد ان هذا كان خطأ الادوارديين الكبير الى حد ما، وسألتهم بوصفهم الادباء الكبار والافضل – كيف ابدأ في وصف هذه الشخصية؟ قالوا : ابدئي بالقول، ان والدها مثلا، يمتلك محلا في هيروغريت للرقابة على استيفاء الايجارات، ورواتب عمال المحل في عام 1878، وانك اكتشفت سبب وفاة امها، وصفي مرض السرطان الذي توفيت بسببه، وصفي القماش القطني . واكتشفي .. " بيد انني صرخت : كفى ! كفى ! " وقد شعرت بالندم ان اقول انني قد رميت تلك الاداة القبيحة، والفظة، والمنفرة، من خارج النافذة، لانني ادركت ان انا وضعت السرطان والقماش القطني، فان سيدتي براون تلك الرؤية التي اتشبث بها لا اعرف كيف اصورها لكم؟ وسأكون على هذا الاساس متبلدة الاحساس، ومتبددة، ومتلاشية للابد .

هذا ما اعنيه بالقول، ان ادوات الادوارديين غير صالحة لنا في استخدامها، لانهم ركزوا بقوة على فبركة الاشياء واعطونا دارا على امل ان تكون لدينا القدرة على تمييز الناس الذين يسكنون فيها، ولنمنحهم استحقاقهم، كما جعلوا من تلك الدار افضل سكن يمكن العيش فيه . فاذا كنتم تعتقدون ان تلك الروايات هي تعبير عن مشاعر الناس بالدرجة الاساس، وثانيا، عن المساكن التي تسكنون، فهذه بداية خاطئة – وعلى هذا، كما ترون، ان الكاتب الجورجي وجب عليه ان يتخلى عن ذلك النهج في الكتابة الذي كان يستخدم في ذلك العصر . قد ترك هناك وحيدا في مواجهة السيدة براون دون اي منهج لايصاله الى المتلقي، بيد ان هذا ليس دقيقا، فالكاتب ليس وحيدا، فثمة اناس معه، فاذا لم يكونوا على المقعد في عربة القطار اوغيرها، ففي الاقل هم في الشقة المجاورة له . اما الجمهور فهو رفيق سفر غريب؛ فهو في انجلتر مخلوق لديه رغبة في التعلم ومثير جدا . فان قلت له بلغة مقنعة تماما : " ان جميع النساء لهن ذيول وان جميع الرجال لهم سنامات ." سيفكر فيما قلته، وربما لا نحتاج ان نقول له " هذا هراء ! القرود هي التي لها ذيول والجمال هي التي لها سنامات .. ولكن النساء والرجال يملكون عقولا وعندهم قلوب . وهم يفكرون ويشعرون ." وهذا يبدو نكتة سمجة غير مناسبة للوصول الى اقناع .

ولنعد للموضوع، هنا جمهور انجليزي جالس الى جانب الكاتب، ويقول بطريقة جمعية واسعة ان العجائز يمتلكن منازب، ولهن آباء، وعندهن موارد مالية، ويمتلكن خدما، ويواجهن مأزقا، وبهذه الطريقة نعرف انهن عجائز . فقد علمنا السادة، ويلز وبينيت وغالزوورثي ان نميزهن بهذه الطريقة، ولكن كيف نتعامل مع سيدتك براون، كيف نصدقك؟ فان كانت الفيلا التي تمتلكها تسمى البرت، او بالمورين، وكم دفعت ثمنا لقفازيها؟ او كانت امها توفيت بمرض السرطان، او بذات الرئة، وكيف تعيش؟ كلا، ان الامر تلفيق من بنات خيالك حسب .

فالنسوة العجائز لكي يكونن عجائز، يجب ان يقترنن بما يملكن من فلل Freeholds،او عقار فلل Copyholds، وليس هنا ذلك الخيال حسب .

فالروائي الجورجي، على هذا الاساس، هو في مازق صعب، ذلك ان السيدة براون كانت تحتج انها كانت متميزة، واستطاعت ان تغري الروائي لانقاذها بطريقة ساخرة، رغم اسلوب وميض سحرها الزائل . من جانب آخر، كان هناك الادوارديون الذين ينشرون رواياتهم بين البيوت الفارهة، وبيوت اللصوصية في ان واحد، فضلا عن الجمهور الانجليزي الذي يصر على ان يرى المأزق اولا في وقت كان القطار مندفعا باتجاه المحطة الاخيرة، حيث يجب على الجميع ان يهبط منه .

وهكذا، فانا اعتقد ان المأزق الذي وجد الروائيون الجورجيون الشباب انفسهم في خضمه حوالي العام 1910،امثال، فورستر ولورنس بشكل خاص – وقد دمروا اعمالهم، لانهم بدلا عن التخلي عن تلك الاساليب التي حاولوا استخدامها، وحاولوا ان يوفقوا، وحاولوا ايضا ان يربطوا احساسهم المباشر بما فيه من غرابة ومغزى للشخصية – بمعرفته لFactory Acts،ومعرفة بينيت للمدن الخمس Five Towns، نعم انهم جربوا السيطرة، ولا بد لهم من القيام بعمل ما، ومهما كلف الثمن في الحياة كلا او جزءأ لتدمير الثروة النفيسة، ويجب علينا ان ننقذ السيدة براون، وان نعبر عنها وتنطلق في علاقاتها السامية مع العالم قبل ان يتوقف القطار، وتختفي للابد . وهكذا، بدأ التحطم والتهشم، وهكذا، ايضا نسمع ما يدور حولنا في القصائد والروايات والسير الذاتية، وحتى مقالات الصحف وافتتاحياتها نسمع صوت التحطم والسقوط والتهشم والخراب .. انه الصوت في العصر الجورجي – انه الصوت القادم من الماضي .. فكروا في شكسبير وملتون وكيتس وحتى في جين اوستن وثاكري وديكنز في اللغة والسمواللذين يحومان طليقان حينما يشاهدان العقاب نفسه حبيسا اصلع وناعبا ..

في ضوء هذه الحقائق – مع تلك الاصوات التي ترن في اذني، وتلك المخيالات في رأسي – لا اريد ان انكر ان السيد بينيت لديه سبب وجيه عندما يشكو من ان كتابنا الجورجيين غير قادرين على ان يجعلونا نؤمن ان شخصياتنا هي شخصيات واقعية، وانا مرغمة ان اقول لهم انهم لم ينتجوا ثلاث روائع ادبية خالدة في العهد الفكتوري في كل خريف، وبدل من ان اكون متشائمة، فانني اشعر بالتفاؤل، وفي هذه الحالة، انه من المحتم كما اعتقد سواء في العصر الجليدي ام في عهد الشباب الغر، سيتوقف النقد الادبي عن كونه وسائل اتصال بين النص والمتلقي بل العكس من ذلك سيتحول الى عائق او معرقل بينهما . وفي عصرنا سنعاني من عدم وجود نظام اخلاقي يقبله القاريء او الكاتب على حد سواء، كاستهلال لاتصال اكثر اثارة في العلاقة بينهما، والتقليد الادبي للعصور هو مسألة تلطف ليس الا – وفي هذه الحالة، من الطبيعي جدا، ان يؤدي الوهن الى حالة من الغضب، والقوة الى تخريب المؤسسات والقواعد في المجتمع الادبي، وتبدو علامات ذلك ظاهرة في كل مكان، فقواعد اللغة منتهكة، والاعراب متحلل، تماما مثل صبي يقضي عطلة نهاية الاسبوع مع عمته فيروح يتدحرج بحرية في حقل زهور الجيرانيوم، نتيجة يأس مطلق اصابه . اما الكتاب الكبار فلا يفعلون ذلك . وبالطبع يطلقون عنانهم في مثل لهو الصبي في حقل الزهور،لان اخلاصهم شديد، وشجاعتهم فائقة، لكنهم لا يعرفون متى يستخدمون ايديهم؟ وهكذا، اذا قرأت جويس واليوت فانك ستصاب بالصدمة لبذاءة الاول وغموض الثاني، فبذاءة جويس في عوليس تبدو لي وعي وحسابات الرجل اليائس الذي يشعر كي يتنفس عليه ان يهشم زجاج النوافذ، وفي اللحظة التي تتهشم فيها النوافذ ينتابه شعور بالعظمة، ولكن، اي تدمير للطاقة هذا؟! وبعد ذلك كم تبدو غبية تلك البذاءة، اما غموض اليوت فاعتقد انه كتب ابياتا فاتنة في الشعر الحديث، ولكن، كم كان متعصبا للاستخدامات القديمة واخلاقيات ذلك المجتمع، الذي يحترم الضعيف ويقدر البليد !

وهكذا، فقد جربت امتدادا مضجرا، واخشى ان اجيب عن بعض الاسئلة التي شرعت بطرحها، وقدمت تعليلا لبعض الصعوبات التي هي من وجهة نظري تكتنف كل الصيغ الادبية للكاتب الجورجي . وقد بحثت عن مسوغ اقدمه له، فهل انتهى الى مغامرة، لاذكر كم كانت مدهشة ورغم ذلك، فانكم ستسمحون لهؤلاء الكتاب كي يقدمون نسخا من رواياتهم، وصورة للسيدة براون التي ليس لها شبه لكل ما يظهر من اندهاش، وتبدون في تواضعكم ان اولئك الكتاب يتباينون عنكم دما ولحما، ذلك انهم يعرفون السيدة براون افضل منكم، وهم معصومون عن الاخطاء . هذا هو الفاصل بين المتلقي والمؤلف، وهذا هو التواضع من جانبكم، وهذه هي اجواء الاحتراف والتمايز، وهذا هو فساد الكتب وعجزها التي من المفروض بها ان تكون عافية فصل الربيع، فصل التحالف والتقارب بيننا .

ودوركم هو ان تصروا على ان اولئك الكتاب سيهبطون الى الدرك الاسفل من قاعدة التمثال، وتصفون بجمالية ان امكن، وبواقعية السيدة براون على كل حال، وتصرون على انها سيدة عجوز في مقدرتها اللامحدودة وامتلاكها تنوعا متعددا، ومقدرة على الظهور في اي مكان . وترتدي اي زي تشاء، وتقول ما تشاء، وتفعل اشياء لا تعلم بها الا السماء .. بيد ان هذه الاشياء التي تقولها والافعال التي تنجزها، وان عينيها وانفها وكلامها وصمتها كله سحر غامر، ولانها بالطبع، الروح الذي نستنشق من خلاله الحياة، بل هي الحياة ذاتها .

ولكن، لا تتوقعوا في الوقت الحاضر، ظهور صورتها كاملة مقنعة وقادرة على تحمل التشنج والغموض والاخفاق . ومساعدتكم هو ان تستحضروا سببا وجيها . ولهذا، ساقوم بتنبؤ نهائي واندفاع مدهش – ذلك، اننا نرتعش على حافة احد العصور العظيمة للادب الانجليزي، ولكننا، فقط سنصل الى ما نريد اذا صممنا الا نهجر السيدة براون ابدا، ابدا ..

 

...................

1ـ هو ارنولد بينيت Arnold Bennet، ناقد وروائي انجليزي والسيدة براون شخصية روائية مفترضة بدات الكاتبة بتحليلها في هذه المحاضرة (المترجم)

2 ــ محاضرة القتها فرجينيا وولف في نادي هيرتكس في كمبردج (المترجم)

3 ــ نسبة الى ادوارد السابع ملك بريطانيا وآيرلندة 1841ــ 1910 (المترجم)

4 ــ نسبة الى جورج الخامس ملك بريطانيا العظمى 1865ــ 1936(المترجم)

5 ــ وهي السنة التي تولى فيها جورج الخامس عرش بريطانيا العظمى وحدثت في عهده الحربين العظميين الاولى والثانية (المترجم)

6 ــ هم اصحاب الحقول الصغيرة المقسمة بين المزارعين عن طريق الشراء والاستثمار خاصة في اسكوتلنده (المترجم)

7 ــ التملك الصرف للعقار، فلل، بيوت، اراض . (المترجم)

8 ــ عقار التملك للارض وفق شروط بائعها الاصلي ..

 

ضياء نافعهذا موضوع واسع وكبير جدا، ولا يمكن لشخص واحد ان يرسم كل ابعاده وجوانبة. لا توجد لديّ ارقام محددة عن اعدادنا، لكننا كنّا أكثر من مئة طالب في بداية ستينات القرن العشرين، موزعين في معظم كليّات جامعة موسكو، بين طلبة دراسات أولية ودراسات عليا. طالما تحدثت مع زملائي العراقيين حول هذا الموضوع، وحاولت ان اقنعهم، ان يكتب كل واحد من الذين درسوا في اي جامعة سوفيتية آنذاك عن زملائه العراقيين الذين درسوا معه ومصائرهم بعد التخرج، وحاولت ان اثبت لهم، ان كتابة تلك الوقائع تعني كتابة التاريخ العراقي المعاصر الحقيقي بحذافيره، ولكن الذين كانوا يتقبلون هذه الفكرة نظريا لم ينفذوها عمليا (وهم الاغلبية)، اما الذين لم يتقبلوها (وهم الاقليّة)، فانهم كانوا يحاولون السخرية منها او، في كل الاحوال، التقليل من اهميتها وجوهرها، ولازالت أتذكر جملة قالها لي احد هؤلاء مرّة ساخرا – (شنو الفائدة اذا نكتب جاسم درس بفلان كليّة؟)، فقلت له، ان جاسم عراقي ولد في العام الفلاني بمدينة عراقية واكمل المدرسة الثانوية الفلانية او الكلية الفلانية ووصل الى الاتحاد السوفيتي في السنة الفلانية وتخصص في العلم الفلاني ورجع الى العراق وعمل في مجال تخصصه او لم يستطع ان يعمل نتيجة الاسباب الفلانية، واضطر ان يترك العراق ...الخ، وان كل هذه الوقائع الخاصة بجاسم العراقي هذا تعني تاريخ العراق الحقيقي، التاريخ الذي نفتقده لحد الآن، لانه تاريخ الناس العراقيين الاعتياديين في مسيرة الحياة الاعتيادية في العراق، وليس تاريخ الزعيم فلان والقائد فستان .

الموضوع كبير كما أشرنا في البداية، ولكني قررت ان ابدأ به، اذ ربما تدفع هذه السطور بعض الزملاء الى اكمالها، او اضافة تعليقات توضيحية حولها، او توسيعها وتعميقها، او تصحيحها، اذ ربما تكون هناك جوانب غير دقيقية لم أعد أتذكرها تفصيلا، فاني الان على مشارف العقد الثامن من عمري .

ابدأ من الكليّات التي كان فيها اعداد صغيرة من الطلبة، مثل كليّة الفلسفة . كان هناك طالب دراسات اولية هو سليمان اللوس، وطالبان في الدراسة العليا هما المرحوم عبد الرزاق مسلم والمرحوم توفيق رشدي، وعند كل واحد من تلك الاسماء يجب عليّ حتما ان اتوقف قليلا . انهم – قبل كل شئ – يشكّلون باقة ورد فريدة ورائعة، او (شدّة ورد !) بلهجتنا العراقية الجميلة، فسليمان اللوس مسيحي وعبد الرزاق مسلم صابئي وتوفيق رشدي كردي، ولكننا لم نكن ننظر اليهم آنذاك هكذا، بل ولم نكن حتى نعرف، ان سليمان مسيحي، او عبد الرزاق صابئي، ولكننا كنا نعرف فقط ان توفيق كردي . كل واحد من هؤلاء (الفلاسفة !) يمتلك قصة تستحق ان نرويها للاجيال العراقية اللاحقة . لقد تحول اثنان منهما الى (شهداء!)، وهما المرحوم الدكتور عبد الرزاق مسلم والمرحوم الدكتور توفيق رشدي . واحد استشهد داخل العراق، والآخر استشهد خارج العراق . الشهيد عبد الرزاق تم قتله في مدينة البصرة من قبل اجهزة السلطة البعثية العراقية باطلاق النار عليه في الشارع، والشهيد توفيق تم قتله في مدينة عدن في اليمن من قبل اجهزة السلطة البعثية العراقية وباطلاق النار عليه في الشارع ايضا، وكلاهما كانا أساتذة في الجامعة آنذاك . وهكذا اصبح الفيلسوف د.عبد الرزاق مسلم (التدريسي في جامعة البصرة)، والفيلسوف د.توفيق رشدي (التدريسي في جامعة عدن) ضمن اسماء شهداء العراق (وما اكثرهم مع الاسف)، اولا، وضمن قائمة الشهداء العراقيين من خريجي الجامعات الروسية، ثانيا، فما اعظم هذا (اللقب!) الذي حصلا عليه وتميّزا به، وما أقساه وما افظعه، وما أشدّ الألآم والاحزان والدموع، التي تثيرها كل هذه الاحداث المأساوية الرهيبة في قلوب الاهل والاصدقاء والزملاء، عندما يتذكرون الدماء الطاهرة وهي تسيل وتتدفق في الشوارع من اجسادهما نتيجة غدر السلطة واجرامها ومفاهيمها الوحشية الرهيبة ضد الرأي الآخر والاجتهاد الآخر ليس الا . وكم يؤلمني ان أشير هنا، الى اننا – نحن خريجي الجامعات الروسية – لم نقم باي رد فعل يشجب هذا العمل الاجرامي منذ تنفيذه ولحد الان، حتى حينما تسنّى لنا ذلك، واقصد بالطبع عندما تم تأسيس الجمعية العراقية لخريجي الجامعات السوفيتية والروسية في بغداد، رغم اني أتذكر ردود الفعل الايجابية لزملائي في الجمعية (واخص بالذكر رئيس الجمعية آنذاك الزميل المهندس ضياء العكيلي) حول مقترحي باعادة نشر كتاب عبد الرزاق مسلم حول المصطلحات الفلسفية من قبل الجمعية تكريما لذكراه، ولكننا لم نستطع حتى تحقيق ذلك المقترح البسيط مع الاسف الشديد .

أمّا سليمان اللوس، الذي أنهى الدراسة في كلية الفلسفة بنجاح، فقد كتب لي (عندما كنت ادرس في جامعة باريس)، انه يخطط ان يكمل دراسته في جامعة باريس ايضا، وقد استقبلته هناك، واستطاع ان يلتحق بجامعة باريس فعلا وكانت اطروحته للدكتوراه عن الفيلسوف الروسي بيرديايف، وغالبا ما كنّا نلتقي في المكتبة السلافية العامة في باريس، حيث كنّا نطلع على المصادر الروسية المتنوعة، كل في مجال اختصاصه . انسجم سليمان بوتيرة الحياة الباريسية، وتعلّم اللغة الفرنسية بعمق، وهكذا اصبح يتقن الانكليزية والروسية والفرنسية، وكان واحدا من أبرز المثقفين العراقيين الذين التقيت بهم عمقا وموضوعية . عدت انا الى العراق بعد انهاء دراستي، وبقي سليمان هناك، واستمرت المراسلات بيننا، ولكنها انقطعت مع الاسف نتيجة لمسيرة حياتنا، هو في باريس وانا في بغداد، ثم انقطعت كل اخباره . وذهبت مرة الى محل اخيه في شارع الكفاح، وسألته عن سليمان، ولكن اخيه رفض حتى الاقرار ان لديه اخ في باريس، وحاولت ان اذكّره، باني كنت عندهم مرة، وكيف استقبلني هو ووالده باعتباري صديق ابنهم سليمان، ولكنه أصرّ على موقفه، وقد فهمت طبعا، انه كان يخشى الكلام عن ذلك في اجواء الاوضاع العراقية الامنية آنذاك، فاضطررت ان اتركه احتراما لرغبته . حاول اصدقاء سليمان ان يعرفوا اخباره ايضا، ولكن دون جدوى مع الاسف . لو ساهم سليمان اللوس في الحياة الثقافية العراقية لكان له الان مكانة مرموقة في هذا المجال، ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن ...

الرحمة والخلود لكما، ايها الشهيد د. عبد الرزاق مسلم والشهيد د. توفيق رشدي، واتمنى ان يكون سليمان اللوس بصحة وعافية، واود ان ابعث له تحية اعتزاز واحترام وتقدير  ... 

 

 أ.د. ضياء نافع

 

ضياء نافعما ان جلست في سيّارة الاجرة، فاذا بسائقها يقول لي رأسا بعربية ركيكة ولكن مفهومة – (كيفك؟). اندهشت انا طبعا من سؤاله، واجبته مبتسما – (زوين)، فقال لي بالروسية، انه لم يفهم جوابي، واضاف انه كان يتوقع ان اقول له – (كويّس)، فضحكت أنا واوضحت له باختصار (صلب الموضوع !)، وهكذا بدأنا ندردش معا وبحيوية ومرح طوال الطريق، ورغم هذا المرح، فان المواضيع التي تكلمنا حولها كانت في غاية الاهمية والجديّة .

انه أرمني يسكن ويعمل في موسكو، وقد تعلّم عدة كلمات عربية من أصدقائه الارمن، الذين هربوا من سوريا . قال لي، ان هؤلاء الارمن يحنون للعودة الى سوريا ويعتبرونها وطنهم، رغم انهم واقعيا عادوا الى وطنهم الحقيقي ارمينيا، وان الارمن كافة قد هاجروا فعلا من سوريا، وهاجروا ايضا من العراق، ولم يبق اي ارمني في العراق الان، رغم ان اجيالا منهم قد ولدوا وعاشوا هناك عشرات السنين . ابتسمت أنا، وقلت له، ان معلوماته ليست دقيقة، وانها تعتمد على اقوال فلان وفستان ليس الا، فسألني رأسا، وهل تعرف انت عراقيين ارمن لا زالوا يعيشون في العراق ؟ قلت له، نعم اعرف الكثيرين منهم، وهم عراقيون مثلنا جميعا . نظر اليّ باندهاش، وقال، انه يفهم الان لماذا الارمن الذين هربوا من سوريا يريدون العودة من وطنهم ارمينيا الى بلد هجرتهم سوريا، وانها لظاهرة غريبة فعلا بالنسبة لامثاله من الارمن . قلت له، ان الارمن من اصدقائي في العراق عراقيون بكل معنى الكلمة، وانهم عاشوا ودرسوا معي في الاتحاد السوفيتي وعادوا الى العراق بعد انتهاء دراستهم ليعملوا ويعيشوا في وطنهم العراق، مثل معظم طلبتنا آنذاك، رغم انهم زاروا وطنهم الاصلي ارمينيا، وكانوا يقدرون ان يبقوا هناك طبعا، ولكنهم عادوا الى العراق . سألني مرة اخرى، وهل انت تعرف بعضهم شخصيا ؟ فقلت له، لقد درست معنا وفي كليتنا ارمنية عراقية، وتزوجت من عراقي وولدت بنتا اسمتها سيفان، وهي تسمية البحيرة الارمنية الجميلة كما تعرف، وعادت الى العراق مع زوجها وابنتها بعد ان تخرجت في جامعة موسكو . سألني السائق، وهل زوجها كان ارمنيا ايضا ؟ قلت له لا، انه عراقي عربي، فسألني رأسا، هل هو مسيحي؟ فقلت له لا، انه مسلم، فاندهش وسألني، وهل وافقت عائلتها على زواجها هذا، فقلت له، ربما لم يوافقوا كليا، ولكنها تزوجت قبل اكثر من خمسين سنة، وعندهم الان اولاد واحفاد، وهم لايزالون يعيشون في بغداد ضمن عائلة عراقية جميلة وعريقة، فقال، لو ان ابنته قررت الزواج بهذا الشكل لما وافق على ذلك ابدا، ضحكت انا، وقلت له، انني اعرف الكثير من الزواج المختلط في الاتحاد السوفيتي آنذاك، ومن بينهم زواج ارمنيات، فقال نعم، ولكن دون موافقة اهلهم كما يجب ان يكون الامر وحسب التقاليد الارمنية، وأضاف بحزن، بعد ان صمت قليلا، قائلا – لقد تعرّض الشعب الارمني الى حملات ابادة رهيبة، ويجب علينا الان - نحن الارمن - ان نحافظ على ما تبقى لنا، قلت له، ان الارمنية التي تتزوج غير الارمني تبقى ارمنية طوال حياتها، فقال نعم، هي تبقى ارمنية، لكن اطفالها لن يكونوا ارمن، اذ اننا لسنا مثل اليهود، الذين يعتبرون ان كل من يلد من امرأة يهودية هو يهودي بغض النظر عن جنسية والده او قوميته او دينه، وضحك وقال، ان اليهود شياطين، وقد وجدوا حلاّ لهذه القضية المعقدة جدا . 

عندما اقتربنا من العنوان المطلوب، قال لي هذا السائق، انه ممنون جدا من موقف العراقيين والعرب عموما تجاه الارمن، وان هذا هو رأي كل الارمن الذين يعرفهم في ارمينيا او خارجها، وانه لهذا لا يريد ان يأخذ منيّ اجرة سيارة الاجرة تعبيرا عن امتنان الارمن لنا . رفضت انا هذا العرض (الحاتمي!) من قبله، وقلت له، انك حتما تحتاج لهذا المبلغ البسيط منيّ ومن غيري من الركاب، للعيش في مدينة غالية مثل موسكو، فشكرني جدا على ذلك، وقال، انكم تتفهمون مشاكلنا، فنحن – ابناء الشعوب السوفيتية سابقا - نتصارع مع الحياة من اجل عوائلنا، كي نوفر لهم – وبالكاد – لقمة العيش الضرورية - ليس الا - في موسكو او في بلداننا هناك...

 

 أ.د. ضياء نافع

 

ضياء نافعحملت لنا الانباء قبل ايام رحيل الاستاذ الدكتور عز الدين مصطفى رسول . أثارت هذه الانباء حزني وذكرياتي، اذ اننا تعارفنا في موسكو عام 1960، عندما كنّا ندرس اللغة الروسية، كي نلتحق بكلياتنا لاحقا، انا في الدراسات الاولية وهو في الدراسات العليا . كان كاكا عزي (هكذا كنّا نناديه) أكبر منّا عمرا ومعرفة وخبرة وتجربة في الحياة، ولهذا كنّا نكنّ له كل الاحترام وكنّا نتحفّظ في علاقاتنا معه، ولكننا (اكتشفنا!) بساطته وطيبته المتناهية ومرحه الطبيعي الجميل اثناء الاختلاط معه، وهكذا اصبحنا – وبسرعة – اصدقاء قريبين معه . تعمقت العلاقات، رغم انه سافر الى باكو لاكمال الدراسة، وكان غالبا ما يزور موسكو، وكان يزور الجميع ويختلط مع الجميع، ويجد المواضيع التي يتحدث حولها مع الجميع . لقد تحدث معي مثلا حول المواد الدراسية في كليتنا، وعندما اخبرته، ان هناك مادة اسمها – (مدخل في علم الادب). أثارت هذه المادة  انتباهه، وطلب منّي ان اشرح له تفاصيل اكثر عن طبيعة هذه المادة، ثم طلب ان يتعرّف على الكتاب المنهجي المقرر، وبعد ان تصفّحه، طلب منّي ان احصل له على نسخة منه، وقال، ان هذا الكتاب يستحق الترجمة الى العربية . حصلت على هذا الكتاب لاحقا، وارسلته اليه فعلا، وكان ذلك في حدود بداية الستينات على ما اذكر، ومرّت عشرات السنين، والتقينا في بغداد، وكان عز الدين مفصولا من الخدمة في الجامعة نتيجة الوضع السياسي والموقف تجاه القضية الكردية، ففال لي، انه الان يستطيع ان يتفرّغ للترجمة عن الروسية، ويخطط ان يترجم كتابين لنشرها ضمن منشورات وزارة الاعلام، وانه سيقترح اسمي، كي تحيل الوزارة لي  ترجماته للمراجعة، لانه يعرف موقفي تجاهه . وافقت انا طبعا، وكدت انسى الموضوع ، واذا بالوزارة ترسل لي فعلا - بعد فترة - مسودات كتاب ضخم عن  وقائع مؤتمر حول الآداب الشرقية بترجمته، وقد ظهر هذا الكتاب فعلا بترجمته ومراجعتي . ولازلت اتذكر اهمية ذلك الكتاب حول الاداب الشرقية، اذ انه يتناول بالعرض آراء ومناقشات باحثين متخصصين في الادب الصيني والفيتنامي وغيرها من الاداب شبه المجهولة للقارئ العربي، والتي لا توجد حولها مصادر بالعربية ولحد الان . ان هذا الكتاب، الذي ترجمه عز الدين عن الروسية يعدّ اضافة نوعية جديدة الى مصادر المكتبة العربية، ولازال يمتلك اهميته العلمية في وقتنا الحاضر . اما الكتاب الثاني، فقد كان عن علم الادب المقارن، وهو الموضوع الذي دردشنا حوله في تلك السنين الخوالي بموسكو آنذاك . ان هذين الكتابين بترجمة أ. د. عز الدين مصطفى رسول عن الروسية هما برهان ساطع على امكانياته ومهارته واستاذيته في مجال الترجمة عن الروسية،  رغم انه لم يكن يتكلم عن ذلك بتاتا، ولم اسمع منه ابدا يوما، انه يتكلم عن امكانياته الادبية والفكرية عموما، وهي طبعا صفات العلماء وتواضعهم الاصيل، وكم أتمنى ان يقوم أحد طلبة الماجستير في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد بكتابة رسالة ماجستير، تدرس هذين الكتابين بترجمته، اذ ان هذا موضوع يستحق الدراسة فعلا عن مسيرة الترجمة عن الروسية  و تاريخها في العراق.

اختتم هذه السطور عن المرحوم عزي بالاشارة الى انه حاصل على شهادة دكتوراه علوم (بالروسية – دوكتور ناؤوك، والتي أسماها الجهاز الاداري العراقي - ما بعد الدكتوراه) من اكاديمية العلوم السوفيتية في اواسط السبعينات، وهي اعلى شهادة علمية يمكن الحصول عليها في الاتحاد السوفيتي آنذاك، وفي روسيا الاتحادية الحالية ايضا، والتي لم يحصل عليها من العراقيين سوى بعض افراد ليس الا، منهم الدكتور كمال مظهر في التاريخ، والدكتور عز الدين رسول في الاداب، والدكتور ميثم الجنابي في الفلسفة . لقد بلغ تواضع أ.د. عز الدين درجة متناهية فعلا، اذ انه عاد الى العراق، ولم يستلم شهادته تلك، وكنت انا اتهيأ للسفر الى موسكو للمشاركة في الندوة العالمية لمدرّسي اللغة الروسية، فطلب مني ان استلم شهادته، واعطاني تخويلا بذلك. راجعت الجهات المختصة في موسكو طبعا من اجل استلام الشهادة، وبعد التي واللتيا (في صراعي مع البيروقراطية الروسية) استطعت استلامها، واتذكر، ان الموظفة الروسية قالت لزميلتها، ان العراقيين يسمون شهادة الكانديدات دكتوراه، ولهذا ابحثي في سجل آخر، رغم انه يقول (اي انا) غير ذلك. قلت لها، ان صاحبي حاصل على شهادة دكتوراه علوم من اكاديمية العلوم السوفيتية، فقالت بحدّة، كيف حصل صاحبك العراقي على هذه الشهادة التي نحن الروس نحصل عليها بصعوبة بالغة، ولكنها اعتذرت لي بعد ان وجدوا، ان شهادة عز الدين مصطفى رسول هي حقا كما قلت لهم . ولازلت اتذكر حالة الزهو والفخر بعراقيتي، التي شعرت بها في تلك اللحظة، وهي حالة نادرة في تلك الاجواء.

الرحمة والسكينة  لروحك ايها المفكّر والعلاّمة العراقي الحقيقي والاصيل الاستاذ الدكتور عز الدين مصطفى رسول ...

 

 

عبد الحسين شعبانحين دعاني "المجمّع الثقافي الجعفري" للحديث عن "الإصلاح العاشورائي في خدمة الإنسان" وجدتها فرصة مناسبة للحديث عن التضحية والشجاعة في مواجهة الظلم، لحدث تاريخي رمزي كبير ظل العالم يستذكره باستلهام وأمل، فلم يكن استشهاد الإمام الحسين في العام 61 هجري في معركة الطف الشهيرة في كربلاء حادثاً عابراً، بل كان فاصلاً تاريخياً مهماً ظلّ استحضاره يتصاعد عاماً بعد عام حتى أصبح حدثاً كونياً بكل ما تعني هذه الكلمة من تحقق ومعنى ودلالة.

والحق يُقال فقد تردّدت في الاستجابة للمشاركة، خشية من إقحام اسمي خارج نطاق اهتمامه واختصاصه وتوجهه الفكري والثقافي، وكي لا تذهب التفسيرات وربما الظنون إلى أن مثل هذه المساهمة تستهدف  التقرّب أو التزلّف للتيار الديني السائد وتفريعاته ذات الأبعاد المذهبية، ولذلك اقترحت على الجهة المنظمة أن أتحدث عن تجارب ملموسة تحت عنوان "اليسار وعاشوراء" وهي جزء من مشهد بانورامي لعاشوراء في النجف في الخمسينات التي عشتها، ودور اليسار والحركة الشيوعية في إحياء مناسبة استشهاد الإمام الحسين، حيث لم يكن هناك وجود لأحزاب الحركة الإسلامية، كما ظهر لاحقاً، وخصوصاً بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958.

ولكنني وضعت كل ذلك جانباً لأقدّم صورة حيّة من قلب المشهد وهي شهادة تاريخية حيّة لا علاقة لها بما يجري من اصطفافات سياسية، وذلك بحكم نشأتي في بيئة دينية لا أتنصل عنها ولا أتكبر عليها أو أستخف بها، بل كنت ولا أزال أحترمها وأعتز بها كجزء أصيل من تكويني الثقافي والمجتمعي، مثلما ترعرت في عائلة يسارية وذلك جزء لا يتجزأ من روافدي الروحية، وهو أمر لا أخفيه وكنت قد قلت في وقت سابق أن أهم ينابيع التكوين الأولى كان القرآن الكريم وماركس والأدب بشكل عام والشعر بشكل خاص، حيث كبرنا مع الجواهري.

ومع ذلك فقد كان ينمو معي الفكر النقدي للتيار الديني واليساري معاً، وهو ما انعكس على  كتاباتي منذ أكثر من 3 عقود من الزمان، على الرغم من أنني من دعاة تقاربهما مثلما هي دعوتي للتقارب مع التيار العروبي، كجزء من الخبرة والدرس التاريخي، وهو درس لا غنى عنه بتقديري، لاسيّما الاعتراف بالآخر.  وفي مطالعة لي قبل أكثر من عقدين من الزمان عن السيد محمد باقر الصدر (نشرت في صحيفة المنبر التي كان يصدرها السيد حسين الصدر في لندن) جئت على أهمية التفاهم بين التيارين وما سبّبه صراعهما من تأثير سلبي على كل منهما، سواء على الصعيد الفكري أو العملي، والشيء بالشيء يذكر فقد كان الصراع الذي نشب بين التيارين اليساري والعروبي أشد قسوة وعبثية ولا معنى له وقد دفعت جميع الأطراف ثمنه باهظاً .

II

و من وحي المناسبة الجليلة  ابتدأت حديثي  ببعض الخواطر والاستذكارات، وحاولت أن استفزّ الذاكرة  لتخرج من زواياها حتى وإن كانت مبعثرة أو متناثرة، للذهاب إلى عبق  تلك الأجواء بطقوسها الاحتفالية المهيبة، وفي محفل استذكاري، حرص المشاركون فيه على مساهمتي، على الرغم من أنني أشرت في بداية حديثي بالقول " لا يُفتى ومالك في المدينة"، لكن المشهد البانورامي الذي قدمته بحضور متميّز لبناني وعربي، مسلم ومسيحي ودرزي ومن طوائف مختلفة، كان مؤثراً كما فهمت ولاحظت.

وحينما نتحدّث عن المأساة الإنسانية للإمام الحسين  الذي خرج في مواجهة الظلم خصوصاً قوله الأثير "إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" فإنما نقصد استعادة (الحدث) بالتحقق : كيف وأين؟ واستحضار التاريخ (بامتلاء السردية بمعناها الإنساني)، فإنما لتأكيد حضور المعنى (لماذا نحن نحتفل وما هي رمزية مثل هذا الحدث ؟) وذلك للوقوف عند الدلالة، فما هي العبر والدروس من ذكرى استشهاد الإمام الحسين.؟

ولعلّ ذلك ما كان يقصده اليسار حين يواجه الظلم ويتصدى للظالمين، أي أنه يستغل إيجابياً هذا الحدث كجزء من فضاء شعبي للتحريض والتعبئة خارج دائرة الدين أو التديّن وخارج التفريع الطائفي أو المذهبي، فذلك لم يكن يعنيه لا من قريب ولا بعيد، بل كان واضحاً في رفع شعاراته الوطنية وسط حشود شعبية تستلهم مسيرة الإمام الحسين  وكفاحه البطولي في مقاومة الظلم وعدم الرضوخ للظالم كجزء من عقيدتها الإيمانية.

والمسألة بقدر ما هي يقينية إيمانية  عقائدية لدى البعض، فإنها وجدانية وواقعية ضد الظلم لدى اليسار الذي كان آنذاك يحسن استخدامها بدقة واقتدار كجزء من توجهه التحريضي التنويري، مع أن خيطاً رفيعاً فاصلاً بين اليقين الديني الإيماني وبين التوجه المدني اليساري في توجيه الأنظار صوب الظلم، وكان فيدل كاسترو في حواره مع القس بيتو في العام 1986 قد طرح المشتركات بين الكنيسة والماركسية على أساس الكفاح الدنيوي لتحقيق العدالة والمساواة بين البشر، لكن الأمر لا يخلو من حيرة وهذه الأخيرة تعبير عن  سؤال قلق وأداء وخشية من الاستثمار لغير صالح التوجه الإنساني، لأنها تطرح أسئلة تتعلّق بالفلسفة وهذه تولد أسئلة جديدة، خصوصاً وأن للشهادة والتضحية بالنفس بطولة وشجاعة رمزية ونبلاً وحميمية لا تتعلق بالزمان ولا بالمكان، بل تتجاوز ذلك إلى الفضاء الإنساني، وحسب ابن عربي فـ"الزمان مكان سائل والمكان زمان متجمّد".

كثيرون يحتفلون بهذه المناسبة، بعضهم عن إيمان، ولكن  الإيمان بدون العقل يقود إلى يقينية صماء وسيكون متعصباً ومتطرفاً وحتى عنيفاً وقد يصل إلى الإرهاب، ولنتوقف عند بعض الممارسات التي لا علاقة لها بالمناسبة ولا علاقة لها بالدين والمذهب، وهي كثيرة لدرجة أصبحت من الطقوس المسكوت عنها، حتى وإن كان بعض علماء الدين لا يقرّونها، لكنهم لا يواجهون العامة بها، بل يعبرون عنها بطريقتهم الخاصة الأقرب إلى الهمس والمواربة منه إلى الإفصاح والإعلان .

والبعض الآخر يحتفي بالمناسبة انطلاقاً من تقليد طقوسي ديني أو حتى اجتماعي متوارث، وبالطبع فهناك فارق كبير بين الإيمان والعادة أي ما استقر عليه من تواتر الاستعمال وكثرة الاستخدام، والفارق يتعلق بالمدخلات، فحتى الإيمان سيكون مختلفاً بين شخص وآخر، فهناك إيمان واعي وآخر أعمى، مثلما يتعلق بالمخرجات من حيث التوجه والآداء وما يترتب عليه سواء بالإيمان أو التقليد.

III

شخصياً ما يهمني من هذه المناسبة هو القيم والمثل  الإنسانية، فشجاعة الإمام الحسين حين يواجه الظالم إنما هي "فضيلة من فضائل القلب"، والشجاعة كرم أخلاقي وسمّو إنساني، وهي عكس الجبن والخنوع وشحّ الأخلاق، لأن الشجاعة تتعلّق بالخير، والسياسة بهذا المعنى هي " فعل خير"، أما الجبن والخنوع بما فيه  من غدر وخسّة،  فهو "فعل شر" ولا علاقة له بالسياسة، والشرير ليس شجاعاً في حين أن الشجاع خيرٌ.

والإيمان دون ضمير سيكون كاذباً ومشوّهاً، لا يمت إلى جوهر الدين وقيمه، بل سيكون تعبيراً عن مصالح خاصة أو حزبوية طائفية لضيق أفق واستعداد لإلغاء الآخر أو إقصائه  أو تهميشه، وهكذا يكون الفرق كبيراً بين العارف وغير العارف والمؤمن الحقيقي والمؤمن المزيّف، مثلما هو الفرق كبير أيضاً بين العالِم والجاهل و"هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" (القرآن الكريم،  سورة الزمر- الآية 9) .

يقول ابن عربي

"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تراه، فإنه يراك". وهكذا يختلف الإيمان الواعي عن الإيمان المتخلّف، وكان الإمام جعفر الصادق  يعبّر عن جوهر الدين وقيمه السمحاء حين يقول " وما الدين سوى الحب"، ففيه يكشف نور القلب وصدق السريرة.

ولذلك حين نتحدث عن الإيمان، فماذا  نقصد وأي مؤمن نعني: لأن المؤمن دون وعي سيكون منقاداً وخاضعاً ومسخّراً وقد يرتكب أفحش الأعمال، فيحمل سكيناً  ليطعن أقرب إنسان إليه أو كاتم صوت ليطلق النار عليه أو يلبس حزاماً ناسفاً  ليفجّر متجراً أو مدرسة أو مستشفى أو يسرق من المال العام أو الخاص سواء باسم الدين أو تحت غطائه، لا يهمّه من الدين سوى المظاهر، سواءً أطال لحيته أو لبس العمامة أو انتسب إلى هذا الحزب أو هذه الجماعة  إن كان رجلاً أو ارتدى النقاب أو الحجاب إن كانت امرأة، وهؤلاء كانوا المادة الخام، وخصوصاً من الشباب والشابات للتنظيمات الإرهابية مثل "القاعدة" وربيبتها "داعش" والجماعات المسلحة بمختلف تسمياتها خارج القانون، فإيمانها يختلف عن إيمان الروحانيات وإسلام القيم الإنسانية وروح التسامح والسلام ومحبة الآخر وإيمان العدل والمساواة الذي خاطب فيه الإمام علي عامله في مصر مالك بن الاشتر النخعي بقوله:  لا تكن عليهم (أي على الناس) سبعاً ضارياً لتأكلهم " فالناس صنفان أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق" .

IV

لعلّ هدف الأديان جميعها والإسلام تحديداً والإمام الحسين بشكل خاص هو الإنسان لأنه القيمة العليا والحقيقة الأهم التي استخلفها الله على الأرض، وهو ما يعطي البشر المؤمنين الحقيقيين الكشف والفيض والإلهام،  فهناك علاقة للخير بالإيمان، فهل يمكن أن يكون السفاح والجلاد شجاعاً أم أن الشجاعة صفة لصيقة بالخير؟

الحسين لا يخص الشيعة وحدهم ولا يعني المسلمين فقط ولا يقتصر على المؤمنين، وإنما هو قيمة إنسانية لبني البشر، للناس جميعاً، لكل من يناضل ضد الظلم ومن أجل إحقاق الحق، وفلسفته التي تقوم على  مقاومة الظلم تعني جميع المظلومين وفي جميع العصور، فهناك علاقة بين الظاهر والباطن والعلّة والمعلول والسبب والنتيجة والماضي والحاضر، وكل فعل تضحية ومقاومة ضد الظلم إنما هي استلهام لسيرة معطّرة مصحوبة  بالفداء النبيل، تلك التي أقدم عليها الإمام الحسين براحة ضمير ووعي وطهارة روحية.

ولهذه الأسباب كان اليسار معنيّاً بقضية استشهاد الإمام الحسين، بل إنه في الأربعينات والخمسينات كان القوة الأبرز التي تحتفل به مع جمهرة الناس، وتجد منهم:

1- قرّاء المنابر الحسينية، مثل الشيخ محمد الشبيبي والد حسين الشبيبي الذي أعدم في العام 1949 مع فهد  (يوسف سلمان يوسف) أمين عام الحزب الشيوعي حينها وزكي وبسيم ويهودا صدّيق من قيادة الحزب. وكان "مجلس الشبيبي الحسيني العاشورائي" يكتظ في هذه المناسبة التي يتحدث فيها عن الظلم والظالمين.

2- شعراء المواكب الحسينية، مثل الشاعر عبد الحسين أبو شبع وهو عضو في الحزب الشيوعي منذ العام 1956 واسمه الحزبي "علي"، وكان في الستينات عضو لجنة المثقفين في النجف، حيث كان المشرف عليه السيد صاحب جليل الحكيم، سكرتير محلية الحزب الشيوعي في النجف حينها.

3- القرّاء المحرضون (الرواديد) ومنهم فاضل الرادود، وكان محسوباً على ملاك الحزب الشيوعي، وكان يقرأ القصائد الحسينية، التي يكتبها أبو شبع وعدد من الشعراء الشعبيين حينها.

4- منظّمو الجمهور، حيث كانت خلايا خاصة تفرّغ لهذا الغرض في عاشوراء  والمناسبات الدينية الأخرى، ويتصدّرها بعض أبناء المدينة من الشيوعيين أو امتداداتهم أحياناً من عوائل معروفة، وكان "عزاء محلّة البراق" الأشهر في النجف وشعاراته الأكثر ثورية وتتحسب لها السلطات أكثر من حساب في كل عام.

وكان العديد من العوائل الدينية في النجف على ملاك اليسار والحركة الشيوعية ولديهم نفوذ كبير حتى داخل أوساط الحوزة والمدارس الدينية والمقامات المقدسة، ومن هؤلاء: آل الرفيعي الذي كان منهم الكليدار وآل شعبان ومنهم (سرخدمة، أي رؤساء الخدم) وآل الحكيم  وآل الخرسان وآخرين، وهؤلاء جميعهم في حضرة الإمام علي. ولم يكن الأمر يقتصر على عدد من الرجال، بل إن بعض النسوة انخرطن في صفوف الحركة الشيوعية ورابطة المرأة وهن من العوائل الدينية المعروفة .

أما خارج الحضرة العلوية، فهناك آل الشبيبي وآل الجواهري وآل بحر العلوم وآل زيردهام وآل الدجيلي وآل سميسم وآل مطر وآل الخليلي وغيرهم كانوا من المحسوبين على الحركة الشيوعية. وفي مدرسة الخليلي في عكد السلام درس الشيخ حسين مروّة والشيخ محمد شرارة في العشرينات وتحوّلا لاحقاً من الدراسة الحوزوية إلى الحركة الشيوعية، وقال حسين مروّة في استذكاراته: لقد تعرّفت على ماركس في النجف، وذلك حين أعطاه حسين الشبيبي كتاب " البيان الشيوعي" ليقرأه وقال لقد قرأته مرتين، لكن لم أفهم معناه في بداية الأمر، ثم زادت اهتماماته، حتى أصبح من كبار الماركسيين، لاسيّما حين كتب "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية " أربعة أجزاء..

V

كانت الاحتفالات العاشورائية مهيبة وصبغتها العامة وطنية لتمجيد البطولة والاستشهاد والقيم والمثل الشجاعة والإنسانية، والمقصود بذلك استنهاض الهمم لمقاومة الاستبداد، بشكل مباشر أو غير مباشر، وكان لبعض علماء الدين من المجدّدين دور مهم في تجديد الحوزة العلمية النجفية التي كانت تقليدية وراكدة قياساً لما حصل حولها من تطور، وأذكر هنا على  سبيل المثال لا الحصر عدداً من علماء الدين الذين سعوا لتخليص الحوزة ومناهجها من الماضوية التلقينية وفتح  نوافذ  للجدل والحوار والعلم عليها وفي مقدمتهم: السيد أبو الحسن والشيخ محمد حسين والشيخ علي كاشف الغطاء  وعبد الكريم الزنجاني، الذي انشغل بالفلسفة، وكان السيد محمد البغدادي مثار جدل سياسي ومجلسه عامر في النجف لحوارات معمّقة، خصوصاً بعد فتوى السيد "محسن الحكيم" بشأن الشيوعية " كفر وإلحاد" العام 1960، ومن التيار الجديد كان  الشيخ محمد رضا المظفر وشملت المدرسة التجديدية الحديثة الشهيد محمد باقر الصدر والسيد محمد بحر العلوم والسيد مصطفى جمال الدين والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد صادق الصدر وغيرهم.

ولعب اليسار دوراً في تسييس التوجه الديني للدفاع عن مصالح الناس ضد الإقطاع والنظام الملكي وحلف بغداد وللتضامن مع العرب والعروبة، وذلك بنزع ثوب السلطة عن الدين وإبراز الجانب الوجداني الضميري والقيمي الإنساني في قضية استشهاده  الحسين لتأكيد الاستعداد للتضحية بأبعادها الرمزية والنفسية وبجانبها الاجتماعي والروحي، ومن جهة أخرى بالاستقامة، لاسيّما باستلهام المُثل النبيلة التي دفع الحسين حياته من أجلها، علماً بأنه واجه عدواً شرساً ومدججاً بالسلاح والمال والمغريات، بأنصار لا يتجاوزن 73 شخصاً بينهم 17 من أهل بيته، لكنه أصرّ على المواجهة، لأنها مواجهة للظلم، وهكذا انتصر الحق على الدم والخير على السيف، لأن قضية الحسين ظلّت قائمة ومستمرة ويتغنى بها كل من يريد مواجهة الظلم، وكما يقول الجواهري :

فداءٌ لمثواك من مضجع

تنوَّر بالأبلج الأروع

 

بأعبق من نفحات الجنا

ن روحاً، ومن مِسكِها أضوع

 

ورعياً ليومك يوم «الطفوف»

وسقياً لأرضكَ من مصرع

 

وحزناً عليك بحبس النفوس

على نهجكَ النيّرِ المهيعِ

ولديّ نماذج عديدة لتثوير حركة الجمهور خلال الذكرى العاشورائية والمناسبات الدينية الأخرى سواء ضد حلف بغداد العام 1954-1955 أو ضد تزوير الانتخابات النيابية وحل المجلس العام 1954 أو ضد العدوان الثلاثي على مصر أو انتصاراً لثورة الجزائر، وخصوصاً بعد خطف طائرة أحمد بن بلّة ورفاقه واعتقال  وتعذيب جميلة بوحيرد،  وسأكتفي بذكر ما حصل بعد العام 1956 حيث انتفض العراق، وخصوصاً بغداد والموصل والحي والنجف، فكانت المواكب الحسينية هادرة بالتنديد بالعدوان الثلاثي، لاسيّما بعد سقوط شهداء عديدين، وحيث ارتفع اسم عبد الناصر كرمز في مواجهة الامبريالية حينها، فردّدت الفتية اليسارية شعارات تقول:

كالو القائد جمال                رواحنه كله إله

يا هله

نريد مثله نمثله

يا هله

وأمريكا بالدولار

وفرنسا أم العار

والثالثة بريطانيا رمز الخيانة

يا علي - حيدر

***

د. عبد الحسين شعبان

 

 

حسيب الياس حديدبعد انتهاء الحرب العالمية الاولى 1914- 1918 حضر لورنس الى مؤتمر السلام في باريس بصفة مترجم لفيصل. وفي تلك الفترة بدأ بتأليف كتابه الشهير "اعمدة الحكة السبعة".  ففي شباط عام 1919 وبالقرب من غابات بولونيا وفي الفندق الذي كان يقيم فيه الامير فيصل شرع لورنس بالكتابة ليلاً ونهاراً من دون توقف مستنذكراً كل تفاصيل الاحداث التي جرت معتمداً على ذاكرته. اذ استطاع ان ينجز جزءاً كبيراً من كتابه مستغلاً بقاءه في باريس طوال فترة مؤتمر السلام في فرساي. وقام بأكمال ما تبقى من كتابه في انكلترا بحيث انه انتهى من كتابة المسوّدة الاولى للكتاب في نهاية عام 1919. اي ان تاليفه للكتاب استغرق فترة اقل من سنة. ويكون بذلك قد حقّق حلما راوده طوال حياته ويتمحور هذا الحلم في ان يؤلف كتاباً عملاقاً على حد تعبيره. وبعد اكمال المسوّدة الاولى للكتاب حدث مالم يكن متوقعاً. فبينما كان متجها من لندن الى اوكسفورد في شهر تشرين الثاني توقف في مدينة ريدينج Reading لتناول الشاي في احدى المقاهي. وعند عودته الى الحافلة التي كانت تقله فاذا فقدت جميع المسودات التي كانت في حقيبة سوداء قد فقدت ولم يتم العثور عليها مطلقاً. وقد كتب الكثير من التحليلات حول مسألة فقدان المسودة الاولى للكتاب. حتى ان لورنس نفسه اعطى اكثر من رواية حول الموضوع. ويعتقد روبرت غرنفز ان لورانس ترك المسوّدة عمداً لان باستطاعته اعادة كتابتها من ذاكرته. في حين اعتقد ريتشارد الدينكتون ان اشاعات دارت في وقتها مفادها ان هذه المسودات وجدت طريقها الى ارشيفات الدائرة الخارجية وتم اخفاؤها هناك. ويمكن القول ان المسودات التي فقدت ربما كانت تتحدث عن خفايا السياسة البريطانية في الشرق وتفضح رجالات السياسة وربما تولد انعكاسات خطيرة تنتج عنها عواقب لا تخدم صنّاع السياسة ودهاقنتها.

ومن المهم ان نلقي نظرة على حالة لورنس النفسية عندما قام بتأليف الجزء المتبقي من كتابه. يخبرنانا انطوني نتيج ان لورنس عزل نفسه عن العالم اجمع ولم يعد يرى من قبل اي شخص (1) وهذا بدوره يعكس لنا مقدار القلق الذي عاشه لورنس اثناء الكتابة  وما السرعة التي اعتمدها في الكتابة الا دليل على ذلك وحاول ان يعطي احكاماً معينة حول تسوية المسألة العربية من قبل البريطانيين. فقد كان لاذعا في انتقاده للحكومة البريطانية على ما اقترفته تجاه العرب واستقلالهم. ففي رسالة موجهة الى ناننيج بتاريخ 15/5/1930اعترف لورنس ان لهجة كتابة "اعمدة الحكمة السبعة" حادة ولا تخلو من المرارة لان تسوية المسألة العربية لم تكن مقنعة للعرب. وقال "كان من الممكن ان تكون نبرة الكتاب اكثر سعادة وحلاوة لو انني رأيت نهاية نظيفة للمسألة العربية" (2). ويذكر انه عندما قام لورنس بكتابة المسودة لكتابه اعطاها لثلاثة اشخاص معروفين لقراءتها وهم هوغارث وداوني، مانزرهاكن علما ان اثنين منهم شاركا في الثورة العربية ضباطاً وقد اعطاهم المسودات لكي يطّلع على ردود افعالهم. فبالنسبة لهوغارث لم يكن رد فعله ايجابيا اذ طلب من لورنس اعادة كتابتها في حين التزم بالصمت الاثنان الاخران وربما اعتمدا على ان فلسفة الصمت هي ابلغ الحديث اذ تم تحليل صمتهما على انه عدم الاتفاق مع لورنس حول ماذكره في كتابه لانه كشف بعض المعلومات السرية التي لاتخلو من خطورة عليهما. الا ان الكتاب لم يتم طبعه ربما بسبب ان الاحداث المهمة من وجهتي النظر السياسية والعسكرية  التي تطرق اليها حالتا دون طبعه.

ومن الاهمية بمكان ان نذكر ان فقدان المسودات الاولى لكتابه لم تمنعه من اعادة كتابته ولكن بطريقة ربما تختلف عن طريقة كتابة المسودات الاولى. وهنا نشير الى ان هوغارث كان من اكبر المشجعين للورنس لاعادة كتابة "اعمدة الحكمة السبعة" وفعلا شرع باعادة كتابة هذا المؤلف ولكن بسرعة غير معهودة اذ كان يكتب على حد تعبيره بين 1000 و 1500 كلمة في اليوم الواحد ولم تستغرق  اعادة الكتابة اكثر من ثلاثة اشهر في حين استغرقت كتابة النسخة الاولى خمسة اشهر. ولعل اكثر مايثير الاستغراب انه كتب الفصل السادس الذي يتضمن 34000 كلمة خلال 48 ساعة وفي نهاية عام 1921 اصبح كتاب "اعمدة الحكمة السبعة" جاهزاً للطبع. الا ان الكتاب لم يتم طبعه في تلك السنة وانما طبع لاول مرة عام 1935 بعد وفاته. ولكنه في عام 1925 قام باجراء مراجعة لاعمدة الحكمة السبعة واعطى المسودات الى شخصيات معروفة لمراجعتها مثل جورج برنارد شو  وفورستر وروديارد كيبلنج وديفد هوغارث وجيرترود بيل واعطى المسودات ايضا الى بعض الضباط مثل الجنرال وافل وداوني وباكستون. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا اعطى لورنس مسودات كتابه لهؤلاء الاشخاص؟ هل كان لورنس غير مؤهل لتأليف كتاب ادبي؟ ربما يكون ذلك صحيحا لانه اعترف بصراحة انه ليس متاكداً من قدراته الكتابية خاصة انه غير قادر على  تأليف كتاب ذي قيمة ادبية عالية مثل كتاب "موبي ديك"(Moby Dick) لهيرمان ميلفيل او الاخوة كارمازوف لديستوفسكي وغيرهما. وهكذا اعترف صراحة ان جهوده في مجال الكتابة اثبتت عدم قدرته على تأليف كتاب ادبي رائع (3) وفي عام (1924) اعترف لصديقه روبرت غريفزانه بدأ بتعلم الكتابة في محاولته الثالثة لكتابة "اعمدة الحكمة السبعة" (4). اما وجهة نظر لورنس  في كتابه فانها تثير الاستغراب اذ ان Tabachnik  وصف هذا الكتاب  بانه عفن وكئيب وهيستيري واناني وطويل (5). وهنا نجد لورنس ينتقد نفسه انتقاداً لاذعاً وربما دفعه   هذا الشعور الى ان يعطي مسودات كتابه الى عدة اشخاص من ذوي الخبرة ليطلعوا عليه قبل طبعه. وكان تواقاً لمعرفة ردود افعال الشخصيات الذين اطلعوا على ماكتبه ليكون على بيّنة مما قد يوجّه اليه من نقد لاحق. وبعد ذلك اخضع كتابه الى اكثر من مراجعة وحذف الكثير من الفقرات التي اعتبرها غير مجدية والفقرات التي تقدم تفاصيل مملة ورتيبة تتعب القارئ. حتى انه حذف الفصل الاول بناء على مشورة من جورج برنارد شو ووضع الفصل الثاني بدلا عنه. كما حذف تفاصيل كثيرة من نهاية الكتاب خاصة ما يتعلق بالاستيلاء على دمشق وتجوله فيها  متنكرا بزي امرأة عربية محجبة لانه اعتقد ان سرد مثل هكذا حدث لا يليق بمجمل الكتاب والافكار التي عالجها

ومن الواضح انه حذف الكثير من الكتاب الاصلي كما غير كثيرا في الاسلوب الادبي. ويذكر ان النسخة الاولى تضمنت 250000 كلمة والثانية 200000 والثالثة 330000 كلمة اما النسخة الاخيرة فقد تضمنت 280000 وتمثل هذه النسخة  النص الذي طبع عام 1935.  لقد تعرض لضغوط من جورج برنارد شو وجيرترود بيل (Gertrude-Bell) لطبع الكتاب الا انه اجبر على ان يتم طبعه بعد وفاته وهذا ما حصل فعلا. علما انه تردد كثيرا في مسالة طبع الكتاب فكلما كان يقرر طبع الكتاب في يوم ما الا انه غيّر رأيه في اليوم التالي وهكذا. وربما هنالك اسباب تكمن في تردده لطبع الكتاب منها خشيته من ان يوجه اليه النقد اللاذع حسب تصوره وكذلك لم يرغب في بداية الامر من ان يكشف عن ذاته وعن معاناته ولكنه اقتنع في النهاية انه لا بد من عرض الكتاب للجمهور الذي يعد شهادة مهمة لتجربته الخاصة به.

وفي الحقيقة لم يبصر كتاب اعمدة الحكمة السبعة النور بنسخته النهائية الا بعد وفاة لورنس عام 1935 وقد لاقى نجاحا ورواجاً منقطع النظير. وهذا بالنسبة للورنس يعدّ تحقيقاً لحلم رواده طوال حياته علما ان لورنس في 1/12/1926 اصدر ملخصا لكتاب "اعمدة الحكمة السبعة" بعنوان "حرب في الصحراء" اذ اقتصر حصراً على الاحداث التي جرت في المنطقة دون التطرق الى الامور الاخرى التي وردت في "اعمدة الحكمة السبعة". ويذكر ان كتاب "حرب في الصحراء" يتضمن فقط مايعادل 40% من كتاب "اعمدة الحكمة السبعة" اي انه حذف كل الامور الشخصية والفكرية والفلسفية وحتى السياسية منها.  ترك الفصول السبعة الاولى من الكتاب الاصلي التي تعد في غاية الاهمية لاحتوائها على الكثير من خبايا السياسية البريطانية والافكار الخاصة بلورانس نفسه.  وظهرت طبعة كتابة (حرب في الصحراء) بصيغة تاريخية وعسكرية ولهذا السبب لم يتمتع بالشهرة التي نالها كتابه الاصلي ومن الناحية الادبية لم يتضمن تلك القيمة الادبية مثل "اعمدة الحكمة السبعة".

 

الدكتور حسيب حديد

..............................

(1)Anthony Nutting : Lawrence of Arabia، the Man and the Motive،  P. 211 

(2)   Jeffry Meyers : The Revisions of Seven Pillars of Wisdom، PMLA، Vol : October، 1973. P. 1067

(3)A.W. Lawrence : T.E. Lawrence by His Friend، P. 302

(4) Robert Graves and Liddell Hart : T.E. Lawrence to his Biographers، p. 33  (

(5) Stephen T.E. Tabachnick : Two Arabian Romantics Charles Daughty and T.E. Lawrence، English Literature in Transition. 1888 – 1920 vol : 16، 1974، p. 19

 

 

محمد السعدينوار، هو الأبن الوحيد للبريفسور ضياء نافع عميد قسم اللغات في جامعة بغداد / كلية الاداب. وبعد أن فارق الحياة وهو في عز شبابه وثر عطائه في جمهورية الجبل الاسود (مونتينغرو) ودفن في ترابها وبات ضريحه مزاراً سنوياً لوالديه . في السنوات الاخيرة أقام والده الأستاذ ضياء نافع بمنح جائزة تقديرية (نقدية) أعتزازاً بأبنه الراحل نوار للمبدعين والباحثين والمتطلعين الى تاريخ العلاقات الروسية العراقية وتعزيزها في كافة المجالات بما يخدم مصلحة البلدين في التطور والابداع . إعطت في السنة الاولى من قيامها الى السيد (ميخائيل بوغدانوف) مبعوث الرئيس الروسي الى الشرق الاوسط ودول أفريقيا لتعزيز أسس السلام والحوار بين الشعوب، وصادف ذلك اليوم مرور أربعة وسبعون عاماً على تاريخ العلاقات الروسية العراقية وبتغطية إعلامية وحضور فعال من لدن المعنيين والمتابعين. 

يحتفل العراق وروسيا في هذا العام (2019) بالذكرى الخامسة والسبعين لاقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما , وانطلاقاً من هذه الذكرى اليوبيلية وتحية لها .

فقد قررت لجنة تحديد الفائزين بجائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي لعام 2019 اليوبيلي هذا منح جائزتين اثنتين بدلاً من جائزة واحدة كما كان الأمر في العام الماضي عند تأسيس هذه الجائزة , واحدة للعراق وأخرى لروسيا , أي أن العراق وروسيا فازا معاً لهذا العام (في الذكرى الخامسة والسبعين لاقامة العلاقات بينهما) بجائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي , وذلك لأنهما باتخاذهما القرار باقامة علاقات دبلوماسية بينهما يعني أنهما يسعيان معاً لإقامة حوار دائم بين الجانبين , وهذا القرار (الذي تم اتخاذه العام 1944) بحد ذاته يجسّد خطوة مهمة جداً في انطلاقة مسيرة هذا الحوار وتعزيزه لاحقاً .

يستلم جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي في دورته الثانية للعام 2019 باسم العراق سفير جمهورية العراق في روسيا السيد حيدر منصور هادي العذاري باعتباره رئيس هيئة تمثيل العراق في روسيا , ويستلم الجائزة باسم روسيا سفير روسيا الاتحادية في العراق السيد مكسيم كنستونتينوفتش مكسيموف باعتباره رئيس هيئة تمثيل روسيا في العراق . هذا وستجري مراسم تسليم الجائزتين في الحفل الكبير , الذي تقيمه بموسكو سفارة جمهورية العراق في روسيا الاتحادية (لمناسبة الذكرى 75 للعلاقات بينهما) مساء التاسع من أيلول / سبتمبر 2019 , وهو اليوم الذي وقّع فيه الجانبان إقامة علاقات دبلوماسية بينهما في عام 1944 , أي قبل 75 سنة .

في العام ١٩٨٠، كان لي اللقاء الأول بالاستاذ ضياء نافع على مقاعد كلية الاداب / جامعة بغداد، ومن هنا أمتدت علاقة عمر ليست بين أستاذ وتلميذ، بل تعدت أبعد من ذلك بجوانبها الانسانية والابداعية، حيث بدأت أنظر له فسحة مجال أمامي للابداع والتواضع متأثراً ومتفاعلاً بنتاجاته الادبية في حقول الادب الروسي الثر . بعد ثلاثة أعوام من تلك العلاقة داخل الحرم الجامعي أجبرتني ظروفي والوضع السياسي آنذاك أن أترك مقاعد الدراسة وآلتحق مع الثوار في الجبل، لكن صورته وتواضعه الجم بقيت أمامي ماثلة مما رسمت جزء مهم في أختياراتي في القراءة والبحث في الادب الروسي، وبعد ثلاثة عقود من المهجر واليأس والغربة ومن خلال صفحات التواصل الاجتماعي وقعت عيناي على صورته وجدته مازال مبتسماً وحيوياً، فراسلته بكلمات مختصرة تجنباً مني ربما الظروف تركت أثرها على الذاكرة، فكان رده سريعاً / أهلاً عزيزي محمد، لقد قرأت كتابك (سجين الشعبة الخامسة)، مما زادني حباً وأعتزازاً به، وما زلنا الى اليوم متواصلين بشد العزم على تعزيز الجوانب الثقافية والفكرية على ربوع العراق بعد أن أنهكته الظروف الصعبة المحيطه به . أبتهل الى الرب أن يطيل بعمره ذخراً لعراق معافى ومشرق .

تخليداً لروح أبنه نوار، وبات تقليداً سنوياً، أن تمنح عدة جوائز بأسمه واحدة للحوار والثانية للمترجمين العراقيين عن اللغة الروسية، وهناك نية أن تكون ثالثة للموسيقى والباليه بما يمت لها نوار من صلة بأعتباره أحد خريجيها، والتي كان الفنان الكبير المرحوم (عزيز علي) مديرها .

المرحوم نوار خريج الجامعة المستنصرية / كلية الطب وأنهى أختصاصه في روسيا بطب العيون، وأصبح طبيب عيون قبل رحيله في جمهورية الجبل الأسود، وهو من أم روسية وأب عراقي، حدثني أحد المقربين لتلك العائلة النبيلة حول أعتزاز أم نوار الروسية بالعراق وأهله والحنيين الى بغداد .

منحت جائزة نوار للمترجمين العراقيين عن الروسية الى د. تحسين رزاق عزيز / بما قدمة من نوع هائل في مجال البحث والترجمة حول أدبيات ولسانيات الأدب الروسي رغم ظروفه الصعبة، لكنه تحداه ببحوثه وترجماته المستمرة، فهو حقاً بها وحسن الأختيار من قبل الاستاذ ضياء والمحيطين به .

الدكتور تحسين رزاق عزيز / أبن مدينة النجف جمعتني به عدة سنوات مقاعد الدراسة والأقسام الداخلية، كنا في مرحلة دراسية واحدة في الأداب / جامعة بغداد . اليوم على تواصل معه، رغم القطيعة الكبيرة التي وقعت بسبب ظروف العراق وظروفنا لزمن طويل، لكن يبقى ذلك الزمن الجميل عالقاً بيننا كالنهر الجاري في سقي ذكرياتنا . فهنيئاً لك على تلك الجائزة الكبيرة (جائزة نوار)، وفخراً أن تمنح لك من أستاذنا ومعلمنا البريفسور ضياء نافع حسن . وفي حديث معه حول شعوره بتقليده وسام (جائزة نوار)، كتب لي (الدكتور ضياء هو معلمي الذي صنع مني مترجماً، وعندما يكون التقييم على يديه تكون الفرحة أكبر) .

 

محممد السعدي

مالمو / أيلول ٢٠١٩ .

 

 

 

حسيب الياس حديداتسمت شخصية لورنس بالتناقضات والتعقيد ابتداءً من الفترة الزمنية التي سبقت قيام الحرب العالمية الأولى – وعلى نحوٍ خاص – إذا تمكنّا من قراءتها قراءة معمّقة ذات طابع تحليلي في السلوك وفي الإرادة. وهناك من يقول اننا كلما نفدنا إلى جمّ كتاباته نتمكن من اكتشاف المزيد من سبر غور تلكم الشخصية.. ذلك يتضح بشكل متزايد من قراءة كتابه الأشهر "أعمدة الحكمة السبعة".

ففي ذلك المؤلَّف يكشف لنا لورنس المزيد ثم المزيد من (ذاتيته) الاعتيادية و (ذاتيته) النرجسية، تلك التي ضمّنها فصولاً بأكملها وهو يتحدث عن نفسه.. ثم على العكس من

ذلك، فقد ترك لنا تشارلس دوتي Charles Doughty فقرات متعاقبة، تحدّث فيها بإسهاب عن الحياة والموت والدين والعادات والتقاليد الاجتماعية في الجزيرة العربية، وذلك في كتابه " رحلات في الجزيرة العربية " "Travels in Arabia Deserta.

وعلى الرغم من الدراسات العديدة التي قام بها بحّاث كُثرٌ وأكاديميون متعمّقون منقبون في شخصية لورنس، إلاّ أن الغموض ظلّ سيد الموقف في أغلب تلكم الدراسات. ونحن في عرضنا التحليلي لا ندّعي لأنفسنا أننا تمكنّا من الإحاطة بكل مغاليق تلكم الشخصية.. إلاّ أننا باستطاعتنا التصريح بتمكننا من الإمساك ببعض التلابيب وذلك عبر محورين اثنين: أولهما المحور الأدبي، وثانيهما المحور النفسي. ففي الجانب الأول من الدراسة (الزاوية الأدبية)، وفي هذا الخصوص، يجوز لنا التصريح أن كثيراً من غموض شخصية لورنس ينعكس من خلال تصرفاته.. سواءً في بلده انكلترا أو في خارجه. فقد عُرف عنه انه ذو شخصية انعزالية منذ طفولته ومن ثم صباه. إذ لم يكن على الاطلاق يحمل شخصية اجتماعية، فقد تأكد لنا ذلك عبر رسالته إلى روبرت غريفز Robert Graves بتأريخ 21 تموز سنة 1920، إذ ذكر فيها انه يفضّل أن يكون انطوائياً ومتزمّتاً في قيامه بواجباته حدّ الإزعاج.. مع ازدهاء بالنفس ومحاولة ازدراء الآخرين.(1)

وفي رسالة أخرى له إلى إي. إف. هال E. F. Hull، أكّد له فيها أنه لا يستطيع البتة الانفتاح بشكل ودّي تجاه الآخرين. وفي بعض صفحات كتابه " أعمدة الحكمة السبعة "، روى لورنس عن نفسه بتعابير عكست كل مرايا دواخله بصورة فاضحة حينما قال: (.. على الرغم من لطف عبد الله وسحر شخصيته، فأنا لم أستطع أن أحبه أو أحب معسكره، ولربّما كان شعوري هذا منبعثاً من انعدام الميزة الاجتماعية في شخصيتي ورغبتي في الوحدة والانفراد.. ولربّما كان ذلك ناشئاً عن كثير من الآلام تعمل في داخلي تدفعني إلى جعلي أتصور الآخرين يبدون أقل مما هم في الحقيقة (2).

ويذكر لورنس في صفحات أخريات من مؤَلَّفه أنه كان تلميذاً متميزاً بين أقرانه الآخرين من التلاميذ. وأنه لم يكن يشاركهم نشاطهم وفعالياتهم التي تنظمها لهم المدرسة. وقد عزا ذلك في تلكم الكتابات إلى سبب إضافي آخر، حمّل به أهله وأسرته، فقال عنهم انهم لم يكونوا متفتحين على الأسر الأخرى بشكل يجعلني أنمو وأكبر على هذا التعوّد من الانفتاح. ففي أوكسفورد عاش والداي بعزلة تامة عن الجيران، ولم يكن يسمح لنا بإقامة أية علاقة مع أولئك..

وقد يكون السبب في نظرنا، هو محاولة والدي لورنس إخفاء نوع علاقتهما الزوجية عن الآخرين وعدم البوح بها أو جعلها تبدو مكشوفة أمام أية أطرافٍ أخرى..!

وقد تكون بعض مراسلات لورنس مرآة حقيقية عاكسة لنوع معاملة والدته له ولإخوته الآخرين، تلك التي اتسمت بالقسوة والخشونة.. الخالية من الرقّة ومن الحنان، فضلاً عن طبيعة شخصيتها العنيدة والمتسلّطة على البيت وعلى الأسرة بأجمعها.. إلاّ أن لورنس لم يذكر والده في هذه المراسلات على الإطلاق.

في هذا البيت الذي يكاد أن يكون خالياً تماماً من أية عواطف أسرية دافئة، وبارداً في ترابطه الحميمي.. نشأ لورنس وترعرع، بل نمت شخصيته اللا اجتماعية التي لم تسعَ – فضلاً عن كل ما سبق – إلى إقامة علاقات صداقة مع شباب من جيله، كون لورنس لم يكن يريد لأي نوع من انواع العلاقات أن تؤدي إلى مزيد من الإزعاجات.

قال لورنس في إحدى مقابلاته ليدل هارت: (.. لم أفكر على الإطلاق أن يصدر تجاهي أي ضرر من الأعداء.. بل كنتُ دائم التوجس من أن يكون أصدقائي ومعارفي هم مصدر الأذى الذي يمكن أن يصيبني في يوم من الأيام (3).

هذه الاعترافات التي كان لورنس يصرّ دائماً على التنفيس عنها، تكشف عن درجة انغلاقه تجاه الآخرين، ومحاولته دائماً التصريح بما يعتمل في داخله من مكنونات في عدم قدرته – فضلاً عن عدم رغبته – في إقامة صداقات من أناس آخرين – ليس له إكراه في إقامة هذه العلاقة معهم – بل ربما كان الدافع الأساس وراء عزوفه عن الاختلاط في أوساط المجتمع، هو عدم قدرته على فهم الآخرين، ذلك يدعوه إلى أن يتضايق منهم.. وربما أدى ذلك إلى تولد نوع من أنواع الكراهية أدّى به إلى القول: (.. كنتُ دائماً أتحاشى المخلوقات الدنيا التي كانت تبدو لي أنها يمكن أن تعطيني صورة من صور الفشل في معركتنا تجاه الروح. ولربّما كانت هذه المعركة مفروضة علينا، لأنني في وضع أبدو فيه شديد الكراهية لتلكم المخلوقات الدنيا.. فضلاً عن أنني قد وضعتُ اليد على شيء كنتُ وما زلتُ أعدّه نوعاً من التدنيس.. وإنني كانت تصيبني ارتجافات مرعبة في جسدي إذا ما لامسني – مجرد ملامسة – أي شخص من قريب (4).

ولأجل ربط الأحداث بخيوط وقائعها، يجدر بنا القول أن لورنس وبعد أن عاد إلى بلاده – بعيد انتهاء مشاركته في الثورة العربية – وبغض النظر عن الكم والنوع من الأفعال التي قام بها، سواء جاء ذلك مِمّن هم (مع) أو مِمّن هُم (ضد)، فهو قد عاد إلى بلاده أكثر انغلاقاً وأشدّ كتماناً وأعمق تعقيداً مما كان عليه في فترة مشاركته في أعمال الثورة واختلاطه بالناس العاديين من البدو..

في هذا السياق المتصل من جانب تحليل شخصية لورنس وسلوكه الشخصي، يمكننا أن نعترف أننا وضعنا أصبعنا على مكمن مهم من مكامن التخالف في حياة لورنس، تلك التي يمكن أن تندرج تحت باب علاقاته الاجتماعية أو الرومانسية على حدّ سواء، وعلى نحوٍ خاص علاقاته (الصداقاتية) مع النساء، سواء جاءت هذه العلاقة على مستوى الصداقة الخالصة حسب، أو تلك التي اندرجت تحت باب الغرام والهيام.. (فهنَّ) لم يكنَّ يحتلنَ أي شاغر في صفحة حياته المليئة بالغرائب، لذلك لم يصدر عنه ما يشير إلى ذلك في كل

كتاباته، بل هو لم يذكرهنَّ على الإطلاق.. عدا بعض التلميحات القاسية ضدّهنَّ.. وهذا لغزٌ آخر يمكن أن نضيفه إلى الألغاز العديدة التي أحاطت بشخصية لورنس.

ولأجل أن نبقى ضمن الدائرة الضيقة في إطار المرأة وموقعها من تفكير لورنس، يجدر بنا أن نحدد أن آراءه في المرأة قد اتسمت مرة بالتناقض، وأخرى بالتردد في الإفصاح الحقيقي عن هدف القصد.. وعدم اليقين تارة ثالثة.

عليه، فقد كان لورنس متردداً، بل متأرجحاً بين المثالية التي كان يحلم بها، والاشمئزاز الذي يسيطر على تكوينه البدني من الشكل الفيزيولوجي للمرأة، فضلاً عن وظائف أخرى، ثبتَ فيما بعد أنها كانت تطفو على سطح شغاف مخيلته كلما أراد الذهاب رومانسياً في اشتهاء المرأة لتعيده إلى حالة النفور.. تلك التي تجرّه من أرنبة أنفه إلى حالة المرأة المتمثلة (دوماً).. و(أبداً).. بالمرأة (أمّه).

ولأجل أن يغلّف لورنس ذلك الاعتقاد الراسخ في أسفل قعر عقله (اللاواعي)، طفق يحدّث الآخرين (صحافة وإعلام)، فضلاً عن قيامه بتثبيت ذلك في مؤلفاته.. من أن المرأة (كل النساء) ليس بوسعهنَّ أن يقدمنَ نتاجاً رائعاً في كل المجالات.. حسبه أنه كان دائم التشكيك بقدراتهنَّ في تأليف كتب قيّمة من مثل (موبي ديك Moby Dick) لـ (هيرمان ميلفيل Herman Melville).

لكنه في أحيانٍ أخرى يعود إلى تخفيف أحكامه القاسية في حق المرأة ويقلل من غلوائه في ذلك، فيذهب إلى الإعجاب بـ (إيملي برونتي Emily Bronte) و(روزيتي Rosetti) و(السيدة كليفتون Mrs. Clifton).. وقد ألمح في أكثر من مكان أن سبب إعجابه بكتابها يعود إلى كونه يروي قصة امرأة تستسلم لزوجها على طول مسرح حياتهما الزوجية، وهي في نظره فكرة تعدّ مرفوضة تماماً من قبل القارئ الأوروبي (استسلام المرأة لزوجها وإنكارها شخصيتها على طول الخط).. فهي فكرة تقوم في الأساس على مبدأ إهانة المرأة والتقليل من مثلها العليا..

وعلى نحوٍ آخر، لم يكن لورنس يريد للآخرين أن يأخذوا عنه هذه الفكرة بكل تفاصيلها.. بل كان يؤكد على الجانب الآخر في شخصيته تجاه المرأة، فهو - على حد تعبيره - يقول: (.. إني أخشى النساء أكثر من خشيتي من قدوم الجيش التركي..!!).

وإذا اقتربنا أكثر من المرأة، وصرنا في باب الزواج (العلاقة الأكثر حميمية بين الرجل والمرأة)، نأتي إلى النقطة المركزية في عقيدة لورنس في مبدأ الزواج.. فهو يرفضه جملة وتفصيلاً، وينكره إنكاراً قاطعاً. فهو لم يكره الزواج هكذا اعتباطاً، بل جعل له ثوابت راسخة في عقله، يمكن أن يعدّها الآخرون غاية في الغرابة والشذوذ.. فقد كان يعدّ الزواج (عِهرٌ على الورق) أو (بطاقة عِهر) كما عبّر عن ذلك في رسالة بعث بها إلى شقيقه آرنولد Arnold سنة 1925(5).

وقد يتساءل المرء: يا ترى، ألم يتمكن لورنس طوال مرحلة شبابه ومن ثم كهولته من التعرف على فتاة أو سيدة يمكن أن تعيد اليه توازنه النفسي أو الاجتماعي؟! سؤال يمكن أن يطرحه كل من خاض غمار حياة لورنس وقصة مسيرته المكشوفة / الغامضة، ليأتي الجواب على الفور بالرفض القاطع من طرف لورنس نفسه، في عدم قدرته على الوقوع في أحابيل الغرام سواء كان ذلك تجاه فتاة أو سيدة متزوجة أو أي من الجنس اللطيف..

مرة أخرى يثبت لورنس على وجه اليقين إخفاقه العاطفي وضعفه وعدم قدرته في إقامة علاقات اجتماعية وعاطفية ناجحة. وحتى يثبت لورنس تقاطعه مع الجو النسائي وكرهه لهنَّ على كافة المستويات والأصعدة، قرّر اختيار أماكن بعيدة وأجواء خالية تماماً من العنصر النسائي، فضلاً عن تدفقه في إتجاهات عملٍ لا تؤدي فيها المرأة دوراً من أي مستوىً كان.. عليه، كانت الصحراء بكل فضاءاتها المفتوحة وشمسها المحرقة والحياة الصعبة للعايشين بين ظهرانيها.. وكان الجيش بكل ثقل المهمة للذين يقومون بالخدمة بين صفوفه.. أماكن انتبذ لورنس له مكاناً قصيّاً تحت سماواتها..

وإذ نقبض على الطرف الآخر من لعبة الولوج في عالم النساء، ومدى رغبة لورنس في إقصاء نفسه عن قلب الحدث في تلكم المعادلة غير المتوازنة، نجد أن لورنس وبسبب الهالة الإعلامية العالمية الضخمة التي أخذت تصب عليه كاميراتها وأقلام صحافييها وتضعه تحت دائرة الضوء المثيرة، سواء كان ذلك دوره الحقيقي أو دوره الافتراضي.. فقد كان واجباً علينا أن نصغي إلى الجانب الآخر من أطراف المعادلة.. ألا هم النساء.

وعلى حد تعبير الصحافي الأميركي توماس لويل Thomas Lowell، فقد تسلّم لورنس طوال فترة حياته حوالي (28 رسالة) من نساء – من مختلف الاتجاهات – يقترحنَ عليه فيها طلب الزواج منه.. إلاّ أن ذلك الضغط النسائي المتعاظم لم يزده إلا إصراراً في بعده عنهنّ..!

واستطراداً في التفتيش في زوايا المربع نفسه، وعلى نحوٍ خاص موضوع صحراء العلاقات النسائية التي كانت جرداء في حياة لورنس، نجد بين طيات التحليلات المنغمسة في التفتيش عن خفايا وخبايا، أن قصر قامة لورنس كان لها دور مدمر في إخفاقه عاطفياً، بل تركت بصماتها السيئة على نفسيته.

عندما كان في السادسة عشرة من عمره تعرّض إلى حادث سقوط أدى إلى إصابته بكسر بليغ في ساقه، وعندما تم شفاؤه من تلك الإصابة، كان نموه قد توقف عند تلك الحدود ولم يصل طوله في أقصاه إلى أكثر من خمسة أقدام وخمسة إنجات، فضلاً عن أن كِبر حجم جمجمة رأسه كان يبدو للرائي وكأنه شيء غير متناسب مع قصر قامته.. كل تلك العيوب بعثت الاشمئزاز في نفسه وجعلته يواجه وضعاً صعباً دفعه إلى كثير من التذمر، فقد سيطرت عليه عقدة الشعور بالنقص دائماً، بحيث أن تعابير كثيرة وردت على لسانه في" أعمدة الحكمة السبعة" وهو يلعن – عبرها – قصر قامته(6).

لقد جاء هذا الموقف من لورنس متمماً لما كان يحظى به من معاملة قاسية من طرف والدته أثناء طفولته، ومحاولتها الدائمة توجيه كيلاً من الاتهامات أكثر بكثير من مما كانت تعامل به بقية إخوته.. بل كان له نصيب كبير في الضرب المبرّح وربما كان لحادثة درعا تأثيراً سلبياً كبيراً جداً.

أما حادثة (درعا) فقد كان كثير من التحليل يميل إلى عدّها أعنف تجربة خاضها عبر حياته كلها.. فهو عندما يضع هذه الصورة في مخيلته، ينظر إلى المرأة بمنظار الحقد والكراهية، ويرى فيها عنصراً مدمراً للحياة، يتحتم عليه – على قدر المستطاع – محاولة تجنبه، لتنمو عنده عقيدة التطرف ضد الزواج وتتملكه رهبة من التفكير في إمكانية إصابته بالإخفاق والفشل في أية تجربة زواج قد تقوده الظروف يوماً للانغماس فيها..

قال في إحدى صفحات "أعمدة الحكمة السبعة":." أصاب بالذعر من مجرد شعوري بإمكانية الفشل في أية محاولة.. حتى قبل البدء بها" (7).

من جانب آخر، فقد ذكر لنا كثير من كتّاب سيرة لورنس مسألة حقيقة إصابته (بالعنّه الجنسية) مع ضعف شديد في القدرات الجنسية.. إن لم تكن منعدمة كلياً..

 

الدكتور حسيب الياس حديد

..........................

(1)  Robert Graves and Liddelll Hart: op. cit, p.7

(2)  T.E. L awrence: op cit.,p.219

(3)   A.W. Lawrence: op. cit., p. 33

(4)  T.E. L awrence: op cit.,p.588

(5)   A.W. Lawrence: op. cit., p. 316

(6)  T.E. L awrence: op cit.,p.451

(7) Ibid,p.580

 

حسيب الياس حديدعلى الرغم من قيام لورنس بأعمال تتعلق بالأمور العسكرية والمخابراتية، فضلاً عن أدوار الارتباط بين القيادة البريطانية في الشرق الأوسط ومحور الثورة العربية، فإنه لم يألُ جهداً في الإنحياز لمعسكر الثورة العربية بكل ما يعنيه ذلك من قول وفعل.. حتى السلوك الشخصي اليومي وعلى مستوى العلاقات الرسمية او الاعتيادية - كما أسلفنا في أكثر من مكان – كان لورنس قد وظّفه لتلكم الغاية .

من هذا المنطلق، يصير لزاماً علينا أن ندقق الملاحظة في أن لورنس كانت تتلبسه هواجس جمّة، ليس أقلها أنه مكتوب عليه (مقدّر عليه) أن يكون رجلاً ذا شخصية لا تتطابق – على وفق كل وسائل المقارنة – وشخصيات بريطانية أخرى، تتعامل معه على المستوى الوظيفي او غيرها من التي كان لها - يوماً ما - دور من أدوار الاستكشاف او السياحة او المغامرة.

عليه، يمكننا أن نعدّ إصرار لورنس على ارتداء الملابس العربية وكرهه ارتداء الملابس الافرنجية (القبعة والبنطلون)، هو من جنس ذاك التفكير الذي تلبّس لورنس، كون هذه الملابس هي التي تتطابق – أيما تتطابق – والظروف المعيشية التي تتطلبها حياة الصحراء، فهي خير ما يلائم البيئة الصحراوية من جهة، ثم هي تعطي لابسها شعوراً أكبر في الراحة . فقد قال في كتاب " أعمدة الحكمة السبعة ": "إننا في الغرب لم تكن لدينا أية خبرة بهذا النوع من الأردية – الدشداشة – شيئاً مقاربا لتكوين جسم العربي، بل تعطيه جمالاً مضافاً، وهو يزخر بالتوازن مع أقدام عارية . فقد تعطي للمرء حركة اكثر إتزاناً وذات وقع فيه كثير من الاتساق.. اذ ان العضلات تكون في حرية من الحركة المنضبطة مع كل خطوة يخطوها الأعرابي"(1) .

أما فيما يتعلق بغطاء الرأس (الغترة أو الكفية أو الكوفية كما تسمى في بعض الأنحاء العربية، واليشماغ في أنحاء أخر)، فهي تلك القطعة الكبيرة من القماش ذات الشكل المربع، وحينما تطوى من بعدين متقابلين تغدو قطعة مزدوجة التثليث، وتوضع على الرأس ويتم السيطرة عليها والإمساك بها بواسطة (العقال)

يقول لورنس: ".. إن قطعة القماش هذه يمكن استخدامها كغطاء للرأس، فضلاً عن منشفة أو منديل حسب موقع الحاجة.. إن هناك عقالاً وكوفية يستعملها البدو العاديون، وأخرى مخصصة للأمراء تتمايز عن الأنواع الأولى على وفق أشكالها وتبعاً لأثمانها الغالية" (2) .

وبصورة عامة، فللعقال معنى مهم عند البدو يتعلق بالشرف، ويؤدي معنىً قبلياً رمزياً لا يجوز التخفيف من قيمته، وهنا يأتي لورنس متوافقاً مع تشارلس دوتي

Charles Doughty في هذه النظرة، تلك التي سطّرها تشارلس في كتابه " رحلات في الجزيرة العربية " . ومن الجدير بنا ذكره ونحن نتحدث عن وله لورنس بارتداء الملابس العربية، تلك الحقيقة التي قد لا يمكننا فيها الربط بين ارتدائه الملابس وانغماسه في أعمال الثورة العربية.. بسبب أن لورنس مال إلى ارتداء الملابس في وقت مبكر من حياته الشرق أوسطية، وقبل أن يتوجه إلى الجزيرة العربية . كان ذلك سنة 1916 عندما قام بأعمال مساعدة في التنقيب في بعض من أطراف صحراء تدمر في سوريا.. وفي قرية كركميش على وجه الدقة . إلا أن الأمر صار فيما بعد موضوعاً متعلقاً (بالرسميات)، يوم عرض عليه الأمير فيصل شخصياً ارتداء الملابس العربية، فقبلها الثاني بكل طيب خاطر، دون أن يحدد تاريخاً معيناً بذلك أثناء سرده ذكرياته في كتاب " أعمدة الحكمة السبعة " .

وقد ذكر تفاصيلها في الفصل الثاني والعشرين من كتابه المشار إليه آنفاً، مثبتاً تأريخاً ابتدأه في الفاتح من سنة 1917، في حين أن عرض الأمير فيصل كان قبل هذا التأريخ بفترة ليست قصيرة..

يقول لورنس بخصوص ذلك: (.. سألني فيصل ذات مرة وعلى نحوٍ مفاجئ:

" هل ترغب يا لورنس في ارتداء ملابس عربية كما نفعل نحن وطيلة مدة مكوثك معنا في المعسكر..؟! " وأجبته على ذلك قائلاً: " طبعاً، لقد وجدتُ تلك فكرة تناسبني، فالملابس العربية مريحة وتلائم الطراز العربي في الحياة التي يتوجب عليّ أن أعيشها اليوم " .

ثم يضيف إلى ذلك لورنس قائلاً: (إن رجال العشائر تعوّدوا ان يشاهدوا الضباط الأتراك وحدهم يلبسون الزي العسكري الخاكي . عليه، فهم كانوا ينفرون من هذا الزي ومن صاحبه . وأنا شخصياً إذا ما ارتديت الزي العربي " المكي "، فإن رجال العشائر سوف يعاملونني كما لو أني أحد رؤسائهم، وبإمكاني عندئذٍ من أن أتسلل إلى خيمة فيصل وأدخلها دون أن أثير أياً من فضول الناس أو ألفت انظارهم.. الأمر الذي كان يتوجب فيه عليّ أن أشرح ذلك للغرباء، لذلك قبلتُ فوراً بما عرضه عليّ فيصل بكل غبطة وسرور.(3) .

ثم أن لورنس كان يصرّح في كثير من المناسبات عن عمق شعوره وعظيم امتنانه بشأن ذلك، ناسباً إلى العرب اهتمامهم الكبير بالمظاهر: (.. إذاً صار لزاماً على الأجنبي وهو يعيش في الجزيرة العربية أن يكون ممثلاً بارعاً.. لكن يصعب على المرء أن يظلّ ممثلاً لعدة سنوات.. وإلاّ فإن المعاناة الجسدية، فضلاً عن الآلام النفسية هي ما تنتظره في قابل من الأيام لتقتص منه.

وهكذا نجد لورنس أراد بارتدائه الزي العربي ان يكون مخالفاً لغيره من الرحّالة الذين قدموا إلى الجزيرة العربية، أو أولئك الذين عملوا معه . لقد كانت تتملّكه الرغبة الملحّة أن يظهر أمام عدسات التصوير وهو يرتدي الزي العربي، هذه الرغبة الجامحة كانت تسد عليه كل منافذ تفكيره أثناء تواجده في المنطقة العربية . ثم ان لورنس كان قد ذكر شيئاً مهماً عن ذلك في أوراقه السرية، وكنا قد نوهنا عنها في سابق كلامنا وهي تحت عنوان رئيس: " 27 مادة للتعامل مع العرب "، كانت قد نشرت في 20 من شهر آب سنة 1917، إذ خصّص أربع مواد لمزايا الملابس العربية وخصوصيتها الشديدة، ونفور العرب من ارتداء الزي الافرنجي، وعدم ارتياحهم مشاهدة الآخرين يفعلون ذلك، معتقدين أن تلك ما هي إلا ظاهرة لا دينية ولا أخلاقية (4)

ومن جانب تأريخي وثائقي بحت ونحن نستعرض تأريخ الجزيرة العربية، فقد نجد أن هناك تقليداً كان معمولا به في سنوات كثيرات على كل مساحة الجزيرة العربية، وعلى نحوٍ خاص ما استنّه الأشراف الهاشميون وهو تقديم ملابس عربية للأجانب القادمين إلى الجزيرة العربية بحسبهم ضيوفاً عندهم.. ثم ان ذلك هو – على وجه الحتم – انعكاس للضيافة والكرم والسخاء . عليه، نجد أشخاصاً من مثل لين Lane ودوتي Doughty وبيرتون Burton، ارتدوا جميعاً (وغيرهم كثر) هذا الزي لفترات تطول أو تقصر حسب ظروف كل منهم .

لكن لورنس، كان بنظر كل المراقبين والمحللين، قد بالغ كثيراً في ارتدائه الملابس العربية، فهو لم يدع فرصة تفوته إلا واستغلها ليتم تصويره وهو بهذا الزي . فضلاً عن أن للإعلام دوراً بارزاً في هذا الميدان.. فكثير من الاعلاميين كان قد عمل جاهداً لإحاطة لورنس بهالة إعلامية كبيرة، جعلت منه أسطورة من الأساطير، وقدمته إلى المجتمع العربي أو الغربي – على حد السواء – بحسبه أميراً أو شريفاً أو شيخاً.. ثم صانعاً للملوك..!!! .

وإذا تقبّلنا مسألة ارتداء لورنس الملابس العربية وهو يعيش أيامه ولياليه في أطراف الجزيرة العربية، فذلك أمر له مبرراته كما أسلفنا في مقدمة كلامنا.. إلا أن الأمر الملفت للنظر هو إصرار لورنس على ارتداء الزي العربي وهو خارج الجزيرة العربية.. في مصر كما في لندن وحتى في باريس أثناء حضوره مؤتمر السلام المنعقد في فرساي سنة 1919 . ويذكر أن لورنس ظهر ثلاث مرات مرتدياً الزي العربي في لندن . المرة الأولى كانت عند زيارته الليدي ليندسي Lindsay، وفي المرتين الثانية والثالثة كانت اثناء اصطحاب الأمير فيصل له إلى قصر بيكنجهام Backingham Palace . كما ظهر لورنس في باريس أثناء انعقاد مؤتمر السلام وهو بزي غريب (يلبس الزي العسكري الخاكي مع العقال العربي والكوفية من تحته) وتم تصويره وهو بهذا الزي .

وهناك كثير من الروايات تعقّب على حادثة حضوره مؤتمر السلام في باريس، منها أن الفرنسيين كانوا – في بداية الأمر – قد أصرّوا على عدم السماح للورنس من دخول قاعة الاجتماعات وهو بذلك الزي، إلا أن لورنس ادّعى فيما بعد أنه حضر المؤتمر ضمن تشكيلة الوفد الذي ترأسه الأمير فيصل بن الحسين بصفته عضواً في وفد الأمير، مع العلم أن الوفد كان قد ضمّ في عضويته كلاً من نوري السعيد وحكمت سليمان .

وهناك رواية كان قد روّج لها ونستون تشرشل، مفادها أن أصل قضية ارتداء لورنس الملابس العربية في العواصم لندن وباريس، ما هو إلا محاولة من لورنس للتضامن مع الأمير العربي فيصل، فضلاً عن جعل ارتدائه ذلك الزي إسناداً للمطالب العربية في الاستقلال والتي كانت موضع مناظرة حادة تصل إلى درجة المساومة..!!

أما السبب الذي قدّمه لورنس إلى أهله الإنكليز وهم محرجون في رؤيتهم إيّاه مرتدياً اللباس العربي، إذ وصل الأمر بهم تقريباً إلى منعه من دخول القصر الملكي لمقابلة الملك جورج الخامس.. قائلاً لهم: (.. لقد حضرتُ المقابلة بصفتي مترجماً للأمير فيصل.(5)

هذا ما ذكره جواباً على سؤال وجّهه إليه ليدل هارت Liddle Hart . وعندما ألحّ عليه ليدل هارت عن أسباب أخرى دفعته إلى ارتداء ذلك اللباس أجابه قائلاً: (.. لقد تمت إثارة موضوع ارتدائي الزي العربي قبل أن أذهب إلى هناك.. ثم إني أجريتُ مناقشات مع ملحقنا روبرت سينج Robert Synge أوضحتُ له فيه أن ارتدائي الزي العربي إلى جانب الزي الأوروبي كان أمراً موجباً لرجل يعمل عند سيدين اثنين (6)

لقد ذكر الصحافي الأميركي توماس لويل Thomas Lowell أن لورنس كان شديد الاهتمام بمظهره وهو يتم تصويره مرتدياً الملابس العربية، ثم هو شغوف بالدعاية والإعلان، لذلك كان يصطاد الفرص التي تتاح له كي يتم تصويره، لتصبح تلكم الصور فيما بعد جزءاً من وثائقية شخصية لورنس الحميمة .

ومن جانبه، فقد أشار الكاتب الآيرلندي الساخر برنارد شو Bernard Shaw في إحدى مسرحياته قائلاً: (.. هكذا من الروعة بحيث لا يصدّق

Too True to be Good, Villages Wooing and on the Rocks..) .

 إذ جاء هذا النص من القول على لسان إحدى شخصياته في هذه المسرحية، وهو بذلك يعني لورنس.. ثم هو يقول: (.. انظر اليه.. إنه يتخفى، إنه يكره الاعلان، إنه هكذا واضح وبارز للعيان بحيث أنه يريد أن يخفي نفسه ولا أحد يبرز غيره.. لقد حاول عبثاً إخفاء نفسه، إلا أنه كان الأكثر شيطانية من بين كل الممثلين الكوميديين .(7).

وهكذا يثبت لنا بالدليل القاطع أن لورنس كان يبحث عن الشهرة وعن الدعاية.. إذ لو لم يكن مغرماً بالاثنتين لما ارتدى تلكم الملابس العربية وهو يزمع دخول مؤتمر السلام في قصر فرساي في باريس، إذ كان الأجدر به ان يرتدي الزي الإنكليزي (مدنياً أو عسكرياً) بوصفه عقيداً في الجيش البريطاني . والجدير بالذكر أن العقيد ادوارد بريمو Edouard Brémo - الذي غدا جنرالاً فيما بعد - رفض استقبال لورنس وهو يرتدي الزي العربي .

وقد ذكر الصحافي البريطاني أنطوني ناتينغ Anthony Nutting في كتابه الموسوم (لورنس العرب.. الرجل والدافع) قائلاً: (.. إن أوامر الكولونيل الفرنسي كانت تقضي باستقبال لورنس – العقيد – المرتدي ملابسه العسكرية، ولم تتضمن الأوامر استقبال لورنس بالملابس العربية – أو بهيئة شخص عربي(8) .

ومما يحاول بعض المحللين عزوه إلى لورنس رغبته في أن يحضر المؤتمر بصفته رجل عربي – أن يجعل من نفسه عربياً -.. فإن تلك النظرية لابد وأن تسقط أمام بشرة لورنس البيضاء – ولو أن بشرة فيصل كانت أيضاً بيضاء، إلا أن تقاطيع سحنة فيصل تدل على أصله العربي، بينما لا تدل على ذلك سحنة لورنس .

ويمضي المحللون قائلين:.. ان الشخص الأجنبي الوحيد الذي عمل في المنطقة العربية، وكان بإمكانه أن يدعي لنفسه (أن يكون عربياً) هو العقيد ليجمن، كون بشرته كانت تميل إلى اللون الأسمر على العكس من لون بشرة لورنس .

وباختصار، يمكن التصريح أن لورنس في ارتدائه الملابس العربية كان يجنح إلى التمثيل، فهو كان يقوم بدور الممثل البارع الذي وجد نفسه فجأة على خشبة المسرح، فكان لزاماً عليه – والأمر كذلك – أن يؤدي دوره إلى منتهاه، ثم هي الجزء المتمم للمسرحية محاولته نقل المشاهد إلى خارج المسرح، بارتدائه الملابس العربية خارج منطقة الجزيرة العربية..

 

الدكتور حسيب الياس حديد

...................

(1) T.E. Lawrence: Seven Pillars of Wisdom.. p.424

(2) Ibid,105

(3)  Ibid,129

(4)  Ibid,p.111

(5)   A.W. Lawrence: op. cit. p.156

(6)   Ibid.

(7)  G. B. Shaw: pp.27-108

(8)  Anthony Nutting: Lawrence of Arabia; The Man and the Motive,p.127

 

محمد فتحي عبدالعالتعج كتب التاريخ بالمعارضين عبر العصور وهم على كثرتهم يوجهون سهام المعارضة لكل شئ وأي شئ بموضوعية أحيانا وبدونها في أحيان أخرى، وهذه هي المعارضة السلبية التي لا تثري الواقع  فهي لا تمتلك رؤية حقيقية أو تصور بديل قابل للتطبيق لذا فهى لا تبني حراكا حقيقيا نحو مستقبل مغاير  ولكن قلما يقع نظرك على المعارض الإيجابي الذي يشخص الداء ويشرّح جسد السلطة العليل  ويمتلك آليات و أدوات الإصلاح بما يكفل درء الداء وتصحيح المسار عبر ألوان من الرقابة المستمرة والمتابعة وتقديم  أوجه الدعم والمشاركة عبر برامج ومشاريع إصلاحية قابلة للتطبيق الناجع.ومن أبرز الإيجابيين  المعارضين الذين عرفهم التاريخ عبد الله بن المقفع .

عبد الله بن المقفع نشأته وصفاته:

هو روزبه بن داذويه ولد في قرية جور بفارس، ثم انتقل  إلى البصرة، وتعلَّم العربية، ودرس وتخرج على يد عبدالحميد الكاتب، كان مجوسيا كأبيه وعن سبب تسمية أبيه بالمقفع لاتهامه بسرقة أموال من خراج فارس وكان قد ولّاه عليها الحجاج ابن يوسف الثقفي فعاقبه الحجاج بالضرب على أصابع يديه حتى تفقعت أي تورمت واعوجت وشلت في النهاية ومنها عرف بالمقفع ... تفرد روزبه بالجمع بين الثقافة الفارسية والعربية وحينما أوشك نجم الدولة الأموية علي الأفول والتي كانت شديدة العصبية للجنس العربي كان روزبه على أهبة الإستعداد للإنغماس في النظام الجديد المنحاز للموالي وهو الدولة العباسية الوليدة حيث اتصل بالأمير العباسي  عيسي بن علي (عم الخليفة، أبي جعفر المنصور) والي الكوفة حيث أشهر إسلامه بين يديه وسمى نفسه «أبا محمد عبد الله» وأصبح من كتبة الدواوين  في ولايته.

تميز (ابن المقفع) بذكائه وحكمته فهو المحب لأصدقائه كما يظهر من كتاباته ومنها قوله: "ابذل لصديقك دمك ومالك" وحينما سُئل ابن المقفّع "من أدّبك"؟ كانت إجابته شديدة البلاغة: "إذا رأيت من غيري حسنا آتيه، وإن رأيت قبيحا أبَيْته". وعن حفظ الجميل يقول : (إذا أسديت جميلا إلى إنسان فحذار أن تذكره وإذا أسدي إنسان إليك جميلا فحذار أن تنساه) كما يقول: (إذا بدهك أمران لا تدري أيهما أصوبُ فانظر أيهُما أقربُ إلى هواك فخالفه، فإن أكثر الصواب في خلاف الهوى). كما عرف عنه كراهيته للنساء إلى حد وصفهن بالطعام لاياكله الإنسان إلا إذا جاع والطعام سريع الفساد!

وكان معاصروه يقولون عنه (لم يكن للعرب بعد الصحابة أذكى من الخليل ابن أحمد ولا أجمع، ولا كان في العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع).

كتاب كليلة ودمنة ورسالة الصحابة:

لعب ابن المقفع دور المعارض الناصح ولكن الحاكم في هذه الحقبة الزمنية أصبغ علي نفسه حكما ثيوقراطيا مطلقا وهو أبو جعفر المنصور فقد خطب في الناس قائلًا: «أيها الناس! إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على ماله، أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه، وقد جعلني الله عليه قفلاً، فإن شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم أرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلني عليه قفلني) وبهذا صار الخليفة المتحكم في أرواح الناس وأرزاقهم  فشاع الفساد في أرجاء الدولة وأصبحت الفجوة مترامية بين الفقراء من عامة الناس والأغنياء من البيت العباسي ، و للشاعر «أبو العتاهية» قصيدة ترصد الواقع بجلاء:: (من مُبلغ عني الإمام نصائحًا متوالية/ إني أرى الأسعار، أسعار الرعية غالية/ وأرى المكاسب نزرة وأرى الضرورة فاشية/ وأرى غموم الدهر رائحة تمر وغادية/ وأرى اليتامى والأرامل في البيوت الخالية/ يشكون مجهدة بأصوات ضعاف عالية)

لم تكن ملامح هذا الفساد مستترة على ابن المقفع وقد كان يعمل بالديوان فالأموال تأتي من الأمصار إلى بغداد مقر الحكم دون أن تدون في سجلات وكان يرى أنه لا مناص من الإصلاح بالعودة إلى النظم الإدارية الفارسية، التي استرشد بها الفاروق عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" في بناء الدولة الإسلامية، والدولة تعيش في فوضى من الأحكام فالقضاة لا يستندون في أحكامهم إلى تشريعات أو  قوانين محددة فنبه على حتمية استقلال القضاء والأتفاق على آلية واحدة تسير بها الأحكام.

نقل ابن المقفع قصص كليلة ودمنة من الفارسية إلى العربية  وقد أبدع في الأستعانة بالحيوانات في رمزيات ساحرة متضمنا كتابه  اسقاطات سياسية لا تخفي علي عقل حصيف فيورد ابن المقفع في مقدمة كتابة  قصة ملك الهند(دبشليم) مع الفيلسوف «بيدبا»، فقد كان دبشليم ملكاً على الهند، إلا أنه حاد عن نهج آبائه وأجداده في ارساء العدل بين رعيته فاستصغر شأنهم ، فطغى تجبّر ، فلما رأى بيدبا الملك علي هذا المنوال  جمع تلاميذه مخاطبا إياهم: (اعلموا أني قد أطلت الفكر في الملك وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشر ورداءة السيرة وسوء العشرة مع الرعية، ونحن ما نروض أنفسنا لمثل هذه الأمور إذا ظهرت من الملوك إلا لنردّهم إلى فعل الخير، ولزوم العدل، ومتى أغفلنا ذلك وأهملناه لزمنا من وقوع المكروه بنا وبلوغ المحذورات إلينا ألم الجهال، وليس الرأي عندي السفر من الوطن، ولا يسعنا في حكمتنا إبقاء الملك على ما هو عليه، ولا يمكننا مجاهدته إلا بألستنا، وإني قد عزمت على الدخول عليه ونصحه، وليكن ما يكون) فدخل بيدبا على الملك مقدما إليه النصيحة فغضب الملك وأمر بقتله ثم خفف حكمه إلى السجن.ويشاء القدر أن يتعرض الملك لإحدي المسائل التي يشعر فيها بحاجته لحكمة بيديا فعفا عنه وأوكل إليه إقامة العدل مخولا إليه كافة الصلاحيات في تحقيق ذلك.وفي ذلك رسالة واضحة لأبي جعفر المنصور

كما يهمس كاتبنا في أذن المنصور في ضرورة اختيارحاشيته ورجال الدولة بمعايير من الكفاءة والقدرة لما لحاشية السوء من دور في  إفساد الحاكم وتضليله ونقل الصورة على خلاف الحقيقة لتحقيق مآربهم مما يؤدي في النهاية إلى انفصام عري علاقة الحاكم برعيته فيقول دمنة في باب "الأسد والثور": ( لا أظنّ الأسد إلا قد حمل عليّ بالكذب وشُبّه عليه أمري، فإنْ كان الأسد قد بلغه عنّي كذب فصدّقه عليّ وسمعه فيّ، فما جرى على غيري يجري عليّ )والأسد هنا رمز للحاكم. وقد أفرد رسالة في هذا الخصوص تحت عنوان "رسالة الصحابة" قاصدا بها بطانة المنصور ، موجها إليهم نقدا مريرا لما يرتكبوه من أعمال ذميمة ، فضلا عن انتقاده لمغالاة قادة الجند في تقديم فروض الولاء  للخليفة.

أفكار ابن المقفع:

لقد كان ابن المقفع سباقا في وضع لبنات نظرية العقد الإجتماعي سابقا جان جاك روسو وإن لم يتوسع في الجانب السياسي بحكم طبيعة المرحلة . كانت  أفكار ابن المقفع  تدور حول ضرورة احترام  حقوق الإنسان وتقديرها ، ومنها الحرية ، وإقامة العدل و المساواة الإجتماعية داخل المجتمع  دون تفرقة عنصرية على أساس الدين أو العرق ، كما نادى بتثقيف الجند  وإبعاد القادة والجند عن ولاية الخراج والأمصار فالولاية وما يتبعها من لين العيش هو مفسدة للمقاتلين، وأن يتقاضوا رواتبهم في وقت محدد دراء للعوز الذي قد يقعهم فريسة للخيانة، كما اقترح إحصاء الأراضي وتسجليها بأسماء مالكيها في دفاتر رسمية، وأن يكون المفروض عليها محددا ، على أسس قانونية محددة مما يدرأ عن المجتمع فساد عمال الخراج الذين يستولون على أموال الناس وأراضيهم دون وجه حق.

وعلى عادة المفكرين القدامي كان يرى صلاح الشعب رهنا بصلاح الحاكم فيقول  في رسالة الصحابة ” حسن رؤى الرعية من حسن سياسة الحاكم، وصلاحها من صلاحه”، و  ” الناس على دين ملوكهم”. والصواب أن تربية الشعوب وتعليمها وترسيخ القيم فيها  لابد وأن تكون مسألة مستقلة عن حاكمه صلح أم لم يصلح .فالمصلح والمخلص والمربي مصطلحات عفى عليها الدهر ولم تعد لائقة بشعوب تنشد الحرية و الحياة .

أسباب مقتله:

تعود مسألة مقتل ابن المقفع كما رواها «الجهشياري» في كتابه (الوزراء والكتاب) حينما دب الخلاف بين أبي جعفر المنصور وعمه «عبد الله بن علي» وقاتله على الخلافة؛ فهرب عبد الله إلى أخويه سليمان وعيسى بن علي بالبصرة، فخشي عليه أخواه من انتقام المنصور، مما  دعاهما إلى مناشدة الخليفة حتى يؤمنهما على عمه عبد الله، وكان ابن المقفع كاتبا لدى عيسى بن علي كما أسلفنا فتشدد ابن المقفع في كتابة الأمان، وبالغ في حرصه لمعرفته بغدر المنصور فكتب : «وإن أنا نلتُ عبد الله ابن علي أو أحدًا مما أقدمه معه بصغيرٍ من المكروه أو كبير، أو أوصلت إلى أحد منهم ضررًا سرًا أو علانيةً، على الوجوه والأسباب كلها، تصريحًا أو كناية أو بحيلة من الحيل، فأنا نفيٌ من محمد بن علي بن عبد الله، ومولود لغير رشدة، وقد حل لجميع أمة محمد خلعي وحربي والبراءة مني، ولا بيعة لي في رقاب المسلمين». فاستشاط المنصور غضبا من كاتب الرسالة ابن المقفع  ولم يكن ممن  يطيقون النقد أو يتقبلون النصح، وكان يأخذ بالشبهة عملا بوصية أخيه الإمام إبراهيم صاحب الدعوة" من اتهمته فاقتله " والاتهام في ذلك العصر مرادفا للشك، وعقابه هو القتل وللإمام إبراهيم رسالة شهيرة كتبها لإبي مسلم الخراساني  بقتل أي غلام بلغ خمسة أشبار إذا شك في ولائه !!. نعود إلى مجلس المنصور فقال المنصور : "أما من أحد يكفينيه"؟ وكان والي البصرة  سفيان بن معاوية يكره ابن المقفع فتولى تنفيذ عقوبة القتل بحقه.

أبشع طريقة للقتل عبر التاريخ:

كان بين سفيان وابن المقفع  فيما مضى ما أغضب ابن المقفع فسبّ أمه ونعتها بالمغتلمة أي المرأة التي لا تنطفيء شهوتها من الرجال، فلما ظفر سفيان بابن المقفع قال له: أمي مغتلمة كما كنت تقول إن لم أقتلك قتلة لم يقتل بها أحد!! وتفتق ذهنه عن أبشع صور القتل، قائلا لابن المقفع: والله يا ابن الزنديقة لأحرقنك بنار الدنيا قبل نار الآخرة!  فأمر بتنور أشعلت فيه النيران، وبدأ يقطع من جسد ابن المقفع عضوا عضوا وهو حي، ويلقى بها فى التنور حتى يرى أطرافه وهى تقطع ثم تحرق، قبل أن يحرق  بالكلية  في النهاية .ولكن ابن المقفع قابل مصيره رابط الجأش فأنشد بيتين من الشعر مع أخر أنفاسه

 إذا ما مات مثلي مات شخصٌ ... يموت بموته خلقٌ كثير وأنت تموت وحدك ليس يدري ... بموتك لا الصغير ولا الكبير

 

د.محمد فتحي عبد العال - كاتب وباحث مصري