محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر علينا ذكرى وفاة قدري أبو حسين محافظ حلوان الأسبق، في مثل هذه الأيام من العام الماضي، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا الوطني العظيم، فهو الذي قام بتأسيس حزب "مصر بلدى" فى 2014، وهو الذي سعي بالتنسيق مع مجموعة من الأحزاب، لتشكيل تحالف انتخابي تحت مسمى ائتلاف الجبهة المصرية، وهو الذي خاض انتخابات البرلمان الماضية ضمن تحالف أحزاب الجبهة المصرية وتيار الاستقلال ولقب بـ"صانع التحالفات"، وهو ذلك الرجل العظيم الذي قدم خلال مرحلته الطويلة في حياته الكثير من العمل الوطني والسياسي تخللها العطاء والانجاز في جميع المواقع التي تحمل فيها المسئولية، وكان حسه وشعوره الوطني حاضراً مما جعل الجميع يثني علي سيرته العطرة.

وكان قدري أبو حسين قد شغل منصب رئيس مجلس مدنية أخميم بمحافظة سوهاج، حتى تولى سكرتير عام محافظة أسيوط، ومن ثم عُين في منصب نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، حتى شغل منصب محافظ حلوان بعدما وافق قرار رئاسى بإنشائها فى 17 أبريل 2008 . وقد قالت الصحفية اللامعة "ياسمين مبروك" في مقال لها بجريدة الفجر بعنوان (محطات بارزة في حياة الراحل "قدري أبو حسين" محافظ حلوان الأسبق) : " كان أبو حسين، نائب محافظ القاهرة للمنطقة الجنوبية، وهو ما أهله لاختياره كمحافظ لحلوان بعد حازم القويضي... رشحه حازم القويضي، لإكمال مسيرته بعد تركه لمنصبه، كمحافظ لحلوان.. تم تعينيه كمحافظ لحلوان في فبراير 2010 أي قبل أقل من عام من ثورة 25 يناير.

كان قدري أبو حسين رجلاً وطنيًا وعاش مخلصًا في أداء عمله، والمناصب التنفيذية التى تولاها، كما كان نموذجاً رائعاً فى العمل التنفيذي والسياسي والحزبي وبذل أقصى الجهد لخدمة الوطن والشعب، وقد وصفه النائب الأستاذ  مصطفي بكري (في مقال نشره في جريدة السبوع) بأنه صاحب القلب الطيب الجسور اللين السياسي المخضرم وواحد من أهم رجال المحليات فى مصر.. إنه قدري أبو حسين الأخ والصديق والإنسان عرفته منذ سنوات طوال اقتربت منه، وعندما تولى منصب محافظ حلوان دائرتي الانتخابية، اقتربت منه كثيرا شاهدته عن قرب لم يتغير لم يتبدل أنه نفس الإنسان البسيط المتواضع ابن الصعيد، الذى يفتح لك صدره ويترك مكتبه لاستقبالك ويصر على أن يوصلك إلى باب الأسانسير وهو لا يتوقف عن إسداء كلمات الترحيب التى تبدأ بكلمة "يا مرحبًا بابن العم" وتنتهي بأجمل كلمات الوداع... كان دوما يفخر بأنه صعيدي وكانت أحلى لحظات حياته عندما يجلس وسط جمع من أصحاب العمم البيضاء ويحتسي معهم الشاي على الطريقة الصعيدية... وكان مكتبه مفتوحاً للجميع منذ الصباح الباكر وحتى وقت متأخر من المساء كأنها "قعدة عرب" على "المسطبة" فى حواري أخميم (أخميم التي أحبها وأحبته)، سوهاج التي قضى فيها أجمل سنوات عمره لذلك أحبه السوهاجية من المغتربين فى القاهرة بذات درجة حبهم له فى المحافظة واختاروه رئيسا لجمعيتهم".. فى عام 2013 بدأنا سوياً جنبا إلى جنب فى تأسيس جبهة مصر بلدي مع اللواء أحمد حمال الدين، تجولنا فى المحافظات، كانت كلماته تخرج من القلب ولم يكن يعرف لغة الزيف أو النفاق... كان صافياً نقياً ودوداً، كريماً، إنساناً، يمتلك قلب طفل، وعقل الرجال الكبار.. وإذا ذهبت إلى زيارته فى منزله أو مكتبه، ينتفض على الفور، جهزوا الغدا يا ولاد، .. اخترناه رئيسا لحزب مصر بلدي فقد كان الأجدر، والأكثر حنكة... تحمل المسئولية بشجاعة وعزيمة، ظل على ثوابته ومواقفه حتى اللحظات الأخيرة في حياته، لم يكن فقط عم السوهاجية فى القاهرة وغيرها، بل كان رمزًا لكل أبناء الصعيد. وعندما كنا نلتقي في إفطار جمعية أبناء سوهاج، أو أبناء قنا فى القاهرة، كنا نسمع منه أحلى الكلمات التي تعيد إلينا أشياء كثيرة افتقدناها في غمرة الحياة فى القاهرة.. رحل صاحب الضحكة الصافية من القلب، والذى تسمع صوت قهقهته عن بعد، فتقول أنه قدري أبو حسين الذى لا يعرف سوى لغة التفاؤل في حياته رغم قساوة الحياة وظروفها.. رحل الرجل الذى كان مهموما بأهله، ساعيا إلى حل مشاكلهم من أخميم إلى قلب القاهرة، وداعًا أيها الأخ والصديق والإنسان، وداعًا يا رمزنا الذي ستبقى فى ذاكرة كل من عرفوك واقتربوا منك، سلامُا على روحك الطاهرة إلى أن نلتقي".

وفي مقال نشرته " د. سامية أبو النصر" بعنوان "وداعا قدرى أبو حسين" بجريدة الأهرام، قالت : " لست من الشخصيات التي تنعى كل من تعرفه، ولكننى أفضل بين الحين والآخر أن أكتب عن بعض الشخصيات الذين تأثرت بهم وأثروا في حياتي، وهذا احتراما وتقديرا لهؤلاء الشخصيات الذين كان لهم عظيم الأثر فى حياتى، وها هو الوزير قدري أبو حسين، محافظ حلوان الأسبق، حيث اقتربت من هذا الرجل الخلوق رحمة الله عليه فى الفترة الأخيرة، عقب تأسيسه حزب مصر بلدى بعد ثورة 30 يونيه وكان له دوراً كبيراً فى دعم ركائز هذه الثورة.... عرفته شخصية صعيدية من الطراز الأول، حيث إنه ابن بار من أبناء سوهاج ورئيس جمعية أبناء سوهاج. كان يعشقها حتى أنه فى أواخر أيامه فضل البقاء هناك، وكان شخصية خلوقة محبة لتراب هذا الوطن، وبرغم أنه كان سياسي محنك إلا أنه لم يكن يوماً يعرف لغة المؤامرات أو التحالفات المشبوهة (السياسة غير النظيفة) وعندما قررت خوض المعركة الانتخابية الانتخابات التكميلية لحدائق القبة عام 2016 كان من المشجعين والداعمين لى، وكنت أشعر معه بمشاعر حب الأب لابنته وكيف كان داعماً ومشجعاً ومناصراً، حيث كان يقدر عمل المرأة للغاية.... وكان دائماً مهموماً بقضايا وطنه، قلقاً من تولى غير الأكفاء المناصب القيادية، وكان يقلقه فساد بعض المسئولين في المحليات، ولما لا فهو الرجل الذى قضى كل عمره في المحليات... وداعا صاحب القلب الطيب العاشق لوطنه، الذى كان لا يعرف الخصام مع أحد.. الطيب في غير ضعف.. المتسامح مع نفسه ومع الآخرين.. رحل ابن الصعيد الذى عاش ومات مناضلاً من أجل أن تعيش بلاده حرة كريمة.

تحية طيبة لابن بلدي الحبيب قدري أبو حسين  الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً لرجل الدولة الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله قدري أبو حسين، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

ضياء نافعنتوقف في هذه الحلقة عند كليّة الاقتصاد. كان فيها مجموعة من الطلبة العراقيين في الدراسات الاولية والعليا، وهم (حسب الابجدية) كل من – اسماعيل خليل (عليا) / خالد الزبيدي (اولية)/ شريف الشيخ (عليا) / عباس الدباغ (عليا)/ عبد الحسين زيني (عليا)/ عبد القادر الجبوري (اولية ثم عليا)/ علوان الحمداني (عليا) / فتاح السامرائي (عليا) / كمال جرجيس انطون (اولية) / محمد علي الماشطة (اولية ثم عليا) / ميسّر قاسم (عليا) / نجيب نجم الدين (عليا) / وجدي شوكت سري (اولية ثم عليا)، واخشى انني نسيت اسماء طلبة آخرين في تلك الكليّة (وكم أتمنى ان يشارك الاخرون في هذه المقالات باضافة معلومات او تصحيح ما اكتبه الان). لقد كانت كليّة الاقتصاد هذه واحدة من الكليّات المرغوبة جدا من قبل الطلبة العراقيين، اذ انها كانت رمزا لدراسة الاقتصاد الاشتراكي في قلب المعسكر الاشتراكي (في ستينيات ذلك القرن) وعاصمته موسكو طبعا.

أقدم طالب عراقي في هذه الكليّة هو المرحوم د. محمد علي الماشطة، الذي وصل الى موسكو العام 1957 ضمن الوفد العراقي للمشاركة في المهرجان العالمي للطلبة والشباب (وهو وفد ارسله الحزب الشيوعي العراقي آنذاك)، وبقي محمد علي الماشطة للدراسة في موسكو بعد المهرجان، وكان من الطبيعي ان يلتحق بكلية الاقتصاد في جامعة موسكو لدراسة اسس الاقتصاد والفكر الاشتراكي، وكان آنذاك الطالب العراقي الوحيد في جامعة موسكو. بعد ثورة 14 تموز 1958 تدفق العراقيون للدراسة في الجامعات الروسية، وهكذا اصبح محمد علي الماشطة نجما ساطعا بالنسبة لنا، اذ كان في الصف الثاني بكليّة الاقتصاد في جامعة موسكو عندما كنّا نحن جميعا (الوجبة الاولى) طلبة في الكلية التحضيرية لدراسة اللغة الروسية في العام الدراسي 1959 / 1960. ارتبط اسم محمد علي الماشطة برابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي (انظر مقالاتنا بعنوان – رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي 1 – 5)، اذ انه كرّس كل وقته وجهده ونشاطاته من اجل تأسيسها واخراجها الى حيّز الوجود كما يقولون ، وكان رئيس اللجنة التحضيرية لها واول رئيس للرابطة، حيث انتخبناه بالاجماع لهذا الموقع في المؤتمر الاول للرابطة الذي انعقد في جامعة موسكو، وكنّا نسميه آنذاك (واضع اسس الرابطة)، وقد اصبح اسمه رمزا للرابطة لدرجة، ان جواد البدري (طالب الدراسات العليا في كلية البايولوجي بجامعة موسكو آنذاك) كتب قصيدة (وكان عندها زعلانا على الرابطة ولا يريد المساهمة في احدى اجتماعاتها) تبدأ هكذا – (ايها الذاهب الى الرابطه... سلملّي على الماشطه)، وهي قصيدة طريفة مثل كل قصائده المرحة الاخرى. كان محمد علي الماشطة انسانا مرحا وبسيطا ومتواضعا و اجتماعيا، رغم انه ابن الشيخ عبد الكريم الماشطة – عضو مجلس السلم العالمي والشخصية العراقية الشهيرة، ورغم انه كان الطالب الابرز والاشهر بين الطلبة العراقيين بالنسبة للجانب الروسي سواء في اوساط جامعة موسكو او خارجها، وأذكر اني التقيت مرة أحد كبار الروس المسؤولين عن الاجانب في جامعة موسكو اثناء ايفاد لي في نهاية الثمانينات، فحدثني عن احترام الادارة الروسية آنذاك لمحمد علي الماشطة، وكانوا يسمونه (كريم)، وذكر لي هذا المسؤول، انه خاض مرة نقاشا حادا مع الطلبة الشيوعيين الصينيين حول الخلاف بين الحزب الشيوعي السوفيتي والحزب الشيوعي الصيني (وهو خلاف كبير ومشهور جدا حدث في الستينيات بين الحزبين الشيوعيين الاكبر في العالم الاشتراكي)، وان الجانب الصيني كاد ان يتغلب عليه لولا (كريم)، الذي تدخل في ذلك النقاش وكان مع الحزب الشيوعي السوفيتي بقوة وثبات ضد الحزب الشيوعي الصيني، وانه (اي هذا المسؤول الروسي) استطاع بمساعدة محمد علي الماشطة ان يدحض مواقف الشيوعيين الصينيين في ذلك النقاش الحاد آنذاك.

انهى محمد علي الماشطة كلية الاقتصاد، واستمر رأسا بدراسة الدكتوراه، وحصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، وسافر الى الجزائر للعمل هناك، ثم عاد الى العراق، وعمل على ما اتذكر في شركة النفط الوطنية، وتوفي في بغداد. لم يبرز د. محمد علي الماشطة علميا في مجال اختصاصه، ولم يترك لنا مصادر او كتبا مؤلّفة او مترجمة له عن الروسية في علم الاقتصاد، رغم اني أتذكر دراسة نشرها في مجلة الثقافة الجديدة، (وهي مجلة مرموقة في مسيرة الثقافة العراقية و يصدرها الحزب الشيوعي العراقي منذ اواسط الخمسينيات والى حد الان)، دراسة حول اقتصاد النفط العراقي، وهو موضوع اطروحة المرحوم د. محمد علي الماشطة في كليّة الاقتصاد بجامعة موسكو عندما كان طالب دراسات عليا هناك في الستينيات. واختتم هذه السطور عن المرحوم محمد علي الماشطة بالقول، انه كان شخصية متميّزة بين طلبتنا في الاتحاد السوفيتي، شخصية تستحق منّا جميعا – نحن خريجي الجامعات الروسية في تلك الفترة – ان نكتب ونسجّل ذكرياتنا وانطباعاتنا عنه.

 الكتابة عن العراقيين الآخرين في كليّة الاقتصاد بجامعة موسكو في تلك الفترة ومصائرهم هو موضوع الحلقة القادمة .....

 

أ.د. ضياء نافع

 

ضياء نافعاستمر في هذه الحلقة بالحديث عن كليّة التاريخ في جامعة موسكو. تخرّج في هذه الكليّة ثلاثة طلبة دراسات عليا هم المرحوم د. جبار عطيوي والمرحوم د. نوري السامرائي وأ.د. هاشم التكريتي، وقد عملوا جميعا – بعد عودتهم – في جامعة بغداد، (جبار في قسم التاريخ بكلية التربية ونوري وهاشم في قسم التاريخ بكلية الاداب). كان جبار عطيوي طالب دراسات اولية في كلية الصحافة، وبعد ان تخرّج، انتقل الى كلية التاريخ لاكمال دراسته العليا، وكانت القوانين والتعليمات الجامعية هناك تسمح (ولازالت) بذلك الانتقال بين الكليّات المتقاربة من حيث الاختصاص. لقد كان قرار جبارهذا شجاعا جدا ويعبّر عن موقف علمي سليم، اذ انه اعتراف ذاتي امام نفسه وامام الآخرين ايضا، انه لا يمكن ان يكون صحافيا، اذ ان هذه المهنة ترتبط قبل كل شئ بالموهبة الذاتية (مثل الرسم والنحت والشعر..الخ)، ويمكن للدراسة الاكاديمية ان تبلورهذه الموهبة وتصقلها وتطوّرها، ولكن لا يمكن ان تخلقها من العدم، ولهذا، فان قبول الطلبة الروس في هذه الكليّة يكون على هذا الاساس، اي ان تكون لديهم موهبة الكتابة، ولكن الكليّة كانت تتساهل بشأن قبول الاجانب، ولكن جبار اقتنع انه لا يمتلك هذه الموهبة، واتخذ قراره بالانتقال الى دراسة التاريخ، ولهذا اسميت هذا القرار شجاعا وعلميا. اصطدم جبار بمشكلة تعادل الشهادة في العراق، اذ لا تسمح التعليمات العراقية الصارمة والجامدة جدا (ان صح التعبير) بذلك، وكم عانى العراقيون من خريجي الجامعات الاجنبية من قضية تعادل الشهادة الاجنبية، ولا مجال طبعا للتوقف عند هذا الموضوع هنا . واستطاع د. جبار عطيوي بعد التي واللتيا وبصعوبة من ايجاد حل لهذه المشكلة، وهكذا حصل على تعادل شهادة الدكتوراه و اصبح تدريسيا في قسم التاريخ في كلية التربية، الى ان ترك العراق في التسعينات وانتقل للعيش في المانيا مع عائلته، وهناك توفي وتم دفنه في المانيا . كان جبار عطيوي ضمن الاسماء الشيوعية البارزة بين طلبتنا في جامعة موسكو، اذ كان أحد قادة اتحاد الطلبة في العراق قبل مجيئه الى موسكو، وكانت زوجته المرحومة د. ماجدة عبد الرضا اخت ماجد عبد الرضا، الشخصية الشيوعية المعروفة آنذاك، وهو أحد قادة اتحاد الطلبة العالمي واتحاد الشبيبة العالمي في براغ عندئذ (قبل ان يعود الى بغداد ويغيّر موقفه كما هو معروف)، الا ان المرحوم جبار لم يتميّز – مع ذلك – لا في موسكو اثناء دراسته الطويلة نسبيا في كليتين من كليّات جامعة موسكو وتخرّجه فيهما (وهو أمر نادر جدا بين العراقيين)،  ولا في العراق بعد عودته وعمله تدريسيّا في قسم التاريخ  بكليّة التربية بجامعة بغداد، ولا في المانيا – محطته الاخيرة في الحياة .

المرحوم د. نوري السامرائي انهى دراسته العليا في كلية التاريخ بجامعة موسكو، وعاد رأسا الى العراق، وتم تعينه في قسم التاريخ بكلية الاداب في جامعة بغداد . كان انسانا محترما و مسالما ورقيقا ومؤدبا وهادئا، وكان محبوبا اينما يحل، وهكذا كان في جامعة موسكو وجامعة بغداد، وساهم في حركة النشر والترجمة عن الروسية ضمن اختصاصه  وبشكل محدود، ولكنه لم يبرز، ورحل مبكرا.

ا.د. هاشم التكريتي اصبح واحدا من ابرز اساتذة قسم التاريخ في كلية الاداب بجامعة بغداد، فهو باحث علمي من الطراز الاول، ومترجم عن الروسية أغنى المكتبة العربية بمصادر مهمة، وهو الاستاذ اللامع في كلية الاداب في قاعات التدريس او قاعات المناقشات العلمية لاطاريح الماجستير والدكتوراه في التاريخ . لا اريد ان اكتب تفصيلات عن كل هذه الجوانب المرتبطة به، اذ انها معلومة ومثبّتة في العديد من المصادر المطبوعة او المنشورة الكترونيا (توجد حتى اطروحة ماجستير حوله)، ولكني اود ان أذكر فقط بعض اللقطات (ان صح التعبير)، التي علقت في ذهني عنه . اللقطة الاولى عندما كنت عميدا لكلية اللغات، اذ جاء اليّ شخص من السفارة السويسرية في بغداد وقال لي ان احدى الجامعات السويسرية ترغب بدعوة استاذ عراقي لالقاء محاضرة حول العراق، فرشحت أ.د. كمال مظهر احمد لذلك، وعندما اتصلت بكمال اعتذر لاسباب صحيّة ورشّح هاشم بدلا عنه، فوافقت طبعا وبكل سرور، وطلبت منه متابعة الموضوع، وهكذا سافر د. هاشم وقام بالمهمة خير قيام، وقد التقيت بعدئذ بالشخص الذي قدّم الدعوة تلك، فشكرني على تلبيتنا لدعوته، واخبرني ان الجامعة السويسرية كانت مندهشة من علمية وموضوعية هذا الاستاذ، وانها حتى اقترحت عليه ان يعمل عندهم، ولكنه اعتذر وعاد الى كليته في جامعة بغداد. اللقطة الثانية عندما كنت في ايفاد بعاصمة جورجيا – تبليسي، حيث التقيت بمجموعة من اساتذة معهد اللغات الشرقية، فاذا باحد الاساتذة الجورجين يقول لي، انه جاء خصيصا الى هذا الاجتماع ليسألني عن صحة الخبر الذي سمعه قبل فترة عن ترجمة كتابه حول العراق الى العربية في جامعة بغداد، واخبرته ان هذا الخبر صحيح، وان مترجمه هو الاستاذ الدكتور هاشم التكريتي. فرح هذا الاستاذ الجورجي بشكل لا يوصف وهو يكرر امام زملائه – (ألم أقل لكم ذلك، ولكني لم استطع اثبات الخبر آنذاك)، وقد كتب اسم هاشم التكريتي كي لا ينساه، وطلب مني ان ارسل له ولو صورة الغلاف، وان اتقدم بشكره الجزيل الى المترجم العراقي، وقد كنت في تلك اللحظة أشعر بالفخر والاعتزاز بهاشم وعمله العلمي الرائد . اللقطة الثالثة عندما كنت حاضرا في مناقشة رسالة دكتوراه في التاريخ، وكان هاشم مناقشا فيها . لقد اشتد النقاش حول بعض الاراء، والتي اشار بعض المناقشين الى انها صحيحة لانها وردت في احدى كتب حنا بطاطو، ورفضها آخرون رغم ذلك، فتدخل د. هاشم وحسم الموضوع بكل هدوء وموضوعية، ورفض الفكرة القائلة، ان كل ما قاله بطاطو هو صحيح، واثبت ذلك الرأي . لقد كانت مداخلته تلك حاسمة، لأنها تعكس الرأي العلمي الموضوعي، واقتنع الجميع بذلك . ان الحديث عن ا.د. هاشم التكريتي يطول، الا اني اود ان اختتمه بالاشارة، الى انه ترجم عن الروسية كتابا صدر في الامبراطورية الروسية سنه 1910 عنوانه – (العراق العربي)، وهو كتاب نادر جدا، مؤلفه القنصل الروسي في ولاية البصرة آنذاك، وتوجد نسخة منه في مكتبة لينين بموسكو . ان عين المؤرخ هاشم التكريتي قد شاهدت هذا المصدر الفريد في تاريخ العراق، والتقطته عندما كان طالب دراسات عليا في موسكو . وبهذه (اللقطة الرابعة!!) اختتم هذه السطور عن الاستاذ الدكتور هاشم التكريتي – خريج جامعة موسكو العريقة، وواحد من نجوم جامعة بغداد، وابن  العراق البار ... 

 

أ.د. ضياء نافع  

 

في دلالات المفاهيم المتصلة بتنزيل المعرفة التاريخية

يذكر العلامة العراقي البارز جواد علي (1907 ـ 1987م) مؤلف أشهر ألمع موسوعتين (تاريخ العرب قبل الإسلام، 1968/1947) بثمانية مجلدات وموسوعة (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 1965/1965) بعشرة مجلدات، وهي من أهم المصادر الموسوعية التي تظهر خفايا  فترة ما يطلق على سكانها (بالجاهليين) في الكتب والمقالات، عن المعرفة التاريخية التي جاء منها ظهور الإسلام وجذوره. يذكر المؤرخ في مقدمته لمفاصل التاريخ قبل الاسلام عن المسمى للكتاب، فيقول (.. رأى أستاذي العالم الفاضل السيد محمد بهجت الأثري تسميته: "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، لما فيه من تفاصيل لم يرد في الكتاب السابق، فوجدت في أقتراحه رأيا صائبا. ينطبق كل الانطباق على ما جاء فيه، فسميته بما سماه به، مقسما إليه الشكر الجزيل على هذا التوجيه الجميل".) أنتهى الأقتباس.

وأن الغرض من تأليفه له فيقول: (.. والكتاب بحث، أردت جهد طاقتي إن يكون تفصيليا، وقد يعاب علي ذلك، وعذري في هذا التفصيل أنني أريد تمهيد الجادة لمن يأتي بعدي فيرغب في التأليف في هذا الموضوع، وأنني أكتب للمتتبعين والمختصين، ومن حق هؤلاء المطالبة بالمزيد. وقد فعلت هذا في الكتاب ما فعلته في الأجزاء الثمانية من الكتاب السابق من تقصي كل ما يرد عن موضوع من الموضوعات في الكتابات وفي الموارد الاخرى، وتسجيله وتدوينه، ليقدم للقاريء أشمل بحث وأجمع مادة في موضوع يطلبه، لأن غايتي من الكتاب أن يكون "موسوعة" في الجاهلية والجاهلين، لا أدع شيئا عنها أو عنهم إلا ذكرته في محله، ليكون تحت متناول يد القاريء. فكتابي هذا وذاك هما للمتخصصين وللباحثين الذين يطمعون في الوقوف على الجاهلية بصورة تفصيلية، ولم يكتب للذين يريدون الإلمام بأشياء مجملة عن تلك الحياة... وأنها ستتناول كل نواحي الحياة عند الجاهليين: من سياسية، واجتماعيةن ودينية، وعلمية، وأدبية، وفنية، وتشريعية.) أنتهى الأقتباس.

 إذن الغرض في هذا الكتاب أنه أثبت فيه لنفسه والآخر المتخصص على جهة التذكرة متن مسائل المعارف ودلائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على هزل الخلاف فيها ـ وما يجري مجرى الأصول والقواعد في الكتابات التاريخية، ومنه من هاجروا بها إلى الاماكن المعروفة التي استقروا فيها بين هذه الشعوب والقبائل، وما لبس عليهم من ضيم هذه الشعوب إليها؛ لما عسى أن يرد على المجهد من المسائل المسكوت عنها في  متصل الشرع والمعرفة التاريخية، لأثبات إنها ذات أصل تؤول إليه، و وأعطى للعرب تاريخا نبت في القديم جوره ولم يراجع سبب القيود المفروضة على فهمه. جمعت الأعتبارات في تحبيرها وتحريرها إلى غير فك في الحضارة العربية الأسلامية من تفاصيل؛ على انفاق في التوجيه والاجتهاد، ما يغنيهم عن سماع التبخيس والأشفاق والاتهامات المزرية ناشروها، بنعتها "بالجاهليين" و"السراق" و"اللصوص والقتلة...الخ فليس لهم غير"عقد مركبة بالنقص"، كما لا أحد يستطيع نقد الماضي دون تصور بيئتها السائدة من توافق العموم، ليثبتوا من هم في تصورها له. وليس طمع بجديد فما جمع وتطور لشعوبها من تمكنهم بالظفر بها، وثابروا في غرس الحضارة العربية الاسلامية، متيسرة على استطاعتها لتقصي منح الشعوب الأخرى أينع المعارف ثقافة وعلم وفن، وما جمعت مكتسبة بها من العلماءن  بواطن تسجله وتدونه في العالم الاسلامي، فكانوا أصحاب حضارة وسعة ثقافة.

 وهذه المسائل في الأكثر هي مسائل المنطوق بها في بواطن الشرع ومتن المعارف التاريخية. أو تتعلق بالمنطوق به تعلقا قريبا ترى أنهم "غير عتات" أو من الأسرة العربية المعروفة بلفظة العرب الجاهليين، إلا إذا تداهمت الادلة بدهماء مغرضيها، في نفي الإثبات والتلاحق بنصوص المستشرق عن تركته. وأن الادلة المتوفرة ـ وهي المسائل التي وقع الأتفاق عليها، أو اشتهر الخلاف فيها الفقهاء الإسلاميين من لدن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إلى أن فشا التلقيد ونبشوا في تربة غير صالحة، فما هو معروف من تاريخ اليمن وبقية الجزيرة والبادية لا تحتاج إلى ترقيع زمانها ولا تغريب شرحتها من وحدة الثقافة والجنسية وعمق التراث في أصدق اصلاحاته في روابطه وتاريخية ما تنزل بها من معارف.

 الذي ابدع مؤرخنا فيه، وجود تمهيد محتوى الموسوعة، فكانت دليلا على وجوده وعلمه ووحدته وأقدامه ووبقاءه، فالمؤلف مؤرخ موسوعي. وأهميته، تنبهه على موضوع التخصص بتاريخ العرب القديم، في دراسة علم آثاره والكشف عن تاريخ هذه الأمة العربية القديم، ولهجاتها قبل الإسلام والمعارف الجاهلية، لاجل تقويم الطلبة والباحثين من عدم الأغفال، والانجرار وراء الإملاءات، في النظر إلى التماثيل كاوثان واصنام فقط، وأغلاق التنقيب عن العادات، بل إحياء المعارف وتناقضات خلافاتهم في البعث والتأملات القيمة، وهذا ما بحثه ووجده المؤرخ والبعثات المتخصصة من الباحثين في اليمن وجنوب اراضي الجزيرة العربية، التي كشفت المسخ المعربد في مؤلفات المستشرقيين في أشاعة اللغط والخرافة في أتساع التخريف عن شعوب المنطقة وتاريخها ونعتها بـ(الجاهليين).

 أغنت للمؤرخ مؤلفاته عدد مجلداتها الضخمة، وأظهرت بإجادة دقة التمرس للباحث في صنعته وتحير المؤلفون الاجانب من تاريخ الجاهلية، في نبوغة بحثه العلمي وحيادته، عن ترجمته إدراك حقيقته لصراع تاريخ أفكار العقلاء في تاريخ الجاهلية عما أزعموه باطلا، فهو الظاهر للمعرفة والباطن في اثرها.

 اتم عن منهجه نظام وجود لزوم الرصانة٬ وجبته الحياديته عند الباحث، سافر عالما مطلعا ببعثة موضوعات (الأثار واللهجات القديمة لمواطنها القديمة)، اختارها عن صفوة الصراع في تناقضات الاختلاف في دلالة المفاهيم، حيث الاماكن، فبلغ الرسالة بتنزيل المعرفة التاريخية كما وجد، فبلغ رشد أشدها جلدا، ما إشاد العلماء العراقيين والعرب غير العرب، زهوا وترفعا بما جاد به، وربط شكيمته محلها (محمد بهجت الاثري) متناولا تقصيه، كما شجعوه وأيدوه زملاءه من الداخل والخارج، بالمعلومات والمعرفة الناطقة بصدقية اسانيده وبعفة دوافعه، فتمت بعثة بحثه العلمي متمرسا منهم، بما يجب ان يكون عليه منهج العالم، فكان من زملاءه واساتذته أمناء، وأقاموا الحجج، فكانوا فطناء عصمهم أخلاصهم مما يشين فوجب تباعهم. هذه الامور بسطها يحتمل مجلدات، لكن نشير إلى المهم منها لاحقا.

أما بعد فنتقدم بمقالنا هذا إلى العقلاء أجمعين، راجين، من كل شخص يريد أن ينتفع، يلقي الضوء في ألفة تبادل الاراء، في حسن تقويم عوجه وتعديل أغلاط، مبديا أراءه وإرشاده وملاحظاته، لتعم الفائدة، إن وجب تصحيحه، وتلك بغية المبتغى قلائد الأفذاذ في البحث والاستيعاب، ويعم النفع به من قدم رأيا من درسه أو أعان على درسه، والعلم يم عميق قراره.

 

إشبيليا الجبوري

 

ضياء نافعاتوقف في هذه الحلقة عند كليّة التاريخ في جامعة موسكو. لا توجد في العراق كليّة خاصة بالتاريخ، بل قسم في كليّات الاداب اوكليّات التربية ليس الا، ولهذا كانت كليّة التاريخ في جامعة موسكو بالنسبة لنا ظاهرة غريبة، وكثيرا ما كنّا نتحاور فيما بيننا حول الاشياء المحيطة بنا وامكانيّة الاستفادة من هذه التجربة العلمية الجديدة امامنا، وضرورة عكسها على واقع العراق بعد عودتنا، ومن جملة تلك الاشياء هو الدعوة لتأسيس كليّات في العراق على غرار كليّة التاريخ وكليّة الجغرافيا وكليّة الجيولوجيا وكليّة الكيمياء..الخ الكليّات العلمية المتكاملة و الرصينة في جامعة موسكو، اذ ان القسم العلمي الواحد – مهما يكن واسعا وكبيرا -  لا يستطيع ان يتناول بالدرس والتحليل كل الجوانب المتشعبة العديدة لذلك الاختصاص العلمي الكبير، الا ان العين (كانت ولازالت مع الاسف!) بصيرة واليد قصيرة، خصوصا وان فلسفة التعليم في العراق ومسيرته التاريخية مبنيّة على اسس بعيدة جدا عن المفاهيم الروسية للتعليم... 

الحديث عن كليّة التاريخ يعني التوقف عند جبار عطيوي وخليل العبيدي وسعيد نفطجي ونوري السامرائي وهاشم التكريتي (ترتيب الاسماء طبعا حسب حروف الهجاء). كان هناك طالبان فقط في الدراسات الاولية هما خليل العبيدي وسعيد نفطجي. خليل كان اكبر منّا عمرا، وكنّا نعرف انه كان معلّما في العراق، وانه جاء لاكمال تعليمه . وكان خليل دائما محطّ احترامنا وتقديرنا نتيجة عمره وسلوكه واخلاقه الراقية . كان منعزلا . وعلمنا بعدئذ انه تزوج وقرر البقاء في روسيا، ولازال حتى اليوم (وانا اكتب هذه السطور في نهاية العام 2019) يسكن في موسكو، وربما يمكن القول انه اكبر العراقيين سنّا بين كل العراقيين المقيمين الان في روسيا، و الذين اكتسبوا الجنسية الروسية طبعا بمرور السنين. لقد أخبرني صديقي عبد الله حبه مرة (وهو من المقيمين ايضا)، انه يزوره بين فترة واخرى، وان خليل العبيدي لا يخرج الان من بيته لانه (بلغ من العمر عتيّا). لا اعرف كيف أمضى خليل كل هذه السنوات الطوال في روسيا بعد تخرّجه، الا انني لم أجد يوما أثرا ثقافيا له، كبحث علمي او ترجمة عن الروسية او مشاركة في نشاطات فكرية ...الخ .

الطالب الآخر في الدراسات الاولية كان سعيد نفطجي، الذي كان محبوبا من قبلنا لطرافته وثقافته الموسوعية، رغم طريقة حياته الغريبة جدا مقارنة بطريقة حياتنا. كان يتقن الانكليزية والتركية، وتعلّم الروسية بشكل ممتاز، وكانت هوايته القراءة، وكنّا نعرف انه (يلتهم الكتب !) نهارا، ولكن (عندما يأتي المساء ونجوم الليل تظهر) يتفرّغ سعيد عندها - ويوميّا – للكأس . وكان يقول لنا دائما، انه هنا لكي يتابع الثقافة نهارا والكأس ليلا، وهكذا استمر على هذا الحال الى ان تم فصله من كلية التاريخ، فعاد الى العراق، واصبح طالبا في قسم اللغة الروسية بكليّة اللغات في جامعة بغداد، وقد تم قبوله هناك باعتباره يتقن الروسية، واصبح طالبا لدى زملائه العراقيين في جامعة موسكو، الذين انهوا دراستهم في تلك الجامعة وتم تعينهم هناك، وهم كل من د. محمد يونس ود. ناشئة الكوتاني . تخرّج سعيد نفطجي بعد اربع سنوات من الدراسة في جامعة بغداد، وكان من الطبيعي ان يكون الخريج الاول في قسم اللغة الروسية هناك، فارسلته الدولة الى الاتحاد السوفيتي لاكمال دراسته العليا، فعاد الى جامعة موسكو مرة اخرى، واراد ان يكتب اطروحة عن ناظم حكمت، وكان يمكن له ان يحقق هذا العمل العلمي بلا شك، ولكن (عادت حليمه الى عادتها القديمه)، وهكذا تم فصله من الجامعة مرة اخرى و لنفس السبب . عاد سعيد الى العراق وتم تعينه مترجما عن الروسية في وزارة الاعلام، ثم وصل الى سنّ التقاعد، وكان مستمرا على فلسفته وطريقة حياته . لا اعرف الان أخباره، ولكني سمعت من البعض انه توفي، ولم استطع تدقيق هذا الخبر المؤسف . لقد كان سعيد نفطجي مثقفا متميّزا بكل معنى الكلمة، وكان متابعا دقيقا لمسيرة الادب والفكر عموما، وكان الحديث معه حول الثقافة واحداثها عميقا و ممتعا دائما، اضافة الى انه كان كريم الطبع والنفس، وكان يحافظ دائما على كرامته ومكانته المعنوية . لقد قال لي المرحوم ا.د. كامل الشيبي (استاذ الفلسفة في جامعة بغداد، وهو نسيب سعيد) مرة عنه، ان سعيد نفطجي فيلسوف عراقي مجهول، وقد أيّدته في ذلك ...

كليّة التاريخ في جامعة موسكو تستحق حلقة اخرى للحديث عن طلبة الدراسات العليا من العراقيين فيها، اي عن جبار ونوري وهاشم...

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر هذه الأيام علينا ذكري وفاة الأستاذ الدكتور حبيب الشاروني (أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب – جامعة الإسكندرية بجمهورية مصر العربية)، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا المفكر الكبير، الذي تمثلت فيه إنسانية الفطرة الأصيلة، وعظمة الأستاذ الأكاديمي الهادئ المتزن، وطموح الدارس المهموم بشئون الحياة من وجهة نظر فلسفية، فقد كان شغوفاً بالفلسفة منذ صباه وهو لا يزال بعد طالباً بالتعليم الثانوي، ينكب علي مؤلفات عبد الرحمن بدوي قارئاً نهماً، علاوة علي أنه كان أستاذاً بكل ما تحمله كلمة الأستاذية من معان نبيلة وقيم سامية، وكان رحمه الله مخلصاً للفكر بغير حدود ولم يكتب في حياته مقاله واحدة يسعي بمقتضاها إلي الشهرة. لقد عرف خطورة الكلمة المطبوعة وأنها تعد أمانة في أعناقنا، وأننا إذا لم نلتزم بذلك فقد انتشر الفساد والإفساد.

فلا أنسي تلك الكلمات الرائعة التي قالها في حقه أستاذي الدكتور عاطف العرافي (في مقاله الشهير حبيب الشاروني كما عرفته) قال :"كان يوماً حزيناً في حياة المشتغلين بالفكر الفلسفي وبقية أرجاء العالم العربي حين اهتزت أسلاك البرق معلنة وفاة رائد من رواد الفلسفة في عالمنا الذي نعيش فيه، وأستاذاً أخلص للعلم والمعرفة إخلاصاً بغير حدود ؛ بحيث كانت أفكاره هي حياته، وحياته هي أفكاره؛ إنه الزميل والصديق والإنسان حبيب الشاروني، والذي عرفته عن قرب طوال فترة زادت علي ربع قرن من الزمان .

كما لا تزال ترن في أذني تلك الكلمة البليغة التي قالها في حقه الأستاذ والمفكر الكبير محمود أمين العالم عندما قال :"... ما أقسي الجرح علي الجرح .. جرحان يتواليان علي قلوبنا كأنهما علي موعد. والحق أن كل من العزيزين الفقيدين حبيب الشاروني ومحمود رجب كان دائماً في حياتهما المتبتلة، وإبداعهما، واهتماماتهم الفكرية، وأخلاقهما النادرة كان علي موعد ولقاء دائم فيما بينهما دو اتفاق شأن فراقهما عنا أخيراً، ولكنهما لم يكونا معنا علي موعد بهذا الفرق القاسي نحن زملائهما من أعضاء لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة.

كما لا أنسي تلك الكلمات الرائعة التي قالتها في حقه الدكتور" صفاء عبد السلام جعفر" : : عرفته أنساناً نبيلاً حينما أصبح النبل كلمة نادرة في قاموس الحياة ...وعرفته إنساناً متفانياً في كل نصيحة أسداها مخلصا لي ...وعرفته صلباً يتحمل الألم في صمت، فإذا ما اشتدت المعاناة انسحب في هدوء وإباء لا يعرف الشكوى... عرفت من خلاله أن الإنسان موقف وقد شاء القدر أن تجمعني به عدة مواقف كان فيها دوما الإنسان العظيم الذي لا يحيد عن مبادئه مهما كلفه الأمر ... في بداية عهدي به أستاذاً في القسم كان متوحداً، متفرداً، يشعرك دوماً بأنه قيمة في ذاته، فإذا ما دنوت منه تسأله تفسيراً أو شرحاً لأمر ما أدهشك من فيض نبله وكرم خلقه ... ثم عرفته أستاذاً عظيماً في مناقشتي لرسالة الدكتوراه فلم يضن علي بتشجيع أو إسداء نصح.

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون وهي أن الدكتور حبيب الشارونى هو واحداً من كبار الرواد في دراسة الفلسفة الفنومنولوجية، وقد استطاع من خلال بحوثه ومؤلفاته أن ينقل البحث في الفنومنولوجيا من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة؛ وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

لقد كانت حياة حبيب الشاروني رمزا لكثير من القيم الخلقية، كما أن علمه الشمولي والتحليلي في مجال الفلسفة الحديثة والمعاصرة، فضلا عن إلمامه الدقيق باللغات الفرنسية والإنجليزية واللاتينية من أهم أسباب التي جعلتني أكتب عنه ـ أما مؤلفاته فقد تميزت وتميزها بدءا من "برجسون"و"سارتر"، مرورا بفكرة الجسم في الفلسفة الوجودية، و"الوجود والجدل في فلسفة سارتر "، وفلسفة" فرنسيس بيكون"، و"مين دي بيران "و"العين والعقل لميرلوبونتي"، وانتهاءً بفلسفة "جان بول سارتر"، فضلا عن ترجمة محاورة بارمنيدس لأفلاطون إنها تمثل (كما قالت د. راوية عباس في مقالها عنه ) كوكبة تثري المكتبة الفلسفية بموضوعات جادة ومتخصصة في كل زمان ومكان. ولو أضفنا إلي سلسلة كتبه الأخرى القيمة مجموعة أبحاثه العلمية بدءا من "الله إلي الإنسان"، و"العلاقة بين الأنا والآخر في فلسفة سارتر"، فضلاً عن الاغتراب في الذات، وانتهاءً بأصول المنهج الفلسفي عند أفلوطين لتبين لنا رحابة الإنتاج العلمي ودورانه في فلك الفكر الفلسفي اليوناني والحديث والمعاصر .

وكان الدكتور حبيب الشاروني قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة: تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

واسمح لي عزيزي القارئ أن أتحدث عن "حبيب الشاروني... فيلسوف الجسد" ؛ حيث يعد مفهوم الجسد مفهوماً مستعصيا علي الفهم، نظراً لتراكم الدلالات حوله، بالإضافة إلي تقاطعه مع مفاهيم أخري، مثل البدن والجسم، وتقابله مع مفاهيم مثل الروح والنفس داخل التصور الميتافيزيقي، والجسد يمثل موضوعا من موضوعات الوجود والمعرفة المطمورة والمهمشة ؛ حيث وجدنا أفلاطون لم يهتم بالجسد بقدر ما كان اهتمامه موجها للنفس ؛ حيث يري أن الجسد منجذب إلي الملذات، بينما النفس تصبو إلي العلم والحكمة، وبالتالي أضحي الجسد في معناه الأفلاطوني حاويا وسجنا للنفس.

وعندما جاء أرسطو أقام تقسيمه للموجودات علي أساس أن بعضهما موجود بالطبع، والبعض الآخر غير ذلك . وفي حدود هذا التقسيم يعد الجسم الإنساني موجوداً طبيعياً تدرسه الفلسفة بغية الكشف عن ماهيته ومبادئه، ولكن البحث في الجسم الإنساني قد تأثر في بعض العصور بالرؤي الدينية والأخلاقية التي أدت إلي الإقلال من شأن الجسم ؛ في حين أنه لدي الاتجاهات الأخرى المادية أعُتبر الجسم هو الأصل الذي تُرد إليه مظاهر الحياة النفسية كلها (وذلك كما أكد صديقي الدكتور رمضان الصباغ رحمة الله عليه في مقاله عن فكرة الجسد عند حبيب الشاروني).

وقد عمل مذهب الوحدة علي حل إشكالية ثنائية النفس والجسد بإرجاع الأشياء جميعاً إلي أصل واحد ومبدأ واحد، إلا أن أهم فلاسفة العصر القديم ونخص بالذكر أفلاطون وأرسطو يمكن اعتبارهما من أتباع المذهب الثنائي، وقد كان تأثيرهما كبيراً حتي علي مفكري وفلاسفة العصر الحديث ؛ حيث ظلت المشكلة تخضع لفكرة الماهية أو الجوهر، وهي الفكرة التي وُرثت عن أفلاطون بصفة خاصة ، حيث وضع أفلاطون الجسد في مرتبة أقل من النفس كما ذكرنا من قبل، فلم يكن للجسم وجود حقيقي لدي أفلاطون، ونفس الثنائية نجدها عند أرسطو وإن كان لا يعتبر طرفيها منفصلين تمام الانفصال كما هو الحال عند افلاطون وهي ثنائية الهيولي والصورة (وذلك حسب ما ذكره الدكتور رمضان الصباغ) .

ويعد ديكارت أول فيلسوف ثنائي اهتم بمشكلة الجسم، وإن بقيت عنده مشكلة طبيعية، كما كانت في الفلسفة القديمة، وثيقة الصلة بالعلم الطبيعي . إلا أن أهم ما تمضي إليه فلسفة ديكارت، وكل الاتجاهات المثالية، هو إغفالها الوجود الجسماني ؛ فمثالية ديكارت لا تقف فحسب عند وضع الجسم والانفعال في مرتبة أدني مع النفس والتفكير؛ بل تذهب إلي حد التفكير في استبعاد الجسم. أما مع مين دي بيران فقد كان اكتشاف اتحاد النفس يعود إلي اكتشاف الواقعة الأصلية الأولية، وهي واقعة الجهد العضلي، وقد أتاح له هذا الاكتشاف أن يقيم فلسفة الجهد والإرادة، وهو بذلك يعود غلي الفكرة اليونانية القديمة التي ترجع إلي " الأورفية" وهي فكرة التمييز بين الجسم والنفس، وهو بذلك يكرس الثنائية رغم محاولته أن يستمد الاتحاد من الشعور بالأنا في تجربته الباطنية (وذلك حسب ما ذكره الدكتور رمضان الصباغ) .

وقد ظلت المشكلة قائمة لدي فلاسفة القرن التاسع عشر، ومع ظهور مذهب التوازن النفسي الفسيولوجي الذي يقابل بين الحالة النفسية والحالة الجسمانية نجد أن الأمر قد توقف عند هذه النتيجة دون أن يقدم التفسير لهذا التقابل،وقد حاول هذا المذهب ارجاع الظواهر النفسية إلي تغيرات جسمانية تقابلها في التنفس / في الدورة الدموية، أو الإفرازات، أو الحركات العضلية، كما حاول تحديد الأعضاء أو المراكز العصبية التي تقابل كل وظيفة نفسية ليصل في النهاية إلي المراكز الدماغية التي تسيطر علي وظائف النطق والحديث. وهذه النظرية (نظرية التوازي) لم تكن مبدأ تفسير بل كانت بمثابة أسلوب منهجي، أي كفرض يوجه البحث، ويساعد في الوصول إلي النتائج، هذا كان ما جاء في الفصل الأول من كتاب فكرة الجسد في الفلسفة المعاصرة، والكتاب يمثل الجزء الأول من مشروع يتبناه الدكتور الشاروني وبدأ في تنفيذه في خروج هذا الجزء عام 1974، بينما خرج الجزء الثاني سنة 1977 بخروج كتاب الوجود والجدل في فلسفة سارتر، ثم خروج الجزء الثالث عام 1981 بخروج كتاب " فلسفة جان بول سارتر " .

وفي مقدمة كتاب فكرة الجسد في الفلسفة الوجودية يبين الدكتور حبيب الشاروني أنه كغيره من دارسي الفلسفة صاحب تجربة، وتجربته تعود إلي سنوات إقباله علي تعليم الفلسفة، وأحس أنه حائر بين وجهتين، هما التصورية التي تبدأ بالفكر أو النفس وتقف عنده وقد استعدت الجسم واعتبرته مجرد تصورات وتقف عنده وقد استبعدت الجسم واعتبرته مجرد تصورات، والوجهة المادية التي اضافت القيمة الذاتية للمادة لا الفكر، واستبعدت النفس حين اعتبرتها مجرد فكرة طارئة علي تغيرات الجسم، ولم تكن تلك الحيرة فلسفية بحتة، وإنما كانت حيرة تلتمس السبيل إلي السيطرة علي الجسد من أجل السيادة عليه.. "، وهو موقف وجودي وسارتري (كما ذكر الدكتور مصطفي العبادي في مقاله حبيب الشاروني .. الصديق والإنسان) فوق كل شئ وثيق الصلة بقيمة الحرية ومفهوم الإنسانية في فلسفة سارتر،من حيث أن الوجود المادي للفرد فعل طبيعي، وأن علي الفرد بإرادته الحرة إعادة إنشائه ليصبح إنساناً وجودياً حقاً، فالحرية عند سارتر كما كشفها حبيب الشاروني في كتابه الوجود والجدل في فلسفة سارتر وسيلة وغاية في الوقت عينه.

وهنا كشف لنا حبيب الشاروني علي أنه ليس فحسب دارسا مرموقا في للفكر الوجودي وما يقوم عليه من أسس فينومنولوجية راسخة، وإنما مؤمناً به أيضاً إيماناً لا يختف عن إيمانه بالفلسفة الأولي باعتبارها رؤية جذرية للوجود وتأكيدا لايكل لمعني الإنسانية فيما تقوم عليه من مبادئ الحرية والإرادة وقيم المشاركة والتضامن، التي هي أفق العلاقات عبر الذاتية، بل والقبلية التي يقيم عليها هوسرل مفهومه للذاتية الترنسندنتالية (وذلك حسب ما ذكرة د. محمد علي الكردي في ذكري حبيب الشاروني).

إن درس سارتر يتيح للشاروني تأكيد الوعي الإنساني بما هو " وجود لذاته" أمام العالم بما هو " وجود – في – ذاته" ؛ وهو وعي لا يتأكد إلا علي أساس من الحرية، التي هي قدر الإنسان قبل أن تكون مجرد اختيار له، ومن الإرادة المبدعة، الأمر الذي يسمح له بتحويل العالم من كينونة صماء لا هدف لها إلي عالم قابل للفهم وتحقيق المعني والتعايش والحوار الحقيقي بين الأنا والآخر ولكن بعد تجاوز موضوعية الأجساد وإمكانية تصادمها بواسطة بناء وتوثيق العلاقات " البين ذاتية " . وليس من شك في أن هذه الرؤية الوجودية الأولية هي التي تتيح لنا تجاوز الثنائية المتعارضة التي شطرت الفكر البشري إلي رؤيتين متنافرتين لا سبيل إلي التقائهما : الرؤية المادية من جهة، والرؤية المثالية من جهة أخري . فالمادية ترد الإنسان إلي مكوناته الفيزيقية البحتة ونجعل من الفكر مجرد إنعكاس آلي لوظائفه الفزيولوجية والعصبية ؛ والمثالية تفصل بين روحه وجسده وتجعله مجرد صورة وهمية لنفسه أو مجرد ظل لأنوار لا يستطيع بلوغها إلا بعد موته وفنائه (وذلك حسب ما ذكرة د. محمد علي الكردي).

لقد استطاعت الوجودية عبر فكر " سارتر " و" ميرلو-بونتي " أن ترد الاعتبار إلي الجسم بعد أن فصلت بينه وبين الشعور بالفلسفات الثنائية السابقة فالجسم ليس بآلة، كما ذهب الطبيب "دي لامتري " وليس بسجل للنفس، يقول حبيب الشاروني :" نحن نلقي هذا الآخر حين نعود إلي تجربة الجسم من حيث هو حركة نحو العالم، وباعتباره القوة الفاعلة التي أحصل خلالها علي هذا العالم، فإذا عانيت هذه التجربة وتبنيت التلازم بين وعي وجسمي والعالم، تبينت بالمثل أن جسم الآخر حاصل علي وعي أو أن الآخر له جسم خاص يماثل جسمي ويحمل مثله الوجود . إن الجسم، مثل بقية الموجودات التي تنبثق علي أفق الوجود البشري، مشبع بالدلالات والمعاني ؛ كما أنه نتاج لثقافة متفردة، وإن كان تفردها لا يكتسب معناه إلا عبر لغة تقوم علي التماثل والاختلاف مع الثقافات الأخرى المعاصرة أو السابقة عليها تاريخيا . والتاريخ بدوره، إذا نظرنا إليه هو أيضا من المنظور الفنومنولوجي ؛ أي منظور الحياة والتجربة المعيشة لا يشكل مجرد قالب زمني تفرضه علاقات القوي السائدة، فهو في جوهره، مجموعة الفرس التي يتجلي من خلالها الوعي البشري، ولا يكتسب معناه إلا انطلاقا من الحاضر في انفتاحه علي بعده الماضي من جهة، وفي انفتاحه من جهة أخري علي عالم الاحتمالات الممكنة التي يتشكل منها المستقبل (وذلك حسب ما ذكرة د. محمد علي الكردي).

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور حبيب الشاروني الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور حبيب الشاروني الإنسان والأستاذ وإن كان جسده قد فارقنا، فإن فكره سيظل باقيا ن ما بقيت الحياة علي وجه الأرض . ولا يسعني إلا أن أقول مع أستاذنا الدكتور عاطف العراقي أن أخاطب روحه في السماء قائلا: اذكريني، وذلك بعد أن انتشر الفساد الفكري والظلام الثقافي، ازدادت فيه طرق وأساليب جيوش البلاء والظلام، بحيث أصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان، وإن كان أكثرهم لا يعلمون .

نعم أقول لروحه اذكريني حين يتم لقاء الأرواح بالأرواح في عالم الخلود، وبعيداً عن العالم الزائل الذي نعيش فيه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد عليمن أسمي الأفعال التي تمثل المعني الحقيقي لتقدير الغواصين في بحور الفلسفة هي تلك الكلمات الجميلة والرائعة التي قالها العالم المصري الدكتور" علي مصطفي مشرفة" في حقهم وهي أن "العقلية العلمية عقلية التجربة المنظمة.. عقلية من يتلمس معرفة الأشياء عن طريق الأشياء ذاتها، وهي أيضا عقلية من لا يغالي في التعميم أو يسرف في التوكيد، بل ينظر الى الأمور نظرة تبصر وحذر، نظرة من يعرف حدود دائرة علمه، فلا يشط عنها وهو يعمل على اتساع هذه الدائرة في جد وتواضع."

وهذا الكلام في اعتقادي ينطبق علي هذا المفكر الجليل الذي أكتب عنه هذه الكلمات؛ ألا وهو عن الأستاذ الدكتور محمد علي أبو ريان (1920-1996م) (أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الاسكندرية بجمهورية مصر العربية)، وذلك في زمن عز فيه الوفاء والولاء وغلبت أخلاق السوق كل شئ وتراجعت فيه القيم النبيلة المحكمة، حيث لا أنسي عندما اتصلت بي هاتفيا الأستاذة الدكتورة سناء عبد الحميد (أستاذ علم الجمال بجامعة جنوب الوادي)، تسألني علي استحياء أن أشارك بمقال في الكتاب التذكاري الذي سيصدر قريبا عن الدكتور أبو ريان، وقبلت علي الفور بل لا  أبالغ إن قلت بأنه لمن دواعي سروري أن أنال شرف الكتابة في هذه المناسبة عن هذا الرجل العظيم، الذي يعد من أبرز أساتذة الفلسفة في مصر والعالم العربي في القرن العشرين، حيث كان لمؤلفاته وللمدرسة العلمية الواسعة الأثر الكبير في نشر الفكر الفلسفي وتوسيع دائرة المتخصصين فيه، فضلاً عن عمله الجامعي علي مدار ما يقرب من نصف قرن وما شغله من مناصب خلال هذه الفترة، وما قدمه من مؤلفات، وأبحاث، ومشاركة في مؤتمرات وندوات، وتخريج لصفوة الباحثين المنتشرين في أرجاء الوطن العربي، علاوة علي كونه صاحب واحدة من أهم المحاولات العربية للتأريخ الشامل للفلسفة من منظر عربي إسلامي. كما كان في ذات الوقت صاحب رؤية منهجية جديدة في مجال تخصصه الدقيق في مجال الفلسفة الإسلامية.

ولد محمد علي أبو ريان في السادس من شهر مايو عام 1920م، وتلقي تعليمه الأولي ككل أبناء جيله حيث حصل علي شهادة الكفاءة وشهادة الثانوية العامة، والتحق بعد ذلك بكلية الآداب جامعة الاسكندرية حيث تخصص في الدراسات الفلسفية والاجتماعية وحصل علي درجة الليسانس بتقدير عام جيد جدا عام 1944م . التحق بعد ذلك بالدراسات العليا ليحصل علي ماجستير الفلسفة من نفس الكلية والجامعة عام 1950م بمرتبة الشرف الأولي وكان موضوعها " ميتافيزيقيا الإشراف عند شهاب الدين السهروردي" ويحصل في ذات الوقت علي دبلوم للدراسات العليا في التربية في التربية وعلم النفس عام 1946م، وكذلك علي دبلوم معهد الخدمة الاجتماعية لدرجة الماجستير من جامعة الاسكندرية عام 1950م. وقد عين عقب هذا وذاك مدرسا مساعدا بقسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية في نفس العام 1950م.

وقد سافر بعد ذلك إلي فرنسا حيث قضي عدة سنوات حصل خلالها علي درجة الدكتوراه، دكتوراه الدولة من السربون (جامعة باريس) مع مرتبة الشرف الممتازة عام 1956م، وكان عنوانها " انتقال المثل الأفلاطونية إلي المدرسة الإشراقية" . عاد بعد ذلك إلي مصر ليتدرج في السلك الأكاديمي فرقي إلي درجة أستاذ في الفلسفة وتاريخها عام 1969م، وعين رئيسا لقسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية عام 1972م ومرة أخري بين عامي 1979-1981م، كما عين مديرا لمركز لتراث القومي الذي أسسه عام 1984م وظل رئيسا له إلي وفاته في الحادي عشر من شهر يوليو 1996م.

أما عن مؤلفات الدكتور أبو ريان، فقد ترك الكثير من المقالات المهمة التي أثرت المكتبة العربية . وتتميز معظم هذه المؤلفات بالشمولية أو الموسوعية حيث تظهر هذه النزعة في معظم مؤلفاته في مجال الفكر الفلسفي بعامة، والفكر الإسلامي بخاصة . وليس أدل علي ذلك من موسوعته الفلسفية والتي تشتمل علي التأريخ لتاريخ الفلسفة ابتداء من إرهاصاتها الأولي عند اليونان، وحتي العصر الحديث والمعاصر وذلك بعرض هذا التراث الفلسفي الطويل في جملة من مؤلفات من:

1- تاريخ الفكر الفلسفي عند اليونان – الجزء الأول: من طاليس إلي أفلاطون.

2- تاريخ الفكر الفلسفي عند اليونان – الجزء الثاني: أرسطو والمدارس المتأخرة

3- تاريخ الفكر الفلسفي عند الإسلام – الجزء الأول: من المقدمات العامة.

4- الفرق الإسلامية وعلم الكلام.

5- تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام – الجزء الثاني: الحركة الصوفية في الإسلام .

6- تاريخ الفكر الفلسفي – الجزء السادس: الفلسفة الحديثة.

علاوة علي بقية كتبه الأخري ؛ فقد كتب في المدخل إلي الفلسفة كتاب " الفلسفة ومباحثها"، وفي علم الجمال " فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة "، وكتاب " النظم الاشتراكية مع دراسة مقارنة للاشتراكية العربية" كمت ترجم " المدخل إلي الميتافيزيقا " للفيلسوف الفرنسي الشهير " هنري برجسون". كما كتب بالاشتراك مع زميله وصديقه علي سامي النشار كتاب " قراءات في الفلسفة " ضمنه نشر العديد من نصوص فلاسفة الإسلام، وكتب بالاشتراك مع علي سامي النشار وعبده الراجحي " هيرقليطس فيلسوف التغير وأثره في الفكر الفلسفي "، كما كتب بالاشتراك مع بعض تلاميذه كتاب " أسس المنطق الصوري ومشكلاته"، وقد طبعت هذه لمؤلفات أيضا أكثر من مرة في دور نشر مختلفة. كما كتب عن " الإسلام في مواجهة تيارات الفكر الغربي المعاصر" وركز فيه علي المواجهة بين الإسلام والماركسية، كما كتب " المدخل الإسلامي للأيديولوجيا العربية وكتاب عن " الإسلام السياسي في الميزان" و" المنهج الإسلامي في العلوم الإنسانية"، كما كتب في هذا الميدان أيضا دراسته الرائدة عن " أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب الدين السهروردي" ... وهلم جرا

وتختص رؤية محمد أبو ريان الفلسفية ـ التي قـدمها منذ كتابه الأول " تاريخ الفكر الفلسفي عند اليونان حتى كتابه " المدخل الإسلامي للأيديولوجيا العربية "- عن معظم الكتابات الفلسفية العربية بسمات أساسية ثلاث: الأولى: عدم خضوعه للمشكلات الفلسفية التي يفرضها تاريخ الفلسفة الغربية على الفكر العربي، والثانية:عدم تبنيه لإطروحات المذاهب الفلسفية الرائجة في الغرب والتي يتبناها غيره مـن المفكرين العـرب كالوضعية والوجودية والماركسية والبنيوية؛ حيث تؤكد أعماله المختلفة أن الابداع الفلسفي هو ممارسة الفلسفة وليس التقيد بتاريخ الفلسفة ومشكلات أو الخضوع للإيديولوجيات السائدة. فأعماله جميعا رغم الموضوعات المتنوعة والمتباينة التي تدور حولها تحركها إرادة قوية نحو "الوضوح النظـري" ويجمعها توجه واحد نحو الابداع الذاتي والاستقلال الفلسفي عبر تحليل نقدي مفهومي لطبيعة ومجال وحدود الفلسفة والايديولوجية والسلطة، والحرية والعديد من المفاهيم الغامضة في فكرنا المعاصر. وهو يمكننا عن طريق تحليلاته الفلسفية المختلفة أن نقول إننا بصدد نقلـة مهمة في فكرنا العربي المعاصر وفلسفتنا الراهنة، تعد بداية تـراكم فلسفي، يمكن أن يؤدي إلى مدارس فلسفية وليس بناءات "مشاريع" ذاتية ليست سوى امتداد لفلسفات غربية.

علاوة علي أن المشروع الفكر للدكتور أبو ريان متعدد الجوانب، حيث قدم رؤية للفن والحياة وقدم تطبيقات مختلفة لهذه الرؤية في تلك المؤلفات المتنوعة، تتبع النظريات الفلسفية من زمن طاليس وسقراط وأفلاطون وأرسطو إلي ديكارت وكانت وهيجل وسارتر، وغيرهم وصولا إلي الفلاسفة المعاصرين شارحا وموضحا لآرائهم وأفكارهم.

والدكتور أبو ريان أحد أبرز النقاد والأكاديميين الذين اجتهدوا في سحب الفلسفة إلي مناطق موغلة في الأهمية، وتعد القراءة الفلسفية للجمال والفنون من أهم الموضوعات التي تناولتها كتابات الدكتور أبو ريان، فضلا عن قراءاته النقدية المستندة علي خلفية الدراسات الاستاطيقية ؛ وفي كتابه " فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة " يبين أن الجمال يقوم علي التماثل والانسجام، ويبين ذلك من خلال بيان أن فكرة التماثل أو التناسق أو الانسجام فكرة قديمة تعود إلي أيام فيثاغوس وأفلاطون وأرسطو لكنها فكرة نسبية أيضاً.

ويتضح حرص أبو ريان على تمييز الفلسفة وتأكيد دورها في حياتنا مقابل كل ضروب الممارسـات الإنسانية الأخرى الإيديولوجيـة، الدينية، العلمية والسياسية وذلك بالتأكيد علـى ضـرورة التحليل النقدي للمفاهيم وفي مقدمتها مفهوم:  الأنا والآخر ومفهوم التجديد والتحديث والتغريب  وذلك علي النحو التالي وذلك حسل ما ذكره ما ذكره الدكتور خالد أحمد في مقاله " أبو ريان مفكر عربي معصر":

1-  مفهوم الأنا والآخر: يقصد أبو ريان بالأنا الأمة العربية الإسلامية، وبالآخر الغرب الأوربي ؛ حيث يري أن الغرب وهو الآخر قد اعترف بنهضة الحضارة الإسلامية فيما بين القرنين السابع والحادي عشر الميلاديين وكيف أن تلك النهضة الإسلامية كانت بمثابة القاعدة الراسخة التي بني عليها الغرب حضارته الحديثة بعدة طرق، فيقول: وقد اعترف الغرب بهذا التفوق الإسلامي الكبير، بل إن كتابهم كانوا هم رواد حركة الاستشراق المحدثة التي كشفت عن جوهر الحضارة الإسلامية ونفاستها في عصر الإنارة الإسلامي الأول، وعن الأسس الإسلامية الحضارية التي بني عليها الغرب حضارته الحديثة سواء كان ذلك عن طريق بغداد أو مشق أو صقلية أو الأندلس، أو الحروب الصلبية بصفة عامة حيث كانت مجالا لاحتكاك مرير بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي تكشفت معه للغرب نواحي القوة والعظمة الإسلامية في هذه الحروب التي استمرت وهاء مائتي عام كان لها أثرها في زيادة تأثير الحضارة الإسلامية في حضارة الغرب الهابطة آنذاك، وكيف أن الغرب المسيحي قد تعلم الكثير من الدروس عن أخلاقية الإسلام وفروسية جيوشه وشجاعة معتنقيه في مواجهتهم للغزوات الصلبية وتحدياتها اللاأخلاقية الغاشمة التي لا تزال نذرها تتبدي في ألأفق، ولا تكاد تغيب عن أعين المسلم اليقظ الفطن الحافظ لدين الله والمحافظ علي تقاليد هذا الدين الحنيف وعقائده.

2- التجديد: يعرف أبو ريان التجديد تعريفا أولياً قائلا: إنه محاولة المواءمة بين القديم والحديث علي ان تكون نقطة الإنطلاق هي الأصول القديمة وان يراعي عند الاجتهاد في تطبيق الحكم علي الوقائع الجديدة التي لا تتعارض مع ما سبق للمسلمين أن أجازوه من أحكام شرعية في ظروف شبه مماثلة. وفي مقابل هذا التجديد المقبول شرعا يذكر الدكتور أبو ريان أن هناك دعوات للتجديد المرفوض الذي يأباه الشرع. ومن أمثلتها ما استنته القاديانية من أبطال فريضة الجهاد في الإسلام.. وهكذا تتضح معالم التجديد الصحيح من التجديد الزائف، ولعل الكثير من الأمور تنتظر الإدلاء بآراء جديدة بعد استحداث العلم لمنجزات كثيرة كالسيارة والطائرة والتلفزيون والمركبات الكيميائية وغيرها، وكذلك بعد وصول الإنسان للقمر ودخولنا عصر الذرة والفضاء، هكذا قال أبو ريان.

3- التحديث: يعرف الدكتور أبو ريان التحديث بأنه اعتبار الحديث الغربي أمرا نموذجيا ثم الانطلاق منه إلي القديم لمحاولة تحديثه، فإذا كان التغيير شاملا، كان في انتظار افتئات علي الأصل القديم، ومن ثم يتعين بقدر المستطاع التزام أصول الشريعة إنما يعد مظنة للخطأ وخضوعا للهوي واستباحة للنظر العقلي غير الملتزم بالقواعد الشرعية، ومن صور التحديث التي يرفضها الدكتور أبو ريان، إطلاق إباحة الإفطار في رمضان بغرض زيادة الإنتاج وتقدم البلاد كما أفتي بذلك في تونس، وأيضا التدخل في قانون الأحوال الشخصية بالصورة التي أخرج عليها في عهد السادات حيث إن زواج الرجل من امرأة ثانية يبيح لزوجته الأولي الطلاق – إذا أرادات ... إلي آخره.

4- التغريب: يصف الدكتور أبو ريان حركة التغريب بأنها أخطر الحركات التي راح بريقها في أعين الشباب وتستحوذ علي نفوسهم وأحاسيسهم . ويعرف التغريب بأنه محاولة لإلغاء القديم أصلا وإهالة التراب عليه من دون أن يكون له ذكر أو كيان يشكل يوما جزءً من ماض مجيد، أما البديل فهو الحضارة الغربية بكل مقوماتها ؛ ذلك أن التكنولوجيا المصاحبة لهذه الحضارة قد أغرت الناس يوما بنجاحها في السيطرة علي الأحداث وعلي شعوب هذا العالم كافة، بينما لم يقدم الشرق أو الإسلام المعاصر بصفة خاصة أي صورة بديلة للنجاح في العلم أو في الصناعة أو في الحرب، بل علي العكس من ذلك، إذ يري الشباب أمامهم مصارع المسلمين في أنحاء العالم في العصر الحديث، فبعد استعمار طويل لم ينج منه بلد إسلامي واحد سوس موطن الخلافة في تركيا، نواجه بصور من القتل والدمار والتشريد والتخريب في الفلبين، وفي الهند ... إلي آخره . هذا فضلا عن أن مناهج التربية والتعليم التي تخرج عل أساسها أبناؤنا قد وضعها دهاقنة التربية في الغرب . فمثلا نجد أن التعليم الحديث في مصر قد وضع أسسه الغربية مستر دنلوب وأعوانه، وهؤلاء كانوا لا يريدون أن تكون مصر مركزا مزدهرا للعلم والثقافة، لا كانت الغاية من التربية والتعليم هي القضاء علي شخصية المتعلم حتي يخضع للمستعمرين وتكون طوائف من الموظفين الذين يجيدون العمل تحت إمرة الحكام الإنجليز ومن يقربونهم من العملاء. وقد كانت هذه المناهج الفاسدة هي مقدمات الغزو الفكر التالية بعد الموجة الأولي الفرنسية التي كانت مصر ميدانا لها بعد غزو نابليون لأراضيها. ويرفض الدكتور أبو ريان هذه الصور من التغريب التي تحاول طمس الهوية العربية الإسلامية.

وأخيرا إذا أردت عزيزي القارئ أن تتعرف علي بعض جوانب وقدرة ومهارة الدكتور أبو ريان في النقد والتحليل، وإذا أردت أن تتعرف علي براعة هذا الغواص الماهر وطريقته الفريدة في الغوص والبحث وراء معاني التصورات والمفاهيم في بحر الفلسفة العميق المترامي الأطراف، فعليك بقراءة كتبه علها تفتح شهيتك لقراءة المزيد من كتاباته وتستحثك للخوض بنفسك في بحار الحكمة ومحيطات المعرفة .

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور أبو ريان، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور أبو ريان، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

حسين سرمك حسنمرّت قبل أيام الذكرى الثانية والثلاثون لأغتيال الفنان الفلسطيني المناضل “ناجي العلي” (1937ـ1987) ولم تحظ بالتغطية اللازمة عربياً كجزء من حالة الانهيار الفكري والمعنوي لأمّة تأكل أبناءها.

في هذه المناسبة الحزينة راجعتُ جانباً كبيراً من تراث المبدع الراحل وعددا كثيراً من المقالات التي كُتبت عنه. وقد لفتت انتباهي قدرته الاستشرافية الفذة على توقّع نُذر الخراب المقبل الذي سيطيح بالأمة خصوصا في ما يتعلق بثوابتها المركزية. بعض تلك الاستشرافات "النبوءات" تعود إلى مرحلة مبكرة من السبعينات. وعلى سبيل المثال: لم يكن أحد يتوقع على الإطلاق أنّ القضية التي تمزّقت الحناجر وتقطّعت القلوب وسُفكت دماء الشباب العربي الطاهرة من أجلها وهي قضية فلسطين والتي كانت توضع في مرتبة عليا مقدّسة في عقول وأرواح العرب تصبح هدفاً للتمزيق والتآمر بل والاستخفاف من كل جانب. ولا أن تصبح الخيانة وجهة نظر. ولم يكن يمر في بال أحد أن الحكام العرب يتفاخرون على شاشات التلفاز بزيارة الكيان الصهيوني الغاصب بل واستقبال الوفود الصهيونية في بعض العواصم العربية في الوقت الذي يذبح فيه الصهاينة شعب فلسطين بلا رحمة.

ضمير المبدع هو شاهد أمّـته الذي يضطرب ويشعر بنذر الخراب مثلما تستشعر آلات كشف الزلازل تمزقات الأرض المقبلة قبل أن تشعر بها الحشود التي تسوقها العاطفة. وقد توقّع ناجي العلي هذه النُذر وأحسّ بها بقوة انعكست في "العنف التعبيري" الذي وسم رسومه الكاريكاتيرية التي تابعها المواطنون العرب في كل مكان داخل الوطن وخارجه. بل أحسّ بقيمتها وشدّة تأثيرها أعداء الأمة وخونتها فأطلقوا عليه رصاصة الاغتيال القذرة يوم 22 تموز 1987 في لندن ليفقد الوعي ويُنقل إلى المشفى يصارع الموت ثم تنتقل روحه الطاهرة إلى عليين يوم 29 آب 1987.

أحسّ ناجي العلي بنُذر الخراب السود هذه بقوة فجسّدها في رسومه باللون الأسود بقوة وعنف أيضا ؛ عنف ساخر مرير يمزّق الأرواح ويبكي العيون:

- قبل ثلاثين عاما صوّر وقاحة فرش سياسات التطبيع مع العدو بحماسة وأمام الأنظار ؛

- صوّر الحكام العرب حيارى يهجمون على مَنْ: سوريا أو "اسرائيل" في حالة وقوع هجوم على سوريا!!

- صوّر مسخرة التحوّل لتحرير أفغانستان قبل فلسطين !!

- توقّع الانخذال المخزي للحكام العرب إلى حدّ تهيئة مؤخراتهم "للخوزقة" الصهيونية المقبلة!!

- توقّع – مُنكراً – أن تتحوّل الخيانة إلى وجهة نظر!!

- توقّع أن تستمرىء القيادات الفلسطينية الجلوس في أحضان الأنظمة والمراهنة على أمريكا حدّ تضييع القضية كما حصل فعلياً !!

- توقّع تحوّل نار الطائفية التي تحت الرماد إلى سعير وحرائق تعصف بوجود الأمة فتحولها إلى دويلات !!

- استشرف اليوم الذي يصل فيه الطغيان حدّ أن مجرد الكلام عن أمريكا والكيان الصهيوني سيكون من المحرمات!!

- وغير ذلك الكثير.

ولكن مقابل ذلك عاش ناجي العلي ومات وهو يراهن على إرادة الأمة وشهادة أناسها البسطاء (ممثلين بشخصياته الشهيرة مثل حنظلة وفاطمة وغيرهما) على هذا الخراب والتردي ومقاومته بالصبر والتحمّل الأسطوريين والتمسك المستميت بالتراب الوطني المقدّس والزهد الأخلاقي والترفّع على الفساد فصوّر إصرار المواطن العربي المُحطّم والعاري على الإيمان بثوابته ووحدة مجتمعه نابذاً التمزيق الطائفي ومُصرّاً على النزاهة والشرف ومواجهة القوى الامبريالية برغم تجبّرها فصوّر مُحذّراً من ثورة الجياع المقبلة.

ومن المهم الإشارة إلى نشر بعض المواقع والصحف تصريحا لخالد العلي نجل الشهيد ناجي العلي بأن والده قد تنبأ وصوّر "ثورة السكاكين" قبل ثلاثين عاماً (راجع شبكة فلسطين للحوار ووكالة معا في الاسكندرية وموقع فلسطين) (وراجع الرسوم أدناه).

أترك رسوم ناجي العلي تتحدث عن استشرافه لنُذر الخراب التي صارت حقيقة دامغة وجارحة وأتمنى على المواقع المؤمنة بدورها الثقافي ومهمتها التنويرية الذي يتطلب التعب والكد أن تنشرها ولا تقتطعها فتضعف غايات المقالة وتصوير دور المبدع الراحل:

1228 ناجي العلي 1

(نهجم على مَنْ: سوريا أو اسرائيل!!) 

1228 ناجي العلي 2

(قريباً في الأسواق: ثورة الجياع) 

1228 ناجي العلي 3

(تسقط جارة كندا_ راح يجي وقت اللي يهاجم اسرائيل بكلمة .. بيخطفوه!) (احتجت "اسرائيل" قبل شهر على عرض قناة الجزيرة فيلما يشكك بالمحرقة اليهودية فقامت القناة بطرد الصحفيين اللذين أعدا البرنامج)

1228 ناجي العلي4

1228 ناجي العلي5

(الجهاد في أفغانستان أولى من الجهاد في فلسطين) 

1228 ناجي العلي6

(دي .. ويلات.. شيعية سنية فاطمية علوية درزية مارونية.. إلخ) 

1228 ناجي العلي7

(انحطاط حال المرأة العربية) 

1228 ناجي العلي 8

1228 ناجي العلي9

(التطبيع الوقح)

1228 ناجي العلي 10

(رجم القيادات الفلسطينية التي ضيّعت فلسطين)

 

1228 ناجي العلي 11

(أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر)

وها هي تتحوّل إلى قوادة ودعارة:

1228 ناجي العلي 12

(عندما تصبح الخيانة وجهة نظر "ثقافية" تتحوّل إلى قوادة ودعارة) 

1228 ناجي العلي 13

(التنبؤ بثورة السكاكين - 1) 

1228 ناجي العلي 14

(التنبؤ بثورة السكاكين -2) 

1228 ناجي العلي 15

(التنبؤ بثورة السكاكين -3)

الإصرار والصبر والصمود والإيمان بالثوابت: 

1228 ناجي العلي 16

(الإيمان بوحدة الأمة: لا مسلم ولا مسيحي ولا سنّي ولا سيعي: أنا عربي يا جحش) 

1228 ناجي العلي 17

(لا تفريط بفلسطين الحبيبة.. شهادة من طفل فلسطيني: لا لقصة الشاطر حسن كي أنام بل قصة الغبي الذي يريد التفريط بفلسطين كي أصحى)

1228 ناجي العلي 18

(في وقت الاتصالات السرية مع أمريكا- ناجي العلي: يا أمريكا: سنقاوم)

الختام: هذه الصورة النادرة:

المبدع العراقي الكبير أحمد مطر (في الأمام) يحمل نعش رفيق دربه الشهيد ناجي العلي) 

1228 ناجي العلي 19

 

الدكتور حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة – 2019

 

زبيدة بشير اول شاعرة وروائية ومنشطة إذاعية تونسية ولدت سنة 1938 وتوفيت في 21 أوت 2011، متحصلة على العديد من الجوائز الوطنية والدولية.

هذه الشاعرة الفذة هي رائدة الشعر النسائي في تونس وصوتها الشعري ظل متميزا على مر الزمن

في الحقيقة هي امراة حديدية ذات ارادة قوية ضربت بجميع الحواجز الذكورية وتخطت العادات والتقاليد وحدود الاعراف المتفق عليها في ذاك الزمن المظلم، زمن المجتمع المكبل بالعادات والتقاليد البالية وكبت صوت المرأة واعتبارها كسقط المتاع او سلعة كالحيوانات تباع وتشترى في زمن الجهل والامية المستفحلة، لم تزاول تعليمها في مدرسة أو كلية بل كانت عصامية التكوين وقد حرص والدها عند صغر سنها على تعليمها القرآن الكريم. تلقت توجيهات شعرية من الشاعر مصطفى خريف. تقول في قصيدة في بدايات ميولاتها الشعرية وعمرها لم يتجاوز 13 سنة اذا هي ابنة بيئتها:

عيروني نكرات الجهل        الحمق بحزني وشجوني

فاتركوني لا أنا منكم           ولا فيكم خليق حنيني

لي ديني غير أديان            الورى في ثورتي أوفي سكوني

دينكم حقد وبغض              وأنا الإخلاص ديني

وليس هذا وحسب بل هي أول امرأة تونسية تتمكن من نشر ديوان شعري سنة 1968 تحت عنوان "حنين" .

ولدت الشاعرة زبيدة بشير في ساقية سيدي يوسف يوم 8 فيفري 1938 واسمها الكامل زبيدة بنت البشير بن محمد السوفي: وهو أصيل الجزائر وينحدر أساسا من وادي سوف المدينة التي لا تبعد عن توزر إلا 100 كلم ومن وادي سوف بالجنوب الشرقي الجزائري انتقل إلى مدينة سوق أهراس بالجزائر ومنها تحول إلى ساقية سيدي يوسف تلك المدينة التونسية الحدودية التي اشترك فيها كفاح التونسيين والجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي. وهناك استقر البشير بن محمد السوفي وتزوج من التونسية عائشة بنت عمار الشابي التي أنجبت له البنين والبنات وكانت زبيدة هي ابنتهما البكر.

ولما كان هذا الرجل مثقفا وحافظا للقرآن وللشعر الجاهلي وللمدائح والأذكار والفنون الشعبية فقد حرص على تعليم ابنته القراءة والكتابة فعلى يديه حفظت القرآن الكريم والكثير من الشعر ذلك أن المجتمع الغارق خلال الثلاثينات والأربعينات في الجهل والتخلف لم يكن يسمح بتعليم البنت في المدرسة. لذلك يمكن اعتبار الشاعرة زبيدة بشير عصامية ولكنها طوّرت معارفها من خلال الاستماع خاصة إلى البرامج الإذاعية لمختلف المحطات حيث لعبت الإذاعة آنذاك دورا مهما في نشر الوعي والثقافة في صفوف المستمعين.

وقد شاءت الصدف والظروف أن تلتحق زبيدة بشير بالإذاعة الوطنية لتعمل فيها مذيعة ومنشطة برامج مدة عشرين عاما من 1960 إلى 1980 وهناك من يعتبرها قد عملت في الإذاعة من 1959 إلى 1981 أي طيلة 22 عاما حيث كانت لها الكثير من البرامج الأدبية على غرار «مرادفات» و»لقاء الأحبة» بالإضافة إلى برنامج أسبوعي بإذاعة (صوت أمريكا) الذي كان تسجيله يتم في المركز الثقافي الأمريكي. كما شاركت زبيدة بشير في البرنامج الشهير «هواة الأدب» مع الشاعرين عبد المجيد بن جدو ومصطفى خريف وهذا الأخير رعاها منذ دخولها إلى الإذاعة وكتب مقدمة ديوانها الأول (حنين) ويبدو أنها قبل أن تعرف كشاعرة كتبت زبيدة بشير القصة ذلك أنها فازت سنة 1958 بالجائزة الأولى في مسابقة أدبية نظمتها إذاعة باريس عن قصة لها بعنوان (النغم الحزين) وقد تحولت إلى هناك لتسلم جائزتها حيث أقيم لها حفل بالمناسبة أما في العام الموالي 1959 فقد كانت الجائزة أيضا من نصيبها في مجال الشعر من خلال قصيدة لها بعنوان "الحب الضائع".

ويُقال أنها كتبت إضافة إلى الشعر والقصة، العديد من المسرحيات التي تولت فرقة الإذاعة للتمثيل تقديمها كما كانت زبيدة بشير تحضر المؤتمرات الأدبية وخاصة تلك التي كانت تقام ببغداد في العراق وقد اُدرجت مجلة الإذاعة صورا لها مع عبد الرحمان الشرقاوي ويوسف السباعي ومع الشاعر المصري الكبير أحمد رامي.

وفي رحاب الإذاعة الوطنية أمكن لزبيدة بشير أن تتعرف من قريب عن عديد الأسماء الشعرية والأدبية في تونس مثل نور الدين صمود وجعفر ماجد وعبد العزيز قاسم ومنور صمادح ونور الدين بن محمود بالإضافة إلى مصطفى الفارسي وأحمد اللغماني وفرج شوشان وغيرهم ولئن تميزت زبيدة بشير بقريحة لا تنضب فقد جاء في حوار أجري معها سنة 2010 ما يلي: «لم يساعدني على طباعة ونشر ديواني الأول «حنين» سوى «هنري سمادجة» مؤسس جريدة «لابريس» الذي كان معجبا بأشعاري» ويبدو أنها لم تجد المساندة من الشعراء الرجال الذين عاصرتهم حتى أنها انسحبت فجأة وظلت معتكفة في بيت بالمنزه السادس، كان أحد أصدقائها يتولى دفع إيجاره وهو حمادي الجلازي ولم تظهر زبيدة بشير إلا سنة 2001 أي بعد عشرين عاما من العزلة والاعتكاف وكان «الكريديف» قد تولى سنة 1995 بعث جائزة أدبية تحمل اسم هذه الشاعرة وهي جائزة مازالت إلى الآن لم يقع حجبها مثل جائزة أبي القاسم الشابي التي كان يسندها احد البنوك في تونس.

هذا الظهور أنهى لغز اختفائها وكان حافزا لظهور قصائدها من جديد وصورها على صفحات الجرائد وقد تولى الكريديف طباعة ديوانها الثاني (آلاء) سنة 2002 ثم صدر ديوانها الثالث (طائر الفينيق) سنة 2011 لتصدر دار محمد علي للنشر دواوينها الثلاثة مجمعة في كتاب واحد بعنوان "الأعمال الكاملة".

عن هذه الشاعرة التونسية الرائدة والمبدعة كتبت الدكتورة عائشة عبد الرحمان (بنت الشاطئ) في جريدة الأهرام ما يلي: «لولا نبرة الحزن والأسى التي تطغى على معظم قصائدها لقلت أن زبيدة بشير هي أميرة الشعر العربي» وقال عنها أحمد العموري هي «شاعرة العاطفة والابتهال ورفعة الخصال» ويبدو أن علاقة صداقة متينة أصبحت تربطها بهذا الأخير بعد ظهورها المفاجئ في 2001 فمع أحمد العموري حضرت زبيدة بشير يومي 28 و29 ماي 2011 ملتقى أدبيا في الكاف. حيث تم تكريمها وتدشين مكتبة عمومية تحمل اسمها وكأنها كانت زيارة الوداع للجهة التي انطلقت منها.

زبيدة بشير التي قال آخرون عنها: «هي شاعرة الزمن الصعب» و»هي شاعرة المسافات البعيدة» فلقد كان في شعرها إفصاح دقيق عن كوامن النفس وعن صدق الأحاسيس والمشاعر فمجموعاتها الثلاث تزخر بجمال المعاني وحلاوة المباني وكل قصيدة من قصائدها هي صفحة من حياتها التي انتهت يوم الأحد 21 أوت 2011 حيث غيّبها الموت عن سن تناهز 73 عاما. وذلك بعد وعكة صحية مفاجئة حيث تم نقلها إلى المستشفى العسكري بتونس أين سلّمت الروح لخالقها وقد أوصت رئاسة الحكومة الانتقالية آنذاك بضرورة رعايتها وفي مقبرة سيدي يحي بتونس تمت مواراة جثمانها التراب وقد نعتها كل من وزارة المرأة ووزارة الثقافة وعمل الكريديف على إصدار مجموعتها الثالثة بعد رحيلها كما أصدر عنها كتابا توثيقيا مهما بعنوان "زبيدة بشير قمرية الخضراء".

وهكذا كانت زبيدة بشير السوفي صاحبة تجربة متميزة في الشعر وفي الحياة طيلة 73 عاما شابتها الكثير من الصعوبات والعراقيل.

إصداراتها:

- حنين (شعر) الدار التونسية للنشر 1968.

-  آلاء (شعر)، نشر الكريديف تونس 2002.

- طائر الفينيق (شعر)، نشر الكريديف تونس 2012.

- الأعمال الكاملة، دار محمد علي الحامي صفاقس/ تونس 2014.

 

بحث بقلم الاديبة فوزية بن حورية

 

 

محمود محمد عليمن معين نهر النيل العذب وعلي ضفاف البحر الأبيض المتوسط بمدينة الإسكندرية نغرف وجهاً عربياً – مصريا – اسكندرانيا مضيئاً في سماء عالمنا العربي المعاصر، الذي خبت نجومه، وقلت شموسه، وتقلصت رموزه، ولكن الخير كل الخير في البقية الباقية من الرواد العظام الذين لا ينساهم التاريخ أبداً، ومن هؤلاء الرواد نحاول في هذا المقال أن نتطلع إلي نموذج من العباقرة نهتدي عبر طريقه، وشخصية استطاعت أن تستجمع جوانب العلم والثقافة فاتخذته منهاجاً، ثم باحثاً في الفلسفة اليونانية وفلسفة العصور الوسطي لا يشق له غبار.

عرفت الأستاذ الدكتور حربي عباس عطيتو محمود (أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب – جامعة الاسكندرية بجمهورية مصر العربية)، منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، حيث كانت بدايات علاقتي به عندما كنت طالباً بقسم الفلسفة بكلية الآداب فرع سوهاج – جامعة أسيوط، وكان الأستاذ الفاضل يحاضرنا في مادتي ” الفلسفة اليونانية من طاليس إلي أفلاطون، والفلسفة اليونانية – أرسطو والمدارس المتأخرة .

وخلال المحاضرات الأولي له، أدركت بوعي أنني أمام محاضر جيد ومن طراز فريد، حيث كان يشعرني خلال محاضراته في الفلسفة اليونانية بالمتعة، وأقصد بالمتعة هنا متعة الأفكار، وهي تغزو عقلي في زحف هادئ، لكنه معزز بالدليل والبرهان، فيرغمني علي تقبلها باقتناع، علاوة علي تميزه بمتعة الروح التي كانت تتسرب إلي كياني من رقة الأسلوب وعذوبة الكلمات وسلاسة العبارات . كل ذلك يعكس مدي قدرة الدكتور حربي علي توظيف قدراته اللغوية وثقافته الوسيعة لخدمة أغراضه العلمية التي تجسدها محاضراته في الفلسفة اليونانية .

ويتمتع الدكتور حربي عباس بذكاء خارق ومقدرة ظاهرة وكامنة أتاحت له في بعض الأحيان العمل على مدى أربع وعشرين ساعة متواصلة من دون كلل.. وكان حيوياً ونشيطاً في عمله.. وهو إنسان ذو قدرات عالية .. لا ينام أكثر من خمس ساعات في الليل .. عنيد، لا يحده سقف في التطلع والرقي بعمله.. وفي الوقت نفسه فهو موصوف أيضاً بأنه «جنتلمان» ومنطقي لا يستثار.. ومثابر من الطراز الأول .. يملك أفكاراً وعلى الدوام كأنه في تحد لأي شيء يحده .. وهو حسن المعشر .. سريع النكتة كأغلب المصريين.

ولم أكن وحدي هو الذي وقع في أسر هذه الشخصية المتميزة، وإنما يشاركني فيه معظم الزملاء الذي يواظبون علي الحضور، ولم يكن أحد يتغيب عن محاضراته إلا لظرف قاهر يصدم الحرص الشديد علي مشاهدة الأستاذ والتواجد في حضرته، والاعتراف من غزير علمه، واكتساب بعض فضائله الخلقية، ومنهجيته في التفكير والدرس والحوار والمناقشة، وطريقته المتفردة في طرح القضايا والمشكلات في الفلسفة اليونانية ومعالجتها، وغير ذلك كثير من عطاء الأستاذ الذي ظل يتنامي في عقولنا فهماً واستيعاباً، ويتعاظم في نفوسنا حباً وتقديراً وإكباراً .

وعندما شاءت عناية الله أن أقوم بدراسة الماجستير والدكتور في الفلسفة بعد ذلك، كنت أتابع عن كثب الدكتور حربي من خلال جهوده العلمية والبحثية ؛ حيث أدركت أيضا أنه يمثل واحداً من الطليعة الواعية التي أسست الدرس الفلسفي اليوناني والوسيط في العربية منذ ثمانينات القرن الماضي، وذلك عندما اختط لنفسه منذ البداية خطة واضحة محددة المعالم لدراسة الفلسفة اليونانية وفلسفة العصور الوسطي، فالتزم بعمق وجدية بما حدده لنفسه من البداية، فلم ينشغل بغيرها من الدراسات . لقد هيأ الدكتور حربي عباس نفسه لهذه المهمة بالإعداد المتأني الجاد، وذلك بالسعي لامتلاك أدوات البحث العلمي التي يفتقر إليها كثير ممن ساروا في التخصص نفسه، فأتقن اليونانية واللاتينية بجانب الإنجليزية؛ بالإضافة لطول باعه في العربية، وراجع كل المصادر الكلاسيكية الأساسية من يونانية ولاتينية في لغاتها المختلفة، واختار جانباً محدداً واضحاً مال إليه وانشغل به، وكان سبيله لقراءة الفلسفة اليونانية هو الجانب الديني والعلمي والفني.

وقد كان الدكتور حربي عباس على وعي بمهمته ورسالته ودوره في بداية نشاطه الفلسفي، الذي بدأ منذ تخرجه في قسم الفلسفة بجامعة الاسكندرية عام 1975،وهو تقديم "تاريخ واسع شامل للفكر الفلسفي اليوناني واللاتيني". وقد رأى أن ذلك لا يمكن أن يتم إلا من خلال وسائل ثلاث متاحة أمام الباحث الجاد وهي: الترجمة الأمينة للكتب الأساسية في اللغات المختلفة التي تتناول الفلسفة اليونانية، وتحقيق المصادر الأصلية في فروع الفلسفة؛ بالإضافة لتقديم الدارسات مبتكرة تحيي الجوانب الهامة في هذه الفلسفة وهي عنده الجوانب الفلسفية والدينية والعلمية والفنية التي اهتم بها كثيرا وتابعها طوال حياته، وفي مقدمتها رسالتاه : سواء الماجستير والتي عنوانها "نظرية الفيض عند أفلوطين" عام 1982م، أو الدكتوراه والتي عنوانها " الفلسفة والدين والعلم والفن في مدرسة الإسكندرية من القرن الأول وحتى القرن الخامس الميلادي "دراسة تحليلية نقدية مقارنة" عام 1985م.

وأما عن تدرجه في المناصب الاكاديمية الجامعية، فقد عُين معيداً بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة الاسكندرية عام 1975م ثم مدرساً مساعداً عام 1982، ثم مدرساً عام 1985، ثم أستاذاً مساعداً عام 1994، ثم أستاذا عام 2006م. وعن تدرجه الوظيفي فقد عُين مشرفاً ورئيساً لقسم الفلسفة من 1986 وحتي 1999م، ثم عُين رئيساً لقسم الفلسفة من عام 2007.

وخلال ذلك أصدر للمكتبة العربية عدة كتب من أهمها: ملامح الفكر الفلسفي عند اليونان، ودراسات فى الفلسفة القديمة والوسطى بالاشتراك مع أ.د محمد على أبو ريان، ملامح الفكر الفلسفي والديني فى مدرسة الإسكندرية القديمة واتجاهاتها العلمية والفنية، العلوم عند العرب – أصولها وملامحها الحضارية بالاشتراك مع أ.د حسان حلاق، ابيقور، وفلسفة الأتراكسي، اتجاهات التفكير الفلسفي عند صغار السقراطيين، والمدينة الفاضلة بين أفلاطون والفارابي" دراسة تحليلية مقارنة، محاضرات فى الفلسفة ومشكلاتها، السوفسطائيون ونزعة التنوير في الحضارة اليونانية، الغائية عند أرسطو وتطبيقها على الإنسان والكون،  دراسات في فلسفة العصور الوسطى بالاشتراك مع أ.د ماهر عبدالقادر محمد، المنطق ومناهج البحث العلمي بالاشتراك مع أ.د على عبد المعطى محمد،  خصائص الفكر الفلسفي في حضارات الشرق الأدنى القديم ( مصر – فارس – الهند – الصين)،  المدخل إلى الفلسفة ومشكلاتها،، محاضرات فى الفلسفة الحديثة والمعاصرة بالاشتراك مع أ.د محمود زيدان، مشكلة الخلاص بين الفكر الديني القديم والمسيحية (دراسة تحليلية نقدية)، الفيثاغورية المحدثة،  اتجاهات التفكير الفلسفي في العصر الهللينستى، دراسات فى الفلسفة العامة بالاشتراك مع أ.د راوية عبدالمنعم،  وأثر الأفلاطونية المحدثة فى اللاهوت المسيحي، الفلسفة، وقضايا ومشكلاتها، الأخلاق :قضاياها واتجاهاتها.

ويتميز الدكتور حربي عباس في كتاباته ومقالاته بالعمق، وسعة الاطلاع، والتعمق في البحث، وإضافة البعد النقدي الذاتي إلي البعد الموضوعي، والأسلوب الأكاديمي الرائع والذي نادراً ما نجده في بحوثنا الحالية؛ فكتاباته تمثل نضجاً فكرياً هائلاً، وبناءً هرمياً متماسكاً، ومن يحاول أن يحذف سطراً واحداً من بحث للدكتور حربي في موضوع من الموضوعات فوقته ضائع عبثا، لأن أسلوبه يعد أسلوباً أكاديمياً دقيقاً وعباراته بعيدة كل البعد عن الطابع الإنشائي البلاغي الفضفاض، لا يقول عبارة إلا علي قدر المعني .

واسمح لي عزيزي القاري أن أذكر لك جانباً من ابداعاته التي تميز بها في الفلسفة اليونانية والذي كانت معظم أبحاثه ودراساته متجسدة فيه، فقد الدكتور حربي عباس عاشقاً له .. غيوراً عليه .. متفرداً في طرحه للكثير من القضايا والمشكلات الكبرى، فهو ينظر للفلسفة اليونانية علي أنها تتسم في نظره بالأصالة والإبداع.

ففي كتابه الفلسفة القديمة : من الفكر الشرقي إلى الفلسفة اليونانية علي سيبل المثال لا الحصر؛ أكد علي أن الفلسفة اليونانية لم تنشأ يونانية خالصة، ولم يبدأ اليونانيون في اكتشاف ميادين العلم من فراغ كامل ؛ بل إن الأرض كانت ممهدة لهم في بلاد الشرق، وبالتالي يتضح لنا أن الاعتقاد بضرورة أصل واحد للمعرفة العلمية، وتصور واحد يرجع إليها الفضل في ظهورهما، ربما كان عادة أوربية سيئة ينبغي التخلص منها، فإصرارنا على تأكيد الدور الذي أسهمت به حضارات الشرق القديم، لا يعنى أبدأ أننا من الذين ينكرون على اليونانيين أصالتهم العلمية، ولا نشك لحظة في أنهم يمثلون مرحلة عملية ناضجة ومتميزة، ولكننا لا نوافق على إدعاء أن تلك الأصالة، وهذا التمايز قد أتيا من فراغ، فقد كانت عظمة الإغريق أنهم استطاعوا أن ينقلوا بشغف كل ما وقعت علية أعينهم وعقولهم من التراث السابق عليهم، وأن يهضموه هضما تلاءم مع بيئتهم الخاصة، وأن يحولوا هذه المؤثرات إلى شئ شبيه بترائهم .

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ الدكتور حربي عباس لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

كريم مرزة الاسدي1 – المقدمة: يتكرر قول بعض الجهلة والحاقدين والمغرضسن زاعمين جوراً وظلماً لخداع الجماهير والعقل الجمعي أن العراق دولة حديثة العهد، ولم تكن هنالك دولة للعراق قبل 1921م، وينسون أن العراق كان عراقين، عراق العرب، وعراق العجم، وعراق العرب كان يمتد من ديار بكر حتى البحرين ونعني الساحل الشمالي الشرقي للجزيرة العربية، ومعها الأحواز، وعراق العجم يشمل المنطقة الجبلية من جبال حمرين وجبال الكرد وفي الرسوم والضرائب يمتد نفوذ عراق العجم حتى الري (طهران) !!

هاكم هذا البحث المهم توعية للجاهلين، ولطمة على وجه الحاقدين !

كل الحقائق أمام الشعب، والتاريخ لن يرحم الخارج والداخل إن سارت الرياح بما لا تشتهي السفن، وما دعوتهم للأقلمة المتحضرة التي ينعم بها العراقيون بالسلم والأمان إلا خدعة للصراعات الدموية والاقتصادية والاجتماعية والطائفية، حذارِ حذار من الوقوع بالفخ، ألا هل بلغت اللهم أشهد !!!!

2 - تشويق بذكرى ليلي؛ وكلٌ يدّعي وصلًا بليلى!!

ألا يا حمامات العراق أعنني *** على شجني، وابكين مثل بكائيا

يقولون ليلى بالعراق مريضةٌ ****فياليتني كنت الطبيب المداويا

3 - المقالة للتثقيف!!

1 - جذور كلمة العراق من أوروك أو عروق وشيوعها في الآفاق:

يذهب المستشرقون، وهم على العموم يغرّبون، أنَّ كلمة العراق أصلها سومري من (أوروك)، والتي مدّت الآن للوركاء، ودوّن كلكامش في ملحمته أنه سورها، وأقام فيها معبداً للآلهة (عشتار)، وأوروك أو (أونوك) تعني المستوطن، وسيأتيك الشاعر العربي و(وطنه)، فترقبه، ويذهب العرب أن الكلمة عربية الأصول، حجازية المنطلق، إذ يطلق أهل الحجاز كلمة العراق على الشاطئ، أو سفوح الجبل، وقيل: سمي عراقا لأنه استكف أرض العرب، وزعم الأصمعي - كما يذكر ابن منظور في لسانه -: إن تسميتهم العراق اسم عجمي معرب، إنما هو إيران شهر، فأعربته العرب فقالت: عراق، وإيران شهر: موضع الملوك، قال أبو زبيد:

مانعي بابة العراق من النا *** س بجرد تغدو بمثل الأسود

ويروى: باحة العراق، ومعنى بابة العراق: ناحيته . والباحة: الساحة، ومنه أباح دارهم . الجوهري: العراق بلاد تذكر وتؤنث، وهو فارسي معرب، قال ابن بري: وقد جاء العراق اسما لفناء الدار، وعليه قول الشاعر:

وهل بلحاظ الدار والصحن معلم *** ومن آيها بين العراق تلوح

واللحاظ هاهنا: فناء الدار أيضا (1)، بينما الخوارزمي يردّها للغة الفارسية من المفردة (إيراك) أي الأرض السفلى،لأنها أرض سهلية تقع ما بعد السلاسل الجبلية الفارسية والكردية والآذرية، ويروي الحموي في (معجم بلدانه) في معرض حديثه عن العراق: " قيل: سميت بذلك لاستواء أرضها حين خلت من جبال تعلو وأودية تنخفض والعراق الاستواء في كلامهم كما قال الشاعر:

سقتم إلى الحق معاً وساقوا *** سياق من ليس له عراق ..." . (2)

ويرى بعضهم أن العراق أصله من عروق دجلة والفرات وروافدهما، فهي كالأعصاب في بلاد ما بين النهرين، واجتهد غيرهم ما العراق إلا من تشابك عروق أشجار النخيل في أرض سواده الطيبة، فهو جمع لعرق، وقيل من عراقة البلاد العريقة بالقدم، ومنها الأصل العريق، ويقول الممزق العبدي في عمرو بن هند أحد ملوك الحيرة، فهو شاعر جاهلي قديم، اسمه شاس بن نهار من نكرة، وما كان ممزقاً، لولا كلمة القافية من بيته الأول الآتي:

فإِنْ كُنْتُ مأَكُولاً فكُنْ خَيْرَ آكلٍ ******* وإلاَّ فأدْرِكْني ولمَّــــــا أُمَزَّقِ

فإنْ يُعْمِنُوا أَشَئِمْ خِلافاً عَلَيْهُمِ ** وإِنْ يُتْهِمُوا مُسْتَحْقِبى الحَرْب أُعْرِق ِ(3)

وأعْرق القوم، بمعنى أتوا العراق، ومن سخرية الأقدار أنَّ عراق الجاهلية الذي كان ملتمساً آمناً، طيباً، شافعاً، لمن يتهم بالفرارعندما تضيق المخارج إبان الحروب، أصبح اليوم أشبه بالبلد الغريق على يد أبنائه العماليق، وليسوا بـ (عماليق) ذاك الزمان ! (4) .

مهما يكن من أمر جذور الاسم، أنا أميل لعراقتها العربية على أرجح ظني، لأن القاف والعين حرفان عربيان أصليان،لايوجدان في اللغات القديمة، ولا باللغة الفارسية، والكاف والهمزة أسهل نطقاً وألين على اللسان منهما، وهما أيضاً من الحروف العربية الأصيلة، فما هو الموجب لتحويرهما، وتعقيد نطقهما، والناس أميل للتسهيل والتخفيف، ولو أنهما منحا العراق مهابة وشدّة وضخامة، وخففهما ألف اللين كثيراً، وزادهما جمالاً ورونقا، ولكن لماذا لم ينطق العرب الورقاع وعوروقَ، بدلا من الوركاء وأوروك !! والطيور على أشكالها تقع، والله الأعلم.

اسم العراق يشتهر:

بدأ العراق يكتسي اسمه الواسع منذ سيطرة الساسانيين، وبزوغ مملكة آل فهم (211 م) في الأنبار والحيرة حتى شاعت الكلمة في القرنين الخامس والسادس الميلاديين، ووردت في الشعر الجاهلي على لسان الشاعر الفارس جابر بن حُني التغلبي - المعاصر للممزق الآنف الذكر -، على أغلب الظن توفي التغلبي سنة ميلاد النبي (ص) (570 م)، وذلك في قوله:

وفي كل أسواق العراق أتاوةٍ***** وفي كل ماباع امرؤ مكس درهم ِ

تعاطى الملوك السلم ما قصدوا بنا ***** وليس علينا قتلهم بمحرمِ

ولمّا طلَّ الإسلام، وبزغ شعاعه، سئل النبي (ص)عن العراق بعد مباركته الشام والحجاز واليمن، قال: " إن إبراهيم هم أن يدعو على أهل العراق فأوحى الله تعالى إليه: لا تفعل إني جعلت خزائن علمي فيهم وأسكنت الرحمة قلوبهم. " (5)، وأخذت تتكرر كثيراً كلمة " يا أهل العراق: ..." في خطب الخطباء كالإمام علي (ع)، والحجاج بن يوسف الثقفي، وغيرهما، تجدها في العديد من المصنفات، وجمعها الأستاذ أحمد زكي صفوت في كتابه (جمهرة خطب العرب ...) بثلاثة أجزاء .(6)

ألا يا حمامات العراق أعنني:

واشتهر قيس بن الملوح والملقب بمجنون ليلى (24 هـ / 645 م - 68 هـ / 688)، وما هو بمجنون، وإنما شاعرغزل عربي، مرهف الحس من المتيمين، من أهل نجد بأبياته الشهيرة بذكر ليلاه وعراقها، الرجل عاش في فترة خلافة مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان في القرن الأول من الهجرة في بادية العرب، اقرأ، ولعلك رددتها من قبلُ:

ألا يا حمامات العراق أعنني *** على شجني، وابكين مثل بكائيا

يقولون ليلى بالعراق مريضةٌ ****فياليتني كنت الطبيب المداويا

وكُرر صدر البيت الأخير في صدر ٍ آخر، لا أعلم هل الشاعر كرر نفسه، أم حُشر من قبل غيره تألماً بمريضة العراق، وشدة الاشتياق:

يقولون ليلى بالعراق مريضة ٌ *** فمالك لاتضني وانت صديقُ

سقى الله مرضى بالعراق فأنني**على كلِّ مرضى بالعراق شفيقُ

فأن تك ليلى بالعراق مريضة **** فأني في بحر الحتوف غريقُ

أهِيم بأقْطارِ البلادِ وعَرْضِهَا *** * ومالي إلى ليلى الغداة طريـقُ

كفى بقيس وليلى والعراق شهوداً، وسنتتبع في النقطة الثانية 2 - الربط بين كلمتي العراق والوطن

كيما تـرى (أهل العراق) أنني *** أوطنت أرضا لم تكن من (وطني)

أول بلد في التاريخ العربي ينتزع لقب وطن هو العراق،إذ ْكانت كلمة الوطن تطلق على السكن أو المنزل الذي يأمن به الإنسان العربي من فتك الحيونات المفترسة الناهشة، والأعداء المتوحشة الكاسرة، ويلجأ إليه من أهوال عواصف الرياح العاتية، والأنواء الجوية القاسية، يألف فيه الفرد والخلان والعائلة، قال طرفة:

على موطن يخشى الفتى عنده الردى *** متى تعترك فيه الفرائص ترعد

وفي القرآن الكريم: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة..." - التوبة 25 - ومواطن: جمع موطن، والموطن أصله مكان التوطن، أي الإقامة . ويطلق على مقام الحرب وموقفها، أي نصركم في مواقع حروب كثيرة (7) .

ويقال: واطنت فلانا على هذا الأمر إذا جعلا في أنفسهما أن يفعلاه، وتوطين النفس على الشيء: كالتمهيد . ويقول ابن سيده: وطن نفسه على الشيء وله فتوطنت حملها عليه فتحملت وذلت له، وقيل: وطن نفسه على الشيء وله فتوطنت حملها عليه، قال كثير:

فقلت لها يا عز كل مصيبة *** إذا وطنت يوما لها النفس ذلت (8)

أول من وظـّف كلمة وطن وربطها مع السكان عربياً رؤبة بن العجاج التميمي من أعراب البصرة، توفي فيها (145 هـ / 762 م)، راجزاً مهوساً:

أوطنتُ وطـْناً لم يكنْ من وطني

لو لمْ تكـــــنْ عاملها لم أســكن ِ

بها ولم أرجن بها فـي الرجــن

كيما تـــــــرى (أهل العراق) أنني

أوطنت أرضا لم تكن من (وطني) (9)

الرجن الإقامة في المكان، لا يهمنا من رؤبة التميمي البصري سوى الربط بين (أهل العراق) و(وطني)، يا ترى من هم أهل العراق؟ ولماذا خصهم بالذات دون غيرهم؟! لولا الإحساس بالمواطنة والانتماء، وإن كان العراق عراقيَن، عراق العرب ويشمل جغرافياً سهل وادي الرافديَن، ويمتد انخفاضاً حتى بلاد المصريَن الكوفة والبصرة، ومعظمه العراق الحالي بعد أن قـُرضت منه أجزاء من قبل الترك والفرس !!، وهو أصل التسمية، وعراق العجم، إذ أطلق في العصر الأموي، لكي يتبع سلطة والي العراق، إدارياً وأقتصادياً وعسكرياً، ويقع شرق عراق العرب، أو ما يسمى قديماً بإقليم الجبال، إذ يمتد شرقاً إلى أصفهان والري وقزوين وكرمنشاه .. والفاصل بينهما سلسلة جبال زاجروس، بل يذهب الحموي إلى أبعد من ذلك إداريا في العصر الأموي المذكور، قائلاً: " وقال المدائني عمل العراق من هيت إلى الصين والسند والهند والري وخراسان وسجستان وطبرستان إلى الديلم والجبال..."(10)، ومن ثمّ بزغت دولة العباسيين، فأخذت كلمة (العراقيَن) تختص بالبصرة والكوفة دون عجمها وعربها، أو تطلق عليهما كلمة (المصريَن).

الربط بين الأوطان والوجدان:

وذهب ابن الرومي البغدادي الأصيل بثقافته ونشأته وولادته وولائه - كما ذكرنا في مقالة سابقة، ونكررهنا الأبيات لعمقها في الوجدان الإنساني - إلى الربط بين النفس وخوالجها، والوطن وظليله، وإن كان وطن الرومي سكناً، إذ كان له جار اسمه ابن ابي كامل، في رواية (زهر الاداب)، أغتصب بعض جدر داره، وأجبره على بيعها، ففزع ابن الرومي الى سليمان بن عبد الله بن طاهرشاكيا وذاكرا تلك الدار او ذلك الوطن، اقرأ يا عزيزي الآهات والونـّات على الوطن الصغير، فما بالك بالكبير !:

ولي وطن آليــــت الا أبيعـــــه*** وألا أرى غيري له الدهر مالكا

عهدت به شرخ الشباب ونعمة*** كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكـا

وحبّبَ أوطان الرجــال اليـــهمُ ***مآرب قضاها الشبـــــاب هنالكا

اذا ذكروا أوطانهم ذكرتهـــــم ***عهود الصـــبا فيها فحنوا لذالكا

فقد آلفته النفــــــــس حتى كأنه** لها جسد ان بان غــــودر هالكـا

أعتقد أنه لم يسبق لأحد أن أستعمل كلمة (وطن) بهذا العشق الوجداني غيرالبغدادي عشقاً، والرومي عسفاً، وان حدث ذلك، كما هو حال (الرؤبة)، فبكل تأكيد، كان ابن الرومي أول من حلل تحليلا نفسيا رائعا لعلاقة الانسان بوطنه، ويتدرج بهذا التدرج المنطقي المتسلسل من عهود الصبا الى شرخ الشباب حتى تألفه النفس، ويصبح كالجسد، وبدونه يحل الهلاك.

البلد والبلدة:

وله أبيات جميلة أخرى في التعلق بالبلدان، وما البلدان إلا الأوطان، وإنْ اختلف المدلولان، ومدى تمثلها بالضمير:

بلد صحبت به الطفولة والصبـا*** ولبستُ ثوب العمر وهو جديدُ

فاذا تمثل في الضمير رأيتــــــه*** وعليه أغصان الشباب تميــــدُ

كأنني به لهذا التشبث بوطنيته وصدق ايمانه بعروبته، يتنصل من كنيته المفروضة عليه، وكأنه يعلم ما يجرُّ النسب عليه مما ليس بيديه، والوطن يكبر بحجم العقول وسعة إدراكها، فبأي ثمن تباع القبلية والطائفية، والإثنية، والمناطقية، والعنصرية،إذا باع الإنسان وطنه وأهله وتاريخه بالمجان، على يد غيره من الجان.

العراق عريق والوطن غريق .. إلامَ الخلفُ بينكمُ إلاما.

وندع أحمد شوقي يخاطبكم، بما خاطب به أهل (مصره)، في رائعة (شهيد حقــّه)، كمال مصطفى في ذكرى وفاته السابعة:

إلام الخلفُ بينكم إلاما؟ *** وهذي الضجة ُالكبرى علاما؟

وفيمَ يكيد بعضكم لبعض ٍ****وتبدون العداوة والخصـاما

وأين ذهبتمُ بالحق لمّـــا **** ركبتمْ في قضيته الظـــلاما؟

تراميتم فقال الناس: قومٌ*** ** إلى الخذلان أمرهمُ ترامى

إذا كان الرّماةُ رماة َ سوءٍ ****أحلـّوا خير مرماها السهاما (14)

شتان بين مَن يضربون الدرهم والدينار، والريال والدولار، وبين مَن يُضربون بها

والبلد فرد البلدان، وجنس المكان كالعراق والشام، والبلدة: الجزء المخصص منه كالبصرة ودمشق، والبلد والبلدة: التراب . والبلد: ما لم يحفر من الأرض ولم يوقد فيه، قال الراعي:

وموقد النار قد بادت حمامته *** ما إن تبيّنه في جدة البلد (11)

والراعي النُمَيري (ت 90 هـ / 708 م)، هو عُبَيد بن حُصين النميري، ونعت بالراعي لكثرة وصفه الأبل .

البحتري والمتنبي والمعري ...والعراق:

ولا أطيل عليك، ولو في الإطالة إفادة، صار العراق محط أقوال عمالقة الشعر العربي، فهذا أبو عبادة البحتري (ت 284 هـ / 897 م)، معاصر ابن الرومي يقول في تفضيل بلاده الشام مناخاً، وجوّاً:

نصب إلى طيب العراق وحسنها ******ويمنع منها قيظها وحرورها

هي الأرض نهواها إذا طاب فصلها**ونهرب منها حين يحمى هجيرها

عشيقتنا الأولى وخلتنا التي ****** تحب وأن أضحت دمشق تغيرهــا

وأختلف أهل ذلك الزمان، ومن قبله وبعده، من شعراء وأدباء، في مناخ العراق وطيبه، بل بالغوا في حسنه ولطفه، ونقصر قولنا على ما قال ياقوتنا الحموي في (معجمه ...) السابق "

والعراق أعدل أرض الله هواء وأصحها مزاجا وماء فلذلك كان أهل العراق هم أهل العقول الصحيحة والآراء الراجحة والشهوات المحمودة والشمائل الظريفة والبراعة في كل صناعة مع اعتدال الأعضاء واستواء الأخلاط وسمرة الألوان ... قالوا وليس بالعراق مشات كمشاتي الجبال ولا مصيف كمصيف عمان ولا صواعق كصواعق تهامة ولا دماميل كدماميل الجزيرة ولا جرب كجرب الزنج ولا طواعين كطواعين الشام ولا طحال كطحال البحرين ولا حمى كحمى خيبر ولا كزلازل سيراف ولا كحرارات الأهواز ولا كأفاعي سجستان وثعابين مصر وعقارب نصيبين ولا تلون هوائها تلون هواء مصر ..." (12)

والحقيقة، الحموي شهاب الدين أبو عبد الله، الذي سمّى نفسه عبد الرحمن، (574 هـ / 1178 م - 622 هـ / 1224 م) قد بالغ في قوله، وذهب بعيدا في تطرفه، فحذفنا ما حذفنا من نيل وتمييز، ولكن من المهم أن نذكر أنّ الرجل بالرغم من أنه عالم جليل، وأديب قدير، ومؤلف كبير، فهو رحّالة، جاب الدنيا (13)، وتعمق في البلدان، ودوّن ما صكّته الأذنان، وصافحته العينان، والرجل إضافة لذلك كلـّه خدم لدى بعض تجار بغداد، وفتح دكاناً صغيراً في كرخها المزدان، ومما ذكرناه يجب أنْ تتأمل العقول، وتتفكر الأذهان، في العديد من الحقائق، مما ذكره هو في (معجم البلدان) !، والمعري من قبله، (ت 449 هـ / 1057 م)، لم يكن أقل تعلقاً بالعراق، ووصفه لبغداد، اقرأ في حق بغداد ودجلتها:

فبئس البديل الشام منكم وأهله ***على أنهم قومي وبينهم ربعي

ألا زودوني شربة ولو أننـــي *** قدرتُ إذاً أفنيت دجلـــة بالكرع

إذاً أهل الشام هم أهله وقومه، فبئس البديل هو المناخ والأجواء، ربما العلاقات الاجتماعية الموسعة، والصرح الثقافية العامرة منها، ولكن ليس الأخلاقيات قطعاً، بدليل - ولا حاجة لدليل - البيت الثاني، والإيحاء بمرامه المحال بكرع ماء دجلة حتى الفناء ! المهم كفـّى ووفى، وأزيدك الظل الظليل للعراق الجميل:

أسالت أتي الدمع فوق أسيل *** ومالت لظل بالعراق ظليل

ومن الناحية السياسية ساوى بين النطرين، والسياسيين الشياطين:

إن العراق وإن الشام من زمن *** صفران ما بهما للملك سلطان

ساس الأنام شياطين مسلطة *** في كل مصر من الوالين شيطان

قالت العرب ما قالت، وروت ما روت، ونقلت ما نقلت، ويبقى اسم العراق من أوائل أسماء البلدان العربية، ولو أنّ معظمها أوائل، وأول من أ ُطلِق عليه كلمة الوطن بما نفهمه ونتفهمه اليوم تقريباً دون أن يسبقه إليه العرب الآخرون، وتسابق على الاعتزاز بذكره معظم عمالقة شعراء العرب القدماء، وآخرهم وليس بأخيرهم المتنبي العظيم، إذ يتلهف للقائه، ويناجي ناقته قائلاً:

وقلنا لها أين أرض العراق *** فقالت ونحن بتربان هــا

وهبت بحسمى هبوب الدبو*** ر مستقبلات مهب الصبا

وأخيراً أحمد شوقي ...وإلمَ الخلف بينكم؟

هذا أسم العراق عمقاً، ومدلول توطنه سكناً، والارتباط به شجناً، منذ أقدم العصور، فكيف أنتم ممزقون؟! وماذا تريدون؟! وأين سترسون؟ وندع أحمد شوقي يخاطبكم، بما خاطب به أهل (مصره)، في رائعة (شهيد حقــّه)، كمال مصطفى في ذكرى وفاته السابعة:

إلام الخلفُ بينكم إلاما؟ *** وهذي الضجة ُالكبرى علاما؟

وفيمَ يكيد بعضكم لبعض ٍ**** وتبدون العداوة والخصـاما

وأين ذهبتمُ بالحق لمّـــا ***** ركبتمْ في قضيته الظـــلاما؟

تراميتم فقال الناس: قومٌ*** * إلى الخذلان أمرهمُ ترامى

إذا كان الرّماةُ رماة َ سوءٍ ****أحلـّوا خير مرماها السهاما (14)

شتان بين مَن يضربون الدرهم والدينار، والريال والدولار، وبين مَن يُضربون بها، فالتسقيط جاهز، والجهل سائد، ولكن العراق لا يعدم رجاله، وتبقى الأمور في ذمّة الله والتاريخ والأجيال، وكلُّ ما فوق الترابِ ترابُ:

إذا كانت النفوسُ كباراً *** تعبتْ قي مرادها الأجسامُ

ولله الأمرُ مِن قبلُ ومِن بعدُ . فهو نعم المولى، ونعم النصيرَ!!

 

كريم مرزة الاسدي

................................

(*) نظراً للظروف المأساوية الطارئة - إن شاء الله - التي يمرّ بها عراقنا الحبيب، وهو على حافة الخطر، نقدم بحوثنا عن عراقة عراقنا لدواعي وطنية وإنسانية، لعلهم يتذكرون، والتاريخ لن يرحم أحداً، ونؤجل بحوثنا عن العبقرية والرثاء والغزل، وفصيدتي الجديدة، للأسابيع القادمة، والله من وراء القصد .

(1) (لسان العرب): أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (ابن منظور) ج10 ص 115 - 120- دار صادر - 2003 بيروت .

. معجم البلدان): ياقوت الحموي - 3 / 207 - الوراق - الموسوعة الشاملة)(2)

راجع: (الشعر والشعراء) ت احمد محمد شاكر، ص 399، دار المعارف - 1966م - مصر.

((3) (الاصمعيات): أبو سعيد عبد الملك بن قريب ت 216، تحقيق: احمد محمد شاكر وعبد السلام هرون، الطبعة الثالثة ص164، دار المعار، مصر. .

(4) العماليق: من أول الشعوب السامية القديمة التي هاجرت من الجزيرة العربية باتجاه العراق وسوريا وذلك حوالي 2500 ق.م.، منهم قبائل االأموريين في سواد العراق، والكنعانيين في بلاد الشام، أسسوا بعض الممالك فيهما، يرجع نسبهم إلى عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، ويقال: إنهم كانوا أقوياء، عظماء القامة.

(5) (كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال): علي بن حسام الدين المتقي الهندي 12 / 170 - رقم الحديث - 34128 - مؤسسة الرسالة - 1989 م - بيروت . .

(6) (جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة): أحمد زكي صفوت- ثلاثة أجزاء - 1 / 422، 2 /293 ... - المكتبة العلمية - بيروت .

((7) (التحرير والتنوير): محمد الطاهر ابن عاشور - ج 11 - ص 155 - سورة التوبة - الآية 25 - دار سحنون .

(8) (لسان العرب): ابن منظور - ج 15 - ص 239 - م . س.

(9) م . ن.

(10) (معجم البلدان): م . س

(11) (تاج العروس من جواهر القاموس): الزبيدي، الحسيني محمد بن محمد، 1 / 1902 - الوراق - الموسوعة الشاملة.

(12) راجع لترجمته (وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان): شمس الدين أحمد ابن خلكان، تح: محمد محي الدين - ج 5 ص 173 - 1449م - مطبعة النضة - مصر.

(13) أعيان الزمان وجيران النعمان في مقبرة الخيزران): وليد الأعظمي - مكتبة الرقيم - بغداد 2001م - صفحة 73 - 74 -، واسمه عنده: مهذب الدين. .

(14) (الشوقيات): أحمد شوقي - تح علي العسيلي - ج1 ص 185 - مؤسسة الأعلمي - ط1 - 1998م بيروت

 

 

عدنان الظاهرهل أزور مدينة الحلة في بابل خصيصاً لأنفذ دعوة السيدة عشتار آلهة الحب والعطاء والتناسل والجسد؟ وما المانع؟ الأوضاع هادئة كما يُشاع والأمن مستتب والماء الصافي جارٍ في دجلة والفرات والكهرباء لا ينقطع إلا لخمس عشرة ساعة في اليوم ! توكلْ وسافرْ فمطار النجف تحت الخدمة تديره شركة كويتية فماذا تريد أكثر من هذا يا رجل؟ فكرت في الأمر بكل جدية وقلت لنفسي إنها قد تكون فرصة العمر الأخيرة التي أرى فيها بقية أهلي وأن أمتع ناظري برؤية مدينة الحلة ونهرها الخالد وبساتينها وشوراعها وحديقة الجبل وما كنتُ أرتاد من مقاهٍ وملاعب زمنَ الطفولة والصبا والشباب . نعم، إنها مناسبة لا تتكرر فبادرها يا رجل ولا تكن مغفلاً عبيطاً . ثم إنَّ عشتار بابل هي التي وجهت الدعوة لك فمن يضاهيها ومن يدانيها مرتبة ً وهيبة ً وجمالاً وهي أم وربة الجميع تماماً مثل ملكات النحل؟ قبلتُ الدعوة رسمياً فوجهت لها رسالة بالبريد الألكتروني أُعرب لها فيها عن قبولي لدعوتها ورجوتها أن تكون في إنتظاري قربَ بوابة عشتار في مدخل شارع الموكب شرطَ أنْ لا تصطحبَ معها فرقة شرف عسكرية مع طبول وأبواق كما تقتضي مراسم إستقبال كبار الضيوف . قلت لها لا [فائدة] في مثل هذه البروتوكولات التي لا أهواها أبداً . قلت لها إنما [الفائدة] كل الفائدة فيك وفي حرارة إستقبالك لي ضيفاً عزيزاً يأتيك من آخر الدنيا حاملاً لكِ البشرى الكبرى وسوف لن يكلفك مكوثي في ضيافتك إلا حفنة من التمر (المكتوم) الجامد بنوعيه القديم المغلف بأكياس النايلون والآخر الطري من قُطاف هذا الموسم . لم تعلّق عشتار الربة أو الآلهة على شروطي وأنا أعرفها قليلة الكلام إلى حد البخل وإنها تُعطي ولا تمنُّ تمنح ولا تفصح ُ تتحرك دونما ضجة تتكلم دون صوت . هذه هي ربة الجميع وآلهة الجميع في بابل . كنتُ أعرف أنَّ في بساتينها على ضفة نهر الفرات الكثير من نخيل تمور (المكتوم) الفائق الجودة وكان المكتوم تمرها المفضل الذي لا تفارقه لا صيفاً ولا شتاءً .

وصلت بوابة عشتار ممتطياً صهوة جوادٍ أدهم بلجام ذهب يقوده أحد عبيد قصور عشتار فوجدتُ الربة واقفة ً في إنتظاري تحيط بها مجموعة من جواريها الحسان من كل ملة ونحلة وشعب . ما أن ترجلتُ حتى شرعن بالغناء ودق الدفوف وتناوبن الرقص ونثرن على رأسي أجمل ورود بابل

وأغرقنني بنفيس عطور فارس والصين والهند حتى كدتُ أختنق . همستُ في أُذن عشتار {رأيت فيها وجه حبيبتي} أنْ لا حاجة َ لي بكل هذه المظاهر التكريمية والضوضاء أساساً تزعجني وتكدر مزاجي وإني لا أحب من العطور إلا ذاك الذي تستعمله حبيبتي القديمة الحلاوية التي تتجدد وتتناسخ كل عام وتبدل إسمها مع كل تجدد وعملية إستنساخ . قالت مندهشة: وما إسم حبيبتك في هذا العام؟ قلت إنما ذلك سر بل وسر الأسرار، لا يعرفه ولا يفقه أمره إلا رب العالمين . قالت وهل رتبت لقاءً بينك وبينها؟ قلت نعم، قد رتبنا مثل هذا اللقاء الأسطوري الذي لا يتوقعه ولا يدرك سره حتى علماء الأنواء الجوية وسحرة بابل أحفاد الملكين هاروتَ وماروتَ والكلدانيون المختصون بقراءة الحدثان وأخبار النجوم وكبار المجوس من مستشاري ملك بابل نبوخذنصر . غمزتني بعينها بغنج ودلال إغوائيين ثم قالت: أهكذا تعز عليَّ بعض أسرارك وأنا كما تعلم مَن أنا ... أنا الربة عشتار وأنا آلهة الجنس والحب والتناسل ألا تطمح مني في أن أبارك حبك هذا وأسعى إلى أن يتحول بالزواج إلى وسيلة للتكاثر وإدامة النسل على الأرض؟ قلت بلى، وإني لكثير الطموح . قالت هيا إذاً أقدمْ وتزوجْ وسأكون أنا الربة شاهدة زواجك وشريكة ليلتك الأولى كما تقتضي أعراف بابل . أنا سأنجب منك قبل حبيبتك هذا هو شرط شهادتي ومنحكما بركتي وإطالة عمركما وتكثير نسلكما . لم نكد نصل قبة عرشها حتى حثتني على الكلام إذ رأتني صامتاً كثير التفكير . قالت ما بالك أغرقت نفسك في بحر الظلمات وعلام مسحة الحزن هذه طغت على وجهك؟ لا أستطيع البوح يا ربة، أجبتها . ما الذي يمنعك من أن تبوح؟ قلت بعد تردد طويل: هناك موانع كثيرة تحول بيني وبين الزواج من الحبيبة . قالت هيا أفصحْ، عددْ هذه الموانع ... هيا هيا لا تخف فأنت ما زلتَ ذلك الرجل الصريح الجريء . يا عشتار المرأة أولاً والربة ثانياً، لا أعرف موقف أبيها من موضوع زواجها وهل أمورها لم تزل بيده أم إنها مستقلة الشخصية والقرار؟ هل يسمح اهلها لها بمغادرة بابل للإلتحاق بحبيبها؟ وأخيراً ماذا عن العمر يا عشتروت سومر وبابل؟ قالت ماذا تقصد؟ أقصد أن فارق العمر بيننا قرابة ربع قرن . أطرقت عشتار قليلاً ثم رفعت رأسها إلى الأعلى وقالت: ربع قرن من الزمن فارق مقبول بالنسبة لعمرها الحالي . إنتبهتُ وأصغيتُ أكثر لقول عشتار . قرّبتُ أذني منها وفتحت حدقتي عينيَّ أكثر فلاحظت إهتمامي بهذا الأمر . تبسّمت، حركت رأسها للأعلى والأسفل ثم قالت: هل أُفشي لك سراً لا يعرفه في بابلَ غيري؟ هيا هيا ولا تتأخري رجاءً، قلتُ . إنها بلغت الخمسين من العمر !! كدت أن أطير من فرحتي الغامرة فطلبت منها أن تستدعي على عجل جوقة المغنيات والعازفات والراقصين والراقصات فأمرت على الفور . قادتني من ذراعي فتمشينا في شارع الموكب نشاوى أشباه سكارى خلف مجموعات الطرب يتوسطهم راقص الحلة القديم الشهير المدعو (حميدي الشعّار) وضارب الطبل (أبو العبد) والمغنية الغجرية (وحيدة خليل) وجوقة صغيرة أخرى من راقصي ومغني (الهجع) و(الحسجة). هذا حفل عرسك الحقيقي، قالت عشتار. كنتُ غائباً عنها تماماً . كنت أسيح وحيداً في (الصوب الصغير) من الحلة قريباً من شاطئ النهر لعلي أرى شبح من أهوى في حديقة منزلها أو تتمشى مثلي على ساحل النهر أو تخرج لزيارة جارتها كما قال ناظم الغزالي في بعض أغانيه (طالعة من بيت أبوها / رايحة لبيت الجيرانْ / فات ما سلّم عليَّ / يمكن الحلو زعلانْ) . هزتني عنيفاً عشتار من كتفي قائلةً أفقْ يا حالم ويا نائم، أفقْ فلم يتبقَ من سواد ليلتنا إلا القليل . جهزت لك كل هذا النعيم والطرب والأبهة ومظاهر الترحيب وأنت لاهٍ بسوايَ منصرفٌ لها عني . أما وللهِ إنك لجاحد لا تعترف بالجميل ثم إنك لستَ "جنتلمان" حيث أهملتني إمرأة ً لا أقل فتنة وسحراً عن سيدة أحلامك ... دعنا نقضي الليلة معاً في قبة عرشي ونمارس الجنس المقدس لعلي أنجب منك ولداً يشبهك وجهاً وقواماً وجاذبيةً وذكاءً . ظلت تتكلم عشتار وبقيتُ أنا سارحاً بعيداً عنها أحوم حول دار الحبيبة مردداً قول الشاعر:

مررتُ على الديارِ ديارِ ليلى

أقبّلُ ذا الجدار وذا الجدارا

 

وما حبُّ الديارِ شغفنَ قلبي

ولكنْ حب َّ مَن سكنَ الديارا

 

كانت الخبيثة عشتار تسمعني وتلتقط أفكاري وهواجسي بأجهزتها السرية اللاقطة الخاصة... خبيرة مدربة كأي عنصر أمن أو مخابرات لا تخفى عليها خافية . فقد عرفت عمر حبيبتي الحقيقي دون أن أعرفه وكشفته لي من باب الغيرة والوقيعة لا تعاطفاً معي في محنة حبي ولا هم يحزنون .

كررت دعوتها لقضاء الليلة معها إذ ـ قالت ـ لا بدَّ من مضاجعة زائر بابل حسب نواميسنا وتقاليدنا وأوامر الملك نبوخذ نصر وربه مردوخ الكبير . تعالَ ما دمتَ في بابل ومارسْ معي الجنس المقدس فأنا الربة عشتار أنا مليكة النساء أنا مليكة خلايا نحل العسل طراً فما حاجتك للإقتران بحبيبة قلبك التي دنت كثيراً من سن اليأس؟ فككت ذراعي من كف عشتار الفولاذي، بصقت في وجهها ثم صفعتها صفعتين قويتين فتهاوت على أرض بابل باكية ً مولولةً تلطم وجهها وتخمشه بأظافرها وتصرخ عالياً: لم يسبني ولم يضربني قبلك بين الرجال أحد ٌ إلا جلجامش وصديقه أنكيدو في وركاء سومر. وجلجامش مثلك طردني ورفض الزواج مني وقال لي إنك قربة مثقوبة ودار بلا أبواب وجدران وموقد ليس فيه نار في الشتاء.

أخذت طريقي على شارع الحلة ـ بغداد وسط ظلام دامس أهذي مع نفسي هامساً حيناً وبصوت مسموع أحيانا أخرى . لا أعرف ماذا كنت أقول سوى شعور عميق بالحسرة والغصة أني لم أرَ حبيبتي في بابل وأنَّ من دعتني لزيارتها حاولت إغوائي وصرفي عن حبي الحقيقي الأخير ثم تطاولت فأساءت لحبيبة ربي وقلبي فكيف ومتى أعتذر للحبيب وهل من فائدة في لقاء يجمعنا ولو في عالم الأحلام:

 

يا ندامايَ فؤادي عندكم ْ

ما فعلتمْ بفؤادي يا ندامى

 

إنْ تناءتْ دارُنا عن داركمْ

أذكروا العهدَ وزورونا مناما .

***

دكتور عدنان الظاهر

22.07.2008

 

ضياء نافعقال لي أحد طلبتي القدامى، الذي التقيته قبل فترة وبمحض الصدفة في موسكو، ان كليّة اللغات في جامعة بغداد، و بفضل زراعتك للنخيل في حدائقها (عندما كنت أحد مسؤوليها الاداريين) اصبحت تسمى الان في بعض الاوساط الجامعية هناك  – (واحة باب المعظم)، وذلك، لان  الشخص الذي يقترب من كليّة اللغات في مجمع الكليات ، يلاحظ من بعيد تلك الواحة المكتظة بالنخيل، والتي تقف شامخة امام بنايات كليّة اللغات . وقال لي هذا الطالب القديم، اننا – نحن الطلبة آنذاك – كنّا نتساءل فيما بيننا، لماذا قرر معاون العميد ان  يزرع ذلك العدد الكبير من النخيل في حدائق كلية اللغات فجأة وفي نهاية التسعينيات بالذات . ثم طرح عليّ هذا السؤال ضاحكا وهو يقول، اننا لم نتجاسر ان نسألك حول ذلك عندما كنّا طلبة لديك، ولكنني اتمنى ان اسمع منك الجواب الآن، اذ ان الاسرار لا تبقى اسرارا بعد مرور السنوات، واليوم مضى ربع قرن على هذا الحدث (الاخضر الجميل !) . ضحكت أنا طبعا، وقلت له، ان اسلوب طرحك للسؤال يجبرني فعلا ان اجيب عنه بلا شك، وهكذا بدأت بالحديث عن قصة تلك الحملة التي اسميناها آنذاك (نزرع 100 نخلة في حدائق كليّة اللغات)، وها هي ذا بتفاصيلها كما حدثت، ارويها للقارئ العراقي، لاني أرى انها تعدّ الان تاريخا طريفا يستحق ان نعرفه و نتأمله ونستنتج منه دروسا .

استدعاني مرّة عميد الكليّة أ.د. مخلف الدليمي فورا لأمر هام جدا (وكنت أنا حينئذ معاون العميد)، وعندما ذهبت اليه وجدته قلقا، وقال لي، ان رئيس جامعة بغداد أ.د. عبد الاله الخشاب اتصل به هاتفيا الان، وأخبره وهو غاضب وزعلان جدا، انه عرف من مصادره الموثوقة، ان  الاستاذ فلان الفلاني في كليّة اللغات قد استلم رشوة جماعية من طلبة الماجستير، وانه طلب من عمادة الكليّة متابعة ذلك ومعالجة الموضوع بكل حزم ودقّة واعلامه فورا بالنتائج . قلت له، ان احالة ذلك الامر الى اللجان التحقيقية سينعكس سلبيا على سمعة الكلية (خصوصا وان هذا الاستاذ معروف في الاوساط الاعلامية)، لهذا اقترحت عليه ان نعالج الموضوع بحذر شديد وفي اضيق مجال، وطلبت منه ان اذهب انا الى بيت هذا الاستاذ اليوم مساء واتكلم معه بشكل مباشر ورسمي حول ذلك، اذ ربما نصل معه الى حل محدد لهذه القضية الاخلاقية المعيبة . وافق العميد على هذا المقترح، وهكذا اتصلت هاتفيا بالاستاذ المذكور واخبرته، اني سازوره مساء في بيته لأمر هام . ذهبت في الموعد المحدد، ووجدت ذلك الاستاذ ينتظرني بقلق امام باب بيته، وسألني رأسا عن الموضوع ونحن لانزال في الشارع، فقلت له بشكل مباشر ودقيق وموجز ما ذكره رئيس الجامعة، وانني جئت لبحث الموضوع معه، لأن عمادة الكليّة تريد ان تجد حلا لهذه المسألة دون تلطيخ سمعة الكليّة بمثل هذه الامور غير الاخلاقية في حالة نشرها واعلانها . اخبرني هذا الاستاذ رأسا وبدون لف او دوران، انه أخذ من كل طلبة الماجستير فعلا مبلغا متساويا من المال، لانهم ارادوا ان يساعدوه بعد ان أخبرهم حول حادث جرى له في بيته، وانه حذّرهم من عدم الكلام عن ذلك بتاتا، وقال لي وهو يكاد يبكي انه مستعدّ الان وفورا ان يسلمني المبلغ باكمله واعلام عميد الكليّة و رئيس الجامعة بذلك . استلمت منه المبلغ، وهو ليس بالقليل، خصوصا في زمن الحصار آنذاك، وعدت في اليوم التالي الى العميد ووضعت المبلغ على منضدته وحكيت له ما دار في اللقاء . اتصل العميد رأسا برئيس الجامعة، واخبره بذلك، وقال له انه مستعد الان ان يجلب المبلغ له لبحث الموضوع . رفض رئيس الجامعة هذا المقترح رفضا حادا وشديدا ومطلقا، وقال، المهم ان الاستاذ هذا فهم ان الجامعة تتابع الامور و لا تتهاون مع هذه الافعال المشينة، ويجب على العمادة الان ان تجد حلا  للموضوع، وان هذا المبلغ لا يمكن ان يدخل في حسابات الكلية او الجامعة باي حال من الاحوال . وهكذا قررنا ان نعيد المبلغ الى الطلبة كي يعلموا بموقف العمادة والجامعة اولا، وثانيا، كي نتخلص من هذا المأزق، واتفقنا ان نستدعي كل طالب على حدة ونرجع المبلغ له . تقبّل بعض هؤلاء الطلبة المبلغ بكل سرور وقالوا انهم كانوا مضطرين لذلك، و رفض البعض الآخر الاقرار بانهم أعطوا المبلغ هذا خوفا من تبعات هذا الاقرار . بقي لدينا مبلغا لا نعرف (العميد وانا) ماذا يمكن العمل به، اذ لا يمكن الحديث حوله مع رئيس الجامعة بتاتا بعد موقفه الغاضب والحازم والصارم عندها، ولا يمكن ادخاله ضمن ميزانية الكلية وحساباتها باي شكل من الاشكال، ولا يمكن اجبار هؤلاء الطلبة على الاقرار بعملهم واستلام المبلغ  مثل بقية زملائهم . وبعد التي واللتيا، اقترحت استخدام المبلغ المتبقي لشراء فسائل نخيل كي نزرعها في حدائق الكليّة (والاقتراح طبعا يعكس عشقي الدائم للنخيل !) ، وقد وافق العميد على هذه الفكرة، وهكذا ابتدأت بشراء الفسائل وحددنا اماكن زرعها بمساعدة المهندس الزراعي ومساهمة الفلاحين وتأييد بعض الزملاء المتحمسين للفكرة من حولنا، وأخص بالذكر منهم بالذات المرحوم أ.د. علي يحيى منصور (المعاون العلمي آنذاك)، وانجزنا العمل كما يجب . وقد زار كليتنا مرة رئيس الجامعة الخشاب، ورافقته في زيارته، واثناء مسيرتنا في الممر الخارجي للكليّة تحدثت معه حول النخيل التي كانت امامنا في الحدائق وقد كان منظرها  جميلا، وقلت له انها نتيجة حملة (لنزرع 100 نخلة في حدائق كلية اللغات)، والتي قامت العمادة  بها بعد مكالمته الهاتفية حول تلك (القضية !!!) التي يعرفها ومن المؤكد انه يتذكرها، فضحك الخشاب وقال – احسنتم .

هذه هي قصة النخيل التي تم زرعها قبل ربع قرن في حدائق كليّة اللغات، الحدائق التي يسميها البعض (واحة باب المعظّم)، كما قال لي طالبي القديم عند اللقاء معه في موسكو...        

 

ا.د. ضياء نافع

 

ضياء نافعهناك مثل روسي يقول – العين ترى الشئ الذي تريد ان تراه، وهو مثل دقيق فعلا وينطبق على العراقيين في الايام (او حتى الاسابيع والشهور) الاولى من وصولهم الى روسيا، ولازلت أتذكر حادثتين طريفتين حدثت معي في اليوم الاول من وصولي الى موسكو العام 1959. الحادثة الاولى في المطار، حيث كان هناك موظف سوفيتي يستقبلنا مع طالبين عراقيين وصلا قبلنا باسبوعين، فطلب منّا الطالب الاول (واسمه أحمد) ان نناديه (احمدوف)، وقال لنا الطالب الثاني (واسمه تحسين) ان نناديه (تحسينوف)، واوضحا سبب هذا الطلب، ان قواعد اللغة الروسية تقتضي ذلك، وان الروس حولهم  ينادونهما  هكذا الان، وانهما تعوّدا على ذلك، وكنّا ننظر اليهما متعجبين، ولا نعرف ماذا نقول لهما. أما الحادثة الثانية، فقد جرت في القسم الداخلي، حيث وصلنا، وبدأ مسؤول القسم منحنا ارقام الغرف التي سنسكن فيها . كنّا اول وجبة تصل الى هذا القسم، وتبين ان الغرف التي منحونا اياها تقع في الطابق الخامس، فطلبنا تبديلها، كي نسكن في الطابق الثاني كي لا نصعد وننزل كل يوم خمسة طوابق، خصوصا وان كل القسم الداخلي كان فارغا . لم يوافق المسؤول على ذلك، وقال، انه لن يغيّر الغرف . انزعجنا نحن من هذا الموقف، فانبرى  أحد العراقيين  بيننا وقال لنا، انه واثق، ان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي قد بحثت هذا الموضوع قبل وصولنا، وان هذا الموظف ينفّذ قرارات اللجنة المركزية للحزب ليس الا، ولهذا فانه يرفض تلبية طلبنا، اذ ان هذا يعني عدم تنفيذ قرارات  اللجنة المركزية للحزب . تعجبنا جميعا من تعليقه هذا، وسألناه ان يوضح لنا هذا الذي يقوله لنا، فقال، من المؤكد، ان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي تعرف، ان العراقيين لا يمارسون الرياضة البدنية الضرورية للانسان يوميّا، ولهذا قررت اللجنة المركزية تقديم غرف الطابق الخامس للطلبة العراقيين الذين يصلون قبل الآخرين تقديرا ومكافأة  لهم، كي يمارسوا الرياضة البدنية تلقائيا وهم يصعدون الى الطابق الخامس وينزلون منه كل يوم ولعدة مرات . استمعنا الى زميلنا هذا بغرابة، ولكننا لم نستطع ان نناقشه طبعا، اذ كان يتكلم بثقة مطلقة، لدرجة، ان أحد الطلبة قال، يبدو انه يعرف ذلك من مصادر عليا، وهكذا اضطررنا ان نوافق – وعلى مضض طبعا – للسكن في الطابق الخامس، وبدأنا بحمل حقائبنا الثقيلة (كما تعوّدنا السفر على الطريقة العراقية!) والصعود – وبصعوبة - الى الطابق الخامس .

وهناك حادثة طريفة جدا وقعت امامي، وهي وصول أحد الرفاق المتحمسين جدا الى موسكو، وقال لنا، ان من جملة الاشياء المدهشة، التي لاحظها منذ وصوله ولحد الان عدم وجود الذباب في موسكو، واضاف قائلا، ان هذا يعني، ان السلطة الثورية البلشفية هنا قد قررت (ونفّذت فعلا) تخليص الانسان  نهائيا من الذباب و شروره على حياة الانسان.  ضحكنا نحن جميعا، اذ مضى علينا عدة سنوات هناك، ولكن احد العراقيين المرحين انسحب رأسا، وعاد بعد دقائق وبيده قنينه زجاجية صغيرة مليئة بالذباب وهو يضحك ويعطيها له ويقول – (اصطدت مجموعة من الذباب لاجلك خصيصا)...

وهناك حوادث (من الجانب الآخر) طبعا، اي من هؤلاء الذين كانوا  ضد الاتحاد السوفيتي على طول الخط (ان صح التعبير)، وهي حوادث تدخل ايضا  ضمن هذه الآراء الجاهزة والطريفة والبعيدة طبعا عن النظرة الموضوعية والمنطقية ايضا، وأذكر حديثا رواه لي أحد هؤلاء عندما التقيته في باريس مرة في نهاية ستينيات القرن الماضي (وهو مدير عام زمن عارف الثاني)، وقال لي انه زار موسكو ضمن وفد رسمي عراقي، وذهبوا به لزيارة مرقد لينين في الساحة الحمراء، فشاهد (بامّ عينيه !) كيف كان الناس يقبّلون الابواب وحتى العتبة عند الدخول لزيارة مرقد لينين، وانه قال لهم، لماذا تقومون بهذه الطقوس الدينية المقدسة وهو انسان مثل كل البشر، فأجابوه انهم يعبدونه، فقال لهم، ولكن الجثمان سيتلاشى بمرور الزمن، فقالوا له، انهم عندها سيجلبون جثمانا جديدا لهذا الغرض . وقد سألت هذا الشخص وانا استمع اليه مندهشا، باي لغة تحدثت معهم، اذ انك لا تعرف اللغة الروسية، فقال، انه تحدث معهم باللغة الانكليزية، التي يجيدها كل الروس  .

هذه الامثلة تبدو – للوهلة الاولى – طريفة ليس الا، ولكن تحليلها بعمق وموضوعية تبين اسلوب التفكير لدينا وطريقة انعكاسه على مسيرة حياتنا الفكرية والعملية ايضا . كم من الاخطاء تم ارتكابها نتيجة هذا التفكير السطحي الساذج، وما احوجنا الان ان نتأمل – وبعمق - كل ذلك ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

عدنان الظاهرهل حقاً في بابلَ أسواق ٌ من نار؟ نعم ولكنْ، إنقلبت بابلُ بأهلها ودمّرها زلزالٌ مرعب بعد أن غزتها جيوش ممالكَ مجاورة فأحرقت ما أحرقت وقتلت من قتلت وسبت باقي الأحياء وخاصة النساء والأطفال كما كانت تقتضي تقاليد وجنون ذاك الزمان. إذا إنقلب كل شئ في بابل فما الذي يمنع إنقلاب الأسماء وشكل وترتيب الحروف في الكلمات؟ الجزء يتبع الكل وكان التدمير والخراب عاماً شاملاً كلياً كما هو معروف. فلا عجبَ إنْ إنقلب الفعل (رنا ـــ يرنو) إلى كلمة (نار) والنار شقيقة الفعل رنا بل وتؤمه السيامي لأنَّ فيهما عين الحروف الثلاثة [ نون أليف راء]. الآن يفهم القارئ الكريم ولا سيما القارئ الحلاوي والقارئة الحليّة إياها أصل ومغزى (أسواق النار في بابل)... أسواق النار !! قف ْ، نقطة إعتراض نظامية : من ترى يجازف بحياته فيدخل سوقاً من نار ٍ وما تخلّف النارُ إلا الرماد؟ أدخلْ... قالت له حبيبته، أدخلها... يا نارُ كوني على هذا العاشق العابد الولهان برداً وسلاماً. دخلتُ، وكيف لا أدخل وقد أمرتني آلهتي أنْ لا أتردد وأن لا أخشى ناراً ولا حطباً ولا أسلحة دمار ٍ شامل ٍ؟ أضافت إنه مجمع أسواق عصرية تجد فيه الإبرة والكومبيوتر والتلفزيون والثلاجة وباقات الورود الطبيعية فضلاً عن جناح الأثاث المنزلي والتحافيات وكل ما قد يخطر على بال المتسوّق. كومبيوتر تلفزيون ثلاجة؟! كيف تعمل في الحلة هذه الأجهزة بدون كهرباء؟ قالت لا تهنْ ولا تحزن يا هذا، في بيوت أهل الحلة مولدات خاصة تبدأ العمل لحظة أنْ ينقطع عنها كهرباء الدولة المحصّنة بسور سليمان !! كم ساعةً في اليوم يا ربة َ الحلة  وبابل َ تقطع دولتكم عنكم الكهرباء؟ ساعتان لنا، للشعب،  وأربع ساعات للحكومة أي وللذكر  مثلُ حظ الأنثيين... فالشعب لغوياً مذكر والحكومة أنثى أو خنثى وهذا هو الأصح (ساعتان مقابل أربع ساعات أي ساعة للشعب وساعتان للحكومة أي 1 × 2). ما شاء الله ما شاء الله !  تلكم هي القسمة الضيزى ... ما زال القانون القديم ساري المفعول حتى في زمان دمقراطية الكركري والمصقول والحامض حلو. عدتً إلى ربة بابلَ أسائلها عن أمور كثيرة لا أفهمها خاصة ً وقد غادرتُ الحلة َ منذ قرون سبقت طوفانَ نوح. سألتها : لمن تعود ملكية هذا المجمع الهائل الجديد ومن يقوم على خدمته وتمشية أمور زبائنه؟ قالت لا أحدَ يدري، بل ولا من أحد يتجرأ على وضع  مثل هذا السؤال، بل وليس لهذا السؤال من معنى. كل أمورنا في بلاد عراقستان أو سورستان تجري غامضةً في أغلب جوانبها ومن يسأل لا يجد جواباً على سؤاله. هكذا غدت حياتنا ولقد تعوَّدنا عليها أو الأصح قد روّضنا أنفسنا على تقبل الموجود والمفروض والمقسوم وعلى الدنيا العفاءُ.

قبل أن ننهي جولتنا المتعبة في شتى أجنحة أسواق نار بابلَ قلت فلأسأل الربّة [تعمل نصف وقتها مديرة ً للأسواق مجاناً تشجيعاً لإقتصاد السوق الحر] هل في سوقكم جناح خاص للدراجات الهوائية؟ فتحت عينيها الجميلتين الكحيلتين ربة ُ بابلَ التي إنقلبت فجأة رأسمالية الهوى والقناعة ثم قالت: سؤالك يا غريبُ هذا وجيه. ليس لدينا بعدُ جناح خاص للدراجات الهوائية. سنفتتح من أجلك هذا الجناح حفاظاً على البيئة من التلوث ولا سيما الورود التي أنت قبل غيرك تعرف كم أحبها وطالما عملتُ مع حمورابي وزيرة ً  للبيئة وصحة الحيوان. سنحذو حذو الصين وسننافسها في كثرة ما لدينا من دراجات هوائية تجوب شوارعنا وطرقنا.

رأيتُ أنَّ من اللائق أن ْ أقدم َ للملاك الذي أتى بي إلى هذا المجمع ـ أسواق النار ـ هدية ً باقة َ ورد ٍ غالية الثمن من المتوفر في بعض أجنحة هذه الأسواق. لم أسألها ليقيني أنها تعشق الورود الجميلة وتهوى أنْ أسميها : يا أغلى وأجمل وردة في الوجود وإنها حقا ً كذلك. إنحنيت أمامها وعرضتُ لها ما حملتُ بيديَ اليمنى لها من باقة ورود مختلفة الألوان والأشذاء فلم أجدها كما كنتُ أتوقع أمامي. غابت ربّة ُ بابلَ ووزيرة البيئة فيها. فتشت عنها في أجنحة المُجمّع، مُجمّع النار، فعثرت عليها في الجناح الخاص بالألبسة النسائية المستوردة خصيصاً من أرقى دور الأزياء الإيطالية. مددتُ لها يدي التي تحمل باقة الورود فصدت عنها وأشاحت بوجهها القمري الملائكي عني وراحت تدقق في بعض بدلات العرائس وتقارن بعضها مع مقاسات طول قامتها وسعة كتفيها وقطر خصرها فوقفتُ ذاهلاً حائراً صعقتني المفاجأة. هل أتت بي من أجل هذا الغرض ولا من شيء ٍ آخرَ عداه؟ أن تختارَ لها بدلة عرس بيضاء اللون من الحرير وإكليل ماس وزمرّد أخضر؟ ما علاقتي بعرسها خاصة ً وإني غير مسبوق بهذا الأمر ولم يجر ِ بيننا الحديث عنه لا الآن ولا في سالف الزمان؟ إرتدت البدلة البيضاء وراحت تستعرضها أمام مرآة كبيرة تمتد من السقف حتى الأرض. سألتني، وأنا ما زالتُ ذاهلاً كمن  فقد نصف وعيه، ما رأيك بهذه البدلة يا خطيب؟ يا خطيب؟ تلفتُ حولي عسى أنْ أجدَ مَن خاطبت سوايَ فإني لست الخاطب بل ولا أصلح أنْ أكون خاطباً ولا عريساً. لم أجد في كابينة تجريب مقاسات الملابس سوانا فسألتها وجلاً مستحياً من نفسي لا منها : هل وجهت مليكتي السؤالَ لي أم لسواي؟ قالت مستنكرة ً وهل رأيتَ أحداً سوانا في هذا المكان الضيق الذي لا يتسع إلا لإثنين؟ قلتُ مرتجفَ النبرات بل لا أرى إلاك يا سيدتي النبية. لا أرى نفسي ولا أريد أنْ أراها وأنا لم أزل هناك حيث كنتُ لأكثر من ثلاثين سنةً. قالت حسناً، إنسَ نفسك، كيف ترى هذه البدلة وهذا الإكليل، هل يناسبانني أم ترى لك رأي ٌ آخر؟ لا من رأي آخرَ  لي سيدتي وحبيبة قلبي وعمري، لا من رأي ٍ لي، رأيكِ هو رأيي. ضيّقت عينيها الساحرتين المعبأتين بكل سحر بابلَ ثم قالت : هل أصلح زوجة ً  لك؟ وقعتُ على الأرض من شدة هول المفاجأة وصدمة السؤال وغرابته. رشت قليلاً من الماء على وجهي فأفقتُ متثاقلاً واهناً مغلوباً على أمري. أعادت السؤال إياه نفسه ولكن بنبرة رقيقة فيها الكثير من الإغراء الأنثوي فلم تحظَ مني بجواب. لا أجرؤ على القول نعم  ولا أجرؤ على القول لا  وتلك مصيبة المصائب : الوقوف محايدا ً بين الجنة والنار. تذكرتُ أنَّ إسم هذا المجمع هو أسواق النار في بابل. فإختيار النار أولى بي وأجدى. سأقول لها (لا).. سيدتي وحبيبتي وربتي لا تصلحين !! بل أنا الذي لا يصلح لك زوجاً. فات زمن الزواج ومرَّ أكثر من قطار على سكك حديدي وعبرنا أكثر من جسرِ  حديدٍ  وإسمنت وخشبٍ وضاقت بي مضائق الدنيا وإحترقت السفن. رمت البدلة على الأرض وقالت سوف لن أتقبل بعد اليوم منك ورودك. خذها وقدمها لغيري من صديقاتك الأجنبيات. كف َّ عن مراسلتي وتوقف ْ عن تسميتي بالحبيبة والنبية والربّة. في بابلَ غيري الكثيرات من الربّات وأشباه الربات. عد ْ لصاحبتك عشتار آلهة الجنس والجسد والخصب والتناسل. إنها تصلح لكل الرجال حتى لو كانوا من أمثالك. عدْ إليها فأنت لا تليق إلا بها وهي لا تليق إلا بأمثالك. لم ترتدِ عشتارُ يوماً بدلة عرس ولا إكليل ماس ٍ وزمرّد أخضر. كل لياليها أعراس جنس رخيص وكل حياتها فوضى فما حاجتها للزواج أو الأكاليل؟ يا حبي، قلتُ خائفاً مرتعداُ، لكني قدمتُ  لك أغلى ورود بابل وآشور فرفضتيها مستنكفة ً قبولها من رجل يعشقك حد َّ الذوبان الصوفي الحلولي فيك ِ. رجل ٌ لا يسميك إلا ربتي ونبيتي وحبيبتي وكل أجدادي وتأريخي وحياتي. رجلً تغاضى حتى عن ماضيك حيث كنتِ شبيهة ً أو بدلاً من عشتار آلهة الجنس والتناسل وأنت تعرفين مَن هي عشتار تلك. حلّت فيك وحللتِ فيها حتى إنفصمتما ساعةَ وصولي بابلَ ممتطياً صهوةَ جواد أدهم ملبياً دعوة عشتار. أفلم ْ تكوني أنتِ بلحمك ودمك وصيفة ً لعشتار هذه؟ أفلمْ تخدمي في بلاط الملك الجبار حمورابي كواحدة من سبايا بني إسرائيل في بابل؟ أفلم ْ ترقصي وتغني مع غيرك من الراقصات والمغنيات في حفلات الملك الليلية الحمراء والخضراء وبقية الوان المجون والطرب؟ نسيتُ ماضيك سيدتي وغفرت لكِ إذ أحببتك حباً سماوياً ساميا ً لا نظيرَ له ورفعتك في عيني وإحساسي إلى مقام النبيات والربّات. تدخل إلهُ بابلَ الأكبرُ السيد مردوخ فأسرَّ لي قائلاً : إنك يا غريبُ على حق بشأن هذه السيدة. أنا أشهد لك أني رأيتها مع غيرها من سيدات مجتمع بابل تغني وترقص وتعزف في الكثير من حفلات مجون صدام حسين وولده عَدي. ولا أرى من فرق ـ أضاف َـ بين الترفيه عن صدام والترفيه عن الملك حمورابي ولا بين مَن ترفه ُعن هذا وذاك !! الترفيه ترف ٌ والترف واحد لا متعدد الوجوه. تعكّرت الأجواء وتلبّدت السماءُ بالغيوم السود ثم تساقط المطر مدراراً فأطفأ  نيرانَ مجمّع أسواق بابل. إختفيتُ هرباً من خوفي وعاري وسط الدخان الكثيف الأسود الذي ملأ المكان ولا أدري بعد ذلك مصير مَن أحببتُ حتى الوله والجنون. {حياتها أكثر أهمية ً من حياتي}.

هل من عودة ثانية لبابل وأسواق النار فيها ولعشتارها البديل التي رفضت ورودي ثم أشعلت النار فيَّ وفي السوق الذي قادتني إليه؟

أرسلتْ لي رسالة بالبريد الألكتروني تقول فيها : لا يا صديقي، لم أرفضْ ورودك أبداً وكيف أرفضها من رجل عظيم ٍ مثلك؟ وهكذا هي قاسية متجبرة في صحوها لكنها رقيقة جداً في منامها وعالم أحلامها فهل أتبعها وأصدقها في صحوها أم في حلمها؟ مرة ً أخرى أجد نفسي حائراً بين خطي النار والجنة : عالم اليقظة وعالم المنام. اليقظة أقسى عليَّ من النوم!! صرتُ أحلم. أحلم أنها قالت لي : لماذا تسأل عن إسم رئيس جامعة بابل، هل تنوي العودة؟ لا أصدّق !! تعالَ وسو ِ معاملة تقاعدك. تعالَ لأراك. تعالَ كي نلتقطَ الصور في بعض متنزهات بابل ونتمشى في شوارعها. تعالَ كي ترى جنة العبير وبستان الخلود الملحقتين بحدائق قصري الملكي. تعالَ كي أُريك كيف يرقص  نخيل بابل بهجة ً بعُرس مقدمك وكيف تهتز أمواج نهر الفرات طرباً لحضورك. تعالَ كي تراني كما أنا بشعري الكستنائي الناعم الحريري الذي أخذ الشيب يتكاثر فيه لتفكيري فيك وكيف أداري هذا الشيب ببعض الحناء. هل تعرف أو تتذكر الحناء؟ أنا معجبة بك !

أجلْ يا حبيبة أعرف الحناء. كان في قديم الزمان رجل كبير السن أعمى يدور في درابين الحلة صارخاً بأعلى صوته : حنّة عَجم والقول عالتجروبة... أي تجربة هذه الحناء هي المحك المعوّل عليه. لعل أبناء جيلي ومَن قبلنا وبعدنا يتذكرون هذا الرجل المسكين الذي يكسب قوتَ يومه وهو ضرير. لا تموت بابلُ ما دام فيها أمثال هذا الرجل الكادح الأعمى الشريف. إنها بحاجة لأمثاله عميانَ ومبصرين وليست بحاجة إلى آلهة وأرباب وملوك.

 

عدنان الظاهر

27.07.2008

 

محمود محمد علييقال أن الباحث في المجتمعات العربية عندما يتحدث عن المرأة فإنه يسير علي أرض مليئة بالألغام .. ونحن هنا في صحيفة المثقف الزاهرة نغرف غرفا، لنتحدث عن امرأة عزيزة علي القلب والروح؛ ألا وهي الدّكتورة "نجاح موسي علي"  - الأستاذ المساعد بقسم الفلسفة - بكلية الآداب – جامعة سوهاج بجمهورية مصر العربية ، والذي خطفها الموت خطفا بعد صراع طويل مع المرض، لتصعد روحها إلي باريها وذلك في يوم الجمعة الموافق 20 سبتمبر 2019 عن عمر يناهز 64 عاما، تاركة سمعة وسيرة عطرة ستخلّدها في قلوب من عرفوها.. صمتّ وحدي عندما اتصل بي صديقي الدكتور علي قاسم (الأستاذ المساعدة بقسم الفلسفة بسوهاج)  ليبلغني بذلك الخبر الفاجع.. تعطّلت قواي، عادت بي الذّاكرة إلى مواقف كثيرة لا تنسى.

تذكّرت مقولة للإمام عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول فيها: "أكره الحق، وأهرب من رحمة الله، وأصلي دون وضوء! فسئل: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أكره الموت وهو حق، وأهرب من المطر وهو رحمة من الله، وأصلي على الرّسول دون وضوء.

ووالله إنّ الموت مكروه مع أنّه حقّ على الأحياء كلهم، خصوصا إذا ما اختطف إنسانة وأستاذة شرفت بالتدريس علي يديها، كانت أستاذة لا مثيل لها في القيم الأخلاقية ؛ فقد كانت تنضح حبّا إنسانيّا قلّ مثيله. رحلت عنا.. وهي لم تحمل ضغينة لأحد.. رحلت لتترك غصّة في قلوب من عرفوها كلهم، فوالله إنّ العين لتدمع وإن القلب ليحزن، "وإنّا لفراقك  يا دكتورة نجاح لمحزونون".

ولعلى بهذا المقال أوفيها شيئا من حقها وفضلها في حق التتلمذ على يديها سنين طوال، وإن لم أستطع ملازمتها طويلا، لكنى استلهمت بعضا من روحها الجميلة وحنوها مع صلابته وقوتها، فهو نموذج نادر لتلك المرأة الصعيدى التي جمعت الصلابة فى الحق والصدع به، مع الرحمة بالخلق والعطف عليهم والمودة لهم.

وتعد الدكتورة نجاح موسي علي نموذج حقيقي لنضال المرأة المصرية فى سعيها للتميز والنجاح؛ حيث أبحرت بين أصعب القضايا الفلسفية الحديثة والمعاصرة في لغاتها الأصلية، وظلت تثق بنفسها وصريحة إلي حد التطرف في المصارحة والبعد عن المداهنة ولا تقول لنا إلا الحق، وهي من جيل جاء فى زمنٍ كان يقتصر فيه دور المرأة على المنزل فقط، ولا شك أن إسهاماتها ستظل علامة مضيئة للمرأة المعاصرة، وهي ظاهرة لا تتكرر كثيرا بين النساء  الصعيديات بمصر المحروسة.

وقد حصلت الدكتورة نجاح موسي علي ليسانس آداب قسم الفلسفة بتقدير "جيد جًدا" من كلية الآداب جامعة المنيا عام 1977م، ودرجة الماجستير في الآداب بتقدير "ممتاز" من جامعة أسيوط 1984م، ودرجة الدكتوراه في الفلسفة مع مرتبة الشرف الأولي من جامعة الزقازيق سنة 1989م؛ وعلي إثر ذلك تم تعيينها مدرسا للفلسفة الحديثة والمعاصرة عام 1989 ومن قبل كانت معيدة خلال عام 1977، ثم مدرسا مساعدا عام 1984، وشاءت عناية الله أن ترقي درجة أستاذ مساعد لتكون أول امرأة تشرف علي قسم الفلسفة بكلية الآداب بسوهاج.

وللدكتورة نجاح موسي العديد من الكتب والأبحاث المنشورة منها بحث بعنوان "الحب العقلي لله وعلاقته بالسعادة عند سبينوزا، والاتجاه النسبي في الأخلاق في إحدى الفلسفات المعاصرة - "وليم جيمس نموذجا"، وبحث بعنوان "مشكلة وجود الشر في العالم عند ليبنتز"، وبحث بعنون "تصور هوبز للإلزام الأخلاقي، والمنفعة الحدسية عند سدجويك"، وكتاب من أعلام الفلسفة الحديثة، وكتاب بعنوان دراسات في فلسفة الأخلاق، وكتاب المنفعة الفردية عند توماس هوبز، علاوة علي ترجمتها لكتا مقالات في الأخلاق البيولوجية؛ كما أشرفت علي العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه . علاو ة علي أنها حضرت الكثير من الندوات والمؤتمرات خلال الأعوام من 2001 وحتي أعوام 2009.

كانت الدكتورة نجاح موسي من جيل الأستاذة الذين يؤمنون بأن الأخلاق تمثل الأخلاق الجانب المعنوي والروحي في الحضارة الإسلامية وجزءً أصيلا من بنيتها الثقافية، كما أن للأخلاق دورا حاسما في التطور الفكري والتقدم الحضاري، فهي تلمس كل مظاهر الحياة الإنسانية، وتقرر مواقفنا إزاء الظواهر والمعطيات الخارجية. وبالتالي، يتميز الحديث عن الأخلاق بكونه يتصل بوجودنا الإنساني مع الحياة بتفاعلنا مع ما تطرحه من تحولات ومسارات.

وفي ذات الوقت كانت تؤمن الدكتورة نجاح موسي بأن الفلسفة هي في أصلها نظرية أقرب ما توصف بأنها عمليه، وهذا قد لا ينطبق على الأخلاق من حيث أنها سلوك والسلوك أمر لا يفسر لمجرد النظر بل أقرب ما يكون بالعمل وكثيرا ما كنت أسمعها تبين أن الفلسفة نظر استدلالي، بحيث لا نحتاج إلا لاستخدام العقل والنظر للوصول إلى الحقائق سواء بالكونيات أو الغيبيات أو السلوكيات.

ومع بداية بزوغ البحث الفلسفي في بلاد اليونان تؤكد الدكتورة نجاح موسي أن الفلسفة بمعناها العام انشطرت إلى قسمين أساسيين: قسم نظري وآخر عملي. وإذا كان ثمة خلاف في عديد مباحث القسم النظري، فلا يوجد مثل ذلك الخلاف فيما يرتبط بالقسم العملي، فقد تلقّى الباحثون منذ القدم هذا القسم في أبحاث ثلاثة: سياسة وأخلاق وتدبير المنزل. فالأخلاق تمثل ضلعًا من ثلاثي أضلاع الحكمة العملية التي تهتم بتكاليف الإنسان ووظائفه.

علاوة على ذلك، فإن البحث الأخلاقي في نظر الدكتورة نجاح موسي له جانبان؛ يرتبط أحدهما بالنظر والأسس والتصورات العامة عن الأخلاق، فيما يتعلق الجانب الآخر بالعمل وبيان أنماط السلوك الفردي والجمعي، ووفق هذا التقسيم فإن الجانب الأول يتكفّل وضع النظريات والمبادئ العامة التي يستند إليها السلوك البشري، وكذا عرض ونقد مختلف وجهات النظر والمقولات التي يمكن أن تطرح في هذا الشأن. فيما يتكفّل الجانب الثاني البحث في التطبيقات العملية للسلوك الأخلاقي بوجوده المحدّد الخارجي.

وحول التفرقة بين بين حقلي علم الأخلاق وفلسفة الأخلاق، فمن جهة أولى تعتمد فلسفة الأخلاق في  نظر الدكتورة نجاح موسي علي العقل كأداة في البحث والتحليل والاستدلال، فيما يمكن لعلم الأخلاق أن يعتمد أدوات ومصادر متعددة كالعقل والنص الديني وتواضعات الناس واتفاقاتهم وسائر نتائج البحوث الإنسانية. ومن جهة أخرى فإن فلسفة الأخلاق لا تتكفّل البحث في تفاصيل المسائل الأخلاقية، خلافًا لعلم الأخلاق فإنه يقدم الفتاوى الأخلاقية وما ينبغي وما لا ينبغي فعله من تفاصيل المواقف العملية السلوكية ؛ كما أن فلسفة الأخلاق ليست أخلاقًا في نظر الدكتور نجاح موسي، بمعنى أنها لا تمثل مجموعة قواعد سلوك خاصة، وإنما هي إطار نظري واقع خلف الأخلاق (ميتا أخلاق)، فهي نظرية عقلية عن الخير الشر والقيم والسلوك الأخلاقي؛ تفكك قواعد الأخلاق وتحلل بناها، وتقدم رؤية متكاملة عن الأخلاق.

وكانت تعول الدكتور نجاح موسي علي أن أفعال العقل كثيرا ما تكون أفعال خُلقية، حيث تري أنه طالما أن جميع أفعال الإنسان بما فيها أفعال العقل أفعال خلقية، فيلزم أن يكون العقل جزء من الأخلاق، بحيث يصبح العقل تابع للأخلاق. أي أن قابلية الأفعال النظرية والفكرية للتقويم الخُلقي هي ما يجعل العقل تابعاً لمجال الأخلاق. بل أكثر من هذا، حيث أن التصرفات التي تعد تصرفات لا أخلاقية هي لا توصف على أنها تصرفات لاعقلانية بل توصف بأنها لا إنسانية، حين نقول بأنه تصرف لا أخلاقي فإنه يعتبر تصرف لا إنساني. أما حين نقول أنه تصرف لاعقلاني لا يلزم عنه أنه تصرف لا إنساني.

وحول الأخلاق في الفلسفة العملية (البرجماتية) كانت الدكتورة نجاح موسي تبين لنا أن المذهب النفعي تفرع في النصف الأول من هذا القرن فروعًا شتى وانتصر له طائفة من الفلاسفة الأمريكيين بوجه خاص وأصبح من الجائز في منطق هؤلاء النفعيين أن يوضع لحل المشكلة الواحدة مجموعة من المذاهب قد تصدق كلها أو يصدق الكثير منها في وقت واحد، متى أفضت هذه الفروض إلى تحقيق منفعة بغير اعتراف للحق لذاته أو الباطل لذاته، ويتضح المذهب بصورة أوضح عند أحد كبار فلاسفته وهو "وليم جيمس" الذي يرى أن الخير يقوم في إشباع مطالب الإنسان وتحقيق رغباته، جاء بعده "جون ديوي" الذي اعتبر الأفكار والمثل العليا والمبادئ مجرد وسائل وذرائع يستعين بها الإنسان فيتوجه سلوكه إلى حيث تتحقق مطالبه وغاياته.

وعن نقد البعد الأخلاقي عند البرجماتية كثيراً ما نجد الدكتورة نجاح موسي تعول في ذلك علي ما قاله أستاذها الدكتور الطويل في تقييم هذه الفلسفة والذي يقول :"ويكفي أن نعتبر البرجماتية الحق أو الخير كالسلعة المطروحة في الأسواق، قيمتها لا تقوم في ذاتها بل في الثمن الذي يدفع فيها فعلًا فالحق فيما يقول جيمس كورقة نقد تظل صالحة للتعامل حتى يثبت زيفها، ولم يجد أصحاب البرجماتية غضاضة في النظر إلى الحق أو الخير، كما ينظرون إلى السلعة التي تطرح في الأسواق، هذه هي العقلية الأمريكية في الفلسفة وفي الأخلاق وفي السياسة وفي كل مجال"، بيد أن الدكتورة نجاح موسي تضيف إلى ذلك أن هذه الفلسفة كانت ملهمة للنظام الرأسمالي القائم على مبدأ المنافسة الحر، ثم ظهرت مساوئه عند التطبيق واستفحلت أخطاره التي تتضح في اللا أخلاقية بالرغم من التقيد ببعض الفضائل كالأمانة والانضباط والدقة ومراعاة المواعيد، ثم الارتباط الوثيق بالحرب، وأخيرا الانحرافات السلوكية وأظهرها الإجرام، إذ أن فتح الباب على مصراعيه للمنافسة والصراعات من شأنه تمجيد العنف.

وأخيرا تصل الدكتورة نجاح موسي إلي نتيجة هامة ومهمة وهي أن الأخلاق الحقة هي التي تبقى لجوهرها وتصلح لكل زمان ومكان. إنها تتطور وتسمو بالفرد إلى الأفق، نحو نظام متكامل منسجم، وإلا فالباقي هو قيم الانحطاط والارتداد. لذلك نجد في الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية تشديدا على الأخلاق، ليس كمحدد لطريقة تصرف الإنسان وسلوكه مع كل مظاهر الحياة فقط، بل أيضا كعلم يهدي إلى التي هي أقوم.

وفي النهاية لا أملك ألا أقول: أستاذتي الدكتورة نجاح لكِ منا كل الثناء والتقدير، بعدد قطرات المطر، وألوان الزهر، وشذى العطر، على جهودك الثمينة والقيمة .. فمنك تعلمنا أنّ للنجاح قيمة ومعنى .. ومنك تعلمنا كيف يكون التفاني والإخلاص في العمل، ومعك آمنا أنّ لا مستحيل في سبيل الإبداع والرقي.. ومنك تعلمنا أنّ للنجاح أسرار .. ومنك تعلمنا أنّ المستحيل يتحقق بثانويتنا.. ومنك تعلمنا أنّ الأفكار الملهمة تحتاج إلى من يغرسها بعقول طالباتنا .... فلك الشكر على جهودك القيمة لكونك كنت ملاكاً يمشى على الأرض فى زمن يتكالب فيه الناس على الحطام.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ضياء نافعنستمر في هذه الحلقة بالحديث عن طلبة كلية الجيولوجيا في جامعة موسكو. الاسم الذي اريد ان اتوقف عنده قليلا هو المرحوم غريب رياح . كنّا نناديه باسمه واسم ابيه دائما – غريب رياح، ربما (لغرابة!) هذين الاسمين معا، وربما لطرافة غريب نفسه ورشاقته الروحية وخفّة دمه وابتسامته الدائمة واستجابته للتعاون والتعاطف مع الجميع . لقد كان منسجما مع جميع المحيطين به من عراقيين وروس . ذهبت اليه مرّة، وقلت له، ان الكليّة دعتنا – نحن العراقيين – للمشاركة في حفلتها، ونحن لسنا مستعديّن، فقال لي رأسا، انه يعرف اغنية روسيّة يغنيّها الشباب الروس في سفراتهم ويحبونها جدا، وانه يمكن لنا – نحن العراقيين - ان نحفظها ونغنيّها بسرعة، واذا ما قدمناها امامهم في الحفلة، فستكون مشاركة ناجحة وطريفة . وافقنا جميعا على هذه الفكرة (الغريبية الرياحية!)، وامسك غريب بيده غيتارا (وهو لا يعرف بتاتا العزف عليه) وبدأ وكأنه يعزف، وبدأنا نحن حوله نتدرب على غناء تلك الاغنية الروسية حسب الكلمات التي علّمنا اياها، وهي كلمات رقيقة وبسيطة تتحدث عن انطباعات الناس وهم ينظرون الى الجنود الذين يمرّون امامهم ويدكّون الشوارع باحذيتهم العسكرية. حفظنا الاغنية – بحماس الشباب ومرحه - خلال اقل من ساعة، واتفقنا ان نكون هناك في الوقت المحدد . حضرنا طبعا، واخبرت مسؤول الحفلة، اننا سنقدّم اغنية روسيّة . فرح المسؤول الروسي واندهش من قرارنا، ووافق رأسا على هذه (المشاركة العراقية الجميلة!) دون ان يسألنا عن تلك الاغنية، وهكذا ظهرنا على خشبة المسرح وقدمّنا تلك الاغنية وغريب رياح يتوسطنا وهو يمسك بالغيتار وكأنه يعزف عليه . استقبلنا الحضور الكبير (وهم طلبة روس طبعا) بحرارة وحماس هائل ومرح وابتسامات وضحك وهم يستمعون الينا، وصفقوا لنا تصفيقا حادا جدا أدهشنا عندما انتهينا من الغناء، وما ان انسحبنا من خشبة المسرح ونحن سعداء بهذا النجاح الرائع، فاذا بالمسؤول عن الحفلة يركض نحونا وهو يصرخ قائلا، ماذا عملتم، وكيف تقدمون اغنية ممنوعة في الاتحاد السوفيتي على خشبة مسرح بجامعة موسكو!!. فوجئنا نحن طبعا بردة الفعل هذه، وقلنا له، اننا لا نعرف انها ممنوعة، ولكننا سمعناها من الشباب الروس انفسهم وهم يغنونها. حاولنا طبعا ان نخفف من ردود فعله، ونحن نعتذر ونتعثّر بالكلام معه ونتحدث عن مضمون تلك الاغنية البسيط جدا، وانسحبنا – بعدئذ - رأسا بهدوء وبسرعة من تلك الحفلة . لقد تبين لنا (بعد فترة طويلة طبعا)، ان هذه الاغنية من تأليف وتلحين وغناء الشاعر بولات أكودجافا، وهو من اوائل الشعراء السوفيت الذين بدأوا بالقاء قصائدهم مغناة امام الجمهور وهم يعزفون على الغيتار، وقد تقبّله الجمهور السوفيتي بحماس منقطع النظير، لأن أشعاره كانت بسيطة ورقيقة وذات مضامين انسانية بحتة، وخالية بتاتا من الشعارات والكلمات الطنانة والرنانة، التي كانت تسود في تلك الايام الخوالي . والشاعر أكودجافا من أب جورجي تمّ اعدامه زمن ستالين بتهمة (عدو الشعب!!) وامّ ارمنية تمّ سجنها ونفيها لنفس تلك الاسباب السياسية الواهية والرهيبة في ذلك الزمن المتجهم (انظر مقالتنا بعنوان – الشاعر بولات أكودجافا ..تعريف وقصائد). كان الشباب السوفيتي يتابع اغانيه سرّا وعن طريق اشرطة التسجيل التي يسربوها من يد الى يد، وان الدولة السوفيتية آنذاك قد منعت رسميّا نتاجاته كليا من التداول في وسائل الاعلام السوفيتية، ولكن الممنوع مرغوب كما يقول المثل، ولهذا كان الشباب يغنون تلك الاغاني بحب وحماس اثناء سفراتهم، وكان الجميع طبعا يعرفون تلك الاغاني، ولكن لا احد يجرأ ان يقدمها في الحفلات الرسمية او يتحدث عنها علانية، ولهذا السبب بالذات استقبلتنا القاعة آنذاك بذلك الحماس والتصفيق، لانهم ظنوا، اننا قررنا تأييدهم وتقديم الاغنية من على خشبة المسرح بغض النظر عن منعها من قبل السلطات السوفيتية، وذلك لكوننا أجانب، وان السلطات لا تستطيع ان تحاسبنا مثلهم . ضحكنا كثيرا – بعد انسحابنا من الحفلة بعد هذا العرض -  ونحن نقول لغريب رياح انك ورطّتنا، رغم اننا جميعا كنّا لا نعرف طبعا تلك التفصيلات عن الرقابة السوفيتية ومفاهيمها وتعليماتها الصارمة واجهزتها، والحمد لله، ان المسألة انتهت آنذاك بسلام .

عاد غريب رياح الى العراق بعد التخرّج، ولم يحاول التشبث بالبقاء للحصول على الدكتوراه كما فعل بعض الخريجين آنذاك، وسمعت انه شغل منصبا محترما في احدى المحافظات، وسمعت ايضا بوفاته مع الاسف، ولا اعرف سبب رحيله المبكر.

 الرحمة والسكينة لروحك يا صديقنا وزميلنا الرائع غريب رياح .

 

أ. د. ضياء نافع

 

ساطع هاشمفاجأني قبل ايام الصديق الفنان يوسف الناصر بأرساله صورة لإحدى لوحاته التي كان قد رسمها سنة 1975 في السنة الاخيرة من دراسته في اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد وبمساعدة استاذه الفنان الكبير الراحل فائق حسن ولمسات فرشاته الزاهية، وسألني ان كنت أنا الموديل المرسوم بهذه اللوحة، نظرا للتشابه بيني وبين الشاب الجالس.

وقد أعادتني المفاجأة وهذه اللوحة الى خمسة واربعين سنة ماضية، والى بداياتي في عالم الرسم، عندما عملت لمدة حوالي الشهرين موديلا في اكاديمية الفنون، وكانت فترة قصيرة رائعة اتذكرها دائما لأني لم ادرس الفن بالعراق ولا في اية مدرسة او معهد عراقي، وكانت تلك الشهرين بالنسبة لي هي الفترة الوحيدة التي اعتبر نفسي بها باني درست خلالها الفن بالعراق، والقصة هي:

في صيف سنة 1974 انهيت الدراسة المتوسطة في بغداد، وقد قررت مصيري قبل ذلك بسنتين في ان اصبح رساما، وتقدمت بأوراقي للقبول في معهد الفنون الجميلة لتلك السنة، لكنهم رفضوا قبول اوراقي لأنها لا تحتوي على تزكية من منظمة البعث الطلابية تؤكد انتمائي اليهم، والتي كنت امقتها واحاربها لأني أحد اعضاء اتحاد الطلبة العام بالجمهورية العراقية احدى المنظمات المهنية للحزب الشيوعي العراقي، وكانت تلك السنة هي بداية التبعيث القسري للمجتمع العراقي، مما اضطرني ذلك الى سحب تقديمي وتقديم اوراقي الى المدرسة الاعدادية، وقد رفضت اوراقي هناك ايضا لنفس الاسباب، الى ان استعمَلت الوساطة عن طريق احد الاقرباء وقبلت في مدرسة اعدادية اخرى.

ومنذ تلك السنة بدأت مشاكلي ومتاعبي السياسية مع البعثيين، حالي من حال الالاف من الشبيبة الديمقراطية والشيوعية العراقية الحرة، وقد اضطرني اضطهاد السفلة البعثيين الى ترك العراق بعد اكمالي الدراسة الاعدادية مباشرة سنة 1978 والى الان، وعلى مدى هذه السنوات الواحدة والاربعين التقيت بالكثير من البشر من مناطق وقوميات ودول مختلفة من دول العالم ولم ارى خلال هذه العقود الاربعة من الزمن من هم اكثر خسة من البعثيين، فلا توجد حقارة ونذالة وقذارة بالنفس البشرية مثلما هي موجودة عند البعثي، نذل دنئ مجرم قاتل سافل، هكذا جرى ويجري تدريبهم منذ الصغر، لكن تلك قصة اخرى ذكرتها هنا لأوضح كيف ولماذا قادني طموحي في سبيل احتراف الفن الى مرسم الفنان الخالد فائق حسن وطلبته.

بدأت العمل في بداية شهر اذار وقد تعهدت للأكاديمية بأني سألتزم بالحضور صباح كل يوم والى ان يتم تبديل موضوع الرسم الى موديل اخر، وجرى تحذيري من ان اي انقطاع سيسبب ارباك للطلبة وسأفقد اجوري ان غبت، وكنت سعيدا جدا في هذا الالتزام لأني كنت عازما على التعلم والتعرف على اصول الفن لاحترافه لاحقا، وكانت اجرتي ديناراً واحد عن كل يوم، وكان ذلك مبلغا جيدا جدا بالنسبة لمراهق في الخامسة عشر من العمر، كنت اصرفها جميعا على شراء الكتب ومواد الرسم، واجور المواصلات لحضور المعارض، وانتهى عملي في اواخر نيسان مع نهاية العام الدراسي واستعداد الطلبة للمعرض النهائي.

وقد رسمني اولا طلبة الصف الرابع الذي كان يديره الفنان فائق حسن ثم انتقلت الى الصف الثالث الذي كان تحت اشراف الفنان حافظ الدروبي، ولا اتذكر الان غالبية الطلبة، حتى اني لا اتذكر الفنان يوسف الناصر نفسه وتعرفت عليه في لندن سنة 1996 ، حيث ربطتني علاقة تعارف محدودة بالطلبة اثناء تواجدي بالعمل وبعدد محدود من الطلبة، اتذكر منهم الفنان كاظم شمهود الذي كان يعمل في المساء رساما في مجلتي والمزمار لرسوم الاطفال، ومازلت اتذكر كيف عمل اسكيجات لموضوع الانشاء باستعمال مادة الحفر على الزنك، وكنت اجلس الى جانبه وهو يرسم، وقد رسم في حينها موضوع واقعي واجتماعي من خلال حياته ومشاهداته الشخصية، وكان لامرأة فلاحة تبكي بقرتها الميتة، وقد اعجبني ذلك الموضوع جدا وحاولت عدة مرات اعادة رسمه من الذاكرة بعد ذلك.

ثم تعرفت على الفنان منصور البكري الذي كان يعمل في صحافة الاطفال ايضا، وكنت من المعجبين جدا برسومه والوانه الشفافة، ولا اعتقد اني شاهدت خلال تلك الفترة من هو اكثر براعة بالتلوين المائي منه، وكان طالبا بارزاً وعلى ما أتذكر في السنة الثانية، وقد دعاني الى منزله في منطقة البتاوين عدة مرات، واخر مرة التقيت به كانت في ربيع سنة 1978 قبل سفري بشهور قليلة، ليكشف لي عن مفاجأة كان سعيدا بها، وهي اقتنائه احدى لوحات الفنان فيصل لعيبي بمبلغ خمسين دينار من المعرض الذي اقيم في قاعة كولبنكيان / الطابق الثاني بالاشتراك مع الفنان صلاح جياد والفنان نعمان هادي، وهو المعرض الذي حظي بإعجابنا جميعا، وبعد ذلك لم التقي لا بالفنان كاظم شمهود ولا بالفنان منصور البكري، ولا ادري ان كانوا يتذكرونني الان ام لا.

كان مرسم الفنان فائق حسن أكثر جدية وحيوية من مراسم بقية الفنانين، وكان حضوره يوميا، وغالبا ما يقوم بمساعدة الطلبة بتعديل رسومهم بنفسه، ودائما يستعمل طرق ايضاحية مع الكثير من الشرح لتدريب عين الطالب على الدقة بالملاحظة فكان حريصا مثلا على وضع اضاءة البروجكتر بزاوية حادة بحيث يخلق الضوء والظل بشكل واضح يساعد الطالب على رؤية الموديل بتفاصيله، وفي بعض الاحيان كانت الاضاءة الشديدة تسبب لي الحرقة والدمع، مما يستدعي استراحتي لفترة، واتذكر العطف الحنون في احدى المرات من احدى الطالبات عندما شاهدت دموعي تنهمر بغزارة وانا لا اشكو، فسارعت بإطفاء البروجكتر واعطتني منديلها اجفف به الدمع، وللأسف لا اتذكر اسمها الان.

اضافة الى انه كان يحثهم على الممارسة والتعلم من الفن العالمي، واتذكر مرة كان قد غضب على طلبته قبل نهاية الدوام لقباحة الوانهم وسوء استخدامهم الاصباغ الزيتية، وقد احضر لهم كتاب البوم لوحات الفنان الفرنسي مونيه، وصار يقلب الصفحات والصور ببطيء واحدة بعد الاخرى ويشرح لهم بصبر وتأني اصول – الكونتراس /التضاد اللوني والتدرج الهارموني وغير ذلك، وهذه المصطلحات وغيرها لم اكن قد سمعت بها من قبل وكانت جديدة علي كل الجدة، فكنت استمع اليه وكأني احد طلابه وانا مبهور وغير مصدق بأني اقف الان واستمع واتعلم من هذا العظيم الذي انتج في السنة التي ولدت فيها رائعته العملاقة المعروفة باسمه بين الجمهور، جدارية فائق حسن، وعندما زرت بغداد في نيسان من العام الحالي 2019 بعد واحد وأربعين سنة فأن اول مكان ذهبت اليه وصورته كان ساحة الطيران والجدارية الخالدة، وقد نشرت بعض من تلك الصور على صفحتي بالفيس بوك.

كانت تلك الايام سعادة حقيقية بالنسبة لي، عززت من ثقتي بالفن والرسم واهميته بالحياة، وزادت من إصراري على احترافه، حتى إني كنت اعمل فوتو كوبي لوصل صرف اجوري موقعا من استاذ المرسم لإثبات إني عملت لهذا اليوم او ذاك في هذا الصف او ذاك، اذا كان يحمل توقيع الفنان فائق حسن واحتفظ به كذكرى احيانا، ولم أكن أعيد النسخة الاصلية للوصل الى قسم الحسابات لاستلام المبلغ الا بعد يومين او ثلاثة، الى ان يشاهد اهلي واصدقائي توقيع فائق حسن نفسه واسمي في اعلى الورقة، فانا لم اعمل موديلا بالأكاديمية لأني كنت بحاجة الى المال آنذاك بل لأتعلم.

1207 فائق حسن

كان قد رسمني الفنان فائق حسن مرات عديدة وفي كل يوم اكون به الموديل ولكن ضمن لوحات طلبته التي لا تخلو من بصماته كما ذكرت، لكنه رسمني بلوحة مستقلة من انتاجه مرة واحدة فقط، في اسكيج سريع بحجم ربما 30 سم / 50 سم على ما اتذكر ليوضح به للطلبة كيفية توزيع الظل والضوء واختيار لون البشرة وما شابه، وفي النهاية سألته اذا كان بإمكاني الاحتفاظ باللوحة فوافق، غير معتبرا لها عملا مهما وانما عمل عادي يومي، وبما انها مرسومة بالألوان الزيتية فقد (نصحني) بعض الطلبة الى تركها حتى غدا لتجف الاصباغ وآنذاك يمكن نقلها بدون تلف، لان الرسم سيتغير وتفسد اللوحة اذا لامستها اليد او اي شيء اخر، وقد اقتنعت بالحجج وتركت اللوحة، وعندما عدت باليوم التالي كانت اللوحة قد اختفت وكل واحد يدعي انه لا يدري اين ذهبت ومن اخذها، وراحت جهودي للبحث عنها اسبوعا كاملا دون جدوى ثم ضاعت والى الان، واتمنى انها مازالت في مكان ما بين لوحات طلبة الصف الرابع اكاديمية الفنون للسنة الدراسية 1974 / 1975 وارجو ان نعثر عليها ذات يوم.

في نفس تلك الايام كان فائق حسن قد رسم الفنان المسرحي أسعد عبدالرزاق عميد الأكاديمية وقتها، وكنت حاضرا على مدى يومين او ثلاثة اشاهد فائق حسن وانامله الساحرة الى ان انجز العمل، وكانت تلك اللوحة بالأصل قد رسمها الفنان صلاح جياد عندما كان طالبا قبل ذلك التاريخ بثلاثة سنين، وقد طلب أسعد عبد الرزاق من فائق حسن تعديلها، وتغيير الوانها وتعديل الملابس باللوحة الى البدلة الانيقة التي كان يرتديها، وهذا ما قام به الفنان الكبير ببراعة، وقد عرضت هذه اللوحة في السنة التالية 1976 في قاعة كولبنكيان ضمن معرض الاحتفالية بيوم الفنان فائق حسن وانجازه الشخصي الذي ضم حوالي المئتين لوحة، وقد كنت حاضرا في الافتتاح وفي الندوة الخاصة التي اقيمت للفنان والتي ادارها شاكر حسن ال سعيد وسٌجلت على اشرطة كاسيت والكثير من الصور الفتوغرافية ونقلت بفلم وثائقي عرض في تلفزيون بغداد.

كذلك كنت حاضرا عندما رسم أحد طلبته واسمه جبار مجبل، بلوحة متوسطة الحجم شاهدتها من بداية الرسم الى ان اكتملت، وكان جبار سعيدا وفخورا باللوحة بشكل لا يوصف (وربما مازال) وقد شاهدت قبل عدة سنوات صورة لهذه اللوحة عل أحد مواقع الانترنيت، واتمنى ان تكون مازالت في حوزة جبار مجبل، فهي لوحة رائعة، بها طابع العمل السريع وايضا البطيء المتقن.

ومنذ تلك الشهور والى ان تركت العراق في اب من سنة 1978، لا اعتقد انه يوجد معرض جماعي او شخصي وفي اي منطقة من مناطق بغداد لم ازوره، ولا اعتقد ان هناك كتابا واحدا بالفن لم اقتنيه وأقرأه، كانت سنوات غنية جداً كونت بها نفسي بنفسي بدون معلم رسم، واصبحت الاوراق وعدة الرسم تلازمني في اي مكان اذهب اليه، بالبيت والمدرسة والمقهى ومع الاصدقاء وفي كل مكان وما زلت على هذا الحال الى الان، وكان لتشجيع واعجاب بعض اصدقائي من جيلي برسومي ونقاشاتنا الدائمة تأثير كبير على استمراريتي وتذليل الصعاب وتحملها، واتذكر على الخصوص صداقتي المميزة مع الشاعر والمفكر المبدع عادل عبدالله، الذي تعرفت عليه في صيف تلك السنة وكان عمره اثنين وعشرين سنة ويكبرني بستة سنوات، وكان قارئ نهم وشعلة من الذكاء والفكر، تعرفت عن طريقه على الشعر وقراءة الرواية والفنون السريالية ومعنى الوجودية وغير ذلك الكثير، وانقطعت علاقتنا منذ ان تركت العراق مثلما حدث لي مع اصدقاء اذكياء اخرين لا يقلون موهبة وروعة عن عادل.

من المفترض (نظريا على الاقل) ان تكون هناك ما لا يقل عن عشرين لوحة لطلبة الاكاديمية من تلك السنة تمثلني، فقد كان هذا هو عددهم على ما اتذكر، هذا على افتراض انهم ما زالوا يحتفظون بلوحاتهم من سنين الدراسة، وليس الفنان يوسف الناصر وحده من يحتفظ بلوحته، واعتقد ان غالبيتها (ان وجدت) كانت بهذا الشكل او ذاك قد رسمت وهي تحمل بصمات واسلوب الفنان الملون الخالد فائق حسن.

 

ساطع هاشم

 

عبد الحسين شعبانعبارة أثورة وبشرطة نور السعيد

هي التي تخرج الزعيم عن حلمه

كرّمني الجواهري حين عدّني صديقاً له ،فكتب في العام 1986  في مقدمة كتاب "الجواهري في العيون من أشعاره" "... ويسرّني في الختام أن أخصّ بالشكر الجزيل والامتنان العميق أخي وصديقي الأديب والمؤلف الدكتور عبد الحسين شعبان، على أتعابه وفرط عنايته وجهوده الحميدة، سواء بما تقابل به معي في اختيار هذه " العيون" وفيما يختص بضمّ هذه اللقطة المختارة إلى جانب تلك أو في تصويرها أو الإشراف على طبعها وتصحيحها وكما قيل:

من يصنع الخير لا يعدم جوازيه    لا يذهب العرف بين الله والناس"

وكتاب "الجواهري في العيون من أشعاره" المشار إليه في أعلاه هو "مختارات من شعره ومن بعض قصائده" بذائقة أدبية، حيث تم اختيار العيون في إطار عشريات (كل عشر سنوات) من أشهر القصائد، ومن أهم الأبيات التي فيها للقصائد الطويلة، وكتب هو مقدمته، وقد صمّم غلافه الفنان مكي حسين، وصدر عن دار طلاس في دمشق (1986).

ولعلّ وقع كلمة الصديق والأخ كبير في نفسي،  وهو ما عاد وكرّره في الأبيات التي أهداها إليّ في العام 1990، وأعتبر ذلك بمثابة تشريف أعتزّ به،  ولم أكن أعتبر نفسي  أكثر من "تلميذ" كان قد تأثّر بالجواهري الكبير في بدايات مشواره، فهو أكبر سنّاً من والدي، وكنت دائماً أعتبر أن الشعر بعامة والجواهري بخاصة أحد روافدي الروحية، وأشرتُ أكثر من مرّة أننا كبرنا مع الجواهري، حيث كانت مكتبة الأخوال والأعمام مليئة بدواوينه وبصحف ومجلات  وقصائد وأخبار عن كل ما يتعلّق بالجواهري، لدرجة كنت أشعر وكأنه يعيش معنا، وأتذكّر أن والدي عزيز شعبان كان يردّد دائماً :

أنا حتفُهم ألِجُ البيوتَ عليهم ُ  أُغري الوليدَ بشتمهمْ والحاجبا

وكان يستعيد قصيدة طرطرا التي يبدأها ونقوم بإكمالها له :

أيْ طرطرا تطرطري

تقدّمي، تأخّري

 

تشيَّعي تسنّني

تهوَّدي تنصَّري

 

تكرّدي تعرَّبي

تهاتري بالعنصرِ

 

تعممي، تبرّنطي

تعقلّي، تسدّري

وأتذكّر أيضاً، أننا لأول مرّة نستنشق هواء الحرّية ونملأ أفواهنا باسم الجواهري، حين جاء مدرّس اللغة العربية جواد الرفيعي في متوسطة الخورنق، وكان حينها عضواً في الحزب الشيوعي، وقد اعتقلنا معاً في العام 1963، ليطلب منّا أن نحفظ قصيدة الجواهري التي تغنّى فيها بالثورة:

جيش العراق ولم أزل بك مؤمنا        وبأنّـكَ الأمــــلُ المرجّى والمنى

عبد الكريم وفي العراق خصاصة             ليــــــدٍ وقد كنت الكريم المُحسنا

وهي القصيدة التي رفض الجواهري أن أصنّفها ضمن قصائد الخمسينات في مختاراتي للعيون، بل قال بصيغة استنكارية: أنها لا تعود لي وأرجوك شطبها من أرشيفك. ولعلّ ذلك ما دفعني للبحث في ما يتعلّق بما وراءها ، وهو موضوع هذه المقالة. وامتثلت لقراره بالطبع، لكنه لم يكتفِ بذلك، فعاد واتّصل بي تلفونياً من براغ ليتأكد من ذلك.

أعود إلى قصيدة جيش العراق، فلم يكن بوسعي  ونحن في الأسابيع الأولى للثورة  أن أخفي فرحي وغبطتي، لأنني كنت قد قرأت القصيدة في البيت واحتفظنا بها، وشعرت بنوع من التميّز على عدد من زملائي آنذاك، وهو ما أحاطني به الأستاذ الرفيعي. وعلى الرغم من أن هذه القصيدة ليست الأحب إلى قلبي من شعر الجواهري، لكنها ظلّت تشغلني لذكراها الخصوصية المصحوبة بالنشوة الأولى للثورة قبل أن نتجرّع مرارتها لاحقاً. وما زاد من انشغالي بالقصيدة هو تعليق الجواهري الآنف الذكر وتأكيده على حذفها.

كما وظلّ موقف الجواهري الشديد من قاسم محيّراً لي وكنت أحاول الاقتراب في إيجاد تفسير له، على الرغم من معرفتي بما حصل بينه وبين قاسم، وهو ما رواه الجواهري لي في تسجيلات خاصة أجريتها معه في مطلع الثمانينات، واقتبس منها الصديق حسن العلوي وأشار إلى مصدرها في كتابه المتميّز " الجواهري ديوان العصر"، ثم دوّنت جزءًا منها  في كتابي الموسوم "الجواهري - جدل الشعر والحياة" ط/1، دار الكنوز الأدبية ، بيروت ، 1997، وقد صدر قبل وفاته ببضعة أشهر، لكنني كنت أحاذر من التوغّل أكثر  في تلك المنطقة المحرّمة، حتى وقعت على "الطين الحرّي" كما يقال بعد حين، وذلك حين أتصل بي سعد صالح جبر في لندن، وقال هناك صديق يريد التحدث إليك، وهكذا التقيت بجرجيس فتح الله الذي ربطتني به صداقة وثيقة وتبادلنا الكثير من الآراء والرسائل واللقاءات فيما بعد، سواءً في المنافي أو  في كردستان، حتى توفي في العام 2006.

وقد فكّ جرجيس فتح الله "اللغز الغامض" في علاقة الجواهري بقاسم، وهو الذي  بقيت أسعى لحلّه سنوات طويلة، حين روى لي ما حصل في المشادّة الكلامية بين قاسم والجواهري التي كنت أعرفها، لكنني أجهل خفاياها كما يُقال، وعبثاً حاولت ذلك دون جدوى، وحسب ما ذكر جرجيس فتح الله،إن هناك محاولات عديدة بُذلت للنيل من الشاعر الجواهري، مفادها أن نوري السعيد منحه أرضاً زراعية ومضخة لسقيها على الفرات وأوصى به إقطاعيين كبار، إلى غير ذلك من " الترهات"، التي تم ترويجها .

وحين اندلعت الثورة كانت المهمة التي أنيطت  بوصفي طاهر هي إلقاء القبض على نوري السعيد بحكم كونه مرافقاً عسكرياً له طوال سنوات، حيث جرى اقتحام منزل السعيد الذي كان قد غادره عبر نهر دجلة في قارب ،كما هي الرواية المعروفة، فتم جمع الوثائق والمستمسكات والكتب منه وبضمنها نسخة من "ديوان الجواهري" وعليها إهداء شخصي رقيق إلى نوري السعيد وقد احتفظ بها قاسم في مكتبه .

ويمضي فتح الله ليقول حين انفتحت معركة أولى بين الجواهري وجريدته "الرأي العام" وبين "جريدة الثورة" وصاحبها يونس الطائي كان ذلك بسبب ما نشرته جريدة الرأي العام من افتتاحية بعنوان " ماذا يجري في الميمونة؟" التي سأعود لروايتها على لسان الجواهري، وكان الطائي ينطق وإن لم يكن رسمياً بلسان قاسم، فاستغل التوتّر الذي حصل بين قاسم والجواهري،  فهدّد الطائي بنشر صورة تدين الجواهري وكان يقصد بـ"الجرم المعلوم" ولم يكن ذلك سوى " الإهداء المزعوم"، وهو ما أظهره الطائي لعدد من أصحابه وزوّاره في مقر الجريدة بنيّة نشره كمستمسك ضد الجواهري، ولكن أحد زائريه اختلس الوقت ليخفي "الصورة الزنغرافية" عن "الإهداء المذكور"، بناء على اقتراح من جرجيس فتح الله الذي كان ملاحقاً كما أخبرني، وظلّ الطائي يفتش عنها فلم يجدها. وعلى الرغم من أنني دوّنت ذلك على لسان فتح الله، لكنني حين أصدرت كتابي عن الجواهري، لم أذكر ذلك.

واعتقدت أن الأمر ليس بذي بال، لكن جرجيس فتح الله نشر ذلك في جريدة القدس (العربي) بعد وفاة الجواهري، وأهملتُ الإشارة إلى الحادث في الطبعة الثانية من كتابي "الجواهري- جدل الشعر والحياة" (دار الآداب، بيروت، 2008) والطبعة الثالثة (دار الشؤون الثقافية ، بغداد،2010)، ولكن جرجيس فتح الله عاد ونشر مقالته المشار إليها في كتاب بعنوان " رجال ووقائع في الميزان" (حوار أجراه معه مؤيد طيّب وسعيد يحيى، دار آراس، إربيل، 2012)، الأمر الذي استوجب إجلاء الصورة وتوضيحها، علماً بأن الكتاب المذكور نُشر بعد وفاته.

وحسب رواية فتح الله فإن الورقة الخاصة بالإهداء (الصورة الزنكغرافية) بقيت معه وقد سلّمها للجواهري، الذي بقي صامتاً ولم يبنس بحرف مثلما يقول،  وحسب تفسيري فإن الجواهري حين يهدي كتاباً أو ديواناً، يكتب عليه عبارات مودّة وليس في ذلك شيء  ينتقص من الجواهري أو يسيء إليه، لاسيّما في العلاقات الإنسانية ، ولم يجد قاسم ما يهدّد الجواهري به سوى ذلك  الإهداء الرقيق- وبالطبع فهو إهداء شاعر لرجل دولة - وهو الذي قال عن زيارته إلى بيت الجواهري، " هذا البيت هو الذي أنبت الثورة"، لكن عصابية قاسم وردود فعله الغاضبة والانفعالية هي التي دفعته للصدام مع الجواهري دون مبرّر كاف، فالجواهري كان يعدّ نفسه من معسكره وهو من قام بتمجيده ، ومن جانبي كنت رويت الحكاية  من زاوية سسيوسايكولوجية ثقافية وذلك حين ذكرت:

يمكن القول أن حساسية ما بدأت غير معلنة بين الزعيم عبد الكريم قاسم والجواهري بعد الثورة، لما يمثّل كلّ منهما من مكانة رفيعة حيث كان الزعيم عبد الكريم قاسم قائد الثورة والقائد العام للقوات المسلحة ورئيساً للوزراء ، أي على رأس السلطتين السياسية والعسكرية، بينما كان الجواهري زعيماً للسلطتين الثقافية والإعلامية في العراق، فهو رئيس اتحاد الأدباء ونقيب الصحفيين العراقيين، بما توّفر هاتين المسؤوليتين من نفوذ أدبي ومعنوي.

وأضفتُ: كنتُ كلما مررتُ في شارع الرشيد قرب ساحة حافظ القاضي، تستوقفني صورة الجواهري، وهي تزين واجهة استوديو المصور المعروف الفنان (أرشاك) فقد انتشرت صوره على نطاق واسع مما كان يثير حفيظة بعض المسؤولين وقد يكون قاسم في مقدمتهم، وبقدر ما كان اسم الجواهري مثيراً، فهو إشكالي أيضاً، وبتقديري إن الرمز يثير إشكاليات عديدة، ويكون مصدراً للصراع في زمانه أو حتى بعد ذلك الزمان، نظراً لموهبته الهائلة وقدرته على إثارة أسئلة ليس بالإمكان الإجابة عنها في الحال، وإلى تفرّده وخصوصيته وعنصر الجدّة لديه، خصوصاً إذا ما حاول صدم ما هو سائد أو الإتيان بما ليس مألوفاً.

وكنت قد سألت الجواهري في مطارحاتي العديدة معه: أبو فرات، نعود إلى العلاقة مع «الزعيم» عبد الكريم قاسم وقصة المنفى.. ماذا تقول؟ فأجاب: من أكثر القضايا إثارة، هو علاقة شاعر بجنرال قائد ثورة أو انقلاب، وأضاف: تعرفت على عبد الكريم قاسم في لندن، وقد رافقني إلى طبيب الأسنان، لمعالجة أسناني، عندها كان هو في دورة عسكرية، والتقيته في السفارة العراقية آنذاك. ومرّت الأيام وسمعت بنبأ «الثورة» وإذا بي أفاجأ بصورة رجل كنت قد نسيت ملامحه، فإذا به «الزعيم» الذي أُطلق عليه «الأوحد» فيما بعد، وركبه الغرور حدّ التعسف.

ثم خاطبني: يمكن أن تتعجّب إذا قلت لك أن «الزعيم» كان كثير التهيّب في علاقته مع الأدباء وكان أول بيت زاره في العراق بعد الثورة هو بيتي وقد تكرّرت الزيارات، وعندما بدأت الأمور تسوء وبدأ يركب رأسه وينفرد بكل شيء، كتبت مقالة في الصحيفة التي كنت أصدرها «الرأي العام» بعنوان: ماذا يجري في الميمونة؟ والميمونة قرية في جنوب العراق تعرّضت لهجوم بوليسي انتهكت فيه الأعراض.

وبعد ذلك جاء على ذكر المشادة الكلامية بقوله: وصادف أن قابلنا الزعيم عبد الكريم قاسم في وزارة الدفاع، باسم الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء، وكان يحضر معي السيد الحبوبي والدكتور صلاح خالص والفنان يوسف العاني والدكتور المخزومي والدكتور علي جواد الطاهر، وإذا بالزعيم يخاطبني «.. أستاذ الجواهري: ماذا يجري في الميمونة؟..» وقد كنتُ أخشى مثل هذه المواجهة، لأنني كنت أتحاشاها، ولم أحدّد المعركة بعد. فأجبت بأدب وقلت له «سيدي الزعيم أنا لا أستطيع أن أدافع عن نفسي كثيراً في هذا الموضوع».

وقال مخاطباً الزعيم: أسألك فقط سؤالاً واحداً، هنّ بناتك وأظنهن جئن إليك وعرضن ما تعرّضن له.. بمعنى أنني لم أكتب ذلك عبثاً. ويمضي الجواهري في روايته فيقول : وقد أحرج «الزعيم» فهو لا يستطيع أن يقول لي نعم ولا يرغب أن يقول لي: لا. وأخذ يتهرب. ويقول الجواهري:الغلطة الكبرى التي ارتكبتها حين قلت له «أثورة وبشرطة نوري السعيد؟» فخرج (الزعيم) عن حلمه لأول مرّة، وبدون تفكير منه حسبما أظن قال لي: أنت من بقايا نوري السعيد (ولديّ الوثائق).

ويواصل الجواهري روايته بالقول: كان يفترض بي أن أقول له، أنا فلان، أول من كنت تحاول مصاحبته في لندن وأول من زرته في البيت، وقد كنت آنذاك الغالب في هذه المعركة، لكنني لم أقل له ذلك، بل قلت له: هل تأذن لي بالخروج يا سيادة الزعيم؟ وأردفت بالقول بما نصَّه: «أتحداك وأمام الجالسين.. أتحداك وأشرت له بإصبعي.. نعم أتحداك مرة أخرى.. » وأعتقد أنني أرفقتها بـ" يا سيادة الزعيم عبد الكريم".

واستكمالاً لهذه الرواية: غضب الزعيم وبدا الشرر يتطاير من عينيه واتجه إلى الغرفة الأخرى لجلب الوثائق الدامغة على حد تعبيره، والمقصود عبارات الإهداء والمجاملة التي كتبها الجواهري لنوري السعيد، وهناك احتضنه وصفي طاهر وحاول التخفيف من روعه والتمسه أن يهمل ذلك أو ينساه، ثم عاد به إلى حيث اللقاء، وكان الجو قد تكهرب وهكذا انتهت الزيارة.

وكنت قد سألت الجواهري هل كانت هذه الحادثة، هي السبب في مغادرة العراق إلى المنفى؟ فأجاب ربَّ ضارة نافعة، مثلما يقولون. رحم الله عبد الكريم قاسم، فلو لم تكن له معنا هذه القصة، فقد كنّا قبعنا في العراق، والله العالم ما كان سيحدث لنا في السنوات السوداء، لكنه اضطرنا إلى «التشرّد» عن الوطن في خريف 1961، وربما للتشرّد الموعود، وهي حسنة وربما كفّارة عن كل ما فعله معنا قبل التشرد أنا وزوجتي «أم نجاح» وبنتينا خيال وظلال، وكنت بحكم علاقاتي مع اتحادات الأدباء، ونقابات الصحفيين في الدول الاشتراكية، قد أمّنت مقاعد دراسة لأبنائي في صوفيا وموسكو وباكو وبراغ، جزاهم الله ألف خير، وهكذا كان مصير فرات وفلاح ونجاح وكفاح. رحم الله عبد الكريم قاسم الذي قلت فيه : «ورمى بنا خلف الحدود كأننا / بُردٌ إلى الأمصار عجلى ترزمُ ».

وعدتُ إلى سؤال الجواهري: كيف عشت خلف الحدود؟ ماذا كان هناك؟ زمهرير الغربة أم فردوس الحرية؟. فأجاب الاثنان معاً (أي والله)  كان هناك الفردوس المفقود والموعود معاً. كانت براغ الذهبية مدينة الأبراج والجمال. صحيح أننا دفعنا أثماناً باهظة من كراماتنا المهانة، ومن شماتة الشامتين، وتشفّي المتشفين، ولكننا مع جفاف الغربة، كسبنا حريتنا وحلاوة الحياة وقد أعطتنا براغ الكثير، وقلت فيها:

أطلتِ الشوطَ من عُمُري

أطالَ الله من عُمرك

 

ولا بُلغتُ بالشرِّ

ولا بالسوء من خبرك

 

وفي براغ كتب الجواهري قصيدته العصماء "يا دجلة الخير" التي يقول فيها:

حَييتُ سفحكِ عن بُعـدٍ  فحييني

يا دجلةَ الخيرِ، يا أُمَّ البساتينِ

 

حييتُ سفحَك ظمآناً ألـوذُ  بــه

لوذَ الحمائمِ بين الماء والطين

 

يا دجلةَ الخير يا نبعاً أفارقــهُ

على الكراهةِ بين الحين والحين

 

إني وردتُ عُيونَ الماء صافيـة

نبعاً فنبعاً فما كانت لتَرْويني

كما كتب قصيدة كردستان موطن الأبطال  وقصيدة أرح ركابك وقصيدة رسالة مملحة وقصيدة زوربا وغيرها بما فيها ديوان الغربة وهي مجموعة قصائد صدرت في العام 1965.

وبالعودة إلى جرجيس فتح الله فقد ذكر إنه أسرّ مسعود البارزاني بتلك الحادثة وأنا الشخص الثاني،  وهو لا يريد أن تذهب الظنون به بأنه يقصد دالّة أو فضلاً، وإنما فعل ذلك محبة واعتزازاً، وقال إنه سيحتفظ بها حتى الممات، فإن توفّاه الأجل قبل الجواهري، سيكون قد دفن السر معه، وإن توفي الجواهري قبله، فربما سيجد مناسبة لتدوينه، علماً بأنني لم أجد فيها سرّاً يذكر، بقدر ما هي حادثة عابرة ، وأستدرك بالقول أنه حتى الحوادث العابرة لشخصيتين متميزتين ، فإنها ذات دلالة خاصة ومعنىً معبّراً، فكيف لا والمسألة تخصّ الجواهري وعبد الكريم قاسم، ولهذا السبب كنت أسعى لأجد الوقت المناسب لإيضاح هذه المسألة بعد نشرها من جانب جرجيس فتح الله، مشدّداً على أن روح المجاملة والتواصل والمودة التي كان يبديها الجواهري مع الآخر، هي وراء ذلك الإهداء المملّح حتى وإن اختلف مع صاحبه وقال بحقه ما لم يقله مالك في الخمرة، فما بالك حين يهدي ديوانه له.

 

عبد الحسين شعبان

أكاديمي وأديب عراقي

 

 

محمد عبد الكريم يوسفوقف أمام الحشود قبل 22 قرنا وقال: "الشعب الذي ينسى من أذله لا يستحق لقمة العيش والشعب الذي لا يعرف الكراهية العظمى لا يستحق المجد الأعظم ولا يستحق أن يعيش". بهذه الكلمات أنهى هانيبال خطابه لشعبه ردا على أباطرة روما الذين اعتادوا أن ينهون خطاباتهم بالعبارة التالية: "يجب أن تُدمر قرطاجة." كان هانيبال ملكا للرعب في البر والبحر وعاصفة للغضب والحقد وقد ظُلم من أجل فكره في حياته ومماته . هناك من اعتبره الوحش والسفاح والمجنون ومصاص الدماء و الحقد الأسود واللعنة وشبح الدمار الرهيب . وقد كان ذنبه الأعظم أنه يحب بلاده لدرجة الموت وكان مستعدا أن يشرب من دم أعدائها ولم يكن الرومان أقل وحشية وسفكا للدماء وعدوانا وحقدا .

فما حكايته من أولها إلى آخرها؟

كانت روما تتوسع أفقيا في عموم ايطاليا وعلى الشاطئ الإفريقي الشمالي وكانت قرطاجة في تونس بأشرعتها التجارية الممتدة على طول البحر المتوسط وعرضه وفي وقت من الأوقات طمعت روما بثروات قرطاجة التجارية فنشبت الحرب الأولى بين روما وقرطاجة واستمرت لمدة 23 عاما دُمرت خلالها العديد من المزارع المحيطة بقرطاجة فتنازلت لروما عن معظم الجزر التي تقع تحت سيطرتها وفقدت الكثير من أسطولها التجاري وبقيت تدفع لروما إتاوة لمدة 10 سنوات من أموالها وذهبها وفضتها وشعر الناس بمذلة الهزيمة .

وفي غمرة أحداث جسام من المذلة والخوف، شكلت أسرة بارك وصهرها أسد روبال حزبا عسكريا مهمته الثأر من روما . كان العسكريون يريدون لقرطاجة المجد والفخر وعندما قتل أسد روبال (الأسد الرئبال) الملقب بالبرق في إسبانيا لم يجد العسكريون القرطاجيون أفضل من شقيق زوجته الملقب بالرعد لقتال روما. كان في الخامسة والعشرين من عمره وكان يفتخر بأنه رضع بغض روما وكراهيتها مع حليب أمه وأنه لم ينم من قبل تحت سقف أبدا . أخذ عليه والده وكان عمره تسع سنوات عهدا أن يحارب روما إلى الأبد وفي كل مكان، فاحترف العمل العسكري في الخيام والقلاع والبراري . لقد كان العمل العسكري الذي قام به هانيبال من معجزات الحروب.

1202 قرطاجة

وبدأ الرجل حربه الضروس ضد روما في إسبانيا . طالبت روما قرطاجة تسليمها هانيبال فأجابها بمسيرة حربية لم يسبقه إليها أحد في التاريخ إذ حشد أربعين ألف مقاتلا وجيشا في مقدمته ثلاثين فيلا . لقد كانت الفيلة بدعته في الحروب وسار نحو روما برا منطلقا من اسبانيا . عَبَر جبال البيرينية ثم بلاد الغال وكان يحارب على طول الطريق . كانت دباباته من الفيلة كافية بأن تهزم كل من وقف في طريقه وتقدم حتى وصل جبال الألب حيث الثلوج والبرد القارس . كانت جبال الألب العقبة الكبرى أمامه. يقال في التأريخ الغربي أن مصادفة كبرى غيرت مجرى التاريخ وهي انفجار بركان بجوار جيشه قتل من جيشه عشرين ألف مقاتل وبقي معه عشرين ألفا آخرين . ويذكر التاريخ الشرقي أن العواصف الثلجية هي من قتل جنوده العشرين ألف وأكلت الصخور الزرق من أجسادهم . ورغم ذلك استطاع اجتياز جبال الألب وانحدر بهم نحو روما من الشمال واقترب من محاصرة عاصمة الكون في ذلك الزمان لدرجة أن نساء روما كانت تهدد أطفالهن بهانيبال . كان أمامه طريقان لا ثالث لهما إما الموت أو النصر . ظل الرجل يحارب في ايطاليا سبعة عشر عاما لم يخسر فيها معركة واحدة . الخطر الوحيد الذي كان يهدده كان فقط قلة المدد من قرطاجة . وحين وصل إلى مشارف روما جاءه خبر اتفاق التجار والحكومة في العاصمة قرطاجة ضده تحت الضغط الروماني واتهموه بالجنون وبأنه ضلل الشعب وبدد الأموال مع أنهم لم يدفعوا له شيئا . ثم أبلغوه القرار بأن يعود. غادر هانيبال الأراضي الإيطالية مهزوما وهو الذي لم يقهر في معركة من المعارك . ولدى وصوله إلى قرطاجة حاول أن يجمع قادة الجيش والتجار لمحاربة روما إلا أن الخونة والمرتزقة والعملاء فضلوا الاحتلال على الحكم الوطني فهزم الجيش القرطاجي وسلمت السفن الحربية والتجارية للرومان وكل الفيلة مع إتاوة تدفعها البلاد للاحتلال الروماني لمدة خمسين عاما بالإضافة إلى تقديم رهائن من الذكور حتى لا تعود للحرب مرة ثانية . حاول هانيبال تجميع الرجال لكن الخونة والتجار والمرتزقة رفضوا وطالبت روما برأسه فهرب إلى سورية فطاردته روما هناك فهرب إلى أرمينيا لكن روما لاحقته هناك ولم يكن له إلا كمية صغيرة من السم القاتل يحتفظ بها في خاتمه تكفيه للخلاص . يقول الناس أنه كتب على جدار غرفته: "إلى روما أعدائنا . لقد حاربتكم أربعين عاما ولم أتعب . اليوم يموت أخر جندي في رتل الكراهية الأبدية لكم . "

وحصلت روما على ما أرادت من قرطاجة ...

رحل هانيبال بأيدي شعبه ...ودمر الرومان قرطاجة تدميرا لم يسبق له مثيل، وأصدر مجلس الشيوع الروماني قرارا يلعن هذه الأرض وساكنيها ومن يبني عليها حجرا فوق حجر . لكن بقايا الحجارة ما زالت تئن وتقول: " الشعب الذي ينسى من أذله لا يستحق لقمة العيش والشعب الذي لا يعرف الكراهية العظمى لا يستحق المجد الأعظم ولا يستحق أن يعيش ."

وما الحياة إلا دروس وعبر ....أليس كذلك ؟

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف