محمود محمد عليعرفت الدكتور محمد فتحي عبدالله (1945-2018) منذ تسعينيات القرن الماضي، عندما جاء ليناقشني في رسالتي للدكتوراه التي كان يشرف عليه أستاذنا الدكتور عاطف العراقي، في موضوع بعنوان " المنطق وعلاقته بالفقه عند الأشاعرة "، وقد كانت مناقشته أكثر من رائعة ؛ حيث ارتقي بها من المستوي العادي للمناقشة إلي مستوي مناقشة الفكر، والحق أقر أنني استفدت منه كثيراً. كذلك كان الدكتور محمد فتحي أحد أعضاء لجنة الفحص (في تعييني مدرساً للمنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب – جامعة حلوان، والتي تضم معه الأستاذ الدكتور حسن عبد الحميد والأستاذ الدكتور علاء حمروش رحمه الله)، وعندما نُقلت من جامعة حلوان إلي جامعة أسيوط في عام 1996م أخذت علاقتي به تتوطد وتزداد، خاصة بعد قبول سيادته تدريس مقررات الفلسفة اليونانية-  سواء في مرحلة التعليم الجامعي (الليسانس) أو لطلبة السنة التمهيدية للماجستير بقسم الفلسفة بجامعة أسيوط .

وخلال تلك الفترة أدركت أن محمد فتحي بالنسبة لي ليس مجرد أستاذ عادي، إنه نموذج متفرد في عالم الفلسفة والفكر، فعندما تستمع إليه في حلقات البحث والنقاش، وفي الندوات أو المساجلات الفكرية تجد نفسك أمام عالم كبير يصعب أن يصمد أمامه أي منافس أو محاور أو مجادل . ولكن عندما يلتقي معنا في بيته، أو في أمسيات ولقاءات خاصة تجمع بينه وبين تلاميذه المقربين تجده بسيطاً ومتواضعاً ووديعاً مسالماً مثل طفل برئ .

وعندما يكتب عن الفلسفة اليونانية أشعر بأن أنفاسه تترد بين الكلمات، وأن روحه المترددة القلقة تبعث بداخلي حيرة جميلة، وتثير في أعماقي السؤال تلو السؤال . ومحمد فتحي علي الأوراق هو محمد فتحي في الحياة .. لا فرق بين الإنسان المبدع .. كلماته عندما يحادثك هي نفسها كلماته التي يكتبها . وعندما أقرأ عبارة واحدة أو سطراً له في كتاب أو بحث ما لست بحاجة إلي أن أبحث عن الاسم، فاسمه منقوش بثنايا كلماته وتراكيب عباراته .

وكم أُحار عندما أكتب عن محمد فتحي، وأي الطرق أسلك، وأي الفضاءات أرتاد؟ تُري هل أتحدث عن أفكاره في الفلسفة اليونانية، أم رؤاه في المنطق، أم موقفه النقدي، لا شك أن هذا العالم الخصب لا يمكن اختزاله في مقال، إن الأمر يحتاج إلي مئات الصفحات، لذلك فقد حاولت جهدي أن أفتش عن خيط واحد يجمع كل هذه الاهتمامات المتنوعة، ويوحد كل هذه الجوانب، فاكتشفت أن محمد فتحي يصعب أن نصفه أو نحصره داخل تيار فكري محدد، فيصعب أن نصفه بأنه ماركسي أو وجودي أو بنيوي .. أو غيره من التيارات .. إنه كل هؤلاء، بمعني أنه استوعب فلسفات عصره وصهرها جميعاً في بوتقة فكره، وأخرج لنا في النهاية رؤية فلسفية قوامها : أنّ النقد هو روح الفلسفة وقلبها النابض، وهو الباعث الأساسي لتحولاتها المتتابعة منذ نشأتها العقلية والمنهجية الأولى عند الإغريق حتى صورها وأشكالها المختلفة عند المحدثين والمعاصرين، فقرر أنه لا يمكن أن يكون هناك مفكر أصيل بدون موقف نقدي، فالموقف النقدي هو بمثابة نقطة الانطلاق، كما أنّه ليس ثمة معرفة مقبولة إلا بعد بحث وفحص وتمحيص، فالنظرة النقدية تكون الحافز والدافع للباحث لسبر غور موضوعه، ولولا النظرة النقدية للظواهر الكونية ولفكر السابقين لما وجد لدى الباحثين والعلماء والمفكرين موضوعات للبحث والدراسة، ولأصبح الإنسان تابعاً لا مبدعاً، مقلداً لا مجدداً، وبدون هذه النظرة أيضاً تموت روح الابتكار والإبداع.

والدكتور محمد فتحي من مواليد محافظة الاسكندرية بجمهورية مصر العربية 1945 م، فقد بصره صغيراً في سن الطفولة، وتخرج من كلية الآداب جامعة الاسكندرية- قسم الفلسفة والاجتماع سنة 1970 م بتقدير جيد، وحصل علي دبلوم في حياة وتعاليم المسيح بالمراسلة من المدرسة الإنجيلية بنبراسكا بالولايات المتحدة الأمريكية بتقدير ممتاز سنة 1971م، ثم دبلوم في التذوق الموسيقي من مدرسة هادلي للدراسة بالمراسلة بولاية الينوي بالولايات المتحدة الأمريكية فبراير عام 1972 م بتقدير ممتاز، ثم دبلوم في اللغة اللاتينية والأدب الروماني من مدرسة هادلي للدراسة بالمراسلة بولاية الينوي بالولايات المتحدة الأمريكية فبراير عام 1973 م بتقدير ممتاز.

ثم بعد ذلك حصل علي درجة الماجستير في الآداب من قسم الفلسفة كلية البنات - جامعة عين شمس تخصص "فلسفة يونانية" بتقدير ممتار أغسطس عام 1978 م وموضوعها "الاتجاه التجريبي في فلسفة أرسطو"، وكان ذلك تحت إشراف الأستاذ الدكتور "عاطف العراقي" رحمه الله. ثم حصل علي درجة الدكتوراه من كلية الآداب – جامعة الاسكندرية 1984 م في تخصص "الفلسفة اليونانية" وموضوعها " الجدل بين أرسطو وكنط"، وكان ذلك تحت إشراف الأستاذ الدكتور "محمود فهمي زيدان" رحمه الله . أثري المكتبة العربية بالعديد من الكتب والمؤلفات في تخصص الفلسفة اليونانية والمنطق، وتنوعت أعماله ما بين أبحاث نقدية ومعاجم ودراسات في تاريخ الفلسفة، كما ساهم بكتابة بعض المواد العلمية بعدد من الموسوعات.

اتجه محمد فتحي للسلك الجامعي حيث تم تعيينه مدرساً مساعداً بكلية الآداب – جامعة طنطا في 5/11/1979، ثم عين مدرساً للفلسفة اليونانية بذات القسم في 30/4/1984م، وترقي إلي درجة أستاذ مساعد بنفس القسم وبذات الكلية اعتباراً من 31/1/1990م، ثم ترقي إلي درجة أستاذ للفلسفة اليونانية بنفس القسم وبنفس الكلية اعتبارا من 17/9/1995م . كما تم تعيينه رئيساً لقسم الفلسفة بنفس القسم ونفس الكلية اعتباراً من 6/8/1995م حتي 15/10/1998م لمدة ثلاث سنوات ورئيس قسم الفلسفة بنفس القسم ونفس الكلية اعتباراً من 6/8/2003م حتي 31/7/2005م، وأستاذ الفلسفة اليونانية المتفرغ بنفس القسم ونفس الكلية اعتباراً من 1/8/2005 .

ومن مؤلفاته الفلسفية علي سبيل المثال لا الحصر: كتاب الجدل بين أرسطو وكنط، وكتاب دراسات في الفلسفة اليونانية (بالاشتراك مع الدكتور علاء عبد المتعال)، وكتاب الفلسفة اليونانية مدارسها وأعلامها من طاليس إلي أفلاطون جزآن (بالاشتراك مع د. جيهان السيد شريف)، وكتاب انتقال الفلسفة اليونانية إلي العالم الإسلامي، وكتاب قوانين الفكر بين أرسطو وهيجل دراسة مقارنة، وكتاب المعرفة عند فلاسفة اليونان، وكتاب النزعة التجريبية عند د. زكي نجيب محمود، وكتاب معجم مصطلحات المنطق وفلسفة العلوم للألفاظ العربية والإنجليزية والفرنسية واللاتينية، وكتاب مترجمو وشراح أرسطو عبر العصور، وكتاب المدرسة الفيثاغورية، وكتاب النحلة الأورفية أصولها وآثارها في العالم الإسلامي ... الخ.

ولم يكن محمد فتحي ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية من الحياة، ويعرف كيف يتذوقها ويُرضي بها حسه المرهف. ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث.

ولذلك قام محمد فتحي بالتدريس في تسع جامعات مصرية، واشترك في الإشراف علي رسائل علمية في 12 جامعة مصرية، وناقش مئات الطلاب في مختلف تخصصات الفلسفة علي مدار سنوات، وحكم مئات الأبحاث في تخصص الفلسفة داخل وخارج مصر، وكان عضواً باللجنة العلمية الدائمة للترقيات بالمجلس الأعلى للجامعات، وعضواً بلجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضواً بلجنة الديانات والفلسفة بمكتبة الاسكندرية.

وقد شارك محمد فتحي في إنشاء مراكز لرعاية الطلاب المكفوفين في الجامعات المصرية، وشارك في العديد من المؤتمرات الدولية، وقام بتحكيم المقررات الدراسية الفلسفية بوزارة التربية والتعليم .امتدت اهتماماته العلمية إلي ما وراء مجال الفلسفة .

كما اُشتهر بنشاطه الكبير وعلمه الغزير وتمكنه في مجال تخصصه، وتتلمذ علي يديه المئات من الطلاب في مختلف جامعات مصر، وحصل الكثير من طلابه بهيئات التدريس علي درجة الاستاذية، وعُرف عنه طيب القلب ونظافة اليد ودماثة الخلق، فكان نعم الأستاذ والأب والأخ والصديق، استمر بالتدريس والتأليف والإشراف علي الرسائل العلمية ومناقشتها دون انقطاع علي مدار أكثر من ثلاثين عاما إلي أن لبي نداء ربه في الثاني من أكتوبر عام 2018 .

وحين توفي كتب نعياً في حقه (نشرته في بوست علي مواقع التواصل الاجتماعي) بعنوان" وداعا محمد فتحي عبد الله أستاذ الفلسفة بآداب طنطا"؛ حيث قلت : فقدنا بالأمس الأستاذ الدكتور محمد فتحي عبد الله، المفكر الكبير، والمعلم القدير، والصديق العزيز. ليس من بين أستاذة الفلسفة اليونانية من يضاهيه في سعة الأفق، أو القدرة على الاندهاش والإدهاش، أو بلاغة وبساطة التعبير، أو الحضور الطاغي، أو خفة الظل. سوف أفتقده كثيرا، كما سوف يفتقده الكثيرون ممن عرفوه، عن قرب أو بعد، وهمُ كثر. وداعا أيها الصرح الفكري والوطني الشامخ".

كما كتب عنه الدكتور مصطفي النشار (في مقاله نشرت بجريدة الوفد بعنوان د. محمد فتحي عبدالله) فقال في حقه :" لقد عرفته في أواخر سبعينيات القرن الماضي شاباً كفيفاً جاء ليعطى أحد أساتذة القسم رسالته العلمية التى أعدها للمناقشة وكانت عن الجدل بين أرسطو وكانط، وتعجبت من ذلك متسائلاً ألم يكن يكفيك دراسة الجدل عند أحدهما فهما فيلسوفين كبيرين ومؤلفاتهما في غاية الصعوبة ومن عصرين مختلفين والمقارنة بينهما تقتضى الإلمام بالمحيط الفكري للعصر اليوناني ويقف أرسطو على قمته والعصر الحديث وكان ذروته كانط فكانت ابتسامته الصافية خير رد وكأنه يقول لقد تعود على اجتياز الصعب دائماً فقد كان يتقن اللغة اليونانية ودرسها على أحد الأساتذة الأجانب، بالإضافة إلى الإنجليزية وكان يجيد اللغة العربية إجادة المجمعيين (أى أعضاء مجمع اللغة العربية).. وكنت أسمع من أساتذتي وزملائي عن كيف أنه وهو الكفيف يدرس ببراعة المنطق الصوري رغم صعوبة ذلك على من في نفس ظروفه وهو منطق أرسطي فى الأساس والأعجب أنه درس أيضاً المنطق الرمزي الحديث الذى يعجز عن فهمه وتدريسه المختصون فيه من المبصرين فإذا هو يدرسه بكل بساطة ويسر ويصر على ذلك عدة سنوات. لقد كان مثالاً للتحدي وقوة الإرادة ولا يقارن في ذلك إلا بعميد الأدب العربي د. طه حسين.

ويستطرد د. مصطفي النشار فيقول : "... وكم كان دقيقاً فى ملاحظاته ومناقشاته التفصيلية للرسائل العلمية، ويناقش الطلاب في أدق التفاصيل، ولعله بذلك كان يتحدى قدراتهم البصرية، وعدم دقتهم فى مراجعة ما يكتبون سواء في الأخطاء اللغوية، أو حتى الأخطاء المطبعية، وكذلك فى كتابة بيانات المصادر والمراجع. وقد كان موسوعة متحركة تعرف تلك المصادر والمراجع بطبعاتها المختلفة سواء في لغتها الأصلية، أو في تراجمها العربية. لقد فقدت بوفاته متعاً فكرية وإنسانية لا تعوض؛ فلقد كان في كل المواضع التي تزاملنا فيها سواء في عضوية لجان الترقيات أو عضوية المجلس الأعلى للثقافة على عكس الكثيرين من الأصدقاء والزملاء عف اللسان لا يذكر أي زميل إلا بما فيه من خير ولم أسمع منه يوماً ذماً لزميل أو لوماً لآخر، لقد كان خلقه الرفيع وتربيته العالية وأصله الكريم فضلاً عن علمه الغزير يمنعه من ذلك ويقوده دوماً إلى كل فعل كريم وإلى كل قول كريم، لقد كان سنداً للجميع وخاصة للضعفاء والمظلومين من الزملاء والطلاب ولا شك أن كل ذلك سيبقيه حياً في القلوب والعقول رغم أنه فارق دنيانا الفانية في الثاني من شهر أكتوبر الحالي رحمه الله وغفر له جزاء ما قدمه لبلده وجامعته وطلابه".

وبعد هذه الشهادة التي أدلاها د. مصطفي النشار في حق محمد فتحي نقول : لقد كان محمد فتحي نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا اخلاصهم لإسلافهم بالانغلاق، والتزمت، وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء .

كما كان محمد فتحي واحداً من كبار الرواد في دراسة الفلسفة اليونانية في مصر، والعالم العربي الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة اليونانية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

تحية طيبة لمحمد فتحي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله الدكتور محمد فتحي، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت امرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

محمد فتحي عبدالعاللقد ارتبطت أغلب الطقوس الرمضانية التي تبعث علي السرور والبهجة في النفوس بالعصر الفاطمي وأولها فانوس رمضان ولقد أرتبط ظهوره لاول مرة بيوم دخول المعز لدين الله الفاطمى مدينة القاهرة قادماً من المغرب في الخامس من رمضان عام 358 هجريَّة، حيث خرج المصريون في موكب كبير ضم جم غفيرمن الرجال والنساء والأطفال للترحيب بالمعز والذي كان وصوله ليلا، وبالتالي كان من الطبيعي أن يحملوا المشاعل والفوانيس الملونة والمزينة وذلك لإضاءة الطريق للوصول إلي موكبه ومن يومها صار الفانوس عادة مرتبطة بمجيء رمضان ولكن ما الذي جعل المصريون يخرجون لاستقبال المعز دون حشد أو ارغام ؟؟ لقد سبق دخول المعز لمصر رحلة تمهيدية واستكشافية من القائد جوهر الصقلي لمصر حيث نزل بموقع اسمه "المناخ"، منتهجا اسلوبا دبلوماسيا ناعما وسلميا ومراعيا التنوع الديني للمصريين فمنحهم الأمان في وثيقة كتبها بخطه بلغة بسيطة يفهمها كل مصري كما أعلن في خِطبة الجُمعة الأمان لأهل السُنَّة وللمسيحيين واليهود مؤكدا علي حرية العبادة للمصريين وهو المسار الذي سار عليه غالبية الحكام الفاطميين فالخليفة الفاطمي العزيز بالله تزوج من سيدة قبطية، وهى «ست الملك» وقد تمتعت بنفوذ كبير في عهده .ومن أروع الصور التي تعكس هذا التسامح بناء مسجدا بدير سانت كاترين والذي قيل أن بناءه كان في عهد الحاكم بأمر الله اتقاءا لشره ونيته في هدم الدير !!! والراجح بناءه في عهد الخليفة الفاطمى الآمر بأحكام الله بحسب بعض الدراسات.

أما أصل كلمة فانوس فيعود إلى اللغة الإغريقية وتعني وسيلة للاضاءة، ويذكر الفيروز أبادي مؤلف كتاب القاموس المحيط أن أصل كلمة فانوس هو (النمام) لأنه يظهر صاحبه وسط الظلام وكان الأطفال يخرجون حاملين الفوانيس ليضيئوا الطريق مبتهجين ومنشدين الأغاني الجميلة في أيام الشهر الكريم و خلال العصر الفاطمي، كانت النساء يشترطن عند الزواج حق الخروج من بيوتهن للاحتفال بمناسبة حلول رمضان وكان يسبقهنَّ غلام يحمل فانوساً لتنبيه الرجال بوجود سيدة في الطريق لكي يبتعدوا فيستمتعن النساء بالخروج بعيدا عن الرجال.

كان الاحتفال بشهر رمضان في أول يوم منه بركوب الخليفة من القصر الشرقي الكبير ويصحبته وزيره ومحاطا بحرسه الخاص فيقطع موكبه الشوارع حتى يصل جامع عمرو بن العاص (الجامع العتيق)، فإذا وصل إلى بابه وجد في انتظاره خطيب المسجد وبيده المصحف المنسوب خطه إلى علي بن أبي طالب، فيتناوله ويقبله ثم يأمر بتوزيع بعض المنح والهدايا على خطيب المسجد ومؤذنيه فإذا انتهى من الصلاة استأنف سيره إلى دار الملك. وكان ركوب الخليفة الفاطمي في غُرة رمضان بمثابة الاحتفال برؤية الهلال عند أهل السنة فقد كان الفاطميون لا يعتمدون علي الهلال في بدء الصوم مفسرين قول النبي صلي الله عليه وسلم : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» بأنها رؤية استبصار لا رؤية إبصار ومن ثَمَّ اعتمدوا علي علم الفلك والحساب،وشيدوا عددا من المراصد الفلكية منها مرصد الجيوشي بجبل المقطم ومرصد المأمون بباب النصر وأسسوا تقويمًا قمريًّا يحسبون بمقتضاه سير القمر، ويقدِّرون منازله حتى يحددوا ميعاد هلال رمضان بدقة، فجعلوا الشهور العربية شهرًا تامًّا، وشهرا ناقصًا دائمًا، وبذلك أصبح شعبان ناقصًا دائمًا ورمضان تامًّا دائمًا، ومن هذا التقويم عرفوا متى يبدأ رمضان ومتى ينتهي، دون الأعتماد علي الرؤية البصرية للهلال لهذا فقد هدموا "دكة القضاة" الخشبية و المقامة أعلى سفح جبل المقطم و التي كان كان القضاة يتحرون من خلالها رؤية الهلال في الازمنة السابقة . أما عند العيد فيذكر أبو المحاسن في كتابه «النجوم الزاهرة» عن مظاهر الاحتفال بعيد الفطر عند الفاطميين:  (كان يقام في ليلة عيد الفطر بالإيوان الكبير الذى يواجه مجلس الخليفة سماط ضخم يبلغ طوله نحو ثلاثمئة ذراع في عرض سبع أذرع وتنثر عليه صنوف الفطائر والحلوى الشهية، فإذا انتهى الخليفة من صلاة الفجر عاد إلى مجلسه وفتحت أبواب القصر والإيوان على مصاريعها وهرع الناس من جميع الطبقات إلى السماط الخليفي وتناولوا الطعام).

نأتي الي مأدبة الرحمن والتي ارتبطت بالعهد الفاطمي وقد حملت فى البداية اسم "دار الفطرة"فإن أول من أقامها هو الخليفة العزيز بالله الفاطمى، حيث مد أول مائدة بجامع عمرو بن العاص، وأقام واحدة بجامع الأزهر بداية من شهري رجب وشعبان. فكان يخرج من مطبخ القصر على مدار شهر رمضان ما يزيد عن ألف قدر يوميا، محتوية علي ألوان شتي من الأطعمة لتوزيعها على الفقراء عند الإفطار، وبعدها يجلس الخليفة فى شرفة كبيرة فى قصره حتي يحين وقت الإفطار، ويقضى الوقت فى سماع القرآن الكريم ومشاهدة حلقات الذكر. ويستمر ذلك الطقس البديع حتى انتصاف الليل، وبعدها يأمر الخليفة بتوزيع الهدايا على الفقراء حتى يحين موعد السحور، لتوضع مائدة عامرة فى نفس مكان الإفطار.

ومن أشهر الأسواق التي تشهد رواجا شديدا في رمضان الفاطمي سوق الشماعيين حيث كان رمضان موسمًا لبيع الشموع الكبيرة، وسوق الحلاويين الذي كانت تباع فيه الحلوى متخذة أشكال أنيقة وسوق السمكرية الذي كان يعج بالياميش وقمر الدين.

ومن العصر الفاطمي ننتقل الي العصر الايوبي ومع محدودية المصادر التي يمكن الارتكان لها الا أن الواضح أن المظاهر التي شاعت في العصر الفاطمي قد تقلصت الي حد كبيرفي العصر الايوبي والذي جاء مقوضا لها بالكلية ولكن المثير في عصورنا العربية أن الأحلال بين الدويلات المتعاقبة عادة ما يكون شكليا دون تدشين أسس الدولة الحقيقية التي تنظر بعين الاعتبار لعامة الناس وتنتهج السياسات التي تجنب الرعية مغبة الأخطار المحتملة والمتكررة والتي حمل لنا التاريخ كارثية تركها دون ضمانات تحول دون تكرارها ومنها الشدة المستنصرية في العهد الفاطمي تلك المجاعة التي جعلت المصريين يأكل بعضهم بعضا في سابقة مرعبة في التاريخ المصري والانساني ولكن من يتعظ من التاريخ؟!! ففي عهد السلطان العادل  أبي بكر بن أيوب شقيق صلاح الدين وخليفته حدثت مجاعة مروعة تفوق الشدة المستنصرية ضراوة وكأننا لا نستوعب شيئا من دروس التاريخ ليعود المصريون لاكل بعضهم بعضا في صور تذهل العقل وتدمي القلب واستمرت المجاعة منذ 596هجرية وحتي عام 599هجرية وبلغت ذروتها في 597هجرية والملك العادل أسير مطامعه في الاستئسار بملك أخيه الراحل وبسط نفوذه في وقت شعبه جائع يعاني ما لم يعانيه الأنسان البدائي في عصور ما قبل التاريخ !!! والحملات الصليبية تطرق دياره يقول أبو المحاسن صاحب كتاب ” النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة”عن هذه الفترة (وفيها كان هبوط النيل ولم يعهد ذلك في الإسلام إلا مرة واحدة في دولةالفاطميين ولم يبق منه إلا شيء يسير واشتد الغلاء والوباء بمصر فهرب الناس إلى المغرب والحجاز واليمن والشام وتفرقوا وتمزقوا كل ممزق‏.‏كان الرجل يذبح ولده الصغير وتساعده أمه على طبخه وشيه وأحرق السلطان جماعة فعلوا ذلك ولم ينتهوا‏.‏وكان الرجل يدعو صديقه وأحب الناس إليه إلى منزله ليضيفه فيذبحه ويأكله وفعلوا بالأطباء كذلك فكانوا يدعونهم ليبصروا المرضى فيقتلونهم ويأكلونهم ) ويصف الرحالة المؤرخ والطبيب عبداللطيف البغدادي في كتابه "الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر" وقد عاصرهذا الوضع المؤلم فيقول : (ووجد في رمضان وبمصر رجل وقد جردت عظامه عن اللحم، فأكل وبقي قفصا كما يفعل الطباخون بالغنم.ويضيف ولقد رأيت امرأة يسحبها الرعاع في السوق وقد ظفر معها بصغير مشوي تأكل منه، وأهل السوق ذاهلون عنها ومقبلون على شئونهم ليس فيهم من يعجب لذلك أو ينكره؛ فعاد تعجبي منهم أشد وما ذلك إلا لكثرة تكراره على احساسهم حتى صار في حكم المألوف الذي لا يستحق أن يتعجب منه. وكثيرا ما كان يدعي الآكل أن المأكول ولده أو زوجه أو نحو ذلك، ورأيت مع عجوز صغير تأكله فاعتذرت بأن قالت إنما هو ولد ابنتي وليس بأجنبي منى ولأن اكله أنا خير من أن يأكله غيري.ومما شاع أيضا نبش القبور وأكل الموتى وبيع لحمهم).

كما أصبح الاحرار مسترقبن نظير بضع لقيمات أو دراهم قليلة يقول البغدادي (وأما بيع الأحرار فشاع وذاع عند من لا يراقب الله حتى تباع الجارية الحسناء بدراهم معدودة، وعرض على جاريتان مراهقتان بدينار واحد، وسألتني امرأة أن اشتري ابنتها وكانت جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم فعرفتها أن ذلك حرام، فقالت خذها هدية). ويصف العماد الكاتب الأصبهاني‏ نفس المشهد بقوله:‏ ‏”‏ ولقد رأيت الأرامل على الرمال والجمال باركة تحت الأحمال ومراكب الفرنجة واقفة بساحل البحر على اللقم تسترق الجياع باللقم ‏”‏‏.

وبوجه عام كان الايوبيون في رمضان أكثر صرامة فيما يتعلق بالالتزام بالشعائر في رمضان فيقول المقريزي أن الملك الكامل كان يغلق الخمارات، ويعتقل البغايا في رمضان، ويغلق المطاعم والمقاهي في نهار رمضان، كما كان ينزل يمر بنفسه في أول يوم من رمضان فإذا صادف مفطرا أمر بضربه, كما كان الملك يوجه المحتسب للمرور للتأكد من وفرة وجودة السلع ونظافة السقايين، حيث كان السقا هو الذي يقوم بتوفير حاجات البيوت في الحواري بالمياه، وكان يأتي بها من القلعة.

الي هنا انتهت رحلتنا مع رمضان في العصر الفاطمي والايوبي

 

د.محمد فتحي عبد العال

..........................

المراجع

1- في أدب مصر الفاطمية لمحمد كامل حسين مؤسسة هنداوي

2- كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي

3- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي

4- الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر لعبد اللطيف البغدادي

5- فانوس رمضان ويكبيديا الموسوعة الحرة

6- مراة الزمان ليوسف قزاوغلي

 

عبد الحسين شعبان…  إلى بلند

نولدُ في الغربة أم نموتُ؟

هل تعرف الأشجار والبيوت؟

وجوهنا

وإننا

نولد كل ساعة

نموت كل ساعة

وحولنا تولد أو تموت

الناس والأشجار والبيوت

*

سعدي يوسف

I

حين أهداني ديوانه الأخير " دروب في المنفى" كتب لي: ... فأنا المسيح يجرّ في المنفى صليبه"، والفقرة هي مقطع من قصيدة " غريب على الخليج" لبدر شاكر السيّاب، وعلّق بلند قائلاً: وهكذا ننتقل من منفى إلى منفى، واستعدنا المقطع الذي قبله وأكملنا:

"حتى الظلام- هناك أجمل، فهو يحتضن العراق،

وا حسرتاه، متى أنام؟

فأحسّ أن على الوسادة

من ليلك الصيفي طلّاً فيه عطرك يا عراق

بين القرى المتهيّبات خطاي والمدن الغريبة

غنيّت تربتك الحبيبة

وحملتها، فأنا المسيح يجرّ في المنفى صليبه".

 

وردّدت عليه وأنا أتصفّح الديوان بين يدي:

أهرب من منفى إلى منفى

وأنا لا أحمل في صدري إلّا رمسي ...

لكنني إنْ متُ هنا في الغربة .. في المنفى

إنْ متُ غداً فسيحمل شاهد قبري: هذا وطني

هذا من أجلك يا وطني..

(من ديوان دروب في المنفى)

وبالمناسبة فهذه الأبيات وضعت على شاهد قبره في مقبرة هاي غيت في لندن بالقرب من قبر كارل ماركس وقبور عدد من المنفيين اليساريين العراقيين.

ودار بيننا حديث حول الغربة والوطن والهويّة واستذكر بلند، الشاعر اليمني عبدالله البردوني وردّد على مسامعي:

بلادي من يدي طاغ           إلى أطغى إلى أجفـى

ومن سجن إلى سجن          ومن منفى إلى منفى

ومن مستعمر بـــــادٍ           إلى مستعمر أخفــى

ومن وحش إلى وحشين       وهي النّاقة العجفــا

ولعلّ ذلك ما كان ينطبق على حالنا حيث أكلت المنافي أكثر من نصف عمرنا البيولوجي، وما يقارب ثلثي عمرنا الإبداعي، وكنتُ قد اتصلت به بعد وصولي إلى لندن العام 1990، وكان هو قد استقرّ فيها بعد سنوات ثلاثة عشر عاشها في بيروت، لكن منفى بلند الفعلي كان قبل هذا التاريخ، حين تمرّد على مجتمعه، وعاش حالة من الاغتراب، فترك الدراسة في سن مبكّرة وهجر العائلة، ليس هذا فحسب، بل انشقّ على القصيدة العمودية التي عاشها الشعر العربي لمئات السنين، باحثاً عن معنى جديد وشكل جديد ورسالة جديدة.

أسّس بلند مع ثلّة من أصحابه جماعة أدبية فنّية أطلق عليها اسم " جماعة الوقت الضائع" وهو في بداية مشواره الإبداعي، لتكون مقهىً وملتقىً ومبيتاً أحياناً كما يقول، وأصدرت " الجماعة" مجلة بالاسم ذاته،  وقد أغلقتها الشرطة حين اعتبرتها ملاذاً للمتشرّدين من أمثال الشاعر حسين مردان.

في فتوّته مارس بلند أنواع الرياضة ورغب أن يكون ملاكماً مقلّداً شقيقه صفاء الذي كان هو الآخر شاعراً ومتمرداً، حيث نصب خيمة سوداء في بساتين ديالى (بعقوبة) وقرر العيش فيها تحدّياً للتقاليد الاجتماعية السائدة، وكان صفاء قد انشغل بالشعر واللغة العربية وهو ما فعله بلند أيضاً، علماً بأنهما ينتميان إلى عائلة برجوازية حسب توصيفات تلك الأيام، فوالده أكرم كان ضابطاً بالجيش العراقي وتوفي العام 1945، ووالدته فاطمة ابراهيم أفندي الحيدري التي كان  والدها يشغل منصب شيخ الإسلام في اسطنبول (توفيت العام 1942)، وخاله داود كان وزيراً للعدل، لكن بلند قرر إحراجه وإحراج العائلة حين نصب طاولة منهكة وكرسياً بالياً ليعمل " كاتب عرائض" (عرضحالجي) أمام الوزارة، وفي الوقت الذي كان عدد من أفراد عائلته يتولى مناصب رسمية، كان عدد آخر منهم قد انخرطوا في الحركة الشيوعية من أبرزهم جمال الحيدري الذي قتل تحت التعذيب  وشقيقه مهيب أيضاً بعد انقلاب شباط (فبراير) العام 1963.

لم يدرس بلند الشعر في جامعة أو معهد، بل جاء إليه من خارج المناهج الأكاديمية والحلقات الدراسية، في حين كان أقرانه قد درسوا الشعر والأدب واللغة في دار المعلمين العالية وكليات الآداب والتربية فيما بعد، مثل بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة وعبد الرزاق عبد الواحد وسعدي يوسف ورشدي العامل وآخرين، وحاول بلند تثقيف نفسه بنفسه وكان يذهب إلى المكتبة العامة لسنوات غير قليلة، ويقرأ، بل يلتهم ما فيها من الكتب المختلفة في الأدب والشعر والفن واللغة والفلسفة وعلم النفس، وكان يبقى لساعة متأخرة من الليل، بالاتفاق مع حارس المكتبة الذي عقد صداقة خاصة معه .

II

في مهرجان أصيلة (المغرب) الأخير 2018 كان بلند الحيدري الغائب " الحاضر"، تأملت صورته بأناقته المعهودة وحضوره الهادئ وهي تتصدّر يافطاتٍ عُلّقت في أماكن عديدة في تلك المدينة الجميلة المستلقية بغنج على البحر، وكان الاسم يتكرّر، خصوصاً يوم تكريم اثنين من الشعراء المبدعين هما الشابان: نسيمة الراوي من المغرب ومحمد المغربي من تونس، بمنحهما "جائزة بلند الحيدري" بصفته أحد من رموز الحداثة الشعرية، فقد كان بلند حداثياً قبل ما نعرفه عن زمن الحداثة، حيث يعتبر أحد أركان الحركة التجديدية في الشعر العربي الحديث، ولعلّ ديوانه "خفقة الطين" الصادر في العام 1946 هو الأول الذي يؤرخ لحركة الشعر الحر والتي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وامتدّت إلى الفنون الأخرى، أما أركانها فهي "المربع الذهبي"، فإضافة إلى ركنها الأول  بلند كانت الأركان الثلاثة نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي.

وكان بدر شاكر السيّاب في العام 1953 قد اعترف بذلك قائلاً: " كان هناك ثلاثة دواوين صدرت في العراق أولها - ديوان " خفقة الطين" لبلند الحيدري وثانيها- ديوان "عاشقة الليل" لنازك الملائكة، وثالثها- ديوان "أزهار ذابلة" لبدر شاكر السيّاب، وفتحت هذه الدواوين صفحة جديدة في تاريخ الشعر العراقي والعربي". وقد كتب عن مجموعته الأولى بانبهار الأديب اللبناني مارون عبود في  العام 1947 يقول: " أشهد أن ديوان بلند الحيدري- خفقة الطين، أفضل ما قرأت من دواوين الشباب بالشعر، ولعلّه الشاعر الذي تحلم به بغداد".

وقد ظلّ بلند يخفق كل حياته في الضياع والمنفى والغربة، وضمّت مجموعته الأخيرة "دروب المنفى" 1996 خفقته الوداعية  وحملت قصيدته الأخيرة في المجموعة  "ما بين ذراعي أمي" حنينه الأول إلى "البئر الأولى" حسب رواية جبرا ابراهيم جبرا، وهو حنين يشبه الارتعاش حين يقابل الموت الذي بقي هاجساً قائماً في جميع مراحل حياته وإبداعه:

ذات مساء ماتت أمي

وعلى مدّ ذراعيها استلقيت وكانت عينيّ

فانوساً أعمى يحملني من تيهٍ ولتيهٍ يبحث عنّي

في حيّ موبوء .. في حي

أخشى أن لا يبقى حتى غبش الظن.

وإذا كانت القصائد الأولى أقرب إلى التجريب، فإنه بدا أكثر عمقاً وشمولاً بارتفاع الموجة الجديدة من الشعر الحر، بحيث أصبح جزءًا من مدرسة أخذت تحفر طريقها بثقة أكبر وتحدٍّ أشد في مواجهة القصيدة الكلاسيكية، وخصوصاً بعد أن أصدر ديوانه الثاني "أغاني المدينة الميتة" في العام 1951 وأعاد نشره في العام 1957 " مع قصائد أخرى"، وفي العام 1961 نشر مجموعة بعنوان" جئتم مع الفجر" ضمّت قصائد ما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 وهو ما يوحي منها عنوانها.

وبعد تجربة سجنه نشر مجموعة جديدة (1965) تحت اسم " خطوات في الغربة" ثم " رحلة الحروف الصفر" 1968 و"أغاني الحارس المُتعب" 1971 والتي نالت جائزة "اتحاد الكتاب اللبنانيين"، ثم نشر في العام 1972 بعد عودته إلى بغداد، مجموعة بعنوان "حوار الأبعاد الأربعة"، وبعد منفاه اللندني نشر في العام 1984 " إلى بيروت مع تحياتي" وفي العام 1990 " أبواب إلى البيت الضيق"، وكان آخر مجموعة له " دروب في المنفى" 1996.

لقيت الحركة التجديدية في الشعر تشجيع ودعم وتأييد بعض المبدعين الذين كان يُنظر إليهم كمرجعية للحداثة وكان من أبرزهم في العراق الناقد والأديب الفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا، الذي يقول عنه بلند في حديث مع الكاتب (1991) أنه أكثر من استقبل نتاجهم الإبداعي بإعجاب وتشجيع، حيث كان يرى في بلند وبدر شاكر السيّاب شاعرين مجدّدين وإن اختلف أسلوبهما في كتابة القصيدة الحديثة، وكان يؤكد على بدر الاستمرار في أسلوبه ما دامت الصور تومي كل واحدة منها إلى الأخرى، فبدر " عين وذاكرة" مرهفة مليئة بالصور، ويعترف بلند أن مفرداته كانت "أغنى من مفرداتي".

أما عن شعر بلند فيقول جبرا ابراهيم جبرا في العام 1951 أنه " شعر صُور"، فهو كالفنان الحاذق لا يلقي بالألوان على لوحته جزافاً ولا يرسل الخطوط عليها أنّى اتجهت، إنه يورد تفاصيله مرتبطة متماسكة، فتنمو القصيدة بين يديه نموّاً من الداخل ككل الأعضاء الحيّة، وإذا بها وحدة متكاملة لها أول ووسط ونهاية كما يقول أرسطو في وصف العمل الفني الصحيح، ويضيف جبرا: إن شعر بلند كالصور ذات الأعماق، فيها أضواء وظلال، فيها القريب وفيها البعيد وكلّها تستهدف وحدة الموضوع وقوته وبروز جماله.

III

كم كنتُ سعيداً حين اطّلعت على الكتاب الذي أصدره المنتدى الثقافي العربي - الأفريقي والموسوم " بلند الحيدري- اغتراب الورد"، وأشرف على إعداده عيسى مخلوف، منشورات جمعية المحيط الثقافية، أصيلة، المغرب، ط1، 1997، وذلك لمناسبة الذكرى الأولى لرحيله، والكتاب هو أقرب إلى استفتاء جديد على شعر بلند الحيدري بعد رحيله واعتراف برياديّته.

وقد تضمّن إضافة إلى كلمتيْ التقديم لمحمد بن عيسى والمدخل لعيسى مخلوف 7 دراسات معمّقة لعبده وازن ومحي الدين اللّاذقاني وصبحي حديدي ورفعت سلام وعابد خزندار وبنعيسى أبو همالة وأسعد عرابي، إضافة إلى شهادات وآراء عددها 22 لشعراء ونقّاد بينهم أدونيس وسعدي يوسف ونزار قباني وأحمد عبد المعطي حجازي وأدوارد الخرّاط والطيّب صالح ومحمد سعيد الصكّار وعباس بيضون وضياء العزاوي وجابر عصفور وآخرين.

وجاء في كلمة محمد بن عيسى، الوزير والدبلوماسي والمثقف وصاحب مبادرة مهرجان أصيلة  عن بلند " لم يكن بلند الحيدري شاعراً مجدّداً فقط، وإنما كان أيضاً من قلّة من المبدعين الذين تآخى في حياتهم القول والفعل. كان ينتصر للقيم الإنسانية الرفيعة، وكان مثالاً لها، وهذا ما جعله في صراع دائم مع عالم لا يستجيب لرؤيته وحساسيته الشفافة المرهفة..."

وسبب غبطتي  عند اطلاعي على كتاب " اغتراب الورد" يعود إلى الشهادة الجماعية برياديّة بلند، الذي لم تُنصف تجربته في حياته من جانب الكثير من النقّاد، باستثناءات محدودة، وضاعت أحياناً في سجال التراتبية الزمنية والأسبقية والقصيدة الموزونة أو النثرية والخروج على الوزن والقافية، على عكس تجارب السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة، وفي بعض هذا التقييم دور للسياسة التي تُعلي وتُخفض، فبموجبها مُنح عدد من الشعراء ألقاباً بعضهم لا يستحقها وذيّلت أو قدّمت أسماءهم بألقاب من خارج دائرة الشعر والإبداع، والأمر لا يختص بالشعر، بل بعموم مفردات الثقافة والإبداع.

وحسب تفسير سعدي يوسف فإن الأمر يعود إلى " الرافعة السياسية"، ففي حين كان  السيّاب والبياتي في دائرة اليسار، وكانت نازك في الدائرة القومية العربية، كان بلند في "زاويته الوجودية الجمالية" القلقة والمتوتّرة يبحث عن "فردانية" و"أناه" وسط صخب الشعارات وضجيج الأصوات، لأنه كان يريد صوته الخاص لإحساسه بالفجيعة والتشتّت والفراغ، في إطار نزعته التشاؤمية والأسى الذي انطوى عليه شعره، يضاف إلى ذلك إن بلند لم تسوّقه مؤسسة، وهو كذلك لم يسوّق نفسه، بل لم يكن يبالي بمثل تلك التصنيفات والأوصاف والصفات، وكان يكفيه أنه مبدع وله صوته الخاص وكبرياؤه المتميّز.

وحين كان يُسأل بلند عن الريادة والأولوية كان يجيب بشيء من عدم الاكتراث وكأن الأمر لا يعنيه، ويردّد أحياناً لا يحتاج الأمر إلى كل هذا التحبير، وبقدر ما أغفلت أو أهملت تجربته ودوره الريادي فقد عومل في سنوات اغترابه، سواء في لبنان وعلى امتداد الوطن العربي،  بما يستحقه من مكانة وتقدير، أما شموخه الذي كان يتعامل به فهو مستقى من اسمه الذي يعني باللغة الكردية  "شامخ" كصاحب الشأن ذاته.

وحتى وإنْ كانت صوره " باذخة" وأنيقة ونبرته قوية وواثقة، إلّا أن لغته كانت "مقتصِدة"، لتعبّر عن الإيجاز والتكثيف فقد كتب بلند قصيدته بتركيز كبير أقرب إلى أسلوب البرقيات، وهو ما دعا جبرا ابراهيم جبرا إلى أن يطلق على بلند بحق صاحب القصيدة التلغرافية "البرقية"، فقد كان يعرف المدى الذي يريد الوصول إليه تعبيراً عن الذات وتناقضاتها، حيث امتلك القدرة على ضخّ  أكبر كميّة من الصور والإيحاءات والمعاني بأقل كميّة من الكلمات.

ويقول بلند معترفاً بنصيحة جبرا: أصبح همّي الرئيس هو الإيجاز في قصائدي، ولعلّ علاقته بالفنون التشكيلية والموسيقى هي التي جعلته يختار هذا الأسلوب، لاسيّما  ثقافته الفنيّة المتميّزة قياساً بشعراء الموجة الجديدة، مما أعطى تجربته الشعرية بُعداً جمالياً، خصوصاً حين تكون مفرداته مألوفة وصوره شفافة، في حين كان بدر شاكر السيّاب أقرب إلى التراث، ناهيك عن استخدام مستحدث للأسطورة.

ويعترف بلند في شهادة خاصة عن علاقته ببدر شاكر السيّاب، إنهما كانا قد تأثّرا بالحركة العالمية للشعر الحديث عن طريق المهندس قحطان المدفعي الذي عاد إلى بغداد بعد أن أنهى دراسته في لندن، وقد حمل معه تسجيلات صوتية لعدد من أدباء العصر بينهم: إليوت وآراغون، ويقول إن ذلك كان له تأثير عليه وعلى بدر، حين " كنّا نلتقي مرّة في الأسبوع عند قحطان المدفعي لنستمع إلى هذه الاسطوانات لساعات وساعات، ونحاول أن نستلهم منها ما يعطي إضافة جديدة لتجربتنا الشعرية". ويعترف بتسرّب "إيقاعية إليوت" إلى تجربته الشعرية.

IV

"بيروت ... يا موتاً أكبر من تابوت

يا موتاً لا يعرف كيف يموت ...

لن يعرف كيف يموت "

كانت بيروت التي عاشها بلند الحيدري " بيتاً حميماً ذا أبواب عديدة"، وكما يقول: "كان لكل منّا أن يجد نفسه في الباب الذي يُريد أن يكون فيه: المسلم مسلم والمسيحي مسيحي والمؤمن مؤمن، ولكل منّا أن يعبّر عن نفسه بكثير من الحريّة"، وهي ذاتها بيروت التي عرفتها وكتبت عنها نصاً بعنوان" العشق الملوّن" يوم كرّمتني الحركة الثقافية في انطلياس 2017 بقولي :" لا أستطيعُ استعادةَ ذاكرتي الطّفليةِ المكتظّة بصور مختلفةٍ ومتنوّعةٍ دون أن تشعَّ في إحدى زواياها بيروت بكل رمزيّتها وصباها، تلك التي شكّلت بين تقاسيمِها أغاريدَ شرودي الملّونة وروح تمرّدي الأول، خصوصاً وأنّني ترعرعت في بيئة معاندةٍ كانت جاهزةً ومتفاعلةً ومنفعلة باستشراف الجديد واستقبالِ الحداثةِ والتّطلّعِ للتغيير".

وأضفتُ: هكذا بدأتْ ترتسمُ ملامحُ بيروت الجمال والمدى والتنوّع الثقافي والاجتماعي وكأنّني في فسيفسائيّة تختلطُ وصورة "النجف السعيد" أو ما يكنّى "خدُّ العذراء"، حيث يستلقي الشّعرُ متنفِّساً للمدينةَ المحافظةَ التي تآخت مع التمّرد، حتّى تفّجر "الفكرُ المنفتحُ في المجتمع المنغلق" على حدّ تعبير السيد مصطفى جمال الدّين.

لقد صدرت معظم دواوين بلند في بيروت مثلما صدر معظم كتبي فيها، وقد كانت بيروت في السابق والحاضر، وعلى الرغم مما أصابها، ملاذاً دافئاً يخفّف من مشاعر الغربة إنْ لم يتجاوزها، لدرجة شعور المرء إنه في بلده، والأمر ينطبق على العديد من المبدعين الذين عاشوا في بيروت بينهم ... محمود درويش ونزار قباني وأدونيس  ومعين بسيسو وسعدي يوسف وأنيس الصايغ  وعز الدين المناصرة، ووجدوا في بيروت الرئة التي يتنفسون بها هواء الحرية والإبداع والحداثة.

أما النصف الآخر من غربة بلند فقد كان قاسياً على نفسه فيها، وهو مرحلة لندن، وهي ذاتها التي عشتها، ولكن قبل بيروت. وإذا كان في بيروت قد انغمس بالحركة الثقافية وعمل في مدرسة برمّانا مديراً ورئيساً لتحرير مجلة العلوم وكان حضوره مبرّزاً في مجالسها الأدبية وأنشطتها الثقافية والفكرية وحلقاتها النقاشية وأماسيها الشعرية، فإنه في لندن، ولاسيّما في السنوات الأولى عانى الكثير، خصوصاً مع تعمّق مأساة العراق، حيث شهد حرباً ضروساً دامت ثماني سنوات (1980-1988) مع إيران، ثم حرباً لقوات التحالف على العراق (العام 1991)، وذلك بعد مغامرة الحكم في العراق غزو الكويت في 2 آب/ أغسطس/1990، وفي تلك الفترة كتب قصائد عديدة مناجاة لوطنه المفقود وغير القادر من الوصول إليه والمهدّد من جميع الجهات، وظلّ حلم العودة يراوده:

" هل لي أن أحلم يا مدينتي بالرجوع لدارنا المطفأة الشموع؟

هل لي أن أعود فأوقظ المصباح وأفتح الشباك للنجوم والغيوم والريح؟

هل لي أن أحلم بالرجوع لكل ما في قلبك المقروح من دموع ؟

...   ...

هل لي أن أحلم يا مدينتي أن أعود؟

أبحث عن عينيّ بين دفتي كتاب مفتوح تركته عند الباب

فاصفّر في أوراقه عتاب

أود لو يعود

أريد أن أعود من قبل أن يجفّ في الوعود

سؤالها عن تائه الريح والأرصفة السوداء والضباب

هل لي أن عدتُ غداً لمدينتي

هل لي أن أسأل عن وطن لا عن كفن؟"

V

أتذكّر حين ازدادت المخاطر التي تهدّد العراق ورفض حاكمه الانصياع للمناشدات والقرارات التي طالبته بالانسحاب من الكويت والاستماع إلى صوت العقل، تنادى عدد من المثقفين والباحثين والسياسيين العراقيين، للقاء  واجتمعنا في البداية مجاميع مصغّرة، ضمّت: صلاح عمر العلي ونوري عبد الرزاق وبلند الحيدري وإياد علاوي وفاروق رضاعة وتحسين معلة واسماعيل القادري وعبد الحسين شعبان، وفكّرنا بالسبل المتاحة لدرء كارثة الحرب والضغط من أجل نزع الفتيل، ناهيك عن ضرورة إظهار صوت آخر، يدين الغزو ويدعو لإنسحاب القوات العراقية دون قيد أو شرط، من جهة، ومن جهة أخرى القول " إن هذه الحرب ليست باسمنا"، مثلما لم يكن الغزو باسمنا.

وقد تدارسنا الأمر وقرّرنا إصدار "نداء إلى الرأي العام" بعد مداولات مع قوى وشخصيات أخرى، وقلّبنا جميع الاحتمالات بما فيها ردود الفعل العربية والدولية، خصوصاً حين تأكّد لنا أن الحرب قائمة لا محال وكان لا بدّ أن يُسمع صوت العراقيين من خارج دائرة النظام وبعيداً عن جعجعة السلاح، ودعانا الأخ صلاح عمر العلي في منزله في منطقة ايلينغ بلندن، وهناك اتفقنا على إصدار النداء، الذي كان لي شرف كتابته، والذي حمل بعدين متوازيين أولهما-  "إدانة غزو الكويت ومطالبة الحاكم الانسحاب فوراً"، وتفويت الفرصة على القوى الإمبريالية والصهيونية، لكي لا تستفيد من التصدّع الحاصل، بل والشرخ الكبير في التضامن العربي، وثانيهما- ضرورة مواصلة الجهود للإتيان بنظام حكم ديمقراطي دستوري تعدّدي، يضع حدّاً للاستبداد والإرهاب.

ووقع البيان كما أتذكّر : الأسماء في أعلاه، إضافة إلى موفق فتوحي ومحمد الظاهر ومحمود عثمان وعادل مراد ومهدي الحافظ وصلاح الشيخلي وهاني الفكيكي (انضم إليه) وسمير شاكر محمود الصميدعي وعزيز عليّان وآخرين، لم تسعفني الذاكرة للاحتفاظ بأسمائهم، وأرجو ألّا أكون قد أخطأت ببعضهم، وكم أتمنّى من الأخ والصديق صلاح عمر العلي لو كان يحتفظ بأرشيفه الخاص بالبيان وبأسماء الموقّعين عليه لغرض التوثيق، بهدف نشره، والرجاء موجّه لمن وقّع هذا البيان أو احتفظ به.

وكانت مداولات كثيرة جارية لتشكيل تجمّع للديمقراطيين في لندن وغيرها، وقد نشط فيها بلند الحيدري، وقبلها كانت محاولات أخرى مماثلة، في بداية الثمانينات قد جرت في الشام حيث تم تأسيس "التجمع الوطني الديمقراطي" الذي أصبح صالح دكله أمينه العام وضمّ مجيد الراضي وابراهيم الحريري وادريس ادريس وآخرين، وكذلك "اتحاد الديمقراطيين" الذي ترأّسه أبو أيوب وآخر كان "محمد الحبوبي" على رأسه، و"المتّحد الديمقراطي" الذي ضم هاني الفكيكي ومحمد بحر العلوم ومصطفى جمال الدين وأيهم السامرائي، لكن هذه التنظيمات لم تتمكّن من مواصلة عملها لأسباب عديدة منها بعض الولاءات لأطراف سياسية وأخرى تتعلّق بظروف الغربة،  حيث كانت معظم هذه التنظيمات " مهاجرة"، وتأثرت أيضاً بالجغرافيا، أي بمكان نشأتها، وهو شأن جميع التنظيمات التي تأسست في الخارج أو طال أمد بقائها فيه، سواء بانشطارها عن أحزاب أم قوى جديدة تأسست، لكنها سرعان ما اختفت أو انطفأت.

وكان "اتحاد الديمقراطيين العراقيين" الذي تأسس في لندن قد ضم محمد الظاهر (رئيساً) وبلند الحيدري (نائباً للرئيس) وفاروق رضاعة (أميناً عاماً) وقد انضم إلى المؤتمر الوطني العراقي الذي تأسس في فيينا العام 1992، وبالرغم من أن اسم بلند ومجموعة الشخصيات التي انتسبت للاتحاد تمثّل ثقلاً اجتماعياً وثقافياً، لكن دوره كان محدوداً ولم يتمكّن أن يحتل مكانه في ساحة المعارضة التي تتنافس فيها التنظيمات الآيديولوجية، مثل : الحركة الإسلامية والحركة الشيوعية والحركة الكردية، إضافة إلى تنظيمات البعث السوري، وشكّلت هذه المجموعات " جبهة العمل المشترك" (27 كانون الأول/ديسمبر/1990)، لكنها سرعان ما تفكّكت ودبّت الخلافات بين أطرافها مثلها  مثل "الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية "جوقد" التي سبقتها وتأسست في خريف العام 1980 والجبهة الوطنية الديمقراطية "جود" التي تأسست بعد الأولى بأسبوعين، والمؤتمر الوطني العراقي  الذي أعقبها 1992 وانضمت إليه الغالبية الساحقة من القوى المعارضة، لكنه هو الآخر ظلّ فوقياً وغير مؤثر وسرعان ما فقد إمكانات استمراره وانسحبت أو جمّدت علاقاتها به مجموعة الشخصيات والأحزاب والقوى التي أسسته.

وبتقديري إن معارضة بلند وغيره من المثقفين كانت معارضة فكرية وثقافية بالدرجة الأولى، ومعارضة سلمية لمشروع الاستبداد، خصوصاً  وأن أعداداً كبيرة أعادت النظر بصيغة "الحزب الواحد" و"الحزب القائد" و"الطليعة" و"دكتاتورية البروليتاريا" و"العنف" وغيرها من الصيغ القديمة، وأقرّت بأهميّة التعدّدية والتنوّع واحترام الخصوصيات، ولذلك كان الاختلاف أمراً لا مفرّ منه مع المشروع السياسي الذي خضع لتأثيرات متعدّدة، دولياً وإقليمياً، بل تم توظيفه لاحقاً ليساهم باحتلال العراق، وللأسف وقع ضحية مثل هذا "الوهم" أو "التواطؤ" مثقفون  وإعلاميون وأدباء، ناهيك عن سياسيين، أما بسبب عجز في الرؤية أو تعويلات على الخارج أو لمصلحة ضيقة بتبريرية ذرائعية وانقلاب على المفاهيم والقيم الوطنية.

وددتُ الإطلال على هذا الجانب، لأن بلند الحيدري وإن كان له تجربة سياسية سابقة، ولاسيّما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، حين انتمى للحزب الشيوعي وتصدّر مكانه في اتحاد الأدباء الذي كان يرأسه الشاعر الجواهري وبنفوذ ملحوظ من الأدباء الشيوعيين وأصدقائهم، إلّا أنه لم يكن منغمراً في العمل السياسي، بل إن مرارة تجربته بعد اعتقاله في العام 1963 دفعته للابتعاد عنه، لكنه اضطرّ للعودة إليه مجبراً لشعوره بأن بلاده أصبحت على شفا حفرة، فعسى يستطيع الإسهام بانتشالها عبر بث الوعي الديمقراطي والدعوة لإجراء انتخابات وسن دستور جديد للبلاد على أساس التعدّدية والتنوّع والاعتراف بحقوق الشعب الكردي وبالحقوق والحريّات الديمقراطية العامة والخاصة، وهو ما كان العديد من المثقفين يأملونه ويشاطرونه الرأي فيه.

VI

وكنّا قد حضرنا سويّة مؤتمراً للمثقفين في برلين انعقد في مطلع التسعينات وكان يحمل كاميرته التي لا تفارقه، وخلال تلك الفعالية الثقافية أدرجنا في برنامجنا القيام، بثلاث زيارات مهمة:

الزيارة الأولى إلى متحف برلين "بيرغامون" مدفوعين لمشاهدة الآثار العراقية  بشكل خاص والآثار القديمة بشكل عام، حيث يضمُّ المتحفُ  آثاراً لحضاراتٍ متنوّعة يعود أقدمها إلى ما يزيد عن 4 آلاف سنة قبل الميلاد. ولعلّ أكثر ما أثارنا هو مشاهدتنا " بوابة عشتار" و"طريق الموكب" الذي يعدّ الطريق الرئيسي لمدينة بابل التأريخية، إضافة إلى الرسومات والكتابات المسمارية فوق ألواح الطين والحجر والشمع والمعادن والخزفيات والفخاريات التي تعود إلى أكثر من 6000 سنة .

وكم كان حزننا كبيراً لأن هذه الآثار ليست في متاحفنا، إلّا أن ثمة نوع من " الرضا" المكبوت كان داخل كل منّا،  لأن هذه الآثار محفوظة في أماكن آمنة ويمكن استردادها في ظروف أخرى، ولو كنّا نعلم أن تنظيم "داعش" الإرهابي سيدمّر النمرود العظيم ومدينة الحضر التاريخية الأثرية والمنارة الحدباء وجامع النبي شيت والنبي يونس، وسيحطّم  ثورين مجنّحين عند بوابة نرغال التاريخية في الموصل وغيرها من الآثار التي لا تقدّر بثمن، لكنّا قد تشبّثنا لتبقى آثارنا محفوظة بعيدة عن أيادي الإرهابيين الآثمة التي دقّتها بالمعاول، كما عملت طالبان في أفغانستان ذلك من قبلها حين دمّرت تماثيل باميان التي يعود تاريخها إلى ألفي عام.

أما الزيارة الثانية، فكانت لقبر  برتولت بريخت الشاعر والكاتب والمسرحي الألماني والذي يعتبر من أهم كتّاب المسرح في القرن العشرين، وهناك جلسنا في مقهى قريب،  وتدفّق بلند في الحديث عن المسرح وعن بريخت الذي عاش في المنفى هو الآخر، فهرب إلى الدانمارك العام 1933 إثر وصول هتلر إلى السلطة، ومنها في العام 1941 إلى كاليفورنيا في أمريكا، التي مكث فيها إلى العام 1947، ثم عاد إلى ألمانيا الغربية، لكن سلطات الاحتلال منعته، فاضطرّ الذهاب إلى ألمانيا الشرقية وأسّس "فرقة برلين" ثم "نادي القلم"، حتى وفاته في العام 1956.

وتحدّث بلند عن نظرية بريخيت في "هدم الجدار الرابع"، والمقصود "إشراك المشاهد في العمل المسرحي". وحاول أن يشرح لي ما هو الجدار الرابع باعتباره جداراً وهمياً حيث يقف الممثلون على خشبة المسرح، وأبدى إعجابه الشديد بمسرح بريخت لأنه حسب رأيه مسرح يمثّل الغرابة ويجمع بين الكوميديا والتحريض، مثلما يجمع بعض المشاهد المتناقضة ليضمّها إلى بعضها في إطار واحد ليكوّن منها موضوعاً شديد الغرابة، مستخدماً بعض الأغاني. وقد حفّزني حديثه لقراءة بريخت ومسرحه لاحقاً.

والزيارة الثالثة كانت في رحاب روزا لكسمبورغ أو "روزا الحمراء" التي استحضرناها في برلين،  والتي كان لينين يطلق عليها لقب "نسر الماركسية المحلّق"، وهي مثقفة ومفكرة واقتصادية ماركسية بولونية الأصل وعاشت في ألمانيا، وقد عملت مع بليخانوف في زيوريخ (سويسرا)، ومن أهم مؤلفاتها " تراكم رأس المال" وتزّعمت مع كارل ليبنيخت "الجناح الثوري" في الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني، ووقفت بشدّة ضد مشاركة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، كما عارضت فكرة لينين حول كون الحزب الشيوعي "أداة البروليتاريا" لتحقيق دكتاتوريتها، واعتبرت مثل تلك "الفكرة خاطئة وغير ديمقراطية"  (أي دكتاتورية الـ 9 بالعشرة ضد 1 بالعشرة) وأكّدت على أن الديمقراطية هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق الاشتراكية وحكومة العمال، ولعلّ ذلك تبنّاه لينين في وقت لاحق (نظرياً) حين كتب يقول : إن من يفكر بالانتقال إلى الاشتراكية بطريق آخر  غير الديمقراطية، فإنه سيتوصل  إلى استنتاجات رجعية وخرقاء، سواء بمعناها السياسي أم الاقتصادي.

وبالعودة إلى روزا فقد لعبت مع مجموعة من النساء الأمميات دوراً بارزاً في رفع شأن الحركة النسوية، وذلك تحضيراً للاجتماع الاشتراكي الدولي العام 1910 في كوبنهاغن الذي تقرّر فيه اعتبار يوم 8 آذار (مارس) يوماً عالمياً يتم الاحتفال به بصفته عيداً للمرأة، يُراد منه تكريم الحركة النسائية المدافعة عن الحقوق الإنسانية للنساء والحصول على حقوقهن في الاقتراع وحضر ذلك الاجتماع التاريخي نحو 100 امرأة من 17 بلداً، بمن فيهم ثلاث نساء كن انتخبن في البرلمان الفنلندي اتخاذ ذلك القرار بتمجيد ضحايا مجزرة نيويورك التي صادفت يوم 8 آذار (مارس) 1908، وبعد عام من تلك المسيرة، أعلن الحزب الاشتراكي الأمريكي ذلك اليوم عيداً وطنياً للمرأة.

وكانت كلارا زيتكين قد اقترحت ذلك على مؤتمر كوبنهاغن ليصبح 8 مارس يوماً عالمياً، وأُحتفل بهذا اليوم لأول مرة في عام 1911، في كل من النمسا والدانمارك وألمانيا وسويسرا، لكن الاحتفال الرسمي بيوم 8 آذار (مارس) بدأ في آذار (مارس) الذي تلى ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا (1917) .

وإضافة دور روزا لوكسمبورغ فقد كان دور كلارا زيتكن وكروبسكايا (زوجة لينين) كبيراً، وساهمتا في اجتماع كوبنهاغن بالتنسيق مع لينين الذي كان ظلّه حاضراً من وراء الكواليس، سواءً في مناقشة وتدقيق بعض النصوص  أو في بعض المقترحات، حيث كان يجلس في مقهى قريب يحتسي أقداح الشاي، ويكتب ويدوّن.

وتلمستُ موقفاً متميّزاً لبلند من قضية المرأة ومن حقوقها ومساواتها، وكيف ينبغي أن يتعامل معها على جميع المستويات في الإدارة والقيادة والعمل والأجور وغير ذلك، وكان قد أثنى على القانون رقم 188 لعام 1959 بشأن الأحوال الشخصية واعتبره خطوة أساسية مهمة على طريق تحرير المرأة، وأشار بأسى إلى معاناتها بسبب الحروب والحصار والاستبداد، وذكرت له كيف تعاملت روزا مع المومسات اللواتي اضطررن لبيع أجسادهن وليس قوة عملهن حسب، وتوقّفنا عند شجاعتها حين نظّرت إلى هذه المسألة من زاوية إنسانية، وأكثر من ذلك حين انخرطت عملياً في قيادة تظاهرتين في مدينة كولونيا (ألمانيا) للدفاع عن النسوة  المضطهدات على نحو مركّب وتوفير ضمانات صحية لهن مؤكدة أن تحرير المجتمع كفيل بتحرير النساء، لاسيّما هذه الشريحة المظلومة. وهو ما تناولته لاحقاً في كتابي " تحطيم المرايا - في الماركسية والاختلاف".

توقفنا عند الإرث الفكري والشجاعة والجرأة التي اتّسمت بها روزا وعلاقتها مع هانز حبيبها، وتحدثنا عن رسائلها إلى حبيبها التي تمتلك قيمة أدبية وغنىً روحياً، ناهيك عن مقدار كبير من البوح الإنساني والطهارة الروحية والثقة العالية بالنفس.

VII

اطّلعتُ مؤخراً على  كرّاس نُشر تحت اسم " الكنيسة والاشتراكية" (ترجمة محمد أبو زيد، إصدار مؤسسة روزا لوكسمبورغ، 2017) على آراء روزا لوكسمبورغ بشأن الأرضية المشتركة للاشتراكية الديمقراطية والكنيسة، وتأكيدها على أن الاشتراكيين (إقرأ الشيوعيين) لا يسعون إلى الصدام مع الدين، وقد وجدت فيها ردوداً على بعض الآراء المتطرّفة بزعم "اليسارية" أو "العلمانية"، ولاسيّما في بلداننا ومجتمعاتنا، التي تندفع لمعاداة الدين أحياناً، فسيصطدمون في جدار سميك لا يمكن اختراقه، كما إن المشروع النضالي  من أجل العدالة الاجتماعية لصالح المقهورين لن يتحقق ولن يُكتب له النجاح  إلّا بتحالفات مع قوى اجتماعية، بغض النظر عن الإيمان أو عدم الإيمان، فتلك مسألة شخصية، ولكن في البحث عن الأهداف المشتركة ووفقاً للقيم المشتركة ذات البعد الإنساني . وتلك واحدة من الإشكاليات التي تواجه مجتمعاتنا، وكما تقول "إن ضمير الإنسان ومعتقده أمور مقدسة غير قابلة للتدخّل، فكل فرد حرّ في ممارسة المعتقد والقناعة التي تسعده".

وكانت قد أسست مع ليبنكيخت وكلارا زيتكن " عصبة سبارتاكوس" العام 1916 التي قادت ثورة في العام  1919 وإعلان الجمهورية الاشتراكية الألمانية، لكن قوى الإشتراكيين الديمقراطيين قامت باغتيالها وألقت جثتها في قناة لاندفير في برلين بعد أن ألقت خطاباً نارياً في الرايخشتاغ، وذلك بعد شهرين من قيام جمهورية فايمر الألمانية.

وقد اصطحبت بلند إلى المكان الذي يُعتقد أنها اغتيلت فيه، في الممرّ المؤدي إلى القناة  الذي كثيراً ما كنتُ أتردد عليه عند زياراتي العديدة إلى برلين برفقة عدد من الأصدقاء الذين يعيشون هناك وفي مقدمتهم هاشم المشاط وعلي ناجي بر وعصام الياسري وآخرين، وكنت قد أخذت صديقي الروائي أبو كَاطع (شمران الياسري) إلى المكان ذاته في العام 1976 عند زيارتنا إلى برلين الغربية.

واستعاد  بلند معي الحديث عن حسين الرحال الذي ذهب للدراسة في برلين وشهد ثورة سباراتاكوس وتأثّر بها وعاد إلى العراق داعياً للشيوعية، ثم قام بتنظيم حلقات ماركسية مع عدد من أقرانه مثل محمود أحمد السيد وفاضل البياتي وزكي خيري وآخرين، تلك التي تمثل حلقة بغداد. وكنت حينها قد اطلعت على أطروحة الماجستير لعامر حسن فياض الذي كتب عن "جذور الفكر الاشتراكي التقدمي في العراق 1978".

وتناولنا قضية النساء في روسيا وكوبا بعد الثورة، وقضايا النساء في مجتمعنا، لاسيّما، الذي سيحصل بعد الحروب والحصار، والقوانين الغليظة التي كانت قد صدرت حينها، والتراجع عن حقوقها، وكم كان بلند حزيناً بسبب نكوص المدينة كما أسماها في بلادنا على حساب زحف الريف عليها لدرجة أن مدننا وحواضرنا تريّفت إلى حدود كبيرة وهذا شأن القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد، حيث تنتشر العشوائيات، ناهيك عن البعد عن قيم المدينة وقيم الريف في الآن. وكم سيكون حزنه كبيراً  وعيناه الواسعتان تضيقان لو شاهد أوضاع النساء اليوم حين تزدهر الشعوذة وتتفشّى الأميّة وينتشر التخلف وتتشظّى البلاد منحدرة نحو الطائفية؟

 

VIII

وقد استكملنا تلك الجلسة الحوارية في برلين بجلسات ولقاءات في لندن، ودار حوار بيننا حول مستقبل الحركة الشيوعية في العالم العربي بعد انهيار جدار برلين  9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1989 وتحلّل الكتلة الاشتراكية وحين سألني عن رأيي، قلت له: نحن مثل بريخت الذي كان يقول عن الحزب: أغادره كل يوم في المساء لأعود إليه في الصباح، قال لا بل مثل آراغون الشاعر الفرنسي صاحب ديوان عيون ألزا الذي كان يقول:

لا تذهب بدوننا في الطريق الصحيحة

فبدوننا ستكون خاطئة جداً

لربما نكون مخطئين

وتكون مصيباً

لذلك لا تبتعد عنّا.

وتناولنا العلاقة الملتبسة بين المثقف والسياسي، وخصوصاً حين يشعر الأخير أن بيده السلطة، سواءً كان حاكماً أم مسؤولاً حتى في حزب سرّي مقموع، واستعدنا علاقة ستالين بالمثقفين في الثلاثينات وما بعدها وحملة التنكيل التي تعرّضوا لها في ظل الهيمنة  الجدانوفية المريرة، التي  كانت تدعو إلى تسخير كل الإمكانات الفنية والإبداعية من فن وآداب وموسيقى لمواجهة الثقافة البرجوازية الغربية وتوظيف الإبداعي لصالحها السياسي والفني لصالحها الأيديولوجي، وكانت تلك السياسة الثقافية هي السائدة، بل كان بيدها القدح المعلاّ كما يقال في فترة  الثلاثينيات والأربعينيات، إلاّ أنه تم التخلي عنها بعد وفاة ستالين في العام 1953  لكن تأثيراتها لم تختفِ أو تغيب، وظلّت تبسط ظلالها حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي وثمانيناته، علماً بأن جدانوف اتهم  في ما يعرف بمؤامرة "الأطباء اليهود" وكان أحد أبرز ضحاياها، وكان اتهامهم بالتعمّد في إهمال صحة القياديين في الحزب الشيوعي (المقصود ستالين)، وكان جدانوف من أبرز ضحايا تلك "المؤامرة.

وضحكنا كثيراً حين رويت له ما كنت قد قرأته من أن ميخائيل شولوخوف مؤلف رواية "الدون الهادئ" ارتجف حين سأله ستالين عن بطل الرواية "كريكوري" المتمرّد، المتقلّب، الشجاع، القلق، الضاج بالفحولة ومعشوق النساء، ولاسيّما لجهة علاقته باكسينيا، لماذا لم ينتم إلى الحزب؟ فما كان منه إلّا أن يجيبه إجابة تقريرية: لم أقرّر أنا يا رفيق هو الذي قرّر، فقد كان ستالين يريد النهايات السعيدة أو الإيجابية التي تعتبر إن كل ما هو إيجابي فهو ملك للحزب، وهكذا تصوّر إن انتماء كريكوري للحزب يمكن أن يعطي النموذج.

وتعرّض بألم لما أصاب المثقفون والثقافة من نكوص خلال الثورة الثقافية الصينية 1965-1976 حتى وفاة ماوتسي تونغ، حيث جرت عمليات تطويع وترويض وإهانة للمثقفين، ناهيكم عن محاولات توظيف طاقاتهم الإبداعية لصالح السلطة والجهاز البيروقراطي، ابتداء من الكرباج إلى مقصّ الرقيب، ومن العزل والمحاربة بلقمة العيش إلى كاتم الصوت، فضلاً عن وسائل أخرى أكثر مكراً ونعومة، ولكنها أكثر إيلاماً وأذى.

وعُدنا لسلطاتنا التي استهدفت المثقفين، سواء بالعمل على تدجينهم أو دمجهم بجهازها البيروقراطي ومؤسساتها الثقافية، بالإغداق عليهم أو إغراقهم كي لا يغنّون خارج السرب، وفي كل الأحوال تحرص على عدم خروجهم عن الفلك الذي تريده أن يدورون فيه بهدف الابقاء على الصوت الواحد وتطويع وسيلتهم الإبداعية، كي لا يتحوّلون إلى نقطة جذب، خصوصاً حين يتمتعون بقدر من الاستقلالية في الاجتهاد والمعالجة والموقف.

وناقشنا " الواقعية الاشتراكية" التي تحوّلت تدريجياً إلى " أداة تبرير" للاستبداد وتمجيد الزعيم، الفرد، حيث شكّلت كابحاً بوجه تطوير الثقافة، خصوصاً حين اعتمدت القوالب والصيغ والكليشهات لتقييم العمل الإبداعي، ولم يكن ذلك بعيداً عن مقارنة أجريناها مع المكارثية في الولايات المتحدة التي لا حقت المثقفين وقسّمتهم تبعاً لمواقفه الفكرية والسياسية، ناهيك عن أدوارها اللاحقة في التأثير على أعداد من المثقفين في بلداننا، بتغلغل بعض أجهزتها في دعم مؤسسات ثقافية وإعلامية، وهو الأمر الذي ازداد بصورة صارخة وشبه علنية أحياناً بعد انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الأيديولوجي من طوره القديم ضد الشيوعية والمعسكر الاشتراكي إلى طور جديد، وخصوصاً ضد ما سمّي بـ"الإسلام السياسي" في منطقتنا.

كما أجرينا مقارنة بين دور مثقفينا في الوقت الحاضر ودورهم في الخمسينات وكان بلند من دعاة ميثاق يؤكد معايير الحد الأدنى للاتفاق الثقافي والوطني، الذي يؤكد على حق المثقف ودوره ومسؤوليته وحقوقه الديمقراطية والمهنية، خصوصاً في ظل دعوة بإشاعة الحوار وسماع الرأي الآخر، آخذين بنظر الاعتبار التكوين الخاص للمبدع وعالمه الذاتي وما يريده من عملية الخلق، إضافة إلى وسيلته الفنية والمعايير الجمالية التي يريد إبرازها والتعبير عنها، مؤكدين على جدلية الثقافة والوعي، خصوصاً إذا ما عبّرت عن الحرية التي هي بتعبير ماركس "وعي الضرورة".

IX

قدّمت بحثاً في ندوة برلين بعنوان " الثقافة بين حاجز القمع وجدار الآيديولوجيا" وهو ما ضممته إلى كتابي " عاصفة على بلاد الشمس" الذي صدر في بيروت عن دار الكنوز الأدبية، في العام 1994، والذي كتب عنه بلند الحيدري في مجلة المجلّة (السعودية) اللندنية.

وكما جاء في مقالة بلند: وقد اجتمع لهذا الكتاب "عاصفة على بلاد الشمس" من فضائل كاتبه في الاختصاص بالقانون الدولي، وفي العامل ميدانياً في منظمة حقوق الإنسان العربي، وفي الصحفي والكاتب والدارس ما عزّز من نهجه في دقّة المعالجة واعتماده على الحقائق الثّابتة والمؤكّدة بالوثائق والأدلّة... إنه كتاب حقيق بالعودة إليه غير مرّة لإيفاء حقّه في البحث الجاد في مقوّماته وأبعاده.

وكان محمد مكية المعماري المعروف وصاحب ديوان الكوفة قد دعانا بلند وأنا لنكوّن إضافة إليه "لجنة ثقافية" للديوان، ووافقنا على اقتراحه وعملنا معه لبضعة أشهر، حيث وضعنا برنامجاً ثقافياً لفعاليات فكرية وثقافية وفنية وندوات خاصة، ونفّذنا بعضها بزخم كبير، ثم اقترح علينا عقد ندوة عن ميثاق 91 Charter الذي بادر إليه نجله كنعان مكيّة، الذي اشتهر باسم "سمير الخليل" مؤلف كتاب "جمهورية الخوف" .

ورغم التأييد الكبير الذي حظي به الميثاق حيث وقّع عليه عشرات من المثقفين العراقيين، إلّا أنه لم يتحمّل أن يوجّه له نقداً، ولاسيّما في موقفه من "القوات المسلحة" وهو ما دوّنته في هامش لكتابي الذي صدر في 1992 والموسوم "المحاكمة - المشهد المحذوف من دراما الخليج" (عن دار زيد - لندن) والذي جاء فيه "ومع الاتفاق الكامل من أن الجيوش غالباً  ما حدّدت الديمقراطية وأضعفت المجتمع المتمدن، كلّما تضخم حجمها كان ذلك  على حساب المجتمع  المدني وهو ما حدث في العراق بالفعل، إلّا أن ذلك ينبغي ربطه على نحو أشد وثوقاً بقضية الصراع في منطقة الشرق الأوسط وبخاصة لحل القضية الفلسطينية، وبالتالي تخفيض عسكرة الجيوش لعموم دول  المنطقة، إذ أن  استمرار سياسة "إسرائيل" العدوانية وعدم اعترافها بحقوق الشعب العربي الفلسطيني  لا يهدد السلم والأمن الدوليين حسب، بل تنذر بعواقب وخيمة، خصوصاً فيما يتعلق بنفقات السلاح وتضخيم الجيوش واحتمالات اندلاع الحروب وغيرها، وهو ما يجعل التعهد في الدستور العراقي الجديد بتحريم التجنيد الإلزامي وتقليص نفقات الدفاع والأمن الداخلي إلى 2% من مجموع الدخل القومي، إنما هو تعهد من طرف واحد ودون مقابل، خصوصاً وإن الفكرة لا تقترن ببقاء أو زوال صدام حسين، وإنما بقضية الوطن والأمة ككل" (المحاكمة - المشهد المحذوف من دراما الخليج، دار زيد، لندن، 1992، هامش رقم 45 ص 79-80)  وبسبب ذلك شعر بلند وكاتب السطور بنوع من الفتور وضعف الرغبة في الاستمرار، فانسحبنا بهدوء ومودّة ودون أثر يُذكر، وهو ما اتفقنا عليه.

كان بلند الحيدري شديد التواضع ويعبّر عن ذلك بطريقة مملّحة، وأتذكّر أنه حين عرّفني على الروائي اللبناني الكبير أمين معلوف الذي جاء لندن لإلقاء محاضرة في ديوان الكوفة بعد توقيع كتابه (مطلع التسعينات)، بادره إلى القول : " قبل سنوات كنت تأتي لتلتقط معي صورة للذكرى وها نحن اليوم نأتي إليك لنلتقط معك صورة"، وهذا ما يظهر اعتزازه بنجاح الآخرين ومكانتهم وإبداعهم.

ولأن محمد فايق وزير الإعلام المصري الأسبق في زمن عبد الناصر بحكم موقعه كأمين عام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان يعرف العلاقة التي ربطتني مع بلند الحيدري وتعاوننا في الميدان الحقوقي والثقافي، فإنه بادر إلى الاتصال بي لتعزيتي ولنقل تعازيه إلى عائلته، وقد اتصلت بزوجته الفنانة التشيكلية دلال المفتي وأبلغتها بذلك وبحضور الصديق سعود الناصري الذي كان عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا.

وقال محمد فايق في الكلمة التي ألقاها في الاحتفالية التي أقيمت لي في القاهرة بمناسبة نيلي وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي (القاهرة - 2003) "... كان شعبان يندمج مع بلند الحيدري فكراً ووجداناً وشعراً... وينصهر مع الجواهري ويذوب في أشعاره ويتوحّد مع أفكاره... وكان يلتقي مع الشاعرين الكبيرين في إعلاء قيمة الإنسان وإطلاق طاقاته في ظل الحرّية التي عشقها ونذر حياته لها"، والكلمة منشورة في كتاب أصدره المركز العربي لنشطاء حقوق الإنسان الموسوم " عبد الحسين شعبان : الحق والحرف والإنسان"، وقدّم له المحامي حجاج نايل مدير المركز، القاهرة، 2003.

جدير بالذكر أن بلند الحيدري سبقني إلى رئاسة المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن، وحين انتخبت رئيساً بعده وأمضيت عدّة سنوات في رئاستي للمنظمة، وكنت قد اخترت بلند الحيدري عضواً في المجلس الاستشاري مع نخبة ضمّت 15 عضواً من خيرة المثقفين العرب، بينهم الشاعر والمفكر العراقي صلاح نيازي، الذي رفد المكتبة العربية بعشرات الكتب والمؤلفات والترجمات والدراسات النقدية، إضافة إلى دواوين منها:  "كابوس في فضة الشمس"، و"المفكر والهجرة إلى  الداخل" و"ابن زريق وما شابه" -وأصدر مجلة رصينة اسمها " الاغتراب الأدبي" في لندن، استمرت لنحو عقدين من الزمان.

وحين تم اختطاف منصور الكيخيا الحقوقي والمثقف الليبي البارز ورجل الحوار والسلم، من القاهرة في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1993 حين كنّا نحضر مؤتمراً من فندق السفير بالدقي، شكّلنا لجنة للدفاع عنه في لندن كان على رأسها بلند الحيدري  وصديق الكيخيا صلاح عمر العلي والفنانة المسرحية ناهدة الرمّاح من العراقيين وعدد من الشخصيات العربية البارزة، إضافة إلى محمد المقرين أحد أبرز شخصيات المعارضة الليبية ورئيس المؤتمر الوطني الليبي لاحقاً وعلي زيدان رئيس الوزراء بعد الإطاحة بالقذافي وعدد من الشخصيات الفلسطينية والسودانية والخليجية والمصرية والمغاربية، وكنت قد ألفت كتاباً عن الكيخيا العام  1997 بعنوان " الاختفاء القسري في القانون الدولي - الكيخيا نموذجاً"، كما أنتجت المنظمة فيلماً عنه في السنة ذاتها، لكن بلند الحيدري كان قد غادرنا حينها .

وكان آخر لقاء ببلند الحيدري قبل وفاته بأسبوعين، حين دعوت لحضور اجتماع بين اللجنة التنفيذية والمجلس الاستشاري للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، لرسم ستراتيجيات ما بعد المؤتمر، ولاسيّما للاتفاق على الملتقى الفكري السنوي الذي اعتادت المنظمة على تنظيمه، وقد قررّنا في تلك الجلسة أن يكون الملتقى القادم "عن القدس والرأي الاستشاري"، وقد بدا في تلك الجلسة مرهقاً وحزيناً، وبعد الانتهاء من الاجتماع أقنعته بإيصاله بسيارتي إلى منزله في منطقة إيليلنغ وحين علم بأنني أعدّ كتاباً عن الجواهري، بادر إليّ بطلب قراءته وكتابة مقدّمة له وحين عبّرت له عن سروري وشكري، قال بالعكس إنك ستمنحني الفرصة للكتابة عن الجواهري. وهو ما اتفقنا عليه، لكن يد القدر كانت أقرب إليه.

لم أشأ أن أتطفل عليه لسؤاله عن سبب إرهاقه وحزنه، لكنه بادر للقول إنه سيجري قسطرة للقلب بناء على نصيحة الطبيب بعد أيام، ولكنه دخل المستشفى ولم يخرج منها. وأظن أن الفاتحة التي أقيمت له كانت من أكبر وأضخم الفواتح التي عرفتها خلال فترة وجودي في لندن، مهابة وحضوراً وحزناً حقيقياً.

X

تأثر بلند الحيدري بإيليا أبو ماضي وميخائيل النعيمة والياس أبو شبكة، في بحثهم عن الخلود والفناء والوجود والعدم والموت والحياة، وذلك قبل تأثره بسارتر وكيركارد وهايدغر على حد تعبيره، وحسبما يقول إن جيله شهد ثلاث ثورات لم يكن بعيداً عنها، أولها - الثورة الأخلاقية، أي الثورة على الأخلاق السائدة، ومن هنا كان إعجابه بحسين مروان وصفاء شقيقه، والثورة الثانية اليسارية والماركسية جوهرها حينذاك، وثالثها الثورة الوجودية التي يقول إنه انفرد فيها من بين أقرانه، واستفاد في ذلك من حواراته (مطلع الخمسينات) مع عبد الرحمن بدوي.

كانت لغة بلند تشكيلية أكثر منها إنشائية، فقد ابتعد عن الزخارف، وبقدر كونها ترسم صوراً بحروف ملونة فهي ترسل إشارات ناعمة ومؤثرة في الآن، عاطفية، سداها ولحمتها، الذات بحثاً عن الأمل والإنسانية في ظلّ مجتمعات بائسة وتعاني من شحّ الحريات، وترك لنا بلند علامات دالّة على الطريق لتؤشر لتضاريس لتجاوز القصيدة الكلاسيكية.

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

جواد غلومكلما أنوي الاتصال بأولادي وبناتي الموزّعين في أقاصي الأرض وشتاتها ألجأ لملاذي الذي اعتدت عليه في الهاتف الذكيّ وأنتخب "السكايب" ليوصلني إلى من أحبّ فيهدأ بالي وتطيب سريرتي .

في العام /  1992 رحل  شاب قرويّ، وحيد أمه وأبيه، طبعُه ساذج، ليس له مران في التعامل مع الثورة الالكترونية وعالم التقنية والميديا الاّ النزر اليسير، فتىً قليل الخبرة هاربٌ من الاضطرابات السياسية في بلاده الأم ّ، ضعيف الدربة  اسمه "جان كوم" مع أمّه القرويّة الساذجة ربّة البيت الأوكرانية مهاجراً الى الولايات المتحدة بعد ضنك عيشٍ في بلادها الأم  وتركا الأب  في أوكرانيا اذ كان هذا الأب معاندا ولم يرغب في الهجرة وبقي في بلاده كمدير لمشروع إسكان الفقراء وبناء بيوت شعبية لهم وتشييد المدارس والمستوصفات الصحية لمواطنيه وأطفالهم  في قريته .

 كان عمر هذا القرويّ الوحيد لعائلته وقتذاك اربعة عشر عاما حينما حطّ رحاله في بلاد "اليانكي" واستقر في قصبة نائية ضمن ولاية كاليفورنيا اسمها "ماونتن فيو" هربا من النزعة المعادية للسامية وكراهية الأجانب النازحين الى الولايات المتحدة والتي كانت قائمة بين بعض سكّانها في تلك الولاية .

عاش مع أمّه في شقة صغيرة تحوي غرفتَي نوم حصلا عليها ضمن المساعدات الحكومية التي تمنح للمهاجرين  قبل ان تصاب والدته بالسرطان وتنتقل الى العالم الآخر سنة /  2000 .

 وقبل هذا التاريخ رحل والده ايضا سنة /  1997 ودفن في وطنه الأوكراني  الذي لم يغادره .

عملت أمّه في ردح حياتها الاميركية أوّل مرةٍ مربية وجليسة أطفال لدى إحدى العوائل الغنية رغم اشتداد أسقامها، كما حصل "جان كوم" على عمل رثّ في دكان بقالة متواضع ويقوم بنفسه في ترتيب البضائع وغسل أرضية البقالة وتنظيفها يوميا  وبعدها انتقل الى عمل آخر حارسا ليليا بإحدى الشركات حينما تم قبوله طالبا دارسا في جامعة سان خوزيه ستيت اذ كان يدرس نهارا في الجامعة ويعمل في الحراسة ليلا .

قبيل وصوله الى العالم الجديد، عاش الفتى قبلا مع والدته في قرية صغيرة خارج العاصمة كييف في أوكرانيا معيشة فيها من الضنك الكثير إذ كان مسكنه يخلو من الماء الساخن والكهرباء وأجهزة الهاتف، وبالكاد أكمل دراسته الابتدائية في تلك القرية وعُرف بشغبه وشراسته مع زملائه الطلبة ولم تظهر عليه علامات الفطنة والذكاء أيام التعليم الأساسي في بلاده ومحتده أوكرانيا .

وطوال إقامته في الولايات المتحدة  بدأت سمات الذكاء تظهر عليه خاصةً بعد ان فاز بعملٍ مهندس إلكتروني في شركة "ياهو" وتكليفه بتفقّد أنظمة الدعاية، وكان يجمع بين الدراسة وبين العمل والكدح المضني، وبسبب خلو جيبه فقد كان يستعير الكتب من المكتبة العامة ومن زملائه وأصدقائه ليلتهمها في اقصر وقت ويعيدها الى أصحابها  إذ صمم على تغذية عقله بتقنيات التكنولوجيا الرقمية وعلوم الحاسبات وعالم السوشيال ميديا وجهدَ على المثابرة لإغناء عقله باعتباره طريقا سالكا باتجاه إثراء جيبه وزيادة أرصدته المالية، وهو الذي عاش الفقر المدقع والحاجة القصوى للمال يوم كانت أمّه المريضة بأمسّ الحاجة الى الدواء والعلاج المكلف خاصة وانها لم تكن وقتذاك تمتلك تأمينا صحيا يتيح لها العناية بصحتها ومواصلة العلاج .

ولأن الحاجة أم الابتكار والاختراع  كما يقال في أمثالنا ، ففي عام 2009، قام مع شريكهِ  "بريان أكتون" بتأسيس برنامج التراسل للهاتف الجوال "واتس آب" والذي يعني ويترجم تساؤلاً في العربية : ما الجديد؟، والذي اشترتها في فبراير/ 2014 شركة فيسبوك التي سبق ان طردتْه عام / 2007 عندما قدّم على وظيفة تُعينه وصديقه على تحمّل أعباء الحياة وتدعم مشروعه  المجاني في عالم الاتصالات مثلما رفضت تعيينه شركة (تويتر) ايضا، ولكن بإصراره وقوة عزيمته حقق ثروة لا تخطر حتى في خيالات الأحلام وأوسع من حدود الأماني (19 مليار دولار) استلم دفعته الأولى البالغة أكثر من ستة ونصف مليار  وهو الذي كان يُمنّي نفسه بأن يملأ جيبه ببضع مئات من الدولارات ليسدّ رمقه ويقيم أوَده .

والمدهش ان الصفقة التي تمت بينه وبين مؤسس الفيسبوك قد حصلت في نفس البناية البيضاء التي كانت مركزا لاستقبال أمثاله المعوزين اللاجئين وكثيرا ما كان يستلم منها المعونات البخسة بين حين وآخر (بضع مئات من الدولارات وقليل من المساعدات العينية) وكوبونات الحكومة المدعمة لأقرانه المغتربين الفقراء باعتباره لاجئا هو وأمّه وقت شبابه وفتوته  ليقيم أودَه ويسدّ رمق أمه المعوزة المريضة .

تحدّث جان كوم بعد استلامه الدفعة الأولى البالغة اكثر من ستة مليار دولار : كنت في صباي ادخل مكاتب البريد لأتصل بوالدي في اوكرانيا وأبقى ساعات انتظر دوري في مكتب البريد وحالما انتهي عليّ ان ادفع أجرة الخدمات الهاتفية مما يرهق جيبي، ولا اخفي فان هذا الحال المدقع ودفع الدولارات من اجل مكالمة تُريحني كانت سبباً لابتكار الخدمة الهاتفية المجانية في الواتساب، لهذا عزمت مساعدة مستخدمي الواتساب بصورة مجانية وسعيِي ونجاحي في تحميل ما ابتكرت في جهاز (الآيفون) الذي امتلكته عام / 2009 بشقّ الانفس، وهذه ضمن شروطي على إدارة الفيسبوك على إبقائه مجانيا وبدون دعايات إعلانية مفرطة بعد عقد الصفقة عسى ان أوفق في خدمة المعوزين وأخفف عنهم، وها أنا حققت ما أريد وكم أسعد حينما أرى مئات الملايين يستفيدون من خدماتي الهاتفية بلا مقابل مادي، فأنا الآن رغم ثرائي ما زلت اعشق الحياة البسيطة التي كنتها في بلادي قبل رحيلي الى الولايات المتحدة، وهل أنسى أمّي التي ملأت حقيبتي أقلاما وقرطاسية ودفاتر من مكتبات أوكرانيا حتى لا أضطر الى شرائها بسعر غالٍ في مهجري العالم الجديد .

كثيرا ما تختلج في رأسي فكرة ان المبدع – فنانا كان او أديبا، مخترعا او مكتشفا في أيّ حقل من حقول العلم – لا يصل الى قمة الإبداع والابتكار إلاّ إذا عاش الفقر وتذوّق مرارة الفاقة وقد يصل الى ذلك الفردوس الإبداعي والاكتشاف الذي يصبو إليه، لأن الفقر والعوز يعطي العالِم المخترع والأديب والفنان دفعا وزخما أعلى بكثير ممن لا يعيشون معاناة الفاقة وهذا هو حال السيد الأوكراني " جان كوم " مثار حديثنا الذي أقدّم له وافر الشكر والامتنان  كلما سمعت صوت نسلي وأحفادي وأروني شكلهم وجها لوجه عبر اللوح الالكتروني .

 

جواد غلوم

 

محمود محمد علييعد الدكتور محمد مهران رشوان (1939-2012م) أحد رواد أساتذة المنطق المتميزين في عالمنا العربي، استطاعوا توظيف المنهج التحليلي الذي طبقه بدراساته في الفلسفة المعاصرة، خاصة علي فلسفة برتراندرسل، ودراساته حول فلسفة اللغة، علي المنطق العربي، بحيث يستطيع الباحث المدقق أن يجد الصلة بين جهوده في هذين المجالين.

وقد عرفته من خلال كتاباته المنطقية التي كانت تُدرس لي في مرحلة التعليم الجامعي بجامعة أسيوط (سابقا)، حيث كان يشرح منها أستاذنا الدكتور "نصار عبد الله" مقرر المنطق الرمزي (بالفرقة الثالثة) حين كنت طالباً بقسم الفلسفة بكلية الآداب بسوهاج، وحين تخرجت وحصلت علي ليسانس الآداب، ذهبت إلي جامعة القاهرة لأكمل دراساتي بقسم الفلسفة، وكان هدفي الأساسي أن أسجل رسالتي للماجستير والدكتوراه في تخصص المنطق وفلسفة العلوم، وقد بحثت عن الدكتور مهران فوجدته معاراً بدولة الأمارات العربية، وحين عاد سيادته في أواخر 1996، ذهبت لمقابلته أنهل من علمه وفكره ومنذ تلك اللحظة لم تنقطع علاقتي به، حيث كنت أتابعه باستمرار من خلال المؤتمرات والندوات والمناقشات (سواء رسائل الماجستير أو الدكتوراه) .

والدكتور محمد مهران قد تتلمذ علي يديه المئات سواء في مرحلة الليسانس أو الدراسات العليا وحصل الكثيرون معه علي درجات الماجستير والدكتوراه، والدكتور مهران (بشهادة الدكتورة سهام النويهي في مقال لها بعنوان محمد مهران والمنطق) يعد أحد رواد أساتذة المنطق المتميزين في العالم العربي في وقتنا المعاصر فلأنه بدأ الاشتغال به منذ بداية السبعينيات وخاصة الاشتغال بالمنطق الرمزي الذي كان يعد في ذلك الوقت موضوعاً غريباً إلي حد ما ولم يألفه أحد قط فلم يكن بين المشتغلين بالدراسات الفلسفية إلا عددا ضئيلا من المهتمين به نظرا لصعوبته وظهوره بصورة أقرب إلي تخصص الرياضيين منه إلي تخصص الفلاسفة . كما كانت المكتبة العربية نادرة الاحتواء لمؤلفات عربية في هذا النوع من المنطق . ولقد ساهم الدكتور مهران بمؤلفاته في المنطق الرمزي في تعريف القارئ العربي بهذا النمط من الدراسة بأكبر قدر من الوضوح وأبسط طريقة يمكن أن يقدم بها هذا التعريف . فرغم عدم بساطة المنطق الرمزي سواء في طبيعته أو في لغته إلا أن د. مهران قد توخي في كتاباته البساطة في العرض والوضوح في الفكرة دون الاخلال بعمقها وهذا ما يتضح في الكم الهائل من الأمثلة الممعنة في التبسيط التي ترد في كتاباته، وهي أمثلة عادة ما تكون من الواقع بحيث امكنه ربط المنطق الرمزي المتسم بالتجريد والصورية الكاملة بما هو واقع وهذا مما يمكن القارئ بصفة عامة من الفهم بيسر وسهولة، فهو لا يتكلف أساليبه بل إن غايته هي إيصال الموضوعات بأكبر قدر من الوضوح، كما أن من أهداف الدكتور مهران توضيح طبيعة التفكير المنطقي كما نمارسه في حياتنا اليومية . فقد أراد دائما أن يثبت أن القواعد المنطقية ليست مجرد قوالب صماء جوفاء ولكن لها تطبيقاتها في حياتنا اليومية فكما يقول هو في مقدمة أحد كتبه " قواعد المنطق بلا تدريب او تطبيقات في أحوال شتي يحيلها إلي قواعد جوفاء، تماما كما يكون التدريب علي التفكير المنطقي دون فهم جيد للقواعد تدريب أعمي يسير بغير هدي ".

وكان الدكتور مهران نعم الأستاذ الذي يتسم بالكبرياء الواضح، والحوار العميق، والمستوى الرفيع في إدارته للجلسات وإعطائه للكلمات وتعقيبه على الانتقادات، علاوة علي أنه كان يتميز في كلامه بتلقائية صريحة، حيث كان خفيف الظل، عميق الفكاهة، مبهرًا ومتألقًا ورائعًا ؛ ولقد صدق الدكتور مصطفي النشار حين وصفه (في كتابه رواد التجديد) :" بأنه لم يكتف بأداء مهامه في الأستاذية تدريساً وبحثاً وإشرافاً علي تلاميذه، بل قام لدي هؤلاء التلاميذ بمهمة الأب والراعي لهم والمدافع عنهم والذي يتصدى بشجاعة إلي حل مشاكلهم فتحول لديهم من مرتبة الأستاذية الحانية إلي مرتبة الصديق المدافع ليس فقط عن هؤلاء التلاميذ، بل عن هؤلاء الأصدقاء. لقد تفرد الدكتور مهران بفضيلة الجمع بين الأستاذية والصداقة لتلاميذه لدرجة كان يشعر معها هؤلاء التلاميذ أنهم يتحدثون ليس إلي أستاذهم بل إلي صديقهم الودود الذي لا يمل من شكواهم ولا يضيق بمشكلاتهم . إنه الأستاذ الذي كان يؤمن بأن قيم الإنسانية تفوق قيم الأستاذية وأن البحث العلمي والتقدم الاكاديمي لطلابه وتلاميذه مرهون بإحساسهم بالأمان إلي جواره والأنس إلي رفقته ومحبته .ولذلك ضاقت المسافات بينه وبينهم رغم فارق السن والخبرة والأستاذية، إنه علي دراية بكل دقائق حياتهم يفتح لهم بيته ومكتبته ويهبهم الساعات الطوال في صحبته لا يبخل عليهم بنصيحة ولا يتوقف عن رعايتهم ماديا وأدبيا وعلميا، والمدد عنده لهم بلا حدود . لقد اختلط بهم واختلطوا به حتي أصبحوا في مرتبة أبنائه وأصدقائه دون تكلف أو إدعاء .

والدكتور محمد مهران رشوان، من مواليد قرية الصلعا بمحافظة سوهاج، مارس 1939، وعين معيدا فى كلية الآداب جامعة القاهرة، وحصل على الماجستير عن موضوع البحث "فكرة الضرورة المنطقية" تحت إشراف د.زكى نجيب محمود ثم د. توفيق الطويل عام 1968م بتقدير عام ممتاز، ثم عين مدرساً مساعداً وبدأ رحلة البحث في الدكتوراه بين جامعة القاهرة وجامعتى السربون بباريس ولندن بإنجلترا، حتى حصل عليها من جامعة القاهرة تحت إشراف د. يحيى هويدى فى موضوع "منهج التحليل عند برتراندرسل" عام 1974م بمرتبة الشرف الأولى. تدرج د. مهران بعد ذلك في الوظائف الجامعية، حتى تولى الإشراف على كلية الآداب بجامعة القاهرة فرع بنى سويف، وشغل منصب عميد هذه الكلية منذ عام 2000 حتى 2005.

كما يعد مهران أحد الرواد القلائل في ميدان دراسات المنطق بمصر، وتعد أعماله مراجع رئيسية للباحثين في المنطق الصوري والتحليلي، وفلسفات فتجنشتين وجورج مور وبرتراندراسل، الفلاسفة الإنجليزي. وامتلك مهران قدرة هائلة علي شرح المنطق، بخاصة المنطق التحليلي عند جورج مور. ومن كتبه "مدخل إلى المنطق الصوري" 1975، "مدخل إلى المنطق الرمزي" 1976، "فلسفة برتراندرسل" 1976، "في فلسفة الرياضيات" 1977، علم المنطق 1979، مدخل لدراسة الفلسفة المعاصرة 1985، في فلسفة العلوم ومناهج البحث 1985.

ولعل  أهم ما يلفت الانتباه فيما قدمه الدكتور مهران من أعمال في مجال المنطق هو اهتمامه بالدراسات المنطقية عند العرب، فهو من الرواد في التوجيه إلي أهمية الاشتغال به، وهذا ما يتضح كذلك من إشرافه علي العديد من الرسائل العلمية في هذا المجال حتي أنه يعد بحق صاحب مدرسة في البحث العلمي في الدراسات المنطقية عند العرب .

وقد يكون من أهم ما قام به من أعمال في هذا المجال هو ترجمته لكتاب نيقولا ريشر "تطور المنطق العربي" إلي اللغة العربية لأنه بنقله لهذا الكتاب (الذي يقع في 576 صفحة)، كان يعي أنه إنما يفتح مجالاً جديداً للدراسات المنطقية المعاصرة في العالم العربي، ومن ثم فقد قدم لهذه الترجمة بدراسة وافية عن الكتاب وأهميته، وسد بهذه الدراسة ثغرات كثيرة فاتت علي ريشر في ثنايا كتابه .

واسمح لي عزيزي القاري أن أذكر لك جانباً من مقدمته لهذا الكتاب، إذ يثير لنا الدكتور مهران مجموعة من الإشكالات المهمة التي ارتبطت بالنقاش الذي فتحه المناطقة والفلاسفة المسلمون حول المنطق وقضاياه، خصوصا في الفترة الممتدة من بداية الخلافة العباسية حتى القرن العاشر هجري، ويمكن تقريب هذه الإشكالات من خلال ما يلي:

1- إشكالية التسمية (المنطق العربي): حيث أرجع الدكتور محمد مهران بهذه المشكلة إلى النقاش الذي دار بين السيرافي ومتى بن يونس حول طبيعة المنطق، هل هو واحد مرتبط بالفكر، أم إنه مرتبط باللغة ومتغير بتغيرها؟ وهو النقاش الذي خلده أبو حيان التوحيدي في كتاب "المقابسات".

2- مشكلة المنطق بين العلمية والآلية: حيث أرجع الدكتور محمد مهران بهذه المشكلة إلى اختلاف موقع المنطق في علاقته بالفلسفة بالانتقال من أرسطو إلى المدرسة الرواقية، فإذا كان الأول جعله منفصلا عنها، فإن الرواقيين اعتبروه جزءا لا يتجزأ من الفلسفة، حيث تنقسم لديهم إلى العلم الطبيعي، ثم الجدل فالأخلاق.

3- مشكلة المنطق بين المادية والصورية: حيث أرجع الدكتور محمد مهران بهذه المشكلة إلى أرسطو والتأويلات التي أعطيت لأعماله المنطقية، فقد جعل المنطق علما بما هو كلي؛ أي أنه يعتني بالصور المجردة التي هي انعكاس لصورة الأشياء في العقل. رغم هذا الطابع الصوري، فإن الصورية لا تعني الفراغ من كل مضمون، وهذا هو الرأي الذي ساد لدى أوائل العرب الذين اهتموا بالمنطق الأرسطي، قبل أن يتبنى المتأخرون موقفا حاولوا من خلاله تجريده من مادته التي تتخذ تارة صبغة برهانية، وتارة أخرى صبغة جدلية أو خطابية أو شعرية.

4- الأورغانون بين أرسطو والعرب: أكد الدكتور محمد مهران خلال مناقشته لهذه القضية، أن الإسكندر الأفروديسي هو الذي حدد المنطق بالأورغانون، وتركب لديه من كتب ستة هي: المقولات والعبارة والتحليلات الأولي والتحليلات الثانية والجدل والسفسطة، وأكد د. مهران أن هذا الترتيب ليس زمانيا، وإنما تمت فيه مراعاة الانتقال من البسيط إلى المركب ومن المبادئ إلى تطبيقاتها، فتراكب المقولات يشكل العبارة، وتراكب العبارات يعطي قضايا، تتوالد من بعضها بالقياس، وهو توالد قد يتخذ نفحة برهانية أو جدلية أو سفسطائية مغالطة. وبالتالي يضاف لى هذه الكتب الستة كتابان، هما: الخطابة والشعر.

5- قضية التقسيم الثنائي للمواد المنطقية: بعد إثارته لهذه القضايا، سينتقل الدكتور محمد مهران في تقديمه لكتاب "تطور المنطق العربي" لمناقشة قضية أخرى، تتعلق بالتقسيم الثنائي للمواد المنطقية لدى المناطقة العرب، إذ تنقسم لديهم إلى تصورات وتصديقات، من خلال فهمهم للمنطق على ضوء خصائص لغتهم العربية.

6- الطرق التي عالج بها المسلمون المنطق :، وقد جعلها كالتالي: طريق الترجمة والنسخ، والشروح المنطقية، النظم، الحواشي، المختصرات، التشجير. أما بخصوص دخول المنطق إلى العالم الإسلامي والعربي، فقد اقترن حسب الدكتور محمد مهران بالطب، وانتهى به المطاف مقترنا بعلم الكلام، ذلك أن جالينوس أكد أن دراسة الرياضيات والمنطق شرط مسبق لفهم الكتب الطبية فهماً واعياً، فكان المنطق بمثابة تعليم أولي يسبق دراسة باقي العلوم، وقد انتقل هذا التقليد إلى العرب في المشرق والمغرب، ونجده عند ابن سينا وابن ميمون، وقد ساهم بيت الحكمة في العصر العباسي في توفير الكتب المنطقية التي تلازمت مع ترجمة الكتب الطبية والفلكية.

ولقد فتح كتاب تطور المنطق العربي مع الدراسة العربية التي قدم بها الدكتور مهران (بشهادة د. النشار في كتابه رواد التجديد)، آفاقا واسعة  لإعادة النظر من قبل دارسينا العرب في تراثهم المنطقي وإسهامات المناطقة العرب في تاريخ المنطق وتعددت الرسائل العلمية التي أشرف عليها الدكتور مهران في هذا المجال، وقد بدأت باكورة هذه المدرسة الجديدة في دراسة المنطق العربي برسالة د. إسماعيل عبد العزيز تحت إشراف الدكتور مهران عن مدرسة بغداد المنطقية .

وتوالت في هذا الاتجاه عند ترجمة كتاب ريشر والدراسة التي قدمه بها لكنه بدأ سلسلة من الأبحاث الأصيلة في نفس الاتجاه علي طريقته التحليلية الفريدة فكتب دراسة رائدة عن الروح العلمية في القرآن الكريم تحدث فيها عن عناصر المنهج العلمي في القرآن الكريم وأكد علي الروح العلمية والاستدلالية المنطقية في الكثير من آيات القرآن الكريم وتلك العناصر وهذه الاستدلالات المنطقية القرآنية هي ما تحلي به علماء وفلاسفة الإسلام الأوائل الذين نجحوا إلي حد بعيد في استلهام هذه الروح العلمية والتجريبية في القرآن الكريم ليقدموا أروع الأبحاث العلمية في معظم العلوم المعروفة آنذاك، بل ويؤسسوا علوما جديدة لم تكن معروفة قبل عهدهم مثل علم الكيمياء وعلم البصريات بالإضافة إلي تأسيسهم للعلوم الإسلامية كعلم الفقه وعلم الحديث وعلم أصول الفقه حسب الأصول المنطقية واستلهاما لهذه الروح العلمية في القرآن الكريم (وذلك حسب شهادة د. مصطفي النشار في كتابه رواد التجديد).

كما كتب دراسة تحليلية رائدة عن الغزالي وكتابه القسطاس المستقيم ذلك الكتاب الذي حاول فيه الغزالي استخراج الأقيسة المنطقية الأرسطية بأشكالها المختلفة من القرآن الكريم ذاته وإن سماها الموازين القرآنية، وهذا مما جعله يؤكد علي أن القرآن وليس أرسطو هو المعلم الأول، وقد أوضح أهمية هذا الكتاب للغزالي ودوره في تمرير دراسة المنطق والفلسفة في العالم الإسلامي، حيث يستعرض الدكتور مهران في هذا الكتاب للفكر المنطقي عند الإمام الغزالي في بعض مؤلفاته" معيار العلم، مقاصد الفلاسفة، محك النظر"، مع التركيز على كتاب (القسطاس المستقيم) فيبدأ بدفاع الإمام الغزالي عن الفلسفة والمنطق، ثم يتعرض للمنطق بأسمائه واصطلاحاته المختلفة، ثم يناقش أهم معايير العلم وموازينه فيتعرض للمعيار العقلي والنقلي ومدى التطابق بينهما وعلاقتهما بالقياس المنطقي. ويحاول الإمام الغزالي استخراج أصول القياس من الآيات القرآنية والتعبير عن بعض هذه الآيات بأقيسة منطقية وهو أمر كانت له دلالة كبيرة بالنسبة للدراسات المنطقية في الإسلام

كما كتب أيضاً سبع دراسة هامة بعنوان " دراسات في المنطق عند العربي"؛ ستة منها في المنطق وواحد حول الروح العلمية في القرآن الكريم، منها أربع حول المنطق في الأندلس وأعلام المناطقة فيها مثل بحث ابن حزم وكتابه " التقريب لهذ المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية"، وببحث آخر عن ابن رشد وشروحه المنطقية علي أرسطو وقد تساءل في هذا البحث الأخير هل كان ابن رشد مجرد شارح لأرسطو وكانت إجابته النهائية علي التساؤل تشير إلي أن ابن رشد لم يكن مجرد شارح حرفي لأرسطو ؛ فما آثاره من موضوعات وما ابتدعه من مصطلحات وما لجأ إليه من تأويلات قد أعطي لشروحه وتلخيصاته طابعا مميزا لا يخلو من ابداع وإن لم يتعارض هذا الإبداع الرشدي مع أرسطو ومنطقه. كما قدم بحثا آخر عن ابن الأزرق وثقافته المنطقية من خلال كتابه " روضة الأعلام" وأكد فيه علي أنه رغم أن ابن الأزرق عاش في فترة انكسار الحضارة الإسلامية في الأندلس إلا أن هذا الانكسار لم يحل دون أن تظهر العقول المفكرة القادرة علي الإبداع والإضافة إلي نهر المعرفة الإنسانية حتي الرمق الأخير . وقد ختم الدكتور مهران هذه السلسلة من الدراسات المنطقية بدراسة هامة عن الوضع الحالي للدراسات المنطقية في مصر والمعروف أن مصر ومناطقتها ودارسيها في هذا المجال هم الرواد في مجال الدراسات المنطقية في العالمين العربي والإسلامي (وذلك حسب شهادة د. مصطفي النشار في كتابه رواد التجديد).

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول تحية وفاء وعرفان واحترام لهذا الأستاذ الجليل الذى لم يُضف إليه مقعد العمادة ولم تغيّره المناصب، وظل معدنه أصيلًا لامعًا لا يصدأ أبدًا، فهو ذلك الذي كان متربعًا على قمة أساتذة المنطق وفلسفة العلوم في الوطن العربي، رغم محنة ضعف البصر نتيجة الكر والفر بين صفحات الآلاف من الكتب والدراسات والمقالات التي تعامل معها الدكتور محمد مهران فى رحلة أكاديمية فريدة كانت أدواته فيها هي الذكاء المشتعل والنظرة الحكيمة والبصيرة الواضحة والرؤية الشاملة.. فلقد كان رحمه الله صاحب قلب كبير، وعاطفة جياشة، وكبرياء لا ينحنى، ونفس تعلو فوق كل الصغائر. رحمه الله بما قدم لنا ولغيرنا من إسهامات مجيدة فى ميداني المنطق وفلسفة العلوم.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

ابراهيم مشارة"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" الأحزاب 33

قمت بهذه الرحلة المباركة إلى العتبات الشريفة في لبنان في شهر تشرين الثاني من عام 2018 ولم أكتب عنها في الحين ربما لأن الكتابة بسرعة تذهب بسرعة فمن المفيد ترك تلك المشاعر والرؤى تطبخ على نار الزمن والزمن كفيل بكبح جماح الانفعال وترشيد تلك الرؤى فتأتي الكتابة موضوعية وهو مذهب يراه كثير من الكتاب والنقاد ناصحين بعدم التعجل في الكتابة. لكن تلك الزيارة ظلت تعطر الروح بأريج نفحاتها القدسية وتملأ القلب والعقل كلما خلوت بنفسي متأملا في ذلك الوهج القدسي وتلك المشاعر الإيمانية الحارة التي تترك أثرا خالدا في النفس لا سبيل لوصفه بالكلمات إنما الكلمات تقرب بل هي حجاب تحتجب وراءه الحقيقة، في الطريق إلى بعلبك مررت وجماعة من الأصدقاء الكرام ونحن نغادر جنوب بيروت  بمخيمي صبرا وشاتيلا وتذكرنا تلك المذبحة التي راح ضحيتها المئات من الأبرياء عام 1982 وتبقى تلك المجزرة شاهد على همجية العالم وتوحشه، في الطريق إلى بعلبك تلك المدينة التاريخية الخالدة مدينة الشاعر خليل مطران أحد رواد الرومانسية في الأدب العربي الحديث ومن منا لم يقرأ شعره الخالد فتهتز نفسه لبهاء الشعر وسمو المعنى ولطيف الإشارة ظل ذلك القلب المطراني طافحا بالحب والصدق والإخلاص على الرغم من آلامه العديدة:

ثاو على صخر أصم وليت لي** قلبا كهذه الصخرة الصماء

ينتــــابها موج كموج مكارهي ** ويفتها كالسقم في أعضائي

ظللت أهمس بالبيتين لنفسي ونحن نمر بشتورة ثم زحلة ومن منا من قراء الأدب لم تهزه كذلك ذكرى زحلة ومصيفها الخالد ذلك المصيف الذي خلده أمير الشعراء شوقي:

شيــــعت أحلامي بقلب باك**ولمحت من طريق الملاح شباكي

يا جارة الوادي طربت وعادني** ما يشبه الأحلام من ذكراك

عرجنا في الطريق على قرية شيث بقلب سهل البقاع من قضاء بعلبك وهي القرية المنسوبة إلى نبي الله شيث بن آدم ويعود تاريخ بلدة النبي شيت إلى ما يزيد عن ألف عام اسمها يرجع إلى نبي الله شيث ثالث أبناء آدم بعد قابيل وهابيل وهو من الأنبياء السريانيين وهتف الرفاق لابد من زيارة مسجد شيث الذي يستقبلك شامخا عند مدخل قرية شيث بصومعته الباذخة وبالآيات القرآنية التي زينت جدرانه حين دخلنا فوجئت بقبر طويل يمتد لأمتار سألت القيم قبر من هذا؟ قال هذا قبر نبي الله شيث بن آدم لا تتعجب من طوله فقد كان طول قامته أربعين ذراعا، مسجد بسيط في قرية وادعة مسالمة من قرى لبنان قبل أن نخرج أهدانا القيم كتابا هو الصحيفة السجادية وهو عبارة عن أدعيه منسوبة للإمام زين العابدين بن الحسين – رضي الله عنهما - ومسبحة وودعناه مواصلين الطريق إلى بعلبك ولكن بعد المرور بمسجد السيد الشهيد عباس الموسوي ثاني أمين عام لحزب الله  ذلك الشهيد الذي اغتيل مع زوجته (أم ياسر) سهام الموسوي وابنه الصغير حسين يوم 16 شباط من عام 1992 هنا ينتشر عبق الشهادة وأريج البطولة ونسمات الفداء الطيبة وجدتني وأنا أطوف بالمقبرة المحاذية للمسجد أتأمل قبور الشهداء وهم شباب في ميعة العمر ونضارة الصبا سقطوا كلهم شهداء هم شهداء المقاومة الذين وهبوا أرواحهم لنصرة الحق والتضحية في سبيل الكرامة والحرية وجدتني أهيم على وجهي بين القبور متأملا الصور وتواريخ الميلاد والشهادة وأنا أتلو قوله تعالى :"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا "مازالت سيارة الشيخ عباس الموسوي وهى محترقة ولم يبق منها إلا الهيكل بعد أن استهدفها صاروخ حراري إسرائيلي أطلق من طائرة مروحية فقضى على من بداخلها وأحرق تلك السيارة وأنت تدخل المسجد تملا عليك مشاعر غامضة قوية أقطار نفسك كان المسجد فارغا من المصلين ولكنه عامر بقيم الحق والبطولة و مشاعر الفداء والتضحية، أريج طيب ينبعث في أرجاء المسجد الفخم فتأبى أن تغادر وتصر على البقاء هنا نفسك تريد البقاء لأنها تتصل بقيم الحياة العليا الشهادة، التضحية، الفداء البطولة، الترفع عن شهوات الدنيا وحطامها الفاني مكثنا طويلا ثم غادرنا مواصلين الطريق باتجاه بعلبك بعد المرور بمسجد السيدة خولة وهو مسجد فخم يظهر مدى الاحتفاء بآل البيت الكرام كما في مسجد الحسين ومسجد السيدة زينب بالقاهرة والمراقد المقدسة في كربلاء وفي الكوفة أفواج من الزائرين والزائرات تتوافد على المسجد في سكينة وخشوع مصحوبين بأطفالهم فزيارة هذه المساجد تظهر مدى التعلق بآل البيت وحبهم الشديد الذي هو من الدين وقد وقر في أذهان الكثيرين أن الزيارة إذا كانت مقترنة بالإيمان والنية الخالصة تحقق للزائر منيته من شفاء أو نجاح في الدنيا أو هداية ولذا ترى الكثيرين ممن يحرصون على هذه الزيارات استجلابا للعافية ودرء للبلاء ولكن في كل مساجد آل البيت تقترن بالمحنة التي تعرضوا لها والبلاء الذي أصابهم وهم بقية الرسول -عليه السلام -في هذه الدنيا وطالما حفلت الكتب بتعداد ما أصابهم منذ كربلاء وما أصابهم منذ حكم بني أمية وبني العباس والقصائد الطوال التي دبجها الشعراء حبا لآل البيت وتضامنا معهم واقتداء بسيرتهم. ظلت الرائحة الزكية تعطر الأنوف واللحظات الإيمانية تملأ القلب والروح ونحن نطوف في هذا المسجد الفخم العامر مسجد السيدة خولة – رضي الله عنها- في لبنان،ولربما تساءل البعض كيف وصلت الصبية الصغيرة خولة بنت الإمام الحسين إلى لبنان والجواب أن الإمام الحسين حين قتل مع أهل بيته في كربلاء نجا منهم بقية كانت منهم الصبية خولة –رضي الله عنها- التي سارت مع أخيها الإمام السجاد باتجاه الشام هروبا من بطش زبانية يزيد وكان من الطبيعي أن تسير تلك القافلة التي تضم ما بقي من آل البت الكرام بمحاذاة الأنهار والأشجار حتى لا تهلك من العطش وهكذا سارت باتجاه الشام حتى بعلبك حيث وافى الصبية خولة –رضي الله عنها- أجلها فماتت هناك ودفنها الإمام زين العابدين هناك وغرس إلى جانبها شجرة صغيرة لتدل على قبرها وتمر الأيام وتطمر المياه القبر وتنمو الشجرة وتكر القرون حتى تروي إحدى القصص أن مالك ذلك البستان رأى في المنام السيدة خولة تخبره أنها بنت الحسين وأن الماء غمر قبرها وأمرته برفع القبر وإخراجه من ماء الساقية واستجاب الرجل بمعية سكان القرية ودفنوا الصبية في مكان مرتفع وضربت لها قبة وصارت القبة مزار مقدسا ومن عجب أن الشجرة العملاقة مازالت إلى اليوم مشمخرة مرتفعة إلى عنان السماء وقد مر عليها قرون ولعها عجيبة من عجائب آل البيت الكرام أولئك الذين نال منهم الآخرون شر منال وغدت سيرتهم مثالا للابتلاء والمحنة والفداء . وتلك هي رسالة الحياة فليست إلا الصبر على المكاره وبذل النفس في سبيل نصرة الحق والاعتراض على الباطل والوقوف في وجهه كما وقف سيد الخلق – محمد عليه السلام ثم سيد المجاهدين الإمام علي -كرم الله وجهه- وبقيته الصالحة من آل بيته سيد الشهداء الحسين – رضي الله عنه- التي ترك باستشهاده العاطر في كربلاء قصة خالدة للفداء والتضحية والصبر على المكاره والعطش وتعب المسير من أجل الحق الذي أرادت طمسه جيوش الظلام والعصبية .

في الطريق إلى بعلبك وفي البقاع عموما لا تنفك شعارات المقاومة وصور الشهداء تملأ جوانب الطريق وهو ثبات على الحق الذي أراد الغزاة الصهاينة طمسه مستعينين في ذلك بجبروت الغرب وغطرسته وجحيم الآلة الحربية وافتراء الدعاية الإعلامية وفي غفوة الضمير الإنساني الذي استسلم للخداع الغربي الصهيوني فنفض يديه من مسألة الحق المقدس وإنها لوصمة عارفي جبين الإنسانية المعاصرة أن تبقى الأراضي العربية نهبا للاستيطان وتبقى قوافل الشهداء وحدها تعترض على الباطل وتصر على الحق ولو كره الكارهون.

استقبلتنا بعلبك بأطلالها التاريخية في يوم مشمس بارد قليلا واستقبلنا شاعرها الغريد خليل مطران بتمثاله الشامخ وهتفت لتفسي:

والبحر خفاق الجوانب ضائق ** كمدا كصدري ساعة الإمساء

يا للغروب وما له من عبرة ** للمستهــــــــــــام وعبرة للرائي

أو ليس نزعا للنهار وصرعة**للشمـــــــس بين مآتم الأضواء؟

حين عدنا إلى بيروت كانت الطائرات الحربية الإسرائيلية تخترق الأجواء اللبنانية أشار السائق إليها وفي نفسه ما بها الحسرات وفي نفوسنا كذلك لولا العطر الذي ملأ أرواحنا من بقية الزيارة لتلك العتبات الشريفة في لبنان ويبقى ذلك البلد جامعا بين أريج العتبات الشريفة وشرف المقاومة والإباء والحرص على الحرية والكرامة.

 

ابراهيم مشارة

 

ضياء نافعكان يمكن لعنوان مقالتنا هذه ان يكون ايضا – (عراقيون مرّوا بموسكو)، اي ضمن سلسلة مقالاتنا عن العراقيين الذين درسوا في الجامعات الروسية، ولكننا ارتأينا ان يكون العنوان مرتبطا بقسم اللغة الروسية في جامعة بغداد (بيتنا الحبيب، والذي عملت فيه 35 سنة باكملها!)، وذلك للتأكيد، على ان هذا القسم هو البوابة التي قد (واؤكد على قد) تؤدي للدراسة اللاحقة في تلك الجامعات، وقد (واقصد ربما) تؤدي ايضا الى تلك النتائج الباهرة، رغم انه يجب الاشارة هنا رأسا، ان منصب السفير في العراق هو منصب سياسي بحت قبل كل شئ وبعد كل شئ وبغض النظر عن اي اختصاص، ولكن.. مع ذلك .. مع ذلك ..مع ذلك..، كما يقول الشاعر الروسي السوفيتي تفاردوفسكي في احدى قصائده المشهورة عن الحرب بترجمة الراحل الكبير د. ابو بكر يوسف ...

السفراء حسب التسلسل الزمني لتعينهم هم – د. غالب عبد حسين التميمي ، ثم، المرحوم د. عباس خلف كنفذ، ثم، د. فلاح عبد الحسن عبد السادة . غالب و عباس كانا طالبين في فرع اللغة الروسية بقسم اللغات الاوربية في كلية الاداب بجامعة بغداد، و فلاح كان طالبا في قسم اللغة الروسية في كلية اللغات، بعد اعادتها (الى الحياة!) من جديد عام 1987 .

د. غالب كان سفيرا للعراق في أذربيجان، وهو أول تعيين له كسفير، وكان آخر سفير هناك قبل الاحتلال الامريكي عام 2003 وسقوط نظام صدام، والمرحوم د. عباس كان سفيرا للعراق في روسيا، وهو ايضا اول تعيين له كسفير، وكان آخر سفيرهناك قبل احداث عام 2003 تلك ، أما د . فلاح، فقد اصبح سفيرا للعراق بعد عام 2003، في صربيا اولا، وهو الان سفير العراق في الهند . لقد أشرنا في بداية مقالتنا هذه، ان منصب السفير هو منصب سياسي بحت، وبالتالي، فان هؤلاء الخريجيين أصبحوا سفراء نتيجة لمواقفهم ومواقعهم السياسية طبعا، ولكننا نكتب مقالتنا هذه للتاريخ اولا، و ثانيا، استمرارا لمحاولة تسجيل تاريخ قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد ومسيرته منذ تأسيسه عام 1958، وتسجيل مصائر خريجيه طبعا تعد مسألة حيوية في تاريخ هذا القسم، وكم اتمنى ان أرى يوما ما قائمة شاملة تضم اسماء كل خريجيه (او معظمهم في الاقل) ومصائرهم ومناصبهم وطبيعة اعمالهم بعد تخرجهم، وهو عمل ارشيفي كبير يقتضي جهودا جماعية منسقة بلا شك، وهو كذلك جزء حيوي لا يتجزأ من تاريخ العراق المعاصر طبعا . مقالتنا هذه تتوقف عند اول سفير في هذه السلسلة وهو- د. غالب عبد حسين التميمي، ونأمل العودة الى الاسماء الاخرى لاحقا.

 د. غالب . كان أحد مسؤولي الاتحاد الوطني لطلبة العراق في كلية الاداب في السبعينات، والاتحاد هذا كان خاضعا كليّا لحزب البعث الحاكم آنذاك، ولهذا، فان غالب كان طبعا ضمن اعضاء ذلك الحزب، و كما يقول المثل العالمي، يمكن معرفة جوهر الانسان عندما يكون لديه المال او السلطة . كان غالب نموذ جا للانسان المؤدب والخلوق، خصوصا تجاهنا نحن اساتذته، وقد كنا نشعر بذلك، ولهذا اصبحت العلاقات معه واسعة جدا، وبعد انهاء دراسته في فرع اللغة الروسية، سافر الى الاتحاد السوفيتي لاكمال دراسته، وحصل على الدكتوراه في اللغة الروسية من جامعة مينسك في جمهورية بيلوروسيا السوفيتية، وقد التقينا بمشرفته العلمية مرة في احدى المؤتمرات العلمية في موسكو، وكانت راضية عنه علميا واخلاقيا لدرجة انها شكرتنا، وقالت انه عكس لنا طبيعة اخلاق العراقيين الراقية، وكذلك مستوى تدريس اللغة الروسية في جامعة بغداد، وقد شعرنا آنذاك بالفخر عندما كنّا نستمع اليها . عمل د. غالب في قسمنا بعد حصوله على الدكتوراة لفترة قصيرة ثم انتقل الى الخارجية (لانه اصطدم برئيس القسم المتزمت والمتهور، والذي كان رأس البعثيين آنذاك)، وعندما كنا نسافر الى موسكو صيفا، كان هو موظفا في سفارتنا هناك، وكان يستقبلنا بحفاوة متناهية وكرم حاتمي ويقدمنا للحميع على اننا اساتذته . لقد كان د. غالب انسانا بسيطا ونقيّا و صادقا وعراقيّا اصيلا و محبوبا من قبل الجميع ومحترما من قبل الجميع منذ ان كان طالبا في القسم، وهكذا بقي دائما، اذ ان تربيته العائلية واخلاقه الراقية تغلبت على حزبيته في كل تصرفاته الحياتية و علاقاته مع الآخرين، وهي ظاهرة نادرة جدا بين صفوف البعثيين . د. غالب الان متقاعد و يسكن في بغداد مع زوجته واولاده في بيته المتواضع، ويعيش بانعزال عن المجتمع ومشاغله ومشاكله، ولكنه يسير برأس مرفوع، لأنه يحصد ما زرعه في مسيرة حياته النظيفة.

 

 ا.د. ضياء نافع

 

في يوم الجمعة 17 من شهر آيار ودعنا الأخ والصديق العزيز الدكتور الطيب التيزيني في رحلة العروج نحو العالم الأبدي، وإليه ندعوا الله مخلصين أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جنته .

هذا الصديق العزيز تربطني به علاقة ممتدة عبر الزمن جسدتها حوارات ولقاءات متنوعة جمعت بيني وبينه عن أشياء وأشياء، وشاء السميع العليم أن تثمر هذه اللقاءات عن مواقف شبه موحدة أو قل متقف عليها في قضايا تخص العرب والمسلمين فكرية كانت وسياسية وإجتماعية وإقتصادية وغير ذلك، نعم كان بيننا إتفاقا كبيرا وإختلافا يسيرا وهذه من طبيعة الأشياء، وكنا معاً شديدي الحرص على الوحدة في شكلها المحمدي ذلك النموذج الخالد، الذي وهب لنا الإرادة والفكر والشجاعة والثقة وحُسن الإنتماء، وكانت لنا معاً وسوياً أراء ومواقف عبرت عن روح الحرية التي يشتاق إليها العربي والمسلم، ولهذا كانت بعض مواقفنا يحسبها البعيد غريبة في وقتها أو هي كذلك لأنها لا تنسجم مع المألوف من لغة الناس في الزمان والمكان، ولم نكن نعني والله يدري فئة من الناس بعينهم أو فكرا في الحاضر أو الماضي معين، بل كنا ننشد العدل والحرية والسلام، ولهذا كان لنا موقفا من بعض رجال دين ممن أشتروا الضلالة بالهدى .

هؤلاء التعساء عبر التاريخ كانوا ملعونين أينما ثقفوا ولهذا كانوا هم الريح الصفراء أو الأفيون الذي يحطم العقول والأبدان، وبما إن الأمر فيه أخذ ورد وقيل وقال، فأخذ عليه البعض مآخذ من غير تفحص أو بحث وتحقيق فيما يرغب و يريد الطيب، والحق أقول لكم لم أجد في الطيب ذلك الماركسي أو البلشفي، وهو يدافع عن الماركسية بل كان مأخوذا بما تريده الماركسية من عدل إجتماعي وتكافل، بحيث لا يطغى أحد على أحد ولا تكون هناك سطوة للأغنياء على الفقراء والمعدمين، كان يشجع الماركسية في ثوبها الإجتماعي الصافي من غير فلسفات أو إضافات من هنا وهناك، كان همه كما عرفته سعادة الناس وعيشهم الكريم وأمنهم الدائم، ولهذا أبتعد عن السجالات في المألات التي أنتهت إليها الثورة البلشفية، ولم يعر كثير إهتماما للسجالات الرومانطقية عن الإستالينية وعن دورها والحقب التي أتبعتها، كان يعجبني فيه الميل نحو الواقعية السياسية والإقتصادية وإيمانه بالوطنية في ثوبها العربي من غير تكلف أو إنتماءات حزبية، ولذلك لم يذهب في ذلك مذاهب شتى كما هو حال المعاصرين والسابقين له، بل كان شديد الحرص و الإقتراب من هموم الناس البسطاء ومعاناتهم، ولهذا كنت أُكبر فيه هذه الهمة وهذا التوجه .

وأذكر ذات مرة زارني في بيتي المتواضع هناك في الشام القديمة، وقد جرت العادة ان يكون بيننا مادة للبحث نسترسل فيها وكان الكلام عن الثورة العربية وعن الدولة العربية، ولم يذهب كغيره للتفريق حسب دلالات اللفظ والمعنى، ولكنه تبنى الثورة في ظل سيادة الدكتاتورية وشياع الظلم وإنعدام الحريات والعدالة، لكنه في ذلك لم يكن متطرفاً إنما يُملي فكرة يجدها أكثر صوابية في ذلك الوقت، وعن موقفه من الدولة والحكم كان شديد الحرص أن لا يحسب على فئة ما ولا يود أن يكون في عداد المهرجين وجوقة الأجناد مع رفضه المستميت للركون أو الإستسلام .

ولأنه كان واقعيا لذلك كان ينظر للمصلحة قبل الخوض في الكلام عن اللازم والملزوم، وكان تفسيره للوحدة العربية لا بنمظور تاريخي حتمي ولا من باب اللازم أو الحالم، إنما كانت رؤيته في ذلك تتعلق بطبيعة العمل والمصالح وتبادل الخبرات، وتلك كتاباته تتحدث عن ذلك بشيء من التفصيل، ولم تمنع الطيب كثرة الطعنات والنكبات والخيبات التي اصابت الجسد والعقل العربي، من أن يكون ظهيراً للحق العربي ولإنصاف العرب في قضيتهم المركزية - قضية فلسطين -،

 عبر عن هذا بجلاء صوته في المحافل والدوائر التي شاء الله والقدر أن يكون متواجدا فيها، ولقد اعجبني فيه روح التسامح في ظل الإختلاف حتى في هذه أعني قضية فلسطين، فقد كان ميالا للأخذ بوجهة نظر القيادة الفلسطينية حين أتجهت للسلام مع مؤتمر مدريد وما تلاه في أوسلو، معلناً إيمانه الراسخ بأن للحق وجه واحد وعلى الجميع البحث عنه، من غير تزييف للتاريخ أو القفز على المسلمات العقلائية أو التضييع المتعمد للوقت وإستهلاك الزمن، وفي هذا كان الطيب أكثر واقعية من كثير ممن رفعوا الشعارات وتنادوا بالعنتريات في الفضاءات المغلقة، وقد عبر عن موقفه هذا من إتفاقية أوسلو التي أعتبرها جزءا من مشروع الحل العام لكنه ليس الحل النهائي ولكنه خطوة في الطريق، يتيح للعالم التعرف و الإعتراف بالحق الفلسطيني في أن يعيش ضمن كيان ذاتي مستقل، تحت المظلة الدولية مما يجعل له إنصار ومريدين في العالم أجمع، ويكون صوته الأقرب إلى صوت المجتمعات المنادية بالسلام والنابذة للحرب، ولم يتخذ طريق المطبلين وأهل الشعارات بل أتخذ موقفاً وسطا يحقق لأهل الحق ما يصبون إليه في الممكن .

وهذه هي السياسة التي أعتمدها النبي محمد مع قريش في صلح الحديبية، وهي نفسها التي مارسها الإمام علي من بعده وكذا الإمام الحسن والحسين مع معاوية، وهي الطريقة الأكثر قابلية للحياة في ظل التدافع والتناحر،

 ولم يعد ممكناً القبول بفكرة شطب المجتمعات أوالشعوب أو محاولة الرمي بهم في عباب البحر، فتلك سياسة عنصرية أثبتت فاشلها وعقمها، سياسة طبل لها وسار على وفقها أنصاف متعلمين وجهلة وبعض من العسكريين من ذوي الرتب المتدنية .

السلام في حد ذاته هدف وقيمة هي أعظم وأكبر من كل القيم في ظل بناء المجتمعات والدول، فبالسلام يتحقق الأمن وتتحقق العدالة، وإن كان هناك مجالاً للديمقراطية فلا تتفيء ظلالها إلاَّ بالسلام، ولعل الله سبحانه هو من دعا إلى السلام ودار السلام، ليس من موقع الضعف والهوان كما قد يتوهم متوهم، بل من موقع القدرة والإقتدار، وهو سبحانه من نهى عن الإلقاء في التهلكة حين تفتقد المواجهة شرط النجاح والنصر، فحفظ النفوس والأموال والممتلكات من الهدر أعظم درجة عند الله، من المناكفة والتبجح بالشعارات والكلام الكبير الذي ليس له أو فيه منفعة وفائدة، ومعلوم بالضرورة إن الشيطان ميال لخلق الفتنة وتأزيم الأوضاع لأنه لا يعيش إلاَّ على أحزان الناس ونكباتهم، والعاقل من يُضيع على الشيطان الفرص ويسد أمامه الأبواب كي لا ينفذ ويكون له عليكم سلطان .

وفي هذا المقام وفي هذه المناسبة أجد من واجبي الفكري والأخلاقي والشرعي، دعوة القيادة الإيرانية متمثلة بالأخ السيد علي الخامنئي دام إحترامه، إلى تفويت الفرصة على من يريد بالشعب الإيراني الهلاك والمظلمة، فشعب إيران هذا الشعب العظيم لا يستحق أن يعيش التشتت والألم والضيم، والأمر كله يحتاج لمعالجة في الدفاتر العتيقة، والإيمان بأن الحق له طرق ووسائل يمكن من خلالها الحصول عليه، و يشهد الله إني في ذلك ناصح أمين وأقول لكم : - أن أجتنبوا المكابرة أوالمزاودة على الغير -، فرب دعوة صالحة تدعون إليها ليس لها أذن وأعية تؤمن بها وترغب في تحقيقها، والأمر كله مرهون بشعب فلسطين هو صاحب القرار وهو صاحب الإرادة، ونظرة في السجلات والرقم وفي المعاهدات والمواثيق الدولية ما يغنينا عن كثير من الكلام، ولندع اللاهثين والناعقين والنافثين جانباً متوخين الدقة والحذر وعدم تضييع الوقت .

وكلنا شهود على الطامة الكبرى التي أصابت بلاد العرب في ربيعهم الأسود الذي دمر القيم والأخلاق والمعتقدات وضيع الحق، ولم يتعد صوت العربي مهما كبر حيطان بيته ومخدع نومه، فأستسلم الجميع ولم يبق في المخيم غير أمنيات وتلاشت أجيال وأندثرت ممن كانت تعرف الحدود والجغرافيا والتاريخ، ولم يعد هاجس الجميع غير العيش بسلام مع توفير لقمة العيش مع شيء من الحياة الكريمة، بعدما تشتت الخلق في أرجاء الدنيا الواسعة، فضاع التلاق والحرص والأمانة والإيمان .

إن على إيران القيادة والشعب الإبتعاد عن اللعب في الأوراق المحترقة، فليس فيها سوى الرماد الذي تذره الرياح في كل مكان، ولا تظنون من ناصر أومعين فقد تكشفت كل العورات، وإني مؤمن بالحكمة الغالبة في طبائع الشعب الإيراني والتي ستهديه للحل عبر التفاوض، وترك ما لقيصر لقيصر ولنا ولهم عبرة بالنبي وأهل بيته، والحق أحق أن يتبع ..

رحم الله الصديق والرفيق الدكتور الطيب التيزيني، رحم الله تلك العيون وتلك الروح الطيبة، ودعاء من القلب ان يتقبله ربه بقبول حسن، ويسكنه واسع رحمته ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

19 – 05 - 2019

 

ابراهيم مشارةوما كان قيس هلكه هلك واحد** ولكنه بنيان قوم تصدعا

لعل هذا البيت الخالد يصدق كثيرا على الراحل الدكتور الطيب تيزيني-رحمه الله- كما يصدق على القليلين من المثقفين من أبناء أمتنا العربية الذين صدقوا ما عاهدو الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا، لقد عرفت الدكتور الطيب كقارئ في التسعينات يوم هبت دار الفكر السورية لتنظيم جدال فكري حول الدولة والإسلام بمعية  الراحل الدكتور البوطي- رحمه الله- وقد خطت في ذلك السجال نهجا جديدا بعيدا عن الشعبوية والحماسة الزائدة فاقترحت الموضوع للدكتور يكتب فيه وعرضت رده على الشيخ البوطي يبدي رأيه فيه  معارضا ومفندا وطبعت تلك المناظرة الفريدة في كتاب والغرض من ذلك تشجيع الحوار الهادئ بعيدا عن العواطف الجياشة للجماهير والحماسة الدينية الزائدة التي تبهض الخصم حقه في التعبير ولذلك سوابق في المناظرة الفكرية الشهيرة بين الشيخ الغزالي –رحمه الله- ومأمون الهضيبي من جهة والدكتور فرج فودة-رحمه الله- ومن تابع تلك المناظرة الشهيرة يدرك المخاطر من فتح سجال فكري وجدال فلسفي وسط شعبوية الجماهير وقد دفع الراحل فرج فودة حياته ثمنا لتلك المناظرة الشهيرة والتي أكد فيها على الطابع المدني للدولة. ومناظرة أخرى بين الدكتور فؤاد زكريا  من جهة والشيخ الغزالي والقرضاوي من جهة أخرى لقد كان حماس الجماهير للشيخين مشوشا على الدكتور فؤاد في عرض وجهة نظره نظرا لحماسة الجماهير التي جاءت للتشجيع لا للفهم والنقد والاعتراض .وهي حالة بائسة في الفكر العربي الحديث تبين الحد الذي وصلنا إليه من العماء والفوضى والاندفاع العاطفي بعيدا عن سلطة العقل والاحتكام إلى المنطق والموضوعية.

لقد نأت دار الفكر في تلك المناظرة المكتوبة بين الدكتور الطيب والشيخ البوطي عن ثقافة التشجيع والمناصرة وعدلت إلى ثقافة الحوار والاستماع والمجادلة بالحسنى وأحسب أنها وفقت في ذلك كثيرا.

وأعود إلى الدكتور الطيب – رحمه الله- فقد كان مثقفا طليعيا مشغولا بقضايا أمته شديد الإخلاص لقضاياها لا تأخذه لومة لائم في نصرة الحق الذي يعتقده يعضده عمق علمي وسلوك نظيف والتزام لا غبار عليه.

نحن نعيش اليوم في زمن الفصام الثقافي بين مفكر يعتقد ويكتب بطريقة توحي بنزاهته والتزامه وسلوك مناقض لذلك تماما يتجلى في تكالبه على موائد السلطة وبيع شرفه لقاء الأمن أو المكاسب أو التساقط - تساقط الفراش على النور- وما نوره الموهوم إلا تلك الجوائز-النفطية- التي يرتهن في سبيلها شرفه وذمته  فيغدو مريضا بالوهم ومع الزمن تنكشف عورته ويظهر على حقيقته فينصرف عنه الجمهور ولن تغني عنه تلك الجوائز النفطية.

تحضرني حالة مثقف كبير وأكاديمي محترم قبل بالمنصب السياسي  في حكومة مرفوضة شعبيا أيام الإطاحة برئيس مصر ومنتسب إلى الكتابة الروائية عندنا يدعي اليسار والماركسية سارع إلى قبول جواز سفر لأداء فريضة الحج ممنوح له من قبل الحاكم-المرفوض شعبيا- وإنها لمأساة حقيقية أن يتحول الماركسي إلى حاج على نفقة الحاكم ، وزميل له يكتب الرواية لا يستحي من الحديث عن شهرته حتى إنه أشهر من الوزير.!

لم يكن الدكتور الطيب من هذا النوع من المثقفين بل كان مثقفا طليعيا جادا نظيفا بعيدا عن إغراءات السلطة وأضواء الشهرة فلم يبع شرفه وضميره ويخون القضية الأولى قضية الأمة الراسفة في أغلال الاستبداد والجهالة والعماء.

لقد علل أدونيس مرة تخلفنا الثقافي والسياسي والفكري بنكوص وخيانة المثقفين أولئك الذين تسابقوا على قصور الثقافة عوض أن يدخلوا السجون وأحسب أن الدكتور الطيب –رحمه الله- من الذين لم يخفوا إلى قصور الثقافة بل إلى مدرجات الجامعة معلما وهاديا وإلى معترك الفعل الثقافي الحق بالكتابة والنضال الفكري الخلاق ولهذا كسب احترام الجميع وعاش عزيزا في وجدان بلده وفي ضمير أمته.

رحمه الله فهو بحق من المثقفين الذين  لم يكتبوا المسامرات كابن العميد والصاحب ابن عباد للسلطان كما وصمهم بذلك أبو حيان التوحيدي المثقف الطليعي العربي بامتياز.

سيظل الدكتور الطيب منارة شامخة للهدى والعرفان والحقيقة بعقل واع وضمير حي ونفس عزيزة زاهدة في رياش الدنيا وحطامها

 

ابراهيم مشارة

 

زهير الخويلدي"البدء من الصفر وإذا لم تفعلوا أنتم لا يأتيكم شيء...ابدؤوا بفتح الدائرة"

غادرنا الدكتور طيب تيزيني مساء الجمعة 17 ماي 2019 عن عمر ناهز 85 سنة وبعد أن أثرى المكتبة العربية بأكثر من مائة كتاب في الفلسفة وقراءة التراث والنقد الأدبي والحضارة ومجموعة من اللقاءات والمحاضرات والدروس التي ألقاها في جامعة دمشق والجامعات العربية وكانت محبته كبيرة للجمهور العربي والطلاب والمثقفين والكتاب والنقاد والقراء وربما أهمها هو مشروع قراءة جديدة للتراث والثورة.

والحق أني كنت وافر الحظ وسعيد الفرص متمسكا بالتفاؤل اللازم وكثرة العمل وشدة الحرص بأن قابلت واستمعت إلى قامات من الفلاسفة والأستاذة الغربيين مثل بول ريكور وجاك دريدا وميشيل ملارب وجورج لابيكا وألان رينو وبرنار بورجوا وأكسال هونيث وأليكيس فيلولينكو وأدغار موران وجان غريش وكذلك العديد من المفكرين والدكاترة والكتاب والنقاد من الأشقاء العرب والمسلمين رحل البعض منهم مثل محمد أركون ومحمد عابد الجابري وجمال البنا ومطاع صفدي وسالم يفوت ومازال من هو على قيد الحياة مثل حسن حنفي وعزيز العظمة ومحمد شحرور وعلي حرب ووجيه كوثراني ورضوان السيد ومنير شفيق ونصر حامد أبو زيد وفهمي جدعان وطه عبد الرحمان ومحمود درويش. بيد أن مقابلة الراحل طيب تيزيني كانت من طبيعة مغايرة وفي إطار مؤسساتي مستقر، وربما للمدة الهامة التي قضاها ضيفنا المبجل عندنا، والمجال الذي عكفت على تقليبه مرة أخرى على أحسن وجه وهو الثورة والتراث.

لقد انطلقت رحلتي الفكرية معه من لحظة الاستقبال بالنزل إلى وقت تكريم منتدى الجاحظ إلى حد توديعه في المطار وشهدت تبادل غزير ومكثف من الحوارات العقلانية التي تتخللها جملة من الأسئلة والأجوبة وترافقها استفسارات واستشارات وتنتهي غالبا بإبداء ملاحظات هامة وبناء توقعات وافتراض انتظارات. 

لقد تمثلت قراءته للمشهد العربي زمن الحراك الاحتجاجي من إشادة بالزمن الثوري الذي تعيشه مختلف الدول العربية وتحمسه للربيع العربي وتعطش الشعوب للحرية وإبداء إعجاب كبير بالتجربة التونسية ونجاح المسار الثوري في كنف السلمية والمدنية وتمنى زرع شجرة الديمقراطية والتعددية على أراضي افريقية وعربية أخرى وأبديت له رفضي تسليح الثورة وعسكرة العصيان السلمي ووصله بالإرهاب في حين تمنى زيارة بؤر الانتفاضة وثورة الكرامة والوقوف أمام ضريح محمد البوعزيزي وبقية الشهداء.

لقد تحدث الدكتور عن جدل الهوية والحداثة في المجال العربي المعاصر وشخص الآفات التي أصابت الأمة وسببت السقوط ونقط الصفر وطرح علاقة السؤال التراثي بالمشروع الديمقراطي وحاول تحيين المشروع الفلسفي العربي وسط التحولات المجتمعية العنيفة وحاول تبيئة الفكر الماركسي ضمن محيطه.

لقد أشار إلى أهمية تجربة الإصلاح السياسي والديني في بناء الوعي الثوري التي قادها المفكر خير الدين التونسي وعرّج على دور الحركة الوطنية والتجربة النقابية والعمالية التي فجرها الحامي والحداد وحشاد وتوقف عند دور الجامعة والمؤسسات الثقافية في صناعة نخب مدنية تؤمن بالتغيير الديمقراطي السلمي.

كما تذكر مختلف المناضلين الذين اشتغلوا معه من أجل بناء جبهة عربية لمقاومة الرجعية وتحقيق التقدم وخاصة مهدي عامل وحسين مروة وصادق جلال العظم ونقاشه العميق مع الدكتور محمد عابد الجابري.

لقد نظمت الهيئة المديرة لجمعية الجاحظ موكبا تشريفيا في المكتبة الوطنية بتونس العاصمة وزادت عليه بلقاء تكريمي في مقر المنتدى بعد أن زار كل من القيروان وصفاقس أين احتفل به الجامعيون والنقابيون.

لقد ترك الراحل تيزيني انطباعا طيبا لدى المثقفين والناشطين بفضل ما يتمتع به من رحابة صدر وبشاشة وعلم وثقافة واسعة وقدرة على التحليل والإقناع خاصة بعد المراجعات الجذرية التي أجراها بشكل لافت على مشروعه الفكري وقيامه بالنقد الذاتي وإيمانه بأهمية البعد الديني في الانتقال من الاستبداد إلى الحرية وأوكل مهمة استكمال المهام الثورية إلى المثقفين والنقاد والمصلحين والإعلاميين وراهن عليهم في بلورة  تجربة التنوير الديني وإحداث نهضة عربية جديدة تقطع نهائيا مع التخلف والشمولية والاستعمار والتبعية.

لقد ترك فيلسوف حمص بصمته في الكثير من العقول العربية ونقل العدوى من الجامعة الألمانية التي أتم بها رسالة الدكتورا إلى الجامعات العربية وجعل من قراءة التراث والانفتاح على الآخر ومواكبة العصر شغله الشاغل وآمن بقوة الفكر العربي المعاصر على الاستئناف الحضاري وريادة الإنسانية من جديد بشرط ترك الفرقة والانقسام والتفاهة والأنانية والانغلاق والتوحد حول مشروع وطني جامع وواحد يضم المختلف والمتعدد والمتنوع ويبذل الجهود في سبيل حل جملة الإشكاليات العالقة مثل الطائفية والتمذهب والفساد وينكب على معالجة التحديات الحارقة للشباب العربي مثل الهجرة والبطالة والعولمة المتوحشة.

لقد ناهض المفكر السوري الدولة الأمنية العربية وحاول جاهدا تفكيك المرتكزات الأربعة للاستعباد السياسي للفضاء الاجتماعي التي تعيد إنتاج الطاعة ورفض منهج القمع ومصادرة الحريات التي تعتمده الأنظمة العربية للمحافظة على الحكم وربط الجمود الثقافي بالاستبداد الشرقي وفكك العلاقة بين الداخل والخارج ونادى على القوى الفاعلة في الداخل إلى مقاومة الهشاشة الذاتية التي تستدعي القوى المهيمنة من الخارج والتخلص من قابلية الغزو والخروج من وضعية الاستعمار وتغيير حالة التبعية والتشبث بالاستقلالية وحمل الفهم السكوني للدين مسؤولية الانحطاط ودعا لاستئناف الاجتهاد وممارسة التأويل.

سيظل اسم الفقيد طيب تيزيني يصرخ بضرورة النهوض من كبوة التخلف والإقلاع من التراث إلى الثورة.

ملاحظة: لقد زار المرحوم تونس أكثر من مرة ولكن زيارته الأخيرة كانت بدعوة من منتدى الجاحظ من 19 إلى 24 نوفمبر 2016.

  

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

محمود محمد عليعرفت الدكتور عاطف العراقي حين كان يُدرس لي بالسنة التمهيدية للماجستير سنة 1989 في مادة "مصادر الفلسفة الإسلامية" بكلية الآداب – جامعة القاهرة، وخلال المحاضرات الأولي له، أدركت بوعي أنني أمام شخصية متميزة لأستاذ أكاديمي، شخصية تختلف عن شخصيات كثيرين من الأساتذة غيره . شخصية تتوفر علي سمات ومقومات وأبعاد، تنتزع بذاتها الاحترام وتفرضه، وتستوجب التقدير وتثير الاعجاب، وتغرس في النفوس حباً تخامره رهبة، وأملاً يواكبه شعور عميق بالتفاؤل، وانتماء يصاحبه شعور بالزهو بالتلمذة علي يديه.

حتي إذا ما انتهي العام الدراسي للسنة التمهيدية، وجدت نفسي أعالج ميلاً جارفاً إلي التخصص في ” المنطق عند السهر وردي المقتول ” في الماجستير، فكشفت له عن رغبتي هذه وتحقيقها تحت إشرافه، فوافق علي الفور، وكثرت لقاءاتي به بعد ذلك في الرسالة والبحث.

وهنا اكتشفت بعداً آخر في شخصية الأستاذ، حيث اكتشفت أنه نعم الناصح والموجه والمرشد . لا يفرض توجهاً معيناً، ولا يستبد برأي، ولا يلزمك بوجهة نظر خاصة، وإنما يحاور ويناقش، ويوجه ويفتح أمامك أفاقاً جديدة، ويعرض آراءه وأفكاره ورؤاه، ويترك لك حرية الاختيار.

وإذا كنت احتفي في هذا المقال بأستاذي عاطف العرافي، فإنني أحتفي بقيمة عطائه، وثراء فكره، وعظمة مشواره، وغزارة إنتاجه، وتنوع اهتماماته، فقد كان رحمة الله ينادي بالأخذ بثقافة العصر بكل ما فيها من دعوة إلي الحرية والعقل، الحرية في العيش عيشة كريمة، والتعبير دون خوف من عوائق التفكير، ثم العقل بوصفه أساس الحضارة .

كان عاطف العراقي مفكراً من طراز ممتاز، حيث ترك لنا العديد من البصمات القوية  البارزة في مجال الفكر العربي بفروعه المختلفة واتجاهاته المتعددة، بل إننا نراه مهتما بمجالات فكرية أخري لا تقل عن اهتمامه بالفكر العربي الحديث، ومن بينها الأصالة والمعاصرة، والحداثة وما بعد الحداثة والعولمة ...الخ. وهذا إن دل علي شئ فإنما يدل علي أنه كان مفكراً موسوعياً، إذ تمكن من أن يجمع بين الأدب والفلسفة برباط وثيق، فكان مفكراً بروح أدبية، وكان أديباً من خلال روح فلسفية .

لقد درس أستاذنا الدكتور عاطف العراقي كثيراً من القضايا، وخاض المعارك الأدبية والفكرية من أجل رفعة العلم ومن أجل الدفاع عن النور والتنوير، والنظر في سخط إلي الظلام وثقافة الظلام، وهل يمكن أن ننسي معاركه حول الأفهام الخاطئة للغزو الثقافي والهجوم علي الحضارة الحديثة والخلط بين الجوانب العلمية والجوانب الإنسانية، والأصالة والمعاصرة، ومعركة العلمانية، ومعركة التطرف الديني ؟ كلا ... ثم كلا ... لقد شق عاطف العراقي طريقه وسط الأشواك الصخور، وتسلح بروح نقدية من النادر من نجدها عند آخرين . كما تسلح بروح تنويرية إذ كان يعتقد بأنه لا تنوير دون دراسة آراء الآخرين . لا تنوير إذا أغلقنا النوافذ والأبواب، بل لا بد من فتح النوافذ حتي نجد الهواء المتجدد، نجد الفكر الحر الطليق . نجد الحركة لا السكون . نجد النور لا الظلام.

كان عاطف العراقي قمة في التواضع، فرغم علمه الغزير ووقوفه علي هرم الفلسفة العربية في عصره، إلا أنه لم يزعم لنفسه أنه يعد فيلسوفاً في الوقت الذي كنا ومازلنا نسمع عن الصغار والأٌقزام ومتخلفي العقول والعياذ بالله، إنهم يعدون أنفسهم فلاسفة حين يكتبون .. إنهم يتحدثون عن مشروعات لهم وهي مشروعات لا تتصل بالفكر من قريب أو من بعيد، مشروعات وهمية زائفة خادعة . نعم .. لم يزعم عاطف العراقي لنفسه أنه يعد فيلسوفاً، بل إنه يتحدث بإكبار وإجلال واحترام عن أساتذته وزملائه .. أذكر أنه كان يتحدث أثناء لقائي به في منزله (بمدينة نصر) عن عديد من الشخصيات ويركز علي أن يبين لي أثرهم عليه، من أمثال : الأب جورج شحاته قنواتي، والدكتور أحمد فؤاد الأهواني، والدكتور زكي نجيب محمود .. الخ.

ولد عاطف العراقي في 15 نوفمبر 1935 فى محافظة الدقهلية، وحصل على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب، جامعة القاهرة عام 1957، ثم على دبلوم كلية التربية، جامعة عين شمس، عام 1958، وبعد ذلك حصل على الماجستير في الفلسفة من كلية الآداب، جامعة القاهرة عام 1965، ثم علي الدكتوراه في الفلسفة من كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1969.

وللدكتور عاطف العديد من المؤلفات، منها "النزعة العقلية فى فلسفة ابن رشد، وكتاب "المنهج النقدي فى فلسفة ابن رشد"، وكتاب "ابن رشد فيلسوفاً عربياً بروح غربية"، وكتاب الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا، وكتاب مذاهب فلاسفة المشرق، وكتاب تجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية، وكتاب ثورة العقل في الفلسفة العربية، الميتافيزيقا في الفلسفة ابن طفيل، المنهج النقدي فى فلسفة ابن رشد، وكتاب العقل التنويري في الفكر العربي المعاصر، وكتاب تحقيق كتاب الأصول والفروع لابن حزم"  وكتاب "محاضرات  في تاريخ العلوم عند العرب".

وفي الأربعاء الموافق 1/3/2012 غيب الموت المفكر العربي الدكتور عاطف العراقي أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب بجامعة القاهرة عن عمر يناهز الـ76 عامًا وقد واتته المنية خلال إلقائه محاضرة في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر بالقاهرة.

ويُذكر أن سيرة العراقي وإنجازاته فى مجال العلم والفلسفة جمعها المفكر والفيلسوف فؤاد زكريا فى كتاب بعنوان "عاطف العراقي.. فيلسوفاً عربياً ورائداً للاتجاه العقلي التنويرى"، رحم الله عالماً وفيلسوفاً نَذرَ حياته لصناعة الفكر وإثراء مكتبة العرب فى العصر الحديث بمؤلفات فكرية قيمة.

وقد تبني تبنى الدكتور عاطف العراقي طريقة محددة في قراءة المذاهب الفلسفية. وقد قدم طريقته هذه في كتابه الصادر عام 1973، بعنوان: "تجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية"، حيث بين فيه طريقتين في تناول الأفكار والمذاهب الفلسفية: القراءة الأفقية: وهي تكتفي بالرواية والحكاية والعرض للأفكار والمذاهب الفلسفية، ثم القراءة الرأسية: وهي تعتمد النقد والتحليل وتنفذ إلى صميم الأفكار والمذاهب التي تتناولها دون أن تكتفي بعرضها، وقد دعا إلى اعتماد القراءة الرأسية، بدلاً من الأفقية. ويكتب عاطف العراقي قائلاً : "نشير إلى أن هذا النقد والتحليل نسميه فكراً رأسياً. ومن هنا كان الاقتصار على الرواية والحكاية يعد فكراً أفقياً. فإذا كان الفكر الأفقي يعد فكراً مسطحاً، فإن الفكر الرأسي يعد فكراً ينفذ إلى الصميم... ويستطرد فيقول :" غير مجد في يقيني واعتقادي هذا النوع من الدراسات التي يزعم لها أصحابها أنها دراسات فلسفية، في حين أنها تقوم على الرواية والحكاية ربما لغرض التسلية".

وفي كتابه "ثورة العقل في الفلسفة العربية"، أكد عاطف العراقي أن المقصود بالثورة هنا هي ثورة عقلية داخل الفلسفة. وهنا تترادف المصطلحات كما يلي: الثورة = العقل.. وذلك ضد اللاعقل والقول الغيبي والقول الخطابي والقول الشعري ؛ ثم الداخل = الفلسفة.. وذلك ضد الخارج أي ما هو خارج الفلسفة أي التصوف وعلم الكلام. ثم يحدد عاطف العراقي ما يسميه "الثورة من الخارج " كما يلي: " فقد نجد شكلاً من أشكالها يتبلور حول: نقد الفلسفة والهجوم على التفكير العقلاني ورفض الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي". ويصف عاطف العراقي من يدعون إلى هذه الأشكال بأنهم "دخلاء على الفلسفة ولا يعتبرون فلاسفة من قريب أو بعيد". ثم يضع العراقي "المعتزلة" في حال وسط، بين الفلاسفة وبين الدخلاء على الفلسفة. فهو يصفهم بأنهم " قاموا بدوراً كبير وخلاق لأنهم لم يتخلوا عن العقل. لكن نقطة الخلاف بين عاطف العراقي وبينهم هي أن اتجاههم كان أساساً اتجاهاً كلامياً جدلياً لا يرقى إلى مستوى البرهان. فبضاعتهم هي بضاعة الجدل لا بضاعة البرهان. أما من يتفق معهم عاطف العراقي ويرى فيهم التمثيل الحقيقي للثورة من الداخل، فهم فلاسفة العرب. وأبرزهم ابن رشد، " لأن اتجاهه يقوم على البرهان واليقين، ويبتعد تماماً عن الجدل الكلامي الأشعري" . فهذا هو ما يقصده عاطف العراقي بالثورة العقلية من الداخل. وهو يصف هذا الأمر بأنه "دعوة إلى عمود الفلسفة"، وإلى إعلاء كلمة العقل فوق كل كلمة . ولذا فلا بد من عقد المقارنات والمفاضلات بين مختلف الاتجاهات الفكرية المتاحة في الثقافة العربية، ثم قياس مدى التزام كل منها بطريق العقل والبرهان.

وأما كتابه "العقل والتنوير في الفكر العربي المعاصر"، فيهتم عاطف العراقي  بدراسة كل القضايا والآراء والاتجاهات التي تدخل في إطار التنوير في الفكر العربي المعاصر، ونظرا لأنه لا يصح في دراسة الفكر العربي النظر إليه وكأنه مقطوع الصلة بدراسة الماضي، فقد بدأ عاطف العراقي  بدراسة آراء ابن رشد من خلال أهميتها في مجال التنوير في العصر الحديث، وذلك في فصل من فصول الكتاب، وبحيث أنتقل منه إلي دراسة قضايا واتجاهات التنوير في الفكر العربي المعاصر، كالثورة الفرنسية وتنوير الفكر العربي، والترجمة، والتقدم العلمي والأخلاق، وأسطورة الغزو الثقافي، والمستشرقون وحركة التنوير، والسلام بين الأديان، والنظرة الي الفنون، وقضية العلمانية، والرؤية المستقبلية للثقافة التنويرية، كل هذا من خلال منهج عقلاني دقيق تمسك به المؤلف في كل مؤلفاته وبحوثه ودراساته . وحلل عاطف العراقي من خلال منظور عقلاني نقدي آراء رفاعة الطهطاوي، والأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، ومحمد إقبال، ومصطفي عبد الرازق، وأحمد أمين، ومحمد حسين هيكل، ويوسف كرم، وأحمد لطفي السيد، وعباس العقاد، وأمين الخولي، وأحمد فؤاد الأهواني، وطه حسين، وعثمان امين، وتوفيق الحكيم، وبول غليونجي، وتوفيق الطويل، وعلي عبد الواحد وافي، ويوسف ادريس، والأب جورج قنواتي، وجمال حمدان، ومحمد عزيز الحبابي، وزكي نجيب محمود، ونجيب محفوظ . تحليل نقدي لآراء هؤلاء المفكرين سعياً وراء ثقافة النور والتنوير، ورفضا لثقافة الظلام . ودعوة إلي التمسك بالعقل، أشرف ما في الأنسان.

وقد حصل عاطف العراقي  على العديد من الجوائز والأوسمة منها "جائزة أحسن البحوث الجامعية من جامعة القاهرة عام 1972 م، وجائزة أحسن البحوث الجامعية من جامعة القاهرة عام 1973 م، وخطاب تقدير من البابا يوحنا بولس الثانى عن كتاب "يوسف كرم"، وخطاب تقدير من الرئيس زين العابدين بن على رئيس جمهورية تونس عن كتاب "ابن رشد" الكتاب التذكاري، وسام العلوم والفنون والآداب من الدرجة الأولى عام 1981م، وجائزة الدولة التشجيعية فى العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة عام 1981م، وجائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة، عام 2000م".

وكان كان عاطف العراقي مولعاً بالفيلسوف العربي ابن رشد الذى قال عنه:" اهتمت أوروبا بأفكاره وطبقتها فتقدمت الي الأمام وأهمله أبناء أمتنا العربية . فرجعت الي الوراء لأنها ظلت محصورة في الفكر التقليدي ولم نكتف بهذا بل سخرنا منه حين أخذنا نتحدث عن قضايا وهمية زائفة كقضية الغزو الثقافي، والهجوم علي الحضارة الأوروبية وهو الذي فتح لنا الطريق أمام الفكر العلمي العقلاني الذي نحن في أمس الحاجة اليه الآن وبعد مضي أكثر من ثمانية قرون علي وفاته ولن نفيق من تلك الحالة إلا بدك أرض التقليد والضلال دكا لن نسلك طريق الصواب إلا إذا اعتقدنا بأن الخير كل الخير هو النظرة المنفتحة التي تقوم علي تقديس العقل بحيث نجعله معياراً وأساساً لحياتنا الفكرية والاجتماعية".

وعن نظريات ابن رشد الأساسية قال عاطف العراقي :" قدم ابن رشد العديد من الآراء والنظريات والأفكار التي مازالت صالحة حتي الآن بل نحن في أمس الحاجة اليها في يومنا هذا وما تراجع فكرنا العربي إلا بسبب ابتعاده عن أفكار ابن رشد، وفي يقيني أنها لو طبقت لتقدم العرب أكثر من أوروبا، ولكن نحن ظلمنا ابن رشد حياً وميتاً وأهملنا تلك الموسوعة المعرفية التي جمعتا الفقه والطب والفلسفة في قلب رجل واحد يقف علي قمة عصره من حيث الفكر النقدي، ولو كان العرب قد تمسكوا بهذا الفكر لأصبح الحال غير الحال، لأن الفكر النقدي، ولو كان العرب قد تمسكوا بهذا الفكر لأصبح الحال غير الحال لأن الفكر النقدي يحارب الخرافات والأفكار الخاطئة، وكان ينبغي علي العرب أن يفخروا بأن أمتهم أنجبت واحداً من أربعة فلاسفة علي مستوي العالم يقفون علي قمة عصورهم هم أرسطو في الفلسفة اليونانية وابن رشد في الأمة العربية، والقديس توما الأكويني في الفلسفة الغربية في العصور الوسطي، وأخيراً الفيلسوف الألماني "كانط" وجميعهم يعتمدون في أفكارهم علي التنوير، ومن المعروف أن النور يؤدي إلي الأمان والظلام يؤدي إلي الخوف والتراجع".

ولم يكتف عاطف العراقي، بل تبني مفهوم ابن رشد عن العقل والذي أورده في "تهافت التهافت" والذي قال فيه :" ليس العقل شيئا أكثر من إدراك الموجودات بأسبابها. فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل. وصناعة المنطق تحدد أن هاهنا أسباباً ومسببات، وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها. ورفع هذه المسببات مبطل للعلم ورافع له، إذ يلزم ألا يكون ها هنا شيء معلوم أصلاً علماً حقيقياً، بل إن كان ثمة علم فهو علم مظنون. كما لا يكون ها هنا برهان ولا حدّ. وترتفع أصناف المحمولات الذاتية التي تأتلف منها البراهين. وبالتالي فإن من يذهب إلى عدم وجود أي علم ضروري، يلزمه أن لا يكون قوله هذا ضرورياً" .

وفي الدفاع عن السببية يكتب عاطف العراقي، في كتاب "الفيلسوف ابن رشد ومستقبل الثقافة العربية": "الواقع أن الدارس للفكر الفلسفي العربي يلاحظ أن المفكرين الذين يتجهون اتجاهاً عقلياً كابن رشد يقررون أن العلاقات بين الأسباب والمسببات تعد علاقات ضرورية، ولكن المفكرين الذين لا يعتمدون على العقل كالأشاعرة والغزالي يذهبون إلى أن العلاقات بين الأسباب والمسببات تعد علاقات غير ضرورية، بل ترجع إلى مجرد العادة. والله تعالى قادر على خرق العلاقات بين الأشياء، لأنه تعالى يؤثر في الأشياء بطريقة مباشرة، وإرادته مطلقة غير مقيدة بضروريات. فكل شيء ممكن بالنسبة له تعالى وكل حركة وكل تغيير مصدرها الله.

وانتقد عاطف العراقي في حوار سابق له مع الإعلامي أحمد المسلماني في برنامج "الطبعة الأولى" علي قناة دريم المصرية،  فيلم الفنان الراحل يوسف شاهين "المصير"، واعتبره أكبر إساءة للفيلسوف ابن رشد وتزويراً وإساءة لتاريخه، حيث صرح قائلاً:" الفيلم ليست له علاقة بابن رشد"، و" أن تجاوزاته لا حصر لها". وأضاف: "لا أريد أن أقوم بدعاية لعمل يوسف شاهين عبر مهاجمته، لكنّّني مضطرّ إلى التعبير عن وجهة نظري، كي لا أتّهم بالصمت!". كما أخذ العراقي على الفيلم، "التلاعب بالأحداث التاريخيّة، والتعميم وعدم الدقّة". فهو يذكّر مثلاً أن "حرق الكتب لم يشمل ابن رشد فقط". كما يلاحظ "أن الفيلم لم يُصوَّر في أماكنه التاريخيّة في أسبانيا. فيما خلط السيناريو بين الخليفة الأب الذي كان يؤمن بحريّة الفكر، والخليفة الابن المنصور الذي حدثت في عهده نكبة ابن رشد". ويضيف عاطف العراقي: "لم يذكر الفيلم ابن طفيل مع أن وجوده محوريّ في حياة ابن رشد. كما لم يذكر شيئاً عن العام الذي أمضاه في المنفى في بلدة اليسالة"...الخ.

رحم الله أستاذنا الدكتور عاطف العراقي كان شعلة من النشاط ؛ حيث كان لا يكل ولا يمل، لقد دخل تاريخنا الفكري والثقافي المعاصر من أوسع الأبواب وأرحبها لقد شق طريقه وسط الأشواك والصخور (كما أكد هو مراراً وتكراراً)، وترك لنا ثروة فلسفية غاية في العمق، ولن يستطيع مفكر أن يغفل أو يتغافل عن هذه الثروة التي تعد كنزاً فكرياً أبدعه عقل مفكر جبار، إبداع قلم يعلم تماماً أثر الكلمة المكتوبة وخطرها . نعم إنه يعد عظيماً من العظماء . عملاقاً، والعمالقة تبدد كلماتهم وأقوالهم ظلام الجهل سعيا إلي نور المعرفة، نور العقل، نور الضياء الذي يهدينا في حياتنا، وإذا اختلف البعض حول فكره وآرائه فإن هذا الاختلاف في حد ذاته يدلنا علي أن أفكاره تعد حية وليست أفكاراً ميتة، إن الأفكار الحية دون غيرها هي التي توجب الصراع حولها لأنها أفكار المسافة بينها وبين التقليد والمتابعة أكبر المسافة . إنه رائدنا ومفكرنا العظيم إنه عاطف العراقي الذي تعد كتاباته دعوة إلي التمسك بتيار العصر والحضارة تيار التجديد تيار العقلانية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

913 تيزينيرحل اليوم عن عالمنا الصديق العزيز د. طيب تيزيني، الذي قرأت أعماله مبكرا، لكني تعرفت عليه في مؤتمر جمعنا في بنت جبيل بلبنان قبل سنوات، ودام التواصل الأخوي بيننا.. طيب تيزيني رحمه الله مفكر أخلاقي صادق، غيور على الناس، يفرض عليك أدبه وتهذيبه أن تنجذب إليه وتبجله وتتشيث بصداقته، لأنه كنز أخلاقي وفكري يقل أمثاله اليوم. رأيته يجهش بالبكاء وهو يتحدث عن مأساة وطنه بمرارة وحرقة، فكانت دموعه تتحدث بما لم تتسع له كلماته، رأيت دموعه أبلغ من كلماته.. يفرض طيب تيزيني على القارئ الخبير أن يحترم كتاباته ويعجب باجتهاداته، وإن كان لا يتفق مع منهجه، وبعض مفاهيمه وأدواته ونتائج اجتهاداته، لأنه من المفكرين العرب النادرين في هذا العصر الذين برعوا في كتابة المتون، ولم يغرقوا في الهوامش والشروح...

912 قضاياطيب تيزيني باحث عميق، تعلَّمَ في أفضل جامعات ألمانيا، وهو يتقن عدة لغات، لا يعرف الكسلُ إلى حياته طريقًا، أنجز اطروحة الدكتوراه بعنوان: "تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة"، ونشرت بالألمانية عام 1972. وتلخص هذه الاطروحة رؤيته للماضي ومنهجه الجدلي في اعادة قراءة التراث من منظور مختلف، والذي أصدر خارطته الأولى عام 1971 بعنوان: "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط"، وتوالت طبعاته بعد ذلك. وأشار في مقدمته إلى أن هذا المشروع سلسلة تتألف من 12 جزءا، وفقًا لتحقيب اقترحه لنشاة وتشكل التراث وصيروته عبر التاريخ. وأصدر منها: "الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى" 1982، و"من يهوه إلى الله" 1985، و"مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر" 1994، ثم أصدر عدة مؤلفات بعد ذلك، مثل: "النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" 1997...

حاوره مدير تحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة د. محمد حسين الرفاعي حوارًا موسعًا، ونشرنا الحوار في العدد 61-62 الصادر في عام 2015، وقد تحدث بالتفصيل عن رؤيته الخاصة في تطبيق: "الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية"... لن يموت صوت طيب تيزيني وكل صوت حر، مادام في الأرض ضمير حي وفكر حر، ينشد ايقاظ عقل الإنسان وتحريره من كل أشكال الاستعباد.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

محمود محمد عليكان أول بداية تعارفي بالدكتور فؤاد زكريا (1927-2010م) حين التقيت به في حفل عيد ميلاد الدكتور عاطف العراقي (رحمه الله)، وكان هذا الحفل مقاماً بنادي الأسلحة والذخائر بالقاهرة في 1995 م، وكان الحفل يضم كوكبة من خيرة كبار الأساتذة الجامعيين والصحفيين، بالإضافة إلي وجود معظم تلامذة الدكتور عاطف العراقي، وقد جذبتني شخصيته المحترمة التي تتسم بالهيبة والوقار، وتكشف عن ثقة بالنفس. وقد تأثرت بشخصيته وتعلقت به منذ سنوات شبابى الباكر عندما كنت أشتري كتبه وأتابع أفكاره من أسبوع لأسبوع، ومن شهر لشهر، ألتهم كلماته وأحفظ بعض سطوره وأردد أفكاره وأبحث فيما وراء السطور فى وقت لم تكن فيه منافذ الحريات مفتوحة بمنطق الثورة، حيث مضى الجميع على طريق واحد، فكان "فؤاد زكريا"  بالنسبة لي هو بارقة الأمل ونافذة الضوء نحو التفكر العلمي والنقد والتنوير.

والدكتور فؤاد زكريا هو أحد رواد الفكر الفلسفي المصري والعربي المعاصر، الذين تميزوا في فكرهم بنزعة تنويرية تحض علي إعمال العقل والتفكير العلمي في نواحي الحياة، ولم تخلو هذه النزعة التنويرية لديه من اتجاه نحو نقد كل الصور السلبية في حياتنا الفكرية . درس الفلسفة لكنه لم يحتفظ بها فى مكتب أو برج، واختار أن ينزل بها مثل سقراط الذى خاض معركة العقل دون حساب للخسائر؛ حيث لم يقتصر في معالجاته على الفلسفة، قديمة أم حديثة، بل راح يناضل ضد التخلف، وينتقد بجرأة وقوة كل الذين انتهكوا حياتنا الثقافية، ومزقوا نسيجنا السياسي، وبعثروا تفكيرنا وقيمنا.. وقادوا مجتمعاتنا إلى المخيال الجمعي الطوباوي بتسميات دينية أو تحزبات أيديولوجية.

ولد الدكتور فؤاد زكريا  في الأول من ديسمبر عام 1927 بمدينة بورسعيد، ودرس فيها، ثم أكمل دراسته فى قسم الفلسفة بكلية الآداب، جامعة القاهرة 1949، ثم نال الماجستير 1952 م عن أطروحته "النزعة الطبيعية عند نيتشه"، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة بجامعة عين شمس عن أطروحته المهمة "مشكلة الحقيقة" عام 1956 م، عمل أستاذاً رئيساً لقسم الفلسفة بجامعة عين شمس حتى 1974 م، عمل أستاذاً للفلسفة ورئيساً لقسمها في جامعة الكويت (1974-1991م)، ترأس تحرير مجلتي «الفكر المعاصر»، و«تراث الإنسانية» في مصر. عمل مستشاراً لشئون الثقافة والعلوم الإنسانية في اللجنة الوطنية لليونسكو بالقاهرة.

وكانت رحلة الدكتور فؤاد زكريا فى رئاسة قسم الفلسفة فى جامعة الكويت التى سافر إليها بعد أو مع كوكبة المثقفين والمفكرين وأهل الفن والثقافة الذين توافدوا على الكويت منذ الستينات، مثل زكى نجيب محمود، وعبد الرحمن بدوى، كانت رحلته هى الأخرى دليلا على أهمية وجود فيلسوف فى بناء الدولة، فلم يكتف برئاسة قسم في جامعة لكنه لعب دورا فى نقل الفلسفة إلى الشارع من جديد، أسس مع تلاميذه وزملائه فى الكويت المجلس الوطني للثقافة مع المثقف الكويتي الراحل الكبير أحمد مشارى العدواني، الذى أصدر عددا من أهم المطبوعات الثقافية في العالم العربي سلسلة عالم المعرفة التى قدمت للمكتبة العربية عدة مئات من كتب العلم والفلسفة والاجتماع وقد أعلن المثقفون فى الكويت امتنانهم لفؤاد زكريا الذى ساهم بفكره الفلسفي فى بناء تيار ثقافي وسياسي أسس لنوع من الديموقراطية جعل الكويت بالرغم من قصر عمرها مميزة بجدال سياسي وفكرى متنوع. ونال زكريا جائزة الكويت للتقدم العلمي وجائزة العويس الإماراتية وجائزة الدولة التقديرية في مصر. وتوفي الدكتور فؤاد زكريا في الحادي عشر من مارس عام 2010م عن اثنين وثمانين عاما بعد صراع مع المرض (حيث وتوار عن المشاركة في الحياة الثقافية في الآونة الأخيرة)، وقد استقبلت الأوساط الثقافية المصرية والعربية نبأ وفاته بحزن شديد.

وله مؤلفات كلها تحمل الفلسفة إلى المثقف العادي وتقدم الفكر فى سياق أكثر رحابة وأوسع مجالا، حيث نشر عدة كتب مهمة عن نيتشه 1956، وعن نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان، 1962، وعن اسبنوزا، (ونال عنه جائزة الدولة التشجيعية في مصر) وكتاب «الإنسان والحضارة»، وكتاب «آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة» عام 1975، وكتاب «التفكير العلمي» 1978، وكتاب «خطاب إلى العقل العربي» 1978، وكتاب «كم عمر الغضب: هيكل وأزمة العقل العربي» 1984، وكتاب «الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة» 1986 وكتاب «الصحوة الإسلامية في ميزان العقل» 1987 وكتاب «آفاق الفلسفة» 1988، وكتاب «الثقافة العربية وأزمة الخليج» 1991، ولقد قام بترجمة عدة كتب منها: كتاب ب. موى: المنطق وفلسفة العلوم «جزآن» 1962، وكتاب «ر. متس: الفلسفة الإنجليزية في مائة عام» 1963، وكتاب «هـ.رايشنباخ: نشأة الفلسفة العلمية»، وكتاب «تاسوعيات أفلوطين» 1970 وكتاب «هـ.ماركيز: العقل والثورة» 1970، وكتاب «أرنولد هاوزر: الفن والمجتمع عبر التاريخ (جزآن)» 1973، وأخيراً كتاب «براتراند رسل: حكمة الغرب»، سلسلة عالم المعرفة، وللرجل جملة كبيرة من المقالات والدراسات المنشورة في أكثر من مكان. وفي هذه الكتابات كانت لغة فؤاد زكريا سهلة وميسرة ومشوقة وقريبة للفهم، وهو يعالج أخطر القضايا التي نعيشها منذ ثلاثين سنة.

كان عالماً موسوعياً يجمع بين الفيلسوف والمثقف الشامل، ورغم الاختلاف معه إلا أن ديمقراطيته فصلت دائما بين الاختلاف واحترامه وتقديره لمصداقية من يختلف معه، تقول الدكتورة ليلي الجبالي في مقاله لها بعنوان" الدكتور فؤاد زكريا.. فى ذاكرة الوطن":" وكثيرا ما كان يتصاعد الاختلاف بيننا إلى قفشات طريفة باتهام كل منا للآخر-دعابة- بالتجمد الفكرى. ورغم عدائه للمرحلة الناصرية فإنه كان يحمل لبعض الشخصيات الناصرية مثل الدكتور أحمد مستجير، وبعض الشخصيات الماركسية واليسارية مثل الدكتور فؤاد مرسى قدراً كبيرا من الاحترام والتقدير. وسوف يذكر له التاريخ أن أهم أهدافه كان إنزال الفلسفة من برجها العاجى إلى شارع الواقع الحياتى بأسلوب شيق فى رصده وتحليله.

كما وصفه الدكتور "سيّار الجَميل" في مقال له بعنوان  فؤاد زكريا.. رحيل رجل المواجهات الصعبة، فقال :" أن الدكتور فؤاد زكريا يمثل آخر سلسلة رجالات المعرفة العربية الذين أثروا حياتنا وثقافتنا العربية على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين.. ولقد عاش الرجل جملة من التحديات السياسية والفكرية والأيديولوجية طوال نصف قرن مضى، أى منذ تخرجه بشهادة عليا عام 1956 وحتى رحيله 2010، لكنه لم يكن صامتاً على تمرير الأخطاء، ولم يكن مراوغاً في التخلص من مواجهة الحقائق، ولم يكن أكاديمياً جامداً على قوالبه.. بل سعى بحيوية ونشاط ليلجم كل الطوباويين الذين يعيشون حياتهم على الأوهام، ويدعو إلى بناء تفكير علمي لا تنازل عنه أبداً. بل ولا حق مشخصاً أزمة كل من الثقافة والإعلام العربيين برده الشجاع على محمد حسنين هيكل في كتاب سماه «كم عمر الغضب»، وفيه يوضح أن هيكل يجسد أزمة الثقافة العربية اليوم.. بل إن زكريا قد تخطى الانتقاد، ونجح في تفكيك نمط لا أخلاقي في التفكير المتشكل على الفوبيا والأكذوبة، وكان فؤاد زكريا يرى أنه خطر جداً على ثقافتنا العربية المعاصرة!

ويستطرد الدكتور سيّار الجَميل فيقول :" لقد كان الرجل راصداً ماهراً لعدة ظواهر تبلورت في زمن يمثل البلادة والغباء، إذ يمثله أناس دعاة وكذبة ومارقون ومنافقون.. وكان محللاً بارعاً، وشارحاً معللاً للأسباب والمسببات.. فهو ينطلق من رؤية محددة وواضحة سماها بـ«التفكير العلمي» إنها الرؤية التي آمن بها، ونجح في إبراز ملامحها وتثبيت أسسها ومرتكزاتها وأساليبها المعتمدة وميادينها الحيوية التي يتحرك في خضمها.. مروراً بأطوارها المهمة التي ينبغي التعرف عليها، ووصولاً إلى فاعليتها ومقدرة نضجها وحل إشكالياتها.. لقد أراد فؤاد زكريا، وبمصداقية تبدو عنده أكبر من عند غيره أن يحمل كل الناس في مجتمعاتنا تفكيراً علمياً، ليس فى تفسير الظواهر الكبيرة، بل فى معالجة كل الجزئيات من أجل انتشال تلك المجتمعات من حضيض الجهل والخرافة، ولم يقل فؤاد زكريا أن التفكير العلمي ينحصر بالضرورة عند العلماء، ذلك إن الأخيرين يفكرون فى مشكلات متخصصة للغاية لا يمكن للآخرين الخوض فيها نظراً لرموزها واصطلاحاتها.. ولكن التفكير العلمي هو تنظيم العقل، وقدرته على الإجابة عن جملة أسئلة، باستطاعة الإنسان إن نجح فى نظام أفكاره أن يجيب عنها... إنها أسئلة يفرضها واقع اليوم الذي يزداد تعقيداً مع مرور الزمن.. وتتضمن مثلاً مجريات حياتنا اليومية وأعمالنا المهنية وعلاقاتنا الاجتماعية وأساليبنا السياسية وإعلامياتنا الحقيقية.. أي باختصار: كيف نتعامل مع محيطنا، إن التفكير العلمي ينبغي أن يكون منظماً، ويبنى على أسس ومبادئ يتم تطبيقها كل لحظة وتغدو منغرسة في الوعي الباطن من دون أن يشعرنا أحد بذلك.. وهنا تلتقي إرادة الناس طواعية من أجل تغيير العقل السائد! إن التوصل إلى حقائق الأشياء لا يتم أبداً بأية وسائل بديلة غير العقل الذي يصقله التفكير العلمي.

ومن هذه الشهادة الرائعة من الدكتور سيار الجميل في حق استاذنا ننتقل للحديث عن معاركه الفكرية، حيث يمكن القول بأن الدكتور فؤاد زكريا قد استخدم أدوات العقل في كل معاركه التي خاضها بشجاعة منقطعة النظير.. وأنه لم يُعر أي أهمية لكل الذين طعنوا فيه وهاجموه واتهموه بشتى التهم.. كان مناضلاً حقيقياً ضد أولئك الأقزام الذين شتموه على المنابر، وضد صانع الأكاذيب ومفبركات التضليل الإعلامي، وضد المستبدين والجهلة الذين يسيطرون على أجهزة الإعلام ويتسلطون على أعمدة الثقافة الهشة! كان ناقداً ومحارباً أي خطاب يحجب الحقائق ويشوه الوقائع ويزور السير والأخبار.. كان ضد أي خطاب يقف بالضد من تقدم الحياة وتمدنها.. دعا إلى العلمانية وقال بفصل الدين عن السلطة والعمل السياسي في مقاله الشهير " الشهير "العلمانية هي الحل"، الذي كتبه ردا على المنادين بأن "الإسلام هو الحل"، كما أنه صاحب كتاب "الصحوة الإسلامية في ميزان العقل"، والذي تضمن انتقادات عنيفة للصحوة والحركات الإسلامية.

وخاض فؤاد زكريا مناظرة شهيرة في نهاية ثمانينيات القرن الماضي بمقر نقابة الأطباء بالقاهرة مع الشيخين محمد الغزالي- رحمه الله- ويوسف القرضاوي (وقد كتب القرضاوي بعد المناظرة كتابا بعنوان "الإسلام والعلمانية وجها لوجه" نقض فيه فؤاد زكريا نقضاً عنيفاً ). ولم تقتصر معارك فؤاد زكريا على الإسلاميين، وإن كان قد خصهم بهجومه الأعنف، لكنه خاض أيضا معارك عنيفة مع المعسكر الناصري، خاصة من خلال كتابه "كم عمر الغضب"، والذي تضمن انتقادات حادة للفكر الناصري، وبالتحديد الصحفي الناصري المعروف محمد حسنين هيكل... ناهيكم عن معارك أخرى خاضها ضد اليمين واليسار من كل التيارات.. لقد انتقد حكم عبدالناصر وانتقد السادات أيام حكمه، لكنه عاد ودافع عنه ضد محمد حسنين هيكل الذي اعتبره ظاهرة خطيرة في ثقافتنا العربية! ووقف ضد فواجع العقل على أيدي الإسلاميين، كما انتقد اليسار لوحده أيام كان اليسار قويا.

أيقن فؤاد زكريا أنّ النقد هو روح الفلسفة وقلبها النابض، وهو الباعث الأساسي لتحولاتها المتتابعة منذ نشأتها العقلية والمنهجية الأولى عند الإغريق حتى صورها وأشكالها المختلفة عند المحدثين والمعاصرين، فقرر أنه لا يمكن أن يكون هناك مفكر أصيل بدون موقف نقدي، فالموقف النقدي هو بمثابة نقطة الانطلاق، كما أنّه ليس ثمة معرفة مقبولة إلا بعد بحث وفحص وتمحيص، فالنظرة النقدية تكون الحافز والدافع للباحث لسبر غور موضوعه، ولولا النظرة النقدية للظواهر الكونية ولفكر السابقين لما وجد لدى الباحثين والعلماء والمفكرين موضوعات للبحث والدراسة، ولأصبح الإنسان تابعاً لا مبدعاً، مقلداً لا مجدداً، وبدون هذه النظرة أيضاً تموت روح الابتكار والإبداع.

وقد انعكست نزعة فؤاد زكريا العقلانية النقدية على آرائه السياسية،  فقد كان أحد المفكرين المؤسسين لمفهوم "الإسلام السياسي"، وذلك في كتابه "الصحوة الإسلامية في ميزان العقل"، ثم في كتابه الآخر "الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية"؛ حيث حاول فؤاد زكريا أن يقيم حواراً فعالاً مع توجهات الإسلام السياسي في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وتحديد الأسباب التي أدّت إلى تنامي وتصاعد حدّة تواجده في تلك الفترة، وفي سعيه إلى تفكيك فكره، أرجع انتشاره إلى "واقع التخلف الذي يعيشه العالم الإسلامي"، وانتشار الإسلام الطقوسي الذي يهتم بالمظهر، والفصل بين الرجل والمرأة، والتحريمات، والمخاوف الجنسية، بغضّ النظر عن المضمون السلوكي والاجتماعي الكامن وراءه ؛ كما ينظر فؤاد زكريا إلى دعوة الإسلام السياسي للجمع بين الدين والدولة؛ بأنّها رؤية لاتاريخية، تؤدّي إلى اغتراب الإنسان عن الزمان والمكان الذي يعيش فيهما؛ فالإسلام السياسي ينظر إلى التاريخ نظرة دائرية ارتدادية، ترى أنّ المستقبل لا يتحقق إلا بالماضي المجيد، في حين أنّ النظرة التقدمية للتاريخ والزمن تركّز على كون التاريخ يسير في خطّ مستقيم، ولهذا كان من الضروري مراعاة المستجدات التي تحدث في المجتمع، والتعايش مع هذه المستجدات بأطروحات مستقبلية، لا أطروحات ماضوية ارتدادية (وذلك حسب ما قاله الدكتور أحمد سالم في مقاله :هكذا فكّك فؤاد زكريا فكر الإسلام السياسي).

وإذا تتبعنا المعارك التي خاضها فؤاد زكريا سنحصل على القاعدة الذهبية التي تشكّل الخيط الناظم لفكره كله، والتي تصلح شعاراً مع ذلك على صيغة شعار "ميشيل فوكو" (لا تقع في هوى السلطة): لا تقع في هوى المحاكاة، فلا يُمكننا أن نظل إلى الأبد مقلدين محاكين نساير الآخرين ونمسك بذيل تطور لم نصنعه، ولا يمكن أن نجتر ما أنجزه الأجداد ونكون عبئاً عليهم.

وعلى هذا الأساس اقترح فؤاد زكريا صيغة "الإبداع والاتباع" كبديل معقول لصيغة "الأصالة والمعاصرة" المُضلِّلة، والصيغة الجديدة هذه إذا تمعنا النظر إليها سنجد أنها تحرم العلمانيين من معصوميّة الاتهام بالتخلف التي فُصلِّت على مقاس الإسلاميين؛ فزكريا يؤكد أن اتباع حضارة متفوقة هو مظهر واضح من مظاهر التخلف.

وفي الختام يمكن القول (كما قال الدكتور سيار الجميل): لقد نجح فؤاد زكريا فى أن ينزل الفلسفة من أقفاصها العاجية إلى حيث الميادين العامة، وأعتقد أنه كان يتابع حركات الفلاسفة الجدد في فرنسا، ويتعلم من خطواتهم الحثيثة وتطبيقها في دولة الكويت ودوره في إنجازاتها الثقافية الكثيرة، مترجما ومؤلفا من نوع خاص.. فضلا عن حواراته الممتعة ومعالجاته النقدية لمشكلات الفكر والثقافة والحياة. لقد رحل فؤاد زكريا، والتحق بركب الراحلين من الأساتذة العرب المتميزين من جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية.. رحل بعد أن أشعل شموعا وضاءة تنير الطريق للأجيال القادمة، وتعلمهم كيف نخوض المعارك بالمنطق والحجج العلمية وبالأدلة والبراهين القوية الدامغة.. وسواء اقتربنا من الأشخاص أو من الأفكار، فينبغي أن تكون الحرية ويكون العقل من الأسس التي لا يمكن أن نتنازل عنها أبدا إزاء كل المشعوذين والكذابين والدجالين.. إزاء كل المستبدين والطغاة.. إزاء كل الطوباويين والشعاراتيين والمؤدلجين.. علينا بالعقل وبالتفكير العلمي أداة لحل كل المشكلات، وأن العقل لا يعمل بحرية أبداً إن لم يجد الإنسان الذي بإمكانه أن يحركه بكل أمانة وعلم وحيادية وموضوعية كي يتم تغيير العالم، فهل استوعبنا درس الراحل الكبير فؤاد زكريا؟.

تحيةً للدكتور فؤاد زكريا، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته فى تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.. فأطلقوا عليه فى حفل تأبينه (الفيلسوف الأبرز فى القرن العشرين مكملاً لطه حسين).

وتحيةً مني لرجل  لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمد السعدينحن لا نملك أسلحة التدمير الشامل، وسيثبت التاريخ صدقي . هذا التصريح الخطير، الذي أعلن عنه أحد بناة القوة العلمية الهندسية العراقية في مطلع ستينيات وسبعينيات القرن الماضي الفريق عامر السعدي، في لحظة حرجة من تاريخ العراق السياسي، والتي شكلت لاحقاً مفصلاً خطيراً على مستقبل وطن وأرض وشعب .  

 في يوم ١٢ نيسان ٢٠٠٣ في بغداد المحتلة سلم نفسه العالم عامر السعدي الى قوات الاحتلال الامريكية بعد ما ظهر أسمه في قائمة أكثر العراقيين المطلوبين، وترتيبه السابع في الفئة الماسية من شدٌة لعبة الأوراق سيئة الصيت، أنه الرقم ٣١ . كان عامر السعدي مستهدف من أكثر من جهة مخابراتية لتصفيته بأعتباره من أحد رموز العراق العلمية، فذهب وسلم نفسه الى قوات الاحتلال، وطلب من محطة التلفزيون الالمانية (ZDF) في مرافقته وتصوير أستسلامه مع زوجته الالمانية الاصل هيلما السعدي، وأعلن أمام الكاميرا رسالته الواضحة الى العالم كذب وأدعاء الادارة الامريكية في أمتلاك العراق أسلحة دمار شامل لغرض أحتلاله وتدميره، وأضاف أنه لم يشعر بالندم بأي شكل من الاشكال، كنت أخدم شعبي ووطني، وسأبقى طالما بقيت حياً. كتب قبل بدأ الغزو بيومين رسالة الى رئيس المفتشين الدوليين (رولف إكيوس)، السويدي الأصل، يعلن بها موقفه الرسمي من أحتلال العراق وكذبة أمتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل لغرض أجتياحه وتدميره .

ويعترف البرادعي أحد عرابي الاحتلال وتدمير البلد في مذكراته لاحقاً أن أستنتاجنا الأولي بصدد الأسلحة النووية كان صحيحاً، لأنه لم يكن لعامر السعدي سبب للكذب . ويضيف معلقاً على رسالة عامر حمودي حسن السعدي كانت أدانة صارخة تجاه كذب أدعاءتنا . والسعدي الذي ينتمي الى أعرق الأسر الشيعية، ولد يوم ٥ أبريل العام ١٩٣٨، ودرس الكيمياء في المانيا ونال شهادة الدكتوراه في لندن، قاد أصعب المفاوضات السياسية العلمية في تاريخ الأمم المتحدة من أجل أنقاذ بلده من الاحتلال . اليوم يعاني من شلل تام في مدينة (هامبورغ) الالمانية ويحظى برعاية خاصة من زوجته الالمانية هيلما السعدي، تزوجا العام ١٩٦٨ بعد علاقة حب عاصفة، وطرد من الجندية لزواجه من أجنبية، وأعيد له الاعتبار في السنوات الاخيرة قبل الاحتلال برتبة فريق في  سلك الجيش العراقي، لحاجة العراق له في البناء والعلم والتطور، وهو من ساهم بأعادة بناء مشاريع الماء والكهرباء والمجاري والجسور بعد أن دمرتها غارات الطائرات الحربية للعدوان الثلاثيني على سيادة العراق بذريعة نظام دكتاتوري وقائد أرعن والتي بلغت مئة ألف غارة على العاصمة بغداد في مطلع التسعينيات، وتم أعادتها بوقت قياسي وبكلفة ٢٠٠ مليون دولار مما عجز عن تحقيقة خلال ١٧ عاماً ساسة العراق الجدد . لعبت زوجته دوراً مهماً في أطلاق سراحه من زنزانته الفردية في بناية المطار من خلال اللقاءات والمناشدات الى المؤسسات المدنية ومنظمات المجتمع الدولي . وأنجبت له ثلاثة أبناء ولدان قيس وعدنان وبنت ميريام .  

يذكر ذلك جعفر ضياء جعفر، ونعمان النعيمي في كتابهما المشترك (الاعتراف الأخير) .

ويعرض الباحثان (حقيقة البرنامج النووي العراقي) الذي ساهما فيه مع أكثر من 8 آلاف عالم ومهندس وتقني يمثلون النخبة العلمية والفنية للبلد.

أسماؤهم وألقابهم وتخصصاتهم تعكس فسيفساء الأديان والأعراق والمذاهب والطوائف والجامعات والأكاديميات التي أعدت آلاف الكفاءات العراقية.  والتقى في (البرنامج الوطني) هدف تحقيق (الكتلة الحرجة) والتي تعني بلوغ (المادة الانشطارية) اللحظة اللازمة لإدامة الــــتفاعل المتسلسل للمفاعل النووي، والتي تغذي نفسها ذاتياً، علمياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً، وتنقل العراقيين إلى المكانة التي يستحقونها في مصّاف الدول المتطورة .

أستغرب بأندهاش ساكني الحي الهاديء وجيران العالم العراقي عامر حمودي حسن السعدي أثناء أقتحام بيته من قبل الشرطة السرية الالمانية بعد أحتلال العراق حول مكانة ودور هذا الرجل بما كان يتمتع به بالمقابل من تواضع وعلاقات طيبة مع أهالي حييه وجيرانه، وهو يشغل هذا المركز المهم والدور الذي يضطلع به كبير المفاوضين العراقيين مع هيئات المجتمع الدولي (أمريكيا)، لانقاذ العراق من محنته، والتي أدت به في نهاية المطاف بتدميره . في تغريده سابقة للشاعر سعدي يوسف أعتبره (أسطورة عراقية وطنية).

أقتربنا بمرور ١٧ عاماً على أحتلال العراق، ومازالت هناك أسرار لم تظهر بعد على حجم التأمر والتدمير الذي لحق بالعراق والعراقيين، والدور المخابراتي القذر الذي لعبته ما يسمى لجنة المفتشين الدوليين في تسويق مشروع الحرب على أدعاءات غير واقعية كذبة أمتلاك العراق أسلحة دمار شامل، ولم تبادر أي جهة سواء، كانت عراقية أو عربية رسمية أو أهلية في أستنطاق العالم الفريق السعدي في مطرحه بمدينة (هامبورغ) الالمانية حول ما حدث، كان بمثابة زلزال هز أرض المنطقة برمتها وبأعتباره من كبار المفاوضين العراقيين ومسؤول الملف النووي ومستشار علمي لصدام حسين، فهو خزين أسرار ومواقف تشكل جزء مهم وفعال من تاريخ العراق السياسي (العلمي) .

نشر في جريدة الزمان العراقية  في يوم ٧ أيار لسنة ٢٠١٩ مادة بعنوان  (لا تُعجِّل بالرحيل يا عامر السعدي) لمحمد كامل عارف . 

(زوجي الدكتور عامر السعدي مريض جداً ولا يستطيع قراءة مقالاتك، لذلك آسف لأن أسألك رفع اسمه من قائمة بريدك، وشكراً، مع التقدير الكريم، وأطيب التمنيات بالعيد السعيد. هيلما السعدي).

لم أصدق هذه الرسالة المقتضبة بالإنكليزية، رغم أنها مرسلة من العنوان الإلكتروني الشخصي الذي أتراسل عبره مع السعدي منذ غادر العراق...

وكيف أصدق ذلك، وأنا أتوقع منه في كل وقت رسالة عن سير العمل في مذكراته التي تتناول أخطر الصفحات المجهولة في تاريخ العراق الحديث) .

فكرة الملف النووي العراقي، ليست جديدة، حيث وضعت اللبنات الأولى لها في زمن النظام الملكي في مطلع الاربعينيات من القرن الماضي، وفي رحيله يوم ١٤ تموز ١٩٥٨، وضع الزعيم قاسم في أولويات أهتماماته، لكون موقع العراق المهم والمحصور بين دولتين من الشرق أيران (الشاه)، وعلاقاته الدوليه وسعي الدائم لبناء منظومة صواريخ متطورة، ومن الغرب أسرائيل وأمتلاكها الرؤوس النووية وصراعها مع الجيران وأحتلال فلسطين، لم تكن أمكانيات العراق أنذاك على كافة الأصعدة كافية ولا تسمح له بتطوير تلك الاسلحة بالسرعة حتى البطيئة . في مطلع السبعينيات ومجيء حكومة البعث وتأميم النفط وتدفق عوائده اليومية، أستفاد منها حكام العراق لبناء مفاعل نووي عراقي بخبرات أوربية وبملاكات محلية وطنية من علماء وخبراء، الذين بعثوا للدراسات بخصوص هذا الشآن، لكن حكومة البعث أساءت في أستثماره، حيث جيٌر سياسيا مما تحول الى شؤوم وأساءة الى البلد وأهله، ودفع العراقيين ثمناً كبيراً في حياتهم وعيشهم جراء سوء أستخدام هذا الملف.. الملف النووي العراقي .

 

محمد السعدي

 

909 الطيب تيزينيتوفي المفكر السوري طيب تيزيني بعد صراع مع المرض عن عمر يناهز 85 عامًا، في مسقط رأسه ومدينته حمص وسط سوريا.
ونعت عائلته إلى جانب مجموعة من المثقفين السوريين تيزيني، الذي يعتبر واحدًا من كبار المفكرين في العصر الحالي، في وقت متأخر من ليلة الجمعة 17 من أيار.
ولد طيب تيزيني في مدينة حمص سنة 1934، وحصل على درجة الدكتوراه في ألمانيا سنة 1967، ودرس الدكتوراه في العلوم الفلسفية سنة 1973.
ويعود مؤلفه الأول لعام 1971، وهو “مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط”، الذي نشره باللغة العربية.
وله مؤلفات كثيرة على رأسها “من التراث إلى الثورة- حول نظرية مقترحة في التراث العربي” 1976، و”الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى، مشروع رؤية جديدة للفكر” والذي نشره عام 1982

الكثير من المؤلفات الخاصة بطيب تيزيني هي مشاريع فكرية صادرة ضمن سلاسل.
نشر التيزيني خلال حياته مئات الدراسات حول قضايا الفكر العربي والعالمي، وشارك في المؤتمرات العربية والإقليمية والدولية والعالمية.
انتخب عام 2001 عضوًا في لجنة الدفاع عن الحريات في الوطن العربي بالعاصمة المصرية القاهرة، وأسهم في نهاية عام 2004 بتأسيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان (سواسية).
اختير تيزيني واحدًا من أهم مئة فيلسيوف في العالم، سنة 1998، وفق تصنيف مؤسسة كونكورديا الفلسفية الألمانية الفرنسية.
والدكتور طيب تيزيني (1934- مايو 2019[1]) هو مفكر سوري، من أنصار الفكر القومي الماركسي، الذي يعتمد على الجدلية التاريخية في مشروعه الفلسفي لإعادة قراءة الفكر العربي منذ ما قبل الإسلام حتى الآن.
و مشروعه الهام من التراث الى الثورة يقدم برقت مبكر اعادة جرد لحساب الخط الجدلي و صراعه مع الخط المحافظ و الجامد في شروط تكوين العقل و التعبير الاجتماعي عند العرب.
يجمل المرحوم البنود الأساسية لمشروعه الجديد بالنقاط التالية:
١- انه غير مطلق و لم يبدأ من نقطة الصفر.
٢- الحدود التاريخية للمشروع توجه حركته و منطلقاته على المستوى النظري و المنهجي.
٣- الفكر العربي حقل بكر جاهز للتنقيب بسبب تراكمات المعتقدات السلفية و دورها في اخفاء الحقيقة.
و يضيف: ان الطبقة المهيمنة من الكومبرادور التجاري و العسكري هي التي حولت تراثنا لمراحل صامتة. و علينا ان نحفر في هذا المجال واضعين بعين الاعتبار تمييز المجتمعات الطبقية عن المجتمع اللاطبقي الاشتراكي.
ويخصص الدكتور تيزيني مؤلفا كاملا لنقد التصورات البنيوية للعقل العربي، عموما، ولتصورات الدكتور محمد عابد الجابري خصوصا، هو(من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي – بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي وفي آفاقها التاريخية). وذلك لأنه يعتبر أن هذه التصورات، نظرا لشيوعها وانتشارها، تمثل أحد العوائق الأساسية لفكر النهضة العربية. وهو ينقض أساسها الفكري والمتمثل في التصورات البنيوية غير التاريخية للعقلية العربية المبنية على تصورات صورية منطقية منقطعة عن الواقع. كما ينقض تحليلاتها المتعددة.
القضية الثانية التي واجهها الدكتور تيزيني هي كيفية قراءة الفكر الديني عموما، والقرآن خصوصا. في حوار بعنوان "الإسلام والعصر – تحديات وآفاق" بالاشتراك مع الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، يطرح تيزيني موقفه من هذه القضية. فيطرح أولا، تصوره وتحليلاته للتعددية في قراءة القرآن وفهمه.
ولعلنا نلاحظ أن تحديد (الوجه الحسن) للقرآن الكريم ليس مهمة نصية ذاتية يتفق عليها الفقهاء أو يختلفون، دونما أخذ الجديد الفتي والعتيق الهرم من التطور التاريخي البشري بعين الاعتبار.
ومن شأن ذلك ألا يسمح بالقول: إنه "حين يكون الواقع مناقضا للإسلام فإنه لا يجوز تأويل الإسلام حتى يتفق مع الواقع لأن ذلك تحريف للإسلام".
وإذا وضعنا في اعتبارنا أن في القرآن الكريم حوالي ستة آلاف آية "ليس منها مما يتعلق بالأحكام إلا نحو مائتين (وأن) بعض ما عده الفقهاء، آيات أحكام لا يظهر أنها كذلك"، اتضح لنا أن هذا الكتاب (أي القرآن) هو – في أساس الأمر – "كتاب هدى ورحمة وبشرى وموعظة واطمئنان للمسلمين"...إنه كتاب مودة وأخلاق، يقول كل شيء ولا يقول شيئا، ولكنه يترك للبشر أن يضبطوا مفهومي المودة والأخلاق ويجعلوا منهما حالة تحفل بالحياة البشرية المشخصة؛ وإنه كتاب معاملات وأحكام وعقائد، ولكنه لا يملي على البشر كيف يفهمون – بالمعنى الدلالي – ذلك ويدرجونه في منظوماتهم الأيديولوجية والقيمية إدراجا وظيفيا، وبحدود العلاقات الاجتماعية السائدة، وتحت مفعول الإرث السوسيوثقافي والاعتقادي والجمالي والنفسي، إضافة إلى الشرط الإثني (الأقوامي) والحضاري الفاعل في حينه؛ وإنه كتاب عدالة ومساواة، ولكنه يترك للناس أن يحددوا ذلك ويضبطوه وفق شروطهم الاجتماعية التاريخية والمعرفية؛ وهو كتاب يحث على التقدم الاجتماعي والعلمي، ولكنه يقر – في ضوء قراءة محددة له – بآليات وقانونيات هذه العملية الخاصة ويدع العلماء والمختصين أسيادا في مجالهم هنا..ألخ.
أما القضية الثالثة التي يعالجها الدكتور تيزيني فهي الشروط اللازم تحققها لتحقيق النهضة. ولأن أحد هذه الشروط، من وجهة نظره، ظهور إنتاج فلسفي عربي جديد، يطرح الدكتور تيزيني في "أفاق فلسفية عربية معاصرة" بالاشتراك مع الدكتور أبو يعرب المرزوقي تصوراته بخصوص احتمالات مثل هذا الإنتاج الفلسفي العربي.
ولد الدكتور طيب تيزيني في حمص عام 1934، تلقى علومه في حمص ثم غادر إلى تركيا بعد أن أنهى دراسته الأولية ومنها إلى بريطانيا ثم إلى ألمانيا لينهي دراسته للفلسـفة فيها ويحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة عام 1967 أولاً، والدكتوراه في العلوم الفلسفية ثانياً عام 1973، عمل في التدريس في جامعة دمشق وشغل وظيفة أستاذ في الفلسفة حتى وفاته.
وقد شارك في العمل السياسي قبل سفره خارج سوريا للتعليم، يوجز هذه المشاركة في حوار له بجريدة الراية كما يلي: "في الحقيقة هنالك بعض الجذور التي تشدني إلي السياسة فكراً وممارسة، فلقد أسهمت في بعض الأحزاب اليسارية التي نشأت في سوريا لفترة زمنية كنت بعدها أعود إلي العمل الفكري خصوصاً بصيغة الفكر السياسي، لذلك فالتجارب التي عشتها في أحزاب سياسية معينة كانت تقدم لي تجربة عميقة، سعيت وأسعى إلي التنظير لها في إطار الفكر السياسي العربي، وقد تعمق هذا الاتجاه لدي حين لاحظت ضرورة العودة إلي الفكر السياسي العربي في التاريخ العربي علي نحو العموم، فكتبت مثلاً بعض كتاباتي التي امتزجت باهتمام عميق بالسياسة وبالفكر السياسي" (حوار - الراية).
حصل الدكتور طيب تيزيني على درجة الدكتوراه من ألمانيا عام 1967 في أطروحة معنونة "تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة" والتي نشرت بالألمانية عام 1972. ثم حصل على الدكتوراه في العلوم الفلسفية عام 1973. وقد تبلورت أطروحته باعتبارها نواة لمشروع فلسفي عند نشر كتابه الأول باللغة العربية وهو "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط" عام 1971 الذي طبع بعد ذلك خمس طبعات. حول الدكتور تيزيني بعد ذلك أطروحته إلى مشروع متعدد المراحل مكون من 12 جزءا، في هذه المرحلة أنجز أعمالا منها "الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى" (1982)، و"من يهوه إلى الله" (1985)، و"مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر" (1994). وقد أنجز الدكتور تيزيني ستة أجزاء من هذا المشروع قبل أن يتحول إلى التركيز على قضية النهضة. وتركزت المرحلة الثانية في فكر الدكتور تيزيني، والتي بدأت تقريبا عام 1997، على معالجة عوائق النهضة العربية سواء في فكر الذات أو تلك الناتجة عن الحضارة الغربية. وفي هذه المرحلة أنجز أعمالا منها "من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي" (1996)، و"النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" (1997)، و"من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني" (2001). ويمكن القول بوجود سمتين هامتين أساسيتين للتحول الفكري في مسار الدكتور تيزيني، على الرغم من احتفاظه بالفكر الماركسي كمرجعية فلسفية. الأولى هي التخلي عن الطرح الماركسي التقليدي القائل بأن عملية التحول المجتمعي تقوم على صراع الطبقات، واستبدالها بالاعتماد على الطيف الواسع للمجتمع ككل. والثانية هي استبدال استبعاد الفكر الديني الإسلامي من عملية التحول المجتمعي، الذي هو جزء طبيعي من الفكر الماركسي، بأهمية فهم التجربة الدينية الإيمانية من الداخل وتأثيرها في إنجاز التحول المجتمعي.
صدر أول كتاب له باللغة الألمانية عام 1972 بعنوان” تمهيد في الفلسفة العربية الوسيطة” وقد جرى اختياره واحداً من مئة فيلسوف في العالم للقرن العشرين عام 1998، من قبل مؤسسة Concordia الفلسفية الألمانية الفرنسية.
ثم توالت اصداراته ومن أهمها:
-مشروع رؤية جديدة للفكرالعربي في العصر الوسيط
-روجيه غارودي بعد الصمت
-من التراث إلى الثورة
-حول نظرية مقترحة في قضية التراث العربي
-الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى
-من يهوه إلى الله (جزأين)
-مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر
-النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة
-من اللاهوت إلى الفلسفة العربية الوسيطة (جزأين)
-في السجال الفكري الراهن
-فصول في الفكر السياسي العربي
-من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي
-بحث في القراءة الجابرية للفكر العربي
-الإسلام والعصر (مشترك)
-نحو فلسفة عربية معاصرة
-على طريق الوضوح المنهجي
-من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني
-بيان في النهضة والتنوير العربي
-حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث.

 

910 فوزي كريمودّع المشهد الثقافي العراقي والعربي الشاعر فوزي كريم الذي صارع المرض طويلاً لكنه واجه مصيره المحتوم  ليلة الخميس المصادف 16 مايو 2019 إثر أزمة قلبية حادة لتخسر الثقافة العربية علامة فارقة ومضيئة بدأت حضورها الشعري في أواسط الستينات من القرن الماضي، ثم توزعت اهتماماته الأدبية لتشمل القصة القصيرة، والنقد الأدبي، والتشكيلي، والموسيقي. كما كان رسامًا مثابراً، وصحفيًا متميزًا أغنى الصحف والمجلات التي عمل فيها أو رفدها بالعديد من مقالته الرشيقة المتفردة.

برز فوزي كريم كواحد من شعراء الستينات في العراق، وكان يتميز منذ البداية بتعدد اهتماماته الثقافية والفنية التي كانت تغذّي قصائده بنبرة مختلفة، ونكهة متميزة أخرجته عن النمط الشائع من القصائد الستينية، ولعل المتابعين لتجربته الشعرية يعرفون من كثب أهمية الصورة التشكيلية، والإيقاع الموسيقي القادم من خارج النص الشعري، والأهمّ من ذلك أنّ فوزي كريم كان صانع أفكارٍ لافتة للانتباه سواء في القصيدة التي يكتبها أو المقالة التي يدبّجها حتى ليشعر القارئ بأنه أمام منجم أفكار وليس خطرات فنية ترد هنا وهناك. أنجز كريم العديد من المجموعات الشعرية التي ظلت مستقرة في أذهان القرّاء والنقّاد والمتابعين لتجربته الشعرية التي أخذت حيّزها المهم في المشهد الشعري العراقي والعربي رغم عدم ميله للأماسي  الاحتفائية والمهرجانات، ولكنه كان يلبّي بعض الندوات الشعرية والثقافية التي تُنظم له من قبل بعض المؤسسات الثقافية العراقية والعربية في لندن ويتحفنا بقراءة نماذج من أشعاره، أو محاضرة من محاضرته عن الموضوعات التي تشغله مثل "كلكامش" أو الموسيقى الكلاسيكية التي يحبها، ويكتب عنها مقالات نقدية شديدة التركيز في المعلومة، والمقاربة النقدية، وطريقة التناول. مَنْ من المتابعين للمشهد الشعري العراقي لا يتذكر "عثرات الطائر"أو "مكائد آدم" أو "لا نرث الأرض"؟ هذه المجموعات وأخرى غيرها تذكّرنا بحلاوة الصورة الشعرية عند فوزي كريم، وطلاوة المفردة المنتقاة التي تتساوق ضمن الجملة التي يكتبها الشاعر بعد تأمل طويل، فثمة مساحة للأفكار، والمشاعر، والخلجات الإنسانية في شعره الذي يصمد أمام تقادم السنوات. ربما تكون "قارات الأوبئة" فنارًا تهدي القرّاء إلى ساحل القصيدة التي تحفر في أعماق القارئ، وتترك فيه أثرًا لا يُنسى بسهولة، وهذا الأمر ينسحب على "قصائد من جزيرة مهجورة" و"السنوات اللقيطة"و"آخر الغجر"، وتمتد من دون شك إلى "ليلُ أبي العلاء" الذي يشترك معه في شعر الفكرة أو النص الثقافي العميق الذي يتواشج مع القصيدة الذهنية أو الفلسفية التي يطوّعها في قصيدته التي تغوص في أعماق الإنسان، وتستهدف بصره وبصيرته وحزمة مشاعره الإنسانية المتأججة. تحتاج دواوين الشاعر فوزي كريم إلى دراسات تفصيلية معمقة تستغور ثيماتها الرئيسة والفرعية وما هذا الكلام سوى إشارات خاطفة تدلّ القارئ على كنز شعري لمبدع فذّ أخلص للقصيدة، وتفانى من أجل مشروعة الشعري المتفرد.

يندر أن تجد مثقفًا عراقيًا لم يقرأ "مدينة النحاس" التي خلقت بصمته القصصية مثلما خلقت دواوينه صوته الشعري الذي يومئ إليه أينما حلّ وارتحل. فبعد تخرجه من قسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة بغداد، غادر العراق عام 1969 وأصدر مجموعته الشعرية المعنونة "أرفع يدي احتجاجًا " ثم عاد إلى بغداد عام 1972 ليغادرها من جديد عام 1978 إلى لندن، المدينة التي يحلم بها العديد من الأدباء والفنانين العراقيين، ولعل مدينة الضباب هي التي حرّضته على الموسيقى الكلاسيكية بشكل أكبر مما كان يسمعه في بغداد، وأثرتْ ذائقته الفنية طوال حياته التي بلغت 74 سنة وزّعها بالتساوي على الفنون القولية وغير القولية. ومثلما كان يرتاد صالات الفن التشكيلي ويتأمل جديد الفنانين التشكيليين البريطانيين والعرب والأجانب، كان يستمتع بمشاهدة الأفلام السينمائية، وخاصة الجادة والتجريبية منها، فالسينما هي أم الفنون، وليست فنًا سابعًا فقط.

كان فوزي كريم ينقد الشعر ويُنظِّر له، يشترك في البيانات الشعرية أو يكتبها بنفسه بعد أن يقع عليه الاختيار. وبما أن موجة الستينات قد أثارت جدلاً لم ينقطع حتى اللحظة فلابد أن يكون القِدحْ المعلّى، فهو "ابن بَجدتها" كما يقال. لذا كتب عن هذه الموجه بعد عدة عقود متأملاً إيّاها بنظرة العارف بالأمور الثقافية، والخبير بها فأصدر كتابه الإشكالي الجميل، والمثير للجدل وهو " ثياب الامبراطور: الشعر ومرايا الحداثة الخادعة" الذي صدر عن دار المدى عام 2000 ثم تبعه بـ "تهافت الستينيين: أهواء المثقف ومخاطر الفعل السياسي"، وما بينهما أصدر "العودة إلى گاردينيا"و"يوميات نهاية الكابوس" وكلها صدرت عن الدار نفسها لأنها كانت وفيّة للمثقفين العراقيين وخاصة اليساريين منهم الذين منحوا الحياة العراقية نَفَسًا إنسانيًا جديدًا لم نألفه من قبل.

أشرنا إلى أنّ الشاعر فوزي كريم كان رسّامًا وقد أقام عدة معارض متباعدة زمنية لكنه لم يجد بُدًا من تفريغ بعض هواجسه القلقة، ومشاعره الداخلية المُحتَبَسة على الورق والكانفاس مُبتعدًا قدر ما يستطيع عن الرسم الكلاسيكي مُحاورًا متلقيه بلغة تشكيلية جديدة يتابعها بنفسه في أروقة المتاحف وصالات الفن التشكيلي، ويكتب عنها مقالات مكثفة في أعمدته الصحفية الكثيرة كان آخرها "المتحف الخيالي" و"البرج العاجي" قبل أن يترجل منه ليلة أمس المُفجعة لكل مثقف إنساني نبيل لأنه كان أقرب إلى الأيقونة الجميلة التي تبتسم لكل المثقفين في العالم.

قد لا يكون الراحل متخصصًا في الموسيقى الكلاسيكية أو الحديثة، ولكنه مستمع من طراز رفيع لا يضاهيه إلاّ الكاتب الراحل نجيب المانع، المُدمن هو الآخر على سماع الموسيقى، والكتابة النوعية عنها وقد أثرى المكتبة العربية ببعض الإصدارات المهمة في هذا المضمار.

على الرغم من قلّة محاضراته وندواته في السنوات العشر الأخيرة التي لازمه فيها المرض إلاّ أنه لم يكن يبخل علينا بالموافقة على مشاركته في تقديم بعض المحاضرات التي كشفت عنه كباحث متمرس يعتمد المصادر والمراجع العربية والإنجليزية الكثيرة مثل محاضرته الموسومة عن "ملحمة كلكامش" التي قدّم فيها قراءة مختلفة عمّا هو سائد ومعروف، ومردّ ذلك، بحسب ظني المتواضع، إلى قدرته على اصطياد الأفكار، وتقديمها على طبق من ذهب إلى القارئ أو المستمع الذي يترك مشاغله جانبًا ويأتي إلى الندوة الفكرية أو الفنية أو الثقافية التي يقدّمها هذا المثقف العراقي الذي قدّم لنا زادًا ثقافيًا متنوعًا لن يغادر ذاكرة المتلقين بسهولة.

 

عدنان حسين أحمد

 

محمد فتحي عبدالعالفي العصور المملوكية بلغت العناية بالتجهيز  لشهر رمضان والأحتفال به  درجة هائلة لا يضاهيها عصر أخر من  حيث المظاهر الرمضانية المميزة بالفخامة والابهة والاسراف ومع بدايات رمضان كانت  أقدام  المصريين تتجه  بهم نحو "الخوانق" أو بيوت الصوفيين، والتي كانت تمثل أكبر منازل الاحتفاء الديني برمضان، يحتشد فيها الصوفيون لأداء الصلوات الخمس والتراويح وقراءة القرآن في خشوع واجلال يخطف الأنظار والقلوب . ومن اشهرها خانقاة سعد الدين ابن غراب  وبحسب طبيعة هذه العصور كانت بيوت الله تبني بأموال حرام ومع ذلك كانوا يبنونها طمعا في الجنة!! وابن غراب بحسب  أحد معاصريه "كان  غداراً، لا يتوانى عن طلب عدوه ولا يرضى من نكبته بدون إتلاف النفس، فكم ناطح كبشاً وئل مكانة وعالج جبالاً شامخة واقتلع دولاً من أصولها الراسخة، وهو أحد من قام بتخريب إقليم مصر برفعه سعر الذهب.."

لم يكن الناس علي قلب واحد فيما يتعلق  بمسألة الألتزام بالصيام في رمضان فقد كانت النساء البدينات - وهو الذوق المطلوب في هذه العصور- يتجنبن الصيام  خشية فقد أوزانهن وخاصة  الأبكار منهن !! حيث كن يتعاطين وصفة بلدي مكونة من أكل الطين والطفلة الطينية مع بعض الادوية من العطار حتي يزدادو وزنا  ومن الطريف أن  نائب السلطان برقوق الأمير كَمشبُغا في شهر رمضان سنة 784هـ حينما وجد النساء يرتدن المقابر بثياب واسعة الأكمام فقد عين من يقطع لهن هذه الأكمام الواسعة !!!

كان  المماليك أول من خصصوا في حجج أوقافهم العقارات والأطيان الزراعية لينفق ريعها  في إقامة الشعائر الدينية وتوزيع الحصص المالية  علي الفقراء وطلبة العلم والمساجد طوال أيام رمضان .وقد كان لشهر رمضان العديد من  المظاهر والخصائص المميزة  في العصر المملوكي والتي منحته نكهة خاصة .. و أولي هذه  الخصائص والمظاهر :طريقة أستطلاع هلال رمضان حيث يجتمع قاضي القضاة و الفقهاء لرؤية الهلال عبر منارة مدرسة المنصور قلاوون بالنحاسين فأذا تثبتوا  عادوا وبصحبتهم  أرباب الحرف والطوائف متهللين و حاملين الفوانيس والشموع لتتزين القاهرة بمجيئهم بأزهى حلة فقد جاء رمضان و يصف الرحالة  ابن بطوطه هذا المشهد وقد زار مصر في عهد السلطان  الناصر محمد بن قلاوون وذلك  مع دخول شهر رمضان حيث نزل عند قاضي مدينة أبيار (عز الدين المليجي الشافعي) قائلاً: (وعادتهم فيه أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان بدار القاضي، ويقفُ على الباب نقيب المتعمّمين، وهو ذو شارة وهيئة حسنة، فإذا أتى أحد الفقهاء أو الوجوه تلقّاه ذلك النقيب ومشى بين يديه قائلا: بسم الله. سيدنا فلان الدين! فيسمعُه القاضي ومن معه فيقومون له، ويجلسه النقيبُ في موضع يليق به، فإذا تكاملوا هنالك ركب القاضي وركب من معه أجمعين وتبعهم جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والعبيد والصبيان، وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مرتقبُ الهلال عندهم، وقد فُرش ذلك الموضع بالبُسُط والفُرش فينزل فيه القاضي ومن معه فيرتقبون الهلال ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب، وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس، فيكون ذلك دليلًا على ثبوت الرؤية ويوقِدُ أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون، هكذا فعلهم كل سنة) .  ثم يجلس السلطان علي كرسيه بالقلعة  حيث يتوافد عليه المهنئون وفي طليعتهم القضاة الأربعة الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة وكبار رجال الدولة ويمكننا أن نري هذا المشهد أكثر  مع حوليات عام 920هـ مع وصف المؤرخ محمد بن شهاب الدين بن إياس في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" لموكب الرؤية في عهد السلطان قنصوه الغوري قائلاً: (وأما في ليلة رؤية الهلال فحضر القضاة الأربعة إلى المدرسة المنصورية، وحضر الزيني بركات بن موسى المحتسب، فلما ثبتت رؤية الهلال وانفض المجلس ركب بركات من هناك. فتلاقاه الفوانيس والمنجانيق والمشاعل والشموع الموقدة، فلم يحص ذلك لكثرته. ووقدوا له الشموع على الدكاكين وعلقوا له التنانير والأحمال الموقدة بالقناديل من الأشاطيين إلى سوق مرجوش إلى الحباشية، إلى سويقة اللبن، إلى عند بيته). ثم يتوجه القضاة الأربعة والمحتسب إلى السلطان، لتهنئته بحلول شهر رمضان. ثم يعرض الوزير والمحتسب اللحم والدقيق والخبز والسكر والبقر والغنم على السلطان ..ولا يخلو الأمر من طرافة فقد حدث أن ثبت الهلال مع انتصاف النهار في عصر السلطان برقوق فحدث اضطراب شديد  و سارع قاضى الشافعية بالنداء بالإمساك بعد أن كان الطعام قد وضع على الموائد،كما طرد السلطان مدعويه، وأمر برفع الصحاف،و أعلن الصيام، و لم يكن باقيا على المغرب سوى بضعة ساعات !! وفى عصر السلطان ” الغورى” حدث خلاف علي رؤية الهلال  بين الجراكسة و شيوخ الأزهر، ففيما أعلن الجراكسة ومعهم الوالي أنهم رأوا الهلال من فوق مآذن مسجد المتولي وساد الأحتفال الناس فكبروا وأوقدوا المشاعل ابتهاجا،ففي المقابل أعلن القضاة الاربعة ومشايخ الازهر أنه لا أثر للهلال  وصاح أحد المشايخ في الناس : ” أطفئوا المصابيح يا حرافيش، أتصدقون الجراكسة وتكذبون العمائم؟ فأطفأ الناس المشاعل، ومع اتساع المواجهة بين الطرفين  عاد الجراكسة ومعهم مزيد من الجند وأصروا أنهم  رأوا الهلال، فأوقد الناس المشاعل مرة أخري، فصاح المشايخ ” أيعلمنا الجراكسة أمور ديننا ؟ ” فأطفأ الناس المشاعل وأوقدوها  وأطفأوها عدة مرات واحتدم الأمر مع أمساك أحد الجراكسه لذقن أحد المشايخ فأوسعه الشيخ ضربا بالمركوب وانطلقوا جميعا الي السلطان ليحكم بينهم وكان السلطان في موقف لا يحسد عليه فالسماء أعلاه مظلمة ولو أقر بصحة المشايح فسيغضب الجراكسة وهم أعوانه فمال الي الجراكسة وأقر انه لمح الهلال  وباتت القاهرة منقسمة بين صائم ومفطر .

ومع انهيار الحكم المملوكي وتولي العثمانيون فقد أوكلوا الي قاضي حنفي تركي مهمة استطلاع الهلال وبحسب ابن اياس فقد كان القاضي جاهلا بالقواعد الفقهية المنظمة لاستطلاع الهلال، حتى وصفه معاصروه بأنه كان "أجهل من حمار " وقد شهد استطلاع هلال شهر رمضان لعام 924 هجرية (الموافق 1518 ميلادية) تضاربا وتخبطا في تحديد أول أيام الصيام وأول أيام عيد الفطر، حتى أن أهالي الإسكندرية ودمياط صاموا قبل سكان القاهرة بيوم، وقد ذكر ابن إياس أن "الناس في مصر المحروسة (القاهرة) صاموا يوم السبت، بينما صام أهالي الإسكندرية ودمياط يوم الجمعة، ولم يعلم الناس بهذا الخطأ إلا بعد انقضاء أيام العيد".وعندما علموا هاجم الشعراء القاضي التركي فقال أحدهم:

يا قاضيا بات أعمي

عن الهلال السعيد

أفطرت في رمضان

وصمت في يوم عيد..

ومن المظاهر  الأخري انتشار أمامة الغلمان للتراويح  ووصل الأمر الي الحرم المكي ذاته وهو من الظواهر الفريدة  في التاريخ الاسلامي من حيث الكثرة والانتشار ومن  أشهرهم الإمام سراج الدين البُلقيني  والذي صلّى بالناس وعمره عشر سنوات بعدما  أتم حفظ القرآن الكريم. والامام ابن حجر  العسقلاني  والذي صلّى  بالناس التراويح في وعمره لم يتجاوز  اثنتا عشرة عاما والحال كذلك مع  العلامة سبط ابن العجمي برهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبي..وهي من المظاهر الحسنة في العهد المملوكي والتي أفرزت العديد من الأئمة التاريخيين في هذه العصور ... وكانت مدة صلاة التراويح تتفاوت  ما بين السرعة الشديدة حتي جاء وصفها بالصلاة المسلوقة  ومنهم أحمد بن عبد الله الدوري المكّي، أحد فرّاشي الحرم المكي، قال عنه السخاوي: (كان يُصلِّي بالنَّاس التَّراويح فيصلِّي معه الجم الغفير لمزيد تخفيفه، ويلقبِّون صلاته المسلوقة ) أو تأديتها ببطء شديد إلى قُبيل صلاة الفجر، منهم تقيّ الدّين عبد الرَّحمن بن أحمد بن عليّ المعروف بابن الواسطيّ، وكان عارفًا بالقراءات، ويقرأ بالمصحف في الجامع الأزهر ويقوم في رمضان بعد التَّراويح إلى طلوع الفجر.

ويبدو أن تجربة السلطان المملوكى حشقدم لأحد المدافع الجديده قد دخل به وبعمله هذا التاريخ من أوسع أبوابه  حيث  صادف إطلاق المدفع وقت الغروب فى أول يوم رمضان فظن الناس أن السلطان قد استخدم المدفع في سبيل تنبيه الصائمين إلى موعد الإفطار فخرج الناس  فى جموع لتقديم واجب الشكر للسلطان علي صنيعه مما دفع السلطان الي تخصيص مدفعين واحدا للافطار والاخر للسحور  وصار تقليدا حتي يومنا هذا .

وكان المسحراتي أحد ابرز المظاهر الرمضانية فكان يطوف القاهرة بصوته بينما في الاسكندرية  كان  يطرق على الأبواب قائلا:ً (قوموا كلوا) وذلك بحسب الرحالة المغربي ابن الحاج والذي زار مصر في عهد الناصر محمد بن قلاوون ..ويعود الفضل للظاهر بيبرس في حماية هذه المهنة من الأندثار باجتذاب عدد من العامة وصغار رجال الدين للقيام بها  .

الطريف في المظاهر الرمضانية في العهد المملوكي هو ختم صحيح البخاري كل عام في مقر الحكم  بالقلعة  في حفل كبير يحضره السلطان والقضاة الاربعة والفقهاء وكبار موظفي الدولة، ويتم توزيع الخلع والهبات على العلماء والفقهاء وطلبة الأزهر والأيتام والأرامل .يقول ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة»: (كانت العادة من أيّام الأشرف شعبان بن حسين (ت 778هـ) أن تبدأ قراءة البخاري في أول يوم من شهر رمضان، ويحضر قاضي القضاة الشافعي، والشيخ سراج الدين عمر البلقينىّ وطائفة قليلة العدد لسماع البُخاري، ويختم في سابع عشرينه، ويُخلع على قاضي القضاة، ويركب بغلة بزنّاري (غطاء من الصوف للبغلة أو الفرس) تُخرج له من الإسطبل السلطاني، ولم يزل الأمر على هذا حتى تسلطن المؤيَّد شيخ (ت 824هـ) فابتدأ بالقراءة من أول شعبان إلى سابع عشرين شهر رمضان، وطلب قضاة القضاة الأربعة ومشايخ العلم وقرّر عدّة من الطلبة يحضرون أيضا). وأحيانا كانت تناقش وسط هذا الجمع  بعض المسائل الفقهية ولربما تطور الأمر الي مالايحمد عقباه مثلما حدث عام  1434م في حضور السلطان الأشرف برسباي حيث أمر بإحضار «الفلقة والعصا» في المجلس لتأديب المتشاحنين المتجاوزين . ثم جاء السلطان جقمق ليمنع أية مناقشات في مجلس قراءة صحيح البخاري.

وكانت القناديل أو الفوانيس تضيء المساجد والشوارع ليلا وقد اقترح العلماء علي السلطان برسباي عدم أطفاءها الي طلوع الفجر لتكون علامة للناس علي اخر وقت للسحور فإن أطفئت الفوانيس بدأ الصيام.

ومن عادات السلاطين الطريفة في رمضان فتح الابواب لشكاوي الشعب في عهد السلطان " برقوق " ومن العادات الاخري طلب الفتوي من العلماء ومن أغربها ما أقدم عليه السلطان " الأشرف أبو المعالى "والذي استدعي شيوخه ذات يوما علي عجل وكان بصحبته وزيره (منجك)  فأبتدرهم الوزير والهدوء علي وجهه : (السلطان يريد فتوى لإفطار رمضان) فساد الوجوم وكأن علي رؤوسهم الطير واحتقن وجه السلطان غضبا وهو يصيح: (هيه يا مشايخ، ماذا تقولون؟ ) فراح القاضى المالكى يسرد عليه أحكام الصوم و مبيحات الافطار، و لكن ليس فيها ما بيبح للسلطان الافطار، فغضب السلطان قائلا :  (أنا مريض يا مشايخ، ضعيف)  ثم اهتدى أحد المشايخ إلى الحل، فليسافر السلطان  فالسفر عذر شرعي مبيح للإفطار وهنا تهلل وجه السلطان ووزيره ومن فوره سافر لتفقد قلاع الإسكندرية و دمياط ثم رحل بعد ذلك إلى الشام !!..أما السلطان قلاوون فكان يشغله ليلة الرؤية فتوي اعادة بناء كنيس لليهود بفلسطين ايلة للسقوط  وكانت المعضلة: (هل يجوز هدمها لهذا السبب دون أن يعد ذلك اعتداء على أهل الكتاب، أم يعاد بناؤها كما كانت من قبل؟).وشهد الأمر انقساما بين الحضور حيث  أفتي البعض  بجواز هدمها ما دام وجودها علي هذه الحالة يعد خطرا، وبعضهم حبذ إعادة تجديدها وظل السلطان في حيرة!!!ولو عرف ما تخبيء الأقدار لهذه الامة لهدمها  واراح واستراح !!!

كما اعتاد سلاطين المماليك إعتاق ثلاثين عبدا في رمضان والأفراج عن بعض المساجين الا أن قاعدة العفو لم تكن دوما علي نفس الوتيرة لدي السلاطين المماليك فقد استخدام السلطان فرج بن برقوق قاعدة العفو في رمضان لتكون حيلة لاجتثات معارضيه من المماليك الظاهرية (مماليك أبيه) حيث أطلق المنادين في القاهرة  بأن المماليك المختفين يظهرون وعليهم أمان الله، وأنهم عتقاء شهر رمضان وكلما ظهرت مجموعة كان يقبض عليهم في سرية تامة ودون أشعار الأخرين ويقول المقريزي انه لم يمض الشهر الكريم إلا وكان أكثر من اربعمائة مملوك في السجن، ويذكر صاحب كتاب 'النجوم الزاهرة' انهم سجنوا جميعا في سجن القلعة، ولهذا لم يأمنه بقية المماليك بعد ذلك . ومن أغرب العادات السلطانية في رمضان عادة تربية الحمام لدي السلطان  حاجي بن الناصر محمد بن قلاوون  وكان قدوم شهر رمضان فرصته حيث انشغال الناس بالصيام والاحتفالات، فيأمر كبار رجال الدولة بعدم الحضور إلى قصره  حتى ينتهي شهر رمضان؛ حتي يتسني له اللعب بالحمام مع أوباش الناس حيث يتعري ويلبس ثياب جلد ويصارع معهم، ويصف ابن تغري بردي ذلك  قائلاً: (أعاد حضير الحمام وأعاد أرباب الملاعيب من الصّراع والثقاف والشباك، وجري السّعاة، ونطاح الكباش، ومناقرة الدّيوك، والقمار، وغير ذلك من أنواع الفساد. ونودي بإطلاق اللعب بذلك بالقاهرة، وصار للسلطان اجتماع بالأوباش وأراذل الطوائف من الفراشين والبابية ومُطيّري الحمام، فكان السلطان يقفُ معهم ويُراهن على الطير الفلاني والطيرة الفلانيّة. وبينما هو ذات يوم معهم عند حضير الحمام، وقد سيّبها إذ أذّن العصرُ بالقلعة والقرافة فجفَلت الحمام عن مقاصيرها وتطايرت، فغضب وبعث إلى المؤذّنين يأمرهم أنهم إذا رأوا الحمام لا يرفعون أصواتهم، ويلعب مع العوامّ بالعصىّ، وكان السلطان إذا لعب مع الأوباش يتعرّى ويلبس تبّان جلد، ويُصارع معهم ويلعب بالرّمح والكرة، فيظلّ نهاره مع الغلمان والعبيد، وصار يتجاهر بما لا يليق به أن يفعله). أما السلطان  بيبرس  والذي شهد عصره طفرة عسكرية فقد كان حريصا علي متابعة  التدريبات العسكرية في رمضان، وكان يُعطي الهدايا والجوائز لمن يرى فيه القوة والمهارة، قال المقريزي: (رسم للعسكر بالتأهّب للعب القبق (الرمي بالرماح على هدف عال) ورمي النشَّاب (السهام) فيكب من كل عشرة فارسان في أحسن زيهم وقت الحرب، وركب السُّلطان في مماليكه ودخلوا في الطعن بالرِّماح، ثمَّ أخذ السُّلطان الحلقة ورمى النشاب، وجعل لمن أصاب من الأمراء فرسًا من خيله الخاص… فاستمرّ ذلك أيَّامًا تارة يكون اللّعب فيها بالرُّمح وتارة بالنشاب وتارة بالدبابيس (آلة كالبلطة) وفرق السُّلطان فيها من الخيل والبغالطق (قمصان تلبس أسفل العباءات  لا أكمام لها) جملة. وساق السُّلطان يومًا عادته في اللّعب وسلَّ سيفه فسلَّت مماليكه سيوفها، وحمل هو ومماليكه الخواصّ حملة وحمل واحد واصطدموا فكان منظرًا مهولا، وأطلق السُّلطان من التشاريف ما عم به سائر من في خدمته: من ملك وأمير ووزير ومقدمي الحلقة والبحرية ومقدمي المماليك والمفردية ومقدمي البيوتات السُّلطانيَّة وكل صاحب شغل وجميع الكتاب والقضاة وسائر أرباب الوظائف).

أما عن عطايا السلاطين المماليك في رمضان فحدث ولا حرج فالسلطان برقوق  اعتاد أن يذبح كل ليلة خمسة وعشرين بقرة ليتصدق بلحومها، فضلا عن توزيع الخبز على أهل المساجد والروابط والسجون، بحيث يحصل كلَّ فرد علي قدر معين هو رطل لحم مطبوخ وثلاثة أرغفة، ويذكر المقريزي أن الظاهر بيبرس كان «يُطعم كل ليلة من ليالي شهر رمضان خمسة آلاف نفس» كما شهد عصر قلاوون ألوانا من  التوسعة على العلماء فكانت  تصرف لهم رواتب إضافية في شهر رمضان، وقد وصل الكرم في توزيع السكر الي أقصي مداه حيث  بلغت كمية السكر  المنصرفة  لصنع الحلوي (مثل القطايف والكنافة ) في عصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون عام 745هـ ثلاثة آلاف قنطارا قيمتها ثلاثون ألف دينار منها ستون قنطارًا في كل يوم من أيام رمضان..ومن أغرب ما يتعلق بالعطايا ما هم به السلطان «الأشرف شعبان» والذي فكر بالتوسعة علي الفقراء ليكتشف  أن الخزينة السلطانية بغرفة نومه  قد سرق منها  عشرين ألفا من الدنانير الذهبية، وبالطبع دارت الشبهات حول خاصة قصره ليجمع خدمه أن السارقة  هي محظيته  «خوند سوار باي».وعلي الرغم من ضربها بالسياط فلم تعترف وخرجت من السجن بعد سنوات عدة عجوز فاقدة السمع !! .

أما السلطان الغوري فقد كان الابخل بين كل هؤلاء السلاطين وكانت حينما ترفع له قضايا تستلزم الدعم المالي  كان رد السلطان على المشايخ قائلا : "الخزائن فارغة يا مشايخ، و الجند طلباتهم كثير "، فيعيد المشايخ الكرة  لاستعطاف السلطان  "فالناس مساكين و عيالهم كثير " فيفحمهم  السلطان بعباراته البليغة " العيال لا يملكون إلا البكاء، و لكن الجند يلعبون بالسيوف و المكاحل يا مشايخ!!!

والي هنا نختتم رحلتنا عبر ليالي رمضان المشهودة في  التاريخ المملوكي ..

 

د.محمد فتحي عبد العال - كاتب وباحث مصري

.....................

المراجع

١- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي

٢-بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن اياس

٣-السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي

٤-كتاب المدخل لابن الحاج

٥-تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار لابن بطوطة

٦-كتاب لحظة تاريخ ٣٠ حكاية من الزمن العربي للاستاذ محمد المنسي قنديل

 

 

ضياء نافعفريد الله ويردي بالنسبة لي هو تجسيد رائع و رمز خالد لتواضع العظماء، الذين مرّوا  في حياتي . وكنت اخطط طوال  السنوات العشرين الماضية ان اكتب عنه، خصوصا عندما عرفت بوفاته، وذلك لانني اودّه جدا واحترمه كثيرا ومعجب ببساطته وعمق ثقافته وتواضعه الرائع، ولكني لم اكتب، اذ وجدت ان الدكتور سيّار الجميل قد كتب  عنه – بعد وفاته - اعمق واوسع مما اردت ان اكتب انا، وهكذا تركت الموضوع، وكنت آنذاك لازلت في بغداد، ولكن عندما انتقلت للسكن في موسكو، وبدأت بنشر سلسلة مقالاتي (عراقيون مرّوا بموسكو)، عادت فكرة الكتابة عنه من جديد، باعتباره علما من اعلام العراقيين بموسكو، الذين كانوا معنا في بداية ستينات القرن الماضي، ولكني وجدت، ان الزميل عبد الله حبه كتب عنه بالذات مقالة جميلة ووافية حول ذلك الجانب المشرق من حياة ويردي آنذاك ونشرها ضمن مقالاته الاخرى عن اعلام العرب بموسكو في موقع (روسيا اليوم) والتي تم حذفها مع الاسف بعدئذ، وقد سألتني ارملته السيدة لودميلا (وكنا نسميها جميعا ميلا) ويردي عن كاتبها في احدى رسائلها لي، واخبرتها  طبعا باسم الزميل عبد الله حبه، ثم علمت من عبد الله بعدئذ، انها طلبت منه ان يترجم مقالتها (التي كتبتها طبعا بالروسية) عن زوجها الراحل، وفعلا قام عبد الله حبه بترجمة رائعة لتلك المقالة المليئة بالحنان والامتنان والمعلومات البيبلوغرافية المهمة جدا حول مسيرة المرحوم  فريد الله ويردي في عالم الموسيقى الساحر الجمال منذ خطواته الرائدة الاولى في المملكة العراقية  ثم في الجمهورية العراقية ودراسته لاحقا في شتى بقاع العالم وعمله الفني الكبير، اذ ان السيدة لودميلا ويردي رافقته منذ ان كان يدرس بموسكو في الستينات وبعد رجوعه الى بغداد، ثم سفره مرة اخرى الى الغرب، وعودته الى الاردن للسكن والعمل هناك، ثم هجرته الاخيرة الى ايرلندا حيث توفي عام2007.

لم أشأ ان اكتب عن المرحوم فريد الله ويردي بعد مقالات سيّار الجميل وعبد الله حبه و ارملته السيدة ميلا ويردي ومقالات عديدة اخرى، اذ ان تلك المقالات قد رسمت فعلا صورة متكاملة ومشرقة وحقيقية عنه كانسان وكموسيقي رائد ومتميز في دنيا الموسيقى العراقية، ولكني اطلعت قبل ايام على مقالة جميلة وموضوعية وموسوعية بعنوان – (الثقافة الامريكية وتعزيز قيم الحداثة  في العراق)، يتناول فيها كاتبها الاستاذ علي عبد الامير عدة شخصيات ثقافية عراقية كبيرة و متميزة فعلا في تاريخ العراق المعاصر ممن درسوا في امريكا، ويتحدث في سطور وجيزة عن ابرز اعمالهم الثقافية  (مثل علي الوردي واحمد سوسه وطه باقر وكامران حسني ونازك الملائكة وبياتريس اوهانيسيان وجعفر علي وبدري حسون فريد...الخ هذه الاسماء اللامعة الاخرى)، ووجدت  هناك اسم فريد الله ويردي ايضا، ، وهي اشارة صحيحة طبعا، لان فريد درس في امريكا فعلا  بعد موسكو، ولكني فوجئت، لاني وجدت في تلك السطور عن فريد الله ويردي فقط (دون الاسماء الاخرى) تأكيدا على الجانب السياسي لنشاطه اكثر من الحديث عن الجانب الابداعي لدى هذا الموسيقيّ الكبير، اذ يقول الاستاذ علي عبد الامير هناك، ان (النظام البعثي – القومي قد حكم عليه غيابيا بالاعدام ...)، وذلك عندما كان فريد يدرس بموسكو في الستينات، ثم يشير كاتب المقالة بعدئذ، الى ان فريد (..وجد ملاذا في الدولة التي كان يقف بالضد من نظامها السياسي وفكرتها، فيما هرب من الدولة التي توقعها جنة على الارض...) . اقول اني قد فوجئت من كل ذلك، اذ ان المرحوم فريد الله ويردي لم يكن سياسيا ابدا، بل كان يجسّد في كل سلوكه وتصرفاته وعلاقاته ومسيرة حياته صورة الفنان الرقيق والخلوق والمبدع والمؤدب والخجول والمسالم والدائم التفكيربالموسيقى ليس الا، ولم نسمع – نحن العراقيين المحيطين به في موسكو آنذاك – الحكم عليه بالاعدام غيابيا (ولا اظن ان هذا الامر الكبير و الخطير يمكن التعتيم عليه او عدم اعلانه، رغم اننا نقرأ الان ذلك في بعض المواقع الالكترونية دون الاشارة الى المصدر)، ولم نسمع منه ابدا، انه كان يرى في الاتحاد السوفيتي (جنة على الارض)، بل ولم نسمع منه ابدا اي حديث سياسي محدد، اذ كان فريد يعيش ويتفاعل ويتناغم مع الموسيقى حتى في حياته اليومية  الاعتيادية . ولهذا اكتب انا هذه السطور عن المرحوم فريد الله ويردي .

الرحمة والسكينة والطمأنينة لروح الفنان الكبير فريد الله ويردي، والذكر الخالد لاسمه ولمكانته الفريدة في عالم الموسيقى في العراق.

 

ا. د. ضياء نافع

 

 

903 kasemabdulamirإشارة: في يوم أسود من أيام الثقافة العراقية، أغتيل الربيع الثقافي كما كنا نسميه، أبو ربيع – المبدع الإنسان العراقي الغيور “قاسم عبد الأمير عجام ” على أيدي قتلة أوغاد. إنسانا كان قاسم أباً حانياً وأخاً كبيراً وصديقاً صدوقاً للجميع وبلا استثناء. ومبدعا كان قاسم أنموذجا للمثقف المهذب المتحضر المتسامح الصبور الداعي أبدا إلى الحوار وعدم التعصب. إن ما أخاف الأوباش في أبي ربيع هو هذا الربيع الإنساني الدائم أيضاً. من ينسى الإبتسامة الحيية الدائمة والنظرة الحنون شبه المنكسرة والخدّين المتوردين وكأنه خَجِلٌ من وقوف إنسانيته العظيمة عند حدود لا يستطيع تعدّيها. أبا ربيع، أخي الحبيب، دمتَ في عليين …

في مذكراته عن يوم 6/4/2003 وتحت عنوان (رتل الكلاب المسرّفة) كتب الصديق الشهيد الحبيب أبو ربيع (قاسم عبد الأمير عجام ) الذي اغتالته أيدي الإرهاب الآثمة يوم 17/5/2004 يشرح المعاناة العاصفة التي ألمت به وهو يرى رتل دبابات الغزاة يطأ تراب مدينته المقدس ( ناحية المشروع ):

(فاضتْ روحي بالآلام، وهممتُ مسرعا لأفتح الباب الخارجي فأنظر إلى رتل الغزاة … فلحقني أحد أبنائي ليعيدني إلى الداخل محذرا من عدوانيتهم المتناثرة . سحبني إلى الداخل واستجبتُ له فقد كنت موقنا أن كل غضب الدنيا وحزن كل العراق يشتعلان في عيوني، وكنت مشتعلا بكل لعنات الصبر والتحمل على من أوصل الوطن إلى هذه اللحظة مما كان لابدّ له أن يدفعني لحركة ما أو فعل ما: بصقة كبيرة عليهم – على الأقل – أو حجارة هي أثمن من كل الحديد الراعد الذي جاءوا يرهبوننا به، مما كان سيجعلني عرضة لوحشيتهم أو هستيرياتهم .. فعدتُ وارتكنتُ إلى جدار بيتي أدقّ عليه رأسي التي أثقلها الغضب الحزين أو الغضب المأسور بكبت السنين، ثم لم أطق صبرا حتى على تلك الوقفة المنكسرة فصرت أدور حول مبنى بيتي – القابض على الجمر – ص 419).

ومن يعرف سيرة حياة الشهيد أبي ربيع سيتأكد أن هذه المذكرات هي درس في التربية الوطنية . لقد كان قاسم شيوعيا معروفا وقد تعرّض بسبب انتمائه هذا للسجن والتعذيب والملاحقة منذ الستينات، ومُنع عليه حتى العمل وفق شهادته وكفاءته العالية المعروفة .. وصل حاله حدا – كما يكتب يوم 20/2/1967 – أن يُصاب بالإكتئاب لأنه لا يملك حتى مبلغ مال يمكنه أن يذهب لمقهى دون أن يضطرب حاجة وعوزا، وموعد محاكمته يقترب: فهل أذهب إلى المجهول خالي الجيب وإلام سأظل أستدين؟).

وفي السبعينات حيث كان يتوقع أن يكون حاله أفضل حوصر سياسيا وفُرضت عليه البراءة بطريقة خانقة ومذلة صار يعد نفسه فيها الميت الحي: كتب في 6/1/1979:

(في البيت التقينا بشقيقتي وزوجها وأطفالها، وكان البيت ميدانا للركض وملعبا للكرة . لكن الطاحونة دارت . الحديث إياه: إستسلم استسلم يا أبا ربيع فما عادت المقاومة تجدي، إخلد إلى الهدوء وانعم بالبركة فالكل فعلوها قبلك، والصغار سجلوا في (الطلائع) وأمهم بدأت عملها في الحزب، وسينضم أبوهم غدا، فمتى ستفعلها أنت؟ القرار، واضح . الكل في حزب الدولة ولا غيره منبر أو كيان أو حركة . وكالعادة أضافت لهم السيدة الوالدة مقولاتها المعتادة ورغبتها في الأمان وراحة البال وحاجتهم إلى سلامتي وبدأت تعيد قصص من عُذبوا حتى الموت .كفى كفى . ودارت في الذهن أحاديث البارحة مع عديلي، مطاردته حتى إرغامه على (التوقيع) – آه من التوقيع – قلقهُ على أخته الطالبة الجامعية، صور التعذيب التي حدثوه عنها، وتهديده باختطاف ابنته الطفلة الوحيدة وربما زوجته .. و ..و . غادروا مساء . تمنوا لي السلامة والصبر على المكروه، فودعتهم وعدتُ أجتر همومي مذهولا: كيف وصلت إلى هذا المنعطف؟ كيف أصبح ممكنا أن أفكر أنا، أنا، بإمكانية ولوجه؟ مَنْ مِنّا الجبان ومن منا الشجاع؟ الذي يموت تحت التعذيب وهو يدري أنه كان يركب سفينة مخروقة أم الذي يقرر الانتقال إلى سفينة أولئك الذين حاصروا السفينة الأولى ودفعوها نحو الهاوية؟ ولكن هل يستطيع أحد أن يقرّر؟ وهل بمستطاع أحد في بلادنا أن يقرّر لنفسه موقفا؟ لست أدري شيئا، ولا أعرف إلا أني حوصرتُ في عنق الزجاجة وأن الحياة ما عادت ممكنة بدون ركوب سفينة الحزب الحاكم، القرار صريح أن تركب معنا أو تغرق في بحر الدم والعذاب، ولست أريد أن أخسر الحياة في معركة خاسرة مقدما من أجل ناس تنازلوا عن سبب المعركة وأهدافها . فمازال في القلب والرأس طموح بالعمل والخدمة . نعم، الخدمة العامة، والإبداع والسعي إلى حياة أخرى أجمل وأنظف – ص 166).

ثم كتب في 11/1/1979:

(أخيرا، وقع المحذور . جاء أحد (زوّار الفجر) واقتادني إلى المركز ومنه إلى المقر حيث مات الذي أحكي لك قصته، وخرج من عنق الزجاجة شخص آخر مخذولا مذهولا يتلمس طريقا جديدا . فيا للحياة في هذا البلد من مهنة شاقة – ص 167) .

مُنع من إكمال دراسته العليا . وسِيق في قواطع للمهمات الخاصة في الجيش الشعبي رغم كبر سنه لفترات متطاولة ذاق فيها عذابات جسيمة وتعرض للموت أكثر من مرة ( راجع يومياته في المبحث الثاني ( من يوميات الحرب ) على الصفحات 181-330) وذاق مرارة فجيعة الإنسحاب المُذل عام 1991 . ثم عانى العوز الشديد في سنوات الحصار العجاف، لتتوج مسيرة عذابه باحتلال بغداد الأم وحرقها وسلبها على أيدي الرعاع وعملاء الأجنبي الذين سبقوه وأعضاء جيش (إنطوان لحد) كما يقول –راجع الصفحات الخطيرة في المبحث الرابع: من يوميات المخاض الأخير، ص 397-449)..

 وبرغم هذه المحاصرة والإذلال والمهانة والجوع والعوز والإجحاف يحاول قاسم – كما يصف حاله بحرقة - الهجوم على الأمريكان الغزاة بيديه العاريتين الكريمتين أو البصاق عليهم .. وعندما لم يفلح صار يضرب رأسه في الحائط . نسمع عن البعض من آكلي أثداء أمهاتهم دُربوا على استقبال الغزاة ورمي الورود عليهم. موقف الشهيد قاسم عجام ومذكراته التي تعكس روحه الوطني الغيور هي درس في التربية الوطنية التي تعرّضت للتشويه القاسي عبر عقود طويلة حتى صار المواطن العراقي لا يميز بين العراق الخالد والحاكم الفاني، ولا بين أرض وطنه ومقر الحزب . أدعوا إلى نشر هذا الكتاب بأوسع صورة وأن يُحفظ في المكتبات المدرسية والعامة وأن تُعقد الندوات الموسعة لمناقشته واستقاء الدروس والعبر منه . وفي الختام لابد من تحية وافرة للدكتورة (نادية غازي العزاوي) التي بذلت جهدا هائلا في جمع هذه المذكرات والتقديم لها بمقدمة وافية محبة، ولدار الشؤون الثقافية التي أصدرته بحلة جميلة تذكرنا بأيام مجدها الطباعي والفكري . (القابض على الجمر – من مذكرات ويوميات الشهيد قاسم عبد الأمير عجام – (1945-2004)- دار الشؤون الثقافية- بغداد- 2009).

في ختام يوميات يوم 3/8/1986، يتساءل قاسم:

(أيّة حياة تمضي بالعراقي أو يمضي بها؟ لعلها ستبقى وإلى أمد بعيد أحد الأسئلة التي ستتعب كثيرا من علماء الاجتماع والنفس حين يطلون على سجلنا هذا).

ومن الغرائب أن مذكرات الشهيد قاسم عجام قد كَتبَ رسالةَ توصيةِ نشرها الشهيد (كامل شياع) .. فأية حياة حياة العراقيين هذه؟ وإلى أين تمضي بنا؟ .

 

د. حسين سرمك حسن

.....................

ملاحظة:

نُشرت هذه المقالة في 24 – 3 – 2011 وأ‘يد نشرها الآن في ذكرى استشهاد الناقد والمفكر "قاسم عبد الأمير عجام"

 

محمود محمد عليترجع معرفتي بالأستاذ شوقي جلال إلي منتصف تسعينيات القرن الماضي، عندما كنت أكتب أول كتاب لي بعد حصولي علي درجة الدكتوراه عام 1995، وكان هذا الكتاب بعنوان ” الأصول الشرقية للعلم اليوناني”، وبدأت أجمع المادة للعلمية للكتاب، فوقعت علي كتاب “جورج جيمس” بعنوان ” التراث المسروق: الفلسفة اليونانية فلسفة مصرية مسروقة”، والكتاب ترجمه عن الانجليزية شوقي جلال، وقد أعجبتني مقدمته لترجمة الكتاب، وطلبت من صديقي الدكتور حسن طلب (والذي كان زميلاً لي بقسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة حلوان – قبل أن أنتقل إلي جامعة أسيوط بعد ذلك) الحصول علي رقم تليفون الأستاذ شوقي جلال، وبالفعل اتصلت به وتعرفت عليه، وبدأت علاقتي به حتي الآن فلا أتخلف عن أي مناسبة إلا وأتصل به: إما لأسأل عنه أو أستفسر عن أمر ما في قضايا العلم والثقافة .

كان حديث شوقي جلال ممتعاً ومشوقاً، وكنت منبهراً به ومتيماً بفكره، خاصة بترجماته العلمية الرصينة، كان دائماَ يقول لي أن الترجمة عملية لا تقتصر على النقل اللغوي للجُمل والعبارات ومعاني الكلمات فحسب، بل تمتد لتشمل البعد الثقافي أيضًا، فالمترجم هو كاتب، أي أن عمله هو صَوْغ الأفكار في كلماتٍ موجهةٍ إلى قارئ. والفارق بينه وبين الكاتب الأصيل هو أن الأفكار التي يصوغها ليست أفكاره، بل أفكار سواه، لذا على المترجم قبل أن يشرع في ترجمة النص، عليه أن يراعي جيدًا الأبعاد والبيئة الثقافية التي وُلِد فيها هذا النص، والقارئ المتلقي له، ليُخَاطبه ليس بلغته فحسب، بل بثقافته أيضًا التي قد تشبه ثقافة المترجم، وقد تختلف عنها تمام الاختلاف، وكان يبرز لي كثيراً من الأمثلة، ولعلّ من أبرزها مثلًا، ما ذكره العالم اللغوي البارز “ابن خالويه” أن للأسد في اللغة العربية زهاء الخمسمائة اسمًا، في حين أنه يترجم في الإنجليزية باسم واحد وهو Lion.

والأستاذ شوقي جلال من مواليد منطقة الإمام الشافعي بالقاهرة (بجمهورية مصر العربية)، حيث ولد في 30 أكتوبر 1931 في أسرة مصرية ممتدة من 17 أخ وأخت غيب الموت منهم خمسة، تمتع والده وكان عامل فني بسلاح المهمات بالجيش المصري، وصاحب ورشة في حي الخليفة، بأفق واسع وشغف بالقراءة والعلم والموسيقي ملأ بهم أركان بيته .. وعقل صغيره شوقي. ضم البيت كتب ومجلات مصرية ذخرت بما لذا وطاب من الأفكار والرؤي، واحتضنت حجرات البيت أصدقاء الأب من مسلمين، ومسيحيين، ويهود يجمعهم الود والمحبة في محيط عائلي مصري لم يعرف التعصب الديني.

لقد عرف شوقي جلال من والده قيم التسامح والمحبة والتلاقح الإنساني مع الآخر، حيث عاش أبوه مبادئ وقيم ثورة 1919 ؛ حيث كان أبوه يعيش نتاج الثورة الوطنية التي عاشتها مصر ابتداء من رفاعة الطهطاوي؛ حيث يقول عن نفسه:" ثم بعد ذلك تمكنت في العشرينات وكنا لا نجد أي حساسية بينا وبين الأقباط، أو اليهود الذين يعشون بيننا في تلك الحقبة".

وفتحت حوارات الأب مع الصغير شبابيك التفكير والتساؤل، فكان جلال الأب أول من ذكر لشوقي كلمة التطور واسم داروين، وفي بساطة مفردات الصغير، استمع شوقي جلال لحديث أبيه وأصدقاءه حول السياسة في مصر والعالم وإن غاب عنه مفهوم الاشتغال بها.

وفي المرحلة الثانوية حلت رحابة عوالم الكتب محل حوارات الأب والصغير فبحثت عينا شوقي الشاب عن مرفأها في كل الاتجاهات: القرآن والعهدين الجديد والقديم والرد علي الدهريين ورسالة التوحيد لمحمد عبده، وفكر ومنهج الأفغاني، والشعر الصوفي، وترجمات للأدب الهندي وسادهانا طاغور، وأحاطت به وجيله مجلات: الرسالة، والثقافة، والكاتب، والمقتطف، والفصول، والبعبوكة.

ومع عودة أعضاء حزب الوفد للحكم خرج شوقي جلال بعد عامين من السجن، إذ أضحي يحدوه الأمل في الالتحاق بالجامعة، وبالفعل التحق بها عام 1951 -1952، حيث التحق بكلية الآداب – قسم الفلسفة وعلم النفس، بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن)، وفي هذا القسم مارس الطالب شوقي جلال حياة الفكر الحر؛ فقرأ عن البوذية وبوذا واستهوته النيرفانا والتوحد مع الكون، ونهل من كونفوشيوس وعقلانيته، ورأي في نظرية التطور منهجاً في التفكير، وفي الماركسية إطاراً خاصاً لتفسير ظواهر الحياة الاجتماعية وفتح له الفيلسوف الهندي رادا كراشنان وفلسفات الغرب ” أبواب العبادة جميعها علي مصراعيها.

وبدأ حلم الكتابة الذي داعب مخيلته يترائي له جلياً، وفي 1953 نشر أول كتاباته عن مذكرات تشارلز داروين في سلسلة " كتابي" التي يصدرها حلمي مراد، وفي عام 1954 لاح شبح الإخوان المسلمين مرة أخري، وتم القبض مرة أخري علي شوقي جلال في سجن العامرية بضعة شهور تبعتهم سنتان بالسجن الحربي. وفي السجن أعجب شوقي جلال بالراحل المناضل الشيوعي صلاح حسين كفاحه في كمشيش . وحفرت زياراته لكمشيش بعد الخروج هيروغليفية " الذهب الخالص": " الإنسان المصري الصلب المتسامح الواعي "، وبعد التخرج من الجامعة في 1956 عمل شوقي مدرساً للفلسفة وعلم النفس في معهد المعلمين بشبين الكوم، وبدأت رحلة دراساته العليا بالسنة التحضيرية في جامعة القاهرة في حضرة أساتذة، مثل زكي نجيب محمود ويوسف مراد.

بعد تجارب شوقي جلال المتنوعة في الحياة سلك منهج التنوير سبيلاً لمجتمعه ظناناً منه أن هذا النهج سيخرج مصر من أزماتها المتلاحقة، وهناك مقاله لسمير مرقص (نشرت بجريدة المصري اليوم في يوم الثلاثاء- 25- 7- 2017) وكان عنوانها شوقي جلال: المثقف الموسوعي، حيث يشبه الأستاذ شوقي جلال بالتنويريين الفرنسيين، واسمحوا لي أقتطف جزءً منها حيث يقول سمير مرقص إن: المثقف الموسوعي هو الوصف الذى يمكن أن نطلقه على مبدع مصري معاصر هو الأستاذ شوقي جلال . والموسوعية (الإنسيكلوبيدية) هى تعبير أطلق على جماعة من المثقفين الفرنسيين من: فلاسفة وعلماء القرن الـ 18 الذين انكبوا على وضع مرجع علمي شامل في مختلف العلوم والفنون والآداب. وكان هدفهم من وضع هذه الموسوعة- بحسب لويس عوض- "هو إشاعة التنوير بوجه عام وتصفية معارف معاصريهم من الخزعبلات…، وتدريب الناس على المنهج العلمي والعقلي في التفكير والمعرفة". وكان نجمها البارز "ديدرو" (1713- 1784).

ويستطرد مرقص فيقول:" ديدرو وموسوعته، هو ما ألح علىّ عندما نويت أن أكتب عن " شوقي جلال"، فالمراجع لحصيلة كتاباته المؤلفة والمترجمة، ما يقرب من 25 عملاً مؤلفاً و50 ترجمة، سوف يلحظ كيف تعددت وتنوعت اجتهادات شوقي جلال؛ كذلك مواكبته لجديد أفكار الحقول المعرفية المختلفة: الفلسفة، والحضارة، والتنمية، والسياسة، والفكر وفلسفته وقضاياه المعاصرة، والثقافة، العلم فلسفته وتاريخه وثوراته، الجغرافيا السياسية، وعلم الاجتماع، والمستقبليات، والعولمة،… إلخ. ما يؤهله للفوز بلقب “المثقف الموسوعي”، أخذاً في الاعتبار أن ما أنجزه كان من المفترض أن تقوم به مؤسسات في إطار جماعي، إلا أنه تصدى وحده بوعى تام لبناء صرح معرفي: تأليفا وترجمة، لكى ينهل منها العقل المصري والعربي في شتى المجالات…أي أنه سار بأمانة على درب جدنا “الطهطاوي” رائد النهضة المصرية الحديثة.

وهنا نسأل لماذا الكاتب سمير مرقص شبه شوقي جلال بالتنويريين الفرنسيين وليس بالتنويرين العرب ؟

وهذا السؤال سألته للأستاذ شوقي جلال فقال:” اعتقد أنه ربما التنوع في الموضوعات التي تناولها شوقي جلال، وأن في تربيته الثقافية وفي تثقيفه النفسي كان شوقي يشبه التنويريين الفرنسيين، علاوة علي كتبه الذي أصدرها سواء (في ترجمات أو مؤلفات) تستهدف هذه الرؤية التنويرية للمجتمع “

كما لوحظ في كتابات شوقي جلال تخلف الأمة العربية، وهنا سألته ما السبب في ذلك فقال: الأمم والمجتمعات، إما أنها أمم ثباتيه (أي علي وجه فُعاليه – أي مرض) أو ديناميكية ( أي متغيرة)، وهناك ثقافتان في العالم، ثقافة الوضع وثقافة الموقف، ثقافة الوضع راضية برصيدها الموروث – أي تقف علي قارعة الطريق، بينما الحياة تمضي بجوارها وتردد إلا ما كان لتقول بهوامش وحواشي ولكن كما هي، وأما ثقافة الموقف فهي إرادة وإنجاز ومشروع مستقبلي وتتغير وتجد في عملي غذاء فكري لها . أما نحن فثقافتنا ثقافة كلمة وليست ثقافة فعل، ثقافة ورث وليت ثقافة تغيير.

وسألته ذات مرة عن الدولة المدنية ماذا تقول فيها، فأجابني قائلاً: الدولة المدنية كما عرفتها في كتابي المتجمع المدني وثقافة الإصلاح أن مصر قبل 1952 كان بها مجتمع جنين لمجتمع مدني بدأ في العصر الحديث، ومصر غابت قرون طويلة لم يكن لها اسم ولا هوية بحيث أنك تسأل الإنسان الذي ولد هنا (في مصر) أنت من أي جنس، يقول لك أنا عثمانلي مثلاً ونسي الجميع مصر؛ وهنا بدأت مصر لأول مرة يعود لها اسمها علي لسان رفاعة رافعة الطهطاوي، وبدأ المصري يكون له وجود حين اضطر "محمد علي"، أن يأخذ جنود من الفلاحين المصريين لأنه لا يأمن للماليك ولغيرهم، ومن هنا خرج أحمد عرابي أيضا، وبالتالي كان الأمل أن نبني مصر من جديد، وأول شخص أعاد هيبة مصر كان من خلال رفاعه الطهطاوي، حيث حدثنا حديث الإنسان التنويري عن مؤسسات الدول الأخرى في فرنسا، وكيف يحكمون، وكيف يعلمون، وعن دور المرأة، وبالتالي كانت حركة النهضة في مصر علي مرتين، ثم انزوت، ثم انكسرت، ثم بدأت في أوائل القرن العشرين وإلي جاءت ثورة 1952 والمجتمع المدني هو المجتمع المستقل ذاتيا والمؤمن بحق العدل والمساواة.

وأما في مجال الترجمة، فقد كان شوقي جلال يتميز بالترجمات العلمية ذات البعد الأكاديمي العلمي الصرف، وكان يمثل بحق رحلة عطاء فهو المترجم والناقد والأكاديمي، وهو نموذج فريد من نماذج إشباع المثقف، استطاع الجمع بين أمرين مطلوبين لمن أراد أن يكون رائدا في الثقافة، وهما الأكاديمية والإبداع. وفي علوم العربية كان عالماً متمرساً في أسرارها يعلمها علم أهلها، وذلك هو الشرط الأساسي ليولد من بين أحضان الثقافة الخاصة ثقافة عامة.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة وهي حصول المترجم شوقي جلال على جائزة “رفاعة الطهطاوي” للترجمة هذا العام، عن ترجمته لكتاب “موجات جديدة في فلسفة التكنولوجيا” والصادر عام 2018 عن المركز القومي للترجمة، الكتاب من تأليف جان كيربرج أولسن؛ والكتاب يعول علي أن وجود التكنولوجيا وتطورها رهن وجود الإنسان والمجتمع المبدع على مبدأ التاريخ . وإبداع التكنولوجيا هو الذى يحقق مجتمعا قادراً على البقاء والاستمرار . فاليد الصانعة التى تطورت بفعل العمل الاجتماعي هي التي صاغت بفعلها مخ الانسان وثقافته ولغته، وصاغت المجتمع. لذا يمكن القول إن التكنولوجيا هي التي صاغت هوية الإنسان، وتطورت هذه الهوية مع تطور التكنولوجيا، وتطور دورها في صياغة طابع الحياة مع اختلاف العصور ذلك أن الإنسان / المجتمع كما يوضح الكتاب ليس فقط كياناً عاقلاً / مفكراً بل كيان صانع. وتمثل فلسفة التكنولوجيا وافداً جديداً نسبياً فى مجال الفلسفة . بدأت إرهاصتها في أواخر القرن التاسع عشر وتطورت مع تطور عصر الصناعة والمعلوماتية . كما يعرض الكتاب " موجات جديدة" بقلم جيل جديد هو الجيل الثالث من فلاسفة التكنولوجيا المعاصرين . ويكشف عما تنطوي عليه التكنولوجيا أبدأً من نعمة ونقمة، من نفع وخطر، وإذا كانت تمثل على مدى التاريخ وعداً بتعزيز مطرد للبشرية، إلا إنها فى الوقت نفسه نذير دمار وفناء.

وكان شوقي جلال قد نال من قبل جائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، حيث كان قد ترجم العديد من الكتب العلمية والفلسفية إلى اللغة العربية، ومنها نذكر على سبيل المثال لا الحصر: الشرق يصعد ثانية لأندريه جوندر فرانك، وتشكيل العقل الحديث لكرين رينتون، وبنية الثورات العلمية لتوماس كون، بعيدا عن اليسار واليمين: مستقبل السياسات الراديكالية لأنتونى جيدنز، والتنمية حرية: مؤسسات حرة وإنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر لأمارتيا سِن، أفريقيا فى عصر التحول الاجتماعي، والعالم بعد مائتى عام، ولماذا ينفرد الإنسان بالثقافة، والتراث المسروق: الفلسفة اليونانية فلسفة مصرية مسروقة، والصدام داخل الحضارات: التفاهم بشأن الصراعات الثقافية، والآلة قوة وسلطة: التكنولوجيا والإنسان منذ القرن 17 حتى الوقت الحاضر لبوكانان، والتنين الأكبر: الصين فى القرن الـ21، والفيل والتنين: صعود الهند والصين ودلالة ذلك لنا جميعا، وكامى وسارتر، ولماذا العلم، وتاريخ العلم: 1543- 2001 لجون جريبين، والانتخاب الثقافي، الثقافات وقيم التقدم لهانتينجتون، بافلوف وفرويد،… إلخ…

تحية طيبة لأستاذنا شوقي جلال الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وفي تلك الكتابات المترجمة كان الأستاذ شوقي جلال يؤكد لي علي حقيقة مهمة، وهي أن الترجمة العلمية تعد في جوهرها عملية مقاربة ومقابلة بين أساليب لغوية مختلفة قد تتشابه أحيانا، ولكنّها تختلف في معظم الأحيان. وفي كل الأحوال، تتضمّن تفاعلاً فيما بين اللغات يتولد عنه إبداعاً جديداً بلغة امتطت لغة أخرى، واتخذتها أداة للاجتهاد ووسيلة للابتكار وللترجمة انعكاسات فكرية وسلوكية كبيرة على ممارسها قبل متلقّيها؛ فاللّغة المضافة، أو الثانية بالنسبة للمترجم، تخصّب أفكاره وسلوكه، وتمنحه الشعور باتساع الأفق والحريّة في التفكير؛ وبمعنى آخر فهي توسّع نطاق ممارسة الحريّة الإنسانية والسيكولوجية. كما أنّ اللّغة المضافة تشغل قدراً كبيراً من طاقة المترجم الذهنية والعقلية؛ إلى جانب التبديل الذهني وممارسة ذاتين في آن واحد، وما يترتّب عن ذلك من بلورة وصقل لشخصيته التي ما هي إلاّ مجموع أفكاره وثقافته وعاداته المؤثرة على صياغة أحاسيسه. ومن خلال ممارستي للترجمة العلمية، وبعيداً عن الإلمام بنظريات الترجمة ومدارسها والنماذج الموضوعة لها من قبل أهل الاختصاصي، ارتأيت أن أضع أمام المهتمين بالموضوع بعضا من تصوّراتي وأحكامي حول هذه الممارسة، والتي تبقى نسبية ومفتوحة على النقاش والتقويم والإسداء من المتضلّعين في الميدان. كما أعتبر هذه المساهمة المتواضعة محاولة لإثراء موضوع شائك كالترجمة، وبشكل خاص في المجال العلمي.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ شوقي جلال لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط