عبد الحسين شعبانهاتفني الرفيق أبو الجاسم "قاسم سلمان" لينقل لي خبر رحيل الصديق طه صفوك الجبوري "أبو ناصر"، وأعادني هذا الاتصال إلى ما يزيد على نصف قرن من الزمان. ثم لفت انتباهي محمد السعدي إلى ما كتبه عنه في موقع البيدر. وكنتُ قد تعرفتُ على طه في العام 1967، وبعد انشطار الحزب الشيوعي العراقي إلى قسمين : مجموعة عزيز الحاج " القيادة المركزية" التي تمرّدت على الخط الرسمي، ومجموعة "اللجنة المركزية" ذات التوجّه التقليدي.

وبالرغم من نقدنا لبعض توجّهات اللجنة المركزية، لكن اختيار القيادة المركزية طريق العنف واستخدام السلاح لحلّ خلافاتها مع اللجنة المركزية جعلنا نختار الأخيرة دفاعاً عن القيم الشيوعية والاعتبارات الأخلاقية التي كنّا نتوسّمها. وكان "أبو ناصر" من ذات التوجه، إذْ لم نرتضِ أن يستخدم السلاح والاتهام والتخوين ضد رفاق الأمس، وباستثناء بعض المتطرفين والصقور، وهؤلاء موجودون بالفريقين وفي كل زمان ومكان، فإن التوجه العام كان يميل إلى التلاقي والتقارب بغض النظر عن بعض اشتراطات تلك المرحلة وادعاء الأفضليات والزعم بامتلاك الحقيقة.

ومن جانبنا كنّا نعتزّ برفاق القيادة المركزية وواصلنا صداقاتنا معهم على الرغم من افتراقنا عنهم وبقينا على هذا الحال، نحاورهم ونناقشهم ونساجهلم ونتعامل معهم كرفاق وأصدقاء في موقعين مختلفين، سواء بالعلاقة الخاصة بيننا أم على مستوى العلاقات السياسية بشكل عام، لشعورنا أن غاياتنا وأهدافنا مشتركة، بل وواحدة، بالرغم من اختلاف أساليبنا ووسائلنا وكنّا نعتقد أنه لا بدّ من تسوية للأزمة القائمة، سواء قبل الانشطار أو ما بعده.

I

كان طه صفوك الجبوري الأكثر حماسة، وخصوصاً لجهة علاقته بالرفيق عبد الأمير عباس " أبو شلال" (مرشح اللجنة المركزية) وسخّر كل إمكاناته وإمكانات عائلته لخدمة ذلك التوجّه، وكان شغله الشاغل استعادة الحزب لدوره وموقعه، خصوصاً وكنّا لتوّنا قد حققنا انتصاراً كبيراً على صعيد الحركة الطلابية بفوزنا الساحق بالانتخابات (ربيع العام 1967)، وكان على الرغم من مواجهته أحياناً لفريق القيادة المركزية، إلّا أنه يحظى باحترامهم أيضاً، وكنت قد سمعت من فريق القيادة لأكثر من مرّة ما معناه : للأسف إن طه مع اليمين كما كانوا يطلقون على الذين بقوا مع اللجنة المركزية.

لم نكن في البداية نتجاوز عدد أصابع اليد من الذين استمروا في التعاون مع التنظيم الرسمي أو الذين يدورون في فلكه، وذلك في عموم كليات ومعاهد بغداد والثانويات، ولكل قصته وخلافاته وهواجسه، خصوصاً وأن نكسة العام 1963 أدركت غالبيتنا، فعلى سبيل المثال كان حسن أسد الشمري الذي اختير أميناً عاماً لاتحاد الطلبة بعد الانتخابات التي جرت لعموم طلبة جامعات العراق في بغداد والبصرة والموصل، قد ذهب مع فريق الكادر المتقدّم "مجموعة ابراهيم علاّوي" التي أصدرت بياناً اعتبرت فيه انشقاق مجموعة عزيز الحاج يمينياً ضد يميني اللجنة المركزية (اليمين ضد اليمين) والكل في مركب واحد، لكن ابراهيم علاوي وبعد مفاوضات مع مجموعة القيادة المركزية طوى تلك التحفّظات والتحق بالقيادة وأصبح عضواً في لجنتها المركزية، ثم أميناً عاماً لها بعد اعتقال عزيز الحاج.

وكان قد حصل التباس لدىعزيز الحاج حيث كان يعتقد أن الانتخابات الطلابية أجريت بعد انقسام الحزب (الذي حصل في 17 أيلول/سبتمبر 1967) وهو ما كتبه وكرّره لأكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، بل أعاده على مسامعي، وكنت قد حاولت أن أوضّح له الفارق بين التاريخ الذي يذكره وبين التاريخ الصحيح الذي يؤكد أنها أجريت في ربيع العام 1967 وليس في خريفه، أي قبل انقسام الحزب وليس بعده، وقد أرسلت له صفحات مصوّرة من كراس كنت قد كتبته في بشتاشان في العام 1983 (بمناسبة الذكرى الـ 35 لتأسيس اتحاد الطلبة) بطلب من "إدارة الحزب" جرّاء انقطاع التواصل وضعف الخبرة التي كانت بسبب سياسة تجميد المنظمات الجماهيرية في أواسط السبعينات بضغوط حكومية. وكان الكرّاس بعنوان "لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق"، نشرته مطبعة "طريق الشعب"، وقبل ذلك وفي العام 1981 كتبت مادة بطلب من مجلة "فكر" نُشرت على حلقتين، وفي الحلقتين والكراس بشكل خاص وثّقت الانتخابات الطلابية ونتائجها، خصوصاً وقد كنت في قلب الحدث كما يُقال، وإذا كان التنظيم الطلابي بجسمه الأساسي التحق بمجموعة عزيز الحاج، فهذا شيء آخر ولا يغيّر من الحقيقة في شيء.

المجموعة الصغيرة العدد القوية الإرادة والشديدة العزيمة توسّعت وانتشرت، وكما أتذكّر كان من البارزين فيها إضافة إلى حسن أسد الشمري وطه صفوك يوسف مجيد الذي كانت علاقته مع مكرم الطالباني وصلاح زنكنة الذي كان ينقل لنا الوقائع قبل أن تصلنا رسمياً، بحكم قربه من شقيقه عبد الخالق زنكنة وبقايا لجنة بغداد وبعض كوادر اللجنة العمالية التي ظلّت مع اللجنة المركزية في حين أنهما كانا المرتع الأساسي لانشقاق القيادة المركزية ولؤي أبو التمن الذي كان موقفه أخلاقياً فهو ضد العنف، لكن الكثير من أطروحات القيادة المركزية ونقدها لسياسة الحزب العامة كانت تستهويه، خصوصاً لتلك المرحلة العمرية وكنت من ذات القماشة، مع تساؤلاتي النقدية لموقف السوفييت من عدوان 5 حزيران / يونيو1967، ناهيك عن إرهاصات أولية مغايرة لمواقف متمايزة بصدد القضية الفلسطينية، إضافة إلى تخبّطات إدارة الحزب السياسية بعد نكسة العام 1963.

وكانت نقاشات قد دارت في صفوفنا حول شعار " كل شيء إلى الجبهة" أم " كل شيء من أجل الجبهة" وهي التي أعادت نقاشات وسجالات في داخلنا وخارجنا بشأن قضايا الصراع الداخلي وبعض مواقفنا العربية.

ومن الذين شاركوا بفاعلية ونشاط ملحوظ ومحوري كان سعد الطائي وحميد برتو وفائز عبد الرزاق الصكَر وسعدي السعيد ومهدي السعيد ورضا الكربلائي ومحمود شكاره وشاكر المنذري وكاظم عوفي البديري واتسعت المجموعة لتضمن صلاح الصكر وفلاح الصكر وصبحي مبارك إضافة إلى علي العاني ويحيى علوان وجمال أسد وشاكر الدجيلي ومحمد حسن السلامي وصالح ياسر وآخرين.

وكان من أبرز طلبة الثانويات الذين وقفوا مع هذا التوجه،إضافة إلى سعدي السعيد، مالك علي الذي درس في السليمانية لاحقاً وقد ضممته إلى الوفد الذي زار الملّا مصطفى البارزاني في كلالة (أيار/مايو 1970)، وحمّاد الخطيب ومحمد الأسدي وأبو العيس وشيروان جميل بالطة الذي استشهد مع مجموعة الـ 12 رفيقاً الذين على يد عيسى سوار(القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني).

ومن طلبة جامعة البصرة، محمد فؤاد هادي ونزار جعفر، ومن طلبة ثانويات إربيل (معهد المعلمين - منعم العطّار) ومن السليمانية نوروز شاويس الذي أصبح عضواً في سكرتارية اتحاد الطلبة بعد مجيئه إلى بغداد أواخر العام 1968 ولفترة قصيرة، ومن جامعة الموصل زهير جعفر(أبو جنان) ومن طلبة الثانويات في الفرات الأوسط: محمد جواد فارس مسؤولاً عن الحلة، وطالب عواد مسؤولاً عن كربلا. ومن الطالبات الجامعيات رقيّة الخطيب وعطية فاضل الخطيب وبخشان زنكنة ورابحة الناشئ، إضافة إلى هناء أدوارد بوشة وفارعة فاضل وكانتا قد تخرجتا من كلية الحقوق عشية الانشقاق. ومن هذه المجموعة كانت النواة الصلبة للتنظيم الطلابي ولتأسيس مكتب سكرتارية لاتحاد الطلبة، ولا شك أن هناك آخرين أيضاً، لكن هذا ما أسعفتني به الذاكرة المتعبة.

II

كنتُ في الصف المنتهي بالجامعة (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) حين حصل الانشطار وقد عملت كل ما في وسعي ألّا ينتقل الانشقاق إلى اتحاد الطلبة حتى وإن استمر في الحزب وحاولت أن أحاور الطرفين وأضغط عليهما ( كل بمنطق الآخر)، لكن مثل هذا الأمر لم يكن ممكناً، حتى وإن حاول كلا الفريقين أن يقول ذلك، لكنهما وكل على انفراد حاول السيطرة على اسم الاتحاد وإبعاد خصومه والزعم بتمثيله.

وقد بدأ التمايز والانقسام والحسم يأخذ طريقه إلى الجسم المهني، بل أصبح مسألة لا مفرّ منها، وإذا كان فريق القيادة المركزية هيمن على الجمهور الطلابي والكادر الطلابي الأساسي وشبكة الكوادر المتوسطة والدنيا، فإن فريق اللجنة المركزية الذي كنّا نمثّله استمر يحمل راية "الشرعية" والتمثيل الخارجي، على الرغم من أن الغالبية الساحقة من التنظيم، ناهيك عن الأصدقاء والجمهور الطلابي لم تكن معه، وتلك واحدة من مفارقات السياسة.

وللأسف شهدت تلك الفترة كما عرفت لاحقاً ممارسات وضغوط من جانب بعض البيروقراطيين الحزبيين ضد رفاق القيادة المركزية في الدول الاشتراكية، وتلك خطيئة لا بدّ من الإقرار بها، وهو الأمر الذي تكرّر في أوقات لاحقة، ولاسيّما خلال الثمانينات بسبب الخلافات الفكرية والسياسية ضد فريق من إدارة الحزب وكوادره التي اعترضت على النهج السائد آنذاك، ولاسيّما في الموقف إزاء " الحرب العراقية- الإيرانية".

ولعلّ لتلك الممارسات جذرها التاريخي، فقد حدثت انتهاكات من جانب بعض الكوادر الطلابية الشيوعية ضد زملاء لهم من القوى الأخرى (القومية والبعثية) خلال فترة العام 1959، ولاسيّما بعد حركة الشوّاف وكانت بعض تلك التصرّفات تغلّف باسم "الثورية" و"اليسارية" ضد القوى الرجعية و"المتآمرة"، لكنها في واقع الأمر مثّلت نهج احتكار العمل السياسي والنقابي والمهني، وحملت ميلاً إقصائياً وتهميشياً للآخر وعدم اعتراف بالتنوّع والتعددية والحق في الاختلاف، وهو أمر لا بدّ من الإقرار به ونقده.

وطرح مثل هذا التناقض والمقصود: أغلبية ساحقة على صعيد اتحاد الطلبة وجمهور غفير، ولكن بلا "شرعية" للتمثيل الخارجي، مقابل " أقلية" اتحادية تمثّل عموم طلبة العراق، أو على أقل تقدير تعبّر عنهم أو تنطق باسمهم في المحافل الدولية، أسئلة جديدة كانت تحتاج إلى حوارات جدّية لبلورة رأي بشأنها، حتى وإن كانت بنبرة خافتة في داخلنا، خصوصاً حين نواجه من الفريق الآخر، ولكن تلك التساؤلات مهّدت لدينا في وقت لاحق عملياً تطوير فكرة أننا لسنا لوحدنا من يمثل طلبة العراق، أي أن الاتحاد ليس الممثل الوحيد والشرعي فقط، ولكنه قد يكون المنظمة الأكثر تمثيلاً أو الأجدر تعبيراً، لتمثيل الطلبة.

وعند هذه النقطة الإشكالية والحسّاسة غادرنا بالتدرّج فكرة ادعاء التمثيل الكامل أو الشرعية الواحدية، الأمر الذي احتاج إلى كفاح فكري داخلنا وداخلهم وبيننا وبينهم، وأظنه سؤالاً واجه عموم الحركة الطلابية لاحقاً وهو ما حاولنا طرحه خلال مباحثاتنا مع الاتحاد الوطني لطلبة العراق بعد 17 تموز (يوليو) 1968، وقد أدرنا نقاشات واسعة بيننا وبينهم ومن جانبنا كان لؤي أبو التمن وكاتب السطور، ومن جانب الاتحاد الوطني كان كريم الملّا ومحمد دبدب.

وكنتُ قد ذكرت في مطالعة لي في احتفالية أقيمت في برلين (1998) بمناسبة الذكرى الـ 50 لتأسيس اتحاد الطلبة (تُليت نيابة عني لعدم تمكّني من الحضور) كيف أن ذلك بالنسبة لي كان مدخلاً مهماً زاد من قناعتي بفكرة التعددية والتنوّع وعدم ادعاء احتكار العمل المهني والنقابي والسياسي بالطبع، ناهيك عن الاعتراف بالآخر، وبالحق في الاختلاف.

وإذا كان طه صفوك عمل في قيادة طلبة الثانويات فإن تمكننا من استقطاب بعض الكوادر جعله يتفرّغ لمهمات خاصة وذلك بعد أشهر من انقلاب 17 تموز/يوليو/1968، ولكن الصداقة والحوار بيننا بقيا مستمرين، وأتذكّر أنه كان ينتقل من مقهى إلى مقهى ومن زقاق إلى زقاق ومن موعد إلى آخر، كأنه يطير بلا جنحة، وتعلو شفتيه ابتسامة بريئة وفي عينيه تساؤلات كثيرة ورغبة في المعرفة والاستقصاء. وكنت أحياناً أقوم بنقله وإيصاله بسيارتي الفولكس واغن لأداء مهمات عديدة، وبالمناسبة كنت الوحيد الذي يمتلك سيارة بين مجموعتنا، وقد جعلتها في خدمة الحركة، وباستثناء لؤي أبو التمن الذي كان يستخدم سيارة والده الطبيب صادق أبو التمن، والتي درّب الرفيق محمد الخضري السياقة فيها، فإن الغالبية من الأسماء المذكورة كانت تعيش في الأقسام الداخلية عدا طلبة الثانويات. وأتذكّر حادثة طريفة، حين استعار الخضري سيارة لؤي أبو التمن لنقل بريد حزبي، وظلّ لؤي ينتظره عند مدخل كلية التجارة ووالده ينتظر في العيادة، الأمر الذي كان محرجاً، واتضح أن عطلاً حصل فيها لم يتمكن الخضري من إصلاحه إلّا بعد نحو ساعتين قضاها لؤي بالقلق والانتظار.

III

عقدنا العديد من اللقاءات في بستان صفوك الجبوري والد طه في الراشدية، ونظمنا عدة سفرات طلابية إلى هناك، وحضرها بعض الطلبة العرب وبعض الأصدقاء الفلسطينيين معنا بدعوة مني ضمن توجه بادرنا إليه لتعزيز علاقاتنا العربية، كما انعقد المؤتمر الرابع لاتحاد الطلبة في 28 كانون الأول /ديسمبر 1968 في بستان صفوك الجبوري (والد طه)، وكنت أعرف أن بعض الرفاق تدرّبوا على استخدام السلاح فيه أيضاً.

أتذكّر أننا نظمنا احتفالاً في كلية التجارة بمناسبة معركة الكرامة (1968)، لكنه انتهى إلى حيث لا نرغب، حيث هوجمنا على نحو مباغت ولم نكن مستعدين أو متحسبين لمثل هذا الهجوم، خصوصاً وقد سقط من يلقي الكلمة باسمنا مغشياً عليه. وكم كان طه متألماً لأننا فشلنا في الدفاع عن أنفسنا، وكان الهجوم من المجاميع البعثية المتطرّفة في كليات التجارة والحقوق والآداب، حيث فضّ الاحتفال وتم تمزيق اللافتات وتفرقنا دون تحريك ساكن، وقد ظلّت مجموعة القيادة المركزية تتندّر علينا لدرجة التشفي وتستعيد بمناسبة وأخرى تلك الواقعة.

كما شاركنا في التظاهرة التي تم تنظيمها بمناسبة الذكرى الأولى لعدوان 5 حزيران/يونيو/ 1967 (أي في 5 حزيران/يونيو/1968) وذلك بالتعاون مع حزب البعث (المجموعة المؤيدة لسوريا)، لكنه بعد بضعة أشهر من انقلاب 17 تموز(يوليو) 1968، لم يشارك في الأنشطة الجماهيرية العامة مثل الاحتفال بذكرى ثورة أكتوبر في ساحة السباع (الذكرى الـ 51) أو التظاهرات المؤيدة لبيان 11 آذار (مارس) 1970 والتي تم قمعها بما فيها التظاهرة المركزية في 21 آذار (مارس) 1970، وحين سألته لماذا لم تشارك : ابتسم ولم يجب كعادته حين يواجه بسؤال مفاجئ، وقدّرت أن الأمر كان بقرار خاص حتى أن علاقاته الاجتماعية تقلّصت، هكذا تبادلنا النظرات، ثم علّق " الأمر ليس بيدي".

لم يكن طه صفوك مرتاحاً لما حصل من تصدّع وعدائية لعلاقتنا مع القيادة المركزية، خصوصاً بعد اتهام فريق اللجنة المركزية باغتيال سامي مهدي الهاشمي، وقد اضطرّ مثل الآخرين للتواري عن الأنظار دفعاً لأية احتكاكات أو ردود فعل انتقامية، وكنت قد رويت لأكثر من مرّة تداعيات هذا الحادث الأليم وموقفي منه وإدانتي له ومطالبتي لإدارة الحزب لاتخاذ الإجراءات الرادعة ضد المسبّبين فيه، والمسؤولين عنه، وليس سرّاً إن ذلك الحادث كاد أن يصدّع علاقتي "القلقة" بالحزب، خصوصاً وأن الراحل أحد أصدقائي وشقيقه الهارب من سجن الحلّة " سعدون سامي الهاشمي" (بعد كسر السجن) وقد ساهمت في نقله من سدّة الهندية إلى بغداد وإسكانه في بيت في منطقة الزويّة، وظلّت علاقتي وطيدة به قبل الجريمة وبعدها وإلى الآن. وكنت الوحيد الذي حضر مجلس الفاتحة لثلاثة أيام في جامع براثا في منطقة العطيفية.

حاولت أن أستذكر آخر لقاء جمعني بطه صفوك قبل ذهابي إلى كردستان (أيار/مايو/1970) للإشراف على تأسيس اتحاد الطلبة العام في كردستان، وذلك في منزلي في منطقة العطيفية الذي كان غالباً ما يزورني فيه هو وحسن أسد الشمري الذي كان محكوماً لـ 10 غيابياً، لكنه أكمل دراسته الجامعية، وبعد 17 تموز/يوليو 1968 تم تسوية قضيته وغادر لاستكمال دراسته إلى موسكو، ويوسف مجيد الذي التحق بوظيفة إدارية بعد بيان 11 آذار/مارس 1970، وتحدّثنا حول تردّي الأوضاع وانسداد الآفاق لعملنا الطلابي والمهني، خصوصاً وكنت على رأس وفدين للحوار مع البعثيين، وكان رأيي أنه علينا ابتداع أساليب جديدة، فمسألة الجبهة الطلابية أو التنسيق الذي كنّا نفكّر فيها قد انتهت أو أصبحت صعبة المنال. وما كان معروضاً علينا لم يعد ممكناً الآن بعد الانتخابات، ولاسيّما بعد الهجوم الذي بوشر ضدنا مباشرة بعد بيان 11 آذار (مارس) 1970.

لقد رفضنا عروضاً مهمة من جانب الاتحاد الوطني في السابق، وكنت أعتقد أن استراتيجيتنا مشوّشة ومرتبكة وربما غير واضحة، فإذا كنا نريد التحالف فهذا يعني علينا ترتيب أوضاعنا على هذا الأساس، أما إذا كنّا نريد الحوار لغرض الحوار أو نريد أن يكون موقعنا على نفس درجة قوى السلطة فهو غير ممكن وغير واقعي، فهذا سيعني أن علينا اتباع طريق آخر، أو اتباع طريق المعارضة.

ولعلّ ذلك يتطلّب دراسة إمكاناتنا واستعداداتنا، علماً بأن موازين القوى بدأت تتغيّر لصالح السلطة التي بدأت تُرسّخ أقدامها، كما أن علاقتها بالسوفييت ليست مرهونة بتزكياتنا كما يعتقد البعض، وقد كانت السلطة قد أقدمت على طائفة من الإجراءات التقدمية بمصطلح تلك الأيام بما يحرجنا وإنْ لقيت دعمنا، لكن قاعدتها أخذت بالاتساع، وإن الحركة الكردية تراعي مصالحها حتى وإن كانت على حسابنا، وعلينا أخذ العبرة من تاريخ التحالف معنا، وهذه الوقائع تفرض علينا إجراء مراجعة، وبعد نقاش بصوت عال اتفقنا طلبت منه أن يكتب رسالة إلى إدارة الحزب بشأن هذا النقاش العمومي، وكنتُ قد كتبت أكثر من مرّة، بهذا الخصوص.

IV

عدتُ من كردستان إلى بغداد، بعد أن كان مقرراً سفري إلى سوريا ومنها إلى الخارج لإكمال دراستي، لكن ثمة ضرورة استدعتني للعودة بطلب من المكتب السياسي، مع وعود بوقف الحملة وفتح حوار جديد، وخلال وجودي في كردستان نظمت وفداً لزيارة الزعيم الكردي المّلا مصطفى البارزاني وهو قرار كنّا قد اتخذناه في وقت سابق، بعد بيان 11 آذار (مارس) 1970،واستجدت مسألة أخرى هي الحملة البوليسية الشرسة التي تعرضنا لها، الأمر الذي كان يقتضي اطلاعه على ما حصل لنا. وقد رافقنا في تلك الزيارة الملازم " خضر"، الفريق "نعمان سهيل التميمي" أحد أبرز قادة الأنصار الشيوعيين منذ العام 1963 حيث استضافني في قاعدة بيرسيرين التي بقيت فيها عدّة أيام، وعاد الوفد في اليوم التالي، كل إلى موقع عمله.

وحظي اللقاء بالبارزاني وبحضور عزيز شريف باهتمام كبير، وكان صالح اليوسفي كتب لنا رسالة باسم البارزاني أعرب فيها عن تضامنه معنا، ولعلّها الرسالة الأولى بعد بيان 11 آذار/مارس 1970 التي حملت انتقادات الحركة الكردية للسلطة ولحزب البعث وأكّد أنه سيبذل قصارى جهده لإطلاق سراح المعتقلين، وختمها بالآية القرآنية " لا يكلّف الله نفساً إلّا وسعها" (سورة البقرة، الآية 286) وقد تُرجمت الرسالة إلى الانكليزية والفرنسية والإسبانية ووزعت على جهات دولية مختلفة، كما نُشرت في جريدة "كفاح الطلبة" السريّة وكذلك في جريدة " طريق الشعب" السريّة، ووجدت نسخاً منها في الخارج بعد وصولي إلى براغ.

وحين اشتدّت حملة السلطة ضدنا وتوسعت دائرة الاعتقالات لدرجة أنها شملت عضو قيادة الوفد المفاوض لؤي أبو التمن قرّرنا تلبية دعوة وصلتنا من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لزيارة عمان ودمشق واللقاء بالمقاومة الفلسطينية تعبيراً عن دعمنا، والهدف هو إبعاد عدد من الكوادر عن الملاحقة والاحتفاظ بها كاحتياطي للمستقبل وكان وفداً قد ذهب إلى عمّان ودمشق برئاسة محمد النهر وذلك قبل ثلاثة أشهر من الوفد الثاني الذي كان من المقرر ذهابه.

وحين ذهبنا للسفر وكان ذلك في ليلة 17 تموز /يوليو/1970 أبلغنا "أبو وائل" مسؤول الجبهة الشعبية في بغداد أن اثنين من العراقيين اعتقلا عند الحدود قبل يومين (كما فهمنا من بقايا القيادة المركزية)، لكنه أبدى استعداده لنقلنا إذا قرّرنا ذلك وعلى مسؤوليتنا.

وعلى الرغم من أنني كنت رئيساً للوفد، لكنني لم أرغب أن أقرر لوحدي فاجتمعنا نحن الخمسة الذين كان من المقرّر توجهنا إلى عمّان في لقاء سريع وخاطف في مكتب الجبهة الشعبية، لنتخذ قراراً، واستقرّ الرأي على عدم الإقدام على هذه الخطوة التي فيها مغامرة غير محسوبة النتائج. واتفقنا على اللقاء الأسبوع المقبل لكي نستعرض الموقف ونقرر الوجهة بعد التشاور مع مرجعيتنا.

وبعد يومين من هذا اللقاء، اعتقل سعدي السعيد ومعه أبو العيس عضوي الوفد، عند بستان والد طه صفوك في الراشدية، حيث ضاقت السبل بهما فقرّرا الاختفاء في الريف وذهبا إلى هناك، ويبدو أن المنطقة كانت مراقبة والوجوه الغريبة كانت مرصودة، إضافة إلى ثرثرات أهالي الريف وتهويلاتهم كما يقول الروائي أبو كاطع (شمران الياسري)، وهكذا وصلت "الإخبارية"، فتم مداهمة البستان الساعة الرابعة صباحاً في نفس يوم وصولهما، واعتقلا ومعهما صفوك الجبوري والد طه، وتمكن طه من الفرار معتمداً على معرفته بتضاريس المنطقة وطرقها، فأطلق لساقيه الريح، وهكذا أفلت من ملاحقيه.

وفي وقت لاحق التقيت صفوك والد طه وروى لي الكثير من الطرائف والمقالب التي حدثت معه او شاهدها في قصر النهاية، وقد ذكّرتني تلك القصص بحكايات هادي راضي (أبو حسن) عن قصر النهاية وتمثيلياته الفكاهية حين كان يتقمّص شخصيات الجلادين، ويقوم بتقليدهم في السفرات والمهرجانات التي كانت تنظمها جمعية الطلبة العراقيين في تشيكوسلوفاكيا في السبعينات، وكذلك في كردستان خلال فترة الكفاح المسلح في الثمانينات. وعلمت لاحقاً أنه طه صفوك الجبوري سيتوجه للدراسة الحزبية في موسكو، في حين أنني توجّهت بعد بضعة أسابيع إلى براغ، وكان العديد من الأصدقاء من الذين يأتون ويذهبون يحملون سلامات وتحيات متبادلة مني إليه ومنه إليّ في أوقات لاحقة بما فيها خلال عمله في لجنة المنطقة الوسطى.

عند انتهاء دراستي وعودتي إلى العراق، كنّا نلتقي باستمرار مع كل من أبو عليوي (هاشم محسن) وعرب عكاب يوسف (أبو عمّار) وسعد الطائي، إضافة إلى أخي حيدر الذي كان قد تخرج لتوّه، وكان طه صفوك دائماً ما يدعو الوالدة لزيارة البستان ويستأنس بعمل السمك المسكوف لها. وقد توثقت علاقتي بوالده وشقيقه وعائلته خلال تلك الفترة أكثر من السابق.

وفي ظهيرة أحد الأيام جاءني طه صفوك ومعه عامر مطر وزوجته أم شموس، وكانا مطلوبين في ديالى، وقد استضفتهما في منزلي ليومين،وكان عمر " شموس" بضعة أشهر، ثم جاء لنقلهما إلى مكان آخر وفيما بعد إلى بلغاريا. وقد انقطعت أخباري عنه وأخباره عني بعد التحاقي بالخدمة العسكرية الإلزامية، ولكننا عدنا والتقينا، في كردستان وعدّة مرّات في براغ أواخر الثمانينات وبعدها في الخارج حتى وإن تباعدت بيننا السبل.

وأذكر منها لقاء طريفاً، حصل في براغ العام 1989 التي انتقلت إليها لنحو عام بعد مرحلة سوريا وكردستان، وكان عن طريق الصدفة، أنني خرجت من محطة المترو قرب ساحة الفاتسلفاك للذهاب إلى موعد مع منظمة التضامن (التشيكوسلوفاكية)، وإذا بي ألمح طه صفوك ومعه آرا خاجادور، وبعد السلام والكلام دعياني إلى شرب فنجان قهوة، ودخل معي في حوار حول بعض القضايا الإشكالية وظلّ آرا (أبو طارق) يستمع إلى الحديث ولا يعلّق، وبعد أن ذهب (أبو ناصر) إلى الحمام، فاجأني آرا بطرافته المعهودة بالقول: إن أبو ناصر أصبح مسؤولي، وكنت قد علمت بمسألة تنحية آرا في اجتماع برلين آذار/مارس (1989) وفصل كل من باقر ابراهيم ونوري عبد الرزاق وعدنان عباس وحسين سلطان وناصر عبود، وهو القرار الذي علّق عليه باقر ابراهيم (أبو خولة) بقوله: اجتمع خمسة (يقصد الذين حضروا اجتماع م.س.) ففصلوا خمسة .

وأصبح طه صفوك عضواً في اللجنة المركزية في المؤتمر الرابع العام 1985 من ضمن المجموعة التي سمّيت " العشرة المبشّرين بالجنة" في فترة دبّت فيها الخلافات والتعارضات داخل الحزب الشيوعي، حيث بدأ الصراع يتّخذ شكلاً علنياً مع تطورات الحرب العراقية - الإيرانية، خصوصاً بعد انتقالها إلى الأراضي العراقية وانشقت مجموعات عديدة عن إدارة الحزب وعارضت سياسته ونهجه العام، وكنّا قد أعلنا عن تشكيل حركة المنبر الشيوعية وأصدرنا مطبوعاً بالاسم ذاته "المنبر".

لم تستمر عضوية طه صفوك " السرّية" في اللجنة المركزية سوى بضعة سنوات، وكنت أمازحه بالقول: لقد تم اختيارك بالخطأ وبالوقت الخطأ وبالطريقة الخطأ، وكان هو يضحك، فقد أدرك حالة الانحسار التي كانت تمرّ بها الحركة الشيوعية التي شهدت الانهيار العام للمنظومة الاشتراكية، ناهيك عن تردّي أوضاع الحركة الشيوعية العربية والعراقية، حيث توزعت إدارات الحزب وكوادره، بل وعموم جمهور الحزب في الخارج على بلدان المنافي واللجوء ابتداء من سكرتير الحزب عزيز محمد ومروراً بأعضاء في المكتب السياسي واللجنة المركزية وكوادر حزبية متقدمة، وهو اتجاه لعموم القوى السياسية المعارضة، وكان هو أن ذهب إلى هولندا، خصوصاً بعدما أصاب العمل المسلح من نكوص بعد استخدام السلاح الكيمياوي ضد العديد من القواعد الأنصارية، فضلاً عن اختراقات للتنظيمات المهيأة للداخل في ظروف بالغة التعقيد، وكنت أنا قد اخترت لندن قبله، وظلّت الاتصالات والعلاقات واللقاءات قائمة.

وعقب تلك الفترة أصيب طه صفوك بالإحباط، بقدر حماسته، وربما شعر بالإهمال بعدم ترشيحه في المؤتمر الخامس، وظلّ على هذا الحال حتى وفاته، تتصارعه وجهتان، بين الماضي والحاضر، وبالرغم من الاختلاف ظلّت علاقتنا مستمرة والاتصالات التلفونية قائمة، وكان آخر لقاء لي معه على أرض الوطن في شارع المتنبي، حين عرف بوجودي في بغداد، واتصل بي واتفقنا على موعد في صباح يوم جمعة، وكان الزمن قد أخذ منه الكثير وبدا طه هرماً ومتعباً ومتشائماً وحزيناً.

واستعدنا بعض الذكريات، بما فيها النقد الذاتي لكلّ منّا،عدّدت له أخطائي بكل أريحية وقلت له أنني أعتز بها، فهي جزء مني لا أنكره، وهي أخطاء صميمية لأنها مواقف لاجتهادات لم تزكِ الحياة بعضها وبعضها الآخر تجاوزه الزمن ولا ننسى إن بعض المواقف قامت على فرضيات خاطئة أو معطيات غير دقيقة، ولهذا علينا الاعتراف علناً بذلك دون خشية أو خوف، فالاعتراف بالخطأ فضيلة كما يُقال.

أما التغطية على الأخطاء والنواقص والعيوب فإنها ستعني ارتكاب خطأ جديد ومعالجة الخطأ بالخطأ، وهكذا سيكون الخطأ مضاعفاً ومركّباً، خصوصاً حين يتسم بحجب الحقيقة، بل والخداع، وتلك لعمري تربية مدمّرة وليس معمّرة. والنقد الذاتي والمراجعة كفيلان بوضع التجربة على المحك وإفادة الجيل الجديد، لإضاءة ما هو إيجابي لتعزيزه وما هو سلبي للتخلّص منه، خصوصاً بتنمية روح النقد والتساؤل والعقلانية.

قلت له : كان عزيز شريف يردّد قولاً طالما استعرته لتوصيف حالنا " الشيوعي مثل راكب الدراجة عليه أن يسير دون توقف، وإذا توقف سقط على الأرض" هكذا كان علينا أن نمضي دون مراجعة جادة أو سؤال محدد إلى أين؟ ثم أين " أناي" من هذا الجمع الحاشد وكيف أميّز صوتي؟ ولماذا عليّ التماهي فيه لدرجة الذوبان، وإلّا سأكون مارقاً ومرتداً وبرجوزاياً صغيراً أو كبيراً، لا فرق؟

الذين لا يخطئون ليسوا بشراً، فكل من يعمل يخطأ، وكان الروائي الفرنسي فيكتور هوغو يقول " إنه لثناء باطل أن يُقال عن رجل أن اعتقاده السياسي لم يتغيّر منذ 40 عاماً، فهذا يعني أن حياته كانت خالية من التجارب اليومية والتفكير والتعمق الفكري في الأحداث، إنه كمثل الثناء على الماء الراكد لوجوده وعلى الشجرة لموتها".

قلت له المهم ضبط الإيقاع وتدقيق التوجه وتحديد البوصلة لكي تكون دقيقة وغير مضببة، ولا بدّ من الحفاظ على الحساسية الإنسانية التي لا بدّ أن تبقى عالية جداً، ولا يهم إنْ أخطأت أو أعدت النظر بمواقفك وتراجعت عمّا تعتقد إنه لم يعد صالحاً، ففي الحياة الكثير من المنعرجات والتضاريس وهي لا تسير بخط مستقيم دائماً، وبعد قهقهات ونكات وذكريات، كان معي واضحاً وصادقاً، خصوصاً لجهة الاعتراف بالأخطاء، وقال إنها أخطاء مشتركة، لقد اندفعنا وعملنا وحصد غيرنا، لكنني غير نادم على كل ما حصل وترحمنا على الشهداء الذين قضوا بعضهم بسبب الأخطاء أو ضعف اليقظة، فحياة البشر هي الأغلى دائماً.

وإذا كان الكثير قد تغيّر في طه، إلّا أن حميميته ظلّت قائمة ومودتّه مستمرة، وتلك أنبل ما في الإنسان، بغض النظر عن المواقف السياسية التي تخطأ وتصيب، وهكذا هي الحياة دائماً.

 

عبد الحسين شعبان

 

قوارف رشيدإن الثورة الجزائرية من أمجد وأعظم الثورات عبر التاريخ المعاصر، حيث قادها رجال أكفاء، مخلصين للوطن، تكونوا عبر الحركات الوطنية، منذ تأسيسها الى غاية اندلاعها يوم الفاتح نوفمبر 1954 المبارك، والى بلغت أهدافها نتيجة التضحيات وتكافل جهود الرجال العظماء، الذين سجلوا تاريخهم بدمائهم، كما قدموا دمائهم الطاهرة للوطن، والدفاع عن العرض والشرف والكرامة، وحب الولاء للوطن أمثال العربي بن مهيدي، بن بولعيد قرين بلقاسم، علي سواحي وقوارف لخضر وغيرهم كثر، وهذا الاخير (قوارف لخضر) كان من ابناء الثورة المخلصين لله والوطن، ضحى بالكثير بآمال وبدراسته الجامعية ليلتحق بصفوف الجهاد...من هو الشهيد قوارف لخضر؟

ولد الشهيد قوارف لخضر بلبريكات بعين التوتة عام 1929 من عائلة حسنة الحال، ابن أحمد وبوشطيط علجية، عائلة تتكون من البنين والبنات (4 ذكور .2إناث) نشأ وترعرع في بيئة وأسرة تتميز بالثورية والنضال ضد الفرنسيين الغزاة، درس بمسقط رأسه القرآن الكريم وحفظ ما تيسر له منه على يد الشيخ محمد الحيدوسي أولا ثم توجه الى المدرسة الابتدائية école de la commune  الشهيدة قطاف فطيمة حاليا بعين التوتة ثم زاول تعليمه المتوسط ب école supérieur des garçons, بباتنة (العمراني حاليا) فنبغ في الدراسة، وابدى ميلا كبيرا للتعلم، ليواصل تعليمه الثانوي ب lycée Aumale بقسنطينة (رضا حوحو حاليا) تحصل على شهادة البكالوريا الجزء الاول سنة 1947، والجزء الثاني سنة 1948، سجل في الجامعة بالجزائر العاصمة ليسانس الدراسات العليا درس لمدة شهر واحد لكنه ترك الجامعة والعلم ولبى النداء لقوة حبه وتعلقه بالوطن حتى النخاع .

عين مراقب في ثانوية بالبليدة لمدة معينة، ثم درس في خنشلة لمدة سنتين سنة 1957، ثم عاد الى مدينة عين التوتة ليعلم أبنائها بالمدرسة الوحيدة آنذاك كان رئيس لجنة الاشراف على تلاميذ المدرسة في عين التوتة رفقة لخضر قشي، وشادة ابراهيم تزوج من السيدة نزار قباني فطيمة،، ولم يدم هذا القران طويلا لينفصلا تزوج مرة ثانية من السيدة شيرو كوكا التي مازالت على قيد الحياة، كما كانت عضو في المنظمة الوطنية ناشطا بها ورئيس لجنة الاتصال بمدينة عين التوتة، حيث كان دائم الاتصال مع المجاهدين، يحرر ويكتب المناشير بلغة راقية ومؤثرة، وكان يكلف الطيب بن بعطوش لتوزيعها، غير أن عيون فرنسا أفشت به ليعتقل رفقة 34 فرد من المنظمة منهم :حسين شاوش، عمر حمادي، سعيد حمادي بلحسن وبراهيم بوعكار...الخ بعدها افرج عنه من السجن المتواجد بمدينة القنطرة، بعد تدخل وتوسط مدير المدرسة جورج مييرgeorge muyere للعلم أن هذا الاخير كان يدفع الاشتراك للمجاهدين بعدها أستمر قوارف لخضر في دعم الثورة، وفي سنة 1958 ألتحق بصفوف جيش التحرير، حيث عين ككاتب عام على منطقة 1 الولاية الاولى، كما كان له دور هام في الاعلام والاتصال وكتابة المناشير بدقة عالية، ثم عين قوارف لخضر كاتب عام للولاية الاولى مكان رشيد زيداني، الذي نقل الى تونس للعلاج، وعين المسمى عميرة لمساعدة قوارف لخضر في مهمته الشاقة تحت اشراف مصطفى بن النوي، ثم علي سواحي .بعد الاجتماع الذي حضره الرائد طاهر زبيري ومحمد صالح يحياوي، عثمان جيلالي وآخرين لدراسة الاوضاع في ظل الحملة الشرسة، حملة الحلف الأطلسي، في ظل ذلك جند العدو قوة كبيرة للقضاء على القادة والرفاق في غابة آيث ملول، حيث عرفت هذه المعركة بمعركة آمان أحمد اونصر، وقعت 07/04/1961 بدأت بتحليق الطائرات، ثم افراغ حمولتها من القنابل على مركز القيادة ومستشفى الولاية، حيث رد رجال الجيش في معركة غير متكافية وقامت مروحيات العدو بإنزال المظليين داخل الغابة، وخلفهم الجنود المشاة تحت تغطية من سلاح المدفعية، وأغلق العدو كل المنافذ، لم يبق لهم غير المواجهة والتصادم، استمر الثوار في القتال حتى حلول الظلام، وانسحب الناجون، وكانت حصيلة المعركة ثقيلة ومؤلمة، فقد سقط قرابة 100 شهيد، منهم ميلود قوجيل، عبد العزيز عشي، وقائد الولاية علي سواحي والامين العام للولاية قوارف لخضر، كما أسفرت المعركة عن جرح ما يقارب 30 جريحا من المجاهدين، منهم محمد الصالح دراجي، موسى خوامري، السعيد عبابسة والعقيد الطاهر زبيري، أما الخسائر العدو فقد بلغت حوالي 400 قتيل، وهناك من يقول أن العدو يفوق 400 قتيل نظرا لكثرة المروحيات التي ظلت تنقل القتلى والجرحى لأيام بعد المعركة، بعد أيام من انتهاء المعركة، حلقت طائرة في سماء باتنة ترمي منشورات تؤكد مقتل (استشهاد) كل من علي سواحي، وقوارف لخضر وهذا دليل على قوة الشهيدين ورسالة لأهل المنطقة بأن الثورة انتهت بمقتلهم .الشهيد قوارف لخضر سقط في ميدان الشرف في 08/09 فيفري 1961 في غابة بني ملول القريبة من خنشلة في عملية مسماة دوردون dordon، كان يحمل رتبة نقيب في الجيش الوطني الشعبي، ضابط في قيادة الاركان للولاية الأولى والكاتب العام لها، تحت ّإشراف الشهيد علي سواحي .بعد الاستقلال تم اختيار ثلاث مدارس ابتدائية باسم الشهيد في كل من خنشلة، باتنة، ودائرة عين التوتة، كما نطلب ونرجوا من السلطات الجزائرية اختيار مؤسسة كبيرة تليق باسم الشهيد قوارف لخضر تمجيدا له .إن الشهيد قوارف لخضر جدير بالبحث، لان كانت له ايديلوجية فكرية عميقة كما كان يحمل أسرار عميقة تخص الناحية الأولى وهذا دور الباحثين والمؤرخين .

 

قوارف رشيد - كاتب صحفي

 

محمد العباسيأنا وأهلي من عشاق تايلند.. لا بد أننا زرناها أكثر من أي مكان آخر على وجه الخليقة.. ولي من المعارف العديدين ممن يمتلكون هناك شققاً ومساكن.. ويفضلونها على سواها من البلدان.. ربما لأن تكاليف السفر إلى تايلند مناسبة.. وتتميز بجمال الشواطئ والغابات والجبال والحدائق والجزر الخلابة.. ربما لأن أغلب أطعمتهم لذيذة ومشوقة.. وأكلاتهم البحرية مغرية الأثمان بالمقارنة بأسعارها الباهضة في مطاعمنا.. فتايلند دولة جميلة والحياة فيها رخيصة.. يعشقها الصغار قبل الكبار ومحبي الرياضات المائية والسهر والتسوق!

لكن تايلند هذه تتميز في ذات الوقت بقسوة رهيبة في بعض مناحي الحياة!! فالشعب التايلندي رغم إبتساماتهم للسواح يكنون لهم بغضاً وكراهية شديدة لما يشهدون من تصرفات مشينة وبذخ وغوغائية.. ينتظرون من أحدهم زلة صغيرة فتنقلب الإبتسامة إلى أنياب سامة.. فكم شهدت معارك إجتمع فيها العشرات من التايلندين والتايلنديات ضد شخص واحد من سكارى الليل.. و"هات يا ضرب".. والغريب أنهم إذا تكالبوا على الضحية لا يرحمون.. ولن تجد بينهم من يرفق أو يحاول منع المهاجمين.. بل يتعاضدون ضد الضحية دونما أن يكون لهم علاقة بالمشكلة من أساسها.. صاحب التاكسي بالطريق ينزل من سيارته ويضرب.. أصحاب الدكاكين يضربون.. بنات الهوى في الطريق تضربن.. بل وحتى رجال الأمن في الفنادق المحيطة بالواقعة يشاركون في المعركة ولا يتركون الضحية إلا مضرجاً بدمائه مفلوق الرأس !!

ولرجال الشرطة في تايلند سطوة غريبة.. ويتصيدون المخالفات للسواح وبالذات للعرب الخليجين.. فالخليجي صاحب مال ولن يتواني عن الدفع ليتخلص من أي موقف.. فمثلاً كل من يستأجر الدرجات النارية منهم يكونون عرضة للملاحقة لأتفه الأسباب من رجال الشرطة.. وكلهم يدفعون بكرم منعاً للمشاكل.. والمشكلة العظمى تكمن في التفاهم اللغوي معهم ولا حلول ودية معهم.. بالذات لأن الكثير من الخليجيين الشباب لا يجيدون حسن التفاهم ولا يمتلكون القدرات اللغوية.. فبعض الحمقى الخليجيين يعاملون أهل تايلند كما يسيئون معاملة الخدم عندهم في منازلهم.. ويعرضون أنفسهم لمواقف "بايخة".

ورغم جمال الطبيعة في تايلند، وبسبب الأشجار والغابات تكثر عندهم الحشرات السامة والأفاعي والعقارب.. فكم من شخص تعرض للدغة من عنكوبتة صغيرة وكاد أن يفقد قدمه أو ذراعه.. وكم من سائح تعرض للكسور والإصابات بسبب بعض الأنشطة الخطيرة مثل البارشوتات المسحوبة بالقوارب أو التعلق بين الأشجار الشاهقة.. وكذلك بسبب بعض الرياضات المائية الخطرة أو حتى بسبب التعرض للحوادث المرورية والوقوع من على الدراجات النارية المستأجرة حيث الزحام وإختلاف خط سير المرور يخلق مشكلة لغير المتمرسين !!

تايلند جميلة .. لكنها لا تناسب الرعناء.. بسيطة في كل شي طالما أحسنا التصرف وإحترمنا أهل البلد وعاداتهم ودياناتهم وبساطتهم.. رائعة لكل من يعطيها حق قدرها فيستمتع بكل ما فيها دون غلو ودونما إستصغار لأهلها البسطاء ممن جعلهم الفقر والحاجة يبدون كلقمة سهلة لذوي النفوس المريضة .

تايلند .. هذه الجنة على الأرض.. هي جنة للذين يسافرون إليها في شهر العسل مثلاً.. ففيها من المتع والرحلات والمناظر الخلابة التي تسر الناظرين.. أغلب فنادقها رائعة، يكل فئاتها.. جزرها المنتشرة حولها خيالية.. بها حدائق منسقة وأزهار وورود من كل صنف.. أنشطتها السياحية مليئة بالمفاجآت.. رحلاتها البحرية وألعابها المائية ليست كسواها في دول الجوار.. يشعر السائح بأمان وراحة طالما يحسن التصرف ويبتعد عن الأنشطة المشبوهة وعالم الليل !!

عالم الليل في تايلند متعدد الجوانب.. فهنالك حفلات ومسارح للعروض الفنية والغنائية المسلية.. لربما من أجمل ما حضرت مع أهلي كانت تلك الأمسية الطويلة في جزيرة "بوكيت" في مدينة ألعاب يتوسطها مسرح عظيم الحجم يقام فيه عروض خيالية حالمة ورقصات وعروض مع الحيوانات، تدعى "فانتسي شو" !! وفي أغلب المدن الرئيسية أيضا هنالك عروض وغناء ورقص مع بعض الكوميديا التي يقدمها الـ "ليدي بويز"، وهؤلاء هم رجال في أزياء النساء الفاتنات.. عروض ممتعة ليس فيها ما يخدش الحياء ومناسبة للعائلة وحتى الصغار .. ولكن !!

الـ "ليدي بويز" هم رجال متحولون جنسياً.. هم كالنساء، بل كثير منهم قد تحولوا بالفعل إلى نساء !!  وهم بصراحة من معالم هذه الدولة.. فهم في كل مكان بالذات في حياة الليل الصاخبة.. تجدهم في كل الشوارع يصطادون الرجال ويعرضون عليهم ممارسة الرذيلة والمساجات.. وهذا الجانب من حياة الليل في تايلند يجذب الملايين من السواح من كل أصقاع الأرض ممن يبحثون عن هذا النوع من المتع.. وحياة الليل تعج بالمومسات في كل طريق وملهى ومرقص ومقهى.. فكل الخمارات تعرض مع المشروبات بنات الليل (في الليل والنهار!).. ومع السكارى تنمو المشاكل وتشهد "الخناقات" ومواقف مشينة.. أغلب أبطالها ممن يتعاطون المسكرات والمخدرات .

يكثر في حياة الليل الحانات الخاصة بالشواذ.. فتجدون العشرات بالذات من الرجال الأوروبيين في جلسات حميمية بلا حياء مع الأولاد والشباب ممن يمارسون الرذيلة.. مناظر يشمئز منها الأسوياء.. لكنها مناظر مقبولة وعادية في هذا البلد حيث لا ينظرون للشواذ والمتحولون جنسياً بازدراء.. وقد  تجدون بعض الكبار في السن يجرون ورائهم مومسات صغيرات السن في عمر حفيداتهن.. مناظر تشعركم بالغثيان.. لكنه نتيجة للفقر والحاجة وقلة ذات اليد.. فمن قسوة الفقر أن يبيع بعض الأسر المدقعة بناتهم الصغيرات على مافيات "القواديين" لأجل غير مسمى (؟!).

ففي هذه الجنة الجميلة قاع مظلم.. وقسوة وظلم ونقائض.. لكنها دولة تستحق الزيارة طالما إستمتعنا بجمالها وإبتعدنا بملئ إرادتنا عن عالمها السفلي المقيت !!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

637 عارف علوانفي الصباح تتلون جدران الغرف التي يشغلها العاملون، بأشعة الشمس التي تغزل ضفائرها فوق موجات دجلة الذاهب نحو الجنوب، ونحن يلزمنا وقت لنغني للنهر والصحو والظلال الهائمة بين أشجار الكالبتوس والساحل الرملي، في المساء تبدو أرصفة الشارع ملأى بمئات الشموع، والسماء كالبلور، يرفّ فيها القمر وهو يخطّ على هالته شكل البلاد .

منذ أوائل سبعينيات القرن المنصرم شغلت (مجلتي) و(المزمار) الطابقين السابع والثامن في عمارة (الروّاف) الجميلة والمطلّة على شارع أبي نواس، إنضم الكاتب والفنان عارف علوان إلى فريق العمل كمصمم، ويومها كان المطبوعان - على قِصر التجربة – مثالين بالمعايشة الصافية، بين العاملين ورئيس التحريرالشاب إبراهيم السعيد، كانت التجربة مشروعاً يحمل أسباب نجاحه منذ لحظة ولادته في صحافة الطفولة العراقية، تلك المتمثلة بالثراء الكامن في الروح العراقية، وفي طاقات الكوكبة المبدعة من الرسامين والكتّاب، تجمعهم حرارة الإخلاص والقدر الأوفى للعمل .

حين نتجاور في المكان، يفاجئني وجه عارف دقيق الملامح، وشعره الكثيف المتناثر بعفوية على جبهته العريضة، إذ لم يسعفه النعاس الذي مازال عالقاً في عينيه بعد من تصفيفه، صوت هاديء النبرات رقيق، في تقاسيم وجهه وجع مرّ من فرط الحزن المكتوم بخجل، أتحايل فأقترب منه، لأدخل مدائنه بسلام آمناً، أراوغ من أجل أن أجلد الصمت والسكون المخيّم على الصالة منذ الصباح، ماذا يخبيء هذا الشاب الرشيق من أسرار وهمهمات ؟ أتساءل مع نفسي، غير أن أبواب قلب عارف تنفتح تلقائياً، حيثما تتصاعد أبخرة الشاي، فلا شيء كالصمت قادرعلى خلق شعور بالفراغ، سوى الشعور المعاكس من الود، لأنه يضفي على المكان لوناً من ألوان الصوت المجسّد، ويمدّنا بقدرات الذاكرة الثقافية التي ترفض أن يبقى باب المكان الأثير مغلقاً، فبدأنا نشعر بمتعة الوجود معاً، تقاربنا وتحاببنا، ولشد ما يغريني أن يخرج عارف من عزلته، وتتحرك معنا موسيقى بمعادل هذا الداخل الذي يسمونه (القلب ).

في ضحى يوم بارد، كنا قد خطونا خطواتنا الأولى نحوشارع السعدون، ننعم بدفء الشمس، كانت الصباحات مفعمة بوجد البنات، والنوافذ مشرعة للطيور، غير أن الشوارع يجتاحها (عسس) يقيم الحفلات ليحبس الكلام، ويعيد عصر الظلام، ويترصّد الجمال، ويخطف المعاني والأحلام .

لم يمضِ وقت طويل لإصطيادنا في فخ أقامه (والي بغداد)، يستبيح فيه الورد وسيقان الصبايا الجميلات، إقتادونا إلى قفص حديدي مخصص لنقل نزلاء السجون، كأننا سبايا غزوات، وحشرونا على جدرانه مابين حمّى الحقد وروح الإذلال، ها هي بغداد بنادق وكمائن، تمضي بنا المركبة نحو شرطة السراي على بعد خطوات من شارع المتنبي .

في عينيي عارف ذهول، وفي صدره صرخة محبوسة، هاهي بغداد تعيدنا لإرث الصحراء، كانت الأيدي تلّوح بـ(المقصّات) لجزّ شعر رؤوس (الخنافس) الذين تطاولوا على أمن الدولة، وتمادوا في إطلاق شعرهم، كان المشهد اشبه بحفل (عرس) أقامه الغجر البائسون . دعوا رؤوسكم مطأطأة أيها (المتخنثون )، هكذا تتعالى أصواتهم مثل سياط التعذيب، كان الصديق الكاتب جعفر ياسين قد سبقنا الى هذا (الحفل)، ويومها تناقلت الصحافة إحتجاجه الشجاع والمرّ: لو كنت أعرف ان شعر رأسي يقدّم حلاً لقضية فلسطين، لقطعت رأسي من أجلها .

في تلك الدقائق لم أغادر عينيي عارف اللتين خفتَ الضوء فيهما، وشحب وجهه، وكأن الموت أسرعَ إليه مبتهجاً، فتجشأ أيامه وهو يبصق على الأرض (تفو يازمن ..تفو يا بلد)!، موحش هذا الوطن ياصديقي، خاطبني بنبؤة العارف :ستولد فيه الأوبئة، وتتسع فيه المقابر، سيمر زمنه مابين حرب وحرب، وموت بطيء، وسيظل حزنه طالعاً من جذور نخيله، يتوزع بين القبائل والطوائف، ستكون أيامكم صاخبات، تذكّر ذلك يا جمال، لأنني سأغادره، وأدع الوطن بإنتصاراته الكاذبة غارقاً في وهم أمجاده الغاربة ..وداعاً .

منذ تلك اللحظة رحل عارف، وهجر الأماسي، والأهل والأصدقاء والذكريات، كانت بيروت محطّته الأولى، ومنه إلى المغرب، ثم إيطاليا، وإستقر في إنكلتره عام 1990، كتب مسرحيات عدّة (هلاك بابل، لعبة المخدوعين، التتر قادمون، بحيرة كانجا)، وفي سنوات عمره الأخيرة كرّس جهده للرواية فكتب (محطة النهايات، غرفة البرتقال، الأضواء)، وصدرت له بالإنكليزية روايتان (مخبرالشيخ، وشارع المصيدة الدبقة)، فضلاً عن كتابة القصة القصيرة، وعشرات المقالات في الصحافة صدرت في بيروت بعنوان (نصوص) عام 1998.

يشار إلى عارف علوان إلى أنه أحد الأسماء المهمة في ساحة الإبداع العراقي في المنفى، إمتاز بعمق الرؤية، وجمال اللغة والتعبير، جريئاً في الرأي وحراً في التفكيرونزعته الإنسانية، إلا أنه لم يحظ بما هو جدير به من إهتمام نقدي، وعاش حياة صعبة إنتهت بموته بالمرض اللعين في آذارمن عام 2017.

إن بضعة كلمات أكتبها لم تعد قادرة على الوفاء لتاريخك ومنجزك ياصديقي، فلو كنتَ قادراً على جرح إحساسنا بلسان صمتك الأبدي، لأسمعتنا مرّ العتاب على أوقاتٍ قضيناها معاً، كنت قلباً مفعماً بالحب يتسع لكل الناس، رحلت بصمت بعد أن تقطّع قلبك حسرات .

 

جمال العتّابي

 

محمد السعديفلاديمير ماياكوفسكي شاعر وكاتب روسي من أب تتري وأم أوكرانية، أبوه كان يعمل حارساً على الغابات والمزارع أما أمه أبنة العسكري تهوي الادب والرسم والشعر والمسرح .. ولد عام ١٨٩٣ في بلدة بغدادى في جورجيا، وهي البلدة التي سميت فيما بعد بأسمه . في عام ١٩٠٦ أنتقل مع أمه وأختيه الى موسكو بعد وفاة والده . طرد من على مقاعد الدراسة لصعوبة ضيق العيش وعدم تدبر مصاريف تعلمه بعد أن أصبح بلا معين وهو شاباً يافعاً.

ألتحق فيما بعد بكلية الفنون في موسكو، وهناك تعرف على الفكر الماركسي، ومنذ بدايته شارك في نشاطات حزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي (الجناح البلشفي)، وبالرغم من صغر سنه، كان مناضلاً نشيطاً دفعته ظروف حياته الصعبة والمأساوية الى الايمان بالافكار التقدمية كمنفذ للخلاص من الاوضاع المتردية ومن سطوة حكومة القياصرة . كان يشار له بالبنان ومن شعراء الثورة وأبنها البار والمدافع عن بريقها الثوري، لم يفوت فرصة في جولاته الى العواصم الاوربية مستغلاً أماسيه ومحاضراته وجلساته الخاصة لا يبخل في الدفاع عن الثورة والحزب والادب الروسي . أرتبط بأكثر من علاقة حب عاطفية (عشك) بنساء مشهورات في باريس (تتيانا ياكوفلوفا) من أصل روسي، وله قصص أيضاً بنساء في برلين، لكنهن حالن دون مشروع زواج مما زاد من نقمته على الأنظمة البرجوازية والرأسمالية ونمط العلاقات السائدة فيها.

في مطلع شبابه، كانت الاحداث اليومية السائده في العالم وتحديداً في روسيا القيصرية نهضة فكرية وتململ ثوري تجاه أنظمة قمعية متسلطة على رقاب الناس وفي قمع حريتهم، من هنا جاء تحسسه مبكراً بالاشياء والتطورات مما زج بنفسه في صلب تلك الاحداث داعياً الى التغير نحو الافضل، فهذا لا يتقاطع مع نهج حزبه البلشفي فتعرض الى المطاردة والسجن . عبر عن تلك التوجهات والتطلعات من خلال منافذ الشعر ودعا الى تجديده على أسس الشعر الروسي العريق . ومن قصائده قبل ثورة أكتوبر ١٩١٧ (غيمه في سروال) .. وتعد من أهم قصائده فخرج بها عن المألوف فحطم بها الوزن والقافية مستفزاً مشاعر الناس ومحرضاً لها ضد القوانيين والاسس التي تكبل الحريات والابداع . في وحي تلك القصيدة تنبأ بوقوع الثورة عام ١٩١٦ لكنها تأخرت الى ١٩١٧ لتكن أول ثورة أشتراكية حلم الكادحين من عمال وفلاحين ومثقفين ثوريين، ولتكن منعطفاً حاسماً في العالم كله وأمل شعوبها في الانعتاق نحو غداً أفضل . ولتبدأ مرحلة جديدة في البلاد وفي حياة ماياكوفسكي الابداعية والاجتماعية وليعلن على الملأ … أنها ثورتي . ثورة العمال والفلاحين والمسحوقين بقيادة العظيم لينين . ومن نشاطاته المبكرة شارك في تهريب ثلاثة عشر سجينة سياسية من سجن (نوفنسكايا) وحكم عليه قرابة عام كامل .

أنتمائه الصادق والثوري وضعه في أصطدام دائم داخل الحزب مع المتسللين والنفعيين الذين تبوأوا مراكز مهمة وقيادية في الحزب والدولة بعيداً عن تطلعات وأحاسيس الجماهير . وهو صغيراً شعر بالفروقات الطبقية في حياته والاغتراب من خلال حياة أقرانه من أبناء الموظفين الروس وأصحاب السلطة والجاه والمميزات التي تمنح لهم على حساب التفوق والابداع، تلك الاوضاع الملتبسة والبعيدة عن الانصاف والعدالة وظروف بيئته عجلت من أنتمائه الثوري للحلقات الماركسية من خلال الاطلاع على بياناتهم السرية والعلنية، وكان الدور لاخته (لودميلا) الطالبة في جامعة موسكو تأتي بكل أجازة مع حزمة من البيانات والمنشورات لاخيها ماياكوفسكي . أختير للعمل لنشاطه المبكر  في مطبعة الحزب الاشتراكي الديمقراطي (البلاشفة)، ففي واحدة من الحملات البوليسية في مداهمة مقرات الحزب البلشفي وأوكاره . أعتقل مع مجموعة من رفاقه وهو الأصغر بينهم عمراً وأنتماء حزبي فأودعوه في السجن وهو صغيراً مما أشفع له لاحقاً بعدم سجنه لمدة طويلة . وكانت لوالدته أيضاً دور ليس قليل في الاسراع من تجنبه من فترة السجن الطويل . في السجن تعرف على  (بايرون / شكسبير) وقرأ أشعارهم وأستقرأ أراءهم الادبية والسياسية . وقرأ للادب الروسي بوشكين / ليرمنتوف / دستوفيسكي .

في ١٤ نيسان عام ١٩٣٠ .. بعد أن حوصر من كل الجهات كمبدع وفنان .. ومنع من السفر خارج الاراضي السوفيتية .. أطلق النار على قلبه من مسدس كان بحوزته .. وعثروا بعد موته على أقصوصة ورق كتب عليها (لا تتهموا أحدا في موتي، وأرجوا أن لاتنموا، فالراحل لم يكن يطيق ذلك) .

 

محمد السعدي - مالمو

 

حامد الحمدانيالبعثيون القيادة الكردية: كان استمرار الحرب في كردستان يشكل أحد المخاطر الجسيمة على السلطة حزب البعث في أيامها الأولى، ولذلك فقد سعت هذه السلطة للتفاوض مع القيادة الكردية للوصول إلى وقف القتال، وقد أثمرت اللقاءات التي جرت بين قيادة حزب البعث وزعيم الحركة الكردية السيد مصطفى البارزاني إلى ما سمي باتفاقية [11 آذار للحكم الذاتي] .

 تنفس البعثيون الصعداء في تلك الأيام، ووجدوا تعويضاً لهم عن العلاقة مع الحزب الشيوعي، وقد بدا في تلك الأيام وكأنه لا يوجد في الساحة السياسية غير حزب البعث والحزب الديمقراطي الكردستاني، وتعرضت العلاقة بين البعثيين والشيوعيين إلى الانتكاسة عند إقدام حكومة البعث على تفريق تجمع للشيوعيين يوم 21 آذار احتفالاً بعيد النوروز بالقوة.

 كما تم في تلك الليلة اغتيال الشهيد [محمد الخضري] عضو قيادة فرع بغداد للحزب في أحد شوارع بغداد. ورغم إنكار البعثيين صلتهم بالجريمة، إلا أن كل الدلائل كانت تشير إلى أنهم كانوا هم مدبريها، وقد أتهمهم الحزب الشيوعي بالقيام بحملة اعتقالات ضد العديد من الشيوعيين في أنحاء البلاد المختلفة.

وفي 1 تموز عقد الحزب الديمقراطي الكردستاني مؤتمره العام، وألقى السيد [كريم أحمد] عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي كلمة في المؤتمر دعا فيها إلى إيقاف الإجراءات القمعية للسلطة ضد العناصر الوطنية، وركز على شعار الحزب الداعي للديمقراطية للشعب العراقي والحكم الذاتي لكردستان، مما أثار رد فعل قوي من جانب السلطة البعثية الحاكمة، وخاصة بعد أن قامت صحيفة الحزب الديمقراطي الكردستاني [التآخي] بنشر نص الخطاب.

 لكن الغزل استمر بين قيادة حزب البعث وقيادة الحزب الشيوعي لإقامة جبهة الاتحاد الوطني على الرغم من الإجراءات الوحشية التي اتخذتها لقمع التجمع الذي أقامه الحزب في ساحة السباع بمناسبة عيد النوروز، وعلى الرغم من حملات الاغتيالات التي طالت العديد من الكوادر الشيوعية.

البعثيون والقيادة المركزية للحزب الشيوعي:

منذُ أن عاد البعثيون إلى الحكم عن طريق انقلاب 17 ـ 30 تموز 968 وقف الشعب العراقي من الانقلاب موقفاً سلبياً منهم، حيث كان مدركاً أن الوجوه التي جاءت إلى الحكم هي نفسها التي قادت انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963، ولا تزال تلك الجرائم التي ارتكبوها بحقه وحق القوى السياسية عالقة في الأذهان.

كان همّ البعثيين آنذاك هو تثبيت حكمهم، وتبييض صفحتهم السوداء فلجئوا إلى اتخاذ بعض الخطوات لاسترضاء الشعب وقواه السياسية وبالأخص الحزب الشيوعي العراقي الذي يتمتع بتأييد ودعم جانب كبير من أبناء الشعب، حيث ركزوا كل جهودهم لجره إلى التعاون معهم وصولاً إلى التحالف، وإقامة الجبهة الوطنية معه، وكان من جملة تلك الإجراءات:

1ـ إصدار قرار بالعفو عن السجناء السياسيين في 5 أيلول 968 وإطلاق سراحهم.

2ـ إصـدار قـرار بإعادة كافة المفصـولين السياسيين المدنيـين إلى وظائفهم وكلياتهم ومدارسهم في 12 أيلول 968.

3- احتساب مدة الفصل لأسباب سياسية قدماً لغرض الترفيع والعلاوة والتقاعد.

غير أن تلك الإجراءات لم تكن كافية لجرّ الحزب الشيوعي، والقيادة المركزية المنشقة عن الحزب، لتشكيل جبهة وطنية عريضة.

 فقد كان المطلوب من حزب البعث تشريع دستور دائم للبلاد، عن طريق إجراء انتخابات حرة ونزيهة لمجلس تأسيسي، وإطلاق الحريات الديمقراطية، وحرية الصحافة، وحرية النشاط الحزبي والنقابي، وهذا ما لم توافق عليه قيادة حزب البعث.

ولذلك لجأت القيادة المركزية [الجناح المنشق عن الحزب الشيوعي] إلى الكفاح المسلح ضد سلطة البعث، وجرى مهاجمة دار صدام حسين، وصلاح عمر العلي وإطلاق الرصاص على الدارين، لذلك قرر البعثيون العمل على اعتقال قيادة الحزب [القيادة المركزية] وكوادرها، وتصفية تنظيماتها.

 وفي شباط عام 1969، استطاع البعثيون إلقاء القبض على زعيم التنظيم [عزيز الحاج] وأعضاء قيادته، وسيقوا إلى قصر النهاية، أحد أهم مراكز التعذيب لدى البعثيين لإجراء التحقيق معهم، وهناك أنهار عزيز الحاج، وقّدم اعترافات شاملة عن تنظيم حزبه مكّنت البعثيين من إلقاء القبض على أعداد كبيرة من كوادر وأعضاء الحزب، وجرى تعذيبهم بأبشع الوسائل من أجل الحصول على المعلومات عن تنظيمهم، حيث استشهد العديد منهم تحت التعذيب كان من بينهم القائدين الشيوعيين [متي هندو] و[أحمد محمود العلاق]، بينما انهار القيادي الثالث [بيتر يوسف] ملتحقاً برفيقه عزيز الحاج، مقدماً كل ما يعرف عن تنظيم حزبه، حيث كافأ البعثيون كلاهما بأن عينوهما سفيرين في السلك الدبلوماسي، في فرنسا والأرجنتين، وذهب ضحية اعترافاتهم عدد كبير من الشيوعيين الذين استشهدوا تحت التعذيب الشنيع، وزُج في السجون بأعداد كبيرة أخرى منهم .

 وبذلك تسنى للبعثيين توجيه ضربة خطيرة للقيادة المركزية لم يتعافى الحزب منها إلا بعد مرور سنة على تلك الأحداث، حيث تسلمت قيادة جديدة بزعامة المهندس [إبراهيم علاوي]، وبادرت تلك القيادة إلى تجميع قوى الحزب، وتشكيل تنظيمات جديدة، وبدأت تمارس نشاطها من جديد.

إلا أن تلك الضربة كان تأثيرها ما يزال يفعل فعله، حيث فقد الحزب العديد من أعضائه إما قتلاً أو سجناً أو اعتكافاً عن مزاولة أي نشاط سياسي بسبب فقدان الثقة التي سببتها اعترافات قادة الحزب عزيز الحاج و بيتر يوسف وحميد خضر الصافي وكاظم رضا الصفار.

البعثيون والحزب الشيوعي:

التزم الحزب الشيوعي [اللجنة المركزية] جانب السكوت عما جرى، وتمسك بالهدنة المعلنة مع حكومة البعث، ثم بادر الطرفان البعث والشيوعي بالتقارب شيئاً فشيئاً بعد أن أقدمت حكومة البعث على تنفيذ جملة من القرارات والإجراءات التي أعتبرها الحزب الشيوعي مشجعة على هذا التقارب، وبالتالي التعاون والإعداد لإقامة الجبهة!!.

فقد أقدمت حكومة البعث على الاعتراف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية، ووقعت في 1 أيار 1969 عقدا مع بولونيا لاستثمار الكبريت وطنياً، كما تم عقد اتفاقيتين للتعاون الاقتصادي والفني مع الاتحاد السوفيتي وبولونيا في 5 تموز 969، ومن ناحية أخرى قام الحزبان البعث والشيوعي بنشاطات مشتركة في اجتماعات مجلس السلم العالمي، وانتخابات نقابة المحامين عام 970، وسمح البعثيون للحزب الشيوعي بإصدار مجلة [الثقافة الجديدة]، كما تم تعيين الشخصية الوطنية المعروفة السيد[عزيز شريف] وزيراً للعدل في 31 كانون الأول 1969.

لكن تلك الإجراءات لم تكن لترضي الحزب الشيوعي الذي كانت له مطالب أساسية هامة تتعلق بالحريات الديمقراطية، وأعلن الحزب أن دخول السيد عزيز شريف الوزارة بصفته مستقلاً، وأن دخول أي شخصية وطنية في الوزارة ليس بديلاً عن حكومة جبهة وطنية، وأن تمثيل كل الأحزاب الوطنية في السلطة على أساس برامج ديمقراطية متفق عليها هو الطريق الصائب.

البعثيون يطرحون شروطهم للتحالف مع الحزب الشيوعي:

في العاشر من تموز تقدم حزب البعث بشروطه للحزب الشيوعي لقيام جبهة بينهما، طالباً من الحزب قبولها والإقرار بها كشرط لقيام الجبهة، وكان أهم ما ورد في تلك الشروط:

1ـ اعتراف الحزب الشيوعي بحزب البعث كحزب ثوري وحدوي اشتراكي ديمقراطي!.

2ـ وجوب تقييم انقلاب 17 ـ 30 تموز كثورة وطنية تقدمية!.

3ـ وجوب إقرار الحزب الشيوعي بالدور القيادي لحزب البعث سواء في الحكم أو قيادة المنظمات المهنية والجماهيرية!.

4ـ وجوب عدم قيام الحزب الشيوعي بأي نشاط داخل الجيش والشرطة!.

5ـ العمل على قيام تعاون بين الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية وبين وحزب البعث.

6 ـ القبول بالوحدة العربية كهدف أسمى، ورفض الكيان الإسرائيلي، وتبني الكفاح المسلح لتحرير كامل الأراضي الفلسطينية.

 

 ورغم أن شروط البعث كانت غير مقبولة من جانب قواعد الحزب الشيوعي، إلا أن الحزب أستأنف حواره مع حزب البعث من جديد، وما لبث الرئيس أحمد حسن البكر أن أعلن في 15 تشرين الثاني 1971 عن برنامج للعمل الوطني، عارضاً على الحزب الشيوعي، والحزب الديمقراطي الكردستاني القبول به لإقامة جبهة وطنية بين الأطراف الثلاثة.

وفي 27 تشرين الثاني أبدى الحزب الشيوعي رد فعل إيجابي على البرنامج في بيان له صادر عن المكتب السياسي داعياً حكومة البعث إلى تحويل البرنامج إلى نص مقبول لدى جميع الأطراف التي دُعيت للعمل المشترك، ووضع نهاية حاسمة لعمليات الاضطهاد والملاحقة والاعتقال ضد سائر القوى الوطنية.

ثم جرت بعد ذلك لقاءات ومناقشات بين الأطراف دامت أشهراً حول سبل تحويل البرنامج إلى وثيقة للعمل المشترك دون أن تسفر عن توقيع أي اتفاق.

لكن البعثيين أصدروا قراراً في 4 أيار 972 يقضي بتعيين أثنين من قادة الحزب الشيوعي في الوزارة وهما كل من[مكرم الطالباني] الذي عيّن وزيراً للري، و[عامر عبد الله] الذي عيّن وزيراً بلا وزارة، إلى جانب وجود أعضاء من الحزب الديمقراطي الكردستاني سبق أن جرى تعينهم في الوزارة.

أحدث ذلك القرار انقساماً في صفوف الحزب الشيوعي، وتباعداً بين القاعدة والقيادة، فلم تكن تلك الخطوة مبررة من وجهة نظر كوادر وقواعد الحزب من دون أن يكون هناك برنامج متفق عليه يحقق طموحات الحزب في إيجاد نظام ديمقراطي حقيقي، وفرص متكافئة لكل حزب للقيام بنشاطاته السياسية في جو من الحرية الحقيقية.

إلا أن قيادة الحزب اتخذت قرارها بالموافقة على المشاركة في الحكومة بعد نصيحة قدمها لهم رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي [كوسجين]!. كان أمل الحزب الشيوعي أن تتحول هذه المشاركة إلى اتفاق حقيقي بين الأحزاب الثلاثة على برنامج يحقق طموحات الجميع، واقترحت قيادة الحزب على حزب البعث منح مجلس الوزراء صلاحيات أوسع لإدارة شؤون البلاد التي أحتكرها مجلس قيادة الثورة البعثي، كما اقترحت تعديل الدستور المؤقت بما يحقق السير بهذا الاتجاه، وطالبوا بإطلاق حرية الصحافة، وإصدار صحيفة الحزب بشكل علني، ووعد البعثيون بدراسة هذه المقترحات.

غير أن الأمور استمرت على حالها السابق أكثر من سنة، ولاسيما وأن ظروف البلاد كانت تستدعي التعجيل بهذا الاتجاه بعد اشتداد الصراع مع شركات النفط، وقرار حكومة البعث بتأميم شركة نفط العراق العائدة للشركات الاحتكارية في الأول من حزيران 1972، واستمرت العلاقات بين الحزبين على وضعها ذاك حتى وقوع محاولة ناظم كزار الانقلابية حيث دفعت حكام البعث إلى الاتفاق على برنامج للعمل الوطني.

 

حامد الحمداني  

 

محمد فتحي عبدالعال(الجميلةُ أتتْ) ما أجملَ أنْ توصفَ المرأةُ بجمالِ نفرتيتي الّذي وُضِعَ كأساسٍ لمقاييس الجمالِ العالميّ والمعتمد عبر َعملياتِ التجميلِ التي تحملُ اسمها . حتّى أنّ بعضَ المهتمين اعتبرها أجمل نساءِ العالم فهي رمزٌ للأنوثةِ والسلطةِ والقوةِ .

على ضفافِ النيل كانتِ البدايةُ لسّاحرةِ المشرقِ الفاتنة، وصاحبةِ الجمالِ الفرعوني الخلابِ والمرأة التي حكمتْ مع زوجها أخناتون.  هذه المرأة التي لازالتْ تسحرُ الألباب بجمالها منذُ القرنِ الرابعِ عشر قبلَ الميلادِ. وللحديثِ عن نفرتيتي الطفلة الفاتنة الجمالِ

اختلفَ المؤرخون حولَ نشأتها فالبعض أرجعَ أصولها إلى أصولٍ افريقية والبعض أرجعها إلى أحد ملوكِ الكرد فيما ذهبَ البعض إلى أنّ اصولها سورية. ولكنّ المجمع عليه لدى أغلب علماءِ المصريات هو أنّها مصريّة الأصلِ والمنشأ و أنّها ربما كانت ابنة آي قائد الجيش في ذاك الزمان وهذا ما منحها القوة ...تزوجتْ نفرتيتي في سنِ الخامسة عشر من امنحوتب الرّابع الملقب بأخناتون والّذي قادَ ثورةً دينيةً تصحيحيةً. دعتْ إلى توحيدِ ِالآلهة في إلهٍ واحدٍ رُمِز لهُ بقرصِ الشّمس وأطلق عليه أتون ،ونقلَ عاصمة ملكهِ إلى تل العمارنه...كانت نفرتيتي الزوجة المخلصة أولى المصدقات بزوجها والداعين لدينه الجديد الذي مثل انقلاباً شديد الوطأة على كهنة آمون الذين تربعوا علي عرش الكهانة لعقود طويلة وغيرت اسمها إلى نفرنفراتون نفرتيتي لتعلن ولائها لعقيدة زوجها التوحيدية ويعني الاسم الجديد ( آتون يشرق لأنّ الجميلة قد أتت) وشاركته كافة الاحتفالات والطقوس الدينية ...تمتعت نفرتيتي في عهد اخناتون بقوة ونفوذ  لامثيل له ، حيث وجد لها العديد من الرسوم الجدارية بحجم يماثل حجم الملك أثناء عبادتها الإله أتون . كما ظهرتْ صور نفرتيتي وهي تحارب الأعداء وكأنّها بمنزلة فرعون

لا نعلم على وجه الدقة ما حدث لمملكة اخناتون  ونفرتيتي إلا أن حجم الدّمار الذي حلّ بعاصمة ملكهما وحملة التشويه المتعمد لتماثيلهما توحي أن اضطرابات واسعة قد صاحبت هذا التغيير الديني نحو التوحيد وأنّ أعمالَ شغبٍ وانشقاق قد حدثت في صفوف جيش اخناتون مما أدى لانهيار حكمه على نحو غامض ومع تمزق دولة اخناتون عاد كهنة آمون إلى الصدارة من جديد مما جعل نفرتيتي تسارع إلى تولية توت عنخ آمون الصبي ليخلفَ أبيه أخناتون والذي سارع إلى تقديم فروض الطاعة ومغازلة كهنة آمون سعيا لاستقرار حكمه وهنا تختلف الآراء حول منزلة توت عنخ آمون من نفرتيتي ففيما ذهب البعض إلى أنّها أمه فقد عارضَ البعض هذا الرأي مؤكدين أن نفرتيتي أنجبت ست بنات فقط وان توت ربما كان ابنا لإحدى محظيات أخناتون لكن الثابت أنّ توت تزوج إحدى بناتها..

اشتهرت نفرتيتي بجمالها وتحديدا عنقها الطويل المشدود وفكها المستقيم كما ذاع عنها اهتمامها بكل ما يخص بشرتها وبقائها ناضرة وإبعاد شبحِ التجاعيد عنها، فكان استخدامها المفرط للحليب في تنظيف البشرة وازالة الخلايا الميتة وهو ما تؤيدة الدراسات الحديثة لاحتوائه علي حمض اللاكتيك والبروتين والدهن مما يساعد على ترطيبِ البشرة ونعومتها ...

وكذلك استخدامها لزبدة الشيا والّتي تتربعُ على عرشِ مساحيق التجميل لاحتوائها علي فيتامين A ,E والأحماض الدهنيّة الأساسية مما يحافظ على جمالِ البشرةِ والشّعر والأظافرِ.

كما تشيرُ بعض تماثيلها أنها كانت حليقةَ الشعر بالموس وأنها كانت تتخذ شعرا مستعارا ...كما اشتهر عنها بشرتها السمراء إلا ان دراسة بريطانية لجامعة بريستول ربما تطيحُ بهذهِ الفرضية مستقبلا مؤكدة أنّ بشرتها كانت بيضاء !  كانتْ نهاية نفرتيتي شديدةَ الغموض فقد أرجع البعض غيابها التام عن مسرح الأحداث بالبلاط الفرعوني فجاءة وبدون أية مقدمات  لوفاة إحدى بناتها وحزنها الشديد عليها وأن انقلابا ناعما قادته ابنتها ميريت اتون لتحل محلها .وبعضها يعتقد أنها تقمصت دور رجلٍ باسم الفرعون سمنخ كارع الحاكم بعد زوجها.

فيما تذهب بعض النظريات إلى وفاتها بالطاعون وهي الفرضية التي لا يقوم عليها دليل ..غير أننا نرى أنّ النهاية لنفرتيتي قد تبدو طبيعية وأنّ اهتمامها بجمالها ربما كان سلاحاً ذو حدين فالكحلُ الفرعوني الّذي اشتهرتْ به والمصنوع من الرّصاصِ السّام كان وحده قاتلاً على المدى الطويل، وذلك لغيابِ أية تقديرات دقيقة في هذه العصور القديمة لمستوى الجرعات الآمنه من الرّصاص وكذلك أحمر الشفاه المائل للبنفسجي  والذي اشتهرت به أيضا والذي كان يصنعهُ قدماءُ المصريين من الأعشابِ البحريّة التي استخلصوها من مياهِ نهرِ النيل، فجفّفوها، وطحنوها، ثمّ قاموا بمزجها بمادتي اليود، والبرومين الشديدة السّمية ...كلّ هذه المواد السّامة ربما كانت سببا لتدهورِ صحتها على المدى الطويل ... وتبقى ملكة جمالِ العالمِ في تلك العصورِ لغزاً لم يكتشف حيّر العلماء حتى يومنا هذا.

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الباحثة السوريّة في علوم اللّغة

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصريّ

 

المشروع الذي أقصده هو نشر ما أحفظ عن تجربتي في الترجمة من الإسبانية وإليها للرئاسة العراقية بين أعوام 1989-1991 و 1998-2001.

هي في الواقع وقائع وذكريات أكثر منها حديث في شؤون السياسة. فليس الناطقون بالإسبانية باللاعبين الأساسيين في عالم السياسة، ولذلك لم تكن الإسبانية لغة سياسة ورسم سياسات، ولا أظنّ رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريّا آثنار، حليف بوش وبلير، تكلّم يوما بالإسبانية إلى حليفيه، ولا هما توجها إليه مرّة بالخطاب بلغته.

ولمّا كانت فنزويلا بلدا ناطقا بالإسبانية فكان لزاما على جابيث، رئيسها آنذاك، أن يتكلم بها، وكان لزاما على ديوان الرئاسة والمراسم أن تستعين يومها بمن يعمل عندهم في ذلك الحقل.

الكلام في المناسبة طويل

لذلك أكتفي هنا بلقطة سريعة طُبعت في ذاكرتي عن ذلك الحدث الذي وصف يومها بالتاريخي.

***

الكلام عن المناسبة طويل كما أسلفتُ، على الرغم من أنّ الزيارة لم تدم إلا عشيّة وضحاها.

وطريق الزيارة طويل: ولا أقصد به الطريق بين فنزويلا والعراق، بل الطريق بين المنذريّة وبغداد.

ففي نقطة المنذريّة بخانقين حلّ الرئيس الضيف، قادما من إيران. وفيها كان الجميع بانتظاره، إلا رئيس مجلس قيادة الثورة صدام حسين ونائب رئيس مجلس قيادة الثورة عزة ابراهيم.

في المنذريّة كان نائب رئيس الجمهورية: طه ياسين رمضان

وكان وزير النفط الفريق عامر محمد رشيد

وكان حشد كبير من رجال المراسم والمخابرات والصحافة.

فالزيارة استثنائية والمناسبة استثنائية والظرف استثنائي والزعيمان "استثنائيان" في نظر "العالم الحر".

نحن في ظهيرة 11 آب من عام 2001.

انتظر الجميعُ وصول ركب الضيف من إيران. وطال الانتظار. وعلمنا من التسريبات أنّ ما سبب التأخير هو دعوة الغداء التي أقامها الرئيس الإيراني على شرف ضيفه. أمّا نحن، فلا فطور ولا غداء..

تجاوزت الساعة الرابعة عصرا حين وصل الركب بالسيارات.

حشرتُ نفسي حشرا بين الرئيس الضيف ونائب الرئيس العراقي. بل حشرني بينهما رجل المراسم المسؤول عن المترجمين. فقد رأيتُ أنّ جابيث يصطحبُ مترجمه، وظللتُ مترددا بين أن أكون أم أن يكون. ويبدو أنّ المسكين مرّ بالحيرة ذاتها. لكنّ الأمر استقرّ على أمر من دون اتفاق. وما هي إلا لحظات حتّى اطمأن المترجم الضيف، وهو فنزولي من أصل لبناني على ما أظن ومستشار للرئيس، على سير الترجمة قبل أن يسلّم بالأمر الواقع ويكتفي بمرافقة رئيسه ومتابعة ترجمة زميله.

دام الاستقبال والمؤتمر الصحفي قريبا من نصف ساعة كانت بالنسبة إليّ بمثابة الإحماء والتآلف مع لفظ الضيف والخطوط العريضة لأفكاره.

وحانت لحظة الانتقال إلى بغداد

حطّت طائرة هليكوبتر ضخمة صعدنا فيها الرئيس الضيف ونائب الرئيس ووزير النفط وأنا بينهم. كانت المرة الأولى التي أصعد فيها إلى واسطة النقل العملاقة تلك بضجيجها الذي كان يجبر الجميع على الكلام صراخا أو على توفير الكلام إن لم يكن هناك ما يستحق أن يقال. مع ذلك كسر المسؤولان العراقيان الصمت وهما يتكلمان للضيف عن محافظة ديالى التي كنّا نحلّق فوقها. وكسر هو الصمت فحدثهما عن والده المعلم الذي كان يكافح من أجل عائلته "في بلد يعوم على بحر من النفط".

لا أذكر كم من الوقت مرّ بين إقلاع الطائرة واقترابنا من مطار بغداد.

كانت طبقة كثيفة من الغبار تغطي الأجواء. فنحن كما أسلفتُ في منتصف آب. وزاد في كثافته دنو الطائرة من مهبطها.

وأفلحنا من بين غبار العاصفة في رؤية حشد المسؤولين المنتظِر.

لا أدري إن كان جابيث ينتظر أو يتأمل أن يكون صدام حسين على رأسهم.

لكنّه لم يرَ من كان ينتظر أو يتأمل أن يكون في استقباله.

مال إليّ، وكنتُ أجلسُ قبالته، ليسألني:

- هل ذاك [يقصد عزة إبراهيم] أعلى من هذا [يقصد طه ياسين رمضان] مرتبة؟

- نعم سيدي الرئيس. هو أعلى منه مرتبة.

    

 د. بسّام البزّاز

 

 

 

 

سوف عبيدتأخّر نوّار اللّوز هذا العام ونوار اللوز لرؤيته بهجةٌ...بهجةٌ اِفتقدتُها هذه الأيام كأن نوّار اللوز أخلف موعده في تونس مرّة أخرى

لم يكن سفري إلى الجزائر قد أعددت له أو مبرمَجا ولكنّي عندما أحسست بالضيق من البلاد والعباد ودعتني جمعية المتقاعدين برادس إلى المشاركة مع ثلّة كريمة في رحلة إلى شرق الجزائر اِستجبتُ لكأنّها صادفت - حاجة في قلب يعقوب - وقلت لعلها تكون فرصة للاستنشاق هواء جديد ففي الجوّ غبار خانق... وسافرْ تَجدْ عِوضا...وكفاكَ مِنْ حَمل أوزار الورقة والقلم

ـ 2 ـ

كانت الرّحلة مضنية حقا...ليل ومطر ورياح وصقيع... رياحٌ عاتية والطريق مرتفعات ومنحدرات وكل ذلك طويناه ولا بأس...إلا إجراء الِانتقال بين الحدود التي يشيب لها الغراب

عندما أصبح الصّباح بالغيوم وصلنا إلى مدينة سطيف أخيرا

تركتُ الجماعة الذين رافقتهم وقد يمّمُوا قِبلتهم شَطر الأسواق ليملؤوا حقائبهم بالبضائع ويخُوضوا في بورصة الصّرف والأسعار في هذه وتلك... وهنا وهناك... ورحت أجُوب مدينة سطيف المتربّعة على هضاب المنطقة الشمالية الغربيّة للجزائر...الجزائر هذا البلد الشاسع الأرجاء المتنوّع التضاريس والمناخ والأصول والحضارات تلك التي اِنصهرت مُهجتها في اِنسجام ووئام وتحالف وتآلف - وعَقدت العزم أن تحيا - كما أنشد شاعرُها مُفدي زكرياء فقدّمت التضحيات وتمكّنت بعد المكابدة من نيل الاِستقلال عن فرنسا التي جعلت من الجزائر مقاطعة أو ولاية فرنسية ولم يكن في حسبانها أبدا أن تتخلّى عنها وما مجزرة يوم 8 ماي 1945 التي واجهتْ بها القوات الفرنسية المتظاهرين في سطيف والتي خلفت 45 ألف شهيد إلا دليل على مدى تشبّث فرنسا باِحتلالها للجزائر ولكنّ الشّعب الجزائري الأبيّ - أراد الحياة - فنال اِستقلاله

ـ 3 ـ

أنا الآن وهنا في مدينة سطيف وعند ساحة الاِستقلال القريبة من القلعة البزنطية والحمامات الرومانية وساحة الاِستقلال محاذية أيضا للمسجد التركي والمباني الإدارية...هنا مركز المدينة وعلى غير عادة مراكز أغلب المدن الكبرى فإن مدينة سطيف تبدو هادئة فلا ضوضاء ولا ازدحام ولا صخب فالحياة تمضي فيها سَلسة في هدوء وسكينة وحتى التَّرَام الذي يشق السّاحة جيئة وذهاب تراه يطوي سكته مُنسابا فإن كان ولابدّ من

التنبيه لأمر ما فإنّك تسمع له جرسًا يرنّ كنقر الأصابع على البيانُو

ـ 4 ـ

مضيتُ أتملّى تفاصيل جمال هذه المدينة المُختطّة على الأنموذج الأوروبي فبَصمات المعمار الفرنسيّ ما يزال واضحا للعِيان في العمارات والشرفات وفي سطوح القرميد المخروطية الحمراء المناسبة للمناخ الشّتائي ولتساقط الثلوج

باردٌ هو اليوم في سطيف وفُندق ـ البشير ـ الذي نزلنا فيه يُطلّ على الساحة وهو دافئ ومُريح لكنّ ذلك لم يُغْرنِي بالبقاء في غرفتي فالسّير على الأقدام اِستهواني وحُب اِكتشاف هذه المدينة دعاني فخرجت أمشي فالمشي يبعث الدفء ويساعد على التأمل وعندما شعرت بثقل الحذاء  قلتُ لا بأس أن تجلس في مقهى مع كأس شاي بالنّعناع ويكون فاتحة لتبادل الحديث مع أهل البلد فالمقهى بمَن فيه وما فيه يُمثل خلاصة المدينة

ـ 5 ـ

الناس في سطيف على قدر كبير من اللطف والمدنيّة وحتى عندما كنتُ أقطع الطريق فإنّ السائق يتمهّل من بعيد ويُفسح لي المجال ولاحظت أن الشوارع والساحات والكراسي فيها نظيفة وعندما دخلت حديقة وسط المدينة وجدت صندوقا يضمّ كتبا متنوّعة للمطالعة فالكتاب عنوان الحضارة حوالرّقيّ وكذلك المقهى فإنّك تجد آنية السّكر موضوعة على الطاولات حتّى على طاولات الأرصفة التي تعجّ بالمارة فلا تسمع صخبا ولا خصاما ولا زحاما إلا أن يبادروك بالتحيّة فيقولون سلاما سلاما

سلام يا سطيف على حَمامك تراه يختال أمامك في اِطمئنان وأمان أو يرفرف حول نافورة - الفوّارة - أو يحُطّ على حَسْنائها التي كلما مررتُ من ساحة الاستقلال حيث الفندق رأيتُها جذلى ناشرة جدائلها في تمام الحُسن والجمال تُنصت إلى رقرقة الماء المتدفّق من تحتها ومن الجهات الأربع والزّائرون حولها  مَعجَبون وهم طائفون ومتأمّلون ومُصوّرون وهي لا تحرّك ساكنا لكأنّها غير شاعرة بهم فهي تبدُو تسبح عاليا وبعيدا في ملكوت الفنّ والإبداع و ـ تَبارك اللّهُ أحسنُ الخالقين ـ

حَسناء سطيف تلك هي مَرمر أبيضُ صقيل أبدعها إزميل النحّات الفرنسي الإيطالي ـ فرنسيس دي سان فيتال ـ سنة 1800 كما هو منحُوت في أسقل التّمثال وقد شاركتْ تلك الحسناءُ في معرض باريس الكبير سنة 1898 ورآها حاكم سطيف الفرنسي وقتذاك فأسَرَتْ فؤاده ولم يستطع فراقها ولم يُطِقْ الُعد عنها ولا صبرًا فأتى بها وجعلها على نُصْبٍ بديع في هذه الساحة عند ـ عين الفوّارة ـ التي لها شأنٌ كبير عند أهالي سطيف جيلا بعد جيل وعصر بعد عصر...فسلام عليها وأزكى سلام

 

سُوف عبيد

 

حامد الحمدانيبعد كل الإجراءات التي أقدم عليها عبد الكريم قاسم بضرب الحزب الشيوعي، وانتزاع كافة المنظمات والاتحادات النقابية والطلابية، وتسليمها للقوى الرجعية، وبعد أن أزاح كل القيادة العسكرية والأمنية التي كان يشك بعلاقتها بالحزب، وبعد أن ازاح كل رؤساء الدوائر ذوي الفكر التقدمي، وأعاد تلك العناصر المعادية التي كانت في مراكزها قبل الثورة، وبعد أن امتلأت السجون بالمناضلين الذين ذادوا عن الثورة وحموها من كيد أعدائها، بات نظام عبد الكريم قاسم معزولاً عن الجماهير، وبات استمرار بقائه في الحكم في مهب الريح الصفراء التي أخذت تقترب شيئاً فشيئا بعد أن هيأ لها قاسم الظروف المواتية للانقضاض على الثورة واغتيالها في انقلاب عسكري دموي خططت له الدوائر الامبريالية، ونفذته العناصر العميلة من البعثيين والقوميين والقوى الرجعية الأخرى.   

ولا شك في أن الدور الأول في الإعداد للانقلاب كان لشركات النفط، بعد أن أقدم عبد الكريم قاسم على إصدار قانون رقم 80 لسنة 1961، بعد صراع مرير مع تلك الشركات، والتهديدات التي وجهتها إلى حكومة الثورة ذلك لأن النفط بالنسبة للدول الإمبريالية أمر لا يفوقه أهمية أي أمر آخر، ولذلك نجد أن جَلّ اهتمام تلك الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، هو الاستحواذ على منابع النفط، وإحكام سيطرتهم عليها.

ولما جاءت ثورة الرابع عشر من تموز، واتخذت لها خطاً مستقلاً، بعيداً عن الهيمنة الإمبريالية، هالهم الأمر، وصمموا منذُ اللحظات الأولى على إجهاض الثورة، والقضاء عليها، وبالفعل نزلت القوات البريطانية في الأردن، والأمريكية في لبنان، وحشدت تركيا قواتها العسكرية على الحدود العراقية من أجل العدوان على العراق.

إلا أن موقف الاتحاد السوفيتي المساند للحكومة الثورية الجديدة، وتحذيره للامبريالين من مغبة العدوان على العراق، وحشد قواته على الحدود التركية، وتحذيرها من أي محاولة للتدخل والعدوان، كل تلك الإجراءات أسقطت في يد الإمبريالية، وجعلتهم يفكرون ألف مرة، قبل الإقدام على أي خطوة متهورة.

وهكذا جاءت الريح كما لا تشتهي السفن، كما يقول المثل، غير أن الإمبرياليين لم يتركوا مسألة إسقاط الثورة أبداً، بل بادروا إلى تغير خططهم بما يتلاءم والظروف الجديدة لإسقاط الثورة من الداخل مجندين حزب البعث، وطائفة من القوى القومية لتنفيذ أهدافهم الشريرة.

أختار الانقلابيون الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة الموافق للثامن من شباط 1963، وكانت لهم حساباتهم في هذا الاختيار، فيوم الجمعة يوم عطلة ولا يتواجد في المعسكرات سوى الضباط الخفر، وكانوا قد رتبوا مسبقاً خفارة الضباط المتآمرين في ذلك اليوم، ليسهل عليهم عملية تنفيذ الانقلاب كما أن قيام الانقلاب في الساعة التاسعة صباحاً أمر غير متوقع، حيث جرت العادة بوقوع الانقلابات العسكرية في الساعات الأولى من الفجر، ورغم أن الحزب الشيوعي كان قد أصدر بياناً في 3 كانون الثاني 963 وزع بصورة علنية، وعلى نطاق واسع، محذراً من خطورة الوضع ومما جاء فيه:

{هناك معلومات متوفرة تشير إلى الكتائب المدرعة في معسكرات بغداد، ولواء المشاة التاسع عشر الآلي قد أصبحت مراكز لنشاط عدد كبير من الضباط الرجعيين، والمغامرين الذين يأملون تحويل هذه المراكز إلى قواعد انطلاق لانقضاض مفاجئ على استقلال البلاد، ولقد حددوا موعداً بعد آخر لتحقيق هذا الغرض، وللموعد الحالي مغزى خاص نظراً لخطورة الأزمة السياسية الراهنة وعدد الزيارات التي يقوم بها كبار الجواسيس الأمريكيين لبلدنا، ووجه الحزب نداءه لعبد الكريم قاسم لأجراء تطهير واسع، وفعال في صفوف الجيش}.

إلا أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ بذلك التحذير مأخذ الجد، معتقداً أن ذلك لا يعدو أن يكون تهويلاً يستهدف أهدافاً حزبية ضيقة.

كان الأولى بعبد الكريم قاسم استنفار كل الأجهزة، والقوات العسكرية، وسائر الضباط الذين لا يشك بولائهم للثورة، وخاصة قائد القوة الجوية، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.

وُزعت الأدوار على الضباط الانقلابيين، ومنظمات حزب البعث، وأفراد الحرس القومي، الذي أُعد مسبقاً ودُرب وجُهز بالسلاح!!، وجعلوا ساعة الصفر اغتيال قائد القوة الجوية الشهيد [جلال الاوقاتي].

كان البعثيون قد رصدوا حركته، حيث أعتاد صباح كل يوم جمعة أن يخرج لشراء الفطور بنفسه، وترصدوا له ذلك اليوم وهو خارج وبصحبته ولده، حيث أطلقوا عليه النار، وأردوه قتيلاً في الحال، وجرى الاتصال بالزمرة الانقلابية، وتم إبلاغهم باغتيال الاوقاتي، وعند ذلك تحرك المتآمرون، حيث قاموا بقطع البث من مرسلات الإذاعة في أبو غريب، وتركيب تحويل في مرسلات الإذاعة، وبدأ البث فيها من هناك قبل استيلائهم على دار الإذاعة.

وفي نفس الوقت قام منذر الونداوي، بطائرته من قاعدة الحبانية، وحردان التكريتي من القاعدة الجوية في كركوك بقصف مدرج مطار الرشيد العسكري، وتم حرثه بالقنابل، لشل أي تحرك للطيارين الموالين للسلطة، وبعد أن تم لهم ذلك بادروا إلى قصف وزارة الدفاع.

وفي تلك الأثناء سمع عبد الكريم قاسم أصوات الانفجارات باتجاه معسكر الرشيد، فبادر على الفور بالذهاب إلى وزارة الدفاع، وتحصن فيها، وكان ذلك الإجراء في غاية الخطورة، إذ كان الأجدى به أن يتوجه بقواته المتواجدة في وزارة الدفاع إلى معسكري الرشيد، والوشاش، القريبين من مركز بغداد، والسيطرة عليهما، ومن ثم الانطلاق نحو الأهداف التي تمركز فيها الانقلابيون، بالاستناد إلى جماهير الشعب الغفيرة التي هبت حال سماعها بنبأ الانقلاب تطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين.

لكن عبد الكريم قاسم حصر نفسه في وزارة الدفاع، على الرغم من تحذير الزعيم الركن الشهيد [طه الشيخ أحمد] مدير الحركات العسكرية، الذي أشار عليه إلى ضرورة استباق المتآمرين ومهاجمتهم قبل توسع الحركة وسيطرتهم على معسكري الوشاش والرشيد القريبين جداً من بغداد، لكن عبد الكريم قاسم لم يأخذ بنصيحته مما سهل على الانقلابيين تطويق الوزارة، وقصفها بالطائرات والمدفعية، قصفاً مركزاً، حتى انهارت مقاومة قواته.

ربما أعتقد عبد الكريم قاسم أن وجوده في وزارة الدفاع المحصنة، يمكّنه من الاتصال بالوحدات العسكرية الموالية له!! ولكن خاب ظنه، بعد كل الذي فعله بإبعاد كل العناصر الوطنية الصادقة والمخلصة، واستبدلهم بعناصر انتهازية، لا مبدأ لها، ولا تدين بالولاء الحقيقي له، وللثورة، فقد سارع معظمهم إلى إرسال برقيات التأييد للانقلابيين، وانكفأ البعض الأخر في بيته، وكأن الأمر لا يعنيه، سواء بقي عبد الكريم قاسم، أم نجح الانقلابيون.

لقد أنتحر عبد الكريم قاسم، ونحر معه الشعب العراقي وكل آماله، وأحلامه التي ضحى من أجلها عقوداً عديدة مقدماً التضحيات الجسام.

كانت جموع غفيرة من أبناء الشعب قد ملأت الساحة أمام وزارة الدفاع، والشوارع المؤدية لها وهي تهتف للثورة وقائدها عبد الكريم قاسم، وتطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين. فقد حدثني أحد رفاقي الذي كان متواجداً في تلك الساعة مع الجماهير المحيطة بالوزارة، والمستعدة للتضحية والفداء دفاعاً عن الثورة فقال:

تجمعنا حول وزارة الدفاع حال سماعنا بوقوع الانقلاب، وكانت أعدادنا لا تحصى، فلقد امتلأت الشوارع والطرقات بآلاف المواطنين الذين جاءوا إلى الوزارة وهم يهتفون بحياة الثورة وقائدها عبد الكريم قاسم، ويطالبونه بالسلاح للدفاع عن الثورة منادين {باسم العامل والفلاح، يا كريم أعطينا سلاح}، كان الجو رهيباً والجموع ثائرة تريد السلاح للانقضاض على المتآمرين، وكان عبد الكريم يرد عليهم :{ إنهم مجرد عصابة مأجورة لا قيمة لها، وسوف نقضي عليهم في الحال}.

وهكذا أخطأ عبد الكريم مرة أخرى في حساباته، ولم يستمع إلى صوت الشعب، وتحذيره، ولم يقدر خطورة الوضع، وكان لا يزال على ثقة بأولئك الذين أعتمد عليهم، وبوأهم أعلى المناصب السياسية والعسكرية والإدارية، سوف يؤدون واجبهم لحماية الثورة، وسحق المتآمرين، ولكن تلك الزمر الانتهازية الخائنة أسفرت عن وجهها الحقيقي، فقسم منها أشترك اشتراكاً فعلياً مع المتآمرين، والقسم الآخر آثر الجلوس على التل دون حراك، فلا تهمهم الثورة، ولا الشعب، ولا عبد الكريم قاسم.

ثم يضيف رفيقي قائلاً: في تلك الأثناء وصلت أربع دبابات، تحمل في مقدمتها صور عبد الكريم قاسم، استخدمتها لتضليل جماهير الشعب لكي يتسنى للانقلابيين عبور الجسر نحو جانب الرصافة حيث وزارة الدفاع، وكانت الجماهير قد أحاطت بالجسور، وقطعتها، واعتقدت أن هذه الدبابات جاءت لتعزز موقف عبد الكريم قاسم.

وعندما وصلت تلك الدبابات إلى وزارة الدفاع، استدارت ظهرها نحو الوزارة، وبلحظات بدأت رشاشات [الدوشكا] المنصوبة عليها تطلق رصاصها الكثيف على الجماهير المحتشدة، وتخترق أجسادهم بالمئات.

لقد غطت الجثث والدماء تلك الشوارع والساحة المقابلة لوزارة الدفاع، خلال عشرة دقائق لا غير، وكانت مجزرة رهيبة لا يمكن تصورها، ولا يمكن أن يدور في خلد أي إنسان أن يجرأ المتآمرون على اقترافها.

ولم تكتفِ دبابات المتآمرين بما فعلت، بل جاءت الطائرات لتكمل المجزرة موجهة رشاشاتها حتى نحو الجرحى الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة.

ثم بدأ بعد ذلك القصف المركز على وزارة الدفاع بالطائرات ومدافع الدبابات التي أحاطت بالوزارة من جانبي الكرخ والرصافة وبدأت القذائف تنهال عليها، والقوات المتواجدة داخلها ترد على القصف بما تملك من أسلحة وعتاد، إلا أن المقاومة بدأت تضعف شيئاً فشيئاً، دون أن يأتي أي إسناد من أي من القطعات العسكرية التي كان عبد الكريم يعتمد عليها، لأنه كان في وادٍ، وأولئك الخونة في وادٍ آخر، وادي الخونة والمتآمرين.

وفيما كانت عملية القصف تتواصل، تقدمت قوات أخرى نحو معسكر الرشيد، ومقر الفرقة الخامسة، واللواء التاسع عشر، وحيث هناك المعتقل رقم واحد، الذي كان عبد الكريم يحتجز فيه عدد من الضباط البعثيين، والقوميين، حيث تم إطلاق سراحهم ليشاركوا في الانقلاب، وتمكنت قوات الانقلابيين من السيطرة على المعسكر، ومقر الفرقة، ووقع بأيديهم مجموعة من الضباط الوطنيين المعتقلين هناك، حيث نفذ الانقلابيون مجزرة أخرى بالعديد منهم، ومُورس التعذيب الشنيع بالبعض الأخر.

الحزب الشيوعي يتصدى للانقلابيين ويصدر بياناً يدعو إلى مقاومتهم:!

منذُ اللحظات الأولى لوقوع الانقلاب سارع الحزب الشيوعي إلى إصدار بيان وُزع على جماهير الشعب صباح ذلك اليوم دعا فيه القوات العسكرية الوطنية، وجماهير الشعب إلى التصدي للانقلابيين بكل الوسائل والسبل، ومما جاء في البيان:

{إلى السلاح! اسحقوا المؤامرة الرجعية الإمبريالية.

أيها المواطنون، يا جماهير شعبنا العظيم المناضل، أيها العمال، والفلاحون والمثقفون، وكل الوطنيين والديمقراطيين الآخرين:

لقد دق جرس الخطر ...استقلالنا الوطني يتعرض للخطر العظيم، إنجازات الثورة تحدق بها المخاطر.

لقد قامت عصابة حقيرة من الضباط الرجعيين والمتآمرين بمحاولة يائسة للاستيلاء على السلطة استعداداً لإعادة بلدنا إلى قبضة الإمبريالية والرجعية بعد أن سيطروا على محطة البث الإذاعي في أبو غريب، وانكبوا على إنجاز غرضهم الخسيس، فإنهم يحاولون الآن تنفيذ مجزرة بحق أبناء جيشنا الشجاع.

يا جماهير شعبنا المناضل الفخور! إلى الشوارع، اقضوا بحزم وقسوة على المتآمرين والخونة، طهروا بلدنا منهم، إلى السلاح دفاعاً عن استقلال شعبنا ومكتسباته، شكلوا لجان دفاع في كل ثكنة عسكرية، وكل مؤسسة، وكل حي وقرية، وسيُلحق الشعب، بقيادة قواه الديمقراطية، الخزي والهزيمة بهذه المؤامرة الجبانة، كما فعل بمؤامرات الكيلاني، والشواف وآخرين.

إننا نطالب بالسلاح}. ودعا البيان رفاق وجماهير الحزب إلى الاستيلاء على الأسلحة من مراكز الشرطة وتوزيعها على الجماهير، إلا أن ذلك الإجراء لم يكن في مستوى الأحداث، فلم يكن الحزب قد كدس السلاح، كما فعل الانقلابيون خلال ثلاث سنوات، ولا شك أن قيادة الحزب تتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية في عدم أخذ الاحتياطات اللازمة لمنع الانقلابيين من تنفيذ جريمتهم، ولاسيما وأن الحزب كان على علم بما يجري في الخفاء، وأنه كان قد أصدر بياناً قبل أيام يحذر فيه من وقوع مؤامرة ضد الثورة.

فما هي الإجراءات التي اتخذتها قيادة الحزب لتعبئة رفاقه وجماهيره، وخاصة في صفوف الجيش؟ في الوقت الذي كان الحزب لا يزال يتمتع بنفوذ لا بأس به داخل صفوف الجيش، على الرغم من تصفية عبد الكريم قاسم لمعظم القيادات الشيوعية فيه.

ورغم كل ذلك، فقد أندفع رفاقه وجماهير الشعب التي كانت تقدر بالألوف للذود عن حياض الثورة بكل أمانة وإخلاص، ووقفوا بجانب عبد الكريم قاسم، بل أستطيع أن أقول أن الشيوعيين كانوا القوة السياسية الوحيدة التي وقفت بجانبه، رغم كل ما أصابهم منه من حيف خلال السنوات الثلاثة الأخيرة من عمر الثورة.

لقد أندفع معظم الضباط، وضباط الصف، والمسرحين من الخدمة العسكرية إلى الالتحاق بالمقاومة وحماية الثورة، بناء على دعوة الحزب، وقدموا التضحيات الجسام، وسالت دماؤهم على ساحات المعارك مع الانقلابين.

كان كل ما يعوز جماهير الشعب هو السلاح الذي كانوا يفتقدونه، ورغم كل النداءات التي وجهوها إلى عبد الكريم قاسم للحصول على السلاح لمقاومة الانقلابيين في أول ساعات الانقلاب، إلا أن نداءاتهم ذهبت أدراج الرياح.

ربما كان قاسم يتوقع من أولئك الذين أعتمد عليهم، في القوات المسلحة أن يقمعوا الانقلاب، ولكنهم كانوا في وادٍ آخر، وربما خاف قاسم من إعطاء السلاح للحزب الشيوعي على مستقبله السياسي إذا ما تم قمع الانقلاب على أيدي الشيوعيين، وفي كلتا الحالتين كان قاسم مخطئاً، ودفع حياته، ومستقبل الشعب ثمناً لتلك الأخطاء التي أرتكبها طيلة فترة حكمه.

وفي الوقت الذي كان فيه القصف المركز يجري على وزارة الدفاع، والقوات الانقلابية تحيط بها، حاول عبد الكريم قاسم تسجيل خطاب يوجهه إلى الشعب والقوات المسلحة يدعوهم لمقاومة الانقلابيين، وقد تم تسجيل ذلك الخطاب على شريط [كاسيت]، تحت أصوات الانفجارات والقصف، وأرسله إلى دار الإذاعة مع الرائد [سعيد الدوري]، الذي تبين فيما بعد أنه من المشاركين في الانقلاب، حيث سلمه للانقلابيين، كما أن دار الإذاعة كانت قد احتلت من قبل الانقلابيين، ولذلك لم يتسنَ إذاعة الخطاب.

لقد فات الأوان، واستولى الانقلابيين على دار الإذاعة، ووقع الشريط الذي يحوي الخطاب بين أيديهم، وربما كان بالإمكان لو لم تقع دار الإذاعة بأيدي الانقلابيين، وتم إذاعة البيان، أن تتحرك بعض القطعات العسكرية الموالية له، وتتصدى للانقلابيين.

كان الانقلابيون يدركون مدى تعلق الشعب العراقي وجيشه بثورة 14 تموز وقيادتها رغم كل الأخطاء التي أرتكبها عبد الكريم قاسم يحق القوى الوطنية المخلصة حقاً وفعلاً، فالكل يركب سفينة الثورة، التي إذا غرقت غرق الجميع، ولذلك نجد الانقلابيين يعلنون في أول ساعات الانقلاب عن مقتل عبد الكريم قاسم، لكي يمنعوا أي تحرك عسكري لإسناده، مثل ما فعلوا عندما تقدمت دباباتهم وهي تحمل صور عبد الكريم قاسم لخدع جماهير الشعب حتى تتمكن من الوصول إلى وزارة الدفاع.

ورغم كل ذلك فقد اندفعت جماهير الشعب تقارع الانقلابيين بكل ما أوتيت من عزم وقوة رغم أنها كانت عزلاء من السلاح، وخاضت المعارك معهم بالبنادق والعصي والحجارة فيما قابلتهم الدبابات والمصفحات منزلة بهم خسائر فادحة في الأرواح بلغت عدة آلاف من أبناء الشعب.

أما [الحرس القومي] الذي شكله الانقلابيون فقد أندفع أفراده إلى الشوارع وهاجموا مراكز الشرطة واستولوا على الأسلحة، وبدأوا يهاجمون جماهير الشعب بكل عنف وقوة موجهين نيران أسلحتهم نحو كل من يصادفونه في طريقهم.

واستمرت مقاومة الشعب في بعض مناطق بغداد، وخاصة في مدينة الثورة والشاكرية والكاظمية، وباب الشيخ، وعقد الأكراد والحرية والشعلة، لعدة أيام، ولم يستطع الانقلابيون قمع المقاومة إلا بعد أن جلبوا الدروع لتنفث نار القنابل الحارقة فوق رؤوسهم، وأصدر الانقلابيون بيانهم المشؤوم رقم 13 الذي يدعو إلى إبادة الشيوعيين الذين تصدوا للانقلاب منذُ اللحظات الأولى، وشنوا على الحزب الشيوعي حرب إبادة لا هوادة فيها، حيث اعتقلوا ما يزيد على نصف مليون مواطن، بينهم 1350 ضابطاً عسكرياً من مختلف الرتب، وجرى تعذيب المعتقلين بأساليب بشعة لا يصدقها أحد، واستشهد جراء ذلك المئات من المناضلين تحت التعذيب الشنيع، وكان من ضحايا التعذيب كل من الشهداء[سلام عادل]السكرتير العام للحزب الشيوعي، حيث قطع الانقلابيون يديه ورجليه، وفقأوا عيناه في محاولة لانتزاع الاعترافات منه عن تنظيمات الحزب، واستشهد أيضاً من أعضاء اللجنة المركزية كل من: جمال الحيدري، ومحمد صالح العبلي، ونافع يونس، وحمزة سلمان، وعبد الجبار وهبي المعروف بـ [أبو سعيد]، وعزيز الشيخ ومتي الشيخ، ومحمد حسين أبو العيس، وجورج تللو، وعبد الرحيم شريف، وطالب عبد الجبار، بالإضافة إلى المئات من الكوادر الحزبية ورفاق الحزب، قضوا جميعاً تحت التعذيب الوحشي رافضين تقديم الاعترافات عن تنظيمات حزبهم .

بعد كل الإجراءات التي أتخذها عبد الكريم قاسم منذُ عام 1959 وحتى وقوع انقلاب 8 شباط، والمتمثلة في إبعاد أغلب العناصر الوطنية المخلصة، والكفوءة من المراكز العسكرية، واستبدالها بعناصر انتهازية، وأخرى حاقدة وموتورة، تتربص بالثورة، وقيادتها، لم يكن متوقعاً أن تحدث المعجزة، ويجري التصدي للانقلابيين، وكل ما حدث أن عدداً من بقايا العناصر الشيوعية في الجيش، من صغار الضباط، وضباط الصف، والجنود، حاولت مقاومة الانقلابيين بما استطاعوا، ولكن دون جدوى، فلم يكن هناك أدنى توازن للقوى، بعد أن سيطرت قوى الرجعية على الجيش.

ففي بعقوبة تصدى عدد من الضباط، وضباط الصف والجنود للانقلاب، إلا أنهم فشلوا في ذلك، وجرى إعدام فوري لما يزيد على 30 ضابطاً وجندياً دون محاكمة.

وفي معسكر التاجي، القريب من بغداد، حيث توجد هناك محطات الرادار، حاولت مجموعة أخرى السيطرة على المعسكر، غير أن الانقلابيين تمكنوا من التغلب على المقاومة بعد قتال عنيف، غير متكافئ، وجرى الإعدام الفوري لعدد من الضباط الصغار، وضباط الصف والجنود.

كما حدثت مقاومة من جانب عدد من الضباط وضباط الصف، والجنود في منطقة فايدة، شمال الموصل، لكنها لم تستطع الصمود، حيث تم للانقلابيين قمعها، وجرى إعدام فوري لعشرات من الضباط والجنود.

أما قادة الفرق، وكبار القادة العسكريين فلم يحركوا ساكناً، بل أن قسماً منهم كان له ضلعاً في الانقلاب، وبشكل خاص محسن الرفيعي، مدير الاستخبارات العسكرية، الذي كان يغطي، ويخفي كل تحركات الانقلابيين، دون أن يتخذ أي إجراء ضدهم، ولم ينقل لعبد الكريم قاسم حقيقة ما يجري في البلاد.

ففي 4 شباط، قبل وقوع الانقلاب بأربعة أيام، أصدر عبد الكريم قاسم قرارا بإحالة مجموعة من الضباط المعروفين بعدائهم للثورة على التقاعد، ولكن أولئك الضباط استمروا بلبس ملابسهم العسكرية، ولم يغادروا بغداد، ولم تحرك أجهزة الاستخبارات العسكرية، ولا الأمنية ساكنا، وهذا خير دليل على تواطؤ مدير الأمن العام مجيد عبد الجليل، ومدير الاستخبارات العسكرية محسن الرفيعي مع الانقلابيين.

أما احمد صالح العبدي، رئيس أركان الجيش، والحاكم العسكري العام، فإن خيانته قد توضحت تماماً عندما أصدر أمراً يوم 5 شباط، أي قبل وقوع الانقلاب بثلاثة أيام، يقضي بسحب العتاد من كتيبة الدبابات التي كان يقودها العقيد الركن [خالد كاظم] وهو الوحيد الذي بقي في مركزه القيادي من الضباط الوطنيين، وأودع العتاد في مستودع العينة، وبقيت دباباته دون عتاد لكي لا يتصدى للانقلابيين. ولم يمس الانقلابيين العبدي بسوء.

كما أن عبد الكريم قاسم قام قبل الانقلاب بتعيين عبد الغني الراوي، المعروف بعدائه للثورة، وتوجهاتها، آمراً للواء المشاة الآلي الثاني، وكانت تلك الخطوة ذات أبعاد خطيرة، فقد كان الراوي أحد أعمدة ذلك الانقلاب، وقام اللواء المذكور بدور حاسم فيه.

استسلام عبد الكريم قاسم ورفاقه للانقلابيين وإعدامهم:

أخذت المقاومة داخل وزارة الدفاع تضعف شيئاً فشيئاً، وتوالت القذائف التي تطلقها الطائرات، والدبابات المحيطة بالوزارة التي تحولت إلى كتلة من نار، واستشهد عدد كبير جداً من الضباط والجنود دفاعاً عن ثورة 14تموز وقيادة عبد الكريم قاسم، وكان من بينهم الشهيد الزعيم [وصفي طاهر]، المرافق الأقدم لقاسم، والزعيم [عبد الكريم الجدة]، أمر الانضباط العسكري، واضطر عبد الكريم قاسم إلى مغادرة مبنى الوزارة إلى قاعة الشعب، القريبة من مبنى الوزارة، تحت جنح الظلام، وكان بصحبته كل من الزعيم [فاضل عباس المهداوي]، رئيس المحكمة العسكرية العليا الخاصة، والزعيم الركن [طه الشيخ أحمد]، مدير الحركات العسكرية، [وقاسم الجنابي] السكرتير الصحفي لعبد الكريم، والملازم [كنعان حداد] مرافق قاسم.

ومن هناك قام عبد الكريم قاسم بالاتصال هاتفياً بدار الإذاعة، وتحدث مع عبد السلام عارف، طالباً منه باسم الأخوة والعلاقة التي ربطتهم معاً قبل الثورة، مذكراً إياه بالعفو الذي أصدره بحقه، ورعايته له، بالسماح له بمغادرة العراق، أو إجراء محاكمة عادلة له، لكن عبد السلام عارف طلب منه الاستسلام.

وفي صباح اليوم التالي، 9 شباط، خرج [يونس الطائي] صاحب صحيفة الثورة، المعروف بعدائه للشيوعية، والذي كان قد سخره عبد الكريم قاسم لمهاجمة الحزب الشيوعي على صفحات جريدته [الثورة]، خرج للقاء الانقلابيين، وكان في انتظاره أحد ضباط الانقلاب، واصطحبه إلى دار الإذاعة، حيث قام بدور الوسي! بين عبد الكريم قاسم والانقلابيين!!، لقاء وعدٍ بالحفاظ على حياته، وتسفيره إلى تركيا، وهكذا انتهت الوساطة بخروج عبد الكريم قاسم، ومعه المهداوي، وطه الشيخ أحمد، وكنعان حداد، وكان بانتظارهم ناقلتين مصفحتين عند باب قاعة الشعب، وكان الوقت يشير إلى الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً، حيث نقل عبد الكريم قاسم، وطه الشيخ أحمد على متن إحدى المصفحات، ونقل المهداوي، وكنعان حداد على متن المصفحة الثانية، وعند وصول المصفحتين إلى دار الإذاعة أنهال عدد من الانقلابيين على المهداوي ضرباً مبرحاً حتى غطت الدماء جسمه، وأدخل الجميع إلى دار الإذاعة، وكان عبد الكريم بكامل بزته العسكرية ولم يمسه أحد بسوء عند دخوله مبنى الإذاعة.

إن كل ما قيل عن إجراء محاكمة لعبد الكريم قاسم كانت محض هراء، فلقد كان الانقلابيون قد قرروا مسبقاً حكم الموت بحقه، وبحق رفاقه، وما كان لعبد الكريم قاسم أن يسلم نفسه لأولئك المجرمين، ولكنه خُدعَ، أو ربما خَدَعَ نفسه بوساطة ذلك الخائن والدجال [يونس الطائي]، الذي كان يتملقه طيلة أيام حكمه، وتبين فيما بعد أنه كان على علاقة حميمة بالانقلابيين، وتصور عبد الكريم قاسم أن يدعه الانقلابيون يخرج بسلام، أو أن يوفروا له محاكمة عادلة، وعلنية كما فعل هو عندما حاكم عبد السلام عارف، والمتآمرين الآخرين على الثورة.

وحال دخول عبد الكريم قاسم دار الإذاعة، أنبري له عبد السلام عارف وعلي صالح السعدي بالشتائم المخجلة، التي لا تصدر إلا من أولاد الشوارع فقد توجه السعدي إليه قائلاً: [لقد كانت عندنا حركة قبل أسبوعين، وأريد أن اعرف مَنْ أفشى لك بهذه الحركة، وهل هو موجود بيننا؟] وكانت تلك الحادثة قد أدت إلى اعتقال السعدي.

وقد أجابه عبد الكريم قاسم [غير موجود هنا بشرفي] لكن السعدي رد عليه بانفعال قائلاً [ومن أين لك بالشرف]، وهنا رد عليه عبد الكريم قاسم قائلاً: إن لي شرفاً أعتز به].

وهنا دخل معه في النقاش عبد السلام عارف حول مَنْ وضع البيان الأول للثورة، وكان كل همه أن ينتزع من عبد الكريم قاسم اعترافاً بأنه ـ أي عبد السلام ـ هو الذي وضع البيان الأول للثورة، إلا أن عبد الكريم قاسم أصر على أنه هو الذي وضع البيان بنفسه، وكانت تلك الأحاديث هي كل ما جرى في دار الإذاعة، وقد طلب عبد الكريم قاسم أن يوفروا له محاكمة عادلة ونزيهة وعلنية، تنقل عبر الإذاعة والتلفزيون ليطلع عليها الشعب، إلا أن طلبه رُفض، فقد كان الانقلابيون على عجلة من أمرهم للتخلص منه لكي يضعوا حداً للمقاومة، ويمنعوا أي قطعات من الجيش من التحرك ضدهم .

قام العقيد عبد الغني الراوي بإبلاغه ورفاقه بقرار الإعدام للجميع، وحسبما ذكر إسماعيل العارف في مذكراته أن عبد الكريم لم يفقد رباطة جأشه، وشجاعته، ولم ينهار أمام الانقلابيين، وعند الساعة الواحدة والنصف من ظهر ذلك اليوم، 9شباط 1963، اقتيد عبد الكريم قاسم ورفاقه إلى ستديو التلفزيون، وتقدم عبد الغني الراوي، والرئيس منعم حميد، والرئيس عبد الحق، فوجهوا نيران أسلحتهم الأوتوماتيكية إلى صدورهم فماتوا لساعتهم رافضين وضع عصابة على أعينهم، وكان آخر كلام لعبد الكريم قاسم هو هتافه بحياة ثورة 14 تموز، وحياة الشعب العراقي، وسارع الانقلابيون إلى عرض جثته، وجثث رفاقه على شاشة التلفزيون لكي يتأكد الشعب العراقي أن عبد الكريم قاسم قد مات في محاولة لأضعاف روح المقاومة لدى جماهير الشعب والحيلولة دون تحرك أية قطعات عسكرية ضد الانقلاب.

لقد حكم الانقلابيون البعثيون وحلفائهم القوميين مدة تسعة أشهر، كان إنجازهم الوحيد خلالها هو شن الحرب الهوجاء على الشيوعيين والديمقراطيين، وكانت تلك الأشهر بحق أشهر الدماء والمشانق، والسجون والتعذيب، وكل الأعمال الدنيئة التي يندى لها جبين الإنسانية، حتى وصل الأمر بعبد السلام عارف، شريكهم في الانقلاب، ورئيس جمهوريتهم، بعد انقلاب شباط، بعد أن قاد انقلاب 18 تشرين ضد حكم شركائه البعثيين، أن أصدر كتاباً ضخماً عن جرائمهم، وأفعالهم المشينة، مشفوعاً بتلك الصور البشعة لجرائمهم بحق الشيوعيين والديمقراطيين والقاسميين سماه [المحرفون].

 

 حامد الحمداني

   

 

ميثم الجنابي(الإهداء إلى عبد الحليم وسلمان)

إن عبد الكريم كاصد ليس شاعرا مغمورا ولا أديبا مجهولا، لكن شان كل ما هو أصيل لا تبرز صورته إلا في لمعان المعاناة الفعلية للثقافة، كما لا يبقى اسمه وأثره وإبداعه إلا في ذاكرة الروح الحر بوصفه حقيقة الأدب وأدب الحقيقة. وهذه احدى الإشكاليات العصية بالنسبة للمزاج والضمير والعقل. لكنها معقولة ومقبولة بمعايير تتبع الإبداع الحقيقي بوصفه معاناة مريرة ومصير بمستواها. ومن خلالهما فقط تلألأ حقيقة الشخصية ومن إبداعها ومكانتها التي ينبغي أن تحتلها في معارج الروح المبدع وآدابه.

للكتابة عن الشاعر والأديب تاريخها الخاص. كما أن الكتابة عن شخص حي غيرها عمن غاب ومضى بجسده. بمعنى أن الكتابة تربط في كل واحد إدراك قيمته الحية في شخصيته وحياته وإنتاجه. وهو جمع يصعب أحيانا إدراك الباعث الكامن وراء الكتابة عنه. بحيث ترتقي احيانا إلى مصاف الإشكالية الفكرية والمعنوية، لكنها تنحلّ وتذوب حالما ننزلها إلى مصاف ما يمكن دعوته برنين المعنى الثقافي في تأمل الشخصيات التي تلعب وتؤدي أدوراها التاريخية في تعميق أو بلورة أحد معاني الوجود الإنساني، أو ما وصفه هيغل بروح الأمم. والشاعر الحقيقي والأديب هو روح معبر عن المعاناة التي يمر بها الروح الوطني والقومي من أجل أن يخرج بعد مروه بدهاليز الحياة والتاريخ إلى فضاء المعاناة من جديد. فالحياة الكبرى هي بركان تصنع نيرانه وأبخرته طبيعة وملامح الوجود الإنساني.

والكتابة عن هذه الشخصيات التي تلمع في ظلمة الوجود هي جزء مما اسميته بالمعاناة المريرة والمصير. وليس مصادفة أن يكون اهتمام عبد الكريم كاصد في اغلب ما كتبه من شعر ونثر ونقد يصب في روافد الأنهر العراقية وأنهاره وأهواره، أي في كل ما صنع اخدود الذاكر العراقية وطبعها بنكهة هي عين الحياة والموت، أي كل ما وجد نموذجه الأرقى والأكثر مأساوية في بدر شاكر السياب. ومن ثم يمكننا العثور في هذا الاندماج الوجداني والروحي العميق بشخصية السياب تعبيرا عما فيه اولا وقبل كل شيئ. ولا يغير من ذلك اختلاف وتباين المظهر. فالسياب صغير الحجم ضعيف منهك الجسد قوى الروح، بينما عبد الكريم يوحي إليك بمظهره من بقابا "عمالقة" الماضي. وهي صفة تشترك فيها العائلة والعروق البصرية التي امدتها برحيق البأس والقوة. وهي الصورة التي انطبعت في المخيلة والذاكرة عندما التقيت به للمرة الأولى قبل أكثر من ثلاثين سنة عندما اوصلني إلى هادي العلوي في دمشق الشام[1]. وقد كانت تلك أيضا المرة الأولى التي التقي بهما. وقد يكون هذا اللقاء هو السر الأعمق والكامن في كتابتي عنهما. فقد كان كتابي عن هادي (المثقف المتمرد) الذي طبع ثلاث مرات لحد الآن تعزية للنفس بفقدانه وما تركه من أثر وجداني وأخلاقي في أعمق أعماقي. لهذا لم اتناول ما كتبه بمعايير البحث العلمي والفلسفي، بل كان الأهم بالنسبة لي شخصه وشخصيته. فقد كان العلوي يشبه بمعنى ما السياب من حيث الجسد المنهك بأثر المرض، والقوي في روحه المبدع.

وعند هذا الحد انقطع اللقاء والتواصل مع عبد الكريم كاصد. لكنه عاد من جديد بعد عقود. وقد وعدته بالكتابة عنه قبل أكثر من عشرة أعوام عندما كان يرسل مقالاته إلى المجلة التي كان يصدرها الدكتور مارفن الزايد في كندا. وقد كان الدكتور مارفن يتولى القسم الانجليزي، بينما كنت اتولى القسم العربي منها (تحت عنوان اوراق عربية). وقد كان وعدي هذا ينطلق من تخطيطي للكتابة عن نماذج من الشخصيات المثقفة الكبيرة في العالم العربي الحديث والمعاصر ضمن كتابي(الأشباح والأرواح- تجارب المثقفين والسلطة). على ان يصدر ضمن المجلد الثالث من كتابي هذا. وقد طلبت منه أن يرسل لي كل ما كتبه ونشره. ومازالت احتفظ بنصوصه المرسلة جميعا. وبسبب تأخر كتابتي لهذا الجزء، إذ لم استطع لحد الآن إتمام سوى المجلد الأول والذي صدر قبل أيام عن المركز الاكاديمي العراقي الكندي للأبحاث. وأعمل على اتمام الجزء الثاني هذا العام. ثم ختامه بالجزء الثالث بعد ذلك. عندها سيكون بإمكاني التوسع بالكتابة عنه ضمن سياق موقف المثقف من السلطة بالمعنى الواسع للكلمة، أي مثقف الحرية.

من هنا فان المهمة القائمة أمامي الآن لا تقوم في تفسير شعره وتقييمه، لأن الشعر الأصيل من وجهة نظري لا يحتاج إلى تفسير لأنه يفسده. إن الشيء الجوهري بالنسبة لي هنا هو تناوله ضمن مفهوم وفكرة الارواح. فالشاعر الحقيقي روح. وبالتالي، فإن مهمة التحليل الفلسفي هنا تقوم في اكتشاف طبيعة ونوعية وغاية الحس والعقل والحدس في شعر الشاعر. وهو الاسلوب الوحيد الذي يحرر الفكر من البحث فيما لا قيمة له. ومن ثم الغوص فيما اراد الشاعر قوله في احساسه وعقله وحدسه. كما انه الأسلوب الذي تتكشف فيه الآفاق المرئية وغير المرئية التي تجعل من الشاعر الأصيل مرآة تعكس على قدر ما فيها من نقاء الحس والعقل والحدس أسلوبه وشخصيته وفكره، أي كل ما هو ضروري لتوسيع مدى الرؤية الجمالية والذوق الفني الرفيع. فهو الالتزام الأكبر والأعمق والأصدق للشاعر وليس بلاغة الكلمات وترصيفها في أبيات الشعر.

إن الشاعر الحقيقي لا يتلوى في بيوت الشعر وخيام الأمراء وقصور السلاطين وأقفاص الرؤساء المذهبة بالجاه والمال والخديعة ورياء الأحزاب، بل بقوة الإرادة البيانية والإخلاص لفكرة الجميل والجمال الفعلي في حياة الأمم. وهذه كلها تنبع بقدر واحد من باطن الشخصية وظاهر سلوكها في كل فعل. والشعر هو الصورة الصادقة لهذه الافعال. من هنا قولي عن أن الإبداع الحقيقي للشاعر هو معاناة ومصير.

تشكل وحدة المعاناة والمصير كلا واحدا. ومنهما ومن خلالهما يمكن تحسس الوحدة الخفية للحس والعقل والحدس فيما أراد قوله وما استبطنه في شعره. لهذا يتفاعل الحس والعقل والحدس عندما نسمع قول ابي فراس الحمداني (اراك عصي الدمع شيمتك الصبر) وهو "نصف بيت" يعادل ما نشر وينشر على مدار عقود مما يسمى بالشعر الحر لهذه الكمية الهائلة التي تملأ الصحف والمواقع من كل ما لا يمكنه أن يكون شيئا غير شويعر وشعرور. بينما تبقى شخصيات وخطاب وروح الشعراء الكبار، ايا كان موقفنا منهم كالسياب وأمثاله في نسيج الرؤية الجمالية والذوق الفعال في الضمير الفردي والاجتماعي والوطني والقومي العربي.

وينتمي عبد الكريم كاصد إلى هذا النوع من الشعراء. وأمثاله في العراق الآن على عدد أصابع اليد. وهو العدد الكافي. فكثرة الشعراء دليل على فساد الأمم وخرابها العقلي وضعف امكانياتها العلمية. كما أن المرء يصاب بالغثيان من هذه الكمية المفزعة "للشعراء" الشعبيين منهم. ولا معنى للشعبي هنا سوى الريفي والقروي. ولا علاقة لذلك بالموقف من القرية والريف. فجمالهما في الزراعة وعطرها المثير والمفيد للروح والجسد. أما شعرها فهو كأعلاف الحيوانات. ضروري لكنه ليس صالحا للذوق البشري. أما شعراء المواقع الالكترونية الذين يحبون المديح المثير للغثيان أحيانا، فإن أحدهم يتغزل وهو في عمر يقارب الثمانين! بينما يفترض الغزل المثير، على الأقل، وجود قضيب عندليب! بينما لا تتعدى شهية هذا العمر وتلذذه بشيء أكثر من الأدوية والشكاوي!

من هنا فان تحليل شخصية عبد الكريم في حسه وعقله وحدسه الشعري والأدبي أهمية بما في ذلك في الدفاع عن الشعر الحقيقي وحقيقة الشعر المبتذلة بين هذا الكم الهائل من الذوق الفاسد ورتابته القاتلة والواسعة الانتشار بين من كان طول عمره وتحصيله في علم الميكانيك والفيزياء والطب البيطري والكيمياء والتاريخ والجغرافيا!! ولا شيء هم فيها! ومن ثم لا يمكن أن يكونوا شيئا هنا ايضا! وهو أمر طبيعي بل إن شئت إنه القدر المحتوم لكل هذا التلاعب الذي لا يحب اللعب!

فالإبداع الحقيقي تلقائي بالضرورة. بمعنى انه نتاج أنساق متنوعة وموحدة بالهموم الجوهرية للمبدع. وهذا بدوره حصيلة تداخل فرداني لمعاناة عميقة ومصير شخصي. وقد صور عبد الكريم كاصد هذه الحالة بدقة في احد مواقفه عندما علق على بعض ابياته الشعرية قائلا، بان هذه الأبيات قد كشفت له المعنى الذي أراده وليس العكس. إذ لم يكن لديّه المعنى لكي يصوغهُ أبياتاً، وإن كل ما كان لديّه هو "رؤيته الكامنة التي قادته إلى المعنى".  وليس هذا بدوره سوى الصيغة الفكرية المجردة لموقفه العام من أن حقيقة الشعر في صلب الحياة. وذلك لأن حقيقة الشعر هو أولا وقبل كل شيئ شعور صادق وليس ترصيف للكلمات وتصفيفها في "أبيات" خربة أو مصقولة المظاهر. وهو الموقف الذي سجله وصوره ودقق وحققه على مثال ونموذج الإبداع الشعري ومصيره في شخصية السياب. فقد أدت مصالحته لمجلة شعر، كما يقول عبد الكريم، الى عداوات أوسع حتى مما في مجال الشعر. اذ جرى انذاك انهماك مختلف المجلات الادبية مثل (الآداب) في شحذ أسلحتها "النقدية" من خلال نقاد مشهورين آنذاك مثل إيليا حاوي للتقليل من أهمية شعر السياب ونعته بالتخلف والبداوة. ليس ذلك فحسب، بل وحاولت، شأن النساء الغيورات، بتقديم بدائل شعرية لكي تستولي على عقول وذهنية وشعرية الشعراء الشباب، كما هو الحال في تقديمها خليل حاوي وغيره باعتباره ممثّلا "للشعر الميتافيزيقي". بينما حدد مسار التاريخ الشعري والإبداع نفسه المصير المحتوم لكل هذه المهاترات الكيدية التي عادة ما ترافق مسار الأبداع الاصيل. فالإبداع الحقيقي معاناة مريرة ومصير. بمعنى بقاء السياب وتزايد عظمته وضمور وتلاشي وانعدام كل ما عداه أو ما جرى العمل من أجل إحلال أحدا غيره. وهي ممارسة لم يخل التاريخ القديم منها ولا الحديث والمعاصر ولا المستقبلي فيما يبدو. إن إحلال دمية بأخرى عمل لا يرهق النفس والروح والجسد، وبالتالي لا معاناة فيه. أما مصيره فإلى زوال.

وقد حدد ذلك ما يمكن دعوته بهيمنة الهموم النقدية في شعر عبد الكريم كاصد وأدبه ومواقفه من الشعر والحياة. بحث يمكننا أن نرى عنده الإدراك الدقيق للحقيقة القائلة، بان حقيقة الشعر  في الحياة أيا كان شكلها ولونها وليس في شخصية الشاعر كما هو، أي رؤية الحياة ما وراء الشعر. فعندما تناول شخصية الشاعر البريكان شدد على ان الذين يبحثون في تفصيلات حياته عن معنى لإضاءة شعره، فإنهم لن يعثروا على ما يسعفهم في فهم هذا الشعر أو اكتشاف ما وراءه من قيم شعريّة كبيرة، لانّ البريكان ليس من هؤلاء الشعراء الذين نجد لديهم ذلك الفاصل الكبير بين حياتهم وشعرهم. ولعل في شعر البريكان القائل، بان "سيد العبيد عبد في الصميم" احد النماذج الدقيقة الحية لهذه الفكرة والموقف.

لم يقصد عبد الكريم كاصد في استنتاجه هذا وضع الحياة فوق الشعر أو وضع حياة الشاعر فوق شعره أو بالعكس، بل بحث عن النسبة الحية والفردية للإبداع الشعري. فلكل شاعر كبير خصوصيته، لكن ما يجمعهم هو هموم الوحدة العميقة للجمال بمختلف أشكاله ومستوياته. لهذا علق على شعر البريكان السابق بقوله "إن المسافة التي يشير إليها البريكان في هذه القصيدة ليست هي المسافة الفاصلة بين العبد وسيّده، ولا مسافة الإنسان المتفوق، بل هي تلك المسافة المنبعثة عن رغبته العميقة في النأي عن سعادة التماثل الكامل التي كان ثمنها فادحاً للكثيرين". والسبب يكمن في صعوبة فصل الإحساس عن الفكرة أو الفكرة عن الإحساس عند البريكان. إذ وراء كل إحساس مهما صغر ثمّة فكرة، ووراء كل فكرة مهما عظمت ثمّة إحساس متجّسد. من هنا استنتاجه القائل، بان قلة من الشعراء العرب المعاصرين من استطاع الجمع بين عمق الفكرة ووضوحها، دون أن يفقد شعرهم قدرته على الإيحاء بما يتجاوز الفكرة نفسها. بمعنى ان حقيقة الشعر وقوته وأصالته تقوم في اشياء وراء "الفكرة" أيضا، أي تلك التي تعادل معنى الحدس العميق لإشكاليات الحاضر والمستقبل. لهذا لا معنى لانهماك النقد في الكشف عن القيم الشعرية في شعر الشاعر بنمط حياته. فقد كان البريكان يعيش العزلة في جسده لكنه كان منهمكا في "شمولية الرؤية ورحابة الفكرة". تماما كما لا معنى لانهماك النقد في البحث عن موقع الشاعر بين شعراء جيله لأنها صيغة تنتمي إلى عصور طبقات الشعراء ونقّادهم. إن الشاعر الحقيقي هو الذي ينتمي إلى وحدته ومدّ جذرها إلى ما يجعلها شجرة تظلل الأشياء والناس بظلالها.

من هنا اولوية وجوهرية الفكرة النقدية الحية في إبداع عبد الكريم كاصد سواء في المجال الادبي أو الشعري او في مواقفه السياسية والحياتية. وسوف اكتفي هنا عند حدود الأولى, مع انهما يتداخلان بصورة عضوية في كيانه وكينونته. ففي احد قصائده التي يحاكي بها ابداع المعري نسمعه يخاطبه:

يا أبا العلاء

كم تشير إلى ذلك الذئب

وتقول: "دعوه! ستهلكه صحبةُ الأغنام".

ففي هذه الصيغة المفارقة نعثر عل احد النماذج النقدية الجميلة التي تتجاوز النقد السياسي المباشر في موقفه من إشكاليات الحياة والواقع،  عبر ارساء القاعدة المرئية القائلة، بأن الخلل الجوهري في الوجود الإنساني والجمالي والسياسي بشكل خاص، يقوم في عدم إدراك القوة الكامنة لانعدام التناسب في الوجود. فالتناسب هو القوة الكامنة وراء الحق والحقيقة والجميل. فللأغنام والذئاب تناسبها الخاص في الطبيعة، بينما في الوجود الإنساني فان مصيره مفسد للاثنين. إنها تشبه فكرة ان سيد العبيد عبد دون ان يرى ذلك. وعندما استعمل هذه الفكرة في موقفه من الشعر والشعراء نسمعه يقول "أليس في صحبة الضعيف ما يبعث على الضعف؟ كم من الشعراء المبدعين من اتخذ له مريدين تافهين لينصّبوهم أتباعاً وشعراء وارثين من بعدهم فكانت العاقبة خسارة هؤلاء المبدعين وأتباعهم معاً؟ كم من قادة اتخذوا أعواناً لهم من أضعف الناس وأخسهم سلوكاً ليقووا بهم فكانت النتيجة ضعف القادة الأقوياء أنفسهم". وهكذا دواليك.

إن الشاعر والأديب الذي يدرك اولوية الحياة وجوهرية النقد العميق بالنسبة للوجود الإنساني، عادة ما تصبح وحدة الذكرى والذاكرة القوة الكامنة في رؤيته لإشكاليات الحاضر والمستقبل. وليس مصادفة ان نرى هذه الحالة تبرز عند عبد الكريم كاصد في أحد آخر أعماله الأدبية الشعرية التي يحاكي بها ما صوّره المعري في (رسالة الغفران) وغيرها من أعماله الأدبية. وسوف اكتفي ها بتحليل الأبعاد النقدية لهذا العمل دون تناول قيمته الأدبية[2].

لقد قدم عبد الكريم كاصد في احدى مقالاته بسؤال "لماذا ابو العلاء؟". والاجابة عنه تبدو بسيطة، وهي انه أحد أعلام ومرجعيات الحقيقة والإبداع الحر في الثقافة العربية. غير ان هذا لا يكفي ضمن السياق الذي وضعه عبد الكريم كاصد. ان الشيء الجوهري في الرجوع الى المعري ومحاكاته تكمن في جوهرية الذكرى والذاكرة الأدبية، التي يستحيل بدونها بلوغ المعنى. ومن ثم الخروج إلى فضاء معاصر. وكما قيّم المعري تراث الاسلاف وشخصياته، فان عبد الكريم كاصد سعى للشيء نفسه ولكن ضمن سياق المرحلة الحالية التي تخلو من فطاحل وفحول الشعراء والأدباء. غير أن لكل مرحلة ابطالها وأقزامها. والمهمة تقوم ليس في المقارنة بل تحسس الواقع وعقله بمرآة الرؤية النقدية. وهو الباعث الذي يمكن رؤيته فيما كتبه عبد الكريم كاصد بهذا الصدد. وقد يكون المقطع التالي مفتحا لما اتكلم عنه:

ويا صيحتي

حين ينبعث الميت في صيحتي.

فقد وجد فيها "مفارقة أن يصبح ديك أبي العلاء وهو الضرير صيحته". أو أن يتساءل: أين أبو العلاء من وحشه الشاعر الذي لا يجد خلاصهُ في انبعاثٍ أو آخرةٍ كما في قوله:

إلى صاحبي الحطيئة

فقد وردتني أخبار

عن وحشته في الجنة

والمقصود بذلك ما هو وارد في ذكر الحطيئة في (رسالة الغفران) عندما صوره المعري كما لو انه كان يعيش في أقصى الجنة "كأنه حفشُ أمةٍ راعية"، رجل "ليس عليه نور سكان الجنة، وعنده شجرة قميئة ثمرها ليس بزاكٍ". وعندما سأله عما وصل إليه وحالته، اجاب الحطيئة "والله ما وصلت إليه إلا بعد هياط ومياط، وعرق من شقاء، وشفاعةٍ من قريش وددت أنها لم تكن". بعبارة اخرى، إن المكان الذي يليق بالشاعر هو ليس زاوية ولتكن في "جنة الله"، بل في القلوب النابضة بالحياة. وهي الفكرة التي وظفها عبد الكريم كاصد فيما يمكن التعبير عنه، بأن جنة الشاعر الحقيقة هي في نقده الأدبي للقبح الموجود او السائد في المجتمع وأفراده. ونعثر على هذا الموقف فيما توصل اليه بأثر هذه المحاكاة، بان ما حاول قوله من وراء هذه الحكاية هو  "تلخيص موقف أبي العلاء من الأدب والأدباء الذين يقول فيهم:

وما العلماء والجُهّال إلا

قريبٌ حين تنظر من قريبِ".

كما وجد في فكرة المعري عن رؤيته للقيامة على انها في نهاية المطاف ليست إلا "القيامة الحقيقة للخلائق".

وقد تتبع عبد الكريم كاصد هذه "القيامة الحقيقة للخلائق" في كل ما كان يشاهد ويتأمله ويتذكره، أي كل ما نستطيع رؤيته في موقفه النقدي من الواقع وذكرياته. وقد تكون المقالات الصغيرة التي كتبها عن تجاربه مع "مربد الشعراء" احد الامثلة النموذجية بهذا الصدد. فنراه مرة يكتب عن (الرحلة الثانية بعد الألف إلى المربد)، و(المربد الاخير)". وفي كليهما نعثر على ارهاف الذاكرة النقدية، التي استشف منها في نهاية المطاف وحدة المعاناة الكبرى التي مر بها بدر شكر السياب والبريكان وغيرهما، والتي يمر بها أو يتحسسها هو نفسه. ففي الحالة الأولى نعثر على تصويره لحالة "مربد الشعراء" للاحتفاء به بوصفه "شاعر المربد لهذا العام". حيث يقول "للمرة الثانية أزور البصرة، وفي المرتين أزورها في الربيع. غير أن الربيع هذه المرّة كان متوارياً، خائفا، متردّداً. لم ألحظ هناك زهرة لأستدلّ عليه. مع ذلك فإنني دعوته لندخل المدينة معاً، وقد نصبت سرادقها للإحتفاء بي شاعر المربد هذا العام". اذ لم يجد في "ثغر العراق الباسم" سوى مدينة أصابها الهرم "مدينة بلا ظلّ. تمتدّ وكأنها تزحف إلى طفولةٍ مفقودة لن تجدها يوماً. أحلامها جمدت كسحب معلقة أصابها العفن واستحال عليها السقوط مرّةً ثانيةً. لا أحد هنا ليرمم ماضيا أو يرسخ حاضراً أو يبني مستقبلا. الحفاظ على حياةٍ مهددة دوماً هو ما يشغل الجميع"، أي حياة بلا حياة. بحيث نراه يجد ملاذه الأخير وسعادته المتخيلة في التردد على تمثال السياب، وما وراءه إلى صاحب التمثال. الأمر الذي دفعه بزيارة جيكور كما لو انها بؤرة الوجود الحي الوحيد في الذاكرة والواقع. لاسيما وأنها كانت جزءا من ذكرى الطفولة وذاكرة الروح الشعري. فقد كانت حسب ذاكرة الطفولة المكان الذي كان يمر به لزيارة جدته. اما الآن فقد أصبحت ممرا مرهقا للكهولة. اذ لم يعد يرى فيها عباءة (امرأة) بل صادفته عشيرتان تقاتلتا أمس وهما اليوم تتفاوضان! وقد تلاشت جدته من أثر المكان ولم يبق إلا زمن خرب. لهذا لم يستوقفه شيئ غير ذاكرة الروح الشعري الذي ارتبط ببويب هذا النهر الصغير الذي جعل منه السياب ينبوع المياه منذ عصر الطوفان وحتى اليوم. لقد رأى بويب وهو يحدّق به بعينيه الواسعتين أو بعينه الواحدة تحت الظلال الكثيفة وكأن الأبدية تحدق بي وتسأل. ماذا تسأل؟ وعلى مقربة منه ثمة نهر آخر وديع هو (نهر العذارى) حيث أمضى السياب هناك طفولته وشبابه. اما "المربد الاخير" فيبدو كما لو انه الموسيقى الجنائزية لموسيقار لا يعرف العزف إلا على الربابة! إذ لم يجد قبل الدخول إليه غير المنازل نفسها، والشوارع نفسها، والأوساخ نفسها. الأمر الذي اثار السؤال الوجودي للشاعر: لم المجئ إذن؟ من أجل ماذا؟ كما لو انه يعيد بدون وعي ما كان مخزونا من ذاكرة الشعراء القدماء ووقوفهم على الأطلال.

لقد وضعه هذا الواقع وأوقفه أمام السؤال العميق للشاعر والأديب المهموم بالكلمة والعبارة والمعنى والغاية، وهو "أمن أجل الشعر جئت وقد أصبحت الكلمات حتّى أجملها مكسوّة بالغبار وسط هذا الخراب اللعين"، وعما إذا كان المربد احتفاء بالشعر أم بالناس وقد اكتظت بهم القاعة؟ فرحين بلقاء بعضهم بعضاً في نزهة نادرة"، حيث تسمع " قصائد جميلة قرئت فضاعت وسط قاعة مصممة للخطب... وصحفيين يقيسون القصيدة بالتصفيق ولا يجيدون حتى الإصغاء متصورين أن ضجيج المايكرفون هو القصيدة". وقد جعله ذلك يصور حاله بعبارات بليغة عميقة وجميلة عندما سألوه متى يمكنهم رؤيته (ويقصون بذلك مرة أخرى) مستغربا كما لو انهم لا يرونه الآن. وهم لا يرونه فعلا. من هنا الصورة الأخاذة التي وضعها بعبارة تقول "ليت الإنسان جملاً يخزن ما يريد أن يجتره في ما بعد ملتذاً وسط صحرائه التي يخوضها بلا أخفاف". لكنه يقف هنا، شأن كل شاعر وأديب أصيل وملتزم بمعايير الروح الجسد أمام المفارقة التي تقلق همومه ووجدانه مخاطبا نفسه:"أية لذة هذه وقد ارتدى الجميع ثياب الحداد". وقد كان المخرج منها هو هو نفسه: الذهاب الى السياب فهو جيكور الجسد، وبويب الروح للشروع بهما ومنهما إلى عالم الشاعر: تحدي الموت باسم الحياة والبقاء ضمن هذه الدورة الخالدة للزمن والتاريخ. فقد اخذه الدفّان بدرّاجته المدفوعة بين الأشجار لزيارة ضريح السياب. وأشار إلى قبر وقال هنا "دفنتُ السيّاب". كما لو أن السياب يدفن ويموت. لكنه حالما وصل إلى طرف المقبرة

استيقظت الصحراء

ومضت تحمل فوق ظهور الإبل

مقابرها!

ان كل هذه الصورة وغيرها تكشف عما أسميته بوحدة الحس والعقل والحدس، بوصفها القوة الفاعلة في شخصية عبد الكريم كاصد وإبداعه الشعري والأدبي. وهي الصورة التي يمكن رؤيتها في موقفه من السياب. فالسياب بالنسبة لعبد الكريم كاصد ليس الشاعر العربي الأكبر، بل "وأنا"ته الأخرى. وليس مصادفة أن نعثر عليه في كل احاسيسه وعقله وحدسه. فقد لازمه دوما بأثر وحدة الذكرى والذاكرة الصانعتان لقوة المعنى. فكل ما كتبه عبد الكريم كاصد عن الشعر والأدب والسياب وغيره من الشعراء محكوم بقيمة المعنى. لكن للسياب مكانته عنده شأن جيكور وبويب للسياب نفسه. لقد كانا مرآة وجوده ووجده، كما أن السياب هو مرآة وجود ووجد عبد الكريم كاصد. فقد صوّر ذكرياته الحية عنه بطريقة مباشرة لا تخلو من الاعجاب الشديد والتأسي العميق والكآبة على شعب وأمة عاملته بهذا القدر من القبح الرذيلة وهو الذي لا هم له غير اعلاء شأنها عبر جيكور وبويب.

إذ يصور لنا عبد الكريم كاصد كيف انه كان يصادفه أحيانا في الظهيرة في حافلة النقل بداية الستينات من القرن العشرين عند عودته من عمله في أحد المصارف، أو في المساء في الحافلة أيضاً، وهو في طريقه إلى مكتبة (فيصل حمود) يجرّ جسده المنهك النحيل، ونظرته الذاهلة البعيدة عن الأشياء والناس. حيث كان آنذاك يسكن في بقعة كانت مقبرة للأطفال. وقد أطلق على هذه البيوت اسم (الأصمعي)، غير أن الناس يسمّونها باسم (الومبي)، وهو اسم الشركة التي بنتها. ولم يكن "بيت" السياب سوى عربة في قطارات، كما يقول عبد الكريم كاصد. لقد عاش في هذه العربة "أعظم شاعر عربيّ معاصر هو الشاعر بدر شاكر السياب".

دوّن عبد الكريم كاصد صوره وتصويره وانطباعاته عن "أعظم شاعر عربيّ معاصر" في أحد مقالاته الصغيرة، الذي يعادل في اعتقادي كل ما كتب عن السياب من ابحاث ودراسات وكتب. واعتقد ان هذا المقال (مصالحات الشاعر) يصلح لأن يكون افضل سيناريو لأحد الافلام العظيمة عن السياب. ففيه يمكن رؤية مفتاح الرؤية الحسية والعقلية والحدسية التي يقدمها عبد الكريم كاصد للسياب وشخصيته وإبداعه ومصيره ومأساته الهالة.

وقد كان اشتقاق هذا المصطلح تعبير دقيق يذلل معنى المهادنة والخنوع والاستسلام وما شابه ذلك مما تتبجح به الصحافة السياسية العراقية. من هنا اساءة فهمهمن قبل الجميع. فقد مات السياب بأثر الفقر والجوع والمرض. وكلها امور عادية تمر بها اقوام وملايين من البشر. لكن ما يميزه هو موت الشاعر المبكر، شأن كل عظماء الشعراء المتمردين امثال بوشكين وبايرون وأشباههم، أي كل أولئك الذين قتلوا بطريقة من الطرق ولم يتجاوز العقد الرابع (بايرون (1788-1824)، بوشكين (1799-1837)، والسياب (1926-1964)، الاول 36 سنة والثاني والثالث 38 سنة)[3].

ويمكنني هنا القول، بأن السياب يمثل بمعنى ما البؤرة الكامنة في حس عبد الكريم كاصد وعقله وحدسه. اذ يمكننا رؤية روح السياب وراء نقده ومواقفه للشعر والشعراء والحياة الأدبية العراقية ولحد ما العربية. من هنا قوله بان هناك الكثير من الجوانب المغرية بالبحث في شعر السياب، إلا ما يهمه اولا وقبل كل شيئ ليس الجانب الوقائعي بحدّ ذاته، على أهميته، بل الجانب المعرفي. وقدم بهذا الصدد رؤية منهجية تختلف عما هو سائد بهذا الصدد، حاول من خلالها تقديم ما اسميته بمفتاح الكشف العميق والحقيقي للسياب، أي كل ما وضعه بفكرة "مصالحات الشاعر". فإذا كان البعض انطلق أو ينطلق في دراسته للسياب، كما يقول عبد الكريم كاصد، من اعتراضات الشاعر، فأنه ينطلق من مصالحات الشاعر في علاقته بالواقع. وهي المصالحات التي لم تجلب له غير المتاعب والخراب. فحين لا يعارض الشاعر العالم ولا يتصالح معه، حينذاك تظهر المأساة كما هي بلا أقنعة. وهذا ما كان عليه السياب.

وشرح عبد الكريم كاصد فكرته ومنهجه وموقفه هذا على بعض أمثلة من حياة السياب نفسه. ففي بداية ستينيات القرن العشرين كان السياب يبحث عن المصالحة الأوسع التي وجدها فيما يبدو في مجلة (شعر). غير أن هذه المصالحة كلّفته كثيراً. لقد زادت من عداواته المعلنة وقادته إلى الشكوى منها. ومفارقة الظاهرة تقوم في أن مجلة (شعر) التي أرادها أفقا له كانت هي نقيضه الشعريّ. وذلك لأنها عملت من خلال احتضانه إياه أيضا على ما اسماه عبد الكريم بخسوفه الشعريّ. لكنه مع ذلك لم يدم طويلا. فهفوات الشاعر العظيم هي أيضا لحظة في الإبداع. وليس مصادفة أن "ينفجر شعره فيما بعد دافقاً مؤكّداً حضور شاعر لم تكن مأساته إلاّ جزءاً من كيان شعري رقيق حتى كاد أن يكون نسيج وحده". وضع عبد الكريم كاصد حصيلة هذا الرؤية في تقييمه للسياب باعتباره "الشاعر الشعبي الوحيد في شعرنا العربيّ". وليس المقصود بالشعبي ما هو سائد بمفهوم الشعبية الساذج للشعر، بل في "امتداداته في روح اللغة والإنسان، بعيداً عن أيّ مظهر خارج الشعر".

إن إشكالية السياب هنا تقوم في كونه كان يمارس هذه المصالحات بمأساوية البطل الخاسر الذي تساوى لديه مديح أدونيس أو مزهر الشاوي[4]. وينطبق هذا على "مصالحاته السياسية" وآثارها الفاجعة في حياته. فقد انهكته بحيث جعلت من "رغبته في التصالح مع العالم ضرباً من الوهم والاستعداء"، كما لو أن العالم بأحزابه السياسية المتصارعة لم يكن بحاجة إلى ولاء شاعر كبير كالسياب، بل إلى عداوته، كما يقول عبد الكريم. وحين لا يُجدي حتى الولاء في هذا العالم، فماذا يفعل الشاعر غير أن يحضن مرضه وعزلته وعجزه، بل وموته أيضاً. وقد تكون تلك آخر المصالحات، إلا أنها لم تق الشاعر ممن حوله. ومع ذلك نعثر في مأساته وموته على بريق يضئ مأساة العراق الدامية لحد الآن.

لقد ظل السياب طريدا شريدا واشترك في هذه اللعبة القذرة البعثيون والشيوعيون وسفهاء الشعر والأدب. وجرى استكمال هذه المواقف عندما جرى تهجير عائلته من البيت في يوم تشييعه. لقد جرى اقفال هذه الدورة التي جعلت منه خصم الجميع رغم توحيده إياهم. وفي هذه المفارقة تكمن الحقيقة الكامنة في كل كينونته وقيمته وأثره بالنسبة للشعر والشاعر ألا وهي اعلان التضاد بين الشاعر والسياسي. اذ لكل منهما عالمه وغاياته. ولا معنى لتداخلهما. فالسياسي وظيفة بينما الشاعر روح. وضمن هذا السياق يمكن فهم السبب القائم وراء اطلاق عبد الكريم كاصد عليه لقب "الطفل الخالد".

لم يقل عبد الكريم كاصد كل ما أراد قوله، لكنا نعثر في كل أقواله ومواقفه وتقييمه ونقده فيما اوردته على ما فيه هو أولا وقبل كل شيء بوصفه شاعر الروح وأديب المعنى.

***

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] لقد عرفت عبد الكريم كاصد من أول لمحة رأيت فيها، لأنه شبيه أو نموذج لأخوته الاصغر الدكتور عبد الحليم والدكتور سلمان. وإذا كانت علاقتي بعبد الحليم قديمة منذ عقود والصديق الأوحد الباقي هنا في موسكو، فان لقائي بالدكتور سلمان في الامارات العربية المتحدة كان سريعا لكنه عميقا. وقد ظلت ابتسامته الجميلة وذهنه الوقاد حيا عالقا في ذاكرتي لحد الآن. وكلاهما يشتركان بقوة العقل النقدي والذوق الساخر والمعرفة العميقة اضافة الى قوة الشخصية والأنفة العميقة. ومهما كان مصدرها فان للعائلة أثرها الجوهري كما ان للأخ الكبير اثره مهما حاولوا الانتفاض ضده. وهو الانطباع الذي تركه عبد الكريم في ذاكرتي. ولا اعرف لماذا انطيع في ذاكرتي بقامته الكبيرة وهدوءه العميق صورة الشخصيات الكبرى للخوارج الذين بلورا بكل ما فيهم قيم التمرد والإخلاص.

[2] اكتفي هنا بإشارة عابرة عامة وهي ان هذا العمل المهم هو محاولة أولية. من هنا طابعها التجريبي الذي لم يرتق بعد إلى مصاف الإبداع الأدبي الكبير. فقد كان المعري وما يزال وسيبقى إحدى الإشكاليات المثيرة للتفكير والنقد، كما كان وما يزال وسيقى أحد المصادر الكبرى للإبداع الأدبي والفكري. ومع انه من أحد الأعلام العظيمة للثقافة العربية، فإنه ما زال مغتربا وظاهريا في الإبداع العربي الأدبي الحديث والمعاصر. فقد اهتم به طه حسين، لكن كل جهوده ظاهرية وسقيمة. فقد كان طه حسين ضريرا حاول ان يقلد ضريرا. والفرق هنا جوهري في كل شي. بينما الاصحاء بحاجة إلى محاكاة مبدعة كما فعل دانتي في (الكوميديا الالهية) باستلهامه (رسالة الغفران) وتقاليد (المعراج النبوي).

[3] هذه إحدى القضايا المثيرة في تاريخ الشعر والشعراء والروح الشعري. وقد كتبت عنها من عقود بحثا موسعا لكنني لم اعثر عليه لحد اآن بين مخطوطاتي. وأملي في العثور عليه أو التفرغ للكتابة عن هذه الإشكالية المثيرة.

[4] مزهر الشاوي هو مدير الموانئ آنذاك، التي عمل فيها السياب لفترة قصيرة. وكان يدعي الشعر أيضا، ومن بين "أشعاره" كما يتذكر عبد الكريم كاصد، نصف بيت لا يزال عالقاً في ذهنه يصف فيه حرّ البصرة :

والحرّ يسلق بيضةً في الشارعِ!

 

 

حامد الحمدانيأولاً: انشقاق الحزب الوطني الديمقراطي، ودور الحزب الشيوعي

تفاقمت الخلافات بين أقطاب الجناحين، اليميني واليساري داخل الحزب الوطني الديمقراطي بسبب المواقف التي وقفها جناح محمد حديد من مسألة تجميد نشاط الحزب بناء على طلب عبد الكريم قاسم، أثناء غياب رئيس الحزب الأستاذ كامل الجادرجي عن العراق، مما دفع الجناح اليساري في الحزب إلى إعلان عدم اعترافه بقرار التجميد، معلناً عزمه على مواصلة نشاط الحزب، وتحدي قرار القيادة اليمينية للحزب، وكان على رأس هذا الجناح كل من السادة:

1 ـ عبد الله البستاني     2 ـ عبد المجيد الونداوي             3 ـ علي عبد القادر

4 ـ نايف الحسن          5 ـ حسان عبد الله مظفر             6 ـ ناجي يوسف

7 ـ علي جليل الورد     8 ـ حسين أحمد العاملي              9 ـ سليم حسني

10 ـ عادل الياسري

تصاعدت الأزمة بين الجناحين عندما عاد الجادرجي إلى بغداد، ووجه انتقاداً شديداً لقرار التجميد، ولمحمد حديد، نائب رئيس الحزب، طالباً منه ومن زميله هديب الحاج حمود الاستقالة من الوزارة بعد إقدام عبد الكريم قاسم على تنفيذ حكم الإعدام بالضباط المشاركين في محاولة العقيد الشواف الانقلابية في الموصل، ولعدم امتثال الوزيرين لطلبه سارع الجادرجي إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب، ومن عضويته كذلك.

كان لقرار الجادرجي بالاستقالة أثره الكبير على تفاقم الأزمة بين الجناحين داخل الحزب، وخصوصا بعد فشل المساعي التي بذلها الجناح اليساري لعودة الجادرجي لقيادة الحزب، وتباعدت مواقف الجناحين عن بعضهما، نظراً لما يكنه قادة الجناح اليساري للحزب من احترام وتقدير لشخص الجادرجي، واعتزازاً بقيادته التاريخية للحزب.

وبسبب تفاقم الأزمة داخل الحزب، أقدم جناح محمد حديد على تأسيس حزب جديد باسم [الحزب الوطني التقدمي]، وتقدم بطلب إجازة الحزب في 29 حزيران 1960، وضمت هيئته المؤسسة كل من السادة:

1ـ محمد حديد                2 ـ خدوري خدوري           3 ـ محمد السعدون

4 ـ نائل سمحيري           5 ـ عراك الزكم                 6 ـ سلمان العزاوي

7 ـ عباس حسن جمعة     8 ـ رجب علي الصفار         9 ـ د.جعفر الحسني

10 ـ د. رضا حلاوي     11 ـ عبد الأمير الدوري         12 ـ عباس جودي

13 ـ حميد كاظم الياسري 14 ـ عبد الرزاق محمد

وقد تمت إجازة الحزب دون أي تأخير، واستمرت قيادة الحزب في دعم سياسة عبد الكريم قاسم، وخاصة فيما يتعلق بمواقفه من الحزب الشيوعي، ومن الملاحظ أن أغلبية قيادة الحزب جاءت من بين العناصر البرجوازية، ومن الملاكين، ورجال الصناعة، الذين كانوا يشعرون بالقلق الشديد من تنامي قوة الحزب الشيوعي.

ثانياً: الحزب الشيوعي يحاول تكوين جبهة وطنية ديمقراطية جديدة:

نتيجة للشرخ الكبير، الذي حدث في صفوف جبهة الاتحاد الوطني، خلال الأشهر الأولى من عمر الثورة، وانسحاب الأحزاب القومية منها ومن الحكومة، لم يبقَ في الجبهة سوى الحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الشيوعي، وحتى العلاقة بين هذين الحزبين أخذت بالتردي يوماً بعد يوم بعد اتساع المد الشيوعي وسيطرته على الشارع العراقي، وهيمنة الحزب الشيوعي على كافة المنظمات الجماهيرية، والنقابات المهنية والعمالية، واتحاد الجمعيات الفلاحية، واتحاد الطلبة، وتلك كانت أحد الأخطاء الكبرى التي وقع فيها الحزب الشيوعي، والتي سببت ابتعاد الحزب الوطني الديمقراطي، وبشكل خاص جناحه اليميني عنه، وسعيه الحثيث لكبح جماح الشيوعية، وتحريض عبد الكريم قاسم على الوقوف بوجه الحركة الشيوعية حرصاً على مصالحه الطبقية.

كان على الحزب الشيوعي، الذي حرصت قيادته على اعتبار تلك المرحلة هي مرحلة الوطنية الديمقراطية، عدم استفزاز البرجوازية الوطنية، واستبعادها عن النشاطات الديمقراطية، والاستئثار بكافة المنظمات الجماهيرية، والنقابات المهنية والاتحادات العمالية، والفلاحية.

أخذت العلاقات بين الحزبين بالتردي، كما أسلفنا يوماً بعد يوم حتى وصلت إلى طريق اللاعودة، عندما حدث الانشقاق في صفوف الحزب الوطني الديمقراطي، ومن ثم استقالة رئيسه الأستاذ كامل الجادرجي، ومن ثم استقالة الجناح اليميني بزعامة محمد حديد من الحزب، وتأليفهم [الحزب الوطني التقدمي].

لقد لعب الحزب الشيوعي دوراً في ذلك الانشقاق عندما دفع، وشجع العناصر اليسارية في الحزب الوطني الديمقراطي، إثر قرار الجناح اليميني تجميد نشاط الحزب، إلى تشكيل قيادة جديدة للحزب، ومواصلة النشاط السياسي.

وهكذا أقدم عدد من الشخصيات السياسية المحسوبة على الجناح اليساري على إصدار بيان يستنكر فيه إقدام محمد حديد وكتله على قرار تجميد نشاط الحزب، بتحريض من الحزب الشيوعي.

فقد أصدر الحزب الشيوعي بياناً في 22 مايس 1959 بعنوان [حول إيقاف نشاط الحزب الوطني الديمقراطي]، شجب فيه قرار التجميد، داعياً العناصر اليسارية في الحزب إلى مواصلة النشاط السياسي.

وعلى أثر ذلك أصدرت الكتلة اليسارية في الحزب، والتي ضمت كل من السادة:

1 ـ عبد الله البستاني          2 ـ عبد المجيد الونداوي          3 ـ علي عبد القادر

4 ـ نايف الحسن              5 ـ حسان عبد الله مظفر           6 ـ ناجي يوسف

7ـ علي جليل الوردي        8 ـ حسين أحمد العاملي            9 ـ سليم حسني

10 ـ عادل الياسري

بياناً في 22 مايس 9591، حول رفض قرار التجميد، ومما جاء في البيان:

{ونحن إذ نعلن مخالفتنا لقرار التجميد فإننا ندعو أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي المؤمنين بأداء واجبهم الحزبي في هذه الظروف إلى الاستمرار في النشاط الحزبي، كما نعتبر أن الذين أصدروا قرار وقف نشاط الحزب ومن يؤيدهم من أعضاء الحزب إنما قرروا ذلك بالنسبة لأنفسهم فقط}.

لقد كانت تلك الخطوة من جانب الحزب الشيوعي، والجناح اليساري في الحزب الوطني الديمقراطي خطوة انفعالية بلا شك عمقت من الشرخ بين الحزبين من جهة، وبين الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم من جهة أخرى، فقد كان واضحا أن قاسم قد قرر أن يقف بوجه الحزب الشيوعي مهما فعل، أضافه إلى دفع العلاقة بين الحزبين إلى مرحلة اللاعودة.

لكن الحزب الشيوعي ذهب إلى أبعد من ذلك عندما دعا الجناح اليساري في الحزب الوطني الديمقراطي، والجناح اليساري في الحزب الديمقراطي الكردستاني، إلى إقامة [جبهة وطنية ديمقراطية جديدة]، وتوصل معهما إلى مشروع ميثاق جديد للجبهة المذكورة، في 28 حزيران 1959، وتضمن الميثاق الجديد البنود التالية:

1ـ صيانة الجمهورية، والحفاظ على خط سيرها، باتجاه الديمقراطية، وتطهير كافة مؤسسات الدولة، والقوات المسلحة من العناصر المعادية للثورة، وإحلال العناصر المخلصة والكفوءة محلها.

2ـ التضامن مع كافة البلاد العربية المتحررة في كفاحها ضد الاستعمار والصهيونية.

3 ـ السير على سياسة الحياد الإيجابي، ومقاومة الإمبريالية.

4 ـ تعزيز الأخوة العربية الكردية، والسعي من أجل الوحدة الوطنية.

5ـ اعتماد مبدأ الديمقراطية الموجهة، وإشاعة الحريات الديمقراطية، وحرية التنظيم الحزبي والنقابي، وحرية الصحافة، لكل القوى التي تدافع عن الجمهورية، ومكاسب ثورة 14 تموز المجيدة.

وقد وقع على ميثاق الجبهة عن الحزب الشيوعي كل من السادة:

1 ـ عامر عبد الله           2 ـ عبد القادر إسماعيل          3 ـ زكي خيري

4 ـ عزيز الحاج            5 ـ بهاء الدين نوري              6 ـ كريم أحمد

7 ـ محمد حسين أبو العيس

فيما وقعها عن الجناح اليساري للحزب الوطني الديمقراطي كل من السادة:

1 ـ المحامي ناجي يوسف        2 ـ صلاح خالص         3 ـ المحامي أحمد الجلبي

4 ـ عبد المجيد الونداوي         5 ـ علي جليل الوردي     6 ـ نايف الحسن

6 ـ حسين أحمد العادلي

أما الجناح اليساري للحزب الديمقراطي الكردستاني فقد وقع عنه كل من السادة:

1 ـ حمزة عبد الله             2 ـ خسرو توفيق          3 ـ عزيز صالح الحيدري

4 ـ نوري شاويس            5 ـ نزار أحمد             6 ـ شمس الدين المفتي

7 ـ صبغة الله المزيوري

سارع الموقعون على ميثاق الجبهة الجديدة إلى إرسال مذكرة إلى عبد الكريم قاسم تشرح فيها الأوضاع السائدة في البلاد، والمخاطر التي تجابه الثورة ومكاسبها، وأهمية الوحدة الوطنية في الكفاح ضد الاستعمار والرجعية، وتعلن فيها عن إقامة الجبهة، وأهدافها، وفيما يلي نص المذكرة:

نص مذكرة الجبهة الوطنية الديمقراطية للزعيم عبد الكريم قاسم:

سيادة الزعيم عبد الكريم قاسم المحترم:

منذُ أنْ وطأ الاستعمار بلادنا، وطوال سنوات الكفاح المريرة، في العهد المباد، كان العمل من أجل وحدة الصف الوطني، هدف الشعب الأسمى، وسلاحه التعبوي الحاسم لتحقيق انتصاراته، وبالعكس كانت الفرقة، أحد الأسباب الرئيسية للانتكاسات، وفي غمرة الكفاح الوطني، في ظروف مده وجزره، ومن خلال تجارب النجاحات والإخفاقات، انبثقت فكرة الجبهة الوطنية الموحدة وتبلورت، وغدت ستار الشعب الحقيقي. وكان لابدّ للقوى والأحزاب والعناصر الوطنية أن تستجيب لإرادة الشعب في الوحدة، فتضافرت جهودها، واتحدت صفوفها، وأدركت كل واحدة منها بتجربتها، وتجربة الحركة الوطنية عموماً، وبالاستناد إلى تقدير موضوعي، أن أية قوة بمفردها، وبدون مساندة الشعب، لن يكون بمستطاعها تحقيق مهمة الانتصار على الاستعمار وأعوانه.

وبفضل تضامن الجيش والقوى السياسية، وبفضل جهودهما المشتركة، بصرف النظر عن تباين الأساليب، وتفاوت الطاقات العملية، وبفضل مساندة الشعب الحازمة، كُتب الانتصار الساحق والسريع لثورة 14 تموز الظافرة عام 1958.

إن هذه الحقيقة لم تفقد أهميتها وصحتها بعد الانتصار، وبعد تحقيق أهداف الشعب في ضرب النظام الملكي الاستعماري الإقطاعي، وفي إقامة نظام حكم جمهوري وطني متحرر، فلم يكن بإمكان أي قوة بمفردها أن تصون الثورة وجمهورية الرابع عشر من تموز، فقد آزر الشعب جيشه الباسل، وحكومته الوطنية، ووقف الجيش مع الشعب، واستندت الحكومة على الشعب وقواه الوطنية المناضلة المخلصة، وظل المخلصون لإرادة الشعب ومبادئ الثورة، وانتم على رأسهم متمسكين في كل الظروف والأوقات العصيبة التي مرت بجمهوريتنا بشعار [وحدة الصفوف] هذا الشعار الذي التزمت به ودافعت عنه الغالبية الساحقة من القوى الوطنية، ولم تشذ عنه سوى العناصر والجماعات التي تضافرت جهودها مع جهود الطامعين، والقوى المعادية للجمهورية، من الاستعماريين، والإقطاعيين. ولولا وعي الشعب ويقظته ويقظة القوى الوطنية لكان بمستطاع تلكم الزمر المعادية والمفرقة شق وحدة الشعب وتلاحم صفوفه، والتسبب في جلب الكوارث الحقيقية على البلاد.

بيد أن الشعب فوت الفرص على الأعداء والطامعين ومفرقي الصفوف، وبقي صامداً موحداً تحت زعامتكم، وقد أصبح ذلك ممكناً بفضل وحدة الجيش والشعب بقيادتكم الحكيمة الحازمة، هذه الوحدة التي كانت العامل الأساس الذي مكن البلاد من تخطي المؤامرات والهزات التي تعرضت لها والقضاء عليها بتفوق باهر، وسرعة فائقة.

وكما أن الشعب وقواه الوطنية، وقيادة البلاد، أدركت أهمية الوحدة الوطنية وضرورتها التي لا غنى عنها، فقد أدرك الاستعمار وأعوانه الطامعون كذلك، عظم وخطر وحدة الصف على مشاريعهم، ومؤامراتهم، ومآربهم الهادفة إلى نسف كيان الجمهورية، وضرب زعامتكم.

لقد ركز الاستعمار خلال الأشهر الأخيرة بوجه خاص كل جهوده من أجل بث الشكوك والريبة داخل القوى الوطنية بغية الإخلال بوحدتها، وتأليب بعضها ضد البعض الآخر، لفتح الثغرات، والنفوذ منها، جرياً على سياسة [فرق تسد]، وتعلمون سيادتكم أن الاستعمار لا ينهج لتحقيق أغراضه سُبلاً مكشوفة يمكن تمييزها بسهولة ويسر، بل يعمد، وهو العدو المسلح بتجربة واسعة في هذا المضمار، إلى استخدام أعقد الخطط، وأكثر السبل الماكرة، وغير المباشرة، والملتوية والخبيثة.

ولئن كان الاستعمار أخفق في نسف استقلال البلاد، وقلب الحكم الجمهوري الديمقراطي، والإطاحة بزعامتكم، فإن هدفه هذا لم يتغير، ولن يتغير، حيث لا يمكن للاستعمار أن يتخلى عن مساعيه، ودسائسه، في سبيل إرجاع نيره المهشم، واستعادة نفوذه المنهار، حتى لو أدى ذلك إلى إغراق الوطن في بحر من الدماء الزكية.

إن مما يأسف له كل مخلص، حدوث بعض الأمور والملابسات والمواقف التي صدرت من هذا وذاك من الأطراف الوطنية، والتي أدت إلى تقوية أمل المستعمرين، وانتعاش مقاصدهم اللئيمة ضد بلدنا الحبيب، وكان من نتائج ذلك مع الأسف، هذه البلبلة الواضحة التي سرت في صفوف الشعب، وقواه الوطنية، وخلخلت الصف الوطني.

إننا حينما نشير إلى هذا الوضع المؤسف، فنحن لا نتطير منه بحال من الأحوال، ولسنا مساقين بنظرة التشاؤم، وإنما نستند إلى وقائع ملموسة، اطلع عليها الرأي العام، وتحسستها أوسع الجماهير، والعناصر الوطنية المخلصة، وفعلت فعلها السلبي في سريان القلق المشروع في الأوساط الشعبية، والجماهير محقة كل الحق في استنتاجاتها وشعورها، خاصة وأن الشعب تعلم من خلال تجربته، وتجارب الأمم الأخرى، أن الاستهانة بالأعداء المتربصين، سواء كانوا داخليين أم خارجيين، هي داء وبيل، أصابت عدواه حركات وطنية كثيرة، وأدت بها إلى الانتكاس والخذلان.

ومما لا ريب فيه أن المخلصين كافة لا يوجد بينهم من يرغب، أو يقبل مثل هذا المصير لثورتنا المباركة المظفرة، التي هي كما أكدتم سيادتكم دائماً للشعب إنها حصيلة دماء غزيرة وعزيزة، وجهود وآلام بذلتها الملايين من أبناء الشعب خلال سنوات طويلة من الكفاح، والعذاب المتواصل، وقد آن للشعب المكافح الصابر عقوداً من السنين، بل دهوراً، أن يحصد الثمار، ويتمتع بحريته الكاملة، وحقوقه الديمقراطية العادلة، وخيرات بلاده الوفيرة وهذا ما يناضل من أجله كل المخلصين، كما سبق لسيادتكم أن صرحتم به دائماً.

إن الواقع للوضع المؤسف هذا الذي أشرنا إليه قبل قليل قد أثار، ولم يكن بالإمكان أن لا يثير، أقصى درجات اليقظة لدى الشعب، وحفز وعيه على الاستعانة بتجاربه، وتجارب الأمم الأخرى التاريخية، فبرز على الألسن، كما تغلغل في القلوب أكثر من أي وقت مضى شعار وحدة [الصف الوطني] وتقويته، والدفاع عنه وعن الجمهورية، و مكاسب ثورة الشعب وجيشه المقدام.

وما كان لهذه الرغبة النبيلة الواعية لدى جماهير الشعب إلا أن تنعكس على مختلف قواه الوطنية التي يقف على رأسها ويرعاها سيادتكم.

ونحن كجزء من هذه القوى الوطنية حملنا شعورنا بالمسؤولية، إزاء هذا الوضع الراهن، وإزاء مهمة الحفاظ على مكاسب الشعب، وعلى تضافر الجهود، ودفعنا إلى التقارب بين بعضنا، لدراسة المعالم المميزة للظرف الذي يكتنف الجمهورية، وتحديد واجباتها فيها.

ولقد توصلنا بنتيجة دراستنا للعوامل التي أدت إلى الإخلال بوحدة الصف الوطني والإساءة إليه، وتحري الحلول الممكنة، والعملية التي تساعدنا على بعثها مجدداً، وعلى أفضل وجه، وتوصلنا إلى مواصلة نشاطنا في [جبهة الاتحاد الوطني]، واتخاذ جميع الخطوات المقتضية لإعادة حيويتها، وتحويلها إلى واقع ملموس وجهاز وطني فعّال، قادر على تعبئة، وتوحيد صفوف الشعب.

وبناء عليه، فقد تم الاتفاق فيما بيننا على إقرار [ميثاق إنشائي] نبلور ونصوغ فيه وجهة نظرنا المشتركة في المسائل الكبرى التي نصت عليها بنود الميثاق، والتي تواجه البلاد في الظرف الراهن، سواء ما يتعلق منها بصيانة الجمهورية، أو بتخطيط وبناء مستقبل البلاد، وهذا الميثاق الوطني هو عهد مقدس بين القوى المنضوية، أو التي ستنضوي في المستقبل تحت لواء جبهة الاتحاد الوطني، والتي ستمارس نشاطها المشترك تحت قيادتكم الحكيمة.

وما من شك أن ما جاء في هذا الميثاق قد يحتمل الإضافة، أو التعديل، متى ما أرادت الأطراف المشتركة فيه، أو متى ما ارتأت القوى الوطنية ضرورتها.

وباعتقادنا أن خطوتنا هذه من أجل وحدة الصفوف ستكون ذات أهمية كبرى، وأكثر جدوى، في خدمة الجمهورية، كلما ضمت جبهة الاتحاد الوطني قوى شعبية أخرى، وإمكانيات جديدة.

إننا إذ نتقدم إليكم بصورة من ميثاقنا الوطني الذي تم اتفاق كلمتنا عليه، برغم الاختلاف في اتجاهاتنا، وميولنا السياسية، نحن القوى المؤتلفة في جبهة الاتحاد الوطني، لنا وطيد الأمل بأننا سنجد من لدن سيادتكم كل التشجيع، والرعاية، وتقبلوا فائق احترامنا.

بغداد 28 حزيران 1959

ثالثاً ـ عبد الكريم قاسم يتجاهل المذكرة ويواصل سياسته تجاه الحزب الشيوعي:

إن عبد الكريم قاسم، الذي كان قد عقد العزم على ضرب الحزب الشيوعي والحد من نشاطه، والسير في طريق الحكم الفردي، والاستئثار بالسلطة، تجاهل تلك المذكرة، وتجاهل الجبهة، بل وأوغل أكثر فأكثر في سياسته الهادفة إلى تجريد الحزب الشيوعي من كل أسباب قوته، وجماهيريته، وتوجيه الضربات المتلاحقة له، ولم تفد الحزب تلك العبارات التي أطرى بها على قاسم، وسياسته الحكيمة!! في زحزحته عن مواقفه تجاه الحزب بل جعلته يندفع أكثر فأكثر في هذا السبيل، مصمماً على حرمان الحزب من ممارسة نشاطه السياسي، استناداً لقانون الأحزاب والجمعيات الذي أصدره في 1 كانون الثاني 1960.

أما محمد حديد ورفاقه في الحزب الوطني التقدمي فقد رفضوا الانضواء تحت راية تلك الجبهة، معللين ذلك بأن الحزب الشيوعي قد عمل من وراء ظهر الأحزاب، وأن تلك الجبهة هي من صنع الشيوعيين، ورفضوا أي نوع من التعاون مع الحزب الشيوعي، ومع الجبهة المعلنة.

وهكذا فإن هذه الجبهة لم تستطع أن تؤدي مهامها، وتحقق أهدافها، نظراً لتعقد الظروف السياسية، وتدهور العلاقات بين أطراف القوى الوطنية من جهة، ومواقف عبد الكريم قاسم من جهة أخرى، إضافة للشرخ الذي أصاب الحزب الوطني الديمقراطي، وانعزال القوى القومية، وتنكبها لمسيرة الثورة، ولجوئها إلى التآمر المسلح والمكشوف لإسقاطها، والإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم.

 

حامد الحمداني

 

 

جمال العتابيتأخذنا نحن أبناء القرى والقصبات الصغيرة نشوة سحرية لإكمال دراستنا المتوسطة في مدارس المدن المجاورة، على الرغم من صعوبات الطريق والأجواء المعاشية القاسية وغيرها من المفاجآت . هذه المدن تمنحنا بعضاً من نورها، شوارعها معبّدة بالقار، أسواقها تسهرلساعة متأخرة، تستيقظ فيها ألوان الفجر بليونتها المائية العذبة، نتجول فيها أوقات المساء وكأننا نبحث عن كنز، تداهمنا رائحة الكباب فنقبل عليه إقبال العاشقين، عدّتنا في سنوات الصبا، لم تمنحنا أكثر من مفتاح صغير للدخول إلى أسرار المدينة .

بدأت عامي الدراسي الأول 59-1958 في الرفاعي، فالغازية لم تنل فرصتها بعد من هذا الإمتياز، ننتظر أن تنقضي أيام الأسبوع بسرعة، نترقب قدوم يوم الخميس، مشدودين بكل حواسنا للعودة إلى معبد الأمومة ليلة واحدة .إذ تعاودني الرغبة لصمت التراتيل وخفوت الصلاة، لتستيقظ أعماقي في آفاقها الرحبة، فليل الغازية صمت وعتمة، ليس سوى تسبيح للمياه، وشدو للضفاف والنخل، أسمع صداه، وفي البيوت مواقد خابية اللظى، وبصيص من نور للفوانيس، لم تعدم سناها بعد، كأنها تبعث بحداءٍ بعيد ومتقطع، شوارعها تشاكس البيوت بالغبار حيناً، وبالوحل حين ينهمر المطر، والأمهات فيها يلدن دونما ضجة، ودونما صخب .

الطريق الترابي الى الغازية بضعة فراسخ في الطول على ضفة نهر الغراف اليسرى، تمر عبره سيارة واحدة بهيكلها الخشبي يُحشر فيها البشر والماشية معاً، وفي أحسن الأحوال هناك سيارتان تجوبان الطريق بين الشطرة والرفاعي . تحمل منتجات الفلاحين وأمتعتهم والدخان يلون سطوح هذه الهياكل .

في اليوم التالي تودعني أمي بتراتيل صلاة الجمعة، و(صرّة صغيرة) فيها متاعي الذي صنعته بكفيها المزهرين بالوشم . في صباح نازف بالبرق والرعد، نتوجه للصوب الثاني يرافقني والدي، وقلبي غارق في الحزن مع موجة المطر الكثيف الذي يستبيح الطرق، ويستفز الزروع، ولسع البرد يغوص حتى في الجيوب، وفي جواربي وتحت جلدي، لا الأب يثنيني من تأجيل السفر، ولا أنا أدرك معنى الخطر، عبرنا الغراف بقارب يتمايل نحو اليسارتارة ونحو اليمين تارة أخرى، في نهر طافح بالوعود والكبت والقلق، بسلام إتجهنا الى مقهى (عبادي)، الوحيدة التي تأوي المارين المتعبين من هناك، المقهى توحي بتوجعها الخفي، وعمرها المكدود ورغبتها التي تتضور عطشاً .مرّت ساعات بسكوت هائل لامتناه، وانا أراقب صمت عيون أبي العميق، عيونه المتجهة نحو صوت الباص القادم، وكأنه يخوض بطوفان، يستجير بالصراخ من الطين، مندفعاً بتمرد يقلّبه الموج بلا بوصلة تحدد الإتجاه، نسمع صرخاته كالبكاء في ليل عيد، توقفت السيارة بصعوبة على بعد خطوات بعد أن خفت لهاثها، عانقني أبي مودعاً، لم أجد صعوبة في أن أختار أي مكان من هذا الهيكل الخشبي (أبوضلوع)، الخالي من الركاب سوى رجل وزوجته وطفلهما الوحيد، فأخترت مقدّم السيارة (الصدر) إلى جوار السائق، لأنها فرصة تاريخية لن تتهيأ لي في الأوقات الإعتيادية .

عمي ما هذا الحديد الذي يلف إطار السيارة؟ سألت السائق .

-إبني هذا يسمّوه زنجيل يساعد السيارة على الحركة وسط الطين، لكن أنا أريد أسألك . أنت وين رايح بهذا اليوم الأسود؟ أبوك ما نصحك ؟

-لاعمي ! لازم ألتحق بالمدرسة غداً .

لم ينتبه السائق لإجابتي، ونزل بعد ان أصبح الباص أشبه بغريق في خضم الطين وأمواج السيول بعد بضعة كيلومترات من السير، نادى الرجل ليعينه في الدفع، أحس بالأرض تميد، ومحاولات الحركة باتت متعذرة، ومحرك السيارة يتحول إلى صوت يهتك السماء، إلى أن خمد الصوت كان الوقت غروباً، لاشيء سوى هيمنة الظلمة، وصرير الريح يلطم بالسطوح . توقف المحرك عن الدوران تماماً

-هذا حدنا ..قال السائق بإسترخاء .

يعني شنوعمي؟

-أجاب دون ضجيج، ننتظر فرج الله حتى الصباح .

إلهي ...أما من مغيث؟ توجهت المرأة بتضرع إلى السماء، لم تغثها القبائل، ولا النجوم التي توارت وراء السحب سمعت نداءها، فالسماء كانت تهطل غضباً، والبرد زمهرياً يطحن العظام، قرى تنكسر من فرط أحزانها، كأنها أشباح تمد مخالبها في الظلام، لانار في بيوتها البعيدة تدفىء الأجساد، ولا ضوء غير سورة الريح، ولا زيت ولا طعام، سوى شياطين تحرس الدروب، ها أنا من فرط الخوف يغلبني النعاس مع إنهمار آخر مزنة في الليل .

أصحو على بزوغ ومضة ضوء بعيدة تسرق السكينة، مالبثت أن تتحول إلى صوت معاند وهو يقضم المسافات، ها هو الفرج قادم يسبح في حالك السواد بجنون الحديد، يوقظ الطين من غفوة مؤقتة، من يا ترى يبحث عن سر هذا الإنهمار، ويغامر في أخاديد الوحل ؟ من يهجر دفء بيته الآن ؟ ليسمع شهقات طفل يتضور من ألم الجوع، وتجهش أمه بصمت لاهب .من يعين عيون أمي المسهدة التي تنتظر خلف النوافذ، أرق ترصدها فسرق النوم منها تلك الليلة، (قلبي يعلم) كما ذكرت لي بعد حين .

يلزمني بعض الوقت لإدراك معنى الرصاص والنداء المذعور الذي إنطلق فجأة حين إقتربت سيارة الشرطة منا، صوت الرصاص إستفز الحقول النائمة، والمطر الناعم الذي ركد على الأرض قبل سويعات، ترجل منها بضعة مسلحين مدججين بالبنادق، حاصرتنا الأسئلة، ودهشة العيون، إقتادونا إلى حوض السيارة الخلفي كأسرى، إستدارت بحركة مجنونة لتنطلق بقوة نحو المدينة، بين المجموعة تعرفت على وجه صديق لوالدي، إنه المعلم أحمد فإطمأن قلبي وسكنت روحي، سألته : مالذي هداكم إلينا يا أستاذ ؟

-نحن في واجب يا إبني، إحمدوا الله انه كان السبب في إنقاذكم في هذا الليل المهلك، قلت وما الواجب ياعم، فأجاب : نبحث عن (المتآمر) رشيد عالي الكيلاني الذي هرب إلى مدننا ليحتمي بشيوخ العشائر الموالين له، والمعادين لـ (الثورة والزعيم)، قلت دعني إذاً يا أستاذ أن أسبح بحمد رشيد عالي وأشكره على فعله هذا الذي أنقذنا، رحمة على أهلك رشيد عالي، وأردفت بالقول : لولاه لكنا في التيه ينخرنا البرد وصمت الليل .

في الخميس التالي كنت أروي لأمي التي تنتظرني بلهفة، معنى حزن ليلة 8 كانون الثاني من عام 1959 عندما كانت طيور الحب تنام . كان وجهها يضمر إبتسامة لاتسمح بالذهاب إلى التأويل، فقالت ببساطة وعفوية : وليدي، أبوك أيضا ًكان في تلك الليلة يبحث عن رشيد عالي .

 

جمال العتّابي

 

 

حامد الحمدانيعبد الكريم قاسم يوجه ضرباته للحزب الشيوعي:

بدأ عبد الكريم قاسم، بعد أن أرعبته مسيرة الأول من أيار يخطط لكبح جماح الحركة الشيوعية في العراق، وجاءت أحداث الموصل وكركوك لتعطي له المبرر لبدء حملته الشعواء ضد الحزب عبر خطاباته المتلاحقة والتي كان يهدف منها إلى تشويه سمعة الشيوعيين، متهماً إياهم بكونهم أسوأ من هولاكو وجنكيز خان!!، اللذان دمرا بغداد، وسفكا دماء مئات الألوف من أبنائها، ليتخذ من ذلك الحجة لتقليم أظافر الحزب الشيوعي وتجريده من أسباب قوته، وإنزال الضربات المتلاحقة به، ومن أجل تحقيق هذا الهدف اتخذ العديد من الإجراءات التي كان أهمها ما يلي:

أولاً ـ حل المقاومة الشعبية:

كان أول ما فكر به عبد الكريم قاسم لتحجيم الحزب الشيوعي، هو تجريده من أقوى سلاح يمتلكه، المتمثل بهيمنته على قوات المقاومة الشعبية، فقد بدا واضحاً، وبشكل خاص، بعد وقوع انقلاب العقيد الشواف الفاشل في الموصل، أن المقاومة الشعبية فرضت سيطرتها على الشارع العراقي، وفي كافة المدن العراقية، وكان واضحاً أيضاً أن الهيمنة الحقيقية على تلك القوات كانت بيد الشيوعيين وأصدقائهم، وعلى ذلك أقدم عبد الكريم قاسم على الخطوة الأولى المتمثلة في سحب السلاح من قوات المقاومة الشعبية، وبعد إن تم تجريد المقاومة من سلاحها، أصبح من اليسير على قاسم أن يصدر قرار حلها، وهذا ما تم بالفعل، وخلال فترة وجيزة.

رضخ الحزب الشيوعي للقرار، فقد كان الحزب قد اتخذ سياسة التراجع، حرصاً منه ـ كما كان يظن ـ على العلاقة مع عبد الكريم قاسم، لكن تلك السياسة لم تجلب ِللحزب نفعاً، فبقدر ما كان الحزب يتراجع، بقدر ما كان عبد الكريم قاسم يندفع في إجراءاته ضده.

لكن الخسارة الحقيقية الكبرى الناجمة عن إجراءات قاسم كانت ليس للحزب الشيوعي وحده، وإنما للثورة، ولقاسم نفسه، الذي دفع حياته ثمناً لتلك الأخطاء، فلو لم يلجأ قاسم إلى حل المقاومة الشعبية، ومحاربة الحزب الشيوعي، لما استطاع انقلابيي 8 شباط تنفيذ جريمتهم بحق الشعب، والوطن عام 1963.

ثانياً ـ تصفية قيادات المنظمات، والاتحادات، والنقابات الوطنية:

كانت خطوة عبد الكريم قاسم التالية، بعد حل المقاومة الشعبية، تتمثل بسحب كافة المنظمات الجماهيرية، واتحاد النقابات، واتحاد الجمعيات الفلاحية، واتحاد الطلبة، وكافة النقابات المهنية، كنقابة المعلمين، والمهندسين، والأطباء، والمحامين، وسائر المنظمات الأخرى، من أيدي الشيوعيين، لكي يجرد الحزب الشيوعي من جماهيريته في تلك المنظمات والاتحادات والنقابات ذات التأثير الكبير على سير الأحداث.

لم يكن عبد الكريم قاسم ولا البرجوازية الوطنية المتمثلة بالحزب الوطني الديمقراطي بقادرين على استقطاب تلك المنظمات والاتحادات، والنقابات والسيطرة عليها، فكانت النتيجة أنْ وقعت جميعها تحت سيطرة أعداء الثورة، والمتربصين بعبد الكريم قاسم نفسه، وبالحزب الشيوعي سند الثورة العنيد والقوي.

لقد فسح عبد الكريم قاسم المجال واسعاً أمام تلك القوى الشريرة، من بعثيين ومدعي القومية من الرجعيين وأذناب الاستعمار، لكي يسيطروا سيطرة كاملة على تلك المنظمات والاتحادات والنقابات، بأسلوب من العنف والجريمة لم تعرف له البلاد مثيلاً من قبل.

كانت العصابات البعثية، والقومية، وقد لفّت حولها كل العناصر الرجعية، تترصد لكل من يبغي الوصول إلى صناديق الاقتراع لانتخاب قيادات تلك المنظمات والاتحادات والنقابات بأسلحتها النارية، وسكاكينها، وعصيها، وحجارتها، لدرجة أصبح معها من المتعذر حتى للمرشحين الديمقراطيين والشيوعيين الوصول إلى صناديق الاقتراع والإدلاء بأصواتهم، أليست هذه هي الديمقراطية التي أرادها عبد الكريم قاسم؟

أن قاسم، شاء أم أبى، قد وضع السلاح بأيدي أعداء الثورة والشعب، لكي يتم نحر الجميع يوم الثامن من شباط 1963.

ثالثاًـ تصفية القيادات الوطنية في الجيش، والجهازين الإداري، والأمني:

كانت الخطوة الثالثة لعبد الكريم قاسم تتمثل في تصفية نفوذ الحزب الشيوعي في الجيش، وفي الجهازين الإداري والأمني، فقد قام عبد الكريم قاسم بحملة واسعة جرى خلالها إحالة أعداد كبيرة من العناصر الشيوعية، أو العناصر المؤيدة للحزب الشيوعي إلى التقاعد، وأحلّ محلهم عناصر إما أنها انتهازية، أو معادية للثورة في صفوف الجيش، وجهازي الشرطة والأمن، والجهاز الإداري، كما أبعد أعداد كثيرة أخرى من المناصرين للحزب الشيوعي إلى وحدات غير فعالة، كدوائر التجنيد والميرة، أو جرى تجميدهم في إمرة الإدارة، أو تم نقلهم إلى وظائف مدنية ثانوية، بالإضافة إلى اعتقال أعداد أخرى منهم.

ولم يكتفِ قاسم بكل ذلك، بل التفت إلى الكليات، والمدارس، ليزيح كل العناصر الشيوعية، ومناصريهم من مراكزهم الإدارية، وليعيد تسليمها إلى تلك العناصر الحاقدة على الثورة، والتي وقفت منذ اللحظة الأولى ضدها، وكانت أداة طيعة بيد السلطة السعيدية السابقة.

وهكذا مهد قاسم السبيل للرجعية، والقوى المعادية للثورة لاغتيالها، واغتيال آمال الشعب العراقي وأحلامه التي ناضل طويلاً من أجلها، وكان باكورة نتائج السياسة التي سار عليها عبد الكريم قاسم وقوع محاولة اغتياله هو بالذات، ومحاولة اغتصاب السلطة في 7 تشرين الأول 1959، على أيدي زمر البعثيين في شارع الرشيد.

رابعا: محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم واغتصاب السلطة:

في 7 تشرين الأول 1959، جاء أول الغيث من القوى المعادية للثورة وقيادتها، ففي ذلك اليوم جرت محاولة خطيرة لاغتيال عبد الكريم قاسم، في رأس القرية، بشارع الرشيد، وهو في طريقه إلى بيته في العلوية دون حماية، حيث كان يرافقه مرافقه الخاص [قاسم الجنابي] بالإضافة إلى سائقه فقط.

قام بتدبير المحاولة حزب البعث، بالتعاون مع جانب من القوميين المتعاطفين معه، لكن من المؤسف أن تكون للجمهورية العربية المتحدة وعبد الناصر اليد الطولى فيها، فقد ذكر[علي صالح السعدي] أمين سر حزب البعث، في [نضال البعث] في الصفحة 17، أن فؤاد الركابي الذي كان أمين سر الحزب آنذاك، قد تلقى بواسطة [خالد علي الصالح] و[أياد سعيد ثابت] مبلغاَ من المال من الملحق العسكري المصري العقيد [عبد المجيد فريد] لتسهيل عملية تصفية عبد الكريم قاسم جسديا.

أصيب عبد الكريم قاسم بعدة رصاصات في كتفه وصدره، وقتل سائقه، وجرح مرافقه [قاسم الجنابي]، وتم نقل عبد الكريم قاسم إلى مستشفى السلام على الفور، حيث اُجريت له عمليات جراحية لاستخراج الرصاصات من جسمه، ومكث في المستشفى فترة من الزمن.

وفي أثناء تبادل إطلاق النار بين المهاجمين من جهة، وعبد الكريم قاسم ومرافقه من جهة أخرى، قتل أحد المهاجمين البعثيين المدعو [عبد الوهاب الغريري] واستطاع المحققون من التوصل إلى كل المدبرين، والمساهمين، والمنفذين لتلك المحاولة، التي تبين من سير التحقيقات إنها لم تكن تستهدف ليس فقط حياة عبد الكريم قاسم وحده بل كان هناك مخطط انقلابي واسع للاستيلاء على السلطة، وإغراق البلاد بالدماء.

الحزب الشيوعي يذود عن سلطة عبد الكريم قاسم:

كان سرعة تحرك الحزب الشيوعي، والقوى الديمقراطية الأخرى، وجماهير الشعب الغفيرة، ونجاة عبد الكريم قاسم من الموت بتلك المحاولة المجرمة قد حال دون تنفيذ بقية المؤامرة التي تبين اشتراك عدد من كبار الضباط فيها، ومن جملتهم رئيس مجلس السيادة[نجيب الربيعي] الذي توجه إلى وزارة الدفاع، مقر عبد الكريم قاسم، وقد لبس بزته العسكرية، وهو محال على التقاعد منذُ بداية الثورة، لكن سيطرة العناصر الوطنية على الوزارة أسقط في يده، واستطاعت السلطة إلقاء القبض على ما يقارب 75 فرداً من المتآمرين، فيما هرب عدد آخر منهم إلى سوريا، وكان من بينهم [صدام حسين] أحد المشاركين الفعليين في تنفيذ محاولة الاغتيال.

لقد كان دور الحزب الشيوعي في إفشال مخططات القوى الرجعية، وأسيادهم الإمبرياليين مشهوداً، لقد وقف إلى جانب عبد الكريم قاسم، يذود عن سلطته، على الرغم من كل ما أصابه منه، ولم يفكر الحزب في استغلال الفرصة والوثوب إلى السلطة، وهو لو أراد ذلك في ذلك اليوم لفعل ونجح بكل يسرٍ وسهولة، فقد كان كل شيء تحت سيطرته في ذلك اليوم.

لكن الحزب الشيوعي بقي مخلصاً لعبد الكريم قاسم، معتبراً إياه قائداً وطنياً معادي الاستعمار أولاً، ومعتبراً ما أصابه منه لم يكن سوى مجرد أخطاء ثانياً، ومعتقداً أن الظروف المستجدة سوف تؤكد له خطأ سياسته ومواقفه من الحزب ثالثاً.

إلا أن عبد الكريم قاسم الذي خرج من المستشفى بعد شفائه، عاد من جديد إلى نفس سياسته السابقة تجاه الحزب الشيوعي، ساعياً إلى إضعافه وتحجيمه، دون الاتعاظ بالتجربة الخطيرة التي مرً بها لتوه، بل على العكس من ذلك لم يمض ِوقت طويل حتى أصدر عبد الكريم قاسم قراراً بالعفو عن المجرمين الذين أدانتهم محكمة الشعب، قائلاً قولته المعروفة{عفا الله عما سلف} لكن عفوه ذاك كان مخصصاً لأولئك المجرمين الذين أرادوا قتله، وأعداء الشعب والثورة، ومستثنياً كل الوطنيين المخلصين، الذين زج بهم في السجون، بل وأكثر من ذلك صادق في الوقت نفسه على تنفيذ عقوبة اعدام العضو في الحزب الشيوعي [منذر أبو العيس] وحدد يوم تنفيذ الإعدام ‎في فجر اليوم التالي إلا أن المظاهرة الجماهيرية الكبرى التي أحاطت بوزارة الدفاع مقر عبد الكريم قاسم، أجبرته على إيقاف التنفيذ، وبقي الشهيد أبو العيس في السجن حتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963، حيث نفذ الانقلابيون حكم الإعدام فيه.

خامساً:عبد الكريم قاسم يحاول تجميد نشاط الحزب الشيوعي:

في محاولة من عبد الكريم قاسم لاحتواء الحزب الشيوعي، توجه بطلب إلى الأحزاب السياسية لتجميد نشاطها بحجة أن العراق يمرّ بفترة انتقال، متناسياً أن الأحزاب السياسية المنضوية تحت راية جبهة الاتحاد الوطني كان لها الدور الكبير في التهيئة والإعداد لثورة 14تموز، وتقديم الدعم الكامل والسريع لها حال انبثاقها، مما أدى إلى شل قوى النظام السابق ومنعه من القيام بأي تحرك ضد الثورة.

كان هناك في الحقيقة حزبان يعملان بصورة علنية بعد انسحاب القوى القومية والبعثية من السلطة، ولجوئها إلى العمل السري، وهذان الحزبان هما الحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، وكان قصد عبد الكريم قاسم من طلبه ذاك حرمان الحزب الشيوعي من نشاطه العلني، بعد أن جرده من سلطانه على المنظمات المهنية والنقابات والاتحادات العمالية والفلاحية والطلبة.

سارعت القيادة اليمينية في الحزب الوطني الديمقراطي، وقد سرها ذلك الطلب، منتهزة فرصة وجود زعيم الحزب، الوطني البارز [كامل الجادرجي] خارج العراق في رحلة للاستشفاء في موسكو، معلنة قرارها بإيقاف نشاط الحزب تلبية لدعوة عبد الكريم قاسم مستهدفة من ذلك إحراج الحزب الشيوعي، ودق إسفين جديد بينه وبين عبد الكريم قاسم.

لكن الحزب الشيوعي تجاهل الطلب هذه المرة، وشن حملة واسعة، في جملة من المقالات التي طلعت بها صحيفة الحزب [اتحاد الشعب] على ذلك الطلب، وعلى الجناح اليميني في الحزب الوطني الديمقراطي، لقراره بتجميد نشاط الحزب، وأستمر الحزب الشيوعي على نشاطه، رافضاً أي تجميد.

أما الأستاذ [كامل الجادرجي] زعيم الحزب فقد وجه نقداً شديداً للقيادة اليمينية للحزب عند عودته إلى بغداد، على قرارها بتجميد نشاط الحزب، وأدى ذلك الموقف إلى حدوث تصدع كبير في قيادة الحزب، وخاصة بعد ما طلب الأستاذ الجادرجي من عضوي الحزب في الوزارة [محمد حديد] و[هديب الحاج حمود] الاستقالة من الوزارة، ورفض الوزيران طلب زعيم الحزب الجادرجي، مما دفع الأستاذ الجادرجي إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب وعضويته، واحتجاب صحيفة الحزب [ صدى الأهالي] الغراء مما أدى إلى تعميق الأزمة السياسية في البلاد.

خامساً: عبد الكريم قاسم يرفض إجازة الحزب الشيوعي:

نتيجة لعدم التزام الحزب الشيوعي بالطلب الذي دعا إليه عبد الكريم قاسم بتجميد نشاط الأحزاب السياسية، محاولة منه منع الحزب الشيوعي من ممارسة نشاطه السياسي، أقدم على إصدار قانون الأحزاب والجمعيات في 1 كانون الثاني 1960، في محاولة منه لحرمان الحزب الشيوعي من إجازة ممارسة النشاط السياسي بصورة قانونية.

وعلى أثر صدور القانون تقدم الحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، بطلباتهم لإجازة أحزابهم، إلا أن الحزب الشيوعي فوجئ باعتراض وزارة الداخلية على ميثاق الحزب طالبة إجراء تغير وحذف لعدد من العبارات الواردة في الميثاق، في حين وافقت على إجازة الحزبين الآخرين فوراً.

ومع ذلك فقد أعاد الحزب صياغة ميثاقه من جديد، وأجرى التغيرات التي طلبتها وزارة الداخلية، إلا أن الحزب فوجئ مرة أخرى بحكومة عبد الكريم قاسم تجيز حزباً مسخاً بزعامة [داؤد الصايغ] يحمل أسم الحزب الشيوعي العراقي، وضمت هيئته المؤسسة عددا من الشخصيات غير المعروفة لدى الشعب العراقي، وهم:

1 ـ داؤد الصائغ 2 ـ إبراهيم عبد الحسين 3 ـ جميل العلوي

4 ـ زكية ناصر 5 ـ كاظم الشاوي 6 ـ سالمة جاسم

7 ـ عجاج خلف 8 ـ عبد محسن 9 ـ كاظم محمد

10 ـ جاسم محمد 11 ـ سليم شاهين

غير أن ستة من هؤلاء ما لبثوا أن استقالوا من الحزب، بعد أن أدركوا أن في الأمر مؤامرة على الحزب الشيوعي لمنع نشاطه.

أوقع انسحابهم من الهيئة المؤسسة داؤد الصايغ والسلطة في حيرة، وأسرعت السلطة في اختيار بديل عنهم من العناصر النكرة، التي لا يعرف أحدُ عنهم أي تاريخ نضالي، وقيل أن عدد منهم من رجال الأمن، في حين جمع الحزب الشيوعي أكثر من 360 ألف توقيع من رفاقه ومؤيديه.

لقد كان عبد الكريم قاسم قد صمم على عدم منح الحزب الشيوعي الإجازة، لكي يصبح الحزب بموجب القانون غير شرعي، وبالتالي خارجاً على القانون، وليتخذ من ذلك ذريعة لضربه، ومطاردة رفاقه، ولم يدرك قاسم أنه بعمله هذا، إنما يوجه السهام إلى صدره، وصدر الثورة.

وهكذا فقد تم رفض طلب إجازة الحزب مجدداً، ولكن هذه المرة بحجة أن هناك حزب شيوعي مجاز بهذا الاسم، ومع ذلك تدارست قيادة الحزب الوضع، واتخذت قراراً بتقديم طلب جديد باسم [اتحاد الشعب] ومع ذلك رفضت وزارة الداخلية الطلب من جديد، ولم يحاول الحزب الاعتراض لدى محكمة التمييز ـ حسب نص القانون ـ حيث وجد أن لا فائدة من ذلك، فقد عقد عبد الكريم قاسم العزم على حرمان الحزب من ممارسة نشاطه بصورة قانونية، وبالتالي ملاحقة رفاقه من قبل الأجهزة الأمنية.

سادساً ـ السلطة ترفض إجازة الحزب الجمهوري:

لم يكتفِ عبد الكريم قاسم وحكومته برفض إجازة الحزب الشيوعي، بل تعدى ذلك إلى رفض إجازة الحزب الجمهوري، الذي كان قد تقدم بطلب تأسيسه في 12 شباط 1960، نخبة من الشخصيات السياسية المشهود لها بالوطنية، وهم السادة:

1 -عبد الفتاح إبراهيم 2ـ مهدي الجواهري 3-أحمد جعفر الأوقاتي

4 ـ صديق الأتروشي 5 ـ د . طه باقر 6 ـ د. عبود زلزلة

7 ـ عبد الرزاق مطر 8 ـ عبد الحميد الحكاك 9ـ صالح الشالجي

10 ـ د.عبد القادر الطلباني 9ـ د. عبد الأمير الصفار 12 ـ جلال شريف

13 ـ رفيق حلمي 14 ـ د.عبد الصمد نعمان 15 ـ نيازي فرنكول

16 ـ حسن الأسدي 17 ـ عبد الحليم كاشف الغطاء 18 ـ نايف الحسن

91 ـ شاكر الحريري 20 ـ حسن جدوع 21 ـ سليم حلاوي

22 ـ سعيد عباس 23 ـ مهدي فريد الأحمر

غير أن عبد الكريم قاسم رفض إجازة الحزب المذكور بحجة أنه يضم عناصر ماركسية لها علاقات طيبة بالحزب الشيوعي. وهكذا أصرّ قاسم على مواصلة السير في الطريق الخاطئ الذي أبعده عن جماهير الشعب وقواه الوطنية، وترك نفسه أعزلاً أمام قوى الردة التي أخذت تتحين الفرصة لتوجيه ضربتها القاضية له ولثورة الرابع عشر من تموز المجيدة.

عاد الحزب الشيوعي إلى نشاطه السري الذي اعتاد عليه أيام الحكم الملكي، وتعرض الألوف من رفاقه وأصدقائه إلى الاعتقال، والإحالة للمجالس العرفية التي كان يرأسها العقيد [شمس الدين عبد الله]، و[العقيد شاكر مدحت السعود]، واللذان أصدرا أحكاماً قاسية على الألوف من كوادر وأعضاء الحزب وصلت حتى الإعدام، ليجد انقلابيوا 8 شباط هذا الصيد الثمين بالقفص وينفذوا حملة إعدمات واسعة لم يعرف لها العراق مثيلاً من قبل شملت المئات من المناضلين الذين ذادوا عن الثورة وسلطة قاسم بالذات.

الى اللقاء مع الحلقة الثالثة

 

حامد الحمداني

 

616 روزا لكسمورغقصة روزا لكسمبورغ واغتيالها تمثل قصة اغتيال الثورات الشعبية الماركسية في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث صادف قبل يومين مرور مئة عام على تلك الجريمة التي قد تكون، مع مثيلاتها، قد غيرت اتجاه التاريخ، واسلمت البشرية الى المصير الذي دفعتها اليه الرأسمالية، والذي تتزايد ملامحه الخطيرة كل يوم.

روزا لكسمبورغ  فيلسوفة واقتصادية ماركسية المانية من أصول بولندية. كان الثورة البلشفية الروسية 1917 تعتمد اعتماداً كبيراً على ثورات العمال في مختلف الدول الأوربية المتقدمة، وبشكل خاص في المانيا، لمساندتها. فقد بدت الظروف في أواخر الحرب العالمية الثانية وبعد نهايتها مهيئة تماما لتلك الثورات وكان التواصل بين الأحزاب الشيوعية في تلك البلدان مستمراً للتهيئة لذلك. وكان هذا الأمل، المشجع الرئيسي لقيام الثورة الروسية، فلم يتخيل الروس أن سيكون باستطاعتهم الصمود لوحدهم، خاصة وأن ذاكرة كومونة باريس التي تم اجهاضها بشكل دموي، ترن في ذاكرتهم.

انتسبت للحزب الماركسي البروليتاري منذ حداثتها. غادرت بولندا سنة 1889 لتنضم إلى الثوريين المنفيين الروس بزعامة بليخانوف في زوريخ حيث درست العلوم ونالت شهادة الدكتوراة، ثم هاجرت إلى ألمانيا. وعندما اندلعت الثورة الروسية لعام 1905 عادت إلى وارسو لكي تشارك بها فقبض عليها وأفرج عنها في العام التالي. عادت إلى برلين حيث كتبت "تراكم رأس المال" سنة 1913 الذي يعتبر مساهمة فكرية ماركسية مهمة.

https://www.marxists.org/archive/luxemburg/1913/accumulation-capital/

تزعمت مع كارل ليبكنخت الجناح الراديكالي من الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني وعارضت دخول المانيا الحرب العالمية الأولى بشدة. عارضت نظرية لينين حول كون الحزب الشيوعي أداة البروليتاريا لتحقيق دكتاتورية البروليتاريا باعتباره ذلك موقف غير ديمقراطي، حيث اعتبرت الديمقراطية، الوسيلة الوحيدة لتحقيق حكم البروليتاريا.

أسست مع ليبكنخت "عصبة سبارتاكوس" عام 1916التي شكلت بعد سنتين نواة الحزب الشيوعي الألماني وكتبت برنامجه بنفسها.

في 15 كانون الثاني 1919 أي بعد شهرين من إعلان ليبكنخت للجمهورية الاشتراكية الألمانية قامت الحكومة الألمانية باغتيالها مع ليبكنخت، والقيت جثتيهما في النهر، وهكذا كتبت نهاية الثورة الماركسية في المانيا.

في الرابط التالي فلم روائي عنها، مع ترجمة إلى اللغة الإنكليزية (للأسف لم نجد واحدا مع ترجمة عربية، لكن يوجد مع ترجمة إيرانية على اليوتيوب).

https://archive.org/details/RosaLuxemburg

 

صائب خليل

 

محمد فتحي عبدالعالالنوستالجيا ببساطة هي كلمة يونانية تعني الحنين إلى الماضي. والنوستالجيا إن شئنا اعتباره مرضاً نفسياً كما كان الحال في الماضي فله وجهان إما أن يكون الحنين إلى الماضي استمرارا لغرس المباديء في الحاضر ولرسم رؤية عريقة في المستقبل تخرج من رحم الماضي ووقتها يكون الشوق للماضي امراً محمودا وضروري للمجتمعات....

ولكن في النقيض يكون الحنين إلى الماضي هروباً من حالة اليأس في الحاضر وعدم الرغبة في رؤية المستقبل هنا يكون المرض وهناً ومرضاً مصير صاحبه البؤس والتعاسة. بطلة قصتنا اليوم ؟!

في بلغراد كانت امرأة في السبعين من عمرها تجلس تمشط شعرها الأبيض الحريري أمام مرآة كبيره في بلاط اخيها تتطلع في حزن إلى وجهها الذي تغيرت ملامحه وظهرت عليه علامات التقدم في السن. أغمضت عينيها ودمعتان لؤلؤيتان تدحرجتا على خدها المجعد. وعلامات من الحزن لاتفارقها وهي تعود بذاكرتها للوراء وهي تمارس لسنوات عديدة هذه الطقوس النوستالجية دون فتور فهي أسيرة ذكريات كانت فيها سيدة القصر . وأي قصرٍ ؟!مما صرفها عن رؤية حاضرها وجعلها لا تنتظر مستقبلا ..بطلة قصتنا اليوم أوليفيرا ديسبينا خاتون .

كانت الذكريات تتدافع في مخيلتها بسرعة رهيبة، كانت الذكرى الأولى شابة رائعة الجمال في مقتبل العمر من بلاد الصرب ترسلُ لتكونَ زوجةً شرعية للسلطان بايزيد الملقب بالصاعقة، القابض على عرش الدولة العثمانية من قبل اخيها الأمير ستيفن بن سا لازار ليكون زواجها ببايزيد عنوانا للتهدئة والتحالف والصداقة بين الدولة العثمانية والصرب بعد معركة كوسوفا الشهيرة ، ومنح ستيفن بموجب ذلك الاستقلال الذاتي مقابل دفع جزية سنوية، وأن تكون القوات الصربية على أهبة الاستعداد للتصدي لأيّ عدوان على الأراضي العثمانية.. فتحت عينيها فجأة ثمّ استرسلت في الذكريات مع ابتسامة تعلو محياها

 راغدة شريففاوليفيرا صاحبة الكلمة العليا والنفوذ داخل بلاط زوجها كما أنها رفضت التخلي عن ديانتها والسلطان لم يعارض ذلك... وتتلاحق الذكريات و سرعان ما يتبدل وجه العجوز وهي تتذكر الغارة الوحشية لتيمورلنك الرهيب سلطان التتار على الاراضي الإسلامية والتي قلبت حياتها رأساً على عقب فحينما اجتاحت قوات تيمورلنك بغداد فر أميرها أحمد بن اويس التماسا للنجاة لدى السلطان بايزيد والذي رفض تسليمه لتيمورلنك وحلق لحية رسول تيمورلنك فقرر تيمورلنك اجتياح الدولة العثمانية رداً على هذه الإهانة ودخل مدينة سيواس، وقتل الأمير أرطغرل ابن السلطان بايزيد الأول وقائد حاميتها واستمر تيمورلنك في التوغل في الدولة العثمانية حتى التقت قواته بقوات الجيش العثمانى في أنقرة سنة 804هـ، وحمي وطيس المعركة فأنضمت فرق من الجيش العثماني لقوات تيمورلنك مما أدى لانكسار الجيش العثماني وأسر السلطان بايزيد وزوجته اوليفيرا مع زوجات السلطان الأخريات لتحدث مأساة لا مثيل لها.

تحطّ الذكريات بأوليفيرا مع ذكريات أليمة هي ذكريات الأسر فقلبها يدمي وهي ترى بيازيد شريك عمرها حبيس قفص من حديد كان يصطحبه معه تيمورلنك في رحلاته كما لا تنسى اللحظات التي اجبرت فيها علي الرقص عارية في حفل انتصار تيمورلنك لحظات مرّت عليها دهراً. انتهت القصة ولكن بقيت مسألتان الأولى السبي وذله وهي الأميرة المدللة. فهل في الإسلام سبي واسترقاق للنساء كما فعل تيمورلنك بزوجة بايزيد؟! الحقيقة أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم نهياً صريحاً عن سبي النساء إلا أنه لم يرد عنه أيضا حثا على سبي النساء و هو ما تؤيده المعارك الأولى والحاسمة في التاريخ الإسلامي والتي لم تشهد تسجيل أية حالات سبي للنساء ففي موقعة بدر وكانت الخسائر فادحة في صفوف المشركين ومع ذلك كان قبول الفداء ولم يتم سبي النساء في المعركة وكذلك في فتح مكة وكانت عاصمة الشرك في قبضة النبي بل كان تراحم ونبل النبي في التعامل مع خصومه السابقين ونساءهم كذلك رد النبي لنساء هوازن وثقيف لأقوامهم ...وعندما تسقط بعض النساء في الأسر كان النبي يخيرهم فصفية بنت بشامة

خيرها رسول الله فقال إن شئت أنا وإن شئت زوجك فقالت بل زوجي فأرسلها كما اعتق نساء بني المصطلق والسيدة جويرة بنت الحارث وتزوجها وكذلك الحال مع السيدة صفية بنت حيي بن اخطب فهل هذا هو منطق السّيد في التعامل مع السبايا كما استفاضت في ذلك المصادر الاسلامية التي استخدمت حوادث لاحقه على العهد النبوي شهدت حيادا واضحا عن النهج النبوي فيما يتعلق بسبي النساء في المعارك وسلب حريتهم وتحويلهم إلى متعة وجواري على غير إرادتهم لمالكيهم الجدد. فالعقل البشري المنفتح يجد صعوبة في تقبل هذا الاسترقاق وقد ولد حراً

نأتي إلى المسألة الأخرى وهي تساؤل هل المرأة تشعر بالحزن وتقضي معه جمّ وقتها أكثر من الرجل فبحسب استطلاع لمؤسسة اندبندنت ايدج الخيرية البريطانية شمل ألفين وأربعة عشر شخصا ممن تجاوزت أعمارهم الخامسة والستين فالنساء يتأثرن بفقد أحبائهم أكثر من الرجال. أوليفيرا الحزينة لفقد من تحبّ والتي دُفِنت مع أحزانها من فقد ولدها وزوجها وكرامتها . مثال لكثير من النساء الكريمات اللواتي تباع في أسواق النخاسة.

 

أستاذه راغدة شفيق محمود الباحثة في علوم اللغة

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث

 

عراقيون مرّوا بموسكو (25): د. حسن البياتي

أخي الدكتور ضياء

تحية طيبة مصحوبة بأحر التعازي اليك والى السيدة ڤالنتينا مني ومن أم جميلة (ڤالنتينا البياتي) بمناسبة رحيل كنزيكما الغالي (نوّار)، الأمر الذي لم يصل الى علمي إلا في هذه الأيام، ولن أتشبث بمعذرة (ما على الأعمى حرج).

قبل بضعة أيام زارني صديقي الذي يساعدني – عادة -  في الاطلاع على بعض ما ينشر هنا وهناك وفي أمور أخرى منها طبع ما يتيسر من نتاجي الابداعي والمعرفي والترجمي. وقد قرأ عليّ هذا اليوم بالذات مقالتك إياها المنشورة في موقع المثقف بتاريخ 01/12/2018. وقد رأيت – إن سمحتَ – أن أشير (للحقيقة والتاريخ) الى بعض ماورد في صلب المقال من معلومات بعيدة عن واقع الأمر، من ذلك مثلاً:

1- قولك إنني قد التحقت ((بكلية الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) في جامعة موسكو... وفي قسم تاريخ الادب الروسي للقرن التاسع عشر.))

في الواقع أنني لم التحق بقسم خاص بتاريخ الأدب الروسي للقرن التاسع عشر بالذات، وإنما التحقت بقسم اللغة الروسية وآدابها دون تحديد أي قرن من القرون. وقد وجهتني الاستاذة مشرفتي العلمية الى اختيار موضوع خاص بالادب الروسي في القرن العشرين. وكان لها ما أرادت.

2- ومما جاء في المقال أيضاً أنني قد اخترت عنواناً لاطروحتي (عن ملحمة شعرية للشاعر الروسي الكبير نكراسوف...).

وتعقيبي على هذا الكلام هو أن نكراسوف لم يكتب ملحمة شعرية (Поэтическая эпопея) وانما كتب مطولة شعرية (поэма) عنوانها (Мороз, Красный Нос). ودفعاً للوهم أقول: إنني لم يقع اختياري على نكراسوف ولا على تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر وإنما كان الاختيار والتركيز (وبتوجيه من مشرفتي العلمية، كما سبق القول) على الشاعر السوڤيتي المعاصر الِكساندر تڤاردوفسكي في مطولته الشعرية (За далью – даль) التي كانت تحلق في سماوات الأوساط الأدبية أوانذاك. ولما كان المألوف في الاوساط الادبية والاكاديمية أن الشاعر الديمقراطي الثوري الكبير نيكولاي نِكراسوف يُعد مَعْبراً مهماً لدراسة الشاعر السوڤيتي المعاصر تڤاردوفسكي، فقد وجهتني مشرفتي العلمية الى قراءة مطولته الشعرية (Мороз, Красный Нос) قراءةً متأنيةً وتقديم تقرير أدبي عنها، ومن هنا جاء اهتمامي الدؤوب بالشاعر نكراسوف وانجاز التقرير الذي طلبته مني المشرفة العلمية.

وقبل أن أنتقل الى موضوع الأطروحة العلمية أنجزتُ بنجاح امتحانات الكانديداتسكي مينيموم (Кандидатский минимум). وكنت سعيداً بما انجزتُ. ولما كنت مبعوثاً للدراسة على حساب الدولة كان عليّ أن أحمل من قسم الأدب الروسي في (كلية الآداب) بجامعة موسكو رسالة الى الملحقية الثقافية في السفارة العراقية تتضمن انجازي المتطلبات العلمية قبيل البدء بكتابة اطروحة الدكتوراه وكان ذلك، على ما أذكر، خلال النصف الاول من عام 1962. وحين دخلت الملحقية الثقافية وأنا في منتهى الفرحة، استقبلني الملحق الثقافي الاستاذ عبد الوهاب البياتي بالنبأ المحزن الوارد من وزارة التربية العراقية بعدم الموافقة على طلبي تغيير موضوع دراستي من الأدب العربي الى الأدب الروسي، مما اضطرني الى الانتقال لدراسة الأدب العربي على وفق العقد الذي وقعته مع مديرية البعثات في وزارة التربية العراقية بكفالة قدرها 5000 دينار تجنباً من وضع ذلك الانسان العراقي الكريم، الذي تكفلني في موقع المسؤولية الجنائية. وهذا هو السبب، يا عزيزي الدكتور ضياء، في انتقالي مرغماً الى قسم اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية التابع لجامعة موسكو قبيل نهاية النصف الثاني من سنة 1962 الدراسية، وليس عدم الامكانية لشخص اجتاز كل العقبات للوصول الى مرحلة كتابة الاطروحة في الأدب الروسي. أما الأقاويل السائدة – كما ورد في مقالتك – التي كانت تتحدث (عن عدم الامكانية العلمية لشخص متخصص بالادب العربي من جامعة بغداد بانجاز بحث دكتوراه في الشعر الروسي وباللغة الروسية دون معرفة معمقة في الادب الروسي وتاريخه)، فإن ذلك يناقضه قولك اللاحق:

1- ان د. حسن البياتي استطاع (أن ينهي دراسته وبنجاح رائع وفي مجال اختصاصه العام و ضمن فترة معقولة، واستطاع أن يتقن اللغة الروسية بشكل جيد جدا) وسؤالي هو هل تريدني يا د. ضياء أن أوافقك على أنني قد أستطعت أن أتقن اللغة الروسية بشكل جيد جداً بعد (هروبي) من الدراسة في قسم لغته هي (الروسية) وان البحث العلمي والمصادر اللازمة كلها باللغة الروسية الى قسم آخر لغته والدراسة فيه ومعظم مصادر البحث بلغة أخرى (العربية) غير الروسية؟

2- اسمحلي يا د. ضياء أن أسألك أين تضع زميلنا الدكتور جميل نصيف اذن؟ فأنت تدري أنه شخص متخصص بالأدب العربي خريج دار المعلمين العالية - جامعة بغداد، قبلي بسنة واحدة وأنه استطاع أن يتخصص بالأدب الروسي من جامعة موسكو كما تعلم.

3- أما مسألة الاطلاع المسبق على الأدب الروسي فاستطيع أن أخبرك بكل اعتزاز بأن قراءاتي في هذا الأدب الرائع قد بدأت منذ السنة الثالثة الابتدائية حيث مكتبة شقيقي الراحل حسين البياتي الغاصة بالكتب الأدبية وبينها المترجمة من لغات أجنبية هي الفرنسية والانكليزية والروسية، فضلاً عن مكتبة مدرسة العسكري الابتدائية للبنين التي كان مديرها الاستاذ احمد ذنون (والد الشاعر والاديب المعروف زهير احمد القيسي) يوجهنا توجيهاً يومياً الى قراءة الآثار الابداعية وغيرها. ومن حسن حظي أن كان أحد زملائي المقربين جداً في هذه المدرسة هو لؤي طه الراوي الذي كان يزودني بالكثير من الأدبيات العربية التي يجلبها من مكتبة والده الاستاذ والشخصية الثقافية العراقية البارزة (طه الراوي)، وكثيراً ما كان لؤي يأخذني معه الى بيتهم القريب من المدرسة حيث تعرفت على والدته وشقيقه الأكبر الشاعر والأديب المعروف أوانذاك حارث طه الراوي فكنت أرى في مكتبة بيتهم الواسعة مئات بل آلاف الكتب والمجلات العربية التي أطلعت من خلالها، فضلاً عن الأدب العربي، على آداب شعوب مختلفة ومنها الأدب الروسي وكانت للاستاذ حارث طه الراوي علاقات واسعة مع بعض الادباء اللبنانيين وأذكر منهم الشاعر أديب نخلة وميخائيل نعيمة والياس ابو شبكة، وكان الاستاذ حارث كثير السفر الى لبنان حيث يعود محملاً بما يريح القلب والعقل من الآثار الابداعية والثقافية. زد على ذلك قراءتي العديد من المجلات الأدبية والثقافية مثل مجلة المجلة العراقية ومجلات الطريق والثقافة الوطنية والأديب والآداب اللبنانية وكذلك الهلال والمقتطف والرسالة والرواية والفصول وغيرها من المجلات المصرية التي كانت تنشر بين فترة وأخرى بعض الآثار الروسية المترجمة الى العربية، هذا فضلاً عن سلسلة (اقرأ) وسلسلة (كتابي) اللتين كما أتذكر قد أصدرتا في آن واحد دراسات وترجمات عن الشاعر الروسي الكبير پوشِكن يضاف الى ذلك ماكان يصدر عن دار اليقظة السورية من ترجمات عديدة من الآثار الابداعية الروسية لكن عن لغات وسيطة كالفرنسية والانكليزية وأذكر أنني قد قرأت مبكراً (الآباء والبنون) لتورگينف بترجمة القاص العراقي ذو النون ايوب عن الانكليزية. ومما لا يغيب عن بالي أنني قد قرأت رواية الأم لمكسيم گوركي سراً أثناء دراستي في دار المعلمين العالية حيث كان كثير من الآثار الممنوعة يتداولها الطلبة فيما بينهم. وأزيدك علماً أنني قد قرأت (المعطف) لگوگَل مترجماً من اللغة الروسية (مباشرة) في كتاب واحد يضم معه أثراً ابداعياً آخر لگوگَل هو (المركبة). وكانت الترجمة لأديب لبناني لا يحضرني اسمه الآن لكنه كان يعمل في السلك الدبلوماسي اللبناني في الاتحاد السوڤيتي ومازال الكتاب هذا تضمه مكتبتي الخاصة في بغداد. وهل تصدق أنني قد قرأت أيضاً مجموعة من أشعار ماياكوفسكي ومن آثار ابداعية أخرى، لكن باللغة الانكليزية وذلك أثناء وجودي في لندن سنة 1958 مدة ستة أشهر تقريباً.

وكانت الانتقالة الواسعة في اطلاعي على نماذج من الأدب الروسي (قبل ثورة اكتوبر الاشتراكية وبعدها) تتمثل في وجودي مدة طويلة في دار المعلمين العالية أمدها ثماني سنوات – الأربع الأولى من كانون الاول 1947 حتى تشرين الأول 1951 موظفاً الى جانب كوني تلميذاً مسائياً خلال سني الدراسة المتوسطة والاعدادية؛ والسنوات الأربع الأخرى حتى نهاية حزيران 1955 طالباً في قسم اللغة العربية حيث كنت الخريج الأول في الكلية -، فقد تعرفت خلال هذه السنوات على وجوه ثقافية وابداعية عديدة سواء بين زملائي الموظفين أو الأساتذة البارزين وكذلك الزملاء من طلبة الدار. وأول من أود أن أذكره هو الطالبة فخرية عبد الكريم (زينب – الوجه الفني البارز في الحركة المسرحية العراقية) التي انتبهت، أثناءما كانت تراجعني لاستلام بريدها المسجل مني، الى أنني كثيراً ما كنت أقرأ بعض الكتب الأدبية وبينها مسرحية (مجنون ليلى) للشاعر أحمد شوقي وسألتني إن كنت أود أن أقرأ آثاراً ابداعية أخرى مترجمة الى اللغة العربية فأجبتها أود طبعاً مع بالغ السرور. وجاء الخير (يا د. ضياء) إذ كان بين ما جلبته لي الفنانة زينب أعمال مترجمة من الأدب الروسي، لكنها مكتوبة بخط يدها وكان بينها مسرحية (الشقيقات الثلاث) ومسرحية (بستان الكرز) للمبدع الكبير أنطون چيخوف مع بعض آثاره القصصية وبعض الآثار الشعرية والقصصية لپوشكِن وليرمنتوف وگوگَل... كما أخبرتني بأن في مكتبة دار المعلمين العالية نفسها أشياء أخرى يمكن الاطلاع عليها. ولا اريد أن أطيل في هذا المجال وقد تحدثت عن ذلك وغيره في الصفحات الاستهلالية من كتابي (الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر)، الذي ذكرتَه في مقالتك، فهل قرأت هذا الاستهلال أم لا؟

وأريد أن أنبه هنا أيضاً الى أن المعهد الذي تسميه (معهد لغات آسيا وافريقيا) لم يكن يحمل هذا الاسم يوم انتقالي اليه، بل كان يسمى (معهد اللغات الشرقية). وقد غيرت التسمية فيما بعد.

وأريد أن أنبه أيضاً الى أن عنوان أطروحتي العلمية كان (الطابع المعادي للاستعمار في الشعر العراقي الحديث) (Антиимпериалистический характер новой иракской поэзии).

وقبل أن أختم هذا الرد المتواضع، ياعزيزي د. ضياء، أذكر أنه قد قُرأت عليّ قبل بضعة أشهر مقالة لك في موقع (المثقف) ترجو فيها ممن مرّوا بالاتحاد السوڤيتي أن يزودوك بما تيسر من معلومات تتعلق بأنشطتهم عامة... واستجابة لطلبك الكريم هذا أدون لك في ادناه بعض ما يخصني من معلومات أتذكرها – أولاً عن فترة وجودي في الاتحاد السوڤيتي وثانياً بعد عودتي من الاتحاد السوڤيتي الى العراق وثالثاً بعد مغادرتي العراق وفقداني نعمة البصر.

اولاً- في الاتحاد السوڤيتي:

لم أكن أثناء وجودي في الاتحاد السوڤيتي مجرد طالب دراسات عليا، بل رافق ذلك أيضاً نشاط متشعب في مجالات مختلفة منها:

1- أناط اليّ اتحاد الأدباء في الجمهورية العراقية مهمة مراسلة مجلة (الأديب العراقي)، لسان حال الاتحاد، التي قمت بها حتى مستهل عام 1963، أي قبيل الانقلاب الفاشستي الدموي في الثامن من شهر شباط.

2- بقيت مستمراً على نشاطي الابداعي والثقافي عامة وقد واكبت بعض الاحداث الجارية آنذاك وعبرت عنها شعراً وكان أول الغيث قصيدتي التي كتبتها في 21/03/1960 (كلمات الى الرجال الأربعة)، التي تحكي قصة أربعة من رجال البحرية السوڤيتية، ضل بزورقهم السبيل عبر المحيط الهادئ مدة تقرب من ستة اسابيع استطاعوا أن يقاوموا فيها ببطولة شتى المشاكل والصعوبات التي واجهتهم قبل أن تنتشلهم البحرية الامريكية في مياهها الاقليمية. وقد نشرت القصيدة مترجمة الى اللغة الروسية في جريدة (كومسومولسكايا براڤدا)، كما أنها ألقيت من اذاعة موسكو باللغتين العربية والروسية في شهر نيسان 1960. وقُدر لي أيضاً أن أقرأ مقاطع من هذه القصيدة ضمن فلم وثائقي أخرج في موسكو في شهر نيسان من العام نفسه.

والأثر الابداعي الآخر هو قصيدة (أغنية حب الى صديقي يوري گگارِن) التي نشرت في جريدة (ازڤيستيا) السوڤيتية، مترجمة الى اللغة الروسية في شهر نيسان 1961، وألقيت من اذاعة موسكو باللغتين العربية والروسية في شهر نيسان من العام نفسه.

هذا الى جانب العديد من القصائد الأخرى التي تضمها مجموعتي الشعرية المعدة للنشر (قصائد من بلاد الثلج والناس)، بينها قصيدة (سبعون ربيعاً) التي ألقيت في الحفل التكريمي الذي أقامته جامعة موسكو في 28/03/1962 احتفاءً بالپروفيسورة كلثوم عودة ڤاسيليڤا، بمناسبة بلوغها السبعين عاماً. وقد دوّن استاذنا الدكتور صلاح خالص هذه القصيدة بخطه الجميل المتميز على رقعة مؤطرة علقتها الپروفيسورة كلثوم عودة على جدار غرفة الاستقبال في شقتها.

3- نشرت المستعربة السوڤيتية آلّا گرَديتسكايا بعض قصائدي المترجمة الى اللغة الروسية ثم الاوكراينية في عدة صحف ومجلات سوڤيتية. وكان آخر ما ترجم وللمرة الثانية هو قصيدتي (جنود الاحتلال) التي نشرت في مجلة (شعوب آسيا وأفريقيا) وعلى إثرها ظهر اسمي في أحد مجلدات الطبعة الثالثة من دائرة المعارف السوڤيتية الكبرى.

4- ساهمت في تأسيس (رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوڤيتي) التي ولدت سنة 1960، حيث كنت أحد أعضاء اللجنة التنفيذية للرابطة ومسؤولاً عن لجنتين من لجانها هما (اللجنة الثقافية) و (لجنة العلاقات الطلابية الخارجية).

5- ومما يستحق الذكر أمر له علاقة خاصة بنشاطي الترجمي لاحقاً هو أنني قد شاهدت أثناء رحلتي الطلابية الاستجمامية الى شبه جزيرة القرم وفي بلدة (مِسخور) بالذات – وكان ذلك في شهر تموز من العام 1961، شاهدت في النادي الثقافي عرضاً للفيلم الوثائقي (المتضمن لقطات من قراءتي قصيدة (كلمات الى الرجال الأربعة). وحين عرفت مسؤولة النادي او المركز الثقافي بوجودي  احتفت بي كثيراً وأقاموا لي أمسية جميلة أهديت اليّ فيها نسخة من كتاب عنوانه (Легенды Крыма – من اساطير القرم).

وقد صار هذا الكتاب، فيما بعد، من أشغالي الترجمية الشاغلة. حيث قمت بترجمة الأساطير الواردة فيه جميعاً وعددها أربع وثلاثون اسطورة، يضمها كتاب مُعد للنشر تحت عنوان (حكايات اسطورية من شبه جزيرة القرم) وهو موجود معي الآن في لندن.

6- ومن (بركات) قصيدة (كلمات الى الرجال الأربعة) أنها شرفتني بمعرفة سوسانا ابنة الرفيق الشهيد فهد، التي زارتني مع والدتها بصحبة الصديق الياس البدري، حيث اتصل بي قبل مجيئهم وحددنا موعداً للقاء في جامعة موسكو. ولن يغيب عن ذاكرتي أن سوسانا كانت تحمل بيدها نسخة من جريدة (كمسمولسكايا براڤدا) حيث القصيدة إياها. وقد حدثتني عن رغبتها الأكيدة في زيارة العراق والاشتراك مع الشعب العراقي في حركته النضالية. وكانت سوسانا آنذاك قد أنهت دراستها الجامعية في قسم الهندسة الجيولوجية وتستعد للسفر الى كازاخستان للعمل هناك. وقد استمرت الصلة بيننا عن طريق المراسلة.

7- وقد قامت بيني وبين بعض المستشرقين السوڤيت علاقات ثقافية حميمة اذكر منهم گريگوري شرباتوف وڤيكتر ليبيدف وبوريس رُاماچوف وغيرهم. وبينهم من قمت – فيما بعد - بترجمة ونشر بعض آثارهم الى اللغة العربية.

8- وحين زار الوفد الثقافي العراقي برئاسة الدكتور علي جواد الطاهر موسكو سنة 1962 وكان من مهام هذا الوفد اجراء لقاءات مع بعض المؤسسات الثقافية والاستشراقية عرض عليّ الدكتور الطاهر أن أنضم الى الوفد العراقي فلبيت طلبه شاكراً.

9- وحين تم انتقالي طالباً للدراسات العليا في قسم اللغة العربية من معهد اللغات الشرقية التابع لجامعة موسكو، انيطت اليّ مهمة القيام بالقاء بعض المحاضرات على طلبة قسم اللغة العربية فضلاً عن اجراء حلقات دراسية لمادة (العروض العربي) للراغبين من الاساتذة والطلبة معاً. وكان الدكتور صلاح خالص الاستاذ في قسم اللغة العربية أوانذاك هو المحفز على القيام بهذه المهمة.

وقد بقيت مستمراً على أداء مهماتي التدريسية هذه بوصفي (محاضراً) لا (تدريسياً) حتى تاريخ مناقشة رسالتي العلمية للدكتوراه في 12/03/ 1965 حيث صدر أمر تعييني مدرساً أقدم.

ولابد أن أؤكد على أمر جديد وجدير بالذكر هو أنني، أثناء وجودي في معهد اللغات الشرقية قد ولج حياتي العلمية اهتمام ملحوظ بالحركة الاستشراقية السوڤيتية، مما ظهر أثره – فيما بعد – على غير قليل من نتاجي الأكاديمي والثقافي عامة. وآخر ما بين يديّ في هذا المجال كتاب جديد عنوانه (دراسات في الاستشراق الروسي) سوف يكون معداً للنشر قريباً جداً.

10- أسهمت في مؤتمر الأدباء والكتاب العرب في الاتحاد السوڤيتي – موسكو 1963 الذي أقامته رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوڤيتي.

11- وكنت أقوم، بين الحين والآخر، بنشر بعض نتاجي الشعري في مجلات وصحف عراقية و عربية مختلفة منها مجلة (الأديب العراقي) و جريدة المساء المصرية وجريدة النور السورية وجريدة الاخبار اللبنانية ومجلة الثقافة الوطنية اللبنانية وغيرها.

وكانت قصيدتي (لن يعبر الفاشست) التي كتبتها بعد الانقلاب الدموي في شباط  1963 من أسباب فصلي من عضوية البعثة العلمية وصدور الامر باعتقالي، وقد نشرت هذه القصيدة في جريدة الأخبار اللبنانية بعد الانقلاب مباشرة. ثم قصيدة (سلام عادل) التي كتبتها بعد استشهاده في شهر آذار 1963 وقد ألقيت من اذاعة موسكو، باللغتين العربية والروسية في نيسان 1963 ونشرتها جريدة الأخبار اللبنانية في شهر نيسان نفسه، كما نشرت مترجمة الى اللغة الروسية في الصحيفة الادبية الاسبوعية (ليتراتورنيا گازيتا) – لسان حال اتحاد الكتاب السوڤيت – في الشهر نفسه. وقد ثُمنت القصيدة تثميناً عالياً اثناء التجمع الذي أقامه الأدباء السوڤيت أنذاك في احدى قاعات موسكو الثقافية.

ولابد لي أن أذكر هنا أيضاً أن الشاعر السوڤيتي صموئيل مارشاك قد نشر هو الآخر قصيدة بمناسبة استشهاد الرفيق سلام عادل جاءت أيضاً تحت عنوان (سلام عادل). وكان لي الشرف في ترجمتها الى اللغة العربية ثم نشرها فيما بعد. وتعد هذه القصيدة أول عمل ابداعي أقوم بترجمته من اللغة الروسية الى اللغة العربية.

12- دُعيت الى الاشتراك في المؤتمر العالمي للمستشرقين الذي انعقد في موسكو 1964 فلبيت الدعوة وتمثلت اسهامتي في البحث المعنون (الشعر العراقي الحديث في ما بين الحربين العالميتين). وقد ألقيت هذا البحث في احدى جلسات المؤتمر ونشر في المجلد الثاني لأعمال مؤتمر المستشرقين – موسكو 1965.

13- قمت - قبيل مناقشتي اطروحة الدكتوراه ومابعدها -  بالاشتراك مع الاستاذ المشرف على اطروحتي اي. ام. فلشتينسكي باختيار مجموعة من النصوص الشعرية لأبي العلاء المعري ثم نقلها الى اللغة الروسية نقلاً نثرياً حيث قامت بعد ذلك بصياغتها صياغة شعرية إحدى الشاعرات ذات الاتجاه الفلسفي. وقد صدر هذا الجهد في موسكو سنة 1969.

14- وكان آخر جهد علمي قمت به هو انجازي دراسة اكاديمية تحت عنوان (انتكاسة الشعر العراقي في حروب البلقان). وقد قدمت هذه الدراسة الى قسم اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية، على أمل أن توسع فيما بعد لتناقش اطروحةً للحصول على شهادة (دكتوراه علوم).

والى اللقاء في الحلقتين المقبلتين – عن نشاطي بعد عودتي الى العراق ثم بعد مغادرتي العراق.

........................

للاطلاع

عراقيون مرّوا بموسكو (25): د. حسن البياتي / ا. د. ضياء نافع

 

 

 

610 محمد ديالناخـارج الـذاكـرة: في غـضون هـذا الأسبوع؛ خلف رحيل الممثل والمؤلف والمخرج- محمد ديالنا - نوع مـن اللامبالاة وعـدم الاهْـتمام بوفاته حتى!! في الوسط المسرحي والثقافي بمدينة طنجة وغيرها؛ وهـذا يرسخ مفهوم زمن الخذلان؟ فحتى الذين يتكلمون عن الذاكرة للمسرح المغـربي؛ ومحاولة البحث عـن سبل أرشفتها؛ لم يكلفوا أنفسهم؛ ولو تمرير إشارة وفاة / وفـاء في حق عطائه الإبداعي؛عبر الصحُـف والصحُـف الإلكترونية . هُـنا صلب إشكالية ما يقـع في ذاكرة المسرح؛ بحَـيث كثيرا ما نجد إطنابا في النعي والمديح المنفوخ في مناقب وعطاء مبدع (ما) أو سياسي (ما) ذاك ليس حبا فيه بل ركوبا على جثته نحو سراديب معينة ومنافذ معلومة او ارضاء للجهة الداعمة لذاك او ذاك وهاته حقائق ملموسة في الاوساط الثقافية والفنية والسياسية. ومنتشرة في معظم مناطق الخريطة العربية؛ أما الذين كانوا يناضلون حق النضال والعطاء الصادق والفعال؛ وغير منخرطين في دواليب اللوبيات / العصابات؛ المتهافتة على الموائد وفتات الجهات المسؤولة عن الشأن الثقافي والفني وغيره ! فمآلهم النسيان والتناسي واللامبالاة . وهــذا واقِـع وَقـَـع للعَـديد والعَـديد من الفعاليات قبل الراحل المسرحي قيد حياته [محمد ديالنا] الفنان المتعدد المواهب من تمثيل وكتابة وإخراج وغناء وإنشاد المديح والذي تأثر به عن طريق عبدالسلام الشاوني؛ الذي كان رئيسا لجمعية الوعي القومي للمسرح؛ بحيث قـدم لمدينة – طنجة - ما يمكن تقديمه في فترته؛ رفقة بعض الشباب؛ الذين لا زال بعضهم قيد الحياة كعبد العزيز عاطفي الناصري ومحمد التمسماني ومصطفى الخامسي ومحمد الصنهاجي وابراهيم بلقاس وعبدالسلام بوحـديد وعبد المالك الأندلسي الذي يعـد الآن من المبدعين والعباقرة في فـن العيطة الجبلية.

ويعتبر محمد ديالنا من رموز المسرح الطنجي بدون منازع، إذ قـدم الكثير إلى المشهد الفني المغربي، حيث قضى سنوات في خدمة العمل المسرحي منذ1964 إذ رحاب ركح سيرفانتس أو سينما المبروك أو مسرح الكازار..... كانت شاهدة على حضوره الفعال؛ عبر العديد من الاعمال الدرامية والسهرات التي كانت من إنجازه واخراجه. ناهينا عن جولاته في شمال المملكة؛ ولاسيما أنه يعَـد أول مسْـرحي مغـربي قـدم عـرضا مسرحيا في فضاء قرطاج بتونس سنة 1973. ورغم أنه كان مبدعا بدون منازع؛ فإنه يختفي وراء الظل؛ يعطي ما لديه في صمت وسكينة؛ ولا ينتظر أن يأخـذ؛ ففي التظاهرات المسرحية؛ لمسرح الهواة؛ كان نشيطا دائما مع مجموعته؛ مشاغبا عبر الغناء؛ ولكن ما أن ينتهي التجمع يختفي؛ وعلى سبيل الذكر؛ أذكر أنني شخصيا بحثت عنه مرات ومـرات في بعض المهرجان؛ هو موجود ولا أثر له؛ وهذا ليس خجلا أو نوعا من الخوف؛ بل كانت لديه قناعة المشاهـدة والمواكبة ثم الصمت؛ وهذا السلوك كان يذكرني بالمسرحي الراحل {{عبد القادر بلمقـدم}} وأحد قيدومي إذاعة طنجة؛ إذ المؤسف لا يعـرفه العديد من المبدعين والفنانين الطنجاويين والمهللين ب ((الذاكرة المسرحية)) وهـذا مثال وقع للراحل (محمد ديالنا) أثناء الشروع في تأسيس الشبكة الوطنية للمسرح التجريبي بقاعة دار الشباب حسنونة (طنجة) كان حاضرا متتبعا . ولم ينتبه إليه أحـد. لكن الإشكالية الكبرى؛ فلو كان من نماذج (السحليات) يزحف هنا وهناك؛ لتمت الإشادة به؛ وحـولوه إلى نجم الساعة واللحظة؛ حتى من لدن الذين لا يعْـرفونه؛ وسيشحـذون أقلامهم الجوفاء؛ للكتابة عن خصاله وأعماله؛ ولتم اٌلإعلان عـن تكريمه في وفاته ! علما أنه لم يكرم يومـا (ما) ؟ من لدن جمعية (ما) ؟ لأنه لو(كان) منخرطا في نقابة ما يدعى (المحترفين) لصهْـلل (بعض) منخرطيها بأوامر(نقيبها) ولتم إشعار القوم بيوم تأبينه. ولكنه لم يخـن مربعه؛ وظل مؤمنا بعطائه؛ فحتى أنه لم يفكر الانخراط في الشبكة الوطنية للمسرح التجريبي لأسباب تتعلق بفضاء المدينة . وليس في الإطار الذي تم نسفه من لدن أطراف و جهات لا علاقة لها بالمؤسسة !

داخـل الذاكــــــرة:

الراحل {محمد ديالنا} المزداد بمدينة فاس1946؛ ولظروف مهنية لأبيه؛ انتقلت أسرته لمدينة طنجة؛ التي عاش في كنفها وتشبع بروحها؛ فانخرط في عَـوالم المسرح؛ من خلال تأثره به في إحدى المدارس التي تعلم فيها جهة طنجة البالية؛ فعـشقه له دفعه للاتصال برئيسها – عبدالسلام الشاوني-الذي كانت له علائق بالأوساط الشعبية؛ ومحبوبا عند أهل طنجة في حجمها الذي كانت فيه إبان الستينيات من (ق، م) للانخراط في جمعية الوعي القومي للمسرح . فكانت انطلاقته كممثل سنة 1964 وقبلها حسب ما سمعته في عقود خلت؛ من لدن الفنان – محمد الصنهاجي- الـذي نسته مدينة طنجة؛ ونست جمعيته [الستار الذهبي] أن الراحل كان منضويا تحت لواء الكشاف الملكي بطنجة ، وهَـذا بكل أسف تاريخ مسكوت عنه في الحركة الكشفية المغربية لماذا ؟ فالمهتمون بالشأن الكـشفي وتنظيماته؛ هم أحق بالبحث والإجابة .

إذ صحت رواية انخراطه في الكشفية؛ فعاداتها وسلوكها أثر فيه؛ بحيث كان نشيطا وخفيف الظل ويحترم الآخرين أيما احترام. فأول مشاركته كانت في مسرحية : نكرين الخير /هكذا شاء القدر/ من وراء الستار- وهذا العمل كتابة وإخراج لعبدالسلام الشاوني؛ وشاركتْ به في المهرجان الوطني (8/ الثامن) لمسرح الهواة سنة1966؛ ومن بين المشاركين في العمل – زكي قنديل/ مصطفى الخامسي/ محمد الحوزي/ أحمد العبدي/ عبد السلام البقالي/ البشير بن زكري/..../فمن هذا المهرجان والتكوين الذي تلقاه في ورشة التأليف؛ تحمس للكتابة . فكانت أول تجربة له بمسرحية (العاطى الله) ثم عمل (من المسؤول؟) وإن كان البعض ينسب العملين للفنان – الشاوني- كتابة وإخراجا؛ ما يهم أن هذا العمل أقصي للولوج للمهرجان الوطني(العاشر) سنة 1969 فتم اختيار(المسرح الادبي/ تطوان) ممثلا الجهة الشمالية. لكن في سنة 1970 تلقى تدريبا اقليميا بمدينة تطوان؛ على أساس التمكن من خبرة الكتابة المسرحية؛ وفي هاته الأثناء أسس جمعية – شموع المسرح – رفقة مصطفى الخامسي وعبد المالك الأندلسي ومحمد المرابط وعبدالسلام المرابط ومصطفى ايفا.... فأنجزت عمل (النقمة) لم يكن في مستوى العطاء وشروط المهرجان؛ فقرر إنجاز مسرحية – طبوزا والما لحلو- مع جمعية الوعي القومي؛ سنة 1972 من اخراج مصطفى الخامسي. مؤمنا منذ بدايته بأهمية وجدوى العمل الفني الجماعي لا الفردي. وفعلا نالت المرور للمهرجان الوطني لمسرح الهواة (الثالث عشر/ (13) سنة 1972 والذي نظم بمكناس؛ ولاسيما أن المنافس القوي أنذاك كانت جمعية – شباب المجد الطنجي- إذ في هذا العمل الذي نال فيه {محمد ديالنا} جائزة أحسن ممثل؛ مما أهلتهم لرحلة الى [مهرجان افينيون/ فرنسا] رفقة مسرح الفصول (1) ونادي الكوميديا (2) لفوزهما كذلك بجوائز المهرجان. فكانت فرصة ثمينة للجمعيات (الثلاث) للتعرف على أكبر تظاهرة عالمية في النشاط المسرحي.

وبالعودة لمسرحية {طبوزا والما لحلو} فهي تعبر عن الواجهة الحقيقية للنضال النقابي، الذي كان يؤمن به الراحل [محمد ديالنا] في الإتحاد المغربي للشغل والشيء بالشيء يذكر نضاله السياسي؛ وللقارئ عليه أن يربط بين الخط النقابي والسياسي الذي كان سائدا في بداية السبعينيات من (ق؛ م) ولماذا اختار اسم (شموع المسرح) للجمعية التي أسسها؛ ولماذا تعامل مع المسرح العمالي الطنجي ؟ ولماذا لم تسلط عليه الأضواء؟

فإيمانا بأن مسرح الهواة كان يعـد صوتا حقيقيا؛ ينبع من معمعان الحياة الشعبية والبسيطة للمواطن المقهور و المسحوق؛ ومعبرا بشكل أو آخر؛ عن المواقف السياسية والإيديولوجية للكاتب والمخرج؛ سواء بشكل ساذج أو سطحي؛ فمرحلة الفوران كانت حاضرة بقوة؛ وبالتالي فالعمل يكشف عن إدانة الإقطاع والإقطاعية؛ والوضعية التي وصلت إليه البلاد أنذاك من قهر وتسلط وشطط واستبداد؛ ف (طبوزا) اسم كاريكاتوري/ فنتازي. يعبر عن تلك الشخصية الإقطاعية التي مارست السطو والهيمنة على [البئر] (الما لحلو) في إحـدى القرى؛ مما يتولد الصراع بين وعملاء الإقطاعي / ساكنة القرية الذين حرموا من البئر ومائه؛ ومع المتسلط مباشرة؛ لكن كل المحاولات لم تؤد للتنازل والمهادنة؛ لكن في ليلة خمرية؛ مصحوبة بحلم مزعج بينه وبين الأشباح؛ ينهزم الإقطاعي ويرضخ لمنطق القوة والغلبة؛ ليصبح البئر مصدر الحياة لكل الأطراف.

فبعـد هذ العمل ظهرت جمعية شموع المسرح – طنجة - بمسرحية – أسطورة 73 – تأليف : محمد ديالنا و اخراج مصطفى الخامسي؛ بحيث شاركت في المهرجان الوطني لمسرح الهواة (الرابع عشر/ (14) سنة 1973 الذي نظم في (طنجة) فمن بين المشاركين ع المالك الأندلسي/ مصطفى بلقاس/ عبد الكريم شوقي/ ومصطفى لإيفا /..... / فنالت (أمينة قمور) على ما أعتقد؟ جائزة أحسن ممثلة. وعلى إثر هـذا الفوز. اختيرت الجمعية أن تشارك بعملها في مهرجان قرطاج بتونس؛ وطبعا فالعمل ذو طابع قومي؛ يحكي الإنتصار العـربي في حرب رمضان المجيدة ضد إسرائيل.

فبعد هاته السنة؛ ظلت الجمعية تنتج أعمالا متميزة كلها من تأليف وإخراج – محمد ديالنا- بعدما اختير رفيقه – مصطفى الخامسي- سنة 1974 ممثلا في مسرحية (العين والخلخال)كمحاولة لإحياء فرقة المعمورة. فأنجزحسب ما أذكره: مسرحية : / شريك علول / النقمة/ مستشفى المجانين/ البطالون/ ارض وشمع/... وبحكم رفقته بالفنان والمطرب عبدالمالك الأندلسي؛ ساهم في تأسيس أول مجموعة (ونيس الحومة) موسيقية سنة 1983 على شاكلة النمط الغيواني .

لكن شاءت المجريات النقابية أن يلتقي الراحل{ديالنا} بالمخرج الشهم – عبد العزيز عاطفي الناصري- في جمعية المسرح العمالي بطنجة سنة 1978؛ ليتم إنجاز مسرحية (سباق الانسان) التي شاركت في المهرجان (التاسع عشر/19) الذي نظم بمدينة فاس. بحيث العمل اشتغل على الرمزية بشكل مثير للغاية؛ الهدف من ورائه؛ كشف ذاك الوهم الذي يتسلط على الإنسان في سباقه نحو الأموال والعقارات والأراضي؛ لكي يصبح بورجوازيا/ ولكنه سيعيش في وحل البورجوازية المتعفنة؛ التي تقتل الإنسان وروحه الحقيقية؛ والعمل حسب ذاكرتي؛ كان يدين بطريقة غير مباشره الليبرالية الصاعدة (المتوحشة) وللتاريخ دلالته في سياق الوضع السياسي الذي تمظهر في أواخر السبعينيات من (ق؛ م) . 

وبعدهـذا التاريخ غابت طنجة عن الحضور إلا بعد سنة 1984 بعدما حاول محمد تيمد جمع شمل الجمعيات التي تفرقت؛ لعدة جمعيات. وللتذكير ف{محمد ديالنا} كان بدوره يسعى جمع شمل المسرحيين؛ و دعمه الكبير لكل الأصوات. وانفتاحه على كل الموهبة التي تبحث عن الضوء؛ فلم يكن مغرورا ولا نرجسيا. لأن قناعته الداخلية؛ سواء الإبداعية و النضالية؛ أنه يحمل رسالة فنية؛ يريد إتمامها. لكن هناك مسارات ورؤى خاصة لكل واحـد؛ كانت هي الحكم والمتحكم في أغلب الجمعيات الطنجية. رغم محاولته الحضور كعضو فاعل في الاتحاد الإقليمي لمسرح الهواة منذ تأسيه سنة1975 . ونعطي مثالا لاستمراريته في هَــذا الإطار فمثلا في سنة 1990 تقلد أمينا عاما رفقة الفنان ع السلام بوحديد وعزالدين الشنتوف وعبد الله ناصر وقاسم الزهيري هذا الأخير (الذي توفي ولم يهتم به أحد). 

 

نجيـب طـــلال

.......................

تـــــوثيق

1) الفصول مكناس بمسرحية – حبال؛ خيوط؛ شعَـر - تأليف وإخراج – محمد تيمد – جائزة (البحث المسرحي)

2)  نادي الكوميديا مراكش بمسرحية - الضفادع الكحلة – تأليف: محمد شهرمان إخراج: ع العزيز الزيادي جائزة (النص والاخراج)

 

محمد فتحي عبدالعاليعتبر عمر المختار الملقب بشيخ المجاهدين وأسد الجبل الأخضر تجربة فريدة في التصوف الاسلامي اذ نجح في الخروج بالصوفيه فعليا من عباءة الاعتزال والجهاد الذاتي الي افاق اوسع وارحب واشمل حيث تزعم الشيخ الصوفي الحرب ضد المحتل الايطالي بليبيا معلنا جهادا دون هوادة وحتي لحظة اعدامه اطلق صيحة مدوية حينما قال :نحن لا نستسلم ..ننتصر او نموت وهذه ليست النهاية ..بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والاجيال التي تليه اما انا فان عمري أطول من عمر شانقي ...هكذا رسم الشيخ الصوفي بكلمات من نور طريق للاحرار من بعده وقدم الدليل العملي علي انتصار الصوفية الايجابية وأن التصوف لم يكون يوما معاضدا للاستعمار أو داعيا للتخاذل عن مواجهته .

في برقة كانت بداية الشيخ الجليل والذي ينتسب الي قبيلة من قبائل المرابطين حيث نشأ يتيما فقد وافت المنية ابواه وهما في طريقهما الي مكة  فتولي رعايته الشيخ حسين الغرياني شيخ زاوية جنزور السنوسية وفي جغبوب مكث عمر المختار ثمانية اعوام لدراسة الفقه والحديث والتفسير علي يد كبار مشايخ التصوف في مقدمتهم الامام السيد المهدي السنوسي رائد الحركة السنوسية فأظهر من النجابة وسعة العقل وقدرة علي الخطابة والتأثير في نفوس سامعيه  ما جعل شيخه المهدي يقول فيه :لو كان عندنا عشرة مثل عمر المختار لاكتفينا بهم وونظرا لما رأه الشيخ المهدي من ملامح قيادية واعية في تلميذه المختار فقد أسند اليه مشيخة زاوية القصور بالجبل الاخضر.

بدأت رحلة الشيخ الصوفي مع الجهاد مع وصول المحتل الايطالي للاراضي الليبية وجلاء الاتراك عنها فقد اعلن الجهاد ضد المحتل الايطالي والتف حوله المجاهدين من شتي البقاع في أشهر قليلة فخاض بهم حربا ضروسا منطلقا من معقله بالجبل الاخضر كبدت المحتل الايطالي خسائر فادحة في الارواح والمهمات وكان يردد دائما :اللهم أجعل موتي في سبيل هذه القضية المباركة . ولم يخفي علي الشيخ الجليل في استراتيجيته القتالية أن اسلوب الكر والفر هو الخيار الانجع في مواجهة الجيش الايطالي المنظم ذو العتاد الحربي المتطور ..

كانت مسألة القبض علي عمر المختار واقرانه الشغل الشاغل للايطاليين وضرورة ملحة لاقتلاع بذور المقاومة  وتلك القضية النبيلة التي  مثلها  الشيخ الصوفي الشجاع الذي خلد جهاده بقوله :لن ابرح الجبل الاخضر مدة حياتي ولن يستريح الطليان فيه حتي يواروا لحيتي في التراب.  فأصبح رمزا للثورة وملهما لحركات التحرر عبر العهود المختلفة ومع نجاح الايطاليين في حصاره والقبض عليه ونقله بالطراد الي بنغازي ولم يجرأوا علي نقله برا خشية من الدخول في مواجهة مع محبيه واتباعه فقد أظهر الشيخ الصوفي من صنوف الثبات والتحدي ما جعل الايطاليين يسارعون الي اعدامه شنقا .فمات الشيخ وبقيت قضيته حية انها قضية الاحرار في العالم اجمع في قدسية الاوطان وحق الشعوب في وطن حر كريم.

 

د.محمد فتحي عبد العال

كاتب وباحث مصري

 

حامد الحمدانيحملة الاغتيالات في الموصل

1ـ منْ مول، ونظم الاغتيالات:

بعد كل الذي جرى الحديث عنه حول أوضاع الموصل، وطبيعة السلطة فيها، ومواقف السلطة العليا، أستطيع القول أن تلك الاغتيالات لم تجرِ بمعزل عن السلطة العليا وموافقتها، بل وحتى مباركتها، وتقديم كل العون والمساندة للقائمين على تنظيمها وتمويلها. لقد كان على رأس تلك العصابة يخطط ويمول لعمليات الاغتيالات عدد من العوائل الرجعية والإقطاعية المعروفة، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

1 ــ عائلة كشمولة   2 ــ عائلة الأغوات. 3 ــ عائلة كرموش.4 – عائلة حديد.

5 -عائلة العاني. 6 ــ عائلة نوري الأرمني. 7 ــ عائلة المفتي. 8 ــ عائلة الإرحيم.

كانت اجتماعات تلك العوائل تجري في منطقة [حاوي الكنيسة] بالقرب من ضواحي الموصل، حيث تمتلك عائلة العاني داراً هناك، بعيداً عن أعين الناس، وكانت تُعد هناك قوائم بأسماء المرشحين للقتل، وتحدد العناصر المنفذة للاغتيالات كما كانت التبرعات تجبى من العناصر الرجعية الغنية التي تضررت مصالحها بقيام ثورة 14 تموز. ورغم العديد من المقالات للعديد من الشخصيات الوطنية التي نشرتها الصحف، مطالبة بوقفها ومعاقبة القائمين بها، والمحرضين عليها، والمخططين لها، لكن كل تلك الأصوات ذهبت أدراج الرياح، واستمر مسلسل القتل حتى وقوع انقلاب الثامن من شباط عام 1963.

2 ـ مَنْ نفذ الاغتيالات؟

إن أسماء منفذي الاغتيالات ليست بخافية على أبناء الموصل، فأصابع الاتهام تشير وتؤكد على شخصية القتلة واحداً واحدا، فقد بلغ بهم الأمر حد التفاخر أمام الناس والحديث عن ضحاياهم دون خوف من عقاب، ولماذا الخوف ما دامت السلطة هي التي تساندهم، وتمدهم بالعون، لينفذوا مخططاً واسعاً، أعد له سلفاً يرمي إلى ضرب الحزب الشيوعي، وتجريده من جماهيره ومؤيديه.

لقد أزداد عدد المنفذين يوماَ بعد يوم، وتحول الاغتيال ليشمل ليس فقط الشيوعيين وأصدقائهم، بل لقد تعداه إلى أناس ليس لهم علاقة بالسياسة، وكان دافعهم على هذا العمل الإجرامي هو التنافس على الأعمال التجارية، أو المحلات، أو المعامل، أو الوظائف، وتصاعدت جرائم الاغتيالات حتى أصبحت أجور قتل الإنسان [50 دينار]!، وهذه أسماء بعض أولئك القتلة الذين كانوا يفاخرون بجرائمهم البشعة والتي يتداولها الموصليون آنذاك على ألسنتهم كل يوم:

أسماء بعض منفذي الاغتيالات:

1 ـ زغلول كشمولة         2ـ شوكت نوري الأرمني      3 ـ محمد سعيد حسين السراج

4 ـ طارق عبد كرموش    5 ـ يعقوب كوشان               6 ـ صبار الدليمي

7 ـ نجم فتح الله              8 ـ موفق محمود                9 ـ فهد الشكرة

10 ـ هادي أبن الطويلة   11 ـ عادل ذنون الجواري       12 ـ حازم بري

13 ـ عارف السماك       14 ـ أحمد جني                     15 ـ نجم البارودي

16 ـ طارق قبان          17 ـ طارق نانيك                  18 ـ محمود أبن البطل

19 ـ قاسم أبن العربية   20 ـ عدنان صحراوية            21 ـ طارق شهاب البني

22 ـ  نيازي ذنون       23 ـ جبل العاني                   24 -  فوزي شهاب البني

25 ـ عايد طه عنتورة   26 ـ جنة ـ مجهول اسم أبيه

هذه القائمة بالطبع لا تشمل كل المنفذين للاغتيالات، فهناك العديد من الأسماء التي بقيت طي الكتمان، لان أصحابها أرادوا ذلك، لكن الأسماء المذكورة كانت معروفة تماماً لدى أبناء الموصل، حيث كان أصحابها يتباهون بجرائمهم بصورة علنية دون خوف من رادع أو عقاب، ما دامت السلطة تحميهم وتدعمهم.

لقد اغتيل المئات من أبناء الموصل البررة، ولم يتم القبض على واحد من القتلة، ولو شاءت السلطة كشف تلك الجرائم لكانت توصلت إلى جميع الخيوط التي تقودها إليهم، وكل المخططين، والممولين لتلك الجرائم.

لقد ذهبت دماء الضحايا هدراً، حتى يومنا هذا، ولم يُفتح فيها أي تحقيق، وطواها النسيان، لكنها ستبقى تسأل عن مَنْ سفكها، ومن ساعد، وشجع، وخطط، ومول تلك الحملة المجرمة بحق المواطنين الأبرياء، ولابد أن يأتي اليوم الذي تُكشف فيه الحقيقة، وخاصة فيما يتعلق بموقف السلطة العليا في بغداد، وجهازها الأمني، والإداري في الموصل، ودور كل واحد منهم في تلك الاغتيالات.

لكن الذي أستطيع قوله بكل تأكيد، هو أنه لا يمكن تبرئة السلطة العليا من مسؤوليتها في تلك الأحداث، وعلى رأسها عبد الكريم قاسم بالذات، فالسلطة مهما تكن ضعيفة وعاجزة، وهي ليست كذلك بكل تأكيد، قادرة على إيقاف تلك الجرائم واعتقال المسؤولين عنها، وإنزال العقاب الصارم بهم إن هي شاءت.

نتائج الاغتيالات، والحملة الرجعية في الموصل:

بعد كل الذي جرى في الموصل على أيدي تلك الزمرة المجرمة، نستطيع أن نوجز نتائج حملة الاغتيالات، والحملة الرجعية، بالأمور التالية:

1ـ إلحاق الأذى والأضرار الجسيمة بالعوائل الوطنية، وإجبارها على الهجرة من المدينة، وقد هجر المدينة بالفعل، أكثر من 30 ألف عائلة إلى بغداد والمدن الأخرى طلباً للأمان، تاركين مساكنهم، ومصالحهم ووظائفهم، ودراسات أبنائهم، بعد أن أدركوا أنه ليس في نية السلطة إيقاف حملة الاغتيالات، واعتقال منفذيها، وأن بقائهم في الموصل لا يعني سوى انتظار القتلة لينفذوا جرائمهم بحقهم، وعليه فقد كانوا مجبرين على التضحية بكل مصالحهم، ومغادرة مدينتهم التي نشأوا وترعرعوا فيها حرصاً على حياتهم.

2ـ شل وتدمير الحركة الاقتصادية في المدينة، نتيجة للهجرة الجماعية، وعمليات القتل الوحشية التي كانت تجري أمام الناس، وفي وضح النهار، وانهيار الأوضاع المعيشية لأبناء الموصل، وخاصة العوائل المهاجرة.

3ـ تجريد عبد الكريم قاسم من كل دعم شعبي، وعزله عن تلك الجماهير الواسعة والتي كانت تمثل سند الثورة الحقيقي، مما مهد السبيل لاغتيال الثورة وقادتها في المقدمة الزعيم عبد الكريم نفسه.

لقد كانت الرجعية، ومن ورائها الإمبريالية، وشركات النفط، ترمي إلى هدف بعيد، هدف يتمثل في إسقاط الثورة، وتصفية قائدها عبد الكريم قاسم نفسه، وكل منجزاتها، التي دفع الشعب العراقي من أجلها التضحيات الجسام، من دماء أبنائه البررة.

لقد كفرت جماهير الشعب بالثورة، وتمنت عدم حدوثها، وأخذت تترحم على نوري السعيد، والعهد الملكي السابق، وانكفأت بعيداً عن السياسة، وتخلت عن تأييد قاسم وحكومته، وفقدت كل ثقة بها، وهذا ما كانت تهدف إليه الرجعية في الأساس لغرض إسقاط حكومة عبد الكريم قاسم فيما بعد.

ولم يدر في خلد قاسم، أن رأسه كان في مقدمة المطلوبين، وأن الثورة ومنجزاتها كانت هدفاً أساسياً لها، وما تلك الاغتيالات إلا وسيلة لإضعاف قاسم نفسه، وعزله عن الشعب، تمهيداً لإنزال الضربة القاضية به، وبالثورة ومنجزاتها، حيث تم لهم ما أرادوا، وخططوا هم وأسيادهم الإمبرياليين في انقلاب 8 شباط 1963.

موقف الحزب الشيوعي من حملة الاغتيالات؟

لم يكن موقف الحزب الشيوعي من الاغتيالات في مستوى الأحداث، حيث اتخذ منها موقفا سلبياً لا يتناسب وخطورتها، مكتفياً ببعض المقالات التي كانت تنشرها صحيفة الحزب [اتحاد الشعب] وبعض البيانات التي كانت تطالب السلطة العمل على وقفها!، دون أن تتخذ قيادة الحزب موقفاً صارماً من القتلة ، ومن السلطة، وهو يدرك أن للسلطة  اليد الطولى فيها، بهدف تجريد الحزب من جماهيره وإضعافه، تمهيداً لإنزال الضربة القاضية به، بعد أن أرعبتها مسيرة الأول من أيار عام 1959، التي لم يسبق لها مثيل، في ضخامتها وجموع المتظاهرين جميعاً تهتف مطالبة بإشراك الحزب الشيوعي في الحكم [عاش الزعيم عبد الكريمِ، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمِ].

وفي واقع الأمر فإن تلك المسيرة، وذلك الشعار، أعطى عكس النتائج التي توخاها الحزب منهما، وجعل عبد الكريم قاسم يرتجف رعباً وهلعاً من قوة الحزب وجماهيريته، وصارت له القناعة المطلقة أن الحزب بكل تأكيد سوف يقفز إلي السلطة، ويبعده عنها، رغم أن هذه الأفكار لم تكن تدور في مخيلة الحزب إطلاقاً وقت ذاك، ولعبت البرجوازية الوطنية، المتمثلة بكتلة وزير المالية [محمد حديد] رئيس الحزب الوطني التقدمي، والذي انشق عن الحزب الوطني الديمقراطي بعد خلاف محمد حديد مع رئيس الحزب كامل الجادرجي دوراً كبيراً في إثارة شكوك عبد الكريم قاسم بنوايا الشيوعيين، كما اشتدت الحملة الإمبريالية الهستيرية التي كانت تصوّر الحالة في العراق أن الشيوعيين قد أصبحوا قاب قوسين أو أدنى لاستلام السلطة، حتى ان رئيس جهاز المخابرات الامريكية [الن فوستر دلس] شقيق وزير الخارجية الامريكية جون فوستر دلس، قد صرح يومذاك قائلاً {إن اخطر ما يواخه عالمنا اليوم هو الوضع الخير في العراق}، وكان بذلك يقصد خطر قفز الحزب الشيوعي إلى السلطة بالعراق.

ما كان للحزب الشيوعي أن يلجأ إلى الشارع، ليستعرض قوته أمام عبد الكريم قاسم ويرعبه، من أجل المشاركة في السلطة، رغم أحقيته بذلك، في حين كان بإمكانه استلام السلطة بكل سهولة ويسر لو هو شاء ذلك، ولم تكن هناك قوة في ذلك الوقت قادرة على الوقوف بوجهه.

لكن الحزب الشيوعي استفز عبد الكريم قاسم، واستفز البرجوازية الوطنية، ثم عاد وانكمش، وبدأ بالتراجع يوماً بعد يوم، مما أعطى الفرصة لعبد الكريم قاسم وللبرجوازية المتمثلة بالجناح اليميني للحزب الوطني الديمقراطي بقيادة [محمد حديد] ورفاقه للهجوم المعاكس ضد الحزب، من أجل تقليم أظافره، وتجريده من جماهيره، تمهيداً لتوجيه الضربة القاضية له.

كان على قيادة الحزب أن تسلك طريقاً آخر هادئاً لا يستفز عبد الكريم قاسم، عن طريق اللقاءات والحوار والمذكرات التي لا تثير أية حساسية، وأن تركز جهدها للمطالبة بإجراء انتخاب المجلس التشريعي، وسن دستور دائم للبلاد، وانتقال السلطة بطريقة دستورية إلى من يضع الشعب ثقته فيه، أو تشكيل حكومة ائتلاف وطني، تضم مختلف الأحزاب الوطنية وليكن عبد الكريم قاسم رئيساَ للجمهورية، إذا أختاره الشعب.

لقد أتخذ عبد الكريم قاسم موقفه من الحزب الشيوعي القاضي بتحجيمه وعزله عن جماهيره، تمهيداً لتوجيه الضربات المتتالية له، والتخلص من نفوذه بعد أن أصبحت لديه القناعة!! أن الخطر يأتيه من الحزب الشيوعي وليس من أحزاب اليمين المتمثلة بحزب البعث والقوميين رغم أنهم تآمروا عليه مرات عديدة، في حين لم يكن يدور في خلد الشيوعيين خيانة عبد الكريم قاسم، بل ذادوا عن ثورة 14 تموز حتى النهاية، ودفعوا ثمناً باهظاً جداً.

أما قيادة الحزب فكانت بعد كل الذي جرى ويجري ما تزال عند حسن ظنها بقاسم آملة أن يعود عن الطريق الذي أتخذه ضد الحزب، وهكذا بدأ قاسم حملته الشرسة ضد الحزب لتجريده من جماهيريته، وإبعاده عن قيادة جميع المنظمات الجماهيرية، والجمعيات، والنقابات، واتحادي العمال والفلاحين، وانتهى به المطاف إلى حجب إجازة الحزب، وصنع له بديلا ًمسخاً لا جماهيرية له، لدرجة أنه فشل في إيجاد عدد كافٍ لهيأته المؤسسة لثلاث مرات متتالية، في الوقت الذي جمع الحزب 360 ألف توقيع من رفاقه ومؤيديه.

لقد أصبحت قيادة الحزب في وادٍ، وقاعدته ومناصريه في وادٍ آخر، حين وجدت قواعد الحزب أن لا أمل في موقف السلطة، واستمرار تمادي العصابات الإجرامية، وتنامي عدد حوادث القتل يوما بعد يوم في كافة أنحاء العراق بصورة عامة، وفي الموصل بوجه خاص، حتى وصل الرقم اليومي لعدد الضحايا أكثر من خمسة عشر شهيداً.

لقد ألحت قواعد الحزب، بعد أن أدركت أن لا أمل في السلطة، بالرد على تلك الاغتيالات، ليس حباً بالعمل الإرهابي، ولا رغبة فيه، وإنما لوقف الإرهاب، وكان بإمكان الحزب لو أراد آنذاك لأنزل الضربة القاضية بالمجرمين ومموليهم، وكل الذين يقفون وراءهم، إلا أن الحزب رفض رفضاً قاطعاً هذا الاتجاه متهماً المنادين به بالفوضويين !!، وبمرض الطفولة اليساري، وغيرها من التهم، التي ثبت بطلانها فيما بعد، والتي كلفت الحزب، وكلفت الشعب ثمناً باهضاً من أرواحهم وممتلكاتهم، ومصير وطنهم.

إن من حق كل إنسان أن يحمي نفسه ويدافع عنها، إذا ما وجد أن السلطة لا تقدم له الحماية، في أسوأ الأحوال، إذا لم تكن السلطة شريكاً في الجريمة، لكن الحزب كان يخشى أن يؤدي اللجوء للدفاع عن النفس إلى غضب عبد الكريم قاسم، وخاصة أن أحداث كركوك ما زالت ماثلة أمامه، ومواقفه من الشيوعيين، واتهامهم بالفوضوية، لكن الحقيقة أن مواقف قاسم تلك في الدفاع عن القتلى في كركوك كانت ستاراً وذريعة لضرب الحزب وتحجيمه.

لقد كان على قيادة الحزب أن تدرس بإمعان مسيرة الأحداث، وتتوقع كل شيء، وكان عليها أن لا تستفز عبد الكريم قاسم، ثم تتخذ التراجع طريقاً لها، وتتلقى الضربات المتتالية بعد ذلك، في حين كان الحزب في أوج قوته، وكان بإمكانه أن يقف بحزم ضد كل ما يخطط له، ويعمل على وقف تلك المخططات، وأخذ زمام المبادرة بيديه، لقد اخطأ الحزب في اثارة مخاوف عبد الكريم قاسم، لكن عبد الكريم قاسم عالج الخطأ بخطأ بالغ الخطورة عندما اعلنها حرباً على الحزب الشيوعي، السند الوحيد والقوي لثورة الرابع عشر من تموز ولقيادته هو بالذات، وبذلك عزل نفسه، وبات حكمه في مهب الريح، وبذلك مهد السبيل لنجاح انقلاب 8  شباط 1963 المشؤوم بتخطيط ودعم مباشر من قبل الامبريالية الامريكية والبريطانية، ذلك الانقلاب الذي جلب  الدمار والخراب والقتل والويلات والمصائب للشعب العراقي منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، فكل ما حدث ويحدث للعراق وللعراقيين اليوم هو نتاج مباشر لذلك الانقلاب الفاشي المشؤوم.

 

حامد الحمداني