محمود محمد علييُعد المفكر الكبير الأستاذ الدكتور محمد صالح محمد السيد (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب –جامعة المنيا بجمهورية مصر العربية)، أحد القامات الفكرية العربية التي آلت على نفسها الجمع بين النظرة العقلية الغربية والتراث الإسلامي في معالجة القضايا الفكرية؛ وبخاصة العقدية، وهي تلك النظرة التي كشفت عن العديد من الأفكار المهجورة في الفكر الإسلامي، وفي  علاقة الإنسان بالآخر،  والقضايا الفكرية الآنية.

كما كان واحداً من كبار الرواد في دراسة الفلسفة الإسلامية في مصر، والعالم العربي الذين استطاعوا ببحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الإسلامية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوى دراستها دراسة موضوعية تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

يشهد علي ذلك زملاؤه بكلية الآداب – جامعة المنيا التي شهدت مولده الوظيفي في أواخر سبعينيات القرن الماضي، بل ويشهد علي ذلك زملاؤه وطلابه في جامعة الكويت التي عمل بها أستاذاً ومحاضراً لسنوات عديدة . وما زال أمد الله في عمره يواصل العطاء في تفانِ وإخلاص نادر لطلابه في كل جامعات مصر والعالم العربي من مشرقه إلي مغربه؛ فهو نعم العالم المتوحد الشامخ: سراجاً هادياً.. عالياً كالمنار.. وارفاً كالظل.. زاخراً كالنهر.. عميقاً كالبحر.. رحباً كالأفق.. خصيباً كالوادي.. مرفرفاً كالعَلم.. لا يرجو ولا يخشي.. طاقته لا تنضب.. كأن وراءها مدداً يرفدها من سر الخلود .

ولد الدكتور محمد صالح في الأول من شهر أغسطس عام 1944، بقرية مغاغة بمحافظة المنيا،  وتدرج بمراحل التعليم الابتدائي والثانوي، وفي المرحلة الجامعية التحق بقسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة القاهرة، وقد أعجب به الدكتور أبو الوفا التفتازاني، حيث أشرف علي رسالته للماجستير، وكانت بعنوان "الحسن والقبح العقليان عند المعتزلة" عام 1974م، وأما رسالته للدكتوراه فكانت بعنوان " خلق العالم عند المعتزلة" عام 1980.

وأما عن تدرجه في المناصب الاكاديمية الجامعية، فقد عُين مدرساً مساعداً عام 1975، ثم مدرساً عام 1980، ثم أستاذاً مساعداً عام 1986، ثم أستاذا عام 1997. وعن تدرجه الوظيفي فقد عُين مشرفاً ورئيساً لقسم الفلسفة من 1986 وحتي 1999م، ثم عُين بعد ذلك وكيلاً من 1997 وحتي 1998م، ثم أُعير لجامعة الكويت وفيها عُين رئيساً لقسم الفلسفة من عام 2002 وحتي عام 2005م، ثم كان عضواً بلجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر.

وخلال ذلك أصدر للمكتبة العربية عدة كتب من أهمها: أصالة علم الكلام، وعمرو بن عبيد وآراؤه الكلامية والفلسفية، والخير والشر عند القاضي عبد الجبار، وإعادة بناء علم التوحيد عند الإمام محمد عبده، والإسكافي وآراؤه الكلامية، ومدخل إلى علم الكلام. علاوة علي تأليفه للكثير من البحوث المنشورة بالدوريات والمجلات العلمية والمؤتمرات، فنذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: نحو علم كلام معاصر، وتربية الذات عند الشيخ مصطفي عبد الرازق، وتجديد الفكر الإسلامي، والملاحمي والرد علي الدهرية، وأسس فلسفة الذات عند إقبال، وفلسفة الشهادة في الإسلام، والحوار مع الآخر في تراثنا الكلامي، وأسس الجدل عند المتكلمين، ومدخل لتجديد الخطاب الديني مستوحى من التراث الديني للإمام محمد عبده، ومرتكزات الخطاب الإسلامي المعاصر، وفلسفة الأخلاق عند المعتزلة، والغزالي سيرة ذاتية مثيرة للجدل ... وهلم جرا.

ويتميز الدكتور محمد صالح في كتاباته ومقالاته بالعمق، وسعة الاطلاع، والتعمق في البحث، وإضافة البعد النقدي الذاتي إلي البعد الموضوعي، والأسلوب الأكاديمي الرائع والذي نادراً ما نجده في بحوثنا الحالية؛ فكتاباته تمثل نضجاً فكرياً هائلاً، وبناءً هرمياً متماسكاً، ومن يحاول أن يحذف سطراً واحداً من بحث لمحمد صالح في موضوع من الموضوعات فوقته ضائع عبثا، لأن أسلوبه يعد أسلوباً أكاديمياً دقيقاً وعباراته بعيدة كل البعد عن الطابع الإنشائي البلاغي الفضفاض، لا يقول عبارة إلا علي قدر المعني .

واسمح لي عزيزي القاري أن أذكر لك جانباً من ابداعاته التي تميز بها في الفلسفة الإسلامية، وبالأخص علم الكلام والذي كانت معظم أبحاثه ودراساته متجسدة فيه، فقد محمد صالح عاشقاً له .. غيوراً عليه .. متفرداً في طرحه للكثير من القضايا والمشكلات العقدية، فهو ينظر لعلم الكلام علي أنه يمثل الكلام فلسفة الإسلام علي الحقيقة، تلك الفلسفة التي اتسمت بالأصالة والإبداع، حيث ارتبط هذا العلم كما يقول محمد صالح :"في نشأته ارتباطاً وثيقاً بالمشكلات الدينية والسياسية والثقافية التي أفرزها الواقع الإسلامي في تطوره، وحاول من خلال اجتهاداته حول العقيدة أن يقدم حلولاً لهذه المشكلات، كما أخذ علي عاتقه مهمة الدفاع عن العقيدة، وقد أبلي في ذلك بلاءً حسناً، واقتضت مهمته الدفاعية أن يستعين بكل ثقافة ممكنة، لإبراز ما كمن في الدين من قيم إيجابية تقف في مواجهة هذه التيارات العاتية، واستطاع – بحق – أن يكون من خلال اجتهاداته حول العقيدة "فلسفة العقيدة "، اتسمت بالعقلانية في كثير من جوانبها، وكانت مقدمة ضرورية لتأسيس فلسفة فلاسفة الإسلام".

لقد كان علم الكلام في نظر محمد صالح أحد ركائز الحضارة الإسلامية في عصر ازدهارها، بما هيأه من فهم للدين وأصوله، ذلك الفهم الذي انطلق منه المسلمون في بناء تلك الحضارة التي أبدعت في جانبيها الروحي والمادي ...، وكانت – بحق – إحدى حلقات التقدم الإنساني، استفادت من حضارات سابقة، وأضافت وأبدعت من ذاتها إبداعاً جديداً، وهذا شأن الحضارات الحية تأخذ وتضيف وتبدع، وليس من شك في أن إبداعها كان نقطة انطلاق لحضارة أوربا، التي أصبحت الآن تمثل – بالنسبة لنا – تحدياً حضارياً، وما زلنا حتي الآن منذ قرنين من الزمان أو يزيد نلتمس طريقاً للخلاص من طغيانها.

بيد أن علم الكلام في رأي محمد صالح مع ما حققه من نجاحات كثيرة، إلا أنه وجه إليه الكثير من النقد سواء عند القدماء من بعض أئمة الفقه والحديث ... أو بعض المفكرين من المحدثين والمعاصرين .. وخلاصة ما وجهه بعض أئمة الفقه والحديث والحنابلة وبعض الصوفية من نقد كما يقول محمد صالح :" يدور حول شرعية بحوث علم الكلام، فهم يرون أن علم الكلام خاض في موضوعات من دقيق الكلام وجليله، وهي موضوعات – في نظرهم – لا يجب الخوض فيها . أما خلاصة ما وجهه بعض المفكرين المُحدثين والمعاصرين من نقد لعلم الكلام أنه علم لا جدوي منه، حيث لا يجد فيه المسلم المعاصر ما يعينه علي مواجهة واقعه المأزوم، وحل مشكلات مجتمعاته المعاصرة، كما لا يجد فيه أملاً في مواجهة تحديات الحضارة الغربية، بما تفرزه من تيارات فكرية ومذاهب فلسفية يحمل بعضها جوانب إلحادية ترمي إلي هدم الإسلام، بل هدم كل دين، ولهذا فهم ليسوا علي قناعة تامة في أن بعث علم الكلام يمكن أن يسهم إسهاماً فعالاً في تكوين ثقافتنا المعاصرة ".

وهنا يؤكد محمد صالح علي حقيقة مهمة وهي أن :" ما أثير بصدد مشروعية ما خاض فيه المتكلمون من موضوعات في " الدقيق " و"الجليل"، إنما هي موضوعات فرضت عليهم فرضا من قبل خصومهم، وهم بصدد مجادلتهم، أو دحض هجومهم علي الإسلام، وهذه الموضوعات في مجملها تمثل نقاط الخلاف بين الإسلام والأديان المختلفة، فهم لم يتجهوا لمناقشة " الدقيق " و" الجليل "، بدافع الجرأة العقلية المحضة، إنما كان ذلك لما اقتضته طبيعة المهمة الدفاعية لعلم الكلام، ومع ذلك نجد معظم المتكلمين كما يقول محمد صالح يبرأ إلي الله من كل ما يخالف القرآن والسنة، فهذا هو النظام المعتزلي والذي يعد من أكثر المتكلمين جرأة عقلية يضرع إلي الله عند احتضاره قائلاً :"اللهم إن كنت تعلم أني لم أقصر في نصرة توحيدك، ولم اعتقد مذهباً من المذاهب اللطيفة، إلا لأشد به التوحيد، فلما كان منها ما يخالف التوحيد، فأنا منه بريء، اللهم إن كنت تعلم أني كما وصفت فأغفر لي ذنوبي، وسهل علي سكرات الموت"، وهذا أيضا أبو الهذيل العلاف الذي خاض في دقيق الكلام يفطن ببراعته يحقن ببراعته وانحلاله عن كل ما يخالف منهاج الإسلام ويعتذر بأن كان لنصرة الإسلام، وهذا ما نجدة عند الأشعري والجويني والغزالي".

أما ما أثاره بعض المفكرين المحدثين والمعاصرين كما يقول محمد صالح فيرجع إلي أنهم :" نظروا في علم الكلام في طوره المتأخر، الذي غلب عليه التدهور والإنحلال ولم يوفقوا في إبداع فكر جديد يواجه العصر ومستجداته، بل ظل يدور في فلك المشكلات التقليدية، يعالجها علي نفس النمط الذي عولجت به في كتب الأسلاف، من هنا جردت من ارتباطها بالواقع تماماً، هذا فضلا عن المناهج العقيمة التي تمسكوا بها، والتي لا تسعف مفكر اليوم عن معالجة مشكلاته الراهنة التي أفرزها تقدم الحياة وتطورها، سواء كان ذلك فيما يتعلق بالتقدم العلمي، أو التقدم في مجال البحث في حرية الإنسان وكرامته وعلاقته بواقعه ".

وهنا يقول محمد صالح :" ونحن وإن كنا لا نقبل وجهة النظر هذه، فإننا لا ندعي أن علم الكلام في عصوره المتأخرة، يمكن أن يكون مفيداً للمثقف المعاصر، أو مؤثراً علي نحو أو آخر في تغيير الواقع إلي ما هو أفضل، أو معينا علي مواجهة تحديات العصر ومشكلاته، غير أننا نقول إن المحلل لتاريخ علم الكلام في عصر ازدهاره لن يشق عليه أن يعثر علي مجموعة من القيم الإيجابية، يمكن أن يكون لها فعالية في نهضتنا المعاصرة، إذا استثمرت استثماراً معاصراً ".

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة في نظر محمد صالح في عجالة سريعة – إلي بعض هذه القيم، حيث يقول :" ارتبط علم الكلام في نشأته وتطوره بالواقع الإسلامي فجاءت المشكلات التي عالجها في عصر ازدهاره من واقع حياتهم، فكان فكرهم معايشا لوقعهم ومرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً، وقيمة ارتباط الفكر بالواقع قيمة لها أهميتها في تقدم أي مجتمع وتطوره، فما تعانيه مجتمعاتنا من مشكلات وتأخر، إنما يرجع – في بعض جوانبه- إلي إهمالنا للمشكلات الحقيقية، وانغماسنا في مشكلات عقائدية جدلية، قد تكون موغلة في التجريد، من هنا لم يقو علم الكلام – المعاصر – علي إنتاج فكر يقف في مواجهة الأيديولوجيات والفلسفات الوافدة والتي تواجه المسلمين منذ بداية نهضتهم، ذلك لأن الفكر المنفصل عن الواقع لا  يتهيأ له وسائل التأثير والتغيير في مجتمعه ولا يكون دافعا لتقدمه .

ويعتقد محمد صالح أن علي علم الكلام المعاصر مهمة أساسية وهي البحث عن صيغ جديدة للربط بين التنظير في مجال العقيدة وبين الواقع الذي نعيش فيه فقد اسرف علم الكلام القديم – أحياناً – في التنظير، علينا أن نسرف نحن الآن في التطبيق، فعلم الكلام القديم وإن كنا نلمح فيه هذه القيمة إلا أنها لم تتطور لتصبح قيمة راسخة".

ويستطرد محمد صالح فيقول :" ولكي لا أكون في مجال التنظير علي أن أضرب بعض الأمثلة فقط لتوضيح هذه القيمة فأقول :إن ما شاع في مجتمعاتنا من الفصل بين النظر والعمل، بل وجعل صناعة العمل في مرتبة أدني من صناعة النظر أدي إلي احتقار العمل وتقديس الفكر النظري الخالص المنزه عن الأغراض العملية، وصار فكرنا قابعاً في هذه الأطر النظرية الخالصة، والبعيدة كل البعد عن الواقع العملي، إن الإشكالية التي يواجهها علم الكلام المعاصر هي كما عبر عنها محمد إقبال كيف يكون علم الكلام علماً يدفع إلي تقوية الذات الإنسانية لتتجه إلي العمل المؤثر في الحياة ؟، علما لا يقتصر علي إيراد الأدلة علي وجود الله وصفاته، بل يتعدى ذلك إلي بيان كيفية الاتصال بالله تعالى، اتصالا يدفع إلي العمل، الذي يقضي علي الجمود والتخلف، فعلي علم الكلام الآن أن يحلل الأصول الاعتقادية مبيناً مضامينها العملية، وكيف تكون دافعة للإنسان إلي العمل المنتج، لا يكفي عرض الأصول الاعتقادية في صيغها النظرية، وإنما المطلوب تحليلها تحليلاً عقلياً يربطها بالعمل، لتصبح أصولاً دافعة إلي تغيير الواقع لما هو أفضل، وتكون مؤثرة في حياة المسلم سواء علي مستوي حياته الشخصية الفردية أم علي مستوي المجموع أو المجتمع، فالتوحيد – مثلاً وهو أصل الأصول جميعاً، لو حللناه لوجدنا فيه معان عملية كثيرة منها أنه قوة محررة للإنسان من كل القيود التي تغله ... من قيود : الخرافة والجهل، وقيود السلطان والقوي أيا كانت دينية أو سياسية أو اجتماعية، فهو تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، بل وعبودية كل ما سوي الله، وإذا تحقق للإنسان هذا التحرر ـ تحققت المساواة، وإذا كان حراً، فإنه يوكل إلي عقله، فالحرية والعقل مكمل أحدهما للآخر . والتوحيد بهذا يكون مفجراً للطاقات الابداعية، فتنطلق الذات الإنسانية لتبني المجتمع الأمثل، وتحقق النموذج المتفوق، والذي عاشه أمس الإسلام . وهكذا تكون مهمة علم الكلام المعاصر التركيز علي تحليل الأصول الدينية تحليلا يجعلها حوافز للعمل، وللسعي الدؤوب، فيرد للعقيدة فاعليتها وقوتها الإيجابية، ويصحح الصورة الشائهة التي رسمت للمسلمين والإسلام مرادفاً للتخلف، وعدواً للحضارة، وخصما للحرية، وتوأماً للإرهاب .

ومن القيم التي استخلصها محمد صالح من تراثنا الكلامي في عصر ازدهاره قيمة العقل، الذي هو السبيل إلي فهم الدين ونصوصه، وهو السبيل إلي الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص قطعي الثبوت والدلالة، وهو أداة المواجهة مع المخالفين، فليس من سبيل إلي دعوة المخالف أو مواجهته إلا بدليل العقل ولا رد المتطرف إلا بحوار عقلي مقنع.

وهنا يعلن محمد صالح فيقول :" ونحن في استيفائنا لقيمة العقل في حياتنا المعاصرة لسنا مطالبين أبدأ أن نطبقه علي نفس الموضوعات التي تناولها اسلافنا إذ ربما لا تكون هي نفس الموضوعات المعاصرة، ولعل من أرحب مجالات العقل الآن مجالين مهمين : الأول: العلم وجوهره الإيمان، والثاني : الاجتهاد وجوهره التحرر من التقليد. ويمكن الإشارة أخيرا إلي قيمة من القيم الإيجابية المستخلصة من تراثنا الكلامي في عصر ازدهاره، قيمة الانفتاح علي ثقافات العصر، انفتاحا مستبصراً، فلقد انتحت عقول المتكلمين في وقت مبكر علي ثقافات عصرهم، والعصر السابق عليهم، بما تهيأ لهم من حرية فكرية، فاتسع أفقهم، وتنوعت اهتماماتهم، وهم في اطلاعهم علي ثقافة الغير، لم يقفوا عند حد الأخذ والتقليد، بل كان اطلاعهم اطلاعاً مستبصراً، فأخذوا واضافوا وأبدعوا، وما أخذوه هذبوه وطوعوه لثقافتهم الإسلامية، وجدير بنا أن ندرس تجربتهم في هذا المجال في الاطلاع علي التراث العالمي والمحافظة علي الهوية، وبخاصة ما يدور من جدل حول العلاقة بين العولمة والهوية الذاتية، فكثيراً ما يطرح السؤال الان كيف نكون عالميين في ثقافتنا، وفي نفس الوقت محافظين علي هويتنا وخصوصيتنا الإسلامية.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ الدكتور محمد صالح لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

زهير الخويلدي"أعدل السير أن تقيس الناس بنفسك فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك"

عاش روزبة بن داذويه بين 724 و759 وإذا كانت فيروز آبادي هي أرض المولد فإن بغداد أو البصرة  هي مكان وفاته واشتهر بنقله إلى العربية الحكمة المشرقية وخاصة من اللغة الفارسية والهندية والبهلوية.

اشتهر بحكمته العملية ومعرفته النظرية ونظرته التاريخية وفكره الموسوعي وأدبه الصغير والكبير ونقده السياسي للحكام على لسان كتابه الشهير الذي يجمعه من مختلف الثقافات الشرقية والمعنون"كليلة ودمنة".

لقد كانت حياته قصيرة ولكنها حافلة ومليئة بالمغامرات والمواقف والتحديات ولذلك كانت نهايته تراجيدية وجسدت الصراع الذي اندلع بين القلم والسيف وبين المعرفة والسلطة حيث جسد نموذج المثقف الرافض.

لقد عرف عنه ارتياده سوق المربد واختلاطه بالناس وحضور مجالس العلم والنهل من المعارف الملقاة ولقد ساعده ذلك على تعلم العربية بسرعة والتخصص في الأدب وما يضمه من شعر وقصة وفقه ولغة.

تتلمذ على يد عيسى بن علي وتواصل مع مواليه من بني الأهتم وتبنى الكثير من الأفكار الفلسفية والعقدية التي أثرت في نظريته عن الإنسان وعلاقته بالكون ودوره في المجتمع ودفعته إلى اعتماد العقل والمنطق.

لقد ألف وترجم الى لغة الضاد الكثير من الكتب أهمها "كليلة ودمنة" و"الدرة الثمينة والجوهرة المكنونة" و"سير الملوك" و"التاج في سيرة أنو شروان" و"رسالة الصحابة" و"الأدب الكبير" و"الأدب الصغير" و"عجائب سجستان" و"أيساغوجي" و"باري تارمينياس" و"أنالوطيقا في تحليل القياس" و"كتاب نزدك".

لقد أطلعنا على عادات الفرس وسير ملوك الساسانيين والمعارف القادمة من الهنود ولقد اتصف برجاحة العقل وعمق التفكير وصلابة الرأي وسداد العمل وقدم قراءة فنية مغايرة للثقافة الفقهية والكلامية السائدة.

لقد جعل من الملك دبشليم والحكيم بيدبا وكسرى أنو شروان شخصيات أدبية ونزع عنها الصفة التاريخية واستعمل الحيوانات في النقاش السياسي حول الملك والعدل والظل وتدبير شؤون الناس وتحصيل السعادة.

لقد جمع في هذا الكتاب الشهير عددا هائلا من الحكم والأمثال والأقوال والعبارات والصيغ والمأثورات والمواعظ التي تنصح بتهذيب الأخلاق وتدعو إلى الابتعاد عن الرذائل والتحلي بالفضائل وترك الشرور والحقد والدسائس والكذب والجبن والسرقة والالتزام بالقيم المثلى كالصدق والعفة وأمانة والوفاء والخير.

لقد حرص على تفضيل المصلحة العامة في السياسة ونبه الى اعتماد جواهر الحكمة العملية ومدح العقل في حضارة  تقدس النص بقوله:" إن أمارة صحة العقل، اختيار الأمور بالبصر وتنفيذ البصر بالعزم".

 إذا كان الأدب الصغير يتضمن حاجة العقل إلى الروية والاعتدال والتوسط ويجعل من الأدب أسلوب لتنمية العقول وشحذ الأفهام وتقوية الإرادات وتمتين العزائم فإن الأدب الكبير يشتغل على تزكية النفس بالرياضة العقلية والصداقة البشرية ويحلل قواعد الحكم وشروط الصداقة وحاجة الناس إلى التعاون. لكن لماذا تخلص الساسة من ابن المقفع بسرعة ؟ وأي خطر مثله أدبه سواء الكبير أو الصغير على سلطانهم؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

محمود محمد عليفي هذا المقال الرابع والأخير نحاول أن نبرز قضية أخري مهمة عند السهروردي، وهي قضية توافق العقل مع الذوق، حيث يدعو السُّهْرُوَرْدِىّ في مذهبه الإشراقي إلى ضرورة توافق الذوق مع العقل أو المنطق . فالعقل الذى يرى ويفكر وحده دون أن يكون له مؤيد له من الذوق، ليس من الثقة فيه والاطمئنان إليه، بحيث ينتفى كل شك فيه، وتزول كل شبهة، ولا بد من ازدواجية أداة المعرفة التى تعتمد على الحكمة البحثية المعتمدة على التحليل والتركيب والاستدلال البرهانى وهى حكمة الفلاسفة المشائية، والحكمة الذوقية التى هى ثمرة مذاق روحى، وهى حكمة يحياها الإنسان . ولا يستطيع التعبير عنها، وهى حكمة الفلاسفة الإشراقيين، وليس ثمة تعارض حقيقى بين الحكمتين، وإنما هو تعارض ظاهرى لأن الفيلسوف الإشراقى الحقيقى هو الذى يتقن الحكمة البحثية وينفذ في نفس الوقت إلى أسرار الحكمة الذوقية  .

ويعطينا الشهرزورى تلميذ السُّهْرُوَرْدِىّ صورة واضحة لهاتين الحكمتين، فيقول: "جمع  السُّهْرُوَرْدِىّ بين الحكمتين، أعنى الذوقية والبحثية. أما الذوقية فشهد له بالتبريز فيها كل من سلك سبيل الله عز وجل وراضى نفسه التشاغل بالعالم الظلمانى، طالباً بهمته العالمية مشاهدة العالم الروحانى . فإذا استقر قراره وتهتك بالسير الحثيث إلى معاينة المجردات أستاره، حتى ظفر بمعرفته ونظر بعقله إلى ربه، ثم وقف بعد هذا على كلامه. فلنعلم حينئذ أنه كان فى المكاشفات الربانية آية والمشاهدات الروحانية نهاية، لا يعرف غوره إلا الأقلون، ولا ينال شأوه إلا الراسخون . وأما الحكمة البحثية فإنه أحكم شأنها وشيد أركانها، وعبر عن المعاني الصحيحة اللطيفة بالعبارات الرشيقة الوجيزة، وأتقنها إتقاناً لا غاية وراءه لا سيما في كتابة المعروف " بالمشارع والمطارحات " فإنه إستوفى فيه بحوث المتقدمين والمتأخرين، ونقض فيه أصول مذاهب المشائين وشيد فيه معتقد الحكماء الأقدمين، وأكثر تلك البحوث والمتناقضات، وذلك على قوته فى الفن البحثى والعلم الرسمى .

ويستطرد الشهرزورى فيقول: " واعلم أنه لم يتسير لأحد من الحكماء والعلماء والأولياء ما تيسر لهذا الشيخ من إتقان الحكمتن المذكورتين، بل بعضهم يسر له الكشف، ولم ينظر في البحث كأبى يزيد البسطامى و" الحلاج " ونظرائهما، وأما إتقان البحث الصحيح بحيث يكون مطابقاً للوجود من غير سلوك وذوق فلا يمكن وجميع الحكماء المقتصرين على مجرد البحث الصرف مخطئون في عقائدهم . فإن أردت حقيقة الحكمة وكنت مستعداً لها، فأخلص لله تعالى وأنسلخ عن الدنيا انسلاخ الحية من جلدها عساك تظفر بها، وذلك لأن الحكمة الإشراقية كما يري السُّهْرُوَرْدِىّ لا يمكن تعلمها لا بفكر ولا بنظم دليل قياسى أو نصب تعريف حدى أو رسمى، بل بأنوار إشراقية متناوبة، وتشاهدها فوقها على العناية الإلهية، وهذه الحكمة الذوقية قَل من يصل إليها من الحكماء ولا يحصل إلا للأفراد أو الحكماء المتألهين كأنباذوقليس وفيثاغورس وسقراط وأفلاطون وغيرهم من الأفاضل الأقدمين الذى شهدت الأمم المختلفة بفضلهم وتقدمهم .

وإذا كان السُّهْرُوَرْدِىّ قد جمع بين الحكمتين الذوقية والبحثية . فيمكن تلمس هاتين الحكمتين عند الفيلسوف الإنجليزي " برتراند راسل " Bertrand Russell، حيث كتب رسالة في غاية الروعة عن العلاقة بين المنطق والتصوف، حيث عقد فصلاً هو من أجود ما كتب في حياتة الفلسفية، أراد أن يميز بين قطبى الرحى في حياة الإنسان الثقافية الذين هما بصورة مجملة التصوف في ناحية، ومنطق العقل في ناحية أخرى، ففى الحالة الأولى يكون الإدراك مباشراً وبغير مقومات، وفى الحالة الثانية على " التحليل "، بينما يرفض أصحاب الحالة الأولى كل ضروب " التحليل "، وأطلق "راسل" على بحثه ذاك عنوان " المنطق والتصوف " Mysticism & Logic، ثم جعل العنوان نفسه عنواناً لكتاب يضم ذلك الفصل من فصول أخرى، وإنه لما يفيدنا في هذا الموضوع أن نوجز ما قاله " راسل " فى العلاقة بين المنطق والتصوف "، يقول "رسل": لقد سار الإنسان في محاولته أن يتصور العالم من حيث هو كل واحد مدفوعاً بدافعين مختلفين كل الاختلاف، وقد يتلاقى هذان الدافعان معا في إنسان واحد، وقد لا يتلاقيان، فأولهما هو الذى يحفز الإنسان إلى النظر إلى الوجود نظرة المتصوف، وأما الثانى فيحفزه إلى النظر بوسيلة العقل نظرة العلماء، ولقد استطاع أعظم الرجال أن يبلغوا قمة العبقرية بالدافع الأول وحده . كما استطاع أيضاً أعظم الرجال أن يبلغوا قمة العبقرية بالدافع الثانى وحده . ولكن أعظمهم جميعاً هم أولئك الذين اجتمعت لهم عناصر المعرفة العقلية، وعناصر الإدراك الصوفي في آناً معاً .

ويوضح برتراندراسل ذلك قائلاً:" تطورت الميتافيزيقيا، أو محاولة إدراك العالم ككل بوسائل الفكر، منذ البدء عبر وحدة وتصارع دافعين إنسانيين، أولهما يحث الناس على التصوف، فيما يحثهم الثاني على العلم . لقد حقق بعض الأفراد ما هو عظيم ضمن الدافع الأول وحده، فيما حققه البعض الآخر عبر الدافع الثاني وحسب: فإذا أخذنا " ديفيد هيوم" مثلاً، كان الدافع العلمي عنده هو الغالب دون منازع، فيما نجد عند " بليك " العداء حيال العلم يتعايش مع رؤية صوفية عميقة . لكن الأفراد الأكثر عظمة والذين هم الفلاسفة كانوا يشعرون بحاجة لكل من العلم والتصوف: فمحاولة خلق تناغم مّا بين الاثنين ـ التي وسمت حياتهم، والتي يجب أن تكون دائماً كذلك، بما فيها من توقد غير مستقرـ هي التي جعلت الفلسفة تبدو، بالنسبة لبعض العقول شيئاً يفوق بعظمته العلم والتصوف" .

ثم يعطينا برتراندراسل أمثلة للخصائص التي تميز دافِعيْ العلم والتصوف مأخوذة من حياة فيلسوفين عظيمين إمتزجت حياة كل منهما بقوة بما أنجزه . هذان الفيلسوفان هما هيرقليطس وأفلاطون، حيث  يقول ": لقد كان هيرقليطس، كما يعرف الجميع، يؤمن بمقولة التدفق الشامل: الزمن يبني جميع الأشياء ويحطمها. ومع أنه ليس من السهل معرفة كيف توصل إلى آرائه، إذ لم يبق لدينا منه سوى شذرات، يمكننا القول إن بعض ما قاله يوحي بأن المراقبة العلمية كانت ينبوع آرائه. يقول: " الأشياء التي يمكن أن تُرى، أو أن تُسمع، أو يتم تعلمها هي التي أُثمنها أكثر" إن لغة كهذه هي لغة أمبيريقية، تشكل فيها المراقبة الضمان الوحيد للحقيقة. وكذلك قوله إن " الشمس جديدة في كل يوم"، واحدة من تلك الشذرات، تكشف بوضوح، رغم طابعها المُتناقض، أنها كانت تستلهم التفكير العلمي، فمما لا شك فيه أن هيرقليطس، عبر ذلك الحكم، كان يحاول تحاشي صعوبة فهم كيف أن الشمس بمقدورها التحرك من الشرق إلى الغرب. ولا بد أن تكون المراقبة العيانية أيضاً هي ما أوحى له بنظريته المركزية، القائلة بأن النار هي الجوهر الوحيد الثابت والذي تمر بفضله جميع الأشياء المرئية عبر مراحل. ففي الاحتراق نرى تحول الأشياء التام، فيما يتصاعد اللهب والحرارة في الهواء ثم يتلاشيان. يقول "هذا العالم، والذي هو واحد بالنسبة للجميع لم يصنعه أي من الآلهة أومن البشر، لكنه كان دائماً، وهو الآن، كما سيكون دائماً، من صنع النار الحية، ثمة مكيال يُضئ، فيما يخمد مكيال آخر. تحولات النار هي، قبل أي شئ آخر، بحر؛ ونصف البحر أرض، ونصفه الآخر زوبعة تبقى هذه النظرية، رغم أنها قد أصبحت مرفوضة من قبل كل العلوم، علمية في روحها. كذلك يبقى علمياً حكمه الشهير الذي يستشهد به أفلاطون " لا يمكننا النزول مرتين في النهر الواحد؛ لأننا ننزل دائماً في مياه جديدة" . غير أننا نعثر أيضاً على حكم آخر ضمن تلك الشذرات " نحن نهبط في النهر الواحد ولا نهبط، لأننا موجودون وغير موجودين".

ويري راسل أن مقارنة هذه العبارة الصوفية، بتلك التي يذكرها أفلاطون، العلمية، تظهر إلى أي حد يتزاوج فيه الدافع الصوفي بالدافع العلمي في نظام هيرقليطس. فالتصوف، في جوهره، شئ أكثر من محض توتر أوسع وأعمق في الإحساس حيال الطريقة التي يجري بها فهم الكون؛ وهذا الإحساس قد أدى بهرقليطس، على أسس علمه، إلى ذلك النوع من الأقوال الغريبة والمؤثرة عن الحياة والعالم، كقوله: الزمن طفل يلعب بالنرد، القوة الملكية هي قوة الطفل. فالمخيلة الشعرية، لا العلمية، هي من يقدم الزمن باعتباره سيداً طاغياً يتحكم في العالم، بكل ما ينطوي عليه الطفل من طيش ولا مسؤولية . والتصوف أيضاً هو ما جعل هيرقليطس يؤكد على وحدة المتناقضات: " واحد هما الخير والشر"، كما يقول: كل الأشياء عند الرب لطيفة وخيرة وعادلة، لكن البشر يحسب البعض منها خاطئاً والبعض الآخر صحيحاً. ترتكز أخلاقية "بيليك وهيرقليطس " على الكثير من التصوف. صحيح إن التحديد العلمي هو الذي ألهم حكمه التالي: طبع الإنسان هو مصيره، بيد أن المتصوف وحده منْ يمكنه القول: "تساق كل بهيمة بالصفعات إلى المرعى، وكذلك: يصعب نزاع المرء مع رغبة قلبه. كل ما يُرغب الحصول عليه، يتم شراؤه على حساب الروح، وأيضاً: "الحكمة واحدة. إنها معرفة الفكرة التي تُرَص فيها الأشياء بعضها ببعض

ويزيد راسل في مضاعفة الأمثلة، فيقول:"  ثمة مقاطع عند أفلاطون –من بين تلك التي تُبين الجانب العلمي من عقله- تشير إلى معرفته الواضحة بذلك الأمر. أكثر تلك المقاطع أهمية هو ذلك المقطع الذي يشرح فيه سقراط، الذي كان شاباً، نظرية الأفكار لبارمنيدس. فبعدما أوضح سقراط أن هناك فكرة للخير، لكن ليس ثمة من فكرة لأشياء كالشعر أو الطين أو القذارة، ينصحه بارمنيدس بالمضي وأن لا يزدري حتى بالأشياء الوضيعة. وقد كشفت تلك النصيحة عن الطبع العلمي الأصيل. إذ لا بد من تركيب الرؤية الصوفية للواقع السامي للخير مع هذا الطبع اللامتحيز، إذا ما كانت الفلسفة تطمح في تحقيق أعظم ممكناتها. بيد أن إخفاقها على هذا الصعيد هو ما جعل الفلسفة المثالية هزيلة، فاقدة للحياة، وبلا مادة. فعن طريق التزاوج مع العالم يمكن لمُثلنا جلب ثمارها: لكن إذا ما انفصلت عنه، فستظل تلك المُثل عارية. غير أن التزاوج مع العالم لا يعني القيام به عبر مثالية تهرب من الواقع، أو تعلن بدءًا بأن على العالم التطابق مع رغباتها .

ثم  يدلل " راسل " على ذلك ببارمنيدس الايلى الذى يصف تصوفه بأنه تصوف منطقى ظهر عند كثير من المتصوفه الميتافيزيقيين من يوم " بارمنيدس " إلى " هيجل " وتلاميذه المحدثين وأساسه هو أننا لا نعرف اللاوجود وما لا نعرفه ليس موجوداً، يقول رسل:"  كذلك فإن لبارمنيدس نفسه نوعاً من التصوف الخاص، المُثير للاهتمام، والذي كان يستولي على فكر أفلاطون، أي التصوف الذي يمكننا تسميته بـ " المنطقي"، ما دام يتجسد عبر نظريات في المنطق. فكما هو واضح يجد هذا الشكل من التصوف، بالقدر الذي يتعلق فيه الأمر بالغرب، جذوره عند بارمنيدس، كما أنه يستحوذ على طرق تفكير المتصوفة الميتافيزيقيين الكبار منذ أيامه وحتى هيجل ومريديه المعاصرين. فالواقع، مثلما يقول، لم يُخلق، ولا يمكن تحطيمه، ولا تغييره، أو تجزئته؛ فهو مُثبت ضمن حدود سلاسل كاملة القدرة، لا بداية له ولا نهاية؛ ما دام المجئ إلى الوجود والخروج منه قد تم إبعادهما عنه، وأزالهما عنه الإيمان الحقيقي. فالمبدأ الجذري الذي يوجه بحثه قد عبر عنه بحكم يمكن أن يجد مكانته عند هيجل: “لا يمكنك معرفة ما هو غير قائم -أمر مستحيل- وليس بمقدورك النطق به؛ ذلك لأنه شئ واحد ذلك الذي يمكنه الوجود وما يمكن التفكير به أيضاً لا بد من أن يكون ما يُقال وما يفكر به موجوداً، ذلك لأنه قادر على أن يكون، وليس من الممكن لما هو غير كائن أن يكون”. تنتج عن هذا المبدأ استحالة التغيير، لأن ما جرى في الماضي يمكن قوله، وهو ما زال قائماً تبعاً لذات المبدأ "

ويستطرد راسل قائلاً:" إن أحد الجوانب الأكثر إقناعاً في التجلي الصوفي هو الوحي الظاهري بوحدة جميع الأشياء، وذلك ما ولد مذهب وحدة الوجود في الدين والتوحيد في الفلسفة. ثمة منطق متقن، كان قد بدأ مع بيرمنيدس وبلغ ذروته عند هيغل وأتباعه، قد تطور تدريجياً، للبرهنة على أن الكون هو كلية واحدة لا تتجزأ، وما يظهر وكأنه أجزاء له، إذا ما تم التعامل معه باعتباره جوهراً يتمتع بالوجود الذاتي، ما هو إلا وهم. فالإيمان بوجود واقع يختلف تماماً عن عالم الظاهر، واقع واحد، لا ينقسم ولا يتغير كان قد أُدخلَ على الفلسفة الغربية من قبل بارمنيدس ليس لأسباب صوفية أو دينية، على الأقل اسمياً، ولكن على أسس الحجة المنطقية القائمة على استحالة اللا-وجود، وبأن غالبية النظم الميتافيزيقية اللاحقة كانت حصيلة لتلك الفكرة "

ثم يؤكد رسل أن:"  المنطق الذي تم استخدامه للدفاع عن التصوف يظهر بأنه خطأ في المنطق، وهو معرض للنقود التقنوية، وذلك ما قمت بشرحه في مكان آخر. لن أكرر هنا تلك النقود، ما دامت طويلة ومعقدة، لكني سأحاول القيام بتحليل للحالة الذهنية التي تولد عنها ذلك المنطق الصوفي. يتولد الإيمان بواقع مختلف تماماً عمّا يظهر للحواس بقوة لا تقاوم في بعض الأمزجة، والتي هي مصدر غالبية التصوف والميتافيزيقيات. فحينما يتغلب مزاج كهذا، ينتفي الشعور بالمنطق، وبالتالي فإن أكثر المتصوفة إندفاعاً لا يستخدم المنطق، بل يسعى مباشرة للكشف عن رؤيته الداخلية. غير أن التصوف المدفوع إلى هذا الحد قلما نعثر عليه في الغرب. فعندما تتواصل قناعة بمثل هذه القوة الانفعالية، يبحث الفرد المُمارس للتفكير عن أسس منطقية لصالح الإيمان الذي يجده في نفسه. لكن عندما يكون ذلك الإيمان قائماً سلفاً، سيكون هذا الفرد منفتحاً حيال أية أرضية توحي بنفسها ".

وأخيراً يري رسل أن:"... المتناقضات المُبرهن عليها بصورة واضحة ضمن منطقه هي في الحقيقة متناقضات التصوف، وتشكل الهدف الذي يعتقد بأن على منطقه بلوغه، إذا ما أراد له أن يكون منسجماً مع رؤيته الداخلية. وقد كان الناتج المنطقي هذا سبباً في جعل غالبية الفلاسفة عاجزين عن وضع العالم العلمي والحياة اليومية ضمن اعتباراتهم. فلو كانوا مهتمين بأخذ ذلك في نظر الاعتبار، لكان في مقدورهم، ربما الكشف عن الأخطاء التي يتضمنها منطقهم، غير أن غالبيتهم لا تعير اهتماماً لفهم عالم العلم والحياة اليومية، بل تدينه باعتباره غير واقعي لصالح عالم “حقيقي” يقع فيما وراء الحواس. بمثل هذه الطريقة تمت مواصلة المنطق من قبل أولئك الفلاسفة الكبار والذين كانوا من المتصوفة. لكن ما دام التعامل مع المألوف قد أُخذَ كونه ضامناً لتلك الرؤية المُفترضة للانفعال الصوفي، فقد جرى تقديم عقائدهم المنطقية بنوع من الجفاف، وتم احتسابها من قبل مريديهم وكأنها مستقلة عن أي تجلّ مُفاجئ كانت قد إنبثقت عنه. ورغم ذلك ظل أصلهم مُلتصقاً بهم وبقوا، لكي أستعير كلمة نافعة من “سانتيانا”، “خبثاء” إزاء عالم العلم والحس العام. بهذه الطريقة وحسب يمكننا التعامل مع ذلك الرضا الذي قبل بموجبه الفلاسفة تناقض عقائدهم مع جميع الحقائق العلمية العامة التي تبدو أكثر استقامة وجدارة بالإيمان. يُظهر المنطق الصوفي، كما هو الأمر في الطبيعة، حالات الخلل المُتأصلة في كل ما هو خبيث. إن الدافع المنطقي، الذي لا يمكن الشعور به عندما يهيمن المزاج الصوفي، يعاود التأكيد على نفسه ما إن يتلاشى ذلك المزاج، ولكن مع الرغبة في الاحتفاظ بتلك الرؤية المُضمحلةِ، أو على الأقل البرهنة على أنها لم تكن سوى رؤية داخلية، وبأن ما يناقض ذلك الدافع ما هو إلا وهم. إن نشوء منطق كهذا لا يخلو من المصلحة، فهو يستلهم كراهية معينة حيال العالم اليومي الذي يسعى لتطبيق نفسه فيه. من الطبيعي أن لا يؤدي موقف كهذا إلى الوصول لأفضل النتائج. فكل واحد يعرف أن قراءة مؤلف ما من أجل دحضه وحسب ليست بالطريقة الصحيحة لفهمه؛ كما أن قراءة كتاب الطبيعة ضمن الاعتقاد بأن كل شيء فيها وهمي هي بالدقة ما لا يوصل إلى الفهم. فإذا كان منطقنا يجد العالم اليومي مفهوماً، لا ينبغي أن يكون عدائياً، بل يجب عليه استلهام قبول أصيل له، بطريقة لا نعثر عليها عادة عند الميتافيزيقيين ".

من كل ما سبق يتضح لنا أن هناك فلاسفة قد أخذوا بالمنهج العقلى الاستدلالى فحصرهم الجدل العقلى الجاف في دائرة مغلقة، ولكنهم برغم هذا وصلوا إلى قمة العبقرية، ولكن هناك فلاسفة جمعوا بين المنهجين، أى تجاوزوا مرحلة الفكر الاستدلالى إلى مقام الرؤية المباشرة أو الكشف . وهؤلاء أعظمهم لأنهم هم الذين اجتمعت لهم عناصر المعرفة العقلية وعناصر الإدراك الصوفى في آناً واحدة معا كما يقول " راسل ".

والسُّهْرُوَرْدِىّ خير من جمع بين عناصر المعرفة العقلية وعناصر الإدراك الصوفى، وذلك في منطقة الإشراقى القائم على الحكمة البحثية والحكمة الذوقية، وهو بهذا يظل ثنائياً كابن سينا، فهو منطقى فيلسوف من ناحية، يعتمد على العقل والبرهان في نقده للمنطق الأرسطى بصرف النظر عن دوافع هذا النقد وهى دوافع إشراقية، ثم هو إشراقي من ناحية يعطينا تصوراً للعالم كنور ولدرجات، العالم كدرجات من النور، فهو يمثل الفيلسوف المنطقى الإشراقى، أى الحكيم البحاث المتأله .

ويعطينا السُّهْرُوَرْدِىّ تصوراً لهذا الحكيم البحاث المتأله، وذلك في إطار تصنيفه لدرجات الحكماء فيقول: " العالم ما خلا قط عن الحكمة وعن شخص قائم بها عنده الحجج والبينات مصداقاً للآية الكريمة: " إنى جاعل في الأرض خليفة " .

ويصنف السُّهْرُوَرْدِىّ الحكماء إلى حكماء بحثيين وحكماء إشراقيين، ثم حكماء يجمعون بين الحكمتين البحثية والإشراقية، ويرتب الدرجات لكل طائفة، وقد جعلها على أربع درجات، التوغل والتوسط والضعف والعدم، ومن ثم يكن لدينا حسابياً درجات ثلاثة رئيسية وأربعة فرعية، والثلاث الأولى بين التوغل " التأله مثل أكثر الأنبياء " و" الأولياء " والثلاث الأولى بين التوغل والعدم وهى:

1- حكيم عديم البحث متوغل في التأله، مثل أكثر الأنبياء والأولياء .

2- حكيم إلهى متوغل في البحث عديم التأله، مثل كثير من الفلاسفة .

3- حكيم إلهى متوغل في البحث والتأله، وهذه درجة نادرة لم يبلغها إلا السُّهْرُوَرْدِىّ كما يذكر الشارح.

أما الدرجات الفرعية، فهى تتفاوت بين التوغل والوسط والضعف وهى: .

أ- حكيم إلهى متوسط في البحث متوغل في التأله .

ب- حكيم إلهى متوغل في البحث متوسط في التأله .

ج- حكيم إلهى متوغل في البحث ضعيف في التأله .

كما يصنف السُّهْرُوَرْدِىّ طلاب الحكمة على درجات متفاوتة تقابل درجات الحكماء الثلاث وهى:

- طالب البحث والتأله، وهو يطابق الحكيم الإشراقى المتوغل في البحث والتأله.

- طالب التأله فحسب، وهو يطابق الصوفى عديم البحث المتوغل في التأله .

- طالب البحث فحسب، وهو يطابق الفيلسوف المتوغل في البحث عديم التأله .

والأفضل عند السُّهْرُوَرْدِىّ الحكيم البحاث المتأله، ثم الحكيم المتأله، ثم الحكيم البحاث، يقول السُّهْرُوَرْدِىّ: " وكتابنا هذا يعنى حكمة الإشراق " لطالبى التأله وليس للباحث الذى لم يتأله أو لم يطلب التأله فيه نصيب " .

ويعلق قطب الدين الشيرازى على هذا فيقول: " بأن المتوغل في البحث والتأله له الرياسة، أى رياسة العالم العنصرى لكماله في الحكمتين وإحرازه للشريفين وهو خليفة الله، لأنه أقرب الخالق منه تعالى، وإن لم يتفق أى لندرته وعزته، فالمتوغل في التأله، المتوسط في الباحث لا يسلم من الشك بخلاف الحاصل من التأله، وإن لم يتفق فالحكيم المتوغل في التأله عديم البحث وهو خليفة الله الذى يهدى به صراطاً مستقيماً لا أن يقتله ضلالاً مبيناً فصار وروده ملكة له، بحيث تلحظ النفس متى شاءت من استبيانه ليمكن أن يبنى عليه ما يحتاج إليه من الأحكام هذه أقل الدرجات وأعظمها ان يصل له الملكة الثانية الطامسة وهى آخر المراتب .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

يكثر نمو شجر الصفصاف، هذا النبات الرقيق، على ضفاف انهار بساتيننا في العراق، يحميها ظلال اشجار النخيل الباسقة من حرارة الشمس المحرقة، انها ترطب الهواء المحيط بها وتطيبه، وغالبا ما تتدلى اغصانه النحيلة في الماء الجاري، تعيق تياره.

وقد اغدقت الطبيعة عليها نعمة الهدؤء والسكينة، فغدى منظرها الأخاذ جذابا، بيد انه  متسم بجمال حزين، يحمل الأنسان ان يقف امامها ويتأملها.

كانت لنا في احدى ضواحي مدينة كربلاء في اربعينيات القرن الماضي بستان، تحوي مختلف انواع اشجار الثمر، تتخللها وفرة من اشجار الصفصاف، كان الفلاح فيها يقوم كل شهر بجلب حزمة كبيرة من اغصانها الى دارنا لأستخرج انا منها عن طريق عملية  التقطير Distelation (سبع عرقات) فضلا عن استحضاري من الورد المحمدي، عطره  المعروف، كي يستفاد المرحوم الوالد في محله في السوق من هذا السائل في معالجة المصابين بضربة البرد، خاصة في فصل الشتاء.

كان الوالد حكيم اعشاب، يقوم في معالجة زبائنه الذين يعانون من وكعات صحية خفيفة باستعمال الادوية الشعبية المعروفة. فكان من ضمن برنامج يومه،  القراءة في كتاب قانون الطب لأبن سينا ليلا.

ونظرا للطلبات الملحة للوالد في تهيئة الدواء، انشأنا مستودعا داخل دارنا يزدحم بمختلف انواع الاعشاب الطبية وجذور النباتات النادرة وحتى بعض المنتجات الزراعية المجففة، كان الوالد يجلب بعضها من الهند، من حيث انه كان الى جانب مهنة العطارة  يمارس التجارة الحرة عن طريق سفراته المكوكية الى مدينة كراجي.

لم يكن لدينا في حينها جهاز للتلفون، لذا استخدم الوالد صبيا يافعا اسمه عباس، ليكون خط وصل بين محل عمله وموقع الدار الذي كان لا يبعد عنه كثيرا، فكان عباس خير عون في جلب ما يحتاج الوالد اليه من دواء.

وصادف انه في احد الايام من عام 1979 وبينما كان عباس متوجها صوب الدار لأنجاز ما كُلف به من مهام، فإذا به يفاجئ بسيارة سوداء تقف وسط الشارع والى جانبها شخص يبحلق في عيون المارة، كانت مهمته تسفير العراقيين من اصول ايرانية. هنا اختفى عباس ليلقي مصيره المجهول.

ودارت الايام وتغيرت الامور، واذا بي في اواسط التسعينيات انتقل من واشنطن الى طهران، بهدف ادارة العيادة الخارجية لطبابة العيون لمستشفى العراقيين التي انشأت  هناك. فكان ضم مرضائ، مهجرون عراقيون بمختلف ثقافاتهم ومشاربهم الاجتماعية، وعن طريقهم استعلمت بان عباس المسفر هو الان صاحب محل لصياغة الذهب في البازار ويعد من اثرياء القوم، فلم يصدقه عقلي وقررت ان اذهب اليه.

خلال هذه الاقامة التي حددتها بسبعة سنوات، كنت اتفقد فيها المواقع الاثرية والمراكز السياحية للمدن التي عُرفت بحضارتها التاريخية قديما، كان المركز السياحي لمزار ابن سينا في مدينة همدان في مقدمتها، فقصدته.

كان المظهر الخارجي لعمارة المزار، المتوج بمأذنة اسلامية، توحي للزائر جوهر العقيدة التي كان عليها ابن سينا. كانت البناية بسيطة، لكنها انيقة، تحيطها من حولها  حدائق غناء جميلة. كان المزار في واقعه متحفا، وقد بني بشكل دائري وبقطر يقارب  سبعة امتار. وقد وضع في وسطها صخرة قرمزية ضخمة، كشاهد قبر، جُلبت خصيصا من مدينة نيسابور الأيرانية، مسقط رأس ابن سينا، تخليدا لذكراه.

كانت الجدران الداخلية الزجاجية للمتحف مجزأة الى عشرات الاقسام، كل منها يعرض نموذجا لأعشاب او جذور لنباتات طبية، اكتشفها ابن سينا زمن العصر العباسي الاول، كانت اوراق الصفصاف من ضمنها وقد كتب تحتها باللغة الفارسية والانجليزية عبارة (ورق الصفصاف يشفي امراض البرد).

وفي عام 1954 كنت طالبا في كلية الطب لجامعة دوسلدورف في المانيا الغربية، وقد هيئت لنا ادارتها سفرة استطلاعية الى مدينة لفر كوزن، المتخصصة في صناعة الادوية الطبية، بغية اكتساب المعرفة، فشاهدت هناك بأم عيني، كيف انهم كانوا بصنعون حبوب Asperin Bayer  من حامض الساليسيك، الكامن في ورق الصفصاف. المستعمل في معالجة امراض البرد.

نعم.. لقد كان الشرق الاسلامي لا يكتفي بتعليم ابناء الغرب بالعلوم عن طريق المدارس والجامعات العربية في الاندلس ابان القرون الوسطى، انما كان يجهزهم بالمواد الخام كذلك.

واخيرا نضيف بان شجر الصفصاف قد جاء ذكره في الاساطير السومرية، حسبما يخبرنا الباحث العراقي على الشوك في كتابه (جولة في عالم الاسطورة واللغة) والتي تقول الاسطورة بان شجرة الصفصاف التي نمت على نهر الفرات، اقتلعتها رياح الجنوب ذات يوم وحملتها مياه الفيضان، وحينها كانت الألهة (أنانا) تسير على مقربة منها، حملتها الى مدينتها اور وهناك زرعتها في حديقتها واولتها رعايتها، وبعد ان نمت الشجرة سكنتها افعى خبيثة وحل فيها الشيطان، إلا ان كلكامش تمكن من تطهيرها، فصنعت أنانا من خشبه آلتين موسيقييتن، سمت الاولى باكو والثانية ماكو.

كان الصفصاف في الحضارة السومرية يستعمل في التعاويذ وكذلك تستعمله المرأة وقت الحيض كمطهر، كما كانت الصفصلفة عند الساميين تعتبر شجرة مقدسة، تستنزل المطر وتقترن بالقمر، المسبب لظاهرة المد، في ارتفاع ماء البحر، القمر يتم دورته في 28 يوم وكذلك عدد ايام الحيض 28 يوم، كما كان يُعتقد ان ميزة أماليد الصفصاف في الالتواء والأنضفار اشارة الى الدورة الدموية للمرأة.

يطلق على الصفصفا في اللغة السومرية اسم خيلافا، ويبدو ان معظم الاسماء الاوربية التي تقال للصفصاف برجع الى السومرية.  وهذه الالفاظ كلها تذكرنا بمعنى (سطع) وبكلمتي الهلال والهالة العربيتين. يرد ذكر لبنات (هاء ، ل ، ل) وقد يكون المقصود منه القمر الساطع.

 

د. رضا العطار   

 

ضياء نافععندما كنّا ندرس بالاتحاد السوفيتي في ستينات القرن الماضي لم يكن هناك مفهوم الاعلانات ابدا، وأذكر ان الكاتب الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز أصدر كتابا شهيرا بعنوان غريب، وهو - (الاتحاد السوفيتي - 22مليون و400 الف كيلومترمربع بلا اعلان واحد للكوكا كولا)، والكتاب هذا يحتوي على صور قلمية حول الاتحاد السوفيتي، وقد اطلعت عليه بالروسية، ولا ادري اذا تم ترجمتة الى العربية، ومن الواضح، ان عدم وجود الاعلانات في الاتحاد السوفيتي آنذاك قد أدهش الكاتب، مما جعله يختار هذه التسمية الغريبة والطريفة جدا لكتابه ذاك . الوضع قد تغيّر طبعا بالتدريج ومنذ الثمانينات، و الان غزت الاعلانات روسيا الاتحادية من أقصاها الى أقصاها، لدرجة ان هناك نكتة يتداولها الناس في روسيا تقول، ان البرامج التلفزيونية (تعرقلنا!!!) من متابعة الاعلانات المهمة والضرورية جدا للمشاهدين والاطلاع عليها، وأذكر مرة، ان احد موظفي الملحقية الثقافية السوفيتية زار قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد، وحدّثنا (وكان غاضبا جدا)عن اعلان ظهر في التلفزيون الروسي بطله غورباتشوف نفسه، وهو يعلن عن وجبة طعام (البيتزا) الايطالية لصالح احد المطاعم .

غالبا ما نرى في شوارع موسكو الان اناسا يقفون في الاماكن المزدحمة ويوزعون الاعلانات (ومن بينهم حتى طلبة أجانب او نساء متقاعدات !)، ويرفض معظم المارة أخذها من الموزعين هؤلاء ويستمرون بمسيرتهم السريعة دون مراعاة اليد الممتدة اليهم وهي تحمل الاعلان، أما أنا، فاحاول ان استلم منهم الاعلانات، عطفا عليهم وتعاطفا مع مجهودهم اولا، وللاطلاع على تلك الاعلانات ثانيا ولو بسرعة، ثم ارميها بعدئذ في اقرب مكان ممكن، وهذا ما حدث عندما كنت أسير قبل ايام قرب احدى محطات المترو، اذ ناولني شخص اعلانا صغيرا جميلا و ملوّنا، وعندما بدأت بالاطلاع عليه بسرعة، كي أرميه كما افعل عادة، وجدت فيه كلمة بالعربية، فاحتفظت به، وفي البيت بدأت بالاطلاع عليه بامعان، واود ان اتحدث عنه هنا، اذ انه اعلان طريف ويثير عدة قضايا ثقافية ولغوية ترتبط بواقع روسيا الاتحادية ولغتها الروسية المعاصرة.

الاعلان هذا عن مطعم يحمل اسم مدينة اوزبكستانية ترتبط بالتراث العربي الاسلامي وهي مدينة (بخارى) الشهيرة، واسم المطعم – (جايخانه)، والقاموس المعاصر الكبير الروسي – العربي يعطي معناها كما يأتي – (مقهى في آسيا الوسطى)، وتحت تلك التسمية في الاعلان توجد صورة تخطيطية لجامع جميل جدا بست منارات متناسقة، وفي مركز هذا التخطيط توجد كلمة (حلال) باللغة العربية، ومكتوبة بشكل بارز وواضح تماما (وهي الكلمة التي لاحظتها عندما القيت النظرة الاولى على الاعلان)، وتحتها بخط أصغر نفس الكلمة باللاتينية – (هلال) بالهاء، لعدم وجود حرف الحاء باللاتينية . تحت هذه الصورة توجد نماذج من انواع الطعام مع التسميات بالروسية (اي ان كلمة الجايخانة تعني مطعم باللغة الروسية المعاصرة، وقد فات ذلك على واضع القاموس الروسي العربي)، و انتبهت الى كلمة (شوربه) مكتوبة بالروسية (حرف الباء بثلاث نقاط)، وبحثت عن هذه الكلمة في القاموس المذكور أعلاه ووجدت معناها كما يأتي – (حساء من لحم الضأن والرز في آسيا الوسطى)، ثم يعطي القاموس كلمة (الشوربة) ايضا. كنت اعتقد ان كلمة (الشوربة) هي مفردة عاميّة، ولكن المعاجم العربية تشير الى انها من (شرب) العربية الفصيحة، رغم ان المعجم يوضحها كما يأتي – (طعام مائع من الرز او العدس او الخضر)، وقد تذكرت النكتة (الكلاسيكية !!) عن (الشاطر والمشطور والكامخ بينهما)، وضحكت، وبدأت أتصور شخصا عربيا يجلس في تلك (الجايخانة الاوزبيكية في موسكو !) ويطلب من النادل - (صحنا من طعام مائع من الرز مع قطعة واحدة من الشاطر والمشطور والكامخ بينهما...).

توجد في قائمة الاطعمة تسميات اخرى لم أجد اي اشارة اليها في القاموس الروسي – العربي، مثل – (لاغمان)، او (خاشلامه)، او (جوجفارا)، وهذا يعني ضرورة العودة الى القاموس الروسي الكبير، او قاموس الكلمات الاجنبية، او موسوعة العلاقات الروسية – الاوزبيكية، او مصادر روسيّة اخرى ....

هذا الاعلان الصغير هو في الواقع وثيقة تثبت ان روسيا هي دولة اوروبية واسيوية بامتياز (اوروآسيا)، وانها المزيج النموذجي للحضارتين الغربية والشرقية، وانها دولة متعددة القوميات والاجناس بما لا يقبل الشك، رغم ان اكثرية سكانها من القومية الروسية طبعا، و يثبت ايضا، ان كتاب ابن فضلان العظيم في القرن العاشر عن رحلته اليها من بغداد وسر من رأى باسم الخلافة العباسية لازال يمتلك قيمته العلمية الكبيرة باعتباره وثيقة صحيحة ومعتمدة في مسيرة تاريخها ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمود محمد عليلقد كان لمصير السهروردى أثره في أن يظل إنتاجه الفلسفي مختفياً لبعض الوقت، نظراً لما شاع عنه من مروق في الدين، إلا أن تلامذته قد اهتموا بتتبع أخباره، وعلى الأخص الشهرزورى، الذى ذكر في ترجمته لمصنفات السهروردى تسعة وأربعين كتاباً ورسالة، فضلاً عما ذكره من مصنفات منثورة ومنظومة تصور عبقرية السهروردى في النثر والنظم . ولم تصل إلينا معظم تلك الآثار والمصنفات التى يعددها الشهرزورى للسهرورى، اللهم إلا كتباً ورسائل نشر أقلها وما يزال أكثرها مخطوطاً حتى الآن، وتوج منه نسخ خطية تختلف كثرة وقلة في مكتبات الشرق والغرب، يضاف إلى هذا أن صحة نسبة ما يذكره الشهرزورى إلى السهروردى ما يزال في حاجة ماسة إلى تحقيق وموازنة تكشف عن وجه الحق فيها .

ومهما يكن من شئ، فإن إثبات الشهرزورى لمصنفات السهروردى يمكن أن يعد إثباتاً كلياً، إذا قيس إلى ثبوت غيره من المؤرخين والمترجمين، من أمثال أبن أبى أصيبعة، وابن خلكان، وياقوت الحموى، وحاجى خليفة، والتي من أخص خصائصها أنها جزئية ذكرت شيئاً وأغفلت أشياء، وما أغفلته كان أكثر بكثير مما ذكرته . غير أننا نجد أن محاولة الشهرزورى ليست بحثاً في العلاقة بين ترتيب كتب السهروردى وتطور فلسفته، بل إنها تعداد لكتبه ورسائله دون مراعاة لأى اعتبار تصنيفى.

أما أول من قام بمحاولة التصنيف هذه من الكتاب المحدثين فهو ماسينيون، الذى يقسم كتب السهروردى إلى ثلاثة أقسام بحسب مراحل ثلاث من حياته الفلسفية وسمت كل منهما تفكيره بطابع معين، وهذه المراحل هى:-

1- مرحلة الشباب أو " العهد الإشراقى " وتشمل الألواح العمادية، وهياكل النور أو الرسائل الصوفية، وكان ذلك بالاستناد إلى ما أورده الشهرزورى .

2- مرحلة العهد المشائى: وتشمل التلويحات واللمحات والمقاومات والمطارحات.

3- المرحلة الثالثة: وهى العهد الأخير الذى تأثر فيه بالأفلاطونية المحدثة وابن سينا، وتشمل حكمة الإشراق واعتقاد الحكماء .

ولقد فتحت محاولة " ماسينيون " باب الخوض في تصنيف كتب " السهروردى " أمام المستشرقين فذهب سبيز ختك Spies Khattak ، ليقررا أن رسائل السهروردى الصوفية والفلسفية، مثل " مؤنس العشاق " و" لغة موران " و" صفير سميرغ "، هى من أعمال السهروردى المبكرة .

إلا أن المحاولة الرصينة التى قام بها المستشرق الفرنسى الأستاذ " هنرى كوربان Henery Corbin، بعد ذلك، نقلت هذه المسألة، من بحث تاريخي لتصنيف السهروردى إلى بحث فى فلسفته والإبانة عن تطور فكره، منذ تحصيله الأول فى " مراغة " إلى امتلاك أساليب الجدل في " حلب " . كما يذهب أيضاً " هنرى كوربان " إلى أن كتب السهروردى لا يمكن أن تصنف تبعاً لمراحل سيرته، بل أن هذه المؤلفات، المتجانسة في الغاية تشير الواحدة منها إلى الأخرى بشكل ظاهر أو خفى . ولذلك اعتمد تصنيفه على الوحدة الجوهرية لآثار الشيخ، وعلى المنهج المعنوى الذى ينظم ويؤلف بين هذه الآثار في دلالتها على مثال واحد . فأهمل تصنيفه، وبالتالي التسلسل التاريخي، واعتمد الأواصر المعنوية والنفسية في تقدير المشكلة . وهو يقسم كتب السهروردى إلى أربعة أصناف:

1- صنف يشتمل على رسائل يمكن أن يطلق عليها اسم " الرسائل الاعتقادية الكبرى " وهى مكتوبة بالعربية، وقد وضعت الرسائل الثلاث الأولى: " وهى التلويحات والمقاومات والمشارع والمطارحات " . على أن تكون إعداداً وتمهيداً لدراسة الرابعة، وهى حكمة الإشراق التى يعدها السهروردى أهم مصنفاته جميعاً.

2- صنف يشتمل على طائفة من الرسائل الاعتقادية الصغرى بعضها كتب بالعربية وكتب بعضها الآخر بالفارسية، كما هو الشأن في هياكل النور ويدخل تحت هذا الصنف " الألواح العمادية " و" بستان القلوب " و" اعتقاد الحكماء " و" كلمة التصوف " و" كشف الغطاء " و" اللمحات في الحقائق " .

3- صنف يشتمل على طائفة أخرى من الرسائل وضعت في صورة أمثال وحكايات توجيهية وقصص رمزية وقصد بها الإرشاد والتوجيه، ويكاد كلها يكون مكتوباً بالفارسية إلا القليل منها، فقد كتب بالعربية، أو كتب بالعربية والفارسية، كما هو الشأن في رسالة " الغربة الغربية "، ويدخل تحت هذا الصنف: رسالة عقل، ورسالة " آواز بر جبرائيل "، وكلمات ذوقية ( = الأبراج )، ولغة موران، " مؤنس العشاق " ( = العشاق )، رسالة " درخالة طفولية "، رسالة " روزى باجماعت صوفيان "، " ورسالة الطير "، ورسالة " صفير سميرغ " .

4- صنف يشمل على مجموعة من الواردات والتقديسات التى هى أشبه ما تكون بالمزامير، وتدور حول طقوس يومية تقديساً للملائكة القائمين على أمر الكون والمخطوطات التى عثر عليها من هذا الصنف ما تزال نادرة حتى الآن . ويقول الأستاذ كوربان " إنه لم يقف منها إلا على مخطوطات استانبول.

ويساير الدكتور سيد حسين نصر  هذا الترتيب، وذلك في خمسة أقسام:-

القسم الأول: مؤلفات كلها باللغة العربية، وأهمها أربعة، منها ثلاثة عن الفلسفة المشائية: تلويحات ومقاومات ومطارحات، أما الأخير فيدور حول حكمة الإشراق .

القسم الثانى: مؤلفات مكتوب بعضها باللغة العربية وبعضها الآخر باللغة الفارسية، تتناول بالتفصيل الموضوعى الدقيق بعض الجوانب المتصلة بالمؤلفات الأولى . وهى عموماً موجزات وتشمل العناوين التالية الرئيسية: " هياكل النور، الألواح العمادية، بارتا نامة اعتقاد الحكماء، اللمحات، يزدان شناخت " التى تنسب أحياناً إلى " عين القضاه " الهمذانى وبستان القلوب الذى ينسب بدوره إلى السيد الشريف الجرجانى أحياناً بعنوان " روضة القلوب " .

القسم الثالث: مؤلفات كلها باللغة الفارسية، وهى أقاصيص وحكايات كتبت بلغة رمزية، تصف الطريق التى يجب على مبتدئى السالكين . وإتخاذها كى يصلوا إلى المعرفة الباطنية والإشراقية . وأهمها عقلى سرخ، وأوازبر جبرائيل والغربة العربية ( وهو نفسه مكتوب بالعربية )، لغة موران، رسالة في حالة الطفولية، روزى باجماعت صوفيان، ى صوفيات، رسالة في المعراج، صفير سميرغ .

القسم الرابع: مؤلفات تشتمل على شروح وترجمات لنصوص فلسفية قديمة ضمنها كتب في المدخل للمذاهب الباطنية، وينبغى أن نعد بينها ترجمته الفارسية لرسالة الطير لابن سينا، والشرح الفارسى لكتاب " الإشارات والتنبيهات " لنفس المؤلف ورسالته في حقيقة العشق التى تعتمد على رسالة أخرى لابن سينا بعنوان " رسالة العشق " وشرحه لبعض آيات القرآن ولمجموعة من الأحاديث .

القسم الخامس: مؤلفات تشتمل على صلوات وأدعية وأوراد وأذكار يسميها السهروردى الواردات والتقديسات .

ولا يشير الدكتور  سيد حسين نصر إلى تصنيف تاريخى لكتب السهروردى فهى على غرار الأستاذ " هنرى كوربان "، يقيم علاقة معنوية بين كتب السهروردى، ويصنفها بحسب تقارب المضمون .

أما الدكتور  محمد على أبو ريان، فيرى، هو أيضا، أن كل محاولة تاريخية لتصنيف كتب السهروردى تعد بعيدة كل البعد عن الروح العلمية، لأن التداخل بين أفكار هذه الكتب، وظروف تأليفها يحولان دون التصنيف المنهجى السليم . ويذهب إلى أن مؤلفات الشيخ يجب أن تصنف تصنيفاً تعليمياً . ثم ينصح القارئ أن يبدأ بقراءة " التلويحات " ثم " المقاومات " ثم " المطارحات "، وذلك قبل الشروع بقراءة " حكمة الإشراق "، وهو يرى أن تكون قراءة هذا الأخير تحت إشراف موجه مرشد هو " القائم بالكتاب "، حتى يقف المريد على بعض مبادئ " الإشراق " .

والجدير بالذكر أن السهروردى ينصح بإتباع هذا التركيب في قراءة بعض كتبه، وخاصة المطارحات فهو يقول: " وهذا الكتاب أى المطارحات ينبغى أن يقرأ قبل حكمة الإشراق، وبعد التحقيق المختصر المرسوم بالتلويحات، فإذا استحكم الباحث هذا النمط، فليشرع في الرياضيات المبرقة بحكم القيم على الإشراق، حتى يعاين بعض مبادئ الإشراق، ثم يتم له مبانى الأمور ...... وأول الشروع في الحكمة هو الانسلاخ عن الدنيا، وأوسطه مشاهدة الأنوار الإلية، وآخره لا نهاية له " .

ومن هذا النص نجد أن الدكتور محمد على أبو ريان أراد أن يكمل افتراض ما أوصى به السهروردى، وهو لذلك يستحسن أن يقرأ المريد الرسائل أثناء قراءاته من حكمة الإشراق لأنها تساعده على مشاهدة الأنوار القاهرة . ويفطن الباحث أخيراً، إلى أن السهروردى لم يجعل " لهياكل النور " مكاناً خاصاً في ترتيب قراءة الكتاب، فيعود إلى الأخذ بطريقة الأستاذ " هنرى كوربان " في اختيار مكان له " بحسب محتوياته "، ولما كان محتوى هذا الكتاب وثيق الصلة " بما ورد في " حكمة الإشراق "، فقد وجد الدكتور محمد على أبو ريان أنه من المستحسن قراءاته قبلها مباشرة، وهكذا بدأ الدكتور  محمد على ريان تصنيفه معتمداً على نصح السهروردى في قراءة بعض كتبه، ثم انتهى إلى طريقة الأستاذ " هنرى كوربان " – في البحث عن محتويات للكتب الموضوعية التى تؤلف بينها، ثم تحديد مكانها من " حكمة الإشراق " .

ولا شك في أن كل المحاولات التى بذلت من قبل الباحثين لتصنيف كتب السهروردى تنطوى على دقة وإبداع، ومن ثم يمكن حصر مؤلفات السهروردى في مجال المنطق الإشراقى على النحو التالى: التلويحات اللوحية والعرشية، والمقاومات،والمشارع والمطارحات، واللمحات في الحقائق، وهياكل النور، وحكمة الإشراق.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الثاني عن السهروردي المقتول فيلسوف الإشراق؛ حيث يحدثنا الشهرزورى عن مأساة السهرروردي بما قاله " فخر الدين الماردينى" ما نصه: "ولما فارقنا السهروردى" من الشرق، وتوجه إلى حلب، وناظر فيها الفقهاء، ولم يجاره أحد . فكثر تشنيعهم عليه، فاستحضره الملك الظاهر، واستحضر الأكابر والفضلاء المتفننة لسماع ما يجرى بينهم من المباحث، فتكلم معهم بكلام كثير، وباَن له فضل عظيم وعلم باهر، وحسن موقعه عند الملك الظاهر، وقربه وصار مكيناً عنده مختصاً به . فازداد تشنيع أولئك عليه، وعملوا محاضر بكفره، وسيروها إلى دمشق إلى صلاح الدين، وقالوا له: إن بقى أفسد اعتقاد الملك، وإن أطلق أفسد أي ناحية سلك، وزادوا عليه أشياء كثيرة فبعث إلى الملك الظاهر يقول بخط القاضى: " إن هذا الشهاب لابد من قتله، ولا سبيل إلى إطلاقه بوجه .

من هذا النص يتضح لنا أن السهروردى عندما جاء إلى حلب، نزل المدرسة الخلاوية، وحضر درس شيخها الشريف "افتخار الدين" كما أخبرنا بذلك ابن أبى أصيبعة، فأدناه إليه وقرب مجلسه منه، وأظهر فضله للناس، وعرف مكانه فيهم، على أن ما ظهَر من فضل السهروردى وعلمه، وما أظهره من براعة في المناظرة، وإفحام في الحجاج، وما كان له من منزلة كبرى عند الشيخ افتخار الدين، كل أولئك قد أخنق علي الفقهاء وأوغر صدورهم فجعلهم يرجفون به ويشنعون عليه، الأمر الذى ترتب عليه أن استحضره الملك الظاهر بن صلاح الدين وصاحب حلب في ذلك الحين، وعقد له مجلساً من الفقهاء والمتكلمين يباحثونه ويناظرونه، فيظهر عليهم بحججه، وإذا الملك يقربه، ويقبل عليه ويتخصص به، وإذا بالحانقين عليه والضائقين به من الفقهاء يزداد حنقهم وغيظهم، وإذ هم يرمونه بالإلحاد والزندقة، ويكتبون إلى الملك الناصر صلاح الدين يحذرونه من فساد عقيدة ابنه الظاهر بصحبته للشهاب السهروردى، ومن فساد عقائد الناس ان هو أبقى عليه فلم يكن من صلاح الدين إلا أن كتب إلى ابنه الظاهر يأمره بقتل السهروردى ويشدد عليه في ذلك ويؤكده، وما هى إلا أن استفتى فقهاء حلب في أمره فأفتوا بقتله .

والواقع أن هذه الحملة على السهروردى تدعو إلى التساؤل، هل هى وليدة خصومة شخصية وتباين في الميول والطباع، أم ثمرة خلاف مذهبى؟

في الحقيقة ذهب بعض المستشرقين من أمثال ماكس هورتن  Horten M.، وغيره إلى أن مقتل السهروردى يرجع إلى أسباب سياسية: يقول " هورتن " ما نصه: (إن مذهب السهروردى ينطوى على إحياء المذهب الإسماعيلى القائل بأن أبناء علَى هم صور للتجلى الإلهى، ولهذا أُعتبر ثائراً سياسياً يعمل على قلب النظام وكان مصيره كمصير الحلاج من قبل .

ويوافق بعض الباحثين على هذا الرأى، فنجد الدكتور عبد الرحمن بدوى يقول: " بأنه لولا اتصال السهروردى بالملك الظاهر وما خشية السلطان من تأثير هذه الصلة على المذهب السنى الذى كان يمثله صلاح الدين لظل السهروردى طليقاً حراً يفكر كما يشاء . ونفس ما حدث للسهروردى حدث للحلاج من قبل، فلولا أن الحلاج قد زج بنفسه في التيارات السياسية المضطربة في عصره ومصره بين الشيعة والحنابلة، واتصاله برجال السياسة، لما حدث له شئ مما حدث من تعذيب أو صلب . أما أن تكون أسباب اتهامه هى مسائل ترجع إلى آرائه، فلم يكن إلا تكاة استند إليها السلطان فحسب، وأن فى وسعه أن يجد غيرها لينكل به كما فعل لو لم توجد هذه الآراء .

وإذا كان بعض المستشرقين والباحثين يرجع حادث مقتل السهروردى إلى أسباب سياسية، فإن هناك أسباباً أخرى يجب أن لا نغفل عنها، وهى أن جرأة السهروردى وقسوته على معارضيه هى التى جنت عليه، وهذا الشهرزورى تلميذ السهروردى أقوى شاهد إثبات؛ حيث فصل القول في هذا تفصيلاً تاماً، وأظهرنا على أن السهروردى كان يصرح في البحوث بعقائد الحكماء، لأنه كان صارماً في جدله مفحماً في حجته، لا يأخذ خصومه فى هوادة ولا يخاطبهم في لين.

هذا بالإضافة إلى ما كان بقوة روح القدس، وما نسب إليه من العظائم، وأنه إدعى النبوة، فكل ذلك كان سبباً في أن يجمع الفقهاء أمرهم على تكفيره وإباحة دمه، والحكم عليه بالقتل، ولكن الشهرزورى يرى أن السهروردى برئ من ذلك .

من هذا يتبين لنا أن جرأة السهروردى وتهوره وقلة تحفظه من الأسباب التى جنت عليه، فمن يدرى فلعل السهروردى لو أنه أصطنع كثيراً أو قليلاً من التحفظ والاعتدال وأمسك عن كثير أو قليل من تصريحاته وعباراته لكان للفقهاء معه شأن أخر، ولكنه وقد أطلق نفسه على سجيتها، وأطلق لأذواقه وأفكاره ومذاهبه كل حريتها، ولكن لم يستطيع أن يكون غير ما كان، ولا أن يقول غير ما قال، ولم يستطيع الفقهاء إلا أن يحرجوه ويدحضوا مزاعمه وينسبوه إلى الكفر والضلال ويفتوا بقتله .

وينفرد العماد الأصفهانى الذى كان معاصراً للسهرورى بإيراد القصة الكاملة لمقتله فيقول ما نصه: " ... في سنة 588 هـ،  قتل شهاب الدين السهروردى وتلميذه شمس الدين بقلعة حلب . أخذ بعد أيام، وكان فقهاء حلب قد تعصبوا عليه، ما خلا الفقهين (ابن جهيل) فإنهما قالا: هذا رجل فقيه ومناظراته في القلعة ليس بحسن، ينزل إلى الجامع ويجتمع لهم ويعقد له مجلس في الخلاف معه وقالوا له أنت قلت فى تصانيفك: " إن الله قادر على أن يخلق نبياً وهذا مستحيل، فقال لهم: ما حد لقدرته، أليس القادر إذا أراد شيئاً لا يمتنع عليه؟ قالوا بلى، قال: فالله قادر على كل شئ، قالوا إلا على خلق نبى فإنه مستحيل، قال فهل يستحيل مطلقاً أم لا، قالوا كفرت وعملوا له أسباباً لأنه بالجملة كان عنه نقص عقل لا علم، ومن جملته أنه سمى نفسه المؤيد بالملكوت .

وإن كان السهروردى قد قتل بالفعل، فكيف نفذ فيه حكم القتل؟ وعلى أو وجه قتل؟

اختلفت الروايات وتضاربت الأقوال في هذا الموضوع، فنجد أن الشهرزورى يقول: " ... ورانت الناس مختلفين في قتله فزعم بعضهم أنه سجن ومنع الطعام " وبعضهم يقول: "خنق بوتر"، وبعضهم يقول بسيف، وقيل: "أنه حط في القلعة وأحرق" .

كما يخبرنا ابن أبى أصيبعة ؛ حيث يقول: "ولما بلغ الشهاب السهروردى ذلك (نبأ قتله) وأيقن أنه مقتول وليس جهة إلى الإفراج عنه، اختار أن يترك في مكان منفرد، ويمنع من الطعام والشراب إلى أن يلقى ففعل به ذلك " .

من هذين النصين يتضح أنه لا يمكن أن نرجح كيف قتل السهروردى، غير أنه يمكن القول مع " هنرى كوربان "، بأنه قتل بطريقة سرية . أما عن معرفة التاريخ الذى وقع فيه حادثة القتل، فنجد أن المؤرخين والمترجمين يختلفون في إيراد وفاته، إلا أن الاختلاف ليس كبيراً، فهو لا يتعدى سنتى 586 هـ - 588 هـ . فنجد أن الشهرزورى يذكر 586 هـ، على أنها السنة التى قتل فيها أستاذه، وكذلك العماد الأصفهانى يذكر حادث مقتله 588 هـ.

إلا أن معظم الباحثين والمؤرخين والمترجمين يرجحون من بين هذه التواريخ جميعاً 587 هـ (38)، وهو يوافق 29 يوليو سنة 1191 م، يعنى أن عمره كان حينئذ 36 عاماً بالتقويم العربى القمرى، ويلاحظ أن تاريخ وفاته سابق على التاريخ الذى مات فيه ابن رشد، وذلك بسبع سنين .

ويعد السهروردى أول من تصدى للفلسفة المشائية في القرن السادس الهجرى، فقد أعرب في مصنفاته عن تبرمه بالفلسفة المشائية وحرصه على تخطيطها بالاتجاه نحو فلسفة إشراقية، تنم عن أعماق شجونه الفكرية، وهذا إن دل على شئ، فإنما يدل على أن السهروردى متصوفاً قبل أن يكون فيلسوفاً، وقد انتهى من فلسفته إلى حكمة الإشراق التى تدل على مذهبه الحقيقى، وقد تفلسف غيره من متصوفى الإسلام، ولكن أحداً منهم لم يربط الفلسفة بالتصوف مثل ما فعل، فهو يضع الفلسفة والتصوف في علاقة خاصة لا نجدها إلا عنده، وهو يميز بين نوعين من الحكمة متقابلين: " الحكمة البحثية " المعتمدة على التحليل والتركيب والاستدلال البرهاني، وتهدف إلى الوصول إلى الحقيقة، وهى حكمة الفلاسفة، " والحكمة الذوقية " التي هي ثمرة مذاق روحي، وهى حكمة يحياها الإنسان ولا يستطيع التعبير عنها وهى حكمة الإشراقيين، وليس ثمة تعارض حقيقي بين الحكمتين، وإنما هو تعارض ظاهري، لأن الإشراقي الحقيقي هو الذى يتقن الحكمة البحثية وينفذ في نفس الوقت إلى أسرار الحكمة الذوقية .

وفي هذا يحدثنا الشهرزورى: ما نصه: " جمع يعنى (السهروردى) بين الحكمتين أعنى الذوقية والبحثية . أما الذوقية فشهد له بالتبريز فيها كل من سلك سبيل الله عز وجل، وراضى عن نفسه التشاغل بالعالم طالباً بهمته العالمية مشاهدة العالم الروحانى، فإذا إستقر قراره وتهتك بالسير الحثيث إلى معاينة المجردات أستاره، حتى ظفر لمعرفة نفسة، ونظر بعقله إلى ربه، ثم وقف بعد هذا على كلامه، فلتعلم جيداً أنه كان في المكاشفات الربانية آية، والمشاهدات الروحانية نهاية، لا يعرف غوره إلا الأقلون، ولا ينال شأوه إلا الراسخون . وأما الحكمة البحثية فإنه أحكم شأنها وشيد أركانها وتميز عن المعانى الصحيحة البارزة اللطيفة بالعبارات الرشيقة الوجيزة، وأتقنها ورآها، لاسيما في الكتاب المعروف " بالمشارع والمطارحات "، فإنه استوفى فيه بحوث المتقدمين والمتأخرين وتفحص فيه معتقد الحكماء الأقدميين، وأكثر تلك البحوث والمتناقضات، والأسئلة والإيرادات من تصرفات ذهنه ومكنون علمه، وذلك يدلل على قوته في الفن البحثى والعلم الرسمى، وأعلم أن قيم كلامه ومعرفة أسراره مشكل جداً على من لا يسلك طريقته .

وهذا الجمع المحكم بين الحكمتين " الذوقية والبحثية "، يدل دلالة واضحة على مظاهر الأصالة في التفكير عند السهروردى . فبحسب النظرية السهروردى أن المجهود الفكرى للنفس الإنسانية، لا يحقق لها الغاية المرجوة، التى تسمى المعرفة التامة، إلا بالتجربة الداخلية والذوق الباطنى، كما أن الاختبار الروحى بدوره، لا يزدهر ويرسخ وينتج ثمراته المطلوبة، إلا إذا قام على أساس ثابت من العلم والفلسفة.

وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن النظرية السهروردية تدعو إلى " حشد " كل ضروب العهد – بما فيها الإسلام – لشرح " روحية الإشراق " بنقل إعتبار التوجيه للإسلام في المجتمع الإسلامى إلى روحيته الإشراقية (، وهذه المحاولة تبين لنا أن السهروردى كان موسوعى النزعة، لا يقنع بكتاب، ولا يقف عند شيخ، ويأبى إلا أن يضم الحكماء بعضهم إلى بعض سواء أكانوا شرقيين أو غربيين . وكأنما كان يطبق الحديث القائل: " الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها "، فجمع بين حكماء الفرس واليونان، وبين كهنة مصر وبراهمه الهند وآخى بين أفلاطون وزرادشت، وبين فيثاغورس وهرمس، وشاء أن يضم الروحانيين بعضهم إلى بعض دون تفرقة بين جنس ووطن .

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى استطاع أن ينبهنا إلى دراسة المنطق والفلسفة، وما لهما من قيمة كبرى وخطر عظيم، وأثر كبير في إعداد طلاب الحكمة وتثقيفهم، فهو يرى أنه لابد لطالب العلم والمعرفة من أن يلم إلماماً تاماً بالفلسفة الأرسطية والمنطق والرياضيات والتصوف، وأن يخلص نفسه من شوائب الهوى والشهوة ؛ بحيث يستطيع أن ينمى تدريجياً هذه الحاسة التى تحقق وتصحح ما يأخذه العقل على أنه نظرى خالص، والتى تعرف عن الصوفية باسم الذوق . فإن العقل الذى يعمل وحده دون أن يكون له عون أو مؤيد من الذوق لا يصح أن يوثق فيه ثقة مطلقة أو يطمئن إليه اطمئناناً لا شبهه فيه ولا غبار عليه ومن ثم كان السهروردى حريصاً على أن يؤيد العقل بالذوق .. وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

ضياء نافعاستلمت ردود فعل كثيرة حول مقالتي الاولى عن الصحافيين العراقيين من خريجي الجامعات الروسية، ومن بينها، ان كلية الصحافة لا يمكن ان تخلق الصحافيين، لان الصحافة موهبة مثل بقية المهن الابداعية، وهي ملاحظة دقيقة وصحيحة جدا من وجهة نظري، ولم نتحدث عن ذلك في مقالتنا، وانما ذكرنا مجموعة (من خريجي كلية الصحافة) برزت في صحافة العراق بعد عودتها الى الوطن. هذه الملاحظة ذكرتني بقول كنت غالبا ما اسمعه من بعض العراقيين حولي عندما كنّا طلبة في موسكو، وخلاصة هذا القول، ان كلية الصحافة هي مكان الذين لا مهنة لهم، ويستشهدون بان كل صحافيو العراق الكبار ليسوا من خريجي كلية الصحافة، بل ان أحدهم  قال لي مرة، انه حتى شهادة الدكتوراه التي يستلمها خريج تلك الكلية في روسيا تشير، الى ان حاملها هو – (كانديدات العلوم الفيلولوجية، اي دكتوراه فلسفة في علوم اللغات وآدابها )، ويستنتجون من ذلك، انه لا توجد (علوم صحافية  بحتة) يمكن ان يدرسها طلاب تلك الكلية، ولو كانت موجودة لأشاروا اليها في الشهادة الجامعية. وقد وجدت مثل هذه المفاهيم في العراق ايضا، اذ غالبا ما كنت اسمع، ان الطلبة في كلية الصحافة والاعلام هم (بلا مهنة)، وان الصحافة الحقيقية لا تحتاج الى هذه الاعداد من الخريجين، وانها تنتظر الموهوبين منهم فقط . ان هذه الآراء طبعا تتعارض مع الواقع العلمي، اذ ان اي موهبة (خصوصا في عصرنا) تحتاج الى المعرفة وصقلها والتعمق بها، والا فانها تضيع في خضم الحياة ( وما أكثر المواهب التي ضاعت  في مجتمعاتنا العربية !)،  وان كلية الصحافة باقسامها الاعلامية المتشعبة – ضرورية جدا مثل بقية فروع الدراسات الفنيّة الاخرى مثل الفن التشكيلي (الرسم والنحت) والموسيقى والفنون المسرحية والسينمائية  بفروعها المتشعبة والخ...، شريطة ان يتم القبول في تلك الدراسات كافة (بما فيها الصحافة) حسب تعليمات محددة وامتحانات خاصة تختبر مبادئ الموهبة في مراحلها الاولية لدى الراغبين بالالتحاق فيها، ولا مجال هنا للتوسع اكثر .

ومن جملة ردود الفغل على مقالنتا تلك ما قاله لي البعض، بان الاسماء غير كاملة، وذكروا مثلا اسم الدكتور خليل عبد العزيز، الذي انهى الدراسات الاولية والعليا في كلية الصحافة بجامعة موسكو، وأجبتهم، انني حددت في مقالتي اسماء هؤلاء الذين عملوا في صحافة العراق حصرا، وانني كتبت عن د. خليل ونشاطه الاعلامي المتميّز عدة مقالات ، وقد كرر د. خليل عبد العزيز نشر بعض تلك المقالات  في كتابه الموسوعي الموسوم – (محطات من حياتي)، وان مسيرة هذا الرجل ونشاطه الاعلامي المتنوع  تستحق دراسة واسعة ومعمقة بلا شك، وقد أعود الى الكتابة عنه لاحقا . وذكر البعض الآخر لي اسم  الزميل كامران قره داغي، الذي برز – كما هو معروف - في صحافة العراق وبشكل متميّز فعلا، وانني لم أشر اليه في مقالتي تلك، فقلت لهم اني اؤيد – وبحرارة - كل ما تقولون عنه . ان كامران صحافي موهوب واصبح  فعلا واحدا من الصحافيين البارزين في العراق بين خريجي الجامعات الروسية، ولكنه لم يتخرّج في كلية الصحافة، وانما هو خريج كلية الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) في جامعة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا)، وبالتالي، فانه النموذج الذي يثبت ان مهنة الصحافة هي مهنة ابداعية يبرز فيها الموهوبون بغض النظر عن شهاداتهم، علما اني كتبت ايضا عن نشاط كامران  الابداعي عدة مقالات . وجاء اسم الزميل سلام مسافر بين التعليقات حول مقالتنا، وأشاروا الى انه اصبح صحافيا عالميّا الآن، وانه – في أجواء عالميته وشهرته – لازال يحمل راية هموم وطنه الام – العراق، فقلت لهم، ان سلام مسافرقد اضطر ان يهرب من عراق البعث عندما كان صحافيا معروفا بجريدة الجمهورية البغدادية في سبعينيات القرن العشرين، عندما اراد النظام الصدامي ان (يؤدلج!) الاعلام العراقي  (جاء اسم سلام مسافر مع مجموعة بارزة من الصحافيين العراقيين الذين نقلوهم من جريدة الجمهورية آنذاك الى اماكن لا علاقة لها بعملهم الصحفي)، وان سلام مسافر قد تخرّج في كلية الصحافة بجامعة بغداد وليس خريج كلية الصحافة الروسية، اي انه كان صحافيا عراقيا معروفا قبل وصوله الى موسكو، وانه استمر بنشاطه الصحافي رأسا بعد وصوله اليها، وكلنا نتذكر انه كان مندوبا نشيطا جدا لاذاعة مونتي كارلو من موسكو لسنوات طويلة .

اضطررت الى تكريس هذه الحلقة من مقالتنا حول الصحافيين من خريجي الجامعات الروسية الى ردود الفعل هذه، واتمنى العودة قريبا الى اكمال الحديث عن الاسماء التي أشرنا اليها في الحلقة الاولى، اذ اننا تحدثنا عندها فقط عن جلال الماشطة، ولم نتناول بقية الاسماء، وهم - سعود الناصري وسلوى زكو ومحمد عارف...

 

أ. د. ضياء نافع

 

محمود محمد علييرى معظم المؤرخين والمترجمين أن شهاب الدين السهروردى هو "أبو الفتوح يحيي بن حبش بن أميرك"، غير أن "ابن أبى أصبيعة" في عيون الأطباء، ذكر أن أسم السهروردى هو "عمر" دون أن يذكر اسم أبيه . وقد لاحظ " نيللينو " Nallono في كتابه علم الفلك عند العرب، هذا الخطأ الذى وقع فيه "ابن أبى أصبيعة" ووصفه بالسهو الشنيع والغلط الفظيع ؛ أما ياقوت الحموى في معجم الأدباء فيقول أن: "اسم السهروردى هو "أحمد" وأن كنيته هى "أبو الفتوح".

ولكن ابن خلكان (في إخبار العلماء) يشير إلى أن الاسم الصحيح هو : "أبو الفتوح يحيي بن حبش بن أميرك". ثم يضبط هذا الاسم ضبطاً لغوياً لما عسى أن يلتبس في هذا الاسم من ألفاظ غريبة أو عجيبة، قد يصعب نطقها أو فهمها فيذكر أن لفظ " حبش " بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة والشين المعجمة . وقال عن لفظ " أميرك " إنه بفتح الهمزة وبعدها ميم مكسورة، ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها راء مفتوحة، ثم كان وهو اسم أعجمى معناه " أمير " وهو تصغير " أمير " لأن الكاف التى تلحق بآخر الاسم هى للتصغير.

ويلقب السهروردى بالمؤيد بالملكوت، وذلك لما عرف عنه من العلوم الإلهية والأسرار الربانية التى رمز الحكماء إليها وأشار الأنبياء إليها، ولما أيد به من قوة التعبير عن هذه الأسرار وتلك العلوم في كتابه العظيم " حكمة الإشراق " . ويلقب أيضاً بخالق البرايا، وذلك لما كان يظهره في الحال من العجائب، ويرى الشهرزورى أن واحداً رأى السهروردى في المنام، فقال له الأخير لا تسمونى بخالق البرايا .

ولما كان السهروردى قد قتل بأمر السلطان صلاح الدين الأيوبى سنة (589 هـ - 1193 م) فلهذا السبب أطلق عليه المؤرخون لقب " الشيخ المقتول "، وذلك تمييزاً له عن غيره ممن يشتركون معه في النسبة إلى سهرورد، فثمة علماء ثلاثة يعرفون باسم السهروردى وهم :

1- ضياء الدين أبو النجيب عبد القاهر السهروردى، المتوفى سنة 630 هـ الموافق 1167 م أو سنة 1168 م .

2- شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد بن عموية، مؤلف عوارف المعارف، سنة 632 هـ الموافق سنة 1234 أو 1235 م .

3- محمد بن عمر بن الشيخ شهاب الدين، المتقدم مباشرة، صاحب زاد المسافر في التصوف.

غير أن " أحمد أمين " في كتابه ضحي الإسلام، يرى أنه ربما لقب " بالشيخ المقتول " فذلك إيماء بأنه قتل استحقاقا لهذا القتل، وإلا كان لقب بالشهيد، وأنه أشاع في " حلب " تعاليمه الفلسفية ورأيه في الحلول، وأن الله والعالم شئ واحد وتصريحه بذلك ألب الفقهاء والشعب عليه، فاضطر الملك الظاهر بن صلاح الدين حاكم حلب أن يتخلى عن حمايته فقتل عام " 587 "، وهو السادس والثلاثين من عمره.

ويرجع " الأب جومس نولجانس " (في بحثه عن السهروردي ضمن الكتاب التذكاري) أن علة لقب السهروردى بالشيخ المقتول يرجع إلى أنه الذى تعود عليه الناس فسموه به، ولأنه لم يمت موتاً عادياً، وإنما مات مقتولاً، ولهذا يكون اللقب الذى تعود الناس تسميته به " المقتول " يشير إلى أن موته لم يعتبر دليلاً على الإيمان الحقيقى الذى يتسم به الشهداء، وإنما مات ككافر مداناً من السلطات الدينية .

وهنا يتضح أن السهروردى إذا كان قد لقب بالشيخ المقتول، فذلك لما تواتر عليه جمهور المؤرخين، أما تلاميذه وأتباعه فإنهم يطلقون عليه لقب " الشهيد " ؛ حيث اعتبروه شهيد الفكر والعقيدة الإشراقية .

وفي منتصف القرن السادس الهجرى ولد شهاب الدين السهروردى المقتول عام 549 هـ الموافق 1153 م في (سهرورد)، وهى بضم أوله وسكون ثانيه وفتح الراء والواو وسكون الراء، ودال مهملة وهى : بلدة قريبة من زنجان بالجبال .

على أنه ليس من الممكن الآن تحديد موقعها بدقة، لكن إذا أردنا تحديد موقعها في العهد القديم، فيمكن القول بأنها كانت تقع في الشمال الغربى من إيران في ميديا القديمة وهى مدينة كانت مزدهرة إبان الاضطرابات المغولية .

وبخصوص المولد والنشأة يعطينا المؤرخين والمترجمون طائفة قليلة من المعلومات التى لا خطر لها ولا غناء فيها، والتى لا تكفى لإظهارنا على صورة واضحة لحياة السهروردى في طفولته وصباه، ولعل كل ما نعرفه عنه أنه ولد في سهرورد، وأن تاريخ مولده يقع بين سنتى (545 هـ) الموافق (1150 م)، وسنة (550 هـ) الموافق (1155 م)، وأنه قضى حياته الأولى بتلك البلدة القريبة من زنجان، وهى (سهرورد)، وهنالك تلقى أول ما تلقى من ثقافات دينية وفلسفية أو تصوفية . أما على من تلقى هذه الثقافات وما مبلغ وقوفه عليها وتحصيله لها !! وما الخصائص العلمية وغير العلمية التى امتازت بها بيئته المنزلية من ناحية، وبيئته الاجتماعية من ناحية أخرى، ومن أبوه، وما مكانة هذا الأب، وما أثر في تنشئة ابنه، وتثقيفه وتوجيهه !! . فكل ذلك أمور لا يكاد الباحث يظفر بها أو يقف على بعضها فيما بين يديه من المراجع، حتى الشهرزورى تلميذ السهروردى المباشر وشارح مؤلفاته لا يخبرنا في ترجمته المطولة بإجابات شافية عن هذه الاستفسارات.

ولعل السبب في هذا يرجع إلى صغر سن هذا الفيلسوف الصوفى وكثرة أسفاره كانا من العوامل التى قيضت نطاق انتشار علمه، أو ذيوع صيته، فلم يحفل بتتبع نشأته الأولى .

وكان السهروردى كثير السفر والترحال والتنقل في مختلف الأقطار، فلقد كان السفر من بعض هواياته، فلا يكاد ينزل ببلده جديدة حتى يبحث عن العلماء والحكماء، ويأخذ عنهم علمهم، وعن الحكماء حكمتهم، ويصاحب الصوفية، ويجالسهم، ويأخذ نفسه بالتجريد وسلوك طريقتهم من رياضيات ومجاهدات كانت سبيله إلى ما أشرقت به نفسه من أنوار المكاشفات.

فقد حدثنا الشهرزورى ما نصه : " كان قدس الله روحه كثير الجولان والطوفان في البلدان، شديد الشوق إلى تحصيل مشارك له فى علومه، ولم يحصل له، قال في آخر " المطارحات " ... ها هو ذا قد بلغ سنى تقريباً ثلاثين سنة وأكثر عمرى في الأسفار والاستخبار والتفحص عن مشارك مطلع على العلوم، ولم أجد من عنده خبر عن العلوم الشريفة، ولا من يؤمن بها وأكثر العجب من ذلك .

والبلاد التى سافر إليها السهروردى لا تتجاوز كما أخبرنا المؤرخون والمترجمون بلاد الشام، وبلاد الروم، وقد حدثنا الشهرزورى أيضاً عن السهروردى في موضع آخر، فقال ما نصه : " .... وسافر في صغره في طلب العلم والحكمة إلى مراغة، واشتغاله بها على يد " مجد الدين الجيلى "، في أصفهان، وبلغنى أنه قرأ هناك بصائر ابن سهلان الساوى على الظهير الفارسى، والله أعلم بذلك، إلا أن كتبه تدل على أنه فكر في البصائر كثيراً، وسافر إلى نواحي متعددة، وصحب الصوفية، واستفاد منهم، وحصل لنفسه ملكة الاستقلال بالفكر والانفراد، ثم اشتغل بنفسه بالرياضيات والخلوات والأفكار، حتى وصل إلى غايات مقامات الحكماء ونهايات مكاشفات الأولياء .

من هذا النص يتضح لنا أن السهروردى قد أخذ العلم في بداية حياته على يد " مجد الدين الجيلى " أستاذ فخر الدين الرازى، ثم سافر بعد ذلك إلى أصفهان، وأصفهان إحدى المدن الكبرى التى استقر فيها " ابن سينا " وقتاً غير قصير، واتخذ فيها قسطاً كبيراً من موسوعته الفلسفية الكبرى " الشفاء "، وكان له فيها تلاميذ وأتباع تعاقبوا إلى أن رآهم السهروردى، واطمأن إلى صحبتهم، واتخذ منهم أصدقاء أولع بهم . وفى أصفهان قرأ السهروردى " بصائر ابن سهلان الساوى المتوفى سنة 450 هـ - الموافق سنة 1060 م " .

وكتاب البصائر من أجواد أنواع التلخيصات لمنطق الشفاء لابن سينا، كما أن السهروردى، وهو بأصفهان خاطب الفكر السينوى . فكتب له رسالة " بستان القلوب "، كما ترجم " رسالة سينا إلى اللغة الفارسية .

كما اتصل السهرودرى بالشيخ " فخر الدين المادرينى "، وكانت بينهما صداقات واجتماعات كما أخبرنا بذلك ابن أصيبعة ؛ حيث استفاد السهروردى من اتصاله به في تكوين مذهبه المشائى الذى عرض له في " التلويحات واللمحات والمقامات والمطارحات وهياكل النور ..... الخ .

ثم يذكر الشهرزورى بأن السهروردى سافر إلى مناطق متعددة لطلب العلم دون أن يذكر اسمها بالتفصيل، غير أنه أشار بأن السهروردى كل يفضل الإقامة " بديار بكر "، وقد إتصل بأمير خربوط " عماد الدين قرة أرسلان " حاكم ديار بكر وأهدى إليه كتابة " الألواح العمادية .

ويذهب " ماسينيون " Massinon (في كتابه مجموعة نصوص لم تنشر) إلى أن السهروردى أسس مدرسة إشراقية في بلاط الأمير. غير أن كتابات المؤرخين والمترجمين لم تؤيد هذا الرأى، حيث أن صغر سنة وكثرة أسفاره لا تجعلنا نعتقد أنه كان لديه من الوقت ما يسمح له بتكوين مدرسة فلسقية، ولا سيما وأن إقامته فى الأناضول عن الأمير أرسلان لم تطل، لأن الشيخ كان كثير السفر ميالاً إلى التجوال .

على أن حياة التجوال التى كان يحياها السهروردى، لم تقف به عند البلاد التى أشار المؤرخون والمترجمون إلى أنه قد دخلها، وأفاد منها ما أفاد من ثقافات، واتصل فيها بمن اتصل من شخصيات وإنما هى قد امتدت به إلى الشام، حيث قدم مدينة حلب سنة 579 هـ، كما يقول : " ابن أبى أصيبعة، وهى آخر البلاد التى سافر إليها، وفيها قتل بسبب معتقداته الفلسفية . وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمد فتحي عبدالعالفي بلادنا لا يوجد فيصل أحيانا بين أن تكون ملكا ووأن تكون زعيما فمادام الملك مستمر في حكمه فالزعامة قرينه ولو كانت مملكتة لا تتعدي بضعة سنتيمترات وكيف لا ويوجد أجهزة أعلامية لا تتوقف عن الأشادة به بسبب وبدون ..ولكن ملكنا في هذه الحلقة كان يملك ملكا متراميا ضم مصر والسودان فحاول أن يكون زعيما بحق وليس من قبيل التباهي الاعلامي الواهي المرتبط بحياة الحاكم ...ملكنا اليوم هو الملك فاروق الأول والذي تولي الحكم عام 1937 خلفا لوالده الملك فؤاد الرجل الصارم وكان لا يزال عمره السابعة عشر من عمره فيعود فاروق المتوج على العرش إلى بلاده على باخرة «النيل» قاطعًا دراسته بكلية «ووليتش» العسكرية في بريطانيا. ونظرا لعدم بلوغ «فاروق» السن القانونية ، فقد تشكل مجلس للوصاية على العرش، وكان برئاسة ابن عمه الأمير محمد علي بن توفيق ، وعضوية محمد شريف صبري باشا، وعزيز عزت باشا، وكان من المقرر أن يستمر هذا المجلس لعام وتسعة أشهر. وحتي تقطع والدته الملكة نازلي الطريق أمام مطامع الأمير محمد علي المدعوم من السفير البريطاني السير مايلز لامبسون نظرا لطول فترة الوصاية وخشيتها من ضياع الحكم من ابنها فنجحت نازلي وبتأييد السياسي المخضرم علي باشا ماهر في استصدار فتوي شرعية من شيخ الأزهر مصطفي المراغي بأن «عُمر الملك المسلم لابد أن يُحتسب بالتقويم الهجري لا الميلادي»، وبموجب ذلك بلغ فاروق سن الرشد في يوليو 1937. ولأن العهود لا تسير علي نفس الوتيرة فعلي ماهر ذاته هو نفسه الذي اقنع فاروق فيما بعد في توقيع ورقة التنازل عن عرشه بعد حركة عام 1952 كما أن المراغي دب الخلاف بينه وبين فاروق حينما رفض أصدار فتوي بتحريم زواج فريدة مطلقته ولكنها لعبة السياسة والحكم واجادة التلون لدي بعض النخب السياسية والدينية .

كان فاروق متميزا عن أسرة محمد علي باشا في كونه الوحيد من ورثة العرش الذي كان له أصول مصريه فوالدته نازلي ابنة عبد الرحيم باشا صبري وهي أسرة وفدية عريقة وكانت مخاطبته للمصريين لأول مرة باللغة العربية سابقة في التاريخ المصري الحديث حيث كان حكامه السابقين كانت لغتهم الرسمية هي التركية ولغة قصورهم الفرنسية !! بينما لغة الشعب الذي يحكموه غائبة. كما أعجبه فجأة لحية جده الخديو اسماعيل فقرر أن يلتحي !!! ليصبح الملك الزاهد في نظر رعيته.

كان يداعب فاروق منذ البداية حلم أبيه في أن تكون له زعامة العالم العربي والأسلامي والتي انتهت بسقوط الخلافة العثمانية عام 1922 ولكن كتاب الشيخ علي عبد الرازق الاسلام وأصول الحكم والمعركة التي ثارت حوله أدت الي تقويض حلم فؤاد حيث أشار عبد الرازق في كتابه الشهير أن النبي لم يعيّن في البلاد التي فتحها ولاة لإدارة شؤونها، و أن معارضة المسلمين للخلافة "نشأت إذ نشأت الخلافة نفسها، وبقيت ببقائها" .

كان فاروق يطمح الي احياء هذا الحلم منذ بداية حكمه فسعي الي عمل مراسم تتويج أسطورية داخل القلعة علي طريقة العصور الوسطي وأن يبايعه الناس كخليفة للمسلمين، ويتسلم التاج من شيخ الأزهر ويحمل سيف جده محمد علي باشا، ثم يدعو له المشايخ الدعاء الخاص بالخلفاء العباسيين وسلاطين آل عثمان له.وأن تقام هذه المراسم علي مرأي ومسمع من زعماء العالم وأن يكون الحفل في يوم الخميس، وفي اليوم التالي الجمعة يخطب المراغي خطبة الجمعة ثم يصلي الملك إمامًا بالمسلمين في الجامع الأزهر .واستباقا لأحلام الملك صرح «المراغي» بأن (الله يبعث كل مائة عام للأمة الإسلامية رجلًا يُصلح دينها ويجدد عقائدها ويوحّد صفوفها، وفاروق هو المختار ليكون رجل المائة عام المقبلة).

أطاح بأحلام الملك الأسطورية رفض مصطفي النحاس باشا زعيم الاغلبية ورئيس الوزراء انذاك والذي صمم أن يكون التنصيب في البرلمان وهو ما وسع الهوة بين الملك والوفد ...سرعان ما تعلم فاروق -الفتي صغير السن وقليل التجربة والمعرفة بالحكم والذي لم يكن معنيا بشئون الحكم في عهد والده بأكثر من لقب أمير الصعيد- علي يدي علي ماهر باشا الثعلب السياسي المخضرم لعبة السياسة والتلاعب بالوزارات فأقال فاروق حكومة النحاس عام 1938 وألف حكومة برئاسة علي باشا ماهر وبدأ ماهر باشا يقنع فاروق أن الطريق نحو الزعامة يكون بتزويج اخواته البنات من عدد من ملوك وامراء العالم العربي والاسلامي وكانت البداية مع زواج الاميرة فوزية ذات الثقافة والملامح الارستقراطية الجميلة من شاه ايران محمد رضا بهلوي وكانت ايران انذاك دولة في مهدها لم تصل الي الحداثة مثلما كانت مصر في ذلك العهد وسرعان ما انتهي هذا الزواج الذي لم يسفر عن تحالف سياسي ملموس الي الطلاق.

حاول فاروق أن يسير علي خطي ابن عمه الخديو السابق عباس حلمي الثاني في اكتساب الزعامة الشعبية في مصر عبر العداء للانجليز والتقرب من النخب الوطنية منتهجا خطا مختلفا بعض الشيء وهو محاولة الأقتراب من الالمان وكان مسرح عمليات الحرب العالمية الثانية ليس ببعيد عن مصر وجرت العديد من المحاولات للاتصال بالالمان ومنها أرسال بعض الصور والخرائط عن مواقع القوات البريطانية الي الالمان عبر طيار مصري هو أحمد سعودي الا أن الطائرة الانجليزية الصنع والتي كانت تقله تم ضربها عبر سلاح الجو الالماني قبل هبوطها بالخطأ وضاعت الفرصة الثمينة ثم محاولة تهريب الفريق عزيز المصري رئيس الاركان المصري لمساندة ثورة رشيد الكيلاني ضد الانجليز في العراق ثم قضية حكمت فهمي الراقصة المصرية والجاسوسين الالمانيين ابلر وساندي واللذين وقعا في قبضة الانجليز عبر فتاتين من فتيات الهوي اليهود شكا في امرهما وهما يغنيان تحت تأثير الخمر نشيد المانيا فوق الجميع !!! هل كان فاروق يعلم بهذه المحاولات وهل ساعد فيها ؟ من الصعب تحديد ذلك نظرا لتعدد الروايات وتضاربها حول هذه المحاولات وبعضها كان الشاهد عليه مذاكرات الرئيس السادات والتي كتبها مرات عديدة وبعناوين مختلفة وروايات بعضها متناقض واستفاض فيها في اسباغ الوان من البطولة اليه عبر مراحل مختلفة من حياته لا يوجد عليها شاهد غيره !!

الا أن المتفق عليه أن فاروق حاول الأتصال بهتلر نفسه عبر برقية الي السفير المصري بأيران يوسف ذو الفقار باشا (والد زوجته الملكة فريدة) ورصدتها المخابرات البريطانية ...

كان الرجل الثاني في حياة فاروق هو أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي الشاب المثقف الارستقراطي مكتشف الواحات وصاحب أول محاولة للطيران في مصر ذو الجذور الازهرية والذي كان يمتلك مكيافيلية عالية وقد التحق بجامعة اكسفورد بلندن بوساطة اللورد ملنر وزير المستعمرات وصاحب اللجنة الشهيرة في التحقيق في اسباب ثورة 1919 !!! استطاع حسنين الاستحواذ علي أم فاروق الملكة الطروب نازلي والتي أوجعها قسوة وغيرة زوجها فؤاد وحبسه أياها بواسطة الخدم ووأدمي قلبها منعها من رؤية ابنها فاروق لفترة طويلة وقد وصفتها الصحفية الأمريكية جريس هوستون أنها عصفور في قفص من ذهب !! ..وتم الزواج بين حسنين ونازلي عرفيا دون معرفة فاروق في البداية .

لم تكن مغامرات الملك في الاتصال بالالمان بالاضافة الي كثرة حاشيته من الالمان والايطاليين بخافية علي الانجليز في هذا الخطب وقوات روميل بالعلمين تقترب من الاسكندرية فطلب السير مايلز لامبسون السفير البريطاني من فاروق تشكيل حكومة برئاسة النحاس باشا حاول فاروق المراوغة وطرح بدائل لاسماء أخري وهو الامر الذي لم يعجب لامبسون فوجه انذاره الاخير للملك عبر حسنين باشا بأنه ان لم يسمع قبل السادسة مساءا أن الملك استدعي النحاس لتشكيل الوزارة فليتحمل الملك تبعة ذلك .. وكانت الطامة حينما حاصرت دبابات لامبسون القصر الملكي في عابدين يوم 4 فبراير عام 1942 ليقتحم القصر بصحبة الجنرال ستون قائد القوات البريطانية وينحي الحاجب بأنه يعرف طريقه ... حاول فاروق والذي بدا عليه الاضطراب الشديد تلطيف الاجواء مع لامبسون -والذي كان ينعته دوما في تقاريره بالصبي- لكن الاخير أعتبر ان الوقت قد مضي وان علي فاروق توقيع وثيقة التنازل عن حكمه وكانت خطة الانجليز تولية الامير محمد علي بن توفيق ولي العهد خلفا لفاروق .. كاد فاروق أن يوقع لولا رجاء أحمد باشا حسنين للامبسون بمنحه فرصة أخري .

وفي عجالة استدعي فاروق النحاس لتشكيل الوزارة ...اعتبر حسنين باشا أن ما تم كان أهانة شخصية له فقرر الانتقام علي طريقة الكونت دي مونت كريستو في أمير الانتقام !!! من أقطاب من اعتبرهم المسؤلون عن هذا الحادث وهم النحاس المستفيد الاول من هذا الحادث ولامبسون السفير البريطاني واستهل انتقامه بالنحاس وووجه له أكبر طعنة عبر صديق عمره الزعيم الوفدي البارز والخطيب المرموق مكرم باشا عبيد حيث استطاع استمالته ليتحول الصديق الي عدو ويصدر كتابه الشهير الكتاب الاسود والذي هاجم فيه صديق عمره النحاس واتهمه بالفساد المالي ونجحت الخطة وتم أقالة وزارة النحاس علي أثر هذه الاتهامات ...

استطاع أحمد حسنين باشا من خلال اتباع سياسة النفس الطويل أن ينتقم من لامبسون عبر صديقه في لعبة الشيش وزميله السابق في اكسفورد عبد الفتاح باشا عمرو والذي كان علي اتصالات ممتازة مع أقطاب حكومة العمال وحينما حطت الحرب العالمية الثانية اوزارها وخرج ونستون تشرشل وحكومته المحافظة من السباق الانتخابي ونجحت حكومة العمال في المقابل كانت الفرصة مواتية لاتصالات عبد الفتاح باشا والسعي لتعيين معتمد بريطاني جديد في مصر وهو ما قد تم ..

بوفاة أحمد حسنين باشا في حادث سيارة مع احد عربات الجيش الانجليزي عام 1946 كان بمثابة تحول كبير في حياة فاروق اذ انخرطت أمه نازلي في علاقات غرامية سببت ليه الكثير من الحرج علي المستوي الدبلوماسي والشعبي كما كان الأثر الذي تركه حادث 4 فبراير قد أحدث تصدعا داخله ...

كان الرجل الثالث في حياة فاروق هو الدكتور يوسف رشاد والذي التقاه لاول مرة في حادث القصاصين عام 1943 حيث تعرض فاروق لحادث تصادم كاد أن يودي بحياته .. استطاع يوسف رشاد ان يلبي رغبات فاروق الطائشة في مزيد من تصفية حسابات الماضي مع النحاس باشا ولكن هذه المرة عبر اسلوب جديد وهو اسلوب القتل ... فشكل ما عرف بالحرس الحديدي من الضباط من صفوف الجيش وكان منهم الرئيس الرحل أنور السادات ..كما كانت زوجة يوسف رشاد السيدة ناهد رشاد لها دورا بارزا داخل القصر ..

كانت مهمة الحرس الحديدي تصفية خصوم الملك ومنهم النحاس الا أن مسألة اغتيال النحاس منيت بالفشل عدة مرات فأنتقلت الدائرة الي مهندس الاتصال الوفدي مع الانجليز في حادث 4 فبراير وهو وزير المالية أمين عثمان حيث تم أغتياله عبر مجموعة حسين توفيق وكانت القضية الشهيرة التي ضمت حسين توفيق جنبا الي جنب مع انور السادات ... لكن الملك لم يكن بالذي يترك رجاله ليلاقوا الموت في حكم شبه بات في قضية كاملة الاركان من حيث القتل العمد والترصد ففجأة تتعرض أوراق القضية للسرقة ويتم تهريب حسين توفيق الي سوريا وفي دمشق استمر في نشاطه حيث هاجم المعبد اليهودي هناك!!!!

لقد كان فاروق مثالا انسانيا للصراع بين شخصية الملك وما تفرضه من التزامات وشخصية الشاب بجموحه وتهوره وشخصية الزعيم التي تحاول أن تفرض نفسها  وسط ظروف دوليه استثنائية تفرض تحولات جذرية ومحيط عائلي غير مستقر قتلت هذا الحلم داخله كل هذا رسم الطريق لنهاية فاروق بشخصياته الثلاث حيث تتسارع السنون ويتحول الجيش المحب لفاروق بعد حادث 4 فبراير والذي كان علي استعداد للفداء في سبيله الي ساخط عليه ...لتقوم حركة 23 يوليو 1952.

 

د. محمد فتحي عبد العال

كاتب وباحث مصري

 

محمود محمد عليقد يحق لي كتلميذ من تلامذته الدكتور نصار عبد الله، أن أقول كلمة في حقه، وربما قد لا أكون مبالغاً في القول لو أني قلت بأن كثيرا من الناس سواء كانوا طلبة في الجامعة أو أساتذة بها يعرفونها، وأنا علي يقين بأن هذا القول الذي أقوله إنما هو استجابة لعاطفة الحب التي يكنها القلب له وبدافع الوفاء الذي أصبح في جيلنا هذا أشبه شئ بعملة نادرة لا يصعب وجودها فحسب، وإنما تحول مستجدات العصر دون تداولها إلا في أضيق نطاق، خصوصاً بين المثقفين عامة والجامعيين علي وجه الخصوص.

والدكتور نصار عبد الله هو علم ورمز من أعلام صعيد مصر، وبالأخص من محافظة أسيوط، ولد بمدينة البداري في 24 ديسمبر 1945، حيث ينتمى إلى عائلة عريقة هناك كان، من أقطابها القاضي الشهير «ممتاز نصّار» الذى قاد الرأي العام القضائي فى ظروف صعبة، ثم قاد الرأي العام البرلماني في ظروف أكثر صعوبة. وهو الأستاذ بجامعة سوهاج، وهو وشاعر ومترجم مصري، حاصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة 2009. وله كتابات ودواوين شعرية ومسرحيات وترجمات، منها ديوانه الشهير “قلبي طفل ضال”، وكتاب “فلسفة العدل الاجتماعي".

والدكتور نصار عبد الله من أساتذتي الذي أدين لهم بالفضل، ففي أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، كانت بدايات علاقتي بأستاذي الدكتور نصار، حيث كنت طالبا بقسم الفلسفة بكلية الآداب فرع سوهاج – جامعة أسيوط، وكان الأستاذ الفاضل يحاضرنا في مادتي ” فلسفة السياسة، وفلسفة الأخلاق ”، و” المنطق الرمزي” .

وخلال المحاضرات الأولي له، أدركت بوعي أنني أمام شخصية متميزة لأستاذ أكاديمي تختلف عن شخصيات كثير من الأساتذة غيره . شخصية تتوفر علي سمات ومقومات وأبعاد، تنتزع بذاتها الاحترام وتفرضه، وتستوجب التقدير وتثير الاعجاب، وتغرس في النفوس حباً تخامره رهبة، وأملاً يواكبه شعور عميق بالتفاؤل، وانتماء يصاحبه شعور بالزهو بالتلمذة علي يديه.

ولم أكن وحدي هو الذي وقع في أسر هذه الشخصية المتميزة، وإنما يشاركني فيه معظم الزملاء الذي يواظبون علي الحضور، ولم يكن أحد يتغيب عن محاضراته إلا لظرف قاهر يصدم الحرص الشديد علي مشاهدة الأستاذ والتواجد في حضرته، والاعتراف من غزير علمه، واكتساب بعض فضائله الخلقية، ومنهجيته في التفكير والدرس والحوار والمناقشة، وطريقته المتفردة في طرح القضايا والمشكلات ومعالجتها، وغير ذلك كثير من عطاء الأستاذ الذي ظل يتنامي في عقولنا فهماً واستيعاباً، ويتعاظم في نفوسنا حباً وتقديراً وإكباراً .

ولعل أول ما يجذبك – كما جذبني وغيري من شخصية الدكتور نصار، سمة الهيبة والوقار الذي يكسو ملامحه الشخصية الظاهرة، ويكشف عن باطن ثري يعمر بإيمان قوي وثقة بالنفس، وعاطفة جياشة، وسريرة نقية، وقلب صاف عن الكدورات

حتي إذا ما انتهي العام الدراسي، وجدت نفسي أعالج ميلاً جارفاً إلي التخصص في ” المنطق وفلسفة العلوم ” في الماجستير . فكشفت له عن رغبتي هذه وتحقيقها تحت إشرافه مع أستاذي الدكتور عاطف العراقي رحمه الله، فوافق علي الفور، وكثرت لقاءاتي به بعد ذلك في الرسالة والبحث.

وهنا اكتشفت بعداً آخر في شخصية الأستاذ، حيث اكتشفت أنه نعم الناصح والموجه والمرشد . لا يفرض توجها معينا، ولا يستبد برأي، ولا يلزمك بوجهة نظر خاصة، وإنما يحاور ويناقش، ويوجه ويفتح أمامك أفاقاً جديدة، ويعرض آراءه وأفكاره ورؤاه، ويترك لك حرية الاختيار .

والدكتور نصار عبد الله أستاذ متعدد المواهب، غنى بالإمكانات الفكرية والثقافية والأكاديمية، قال عنه الدكتور مصطفي الفقي (في مقال له بعنوان ” نصار عبد الله ” نشر بجريدة في المصري اليوم ) :” إنني أكتب عن د. نصَّار عبدالله الشاعر والفيلسوف والسياسي لأنى أرى فيه نمطاً عصرياً للشخصية الموسوعية التي عرفها تاريخ الحضارات، وتكمن قيمته الحقيقية في استقلالية رأيه وانتصاره للحق وانحيازه للعدل وفهمه الصحيح لظروف الشعب الذى ينتمى إليه والمجتمع الذى خرج منه، وكلما طالعت كتاباته حتى فى عموده الصحفي أدركت أن وراء «الأكمة» ما وراءها من فكر متوهج وثقافة رصينة وفلسفة تتسم بالحكمة والوضوح معاً”.

ويستطرد الفقي فيقول:” وعندما رشحته إحدى الجامعات لجائزة الدولة التقديرية منذ عدة أعوام وجدتني أنبرى في حماسٍ شديد لدعم ذلك الترشيح والتصويت له في «المجلس الأعلى للثقافة» لا لأنه زميل دراسة فقط ولكن لدوافع موضوعية بحتة تدرك قيمته وتعرف مكانته”.

ويتميز الدكتور نصار عبد الله بأنه أكثر جرأة في الرأي ‏وشدة في اقتحام القضايا‎ ‎الأكثر حساسية، ولا أنسي ذلك المقال الكبير والخطير الذي كتبه عن “أطفال الشوارع والحل البرازيلي” والذي أثار جدلاً كبيراً في مصر والعالم العربي، حيث يقول الدكتور نصار :" على مدى عقود متوالية كان أطفال الشوارع مصدراً للإزعاج لسكان مدينة برازيليا ولغيرها من المدن البرازيلية الكبرى، وفى التسعينيات من القرن الماضي تحول مصدر الإزعاج إلى مصدر للرعب، فقد تزايد عدد أطفال الشوارع تزايدا كبيرا، وتزايدت بالتالي معدلات الجرائم التى يرتكبونها وفى مقدمتها جرائم السرقة والدعارة والاغتصاب التى يترتب عليها فى معظم الحالات إصابة الضحية بالإيدز الذى أصبح متفشيا بينهم بنسبة تتجاوز الـ 90%، وباختصار فإن وضع برازيليا فى تسعينيات القرن الماضى كان شبيها بوضع القاهرة الآن، بل إن التشابه فى حقيقة الأمر كان أكثر بكثير من ذلك حيث كان الوضع الاقتصادي البرازيلى فى مجمله شبيها بالوضع المصري الراهن، فالديون الخارجية للبرازيل كانت قد وصلت إلى أرقام قياسية، ومعدلات البطالة تتصاعد عاما بعد عام، والفساد متغلغل فى كل أنحاء الجهاز الحكومي، والأصوات المنادية بتأهيل أطفال الشوارع وإعادة إدماجهم فى المجتمع يعلم أصحابها جيدا أن مثل هذه العملية عالية التكلفة إذا ما قورنت بتكلفة إتاحة فرص العمل للعاطلين من غير أبناء الشوارع، فضلا عن أنها غير مضمونة النتائج!، ومن ثم فإن الذى ينبغي أن تركز عليه الدولة فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة هو إتاحة فرص العمل للعاطلين حتى لا ينضم أطفالهم إلى جيش أطفال الشوارع!!. ونتيجة لهذه الاعتبارات فقد لجأت أجهزة الأمن البرازيلية فى ذلك الوقت إلى حل بالغ القسوة والفظاعة لمواجهة ظاهرة أطفال الشوارع يتمثل فى شن حملات موسعة للاصطياد والتطهير تم من خلالها إعدام الآلاف منهم بنفس الطريقة التى يجرى بها إعدام الكلاب الضالة توقيا للأخطار والأضرار المتوقعة منها!!…كانت سائر قوى المجتمع البرازيلى تدرك أن ما قامت به الشرطة هو جريمة مكتملة الأركان، وأن هؤلاء الأطفال هم فى حقيقة الأمر ضحايا لا جناة، وأن من البشاعة بمكان أن يعدموا بناء على جرائم لم يرتكبوها.. كان الجميع يدركون ذلك، لكنهم ـ جميعهم تقريباـ غضوا أنظارهم عما قامت به الشرطة لأنهم جميعهم لهم مصلحة فيما قامت به!!،.. القيادة السياسية لم تعلن رسميا أنها تؤيد ما قامت به الشرطة، لكنها لم تحاول أن تقدم مسؤولا أمنيا واحدا إلى المحاكمة، لأنها تعلم أن البديل لإعدام أطفال الشوارع هو إعادة تأهيلهم وهو ما يستلزم ميزانية ضخمة سوف تكون بالضرورة على حساب توفير فرص العمل للمواطنين الذى فقدوا وظائفهم وهو ما يهدد خطتها للإصلاح الاقتصادي بالكامل للفشل!، والمواطنون العاديون ـ حتى أولئك الذين يستنكرون ظاهريا حملات الإعدام ـ يشعرون فى قرارة نفوسهم بمدى جدية برنامج الحكومة للإصلاح، ويشعرون بالارتياح لاختفاء أطفال الشوارع من طرقات المدن الرئيسية التى أصبح بوسعهم الآن أن يخرجوا إليها هم وأولادهم وبناتهم بدون خوف!!، ووسائل الإعلام التى راح بعضها يندد بالحملات لا تفتأ تذكر المواطنين فى الوقت ذاته بالروح العدوانية لأطفال الشوارع وبالجرائم التى ارتكبوها والتى سيرتكبون المزيد منها بغير شك لو أنهم تركوا وشأنهم!!، أما جمعيات حقوق الإنسان التى دافعت دفاعاً مستميتاً عن حق أطفال الشوارع فى الحياة فقد اتهمها الكثيرون بأنها تكيل بمكيالين وأنها لا تراعى حقوق المواطنين العاديين فى الحياة الآمنة!!..

ويستطرد فيقول :" وهكذا أفلح الحل البرازيلي فى تخليص الشوارع الرئيسية للمدن الكبرى من أطفال الشوارع ودفع من تبقى منهم إلى الانسحاب للمناطق العشوائية، غير أن هذا النجاح لا يعزى إلى القسوة التى انطوى عليها الخيار البرازيلي، ولكنه يعزى أولا وقبل كل شىء إلى توافر إرادة الإصلاح لدى القيادة السياسية البرازيلية التى حاربت الفساد بكل قوة والتى وفرت الملايين من فرص العمل للبرازيليين، واستطاعت من ثم أن تتحول من اقتصاد موشك على الإفلاس إلى واحد من أهم قوى نظم الاقتصاد العالمي، وهذا هو الدرس الذى ينبغي أن يعيه كل من يحاول أن يتعلم شيئا ما من التجربة البرازيلية.

هذا هو نص المقال بتفاصيله كما نشر بجريدة المصري اليوم، ولذلك هنالك من وصف المقال بالخطيئة، وهناك من وصفه بالجريمة، ومنهم من وصفه بأنه تحريض سافر علي القتل، وهناك بلاغات تم تقديمها للنائب العام من كثير من المنظمات الحقوقية المعنية بشؤون الطفل في مصر في أن الدكتور نصار عبد الله كان يحُرض علي إعدام أطفال الشوارع علي الطريقة البرازيلية .

في حين أن المقال الذي تكلم فيه الدكتور نصار يحكي كما بينا عن ظاهرة ” أطفال الشوارع التي كانت تزعج مدينة “برازيليا” والمدن الكبرى في التسعينات، وكانت ظروف البرازيل في المجمل لا تشبه ظروف مصر، وإنما الخصوصية الثقافية في مصر تختلف عن البرازيل . الذي نفتقده في مصر هو الإرادة السياسية الحازمة والرغبة الجادة في إصلاح الأوضاع وهذا ما توفر في البرازيل، ولكنه اتخذ شكل الجريمة”، وقد ذكر الدكتور نصار في مقاله بأنها “جريمة بشعة متكاملة الأركان”!!.

وعقب نشر هذا المقال في جريدة المصري انفجرت كل مواقع التواصل الاجتماعي والفيس بوك والتويتر، وأصبح هذا المقال محط اهتمام حتي الإذاعات الأجنبية، فوجدنا الإذاعة الهولندية قد تكلمت حول هذا الموضوع، مما جعل جريدة المصري اليوم تقوم بحذف المقال من علي الموقع الالكتروني، وأصدرت بيانا بأنه رغبة من القراء وحفاظا علي الأمن الاجتماعي سوف يتم حذف المقال، وهذا ما زاد الطين بلة لأنه زاد من انتشار المقال وأصبح الدكتور نصار عبد الله متهما بالتحريض علي قتل أطفال الشوارع.

والحقيقة أن الدكتور نصار عبد الله تعرض لمؤامرة إخوانية لم تكن في حسبانه حين بادر في كتابة المقال، فالمقال نشر أيام الرئيس محمد مرسي حين كان علي سدة الحكم، ومرسي في ذلك الوقت كان متهماً بأنه يستخدم أطفال الشوارع والبلطجية من أجل أن يضربوا بيد من حديد المظاهرات المعادية للإخوان في ميدان التحرير، ولذلك كان من حظ الدكتور نصار السيئ، حين نشر هذا المقال عن تجربة البرازيل تجاه أطفال الشوارع، ألا يتعاطف معه أحد من الإعلاميين) إلا القليل من الإعلاميين الشرفاء الذين لا يخشون في الله لومة لائم)، وذلك حتي لا يُتهموا أنهم يقفون مع الدكتور نصار بالدعوة إلي تصفية أطفال الشوارع الذين تستغلهم جماعة الإخوان، وبالتالي يقعوا ضحية غضب الإخوان، وهنا ضحي الإعلاميون المؤيدون للجماعة وكانوا في ذلك الوقت كُثر بالدكتور نصار .

ولكن تبقى عقدة الذنب تؤرق كل الإعلاميين الذين لم يدافعوا عن الدكتور نصار عبد الله وتصب غضبها عليهم، لأنهم غضوا الطرف في الدفاع عن عالم جليل وإنسانًا صالح لا تخالجني ذرة شك في صدق نواياه وعمق إيمانه بحب مصر، وسعة أفقه، ورحابة فكره، وتفرد رؤيته. ولذلك لم أكن مبالغا حين أقول عنه : الدكتور نصار عبد الله هو بحق “أيقونة الإبداع في زمن القفر” .

تحية خالصة للدكتور نصار عبد الله الذي حُورب بضراوة، وخرجت عليه سيوف ظلامية من جعبة جماعة الإخوان الإرهابية الذين يدعون فهم الإسلام السمح، ويحتكرون تفسير النص المقدس، أولئك الذين تصوروا أنفسهم أوصياء على الدعوة، يطعنون بخناجرهم المسمومة، كل محاولةٍ للاجتهاد، وهم لا يدركون أن التفكير «فريضة إسلامية».. بارك الله فى الدكتور نصار عبدالله، وأفاد تلاميذه وقراءه بعلمه، ووطنيته بفكره، وموضوعيته بنقائه وطبيعته.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة ومركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

هِند بنت النُّعمان بن المُنذِر. امرأة عربية شريفة النَّسَب، وشاعرة فصيحة، ذات جمال باهر. وُلِدَت ونشأت في بَيت المُلْك والحُكْم بالحِيرة (مدينة تاريخية قديمة تقع في جنوب وسط العراق). والدها المَلِك النُّعمان بن المُنذِر، وكان نصرانيًّا، تسلَّمَ مقاليدَ الحُكم بعد أبيه، وهو مِن أشهر مُلوك المناذرة قبل الإسلام.

غضب كِسرى على أبيها النُّعمان، وحبسه، ومات في حَبْسه. وبعد ضياع عَرْشه، وخسارة مُلْكه، ترهبَّت ابنته هند، ولبست المُسوح (الثياب السميكة الخشنة التي ترتديها الراهبات)، وأقامت في دَير بَنته بين الحِيرة والكوفة.

2

لم تكن هند بنت النُّعمان امرأةً عادية، فهي ابنة مَلِك، ومعروفة بالجمال، والفصاحة، والبلاغة، وقوة الشخصية، وتتمتَّع بشُهرة واسعة. وعندما دَخل خالد بن الوليد الحِيرة، زارها في الدَّيْر، وعرضَ عليها الإسلامَ، فاعتذرت بِكِبَر سِنِّها عن تغيير دِينها. وقد أمرَ لها بمعونة وكِسوة، لكنها اعتذرت عن قَبولهما، ودعت له. ولَمَّا خَرج جاءها النصارى، فسألوها عمَّا صَنَعَ بها، فقال:

صانَ لي ذِمَّتي وأكرمَ وَجْهي      إنما يُكْرِم الكريمَ الكريمُ 

وهذا يدل على حُسن تعامل خالد بن الوليد مع هذه المرأة المكسورة، التي كانت ذات سَطوة وسُلطة ومجد، والجميعُ يسعى لِخَطْب وُدِّها. وقد ضاعَ كُل شيء عندما ضاعَ مُلْك أبيها. وهي الآن راهبة معزولة في دَير بعيد، وامرأة زاهدة في الدنيا. وكما قِيل: ارحموا عزيزَ قَوم ذَلَّ. وقد أحسنَ إليها خالد بن الوليد، وهو القائد صاحب السُّلطة والنُّفوذ، ولم يتطاول عليها أو يستغل ضعفها وانكسارها. كما أنه لم يُجبِرها على اعتناق الإسلام. وقد تركها وشأنها.

3

ذَكَرَ الباقلاني في إعجاز القرآن (ص 88) أن هند بنت النُّعمان قالت للمُغيرة بن شُعبة، وقد أحسنَ إليها: (بَرَّتْكَ يد نالتها خَصَاصة بعد ثَرْوة، وأغناكَ اللهُ عن يَد نالت ثَرْوة بعد فَاقة).

هذا دعاء في غاية الفصاحة والبلاغة والبيان. وهو يَحمل فكرة اجتماعية عميقة ومُجرَّبة. والمعنى: أحسنَ إليك شخص أصابه فقر بعد ثروة، لأنه في تلك الحال، يكون مَكسورًا وحزينًا ومتواضعًا، إذ إنه انتقل مِن العِز إلى الذل، ومِن الغنى إلى الفقر، ومِن الاستغناء إلى الحاجة، ومِن السُّلطة إلى الهامش. وأغناكَ اللهُ عن شخص صار غنيًّا بعد الفقر، لأنه في تلك الحالة، تَظهر عليه آثار الغرور والتكبر والاستعلاء، إذ إنه يُريد الانتقامَ مِن الظروف، والتخلص مِن عُقدة النقص التي لازمته وهو فقير. لذلك، يَعمل جاهدًا على تحويل ماله إلى سُلطة، ومُجاراة الأغنياء وعِلْية القوم. ومِن أجل هذا الهدف، يَنسى ماضيه، ويُدير ظَهْرَه للفقراء، ويَدخل إلى نادي الأغنياء، كي يَكتسب المجدَ والشرفَ والرِّفعة والسُّلطة والنُّفوذ. ولا شَك أن المال سُلطة، وهو يُغيِّر النفوس للأسوأ، في أغلب الأحيان.

4

روى ابن أبي الدُّنيا في الاعتبار (1/ 35) أن هند بنت النُّعمان قالت: (أصبحنا ذا صباح وما في العرب أحد إلا يَرْجُونا، ثُم أَمْسَيْنا وما في العرب أحد إلا يَرْحمنا).

كانَ الناسُ يَحلمون بمُقابَلة المَلِك النُّعمان بن المُنذِر، ويَطمحون إلى إقامة علاقات مع عائلته، فهي عائلة ملكية حاكمة ذات شَرَف ومكانة، ولا يستطيع أيُّ شخص الوصولَ إليها. والجميعُ يَلهث وراء عطاياها وأموالها، ويتمنى أن يحصل على جُزء من امتيازاتها ونعيمها ومجدها وشُهرتها. وبعد خسارة المَلِك النُّعمان بن المُنذِر لعرشه، وضياع مُلْكه، وتمزُّق عائلته، صارَ الناسُ يَحْزنون عليهم، ويُشفِقون على حالهم، ويتألمون مِن أجلهم. وصاروا يَعتبرونهم أشخاصًا بُسَطاء ومنبوذين مِن قاع المجتمع، حيث إنهم انتقلوا مِن اللمعان إلى الانطفاء، ومِن الغِنى إلى الفقر، ومِن العِز إلى الذل. وهذا يدل على تقُّلب الأحوال، وتغيُّر الظروف. والدُّنيا دوَّارة، لا تستقر على حال، ودُوام الحال مِن المُحال.

5

روى ابن عساكر في تاريخ دمشق (21/ 139) أن سعيد بن العاص لمَّا وَلِيَ الكُوفة أتَتْهُ هند بنت النُّعمان مُترهِّبة معها جَوَارٍ قد تَرَهَّبْنَ، ولَبِسْنَ المُسوح، فاستأذنت، فأذن لها، فدخلت، فأجلسها على فرشه، وكلَّمته في حاجات لها فقضاها، فلمَّا قامت قالت: (أصلحَ اللهُ الأميرَ، ألا أُحِّييكَ بكلمات كانت المُلوك تُحَيَّى بهنَّ قَبْلك). قال سعيد: (بلى). قالت: (لا جَعَلَ اللهُ لك إلى لئيم حاجة، ولا زالت المِنَّة لك في أعناق الكِرام، وإذا أزالَ عن كريم نعمةً، فجعلك الله سببًا في رَدِّها إليه).

إن الحاجة إلى اللئيم ذُل وخِزي وعار، لأن اللئيم لا يَعْرِفَ قَدْرَ الناسَ، ولا يحترمهم، بَل يحتقرهم، ويستغل حاجتهم لإذلاهم وإهانتهم، والسُّخرية منهم، والاستهزاء بهم.

وبقاءُ المِنَّة (النِّعمة والعَطِيَّة) في أعناق الكِرام يدل على الشرف والرِّفعة، لأن الكِرام يَحترمون الناسَ ويُقدِّرونهم، ويَعْرِفون قيمةَ النِّعمة والإحسان. والإنسانُ إذا أكرمَ الكريمَ سيطرَ عليه بالقُوَّة الناعمة، لأن أخلاق الكريم تمنعه مِن نُكران المعروف، وجَحْد الإحسان.

وإذا جَعل اللهُ الإنسانَ سببًا في رَد النِّعمة إلى شخص كريم، فهذا يدل على شرف الإنسان ومكانته العظيمة، ومنزلته الرفيعة، وأخلاقه الحميدة، ومُساعدته للآخرين، والإحسان إليهم، ومَد يَد العَون لهم.

6

قال ابن القيم في زاد المَعاد (4/ 173): (قالت هِند بنت النُّعمان: لقد رَأيْتُنَا ونحن مِن أعز الناس، وأشدهم مُلْكًا، ثُم لم تَغِب الشمسُ حتى رَأيْتُنَا ونحن أقل الناس، وأنه حق على الله ألا يَملأ دارًا خِيرة إلا مَلأها عِبْرَة.. وبكت أختها حُرَقَةُ بنت النُّعمان يَوْمًا وهي في عِزِّها، فَقِيل لها: ما يُبكيكِ لعلَّ أحدًا آذاكِ؟، قالت: لا، ولكن رأيت غضارة (رَغَد العَيش) في أهلي، وقَلَّمَا امتلأت دار سرورًا إلا امتلأت حزنًا. قال إسحاق بن طلحة: دَخَلْتُ عليها يومًا، فقلتُ لها: كيفَ رَأيتِ عِبرات الملوك ؟، فقالت: ما نحن فيه اليوم خير مِمَّا كُنَّا فيه الأمس، إنَّا نجد في الكُتب أنه ليس من أهل بيت يعيشون في خِيرة، إلا سَيُعْقَبُون بعدها عِبرة، وأن الدهر لم يَظْهَر لقوم بيوم يُحبونه، إلا بَطَنَ لهم بيوم يَكرهونه، ثُمَّ قالت:

فَبَيْنَا نَسُوسُ الناسَ والأمرُ أمرُنا      إذا نحن فيهم سُوقة نتنصَّفُ

فأُفٍّ  لدنيا لا يَدوم  نعيمُهــــــــا       تَقَلَّبُ  تَاراتٍ  بنا  وتَصَرَّفُ).

كانت عائلة هند بنت النُّعمان مِن أكرم العرب وأشرفهم، وأعز الناس وأعظمهم، وأشدهم مُلْكًا. وهذه العائلة الملكية كانت في سُدَّة الحُكم، وقِمَّة السُّلطة، تتمتَّع بالشرف والمجد والثروة والسُّلطة والمكانة، وهي محط الأنظار، ومهوى القلوب، والجميع يَنظر إليها باعتبارها القُدوة العُليا، والمَثَل الأسمى، ثُمَّ ضاعَ كُل شيء، وانتهى بسرعة، وصارت هذه العائلة أقل الناس، تحت نظرات الشفقة والرحمة. ودوامُ الحال مِن المُحال، وعِند صَفْو الليالي يَحْدُث الكَدَرُ، وما طارَ طيرٌ وارتفع، إلا كما طارَ وَقَع، والدنيا مُتقلِّبة ومُتغيِّرة ومُتحوِّلة. وكُل بَيت سيصبح خاليًا، وأطلالًا تُثير العِبرة، وتَدعو إلى الاتِّعاظ. وكُل مجد دُنيوي فانٍ، وكُل نعيم في الدنيا زائل، والدنيا لا تدوم لأحد. وكَم مَن مَلِك خُلِع، وكَم مِن عَزيز ذَلَّ، وكَم مِن غنيٍّ افتقرَ. والعاقلُ مَن اتَّعظ بغيره، والجاهل مَن اتَّعظ بنفْسه. وكُل فرح في الدنيا سيعقبه حُزن، وكُل لذة فيها سيلحقها ألم، وكُل بَيت مليء بالسعادة والسرور، سيمتلئ بالحزن والألم. وهذه هي حال الدنيا.

كانت هذه العائلة الملكية، تَحكم الناسَ، وتَسُوسهم، وتُسيطر عليهم، والأمرُ أمرُها، لا أحد يُنازعها فيه، وجميع الناس خاضعون لها، ثُمَّ انقلبت الأمور، وتغيَّرت الأحوال، وصارت هذه العائلة مِن الرَّعِيَّة تَخدم الناسَ، بلا مُلْك ولا حُكْم. وأفرادها صاروا أشخاصًا عاديين تحت الشفقة والإحسان. والدنيا مُتقلِّبة، لا يدوم نعيمُها.

7

قال الأصفهاني في الأغاني (16/ 94): (رَكِبَ المُغيرة بن شُعبة إلى هِند بنت النُّعمان بن المُنذِر، وهي بِدَيْر هِند مُتَنَصِّرَة عَمْياء بنت تسعين سنة، فقالت له: مَن أنت ؟، قال: أنا المُغيرة بن شُعبة. قالت: أنتَ عامل هذه المَدَرَة (تعني الكوفة)، قال: نعم، قالت: فما حاجتك ؟، قال: جِئتكِ خاطبًا إليك نَفْسَكِ. قالت: أمَا واللهِ لو كُنتَ جِئتَ تبغي جَمَالًا أو دِينًا أو حَسَبًا لزوَّجناك، ولكنك أردتَ أن تجلس في مَوسم من مواسم العرب، فتقول: تزوَّجتُ بنت النُّعمان بن المُنذِر).

إن المُغيرة بن شُعبة كان رَجُلًا عجوزًا طاعنًا في السِّن، وقد ذَهَبَ إلى الدَّيْر الذي تتعبَّد فيه هِند بنت النُّعمان كي يَخطبها، وكانت عجوزًا عَمياء، في التِّسعين مِن العُمر. والمُغيرةُ بن شُعبة، لم يكن يبحث عن الجَمَال أو الدِّين، وإنما كان يَبحث عن الشُّهرة والمجد وانتشار صِيته بين العرب، باعتباره الرَّجل الذي تزوَّج هند بنت النُّعمان. وبذلك، تطير شُهرته في أنحاء الأرض، ويُخلِّد التاريخُ اسمَه، ويَربطه بِهِند بنت النُّعمان  (ابنة مَلِك العرب). وهذا هو زواج المصلحة القائم على الصِّيت والشُّهرة والتفاخر بين قبائل العرب.

8

قال الأبشيهي في المُسْتَطْرَف (2/ 482): (وحُكِيَ أن المُغيرة بن شُعبة لمَّا وَلِيَ الكوفة سار إلى دَيْر هِند بنت النُّعمان، وهي فيه عمياء مُترهِّبة، فاستأذن عليها، فقالت: مَن أنت ؟، قال المُغيرة بن شُعبة الثَّقفي. قالت: ما حاجتك ؟، قال: جِئْتُ خاطبًا. قالت: إنكَ لم تكن جِئتني لجَمَال ولا مال، ولكنك أردتَ أن تتشرَّف في محافل العرب،فتقول: تزوَّجتُ بنت النعمان بن المُنذِر،وإلا فأيُّ خَير في اجتماع عمياء وأعور ؟!).

إن المنطق الاجتماعي السائد يقول إن الرَّجل يَبحث عن الشَّابة صاحبة الدِّين أو الجَمَال. فلماذا أرادَ المُغيرة بن شُعبة (وقد كان أعور أُصِيبت عَينه يوم اليرموك) أن يتزوَّج عجوزًا عَمياء؟. لقد كان حريصًا على الشرف والمجد والفخر. أرادَ الافتخار في محافل العرب بأنه تزوَّج ابنةَ المَلِك النُّعمان بن المُنذِر. والعربُ أُمَّة حريصة أشد الحِرص على الشرف والمجد والافتخار بين القبائل. وهذا الأمرُ كان مكشوفًا أمام هند بنت النُّعمان، وكانت صريحة في كلامها بلا مُجامَلة.

9

قال الأبشيهي في المُسْتَطْرَف (1/ 123): (حُكِيَ أن هِند بنت النُّعمان كانت أحسن أهل زمانها، فوُصِفَ للحَجَّاج حُسْنها، فأنفذَ إليها يَخطِبها، وبذل لها مالًا جزيلًا، وتزوَّجَ بها، وشَرَطَ لها عليه بعد الصَّداق مائتي ألف دِرهم، ودَخل بها، ثم إنها انحدرت معه إلى بلد أبيها المَعَرَّة، وكانت هند فصيحة أديبة، فأقام بها الحَجَّاج بالمَعَرَّة مُدَّة طويلة، ثم إن الحَجَّاج رحل بها إلى العراق، فأقامت معه ما شاء الله، ثم دخل عليها في بعض الأيام وهي تنظر في المِرْآة وتقول:

وما  هِندُ  إلا  مُهْرَةٌ  عربية      سليلةُ  أفراسٍ  تَحَلَّلَهَا  بَغْلُ

فإن وَلَدَتْ فَحْلًا فللهِ دَرُّهَا      وإن وَلَدَتْ بَغْلًا فجاء بِهِ البَغْلُ

فانصرف الحَجَّاجُ راجعًا، ولم يدخل عليها، ولم تكن علمت به، فأراد الحَجَّاجُ طَلاقَها، فأنفذَ إليها عبد الله بن طاهر، وأنفذَ لها معه مائتي الف دِرهم، وهي التي كانت لها عليه. وقال: يا ابن طاهر، طَلِّقْهَا بكلمتين ولا تَزِدْ عليهما، فدخل عبد الله بن طاهر عليها، فقال لها: يقول لك أبو محمد الحُجَّاج: كُنْتِ فَبِنْتِ. وهذه المائتا ألف دِرهم التي كانت لك قِبَله، فقالت: اعلم يا ابن طاهر أنَّا واللهِ كُنَّا فما حَمِدْنا، وبِنَّا فما نَدِمْنا. وهذه المائتا ألف دِرهم التي جِئتَ بها بِشارة لك بخلاصي).

أُعْجِب الحَجَّاج بِجَمَال هِند بنت النُّعمان قبل أن يراها، وانبهرَ بحُسنها، فقرَّر خِطبتها، ودفع لها مالًا عظيمًا مِن أجل إغرائها بالموافقة على القَبول به زَوْجًا. والحَجَّاجُ قائد مَشهور، وصاحب سُلطة واسعة وأموال كثيرة. ومِن الواضح أن هند بنت النُّعمان كانت تَكْرهه ولا تُطيقه، والبَيْتان مِن الشِّعر يُشيران إلى ذلك، وقد قالت هِند بنت النُّعمان هذين البَيْتَيْن، وهي تنظر في المِرآة، وهي لا تَعْلَم أن الحَجَّاج موجود ويَستمع إليها. وقد قرَّر طلاقها بعد هذه الإهانة البالغة، والرَّجلُ العاقلُ لا يُمكن أن يَعيش مع زوجة تَكْرهه ولا تُطيقه. وقد أرسلَ الحَجَّاجُ رسولًا لتطليقها، معَ مُؤخَّر الصَّداق. والطلاقُ بهذا الشكل يَحمل إهانة مقصودة لهند بنت النُّعمان. ويَبدو أن الحَجَّاج أراد الانتقام لرجولته، والثأر من هِند بسبب كلامها الجارح بحقِّه. وهِند ابنة مَلِك، لا تَقبل الإهانة، ولا ترتضي لنفْسها الذُّل، وأرادت الرد على الحَجَّاج، فأخبرتْ رَسولَه أنها كانت زوجة غير سعيدة، وأن زواجها كان سيئًا، وأنها تَطَلَّقَتْ فما نَدِمَتْ على ذلك، بل على العكس. إنها سعيدة ومسرورة بطلاقها، ومَنحت مُؤخَّر الصَّداق لرسول الحَجَّاج بِشارةً له بخلاصها من الحَجَّاج، وانتهاء زواجها. ولا شَكَّ أن رفض هند بنت النُّعمان لهذه المبلغ المالي الكبير، يدل على عِزَّة نفْسها، وحِرصها على كرامتها، ورفضها للإهانة والإذلال. والمالُ يأتي ويَذهب، ولكنَّ الكرامة إذا ذَهبت لا تَعود.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

محمود محمد عليتعد سهير قلماوي أول امرأة تشغل منصب ودرجة أستاذ فى اللغة العربية، ثم أصبحت رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآدب – جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة) من سنة 1958 إلى سنة 1967، وعلى يديها درس وتعلم وتخرج مئات الطلبة والطالبات. وهى أول امرأة ترأس الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1967 وكان حماسها شديدا لنشر إبداعات الأدباء الشبان، بل هى من تحمست لنشر أول دواوين الشاعر الشاب وقتها «أحمد فؤاد نجم»، وهو ديوان (صور من  الحياة والسجن) وهو القصائد التى كان ينشرها فى مجلة السجن عندما كان مسجونا ونشرت لأكثر من خمسين من الشبان الواعدين وقتها! وهى أول امرأة ترأس الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1967 ، ونشرت لأكثر من خمسين من الشبان الواعدين وقتها! وهناك ايضا من تتلمذ على يديها دون أن يكون فى علاقة مباشرة معها مثل الأديبة الدكتورة (نوال السعداوي).  أما فى مجال العمل العام، فقد أسست عام 1953 جمعية خريجات الجامعة، وكانت عضوا بمجلس الأمة ثم مجلس الشورى، وكانت محل تقدير المحافل الدولية. كما نالت جائزة الدولة التقديرية فى الأدب عام 1977.

لقد كانت سهير قلماوي ذات علامة أدبية وسياسية بارزة مصرية وهي من شكلت الكتابة والثقافة العربية من خلال كتابتها والحركة النسوية والمناصرة. كانت واحدة من أول أربع فتيات يلتحقن بكلية الآداب بالجامعة المصرية عام 1929..  وكانت الطالبة الوحيدة فى قسم اللغة العربية ومعها 13 طالبا هم كل الدفعة، ولم تكن تستطيع أن تنطق بكلمة عربية، فقد تلقت تعليمها كله فى كلية البنات الأمريكية حيث اللغة الإنجليزية هى أساس الدراسة. كما قرأت روائع الأدب العالمي.

ولدت سهير القلماوي في 20 يوليو 1911 القاهرة مصر وعاشت هناك طيلة حياتها. نشأت في عائلة تفخر بتعليم إناثها ولذلك كانت قادرة على الاستفادة من مكتبة أبيها ذات الأعمال الشاسعة بسن مبكر. يبدوا أن كُتابا مثل طه حسين ورفاعة الطهطاوي وابن إياس ساهموا في موهبتها الأدبية بشكل كبير وشكلوا صوتها كأديبة . خلال طفولتها أثناء ثورة 1919، نشأت سهير القلماوي وسط تأثير السيدات المصريات خلال الفترة التي كانت بها الناشطة النسوية العظيمة هدى الشعراوي والشخصية القومية البارزة صفية زغلول. ركزت تلك النساء وناشطات نسوية أخريات على نقل المناظرة النسوية للشوارع لإنشاء حركة بعيدة المدى. أثر هذا المقصد على بعض مبادئها النسوية.

وفي عام 1928، تخرجت القلماوي من الكلية الأمريكية للفتيات وكرست نفسها لدراسة الطب كوالدها في جامعة القاهرة. ومع ذلك، وفور تلقيها الرفض، شجعها أبوها على التخصص في الأدب العربي عوضاً عن ذلك. أصبحت أول فتاة شابة ترتاد جامعة القاهرة وهي لا تتقن العربية، وحتى تتقن العربية، كما قال " رشاد كامل " في مقاله (القلماوى : أول دكتوراه مصرية) حرص والدها الجراح صاحب أشهر عيادة على أن يقرأ معها القرآن الكريم وكتب التفاسير خاصة تفسير مختصر لمحمد فريد وجدى، كما أحضر لها عددا من المدرسين ليشرحوا لها  كل ما يتعلق باللغة العربية من قواعد وبلاغة وأدب. وفى الجامعة احتضنها د. طه حسين عميد الكلية، الذى كان يعتبرها بمثابة (ابنته الروحية) وتخرجت فى قسم اللغة العربية وجاء ترتيبها الأول، وفى أثناء فترة الدراسة نشرت لها مجلات (اللطائف المصورة) و(العروسة والهلال) و(أبوللو) و(الرسالة)، كما أشرفت على صفحة نسائية كاملة فى صحيفة (كوكب الشرق) و(البلاغ). وعند افتتاح الإذاعة المصرية سنة 1934 تم اختيارها لإلقاء بعض الأحاديث كل ثلاثاء وأيضا الإشراف على بضع صفحات من مجلة الراديو نظير مائة وخمسين قرشا فى الشهر وهو أول أجر تتلقاه فى حياتها!! الطريف أن د. طه حسين عندما اشترى جريدة الوادى، كلفها بالإشراف على  صفحة الأدب وصفحة المرأة دون مقابل، وسرعان ما عرض عليها أستاذها (أحمد أمين) أن تكتب فى مجلة الرسالة ثلاث مقالات مقابل خمسة جنيهات رفضت لأنها وكما تقول: (لأنى لا أريد أن أكتب بأجر إلا فيما بعد)!!

وفي عام 1941 أصبحت أول امرأة مصرية حصلت على الماجستير فى موضوع" أدب الخوارج فى العصر الأموى" عام 1937 ثم الدكتوراه عن  (ألف ليلة وليلة) عام 1941، وقال عنها د. طه حسين: هذه رسالة بارعة من رسائل الدكتوراه التى ميزتها كلية الآداب فى جامعة القاهرة، وبراعتها تأتى من مؤلفتها، فهى السيدة سهير القلماوى، ونحن أساتذتها قد عرفناها بجدها فى الدرس، ودقتها فى البحث واتقانها للاستقصاء حين تعرض لموضوع من موضوعات العلم .

وهكذا أصبحت (سهير القلماوي) أول فتاة مصرية تحصل على الماجستير ثم الدكتوراه، كما كانت أول امرأة تحصل على الجائزة الأولى من مجمع اللغة العربية سنة 1941. وبعد التخرج، عينتها الجامعة كأول مُحاضِرة تشغل هذا المنصب. كانت أيضاً من أوائل السيدات اللائي شغلن منصب الرؤساء من ضمن ذلك رئيسة قسم اللغة العربية في جامعة القاهرة ورئيسة الاتحاد النسوي المصري ورئيسة رابطة خريجات جامعة المرأة العربية.

كانت سهير قلماوي إحدى العديد من أوائل بنات جنسها وابتدأت مشوارها المهني كأول مُحاضرة في جامعة القاهرة عام 1936. وسرعان ماشقت طريقها لتصبح أستاذة جامعية ولاحقاً رئيسة قسم اللغة العربية بين عامي 1958-1967 وكانت أول امرأة تقوم بذلك.

وقد عملت سهير قلماوي كرئيسة الاتحاد النسوي المصري، وفي عام 1959 أصبحت رئيسة رابطة خريجات جامعة المرأة العربية ؛ حيث أسست التعاون بين الاتحاد المصري والاتحاد العالمي للجامعات. أصبحت لاحقاً رئيسة الهيئة المصرية العامة للسينما والمسرح والموسيقى عام 1967 ورئيسة مجتمع ثقافة الطفل عام 1968.  ساهمت القلماوي في النضال لأجل حقوق المرأة ليس فقط عبر عملها الأدبي، ولكن أيضاً عبر مشاركتها في مؤتمرات المرأة العربية حيث نادت بمساوة الحقوق. عام 1960، كانت رئيسة المؤتمر الدولي للمرأة؛ وفي عام 1961 أصبحت رئيسة أول اجتماع للفنون الشعبية. شكلت لجنة للإشراف على جامعة الفتيات الفلسطينيات للحديث عن اهتمامها بالقضية الفلسطينية وكان ذلك عام 1962.

بدأ عملها السياسي عندما دخلت مجال السياسة كعضوة بالبرلمان عام 1958 ومجدداً في 1979 حتى 1984. كانت أيضاً رئيسة الإدارة التابعة للهيئة المصرية للنشر والتوزيع حيث عملت على توسيع نطاق القراء وتشجيع الكتاب الشباب والنهوض بصناعة الكتب. في عام 1967، أسست أول معرض كتاب في الشرق الأوسط: معرض القاهرة الدولي للكتاب. وخلال سنوات عمرها الأخيرة، عملت كرئيسة الهيئة العامة للكتاب من 1967 إلى 1971 وكرئيسة هيئة الرقابة من 1982 إلى 1985.

وفي بداية عام 1935، نشرت مجموعة واسعة من الأعمال الأدبية تحتوي قصصا قصيرة ودراسات نقدية ومجلات ثقافية وتراجم ، وقد نُشرت كتاباتها التي تتضمن مجلدين من قصص قصيرة وعشرة دراسات نقدية والعديد من تراجم عالم الأدب (أحاديث جدتي) نشر عام 1935. وعنه تقول: كنت قد كتبت فى جريدة الوادى عام 1935 قصة أدبية عن (أمة كريمة والحمام) فيها ذكريات أيام جدى، ولما توفى والدى نصحنى أستاذى (طه حسين) أن أدفن أحزانى فى الكتابة، وقال: لماذا لا تؤلفين قصصا أخرى وتنشرينها كتابا، وكان هذا كتاب (أحاديث جدتي) يعبر عن عمق الفجوة بين جيلى ومن سبقه من أجيال! طبعت الكتاب على حسابى الخاص فى لجنة التأليف والترجمة والنشر وطبعت أربعة آلاف  نسخة، قال أستاذى.. أنت مجنونة.. أنا (طه حسين) أطبع ثلاثة آلاف!! قلت: وأنا فى غاية الغرور: أنت مقروء لأنك أديب ممتاز، وأنا أديبة ممتازة زائد أنى امرأة، وهذا فى حد ذاته طرافة تجذب القارئ !! ولم يبع من الكتاب إلا تسعمائة نسخة، وقامت الحرب، فاختفى من المخزن لأن غلافه كان مهما لصناع البلكونات، فهذا الورق المقوى لم يكن متوافرا فى السوق وكان هو غلافى الأنيق!! وكتب د. طه حسين مقدمة كتاب الآنسة سهير القلماوى ووصف أسلوبها «تحدثت إلى النفس المصرية وإلى القلب المصرى بلغة النفس المصرية والقلب المصري».

وتتوالى مؤلفاتها: الشياطين تلهو، ثم غربت الشمس وترجمة العشرات من روايات شكسبير، وتأليف أكثر من ثلاثمائة قصة قصيرة.

وأتوقف قليلا مع كتابها البديع (ذكرى طه حسين) الذى صدر فى الذكرى الأولى لرحيل عميد الأدب العربى أكتوبر 1974، وتروى فيه بعض ذكريات لها دلالة مع العميد، وكان ذلك عقب حصولها على الدكتوراه حتى سألها: ألا تصدرين كتابا آخر فى ألف ليلة وليلة؟ فقالت له: لا أريد أن أكون كبعض الزملاء يحملون رسالة الدكتوراه كعربة (الترمس) يسرحون بها عصرا أو يبيعون للمارة كل يوم حفنة منه، سأؤلف كتبا جديدة بعيدا عن ألف ليلة وليلة! فقال لها: رجعنا إلى الغرور لا بأس.. المهم ألا تكفى عن الدرس!!.

وتكتب أيضا: إنك أبى لا فى العلم وحده، وإنما فى كل خطوة من حياتى، فمازال عقد زواجى يحمل إمضاءك، وأحبك زوجى (د. يحيى الخشاب)  ورعيته تلميذا لك قبل أن اعرفه، ومازالت أذكر معاملاتك بشأنى مع والدتى وكنت تسميها الدولة العثمانية لشدتها وتمسكها برأيها وفرض إرادتها على حياتي! أنت الذى أقنعتها أن أعين فى كلية الآداب معيدة، وكانت ترد مجرد اشتغالى عار عليه: وأنت الذى أقنعتها بأن اسافر فى بعثة إلى فرنسا، فاشترطت أن أكون فى صحبة أسرة مسافرة، وسفرتنى فعلا مع زميل له زوجة وولد.  كتابى الأول كان بأمر منك عندما ملكنى الحزن على أبى، فجعلت تلاحقنى بكتابة الكتاب، كنت معى دائما فى كل خطوة من خطوات حياتى، كنت لى أبا حنونا وجدارا ضخما أستند إليه كلما احتجت إلى سند أو عون أو عزاء.

تحية طيبة للدكتور سهير قلماوي التي كانت  تمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً لامرأة عظيمة لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنسانى رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمد السعديذكرى مرور أربعون عاماً على مجزرة قاعة الخلد.

في العام ١٩٧٩ كنت طالباً في مرحلة الخامس الأدبي في أعدادية بعقوبة المركزية، كانت الملاحقات السياسية (الأمنية)  في أوج ضرامتها بطشاً بالشيوعيين وأصدقائهم في عموم العراق. في يومها شاعت الاخبار في بغداد وعموم المحافظات العراقية بنبأ وقوع مؤامرة أبطالها قادة ميامين في حزب البعث ضد رفاقهم في الفكر والمصير. أنتشرت كسرعة البرق وباتت حديث يومي في البيوت العراقية مع سيل من التسريبات المبالغ بها. وقد مضى عليها دهراً من الزمن على مستوى الحدث والصدى، ومازالت قاعة الخلد في بغداد تشكل مفترقاً تاريخياً في الحدث السياسي العراقي، كل الذين أباحوا بوقع الحدث وآماطوا اللثام عن تفاصيل ذلك اليوم في تلك القاعة والتي شهدت تلك الكوميديا السوداء، وهي القاعة التي عدت خصيصاً للعروض المسرحية والمهرجانات السياسية، لكن خلدها النائب والذي أصبح رئيساً للبلاد بمجزرة الدم. والذين نجوا وهم قلة من مسرحية المؤامرة المزعومة لم يكشفوا عن التفاصيل الحقيقية والدوافع وراء ذلك الاجتماع والتصفيات بحق رفاق الآمس.

الرئيس الجديد والنائب السابق للأب القائد، الاب الذي تنازل عن مقاليد السلطه لنائبه في مشهد تلفزيوني بائس كسعف النخيل الذي سقط بعد أن يبس. الرئيس الجديد صدام حسين يتابع شخصياً المشاهد والأدوار قبل العرض المسرحي من خلال أشرافه المباشر والسريع على التأليف وألاخراج. العراقيين يتناقلون أخبار العرض المسرحي (أنها مؤامرة) بتعاطف مبالغ به مع الرئيس الجديد ودموعه التي ذرفت بغزارة من على مسرح قاعة الخلد مع سيل من الهتافات من قبل المدعوون (المذنبون) للعرض المسرحي بعد أن أنتابتهم نوبة الخوف من ألصاق التهمة بهم. المشهد الدراماتيكي في أعترافات الشمري المثيرة للجدل والسخرية تشكل نقطة تحول في مسيرة حزب البعث نحو السقوط التدريجي.

بعد تسجيل العرض المسرحي ومونتاجه تم توزيعه على منظمات الحزب في محافظات وقرى العراق لمشاهدة فصوله الكاملة وتسريب فصوله الى الشارع وأشاعته بين الناس، نحن العراقيين ميالين جداً الى تصديق الاشاعة ونشرها وصعوبة تكذيبها ضمن البناء النفسي للشخصية العراقية، لقد تسنى لي حين ذلك بالاطلاع على تفاصيل العرض بعد حين، كان عملاً فاشلاً كاخراج وتأليف وممثلين وحتى الكومبارس الذي مثله علي حسن المجيد حول دور عبد الخالق السامرائي في الإيحاء للرفاق (المتآمرين) عبر زنزانته المعزول بها عن العالم الخارجي منذ ستة أعوام، والذي يعد من مفكري الحزب ولزهده ونزاهته أطلق عليه الملا من قبل رفاقه.  في ليلة وضحاها تحول عتاة قادة حزب البعث من مناضلين الى متأمرين، وقالت التجارب أن العمل السياسي في العراق يؤدي بك في النهاية الى الموت، ومن خلال تاريخ العراق كل الذين حكموه قتلوا من خلفاء وأمراء وملوك ورؤساء. 

محمد عايش، محمد محجوب، غانم عبد الجليل، عدنان الحمداني، محيي عبد الحسين المشهدي، مرتضى الحديثي، وليد محمد سيرت، ماجد عبد الستار السامرائي، إسماعيل النجار، والعشرات بعضهم نجا بأعجوبة وظل صامتاً الى يوم رحيل البعث ٢٠٠٣.

الرئيس الراحل حافظ الأسد طلب من عدنان الحمداني بعدم العودة الى العراق، وكان حينها في دمشق يتابع الأعلان حول مشروع الميثاق القومي بين العراق وسوريا. قال له الغيوم متلبدة في سماء بغداد وخوفي عليك كبير رفيق عدنان ستكون أحد الضحايا رد عليه بثقة متناهية حول إنجاز المشروع القومي وسأكون رئيس وزراء العراق القادم في عهد الرئيس الجديد. أما محمد عايش الذي أعتقلت زوجته في اليوم الذي أعتقل به وبقيت في حاكمية المخابرات لمدة سبعة سنوات، وكانت تعتقد أنها إعتقلت بوشاية من زوجها الذي أعدم بنفس يوم إعتقاله، وعندما قرروا أطلاق سراحها ألتقى بها مدير الحاكمية، وكانت تدعي على زوجها بغضب فتفاجأت عندما أبلغها المدير أن زوجها أعدم بنفس اليوم الي أعتقلت به بتهمة الخيانة والعمالة للنظام السوري. الرفاق الذين بلغ عددهم خمسة وخمسون شخصاً قيادياً جرجروا الى مبنى حاكمية المخابرات بتهمة التأمر جلهم لم يسبق له الدراية الا في داخل قاعة الخلد من خلال بساطيل الحماية وأحتكاكها في الأرض والبشر والدور البائس الذي إجبر عليه محيي عبد الحسين الشمري (المشهدي) وممن أستدعى من سفارات النظام لآمر هام في القدوم الى بغداد ولم يعد.

مبنى حاكمية المخابرات الواقعة في منطقة شارع ٥٢ في بغداد كانت سابقاً معبداً للبهائيين الذين هجروا من العراق في منتصف الستينيات ليختاره النائب أن يكون معتقلاً سياسياً بعد أن حولوا خريطة المبنى الى زنازين أنفرادية عرضها تسعين سم وطولها متر واحد لاتتسع الا لشخص واحد أشبه بالتوابيت.

مرحلة مهمة في تاريخ العراق السياسي لم توثق الى الآن شهودها أغلبهم رحلوا. تابعت بأهتمام مذكرات برزان التكريتي بعد أن نشرها موقع أمريكي عثر عليها في صندوق حديد بعد إحتلال العراق وإعتقال برزان الذي كان المشرف الأول على تلك التصفيات الجسدية لرفاق الحزب ولكنه لم يمر عليها ولا بجانبه فقط ركز في مذكراته حول شجرة الدر (زوجته) وزواج أبنته سجى من عدي صدام حسين وقصة هجرها. 

في يوم الثامن من آب وفي الساعة الثامنة مساءاً وبأمر من مجلس قيادة الثورة (صدام حسين) بتشكيل محكمة حزبية لمحاكمة الرفاق المتأمرين تعقد جلستها الاولى  فاتخذوا من قاعة صغيرة في نهاية مبنى الحاكمية قاعة للمحاكمة وضعت فيها عدة طاولات متلاصقة مع بعضها بعضاً. جلس خلفها رئيس المحكمة المفترضة نعيم حداد عضو القيادتين القطرية والقومية، والى يمينه حسن العامري وتايه عبد الكريم عضوا القيادة القطرية، وسعدون شاكر وحكمت العزاوي وعبدالله فاضل وسعدون غيدان. وفي زاوية مخفية من القاعة وضع كرسي مميز أتخذه برزان التكريتي محطة أستراحة، للجلوس عليه عندما يشعر بالارهاق من التجوال بين غرف التحقيق 

في صبيحة ذلك اليوم من آب العام ١٩٧٩، كان جو بغداد قائض والرطوبة مرتفعة، جاءوا بلمذنبين أو المتأمرين على شكل رتل طويل يتقدمهم عبد الخالق السامرائي متحدياً صورة المحكمة، ويجرجر قدميه بثقل خلفه محمد عايش من وطأة التعذيب الذي لاقاه في الامس من رفاق الأمس.

خمسة وخمسون رفيقاً قيادياً بعرض مسرحي تراجيدي أدوارهم مجهولة وأقوالهم مخنوقة أمام هيئة صورة المحكمة، وفي سؤالها الاول الى المذنبون. هل لديكم شيء أضافته عن ما قلتوه في التحقيق؟. أي تحقيق لم يجري معنا أي تحقيق. كانت كل المؤشرات تشير الى تصفيتهم جسدياً على وجه السرعة الممكنة. هنا همس عبد الخالق السامرائي قائلاً.. أمنيتي كانت أن أعدم في اليوم الذي أتهمتوني بمؤامرة ناظم كزار العام ١٩٧٣ مع أطلاق أبتسامة خافته أن مؤامراتكم سوف لن تنتهي وهذه هي البداية والنهاية لكم. وتفوه محمد عايش بكلام مسموع (أي أمة هذه تقدم مناضليها، قرابين لمقدم رئيس مزور).

نعيم حداد في سنواته الأخيرة يعيش بعوز مدقع في منطقة صناعية بائسة في سوريا قريبة من الحدود اللبنانية وهو يكاد فقد بصره بعد أن ترك العراق بعد إحتلاله ٢٠٠٣. زاره أحد المهتميين بالشأن العراقي وعرض عليه مبلغ للمساعدة، لكنه رفضها، وأيضا رجل أعمال عراقي عرض عليه مبلغ كبير مقابل الأدلاء بشهادته حول تفاصيل مجزرة قاعة الخلد، لكنه رفض بتاتاً.

ماجرى في قاعة الخلد من الرئيس الجديد في قتل رفاقه حسب إعترافات الباحثين في تاريخ السياسة هي قريبة الى مجزرة القلعة في زمن محمد علي باشا في قتل مماليك عصره، وبعض فصولها قريبة على ما كان ينتهجه ستالين تجاه قتل رفاقه، وأحد القادة الشيوعيين يقربها على ماجرى في المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي العراقي عام ١٩٨٥ في خيمة أرموش السفلى، حيث النصف ألغى النصف الآخر.

يروي المذنب مرتضى الحديثي سفير العراق في إسبانيا الى بقية المعتقلين معه في زنزانة الحاكمية، أستدعيت الى بغداد لآمر هام، فلبيت الدعوة حالاً وبدون تردد رغم كل التحذيرات التي وصلتني وأيضا وصلني تلكس من الرئيس السوفييتي بريجنيف شخصياً بعبارات محددة (لاتذهب الى بغداد)، توجه الى موسكو ضيفاً عزيزاً، الكي جي بي، لديها علم بالتصفيات التي ستجري في البلاد، لم أعر الموضوع أهتماماً، وإن أقلقني حقاً، وبعد نصف ساعة من وصولي العاصمة بغداد صباح الأول من آب، كنت في مكتب السيد الرئيس النائب قبل أيام وبات رئيساً، بادرني السيد الرئيس عن عدم فعالية طاقم السفارة العراقية في أسبانيا في فضح خيوط المؤامرة وكان حجة السفير لم تكن لنا معلومات كاملة وتوجيهات ضمن هذا التحديد. لقد أنفعل غاضباً عندما أجبته، أني محتار جداً بدوافع محمد عايش للتأمر على الحزب، ومحتار أيضاً بكيفية إتصال المتآمرين بعبد الخالق السامرائي، وهو في سجنه الانفرادي، إذ سألني عمن أخبرني أنه في سجن أنفرادي، وأجاب هو من عنده، لابد وأن يكون الخونة المتآمرين هم من أخبروك بذلك، ولابد أن يكون لك أتصال بهم، حاولت أن أجيب، أوضح له الحقيقة، لكنه لم يعطيني فرصة، بعدها ضغط على زر الجرس الذي أمامه، وأمر المقدم، وشخص آخر دخل معه بكلمة واحدة (خذوه) فأصبحت بعد نصف ساعة مسجوناً في بناية لا أعرفها من قبل، قريباً من الجندي المجهول.

حكم عليه خمسة عشر عاماً من قبل المحكمة بقيادة نعيم حداد، لكنه قتل بطريقة مأساوية بعد شهور في الزنزانة.

يعتبر مرتضى الحديثي مهندس مفاوضات النفط العراقي وتأميمه العام ١٩٧٢ وأيضا هو من وضع صيغة الحكم الذاتي مع الاكراد في قيادته للمفاوضات العام ١٩٧٠، وكان مساهماً فعالاً في المفاوضات مع الشيوعيين حول قيام الجبهة الوطنية العام ١٩٧٣. 

نطق رئيس المحكمة باسم عبد الخالق السامرائي، ومن بعده محيي عبد الحسين المشهدي حكماً بالاعدام، فسمعه فاضل العبيدي، الواقف الى جواره في صف المذنبين يقول؛ هذه كلمة الشرف التي أعطيتموني أياها ؛ وسكت. أثنان وعشرون مذنباً، أولهم عبد الخالق وآخرهم غانم عبد الجليل صدرت بحقهم عقوبة الاعدام.

أمضى القادمون من جميع المحافظات العراقية الى بغداد، ممثلين عن قيادات فروع حزبهم، ليلتهم في فنادق خصصت لهم، حسب الدرجات الحزبية، بينها فندقي بغداد وأطلس، ليساهموا في مجزرة الدم بقتل رفاقهم وتلطخ أياديهم بعار التاريخ. آخر تبليغ لهم قبل النوم، هو التجمع في بهو الفندق الذي هم فيه بالساعة الخامسة والنصف صباحاً، وفي تمام السادسة، يكونون أمام بناية القيادة القطرية للحزب.

 كان يوم الثامن من آب، حاراً منذ الساعات الأولى لحلوله، حضر الرفاق في الموعد المحدد، لايعلمون لماذا حضروا في هذا الوقت المبكر بالذات، يسأل بعضهم الآخر، لماذا حضروا، وماهو المطلوب منهم. بعضهم كان قلقاً لأن رفاق لهم حضروا الى قاعة الخلد قبل أيام، ولم يعودوا منها، فأصيبوا بوباء القلق الذي لايشفى.

أطل علي حسن المجيد، بسيارة رئاسية سوداء نوع (مرسيدس) أقترب من جمهور المجتمعين، أعطى أوامره الصارمة بضرورة الصعود الى السيارات المخصصة لنقلهم الى مكان محدد. لم يذكر أسم المكان المحدد، تدخل في تفاصيل توزيع الرفاق مجاميع من عشرة أشخاص، على كل سيارة. لدى السائق تعليمات بالمكان الذي أليه ذاهبون. المهمة التي تؤدوها اليوم تاريخية، ستبقى ماثلة في سجل خدمة جليلة.

تحرك رتل السيارات بقيادة المجيد، وصل المثابة المطلوبة، ساحة الرمي الخاصة بالفوج الثاني لواء الحرس الجمهوري. ألتفت الرفاق بعضهم الى بعض، لايعرفون الخطوة الآتية حتى الآن.

نصف ساعة مضت وهم مازالوا يقفون في أماكنهم، ينتظرون في هذه الساحة، التي شهدت الرمي على الأف الاهداف الوهمية، الا هذه المرة  فالأهداف ليست وهمية، أنها من بين قادتهم، كانوا حتى وقت قريب مسجلين كبار دولة، وكادر حزبها الوحيد والأوحد. يمر الوقت ببطء شديد، وعند أنتهاء النصف الأول من ساعة الانتظار، أمتلأت الساحة بأعقاب السكائر. وصلت في الدقيقة الثالثة من النصف الثاني لها سيارتان رئاسيتان، ترجل من الأولى رئيس الجهاز (برزان التكريتي)، ومن الثانية ولدا الرئيس الجديد للعراق (عدي وقصي)، كان وصولهم إيذاناً بالشروع في إكمال المهمة. أثنان وعشرون شخصاً وقفوا في رهط عريض من صف واحد، عصبت أعينهم، وكممت أفواههم، وقيدت أيديهم الى الخلف.

رفاق هؤلاء الواقفين أمامكم خانوا الحزب، تأمروا عليه، حكموا بالإعدام من قبل المحكمة التي شكلتها قيادتكم الحكيمة يستحقون الموت، ويستحقون أن تكون أماتتهم على أيديكم رفاق، ليبقى الحزب أكبر من الجميع، هذا ما قاله العريف علي حسن المجيد قبل بدأ التنفيذ المطلوب للمهمة. وزعت البنادق على الرفاق، أنا لدي بندقيتي الخاصة، ولا أريد بندقيتكم قالها عدي الأبن البكر للرئيس بصيغة آمر، الضابط نعم سيدي، آمرك سيدي قال في رده على أوامر أبن الرئيس. أشر عدي الى سائقه أن يجلب له بندقية الصيد الغالية الثمن من سيارته وكذلك بندقية القنص الامريكية لاخيه قصي. وطلب عدي أن تكون حصته محمد عايش أما قصي فحصته الملا عبد الخالق السامرائي ليبدا بالتنفيذ تحت هتافات باسم الرئيس الجديد. أراد وليد محمود سيرت فك الشريط اللاصق من على فمه مما لفت أنتباه الجميع، فالتفت علي حسن المجيد الى برزان التكريتي، سائلاً عن أمر  هذا وليد، قد يكون لديه قولاً يهم الحزب، في صحوة ما قبل الموت، لا أعتقد هذه، أجاب رئيس الجهاز، وأكمل القول من أن وليداً معروف بوقاحته، وأن مجرد رفع الشريط عن فمه، سيسمعنا كلام لا يصح سماعه أمام هذا الجمع من الرفاق، ثم أن لدي توجيه من قبل السيد الرئيس بسد الأفواه، لكي لاينطقوا الشهادة ويموتوا كفرة لخيانتهم الحزب والثورة.

 

محمد السعدي

مالمو / تموز ٢٠١٩

..........................

المصادر

١ - رواية (حفل رئاسي) ل سعد العبيدي

٢ - شهادات خاصة (للتاريخ) للدكتور حميد عبدالله (أحسان وفيق السامرائي، ضرغام عبدالله الدباغ، سليم الامامي، وليد السامرائي، تايه عبد الكريم، محمد السباهي، فايز الخفاجي).

٣ - لقاءات تلفزيونية مع الدكتور عبد الحسين شعبان.

٤ - كتابات للباحث شامل عبد القادر.

٥ - برنامج أحمد منصور (شاهد على العصر) مع حامد الجبوري.

٦ - حوار محمد دبدب مع جريدة الزمان.

 

 

عبد الجبار نوريهوالناقد العراقي المتألق والمبدع "جمعه عبدالله" وهو اليوم في منفاه القسري اليونان منذ عشرين عاماً، يبدو من سيمياء العنوان أنه دفع فاتورة الغربة أستلاباً ووجعاً يومياً كانت الخسارة في مصادرة حريته في وطنه العراق وتغييب طموحات شعبه، وكان ربحهُ في شخصيته الفذة وثقافته الرصينة والعالية ومواهبه الأدبية أصبح يملك ذلك البستان المورق بألوان زهورها وثمارها بفضل ولعه وموهبته في شتى ألوان الأدب والثقافة وتخصصهِ في النقد الأدبي بأسم الناقد العراقي "جمعه عبدالله".

في مفهوم النقد الأدبي هو عملية دراسة وأصدار أحكام على النصوص الأدبية، وهو أحد الفنون الأدبية الذي يرتبط فيها ذوق الناقد وفكره محاولا الكشف عن جمالية النص الأدبي والعيوب التي قد توجد فيها، علما أن الأدب صنعة أبداعية والنقد هو الذوق لذلك الأبداع يكون فيه الأديب مطالب بالتعبير الأبداعي والناقد مطالب بنقد ذلك النص بموضوعية وحيادية لكون النقد الأدبي عملية تحليل وتفسير وتقييم الأعمال الأدبية، بأعتماد (النظرية الأدبية) هي النقاش الفلسفي لطرق النقد الأدبي وأهدافه، رغم العلاقة بينهما، علماً أن الأدب سابق للنقد في الظهور وهما متلازمان، أذ لولا وجود الأدب لما كان هناك (نقد) أدبي لأن قواعده مستقاة ومستنتجة من دراسة الأدب، والنقد الأدبي ذوق وفن وعلما يكون الناقد صاحب حس مرهف وذوق سليم وموهوب وليس بالضرورة أن  يكون منظراً .

أسلوب الناقد العراقي " جمعه عبدالله "

-يطمح دوماً وبأصرار إلى بناء صرح معماري أدبي رصين وهادف ككاتب ملتزم ينحو للواقعية في كتاباته متمثلا بنجيب محفوظ وأرنسنت همنغواي وفكتورهوجو وغائب طعمه فرمان وأنتون تشيخوف وتولستوي، لا يتوقف الناقد البارع " جمعه عبدالله "عند قراءة النص الأدبي فهو يقرأها مابين السطوركما يقرأها طه حسين في كتابه الأيام .

- يكتب عن قناعة مفادها : أنهُ لابد من تجاوز عدد من الأحكام الجاهزة المترسخة في الأذهان حول العلاقة بين الأدب وسوسيولوجية المجتمع، وهو ينحو دوماً إلى التجديد والحداثوية بتجاوز المقاربة الكلاسيكية التي كانت تخيم بظلالها المعتمة على مجمل الفنون الأدبية، في الوقوف بين الأختلافات والتشابهات بعملية يحكمها منطق الحصر والحد

- أهتمامات الناقد عبدالله متنوعة في الأدب والشعر والنقد الأدبي والرواية والقصة القصيرة والطويلة، أخذ ينحو العالمية في أساليب النقد الأدبي كونه يعتمد النقد الأدبي الحديث بنقاش فلسفي لطرق النقد الأدبي وأهدافهُ بدون أن يوحي لك بأنهُ منظر أدبي، في محاولة  فريدة في أشراك عامل ديناميكي يمثل أنضباط أخلاقي كقواعد مستنتجة من دراسة الأدب العربي والعالمي .

- وهو ينظر إلى النصوص الأدبية شعرية كانت أم نثرية مكتشفاً لمواطن الجمال والقبح بشكلٍ بارعٍ وملفت للنظر، فهو متخصص في دراسة أساليب الأدباء والقدرة على فهم أسرارهم والنفوذ إلى دواخلهم وأدراك مشاعرهم وسبر عواطفهم بفهمهِ العميق وحسهِ المرهف وكثرة تجاربه الأدبية لكونه يتمتع بقدرٍ وآخر من المعرفة والثقافة .

- يعتمد الناقد جمعه على مجموعة من الأفكار في قياس الحكم على العمل الأدبي هي عناصر اللغة، النص السردي، الأيقاع، والخيال تساعد المتلقي في فهم النص، وخصوصا عند قراءتي لنقده نصوص القصص والروايات، فهو يعتمد أسلوب النقد الحديث في أعتماد التحليل والتفسير والتقييم للجوانب الجيدة والرديئة في النص الأدبي .

- فهو يركز على النقد البنيوي على التحليل الداخلي للنص أي أنهُ يهتم بالنص ولا شيء غير النص في دراسة كينونة وصيرورة النص السردي للرواية وهنا ينثر الناقد الجميل مطيباته من الذوق والعاطفة والحب والجمال وبعضاً من الرومانسية لأنهُ يعي العلاقة الجدلية بين الأدب والنقد تلك العلاقة التكاملية بحاجة كل منهما للآخر.

- يمتلك الناقد العراقي جمعه عبدالله الموهبة وذخائر في الثقافة والمعرفة وسلوك الموضوعية في النقد الأدبي والدقة في الحكم ويعتمد الثوابت والمسلمات بالحذر من الممنوعات الثلاثة (الجنس والدين والقيم الأخلاقية)

وظهرت تجليات أدوات الناقد العراقي الفذ " جمعه عبدالله " في بعض ما قرأت له في :

قراءة في المجموعة الشعرية (من يطرق باب الضوء) للشاعره رفيف الفارس

قراءه في كتاب (قيثارة أورفيوس) في السائد والمختلف /د-عبدالرضاعلي

قراءه في كتاب (مرافيء في ذاكرة يحي السماوي) للناقد لطيف كريم

قراءه في المجموعة الشعرية (على أثير الجليد) للشاعر عبدالستارنورعلي

قراءة في ديوان شعري (أناشيد زورق) للشاعر جميل الساعدي

قراءة في رواية (الجنائن المغلقة) برهان الخطيب

لابد من كلمة أخيرة أوجهها للناقد الجميل الأستاذ "جمعه عبدالله" أن كتاباتنا لن تكتمل نشوة قراءتها ألا بمرور أنفاسك العطرة في نقدك الأدبي  البناء لها، وبحضورك البهي تفوح عطرها ، لك المجد أيها الأديب والمثقف الملتزم متمنيا لك مزيدا من التألق في عالمك المعرفي الثقافي والعلمي.

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

في/ العشرين من تموز 2019

 

فوزي حامد الهيتيالاعسم بصفته انسانا هو أميرٌ.. إسمٌ على مسمى.. بسلوكه المنضبط وهندامه عالي الشياكة وشخصيته القوية الحاضرة والمؤثرة في من حوله. كل هذا معلوم معروف لكل من عرف الاعسم عن قرب أو من بعيد. هو بحق (باشا) كما وصفه الدكتور علي المرهج في مرثيته الجميلة. وقد وظف كل هذه الامكانيات في خدمة الفلسفة وإثرائها في العراق المعاصر الأمر الذي دفع الكبير مدني صالح للقول كلمة بحقه مازلنا نتذكرها هي (الأعسم آوى الفلسفة بعد أن كانت شريدة) وهو حكم دقيق يفرض علينا اليوم ونحن من طلابه، أن ندون هذه المسيرة والجهود عرفانا بخدمته وحفاظاً على حقوقه بعد أن رحل عنا.

أولاً: الأعسم.. آوياً للفلسفة:

 الحديث عن المنجز الفلسفي للأستاذ الدكتور عبد الامير الاعسم يتطلب منا الحديث عن جانبين مهمين شكلا مجمل نشاطه الفلسفي على مدى حياته العلمية، هما:

أولاً: جهود ملموسة ظاهرة للجميع تتمثل في مجمل نتاجه العلمي وهو عشرات العناوين كتباً وأبحاثاً علمية منشورة في دوريات عديدة. سأتوقف عندها نهاية هذه الورقة.

والثاني: جهود علمية غير ظاهرة وملوسة إلا لمن كان قريباً منه ويعرفه معرفة شخصية مثل زملائه وطلابه والعاملين معه طوال حياته الاكاديمية. تتمثل هذه الجهود غير المنظورة في مجمل نشاطه العلمي الاكاديمي في المؤسسات العلمية التي عمل فيها، يمكن إيجاز هذه النشاطات في الآتي:

أولاً: إداريا:

أ- دوره في إستحداث أربعة أقسام فلسفية في كليات الاداب في جامعات (الموصل والبصرة والمستنصرية والكوفة) فضلا عن قسم الفلسفة في جامعة بغداد لتصبح لدينا خمسة اقسام فلسفية في العراق في وقت كاد أن يغلق قسمنا اليتيم في بغداد. وقد كان الأعسم حينها يشغل منصب عميد كلية الاداب في جامعة الكوفة. وقد حظي قسم الفلسفة في الكوفة آنذاك بدعم مطلق منه فاستحدث فيه الدراسات الأولية والعليا الماجستير والدكتوراه بخلاف التعليمات والسياقات المعمول بها حيث إستقدم أفضل الكوادر التدريسية في جامعة بغداد للتدريس فيه وبفضل ذلك خرّج لنا هذا القسم أسماء لامعة صار لها اليوم حضور في الدرس الفلسفي الاكاديمي منهم د. منذر الكوثر والدكتور علي المرهج. بل وصار هذا القسم ينافس قسم الفلسفة الام في جامعة بغداد.

ب – دوره في استحداث قسم الدراسات الفلسفية في بيت الحكمة وإصدار مجلة له فضلا عن جمعية العراق الفلسفية واتحاد الفلسفي العربي وقد شغل الاعسم رئاسة قسم الدراسات الفلسفية والجمعية الفلسفية والاتحاد الفلسفي العربي منذ تأسيسها الى سنة 2003.. العام الذي غادر فيه العراق. وأقول بصراحة أن مكانة بيت الحكمة وقسم الدراسات الفلسفية فيه كانت بفضل جهوده العلمية وحسن إدارته لها وتوظيف كل علاقاته العلمية لتفعيلها قد أثمر عن عقد العديد من المؤتمرات الفلسفية العربية المهمة واستضاف أكثر الفلاسفة والمفكرين العرب من أمثال مطاع صفدي وناصيف نصار وطه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري وعشرات الاكادميين العرب من مصر والمغرب والجزائر وتونس ولبنان والاردن واليمن مؤتمرات لم يحقق بيت الحكمة واقسامنا الفلسفية بمستواها الى اليوم. كما له الدور المهم في إصدار مجلة دراسات فلسفية واستمرارها فضلا عن إصدار العشرات العناوين الفلسفية عن دار بيت الحكمة وبخاصة منشورات الاساتذة العراقيين أيام كان النشر صعباً على كل العراقيين .

ثانياً: علميا:

 دوره في دعم وتشجيع الطلبة والشد من أزرهم في مواصلة البحث العلمي . وقد تجسد هذا الدعم والتشجيع في تشجيعهم بالمشاركة والحضور في المؤتمرات العديدة التي كانت تعقد في بيت الحكمة . كان يعاملنا باحثين كبار أمام أسماء لامعة من المفكرين العرب ويدفعنا للتعرف عليهم والمشاركة في أحاديثهم ويشعرك بأنك لست أقل منهم مقاما علميا. أما حين يستقبلنا في مكتبه فيكون في غاية الحفاوة والاهتمام يسمع لك بكل إنتباه وتقدير ويشاركك الحديث ويقدم لك ما تحتاجه. وعند توديعك لا يتركك إلا خارج غرفته . هذا هو الاعسم الإنسان النبيل والباشا بحق سامي بأخلاقه وتعامله اليومي كبير بخدماته للفلسفة وأهلها.

الأعسم.. باحث أكاديمي رصين:

لا أود في هذه الفقرة سرد عناوين كتبه وأبحاثه العديدة والمهمة على أهمية ذلك فقد كفانا بذكرها أغلب من كتب عنه وسأتوقف فقط عند منهجه العلمي محاولاً التعريف به وكاشفاً عن إطاره الفلسفي واسباب تبنيه لهذا المنهج دون غيره من المناهج الفلسفية التي حققت حظوراً وشهرة لأصحابها لكنها لم تغري الأعسم ولم تدفعه للركض في متاهاتهم كما فعل البعض من أساتذتنا وغيروا من مسارهم البحثي فصاروا يدورون في فلك أسماءٍ كانوا هم أعلا كعباً ومقاماً علمياً منهم، واحترامي لهم يلزمني السكوت عن ذكر أسمائهم.

الأطر الفلسفية لمنهج الأعسم في دراسة التراث الاسلامي:

منهجياً لم يكن الأعسم مثل غيره من كبار االأكادميين العرب المعاصرين مثل حسام الدين الآلوسي والطيب تيزيني وحسين مروة وحسن حنفي ومحمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن وغيرهم من الباحثين الذين تبنوا رؤى فلسفية محددة محكومة بمقولاتٍ منهجيةٍ جاهزةٍ ثابتةٍ طبقوها على النصِ التراثي مثل المنهج الماركسي والمنهج البنيوي الابستلوجي فكل هؤلاء باستثناء حسام الآلوسي تعاملوا مع النص التراثي بعده ميداناً لتطبيق منهجهم الفلسفي واستحصال شهادة إعتراف بصحة مقولاته وصدق منطلقاتهم الفلسفية ولم يتعاملوا مع المنهج بعده أداة تفسير وفهم الظاهرة المدروسة، ذهبوا الى التراث وهم يحملون معهم همومهم الحاضرة وأجوبتهم لها يحدوهم دافع التأسيس والتأصيل لهذه الأجوبة والنظريات الفكرية المتعلقة بحاضرنا ومشكلاته. أما الأعسم وبالرغم من معرفتنا به أنه ينتمي فكرياً الى خط فكري معروف هو التيار القومي ، إلا أنه كان واعياً أن مشروعه الفكري القومي مرتبط بمعالجة مشكلات الحاضر وليس لإعادة تفصيل التأريخ بما ينسجم مع الخط الفكري القومي كما فعل غيره من المنتمين الى هذا التيار وأسرفوا بالحديث عن الأصالة والمعاصرة وغيرها من مفاهيم صدعت رؤوسنا بلا طائل (جعجعة بلا طحين كما يقال).

  أن الأعسم كان يؤمن أن المشروع القومي العربي لا يحتاج أن يستمد مشروعيته من التراث والماضي ، لأن مشكلات العرب المعاصرين هي بنت الحاضر ناتجة عن طبيعة صراعهم اليوم مع الآخر.. الغرب . ولا يوجد لديه شك أن للعرب مصلحة حقيقية لإدراة إختلافاتهم وبما يحقق مصالحهم. يقول الأعسم معززاً هذا الفهم (أن واقعنا الفكري العربي لا يستقيم من الناحية القومية طالما أننا نقع في أفخاخ ينصبها لنا الغرب لاختلافنا وليس لإتلافنا) 1. أما الاختلافات الفكرية في الاصول على حد وصفه فلا يمكن تجاوزها إلا بدراسة الترث دراسة علمية موضوعية لفهمها وتجاوزها وليس للبناء عليها كما يحاول البعض أو رفض التراث بالمطلق والبدء بلحظة تاريخية جديدة أي إحداث قطيعة تامة مع الماضي كما يروج له البعض الآخر من المفكرين العرب المعاصرين.

في ضوء هذه الرؤية الفلسفية التي تميّزُ بوضوح ووعي بين الحاضر ومشكلاته ومتطلبات حلها وبين الماضي المحكوم بمقولات ومشكلات أخرى مختلفة تقتضي منا فهمها جاوزياً لأنها كما قلنا مشكلات محكومة بمقولات عصرها وطبيعة الصراع الفكري ودوافعه وأطرافه مختلفة. هي بكل الحالات لا تصلح أن تكون جواباً لمشكلاتنا المحكومة هي الأخرى بمقولات علمية مختلفة تماماً كما أن دوافع الصراع وأطرافه مختلفة... على أساس هذا الفهم والوعي بين الماضي والحاضر حدد الأعسم أدواته المنهجية، والأعسم بالطبع لا ينكر أن للماضي إمتدادات في الحاضر تنتقل إليه عبر علامات ثقافية عديدة أهمها اللغة وفنون العمارة وأنماط العيش والعادات.. الخ ، مثل إنتقال الجينات الوراثية. فهذا لا يضير، لأن المشكلة عند الأعسم لا تكمن في الماضي وامتداداته الذي يعده تأكيداً وتعزيزاً للهوية الثقافية للأمة ، بل المشكلة تكمن في كيفية التعامل مع هذا الإرث والتعاطي معه.. الطريقة التي حوّلتنا من أمة لها تأريخ عريق عظيم إلى كائنات تراثية مشلولة القدرة على الفعل والابداع في مواجهة مشكلاتنا الحاضرة حتى صار هذا الإرث الغني الى عبئ ننوء بحمله .

  إن وعي الأعسم بالتمايز بين لحظتين زمنيتين للأمة (لحظة الماضي ولحظة الحاضر) وهيمنة اللحظة الثانية (الحاضرة) بمشكلاتها وهمومها على الأولى (الماضية) هي التي غيبت الوعي العربي المعاصر عن فهم تأريخه فهماً علمياً تجاوزياً لتلك اللحظة.. فهماً يمكنه من معرفة أصوله المتعددة (أي المباني الأصولية لمسارات الفكر الاسلامي القديم) التي تمتد الى ما قبل الإسلام وفروعه المتشابكة . إن هذا الوعي بالتمايز بين اللحظتين هو الذي دفع الأعسم الى تحديد أدواته المنهجية في دراسته للنص التراثي وهي الأدوات التي يعتقد أنها ستعينه على تحقيق مبتغاه في فهم التراث فهما علمياً حيادياً أو على الأقل عرضه بحيادية دون تدخل الذات.. ذات الأعسم في هذا العرض الموضوعي .

لقد وجد الأعسم ضالته في مناهج الغربيين التي إستعانوا بها في دراسة تأريخهم وتراثهم ومن ثم مكنتهم من بناء علاقة سليمة صحية مع هذا التأريخ . وهو المنهج ذاته الذي إعتمده بعض المستشرقين في دراساتهم للتراث الاسلامي بدافع فهم هذه الحضارة ضمن السياق الثقافي العالمي.

في ضوء هذا الفهم لمنطلقات الأعسم الفلسفية ودوافعه في اختيار أدواته المنهجية يمكننا أن نفسر لماذا إختار الاعسم المنهج الببلوغرافي الوصفي التحليلي والنقدي منهجاً لدراسة النص التراثي فهو بالفعل منهج يسمح له بعرض نصوص تراثنا عرضا حياديا تتيح لمن يأتي بعده من دراستها دراسة علمية دقيقة وحيادية.

وللأمانة أقول أن قراءتي هذه لمنهج الأعسم لا تملك ما يبررها في نصوص الأعسم المتوافرة بين يدي ولا يعززها إلا حسن النية في وعي الاعسم بعده باحثا واعيا في استخدامه لأدواته المنهجية وليس مكرراً مقلداً لمناهج الاستشراق ، فضلا عن معرفتي الشخصية به استاذا كبيراًأصيلا لا يجتر مقولات الآخرين.

خطوات منهج الاعسم:

يتألف المنهج الببلوغرافي الذي اعتمده الأعسم من خمس خطوات رئيسة هي:

الخطوة الأولى: توثيق النص وتصنيفه ضمن سياقه الفكري والثقافي العام . وتتضمن هذه الخطوة كما نراها في دراسات عديدة عنده أهمها دراسته لنص المقابسات للتوحدي . تتضمن هذه الخطوة تحديد وتوثيق نسبة النص للمؤلف وبيان مكانته ضمن مؤلفاته الأخرى. كذلك مراجعة كل المخطوطات المتوافرة والمقارنة فيما بينها بإحصائيات ببلوغرافية برع الاعسم فيها. مراجعة آراء كل المحققين السابقين وتقييم جهودهم التحقيقية للنص مشفوعة بعرص وصفي لها وبآرائه النقدية لعمل كل واحد منهم.

الخطوة الثانية: تحليل وصفي للنص .

الخطوة الثالثة: تحليل مضمون النص .

الخطوة الرابعة: تفكيك النص وبيان متبنياته ومرجعياته . أي دراسة النص من خلال نصوص أخرى تنتمي لمجاله الفكري وبيان مدى تأثره بها.

الخطوة الخامسة والاهم: دراسة فعل النص . أي عرض ببلوغرافي لكل من أخذ من النص أو رد عليه أو تأثر به أو أضاف عليه من الاحقين .

وخطوات هذا المنهج لا يطبقها الاعسم فقط على النصوص الفلسفية التراثية مثل كتاب المقابسات للتوحيدي أو كتاب فضيحة المعتزلة لابن الريوندي بل يطبقها أيضا الشخصيات الفلسفية التي درسها مثل الغزالي والطوسي وابن الريوندي .

أن هذه المنهجية العلمية في عرض النص التراثي وحتى شخصياته المختلف عليها قد عرضتهم بطريقة حية طازجة غير ممزوجة بأفكار ودوافع من ساهم في تقديمها وتحقيقها وارشفتها، وتركت للباحث حرية دراستها وفهمها . إنها طريقة لتقديم التراث كبيانات حيادية للباحثين الآخرين لتسهيل إمكانية دراستها دراسة علمية موضوعية. لهذا يمكن القول أن أغلب دراسات الأعسم وهي كثيرة موجة في الأصل للمتخصصين من الباحثين وليس للقارئ العام. وإن هذه الدراسات أصبحت مرجعا مهماً بل وحافزاً لإنجاز دراسات عديدة عليها وتعد دراسته المهمة حول ابن الريوندي وهي موسوعة بخمسة مجلدات إنموذجا حياً لجهوده المثمرة في خدمة الترث الاسلامي فقد أصبحت هذه الموسوعة مرجعا غنيا عن ابن الريوندي لا يمكن لأي باحث جاد تجاوزها عند دراسة ابن الريوندي وقد رجع إليها بالفعل أغلب من كتب عن ابن الريوندي مثل المستشرق دومنيك أورفو في كتابه المهم (المفكرون الاحرار في الاسلام) وكذلك المستشرقة الامريكية سارة سترومسن في دراساتها العديدة عن ابن الريوندي وبالنسبة لي كانت هذه الموسوعة حافزاً مهما لدراسة ابن الريوندي حيث استطعت بما وفرته لي من معلومات وبيانات ونصوص متنوعة عن ابن الريوندي او له من بناء فرضياتي البحثية حول كتابه المهم الزمردة واستطعت أن أكمل هذا النص بنصوص لم يقف عندها كراوس . وكذلك خدمتني هذه الموسوعة وما زالت في دراستي قيد الانجاز عن ابو عيسى الوراق .

وختاما نقول إن ما تركه لنا الاعسم من منجز علمي كبير ونشاط فلسفي قد خدم المشهد الفلسفي العربي والعراقي بخاصة سيبقى نافع دافعا ومعيناً لكل دارس مجيد ما بقي أكادميين متميزين باحثين عن الحق والخير والجمال.

 

د. فوزي الهيتي

................

 1) الاعسم بين الاختلاف والاتلاف في الفكر العربي المعاصر، محاضرة أُلقيت في رابطة الكتاب الاردنين 2005 .

 

صادق السامرائيالدكتور صالح الوكيل قامة عراقية علمية أسهمت بتنوير العقول في المجتمعات البشرية، بما أضافه من إكتشافات ورؤى ونظريات، وآليات للإبحار في عالم الخلايا والإطلاع على تفاعلاتها الأيضية، وما يجري في تلك الكينونات الحُجَيْرية الصغيرة التي تبني الكيان الحي.

فعلى مدى أكثر من نصف قرن وهو يغوص عميقا وعميقا في دنيا الخلايا ويأتينا بما لا نعرف، وقد أسهم بأصالة وإبداع متميز في علوم الكيمياء الحياتية بمكتشفاته الأيضية، المتصلة بهضم وتمثيل المواد الدهنية.

ويمكن وصفه بالرائد والفاتح لميادين علم الإنزيمات، والعارف بمفاتيح العمليات البايوحياتية في الجسم الحي، وهو المكتشف للجين الذي يمنع تراكم الدهون في الجسم.

 وقال عنه عدد من العلماء المشاهير هو صاحب "سلسلة إكتشافات مثيرة تكفي كل واحدة منها لإضاءة سيرة بكاملها" و"كان الأمر الثابت والوحيد فعلا هو إفتنان الوكيل كليا بالأيض الشحمي وإلتزامه العميق بفهمها بالكامل" و هو الذي " أزال الحدود بين الحياة واللاحياة"!!

وليس الهدف من المقال التطرق لسيرته العلمية الباهية، فهي موجودة على صفحات الإنترنيت وباللغتين العربية والإنكليزية، لكن الذي جعلني أكتب هو إيفاءً بوعدي له،،وأشعر بالأسف لأنني لم أكتب عنه في حياته وقد وعدته بذلك، لكن دوامة الأيام أخذتني إلى مرافئ أخرى حتى إستيقظت وأنا أقرأ نبأ وفاته.

أول لقاء مع الدكتور الوكيل عندما كنا طلبة في كلية الطب، وقد جاءنا زائرا وألقى علينا محاضرة في الكيمياء الحياتية، ولازلت أذكر حركته وهو يرفع قبعته مبتسما ويقول جئتكم من تكساس لكني لست من رعاة البقر، وكانت محاضرته فائقة الروعة.

وكان أستاذنا في الكيمياء الحياتية هندي، وقد كان مبهورا به وهو يقول هو أستاذي، إنه أبو الكيمياء الحياتية، ولا يخلو كتاب من إسمه وبحوثه، وأذكر أنه تصفح الكتاب المقرر وذهب إلى (كربس سايكل)، وفي حاشية الكتاب كان إسم صالح الوكيل، الذي له إسهامات معرفية بعمليات هذه الحلقة الأيضية المهمة في الخلية.

ودارت الأيام والسنون والعقود، وإذا بي معه على ذات المائدة في مؤتمر علمي صاخب ، فتحدثت معه عن محاضرته لنا عندما كنا طلبة في كلية الطب، وتشعب الحديث وتطور عن إنجازاته، وما قدمه للطب من خدمات معرفية غير مسبوقة، وخصوصا في ميادين هضم وتمثيل المواد الدهنية.

وبعدها تواصلت لقاءاتنا، وكان مرحا ويضفي على كلامه شيئا من المزحة، وكلما إلتقينا يمنحني فكرة للكتابة، فيمسك بيدي ويضغطها ويقول: أكتب عن كذا وكذا.

وكانت مجالسته فياضة بالمعارف العلمية والعبارات الثرية بالمعاني، والدلالات الفكرية والفلسفية والتراثية التي تقدح الأفكار في العقول، وفي آخر لقاء معه ذكر بأنه قد توصل إلى معرفة أسرار تمثيل الدهنيات، وربما سيتم تصنيع دواء يساعد على حرقها بسرعة، وأضاف مازحا أي يمكنك أن تأكل كل ما تشتهي ولن يزيد وزنك.

وكان كلامه أشبه بالحديث عن ثورة جديدة في عالم الكيمياء الحياتية.

وكما ذكرت وعدته أن أكتب عنه لأني أرى أنه يستحق جائزة نوبل، لما قدمه للعلم من إنجازات غير مسبوقة، إذ نقل علم الكيمياء الحياتية إلى ميادين متطورة فتحت آفاقا علاجية ذات قيمة شفائية مؤثرة.

كما أنه مثال حي وبرهان فعّال على أن العقول العراقية تساهم في بناء الحضارة الإنسانية المعاصرة.

وكم سألته :متى سنحتفل بجائزة نوبل، وكان جوابه دائما بإبتسامة واعدة.

ولازلت على يقين بأنه يستحق الجائزة ومؤهل لها، لكنه لم يحصل عليها لأسباب لا أعرفها، فما أنجزه يضاهي ما قدمه الذين حصلوا عليها وأكثر.

وأكتب عنه اليوم إكبارا وتقديرا لعالم جليل أضاء للبشرية ظلمات أعماق الخلية، وأرجو أن تكون هذه الكلمات قد أوفت بوعدي ولو متأخرا.

ورحم الله أستاذنا الوكيل الذي أنار دروب البشرية بإضافاته العلمية الوهاجة.

 

د. صادق السامرائي

 

علي المرهجلم يحظ مفكر عراقي بمثلما حظي به الوردي من اهتمام، على كلا المستويين الشعبي والثقافي، ورغم ذلك فالكتابات عنه مازالت ليست بالمستوى المطلوب، فكثير منها، إما ذات طابع مقالي وغالبا ما يكون احتفائيا، أو ذات طابع ثقافي عام. أما على المستوى الدرس الأكاديمي، فمن وجهة نظري ـ على قدر علمي ـ لم يحظ الوردي بقدر كاف من الاهتمام في الدرس الأكاديمي، ومحاولة تفكيك وتحليل آراء الوردي في ضوء متغيرات الوضعين: الوضع العراقي اليوم والصراع الطائفي فيه، من جهة، وارتباطات هذا الوضع بتحولات السياسات الدولية والإقليمية المحيطة، من جهة أخرى. وهل بقي من فكر الوردي شيء أم أشياء في ضوء قراءته لشخصية الفرد العراقي؟ وهل ظهر ما يٌثبت قيمة الدراسة الاستبيانية في معرفة شخصية الفرد العراقي بعد أن تنكر لها الوردي؟!.

بقيَ من فكر الوردي أشياء وأشياء، ولا زال فاعلاً في معرفة الشخصية العراقية وحتى العربية، ومنها تأكيده على عٌمق الصراع الطائفي في العراق وإستمراره بإستمرار الصراع الإقليمي، لا سيما بين تٌركيا "السنية" ومؤيدوا سياستها، وإيران "الشيعية" ومؤيدو سياستها، وانعكاسات هذه "الحرب الباردة"ـ والتي بدأت بالسخونة ـ على تشتت العراقيين وضياع وطنيتهم بالولاء لهذه الجهة أو تلك.

نعتقد أن قيمة فكر الوردي ليست في جرأته فقط، وإن كانت هذه سمة مهمة للمفكر والكاتب، ولكننا نجد أن قيمة الوردي تكمن في صياغته لفرضياته وصناعته لمفاهيم جديدة وتبيئته لمفاهيم أخرى من الفكر التراثي أو الفكر الحداثي التي أثبتت قدرتها التفسيربة في معرفة المجتمع العراقي. والتي ستكون واحدة من مهمات بحثنا هذا.

إننا حينما نُريد أن نكتشف أهمية كاتب ما يستحق أن تُطلق عليه صفة مفكر، فعلينا البحث عن منتجه المفاهيمي أولاً، ومساعدة القارئ على الكشف عن القدرة التفسيرية لهذا المنتج المفاهيمي اليوم ثانياً، وتسهيل إمكانية الافادة من توظيفهم لمنتجه المفاهيمي بوصفه عدة منهجية للباحثين في معرفة خط سير المجتمع العراقي أو أي مجتمع آخر ثالثاً.

إن الكشف عن الأفكار والمنتج المفاهيمي هو بحث يصب في إظهار البعد الفلسفي وإظهار فاعلية هذه المفاهيم، لأن بُعد المفاهيم الأهم يكمن في كونها منتج نظري تصوري، يحاول ذوو الاختصاص التطبيقي توظيفه في بحوثهم الاجرائية. لذا وكما نعتقد أن أفكار الوردي بقيت أقرب للرؤية الاستقرائية ذات البعد الاستنباطي الافتراضي، شبيهة بمنهج التكذيب البوبري الذي يضع الكثير من الفرضيات ومن ثم السعي لتفنيدها واحدة تلو الأخرى، والفرضية الأكثر صموداً أمام النقد هي الأقرب للحقيقة، لذا أبقى الوردي على فرضياته الثنائية الثلاث "البداوة والحضارة" و"ازدواجية الشخصية" و "التناشز الاجتماعي".

1028 علي الورديأعتقد أنها هي الأكثر صموداً من فرضيات أُخر. ويمكن أن يكون هذا البعد النظري لفرضيات الوردي ومنتجه المفاهيمي الذي جعله يعتقد أنه صار بمقدوره معرفة شخصية الفرد العراقي، هو الذي دفعه إلى رفض الطريقة الاستبيانية والاحصائية في الكشف عن طبيعة الشخصية العراقية التي تُعاني من "إزدواجية الشخصية"، فبالتالي حينما يُعطى الاستبيان الاحصائي، فإنه سيُظهر شيء في جوابه ويُضمر أشياء وأشياء.

المهم ما يعنينا من كل ذلك أن هذه الثنائيات التي برزها الوردي في قراءته للشخصية العراقية هي التي بدأ عندها الصراع والنزاع أكثر وضوحا وتميزا لاسيما ظاهرة "البداوة والحضارة" وتفريق الوردي بين أخلاق البداوة وأخلاق التحضر، فالبداوة تمجد قيم العصبية والثأر والنهب والدخالة وقتل المرأة لغسل العار. أما عند الحضر فقد كان هناك حضورا ومقبولية لحكم القانون والانفتاح على المدنية وطرق الحياة فيها. وللغزو المستمر للبدو للعراق تغلغلت قيم البداوة، وصارت فرضيات الوردي الثلاث، لا سيما بعد المد الاستعماري على بلدان الوطن العربي والعراق من ضمنهم، صارت أكثر حضورا ووضوحا في شخصية الفرد العراقي، الذي شاهد قوة الترسانة العسكرية من بندقية ومدفع وآليات أخرى في مقابل "المكوار" أو "التوثية" أو "السيف" حتى، فهي آلات ليس لها قيمة في مقابل ما وصل إليه الغرب وإن كان الوردي لا يتنكر لما فعله رجال ثورة العشرين في آلاتهم التقليدية هذه في مواجهة المحتل الإنكيزي، ولكن ينبغي علينا ألا نتصور بأن هذه الآلات التقليدية هي وسائل ناجعة في مواجهة الأعداء اليوم (بداية القرن العشرين) بما لديهم من قوة ومن ترسانة عسكرية مهولة.

كما هو معروف أن الوردي ينطلق في رؤيته لكل قضية في ضوء مرجعيته الاجتماعية، وتوظيفه لمفاهيمه في البداوة والحضارة، والتناشز الاجتماعي، وازدواجية الشخصية، التي تدخل في حياة المجتمعات والرؤية الدينية والنظرة المجتمعية تنطلق من هذه الرؤية التي تُبيء الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية عامة موجودة في جميع الشعوب حتى أشدها بدائية، فطلما كان للإنسان مهدداً بالأخطار ومحاط بالمشاكل دائماً، فهو اذاً بحاجة الى عقائد وطقوس دينية تساعده على مواجهة تلك الأخطار والمشاكل وتبعث في نفسه الطمأنينة، ومعنى هذا أن التقديس ليس أمراً طارئاً في حياة المجتماعات، بل حاجة مُلحة تقتضيها طبيعة الانسان.

لا يخفى علينا موقف الوردي الناقد لتوظيف الدين من قبل الكثير من رجال الدين لمصالحهم الخاصة أو بسبب أوامر سلطانية، تجعل مهمة رجل الدين ليس التعريف بالبعد الأخلاقي والإنساني للدين، وإنما تتحول مهمتهم إلى "وعاظ السلاطين" كما عنون الوردي أحد كتبه. وهنا سيكون هنالك "دين ضد دين" بعبارة علي شريعتي، و "إسلام ضد إسلام" بعبارة الصادق النيهوم. ففي هذه الحال لا يكون الدين كما أراد له الأنبياء محاولة للخلاص وسبيل لنجاة البشرية وتحقيق السعادة الإنسانية، بل سيكون وسيلة بيد "وعاظ السلاطين" لتبرير أفعال المستبدين من سلاطين الأرض.

كتب الوردي أن كل حركة ناهضة تبدأ في مسعاها لترنو التجديد والتغيير، ولكنها بمجرد أن تصل إلى السلطة لا يُمكن التكهن بمقدار ثباتها في الحفاظ على مبادئها، فلربما ستكون هي بعد تمكنها من تحتاج إلى تجديد، وفي هذا الصدد يقول شريعتي:"كل مذهب أو مدرسة اجتماعية أو دينية أو طبقية أو قومية، تظهر إلى عرصة الوجود على أساس تلبية مُتطلبات زمانية أو طبقية أو قومية مُعينة وتدفع أتباعها ومُريديها نحو العمل من أجل تحقيق هذه الآمال والتطلعات وتُجسد الشعرات التي يحملها المذهب الحركي أو المدرسة التغييرية وُتواصل هذه الحركة سيرها باندفاع ورغبة جامحة في كسر القيود وتحطيم الحواجز التي تعترض طريقها وعادة ما تكتسب طابعاً نقدياً عنيفاً وتحتجَ على كل شيء وتقترح بديلاً عن كل حالة راهنة ووضع موجود.

فإذا تحقق لها ما تُريد وحصل التحول الجتماعي الذي كانت ترنو إليه ووصلت إلى أهدافها كُلاً أو بعضاً، أو أنها لم تصل إلى الهدف ولكن وصلت إلى أوج قُدرتها وبلغت نقطة "Maximum" في الخط البياني لنشؤها ونموها، وقتئذ، تنطفئ جذوة التغيير في نفوس أصحابها، فلقد وضعت الحرب أوزارها ولم يعد ما يقف في طريق الثائرين، فعلام التوتر والإنفعال؟! آنذاك تبدأ الحالة الثورية بالضمور إلى أن تتلاشى نهائياً!

وتتحول الحركة إلى نظام ذي طابع مُحافظ، فلقد إنتقل أتباع المُعارضة من خندق المُعارضة إلى خندق السُلطة، وبطبيعة الحال، ستظهر لديهم نزعة في الحفاظ على موقعهم السياسي والجتماعي ضد الأخطار التي تُحيق به، ومن الآن فصاعداً سوف ينظرون إلى أي حركة تجديدية على أنها مظهر من المؤامرة التي تستهدف قويض أركان الحُكم وسيُحكم على أتباع الحركة الجديدة بالتمرد والغوغائية وتُلصق بهم تُهمة الخيانة العُظمى تمهيداً لإنزال أقسى العقوبات بحقهم.

في كتابه "دين ضد دين" بين شريعتي رؤيته للإسلام بأنه رفض للأرستقراطية وهيمنتها، وهو قول للفظة "لا" أولى نطق بها النبي ضد عُتاة قُريش، وكان التشيع هو لفظة "لا" مرة ثانية ضد الذين هيمنوا على الحُكم بإسم الإسلام ممن مثلوا الأرستقراطية القرشية الذين إتبعوا سياسة بني أمية ومن جعلهم أقرب للهيمنة على السلطة.

نجد الوردي في جُل كتاباته ينتقد رجال "الدين الكهاني" الذي يجني رجالاته انجازات رجالات "الدين النبوي"= (الثوري).

في المرحلة الأولى يأتي بالدين "نبي" من أجل إصلاح أحوال المجتمع الفاسدة على وجه من الوجوه، وكل نبي يواجه في بدايته مقاومة شديدة من المجتمع، لأنه يٌحارب قيمهم وعاداته التي تربوا عليها وإعتقدوا بها، فليس من السهل التخلي عنها، وتظل الدعوة الجديدة في حرب متصلة مع أعدائها فترة من الزمن، في حال انتصارها سيكثر أتباعها، وكلما إزدادت انتصاراتها كلما زاد عدد الداخلين فيها وإشتد تحمسهم لها وإيمانا بها. يعتنق الدعوة الجديدة فريقان: فريق بدافع الإيمان وحقانية الدين الجديد، وفريق يعتنقها بدافع الانتهازية والمصلحة الذاتية، وهؤلاء هم كٌثر وأغلبهم من الداخلين في الدعوة بعد تحقيقها الانتصارات.

حاول الوردي أن يكون موضوعياً في تحليله للشخصية العراقية، يُجرد فكره من الأهواء والميول الأيديولوجية والطائفية، لا بقصد الانسلاخ من هويته الوطنية والاجتماعية، بل بقصد معرفة الذات علاقتها بالآخر المغاير ثقافياً وأيديولوجياً وعقائدياً المُشارك لك في الحياة الاجتماعية وامتلاكه الروح الوطنية.

لا يُحاول الوردي اقصاء الإيمان من دائرة الحياة، إنما هو يسعى لتشخيص "العقل الدوغمائي" بوصفه عقل اقصائي لا تقبله الروح الإيمانية الحقة، لذلك هو ينتقد هيمنة النزعة المادية على حياة الشعوب الغربية.

"إن النفس البشرية تهوى الإيمان بدين فإذا فقدت ديناً جائها من السماء إلتمست لها ديناً يأتيها من الأرض".الدين عند الوردي ثورة انصاف للمظلومين في بدايته، يستحوَذ عليه المترفون بعد نجاح دعاته ليُحولوه إلى أفيون "دين كهاني" مُخدِر، وهذا ما جعل الوردي يعتقد بأن "الثورة تفسدَ إذا نجحت" على قاعدة "الثورة تأكل أبنائها".

الوردي ليس مفكراً فحسب، بقدر ما هو ظاهرة تستفز العقل العراقي وتكشف زيف توهماته وبنيته الحالمة (المثالية) الناظرة للذات على أنها تُدرك حقائق الأشياء وماهيتها، فتجد الفرد منَا يُدافع ويستميت في دفاعه عن رؤى يحلم بها ولكنه في حياته الواقعية لا يعمل بها!!.

 

ا. د. علي المرهج

 

محمود محمد عليكان العلماء والفلاسفة دائماً أبداً هما المنارة التي تضئ بوهج علمها مسار الطريق العلمي والثقافي للبشرية، بما يقدمونه من أفكار نابعة، من نبع علمي وأدبي فلسفي، وبموهبة ونفحة سماوية خاصة، لا يسبغها الله إلا علي مختاريه من رسل الكلمة وقادة الفكر؛ فحينما أرادت العقول الإنسانية الكبيرة أن تعظم الفيلسوف اليوناني الكبير "أرسطو" منحوه لقب معلم البشرية الأول، ونفس الشئ حدث مع فيلسوفنا العظيم "أبا نصر الفارابي" الذي مُنح هو أيضا لقب معلم البشرية الثاني.

وهكذا نري الفكر الفلسفي عند المعلم الأول ينتقل من جيل إلي جيل حتي المعلم أحمد لطفي السيد، ثم امتداداً للمعلم طه حسين، وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا ؛ ففي كتاب" قادة الفكر" للدكتور طه حسين الذي نراه يقدم لنا تلك القادة الذين انتقلت منهم القيادة إلي طائفة أخري، هي طائفة الفلاسفة الذين خلَد التاريخ القديم أسماءهم وآراءهم، مثل سقراط، وأفلاطون، وديكارت، وجان جاك روسو، وكنط، وأوجست كونت، وهربرت سبنسر... هؤلاء الفلاسفة جاءوا بعد هوميروس ؛ حيث يقول طه حسين:" فلقد كانت قيادة الفكر في يد الشعراء في العصور الأولي من حياة الأمة اليونانية، ثم انتقلت هذه القيادة إلي الفلاسفة والمفكرين الذين استطاعوا أن يقودوا الفكر ويدبروا شئون دولته الكبري، ومع حلول القرن العشرين جاء العلم والفكر معاً ليمتزجا بالفلسفة، وظهر في مصرنا الخالدة أدباء وفلاسفة ورواد فكر، استطاعوا أن يقدموا فكرهم وفلسفتهم برؤيا متطورة لصالح البشرية، ولخدمة العقول الإنسانية وخلق جيل من المفكرين والأدباء ورسل العلم، ليعتنقوا ويمارسوا ويسيروا علي نهج هذا الفكر وهذه الفلسفة بأصالة ومعاصرة .

وقد انتقل هذا التقليد إلي معظم أشقاؤنا في الدول العربية ففي العراق وجدنا رواد يقومون بهذه المهمة من أمثال ياسين خليل وفي سوريا وجدنا جورج طرابيشي، وفي الجزائر وجدنا محمد أركون، وفي تونس وجدنا هشام جعيط، وفي المغرب وجدنا محمد عابد الجابري، وفي الأردن وجدنا شاكر النابلسي، وفي لبنان وجدنا حسين مروة، وفي الكويت شفيقة بستكي.أما في ليبيا الشقيقة فلم نجد من يقوم بهذه المهمة علي الوجه الأكمل إلا نجيب المحجوب الحصادي الشهبر بـ"نجيب الحصادي" .

يعد نجيب الحصادي واحداً من أبرز المفكرين الليبيين المعاصرين الذين أسهموا بنصيب وافر في حياتنا الثقافية . تشهد بذلك حياته الحافلة بالنشاط العلمي والثقافي والاجتماعي . فضلاً عن عمله الجامعي علي مدار ما يقرب من نصف قرن، وما شغله من مناصب خلال هذه الفترة، وما قدمه من مؤلفات، وأبحاث، ومشاركة في مؤتمرات، وتخريج لصفوة الباحثين المنتشرين في معظم دول الوطن العربي، فقد أسهم الرجل في العديد من المؤتمرات والندوات الثقافية والمحاضرات العلمية خارج قاعات الجماعة، كما تولي الإشراف علي مجلات ثقافية وفلسفية . وخصص جزءً كبيراً من وقته متعاونا لازدهار الحركة الثقافية بليبيا وتكوين جيل من شباب المثقفين لمتابعة المسيرة العلمية.

كما يعد نجيب الحصادي أيضا أعظم المفكرين الليبيين المتخصصين في فلسفة العلوم  فى النصف الثانى من القرن العشرين، الذين لم يكونوا يحملون سيفاً أو بندقية، بل فقط عقلاً وقلماً، وهو لم ينعزل بأفكاره عن العالم والمجتمع، ولم يختص نفسه وتلاميذه بالفلسفة، بل إنه كان من المؤمنين يضرروه إنزال الفلسفة من عزلتها إلى الشارع، وصعد بالشارع إلى عالم الأفكار، حيث بدا فى كثير من الأحيان خليطاً من سقراط، وأرسطو، وسبينوزا، وهيجل، وفولتير، وقام بدور طه حسين، وسلامة موسى، وزكى نجيب محمود، وحسن حنفى؛ وذلك عندما جعل الثقافة والفكر موضوعا للنقاش العام، مدركاً أهمية العقل فى التقدم. كان نجيب الحصادي يمتلك شجاعة اقتحام الموضوعات المسكوت عنها في فلسفة العلم، والدخول فى مواجهات مع أفكار أو تصرفات سياسية واجتماعية، مستخدماً سلاحاً واحداً هو العقل، دون حسابات للتوازنات أو التوقيت أو المكسب والخسارة.

ولد نجيب الحصادي في الخامس والعشرين من شهر أغسطس عام 1952 بمدينة درنة، ليبيا، وتعلم في المدارس الليبية من ابتدائي وإعدادي وثانوي، وفي المرحلة الجامعية سافر إلي الولايات المتحدة الأمريكية، ليمنح درجة من جورج تاون، واشنطن دي. سي، الولايات المتحدة عام 1977، وليمنح الماجستير أيضا وسكانسن، ماديسون، الولايات المتحدة من 1979، وأما في الدكتوراه فقد اجتازها بنجاح من وسكانسن، ماديسون، الولايات المتحدة عام 1982 وذلك في موضوع بعنوان "نقد تصور تومس كون في العقلانية العلمية".

وعقب عودته لأرض الوطن في ليبيا تولي نجيب الحصادي رئيس قسم الفلسفة، كلية الآداب، جامعة قار يونس، بنغازي، ليبيا، في الثلث الثاني من عقد التسعينيات، ثم سافر إلي الإعارة لجامعة جامعة الإمارات العربية المتحدة، وفيها تولي رئيساً قسم الفلسفة، كلية العلوم الإنسانية خلال الفترة 2001م وحتي 2002م، ثم تولي منصب العميد المشارك لوحدة التراث والثقافة بجامعة الإمارات أيضا من 2003 وحتي 2004، ثم رئيس لجنة الدراسات العليا بكلية العلوم الإنسانية، جامعة الإمارات أيضا من 2004 م وحتي 2005م.

ولنجيب الحصادي كتابات كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : أوهام الخلط، وتقريظ المنطق، وتقريظ العلم، نهج المنهج، وليس بالعقل وحده، معيار المعيار، وأسس المنطق الرمزي المعاصر، وآفاق المحتمل، جدلية الأنا-الآخر، والريبة في قدسية العلم، قضايا فلسفية، نتح الكمال...الخ. علاوة علي أبحاثه الكثيرة المنشورة في أغلب الدوريات ومنها : ماهية الفلسفة، العولمة: الخيار الجيني، وقتل المرحمة، والوعي الفلسفي ومستقبل الفلسفة في الجامعات الليبية والخليجية، والوعي الزائف والنسبانية الأخلاقية، قيمية العلم، في التعليم العام- مشروع ليبيا 2025، ودفاع عن الارتيابية، وسجايا ليبية، وظاهرة الاندياح ومسألة الهوية، وفي الجزاء الأعظم، وتوقيت تنفيذ عقوبة الإعدام بين سوانح التراخي وعذابات الانتظار، واحترازات فلسفية، تعايش الليبي مع الآخر الأجنبي والجندري والديني، وفي العيش المشترك في ليبيا وفي مجالات جغرافية أخرى..الخ.

وأما في مجال الترجمة فقد حظيت بنصيب وافر من اهتمامات نجيب الحصادي، نذكر منها علي سبيل المثال: كيف يرى الوضعيون الفلسفة لـ Ayer، ونظرية المعرفة لـ  Chisholm،  وقراءات في فلسفة العلم لـ  Brody،  ورجال الفكر لـ Magee، ومن وجهة نظر منطقية لـ Quine، وإشكاليات فلسفية في العلم الطبيعي لـ Shaper، ودليل أكسفورد الفلسفي لـ    Honderich، والتفكير الناقد في القضايا الأخلاقية لـ Will، والتفكير الناقد: طرح الأسئلة المناسبة لـ  Neil Brown & Stuart M. Keeley، والجسد والنظرية الاجتماعية لـ Shilling... الخ.

وفي تلك الكتابات كان نجيب الحصادي يؤمن أن الفلسفة تقوم بدور حاسم في تشكيل الحضارات والوعي الإنساني علي مر العصور ؛ والحال أن كثيراً من الأنشطة التي دأب البشر علي ممارستها، إنما تعول في نظر الحصادي علي الفكر الفلسفي وترتكن إلي نهجه إبان إجراء أية عمليات نظرية تستهدف تبرير أو تأصيل مبادئها، أو الخوض، فإن العلم الذي يؤقره المرتابون في جدوي الفلسفة إنما ينهض علي أسس فلسفية صرفة.

وعلي ذلك غدت الفلسفة في العقود الأخيرة في نظر الحصادي موضع استرابة من جهات متعددة، حيث يوصف الجدل الفلسفي بأنه مجرد مماحكات لفظية، وتكال للفلسفة تهم بقصد تشويه صورتها في الأذهان والتقليل من قدرتها، تهم من قبيل الغموض المفتعل، وعوز الجدوي، وتكريس رؤي مريبة تشكك في القيم والعقائد التي يتبناها المجتمع . وقد أثر كل ذلك بدرجات متفاوتة علي تدريس الفلسفة في المدارس الثانوية والجامعات في مختلف أرجاء الوطن العربي، بقدر من أثر في عدد ونوعية من يقبلون علي دراستها ويطلعون علي أدبياتها ويعنون بأمر قضاياها، الأمر الذي قلل من فرص المقبلين علي دراستها في الحصول علي وظائف تناسب تطلعاتهم.

والفلسفة نشاط معرفي لا يقل أهمية عن العلم ولا يقل عنه جدارة بالاهتمام، حيث ثمة نزوع فطري كما يقول الحصادي نحو شطر فعل التفلسف يمكن استثماره في تحقيق مقاصد لا تختلف علي وجوب السعي شطرها.. ولا تبدا الفلسفة في ممارسة نشاطها الجدلي إلا عقب قيام أنشطة بشرية من قبيل العلم والفن والاقتصاد والسياسة، بإثارة مسائل لا يتسني حسمها باستخدام المناهج التقليدية، ما يحتم البحث عن مقاربات ورؤي وأساليب تقص جديدة تشترط اتخاذ مواقف فلسفية.

ويعطينا الحصادي مثالاً علي ذلك بأن النشاط العلمي يثير قضايا لا يقوي نهجه علي حسم أمرها . إنه يسكت عن الأسباب التي تعقلن المصادرة علي غايات بعينها (التفسير والتنبؤ خصوصاً)، قدر ما يسكت عن تحديد دلالات المفاهيم الحاسمة المتضمنة في آلية تحقيق هذه الغايات، مفاهيم من قبيل النظرية العلمية والدعم الاستقرائي والقانون الطبيعي.

والعلم لا يستغني عن الفلسفة بحال . حسبنا أن نقتصر في هذا المقام كما يقول الحصادي علي الإشارة إلي الدور الذي قامت به الفلسفة في تشكيل طبيعة العلم، وتحديد مناهجه، وتسويغ مصادراه، والدفاع عن قيمه. أما الفلسفة فهي في نظره رد المتكثر للأقل كثرة، رؤية الأشياء معاً من جهة الواحد، ولئن كانت الرؤية الفلسفية كلية بطبيعتها، فإنها تظل وليدة تساؤلات أفرزتها وقائع العصر في ظروف تاريخية بعينها، فالكلي لا يستبصر بمعزل عن العيني والمتشخص: لقد كانت الفلسفة في اقترانها بالحضارات كما يقول الحصادي وليدة روح عصرها ؛ إذ كان لكل عصر أسئلته الكبري التي تركت للفيلسوف كي يجيب عنها، ومعني هذا أن الواقع بكل أبعاده المعرفية والعلمية ونتاجاته الثقافية في حضارة ما، كان يثير التساؤلات التي تستدعي مهمة التفلسف، وبذلك فإن الفلسفة تبدو كحركة الوعي أو العقل النقدي الذي ينقد ويطور نفسه باستمرار في ضوء ما يطرحه الواقع من تساؤلات . غير أننا لا ينبغي أن نفهم الفلسفة كما يقول الحصادي كحركة للوعي أو العقل النقدي كما لو كانت هذه الحركة مجرد انعكاس لهذا تكون علاقة الفلسفة بالواقع؛ وخاصة الواقع الثقافي علاقة جدلية.

الفلسفة نشاط نقدي في أساسه، ولعل هذا كما يقول الحصادي يفسر عزوف عموم الناس عنها. المشقة التي نلقي في دراستها ناجمة من جهة عن صعوبة ما تعرض له من قضايا، عن كونها تخوض في مناطق غائمة، وعن كون الناس يستأنسون إلي دعة المألوف ؛ لكنها تنجم من جهة أخري عن لغة خطابها. الحديث عن حقائق جديدة يستدعي لغة جديدة (هيوم)، واللغة ليست مجرد وسيلة لتبليغ الأفكار، فهي كما يقول الحصادي :"مسكن الوجود (هيدجر)، كما أنها مشحونة دوما بافتراضات مسبقة، والفيلسوف الذي يرصد رؤي لا عهد لأسلافه بها يحتاج إلي استحداث لغة تتخلص من ظلال معاني الألفاظ المألوفة التي تلوكها الألسن وتفقدها دلالاتها".

وعن جدوي الفلسفة أكد نجيب الحصادي  أن ثمة جهات تتبني مواقف معادية من الفلسفة وتعتبرها خطراً علي قيمنا الروحية وعلي وجه الخصوص، فإنها تري في الفلسفة سبيلاً إلي نزعات مادية تنكر الدين وتعبث بالعقائد والقيم الأخلاقية، الأمر الذي يستوجب حماية النشء من آفاتها وخطر تدريسها في مختلف مراحل التعليم.

بيد أن هذه الجهات في نظر الحصادي تغفل أن النزعات المادية لا تعدو أن تكون نتاجا من نتاجات الفكر الإنساني، وأن المذاهب الروحية المتسقة مع روح الدين وتعاليم الأخلاق نتاج آخر لا يقل أصالة . لقد طرح مفكرو الإسلام، وكثير من فلاسفة الغرب والشرق، مذاهب فلسفية أصيلة تروم الحجاج عن النقل بالعقل، وتستهدف طرح أسس عقلية خالصة للعقائد الدينية. أكثر من ذلك أنهم اهتموا خصوصاً بدحض النزعات المادية التي تكشك في تعاليم مركزية في عقائدنا الثيولوجية.

ومن منحي آخر، ثمة مسائل فلسفية أصيلة لا تتعلق أصلا بالقيم والأخلاق كما يقول الحصادي، بل تعني بمفاهيم ابستمولوجية (معرفية) أو استاطيقية (جمالية) أو أنطولوجية (وجودية) لا تخفي أهميتها ودورها في تشكيل مسار الفكر الإنساني.

فضلاً عن ذلك، فإن الفلسفة في نظر الحصادي تمثل مشروع تنويري يكرس قيم العقلانية والموضوعية والتسامح والتعددية، ونبذها إنما يعمل علي تكريس توجهات ظلامية تخفي الحقائق وتطمس معالمها، قدر ما يشجع علي ازدهار حركات التطرف التي تتسم بنزوعات دوجماطيقية تعادي الآخر وترفض الحوار معه. الراهن أن الفلسفة لا تقتصر كما يقول الحصادي علي الدعوة إلي تكريس تلك القيم الإنسانية السمحاء التي يدعو إليها الدين نفسه، بل تعمل علي تسويغها وتبيان كيف أن تطور الحضارة البشرية رهن بالالتزام بها.

ولا تتضمن الدعوة إلي تدريس الفلسفة كما يري الحصادي الترويج لمذهب فلسفي بعينه، بل تخص علي تبني النهج الفلسفي في التفكير والجدل والإقناع، ولذا فإن دعوتي كما يقول الحصادي إلي تدريس الفلسفة إنما تقترن مع دعوة إلي تدريسها علي نحو بعينه.

بل يتعين أن نتذكر أن المنطق فرع رئيس من فروع الفلسفة كما يقول الحصادي، وأن الكشف عن الأغاليط ومختلف سبل التضليل التي تمارس في مختلف السياقات مهام تناط بهذا الفرع، ناهيك عن الدور الذي قام به المنطق تاريخيا في تطوير العلوم الرياضية وتأسيسها . إن الفلسفة التي يدعو إليها الحصادي هنا إلي وجوب تدريسها ليست معنية بما ارتآه هذا المتفكر أو ذاك، بقدر ما هي معينة بالسباب التي ركن إليها المتفكر حين ارتأي. مثال ذلك أنه قد يدرس كتاب في الأخلاق قضايا لا تؤرق المجتمع الذي نعيش فيه، لكن ذلك لا يعني أن الكتاب تعوزه الأهمية، فالأمر المهم ليس حل المسألة الأخلاقية، بل طريقة حلها، وكيفية الدفاع عنه، وفحص الافتراضات التي تم الركون إليها دون جدل. فحص الافتراضات المصادر عليها ليس بأي حال مهمة سهلة، لكنه ضروري. ذلك أن محاباة المرء كما يقول الحصادي تتجذر في الأشياء التي يقبل صدقها يقينا، وهي غالباً ما ترتهن بتاريخه الشخصي. يتوجب أن ندرك الافتراضات التي نصادر علي صحتها، فهي تمارس تأثيراً علي الرؤية التي نختار الدفاع عنها،بل تؤثر حتي في درجة ثقتنا في بعض الحقائق.

هذا يعني أن جدوي الفلسفة لا يستبان كما يقول الحصادي فيما يقره الفلاسفة من تعاليم، بل يتعين خصوصاً في نهجها الناقد، في قدرتها المستمرة علي إثارة الشكوك فيما نركن إليه من مزاعم، في حدس الفجوات المستسرة في صرح مفاهيمنا المعرفية والثقافية والأخلاقية، وفي دعوتها لقيام المرء بالدفاع عما يتبناه من رؤي، والتنصل مما كان أقر من مواقف بمجرد أن تتضح له مستجدات لم يكن قد أخذها في حسبانه.

والدراية التي تدعو إليه الفلسفة باعتراضات الآخرين علي ما يقره المرء من رؤي في نظر الحصادي إنما تسهم في تفهمه رؤاه وقدرته من ثم علي استبانة ما يعتورها من خطل . العاجز عن إدراك رؤي الخصوم عاجز بالتعريف عن تأسيس رؤيته، وهذا علي وجه الضبط هو حال من ينكر جدوي الفلسفة ويصر علي حظر تدريسها.

ولا يفوت الحصادي أيضا أن يذكرنا بالدور الحاسم الذي تقوم به الفلسفة في تربية وجدان الأفراد والمجتمع وتنمية احساساتهم ومشاعرهم الاستاطيقية. ثمة حاجات جمالية للفن الحقيقي تعمل أدبيات علم الجمال فهمها وتعميق فعل الاستمتاع بتلبيتها. بكلمات أخري، الفلسفة سبيل من سبل مكافحة التلوث الوجداني الذي يتعرض له المجتمع، وهي كما يقول الحصادي أقدر من غيرها علي تبيان الخلل الكامن فيما استشري من أعمال توصف بهتانا بأنها فنية.

وأخيرا ثمة تناقض ظاهر كما يقول الحصادي في موقف الداعين إلي تبني العلم وسيلة للخلاص مما تعانيه مجتمعاتنا من تخلف حين يتبنون الدعوة إلي حظر الفلسفة. إذا كان العلم معلمة الحضارة الإنسانية الراهنة الأساسية وكانت التقنية خيارنا في تطوير مجتمعاتنا، وإذا كانت الفلسفة تقوم بدور حاسم في تشكيل طبيعة العلم والدفاع عن قيمه، فإن الداعين إلي حظر الفلسفة، حال تبنيهم ذلك الخيار كما يقول الحصادي، إنما يمارسون سلوكيات" لودايتية" تلحق الضرر بالذات .

ويطول بنا المقال غير أني لا أملك في نهاية حديثي عن الدكتور نجيب الحصادي إلا أن أقول تحية طيبة لهذا الرجل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري مني لهذ الرجلٍ العظيم الذي لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علييعد الدكتور محمود فهمي زيدان (1927-1995م) واحدا من جيل رواد الفكر الفلسفي المصري المعاصر، ولا شك أن الدارسين يعرفونه جيدا كأحد هؤلاء الرواد الذين يحرصون في كل ما يكتبون علي الإضافة والتجديد والابداع، ولذلك فكل ما يصدره من مؤلفات تلقي اهتمام القراء، كما يعد من ألمع أساتذة الفلسفة المصريين والعرب ؛ فقد كان من أكثرهم قدرة علي توصيل فكرته الفلسفية بأسلوب واضح وأقوي بيان، كما كان من أغزرهم إنتاجاً، وتميز إنتاجه الفكري رغم غزارته بالأصالة والابتكار، فقد كان له نشر الوعي بالفلسفة وبأهم قضاياها ومناهجها، وبما كتبه في تاريخ الفلسفة؛ وخاصة الفلسفة المعاصرة عامة والمنطق وفلسفة العلوم علي وجه الخصوص. ورغم كثرة ما كتبه في ميادين الفلسفة المختلفة فإنه قد كتب واحداً من أهم مؤلفاته بعنوان "مناهج البحث الفلسفي "حيث جاء هذا الكتاب تتويجاً لخبرة فلسفية طويلة، جاء ليكشف عن التطور الفكري الجديد الذي ظل يعيشه صاحبه في أواخر حياته.

ومحمود فهمي زيدان هو واحداً من كبار أساتذة الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب – جامعة الإسكندرية الذين أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس في مجالها، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم، فهو واحدا من كبار مفكرينا الذين كانوا في القرن الماضي يشرفوننا في المؤتمرات والمحافل التي تهتم بالفلسفة الحديثة والمعاصرة في مصر وفي العالم العربي وأوربا، كما كان كذلك واحداً من أساتذتنا الكبار الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الحديثة والمعاصرة من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

كان الدكتور محمود زيدان قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وقد شهد له تلاميذه في مصر بالكفاءة والقدرة غير المحدودة علي اكسابهم مهارة التفكير الفلسفي وجعل الأفكار الفلسفية حية في نفوسهم وعقولهم وكان شديد التأثير في تلاميذه لما تميز به من حب لا محدود لتلاميذه لدرجة أن كان يهدي إليهم مؤلفاته المطبوعة من شدة اعتزازه بهم .

شارك محمود فهمي زيدان في عضوية العديد من الهيئات العلمية في مصر والعالم العربي كما كان دائم الكتابة والمشاركة بالمقالات في مختلف القضايا الفكرية في المجلات المصرية وخاصة "تراث الإنسانية" و" الفكر المعاصر".

وقد حصل محمود زيدان على ليسانس الآداب قسم الفلسفة جامعة القاهرة عام 1951، والماجستير في الآداب قسم الفلسفة جامعة القاهرة عام 1956، ثم حصل علي دبلوم عام في التربية جامعة عين شمس عام 1956 ـ ثم ماجستير في الفلسفة جامعة دبلنM Litt   من إيرلندا عام 1960 . وسافر إلى المملكة المتحدة وحصل على دكتوراه في الفلسفة من جامعة لندن عام . 1964

قدم محمود زيدان عدداً من المؤلفات مثل: الاستقراء والمنهج العلمي، كانط وفلسفته النظرية، المنطق الرمزي نشأته وتطوره، مناهج البحث الفلسفي، في النفس والجسد، من نظريات العلماء إلى مواقف الفلاسفة، فلسفة اللغة. ومن ترجماته: المسائل الرئيسية في الفلسفة، لأ لفريد إير...الخ.

في واحدة من أهم كتاباته الفلسفية في مجال الإبستمولوجيا ومناهج البحث العلمي كتابا حول "مناهج البحث الفلسفي"، أراد محمود زيدان في هذا الكتاب أن يعطينا خطاباً تجديدياً في منهج البحث الفلسفي، حيث حاول أن يحرر تاريخ الفلسفة من قيود القراءات التقليدية والأيديولوجية وإعادة تفسيره وتأويله من منظور واقع الحداثة ونقله إلى فضاء معرفي جديد. وهذا الكتاب نشر لأول مرة بالهيئة المصرية العامة للكتاب – فرع الإسكندرية عام 1977 وعدد صفحاته 140 صفحة ثم بسبب الإقبال الشديد عليه نشر عدة طبعات كان آخر الطبعة التي قدم لها الدكتور محمد فتحي عبد الله في 2015.

لقد تناول " منهج البحث الفلسفي " المنهج بوصفه يمثل الخطة المتبعة للوصول إلى نتيجة معينة لدي الفيلسوف، أو هو الترتيب الذي يتقيد به الفيلسوف في نظريته للوصول إلى نتيجة . وهو الطريق المؤدي إلى بلوغ الحقيقة الفلسفية، باعتبارها تمثل مجموعة العمليات الفكرية التي يحاول من خلالها الفيلسوف إدراك الحقيقة، مع إمكانية بيانها والتأكد من صحتها. وللمنهج الفلسفي في نظر زيدان يمثل مستوى نظري هدفه الوصول إلى الحقيقة، ومستوى عملي يتحدد باعتباره مجموعة الطرق التي يمكن للفيلسوف الوصول بواسطتها إلى نتيجة فلسفية معينة.

وإذا كانت العلوم التجريبية تقوم على منهج يتكون من الملاحظة والفرضية والتجربة، وهو منهج ينسجم مع موضوع الدراسة الذي يتألف من عناصر مادية، وبما أن مواضيع الفلسفة هي في الأغلب ليست مادية، فإنه كان الضروري ظهور منهج ينسجم مع موضوع الدراسة فيها، وعندما حاول الفلاسفة وضع هذا المنهج تبين لهم أنهم أمام مناهج وليس منهجا واحدا. ومن هذه المناهج : المنهج الفرضي، والمنهج الحدسي، ومنهج الشك، والمنهج الظواهري، والمنهج التحليلي.

وكان الدكتور زيدان قد قسم كتابه إلي ثمانية فصول ؛ حيث يحتوي الفصل الأول طبيعة النظرية الفلسفية، والفصل الثاني المنهج الفرضي، الفصل الثالث المنهج التمثيلي، والفصل الرابع  منهج الشك واليقين، والمنهج الخامس منهج الظواهر، والمنهج السادس منهج التحليل وجورج مور، والفصل السابع منهج التحليل ورسل، والفصل الثامن المنهج والمذهب في الفلسفة.

وفي الفصل الثاني والخاص بالمنهج الفرضي عند أفلاطون توصل زيدان إلي أن المنهج الفرضي يمثل أقدم المناهج الفلسفية، وهذا المنهج له صور عده ذكرها زيدان منها الحوار السقراطي وبرهان الخلف، وكان أفلاطون أول من استخدمه في صوره التي ذكرناها ؛ حيث اختار زيدان محاورة بارمنيدس مثالا لتطبيق هذا المنهج .

وإذا انتقلنا للفصل الثالث والخاص بالمنهج التمثيلي عند أرسطو، فنجد محمود زيدان يؤكد لنا أن أرسطو يعد أول من استخدم المنهج التمثيلي لعرض نظرية الغائية في الكون، ثم قدم لنا زيدان موجز نظرية أرسطو في غائية الكون لأنه وصل إليها كما يقول زيدان باستخدام المنهج التمثيلي، ثم وضح لنا أن هذه النظرية تتخلص من نقد الناقدين لذلك المنهج، ثم اكتشف زيدان بأن نظرية الغائية باب يمكن الدخول من خلاله إلي مذهب أرسطو كله، كما يمكن الدخول إلي هذا المذهب من أبواب أخري.

أما إذا انتقلنا للفصل الرابع والمتعلق بمنهج الشك واليقين، فيؤكد زيدان أن ديكارت كان أول فيلسوف يعلن في صراحة ضرورة البحث عن منهج فلسفي، وقد خصص لمنهجه الجديد كتابين : قواعد توجيه الذهن والمقال عن المنهج، وقد لاحظ زيدان أن هذين الكتابين يحويان إلي جانب المنهج إشارات واضحة إلي نظريات فلسفية جديدة سوف يفصلها ديكارت في كتب الية، كنظرية الكوجيتو، ولا مادية النفس الإنسانية، وتميزها من البدن، والأفكار الفطرية، والرياضيات الكلية، مما يوحي بالقول إن تلك النظريات نشأت مع المنهج الجديد، أو حتي قبل المنهج . ولذلك يقول زيدان أن المنهج جاء ليناسب نوعا معينا من النظريات كانت قد تكونت من قبل .

أما الفصل الخامس فيدور حول منهج الظواهر وفيه يؤكد زيدان أن أول من تميز به إدموند هوسرل أحد الفلاسفة الألمان المعاصرين الذين أحسوا الحاجة إلي إقامة الفلسفة علما، له موضوعاته، ومنهجه المحدد، ووصوله إلي قضايا صاغها مفكر لتصحيح السابقين عليه أو تطويرهم، وتلك مقومات العلم. وقد بذل هوسرل جهده في سد هذه الحاجة، فأقام ما سماه " فلسفة الظواهر" أو علم الظواهر .ولعله أحس أهمية قلق ديكارت وكنط في سبيل إقامة الفلسفة علما محتاج غلي تطور. لم يكتب هوسرل كما أخبرنا زيدان كتابا خاصا في المنهج مثلما فعل ديكارت، لكن يعتبر مقال " الفلسفة كعلم محكم" أصدق تعبير عن صرخته . ثم يؤكد زيدان بأن هوسرل لم يبدأ حياته الفكرية باحثاً في المنهج الفلسفي أو إقامة مذهب فلسفي، وإنما بدأها باحثاً في فلسفة الرياضيات، ما دونه في كتابه فلسفة الحساب، حيث قدم تحليلا للتصورات والقوانين الأساسية لعلم الحساب. ويقول زيدان أنه دخل إلي الفلسفة ومشكلاتها الأخرى عبر أصول الرياضيات تحت تأثير أستاذه فرانتس برنتانو فاتجه إلي البحث في المشكلات الفلسفية ما دونه أولا في كتابة البحاث المنطقية في جزئيين ثم انطلق إلي تعميق منهجه ومذهبه في كتبه التالية الكثيرة العدد.

وأما عن الفصلين السادس والسابع معاً فيدورا حول المنهج التحليلي، والذي يفيد إرجاع الكل إلى أجزائه، أو الانتباه إلى التصور ثم تحليله إلى تصورات أخرى تؤلفه، ثم إحصاء كل المعاني التي يدل عليها اللفظ ومحاولة التقاط الخاصية المشتركة بينها، فإن هذا المنهج قد بدأ في انجلترا مع جورج مور، ثم سار في طريقه فيما بعد برتراند راسل والفريد نورث هوايتهد، وكان هؤلاء يريدون الرجوع إلى العناصر الأولية البسيطة والوحدات الجزئية التي يقوم عليها الفكر والوجود، ثم العمل على توضيح حقيقة تلك العناصر والجزئيات والعلاقات التي تربطها بعضها ببعض. وبدأ تطبيق المنهج التحليلي على الرياضيات ليكشف الوحدات الأساسية التي ترتد إليها، وليوضح أنواع العلاقات التي تربطها فيما بينها. وفي الحقيقة فإن تحليل الرياضيات إلى عناصرها عملية شرع فيه قبل ذلك بيانو الذي رد العلوم الرياضية كلها إلى علم الحساب، ثم قام بعد ذلك بتحليل علم الحساب ورده إلى ثلاثة مبادئ أولية بسيطة وأطلق عليها اللامعرفات وهي الصفر والعدد والفئة، وظن بيانو أن تلك هي أخر المبادئ التي يمكن تحليل الحساب إليها. لكن جاء راسل واستخدم منهج التحليل على العدد ووجد أنه بدوره يرتد إلى فكرة الفئة التي هي من مباحث المنطق، وهكذا وجد أن المبادئ الأولية للرياضيات ترتد إلى المنطق واستمر هذا الاتجاه التحليلي مع الوضعية المنطقية التي ظهرت عند موريس شليك في فينا، ثم حمل لوائها بعد ذلك آير  وكارناب . وبهذا يمكن القول أن  الفلسفة التحليلية هي نتاج مشترك لتزاوج مذهب جورج مور وأفكار الوضعيين الجدد .

وأما فيما يتعلق بالفصل الثامن والأخير والخاص بالمنهج والمذهب في الفلسفة، فيحاول زيدان أن يجيب عن الأسئلة التي طرحها في مقدمة الكتاب، وهي : هل هناك منهج محدد للبحث الفلسفي يلتزم به الفيلسوف حين يقيم إحدي نظرياته ؟ وطالب الفلسفة لا يعرف في وضوح هذا المنهج كما أن ليس بين الفلاسفة أجمع علي منهج واحد يلتزمون به. فهل هذا الغموض في أذهان طلاب الفلسفة عن جهل فيهم ؟ أم أن الفكر الفلسفي يقتضيه؟ وهل هذا التباين بين الفلاسفة في مناهجهم مرض يتطلب علاجاً؟ أم أنه طبيعة الفكر الفلسفي ؟ وهل يمكن للفلسفة أن تكون علماً، أي هل للفلسفة موضوعات محددو ومنهج محدد ونتائج مثمرة يتناولها فيلسوف عن سابقه يصححها أو يعدلها أو يطورها؟

ويجيبنا زيدان فيقول : "وصلنا في الفصل الأول إلي أن الفلاسفة ليسوا مختلفين علي النحو الذي تلوكه ألسنة أعدائهم، لأن بين الفلاسفة اتفاقا كبيرا علي موضوعات بحثهم، وأن مذاهب الفلاسفة المختلفة تنطق باتصال الفيلسوف عن سابقيه إفادة وتطويرا . ورأينا أن اختلاف الفلاسفة مرتبط بمعيار الحكم علي نظرياتهم، ووصلنا في الفصل الأول أن لا صدق أو كذب في النظرية الفلسفية، وإنما يجب أن نتحدث فقط عن قبول نظرية ما والاقتناع بها، وعدم قبول أخري وعدم الاقتناع بها، وحددنا مقومات الاقتناع بالبساطة والشمول، لكن يظل الاقتناع معيارا ذاتيا؛ ونريد استكمال البحث في اختلاف الفلاسفة، وفي معيار الاقتناع بنظرياتهم. وينتهي زيدان من حديثه إلي أنه " ليس للفلسفة منهج واحد، وإنما هدة مناهج ".

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لمحمود فهمي زيدان الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري مني لهذ الرجلٍ العظيم الذي لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله أستاذنا الدكتور محمود زيدان، الذي لم يختلف عليه أحد والذي بالفعل صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق، ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط