فراس الغضبان الحمدانيالرحيل لا ينتظر الكلمات ولا يلتفت اليها ولا يعنيه شأن القلوب ولا المواعيد المتأخرة ولا الرغبات والأمنيات هو جامح يحصد مثلما الريح أمامه، ويلتف حول الأشياء والأشخاص والكائنات ويطويها في دوامته المفرطة في القسوة ويترك الباقين بإنتظار مصيرهم المحتوم .

زاحم جهاد الشاعر الموسوم بالحزن وصورة المتأمل الطامح المفعم برغبة التغيير وصناعة الحياة ونشر كلمات الأمل بلوحات شعرية، رحل عن دنيانا وترك إرثا أدبيا رائعا وأرشيفا يؤرخ لمرحلة إبداعية لعائلة عراقية محترمة معروفة بوجود شخصيات فذة نبغت وتألقت كالأستاذ الإعلامي والصحفي عاصم جهاد وهو شخصية عرفت كونها شخصية ثقافية متزنة ومعتدلة ولها حضور في الأوساط الإعلامية والثقافية، كذلك شقيقه الأستاذ زاهد جهاد الذي يعمل في قطاع الصحافة وله باع طويل في العمل الإداري والصحفي وهو من الشخصيات المعروفة .

الأستاذ الأديب الراحل زاحم جهاد ترك بصمة واضحة في مجال الأدب والشعر والصحافة، ويعد الفقيد الراحل احد رواد المقامة ومن محدثيها والمقامة هو نص نثري تشبه القصة القصيرة في اسلوب صياغتها ولكنها تختلف بانها تتميز ببلاغة لغوية في المفردات، وكان حاضرا في النشاطات العامة وله إسهامات إنسانية عديدة، ويحظى بصداقات في الوسط الصحفي والإعلامي، كما يشهد له ميدان الشعر والأدب، كما يشهد له الشعب العراقي وخاصة مناطق البادية والحدود وأغلب محافظات البلاد بمعالجة الألغام غير المنفلقة، حيث اسس المنظمة العراقية لإزالة الألغام  لخبرته الكبيرة في هذا المجال كما ساهم مع المنظمة الدولية لصناعة الأطراف الصناعية للمتضررين في حوادث الألغام وقام بإجراء عمل إنساني للمسح العام للحدود الشرقية والجنوبية بخصوص مديات تأثير الإشعاعات النووية المنبعثة من مخلفات المعدات العسكرية ومنها إشعاع اليورانيوم ومدى تأثيرها على البيئة وسكان هذه المناطق التي إكتظت بهم صالات مستشفيات الطب الذري، وكذلك أشرف على منتخب  الهندسة العسكرية لكرة القدم كونه آمرا لهذه المديرية  .

 وبجهوده الوطنية المخلصة حذر الحكومة العراقية بعد عام 2003 بوجود اكثر من 25 مليون لغم  منتشر في أغلب المناطق الحدودية والتي جعلتها السيول تمتد إلى الكثير من المناطق حيث الى مقتل وبتر اطراف العديد من الضحايا، وسببت هذه الألغام والمقذوفات والمخلفات الحربية إلى ضرر كبير في مجال الزراعة، ويعرفه المثقفون العراقيون بأخلاقه الطيبة وبإنتاجه المتزن،  فلم يكن يبحث عن الدعاية لمجرد الحضور والتسابق من أجل أن يكون تحت الضوء لأنه يؤمن بأن الأدب الرفيع رسالة إنسانية لا تقف عند حد الشهرة والظهور الإعلامي،  حيث جمع مخزونه الشخصي بين العلوم العسكرية بجوانبها الإنسانية ومهنيته الثقافية والأدبية والرياضية، رحم الله هذه الشخصية المتعددة العطاءات التي هي منجز إنساني من أجل الإنسان ومستقبله الذي يشكل هاجسا يوميا للمجموعات البشرية الطامحة والقلقة من الغد والراغبة بالمزيد من الطمأنينة والذهاب بتوجس نحو تطلعاتهم .

822 زاحم جهاد

هذا الأديب نجح في خلق عوالم فكرية جميلة مؤثرة من خلال مؤلفاته وكتاباته التي شكلت جزءاً من ملامح ثقافة المجتمع العراقي والعربي، يعد النقاد الفقيد الراحل زاحم جهاد مطر هو أحد فرسان الشعر والهايكو و أحد رواد "المقامة" ومن محدثيها، و"المقامة" هو نص نثري شبه القصة القصيرة في أسلوب صياغتِها، ولكنها تختلف عنها بأنها تتميز ببلاغةٍ لغويةٍ في المفردات، يقف الأديب الراحل الذي ولد ببغداد في مقدمة من كتب شعر " الهايكو" أيضاً وأبدع فيه، كتب الرواية والقصة والدراما التلفزيونية والمسرحية، لديه دراسات وبحوث ونقاشات عن "ملحمة كلكامش " التاريخية، حصل على جوائز عديدة منها جائزة المثقف لعام 2013، مؤلفاته : مقامات معاصرة، أنا كلكامش آخر – مجموعة شعرية، كلكامشيات  مجموعة شعرية  مسرحية "، هو الذي رأى كل شى" مقتبس من ملحمة كلكامش الخالدة " قيد الطبع "، ترجمت أعماله الشعرية إلى اللغة الإنكليزية والألمانية واليابانية والتركية، رئيس ملتقى المثقف العراقي، عضو إتحاد الادباء والكتاب العراقيين، مؤسس ورئيس للمنظمة العراقية لإزالة الألغام " امكو " أول منظمة إنسانية بعد عام 2003،  أول من أعلن عن وجود أكثر من 25 مليون لغم ومقذوف من مخلفات الحروب السابقة منتشرة على أراضي شاسعة تهدد حياة العراقيين، ساهم في فريق المنظمة التطوعي بتنظيف وإزالة الألغام لمساحات تقدر بآلاف الكيلومترات، يعد خبيرا عالميا معتمدا من الأمم المتحدة وناشطا انسانيا .

ليس غريبا أن يحظى الأديب الراحل زاحم جهاد بكل هذا الإهتمام والتبجيل من قبل الأوساط الأدبية والنخب الأكاديمية وقطاعات إجتماعية عدة فهو قد ترك في نفس كل واحد من المهتمين والمحبين للأدب والثقافة والعلوم العسكرية الميدانية والمواقف الإنسانية أثرا لا يمحى جعله محط ذلك الإهتمام وتلك الرعاية الإستثنائية وأخير وبعد رحيله تم تكريمه في مهرجان بابل الدولي. فألى جنات عدن ونعيم وحشر مع الطيبين الطاهرين .

 

محمود محمد عليقد لا أكون مبالغا إذا ذهبت إلي القول بأن الدكتور "عامر النجار" المفكر الإسلامي المرموق الذى قطع رحلة طويلة ‏عبر آفاق علوم الإسلام‎ ‎وفروعها المختلفة، واستطاع ‏باجتهاده أن يصل إلى تصور شامل للنظرية الإسلامية، ‏فلسفة‎ ‎وفكراً، وأحد الأساتذة الجامعيين الذين يقومون بتدريس الفلسفة الإسلامية من وجهة نظر إسلامية خالصة، بعد أن كانت تًدرس من خلال الدرس الاستشراقي الذي ربط الفلسفة الإسلامية بالتراث اليوناني، وأهم من نادوا بالبحث عن أوجه الأصالة والابتكار في الفلسفة الإسلامية، وهو بالإضافة إلي ذلك نموذج للأستاذ الجامعي كما ينبغي أن يكون سواء في التزامه بأداء واجباته الوظيفية الاكاديمية علي أحسن ما يكون الأداء، أو في ارتباطه بطلابه في علاقة انسانية رفيعة المستوي في هدي من التقاليد الجامعية التي يحرص عليها كل الحرص، إذ هي دستوره في كل معاملاته مع كل من هو في الوسط الجامعي .

يشهد علي ذلك زملاؤه بكلية الآداب فرع سوهاج جامعة أسيوط (سابقا) التي شهدت مولده الوظيفي في ثمانينيات القرن الماضي (قبل أن ينتقل إلي مثل وظيفته بكلية الآداب فرع الإسماعيلية– جامعة قناة السويس)، بل ويشهد علي ذلك زملاؤه وطلابه في كل الجامعات المصرية والعربية التي عمل بها استاذا ومحاضراً لسنوات عديدة . وما زال أمد الله في عمره يواصل العطاء في تفانِ وإخلاص نادر لطلابه في كل جامعات مصر والعالم العربي من مشرقه إلي مغربه.

كما يتميز الدكتور "عامر النجار" بأنه أكثر جرأة فى الرأي ‏وشدة فى اقتحام القضايا‎ ‎الأكثر حساسية مع تحليل خاص ‏للصحوة الدينية وتاريخ حركات الإصلاح الحديثة، ‏خصوصاً‎ ‎عندما يثور الحديث حول مرحلة التجديد التى ‏قادها الإمام "محمد عبده" تلميذ‎ "‎الأفغانى" ورفيق مسيرته، ‏ولسوف أظل أؤكد دائما أن الإسلام المستنير الذى يقدم ‏صحيح‎ "‎الشريعة" واعتدال "الفقه" هو الذى يحسم الصراع ‏بين الإسلام وأعدائه وكل القوى‎ ‎الفكرية المعادية له ‏والمتربصة به،‎ ‎

والدكتور عامر النجار، هو أستاذ ورئيس قسم الفلسفة الإسلامية بجامعة قناة السويس، ونائب رئيس جمعية التراث العلمي في الحضارة الإسلامية، وأحد المهتمين بالفكر الإسلامي وتحقيق التراث وعضو اتحاد كتاب مصر، وعضو لجنة تحقيق التراث بدار الكتب المصرية، وصدرت له مؤلفات عديدة في مجال الدراسات الإسلامية وتحقيق التراث من أبرزها: كتاب "الصلاة"، و" الطهارة في الإسلام"، و "التصوف النفسي"، و"في مذاهب الإسلاميين"، و"في تاريخ الطب الإسلامي"، و"علم الكلام عرض ونقد"، البهائية وجذورها البابية، القاديانية، تحقيق كتاب عيون الأبناء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة.، وتحقيق قوت القلوب في معاملة المحبوب لأبي طالب المكي، وتحقيق الجزء التاسع من مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري، و" نظرات في فكر الغزالي .. وهلم جرا".

وقد حصل الدكتور عامر النجار على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب جامعة الإسكندرية عام،1968 وحصل على الدكتوراه في العلوم الإسلامية مادة الفلسفة الإسلامية من كلية دار العلوم جامعة القاهرة 1981م،، كما عين شيخا لرواق البحاروة بالأزهر عام 1965، ثم مدرسا بوزارة التربية والتعليم عام 1969، كما عين مدرسا للفلسفة الإسلامية لكلية الآداب (فرع سوهاج) – جامعة أسيوط، ثم أستاذا مساعد وأستاذا ورئيسا لقسم الفلسفة، وكذلك رئيسا لقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية بجامعة تعز باليمن في الفترة من 1989-1992، ومعارا إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بكلية أصول الدين بالرياض.

وفي عام 1999 حصل على جائزة أكاديمية العلوم التربوية بالاتحاد السوفييتي، وأكاديمية العلوم التربوية بالولايات المتحدة لجهوده وبحوثه التربوية كما منح درجة الكانديدات العالمية من أكاديمية العلوم التربوية 1999.

وخلال تلك المراحل نال طلاب الدراسات العليا بصفة خاصة اهتماما لا حد له من أستاذنا الدكتور عامر النجار، فارتبطوا به وسعوا إليه من كل حدب وصوب، إذ قد وجدوا فيه نموذجاً جديراً ورفيعاً في التزام الأستاذ وعطاءه النادر وإنسانيته الفائقة لكل حد، ولهم الحق .. فلقد نذر الأستاذ وقته وجهده، بل لا أبالغ إذا قلت وهب لهم حياته عن قناعة وحب، ونجح في أن يبث فيهم روح العمل والمثابرة ودافعية الإنجاز ليفجر فيهم طاقات الإبداع .

ولقد كان تلاميذه عند حسن الظن فيما يأمله الأستاذ فيهم بما قدموه من بحوث غطت في مجملها – بفضل اختياره – بعض مناطق في فكرنا العربي والإسلامي؛ وبصفة خاصة لدي صوفية الإسلام ذوي الطابع السني، كما تجلي في أبي الحسن الشاذلي وأحمد بن عطاء الله السكندري وغيرهما .

ولقد قدر لكاتب هذه السطور أن يكون واحدا من هؤلاء التلاميذ الذين تلقوا العلم علي يد الدكتور عامر النجار منذ أكثر من خمس وعشرون سنة عندما كان الأستاذ يدرسنا في مادة التصوف الإسلامي، ومادة علم الكلام بكلية الآداب بسوهاج. وأشهد – بحكم طوال الصحبة له  -وكما يشهد غيري من تلاميذه أن أحب الأوقات عند الدكتور عامر النجار هي تلك الساعات التي كان يجلس فيها ليناقش تلميذا من تلاميذه في مشكلات بحثه أو في مراجعته، مشجعاً له ومنتظرا بلهفة الوالد الحنون ميلاد بحث جديد لواحد من أبنائه الذين وسعهم قلبه جميعاً، رغم ما قد يكون بينهم من فروق . وليس لأحد أن يستكثر بعد ذلك -  غزارة  حب التلاميذ لأستاذهم فيهون من شأنهم بدعوي أن العبرة ليست بالكم، لكن ذلك لم يغب عن ذهن عامر النجار.

والحق الذي لا مراء فيه أن أستاذنا الدكتور عامر النجار يستحق كل تقدير واحترام، فقد كان – ولا يزال قمة في العطاء وشعلة في النشاط، فلقد قدم الدكتور عامر النجار عددا من الدراسات رفيعة المستوي، لا يمكن أن يتجاهلها – أو يتخطاها – أي باحث جاد في مجال الفلسفة الإسلامية، حيث أعطي الدكتور عامر النجار خلاصة جهده وفكره للإبانة عن اسهامات الصوفية المسلمين، كانت شرارتها الأولي دراسته للطرق الصوفية في مصر تحت إشراف الأستاذ الدكتور محمد كمال جعفر (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم- جامعة القاهرة) التي حصل بها علي درجة الماجستير في سبعينات القرن الماضي؛ ومنذ تلك الفترة تكونت خيوط الحس الفلسفي لنزعته الصوفية التنويرية، ثم واصل الدكتور عامر النجار ما بدأه عن الطرق الصوفية في رسالته للدكتوراه، فاتجه يفتش من خلال المنظور النفسي عما كتبه الصوفية المسلمين، وبالأخص أبو الحارس المحاسبي، وسهل التستري، والحكيم الترمذي، وتمكن من أن يصوع لنا رسالته للدكتوراه في كتاب نشر بعد ذلك بعنوان " التصوف النفسي" .

وفي هذا الكتاب تمكن الدكتور عامر النجار أن يقدم لنا رائعة عظيمه من روائعه التي حاول أن تضم إرهاصات علم جديد من خلال الآراء النفسية لدى صوفية القرن الثالث الهجري في ضوء علم النفس الحديث. وإذا ما تعاملنا مع الكتاب نجد أنه يمثل أطروحة أكاديمية سعى مُؤلفها لنيل درجة علمية، ومؤكدا أنه طوّف بجوانب معرفية مُتعددة، تعني أن صاحبه بذل جهداً بحثياً كبيراً. علاوة علي أنه في هذا الكتاب ركز الدكتور عامر النجار علي فكرة العلاج النفسي وطرح آراء فلاسفة القرن الثالث الهجري، وقال إن التصوف عانى عداء تيارات فكرية لتعمقه في دراسة النفس الإنسانية أكثر منها ما دفعها لشن حملات عديدة عليه.

إن قيمة الدكتور عامر النجار لا تكمن في عدد الدراسات التي كتبها ولا المقالات والبحوث التي سطرها قلمه الرائع قلمه الرائع، وإنما تكمن قيمته الحقيقية  بوصفه مفكرا رفيع المستوي وصاحب رؤية صوفية تنويرية؛ ليس هذا فحسب بل إنه يدافع عنها بكل ما أوتي من قوة في كل دراساته الجادة الرصينة، وفي كل مشكلة تناولها، وكل شخصية عرض لها، وكل قضية فكرية أو مجتمعية تصدي لها ودافع عنها في كل فترة من فترات حياته .

ويبدو ذلك واضحاً في مسرحيته الشهيرة " سارتر وأنا "، حيث تعد المسرحية من نماذج المسرحيات الإسلامية التي صدرت مؤخراً في ثمانينات القرن المنصرم، وتشتبك مع الواقع وقضاياه المتشابكة مسرحية "العودة" للدكتور عامر النجار، وتتناول قضية الإلحاد في الفكر الوجودي (متمثلاً في سارتر وأتباعه من فلاسفة الوجودية المُلحدة، وقد أُذيعت المسرحية في إذاعة البرنامج الثقافي بعنوان "سارتر وأنا"، ولكن المؤلف حين أراد طباعتها وضع لها اسماً آخر هو "العودة"، وقدّم لمسرحيته بكلمة عن سارتر قال في نهايتها:" وعند سارتر أن قولنا "الإنسان حر" مرادف لقولنا "الله غير موجود"، لأن وجود الإنسان عنده لا يخضع لماهية أو طبيعة محددة، بل هو إمكان مستمر على الإنسان أن يحققه؛ فالإنسان في رأيه يوجد أولاً، ثم يظل يخلق ماهيته بما يختار لنفسه من أفعال، فليس الإنسان إلا ما يُريد ويختار لنفسه من أفعال، ومن خلال هذه المسرحية نعرض خلافنا مع سارتر".

إن إطلاله علي دراسات الدكتور عامر النجار تكفي شاهدا علي ما نقول، إذ تتبدي الرؤية الصوفية التنويرية عنده في عدد من القضايا الساخنة علي ساحتنا الفكرية في العشرين سنة الأخيرة من القرن الماضي.

تحيةً لأستاذنا الدكتور عامر النجار الذي لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنسانى رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً متألقاً راضياً.

 

. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

796 توفيقالبشر يرتكبون الأخطاء والهفوات عن جهل او عدم معرفة ولقصور عقلي والأخيرة على الأقل ليس ذنبهم.

القنطرة الذهبية وتعدد التسميات

قلة من المدن تسمى بعدة لغات الا ان الجزيرة الصغيرة على نهر الزاب الصغير (الأسفل) الذي تجري مياهه بسرعة شديدة تعددة تسمياتها. كانت يوما مدينة آشورية عامرة تسمى ب كرت هرات .

‫في العهد العثماني بني او جدد السلطان مراد الرابع الجسرين الحجرين المنهارين وبنى الانكليز عام 1915 جسرين حديديين مكانهما. ويقال انه علق ليرة ذهبية على مدخليهما فسميت باسمها. في رواية اخرى اطلق العثمانين تسمية التون صو على الزاب الصغير . المدينة تتوسط الطريق بين مدينة اجدادي كركوك ومدينة أربيل ويشاء القدر ان تكون ولادتي على ضفاف هذا النهر اذ ولدت في يوم شتائي في محلة الصالحية انها التون كوبرى التسمية الرسمية للمدينة.

 صحينا اليوم في اجواء شبيهة بتلك التي ما هي عليها صبيحة الأعياد. خرج القوم يهتفون ويرقصون وهلاهل النسوة تسمع من بعيد وربما كانت صداها تتردد من على قلعة أربيل العتيدة.

‫لم يكن يوما عاديا هذا اليوم اذ خرج الناس بملابس العيد وتزين المكان بسعف النخيل بينما كانت بعض النسوة يوزعون الحلوى (الحامض حلو) على الصغار.

‫كان ناظر المحطة الجديدة الأكثر ارتباكا ويوزع الأدوار على اليسار واليمين بينما وقفت عائلته خارج البناية ينظرون بزهوا على رب العائلة بسدارته الفيصلية السوداء

‫اما نحن الأطفال فكنا سعداء لحصولنا على الحامض حلو الذي جمعناه انا واخي وأختي الكبيرة وذهبنا بها الى المقبرة على الرابية القريبة من البيت لنضعها على قبور اخوتنا الذين رحلوا وهم في عمر الزهور وكان اذ احتفل النمل بالحلوى وبنى أعشاشها فرحا هناك كما ذكرت لنا المرحومة الوالدة لاحقا

‫حديثي عن ضيف ذلك اليوم شاب اسمر يافع بعمر الزهور الندية اقفل بيديه خلفة وهو يتمشى مع علية القوم على طول سكك الحديدية التي تربط المدينة ب أربيل شمالا و مدينة العطاءات كركوك جنوبا.

‫كنا نحن نتمشى فرحين وراء الموكب فاليوم يفتتح عاهل العراق المفدى الملك فيصل الثاني محطة القطار في مدينة القنطرة الذهبية وتسمى ب پر دى بالكردية ويطلق التركمان عليها التون كوپرى وتلك التسمية الرسمية كما اسلفت ، مكان ولادتي وساحة لعبي في صباي .

‫لم تمر من الوقت الا القليل حتى سمعنا بان في بغداد ثورة وان هناك رئيس جديد للدولة العراقية والتي بدأت تسمى ب الجمهورية. كنا سابقا نحصل على علي الحليب الفارعة وفيها ملعقة بلاستيكية من جنود الانتداب من المعسكر القريب. نرجع فرحين بهذه العلبة الصفراء وفي المدرسة كانت مدرسة اليمين بعد الجسر الأول بينما مدرسة البنات كانت بعد الجسر الثاني كما اتذكر. كنا ناخذ كوبنا المعدني معنا كي نحصل على حبات من الجوز وحبيبات دهن الحوت كما كنا نسميها والحليب الحار. كانت ألكتب برسوم غير ملونة وكنا نحصل مجانا على الأدوات والكتب الدراسية. بدأت بالدراسة وانا لتتخطى الخمس سنوات كمستمع ولكني نجحت في نهاية السنة الدراسيةمتفوقا على الجميع كما ذكر ذلك استاذي وصديق المرحوم الوالد ناظم أفندي وساحدثكم عن تلك الأيام في الحلقات القادمة من مذكراتي.

‫الغريب ان نفس هؤلاء الناس اللذين استقبلوا جلالة الملك قبل اشهر فقط اكانو أنفسهم يهتفون اليوم وبفرح للجمهورية و قادتها وقد ملئوا اللوريات بينما شد بعظهم وشاحا احمرا على ساعده الأيسر واخرون كان لون وشاحهم اصفر.

‫اما القوم فكانوا هائجين حيث تم القبض على العديد من الأغوات الكرد وكانت بنت مدير المحطة تهتف علنا طالبة بشنقهم والقوم متجمعين أمام البناية يهجمون على شبابيك المحطة الجديدة وغضبهم يصب على احد الأغوات الكرد من الهركيين الجالس بصمت يملئه الخوف في صالة المحطة وكان البعض يهتف قائلا

‫- چيتان ئه وى ئه ى كوردان

‫ويجيب الجمع بصوت واحد

‫- كوشتنى سعيد قزاز*

‫لم اعرف ما سبب الهتاف الا أني عرفت بان الشهيد سعيد قزاز كان وزيرا عادلا إبان الحكم الملكي.

‫اما هديل بنت مدير المحطة فانتحرت لاحقا وترددت شائعات عن حبها لشاب من غير قومها فخرج والدها المفجوع هائما يدور في المدينة هائما بينما كان قد سكب قنينة من حبر پاكر ازرق على وجهه.

‫اعتقدنا انا وصديقي محمود كوزله والصبية انه جن ونحن نعدوا خلفه.

‫كان ذلك اخر أيامنا في المدينة فتركناها بعد اقل من عام عائدون الى مدينة العذابات معشوقتنا كركوك مدينة اجدادنا عام ١٩٥٩ صبيحة ما يسمى مجزرة كركوك وللحديث بقية.

 

‫ توفيق التونجي

.....................

ترجمة الهتاف:

‫ماذا تريدون أيها الكرد

‫مقتل سعيد قزاز

صفحة من مذكراتي الموسومة: التون نامه

 

محمد فتحي عبدالعالجاريةٌ شركسيةٌ وقيل حلبية، كانتْ تتميّز ببياض آخاذ يداعبُ شغاف القلوب إنّها نفيسة  والتي صار لقبها البيضاء . كلّ ماهو مدوّن عن بدايتها جارية لسيّدها علي بك الكبير الذي فتن بها ثم أصبحت زوجه له إلا أن نفوذها في عهده لم يكن بالقدر الكبير ..

كان زوجها الأول علي بك الكبير شيخا للبلاد وهو منصبٌ رفيع بمثابة الحاكم الفعلي لمصر التي كانت في هذا الوقت ولاية عثمانية  .طموحات الرجل كانت كبيرة فعمل على  الاستحواذ على الحجاز وجهز  جيشا عرمرما من أموال المصريين المساكين. وهو الرائد في فنون سلب الأموال بالمصادرة وتحرك جيش علي بك الكبير بقيادة زوج ابنته وتلميذه محمد بك أبو الذهب حيث استطاع الجيش بسط نفوذه على الحجاز ونودي باسمه سلطان مصر وخاقان البحرين ..شجع هذا الانتصار علي بك الكبير للتقدم باتجاه الشام فاستولى على القدس ويافا ثمّ دمشق بعد هزيمة الجيش العثماني ..كان علي بك يتحرك على وتيرة  لعبة توازنات القوى العظمى في عصره فحاول التقرب من الجانب الروسي العدو التقليدي للباب العالي العثماني للحفاظ على مكتسباته  ولكنّ الباب العالي كان خصما ليس باليسير  يجيد استعمال سلاح المال في شراء الذمم فاستطاع استمالة ابو الذهب قائد جيش علي بك الكبير فتوقف عن فتوحاته متحديا سيّده ومعلمه علي بك وأصبحت المواجهة بين علي بك وقائده الخائن حتمية والتي انتهت بانكسار علي بك وإصابته بأصابات بالغة أدت لوفاته  لقد نجح العثماني بالقضاء على أحلام علي بك بخيانة أقرب الناس إليه ..كانت نفيسة البيضاء هي جائزة ابو الدهب لمملوكه مراد بك فأنتقلت نفيسة من بيت رجل حالم وغير عادي وطموح إلى بيت أمير مملوك  ضيق الافق هو مراد بك  .. وتمرّ الأيام ويموت الخائن

 محمد ابو الدهب فيتشارك في حكم مصر مراد بك زوج نفيسة وابراهيم بك ... خسرت نفيسة طموحاتها في زمن زوجها الأوّل ولكنها

ورثت الكثير من الأموال والقصور والجواري وبدأت تدير تجارة كبيرة لها بشكل مستقل. فظهر دورها التاريخي في رسم معالم تلك الحقبة الزمنية للتأثير في حياة المصريين الذين كانوا لقمة سائغة لظلم مراد بك وحاشيته. فعملت على الحد من مظالمه. كانت تعارض زوجها في فرض الضرائب والغرامات على التجار الأوروبيين مما متعها باحترام التجار الأجانب ..كما تمتعت بقدر كبير من الاحترام عند العلماء والأمراء فقد كانت تجيد العربيه والفرنسيه وتقرأ لشعراء العربية بدرجة إجادة عالية وقيل كانت تكتب الشّعر ..

في عام ١٧٩٨ أصابَ مصرَ حادثٌ جلل بقدوم الحملة الفرنسية  وانكسار جند مصر بقيادة مراد بك وإبراهيم بك في مواجهة الفرنسيين بقيادة نابليون بونابرت للفارق الكبير في التسليح العصري لصالح الفرنسيين ولأول مره يسمعُ المصريون صوت البنادق والمدافع علي أرضهم الطيبه  ...

فرّ مراد بك وابراهيم بك أصبحت نفيسه البيضاء الملاذ والملجأ لكلّ محتاج وفقير، والحقيقة أنها  أدارت علاقتها مع الغزاة الجدد من الفرنسيين بقدر كبير من المرونة جعلها موضع تقدير بونابرت ففتحت قصرها في الأزبكية للجرحى الفرنسيين في المعارك فمنحها بونابرت هدية ثمينة من الحلي مزينة بالعلم الفرنسي ...كان بونابرت يسعى من خلال بسط يد الود إلى نفيسه البيضاء كي يكسب ودّ مراد بك وإقناعه بالدخول تحت طاعته. و كان  يشتد معها أحيانا أخرى ببعض الإجراءات التعسفية كالمصادرة للأموال وسجن النساء. لكن نفيسه تحملتْ هذه الخطوب والملمات بقوة شكيمة وشجاعة .

 اقتنع مراد بك بالدخول في طاعة الفرنسيين  في نهاية الأمر والتخلي عن السلاح بعد معاناة مع التشرد. فهو مملوك ضعيف اعتاد على حياة القصور والجواري. ولكن المنية عاجلته  اذ مات على أثر إصابته بالطاعون .

برحيل الفرنسيين كان لنفيسة البيضاء موعدا مع شقاء جديد فقد حلّ محل الفرنسيين العثمانيين مرة أخرى. وعينوا أحمد باشا خورشيد واليا على مصرَ  ... كان خورشيد صوره من صور الظلم العثماني في مصر فعاد إلى إثقال كاهل الشعب بالضرائب والمظالم ... وكان خورشيد لا يطيق مجرد التفوه باسم نفيسه ومع تصاعد حدة الاحتجاجات ضده وجه لها الاتهام بأنها الداعمه لهذه الثورة وأنها تستعين بالجواري في توزيع المنشورات ضده فأمر بسجنها  في بيت السحيمي ومصادرة اموالها  ..

نجح الشعب المصريّ العظيم في خلع خورشيد ثم ظهر على مسرح الأحداث محمد علي باشا كأول حاكم بإرادة الشعب. ولكن للأسف كان حاكما عسكريا استمر في البطش بالسيدة المسكينة التي أنهكها الفقر والعوز.  حتى لم تعد تملك سوى أركان بيت زوجها الأول علي بك الكبير ولم يعد يتذكرها ولا يمد لها أحد يد العون والمساعدة إلى أن ماتت ١٨١٨. لقد ولدت فقيرة وماتت فقيرة وهي في القصر أميرة. رحلت نفيسة البيضاء تلك المرأة الحلبية الجميلة وقلبها منكسر لقد فقدت ازواجها وجواريها وكل هذا الزخم من حولها لقد اختفي الجميع وبقيت وحيدة ...رحلت نفيسه ولكن سبيل الماء الذي بنته وتشجيعها الناس للتعليم ومساعدة الفقراء والمحتاجين مازال خالداً في الأذهان.

ومن التاريخ إلى العلم وهل ينكسرُ القلب حقاً ؟!!

لقد ظلت هذه العبارة لا تعدو كونها  أسطورة، الا أن توصل الباحثون اليابانيون إلى حقيقة هذه الحالة والتي أطلقوا عليها  اعتلال عضلة القلب تاكوتسوبو (Takotsubo cardiomyopathy) أو متلازمة القلب المكسور، مما  يُؤثِّر بشكلٍ مؤقت على قدرة القلب على ضخ الدّم بكفاءة، ويعتري المصاب  أعراضاً مشابهة  للأزمة القلبية،مثل آلام الصدر وضيق التنفس -وقد يلعب هرمون الأدرينالين دوراً في ذلك -وقد تكون المحصلة في النهاية هي الموت ...إنّ استسلامنا للأحزان ليس بالأمر السهل كما نظن بل قد يودي بنا إلى الموت، فالحزن والهم يقطع نياط القلوب.

 

أستاذة راغدة شفيق محمود كاتبة سورية

د.محمد فتحي عبد العال كاتب مصريّ

 

ضياء نافعلم أكن أتوقع ردود الفعل الكثيرة والمتنوعة حول مقالتي عن المرحومة الشاعرة وفيّة ابو قلام (انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مرّوا بموسكو (27) – د. وفيّة ابو قلام)، ولهذا اكتب هذه السطور عنها مرة اخرى، في محاولة للرد على تلك الآراء المتنوعة او مناقشتها في الاقل، والتي أثارها طبعا اناس يهتمون (سلبا او ايجابا) بوفيّة ابو قلام ومكانتها بمسيرة العراق في القرن العشرين، وهذا الاهتمام بحد ذاته يعني، ان وفيّة ابو قلام تستحق ان نكتب عنها ونحدد موقعها في مجتمعنا لانها متميّزة فعلا .

النقطة الاولى في تلك الملاحظات جاءت حول دورها في العراق الجمهوري قبل وصولها للدراسة في جامعة موسكو، وهذه النقطة ترتبط طبعا بالمواقف الذاتية، بل والشخصية للمعلقين . قال احدهم مثلا، ان وفيّة لم تكن معروفة ابدا، وانها برزت عندما بدأت تلقي قصائدها في المحكمة ليس الا (والتي طالبت فيها بالاعدام لمتهمين لم تنته محاكمتهم بعد، والمتهم برئ الى ان تثبت ادانته كما قال)، اي انها حازت على الشهرة لاسباب سياسية بحتة، وليس لانها شاعرة، وحتى لو كان الامر كذلك فعلا، فان ذلك يعني انها استطاعت ان تجد طريقة ناجحة ومتميزة واصيلة للتعبير عن الاراء السياسية التي كانت تعتقد بصحتها، وهو ما جعلها مشهورة ومتميزة في المجتمع العراقي . أشار قارئ آخر الى انني لم أبيّن بوضوح وكما يجب موقف وفية السياسي، بل انه قال انني ذكرت حتى اسم المحكمة بتسلسل غير موضوعي، اذ ذكرتها هكذا - (محكمة الشعب ثم المهداوي ثم العسكرية العليا الخاصة) . ان هذا الموضوع كان بعيدا جدا عن هدف تلك المقالة، اذ اننا نسعى في هذه السلسلة من المقالات الى الحديث عن العراقيين الذين مرّوا بموسكو فقط ، لاننا نرى، ان العراقيين خارج العراق ومسيرتهم واعمالهم وسلوكهم ...الخ، هو جزء لا يتجزأ من تاريخ العراق المعاصر، وذلك لأن الشخص  خارج بلده يظهر خصائصه بشكل أكثر وضوحا ودقة، ولا تهدف تلك المقالات الى توضيح او تحديد مؤسسات داخل العراق ودورها ومواقفها السياسية . أشار قارئ آخر الى ان وفيّة كانت (سياسيّة صغيرة ليس الا ولا تستحق الكتابة عنها ابدا)، وقد ذكّرني هذا القول بما كتبه مرة صحافي عراقي اسمه خالد الدرّة في جريدته (الوادي) ببغداد عام 1960 ساخرا (اثناء قمة الصراع الشيوعي – القومي الذي انتهى باحداث 8 شباط 1963 التراجيدية الرهيبة) عن فريق نسائي يلعب كرة السّلة وكان برئاسة نزيهة الدليمي، ووضع وفيّة ابو قلام في الموقع الثاني بعدها، واود ان اشير، الى ان موقف الطرفيين هنا متطرف جدا وغير موضوعي بتاتا وينطلق من المثل العراقي العتيد والشهير - (لو طخّه لو اكسر مخّه!!!) .

 واعترض أحد القراء على صفة (.. الساذجة الى حد ما ..) التي ذكرتها في مقالتي، واود ان احكي له قصة احد الاصدقاء حول وفيّة، اذ كان مع مجموعة كبيرة من الطلبة العراقيين في حفلة (وكانت هناك حفلات كثيرة للطلبة الاجانب)، وتنتهي هذه الحفلات عادة بالرقص في صالة كبيرة، حيث تعزف فرقة موسيقية، ويرقص الشباب بكل احترام، وقد رأى هذا الشاب ان وفية كانت تجلس في احدى زوايا القاعة وتنظر الى الراقصين ليس الا، فذهب اليها ودعاها وبكل ادب للرقص (توجه اليها بقوله ست وفية، وقد جرى هذا الحادث امامي)، لكنها رفضت، وقالت له، ان محمد علي الماشطة (وهو اول رئيس لرابطة الطلبة العراقيين وأبرز المؤسسين لها) قد دعاها للرقص مّرة في احدى الحفلات ورفضت، وان وجدي شوكت سري (وهو ثاني رئيس للرابطة) قد دعاها للرقص ايضا في حفلة اخرى ورفضت، فكيف توافق على الرقص معه الان ؟ وابتسم صاحبنا وتركها طبعا، وعاد للرقص مع الروسيات . لقد ضحكنا عندها آنذاك، وقلنا جميعا، ان وفية امرأة ساذجة ولم تقصد اي شئ من جوابها ذاك، رغم ان البعض قال انها ارادت ان تتباهى (كأي امرأة اخرى!) بتلك الاسماء، فقلنا لهم ان ذلك بحد ذاته سذاجة ايضا ليس الا . ان صفة (السذاجة) ليست سمة سيئة ابدا بل بالعكس، اذ انها تعني هنا البساطة، وان وفيّة كانت امرأة بسيطة جدا، وهذه الصفة تتعارض مع طبيعة السياسة وألاعيبها والتي تقتضي من الانسان ان يكون (مشيطن!) كما نقول بلهجتنا العراقية، وهو ما اردت ان اذكره في مقالتي عنها دون الاشارة الى كل تلك التفاصيل وغيرها طبعا .

اكرر – ختاما – ما ذكرته في مقالتي السابقة عن احترامي الشديد للمرحومة الشاعرة الدكتورة وفيّة ابو قلام، واكرر الدعاء بالرحمة على روحها والذكر الطيّب والعطر لها ...

 

  أ.د. ضياء نافع

 

تواردت الاخبار بعد ظهر يوم الاربعاء  31 / 5 / 2017 من مدينة اربيل حول وفاة عزيز محمد السكرتير الاسبق للحزب الشيوعي العراقي، للفترة 1964 ــ 1993، عن عمر يناهز 93 عاما، وكعادة العراقيين بدأ تداول وانتقال الخبر بينهم عبر طرق التواصل المختلفة مع هالة من المديح والاطراء للراحل جعلت منه اقرب ما يكون الى الالهة والقديسين والانبياء، من خلال ذاكرة عراقية معطوبة ومشوهة بقصد او دون قصد، وبالتالي انهال علينا الطبالين والمزمرين والمداحين والمتملقين بعشرات التقارير والمقالات عن التاريخ النضالي والانجازات الوطنية والحزبية الفذة للراحل، واكمالا للصورة ادرج هنا بعض المحطات من حياته، وما خفي كان اعظم، ليطلع الجيل الصاعد من الشيوعيين واليساريين وغيرهم على الحقيقة وفقط الحقيقة، والتي يتجاهلها البعض لغرض في نفس يعقوب ولتحريف الوقائع تماشيا مع المصالح الشخصية وسوء النفس البشرية وازدواجية الشخصية العراقية .

ح 8 

رفاق عزيز محمد يكتبون عنه

عزيز وباقر ابراهيم (1)

. . . وأخيراً، كان على الاجتماع]  المقصود به الاجتماع الكامل للجنة المركزية في اب 1964 في براغ ــ خ.ح [أن يملأ الفراغ الذي تركه استشهاد قائد الحزب (سلام عادل). وتكمن أهمية النقطة الأخيرة في المكانة المتميزة التي يتمتع بها الشخص الأول في قيادة الحزب عادة.

واختير عزيز محمد لذلك المركز بعد مناقشات طويلة، رافقتها الصراعات الظاهرة والخفية، التي استهدفت إضعاف مكانة مرشحين آخرين لإشغاله. كان أبرزهم عبد السلام الناصري، كأحد الشخصيات العربية الذي برز اسمه خلال حملة التضامن العالمية مع الحزب. وكان يتمتع كما بدا لي، بدعم واضح من أوساط الحزب الشيوعي السوفيتي .

إن الانتقادات المرة التي وجهت في الاجتماع لبعض مميزات سلام عادل، ومنها التشبث بالرأي الخاص، وكذلك ما اعتبر ضمن نزعات التنكيل بالقادة المختلفين معه في الرأي . . كل ذلك أسهم في ترجيح كفة شخصية تكاد تكون لا رأي مستقلاً لها، تدافع عنه في المواقف الحادة والحاسمة، هو عزيز محمد، والذي كان يتصف أيضا بصفة التأني والدهاء، الذي يصل حد المكر السياسي .

كنت في البداية معجبا بكثير من صفات عزيز محمد، ومنها: التأني في ابداء الرأي، والحرص على احترام رأي الجماعة، والتقدير الموضوعي والمتزن للأمور .

وأذكر أن بعض الأحزاب العربية كانت تتمنى أن يكون لدى قادتها مثل هذه الصفات. وهذا ما كان يصرح به أمامنا، بعض قادة الحزب الشيوعي السوري مثلاً .

لكن مع الهجرة الشاملة الى الخارج، وطغيان سياسة التطرف نحو (اليسار) ومع تعمق ذيلية حزبنا للقيادة الكردية، وتفشي مقاييس نضال (الجبال)، تفاقمت الجوانب السلبية لدى عزيز محمد، وتبدى المكر السياسي كنهج للخديعة والغدر والايقاع بالآخرين .

ويكفي أن أقول إن عزيز محمد كان في مقدمة أربعة مسؤولين رئيسين في تدهور أوضاع الحزب، وهم الى جانب عزيز : زكي خيري وكريم احمد وعبد الرزاق الصافي .

تتبدى مسؤولية هؤلاء الأربعة الأولى كونهم سهلوا ومهدوا لهيمنة رأس المافيا على أعلام وأموال الحزب، ثم على قيادته، وأخيراً سرقة وطنيته .

عزيز وكاظم حبيب (2)

...  كان عزيز محمد عضواً في المكتب السياسي حين تعرض الحزب لضربة 1963، وكان في حينها لا يزال في كردستان العراق. وفي اجتماع اللجنة المركزية في العام 1964 انتخب سكرتيراً للحزب. كان الرفاق الذين انتخبوه يدركون أنه ليس بالنظري المتضلع بالفكر الماركسي، ولكنه كان مناضلاً جيداً وتحمل الكثير من عذابات السجون وآلامها وأطلق سراحه بعد انتصار ثورة تموز 1958، وكان سياسياً محترفاً في الحزب ودرس في المدرسة الحزبية السوفييتية. فكان الرجل مخلصاً لحزبه ووطنه، كما كان مخلصاً للحزب الشيوعي السوفييتي والاتحاد السوفييتي باعتبارهما حصن السلام وقلعة الشيوعية والفكر الماركسي- اللينيني .

لقد كانت قيادة عزيز محمد للحزب في فترة عصيبة مليئة بالصراعات الداخلية والخلافات الفكرية والسياسية ولم يكن في مقدوره أن يلعب دوراً أكبر مما لعبه حينذاك. وكان الوضع في الحزب يساعد على استمرار قيادته للجنة المركزية والمكتب السياسي وعدم تغييره. إن هذا لا يعني أن لم يكن هناك من هو أفضل منه نظرياً، بل كان هناك فعلاً من هو أكثر منه وعياً واستيعاباً للنظرية مثل عامر عبد الله أو غيره، ولكن كانت تنقصهم جوانب أخرى في العمل الحزبي، وكان، كما يبدو، أكثرهم قدرة على إدارة الصراع الداخلي وعلى تأمين توزان لصالحه، كما أن الحزب الشيوعي السوفييتي وجد فيه شخصية متفانية في حبها للحزب الشيوعي السوفييتي ومخلصة لحزبها الشيوعي. وبالتالي استمر فترة طويلة في قيادة الحزب .

لم يستطع عزيز محمد ولا قيادة الحزب كلها أن تلعب دوراً كبيراً في تحقيق الانتصارات، بل ارتكبت أخطاء فادحة وتحملت الكثير من النكسات، وكنت أنا واحداً من تلك القيادة التي أخطأت كثيراً، سواء بالتحالف مع البعث أم في مسائل سياسية أخرى. وحصلت كوارث فعلية في الحزب لم يكن وحده مسؤولاً عنها، ومن الخطأ تحميله كلها. كما من الخطأ القول أن الحزب خرج معافى، بل خرج الحزب وقد خسر مئات الكوادر الحزبية والمثقفة والنقابية وحملة الشهادات العالية والمناضلين الجيدين، سواء عبر استشهادهم على أيدي حزب البعث والحكم الدكتاتوري الفاشي أم في معارك بشت أشان أم في معارك أخرى في كردستان العراق .

ليس هناك إنسان كامل السلوك والسيرة أو من لم يرتكب أخطاءً، أنا وأنت كنا في هذا الحزب وكنا وفق مواقعنا مسؤولين بهذا القدر أو ذاك عن أخطاء الحزب أيضاً. ولكن كان على عزيز محمد وهو في مركز الرجل الأول في الحزب أن :

* يتخلى عن مسؤولية قيادة الحزب بعد نكسة 1978/1979، ويفسح في المجال لرفيق آخر يأخذ على عاتقه قيادة الحزب .

* أن يسعى لتغيير طاقم اللجنة المركزية ومكتبها السياسي، فمن غير المعقول أن يمارس الرفاق قادة التحالف مع حزب البعث، مسؤولية وقيادة الصراع ضد البعث .

* أن يخفف أو يقطع الطريق على الحزب الشيوعي السوفييتي ممارسة تأثيره على سياسة ومواقف الحزب الشيوعي العراقي .

* يبتعد عن بعض المسائل والتصرفات الشخصية في بغداد ودمشق التي عرضت شخصه والحزب إلى إساءات كان يمكن ويجب تجنبها .

لا أجد ما يبرر الخوض في السلوك الشخصي لهذا الرجل الحزبي أو ذاك، بل الأهم من كل ذلك هو تأثيرات ذلك الرجل على حياة وسياسة الحزب .

لدي القناعة بأن عزيز محمد، إذا كان مناسباً خلال السنوات الأولى من انتخابه سكرتيراً أولاً للجنة المركزية للحزب، فإنه لم يكن الرجل المناسب لقيادة الحزب تلك السنوات الطويلة اللاحقة التي بلغت 27 عاماً دون بروز قدرة على التغيير والتجديد والإبداع. بل كان الأفضل له وللحزب تغييره بعد فترة من الزمن ليأتي غيره ويساهم في تجديد الحزب. وهذه المسألة لا تقتصر على الحزب الشيوعي العراقي حينذاك، بل هي لا تزال فاعلة إلى الوقت الحاضر. كما إنها علة كل الأحزاب السياسية في الدول العربية، فمن يصل منهم إلى سدة المسؤولية لا يريد أن يتركها لغيره وقبل موته يريد أن يورثها لأحد أبنائه. والأحزاب الشيوعية هي الأخرى مبتلاة بهذه العلة إلى الآن. والوضع الراهن في العراق يدلل على ذلك أيضاً في تعامل سياسيي الأحزاب المختلفة مع المناصب الحزبية والحكومية .

عزيز وسعاد خيري (3)

ويبقى على راس العوامل الذاتية لازمة الحزب هذه القيادة التي احتفظت بتركيبتها الحالية ولاسيما السكرتير، منذ عام 1964. وقد اعتادت ان توافق على اي برنامج او وثيقة تقرها مؤتمرات الحزب ، لتضعها جانبا بعد المؤتمر مباشرة وتسير وفقا للخط الذي رسمه السكرتير لتصفية الحزب الشيوعي منذ دخوله للحزب. فقد سبق توليه قيادة الحزب مساهمته بمعظم التكتلات والانشقاقات التي تعرض لها الحزب . وهذا ما صرح به نفسه في احتفال مختصر في مقر بغداد بعيد الحزب عام 1977. ودشن قيادته للحزب عام 1964 بخط أب التصفوي الذي دعى لحل الحزب الشيوعي العراقي والانضمام للاتحاد الاشتراكي . وفي عام 1973 وقع على ميثاق الجبهة مع حزب البعث وفقا لشروط البعث في قيادة الجبهة والمجتمع ،خلافا لقرارات المؤتمر الوطني الثاني للحزب ، ودعى علنا وفي العديد من المناسبات الى تضييق الفجوة بين الحزبين وصولا للتداخل فيما بينهما.

وشجع العناصر الانفصالية في منظمات الحزب في كردستان وعلى تفتيت منظمات الحزب في الداخل والخارج وكرر تجربته في التحالف مع حزب البعث في التحالف مع الاحزاب البرجوازية الكردية في تحويل الحزب الشيوعي الى ذيل للأحزاب البرجوازية الكردية .

والمتتبع لتاريخ العراق كيف مهد ذلك التحالف مع حزب البعث لكل الكوارث التي عانى منها شعبنا وسيكون هذا التحالف مع الاحزاب البرجوازية الكردية بشروطهم مقدمة لمزيد من المصاعب والالام لشعبنا بعربه وكرده. وسيجد سكرتير الحزب في كل الازمات داخل الحزب او مع السلطة ، خارج البلاد يتنقل في فنادق الدرجة الاولى في البلدان الاشتراكية، وقد تطول تلك الفترات الى اكثر من سنة . واطولها كانت الفترة الاخيرة لاستكمال شق الحزب وتكوين الحزب الشيوعي الكردستاني ، ومضى قدما في استراتيجيته بتشويه مواقف الحزب بتصريحاته المؤيدة لتقسيم العراق عن طريق تأييد المنطقة الامنة في الجنوب اسوة بكردستان واعتباره ذلك قضما للدكتاتورية ، وتهويله من تأثير الازمة في الحركة الشيوعية العالمية وانهيار الاتحاد السوفيتي لتبرير الاعتماد على العامل الخارجي وبالذات على الامبريالية الامريكية في تحرير العراق من الدكتاتورية!! بل ودفع الحزب للقبول بالتحالف مع عناصر معروفة بولائها للإمبريالية الامريكية ومشبوهة اخلاقيا وسياسيا للإساءة الى سمعة الحزب الشيوعي وتاريخه الوطني .

لقد تعرض الحزب الشيوعي الى الكثير من التصفيات الجسدية على يد الانظمة التابعة المتتالية ، وحاربت الحزب جهات واحزاب قومية ولكن كل ذلك لم يستطع ان يقضي عليه ، ولكن محاربة الحزب من الداخل ومن مركز السكرتير والعمل على تصفيته بدأب وطول نفس، اثر كثيرا على حزبنا واوصله الى هذه الازمة .

ان الحزب الشيوعي العراقي ضرورة موضوعية !! ولم يأتي تأسيسه وتطوره بناءا على رغبة شخص او مجموعة اشخاص مهما كان مركزها ، انه ضرورة تاريخية لإنقاذ شعبنا بعربه وكرده وسائر مكوناته من الدكتاتورية والمساهمة في بناء مستقبله ، فله من الكوادر المتنورة ومن احتضان الجماهير له ومده بخيرة ابنائها ما يمكنه من استعادة خطه الوطني والاممي وتجديد بنائه ليستطيع النهوض بمهامه الوطنية والاممية وصولا الى الاشتراكية .

ونقطة البدء هي تجديد القيادة التي اثبتت عدم جدارتها في النهوض بمهامها في الحفاظ على كيان الحزب ودوره الوطني والاممي . وانتخاب قيادة جديدة تضع في مقدمة مهامها انقاذ الوطن والشعب من هذه الازمة ، اي ان تضع القضية الوطنية والديموقراطية في مقدمة اهدافها بالاعتماد على الشعب وقواه الوطنية وليس على العوامل الخارجية .

 

خالد حسين سلطان

.......................

(1) من مذكرات باقر ابراهيم / دار الطليعة للطباعة والنشر / بيروت 2002

(2) جزء من حوار مع الدكتور كاظم حبيب عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي

سابقاً نشر في موقع الحوار المتمدن في 6/6/2011 بعنوان: (حول ماضي الشيوعيين العراقيين ومستقبلهم!) أجرى الحوار إبراهيم أحمد.

(3) مقال للسيدة سعاد خيري منشور في الحوار المتمدن في 2012 / 4 / 5 بعنوان (تحديدي العامل الذاتي الرئيس لازمة الحزب الشيوعي وتجديد القيادة السبيل الرئيس لحلها) .

 

ضياء نافعخومياكوف - اسم كبير ومتميّز ومتعدد المواهب في تاريخ الفكر الروسي بالقرن التاسع عشر، القرن الذي كان غنيّا جدا بالاسماء الروسيّة الكبيرة، و لكن خومياكوف لم يعد نجما ساطعا في سماء الفكر الروسي، بل انه الان  شبه منسي حتى في وطنه روسيا نفسها في الوقت الحاضر رغم العديد من المصادر الروسية عنه، أمّا في عالمنا العربي بشكل عام، فلا يعرفه تقريبا سوى بعض الاشخاص الذين درسوا الفلسفة الروسية وتاريخها وتخصصوا بها في المعاهد والجامعات الروسية، وهم واقعيا بعدد أصابع اليد كما يقول التعبير العربي الطريف، ويعرفه كذلك الذين درسوا الادب الروسي وتاريخه وتخصصوا به في روسيا (الادب الروسي وليس اللغة الروسية، وهذه مسألة مهمة جدا رغم شبه التلاحم تقريبا بين هذين الاختصاصين)، وهؤلاء ايضا ليسوا نسبة كبيرة بين الخريجين العرب من الجامعات الروسية بشكل عام، بل وأخذوا بالانحسار تدريجيا نتيجة عوامل عديدة لا مجال للحديث عنها ضمن هذه السطور عن خومياكوف  .

ولد اليكسي ستيبانوفيتش خومياكوف عام 1804 وتوفي عام 1860، واستطاع ان يصبح – خلال هذه السنوات القصيرة نسبيا – شاعرا وكاتبا مسرحيا وفيلسوفا وفنانا تشكيليّا وصحافيا ومؤرّخا ومترجما، بل انه ابتدأ مسيرة حياته متخصصا في علم الرياضيات بجامعة موسكو، ونتيجة لهذا التنوع الموسوعي الفكري حاز خومياكوف على موقع خاص في اكاديمية العلوم الروسية في السنوات الاربع الاخيرة من حياته، اذ اختارته اكاديمية العلوم في مدينة بطرسبورغ

عام 1856 ليكون عضوا مراسلا فيها.

سبق وان قدّمنا تعريفا وجيزا عن خومياكوف في مقالتنا بعنوان – (الادباء الروس في تاريخ الفلسفة الروسية)، ونريد هنا ان نتوسع في رسم الصورة القلمية عن هذا المفكّر الموسوعي الكبير، اذ لم نجد بلغتنا العربية مصادر كافية تتناوله وتدرس ابداعاته المتنوعة وتقدّمه للقراء العرب كما يجب مع الاسف .

خومياكوف – فيلسوف قبل كل شئ، وقد أشرنا في مقالتنا تلك، الى انه وضع اسس النزعة السلافية في الفكر الروسي، هذه النزعة التي لعبت دورا هائلا في مسيرة الفكر الروسي في القرن التاسع عشر، وفي الادب الروسي بالذات، والتي يرتبط بها (اي بالنزعة السلافية) اسم عملاق من الادباء الروس وهو دستويفسكي . خومياكوف وصل الى افكار واساسيات هذه النزعة الفكرية عن طريق التفاعل المطلق مع الكنيسة الروسية الارثذوكسية، حتى ان بعض الباحثين الروس يعتبرونه (رجل دين)  قبل كل شئ، رجل دين متعمق ومتبحّر في فلسفة الكنيسة الارثذوكسية بالذات وتاريخ الارثذوكسية بشكل عام، اي يمكن ان نطلق عليه ما نسميه بالعربية (لاهوتيّ) (ان صحّ التعبير) . لقد وصل تفاعله وتعامله مع الكنيسة الروسية الى التقبّل الكامل لموقف الكنيسة في كل شئ، بما فيها الموقف السياسي الواضح من النظام القيصري، اذ انه كان يرى، ان (روما حافظت على الوحدة بثمن الحرية)، (اما البرتستانت فقد حصلوا على الحرية بثمن الوحدة)، ولهذا فان خومياكوف كان الى جانب النظام القيصري والحفاظ عليه وتعزيزه من اجل وحدة الدولة وجبروتها وقوّتها، ولهذا ايضا، اعتبر الرأسمالية والاشتراكية معا (انعكاسا سلبيا للسقوط والانحطاط في اوربا الغربية)، واستنادا الى هذه المفاهيم قدّم الطروحات النظرية الاساسية للنزعة السلافية في الفكر الروسي، والتي تؤكد على الطريق الروسي الخاص و البحت، الطريق الذي سيؤكد دستويفسكي عليه لاحقا، ويبدأ بالكلام في كتابه الشهير (مذكرات كاتب) كيف  ان موسكو يجب ان تكون (روما الثالثة!)، اذ لا يمكن ان تكون في العالم (روما رابعة)، وان الكنيسة الارثذوكسية الروسية هي التي يجب ان تكون القوة الفاعلة والمحرّكة لتلك الظاهرة العالمية.

اما خومياكوف الشاعر، فانه بدأ مبكرا جدا، وبالذات عندما كان يدرس علم الرياضيات في جامعة موسكو عام 1821، اذ نشر عندها محاولاته الاولى في الشعر وكذلك في ترجمة الشعرالى الروسية ايضا، ومن الطريف ان نذكر هنا، ان خومياكوف قد تزوّج اخت الشاعر الروسي المعروف يازيكوف، الذي يعدّ واحدا من الشعراء الروس المحيطين ببوشكين في ذلك الزمان، اي ان خومياكوف كان يختلط واقعيا مع اوساط الشعراء الروس ويتعامل معهم  الند للند كما يقولون، بما فيهم بوشكين نفسه، وتوجد في المكتبة الروسية عدة كتب بعنوان – بوشكين وخومياكوف، وقد ظهر قسم منها  حتى في نهايات القرن العشرين، اي في الاتحاد السوفيتي بالذات، وتبحث هذه الكتب بالاساس في موضوعة علاقة بوشكين بالنزعة السلافية وموقفه منها (وهي موضوعة حساسة جدا في النقد الادبي السوفيتي)، وتحدثت هذه الكتب حتى عن العلاقات الشخصية بينهما واللقاءآت العديدة التي حدثت بين خومياكوف وبوشكين، بما فيها بعض النقاشات التي جرت بينهما، والتي تبيّن عدم اتفاقهما بشكل عام رغم العلاقات الوديّة بينهما، ونختتم مقالتنا هذه بالاشارة الى واحدة من تلك النقاشات الطريفة –

قال خومياكوف – في روسيا يوجد حب مسيحي اكثر مما في الغرب، فأجاب بوشكين قائلا – لم أقم  بقياس كمية هذا الحب في روسيا او في الغرب ..، لكني أعرف ... في الغرب يوجد اناس وضعوا اسس ذلك ...، ولو ظهروا عندنا، لكان ذلك مفيدا لنا ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

شاكر الساعديخوزستان: هي إحدى محافظات إيران الإحدى والثلاثين، وتعني بالفارسية بلاد القلاع والحصون، إلا إن البعض من سكنتها صحح لي المعلومة وقال: خوزستان تتكون من كلمتين خوز تعني سابقا السكر وإستان تعني: مدينة أي - مدينة السكر - لكثرة ما يزٌرع فيها من قصب السكر، مركزها مدينة (الأهواز) أو كما يلفظها العرب (الاحواز) لان حرف الحاء(ح) ينطق هاء(ه) (H) بلغتهم الفارسية أحيانا، تقع خوزستان جنوب غرب إيران و تحادد العراق من جهة الشرق ولها حدود طويلة مع محافظتي (البصرة و ميسان) تقرب من (400) كم طول، تبلغ مساحتها (63213) كم2 وعدد سكانها (4،345،607) نسمة وتضم (20) قضاء، أما الأهواز فهي عاصمة ومركز محافظة خوزستان، يبلغ عدد سكانها (1،841،145) نسمة حسب إحصاء عام 2006 ومساحتها تبلغ (135)كم2.

وقد اجمع المؤرخون المسلمون إن شعب خوزستان خالط الكثير من الشعوب بسبب موقعها على الخليج العربي من جهة الجنوب وما تضمه من موانئ تجارية وثروة سمكيه وزراعية وما تحويه أرضها من ثروة نفطية هائلة اكتشفت عام 1908 منذ إن حكم الأهواز الشيخ خزعل ألكعبي (1897 - 1925) قبل استلام رضا خان زمام السلطة في إيران وبداية الحكم الإمبراطوري فيها ، خاصة المناطق المحاذية لحدودها مع العراق حيث توجد حقول نفط مشتركة بين البلدين في الفكه وابوغرب ومجنون، لدرجة كانت تظهر المدينة بما تحويه من أجناس وإشكال ولغات كمنطقة تجمع وان احتفظت بطابعها العربي - الإسلامي، مما اوجد جنسا خليطا متعددا لا هو بالعربي ولا هو من الأجناس الأخرى، هذا ما لحظناه من خلال كلامهم معنا، يتكلمون بلغة عربية ركيكة عبارة عن خليط من الكلام العربي - الفارسي وخاصة الشباب منهم، إما كبار السن فأنهم يتكلمون اللغة العربية الدارجة في الجنوب العراقي .

تلال – جذابة: بعد إن كانت مسرحاً للعمليات العسكرية في عهد النظام البائد أصبحت اليوم مركز استقبال للعراقيين الراغبين بالسفر إلى إيران عبر منفذ الشيب الحدودي في محافظة ميسان، مرورا بالشارع الضيق الذي يؤدي بك إلى ناحية (البسيتين) أو ما يسمى بالطريق العسكري الذي يوصلك إلى المدن الحدودية الإيرانية التي اجتاحها النظام السابق ووصل إلى ضفاف نهر الكرخة مقابل مدينة الشوش إذ دارت معارك طاحنة على تلك الأرض منذ عام 1980 حتى عام 1988 راح ضحيتها مئات الألوف من الطرفين كان أبرزها معارك (الشوش - دزفول)عام 1982 ... وهذا ما لحظناها عند دخولنا مدينة البسيتين وسوسنكرد (الخفاجية) والحميدية حيث مقابر ضحايا الحروب وصورهم معلقة في الشوارع العامة .

سائق التاكسي / سعيد / العربي الأصل يتكلم العربية بركاكة ويسال عن بعض الكلمات ومعناها ونحن نوضح له، يتجول بنا في المدينة من الصباح حتى المساء دون إن يفرض علينا مالا ويترك الخيار لنا، تتجسد فيه الأخلاق العربية الأصيلة عندما دعانا إلى وليمة غداء في بيته الواقع وسط المدينة واستقبلتنا زوجته دون إن نعرف منها كلمة واحده سوى السلام لأنها لا تجيد العربية .

نهر الكارون: يخترق المدينة من الشمال الغربي مروراً بوسطها حتى الجنوب الشرقي منها مما اوجد ساحل طويل في مركز المدينة يضم حدائق ومتنزهات وزوارق نهرية للسياحة، أصبح متنفس للزائرين تجد فيه التحرر الكامل للمرأة الإيرانية وهي تتناول النارجيلة مع زميلاتها بكل حرية، تسحب منها الأنفاس الطويلة وتنفذها في الهواء.

والمرأة الاهوازية تهتم بأناقة ملابسها وشكلها فتجد الكثير منهن تعمل عملية تجميل للأنف وكأنها ظاهرة حضارية حديثة عند المرأة الإيرانية، ومحاولة لتقليد المرأة الأوربية ووسيلة للتحلي وجذب الشباب والزواج بمن تهوى بدلا من تقوقعها في دائرة ضيقة أو بقائها خارج المنظومة الحضارية .

فيها أسواق حافلة ومنها تُحمل السلع إلى الجنوب العراقي بواسطة منفذي الشيب والشلامجة الحدوديين، وأسواقها مجهزة أحسن تجهيز فكل شيء متوفر ويباع بأسعار زهيدة باستثناء المستورد منه أو ما يطلقون عليه - خارجي - فانه غالي الثمن، وتشاهد العوائل في الحدائق العامة والكازينوهات والمطاعم يتناولون أطايب الطعام على شكل جماعات وبكميات وفيرة ، مما يدلل على الرخاء العام والكياسة في الرجال والمروءة في النساء وحدت سلوكهم وجعلت المدينة مركز للسرور والبهجة، رغم الحصار الدولي المفروض عليهم وهبوط العملة الإيرانية - التومان - نحو الأدنى، ولكن حال الناس يقول: لقد أصبح عندنا اكتفاء ذاتي فأصبحنا نأكل ما نحصد ونلبس ما ننسج ونشرب ما نعصر .

مدينة الأهواز: هي السوق الرئيسي لمقاطعة خوزستان وهي مدينة واسعة الشوارع ذات سهل زراعي خصب منبسط والمناخ فيها حار لذلك ينمو النخيل بكميات كبيرة في مناطقها ويصنع فيها السكر من القصب والحنطة والشعير والذرة هما الإنتاج الزراعي الرئيسي وسكانها العرب يعيشون على السمك والتمر، وهي ليست كبيرة على قدر ما لكنها جميلة، فيها مباني عالية من الحجر ذات طوابق متعددة ونوافذ كثيرة وكلها مبنية على الطريقة الإيرانية التي تعتمد الحديد كقواعد في البناء بدلا من الخرسانة .

وأهل - الأهواز - كخليط بشري يرتدون الملابس العربية المعروفة والأغلبية ترتدي القميص والبنطلون، ونسائهم تلبس الزى العربي العباءة العربية أو الإسلامية كما يسمونها وخاصة الريف الاهوازي المحاددة للجنوب العراقي، إما المرأة الاهوازية في مركز المدينة فان الأغلبية الساحقة منهن ترتدي القميص الطويل والبنطلون وتضع الشال على رأسها وهو يغطي نصف شعر الرأس والنصف الأخر في الهواء الطلق .

سوق الجمعة: وسط المدينة يمتد على مسافة طويلة يفتح أبوابه صباحا لبيع السلع القديمة والجديدة يشبه سوق الجمعة عندنا حيث ملابس أهل الخليج العربي المستعملة تباع هناك لان اغلب البائعين والمتبضعين هم من العرب، وتباع الكاسيتات العراقية لعبادي العماري وحاتم العراقي وياس خضر وغيرهم، تصدح بصوت عالي وسط السوق الذي يقفل أبوابه عصرا وهي تقول (إعزاز عدنا ومن هويناهم هوينا الناس كلها) .

والى جانب الأهواز قصبة محافظة خوزستان، هناك مدن أخرى مهمة كعبادان المعروفة بمصفاة النفط، ومدينة شوش دانيال وديزفول، وغيرها.

 

شاكر عبد موسى الساعدي / العراق - ميسان

 

زاحم جهاد مطرسبق لي أن أرسلتُ إلى الفقيد المرحوم الأديب الكبير (زاحم جهاد مطر) نسخةً ألكترونية من ترجمتي لمسرحية (جلجامش) الشعرية للشاعر السويدي (أبه لينده). فاستلمتُ منه رسالةً ألكترونيةً ـ أدرجها هنا كما وردتني ـ مع مسودة مسرحية (هو الذي رأى كلّ شيء) الشعرية التي كتبها مقتبسةً من ملحمة (جلجامش)، راجياً رأيي فيها.

سيدي

عبد الستار نورعلي

معلم الاجيال

كل الشكر والتقدير قبل الإهداء على هذا الجهد الكبير والشاق.

تصفحت الترجمة القديرة الفاحصة الحذرة.

وكما كان توقعي فان المؤلف قد تاثر بالجانب السطحي من الملحمة وهذا ليس من ذنبه

وكما تعلم سيدي الفاضل فان الملحمة وبطلها الاسطوري الحقيقي كلكامش قد تعرض وسيرته الى التشويه المقصود وغير المقصود لغايات واهداف انت اعلم مني بها

مرة ثارت ثائرة البعض عليّ لأني قلت لم اجد في التاريخ الانساني اقرب لعلي بن ابي طالب غير كلكامش. وانا لم اقل هذا الكلام مجردا من التمحيص والتدقيق والادلة

اتمنى ان يكتب هذا الكتاب صفحة للمناقشة العلمية لنصل الى الحقيقة ولكن باثباتات وبراهين وليس عن تصورات ساذجة او متاثرة برأي فلان او علان

انه تاريخنا

تقبل شكري واحترامي

*

ـ (وصلتني رسالته بتاريخ 12 آب 2018 الساعة 21:37)

فرددْتُ عليها مباشرةً:

أخي العزيز المبدع الكبير زاحم جهاد مطر

تحياتي

أشكر لك تفضلك بالرد السريع. أنت تعلم أنّ الملحمة أثارت قراءات كثيرة ومختلفة حسب فهم ورؤية كل باحث ومهتم. ورأيتُ أن يطلع المثقفون العرب على تأثير الملحمة في الأدب العالمي وأهمية هذا التأثير، سلباً أم إيجاباً. وهذا يبرز الأهمية الكبرى لحضارة ولثقافة وادي الرافدين بعمق تأريخها في التاريخ الثقافي والفني العالمي. والمسرحية مستوحاة من الملحمة، بمعنى أنّها دخلت في عمق وعي وفن وثقافة الانسانية في كل مكان، وهذا يظهر عظمة تاريخنا وحضارتنا على سعة الكون الانساني.

ولك الحقُّ في أن تقرأ بحسب وعيك وتحليلك ومتابعتك وسعة أفق ثقافتك وموقفك الفكري والحسي والفني، أما إنْ غضب البعض فهذا من قصر النظر وتخلف الوعي، وهو من أُسس ما وصلنا اليه منْ كوارث وتراجع رهيب.

دمتَ بخير وابداع وراحة

أخوك

عبد الستار نورعلي

*

ثم أرسلَ رسالةً ثانيةً بتاريخ 21 سبتمبر 2018 تتضمن مسودة أولية لمسرحيته المُقتبسَة من ملحمة جلجامش:

استاذي ومعلمي الفاضل عبد الستار نور علي

ارجو ان تكون بصحة تامة

انا اعلم بانشغالاتك ولكن التلميذ يمون على استاذه كما يقال

في المرفق مسودة اولية لمسرحية (هو الذي رأى كل شيئ) مقتبسة من ملحمة جلجامش الخالدة

ارجو بيان الرأي الذي يهمني جدا

حاولت فيها ان ابين الحقائق المخفية او التي تعرضت للتشويه والتزييف للشخصية العراقية من خلال تشويه ابطالها

اشكرك مقدما

و لكم محبتي وتقديري واحترامي

*

فأجبته:

العزيز أخي زاحم جهاد مطر

تحياتي القلبية الحارة

سأقرأها حتماً وأعلمك برأيي باسرع وقت

عبد الستار نورعلي

*

ثم أرسلتُ له قراءتي:

عزيزي زاحم جهاد مطر،

تحياتي القلبية مع إكليل محبة،

انتهيت من قراءة المسرحية. وقد فهمتُ المرمى الذي تهدف اليه، وهو نزع صفة الطاغية ألمستبد الباحث عن خلوده (جلجامش)، لتعرض من خلال المسرحية رؤيتك للملحمة وبطلها، على أنّه كان عادلاً يحبُّ شعبَه، ويعمل لصالحه، بدليل وقوفه في وجه أعيان المدينة. وأرى أنّ مستهلَّ الملحمة بعبارة:

"هو الذي رأى كلَّ شيء

فغنّي باسمه يا بلادي."

 كما ورد على لسان الراوي، في الدعوة الى الغناء باسمه، دليلٌ على محبته من رعيته.، فهو الذي رأى كلَّ شيء، بمعنى الرؤية البصيرية العقلية النافذة بالوعي والفكر، لا الرؤية البصرية للماديات.

كما أنّه رغبَ بامتلاك عشبة الخلود ، مثلما تذكر في المسرحية، لا لشخصه فحسب وانما لتوزيعها على ابناء رعيته. ولكونه هذا جوبه بمعارضة الأعيان والآلهة التي قدّرت له الملوكية خدمة لأهدافها. فخلقت انكيدو لمواجهته، والثور الوحشي للقضاء عليه. وكذا محاولة إغواء عشتار له لتدجينه وإضعافه.

هذه رؤيتك، وللآخرين، وانت العارف جيداً، رؤاهم. وهذا من عظمة الملحمة الخالدة، تاج الملاحم في العالم. واعترضتَ على بعض التفسيرات الغربية لها. مع أنّ أثرها بالغٌ في أدبهم منذ اكتشافها.

مسرحيتك راقية من حيث اسلوبها الذي حاولتَ أن تقرّبه من لغة الملحمة وأدائها، وهي شاهد على عمق صلتك وعلمك بالملاحم التاريخية ومتابعتها ودراسة مضامينها وشخصياتها الألوهية. ومن قراءتي لنصوصك ،غير المقامات، التي كتبتها على نمط شعر الملاحم السومرية والبابلية والأكدية وجدتُ أنها من ابداعاتك المتميزة وتقترب من لغة وتعبير وصور الملاحم واشاراتها، وأظنني علّقْتُ عليها مشيراً الى ذلك.

ويبدو أنك تعبتَ على المسرحية كثيراً، وجهدتَ أن تخرجها بأبهى حُلةٍ، مضموناً وشكلاً، وقد أخذت منك وقتاً وحرصاً.

أرجو أنْ تعيد قراءتها، لأنّ فيها هناتٍ لغويةً نحوية قليلة جداً وبسيطة، لم استطع أنْ أصحّحها، لأنّ النصَّ مرسلٌ ملفاً لا يمكنني أن أدخل عليه للتغيير، ويقيني أنّها مسودة اولى، كما ذكرتَ فيها. وهذه الهنات بالتأكيد لا تمرّ عليك وأنت العارف بقواعد اللغة، أكيد أنها بسبب التعب فهذا يحدث مع الجميع. والهنات خاصة ترد في الأسم المثنى نصباً، فترد بالألف رفعاً بدل الياء في الغالب، كما تابعتُ. وهناك سهو في أزرار الحروف فترد الخاء في نهاية الكلمة على شكل الرقم 3 أو 6 أحياناً، مثل كلمة النفخ ترد النف3 .

هذا ما أردت قوله متمنياً لك التوفيق مبدعاً كبيراً وحريصاً على أن يكون كما هو.

مع فائق المحبة

أخوك

عبد الستار نورعلي

السبت 22 سبتمبر 2018

*

مسودة أولية

مسرحية (هوالذي رأى كل شيء)

زاحم جهاد مطر

مقتبسة من ملحمة جلجامش الخالدة

تتألف المسرحية من ثلاثة فصول:

الفصل الأول ستة مشاهد

الفصل الثاني خمسة مشاهد

الفصل الثالث أربعة مشاهد

والمسرحية من ستة وستين صفحة من الحجم الكبير، ووصلتني على نظام الووردز.

وأملنا أنْ تجد طريقها إلى الطبع لأهميتها، وشعريتها، وأسلوبها الملحمي.

***

عبد الستار نورعلي

الثلاثاء 19 مارس 2019

يوم إعلان رحيل الأديب والإنسان الكبير(زاحم جهاد مطر)

فلروحه الرحمة والسلام والذكر الطيب. طيّبَ الله ثراه.

 

 

احمد فاضللم أكن أتصور أنني سأقرأ نعيه، فقد كنت أترقب جديده وهو يتحفنا بقصائده النثرية من على صحيفة "المثقف" بين الفينة والفينة، وبسبب إنشغالاته لم يتحفنا من أفانين شعره ومقاماته اللوذعية التي كانت تستقطب الاعجاب من قبل جمهرة كبيرة من النقاد والقراء بسبب هجائها وكوميديتها السوداء التي كانت تذكرني بكتابات وليم فوكنر وتوماس بنكن وكورت فونيجت وجوزيف هيللر ومارك توين ولويس فرديناند سيلين وجورج برنارد شو، حتى فوجأت برحيله إلى الأبدية وهو بعد لم يكمل مشروعه في تجديد فن المقامة التراثي الذي بدأه منذ سنوات قليلة .

كانت زياراته للمتنبي قليلة ولذلك لم نكن نراه كي نجلس لمحاورته ما بدأه من مشروعه المقامي أو حتى النثري والهايكوي الذي بدأ في كتابته متأخراً حيث كنت قد قرأت له عدداً منها من على صفحته الخاصة على الفيسبوك اجتزأ منها :

يا قاطع الأرزاق بلا سبب

تذكر قولي

سوف يقطع الله عنقك بسبب

   ******

لا يغرنك وجه الظالم المبتسم

أنظر

إلى قلبه المحترق ..

  773 احمد فاضل

أما آخر لقاء مُطّول معه فكانت في إحدى دورات معرض بغداد الدولي للكتاب حيث وقفت معه في توقيعه لكتابه " مقامات " الصادر عن اتحاد الناشرين العراقيين والذي شهد إقبالاً كبيراً اضطر الجمهور أن يقف صفاً طويلاً للحصول عليه .

رحمك الله أديبنا وشاعرنا الإنسان بمعنى الكلمة زاحم جهاد مطر وأسكنك الله تعالى فسيح جناته .

 

كتابة / أحمد فاضل

 

زاحم جهاد مطرفالردى كان أسرع مني في لقائك

إن عيناي تدمع

وقلبي يخشع

ونبضات روحي تسمع

وإنني على فراقك حزين

بفراقك زادت جروح قلبي وقروحه جرحا

أذرف الدمع في وداعك

أشيعك وأنت في قلبي أخا وصديقا

رحلت عنا وتركتنا نصارع أمواج المأسي والآلام

 *

زاحم يا صديقي

سنلتقي حتما عند ضفة دجلة

حيث - المتنبي - ينتظرنا واقفا

أو في الفردوس الأعلى

المخصص لنا نحن الفقراء الطيبون المعذبون المطاردون في الأرض

لأنه يتعسر على الأغنياء دخول الجنة

صدق السيد المسيح - عيسى بن مريم - عليه السلام

حين قال :  الحق أقول لكم: "أن يدخل الجمل في ثقب الأبرة أيسر من أن يدخل الغني ملكوت الله" كن في رعاية الله صديقي

*

سبعون شمعة

سأوقدها في حديقة آذار

وسأذرف دمعي الحار عليك يا صديقي

مثلما كان الشاعر - البياتي - يبكي وينحب على ولده - علي -  في مدن المنافي البعيدة الحزينة

                 - 1 -

قمري الحزين  "

البحر مات وغيبت أمواجه السوداء قلع السندباد

ولم يعد أبناؤه يتصايحون مع النوارس

والصدى المبحوح عاد

والأفق كفنه الرماد

فلمن تغني الساحرات ؟

والعشب فوق جبينه يطفو وتطفو دنيوات

.. .............................................

................................................

أكذا نموت بهذه الأرض الخراب؟

ويجف قنديل الطفولة في التراب ؟

أهكذا شمس النهار

تخبو وليس بموقد الفقراء نار ؟

                        - 2 -

مدن بلا فجر تنام

ناديت باسمك في شوارعها فجاوبني الظلام

وسألت عنك الريح وهي تئن في قلب السكون 

ورأيت وجهك في المرآيا والعيون

............................................

............................................

أهكذا تمضي السنون

ونحن من منفى إلى منفى ومن باب لباب

نذوي كما تذوي الزنابق في التراب

فقراء يا قمري نموت

وقطارنا أبدا يفوت

*

صديقي الغالي - زاحم - أهديتني قبل عامين قصيدة

" لم الإصرار على الرحيل "

ونهري ما يزال يجري

الليل بهيم يا صغيري

.............................

............................

ألا ترى الأفق البعيد

إنه بلون الدم

حتى القمر أحمر

والأضواء الصغيرة التي تراها حمراء

عيون ذئاب تنتظر حملانا

فلا تكن حملا يسير نحو الفناء على قدميه

أصر على الرحيل

ذهب نورسي وتلاشى في الظلام

الغراب الذي يبحث في البرية

لم يجد من يواري سوءة الغريب المجهول

وضفافي التي غاب عنها البياض

تبكي عليه عبثا "

*

كانت هذه نبؤتك عن موتي في المنفى وحيدا

حتى الغراب لم يجد من يواريني في التراب

أقول لك : صدقت يا صديقي ، سأرحل وحيدا في منفاي مثلما رحلت عن العراق وحيدا

وسيتعذر على الغراب أن يجد من يواريني التراب

 لكنني كتبت لك أيضا تعليقا على هديتك :-

أخي وصديقي الحميم - زاحم - أيها المبدع الجميل

هذه الأجواء التي رسمتها على خارطة رحيلي هي أجواء مصرع شهيد الشعراء ، قمر غرناطة وعندليب الأندلس ، شاعر الحرية والكرامة الإنسانية  - فدريكو غارسيا لوركا - شاعر القمر وظلال الأغصان ونبع الدموع 

هذا هو بالضبط حلم - لوركا - الذي رآه قبل مصرعه بيوم واحد . فقد رأى في ما يرى النائم ذئبا يتربص بحمل صغير

كان برفقة أمه . وحين غفلت عنه أمه هجم الذئب وافترس الحمل الصغير الوديع . وكان مشهد الدم مرعبا ، كل شيء أحمر ، الحقل أحمر كان ، حتى القمر أحمر كان

بعد يوم واحد من حلم لوركا هذا إعتقل الفاشيون الشاعر وأطلقوا عليه الرصاص في حقل محروث عام 1936

فهل تتنبأ لي يا صديقي بمصرع يشبه مصرع الشاعر لوركا أم ماذا؟! . حتى الغراب في منفاي لم يجد من يواري جثماني

 يا - إلهي .هل رأيت شيئا في منامك يا صاحبي وصديقي أم أنك تفزعني لأعود إلى ضفاف النهرين لأصنع مراكبي وقواربي من ورق دفاتري المدرسية وألقيها في نهر دجلة

الخالد وأنشد :  أيها النهر لا تسر وانتظرني لأتبعك

 تريدني أن أعود إلى السماء الأولى حيث عناقيد النجوم

دانية وقطفها أيسر من شرب الماء؟

وبساتين أشجار الرمان مزدانة بالجلنار الذي سيكبر وينضج ويصير نهودا لشجرة الرمان؟

حسنا سأعود ولن أرحل ثانية إذا كان ذلك يجلب البهجة لروحك والسعادة لقلبك أيها الصديق الحميم

*

عزيزي الشاعر المبدع زاحم

شكرا لك على قلادة الشعر التي صغتها من كلمات المحبة والطيبة والنبل والتي وضعتها في جيدي وتدلت على صدري

سأحتفظ بها كذكرى جميلة من صديق مبدع جميل

*

وهذا أخينا وصديقنا الحميم الشاعر - يحيى السماوي - كتب لنا هذا التعليق على نصك البديع

" يا صديقي زاحم جهاد مطر وحسين السوداني : دمتما شفتين لفم واحد غنى للإنسان وشهر صوته بوجوه المارقين

 *

أقول لك أيها الغالي

أنت أسرعت الرحيل

وأسرجت جواد المنون مسرعا

فالردى كان أسرع مني في لقاءك

إن عيناي تدمع

وإنني على فراقك حزين

***

حسين السوداني

 

774 جمعة 3لا يمكن للعراق ان يفرغ من رجاله الاوفياء والشرفاء. لا يمكن ان يجدب من الطيبة والوفاء وعمل الخير. والدفاع عن حق المعدومين والمسحوقين والمحرومين. في حق العيش الكريم. لا يمكن لعقلية الحواسم والعلس ان تخنق العراق وتقوده الى الافلاس والفقر والجوع التام، مثلما بطشوا ونهبوا بخيرات واموال العراق. احزاب علي بابا والف حرامي. من اللصوص والسراق. الذين نشفوا خيرات العراق. بطرق شيطانية في الاحتيال والاختلاس. ليقودونه الى الخراب والانقسام والتمزق. ليصبح العراق. بلاد الاحزان والنوح والبكاء. من طراطير الاحزاب الطائفية الحاكمة. لذلك مهما كان جبروتهم وقوتهم الارهابية.

 لا يمكن للعراق. ان يخلو من الافياء والغيارى. الذين يحلمون بوطن خالً من العذاب والمعاناة والحزن. خالٍ من عقلية الحواسم والعلس والقرصنة. خالٍ من الثقافة الطائفية التي مزقت العراق بالخرب. خال من الفاسدين (الهتلية) الذين تاجروا بالعراق برخص في مزاد الدول الاجنبية. لبيعه هو وناسه الغيارى. بضمير ميت. وبضمير العمالة والخيانة للاجنبي. في سبيل تحطيم العراق وافلاسه. هكذ كان الفقيد كنخلة العراق الشامخة. يقف بكل صلابة في وجه الاوغاد من حثالات الاحزاب الطائفية بجرأة وشجاعة. لذلك ان رحيله المفاجئ. خسارة كبيرة للعراق والى ناسه الطيبين.

774 جمعة 2

فقد كان الفقيد الكبير (زاحم جهاد مطر) عنوان الطيبة والتواضع. عنوان الاخلاص والتفاني بحب الوطن. فكان يطرز الامل والحلم للعراق. في ابداعاته الادبية الفذة. وخاصة في المقامة الحديثة. كان عنوان التضحية في سبيل الوطن وناسه الفقراء. لذلك تطوع بدون مقابل مالي. في ازالة الالغام من مخلفات الحرب العراقية الايرانية. وخاصة وانه خبير عسكري في ازالة الالغام. وتطوع بهذا العمل الخطير. وكان في عهدته 350 عاملاً باجور شحيحة. حتى لا تكون هذه الالغام. افخاخ لصيد الناس الابرياء. ولكن الحرامية واللصوص من ثعابين الاحزاب الطائفية. وقفوا في وجهه بالمرصاد. لانهم كانوا يسرقون الاموال والمعدات الحديثة في ازالة الالغام. التي كانت ترسلها هيئة الامم المتحدة. فقد اشتكى منهم ألى هيئة الامم المتحدة. التي كانت تدعم عمله الشاق والخطيرفي ازالة الالغام. وترسل الاموال والمعدات الحديثة. ولكنها لاتصل اليه. وعندما عرفوا بالشكوى ضدهم. فكان انتقامهم في ايقاف العمل في ازالة الالغام وطرد 359 عاملاً. ليتركوا الالغام تحصد الناس الابرياء. هكذا وصلت سفالة وحقارة ثعابين الاحزاب الطائفية الحاكمة. في انتصارهم على عمل الخير.

774 جمعة 1لقد كان الفقيد الكبير عنوان الجرأة والشجاعة. ولم يعر اهمية الى التهديدات بالقتل والاغتيال. اذا وقف في وجههم ومنعهم. ولكن مرض القلب. لم يمهله ويسعفه كثيراً. في مقاومة الجراد الوحشي الذي غزا العراق. فتوقف قلبه الكبير. وتوقفت حياة الانسان الكبير. الذي كان مدافعاً عن الحق. مدفعاً عن حق الفقراء بلقمة الخبز الشريفة. كان مبدعاً كبيراً في اشكال وفنون الادب. فقد اعاد صياغة المقامة. وخلقها من جديد في التجديد والابتكار الخلاق. فأستحق لقب رائد المقامة الحدثة. بكل براعة ابداعية خلاقة تلائم متطلبات العصر الحديث.

فالف رحمة الى فقيدنا الكبير. فقيد الطيبة والابداع والانسانية.

نسأل الله عز وجل ان يتغمد الفقيد الكبير برحمته الواسعة واسكنه فسيح جناته. والهم الصبر والسلوان عائلته ومحبيه ولكل الشرفاء وهم يقاومون الجرذان الوحشية من احزاب علي بابا وألف حرامي

 لقد خسرت الثقافة العراقية مبدعاً كبيراً وفذاً

 

جمعة عبد الله

 

زاحم جهاد مطرالى روح المرحوم الشاعر الأستاذ زاحم جهاد مطر رحمه الله

اخي زاحم:

كنت احسب ان لإنقطاعك عن صفحة نصوص عودة بعد حين، لكنني فجأة علمت ان روحك تفارق هذا العالم بعيدا الى حيث ذلك المكانٍ .

هنالك قررت ان اتلو هذا النعي على جدران مثواك الأخير، حيث كما تعلم لم يتسن لي ان احضر مهرجانات الشعر ببغداد أسوة بالقادمين، لذلك آثرت ان اكتفي بهذه البصمات: 

اخي زاحم نصوصك الهايكوية والمقامات التي كتبتها جميعا، في القلب باقية أصداؤها، كما وفائه حبر الكلمات، انفاسكَ رسمتها في مشاعرنا جميعا مثل اغصان تؤرقها العَصافير.

المسافات التي تفصل بيننا، في يوم من ايام آذار، قررت ان تتنحى عن منبرها، لتبقى هكذا نستنشق عطرها، نتحسس روعتها، لذلك إكرامًا وتبجيلا، القصيدة ارتدت ثوب الحداد.

دقات قلبك باغتتنا، وايقونة الشعر مثل بكاء الحاضرين دموعها، أبكت مجالسنا.

 اخي ابا علي، لقد بلغنا النبأ مع صباح من صباحات نصوصك القديمة، ساعتئذٍ رحت اتطلع الى صورة عودتك الشعرية، لنتبادل التعليقات بعد التحيات من جديد، لكن صفحتك هذه المرة كانت غائمة،

رغم ان قصيدتك الأخيرة بعد الفراق لها اشراقة في القلب.

يومئذٍ أيقنت انك قد عدت لتمضي شوط لقائك الأخير.

 

عقيل العبود   

 

ضياء نافعلا اعرف لحد الان كيف اكتب لقبها بشكل دقيق – (ابو قلام) أم (ابو اقلام)، ولكننا كنّا نلفظه ابو قلام في حينها، ولهذا كتبته هكذا في عنوان مقالتي عن المرحومة الدكتورة وفيّة.  تعارفنا اثناء دراستنا في جامعة موسكو في ستينات القرن العشرين، حيث كنت انا آنذاك طالبا في الدراسات الاولية، وكانت هي طالبة في قسم الدراسات العليا . لقد وصلت وفيّة الى موسكو وهي محاطة بهالة من الشهرة والمجد باعتبارها شاعرة (محكمة الشعب) او (محكمة المهداوي) او (المحكمة العسكرية العليا الخاصة)، وكنّا نتصورها شخصية قوية وصلبة ومناضلة ووو، ولكننا اكتشفنا بعد مخالطتها لفترة طويلة نسبيا، انها امرأة عراقية بسيطة جدا وفي غاية الطيبة وحتى ساذجة الى حد ما، وبالتدريج لم تعد بالنسبة لنا تلك المرأة السياسية الحديدية التي تصورناها قبل وصولها الى موسكو.

كانت وفيّة تعرف حدودها كما يقال، وهذه صفة جيدة جدا في الانسان ( الذي يعرف قدر نفسه)، فلم تكن (تثرثر!) في الشؤون السياسية ولم تكن (تتبجح !) بماضيها وقصائدها في المحكمة كما كان يتبجح الكثير من العراقيين، الذين كانوا معنا آنذاك، ولم تحاول ان تبرز في اجتماعات العراقيين ومناسباتهم (وما أكثرها!) او تطلب القاء كلمة او قصيدة او تعليق بمناسبة او حتى بغير مناسبة كما كان يحاول البعض من المتبجحين، ولم تتكلم عن اطروحتها وتتباهى بعلمها وموهبتها مثل بعض الذين كانوا يحيطوننا، بل انها انجزت اطروحتها بصمت وهدوء وبمعزل عن الآخرين، وكانت اطروحتها عن الرصافي، وسمعتها تتكلم مرة واحدة  فقط عن اطروحتها، وذلك عندما قدّمتها كاملة الى مشرفها العلمي، والذي قال لها، ان الاطروحة جيدة ومتكاملة عن الرصافي (كانت وفيّة تعرف الرصافي وابداعه أفضل من مشرفها بلا شك لكونها عراقية وتحمل شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة بغداد)، ولكن تلك الاطروحة كانت – من وجهة نظر المشرف العلمي السوفيتي - خالية من الاستشهادات الماركسية – اللينينية، وان الاطاريح في الاتحاد السوفيتي لا يمكن ان تكون هكذا، اي دون اطار نظري ماركسي واضح المعالم والمفاهيم، واتذكر جيدا كيف سخرت وفيّة من كلام المشرف آنذاك (أمامنا طبعا وليس أمامه !)، وقالت لنا، انها تبحث الان عن مقاطع عامة (واستخدمت وفيّة بسخرية كلمة – آيات بدلا من كلمة مقاطع عامة) حول الادب من أقوال ماركس وانجلز ولينين كي تضعها بين سطور اطروحتها عن الشاعر العراقي معروف الرصافي حتى تكتمل المتطلبات العلمية لمناقشة الاطروحة بنجاح امام اللجان العلمية، وهذا ما تم فعلا بعدئذ.

غادرت وفيّة الاتحاد السوفيتي بعد اكمال دراستها، ولم تحاول البقاء او التشبث بالبقاء كما فعل الكثيرون، متعللين بالاوضاع السياسية في العراق، ولم اتابع أخبارها – مع الاسف -، ولكنني سمعت انها عملت في جامعة باحدى الدول العربية باعتبارها تحمل شهادة الدكتوراه في الادب العربي، ولم أجد انعكاسا لنشاطها الادبي، الا اني وجدت مرة كتيبا صغيرا بترجمتها عن اللغة الروسية حول الواقعية الاشتراكية في الادب الروسي صادر في بغداد، وكان اسلوب الترجمة العربية سليما جدا، رغم ان موضوع الكتيب كان عتيقا (ان صحّ التعبير)، ويحمل وجهة النظر السوفيتية التقليدية الرسمية المعروفة حول مفهوم الواقعية الاشتراكية، وهي وجهة نظر قديمة جدا ولم يعد حتى المتخصصون السوفييت آنذاك (في السبعينات، عندما ظهر الكتيب المذكور) يتكلمون عنه، او يأخذونه بنظر الاعتبار. ولا اعرف متى توفيت المرحومة وفيّة، الا اني قرأت كلمة (المرحومة) مقرونة باسمها اثناء مطالعاتي للصحف العراقية، وكذلك قرأت قبل فترة عن صدور مجموعة قصائد لها لم تستطع نشرها في ذلك العصر الصعب نهاية القرن العشرين، ولكنني لم اطلع على تلك المجموعة الشعرية مع الاسف . لقد  كنّا نرى آنذاك، ان قصائدها لم تكن تتميّز بصور فنية وشعرية عميقة بشكل عام ، وانها لم تكن ضمن الاسماء اللامعة للشاعرات العراقيات الكبيرات، وكان هناك أحد الزملاء المتشددين جدا بيننا (لا اريد ان اذكره  هنا، ولكني اشير فقط الى حرفي اسمه ولقبه – (م.ب.) وذلك لانه توفي منذ فترة طويلة في بغداد) يؤكد دائما انها ليست (شاعرة) وانما (ناظمة) ليس الا، وهو رأي غيرموضوعي بتاتا و يتميّز بالتطرف والقسوة .

الرحمة للشاعرة الدكتورة وفيّة ابو قلام، والذكر الطيب لهذه المرأة العراقية الاصيلة ...   

 

 أ.د. ضياء نافع       

 

766 وليم ستانليالشاعر الأمريكي الحاصل على جائزة بوليتزر مرتين والمدافع عن الحقوق البيئية يغادر العالم عن عمر 91 عاما

ولد ميروين في مدينة نيويورك عام 1927، وترعرع بين تقاطع زاوية الشارع الرابع وشارع نيويورك في يونيون سيتي بولاية نيو جرسي، إلى حدود 1936 حين انتقلت أسرته الى مدينة سكرانتون بولاية بنسلفانيا. كان مهووسا بحب الأشياء التي تذكره بالماضي وبسحرِ الكلمات منذ نعومة أظافره ، وكان والده قسّاً في الكنيسة البروتستانتيّة حيث بدأ ميروين بنظم الترانيم لكنيسة والده وهو في سنّ الخامسة. شجّعته مدَرِّسةُ لغة إسبانية على كتابة الشعر، وحثّتهُ على أن يجرّب ترجمة الشاعر الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا.

بالرغم من أن الحالة المادية لأسرته لم تسمح لها بإرسالِه إلى الجامعة، إلا أنه نالَ منحة دراسيّة من جامعة برينستون، هناك عمل نادلاً في مطعم للنّخبة تابعٍ لأحد نوادي الجامعة، مما ساعده على دفع تكاليف المعيشة. في برينستون، تأثّر بالنّاقد والشّاعر الشهير ر. ب. بلاكمور ومساعده في الجامعة نفسها الشاعر جون بيريمان الذي ظهر أول مرة بالجامعة وهو يلبس قبعة فطيرة الخنزير. بعد الحرب العالمية الثانية، وبالضبط في سنة 1946، سافر الى مستشفى سانت اليزابيث بواشنطن العاصمة كي يزور الشاعر إزرا باوند الذي أوصاه بتعلم اللغات والترجمة التي ستفتح له مجالا أوسع للاطلاع على الثقافات الأخرى وتمنحه اختيارات واسعة. عاد ميروين الى برينستون ليتابع دراسته وتسجل في قسم الّلغات الأوروبية، ويعدّ نفسه لمهنته المستقبلية كمترجمٍ للآداب الفرنسية والإسبانية والإيطاليّة، وبدا بأشعار فدريكو غارسيا لوركا والنصوص الاسبانية القديمة مثل القصيدة الملحمية Poem of Cid.

و بعد التّخرّج من الجامعة، تزوج ميروين زوجته الأولى دروثي جين فيري وانتقل الى أوروبا حيث عمل مترجما ومدرسا خصوصيا لأبناء العائلات الموسرة بالبرتغال وجزيرة مايوركا الاسبانية حيث درس ابن الكاتب البريطاني روبرت غريفس Robert Graves. بعد ذلك بفترة قصيرة ، سيشتري منزلا قديما بمزرعة مهجورة في وادي دوردوني بجنوب فرنسا ، ويصلحه على مدى سنوات عديدة. في مايوركا سيلتقي ديدو ميلروي التي أشرف معها على كتابة مسرحية وتزوجها بعد ذلك وانتقلا للعيش معا في لندن حيث ربط صداقة مع كل من سيلفيا بلاث وتيد هيوز بعد عودته من اقامة فنية بمدينة بوسطن التي كان يشرف منها على تحرير الشعر لمجلة "الوطن". في عام 1968، عاد ميروين الى نيويورك بعد أن انفصل عن زوجته الثانية وفي السبعينات رحل الى هاواي وتزوج من باولا دنوي. على مدار الخمسة والستين عامًا التالية ، انخرط ميروين في واحدة من أكثر التجارب الشعرية تميزا بعد الحرب، حيث ترجم من مجموعات شعرية متنوعة من لغات متعددة مثل الفرنسية ، الألمانية ، الروسية ، الإسبانية ، الكاتالانية ، البرتغالية ، الإيطالية والصينية والرومانية واليونانية والأيرلندية والكيشوان والإسكيمو ولغة أمازيغ الجزائر، على سبيل المثال لا الحصر. نُشرت مجموعة أخرى من هذه الترجمات في ربيع عام 2013 ، جنبًا إلى جنب مع نسخة جديدة من الهايكو كتبها يوسا بوسون.

جاء في مقدمة كتاب بعنوان «قصائد مختارة» للشاعر الاميركي الكبير و.س. ميروين، من منشورات دار الجمل ومن ترجمة الشاعر العراقي الراحل سركون بولص، أن ميروين قطع أشواطاً بعيدة في مسار الشعر أكثر من أي شاعر أميركي أو بريطاني آخر حيث أبان عن صوت شعري مختلف يصبو الى الانسلاخ عن التقليد، بالرغم من أنه حافظ على خصائص الحساسية الشعرية المعاصرة في ديوانه الأول بعنوان «قناع لجانوس» (1952) والذي تميز بغنى في اللغة وتنوع في الشكل مما دفع بالشاعر W. H. Auden الى اختياره كأحسن عمل في مسابقة الشعراء الشباب التي تنظمها جامعة ييل.

قصائد ميروين تسبر أغوار العالم المعقد في قالب فنّي فريد من خلال مواضيع وأساليب لها علاقة بتجربته الشخصية، كما أنها تبحث في علاقة الفرد بالمحيط السياسي والطبيعي. كان مروين واحدًا من أعظم شعراء العالم الذين انشغلوا بالفقدان، وكان يؤرخ للظرف الإنساني ويندد بالتدمير الذي يطال البيئة بسبب التصنيع المفرط، وكان يعبر عن ذلك بإحساس مفرط في الزهد، وهو ما يعكس ممارسته للبوذية. على مدى مراحل عديدة من حياته، انسلخ ميروين من التقاليد القديمة التي فرضها التيار الشكلاني على الشعراء كي يتمكن من بناء فهم جديد وتقاسم رسالة تناسب العصر الذي يعيش فيه، ولذلك كان يتوق الى جعل شكل قصائده امتدادا للمحتوى عن طريق الاشتغال على مجال الكتابة. وبالرغم من أن بعض النقاد يميلون إلى تصنيفه كشاعر سابق لأوانه، إلا أنه صرَّح ذات مرة بقوله: «لم أؤسس أي نظرية جمالية حتى الآن، كما أني لا أعرف إن كنتُ أنتمي إلى أي حركة شعرية». يتميز أسلوبه في الشعر الحر برسم الصورة فوق الصورة دون علامات ترقي، وفي غالب الأحيان، يبرز مروين في شعره كيف أن البشر لا يؤدون دورهم بشكل صحيح في العالم وأنهم يعتقدون بأنهم أكثر أهمية من الكائنات الأخرى في خطة الخلق، وهو موضوع لا يمكن استكشافه بالكامل داخل الحدود الذي وضعها الحداثيون لأن الأشكال التي استخدموها في شعرهم تحد من استكشافاتهم. إلا أنه حتى التغيير في الأسلوب والموضوع لم يرضيه، فواصل البحث عن طرق جديدة لاستحضار معنى أسمى أو مختلف في شعره. فكان التغيير التالي هو الابتعاد عن اللغة المصممة والمتأثرة بالأشكال التقليدية، وبدلاً من ذلك ، بدأ في استخدام "القواعد النحوية" التي تركز على جوهر الأشياء من خلال البساطة المتأصلة في الوصف والانسجام المسموح به من خلال عبارات غير محددة . في هذه الصياغة والتركيب الغير المحددة ، لا تسعى الكلمات لتحل محل جوهر الشيء، بل تسمح للقارئ بدلاً من ذلك ، بالاستغناء عن الأشياء بالطريقة التي تناسبه، مما أجبر القراء على التفحص والتعليق ومسائلة الموضوع بانفسهم (ديفيس ، 42)، ولكي يشجع على تأويل أكثر حرية لشعره ، اختار أخيرًا التخلي عن استخدام علامات الترقيم.

سُئل ميروين ذات مرة عن الدور الذي يلعبه الشاعر في أميركا، فأجاب بقوله: «أعتقد أن للشاعر أملًا ميؤوسًا منه، فهو يريد –بيأسٍ كاملٍ- أن ينقذ العالم. يحاول الشاعر أن يقول كل ما يمكن قوله من أجل الشيء الذي يحبه ما دام الوقت لم يفت بعد. أعتقد أن هذا دور اجتماعي، أليس كذلك؟ إننا نستمر في التعبير عن غضبنا وحبنا ونتمنى –رغم استحالة ذلك- أن يكون له تأثير. لكنني تجاوزت هذا اليأس والرؤية البكماء والحرقة التي كنت أشعر بها بعد صدور ديوان «القمل». لا يمكن لأحد أن يعيش اليأس والحرقة دون أن يحطم تدريجيًّا هذا الشيء الذي أغضبه. العالم ما زال هنا وفيه الكثير من المظاهر الحياتية التي لا تؤذي أحدًا، وهناك حاجة ماسَّة لأن ننتبه للأشياء التي حولنا ما دامت حولنا؛ لأننا إن لم ننتبه لها فسيكون هذا الغضب محض مرارة لا أكثر». (المجلة الإلكترونية "بويتري فاونديشن".

صدرت له أعمال شعرية عدة من أهمها: "القمل" و"قناع جانوس" الذي يرمز إلى إله الأبواب والبدايات عند الرومان -1952، و"الدببة الراقصة" الذي استلهم عنوانه من عمل فلوبير الشهير «مدام بوفاري» – 1954، و"مسرحية شعرية" 1963، "الدريئة المتحركة" -1963، و"ثلاث قصائد" 1968، "حامل السلالم" – 1970، و"العثور على الجُزر" 1982، و"انفتاح اليد" 1983. بالإضافة إلى هذه الأعمال أنجز ميروين ترجمات شعرية لبابلو نيرودا، مندلشتام، أعمال ومسرحيات لوركا، رينيه شار، جوزف برودسكي، بورخيس، مختارات من الشعر الصيني واليابانيو اليوناني والروسي، بالاضافو إلى جلال الدين الرومي، وبول إيلوار.

في مجموعته الشّعرية "القمل" التي صدرت عام 1967، عمّق ميروين اتجاهه التجريبيّ في الشّعر، في تبنّيه المعاييرَ المخالِفة للسّائد والتي عرضها في مقالتِه المثيرة للجدل "في الصّيغة المفتوحة On Open Form." تناولت بعض قصائد هذا الديون حرب فيتنام التي كان مشتعلة آنذاك كما ركزت على عنف وتلاشي الحياة، وبدا الشاعر وكأنه عازم على التخلي عن جنسيته في سبيل انتماء قبلي أكبر من بلده، وعندما نال جائزة بوليتزر للشعر عام 1970 عن مجموعته "حامل السّلالم"، انتهز المناسبةَ ليشهر معارضته لحرب فيتنام. وفي السبعيناتهذا وبالرغم من تقدمه في السن، لم يتخلى ميروين عن مناهضته للحرب والاضطهاد، ففي عام 2003 عاد إلى واشنطن العاصمة مُفَوَّضاً من قبل "شعراء ضد الحرب" للتظاهر ضد الغزوّ الأميركيّ للعراق.

في منتصف سبعينيات القرن العشرين ، انتقل ميروين إلى ماوي بهاواي لدراسة Zen مع روبرت أيتكين ، الذي شجع ميروين على شراء قطعة أرضية فوق الجزيرة حيث بنى منزله وبعد فترة وجيزة التقى بزوجته بولا دوناوي وبدأ الاثنان يزرعان البذور في قطعتهما الأرضية في وادي بيهاهي على الشاطئ الشمالي لمدينة ماوي في هاواي. بعد فترة وجيزة، تحولت من "أرض قاحلة" إلى غابة نخيل مزدهرة تبلغ مساحتها 19 فدانًا، ظل ميروين عضوًا عزيزًومتفانيًا في خدمة المجتمع البيئي، كما أسس الزوجان في وقت لاحق منظمة غير هادفة للربح تسمى ميروين كونسيرفانسي من أجل الحفاظ على منزلهما ومناظره الطبيعية المتنوعة بيولوجيًا التي تضم أكثر من 3000 نخلة ، بالإضافة إلى نباتات نادرة ومهددة بالانقراض. في عام 2015 ، كان مروين، الشاعري والبيئي ، موضوع الفيلم الوثائقي "حتى وإن كان العالم كله يحترق."

شملت أعمالُه النّثرية كتاب "نهاية الأرض"، مجموعة مقالات في الطبيعة والاستكشاف. وفي سنة 1994 أصبح أوّل من تلقّى جائزة تانينغ التي تبلغ قيمتها مائة ألف دولار الممنوحة من أكاديمية الشّعر الأميركيّ. جُمعتْ قصائده التي كتبها في الخمسين عاماً الأخيرة في مجلّد عنون ب"ارتحال: قصائد مختارة 1951-2001"، هذا المجلّد الذي نال جائزة الكتاب الوطنيّ. في 1999 عُيِّن مستشاراً شِعريّاً لدى مكتبة الكونغرس، وسُمّيَ أمير شعراء مهرجان ليالي ستروغا الشّعريّة في ماسيدونيا، ثم نال جائزة الشّعر الدّولية، جائزة الإكليل الذّهبيّ، جائزة لانان للإنجاز على مدى الحياة، وجائزة روث ليلي الشّعريّة. حصل ميروين على جائزة بوليتزر مرة أخرى عام 2009 عن مجموعة قصائده الجديدة "ظلّ النّجم الكلب." تم نشر ديوانه الشعري الأصلي المعنون ب "وقت الحديقة" Garden Time في عام 2016 ، ومجموعتان: الطبعة الخمسون لديوانه " القمل" The Lice وThe Essential W.S Merwin في عام 2017.

مات ميروين في نومه بمنزله في هاواي عن عمر كان 91 سنة ، وتم الإعلان عن نبأ وفاته من قبل ناشره Copper Canyon Press يوم 15 مارس 2019. ما تزال أخته Ruth Moser ، وأبناءه Matthew Carlos Schwartz وJohn Burnham Schwartz من زواج آخر على قيد الحياة.

بعض قصائده من ترجمتي:

مكان

في اليوم الأخير من العالم

أود أن أزرع شجرة

 

من أجل ماذا؟

ليس من أجل الفاكهة

 

الشجرة التي تحمل الثمرة

ليست هي التي زرعت

 

أريد الشجرة التي تقف

في الأرض لأول مرة

 

بينما الشمس

في طريقها إلى الغروب

 

والماء

يلمس جذورها

 

في الأرض المليئة بالأموات

والغيوم تمر

 

فوق أوراقها

واحدة تلو الأخرى

عندما تنتهي الحرب

 

عندما تنتهي الحرب

سنكون فخورين بالتأكيد  سيكون الهواء

في الأخير جيدا للتنفس

ستكون المياه قد تحسنت  سمك السلمون

وصمت السماء سيهاجران بشكل جيد

سيعتقد الموتى بأن الأحياء يستحقون كل هذا العناء

سنعلم من نكون

وسننضم جميعًا مرة أخرى إلى الجيش

 

 شكرًا

شكرًا

نقولها حين يجيءُ الليلُ

حين نتوقف على جسرٍ عالٍ ونرى الأسفل السحيق

حين نهربُ من الغرف الزجاجية

حين نضع في أفواهنا لقمة

نرفع بصرنا إلى السماء ونقولُ شكرًا

نقولها للماءِ

للنوافذ التي نقف خلفها ونحن نحدّق في الطريق الـ”سنمضي إليه”

شكرًا

نقولها حين نعود من المستشفى الذي ألِف وجوهنا

حين نعود من عزاءٍ ونجد بيوتنا مسروقة

حين نسمع عن موت أحدهم

عرفناهم أم لم نعرفهم سنقول دائمًا شكرًا

على امتداد المكالمات الهاتفية

عند عتبات الأبواب أو في الحقائب الخلفية للسيارات أو في المصاعد

نتذكرُ الحرب وأصوات رجال الشرطة وهم واقفون على أبوابنا

قلوبنا وهي تدقّ بقوة على السلالم

لكننا نقولُ شكرًا

في البنك نقولها

وفي أوجه القادة والأثرياء

وكل الذين لن يتغيروا مهما حدث

نكملُ طريقنا ونقول شكرًا

حين تموتُ البهائم من حولنا

ويموتُ معها شيئًا فشيئًا إحساسنا

نظل نقول شكرًا

حين تسقط الغابات بسرعة كما تسقط الدقائق من أعمارنا نقول شكرًا

حين الكلمات تنفد منا كما تنفد خلايا الدماغ

حين تصبح المدن أكبر منا

نقول شكرًا نقولها أسرع من أي وقتٍ مضى

حين لا يسمعنا أحد نقولها

نقول شكرًا ونمضي نلوّح

رغم كل هذا الظلام

***

ربيع أخير

أدخلُ الغرفة العُلْويّة مرّة أخرى بعد سنوات

بعد محيطاتٍ وظلالِ تلالٍ وأصواتِ أكاذيب

بعد خسائر وأقدام على السّلالم

 

بعد بحثٍ وأخطاء ونسيان

أستديرُ هناك متفكّراً لأجدَ

أن لا أحدَ هناك غير الذين أعرفهم

أخيراً أجدكِ

تجلسين في الأبيض

تنتظرين

 

أنتِ التي سمعتُها

بأذنيّ منذ البداية

التي لأجلها

فتحتُ البابَ أكثر من مرّة

ظنّاً منّي بأنّك لستِ بعيدة

 

كلمة

في اللحظةِ الأخيرةِ وقفتْ

تلكَ الكلمة التي ستقولُ الآنَ ما لم تقله من قبل

لن تعيدَ كلمتها بعدَ الآنَ ولنْ يتذكَّرها أحدٌ بعدَ ذلك

كلمة كانتْ كأيّ كلمة في المنزل

يستخدمونها في الحديثِ اليوميّ المعتادِ في الحياة

ليستْ جديدةً طارئةً ليستْ ذاتَ ماضٍ معتبَر

ليستْ للتعليقِ على شيء

لطالما ظنت الكلمةُ أنها

وحدَها منذ البدء تعبّرُ عنْ نفسِها

في كل استعمالٍ وسياق

لتقولَ آخر الأمرِ معناها الخاصّ بها

المعنى الـتي ظلَّت وحدَها تعبّر عنه

رغم أنه يبدو أنَّ أي كلمة ستعبّر عنه الآن

***

إعداد وترجمة الحبيب الواعي

شاعر ومترجم من المغرب

 

عبد الجبار نوريالدكتور مصطفى جمال الدين العلامة الشاعر والمفكر الفقيه أشتهرعربياً ودولياً وأصبح نجماً عراقياً بعد أشتراكه في المهرجان الكبير بمؤتمر الأدباء العرب الذي عُقد في بغداد عام 1969 بقصيدته المثيرة الرائعة:

لملم جراحك وأعصف أيها الثأرُ/ما بعد عار حزيران عارُ .

وخل عنك هدير الحق في أذنٍ /ما عاد فيها سوى النابال هدارُ

وخض لهيب وغى لابدّ جاحمها /يوما فأن بريق السلم غرارُ

والقدسُ عارٌ طعمنا منهُ دجلتنا / مُراً ومجتْ في النيلِ أثمارُ

 لقد كونتُ نبذةً عنه مستقاة من سيرته التي كتبها بنفسه في مقدمة الديوان ص9-41 دار المؤرخ العربي بيروت 1995، ولد الشاعر في قرية (المؤمنين) من ريف سوق الشيوخ سوق النخيل سوق الماء والوجه الحسن في 5-11-1927، تخرج من كلية الفقه في النجف 1962، وحصل على شهادة الماجستير وسجل على رسالة الدكتوراه في كلية دار العلوم في القاهرة ولكنه لم يكملها فعاد إلى جامعة بغداد كلية الآداب ليحصل على شهادة الدكتوراه، ترك العراق مضطراً في العام 1981 هربا من غربته الداخلية متنقلا لغربته الخارجية بين لندن والكويت حتى أستقر في دمشق التي توفى فيها ودفن في مقبرة الغرباء في الشام جنب الشاعر الكبير الجواهري، من مؤلفاته المشهورة كتابه (الأيقاع في الشعر العربي من البيت إلى التفعيلة) وناهيك عن ديوانه (الديوان) المتميز والمشهور الذي يحوي على أجمل قصائده في وصف الطبيعة وحنين الوطن وآلام ووجع الغربة، رسالة القياس للماجستير، البحث النحوي عند الأصوليين/أطروحة دكتوراه، محنة الأهوار والصمت العربي / كتاب، فكانت خلجاتها وأحاسيسها الأنسانية عاملا مهما في أبرازأسم مصطفى جمال الدين ذو الفكر المنفتح في مجتمع النجف المغلق، وأسهم بقوّة في محاولات التجديد، لقد تمحورت جهوده مع عدد من الدعاة لنهج التجديد منذ عام 1958 بزرع نواة التغيير في المناهج الفقهية الدينية (الحوزوية) كانت لهُ آراء مقبولة وجيدة في شعر التفعيلة والحداثة في الشعر العربي، كقوله في مقدمة الديوان ص69 { الحداثة والتجديد لا يمكن أن تبنى على فراغ، فمقدار ما يكون التحديث مطلوبا فأن مراعاة ثوابت الشعر العربي في اللغة والأسلوب والموسيقى مطلوبة أيضاً، ولا يمكن لمجرد عربي أن يتجاهل ذلك، وألا فهو يكتب لعرب لم يوجدوا بعد } .

وقال في التجديد:

هذه المناهج أطمارٌ مهلهلة / مرّتْ على زمانها الأحداث والعصرُ.

وسوف يأتي زمانٌ لاترون بها/ ألا خيوطاً لهمس الريح تنتشرُ

لذا يمكن وضع جمال الدين في المدرسة التجديدية حين تجمعهُ بشاعر العرب الأكبر "محمد مهدي الجواهري " ومعهما عمر أبو ريشه، وبدوي الجبل، وعبدالله البردوني، وأحمد الوائلي، تلك المدرسة عُرفت بالأصلاح الواسع والتجديد على الشعر القديم والنهل من معينه والتي أفرغت روح العصر في القصيدة السياسية، السيد جمال الدين جمع الأصالة والجدة والأفكار التجديدية في بودقة واحدة فهو علامة وشاعر وفقيه خدم الفكر والأدب والعلم، في جدلياته الفقهية مع الجهات الدينية لتطوير المناهج، وكذلك موقفهُ الصلب من النظام في العراق موضحا ذلك في شعره في مزج بين الصورالشعرية والوطنية في ظروف عام 1991 أذبان الأنتفاضة الشعبانية فهو وظّف الكثير من شعره  وساهم بما هو خير للعراق وشعب العراق، فهو واحد من العظماء الذين تنبض قلوبهم بحب العراق بعيدا عن المصالح النفعية لأغراض المناصب والمصالح، فهو لم يستعمل شعره في الكسب ولم يمدح حاكما عراقيا أوعربيا على الأطلاق، فهو يفتخر بهذه الصفة في مقدمة ديوانه .

عند توسعي في دراسة حياة مصطفى جمال الدين وجدتُ شهادة للشاعر " فالح الحجية في كتابه الأدب والفن: أن مصطفى جمال الدين عملاق الشعر النجفي الحديث، وفي أحد مقولاته أنهُ لم يتكسب بالشعر قوله والكلام لمصطفى جمال الدين {عاشرتُ حكام وملوك العراق ورؤساءه المتنفذين منه ---- فلم أمدح أحدا منهم}، فالسيد جمال الدين شغف بالشعرألى جانب دراسته الحوزوية دفعته للتعرف على منجزات شعراء أقرانه المعاصرين في العراق أمثال الجواهري والبياتي ونازك الملائكة، أنه لم ينتمي إلى أي حزب سياسي ولو أنه حوزوي النشأة ونجفي الفقه ألا أن أفكاره ورؤاه عابرة على الطائفية والأثنية والمناطقية .

وعند مطالعتي لمدوناته وأشعاره توضّح لي بأن السيد من جيل جمعية منتدى النشر ومجمعها الثقافي التي تأسست 1354 هج-1935 م ورواد مؤسسها الشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد تقي الحكيم والسيد موسى بحر العلوم وهؤلاء هم دعاة التجديد الذين سعوا بجهود مضنية لأختراق حواجز الفقه النجفي، ويمكن القول بأن فضل التجديد يعود للجيلين: جيل المظفر وجيل السيد جمال الدين، وقال عنه المفكر حسن العلوي: أن مصطفى جمال الدين فقيه أكاديمي وشاعر ومصلح تجديدي وظّف جهوده في تأسيس كلية الفقه في النجف وكلية أصول الدين في بغداد .

لقد وظّف ولاءه المطلق للعراق فقط وهو يقول:

وطيبُ نسيمك الساجي /عتابٌ تهدهدهُ على أملٍ وعودُ

أحبك بل أحبُ خشوع نفسي / ببابك حين أحلمُ بيعودُ

وأعشق فيك آهة كل قلبٍ /لهُ بين الثرى غزلٌ فقيدُ

تتميز أشعارهُ بنبضٍ من الحياة وأحزان الغربة وتورف بكل ما هو جميل ويقول في قصيدة  لهُ في الغربة وعذابات المنافي

جارت عليّ بحكمها الأيامُ / وأنا أليك تقودني الأحلامُ 

وأراك يا وطني الحبيب معاتبي /وأنا أعاتبُ دائماً وأُلامُ 

ذنبي فراقك يا عراق / فأنهُ أثمٌ تهونُ بجنبه الآثامُ 

وقال في أخرى: سلاما على العراق وأهلا /بالمنافي أن ضاع منا العراق

وفي قصيدة رائعة لهُ عن بغداد تفنن في وصفها ببراعة لغوية ربما تقارب مع البحتري الشاعر العباسي في الوصف والحنين لذا أطلق عليه النقاد في العراق (مصطفى جمال الدين بحتري عصره) قد يكون البحتري أكثر الشعراء حظوة عند مصطفى جمال الدين  ظهرت بعض (المقاربات) في الخصائص الشعرية عند الأثنين حيث الوضوح الشعري والأبتعاد عن التعقيد المبتذل،مع صفاء اللغة المستخدمة وشفافيتها والأبتعاد عن الفلسفة والمنطق، الأهتمام بالأيقاع الشعري المصحوب بالموسيقى الهادئة وعدم المبالغة في توظيف المحسنات اللفظية والمعنوية، هذا ما وجدته عند قراءتي لديوان الشاعرين، ولنتمتع  ببعض من قصيدة شاعرنا جمال الدين عن بغداد عام 1965

 بغداد ما أشتبكت عليك الأعصرُ / ألا ذوت --- ووريق عمرك أخضرُ

مرت عليك الدنيا وصبحك مشمسٌ/ودجتْ عليكِ ووجه ليلك مقمرُ

أخفي هوا لك في الضلوع وأظهر/ وألامُ في كمدٍ عليك وأعذرُ

 كأن الشاعر قد أراد لقصيدته بغداد أن تكون في تناصيتين أثنتين لا واحدة: تناصية المفارقة وتناصية التغيير في الزمكنة .

ولنرى وصف العيد عند جمال الدين والبحتري حيث الحبكة الدرامية والأرهاصات التراجيدية والتركيبة الهيكلية في الأيقاع والموسيقى وآهات الذات الآدمية المستلبة حين يعبر كل منهما بالألم والحسرة عن ما  يشعر به الأطفال الفقراءوهم يجدون أنفسهم محرومون مما يتمتع به الأطفال عادة من أثواب جديدة ولعب:

العيدُ أقبل تسعد الأطفال ما حملت يداه/لعبٌ وأثوابٌ وأنغاماً تضجُ بها الشفاه 

وفتاك يبحثُ بين أسراب الطفولة عن نداه /فيعود في أهدابه دمعٌ وفي شفتيه آه 

ولهُ في الغزل قصائد في منتهى الروعة بل يزيدها رومانسية وشفافية وهو الشيء المعتاد لدى الشعراء، وأستغرب ألصاق بعضهم   عبارة (الغزل الأيماني )بشعره الغزلي، للحقيقة للسيد ذائقتهُ بعيدة عن حذلقات الوعاظ أيماناً منهُ بالموقف والمبدأ فهو يمزج أوتار الشعور صوب اللاشعور فتكون الأبيات التي يحتاجها العاشقون وبلهفة شديدة لكي تكون بلسما  لجراحاتهم  يقول في قصيدة له:

هذه يا حبيبتي صورتي الأخرى / أطلّ الخريفُ منها حزينا

غاض نبع الصبا فجفت مروجاً /وأنطفأ سحرهُ فشابت غصونا

ويقول في أخرى: أنت الذي قلت جنان الهوى /ريحانهن القبل العارمة

وقلتُ ما الحبُ سوى دوحة /أغصانها السواعد الناعمة

أوراقها تلك الشعور / تفيأتها الأنفس الهائمة

وهذه النهود أثمارها / والزهر تلك الأوجه الباسمة

والحبُ يا سيدتي نقمة / زائلة ونعمة دائمة

وقال في أخرى: سيدتي ما ذا أرى /عريش كرمٍ أم مقلْ

أم زورقان سابحان /في غديرٍ من عسلْ

أم جمرتان تسرجان / الليل والبدرُ أملْ

وزع الشاعر عواطفه وآهاته في حب الحبيبة وحب الوطن وحب الأمة، كما في قصيدته الرائعة " الشمس الجريحة "

  ذكرتك والأفق الخضيب تهالكت / على صدره الشمس الجريحة ترجف

تُعفرُ خداً في الثرى من تذللٍ /وتمسح خدا بالدم الحر ينزف 

يصول عليها هاجم الليل أصفراً /ويرجع عنها وهونشوانٌ أسوفُ 

كأن خفوق السحب فوق جبينه /ملونة---أعلام نضرٍ ترفرفُ

ذكرتك والشمس الجريحة أسلمت / على الأفق روحاً للضحى تتلهفُ

أخرا وليس آخراً  ----- أن الجواهري ترك العمامة وترك الفقه وأتخذ الشعر، أما مصطفى جمال الدين فقد جمع الأثنين، فهو قد أوجد نوعا من التفاهم والمصالحة الودية  بين العمامة وبين الشعر، وفي يوم الأربعاء المصادف 23- 10- 1996 فارق السيد الحياة تاركا أرثا ثرا وثريا من الشعر والفقه والأدب حفرت بصماتها في سفر أرشيف الذاكرة العراقية والعربية فله الخلود الأبدي والعرفان للسيد الجليل الدكتور الأكاديمي "مصطفى جمال الدين "

 

عبد الجبار نوري - كاتب وباحث عراقي مغترب

 

فراس الغضبان الحمدانيعندما تتحدث عن فن الكوميديا في العراق فلابد التوقف عند مسلسل تحت موس الحلاق كونه يمثل محطة وإنعطافة مهمة في تاريخ الحركة الفنية العراقية لأنه زرع بصمة جديدة في لون من ألوان هذه الفنون وكذلك صنع ظاهرة بغدادية إسمها عبوسي وحجي راضي، ونقل هذا المسلسل الصورة الجميلة والمعبرة عن بعض الشخصيات البغدادية بشكل كوميدي لحقبة من حقبات ذلك التاريخ الجميل، وأصبح هذا المسلسل منجز فني كبير لازال النقاد والكتاب يشيرون له بالنجاح الكبير في تلك الفترة التي تفتقر إلى التقنيات الحديثة والدعم المادي والمعنوي، إن هذا المسلسل نجح بمجموعة من المسببات أولها إن هذا المسلسل حاكى الناس دون مبالغة أو إسفاف، وتناول الحياة البغدادية اليومية ببساطتها وحميميتها، ونجحت تلقائية الفنان سليم البصري المثيرة ومشاكسات حمودي الحارثي والديكور البغدادي البسيط المعبر عن الحارة الشعبية والصورة الحقيقية التي نقلها عن ألفة العلاقات الصادقة بين الناس الطيبين في نجاح هذا العمل جماهيريا، وأضاف خليل الرفاعي (أبو فارس) نكهة  خاصة بتعليقاته الهزلية (وكبته الشهيرة) ولعب الفنان راسم الجميلي (أبو ضوية) دورا محوريا وأضافة الفنانة سهام السبتي طاقة متوهجة إستطاعت من خلالها إجادة دور المرأة العراقية الطيبة وكذلك الفنانين سمير القاضي (دخو) وعبدالجبار عباس (أبو نجله) الذين  لعبوا أدوارا وكأنها فصلت لهم دون غيرهم، حيث أبدعوا الجميع وجعلونا لا نستطيع تماسك أنفسنا من الضحك المتواصل لروعة ما قدموه من فن جميل وصادق دغدغ مشاعرنا وجعلنا  نعيش في عالم من الحلم والفرح والسرور .

مازلنا نتذكر (نحباني للو، والبك والي، والك دكم بصوزه، وأنا مرنام، وآه ديكي)، وكيف قرأ حجي راضي هذ الرسالة الهندية الشهيرة التي أضحكت أغلب العراقيين وأصبحت حديث الشارع البغدادي خاصة، من منا ينسى مشاكسة الحجي مع المعلم والذي ذكره بأنه (أبن بسيمة أم الكركري أو لوزة دخو) أو تحرشه وهو مخمور على بنت المحلة وكيف أجاد هذا الدور الذي قال في حينها أحد العاملين في المسلسل إن حجي راضي فاق حتى على السكارى في حركاتهم وحتى هذه اللحظة نشكك هل أنه كان سكران أم يمثل، وقال أحد الفنيين الذين يعملون مع المخرج عمائوئل رسام إن مشاهد التصوير تعاد مرات عديدة بسبب الضحك المتواصل من جميع الفنيين على ما يقوم به حجي راضي وعبوسي وباقي الممثلين من مواقف كوميدية، وبعد أكثر من نصف قرن على تمثيل هذا العمل ولازال البعض يتندر ببعض مفارقاته  ليشيع جوا من الضحك والمرح بين الجالسين .

762 حاج راضي

وسليم البصري لم يكن بصراويا ولكن لطيبته سمي البصري لترديد أهالي البصرة كلمة طيبة البصرة الحلوة، وهو من مواليد بغداد 1926 محلة الهيتاويين، أنهى دراسته الأبتدائية في مدرسة العوينة وأكمل دراسته حتى دخل كلية الآداب والعلوم قسم اللغة العربية عام 1950 وتخرج منها سنة  1954وكان أساتذته آنذاك جبرا إبراهيم جبرا وجميل سعيد وعبدالعزيز الدوري الذي كان عميدا للكلية، وزامله في دراسته كل من عبدالرحمن سعيد، حياة جميل حافظ، رؤوف جميل الواعظ والسيدة لطيفة العبيدي التي تزوجها فيما بعد وأنجبت له أربعة اثنان منهما مقيمان في لندن .

أحب التمثيل حبا جما في طفولته وعادة ما كان يمارسه بين أهله، حيث كان يقوم بإرتداء العباءة ووضع أشبه باللحية وإخفاء رأسه ومعالم وجه ويدخل إلى بيتهم ويفاجأ أسرته بهذا الغريب الذي دخل عليهم وعند محاولة والده التوجه إليه يرفع سليم النقاب عن وجه وسط ذهول أهله، وما على والده إلا أن يلاحقه خارج البيت ويعاقبه عند القبض عليه وسط ضحك وصياح أولاد المحلة .

إن سليم البصري الذي بهر الجماهير بفنه الممتع ويحاكي المتلقي بشيء من الوجدانية ويمتلك الشخصية التلفزيونية المحببة المسالمة للجميع من خلال دوره (حجي راضي) إلا أنه رغم نحافة جسمه كان في طفولته شغوفا إلى كل صنوف الرياضة وخاصة الملاكمة والمصارعة، وأحب لعبة كرة القدم التي كان يلعبها مع أولاد المحلة بكرة عبارة عن كومة  قماش متداخلة وكانوا يتبارون بين المحلات المجاورة وهي  محلة النهر وشريعة سيد سلطان علي، وترك  هذه اللعبة اثر ضربة (شوت) قوية طار أظفره على أثرها، وذهب إلى الملاكمة وتلاكم مع زميل له في مدرسة العوينة الأبتدائية وكان النزال وديا ولكنه التفت فوجد وجه زميله مكشوفا فسدد إلى فكه لكمة مستقيمة وإذا بزميله يرجع إليه مقلاعا على أضلعه لم ينساه طول حياته، ومارس السباحة ولكنه هرب منها بسبب التفاف خصلة من شعره بأحد النتوءات البارزة من جسم (الدوبة) التي حاول الغطس من تحتها ونجا بأعجوبة من الغرق، ثم إتجه إلى المصارعة وفي أحد الأيام جاء أحد الغرباء من المحلات الأخرى وتحدى المصارعين في المحلة وكان مفتول العضلات ولم يتحداه أي أحد ولكنه تحداه لإنقاذ ماء وجه المنطقة وزملائه وعند الإقتراب منه لم يجد نفسه إلا معلقا إلى الأعلى وكلما سقط على الأرض يعود المتحدي بمحاولة أخرى ومن شدة الألم تظاهر بالإغماء لينجوا من هذه الضربات الموجعة وعندما  لاحظ الفتى إن متحديه بلا حراك تركه وولى هاربا إلى منطقته وبقي سليم البصري نائما عدة أسابيع في البيت يعاني من هذه (البسطة) البغدادية .

لقد بدأ سليم البصري بممارسة التمثيل سنة  1942من خلال إحدى فرق التمثيل الذي كان مقرها قرب ساحة الرصافي حيث قدمت هذه الفرقة عدة أعمال منها مسرحية الصحراء  ليوسف وهبي ومثل فيها احد الشيوخ الثائرين وتم عرضها في سينما علاء الدين آنذاك، وإنقطع عن التمثيل بين عام 1944 و1948  وكانت أهم نتاجاته الفنية عندما دخل إلى كلية الآداب وكانت في بداية تأسيسها حيث تم إختياره رئيسا للمسرح الجامعي وقدم الكثير من المسرحيات منها (سليم البصري في ساحة التدريب) و(فنان رغما عنه) وإشترك مع فريق الكلية الرياضي في الكثير من الفعاليات الرياضية ولكنه كان يخيب زملاءه في كل منافسة وكان آخرها بطولة الكليات بالعاب الساحة والميدان حيث كان يمارس رياضة طفر الموانع، وعند بدا صافرة البداية وجد حجي راضي نفسه يتدحرج وهو متأبطا أحد الموانع وسط  ضجيج وضحك وصفارات الطلاب والمتفرجين .

لقد إمتاز البصري من خلال تجسيده لأغلب الشخصيات التي طغت عليها الطابع البغدادي بسبب تلقائيته المدهشة وحركاته التي تضيف إلى حديثه الذي لا يخلو من بعض الكلمات الساخرة التي تجعلنا ننبهر أمام هذه الشخصية الكبيرة التي كانت مدرسة بحالها، كيف ننسى إبداعات حجي راضي في تحت موس الحلاق التي كتبها سنة 1961 ومفارقات عبوسي التي كونوا  ثنائيا لا مثيل له على إمتداد تاريخ الحركة الفنية في العراق، وجسدوا فيها تقاليد المحلة و(الدربونة) البغدادية وشخصياتها والعلاقات الحميمة بين أهلها، وكلنا يتذكر مقالب عبوسي وخاصة عندما جلب (العرق) بدلا من (المسهل) وشربه حجي راضي وكادت (اللوزة) أن تطير وسط توسلات الفنان سمير القاضي (دخو) وترنح الحجي وأصبحت عبارة (اللوزة حجي) في متناول الجميع .

ويتذكر الذين عايشوا تلك الحقبة من الزمن كيف تفرغ الشوارع من الناس عند عرض حلقة من حلقات هذا المسلسل وكيف كانت الجماهير تحتشد حول أبطال مسلسل تحت موس الحلاق حين يتجولون في شوارع بغداد، وكيف كان حجي راضي لا يستطيع التجوال لوحده لأنه كان في ذلك الوقت بمصاف شهرة الممثلين المصريين المعروفين، وكثيرا ما كانت الشرطة تفرق المحتشدين من حوله .

إن حجي راضي الذي كان يعمل موظفا في المصرف الزراعي في مطلع السبعينات من القرن الماضي قدم طلبا لنقله إلى دائرة الإذاعة والتلفزيون ليكون قريبا من الفن ملهمه وحبه الأزلي الذي يسري في شرايينه وهو في ريعان شبابه، والحجي ليس مجسدا لفن الكوميديا  فقط  وإنما كان بارعا في الأدوار التي تحتاج إلى المهارات الكبيرة منها دوره (غفوري) في مسلسلات (الذئب وعيون المدينة) و(النسر وعيون المدينة) (والأحفاد في عيون المدينة) حيث قدم في هذه الشخصية درسا بليغا لممثلي اليوم الذي تنقصهم أغلب المهارات الحسية والفنية، لقد مثل هذا الدور أمام (عبدالقادر بيك) التي جسدها خليل شوقي والذي مثل شخصية تعاني الكثير من الإسقاطات الإنسانية وكيف كانت شخصية (غفوري) تكتوي بنار هذه الشخصية البخيلة التي تدقق بأتفه الأشياء وتتخوف من مؤامرات جلبي بيك، وكلنا رأينا كيف جسد سليم البصري هذه الشخصية وكيف كنا متعاطفين معه بشكل مذهل وهو دليل على إنه يجيد ويتقمص أغلب الشخصيات الصعبة بالكثير من التلقائية والمهنية العالية .

لقد كان البصري كاتبا مهما في الدراما العراقية بالإضافة إلى ولعه في التمثيل وحبه  للرسم والرياضة، فقد كتب الكثير من الأعمال التلفزيونية والمسرحية منها (كاسب كار، دائما في قلبي، ست كراسي، لا نوافق، وجهة نظر، فنان رغما عنه، مسلسل تحت موس الحلاق، الشارع الجديد، حب في بغداد، وحلقات إلى من يهمه الأمر، ولعابة الصبر) وكتب مسرحية إسمها (لو) لم يوافق عليها الرقيب كونها تنتقد الواقع التعليمي بمهنية عالية، وشارك كذلك في تمثيل  عدة أفلام في السينما هي (أوراق الخريف نهاية عام 1963) للمخرج حكمت لبيب و(فائق يتزوج سنة 1984) للمخرج الراحل ابراهيم عبدالجليل و(العربة والحصان) و(عمارة)13 للمخرج الراحل صاحب حداد، ومثل العشرات من الأدوار في التلفزيون منها هواجس الصمت .

لقد مرت على حجي راضي الكثير من المواقف المضحكة من بينها إنه عندما كان في القاهرة سنة 1973 مع بعض الفنانين العراقيين الذين زاروا مصر للتعاون الثنائي بينهما في مجال العمل الفني، وعند زيارة الحجي لأحدى قطاعات الإنتاج المصرية وعند دخوله صادف دخول الممثل محسن سرحان وعندما أراد أحد المرافقين المصريين من تقديمه قاطعه (أكو واحد ميعرف عماد حمدي) فرد عليه لا أنا الممثل محسن سرحان فضحك حجي راضي  متداركا غلطته (أي هاي هية كلكم تشابهون) فقال له محسن سرحان أن عماد حمدي عنده شنب وأنا بدون شنب فرد الحجي وهو يضحك (أي بس هم تشابهون) فضحك محسن سرحان وقبل حجي راضي .

وحين تم عرض أحد الأفلام العراقية في فندق الرشيد رأته إحدى الفنانات العراقيات وكان معتادا عندما يراها في دار الإذاعة يقبلها فجاءت للسلام عليه وعندما وصلت إليه قدمت له خدها ليقبلها ولكنه صاح (أويلي يابة شسويتي ولج مرتي دتباوع علينة) وذهب راكضا بأتجاه زوجته .

وفي أحد الأيام أراد حمودي الحارثي أن يشاكس سليم البصري فنشر خبرا في إحدى الصحف المحلية بأن عبوسي أسس فرقة مسرحية ومن بين ممثليها حجي راضي وجعل إسمه آخر الأسماء من الاحتياط، وما إن وصلت الجريدة إلى سليم حتى أخذها وجرى هائجا يبحث عن عبوسي، وأخذ يصيح في أحد ممرات الإذاعة (لك عبوسي وين تروح مني)، وبعدها عرف الحجي إن هذه خدعة كاذبة عملها عبوسي ليغيظه، فضحك على أثرها وصاح  بين الحاضرين (أيباه يمكن أتخبل عبوسي) .

يحكى الكثير من الفنانين الذين لازموا سليم البصري في رحلته الفنية إنه كان رجلا طيبا بسيطا قليل الكلام يحاول إن يزرع البسمة لمن حوله، يمتاز بروح النكتة وسرعة البديهية، يجامل الصغير والكبير ويعتد بشخصيته ويقف ندا قويا للظالم في رأيه أو فعله وعندما أصبح مديرا للتلفزيون أخذ يشحذ الهمم للإرتقاء بواقع العمل الفني داخل أروقة مبنى دائرة الإذاعة والتلفزيون، وصادف الزمن أن ألتقية وكنت في حينها أمثل دورا في تمثيلية سهرة إسمها (أحزان الظهيرة) للمخرج سمير حنا وتأليف شاكر الحاج مخلف ومعي لفيف من طلبة أكاديمية ومعهد الفنون الجميلة آنذاك منهم ظافر جلود وسعد المسعودي وعبدالعال مأمون وكامران رؤوف ومحمد صبري، وكنا حينها نتحدث عن الهجرة من العراق وأتذكر إنه كلمنا عن المواطنة ولم أنسى بعض كلماته التي ترن في أذني ولحد هذه اللحظة (لو تروح بإطراف الدنيا لازم ترجع للوطن) وكان هذا اللقاء في تموز عام 1978 .

وللبصري مواقف صريحة من دخول الغجر والطارئين على الفن العراقي، فأبتعد عن التمثيل والمشاركة فيه إحتجاجا على ذلك، وتمت دعوته من خلال الفنان يوسف العاني وعبر جريدة الجمهورية بتاريخ 25 /  12/ 1996 للعودة إلى عمله وشعبه الذي أحبه وآزره ولكنه  رد عليه إنني أعيش حاليا في حالة إحباط ولا استطيع أن أتقبل هذا الواقع المزري الذي دخل إليه من لا يضيف إلى تاريخه ولكن سيأخذ منه أشياء كثيرة فقال بالله عليكم (ماذا ستكون النتيجة لمسرحية بطلتها ملايين أو مليارات) حتما ستكون النتيجة أن نرمي تاريخنا وماضينا ونضالنا وتعبنا (بمزابل الملاهي) .

رحل سليم عبدالكريم البصري حيث وافته المنية في منزله بتاريخ الثامن من أيار 1997 وتم نقله إلى مستشفى النعمان، تاركا خلفه سيرة حسنة وحب الناس وعشرات الأعمال التي إخترقت القلوب والعقول لتبقى خالدة في أذهان محبيه ولتحاكي تلك الذكريات الجميلة التي عشناها في السبعينات وكيف نتسمر على شاشة التلفاز ونحن نشاهد حجي راضي وصانعه المشاكس عبوسي وكيف كنا نردد أغنية المسلسل التي تقول (محصن بالله ومحروس يا ستادي) نعم سنرددها الآن جميعا بألم وحسرة، لقد رحل إستاد سليم بسلامة قلبه وضميره ووطنيته نعم رحل فنان الشعب الذي إستحق هذا اللقب بجدارة، ولكن أي رحيل فلم يكن أحد من أهله أو أقاربه أو زملائه قد وقفوا بجواره في مرضه ولا صديق أو بعيد شيعه بإستثناء عبوسي رفيق مسيرته فكان مشهدا يدمي القلوب .

في الختام لابد من ذكر هذه الحقائق إن الراحل لديه خلاف مع زوجته وأولاده بسبب إستمراره في التمثيل، وقالت زوجته إن زميلاتها يطلقون عليها تسمية مرت حجي راضي وكونه رفض الإنصياع لهذا الأمر إنتهت بالقطيعة وأن كانوا في نفس البيت، قال عبوسي عند قدوم الجنازة إلى البيت من مستشفى النعمان لم توافق زوجته السيدة لطيفة العبيدي على فتح باب البيت أو الكراج وقالت لي اذهبوا إدفنوه فورا وزجرتها وفتحت الباب وأدخلناه إلى الصالة وعندما  طلبت منها شرشف لتغطية جثته أحضرت لي قطعة من القماش ممزقه ومبلله كانت موضوعة في حديقة المنزل فرميت هذه الخرقة جانبا وأحضرت عباءته السوداء التي كانت معلقة بالقرب منه ورميتها عليه، وعندما سألتها عن إبنتيهما (آية وآراك) قالت عند خالتهما في اليرموك وإكتشفت إنهما بأحد الغرف المجاورة وقد قفلت عليهما الباب .

إن حامد يوسف حمادي وزير الثقافة السابق رفض إبقاء جثته حتى الصباح من أجل تشيعه، كما إن عددا من الفنانين كانوا في بيت الراحل هم : حمودي الحارثي، الراحل داود القيسي نقيب الفنانين السابق والراحل خليل الرفاعي والراحل  رضا الشاطي ومحمد طعمة التميمي، وهؤلاء لم يمشوا خلف جنازة البصري حيث تواجدوا في بيته ولم يخطوا خطوة واحدة وراءه حتى في سياراتهم، وذهبوا إلى بيوتهم، بإستثناء عبوسي الذي قام بنقل جثمان البصري بمفرده إلى حسينية القاهرة ببغداد ولم يكن مع حمودي سوى الرجل الذي قام  في تغسيله  وتم إرساله إلى النجف  لدفنه .

وفي اليوم السابع لوفاته كانت هناك ندوة تأبينية مخصصة من تلفزيون العراق للحديث عن الراحل وعلى الهواء مباشرة، دعي إليها أربعة من الفنانين والكتاب الكبار، ولكن لم يلبي الدعوة سوى حمودي الحارثي، وإنتظرت المذيعة إقبال حامد قدومهم  لكنهم لم يحظروا فتحدث الحارثي لوحده عن سيرة الفقيد ولمدة 35 دقيقية،  فوضع النقاط على الحروف بحق هؤلاء الفنانين وحق المسؤولين في وزارة الثقافة آنذاك وعاتبهم (بنزاكة) لعدم وفائهم لهذا الفنان الكبير .

هكذا يموت المبدعين غرباء وهم في بلدهم فكيف يموتون وهم غرباء خارج وطنهم ؟ !! .

 

فراس الغضبان الحمداني

 

محمد فتحي عبدالعالتعد دراسة بعض العائلات الكردية من الاهمية بمكان لطبيعة الدور الذي لعبته هذه العائلات في الموروث الادبي والثقافي والسياسي للاكراد فقد وهب افراد من هذه العائلات انفسهم في خدمة هدف جليل وهو حفظ التراث الكردي ونشر الثقافة  واللغه الكردية  بين الاكراد المنتشرين في شتي انحاء العالم ومشاركين اياهم في حلم الوطن الجامع ...

ومن العائلات الكردية التي لعبت دورا لا ينسي في التاريخ الكردي المعاصر وتركت بصمات مميزة في الوجدان الكردي :عائلة بدرخان

ونبدأ القصة من البداية ...

تنحدر العائلة البدرخانيه من الامير بدرخان باشا والذي كان أميرا علي جزيرة بوتان في كردستان الشمالية خلفا لوالده فقاد حركة اصلاحية واسعة داخل كردستان لضم الصف اعقبها بحركة توسعيه استطاع بها توسعة حدود امارته حيث وصلت حدوده الي مدن سرحد وسيورك وسنجار والموصل وغيرها

يقول الامير جلادت بدرخان عن بدرخان في مذكراته:" أراد الأمير بدرخان أن يتأكد من سيادة الأمن في مملكته، فأمر بوضع زكيبة من المال في عرض طريق عمومية ممهدة السبيل. ما ان رأها العابرون حتى فزعوا وغيروا طريقهم مضطرين لسلوك طرقات صعبة المسالك ابتعاداً عن الزكيبة الملقاة على قارعة الطريق. بقيت الطريق مهجورة من العبور والناس يتعذبون في ذهابهم وايابهم حتى حضر عالم من العلماء المبجلين لحضرة الأمير وقال له: -ألا تخاف من الله يا سمو الأمير فتحرم الناس من الطريق السهلة المعبدة؟ تساءل الأمير بدهشة عن السبب فأجابه العالم: -ان زكيبة المال التي القيتها في طريق الناس أخافتهم وجعلتهم يفضلون عبور الطرقات الصعبة، هاجرين الطريق السهلة لوجود المال فيها. سّر الأمير من فرط أمانة رعيته وأمر للحال برفع الزكيبة وتوزيع المال على طلبة العلم في المدارس."

...كان هذا النفوذ المتنامي للامير الشاب وفتوحاته المتزايدة مقلقا للباب العالي

استغل بدرخان ضعف الجانب التركي والصراع الدائر بين محمد علي باشا والي مصر والسلطان العثماني حيث كانت الدفة تميل الي مصر خاصة مع الهزيمة الساحقة التي لحقت بالجيش العثماني امام جيش ابراهيم باشا في معركة نصيبين فوجد بدرخان  والذي كان علي مقربة من المعركة في جزيرة ابن عمر أن الفرصة سانحة امامه لاعلان استقلالا ذاتيا لامته حيث امتنع عن دفع الضرائب للباب العالي كما رفض الدفع بأكراد للخدمة الالزامية في صفوف الجيش العثماني ...كانت دعوات بدرخان مقلقة للباب العالي الذي خشي من استفحال هذه الحركات الوطنية الانفصالية في جنبات الدولة وان تكون حركة بدرخان ان كتب لها النجاح ملهمه لحركات اخري فعزم علي  القضاء علي هذه الحركة في معهدها واقتلاع جذورها فأرسل الباب العالي حملة بقيادة عثمان باشا حاولت ان تنتهج في البداية اسلوبا دبلوماسيا فجمعت العشائر الكردية الي اجتماع لحل مشكلة امداد الجيش العثماني بالافراد الاكراد وبالمال الكردي فقاطع بدرخان الاجتماع  فوجد عثمان باشا ان السبيل الوحيد هو الحرب فأتخذ من ديار بكر معقلا لقواته وزحف علي محور هكاري موك علي طول نهر دجله للقضاء علي قوات الزعيمين نور الله ومحمود خان شريكي بدرخان ومع قسوة الضربات العثمانيه واستمرارها توصل الطرفان الي اتفاق بموجبه يستسلم الامير محمود خان للعثمانيين مقابل ضمان حياته ومعاملته واسرته بكرامة ولكن ما ان استسلم الامير الكردي حتي حنث العثمانيين وعدهم له فربط الي شجره وتم جلده وسكب العسل عليه حتي ينهشه الذباب !!!...باستسلام الامير محمود اصبح الطريق ممهدا امام عثمان بك للتقدم في وادي بوتان معقل بدرخان ...ولان جيش بدرخان كان من الجيوش ذات الكفاءة القتالية العاليه في مناطق الجبال فقد اوقعوا بالجيش العثماني خسائر فادحة في الارواح والمعدات ..فلجأ العثمانيون الي سلاح المال وشراء النفوس الضعيفه وكانوا علي دراية وموهبة في هذا المجال فاستقطبوا  يزدان شير أبن عم الامير بدرخان الي صفوفهم مما اوقع الفوضي في صفوف قوات بدرخان والذي تحول نصره الي هزيمه بفضل الخيانه ووجد بدرخان نفسه محاصرا في قلعته أورخ  ومقطوعا عنه الامدادات ثمانية أشهر فأستسلم وتم نفيه الي اسطنبول ثم الي جزيرة كريت وغير الاتراك اسم عائلة بدرخان الي جنار ولكن ذلك لم يفت في عضده فكانت اخر وصاياه لابناءه وهو علي مشارف الموت :من منكم ينسي لغة بوتان فهو ليس بولدي ..

جمعت الدولة العثمانية املاك بدرخان في ولاية واحدة تحت سلطة يزدان شير لكن سرعان ما انقلبوا عليه فدفع ثمن خيانته سريعا وتم نفيه هو الاخر جزاءا وفاقا

 

استاذه سروه عثمان مصطفي اديبه كردية (اربيل العراق)

محمد فتحي عبد العال (كاتب وباحث)

........................

المصادر:

١- مذكرات جلادت بدرخان

٢- ديفيد ماكدويل: تاريخ الأكراد فى العصر الحديث.

٣- أحمد محمود الخليل: تاريخ الكرد فى العهود الإسلامية.

٤- جيمس كريج: الأرمن، الكرد، والأتراك.

٥- الويكبيديا العربية

 

758 نيروز 1ـ ليكن (عيد نيروز) وعطلته الرسمية في العراق منذ 1973، مناسبة لأحياء (عيد الربيع العراقي) ومشاركة اخوتنا الاكراد، وجعله عيدا وطنيا يجمع القوميات والأديان والطوائف والمناطق. وفرصة للاحتفال بتخصيب الطبيعة بزرع النخيل والاشجار!

ـ في 21 آذار من كل عام، ظل يحتفل به اسلافنا  في (سومر وآشور وبابل)، خلال 3 آلاف عام قبل  ان يتبناه الايرانيون(الاخمينيون) بعد احتلالهم بابل عام 539 ق.م ـ وسمّوه (نيروز ـ رأس السنة) وهي ترجمة فارسية حرفية لاسمه السومري(زغموك ـ Zagmuk) وبالأكدي(راس ستيم ـ rêš-šattim ، بالاضافة الى (أكيتو ـ الاحتفال). (جميع المصادر في النهاية)

ـ (21 آذار) حسب التقويم العراقي القديم (الشمسي ـ القمري)  يكون اول نيسان (نيشانو بالاكدي) لآختلاف عشرة أيام بين الشمس والقمري. وهو يوم المنقلب الربيعي وأول ايام السنة حيث برج الحمل(برج تموز) سيد المياه والخصب الذكوري، الذي يُخصّب(عشتار) سيدة الارض والخصب الانوثي.

ـ في هذا اليوم اول الربيع، يولد(تموز - اله الخصب الذكوري) بعد تسعة اشهر من غيابه في ظلمات الارض(رحم الام)، ليأتي ويخصب(عشتار) الهة الارض والأنوثة، فتنبثق الحياة ويظهر الربيع. وكان عيدا شعبيا ودينيا ورسميا يدوم عشرة ايام. حول(ماردوخ ـ سيد الوضوح، أي سيد النور ) وابنه (نبو ـ النبي ـ الحكيم). وفيه الكثير من طقوس الفرح والبهجة وتخصيب الارض بدماء القرابين، وتوزيع الهدايا والمعونات. كذلك تزول فيه موقتا الكثير من الممنوعات القانونية مثل الفروق بين العبيد والسادة، ويتنازل الملك عن كبريائه ويعترف بأخطائه ويتلقى صفعة من (المرجع الديني الاعلى)! و تنظم مسيرة ضخمة في شارع الموكب حيث تشعل النيران لحراق دمى ملونة تمثل الشتاء الراحل(منها اخذ الايرانيون طقس اشعال النار في نيروز). 

758 نيروز 2

ـ قد تبنّاه الايرانيون(الأخمينيون) الذي كانوا اشباه بدو واميين تماما، بعد احتلالهم بابل مع الكثير من امور الحضارة النهرينية: اللغة الآرامية والكتابة المسمارية وديانة النجوم.

ـ بعد ثورتين بابليتين فاشلتين ضد المحتلين، عامي: (521 ، و482 ق.م )، تم الانتقام من السكان وقمع طقوسهم والقضاء التام على احتفالات هذا العيد الديني والوطني، وتحويله الى ايراني تماما باسم(نيروز)!

ـ انتشر هذا العيد باسمه الفارسي (نيروز) بين شعوب آسيا الآرية والتركستانية، التي خضعت للأمبراطوريات الفارسية(الاخمينية ثم البارثية ثم الساسانية).

ـ عندما اتى العرب المسلمون عرفوه باسمه الفارسي(نيروز). واحتفلت به الدولة العباسية وانتشر اسمه في العالم الاسلامي، وحتى اقباط مصر استخدموا اسمه، وقدُسه الكثير من ائمة المسلمين، وقال الشيعة ان فيه يظهر صاحب الزمان، ولهذا السبب تحتفل به الدولة الاسلامية الايرانية، دينيا ورسميا.

ـ ان الاحتفال بالربيع، عموما سائد بين الكثير من الشعوب. في بلدان الشام احتفل به باعتباره (عيد بعل). وفي مصر(عيد شم النسيم). في المسيحية واليهودية سمي بعيد(الفصح ) أي الطبيعة التي تفصح وتتفتح في الربيع. كذلك ( عيد القيامة) أي قيامة المسيح بعد صلبه مثل قيامة(تموز) وعودته إلى الحياة ليعود معه الربيع والخصب. ـ اما الشعوب التركستانية يحتفلون به باسم (ينكي كون - اليوم الجديد). اما العلوية والبكتاشية التركية، فيعتبرونه يوم ميلاد الإمام علي، كما أنه بالنسبة لهم أيضا يوم زواجه من فاطمة الزهراء(رض).

758 نيروز 3

 

ـ اشقائنا الأكراد يحتفلون بنوروز باعتباره ذكرى انتصار(كاوه الحداد) على الملك الطاغية(الضحاك). لكن هذه الحكاية ليست كردية، بل ايرانية فارسية. وأول من ذكرها المؤرخ البغدادي (المسعودي)، ثم فصلها(الفردوسي) باعتبارها حكاية فارسية، ولم يذكر أي مؤرخ علاقتها بالاكراد. قد تبناها الاكراد حديثا في القرن العشرين، مع تقليد اشعال النار(المصدر في النهاية، لكاتب كردي عراقي).

 احياء عيد الربيع العراقي

ان الخطوة الكبرى التي قامت بها النخب الايرانية ايام الشاه رضا بهلوي ثم ابنه، منذ اوائل القرن العشرين انها جعلت عيد نيروز احتفالا وطنيا رسميا واعادت احياء كل الاساطير الشعبية حوله رغم احتجاج رجال الدين. ثم اتت الدولة الشيعية الاسلامية لتتبناه ايضا.

ومن خلال التأثير الايراني تبنت النخب القومية الكردية هذا العيد في اوائل القرن العشرين واخذت من الايرانيين حكاية (كاوا الحداد) ونجحت بجعله عيدا قوميا كرديا. 

اما نخبنا، فإنها للأسف، بسبب تجاهلها لتاريخنا وميراثات الطوائف والجماعات المختلفة، وبسب التعصب القومي العروبي الساذج ضد كل ما هو ايراني حيث ارتبط اسم هذا العيد بتسمية(نيروز)، فانها قد تجنبت الاقتراب من هذا العيد. 

ـ لقد تبنت الدولة العراقية منذ الفترة الملكية هذا العيد باسم(عيد الشجرة) وجعلته عطلة رسمية. ولكنها لم تحاول اعطائه بعدا تاريخيا وتراثيا وشعبيا وربطه بتاريخ العراق وكذلك بعيد نيروز. فبقي للاسف عيدا حكوميا محدودا.

758 نيروز 4

على الصعيد الشعبي يتم الاحتفال بهذا العيد في مختلف انحاء العراق باسماء وطقوس مختلفة، دون تشجيع ديني وحكومي ونخبوي: (عيد خضر الياس) لدى المسلمين والمسيحية واليزيدية، كذلك (عيد زكريا). و(عيد الفصح ـ القيامة المسيحي)، (عيد البنجة الصابئي)، وغيره. التيار الحزبي الآشوري العراقي والسوري، اعاد الاحتفال بهذا العيد في اول نيسان.

  كذلك هناك "يوم المحيا" أي احياء الربيع بعد جماد الشتاء. ويسمى ايضا(يوم الكسلة) في البصرة، او(دورة السنة) او(عيد الدخول) و(يوم الخضر) وهو الشخصية الاسطورية الاسلامية التي يرتبط اسمها بالخلود والخصبة والخضرة(من اسماء تموز!).

758 نيروز 5

 

الغريب ان الحكومة العراقية منذ اعوام السبعينات قد اقرت الاحتفال بعيد نيروز وجعله عطلة رسمية، ولكن كعيد كردي خاص، ولم تنتبه ابدا الى حقيقته العراقية الاصيلة. كذلك قبل سنوات بدأت محافظة نينوى تحتفل به رسميا باسم(اعياد الربيع).

إذن لنتفق نحن ابناء النهرين على يوم 21 آذار(عيد الربيع العراقي ـ نيروز) والتعريف بتاريخه العريق وإحياء بعض الرموز العراقية(السومرية الاشورية البابلية) وباحتفالات شعبية ورسمية.  ليكن عيدا للمحبة والوحدة والخضرة. لنحتفل بالبيئة وبالطبيعة ونزرع فيه الاشجار والنخيل.

 

 سليم مطر

...................

المصادر:

ـ عن اقتباس (نيروز) من بابل، هنالك الكثير من الدراسات العربية التي تفصل هذه المسألة. لكن ويكيبديا العربية قد مرت سريعا على دور بابل! ولكن ويكيبيديا الانكليزية تفصل هذا.

ولتسهيل الامر عليكم ضعوا في الانترنت بالعربي: نيروز بابل. او  بالانكليزي: nowruz babylon لتظهر لكم الكثير من الدراسات العربية او الانكليزية التي تفصل دور بابل في هذا العيد.

ـ عن تبني الاخمينيون (وبعدهم البارثيون ثم الساسانيون) لحضارة بابل وكتابتها المسمارية ولغتها الآرامية، طالع:

مختصر تاريخ العراق (تاريخ العراق القديم) 1-6 ج

https://urlz.fr/9b14

بالاضافة مصادر الانكليزية عديدة:

ـ (S. A. Pallis, The Babylonian Akitu Festival, Copenhague, 1926 ; La Fête babylonnienne de l'akitu).

ـ عن عيد الربيع العراقي ـ اكيتو Akitu طالع:

- P. Villard, « Akîtu », dans F. Joannès (dir.), Dictionnaire de la civilisation mésopotamienne, Paris, 2001, p. 20-22

- J. Bottéro, La plus vieille religion : en Mésopotamie, Paris, 1998

ـ عن تفاصيل اقتباس الاكراد حديثا (حكاية كاوا الحداد) و(اشعال النيران) من الايرانيين، طالع مقالة الكاتب العراقي الكردي (هلكوت حكيم) في جريدة الحياة(26 مارس 2000) :

http://www.alhayat.com/article/1038998

ــــ لمن يرغب بمعلومات شاملة ومتنوعة عن هذا العيد واعياد الربيع في العالم، ليضع احدى الكلمات التالية في مبحث كوكل: عشتار وتموز/  تموز وعشتار/عيد الربيع العراقي/اكيتو/اكيتو حجتو/نيروز/عيد الشجرة العراقي/خا بنيسان ـ الاول من نسيان/عيد المحيا/الخضر/المهدي المنتظر/ شم النسيم..الخ..

 

 

محمد فتحي عبدالعالقطوف من الحضارات

ان الملاحم من ابداعات الشعوب ولو لم تقدم حضارة بلاد العراق للانسانية سوي هذه الملحمة لكفت.. انها ملحمة جلجامش احدي أروع ذخائر تراث بلاد الرافدين وأكثرها تفردا فقد مزجت هذه الملحمة الحقيقة المشربة بالحكمة بالأسطورة المزخرفة بالرمزية وجمعت الخيال الأدبي المفعم بالحيوية بالواقع ذو الدلالات العميقة في نسيج واحد وتحكي هذه الملحمة والمكتوبة بخط مسماري علي احدی عشرة لوحا طينيا عن أحد الملوك ويدعي جلجامش وهو ملك أوروك وكان ثلثي اله حيث كانت والدته اله اما أبيه فكان بشر، مما جعله عرضة للفناء شأنه شأن سائر البشر ..تتضمن اللوحة الأولي كون جلجامش ملكا ظالما مستبدا لا يترك امرأة تزف الي زوجها حتي يدخل عليها أولا ، كما كلف رعيته بتحصين مدينتهم اوروك بأسوار من الآجر المحروق ...ولما ضج الشعب من ظلم وجبروت جلجامش ابتهلوا الي الالهة ان تكف اذاه عنهم فقامت الآلهة بتخليصهم عبر خلق ندا له في البرية انه أنكيدو وهو من البشر الخالص قوي البنيه ويغطي جسده الشعر الكثيف مستوطنا الغابات كثير الصراع مع الوحوش ومخلصا للحيوانات من شباك الصيادين، مما حدا بالصيادين الي شكواه الي جلجامش فلجأ جلجامش الي الحيلة لاستدراج انكيدو والتخلص منه عبر اغوائه بحب شمخات، أحدي خادمات المعبد وهو ما يتناوله اللوح الثاني حيث استطاعت شمخات ترويض انكيدو ونقله من طور المارد المتوحش الي طور الانسان المتحضر المالك لبواطن الحكمة فعلمته كيف يأكل وكيف يشرب ويلبس حتي اصبح كالبشر العاديين ثم راحت تقص عليه مفاسد جلجامش وكيف انه يدخل بأي فتاة قبل زوجها فعزم انكيدو علي التصدي لظلم جلجامش

فحدثت مواجهة عنيفة بينهما وكليهما كان من القوة بما يكفي للقضاء علي الاخر لكن انتهي الصراع بأنتصار جلجامش، واعتراف انكيدو بهذا الانتصار ثم توطدت الصداقة بينهما ...الي هنا يتضح ملمح هام هو ان المعارضة تتولد من رحم الاستبداد وانه، حتي وان علت يد الاستبداد وانتصرت يبقي لا مناص للاستبداد من اعادة حساباته والمصالحة مع المعارضة مهما طال الزمن...

في اللوح الثالث قرر الصديقان أن يعملا لصالح شعب اوروك فقررا ان يقطعا اشجار الارز الموجودة بالغابة فصنعا الفؤوس والسيوف العظيمة ولكن هذه المهمه لم تكن بالسهلة في ظل وجود حارس ضخم مثل خومبابا فبمجرد شروعهما في تنفيذ خطتهما وتقليم الاشجار تصدي لهما حارس الغابة غاضبا فتعاون انكيدو وجلجامش علی قتله بالرغم من توسلاته ...لم يمر مقتل خومبابا مرور الكرام حيث اثار مقتله حفيظة آلهة الماء انليل وكانت الغابة في حوزتها ..وهو ما يتضمنه اللوح الرابع والخامس..

في اللوح السادس وقد عاد جلجامش الي عرشه منتصرا فأعجبت الالهة (عشتار) بجماله وطلبت الزواج منه لكنه رفض بشكل قطعي مذكرا اياها بماضيها مع ازواجها السابقين وما آلت اليه مصائرهم ..غضبت عشتار من هذا الرفض وعزمت علي قتل جلجامش وفي سبيل ذلك استعطفت ابيها (أنو) وأمها (أنتم) وبكت لهما فقدم لها أبوها الثور السماوي القادر علي قتل جلجامش...و بنزول الثور السماوي أثار الهلع الشديد في أوساط المدينة فتجهز له جلجامش وانكيدو وذبحاه فأستشاطت الالهة غضبا ..

في اللوحة السابعة يري انكيدو رؤيا يقصها علي جلجامش مجملها ان الالهة اجتمعت للثأر لقتل خمبايا والثور السماوي وقررت معاقبة احدهما ولان الروح الالهية كانت تسري في جسد جلجامش ، فقد وقع الاختيار علي انكيدو فصدر القرار بموته عقابا علي ما حدث..فمرض انكيدو حتي مات وقد كانت امنيته ان يموت في ساحات القتال حتي يخلد اسمه مع الابطال وهي الامنية التي لم يدركها..

اللوح الثامن: يتضمن حزن جلجامش الشديد علي رفيق دربه انكيدو وقد جلس الي جوار جثمانه المسجي يناجيه قبل ان يواري جسده الثري..

اللوح التاسع : يبدأ جلجامش رحلة جديدة ولكن هذه المرة بحثا عن الخلود فقد كان شبح الموت يخيم علي مخيلته فأنطلق هائما علي وجهه قاطعا الجبال والفيافي متوجسا من الموت وباحثا عن الخلود وفي سبيل الحصول علي هذا الخلود كان عليه ان يجد (اوتنابشتم) لانه الوحيد العالم بهذا السر وفي الطريق يجد الالهة سيدروي والتي راحت تجاهد رغبته في الخلود دون جدوي ولكن مع اصراره ارسلته الي الطواف (أورشني) ليساعده علي عبور بحر الاموات ليصل الي الشخص المطلوب وفي النهاية يعثر جلجامش علي اوتنابشتم وزوجته وهما الناجيين الوحيدين من الطوفان ولذلك منحتهما الالهة الخلود حيث غضبت الالهة علي البشر فقررت اغراقهم ولكن أحد الالهة أوعز الي اوتنابشتم صناعة سفينة كبيرة يجمع فيها عدد من البشر والحيوانات للنجاة من الطوفان وتعتبر هذه أقدم أشارة علي طوفان نوح الوارد في الكتب السماوية..

مع توسلات جلجامش قررت زوجة اوتنابشتم ان تساعده في النهاية وأرشدته الي نبتة الخلود والتي تنبت في المياه وتمنحه الشباب الدائم وتجرح البشر مثل الشوك فيشعر جلجامش بالسعادة الغامرة لامتلاكه العشب أخيرا عازما علي اخذه معه وتجربته علي المسنين بأوروك أولا ثم زراعتها لينال خيرها جميع اهل مدينته ولكنه وفي طريق العودة وبينما هو يستحم في بركة المياه من عناء الرحلة استطاعت حية سرقة النبتة نازعة جلدها القديم ومتحلية بنشاط وشباب متجدد (وهي الشعار الذي يشير الي مهنة الصيدلة) ..هنا يدرك جلجامش ان لا حظ له في هذا الخلود فقرر ان يخلد اسمه بطريقة اخري وهي ان يعود الي بلاده مرسيا قواعد العدل وناشرا للعلم والمعرفة فهما السبيلين نحو الحياة المتجدده والبقاء الابدي وهنا رمزية رائعة  فمن يستثمر في موارد بلاده البشرية وينميها هو الحاكم القادر علي الخلود لانه الاثر الباقي علي مر التاريخ ..

جلجامش أنا( 2)

بقوتي وجبروتي وانتصاراتي ملئت التاریخ مجدآ

بملاحم بطولاتي،

لكن حزنی لفقدان انكیدو" صدیقي

جعلني أسلك درب البحث

لما كان ینویه بداخله

عن نبتة الابدية

عن نبتة تعوض أهلي وناسي

تعوض العالم أجمع

عن ظلمي واستبدادي

بحثت وبحثت

و قد طال بحثي

عن نبتة الحیاة الابدية

وفي طریق بحثي

وإذا بي وجدت نفسي أبحث،

لكني أرفض الموت

أبحث عن حیاة، عكس هذا الحیاة

مرساي في سعادة غیري

ومرفئي في الخلود الأبدي .

تربط الابحاث المعاصرة بين ملحمة جلجامش وبين ملحمة سيامند وخجي في الادب الشفاهي الكردي من حيث الأطر العامة وأن انكيدو من الكرد الفيلين ، حيث تورده الملحمة بأنه الرجل القوي الاتي من الجبل ولما كانت جبال بيشتكوه (بلاد ايلام) هي الاقرب لاوروك وهي موطن الكورد الفيليين كما الفأس التي استخدمها انكيدو وهي القوة التي عرف بها سكان ايلام، فالارجح ان انكيدو من هذا الموطن ...كما يستدلون بأن كلمة جلجامش وتعني الثور الكبير او المقدس، هي كلمة لا زال الكرد يستخدمونها الي اليوم كما أن رمزية الثور تحتل مكانة هامة في الثيولوجيا الكردية وكانت عبادته منتشرة لديهم في الازمنة القديمة مما يؤيد الصلة الوثيقة بين جلجامش والحضارة الكردية ويرجح ان تكون هذه الملحمة اقدم نص أدبي كردي مكتوب بالاضافة الي كونه من اقدم النصوص الادبية الفنية عبر التاريخ ...

عندالمقارنە بین الملحمتین ملحمة جلجامش وبين ملحمة سيامند وخجي في الادب الكردي نری:

كلا الملحمتين جاءتا على شكل قصيدة ملحمية، ولكن كتبت جلجامش على ألواح طينية بينما وصلتنا ملحمة سيامند بشكل قصيدة ملحمية وصلتنا شفاها من أجداد الكرد، وهذا من دواعي تصوّرنا أنها من بقايا ملحمة جلجامش.

التغنّي بظلم البطل ورحمته معا، ففي مطلع ملحمة جلجامش يتغنّى بقوته وظلمه وخلود اسمه بسبب الأعمال الجيدة التي قام بها، والحكمة التي فتّش عنها فتقول “هو الذي عرف كلّ شيء فغنّي باسمه يا بلادي”.

كذلك في ملحمة سيامند يتغنّى بأعمال الصعلكة التي قام بها سيامند وصديقه أو أخيه قره كيتران. كذلك يلاحظ هذا التغنّي بظلم البطل ورحمته في معظم الملاحم الشفوية الكردية.

في ملحمة جلجامش يشترك اثنين من الذكور في البطولة “جلجامش وأنكيدو” كذلك في ملحمة سيامند يشترك بطلان من الذكور في البطولة “سيامند وقره كيتران”.

في ملحمة جلجامش يموت أنكيدو قبل جلجامش ويترك الدور البطولي لجلجامش حتى نهاية الأسطورة، في ملحمة سيامند يموت قره كيتران قبل سيامند ويبقى الدور البطولي لسيامند حتى نهاية الملحمة.

للرؤى دور تنبؤي في ملحمة جلجامش، فهو يرى في حلمه ما تأويله أنّه سيلتقي بصديق وكذلك في ملحمة سيامند يرى سيامند في حلمه “الخضر” الذي يلقّنه دعاء طلسميا لمجابهة خصومه دون أن يخسر المخاصمة ويعده أنّه لن يقتل على يد بشر.

في ملحمة جلجامش يتصارع كل من أنكيدو وجلجامش في البداية ويغلب جلجامش أنكيدو، وكذلك يتصارع كلّ من سيامند وقره كيتران وتكون الغلبة لسيامند، وهكذا يمكن إيجاد العديد من القواسم البنيوية المشتركة بين الملحمتين، ولكن في ملحمة سيامند تظهر الكثير من التحوّلات وربما جرى نسيان الكثير من التفاصيل وعوّضت بالتغييرات الملائمة للتطور الديني والاجتماعي منذ آلاف السنين، وإلى وقت صناعة آخر نسخ الملحمة السومرية المتمثّلة بسيامند وخجي، فيمكن النظر إلى التعويض عن رحلة الخلود لجلجامش برحلة هروب سيامند مع حبيبته خجي، حيث تبدو الحكمة التي اكتشفها جلجامش عبر القيام بالأعمال الجيّدة معوضا عنها بالهروب مع الحبيبة، وربما كان ذلك علاجا لمشكلة اجتماعية جديدة، وهي أنّ الاقطاعيين كانوا يأخذون من يريدونها زوجة لهم، بحكم نفوذهم، فكان سيامند هو الشخصية البطلة الأسطورية التي جابهت ذلك الواقع، ولا يخفى على الباحث التأثيرات الاجتماعية الرومانية، والتي ربما أخذت الملحمة الأصل إلى منحى آخر متأثرا بالعصور الهلنستية والتأثيرات الأوروبية، عندما كانت تحكم الشرق منافسة ومناصفة مع الإمبراطوريات الإيرانية قبل مجيء العرب المسلمين إلى المنطقة بعد ” الفتوحات الإسلامية، ولهذا نرى خجي تنتحر بعد مصرع حبيبها، مما يذكرنا بروميو وجولييت.

 

استاذة سروه عثمان مصطفی كاتبة واديبة كردية

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري ..

.....................

المصادر

١- الويكبيديا العربية

٢- قصيدة للشاعرة سروه عثمان

٣- بقايا ملحمة جلجامش في ملحمة سيامند للاستاذ حسين شاكر.المركز الكردي السويدي للدراسات

٤- كتاب: الكلام المباح .. مقالات في السياسة والادب للدكتور مؤيد عبد الستار