يسري عبد الغنيإن اغتيال أبراهام لنكولن قد روع كافة الأمريكيين في كل الولايات الشمالية والولايات الجنوبية على السواء، فلقد فقد الشماليون الرجل الذي قادهم إلى النصر في صراع طويل ضار، وفقد الجنوبيون الشخص الوحيد الذي كان في مقدوره أن يعيد بناء بلادهم المحطمة، دون أن يفرض عليها مزيدًا من الأعباء الثقال .

فلا غرابة إذن أن كان نبأ مصرع الرئيس الأمريكي / أبراهام لنكولن في الخامس عشر من شهر إبريل عام 1865 م، قد أثار أسى عميقًا في نفوس الجميع في كافة أرجاء العالم، إن ممثلاً نصف مخبول يدعى / جون ويلكيز بوث، قد اندفع إلى مقصورة لنكولن أثناء مهرجان تمثيلي في المسرح، وأطلق النار على الرئيس الأمريكي من مسدسه، ثم قفز من المقصورة إلى خشبة المسرح، حيث تمكن من الإفلات، وقد بقى لنكولن على قيد الحياة تلك الليلة، ولكنه لفظ أنفاسه الأخيرة في وقت مبكر من صباح اليوم التالي .

وعلى هذه الصورة مات واحد من كبار الرؤساء الأمريكيين، الذين ما كان يمكن للولايات المتحدة الأمريكية بغيره أن تبلغ ما بلغته اليوم .

كان مولد أبراهام لنكولن في عام 1809 م في ولاية كنتاكي القائمة على الحدود، وكان أبواه يعيشان في فقر مدقع، بينما تعيش أسرة لنكولن في كوخ خشبي صغير عند طرف الغابة، وعندما توفيت والدته كان بعد في سن التاسعة من عمره، ولكن كان من حسن طالعه أن تزوج والده مرة ثانية، وكانت السيدة / ساره جونستون زوجة أبيه امرأة طيبة القلب، فأخذت تشجع أبراهام في كفاحه لتعليم نفسه بنفسه، ولقد اضطرته ظروف حياته أن يتولى هذا التعليم معتمدًا على نفسه وحده عن طريق الكتب التي كان من العسير الحصول عليها ف منطقة نائية على الحدود .

لقد أفلح لنكولن ذات يوم في شراء عدد كبير من الكتب من مسافر كان متجهًا إلى الغرب، وكان يحمل الكتب في برميل كبير، ولم يكن يريد حمله معه أكثر من ذلك .

والواقع أن هذه الكتب قد زودته بمادة وافرة للدرس والتحصيل، وذلك برغم أن أباه كان يقاوم جاهدًا هذه الفكر، وفي هذا الصدد لعله كان يقول: أظن أن أبراهام يبدد وقته بهذا التعليم، إنني حاولت منعه، لكنه كان مشبع الرأس بهذه الفكرة الحمقاء، ولم يتسن انتزاعها منه ..!!

وكانت أول رحلة لنكولن قدر أن تفتح الدنيا أمامه هي تلك التي قام بها وهو في سن التاسعة عشرة من عمره، حين ذهب فيها أجيرًا أو عاملاً على ظهر مركب مسطح (صندل) وجهته ميناء نيو أورليانز، إذ كان بهذه المغامرة أثر كبير ظل طويلاً في قرارة نفسه .

وعندما بلغ لنكولن الحادية والعشرين من عمره انتقل للإقامة في مدينة نيو سالم بولاية إلينوي الأمريكية، وفي هذه المدينة اشتغل في عدد من الأعمال المتواضعة التي أكسبته الخبرة الحياتية وكيفية التعامل مع الناس من مختلف الفئات، ومنها عمله كوكيل بريد في القرية، ومع أنه كانت تعوزه الرشاقة في الحركة والتعبير، وهو ما كان مكملاً لطول قامته ودمامة مظهره، إلا أنه سرعان ما أصبح ذا شهرة كبيرة كراوي قصص، ومقلد للحركات التمثيلية .

إن الشعبية التي اكتسبها رجلنا في هذا المضمار، كان أكبر عون له عندما استقر عزمه على الانخراط في الشئون السياسية، وفي عام 1834 م، تم انتخابه في مجلس إلينوي التشريعي (وهو البرلمان المحلي) منتميًا إلى حزب المحافظين، أو بالأحرى كمعتدل يؤمن بضرورة المحافظة على نظام الحكومة الاتحادي، ثم انتقل في عام 1837 م إلى مدينة سبرنجفيلد، عاصمة الولاية، لكي يكون في موضع أفضل يمكنه من متابعة مستقبله السياسي، لكي يصبح زعيمًا للهويج في البرلمان، وفي نفس الوقت بدأ لنكولن يتدرب على ممارسة المحاماة، وكانت دراسته للقانون ترجع إلى بعض الكتب التي عثر عليها في البرميل الذي اشتراه في صباه .

في عام 1842 م تزوج لنكولن السيدة / ماري تود، وأنجب الزوجان أربعة أبناء، ولسوء الحظ لم يتح لغير واحد منهم فقط أن يبقى على قيد الحياة ويبلغ مبلغ الرجولة، على أن حياتهما الزوجية كانت في مجموعها مقرونة بالسعادة، رغم ما كان يظللها من غرابة أطوار زوجته، ثم انتخب لنكولن عام 1846 م عضوًا في الكونجرس (البرلمان الاتحادي)، ولكن فترة وجوده في المجلس لم تكن ناجحة، فقد ضايق الكثيرين باعتداله السياسي، ولم يكرر الحزب المنتمي إليه ترشيحه كنائب عنه في الكونجرس مرة أخرى .

كان الخلاف يتزايد بين الولايات في الشمال، وهي التي لم تكن تسمح بامتلاك العبيد الزنوج، وبين ولايات الجنوب التي كانت تعتمد على أعداد كبيرة منهم في زراعة القطن، كما كان ثمة تفاهم مؤداه أن يسمح لولايات الجنوب بالاحتفاظ بما لديها من العبيد، بشرط بعدم السماح بانتشار الرق شمالاً إلى الولايات التي كان يجري إنشاؤها بسبب تراجع الحدود .

وما إن جاء عام 1850 م، حتى غدا رجال الشمال المناهضون للرق (أنصار إلغاء الرق)، وهم على غير استعداد لاحتماله أكثر من ذلك، كما أن بعض المتهورين أو المتشددين في الجنوب كانوا يريدون السماح بالرق في ولايتي: كانساس و نبراسكا الجديدتين، ولم يستطع الحزب السياسي الذي ينتمي إليه لنكولن (الهويج)، والذي كان يأخذ بسياسة الحل الوسط لأنها كانت تبقي على النظام الاتحادي للولايات، ولم يستطع هذا الحزب أن يصمد لضغط المتشددين من كلا الجانبين، وأخذ بالتالي يفقد كل مؤيديه .

وعليه ونتيجة لذلك أنشئ حزب سياسي جديد في الشمال سمي الحزب الجمهوري، وهدفه إلغاء الرق، وقد استقر رأي لنكولن على الانضمام إليه .

وفي عام 1858 م، وقع الاختيار على لنكولن ليكون مرشح الحزب الجمهوري لعضوية مجلس الشيوخ (السيناتور)، عن ولاية إلينوي، وسرعان ما تحدى منافسه الديمقراطي ستيفن دوجلاس للاشتراك في مناظرة علنية لمناقشة المسائل الكبرى التي تشغل بال الرأي العام، فوافق دوجلاس ومع أن لنكولن خسر الترشيح ولم يفز في الانتخابات، إلا أن الخطب التي ألقاها في مساجلاته مع دوجلاس جعلت لاسمه الشهرة الذائعة في كافة أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية .

وفي عام 1860 م اختير لنكولن كمرشح للحزب الجمهوري للرئاسة، واستطاع بسهولة أن يفوز بالانتخابات بسبب الانقسام الخطير لأنصار الحزب الديمقراطي بين شماليين وجنوبيين، ولكن قبل أن يستطيع لنكولن أن يتبوأ مقعده في البيت الأبيض، قررت معظم الولايات الجنوبية الخروج من الاتحاد الأمريكي وإعلان استقلالها، وقد اتخذت هذه الولايات لنفسها اسم الولايات الكونفدرالية، وفي عام 1861 م قام الانفصاليون بإطلاق المدافع على حصن يعرف باسم (فورت سومتر) وعلى إثر ذلك بدأت الحرب الأهلية الأمريكية .

ورغم أن الولايات الشمالية كانت أوفر عنى وأكثر سكانًا من ولايات الجنوب، فإن الحرب تطورت تطورًا سيئًا بالنسبة إليهم في البداية بسبب القيادة البارعة للقائد الجنوبي الجنرال / روبرت . إ. لي، ولم يستطع لنكولن أن يوفق إلى القائد العسكري الذي وجد فيه ندًا لعدوهم إلا في عام 1863 م، وهو الجنرال / جرانت، وحالما اضطلع جرانت بمهام القيادة، تغير سير التيار أو الأحداث، وفي عام 1863 م أحرز الشمال انتصارات كبيرة في فيكسبرج، و جيتيسبرج، وفي نفس العام أعلن لنكولن تصريحه المشهور عن تحرير كافة العبيد .

وبحلول عام 1865 م بلغ الجنوب حد الإنهاك، واضطرت مدينة رتشموند عاصمته إلى إلى الاستسلام، بيد أن لنكولن لم يعش طويلاً لكي يشهد انتصاره العظيم وإنقاذ الحكم الاتحادي، ففي الرابع عشر من شهر إبريل، أي بعد خمسة أيام من استسلام الجنرال / روبرت لي، استهدف لنكولن للرصاص الذي أطلقه عليه جون ويلكيز بوث، وقضى نحبه في اليوم التالي .

ولعل القارئ الكريم قد سمع أو عرف خطاب لنكولن في مدينة جتيسبرج، هذا الخطاب المنقوش فوق النصب التذكاري للنكولن بمدينة واشنطن العاصمة الأمريكية، وهو الخطاب الذي ألقاه في هذه المدينة في يوم التاسع عشر من نوفمبر 1863 م، في مناسبة تكريس مكان من ساحة المعارك التي دارت في هذه المدينة أثناء الحرب الأهلية الأمريكية، لتكون مثوى لأولئك الذين لقوا حتفهم فيها، وفيه يكرم الضحايا الذين جادوا بأرواحهم لتبقى الحياة للأمة الأمريكية، عاقدًا العزم الأسمى لكي لا تذهب أرواح هؤلاء الموتى هباء وبددا، معلنًا أمله أن الأمة الأمريكية سيؤذن فيها بمولد جديد للحرية، وإن حكومة الشعب، وبالشعب، ومن أجل الشعب لن تبيد هذه الأرض .

وقبل أن نختتم هذه السطور الموجزة عن الرئيس الأمريكي / أبراهام لنكولن، نحب أن نسرد هذه المعلومة التاريخية : في بداية الحرب الأهلية الأمريكية، انقطع مورد القطن الخام من الولايات الجنوبية الأمريكية إلى مصانع الغزل والنسج في مقاطعة لانكشير بانجلترا، نتيجة الحصار البحري الذي فرضه الشمال الأمريكي، ولم تمض إلا فترة قصيرة حتى أصبح عمال مصانع الغزل في مدينة مانشستر والمناطق المحيطة بها بلا عمل، ومع ذلك فإنهم اعتبروا قضية الشمال عادلة، وعقدت في مانشستر اجتماعات عامة لإظهار التأييد للنكولن و سياساته الخاصة لتحرير العبيد والإبقاء على النظام الاتحادي الضامن لوحدة الولايات الأمريكية جمعاء .

وفي أحد هذه الاجتماعات التي عقدت في عام 1862 م، أعد خطاب وأرسل إلى لنكولن متضمن هذه الأفكار بصورة وافية، وبعد أسابيع معدودة بعث لنكولن برد إلى عمدة مانشستر الذي كان رئيسًا للاجتماع، قال له فيه : إني أعرف وأشعر بعميق الحزن بالمعاناة التي لحقت العمال في مانشستر، وتكبدهم واحتمالهم لهذه الأزمة التي طالت العديد من المدن في أوربا، وفي هذه الظروف لا يسعني سوى اعتبار أقوالكم الحاسمة في هذا الصدد بمثابة ظاهرة سامية للبطولة لم تسبقها ظاهرة مثلها في أي عصر، وفي أي بلد .

أقول لكم : إن الصداقة التي نبتت على هذه الصورة في تلك الأيام الحالكة للحرب الأهلية الأمريكية لم تطو في زوايا النسيان، إذ يقوم الآن تمثال للرئيس الأمريكي / أبراهام لنكولن في بلات فيلدز بارك بمدينة مانشستر الإنجليزية، كما يوجد في البيت الأبيض بالعاصمة الأمريكية واشنطن تمثال نصفي لجون برايت، الذي كان على رأس مؤيدي لنكولن في إنجلترا .

 

بقلم/د. يسري عبد الغني

 

 

عبد الحسين شعبان"ليت لي رقبة كرقبة البعير كي أزن الكلام قبل النطق به"

الإمام علي

عزيز محمد :خصوصيات وشجون


كنتُ قد تعرّفت على عزيز محمد لأول مرّة في براغ في العام 1971 وكان قد وصل من موسكو والتقيته في بيت مهدي الحافظ وأعجبتُ بشخصيته المنفتحة المرحة وبأسئلته  الودية الذكية، وبعد هذا اللقاء لم ألتقِ به سوى على نحو عابر في بغداد وبعد عودتي من الدراسة، وفي مقر الحزب في ساحة الأندلس قبيل سفره إلى اليونان في العام 1978، وهي السفرة التي لم يعد منها إلى العراق، ولم يكن لديّ سوى الانطباعات الأولى.

لكنّني كنت ألتقيه بشكل مستمر بعد العام 1980، حيث توثّقت علاقتي به في دمشق، وذلك خلال عملي في "إدارة" العلاقات الوطنية والعربية، لاسيّما مع القيادة السورية ، وكان يتسلّم منّي أحياناً بشكل مباشر أو من لجنة سعيد (لقيادة العمل الحزبي) تقارير مستمرة عن سير عمل العلاقات، وفي بعض الأحيان يتّصل بي للقائه في مقر اللجنة المركزية في دمشق الذي استأجرته باسمي مقابل السفارة السوفييتية، أو يطلبني مباشرة أو بواسطة عبد الرزاق الصافي ليستفسر منّي عن بعض قضايا العلاقات.

وفي إحدى المرّات شكوته ضعف علاقته بالمثقفين وأن هناك تذمّراً عاماً، وكنّا نحضّر لمؤتمر لرابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين التي كان يرأسها الشاعر سعدي يوسف وأشرفت عليها في الشام وفيما بعد في كردستان، واقترحت عليه تنظيم لقاءات مع عدد من المثقفين، ووافق ليأتي هو وعبد الرزاق الصافي معي. وكان اللقاء الأول في منزل فاضل الربيعي (دمشق - عين الكرش) بحضور جمعة الحلفي وحضوري، إضافة إلى الصافي، ولم تكن تجربة اللقاء مشجّعة وأثيرت أمامه أسئلة وملاحظات كثيرة.

وكنت أنوي دعوته لاجتماع لمختصة المثقفين التي تضمّ الشاعر عبد الكريم كاصد والصحافية رجاء الزنبوري والشاعر مهدي محمد علي والصحافي عامر بدر حسّون والكاتب والروائي فاضل الربيعي والشاعر الشعبي والإعلامي جمعة الحلفي والصحافي والكاتب عبد المنعم الأعسم ويتبعها عدد من الرفاق الآخرين بصلات مختلفة، لكن هذا اللقاء لم يلتئم بسبب سفره . واستدرك بالقول أنني نظّمت له لقاءً خاصاً مع الفنانة ناهدة الرماح في منزلي، ولقاء ثان مع الفنانة زينب في منزلها، وكان اللقاء بحضوري ومشاركتي .

وكنتُ قد قدّمتُ الرفيق عزيز محمد في اجتماع موسع لفريق من الكادر حوالي 40 رفيقاً انعقد في دمشق في منزل الرفيق علي السامرائي " أبو هند" وبعد بضع كلمات ترحيبية بحقه قلت أعرف أن الكثيرين منكم لديه ملاحظات على سياسة الحزب  وأساليب عمله وهناك شكاوى عديدة فهذا هو أمين عام الحزب فصارحوه.

1742  شعبان 1بعد مضي سنوات بقيت أتساءل مع نفسي كيف استطاع عزيز محمد أن يدير دفّة ذلك الحزب الكبير بوجود قيادات كفوءة ومتمرّسة وهو يعترف بذلك، فقد كان كلّما جاء اسم عامر عبدالله أو نوري عبد الرزاق يثني عليهما، ويتطلّع بعيني وينتظر تعليقاً، خصوصاً وهو يعرف علاقتي بهما، وكانت الملاحظات تتراكم بشأن الموقف من الحرب العراقية- الإيرانية وزج كادرات الحزب بالكفاح المسلّح وهو ما أخذت تتباعد فيه مواقف العديد من الكوادر والملاكات الحزبية مع التوجه السائد من جانب " إدارة الحزب".

وكنت قد كتبت كرّاساً في حينها بعنوان "النزاع العراقي - الإيراني" 1981 عبّرت عن وجهة نظري الخاصة بشأن الحرب العراقية - الإيرانية، وطوّرته لاحقاً بكتابات عديدة، ولاسيّما الموقف من التدخل الإيراني ومن اختراقات إيران للحدود العراقية وسعيها لفرض بديل "إسلامي" ، إضافة إلى الموقف القانوني من اتفاقية 6 آذار (مارس) 1975 المعروفة باسم "اتفاقية الجزائر"، وأطماعها بشأن شط العرب لما سمّي بخط " الثالوك" والتنازلات التي قُدِّمت إليها في اليابسة أيضاً، ناهيك عن مشروعها الحربي والسياسي، لكن ذلك شيء وشن الحرب التي لا تخدم سوى الامبريالية والصهيونية شيء آخر ، وهو ما يتحمّله النظام الدكتاتوري في العراق، خصوصاً وأن إيران كانت خارجة من ثورة أطاحت بشاه إيران محمد رضا بهلوي أحد مرتكزات الإمبريالية في المنطقة.

وإن كانت طبيعة الحرب قد تغيّرت بعد العام 1982، وخصوصاً بعد معركة المحمّرة " خرمشهر"، حيث اضطرّت القوات العراقية إلى الانسحاب من الأراضي الإيرانية،  الأمر الذي كان يتطلّب موقفاً جديداً، وهو ما عبّرتُ عنه وفيما بعد تبلور بصيغة تيار سياسي  في إطار الحركة الشيوعية وإذا كانت بغداد قد بدأت الحرب في العام 1980 فإن طهران أصرّت على الاستمرار بها من العام 1982 إلى العام 1988.

وفي كردستان التقيت بعزيز محمد  في نوكان "ناوزنك"، وعاش معنا لأكثر من شهر، ثم اضطر بعد اجتماع أيلول /سبتمبر للجنة المركزية السفر إلى دمشق ومنها إلى موسكو، وقد تسامرت معه في خيمته أكثر من مرّة وقلّبت معه هموماً كثيرة، وكان يصغي ويستمع ولا يبدي وجهة نظر في بعض الأحيان، خصوصاً إزاء بعض القضايا الشائكة، وصادف أن جاء عامر عبدالله إلى كردستان والتقينا مرّة أخرى في خيمة "أبو سعود".

ضيف زائر أكثر منه "قائد" حاضر

لقد خسر الحزب كثيراً في فترة قيادة عزيز محمد، فعلى الصعيد الداخلي استمرّ نهج الواحدية وشحّ حرّية التعبير حتى داخل الهيئات الحزبية بحجة " الحليف"  و"الخوف من التسرّب" وغير ذلك، الأمر الذي خلق عادات غريبة  مثل الوصولية والانتهازية والتملّق وهو ما ورد في مذكرة عامر عبدالله ونوري عبد الرزاق التي قدّمت باسم مجموعة كبيرة من الرفاق إلى  عزيز محمد ويمكن مراجعة نصّها في كتابي الموسوم : "عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل: فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية"، دار ميزوبوتيميا، بغداد، 2013.

أما في الخارج وبعد الهجرة الواسعة فقد ترك عزيز محمد الحبل على الغارب وأصبح أقرب إلى  شاهد منه إلى  قائد، في حين كانت مسؤولياته تقتضي وقف الانتهاكات والتجاوزات ووضع حدٍّ للتلاعب بمصير الرفاق ومستقبلهم، الأمر الذي دفع أوساطاً واسعة إلى  الخروج من الحزب أو ترك العمل أو حتى تحوّل بعضهم إلى  معاداة له؛ وتدريجياً تولّد انطباع لدى الكثير من الرفاق بأن عزيز محمد يأتي ضيفاً أو زائراً على الحزب، وليس أمينه العام، ومثل هذا الشعور بدأ يكبر مع مرور الأيام.

1742  شعبان 2وفي فترة الأنصار حصلت تجاوزات صارخة، حتى إن بعض الرفاق بسبب وجهات نظرهم وآرائهم تعرضوا إلى  التعذيب والسجن، ولديّ أمثلة كثيرة سبق أن ذكرت بعضها، علماً بأن بعض أصحابها لا زالوا أحياءً، وقد سبق لي أن كتبت عن استشهاد الرفيق منتصر تحت التعذيب " الرفاقي"  وهي منشورة في "جريدة المنبر" وتعذيب الرفيق ستار غانم (سامي) الذي التحق بتنظيمات الداخل واستشهد هناك، كما عذّب الرفيق أمين (أحمد الناصري) ولا يزال حيًّا، وهو واحد من الشيوعيين الشجعان الذين تم تعذيبهم في مقرّات الأمن مثلما عذّب في سجن خاص في مقر الأنصار، وعندما التقيته بعد ذلك نزع قميصه وأشار إلى  موقعين قال هنا: تعذيب البعثيين الفاشست، وهذا تعذيب الرفاق الأشاوس، وللأسف لم يتم الاعتراف بهذه الانتهاكات والاعتذار عنها للضحايا أو لعوائلهم.

وقد كان الرفيق قاسم سلمان (أبو الجاسم) قد بادر إلى جمع أدوات التعذيب وقام بعرضها على الرفيق عزيز محمد في اجتماع وأمام كوكبة من الأنصار ، لكن الرفيق أبو سعود لم يحرّك ساكناً، والأمر يشمل عدداً من الرفاق الآخرين في إدارة الحزب الذين أنكروا معرفتهم أو شكّكوا بصحة الروايات وأحياناً اتهموا أصحابها . وهو ما نشرناه في صحيفة المنبر في الثمانينات ويمكن مراجعة كتاب الرفيق  محمد السعدي " سجين الشعبة الخامسة" الذي وردت فيه معلومات مهمة عن مثل تلك الممارسات، بما فيها نقد ذاتي لنفسه.

كما لم يتم التدقيق بمن يُرسل إلى  الداخل الأمر الذي أدى إلى  خسارات كبيرة وفادحة، لأن الكثير ممّن يتحكمون بمصائر الرفاق يغامرون بهم، إما لجهلهم بالأوضاع أو لرغبتهم في تحقيق منجز حزبي، أو للتخلّص من بعض الرفاق، لاسيّما المشاغبين، سواءً إذا تمت تصفيتهم فسيضاف هذا العدد إلى  قافلة الشهداء، وإذا أسقطوا سياسياً فقد يكون ذلك وسيلة للخلاص منهم، وقلت لمحدثي: سيروي لك كثيرون وكل حسب تجربته نماذج من التصرفات الحزبية الجهولة أو الانتقامية وعلى أحسن تقدير الساذجة.

وبعد نشر كتابي المذكور "المثقف في وعيه الشقي" اتصل بي أكثر من رفيق ورفدني بمعلومات وأسماء وتفاصيل واندساسات واختراقات وقصر نظر وعدم شعور بالمسؤولية، أدّت إلى استشهاد أكثر من 200 رفيقة ورفيق أرسلوا إلى الداخل، دون حصيلة تُذكر ودون اتعاظ، بل كانت الأخطاء تتكرّر وتتعاظم، كما لم تحدّد مسؤولية أصحاب القرار، الذين لم تتم مساءلتهم.

وكان يفترض بالرفيق عزيز محمد والمكتب السياسي أن يكونا حازمين إزاء تلك المعلومات عن الاندساسات التي تصلهما، والتي كانت شائعة في صفوف الأنصار، وأن يتحلّيا باليقظة والشعور بالمسؤولية إزاء مصائر الرفاق الذين هم أمانة في أعناقهما، لكن بسبب الصراعات الداخلية، فإن كل طرف أخذ يلقي المسؤولية على الطرف الآخر، وعلى الرغم من تنحية الرفيق باقر إبراهيم والذي كان مسؤولاً عن التنظيم حتى العام 1984 (وقبل الافتراق)، لكن هناك من يحمّله المسؤولية التي تقع على عاتق المكتب السياسي واللجنة المركزية، سواءً السابقة، أو اللاحقة التي حلّت محلّها بعد المؤتمر الرابع العام 1985 وفي المقدمة منها الرفيق عزيز محمد، وهناك الكثير من الحكايات والقصص المثيرة عن اختراقات الأجهزة الأمنية العراقية  وقد قابلت بعض الناجين منها في أوروبا وساعدتهم في طلب اللجوء السياسي.

أما عن الاختراقات من دول الجوار، ولاسيّما إيران فحدّث ولا حرج ، حتى أن عامر عبدالله كان يمزح حين يقول: علينا تعلّم الفارسية لأنها ستكون لغة المؤتمر القادم، دون نسيان دور أجهزة عربية كان لبعضها نفوذ خاص مؤثر على توجهات الحزب ، وهناك قصص عديدة أصبحت مجال تندرٍ فضلاً عن اختراقات أجهزة الدول الاشتراكية السابقة لإدارات حزبية، وقد نشرت صحفها المحلية وصحف أخرى أسماء العديد منهم، الأمر الذي أثيرت حوله تقوّلات كثيرة ولكن دون أي إيضاحات من جانب الإدارة الحزبية.

وكنت قد أشرت في مقابلة مع صحيفة صوت العراق الناطقة بلسان حزب الدعوة في 1 ديسمبر (كانون الأول) 1993 وأجرى الحوار معي في لندن عمّار الصفار (الذي اغتيل بعد الاحتلال يوم كان وكيلاً لوزير الصحة) إلى ما يأتي " وإذا كان النظام العراقي قد استخدم أكثر الأساليب عنفاً إلى أكثرها مكراً لتفتيت المعارضة من داخلها، بما يسمى في الإعلام والسياسة بالدعاية السوداء والحرب النفسية، فإن ثمة أجهزة ومؤسسات كبيرة ومتخصصة بقضايا الآيديولوجيا والدعاية على المستوى الدولي وترتبط بأجهزة ومخابرات دولية لم تكن بعيدة عن التداخلات والتأثيرات بما فيها جهاز الموساد الإسرائيلي (وكنت أعني ما أقول) وعدّتُ وكررتُ هذا الكلام في حوار خاص مع الصحافي والكاتب مكي كاظم الحيدري (جريدة الرأي الآخر، العدد 2، أوائل تشرين الثاني 1994) وفي العام 1997 أجرى الكاتب نفسه حواراً معي لأطروحة ماجستير (كندا) حول التحالفات والجبهات الوطنية (خريطة المعارضة)، وبسبب هذا الموقف وردتني عدة تهديدات ورسائل عبر البريد واتصالات تلفونية من جهات مجهولة، وكل ذلك لم يثنِني عن التعبير عن وجهات نظري وقول الحقيقة.

ولا يكفي تبرير إن هناك تضحيات وراء عمليات إعادة التنظيم في الداخل، بل كانت هناك كمائن غير قليلة وشبه مفضوحة، الأمر الذي يقتضي التعامل معها بمسؤولية وحسّ إنساني دون محاولات إسقاط الرغبات على الواقع، وهو الأمر الذي حصل فعلياً وخسرنا بسببه عشرات الرفاق والكوادر القيادية والكفاءات العلمية، فقسم منهم قتلوا تحت التعذيب في أقبية الأمن والمخابرات العراقية أو تم إعدامهم، أما من نجا منهم واستطاع الهروب إلى الخارج فيروي قصصاً مروّعة، والقسم الآخر تم إعادة إرسالهم كمندسين، حيث ظلّوا يعملون لحين اكتشافهم، وقد يكون بعضهم لم يُكتشف حتى الآن، وقد استُدرِج  الكثيرين، بمن فيهم أعضاء في "إدارة الحزب"، لاسيّما في العام 1991  وما بعدها في فضيحة مدويّة، رغم محاولة التستر عليها، لاسيّما ما رافقها  من ملابسات ومعلومات واختراقات وضعف، لكنها تسربت إلى أوساط كثيرة وأصبحت مادة للتنّدر، وهو الأمر الذي ينبغي التوقف عنده ليس من باب التشفي أو الاصطياد بالماء العكر، بل من باب الحرص والمسؤولية إزاء ضعف اليقظة وقلّة المعرفة وسوء التقدير، وما ينطبق على هذه القضية الخطيرة ينطبق على قضايا أخرى.

وقيل أن المسؤول عن تلك  الاختراقات قد تم قتله دون حكم قضائي وجرى الحديث عن اعترافاته، ولكن لم يطلّع أحد على نصوص أو وثائق بهذا الخصوص، وكان أحد الأشخاص المشكوك بهم والمسؤول عن اعتقال عشرات الرفاق، قد اكتشف أمره، لكنه وفي ظروف غامضة وفي ظلّ الصراعات الحزبية ومراكز القوى ظلّ طليقاً، بل أعيد إرساله إلى الداخل ليلتحق بالأجهزة الأمنية ويستمر في مطاردته للشيوعيين كما يروي أكثر من رفيق، فمن المسؤول عن ذلك؟ وأية إجراءات اتخذت بحقه؟ وهي أسئلة كان على الرفيق عزيز محمد الإجابة عليها. وإذا كانت الاختراقات تحصل دائماً في أوضاع العمل السري وظروف قوات الأنصار، فقد آن الأوان لكشف هذه الأمور على الملأ.

ولعلّ أهم ملاحظاتي السياسية على فترة قيادة الرفيق عزيز محمد (أبو سعود) تتلخّص في النهج المتذبذب ذات اليمين وذات الشمال، ففي العام 1964 دخل الحزب في نفق جديد اسمه "خط آب"، ثم انتقل إلى ما يسمّى بـ "العمل الحاسم"  وبعدها وصل التفكّك في الحزب إلى  حدوث انشطار عمودي حاد 1967، كان يمكن أن تتم معالجته داخلياً، وحتى بعد اندلاعه فلم تكن  وسيلة التصدّي له ناجعة.

أعتقد أن بعض الصقور من الطرفين كانوا قد هيمنوا على المشهد لدرجة لم يكن بإمكان عزيز محمد أن يضع حدّاً لهم، خصوصاً في ظل غيابه المستمر، وكان الأجدى به العودة من موسكو لمواجهة الأمر، لا ترك حرب الصقور تدور وهو بعيدٌ عن ساحة الصراع الأساسية، والحالة ذاتها استمرت بعد الاحتجاجات التي شهدها الحزب عقب المؤتمر الرابع 1985 دون أن تجد آذاناً صاغية.

يتبع

 

عبد الحسين شعبان

 

 

سوف عبيدتاريخُ ميلاده غيرُ ذلك الذي في دفاتره المدرسيّة والجامعيّة ولا حتّى في أوراقه العسكريّة والإداريّة وليس ذاك المُسَجّل في البطاقة الشّخصيّة وفي جواز سَفره

تقول أمُّه إنّها وضعته عند الحصاد ولم يكن والدُه حاضرًا وقتَها فقد كان يعمل في تونس العاصمة… ذلك عهدٌ لم تكن الإدارة موجودةً ولا قريبة من – بئر الكرمة – القريبِ من بلد ـ غُمْراسِنْ ـ حيث رُبوعُ أهله الممتدّةُ على مدى البصر في الجنوب التّونسيّ.

كان الثّالث في المواليد.

أختُه ـ آسيا ـ هي الأولى وقد تُوفّيت بعد شُهور.

أخوه ـ الحبيب ـ مات وقد قارب عامه الأوّل.

وشاء اللّهُ للمولود الثّالث أن يعيش مِنْ بعدهما شهورًا حتى بلغ عامه الثّاني وبعد أن تأكّدت العائلةُ أنّ الموت لن يخطفه ـ مثل أخته وأخيه ـ قرّرتْ بالإجماع تسميته باِسم جدّه فقصد أبوه يومَ السّوق الأسبوعيّة شيخَ البلد وسجّله في دفتره بتاريخ ذلك اليومِ ـ وهو اليومُ السّابع من الشّهر الثّامن من سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة وألف ـ لذلك يرى لزوم ما لا يلزم أن يحتفل بعيد ميلاده الذي لم ينتبه له أحدٌ قبل بلوغه العشرين وشكرا على كلّ حال لمن يُهنئنه ويذكّره بالمناسبة.

أمّا اِقتراحُ اِسمِه فقد اِتّخذه مجلسُ العائلة برئاسة الجدّات اللّواتي اِتّفقن بالإجماع أن يكون اِسمُ الحفيد الأوّل على اِسم جدّه وذلك على سُنّة قومه وتقاليدهم منذ سابق الدّهور جيلا بعد جيل.

وحكاية اِسمه…ما حكاية اِسمه؟

تَسَمّى على اِسم جدّه الّذي تَسمّى على الفارس والشّاعر اللّيبي ـ سُوف المحمودي ـ الّذي ذاع صيته وقتذاك أي في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر وكلمة ـ سُوف ـ في اللّغة العربيّة تعني الرّمل الرّقيق الليّن أمّا في اللّغة الأمازيغيّة فهي تعني ـ الوادي ـ والكلمة هي اِسم مدينة – وادي سُوف – في الجزائر وتعني كذلك اسم مدينة ـ سُوف الجين ـ أي الوادي الكبير وهي تقع في جنوب ليبيا وثمّة مدينة في بلاد الأردن قرب عَمّان تُسمّى أيضا ـ سُوف ـ وهي قائمة على وادٍ كذلك وقد زرتُها برفقة الصّديق الشّاعر يوسف رزوقة سنة 1992 بمناسبة مهرجان ـ  جرش ـ فظهر من غدٍ في إحدى الصّحف  خبرٌ عن هذه الزّيارة بعنوان “سُوف في سُوف”.

ومن طرائف المواقف التي وجدتُني فيها بسبب نُدرة اِسمي أنّه بينما كنت ضمن مجموعة من الشّعراء والشّاعرات العرب في أمسيّة شعريّة أقامها أحد الأنديّة الثّقافيّة على هامش مهرجان المربد بالعراق سنة 1986 إذ بمديرة الأمسيّة تقف على المنبر وترحّب بنا ثم تَفتتِح القراءات الشعريّة داعيّة في البداية – شاعرة تونسيّة – تكريمًا للمغرب العربي ّولتونس الخضراء قائلةً مرحبًا بالشّاعرة التّونسيّة الجميلة والأنيقة القادمة من بلاد الياسمين والزّيتون بلاد أبي القاسم الشّابي فتعجّبتُ واِستغربتُ حينها لأنّ المجموعة الّتي جئت معها إلى الأمسيّة لا شاعر ولا شاعرة فيها من تونس إلاّ أنا ثمّ أردفتْ قائلةً لتتفضّل ـ الشّاعرة سَوْفَ عُبيد ـ فاِنطلقتِ الأكُفّ بالتّصفيق الحارّ خاصةً من اِلّشباب فتسمّرتُ في مكاني لحظةً ثمّ عزمت ووقفتُ وقصدتُ خطوةً خطوةً المنبر ووقفتُ وقد ظنّ الحاضرون أنّني الشّخصُ المكلّفُ بتثبيت المِصدح والعناية به وعندما مكثتُ بُرهةً واقفا اِستثقلني الجمهور وأشار لي البعضُ بيده أن أنصرف بينما اِشرأبّتِ الأعناق باحثةً عن الشّاعرة التّونسيّة ـ الجميلة والأنيقة ـ فما كان منّي إلا أن اِقتربتُ أكثرَ من المصدح وقلتُ أهلا بكم أنا هو ـ الشّاعرُ التّونسيُّ سُوف عبيد ـ  فاِهتزّتِ القاعة الكبيرة والمكتظّة بالضّحك والتّصفيق غير أنّ تصفيق الفتيات كان أقوى وأحرّ وأظهرن الشّماتة بالفتيان…وكانت أمسيّة..!!

آخر حفيد البَدو

كُنّا بدوًا نسير طويلا تحت الشّمس ونتأبّط البَلغة لنحافظ على لمعان جلدها المدبوغ وعلى الأقدام أن تتحمّل عِوضًا عنها العثرةَ والشّوكة ولسعةَ العقرب. نعم كنّا بدوًا نأكل ما حضر ونلبس ما ستر ونصبر على الجدب أعواما ونتحمّل العطش أيّاما ننزل ونرحل في أرض اللّه الواسعة ولا نَحْنِي رؤوسنا لأحد من البشر وقد يهلك الرّجل منّا ودونه قطرة الماء الأخيرة يُؤثر بها رفيق الطّريق!

*

نعم .. كنّا بدوا إذا تكّلمنا صدقنا فالكلمة عندنا – وما أدراك ما الكلمة – نقول إنّها تخرج من الحلق كالرّوح تماما فإذا وعدنا أنجزنا وإذا توعّدنا فخذ حذرك!

ولكن لا خوف عليك ولا أنتَ تحزن إذا مررت على البدويّ ضيفا فهو سيرحّب بك وسيهتف لك من بعيد على المدى ومن النّظرة الأولى أهلا وسهلا ومرحبا.

والجود بأحسن الموجود طيلة ثلاثة أيّام

*

أجدادُنا البدوُ

كانوا يعرفون السّاعةَ باِنكسار الظلّ

يعرفون الأرض المِعطاءَ بقبضة التّراب

وباِتجاهِ البرق يعرفون المطرْ

وباِقتفاء الأثرْ

يعرفُون الّذي مَرّْ

أجدادنا البدوُ

كانوا يُؤرّخون بعام الصّابة

أو بعام الجراد

أو بعام الوباءْ

مُحمّدٌ وعليٌّ وعائشةُ

عندهم أحسنُ الأسماءْ

وليس في الدّنيا عندهم أحبٌّ

من الأولاد

والخيل

والنّساء

*

كُنّا بدوًا نشتاق إلى البحر فنتخيّل الأمواج والماء والأسماك بالوصف فنتصوّر الرّمال مياها زرقاء كالسّماء تماما لكنّنا نقف حائرين عند تصوّر السّفينة والسّمك وحدث مرّة أن سافر جماعة من الأقارب إلى البحر فحملوا معهم إلينا ماء البحر في بعض الزّجاجات. كانت أعجب شيء عرفناه في صبانا فجعلنا نتذوّق المُلوحة ـ العذبة ـ ذلك أنّ البدويّ لا يشتاق إلى ماء زمزم كاِشتياقه إلى ماء البحر فماء زَمزم عنده بَركة وشِفاء  ـ يتبه ـأمّا ماء البحر فهو شيء آخر يُثير الخيال والمستحيل!

*

نخلةٌ في الشّموخ

وجَمَلُ في الجَلَدِ

ذلك هو البدويُّ

*

كُنّا بدوًا…

في الأرض نصُول ونجُول

السّماءُ السّابعة لم تكن أطول من أنف أقصرنا قامةً ولكنّه الزّمان يمضي ويأتي زمانُ العماراتِ الشّاهقةِ الّتي لا نملك فيها أرضا ولا سماءً.

إنّه زمان المُدن القصديريّة وزمان المخيّمات إنّه زمان الهزائم والمسلسلات: مسلسل التّلفزات ومسلسل الاِنشقاقات والخلافات العربيّة. نعم كُنّا في زمن البداوة حيث الشّهامة والعزّة فدخلْنا في زمن سجائر رُعاة البقر حيث التبعيّة والمَذلّة… إنّه زمن التَشيُّءِ فلا شيءَ كما هو وكلّ شيء في محلّ نظر الى أن يأتي ما يُخالف ذلك ـ

ـ يتبع ـ

 

سُوف عبيد

 

 

يسري عبد الغنيفي عام 1415 م، المعروف باسم عام أجنكور، استطاع جيش الملك هنري الخامس المتهافت المنهك، أن يهزم سرية من الفرسان الفرنسيين أوفر منه عددًا، ولم يفقد أكثر من مائة من رجاله، وبعد ذلك بخمس سنوات وقع هنري الخامس معاهدة في مدينة (تروي) بإقليم شمبانيا، أعطته نصف فرنسا في الحال، ووعدًا بتقلد العرش الفرنسي في المستقبل .

وقد بدا أخيرًا وكأن هدف الملوك الإنجليز العديدين في العصور الوسطى بات مكفول التحقيق، وأن شعار زهرة الزنبق متمثلاً في زاوية الراية إلى جانب شعار الأسد الإنجليزي، سوف يعني لا مجرد طموح وحلم، بل حقيقة سياسية واقعة .

ومع ذلك، ففي خلال 35 عامًا من معاهدة تروي، كان كل ما يحتفظ به الملك الإنجليزي من التراب الفرنسي، هي بلدة كاليه المحصنة، فكيف حدث هذا ؟! .

إن هنري الخامس، الفاتح الكبير ولكن المنعدم الضمير كما يصفه التاريخ، توفي عام 1422 م، ووريثه لا يتجاوز الشهر التاسع من عمره، وكانت كبريات الأسر في إنجلترا نهمة متعطشة إلى السلطان والنفوذ، وبوجود ملك لا يعدو أن يكون طفلاً، فقد بدا محتملاً في إمكانهم تحقيق ما يصبون إليه من قوة الشأن، وقد استطاع شقيق هنري الخامس، دوق (بدفورد)، أن يمسك بالزمام بعض الوقت، حتى هزم الفرنسيين مرة أخرى عند (فيرني)، وقد تم تتويج الطفل هنري السادس ملكًا على فرنسا عقب وفاة شارل السادس الذي وصف بالمجنون، وبدا وكأن العاصفة يمكن تجنبها.

ولعله كان من المحتمل أن يتحقق هذا لفترة من الوقت، بالرغم من الجماعات المتنافسة المتطاحنة حول العرش الإنجليزي، لولا أن ظهرت على المسرح فتاة صغيرة غير عادية .

كان مولد جان دارك عام 1412 م، في قرية (دومريمي) على حدود إقليمي (شمانيا) و(اللورين)، وكان أبوها مزارعًا بسيطًا، نشأ أبناءه تنشئة قويمة على الأخلاق الفاضلة وحب الوطن، ولما كان هو نفسه رجلاً متدينًا تقيًا، فقد حرص على أن يذهب الأبناء إلى الكنيسة بانتظام، وأن يلقنوا تعاليم الكنيسة، ولكن حدث ذات يوم، في نفس صيف 1424 م، الذي وقعت فيه معركة (فيرني) وانتصر فيها الإنجليز، حدث في هذا اليوم، وكانت جان دارك تلعب وتتسابق مع أترابها في المروج الخضراء المجاورة لنهر (ميز) أن سمعت فجأة صوتًا غريبًا يقول لها : ” اذهبي قدمًا ! وسوف يتم كل شيء وفقًا لما تأمرين ” !! .

ومنذ تلك اللحظة، تغيرت حياة جان دارك كلها، إنها لم تعد بعد مجرد صبية فلاحة تؤهل لحياة الكدح والزواج، كانت أينما ذهبت، ومهما فعلت، تلازمها الأصوات التي سمعتها، ناصحة، أمرة، مشجعة، وقد وجهت إليها أمرًا واحدًا فوق ما عداه من الأوامر : مؤداه أنها هي التي قدر لها أن تطرد الإنجليز المحتلين البغيضين في أرض فرنسا إلى الأبد .

وكان عليها أن تلبس دروع الجندي المحارب، وتقوم بتتويج ولي العهد بوصفه الملك الشرعي لفرنسا، وتتولى قيادة الجيوش الفرنسية ضد الحصون الإنجليزية المنبثة في الجزء الشمالي من فرنسا، وعندما أخبرت جان دارك صواحبها بهذه الأوامر الغريبة والمروعة، لم يقولوا لها إلا أنها فتاة مجنونة أو مخبولة .

في عام 1429 م، سمع ضابط في الجيش الفرنسي يدعى (روبير دي بود ريكو) هذه الصبية الغريبة، وهي تقول: ” أنا جان دارك من (دو ميريمي)، وعندي شيء غريب جدًا أقوله لك . إن الله هيأ لي أن أسمع صوته، وأمرني أن أنقذ فرنسا، فخذني في الحال إلى الملك ” !! .

وشيئًا فشيئًا، غدا روبير بدريكو مقتنعًا بأن جان دارك ليست مجنونة أو مدعية أو كاذبة، ولكنها أداة ملهمة من الله، وفي خلال أيام قلائل، كانت جان دارك واقفة أمام ولي العهد غير المتوج في (شينون) وهي أبعد ما تكون عن التهيب أو الخوف، وقد واجهت شارل السابع ـ طبقًا لما اعتزمت أن يسمى بهذا اللقب ـ دون أدنى وجل، إنها حددته من بين أفراد حاشيته بالرغم من محاولاتهم إخفاء شخصيته، وهتفت قائلة : ” أنت الملك، باسم الله، إذا لم يكن منك ألا أن تفعل كما أقول لك، فإن الإنجليز سوف يطاردون ويطردون، وسوف يعترف بك الجميع ملكًا على فرنسا ” .

وفي مواجهة هذا الذي بدا معجزة، اقتنع ولي العهد اقتناعًا تامًا، وقرر برغم الشكوك التي هجست في صدور بعض أتباعه، أن يمنحها ما طلبته، وهو قيادة الجيش الفرنسي، ودون تردد من جانبها، أعلنت أنها تقودهم لنجدة المدينة التي كان يحاصرها أكبر الجيوش الإنجليزية، أي مدينة أورليان .

ظلت مدينة (أورليان) مدى ستة أشهر، وهي تقاوم هجمات الإنجليز عليها، بيد أن الإنجليز أخذوا يضعفون، وقد قررت جان دارك القيام بهجوم شامل، وهكذا زحفت على رأس جنودها مهاجمين، وقد ارتدت كسوة مدرعة ذات بريق، وظلت المعركة تضطرم تحت أسوار المدينة مدى ثلاثة أيام كاملة، وتراجع الإنجليز وتحررت المدينة، وأصبحت جان دارك بطلة الساعة .

ولكن جان دارك لم تقنع بهذه النجدة العارضة، وهذا الخلاص الوقتي، فتبعت الإنجليز حتى مدينة ريهمس، وحررتها أيضًا، وفي اليوم السابع عشر من شهر يوليو 1429 م، جرى تتويج شارل السابع ملكًا لفرنسا .

كان الإنجليز بدورهم قد عقدوا العزم على وضع حد، بطريقة ما، لوجود هذه الفتاة الشجاعة، ولم يلبثوا أن سنحت لهم الفرصة التي كانوا ينشدونها في بلدة (كومبلجين) على مقربة من باريس، فقد وقعت الفتاة جان دارك في الأسر إبان إحدى المعارك، وقرر الإنجليز محاكمتها بتهمة الهرطقة، أي الانشقاق على المعتقدات المقررة والمعمول بها، وكذلك لكونها ساحرة، وفقًا لعريضة اتهامهم لها .

ومثلت جان دارك أمام محكمة كنسية، ورفضت أن تنكر مسألة الأصوات التي كانت تناديها، وقالت إنها أصوات إلهية، فكيف يمكن أن تنكرها وتتبرأ منها !!؟، ومن أجل هذا لم يكن بوسع المحكمة أن تتجاوز عنها، وكان من رأي القضاة أن الإله لا يتكلم إلا من خلال الكنيسة، وليس من خلال عقول فتيات فلاحات ناشئات، ولا بد أن هذه الأصوات من عند الشيطان !!! .

وهكذا سيقت جان دارك إلى ساحة السوق ببلدة (روان)، وأحرقت كساحرة في صباح اليوم الثلاثين من شهر مايو عام 1431 م، وفي لحظة عذابها، كانت شجاعة لم يتطرق إليها الخوف أو الفزع، وبينما كان أحد الجنود يوثق يديها إلى المحرقة، أخذت تردد الكلمات التي طالما قالتها مرات عديدة أثناء محاكمتها : ” إن كل ما فعلته إنما كان بأمر الله ” .

إن حياة البطلة جان دارك الحربية كانت قصيرة بصورة يرثى لها، بيد أنها أعطت فرنسا حياة جديدة، فارتد الجنود الإنجليز المتذمرون إلى بلادهم، وفي إنجلترا كان المسرح هناك معدًا أو مهيئًا لنشوب ما عرف بحروب الورود، على حين كانت فرنسا توشك أن تستفتح عهدًا جديدًا لسلسلة من الملوك، كان مقدرًا أن يعيدوا القوة والسلطان للعرش، والوحدة للبلاد .

وفي خلال هذا كله، كانت الحياة القصيرة للفتاة المحاربة / جان دارك، سليلة إقليم (اللورين)، بمثابة ومضة إلهام مثيرة مذكية لفرنسا كلها .

إن لسان الحال قصة جان دارك، يقول لنا : إن الله سبحانه وتعالى، يخاطبنا جميعًا في كل زمان ومكان، أن نعمل على حرية بلادنا، فحرية البلاد تعني حرية العباد، وحب الوطن الحقيقي يكون في العمل بكل الجهد والطاقة على وحدته و أمنه واستقراره ورقيه وتنميته وتقدمه، من أجل واقع أفضل لنا ولذوينا، إن الله جل شأنه يريد لنا جميعًا الأفضل والأحسن دائمًا وأبدًا .

وبعد موت جان دارك بخمسة وعشرين عامًا، أعيد بحث قضية محاكمتها، وصدر القرار بنقض الحكم وإبطاله تمامًا، وفي السادس عشر من شهر مايو عام 1920، أعلن البابا بنيدكيت الخامس عشر، أن جان دارك أصبحت في عداد القديسين، وعلى هذا فإن كنيسة الروم الكاثوليك تعتقد أن الأصوات التي كانت تناديها هي أصوات حقيقية .

ولعلك تتذكر معي أن الكاتب الإنجليزي الكبير / جورج برنارد شو كتب مسرحية سماها : جان دارك، تحكي قصة حياة عذراء أورليان، وهناك مسرحية أخرى عن القديسة / جان دارك، هي مسرحية جان أنوي، المسماه (القنبرة)، في حين كتب الألماني / برتولد بريخت، مسرحية طريفة عن القديسة جان دارك العصرية، هي مسرحية: القديسة جان دارك في حظائر الذبائح .

 

بقلم: د.يسري عبد الغني

 

سوف عبيدليلة السّفر: ليلةُ السّفر.. ما أطولها من ليلةٍ تلك التي بِتُّ فيها إلى جانب أمّي في غار حُوشنا ببئر الكرمة مُنتظرًا الفجرَ وأزيز مُحرّك سيّارة الأجرة التي ستحملني إلى تونس للدّراسة حيث سأقيم لدى عائلة عمّي عبد الرحمان التي لم أكن أعرف منها أحدا إلا جدّتي فقد ذهبتُ إلى تونس في الرّابعة من عُمري للعلاج من رَمدٍ كاد يُتلف بصري لولا حرص والدي الذي عالجني لدى أمهر طبيب في تونس حيث أقمت بضعة أشهر لدى عائلة عمّه سيدي سالم بالقرب من حي باب الجد

رحماك يا أُميمة

لكأنّ فراقك مكتوب على جبيني منذ صغري فنشأتُ على تجذّر الحنين إليك… حنينٌ ضرب عروقه عميقا في كياني باكرا…باكرًا في ذلك الفجر من خريف عام 1958 ركبت سيّارة الأجرة التي وقفت أمّي بعيدا عنها على اِستحياء مُلتفّةً في مُلاءتها وبُخنقها وأذكر أنها دفعتني بشيء من الشدّة قائلة بهمس وقد لاحظت تعلقّي بها

ـ اِذهبْ…لا تبكِ…الرّجال لا يبكون

ـ بل الرجال يبكون يا أمّي

وما أحرّ بكاءهم

يبكون في حُرقة وصمت

يبكون يا أمّي … في كبرياء

رحماك يا أمي!

لماذا لم تتركيني أضمّك عند ذلك الفجر وأزيز محرّك السيّارة يُفرقع صمت المدى مع نباح الكلاب…لا شكّ أنك أردتِ أن لا أبدو أمام أعيُن الركاب طفلا مُدلّلا بل أحببتِ أن يروني رجلا شديد المِراس فقد أطعمتِنِي في  عشاء تلك الليلة من كبدِ جَمل وقلب ذئب…لذلك ربّما وقتها، لم أبك وإليكِ لم ألتفت،لكنّي حملت مُحيّاك حيثُما حللتُ…

رحماك يا أمّي

ليلةَ سَفره

كان في السّادسةِ

في العَشاء

نَاولتْهُ أمُّهُ شِواءً مِنْ كبِدِ جَمَل

ومنْ قلبِ ذئبٍ

كيْ يَكونَ جَلَدًا صَبُورًا

فَطِنًا ذكيًّا

لمْ يبكِ عندَ الوداع في ذلكَ الفَجر

لمْ تَجرِ لهُ دَمعةٌ أبَدًا

جَرى ما جرى

رأى ما رأى

فَتحمّل الجَملُ ولا يومًا اِشتكى

إنّما لم تبدُ للذّئب مخالبُ

…ولا أنيابٌ

تعلّم الصّبيُّ من الألف إلى الياء

غير أنّه يامّا

كانَ دائمًا

!أوّلَ الأغْبياءْ

لا أتذكّر الوقائعَ والمشاهد التي قطعتْ فيها سيّارةُ الأجرة المسافةَ من غُمراسن في أقصى الجنوب إلى ضاحية ــ سيدي رزيق ـ فقد اِستغرقتُ في نوم عميق وعندما فتحتُ عيني رأيتُ فيلاتٍ ذاتَ حدائقَ غَنّاءٍ على جانبيْ طريق خالية من الحركة وكانت السيّارة تنعطف حينا وتتمهّل أحيانا ليسأل السّائق أحد المارّين فشعرت أنّني قاربت على الوصول .

مازلتُ أتذكّر لحظة حيرتي وذهولي حينما نزلت أمام حديقة رأيت فيها أنواعا شتّى من الزهور والأشجار أبصرتُها لأول مرة فعرفت بعدئذ أنها الموز والإجاص والياسمين والبنفسج… فأين أنا من جنوب  الجفاف الذي يُخيّم على القِفار حيثما جال البصر في مداه لولا بعض شجيرات التّين والزيتون والنخل هنا وهناك أو في بطون الأودية ، شُجيرات تضرب جذورها عميقا وبعيدا بين مفاصل الصخور تتلمّس الثّرى فتستسقي بعروقها ما يتسنّى لها من رَشْح بقايا الغُدران التي تجود بها قطرات السّحب مرّة أو مرتين طيلة أعوام عِجاف ليس لها من رَواء إلا الصّبرُ والاِنتظار .

أصابني ساعتَها ، وأنا أتابع الاِخضرار من زجاج النافذة ، ذهولٌ واِندهاش فقد اِنتقلتُ بين فجر وغروبه من شَظف البداوة إلى تَرقّي الحضارة إذْ عندما نزلتُ وحطّت رجلي على الإسفلت اللامع النّظيف كِدت أخلع حذائي لأمشي حافيا كعادتنا في ربوع غُمراسن عندما نجلس على حصير أو زربية… وسِرتُ في ممشى مُعشّب بين صَفّين من بديع  ألوان الزهور.. مَن أوصلني؟ مَن اِستقبلني؟ كيف نِمتُ؟ لا أتذكّر من كل ذلك شيئا.

أتذكّر فقط أنه من الغدِ وجدت نفسي أقف في الصفّ أنتظر الدخول إلى قسم السنة الأولى مع أطفال على غاية من حُسن الهندام وتبدو على وجوههم النّعمة والرفاهة ونظراتُهم ترشقني في اِستغراب وبشيء من الاِزدراء أيضا فلا شكّ أنهم تساءلوا عمّن يكون هذا الولد ذو البَشَرة التي لفحتها الشّمسُ وظل مُنزويا باهتا في كل ما حوله؟

جلستُ على مقعد إلى الطاولة قبل الأخيرة في الصفّ الذي أمام مكتب المُعلّم ومازلت أتذكّر مشاكسة تلميذ مشاغب جلس إلى جانبي إذْ مرةً يجذبني من كُمّي ومرة تتسلل يدُه إلى جيبي فكنتُ على مدى الحصّة أدفعُه عنّي من دون أن يشعر المعلم الذي بدا على غاية من اللطف والأناقة في كسوته السّوداء وقميصه الأبيض وربطةِ عُنقه المتناسقة الألوان بين الأحمر والأسود والأبيض وكان يتنقّل بين الصفوف بخطاه الوئيدة فيئزّ حذاؤه الأسود اللمّاع حتى إذا دنا منّي سألني عن اِسمي ليسجّلني في دفتر المناداة فتردّدتُ ثم تَمْتمتُ ولم أستطع نطقه إلا بعد تلعثم فاِنفجر التلاميذ ضاحكين ومتعجّبين من اِسمي الغريب فلم أكد أُفصحُ عنه إلا بعد جُهد جهيد فقد اِنسدّ النّفَسُ وثَقُلت الحروفُ على لساني لكأنها من الصّخر وتكوّرت وتكرّرت مرّاتٍ عديدةً بين حلقي وشفتي وزادَ من اِرتباكي ضحكُ التلاميذ وتهكّمُهم بالرغم من تصدّي ـ سِي المنّوبي ـ لهم

لم تُجدِ نفعًا يا أمّي تلك الألسِنةُ السّبعةُ التي أكلتُها في عيد الأضحى لتُطلق عُقدةَ لساني

لقيتُ ـ سيّدي ـ ذاك بعد سنوات عديدة في النّادي الثقافي بضاحية ـ الزهراء ـ بمناسبة أمسية ثقافية حيث كان من بين الحاضرين أيضا المُمثّلُ القدير محمد بن علي والشّاعر عبدالرحمان الكبلوطي فَحَيّيتُ سِي المنّوبي بما يستحقّ من اِحترام وتقدير وشُكر ووفاء وكم كنتُ سعيدا بلقائه خاصّة وقد رأيته في صحّة وعافية.

أذكر بكل إكبار المعلمبن الذين كان لهم الفضلُ في فتح طرقات المعرفة أمامي فسِرتُ فيها بشّغف ومُتعة فأولئك المعلمون هم الذين شجّعوني وصَبروا عليَّ وتحملوا حُمقي ونزَقي أحيانا ولئن لقِيتُ من بعضهم بعضَ شدّة فإنّما هي صادرةٌ عن حرص ومحبّة

في المرحلة الاِبتدائية درّسني العربيّة السيّد ـ شَعَار ـ في مدرسة نهج المغرب بتونس العاصمة وكان يتميّز بلباسه التقليديّ التونسيّ من الشّاشية إلى الجُبة والبُرنس وكان حريصًا على دروس النّحو ورسم الهمزة ودرّسني مسيو ـ بُوليلو ـ الفرنسية وقد كان حريصا على حُسن هندامنا ودرّسني مسيُو ـ سعادة ـ الحساب  ـ وبفضل هؤلاء المعلّمين الأفذاذ وغيرهم اِكتسبتُ أسُسًا متينةً في مواد العربية والفرنسية والحساب.

ـ يتبع ـ

 

سُوف عبيد

 

نبيل عبدالامير الربيعي (1904م-1985م)

أديب وصحفي عراقي. ولد جعفر أسد حسين الخليلي بمدينة النجف سنة 1322هـ/ 1904م. في بيت يوصف بانه (بيت علم وادب) وفي اسرة عرف عنها اتقانها (للطب الشعبي)، فوالده الشيخ أسد الخليلي من رجال الفضل والأدب والطب القديم، وكان من أساتذة علم المنطق المعروفين. وأخيه الاستاذ عباس الخليلي الشاعر السياسي والأديب المتمكن من اللغتين العربية والفارسية، الذي استطاع أن ينجو من مشنقة الانكليز في ثورة النجف عان 1336هـ/1918م. درس جعفر الخليلي في المدرسة العلوية التي تأسست في النجف الأشرف، كانت أول مدرسة عصرية فتدرّس فيها اللغات الفرنسية والانكليزية والتركية والفارسية إلى جانب العربية، وعالج جعفر الخليلي الشعر وهو تلميذ في المدرسة. عُين بعد اكماله الدراسة الجامعية منتصف عشرينات القرن الماضي في التعليم في الحلة والنجف وسوق الشيوخ والرميثة التي كانت تابعة للواء الديوانية، ثم نقل إلى الكوفة في فترات، واستقال من المعارف في السنة التي توفي فيها والده عام 1930م، وكان آخر ما عمل في المعارف مدرساً للتاريخ والجغرافيا في ثانوية النجف مدة ثلاث سنوات تقريباً.

 بعد استقالته اصدر جريدة (الفجر الصادق) في النجف عام 1930م وكانت اسبوعية، واوقفها لازمة ادارية، وأصدر جريدة (الراعي) عام 1932م وعاشت سنة فأغلقتها الحكومة، ثم كانت مجلة الهاتف الأسبوعية الأدبية في العام 1935م والتي بدورها لم تكن دار اصدار مجلة فحسب بل كانت بمثابة نادي ثقافي وفكري ارتادته النخبة من اعلام العراق وخارج العراق واستمرت بالصدور إلى العام 1954م، الكثير من المهتمين بشؤون الثقافة والفكر والأدب وكتاب السيرة يعتبرون الخليلي ذا نمط متميز في الكتابة والقصة وبلغ القمة في تصويره لشخصيات الأعلام والعظماء والمتميزين في كل المجالات.

اشتهر الخليلي بالصحافة والأدب والشعر والنقد والتاريخ ولكنه تميز بالقصة القصيرة التي يعد رائدها الأول في العراق، منها (التعساء 1921م طبعت في مطبعة النجف، حبوب الاستقلال 1927، السجين المطلق 1928م، خيال الظل 1929م، حديث السعلى 1930م)، له مجموعة قصصية منة قصة (في قرى الجن). وكما طرحه المستشرق الأمريكي جون توماس هامل في جامعة مشيغان عام 1972م في اطروحة للدكتوراه (جعفر الخليلي والقصة العراقية الحديثة) .

اصدر اكثر من (43) مؤلفاً وثلاثة صحف وعدّة قصص، وكان من أهم مؤلفاته واصدارته موسوعة العتبات المقدسة، هكذاعرفتهم، كنت معهم في السجن (القصة التي اثارت جدلاً واسعاً واصبحت مادة مهمة في علم الاجتماع)، القصة العراقية قديما وحديثا (يروي فيها تاريخ القصة ويثبت عراقة القصة على مستوى العالم)، ومن الكتب كتاب العرب واليهود في التاريخ للكاتب الكبير المهندس أحمد سوسة وقد طلبت الحكومة العراقية في السبعينات من الخليلي تلخيص الكتاب لإعداده كمادة دراسية لطلبة المتوسطة، فكان العنوان (الملخص لكتاب العرب واليهود في التاريخ)، ولكن الحكومة تخلت عن راأيها لاسباب مجهولة، ويوميات (صور مختلفة عن الحياة العامة)، الضائع (قصة)، عندما كنت قاضياً (حيث استعرض مقتضب للأحوال الشخصية العراقية من زواج وطلاق ومواريث واوقاف)، قرى من فوق الرابية (مجموعة قصص قصيرة متنوعة)، وتسواهن، وعلى هامش الثورة العراقية (حقائق لم يسبق نشرها)، وأولاد الخليلي (مجموعة قصص)، ومجمع المتناقضات (قصص موضوعة ومترجمة)، واعترافات (مجموعة قصص)، ومقدمة في تاريخ القصة العراقية وهؤلاء الناس جغرافية البلاد العربية (للدراسة المتوسطة)، آل فتله كما عرفتهم، نفحات من خمائل الأدب الفارسي، حديث القوة (مجموعة قصص).

عام 1985 توفي الأديب والصحفي العراقي الرائد جعفر الخليلي في الإمارات العربية المتحدة٬ عن واحد وثمانين عاما ومسيرة حافلة بالإنجازات الأدبية الجديرة بالتقدير والإكبار.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

يسري عبد الغنيلقى قورش العظيم حتفه في إحدى الحملات سنة سنة 529 ق . م، فورثه قمبيز وسميربيس، أما قمبيز فكان هدفه الأول فتح مصر، ولكن اعتلاء ملك جديد للعرش في مثل الظروف التي جاء فيها قمبيز، كان من شأنه أن يكون محفوفًا باحتمال حدوث بعض القلاقل التي تتطلب يقظة وانتباهًا، فضلاً عن حوادث الحدود التي اشتدت وطأتها بوفاة قورش، وقد انقضت أربع سنين حتى استطاع ملك الفرس أن يتحين الفرصة للتحرش بمصر ومحاربة فرعونها أحمس، الذي واتته منية بينما كان قمبيز مازال يعد عدته للهجوم على مصر .

فتح مصر:

تمتعت مصر في عهد أحمس يتقدم ورخاء عظيمين استمرا طوال مدة حكمه البالغة أربعين سنة ... ولكن أسباب ضعفها كانت قد تهيأت ونمت فعلاً، فإن الجنود الأجانب المأجورين كانوا في تلك الآونة هم الجيش المعول عليه في مصر، وكان إخلاصهم موضعًا للريبة .

كما أن ما أولاهم الملك من نعمة جعلهم محلاً لحسد رعاياه المصريين، ففر أحد قادتهم واسمه فانيس من أهل هاليكرناسوس، وعرض خدماته على قمبيز، وكان أحمس يأمل في إحراز السيادة البحرية فيما توقعه من نزاع محتوم بين مصر وفارس، وذلك بمعاونة حليفه القديم بوليكرات طاغية ساموس، ولكن الذي خلفه على عرش مصر ابسماتيك الثالث أدرك أن بوليكرات قلب له ظهر المجن، وتحول إلى جانب الفرس .

وعملاً بمشورة فانيس، استطاع قمبيز أن يحصل على الماء الكافي لجيوشه من زعماء الأقاليم التي كان عليه أن يجوبها في الصحراء الجنوبية، فلما وصل جيشه إلى القلعة الأمامي على الحدود في بيلوزيوم ، استطاع قمبيز أن يقرر مصير مصر بمعركة دموية واحدة، وإن تكن قلعتا هليوبوليس و ممفيس قاومتا مقاومة عنيفة بعض الزمن، ولكن في النهاية انتهى الأمر بأن أصبحت مصر ولاية فارسية في ربيع سنة 525 .

السياسة حيال مصر:

لما دانت مصر لقمبيز، نادى بنفسه فرعونًا كأنه من صميم المؤمنين بالإله آمون، ولم تخالج نفسه أية خشية ولا ريبة من عدم الولاء لديانته، وهو سلوك لم يكن ليجول في خاطر أي حاك من الأشوريين، وإن كانت هذه السياسة هي استتب بها الأمر لهذه الأسرة الفارسية، ولكن لم تلبث أن وقعت كوارث خيبة الآمال حينما كانت قرطاجنة هدفهم التالي بعد مصر، فأبى الملاحون الفينيقييون أن يحملوهم في سفنهم لمقاتلة بني جنسهم القرطاجنيين، وترتب على ذلك العدول عن هذا المشروع .

حملتان فاشلتان:

أراد قمبيز أن يضم إليه واحة آمون فوجه إليها حملة قوية، إلا أن هذه الحملة منيت بعواصف الصحراء التي هبت عليها فأبادتها، ثم تولى قمبيز بنفسه قيادة حملة أكبر لإخضاع مملكة مناف في بلاد النوبة المصرية، ولكن قوافل الزاد والمؤن ضلت طريقها، فاضطر أن يقفل راجعًا بجيشه الذي عضه ناب الجوع .

وكان من أثر ذلك ـ كما جاء في رواية مؤرخي اليونان عن تلك الفترة ـ أن جن جنون قمبيز، فصب غضبه على الديانة المصرية التي حاول في بادئ الأمر استرضاءها وتعظيم آلهتها، التي أصبحت في نظره شياطين بعد هذه الأحداث كلها .

وتتوالى الكوارث:

وتناهت هذه المصائب إلى الداهية، حيث وردت الأنباء من بلاد فارس بقيام ثورة أهلها أتباع الديانة الماجوسية القديمة، مناهضيين في ذلك الزرادشتية، وهي دين الإخمينين، وأنهم نادوا بسميرديس ملكًا على البلاد .

ولكن سلطان الفرس توطد في مصر، وبقى بغير منازع نحو ثلاثين سنة، ومن ثم ولي قمبيز وجهه نحو الشمال بجزء من جيشه وبعض الأشراف البارزين،ومن بينهم أحد أبناء عمه وهو دارا (داريوس) الإخميني ابن هيستاسيس للقضاء على ذلك المدعي، ووافته منيته فجأة في إحدى بلاد سوريا .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

علاء اللاميعودة إلى «الشاعر القتيل» الذي ناضل من أجل الإنسان والجمال، فيديريكو غارثيا لوركا... أعمارُ إسبانيا وعهودها

(قولوا للقمر أنْ يطلع

 لا أريد أن أرى دمَ إغناثيو على الرمال،

لا أريد أن أرى دمه!) لوركا "مرثاة من أجل إغناثيو".

تمر هذه الأيام ذكرى إعدام الشاعر الغرناطي الأشهر فيديريكو لوركا، من قبل الكتائب القومية الإسبانية "الفالانخ" في 19 من آب -أغسطس 1936. هذه الوقفة النثرية تحية متواضعة لذكراه مناضلا بشعره من أجل الإنسان والجمال:  

إذا كان الشاعر العربي القديم مالك بن الريب قد عُرف بأنه الشاعر الذي رثى نفسه بقصيدته التي مطلعها:

ألا ليتَ شِعري هل أبيتنَّ ليلةً *** بوادي الغضَى أُزجي الِقلاصَ النواجيا،

فإن لوركا تجاوز التنبؤ بمقتله ورثاء نفسه إلى استشراف تفاصيل ما بعد موته، حين توقع اختفاء جثمانه حتى يومنا هذا بقصيدة كتبها قبل إعدامه بأعوام قليلة:

وعرفتُ أنني قُتلتُ

وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافنِ والكنائس

فتحوا البراميلَ والخزائن

سرقوا ثلاثَ جثثٍ

ونزعوا أسنانَها الذهبية

ولكنهم لم يجدوني قط!

ألم يعثروا عليَّ؟

نعم، لم يعثــروا عليَّ!

وفي قصيدة أخرى، قد تكون أحدث عهدا منها، يستبدل غرناطة بقرطبة وكأنه يلعب الغميضة مع موته:

ليمهلني الموت حتى أصيرَ في قرطبة

قرطبة الوحيدة البعيدة

آه، إنه الموت ينتظرني فوق أبراج قرطبة.

إذا كانت عملية البحث عن جثمان لوركا، قد انتهت الى الفشل سنة 2015، وظهرت نظرية جديدة للمؤرخ ميغيل كابيرو تفيد أن جثمان الشاعر ألقي في بئر بالمنطقة ذاتها، بضواحي غرناطة، ولم يعثر على أثر لبقاياه هناك فإن عائلته ومحبيه اعتبروا المنطقة التي أعدم فيها، إلى جانب آلاف المفقودين في الحرب الأهلية، مكان دفنه وأقاموا له فيها نصبا فنيا جميلا ومتواضعا. والعجيب، أن هذه المنطقة التي قتل فيها الشاعر كانت وماتزال تحمل اسما عربيا حزينا هو "عين الدمعة" (Aanidamar)  وقد تكون تابعة لبلدة فيثنار.

في السنوات الأخيرة، ظهرت روايات ضعيفة، وأخرى مضلِّلة ومنحازة ضد الشاعر، تحيل أسباب مقتله إلى خلافات مالية بين عائلته وعائلة غرناطية أخرى، ككتاب "الحقيقة حول مصرع غارثيا لوركا" للكاتب إيبرساف وآخرين، وأخرى تجرد جريمة قتله من البعد السياسي وتبرئ نظام فرانكو منها بالتركيز على البعد السلوكي والأخلاقي، كما في كتاب بيلا سان خوان المعنون "مصرع لوركا: كل الحقيقة" . أما كتاب خيراردو روساليس التوثيقي والمعنون (صمت عائلة روساليس) فيمكن أن يكون مفيدا ويضيء لنا غموض الأيام الأخيرة للشاعر. فعائلة روساليس هي التي اختبأ عندها لوركا، لصداقته مع بعض أبنائها وكانوا من الفالانخيين، على أمل أن يحموه من جماعتهم.

يرتكز الكتاب على صور ورسائل والاستذكار الشخصي لكاتبها كأحد أحفاد الأسرة، وهمه الأول تبرير سكوت عائلته عن تلك الجريمة لسنوات طويلة. يؤكد روساليس أن عائلته حاولت فعلا الشفاعة للوركا لدى الكتائب لإنقاذه، ولكنها فشلت، فقررت التزام الصمت. يكشف المؤلف للمرة الاولى (عن رسائل من عائلته موجهة لقائد الفالانخ في غرناطة تتشفع بها للوركا وتصفه بالشاعر الاسباني الأهم، وصديق العائلة المخلص. وفي رسالة شديدة اللهجة، وجهها لويس روساليس - وهو شاعر وصديق للوركا – إلى قائد الكتائب بغرناطة طالبه بالإفراج عن لوركا لأنه متهم بلا دليل، والاتهام الوحيد يأتي بسبب الوشاية والحقد لا غير، ولأن لوركا شاعر يمثل إسبانيا بأكملها، وكان مدافعا عن حقوق الإسبان كلهم) .

ومعلوم أن اسم الشاعر وتراثه الأدبي وإعدامه أمور ظلت ممنوعة من التداول بإسبانيا طوال فترة حكم فرانكو. وبعد زوال الكابوس، رُفع الحظر وأعيد إليه الاعتبار، وجرت محاولات كثيرة للتدقيق في التفاصيل، كانت آخرها سنة 2015، حيث نشرت وثائق سرية أرشيفية تعود لعام 1965. اطلعت صحيفتا (Ser وEldiario.es )، منها وثيقة صدرت من "المكتب الثالث لدائرة الاستعلامات الاجتماعية" في قيادة شرطة غرناطة، يمكن اعتبارها ملخصا للاتهامات الموجهة للشاعر القتيل. و(هي تكشف اعتراف النظام الفرانكوي لأول مرة باغتيال الشاعر. والوثيقة عبارة عن رد رسمي على استفسار تقدمت به الصحافية الفرنسية مارسيل أوكلير للسفارة الإسبانية في باريس، حول وفاة الشاعر الغرناطي. فقامت السفارة بتحويل الاستفسار لوزير الخارجية فرناندو ماريه كاستيلا الذي طلب من وزير المحافظات كاميلو ألونزو فيغا بحث (إنْ كان بالإمكان فتح أرشيفنا المُتعلق بقضية لوركا) وتمت الموافقة: وُصِفَ لوركا في الوثائق بأنه (اشتراكي وماسوني ومثلي جنسيا) وتعترف الوثيقة بخصوص تهمة المثلية بعدم وجود أية تفاصيل أو وقائع محددة، بل تستند على شائعة، رغم أنَّ الملف الخاص بلوركا يحتوي على ما يؤكد أنه كان مراقبا من قبل الشرطة لفترة طويلة، ولكن التقارير تخلو من أية تفاصيل حول ذلك. بينما اعتمد التقرير بخصوص ميول الشاعر الاشتراكية إلى عمله في ديوان الوزير دي لوس ريوس الذي اعتنق هو الآخر مبادئ الحركة الماسونية) .

قالت تلك الوثائق، إن لوركا (ماسوني ينتمي لمحفل "الحمراء" الذي اتخذ فيه الاسم الرمزي "هوميروس"، وتُجهل المرتبة التي وصلها بهذا المحفل. وكان يُنسبُ إلى الاشتراكيين بسبب ميول مواقفه وعلاقته بفرناندو ديلوس ريوس إضافة لعلاقاته الوثيقة بزعماء من التيار السياسي نفسه). وتضيف الوثيقة أن (الحركة القومية المجيدة باغتته في هذه المدنية بعد أيام على وصوله إليها قادما من مدريد، وتعرض منزله لحملتي تفتيش، ما دفعه للشعور بالخوف واللجوء لمنزل صديقيه الأخوين روساليس وهما فالانخيان سابقان). هذه الوثائق تتناقض تماما مع تصريح صحافي شهير لفرانكو نفسه والذي قال فيه سنة 1937، ردا على صحافي سأله حول سبب إعدام لوركا فقال (مات ذلك الكاتب بسبب الخلط بينه وبين أحد المنشقين، إنها من الحوادث الطبيعية في الحروب، واستغلت الدعاية الشيوعية تلك الحادثة لإثارة عالم الفكر والثقافة ضدنا) !

واضح حتى للأبله، أن ما تقوله هذه الوثائق الرسمية الفاشية من اتهامات من قبيل (اشتراكي وماسوني ومثلي) لا تختلف في تهافتها وتفاهتها عن تبريرات فرانكو نفسه، فهي ليست إلا حشو كلام لتشويه سمعة الضحية من قبل شرطة محلية ومليشيات قومية حاقدة وجاهلة. فالمعروف أن لوركا لم يكن حزبيا، ولم ينتمِ في حياته لحزب اشتراكي أو شيوعي بل كان شاعرا وكاتبا مسرحيا ورساما وعازفا موسيقيا معروفا، وكان صديقا للجميع وبشكل خاص لليساريين أيام مدِّهم وانخراط غالبيتهم في التيار الجمهوري التقدمي، وبمقدمتهم روفائيل البرتي، الشاعر الشيوعي المعروف، والعضو المؤسس لتحالف "المثقفين لمناهضة الفاشية"، وصديقه الشاعر الشيوعي التشيلي نيرودا، الذي ترشح لرئاسة الدولة ممثلا لحزبه، فما الذي يمنع لوركا من إعلان كونه اشتراكيا أو شيوعيا آنذاك؟

السبب، ببساطه، لأنه لم يكن منتميا لهما، بل كان ينتمي إلى عالمه الأوسع، عالم الأدب والفن المنشغلين بالإنسان والجمال، أو كما قال هو برسالته النيويوركية "أنا شاعر الفلاحين". هنا، نجد شبها قويا، بين محاولات حشر لوركا في قناني الحزبية الضيقة، من قبل أصدقائه وأعدائه معا، وبين محاولة حشر الروائي فرانز كافكا بالحركة الصهيونية من الكاتب الصهيوني ماكس برود، الذي وصفه الروائي التشيكي ميلان كونديرا بالكاتب الفاشل والنصّاب الكبير، وتؤكد ذلك صرخة كافكا في إحدى رسائله (إن أوضاعي لا تحتمل، وهي تتناقض مع ميولي ورغباتي الوحيدة وأعني بذلك الأدب. الأدب هو كل كياني ولا أريد ولا أستطيع أن أكون غير ذلك). 

أما اتهامه بالمثلية الجنسية، فهي ليست إلا فرية سخيفة ألصقها به القتلة أنفسهم، وجمهورهم لاحقا ومن باب تشويه سمعته، حين كانت هذه التهمة في الثلاثينات تؤدي بالمتهم للإعدام بالدول المحافظة ومنها إسبانيا. 

إن السائد في الساحة الأدبية والسياسية الإسبانية، هو أن هذه التهمة لم تُذكر أو توجه للوركا قط إلا بعد انتصار انقلاب فرانكو وهزيمة الجمهوريين في الحرب الأهلية بعقدين. أما قبل ذلك فلم يرد ذكرها حتى في كتابات أشد اليمينيين عداء للوركا ولليسار والجمهوريين. وربما كان للحوارات الفنطازية والفضائحية واللاأخلاقية للرسام سلفادور دالي التي أدلى بها للكاتب الفرنسي "ألان بوسكيه"، ونشرها هذا الأخير بكتاب 1960، أي بعد ربع قرن على مقتل لوركا، أقول، ربما كان لها دور في الترويج لهذه الفرية المسمومة والتي تبقى شيئا صغيرا وشديد الخصوصية في سيرة شاعر وفنان عظيم وصديق شجاع للإنسان وقضاياه، ولا يترتب عليها أي حكم معياري بحقه كإنسان شديد النقاء والنبل. 

إن سلفادور دالي الذي كان يرتبط بلوركا وبغيره من المبدعين الإسبان والفرنسيين بعلاقات صداقة قوية في سنواته الأولى، معروف بمبالغاته السلوكية المجنونة والفضائحية، وتصل لأدنى درجات الانحطاط والخروج على العقل والمعنى رغم عبقريته الفنية، الأمر الذي دفع الحركة السوريالية التي كان عضوا فيها الى طرده من صفوفها، بعد أن اتضحت معتقداته الرجعية الظلامية. ومن تلك المعتقدات تأييده لإبادة السكان الأصليين بأميركا، وإعجابه بهتلر ورسم لوحات له، وتأييده لفرانكو الذي لم يبخل عليه بالعديد من الأوسمة ومنها "وسام الصليب الأكبر لرهبانية إيزابيلا الكاثوليكية" ووسام "الصليب الأعظم لفرسان شارل الثالث" إضافة لتصرفاته الجنونية المعروفة للجميع.

كان لوركا قد أحب آن ماريا، شقيقة سلفادور دالي، خلال إقامته في منزل العائلة في "قداقش" لفترة، ولكنها صدته ولم تتجاوب معه (وقد أثرت تلك العلاقة على حياته العاطفية. ورغم أن المعلومات عن هذه العلاقة غير واضحة، إلا أن كثيرا من مؤرخيه يرجعون أزمته العاطفية في عام 1929 إلى فشل هذا الحب وتحطمه، والتي لم يجد الشاعر دواء لها إلا السفر من بلاده إلى نيويورك حيث قضى عاما وبعض العام في الخارج) . ولم ينسجم لوركا مع الحياة هناك (إذ صدمته الحضارة الأمريكية، حين اكتشف إن (عددا قليلا من المصرفيين عديمي الضمير هم من يملكون العالم) ، فعاد منها إلى وطنه بعد جولة في عدد من دول أميركا اللاتينية.

إنها خلطة ساذجة هذه الاتهامات (اشتراكي وماسوني ومثلي)، فندها الناقد الإيرلندي من أصل إسباني إيان جبسون الذي عُرف (بأعمال متميزة حول الشاعر الإسباني لوركا، إذ أصدر سنة 1971 سيرة مهمة وموثقة عن الشاعر تُحقق، بصفة خاصة، في تفاصيل مقتل لوركا لكن نظام الجنرال فرانكو منع توزيع الكتاب في إسبانيا)، ويرى - جبسون -أن سبب إعدام لوركا يوجد في مكان آخر. فلنتابع:

أصدر جبسون كتابه "جريمة قتل غارثيا لوركا" عن دار "أغيلار" في مدريد عام 1979، بعد موت فرانكو بأربع سنوات، نفى وفند فيه (كل المزاعم السابقة، والتي مازالت رائجة حتى اللحظة حول مثليّة لوركا وعدم اهتمامه بالسياسة. وأثبت جيبسون ببعض الوثائق والمستندات التاريخية أن لوركا كان مسيّساً وصاحب مواقف مشهودة، بل إنه كان أقرب للاشتراكية و اليسار، وله غير بيان وغير خطبة تنمّان بجلاء عن التزام في الشعر وفي الحياة) . ولكن جبسون، وبصفته كاتب السيرة الأكثر اعتمادا للشاعر، لم يبالغ إلى درجة الجزم بأن لوركا كان اشتراكيا وحزبيا منظما، بل وصفه بكل بساطة بأنه كان "أقرب للاشتراكية واليسار".

من سيرة لوركا التي كتبها جبسون والتي ترجمت للعربية بعنوان "غرناطة لوركا"، أدرج هنا هذه فقرة التي يصرح فيها بالسبب الأهم لاغتياله (في بداية الحرب الأهلية الإسبانية، وقبل أسابيع قليلة من اغتيال لوركا في آب 1936، سُئِل الشاعرُ عن رأيه في سقوط غرناطة بأيدي الإسبان عام 1492، فأجاب: كانت نكبة - يوما أسود-، رغم أنّهم يلقنوننا العكس بالمدارس: حضارة رائعةٌ، وشعرٌ، وفلكٌ، وعمران، ورقةُ شعور فريدةٌ في العالم، ضاعت كلّها، لتقوم محلّها مدينة فقيرة هي "جنّة البخلاء"، والتي يلعب بمقدراتها الآن أراذل البرجوازيين في إسبانيا". ظهر هذا التصريح على صفحات أكبر جريدة بمدريد، فكان سبباً مباشراً في موت الشاعر وهو في الثامنة والثلاثين ). ويضيف جبسون (وقبل خمس سنين من ذلك، قال لوركا "أعتقد أنّ أصلي الغرناطي منحني شعوراً بالتآخي مع جميع المضطهدين غجراً وسوداً ويهوداً، ومع المورسكيين "المغاربة" الذين نحفظ ذكراهم نحن الغرناطيين في قلوبنا" لا شك في أنّ الشاعر كان على علاقة وثيقة بغرناطة التي ضاعت إلى الأبد عام 1492).

الشاعر التشيلي نيرودا روى في مذكراته كيف استشرف لوركا موته من حادثة غريبة ودامية وقعت له (حين عاد لوركا ذات مرة من جولة مسرحية قام بها، ناداني كي يقص عليّ حادثة غريبة جداً. كان قد وصل مع فناني فرقته "لا براكا" إلى قرية نائية جداً في قشتالة، فنزلوا في جوار القرية وهناك خيّموا. حين تفتّق الفجر قليلاً نهض من فراشه وخرج كي يقوم بجولة وحده عبر الحقول المترامية هناك. كان ثمة برد لاذع كحدّ السكين. كان الضباب ينطلق سحائب بيضاء تحيل كل شيء إلى مداه الشجي الرهيب. توقف فيديركو عند باب عتيق كان مدخلاً إلى مزرعة فسيحة. كان الخلاء والخواء والوقت والبرد تجعل الوحشة أكثر رهبة. هناك جلس فيديريكو على تاج عمود ساقط. جاء خروف صغير ليقضم أطراف الأعشاب بين الأطلال والخرائب. كان ظهوره ظهور ملاك صغير من ضباب يؤنس الوحشة. فجأة وإذْ بقطيع خنازير يجتاح الحظيرة. اقتربت أربع أو خمس بهائم داكنة اللون، خنازير شبه متوحشة جائعة وذات أظلاف صلدة. انقضت الخنازير على الخروف تعمل فيه أنيابها، فقطعته إرباً إرباً والتقمته وفيديريكو يرتعد خوفاً. عندما عاد إلى فرقته المسرحية المتجولة أمرها بمواصلة السير على الفور) .

نيرودا، كان على موعد معه في اليوم التالي، لكنه لم يأتِ، بل ركب القطار ليلا إلى غرناطة حيث سيذبح القمر. ودعه روفائيل إلبرتي ليلتها، ولاحقا كتب نيرودا (كل شيء بدأ بالنسبة لي ليلة 19 من تموز 1936. أقنعني بوبي ديلانغه أن أذهب الى السيرك وأن أصطحب لوركا معي هناك، لنتأكد من أصالة هذا الاستعراض الجميل. اقنعت لوركا واتفقنا على ان نلتقي هناك في ساعة محددة. تخلف لوركا عن الموعد. كان قد راح ليلقى حتفه، لم أره بعد ذلك أبدا. كان موعده مع مردة وسفاحين آخرين. هذا بدأت حرب إسبانيا بالنسبة لي باختفاء شاعر...وأي شاعر! لم أرَ شاعرا مثله اجتمعت فيه اللطافة والعبقرية، القلب المجنح والشلال الشفاف. كان لوركا العبقري المُسرف في وحيه وإلهامه، بؤرة الفرح التي تشع كالكوكب بسعادة الحياة. كان نابغةً وفكهاً كونياً وريفياً، موسيقياً فذاً وممثلاً رائعاً، كان فزعاً ومعتقداً بالخرافات، لامعا ونبيلا، كان خلاصةَ أعمارِ إسبانيا وعهودها، صفوة ازدهار الشعبي، نتاجا عربيا أندلسيا ينير ويفوح مثل أيكة ياسمين على مسرح أسبانيا، كل هذا، ياويلتي لقد اختفى ...فأواهٍ وآه...إنَّ فيدريكو غارثيا لوركا لم يعدم رميا بالرصاص بل اغتيل) !

يتمادى لوركا الشاعر الساحر في لعبته الخطرة مع الموت، فيستشرف مكان موته الشبيه بمنطقة "عين الدمعة (Aanidamar)" حيث قتل ودفن تحت الأشجار" ولكن أحدا لم يعثر على قبره حتى الآن، وما يزال لوركا يسألنا: أين قبري؟!

عَبْرَ أشجارِ الغار

تطيرُ حمامتانِ دكناوان

كانت أولاهما الشمس

والأخرى كانتِ القمر

قلتُ لهما: أيا جارتيا،

أين قبري؟

قالت الشمس: في ذيلي

قال القمر: في حلقي.

هامش: لم أتعامل في هذه الدراسة مع الروايات والأعمال الأدبية التي عالجت حياة لوركا ومصرعه كمراجع، لأنها تبقى أعمالا أدبية بالدرجة الأولى، ولا يعول عليها في الدراسات والأبحاث الاستقصائية. ولكنني أشير إلى واحد من هذه الأعمال على سبيل التعريف به لأهميته ولأن مؤلفه اعتبره رواية توثيقية. أقصد هنا الرواية الشهيرة للكاتب الإسباني جوزيه لويس دي فيلالونغا والتي تحمل عنوان " الهيجان".

لقد قرأت ترجمة هذه الرواية قبل سنوات عديدة، وتأثرت بها تأثرا شديدا، لشدة واقعيتها ولقوة النفس التضامني الذي كتبت به. وقد عدت إليها خلال كتابتي لهذه الدراسة لاسترجاع بعض الأحداث. قلت إن الروايات الأدبية لا يعول عليها هنا، رغم أن صاحب "الهيجان" أكد في مقدمة روايته أنه كتبها بناء على شهادات شهود عيان، وأنه تأكد من صحة ودقة تلك الشهادات عبر مقارنتها بشهادات أخرى، وقد جعل الراهبة نور أبنة فونيسكا مساعد القائد الفالانخي الذي حكم عليه بالموت القومندان في سلاح المشاة فالدز، جعلها هي بطلة الرواية التي تبوح بأسرار محاكمة الشاعر وإعدامه كما سمعتها من والدها. وسبب عدم التعويل عليها هو أن كاتبها فيلالونغا لم يوثق كلامها وكلام الشخصيات بأية طريقة كانت حتة لو كان ذلك بنشر وثائق خارج النص كملاحق، ولهذا فلن يكون للاستشهاد بها أية قيمة ومعنى لأنه قدم عملا أدبيا صرفا لا يمكن التعويل عليه استقصائيا.

غير أن الخلاصة التي نخرج بها من قراءة الرواية على اعتبارها وثيقة تاريخية - وهو اعتبار غير ملزم بحثياً ولكننا نقوله مجازا - هي الخلاصات ذاتها التي أكدها كاتب سيرة لوركا إيان جبسون سالف الذكر، والتي مفادها أن اغتيال الشاعر كان جريمة سياسية من الدرجة الأولى، ولا علاقة لها بكل ما يقال عن خلافات عائلية وعشائرية واتهامات أخلاقية رصدها فيلالونغا في روايته كشتائم يوجهها قادة وعناصر مليشيا الكتائب لضحيتهم. تبرز هذه الخلاصة في مشهد التحقيق أو المحاكمة التي أجريت للوركا. وهي كما قال أحد الباحثين أقرب الى الدردشة بين مجرمين قبل الإجهاز على ضحيتهم، منها إلى المحاكمة، يقص علينا المؤلف الأحداث والحوار الذي جرى بين االقومندان فالدز ومساعده فونيسكا والشاعر. ومنه أقتبس باختصار شديد:

فونيسكا: سيدي الحاكم هو ذا لوركا.

فالدز: "للوركا" : أنت كما أعتقد مؤلف قصة "الحرس المدني الإسباني"؟

لوركا: نعم، هو أنا.

فالدز : قل يا سيدي.

لوركا: نعم يا سيدي.

ثم يجبر الحاكم لوركا على قراءة مشهدا من القصة حول الغجرية التي تجلس أمام بيتها، بعد ان داهمت قريتهم قوات الحرس المدني، وأمامها نهداها المقطوعان على طبق...وبعد حوار طويل واستفزازي بين القومندان ذي الفكر القومي المتعصب والشاعر الأعزل يقول فالدز:

فالدز: اسمع يا فونيسكا.. ويأخذ بقراءة نص كتبه لوركا وقال فيه (أنا أخٌ لجميع الناس وألعنُ الرجلَ الذي يضحي بنفسه من أجل فكرة قومية مغلقة وتعصبية...إنني أتغنى بوطني إسبانيا، وشعور حب الوطن عميق، متأصل حتى العظام، ومع ذلك أبقى أولا وقبل كل شيء مواطنا عالميا "أمميا" وأخا لجميع الناس).

فالدز: غارسيا لوركا، أنا أقررُ إدانتك بالخيانة لبلدك ومسقط رأسك، إضافة الى كونك مدانا تجاه طبقتك... مدان تجاه كل الذين ضللتهم بكتاباتك...وأحكم عليك بألا تكتب إطلاقا بعد اليوم.

لوركا: إطلاقا؟

فالدز: نعم إطلاقا!

لوركا: الموت أحب إليَّ...

فالدز: هل هذه رحمةٌ تسألني إياها؟

لوركا: الموتُ أحبُّ إليَّ.

فالدز: اتفقنا إذن، حتى لا يقال عني أنني رجل بلا قلب...فونيسكا، هذه أوامري الخطية ... أعمل اللازم! (الهيجان ص 179 - 185).

ثم أخذ فونيسكا ومسلحوه الشاعرَ إلى الإعدام بحقول غرناطة ولكن في غياب قمر غرناطة كما تمنى...

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

محمد حسين النجمفي ليلة من ليالي رمضان نهاية سبعينات القرن الماضي، كنا بزيارة لاستاذنا الشهيد محمد زكي يوسف . كنا طلبة اعدادية وكان استاذنا، لكنه، في صلته مع طلبته، لم يكن معلما فقط، كان ابا يحدب على تلاميذه ويرتقي بهم، يتعامل معهم ككبار، بغرق معهم في الاحاديث فتشعر معه بالصداقة مهما كان فارق العمر بينكم، يتفاعل مع حديثك، ويصغي لما تقول بانتباه وكأن ما تقول امرا جديدا عليه، هاديء الطبع لاتفارق الابتسامة مبسمه، ورغم الفارق بين المعلم وتلميذه، لكنك تشعر معه بانك تعرفه منذ زمن بعيد، يبادلك النكته، ولا يبخل عليك بالابتسام مهما كانت نكتتك لاتدعو لها .

 في الدرس، كنا نرى اسلوبا مختلفا في التعليم لم نعتد عليه، علمنا لاول مرة كيف ان قراءة نص في كتاب القراءة ( Reader ) الانجليزية، ليس فقط ان تعرف ما معناه، بل ان تفككه، ان تتعرف على بناه النحوية والاسلوبية، عرفنا لاول مرة، مثلا، كيف ان هناك جملة في النص (اعتراضية) يمكنك تجاوزها والانتقال لما بعدها دون ان يختل المعنى، كانت تلك الجملة غالبا ما تربكنا ونحن نفتش بالقاموس عن معاني الكلمات لنتوصل الى معنى المقطع الذي نقرأه، واذا بهذه تبدو مخربة للسياق ولا ندري لماذا . ونحن نقرأ النص معه، كانت الخطوط تملأ الصفحة الواحدة، فعلينا ان نضع خطا تحت كل (حرف جر) نمر عليه فيها، لنتوقف نهاية الصفحة، نقارن بين كل كلمة لحقت هذا الحرف يدفعنا لنفهمها بشكل عقلي حيثما امكن، فهذه كلمة معنوية وتلك مادية، هذه تفيد الاحتواء وتلك تفيد التعالي . تلك مقاربات كان يقربنا بها لادراك معنى الحرف، والموقع المناسب الذي ينبغي وضعه به . غرز  في داخلنا عشق اللغة الانجليزية، كلغة ثقافة يجب ان نتعاطاها . لم نعهد يوما، طيلة مسارنا ومسار زملائنا الدراسي ان تكون هذه اللغة محل عشق، بل لعل الجميع يعلم ان الانجليزية كارثة عراقية بامتياز، فكم من الاذكياء والواعدين كسرتهم هذه اللغة، بل كم منهم كانت سببا بتحطيم مستقبله حين يكون المعيا في كل المواد والمعارف الا هذه، فينتهي مساره الدراسي الى الفشل . بل ان من اكثر جوانب اللغة الانجليزية كان النحو او القواعد كما نسميه، كان كتاب النحو ايامنا معدا ومطبوعا في جامعة كامبردج ويتشكل بثلاث اقسام كل قسم لمرحلة من مراحل الاعدادية، وشاء حسن حظنا، ونحن في الفرع الادبي، ان يكون مدرسنا لثلاث سنوات خلافا لزملائنا في الفرع العلمي  . كم اصبح هذا الدرس لذيذا ونحن نجد استاذنا ياخذ بيدنا بسلاسة، يعلمنا كيف نطبق  (النموذج) المعطى لنا لتركيب جملة سليمة النحو . كنا ننظر احيانا لزملائنا في الفرع العلمي بالشفقة كونهم يخفقون في التطبيق . ربما ما اذكره هنا يعتمد مصطلحات لا يتعامل بها اصحاب اللغة، فانا لست مختصا فيها، ولكنني اتحدث عن كيف كان استاذنا يقودنا لان نفهم هذه اللغة . في كل مسلكه ومساره كان يشدنا لان نتعلم لغة اخرى، وكيف لا وهو الذي يتحدث بجملة لغات، وقد فاجئنا يوما، وكان في المدرسة احتفال على هامشه معرض رسم في المدخل الذي يطل على الشارع العام، كنا مجتمعين داخل المعرض وامام المدرسة مما اثار حب استطلاع مجموعة من السياح الاجانب، كانوا يمرون من امام المدرسة، فدخلوا، اتجه اليهم استاذنا مرحبا، والمعتاد ان يتحدث مع اجنبي باللغة العامة العالمية الانجليزية، وسار معهم يطلعهم على اللوحات المعلقة في المعرض، يحدثهم بها، واثناء الحديث اتضح بانهم سياح فرنسيين، وما اشد استغرابهم حين تحول معهم من الانجليزية الى الفرنسية، سالوه متى زرت فرنسا وانت تتكلم لغتها مثل ابنائها فاجاب: ولدت في البصرة وشببت فيها ولم اغادرها يوما . .

في زيارتنا له في رمضان ذاك، وكانت الثورة في ايران مشتعلة نهاية السبعينات، فاجئنا بانه قد بدأ بتعلم اللغة الفارسية، وكانت مفاجئتنا اكبر حين وجدنا على الطاولة قاموس ضخم في اللغة الفارسية مفتوح، يبدو اننا قطعنا سلسلة قراءته له حين زرناه، سالته عنه فاخبرني بنيته تعلم هذه اللغة، فقلت له ضاحكا : يا استاذي، اعتدنا حين سعينا لتعلم اللغة الانجليزية ان نبدأ معها بقراءة كتاب (كيف تتعلم الانجليزية في خمسة ايام) لا ان نتابط كتابا بهذا الحجم، وضحكنا وضحك، وتعلمنا منه ان تعلم لغة ما ليس بالمركب السهل الذي يكفيه كتاب تجاري كالذي اشرت اليه . كان مما قاله انه لم يندم على شيء من تعلم اللغات مقدار ندمه على تعلم (اللغة اللاتينية)، فهو لايجد من يتحدث معه بها . ونعرف تماما، وكنا آنئذ لانعلم، بان اللغة اللاتينية لغة ماتت كلغة عامة منذ امد بعيد ولا يتعاطاها الان الا الباحثون المختصون بها او بالمحيط الذي كان لها دور فيه في التاريخ او الفكر. كان مضيفنا انئذ، او لنقل مساعده في ضيافتنا ولده فراس، وكان لازال طفلا صغيرا، الا ان ما اثار انتباهنا انه كان احيانا يوصيه بامر من البيت بلغة لاندري ماهي، وحين سالناه قال هذه اللغة هي المقرر ان تكون اللغة العالمية البديلة عن الانجليزية، وهي لغة (السبرانتو)، وكانت هذه اللغة قد بدأ ظهورها حديثا ولم يكن بتعاطاها آنئذ الا القلة على مستوى العالم، ولا ادري هل سمح الزمان لفراس ان يتعلم هذه اللغة قبل استشهاد والده .

انها بعض من ذكريات رجل  بدا انه لايشبه الكثيرين في طيبته رغم ما في مدينتي من طيبة لا توصف . كان خدوما للصغير والكبير، سباقا للفضل على محيطه، متفاعلا اشد التفاعل مع من يعرف، فربما تجده، وهو يسمع بجار له اصابه المرض، مهتما بان يتواصل معه سحابة ليله، يشتري له ما يحتاجه من دواء، ويصاحبه في ليله ولا يعود الا بعد ان يطمئن الى استقرار حالته، ليسال عنه صباحا وهكذا حتى يشفى . كان انيسا بمجلسه لا تشعر بمضي الليل وانت تستمع له وتضحك على ما يورده من نوادر ونكت . كان حين يزورنا في رمضان، وكان الزمن شتاءا، ونعرف كم كان ليل الشتاء طويلا، فنغرق في الحديث معه ولا نشعر الا وقد ازف السحر .

رحمك الله ابا فراس، ولعن الله من حرمنا هذه الدرة الثمينة التي تمشي على الارض .

 

محمد حسين النجم

 

عبد الحسين شعبان"ليت لي رقبة كرقبة البعير كي أزن الكلام قبل النطق به"

الإمام علي

عزيز محمد - الأممي والقومي

إذا كان توجّه الحزب "أممياً" في موقفه من القضية القومية وتمسّكه بحل مبدأي للمشكلة الكردية يقوم على "حق تقرير المصير" وعلى تلاحم الحركة القومية الكردية بالحركة القومية العربية، لأنهما يعبّران عن حركتي تحرّر وطني ، تريد الانعتاق وتحقيق أهدافهما الوطنية والاجتماعية (كونفرنس العام 1956)، لكن جزءًا من هذه المعادلة بدأ يختفي تدريجياً، وخلال حملات القمع الدموي التي مارسها النظام السابق برزت نزعات لمعاداة العروبة وازدراء العرب، وهم أغلبية سكان البلاد الأصليين وأغلبية أعضاء الحزب، الأمر الذي أدّى إلى إضعاف الهوّية الوطنية للحزب، وهو ما ظهر بشكل صارخ إبان الحرب العراقية - الإيرانية، وخلال فترة الحصار الدولي الجائر المفروض على العراق 1991-2003، خصوصاً حين كان الجسم الأساسي للحزب في كردستان.

وكان الموقف من الاحتلال والتعاطي معه تحصيل حاصل للأزمة التي أخلّت بهوّية الحزب، وقد ترافق ذلك مع تفاقم ظاهرة التمييز القومي وهي ظاهرة خطيرة اتّخذت طابعاً حاداً بما يتناقض مع مبادئ الأممية والتآخي القومي، وهو ما عكسه واقع الهيئات الحزبية من المكتب السياسي واللجنة المركزية ومروراً بالمنظمات الحزبية.

والأكثر من ذلك كانت العروبة تُنسب إلى صدام حسين والحكومات الدكتاتورية وهي منحة أو هديّة لا يستحقّها، وليس من حق أحد أن يهبها إليه وكأن الاعتراف بحقوق الشعب الكردي بما فيها حقه في تقرير المصير الذي هو ليس منّة أو هبة أو هديّة من أحد، ينبغي أن يقترن بالتنديد بالعروبة، لأنها ملك لصدام حسين وللحكام المعادين لحقوق الكرد.

1730  شعبان 1

قلت في العام 1992 في ندوة "للحوار العربي - الكردي"(لندن) التي نظمتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان التي كان لي الشرف برئاستها، وكرّرت ذلك على مدى عقود من الزمان وترك هذا القول صداه، لاسيما حين تأثّر به واقتبسه آخرون، إن "أغلبيات" كثيرة اجتمعت مصادفة في شخصه، فهو مسلمٌ حسب هوّيته الحضارية الثقافية العامة، والمسلمون أغلبية الشعب العراقي، وهو عربي والعرب يشكّلون أكثر سكان العراق، وإذا أراد بعضهم أن يصنّف الناس على الانتماء المذهبي، فإنّ عائلته يمكن أن تكون ضمن أغلبية المسلمين في العراق وفقاً لهذه المسطرة، ويزعم أنه يدافع عن مظلومي العراق وكادحيه وفقرائه، ودفاعه لاحقاً عن تطلعات الناس جميعهم في حياة أكثر عدلاً وحرّية ومساواة وشراكة ومشاركة، وهم غالبية سكان العراق، بغض النظر عن دينهم وقوميتهم ولغتهم وجنسهم وأصلهم الاجتماعي، لكن انحداره الإسلامي الحضاري وعروبته الإنسانية وجذر عائلته الديني ودفاعه عن حقوق المسحوقين والمظلومين، كلّها تتعرّض للظلم والتشويه إنْ لم يؤيد حقوق القوميات الأخرى، ولاسيما الكرد، وهو مؤمن إيماناً لا يتزحزح بحقهم في تقرير مصيرهم واختيار شكل علاقتهم مع شقيقهم الشعب العربي بما فيه تكوين كيانية خاصة بهم، سواء دولة أو أي شكل آخر يلبّي حقوقهم ، وذلك لأنه عربي ويتغنّى بعروبته ويرى فيها رابطاً حضارياً وثقافياً أصيلاً، وليس هناك تعارضاً بينها وبين حقوق القوميات الأخرى.

وباعتقادي لا يمكن للمرء أن يكون أممياً حقيقياً إذا ازدرى قوميته أو تنكّر لاستحقاقاتها، بزعم وجود قوى حملت اسمها زوراً وبهتاناً، كما لا يمكن للمرء أن يكون أممياً صادقاً إذا تهاون إزاء ميوله القومية لتطغى على الجانب الإنساني لديه. وهكذا سيكون الأمر أكثر حساسية لمسؤول شيوعي أول، وهو الأمر الذي تحسّس منه شيوعيون كثيرون على مستويات مختلفة، سواء على نحو مباشر أو غير مباشر. ولعلّ أول من لفت الانتباه إلى ذلك هو الرفيق حسين سلطان منذ مطلع السبعينات.

ومع تقديري لخصوصية الوضع الكردي والحق في تأسيس حزب شيوعي كردي، لكنني كنت وما أزال أرى أن حزباً شيوعياً عراقياً موحداً يضم مختلف القوميات في دولة قائمة، هو تأكيد على وحدة الطبقة العاملة والكادحين والمثقفين، وتكامل أممي في دولة متعددة القوميات والثقافات؛ أما إذا استقلت كردستان وأسست دولة سواء باتحادها من أجزاء كردستان الأخرى في (إيران وتركيا وسوريا) أم لخصوصية هذا الجزء العراقي، فإن النواة موجودة لقيام حزب شيوعي كردي مستقل وهذا حق لا نقاش فيه وندعمه بقوة.

وعليه لا يصبح المرء شيوعياً بقرار، حتى وإن احتفل بعيد العمال أو حفظ نشيد الأممية عن ظهر قلب وزين صدره بالمنجل والجاكوج، لأن الشيوعية مثلُ وقيمٌ إنسانية وفكر ومدنية وجمال وعمران ومحبة للخير تسعى لإلغاء الاستغلال وإقامة مجتمع الوفرة والرفاه والعدل والمساواة، وليست ضغائن أو أحقاداً أو كراهية أو خداعاً وغشاً وأكاذيب، مثلما هي مساواة وشراكة ومشاركة وليس تمييزاً أو استعلاءً أو اضطهاداً، سواء من جانب القومية الكبرى أم ضيق أفق وانغلاق من جانب القومية الصغرى، ولعل ماركس هو الذي قال " إن شعباً يضطهد شعباً آخر لا يمكن أن يكون حرًّا"، وبقدر ما ينطبق القول على الجماعة البشرية، فإنه ينطبق على الفرد أيضاً، وكان الرفيق فهد هو الذي عبّر عن الترابط بين الوطني والاجتماعي، حين قال:"لقد كنت وطنياً وعندماً أصبحت شيوعياً صرت أكثر حباً لوطني".

1730  شعبان 2

عزيز محمد الحزبوي والشخصي

كان عزيز محمد مسالماً ولا أظن أنه دخل معركة، بل كانت المعارك تُفرض عليه، وكان يسعى دائماً لعدم المواجهة، حتى وإن كانت السلبية ترتقي لتصبح شراكة، وقد يترك لمن حوله مثل هذا الهامش، وقد شخّص العديد من الشيوعيين مثل هذا الدور إبان انشقاق الحزب العام 1967، وكان هذا واضحاً أيضاً خلال التحضير للمؤتمر الرابع وما بعده، وحتى وإنْ بدا مغلوباً على أمره، لكنه كان يحاول مدّ الجسور مع الآخرين دون أن يعني قدرته على تحقيق مصالحة أو معالجة للأوضاع الشاذة التي شهدها الحزب، لأنه كان يعرف توازن القوى قد أصبح في غير صالحه، واستسلم لقواعد اللعبة أخيراً، مع إدراكه إن معظم مظاهر الصلابة التي يبديها البعض كانت تخبئ خلفها نقاط ضعف شديدة، حتى وإن احتمت بدرع سميك.

وقد يكون رهانه على أن العديد من الرفاق الذين لحقهم التنكيل دون وجه حق، ظلّوا ينظرون إلى الحزب كمرآة يرون فيها صورهم، وحتى لو كانوا أجدر من الذين وقف معهم، فإنهم أو بعضهم على الأقل اعتبر تاريخه مثل تلك اللمسة التي تهدئ الروح وتدفئ النفس، في حين كان عليهم ،أي على الجميع، أن يروا النواقص والعيوب والأمراض التي أخذت تتسلّل إلى جسد الحزب.

وكان على عزيز محمد أن يكون أكثر حساسية من غيره إزاء المخالفين في الرأي، فهو وجمال الحيدري وعبد السلام الناصري وعبد الرزاق الصافي وكوادر أخرى اعترضت على قرارات بهاء الدين نوري العام 1952 واعتبرتها متطرّفة، خصوصاً بنقده لفهد ورفعه لشعارات " يسارية" طفولية لم يكن العراق متهيئاً لها، وقد اتّخذت قيادة بهاء الدين نوري التي عُرفت فيما بعد بـ " القاعدة" قرارات بفصله ورفاقه واتهمتهم بأنهم خدم البلاط وأطلقت على صحيفتهم "راية البلاط" ونشرت أسماءهم الصريحة، وكان عليه أن يتقبّل الرأي الآخر ويسمح بالنقد وحق التعبير طالما كان الأمر يتعلق بسياسة الحزب وتوجهاته، لا أن يسمح لإدارة تفريطية ترفع شعارات " يسارية" "مغامرة" وتدخل معارك لم يكن لها مبرر على الإطلاق، تلك التي راح ضحيتها المئات من الشيوعيين، بأن تتصرّف بحجة الانضباط الحزبي للتنكيل بجمهرة واسعة من قيادات وكوادر الحزب وأعضائه.

ولعلّ ذلك النهج هو من أمراض الحركة الشيوعية المزمنة، بل والمستعصية، التي ظلّت مهيمنة على ممارسات أصحاب القرار، والأمر يخص جميع التشكيلات التنظيمية ذات التوجه الآيديولوجي الشمولي، سواء كانت قومية أم دينية.

وكان ينبغي على عزيز محمد أن يفتح صدره للحوار وأن يستجيب لمناشدات صادقة لرأب الصدع بحيث يستطيع الحزب مواجهة أزماته بتوجّه جديد وموحّد، وخصوصاً لإعادة النظر بسياسته بعد محاولات القوات الإيرانية اختراق الأراضي العراقية العام 1982، وكان عليه أن يدعو الجميع بمن فيهم المحتجّين للتفكير الجاد والمسؤول بمصير الحزب ومستقبله لا أن يراه يتآكل ويذبل دون أن يحرّك ساكناً، لدرجة كان البعض يعتبره الغطاء الضروري لاستكمال منهجه التصفوي ، مثلما كان على المحتجين والرافضين أن يتحلّوا بالمزيد من الحكمة وطول النفس والصبر، والجميع في نهاية المطاف بشر ولهم إيجابياتهم وسلبياتهم، فحتى لمن يعشق فيجب عليه أن لا ينسى سلبيات المعشوق. وعلى ذكر العشق فلعزيز محمد رأي فيه أقرب إلى الصوفية حيث يقول: العشق بالعقل لا طعم له ولا لذّة.

1730  شعبان 3

أستطيع القول أن ثمة فوارق كبيرة بين عزيز محمد السياسي أو الأصح الحزبوي وبين عزيز محمد الشخصي، فهو كشخص لا يضمر حقداً لأحد وشديد التواضع، لكنه كحزبوي كان سلبياً ويتبع مراكز القوى، وخصوصاً بعد الهجرة الواسعة في العام 1979، وكان عليه دفع الظلم الواقع على رفاقه وأصدقائه ، لأن ذلك بحدّ ذاته غاية بغض النظر عن الأخطاء والسلبيات التي وقع فيها حتى المظلومون.

وكان الصحافي توفيق التميمي المختفي قسرياً منذ ستة أشهر قد سألني عن عزيز محمد ومواصفات القيادة الشيوعية بقوله : ضمن منهجيتك الموضوعية كنت تفرّق بين الأشخاص والمواقف... بين الآيديولوجيات وتطبيقها، فمثلاً تعتزّ بالمزايا الشخصية والإنسانية لعزيز محمد أمين عام الحزب السابق وتعترف بكارزميته القيادية، كذلك في الوقت نفسه لا تتوان من نقد سياساته وتؤشر إلى إخفاقاته التي قادت إلى نتائج سلبية على الحزب وجماهيره، وربما للحركة الوطنية العراقية. هل لك أن تبيّن أبرز ملاحظاتك على قيادة الحزب خلال العقود الأربعة الماضية، لاسيّما بعد العام 1963، وخصوصاً في فترة التحالف مع حزب البعث فيما يسمى بالجبهة الوطنية؟

وكان جوابي كالآتي وهو مدوّن في الكتاب الحواري الذي أصدره التميمي في حواراته المطولة معي ضمن كتاب " عبد الحسين شعبان - المثقف في وعيه الشقي" ، دار بيسان، بيروت، 2014:

يمكنني القول أن عزيز محمد شخصية ودّية وسلمية ومحبّبة، لكنها غير حاسمة ومتردّدة وغير مواجهة، ولذلك يتم التأثير عليها، وإذا ما عَمِلَ معه شخصيات إيجابية ومسالمة وجامعة فسيكون سبّاقاً إلى ذلك، لكنه إذا عمل معه شخصيات سلبية أو عدوانية أو مفرّطة، فسيضطّر عزيز محمد إلى مجاراتها والانصياع لها، وتلك مشكلة عاشها من عرف عزيز محمد عن قرب أو من راقب سلوكه الحزبي، ولذلك فأنت لا تستطيع أن تخاصمه، وإذا خاصمته فإنه لا يتحوّل إلى عدو، وهو مستعد للمصالحة في أية لحظة، ولكن ذلك يعتمد على من يعمل معه، ولهذا ترى الجميع حريصين على صداقته وتلك واحدة من المفارقات.

يتبع

 

عبد الحسين شعبان

 

 

منير لطفيحينما نودِّع السّويْعات الأخيرة من شهر ذي الحجّة كلّ عام، ويَلوح في الأفق هلالُ شهر الله المحرَّم؛ يَحين موعد حديث الهجرة كرواية تُروَى، وقصّة تُحكَى، وتاريخ يُلاك! ولا نذهب أبعد من عقد النّدوات، وإقامة الحفلات، ومصْمصة الشفاهَ، وطأطأة الرؤوسَ..وما هكذا تُورَد الهجرة!      

والهجرة: من الهجْر بمعنى الترْك، وفيها ينتقل المرء من أرض إلى أخرى، وتختصّ هنا بانتقال نبيّ الهدى والرحمة من مكّة مهبط الوحي إلى يثرب مأوى الأنصار، ويعود زمنها إلى مطلع القرن السابع الميلادي (13 سبتمبر 622م الموافق غرّة شهر ربيع الأوّل آنذاك)؛ حين كشّرَت قريش عن أنياب كفرها وأَبانت عن مخالب غدرها، لا سيّما بعدما رنا إلى سمعها خبر بيعة أهل المدينة ونيّة النبيّ في اللحاق بهم، فرسمَت خطّتها في دار الندوة عاقدةً العزم على استهداف رأس الدعوة والقضاء المبرَم على رسالته! غافلين عن معيّة الله الحاضرة ونصْرته المتحقِّقة. "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليُثبتوك أو يقتلوك أو يُخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" الأنفال 30  

وكان صلى الله عليه وسلم قد أَمضى بين ظَهرانيهم ثلاثة عشر عاما بعد الوحي والرسالة، تَذرَّع خلالها بالصبر الجميل، وارتدى لهم ثوب الخُلق العظيم؛ فكانوا يَقطعون ويَصل، ويَمنعون ويُعطي، ويُغلِظون ويَلين، ويَجهلون فيَحلم! ولكنه لمّا رأى أنّ هؤلاء القوم تُودِّع منهم، وناداه جبريل حيّ على الرحيل؛ غادر أَحبَّ البقاع وأقدسَها، وخلَّف مسقط الرأس وديار الأهل ومهْد الصِّبا، وقطع على راحلته المُسمّاة الجدعاء أو القصواء نحو أربعمائة ميل في طريق وعرة مُوحِشة غير لاحبة ولا مطروقة، قاصدًا دار هجرة كانت سبخة ذات نخل بين لابتيْن، وديارا عامرة مدّ أهلُها يد البيعة وعاهدوا على الفداء والنّصرة؛ وذلك ليؤسِّس للإسلام دولة ترفع لواء الحقّ في ربوع المعمورة، ويُشيِّد للإنسانية مجتمَعا يُقرّ بحريّة الاعتقاد. إذْ قضَت سُنّة الإصلاح على مرّ الزمان، أنّه لا بدّ للحقّ -أي حقّ- مِن تربة خصبة يَنمو بها ويُثمر، ولا مناص له من قلعة حصينة يأرز إليها وينطلق منها. وقد رافقَه صنو روحه أبو بكر الصدِّيقُ ليضرب –مع آله الكرام- أروع مثال في الصُّحبة، ولحِقهم الفاروقُ مُتحدِّيا جهابذة الكفّار في وضَح النهار، وتبِعهم الصحابةُ والتابعون  ومَن سار على هديهم، مهاجرين في سبيل عقيدةٍ كالجبال  راسخة، وإيمانٍ كغابةَ سِنْديان لا تهزمه عواصفُ الأفكار ولا قواصمُ  الأطروحات، وبات المهاجرون بموجبها أفضلَ مِن الأنصار لأنهم حازوا الحُسْنَيَيْن حين جمعوا بين الهِجرة والنُّصرة.

ومِن الوفاء لتلك الحادثة الجليلة، التي صارت إحدى المحطّات الحاسمة في تاريخ الإسلام، بعد أنّ دشّنها المسلمون بداية لتاريخهم وعنوانا لدواوينهم؛ أن لا نجعلها حديثا موسميّا نستدعِي فيها التاريخَ مُجرَّدًا مِن العبَر والعظات، بل وجَب أن يَتطامن أمامها الزمنُ وتُصبح حديث الساعة وكلّ ساعة؛ فتَستشْرف فيها النّفسُ شجاعة علي بن أبي طالب حين فدَى الدعوة بحياته وموّه على المتآمرين برقوده في فراش نبيِّه وابن عمِّه، وتَستلهِم فيها الرّوحُ تضحية أبي سلَمة الذي  قدّم الدِّين على الزوجة والولد حين منعه أهلُ زوجته مِن اصطحابهما  معه في محاولة بائسة فاشلة لثنْيه عن الهجرة، وتستدعِي فيها الذاكرةُ بيْعًا رابحًا لصهيب الرُّومي حين ساومه كفّارُ مكّة  فابْتاع الهجرةَ والدِّينَ وباع الدّيار والمال، ثمّ يَستحضِر فيها القلبُ ثَباتَ ذات النطاقيْن التي أبَتْ أن تُخبر أبا جهل  عن مكان أبيها حين لطمها لطمة وقع منها قرطُها، ويفغر الأملُ فاه مِن الوعد النبويّ الجازم لسُراقة بن مالك الذي سال لعابه وتحلَّب ريقه للظفر بمائة ناقة رصدتها قريش لملاحقة النبيّ والعودة به، فوعده صلى الله عليه وسلّم بسوارَيْ كِسرى والذي تحقَّق كفلق الصبح في غضون ستة عشر عاما! كما أنها درسٌ فصيحٌ بليغ نتعلّم منه الأخذ بالأسباب والاستعانة على الأمور بالكتمان والإعداد على خير ما يُرام، ووقْفةٌ يَفقه فيها العقل أنَّ الهجرة لم تكن أبدا انسحابا وهروبا مِن الميدان، أو سلبيّة وانعزاليّة عن المواجهة؛ بل كانت ثباتا وإيجابيّة، وجهادا في أعلى صوَره وأبهى مقاماته.

وبهذا المنْحى، تُعدّ الهجرة بمثابة الانعطافة الكبرى والنقطة الحرجة، التي أوْقدَت شرارة  ثورةٍ عبرت بالمؤمنين مِن مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة، ومِن الضِّيق إلى السّعة، ومِن السّكون إلى الحركة، ومِن العُقْم إلى الخِصب، ومن المهادنة إلى المجابهة، ومن التبعية والتقليد إلى الابتكار والتجديد. فتمخّضت عنها وثيقة المدينة التي أسّسَت للتعايُش مع أهل الكتاب على قاعدة "لا ضَرر ولا ضِرار"، والسّوق الذي حرّم اقتصاد البغْي والاحتكار، والمسجد الذي أصبح مجلسا للشورى ودارا للفتيا ومحكمة للتقاضِي وساحة لتجهيز الجيوش، والمؤاخاة التي لم يَشهد لها التاريخ مثالا؛ فكانت بذلك موكبَ نور أضاء المكانَ والزمانَ، وشمسَ هداية أضاءت التاريخَ والجغرافيا، وملحمة بطولية لا تنقضي دروسها مع كرّ الأيّام والأعوام.

ومع أنّ فعل الهجرةَ ظلّ قدَرا مكتوبا على الأنبياء والرّسُل مِن قبل، ونهجا للكثْرة الغالبة مِن المفكِّرين والمصلِحين مِن بعد؛ إلّا أنَّ هذه الهجرة المحمَّدية كانت ذات آثار جليلة خالدة لا تُدانيها هجرةٌ قبلها ولا بعدها، حتى سمَّاها اللهُ في كتابه العزيز نصرا، فقال جلّ شأنه: "إلّا تنصروه فقد نصره الله إذْ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذْ هما في الغار إذْ يقول لصاحبه لا تحزن إنَّ الله معنا". وهي الآية التي ذكر فضيلة الإمام الشعراوي أن كلّ (إذ) هي نصر قائم بذاته؛ فالإخراج نصر، والاختفاء نصر، والثبات نصر.

وقد رسم أديبُ العربية (الرافعي) بقلمه السيّال صورة مركّزة للهجرة  وأثرها فقال: "مع الهجرة وانتقال الرسول إلى المدينة؛ بدأت الدنيا تتقلقل كأنّما مرّ بقدمه على مركزها فحرَّكها، وكانت خطواته في هجرته تحطّ في الأرض ومعانيها تخطّ في التاريخ، وكانت المسافة بين مكة والمدينة ومعناها بين المشرق والمغرب". بينما كتب الأديب عبد الرحمن شكري: "في الهجرة النبوية رمز ذو معنيين: معنى فيما ينبغي أن نتجنّبه من مشابهة المشركين في اضطهاد الحقّ، ومعنى فيما ينبغي أن نتخلّق به من الائتمام بالنبيّ صلى الله عليه وسلّم في إبائه مزايلة الحق وصونه".بما يعني أنّ الهجرة في مفهومها الشامل، أوْسع مِن كونها ترحالا عبر مكان يَحدّه زمان؛ بل تَغيُّر مِن حال إلى حال، وانتقال مِن مقام إلى مقام..وكأنّ كلّ طلاق للباطل وعناق للحقّ هجرة، وكلّ ولاء لله وبراءة ممّا سواه هجرة، وكلّ هَجْر لما نهى اللهُ عنه هجرة.

والحقّ أنّ نظرةً إلى واقعنا المرير، تُنبؤنا أنّ الهجرة بمعنى الانخلاع مِن كلّ العادات والتصوّرات غيْر الإسلامية، هي واجب الوقت وطريق الخلاص..

فكم مِن حاكمٍ ظالم وجَب أن يهاجر؟!

وكم مِن مسئولٍ فاسد حان أن يهاجر؟!

وكم مِن عبدٍ آبق مارق آن أن يهاجر؟!

وكم مِن أمّةٍ خيّم عليها الجهل والكسل حُقّ لها أن تهاجر؟!

نعَم، في الهجرة المكانيّة فقدانٌ لمراتع الصِّبا وذكريات الطفولة، وفراقٌ للخلّان والأصدقاء، وبُعْدٌ عن المال والدّيار، واستبدالُ مجهولٍ بمعلوم وخوفٍ بأمْن واضطرابٍ بسكينة وتشرّدٍ باستقرار، وهو ما عبّر عنه جالينوس حين قال بأنَّ العليلَ يَتروّح بنسيم وطنه كما تتروّح الأرضُ الجدبة ببلل المطر، وطبَّقه البرامكةُ حدّ المغالاة حين دأبوا على حمل حفنة مِن تراب الوطن في جراب أسفارهم بغرض التداوي! ولكن حين يُصبح الخيار بين دينٍ ودنيا، فالأمْر محسومٌ والكسْب مضمون والهجرة واجب لا نفل فيه، وعلى هذا كان حال الإمام البُخارِيّ حين أَخرجَه أميرُ بُخَارَى منها قسْرا فقال: "لا أُبالِي إذا سَلِم ديني". بمعنى أنّ الوطنَ غالٍ ولكنّ الدِّينَ أغلى، والمكان الذي يقف حجر عثرة أمام تحقيق آمالنا وطموحاتنا لا يستحقّ أكثر من دمعة تُراق على فراقه، وهذا ما صاغه الإمام ابن عربي صياغة بديعة بقوله: "المكان الذي لا يُؤنَّث لا يُعوَّل عليه"، أي المكان الذي لا يضعك في المكانة اللائقة بك لا يُركَن له ولا يُنتَحب عليه..

فهذه الحدود الجغرافيّة المُصطَنعة التي لم يَعرفها العالَم القديم، وما ورَدَتْ في كتاب سماويّ ولا ضمن شريعة نبيّ؛ تَشكَّلتْ إثر حروب سعَّرها الاحتلال البغيض، فنهَش فيها القويُّ الضعيف، وأَعطى بموجبها مَن لا يملِك لمَن لا يَستحقّ، لا لشيء إلّا لتَسجِننا وراء قضبان الوطن وأغلال القوميّة وأصفاد الجِنسيّة. وهي ما وصفها أحد طلائع النازيّة (راتزل)، بأنها أشبه بجلد الكائن العضوي والذي يجب أن يتمدّد باستمرار مع نموّه!

وفي خضمّ معانى الهجرة العديدة، تذوب تلك الحدود وتنصهر تلك القيود والأصفاد؛ فيَذهب الوطن إلى أبْعد مِن محلّ الموْلد والإقامة، وتتجاوز المشاعرُ الوطنيّة أولئك الذين يُساكنوننا الوطن، ويَتقدّم الدِّينُ على الهويّة والقوميّة والجِنسيَّة، ويُصبح الأهمّ كيْف تعيش لا أيْن تعيش؛ فما شفَع بيتُ النّبوة لابن نبيّ الله نوح، وما ساء نبيَّ الله موسى عيْشُه في كنفِ فرعون..

وفي هذا يقول المصطفى -صلّى الله عليه وسلم-: "البلادُ بلادُ الله، والعبادُ عباد الله، فحيثما أَصَبْتَ خيرًا فأَقِمْ"، ويُفسّره قولُ المفكِّر عبد الكريم بكار: "إنّ زمانَنا هو زمان الإنسان المرتحِل والقادر على تحمّل آلام مغادرة مسقط رأسه، لِيجول في أرض الله -عزّ وجلّ- باحثا عن المكان الأكثر ملاءمة لإنتاجه وعطائه". بينما يُؤكِّد عليه أبو نُواس فيقول:

"إذا كنتَ في أرضٍ عزيزًا وإنْ نَأَتْ،،،

فلا تُكْثِرنَّ منها تِراعًا إلى الوطنْ

وما هي إلّا بَلْدةٌ مثلُ بَلْدةٍ،،،

وخيْرُهُما ما كان عوْنًا على الزّمَنْ"

***

بقلم د. منير لطفي

طبيب وكاتب - مصر

 

محمود محمد عليما زلت أومن بل ربما أكثر من أي وقت مضي، بأن الإبداع يتجسد في تلك الأفكار الجديدة والمفيدة والمتصلة بحل مشكلات معينة، أو تجميع وإعادة تركيب الأنماط المعروفة من المعرفة في أشكال فريدة، ولا يقتصر الإبداع على الجانب التكنيكي، لأنه لا يشمل تطوير السلع والعمليات المتعلقة بها وإعداد السوق فحسب، بل يتعدى أيضاً الآلات، والمعدات، وطرائق التصنيع، والتحسينات في التنظيم نفسه، ونتائج التدريب، والرضا عن العمل بما يؤدي إلى ازدياد الإنتاجية؛ فالإبداع في نظري ليس إلا رؤية الفرد لظاهرة ما بطريقة جديدة، لذلك يمكن القول إن الإبداع يتطلب القدرة على الإحساس بوجود مشكلة تتطلب المعالجة، ومن ثم القدرة على التفكير بشكل مختلف ومبدع، ومن ثم إيجاد الحل المناسب

والإبداع كلمة جميلة ورائعة، ولكن لم يتوصل إلي علماء اللغة إلي تعريف جامع مانع لها بصددها، ولكن الذي يهمنا هنا في هذا المقال هو الإبداع المعماري، وهذا الإبداع حدده الكثير من الباحثين والدراسين بأن له أكثر من وجه، فأحياناً يُقصد به الاختراع، وأحياناً أخري يُقصد به اكتشاف شئ موجود غير واضح للناس، ولكن أبدع في إظهاره علي الواقع، وأحياناً يُقصد به كونه، يمثل عملية اختزالية لممارسة المهنة، أو عملية تراكمية للعمل في ذلك المجال من خلال التجارب، والبحوث، والاطلاع، وبلورته بشكل جديد يواكب العصر، وأحياناً يُقصد به توظيف المشروع لما خُصص له مع ربط عناصره جميعها لخدمة الوظيفة الأساسية.

وهناك مهندسون مبدعون في التصميم المعماري ساهموا بقدر استطاعتهم الارتقاء بفن العمارة إلي أعلي درجاتها ؛ حيث استطاعوا أن ينقلوا البحث في مجال التصميم المعماري من مجرد التعريف العام به، أو الحديث الخطابي عنه، إلي مستوي دراسته دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كانوا في هذا صارمين إلي أبعد حد، فهم الذين قال الله عنهم في كتابه العزيز :" وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ (الأعراف: 74).. فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية يحدثنا عن الأقوام أنهم اتخذوا من السهول قصورًا، ونحتوا الجبال بيوتًا.

ويعد الأستاذ الدكتور نوبي محمد حسن عبد الرحيم (أستاذ التصميم المعماري وعميد كلية الهندسة بجامعة أسيوط بجمهورية مصر العربية ) واحداً من كبار الأساتذة المصريين الذين ساهموا في وضع قواعد للتفكير الإبداعي في عملية التصميم المعماري، حيث استطاع من خلال بحوثه في فن العمارة إلي أن يرسم لنا صور جميلة عن التصميم المعماري الذي يوصف بالجمال، الاكتمال، والتناسق، ويدفعه هذا التصور إلى تجسيده واقعًا حيًّا في مفردات حياته اليومية فيما يتعلق بالبناء والعمران.

علاوة علي أنه يعد واحداً من كبار المهندسين المعماريين المصريين الذين يؤمنون، بأن التصميم للمعماري هو حجر الأساس في مهنته، ويتعدى مجرد تجميع الأحيزة الفراغية معا أو تشكيل عناصر المبنى فقط، بل هو آلية ومنهجية ونشاط ذهني.. وهنا نجد الدكتور نوبي يذكرني بقول المعماري ليبوس وودز: "إن عِلم الجمال تندر مناقشته في كليات الهندسة المعمارية".

والأستاذ الدكتور نوبي الرحيم من مواليد محافظة قنا – مركز قوص، وتدرج في مراحل التعليم الإبتدائي والثانوي والجامعي، حيث دخل كلية الهندسة – قسم "العمارة"، جامعة أسيوط، وحصل منها علي درجة البكالوريوس فى "العمارة" بتقدير عام "ممتاز"، حيث كان الأول علي دفعته عام 1988م، وفي السنة التي تليها عُين معيداً بقسم العمارة عام 1991، ثم حصل علي درجة الماجستير في العمارة تحت عنوان" التوافق بين أطراف العمل المعماري" عام 1991، وبعد ذلك حصل علي دكتوراه الفلسفة في العمارة، وذلك في موضوع بعنوان " التفكير الإبداعي في عملية التصميم المعماري"، ثم أخذ بعد ذلك يتدرج  في المناصب العلمية والإدارية، فحصل علي درجة الأستاذية عام 2014م، واستمر في عملية الترقي في العمل الإداري، حتي أصبح عميداً لكلية الهندسة من 2017 وحتي الآن .

وله مؤلفات كثيرة نذكر منها : كتاب "الإلهام المعماري"، وكتاب "الوقف والعمران الإسلامي"، وكتاب دور الوقف في إدارة موارد المياه والحفاظ على البيئة بالمملكة العربية السعودية، وكتاب "البيوت الذكية"، وكتاب "لمحات إبداعية من فنون العمارة الإسلامية"، وكتاب "تصميم البيت الحديث"، وكتاب "الدروس المستفادة من دراسة تاريخ العمارة - الجزء الأول: العصور القديمة والعصور الوسطى الأوربية"، وكتاب "الإبداع في العمارة (المفهوم - المرتكزات - التطور التاريخي)"، وكتاب "العمران الرأسي وأمراض الإنسان"، وكتاب "كيف تكون معماريا مبدعا"،  وكتاب "البحر وعلاقته بالحياة في الكويت"، وكتاب "عمارة المسجد في ضوء القرآن والسنة"، وكتاب "نظريات العمارة  جزآن".. علاوة علي قيامه بنشر العديد من الكتب (ضمن فريق عمل) في عمليات الابداع المعماري مثل "النظم المعماري"، و"الإسكان التنموي"، و"دليل المسكن الميسر".

كما قام بنشر أبحاثه في دوريات علمية محكمة، ونذكر منها "الفراغ المعماري من الحداثة إلى التفكيك - رؤية نقدية"، و"المدى الزمني لبقاء المعلومات في ذاكرة طلاب العمارة (دراسة تطبيقية على طلاب مقرر نظريات العمارة  بجامعة الملك سعود)"، و"قيم الإبداع في التصميم المعماري"، و"تنمية قدرة الطلاقة الفكرية في مراحل توليد الأفكار المعمارية (دراسة تجريبية على طلاب التعليم المعماري بجامعة الملك سعود)"، و"الإلهام في العمارة - رؤية للتبسيط والفهم"، و"الوقف والنظرية المعمارية - صياغة معاصرة"، و"طرق التغلب على حالة الكف الفكري في التصميم المعماري"، و"مبادئ التصميم المعماري لنمط المباني ذات الأفنية الداخلية"، و"دور مواد البناء الحديثة في تطور الفكر المعماري في القرن العشرين"، "التصميم الاجتماعي للمجمعات السكنية العالية"، و"تجميع النفايات المنزلية الصلبة، رؤية مستقبلية"، والمنظور الإسلامي لتعزيز النشاط البدني للإنسان"، و"الوقف الإسلامي والاستدامة (بيمارستان قلاوون بالقاهرة –حالة دراسية)"، و"تصميم البيئات التعليمية للأطفال والشباب: صياغة منظومية معاصرة في إطار الثورة الرقمية"، و"الثورة الرقمية ومباني المكتبات – الأنشطة والتصميم (المكتبة المركزية لجامعة الملك سعود بمدينة الرياض - حالة دراسية"، "المساكن الذكية (نموذج للمسكن الميسر في القرن الواحد والعشرين)"، و"منظومة الحكومة الإلكترونية"، والمدينة المعلوماتية (رؤية مستقبلية لعملية التنمية العمرانية بالمناطق الصحراوية)"، و"تقنية المعلومات في الخدمات البلدية"، و"النمو الرأسى للعمران وفقدان التماسك الأسرى والاجتماعى"، و"البعد المعلوماتى: ودوره في صياغة استراتيجيات تنمية المدن فى القرن الحادى والعشرين"، و"العمارة المعلوماتية: رؤية لإشكالية الإبداع المعماري في القرن الحادي والعشرين"، و"أسس الإبداع المعمارى"، وهلم جرا..

وقد نال عدة جوائز منها: جائزة التميز العلمي لأفضل كتاب مؤلف من جامعة الملك سعود (مناصفة) عن كتاب الوقف والعمران الإسلامي، وتاريخ منح الجائزة مايو 2013م، وجائزة الشيخ خليفة بن سلمان بن محمد آل خليفة العلمية لعام 2001م، مركز معلومات المرأة والطفل، عنوان البحث "منظومة العلاقات الاجتماعية في عصر المعلوماتية (رؤية لبنية المجتمعات الإسلامية في عصر المعلوماتية"، مدينة عيسى، البحرين، وجائزة الشيخ عبد الله المبارك الصباح للإبداع على مستوى الوطن العربي لعام 2001م، عن موضوع "البحر وعلاقته بالحياة في الكويت"، دار سعاد الصباح، الكويت.. وجزائز أخري كثيرة.

ونحاول في هذا المقال أن نبرز الجوانب الإبداعية في فكر الدكتور نوبي عبد الرحيم، حيث نجده في بحثه في "الفراغ المعماري من الحداثة إلى التفكيك - رؤية نقدية" يركز علي الطروحات المعاصرة على دراسة مفهوم وعملية التصميم من زوايا عدة تميزت اغلبها بالتزام جانباً علمي واحد في الدراسة كالإبداع والمنهج وعناصر التصميم أو غيرها. وهذا ما أبعد النتاج الفكري والمعرفي بالمحصلة عن الشمولية في تحديد وفهم خصائص وملامح هذا المفهوم وفي نفس الوقت وسع القاعدة المعرفية عن جانب لوحده دون الاخر بشكل جعله ينفصل عن بقية الجوانب ويفقد العلاقة المعرفية والفكرية التي يمكن أن توجد في حال درس بشكل مرتبط مع البقية. هذا كله شكل الأساس والحاجة الحقيقية لانطلاقة البحث والسعي لفهم وعرض الشمولية المتأتية من دراسة مفهوم التصميم باعتماد علاقة جانبين أساسيين فيه هما الجانب الإبداعي والجانب المنهجي.

وأما "الإبداع في العمارة (المفهوم - المرتكزات - التطور التاريخي)"، فيسعي الدكتور نوبي إلي إيجاد نوع مـن العلاقة بين أفعال التفكير التي يقوم بها الذهن، وما بين عمليات الإنتاج في العمارة، واتضح لنا ذلك حين كشف لنا أن عملية التصميم تتضمن تداخل ثلاثة أنماط فكرية تتمثل في التخيل، والعرض، والاختبار مع نوعين من المعلومات هما المعلومات المحفزة للخيال مع جسم معرفي للتحقق وتسير بشكل لولبي يمثـل تقدم الفعل التصميمي، ويتم عن طريق سلسلة من تطابق المفـاهيم بالانتقالات الإبداعية وتتعمق فيه مسؤولية المصمم تباعاً.

وفي كتابه التفكير الإبداعي في عملية التصميم المعماري أوضح لنا الدكتور نوبي أن التداخلات الفكرية في أثناء العمل التصميمي، تحدث لتشكيل ما أطلق عليه اسم فعاليات التقييم التحليلي وفعاليات التقييم التركيبي بشكل مستمر، وبصورة يكون الفصل فيما بينها غير ممكن من الناحيـة العمليـة وإن السلوك التصميمي يتفاوت في مقدار ما يحويه من نسب لإنجاز هذه الفعاليات عبر الزمن المخصص لإتمام المهمة المناطة بالمصمم.

وأما في كتابه "الوقف والعمران الإسلامي"، فقد أكد الدكتور نوبي أن المصمم غالباً ما يلجا إلى إجراء الفعاليات التصورية، أو عمليات خلق الأشكال في مخيلته عندما يحاول فهم أو إدراك المعضلات البصرية، وأن تلك الصور الذهنية غالبا ما تقوم بالنسبة له مقام اللغة المحكيـة بالنسبة للآخرين.

وفي دراسته عن "العمارة المعلوماتية"، أكد الدكتور نوبي عن تحتاج النظريات العلمية والفنية إلى خيال لكي تخرج بصورتها المتناسقة والمترابطة، فالإنسان هو المصدر الأساس والمنبع لكل المكتشفات العلمية والفنيـة، ويمكن القول أن المنبع الذي ينبثق منه الكشف العلمي الجديد والعمل الفني الجديد هو منبع واحد، وأن الجذور الاولى والعميقة للعلم والفن واحدة وجذورها الأصلية ترجع لمصدر الإبداع في الإنسان.

كذلك في دراسته عن "قيم الإبداع في التصميم المعماري"، أكد الدكتور نوبي أن الجدة والحلول غير المكررة على مستوى البناية ككل هي من علامات العمارة المتميزة. كما وصف العمل المبدع بأنه واقعي ويساعد في حل المشكلة، علاوة علي أنه لا بد من التعرف على مصدر الجدة وصيغ تحقيقها لأن مصدر الجدة فـي الفكرة هو ليس التوغل باتجاه اعماق المشكلة التصميمية، وليس فقط باتجاه الحل فحسب، بل مدى التوغل المـرتبط بحساسية التقاط ما هو صميمي وغير مباشر مقارنة مـع ما هو عرضي وسطحي.

وفي دراسته عن "تنمية قدرة الطلاقة الفكرية في مراحل توليد الأفكار المعمارية"، أكد الدكتور نوبي تركز الدراسة على أسس المدرسة الإدراكية في علم النفس المعرفي في تفسير العمليات التي تحدث في ذهن المصمم عند إنجازه للمهمات التصميمية، وأن العمل التصميمي يؤسس بعدد من المحددات الداخلية والخارجية التي تشكل المولد الأساس للحل، فالمحددات الداخلية هي ما يمليه المحتوى الضمني للمشكلة التي غالباً ما يحددها المستفيد لتشكل جسد الخلاصة التي يعتمدها المصمم في الحل في حين تشكل المحددات الخارجية المحتوى الظرفي للمشكلة التي تغطي المؤثرات العامة للحل كما أنها تزود بالإمكانيات المكانية والزمانية لمجال تأثير المشكلة، ولذلك فهي تكون مؤثراً ملهماً في تأليف الحل.

ويتبنى الدكتور نوبي في دراسته عن "الإلهام في العمارة"، فكرة أن التصميم مجال يندمج فيه الحدس بالمنطق، وأن الحدس يسير تدريجياً ليتحول إلى مقدمات عقلانية، ويحاول التقدم بمنهج يزود المصمم بآليات منتظمة لحفظ معلوماته خارج الذاكرة، دون الحيلولة ضد حرية انتقال الأفكار لديه.. وفي دراسته عن "مبادئ التصميم المعماري" يتبنى الدكتور نوبي أيضاً أن التصميم يتمثل بمحاكاة ما موجود مـن أشكال الطبيعة والأشكال المصطنعة من خلال توجيه طريقة تفكير المصممين مع وجود تباين بحسب الحقل المتبنى لحل أي مشكلة تصميمية ليؤشر ذلك اعتماده جانبين أساسيين متعاشقان في سبيل منحه الفاعلية للأداء همـا الجانب الإبداعي والجانب المنهجي.

أما في دراسته عن "دور مواد البناء الحديثة في تطور الفكر المعماري في القرن العشرين"، فيتبنى الدكتور نوبي كذلك أن الجانب الإبداعي التخيلي يعتمد على أساس سمة الانطلاق للوثبة الفكرية الإبداعية باعتماد علاقة النتاج بمرجعه من أجل تحديد درجة الجدة والأصالة في النتاج مع مراعاة السياق المعتمد للعمل والمدى الزماني والمكاني.. وفي دراسته عن "التصميم الاجتماعي للمجمعات السكنية العالية"، فيوصي الدكتور نوبي في هذ البحث بضرورة التأكيد على أهمية فهـم ودراسة دور التلقي في تعريف العلاقة بين الجانب الابداعي والجانب المنهجي لمفهـوم التصميم المعماري... وفي بحثه الذي نشرة الدكتور بعنوان "المدينة المعلوماتية" .

وأخيراُ وعلي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور نوبي عبد الرحيم بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمهندس مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته لخدمة الوطن.

تحيةً لنوبي عبد الرحيم الذي  لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في نوبي عبد الرحيم قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المعماريين"، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

يسري عبد الغني"لما كان الناس إخوة، فقد وجب عليهم أن يتعاونوا على البر، وفي السراء والضراء وحين البأس، وإنه من الواجب على كل إنسان قادر إطعام المسكين، وهداية الضال، وذلك هو الواجب الأسمى" (سنيكا)

الحياة:

كان مولد الفيلسوف والروائي / سنيكا في مدينة قرطبة، في السنة الرابعة قبل ميلاد السيد / المسيح (عليه السلام)، وكان والده من سراة الرومان، محبًا للأدب والفكر، كما كانت والدته تتمتع بقدر كبير من الذكاء والثقافة، كما كانت على خلق رفيع .

ذهب سنيكا إلى روما وهو بعد صبي يافع، ودرس الفلسفة، فأكب عليها وكلف بها كلفًا شديدًا، وتعلم الأخلاق وفقًا للفلسفة الرواقية على يد أستاذه (أطالوس)، فحذا حذو الأستاذ، وزهد في متاع الدنيا، وأنشأ يعيش عيشة الفيلسوف الذي لا يطمع في أي شيء دنيوي زائل، غير أن (طيبروس)، إمبراطور الرومان في تلك الآونة، كان قد حظر على الناس ممارسة الشعائر الدينية الأجنبية .

وخاف والد سنيكا على ابنه مغبة الاندماج في زمرة أهل تلك الشعائر ، فألح عليه أن يترك الفلسفة، وأن ينصرف إلى الخطابة والكتابة، ونجح سنيكا في المحاماة وطار صيته في الأفاق، فحنق عليه (كاليجولا)، وكان طاغية روما المستبد حينئذ، وأمر بقتله على الفور، لولا أن نجا سنيكا من الهلاك بفضل سيدة (يقال إنها إحدى سيدات المجتمع وكانت مقربة لقصر الحكم ) سعت له عند ذلك الطاغية، فعفا عنه، وتنحى سنيكا عن الخطابة والمحاماة، وعاد إلى الاشتغال بالفلسفة التي استحوذت على لبه وقلبه .

اتهام باطل ونفي إجباري:

وفي ذلك الحين، تحمس سنيكا لتعاليم الفيلسوف المعلم / ديمتريوس الكلبي، وشرع يرشد طائفة من الشباب المستنيرين، وعلى رأسهم تلميذهم (لوقليوس)، ولكن (مسالينا) تلك السيدة التي اشتهرت في مجتمع سنيكا بالتهتك والخلاعة لم تكن تحب سنيكا أو تميل إليه، فرددت شائعة مفادها اتهام سنيكا بجريمة الزنا مع (يوليا) ابنة (جرمانيقوس)، وحكم على سنيكا بالنفي الإجباري إلى (كورسيكا) سنة 41 بعد الميلاد .

الحكيم لا يضام ولا يهان:

فكتب إذ ذاك رسالة (المواساة) إلى (مارقيا)، و(رسالة في الغضب)، وظل الفيلسوف في منفاه 8 سنوات، شريدًا طريدًا محرومًا من كل شيء إلا من عون الفلسفة، وكما كان يقال : الحكيم لا يضام ولا يهان مهما كانت الظروف والأحوال، وعندما أعلن مقتل (مسالينا) سمح لسنيكا بالعودة إلى روما .

وقلد سنيكا منصب (بريتور) وعهد إليه بتربية (نيرون) الطاغية المشهور فيما بعد، وفي الواقع نحن لا ندري ما كان من أثر الفيلسوف على الطاغية، مع أن سنيكا كان أستاذه ومعلمه وناصحه المقرب إليه، وفكر سنيكا آخر الأمر أن يعتزل الحياة العامة متفرغًا للفلسفة حبه الأول والأخير، وقيل : إنه أراد النزول عن جميع أملاكه الخاصة، فأبى عليه نيرون ذلك التصرف، واتهم الفيلسوف بالاشتراك في مؤامرة سياسية لقلب نظام الحكم، وحكم عليه بالإعدام .

حكم بالانتحار وزوجة وفية:

وأذن له نيرون أن ينتحر أمام الناس، على عادة الرومان في ذلك الحين، إلا أن زوجته التي كانت تحبه وتجله أعلنت رغبتها في أن تموت معه في نفس الوقت، ومن هنا اجتمع أصدقاؤهما، وقطع سنيكا شريانًا من شرايين ذراعه، وكذلك فعلت زوجته .

يقول لنا التاريخ أنه أثناء هذا المشهد المأساوي الدموي شرع سنيكا يلقي خطبة من أبلغ خطبه على جمع من رفاقه ومريديه، والدم يسيل من جراحه، حتى مات وهو يخطب .

أما السيدة زوجته فقد تم علاجها بأمر الإمبراطور حتى شفيت من جراحها، ولم يبق من مؤلفات سنيكا إلا القليل، منها عشر روايات تراجيدية، ورسالة مواساة إلى أمه، وأخرى إلى (ماراقيا)، وثالثة إلى (بوليب)، ووصل إلينا من مؤلفاته (الغضب)، و(السعادة)، و(ثبات الحكيم)، وغيرها ..، إلى جانب رسائله إلى صديقه (لوقليوس) .

عن امتحان الضمير وكمال النفس:

تناول سنيكا أقوال الرواقيين الأقدمين في مذهب الأخلاق، فأضفى عليها حياة إنسانية ومرونة لم نعهدها في فلسفة الرواقيين، ومن أرائه التي أسهب في بيانها قوله : إن بذل الجهد من شيم الكرام، يعني خاصتهم وصفوتهم، وإن الشرف الصحيح هو الذي يناله الإنسان بنبل قلبه وعظمة نفسه .

ويقول: إنه ينبغي علينا أن نعد الكمال صراعًا مستمرًا، وأن نخضع أنفسنا لاختبار جواني (داخلي) دقيق، فننظر كل مساء كيف أنفقنا ساعات نهارنا .

وسينكا يذكرنا أنه لا شيء من افعالنا بناج من رقابة الضمير الذي يقف لنا بالمرصاد، ثم هوينصح لنا بالاستعدد بالحياة الباقية، وذلك بأن نضعها نصب أعيننا، وأن آخر أيام الحياة أول أيام البقاء، ثم هو يتكلم عن الإعجاب الذي يستولى على نفوسنا حين يتجلى لنا النور الإلهي، وحين نستشفه من منبعه عند التأمل، ويصف الأديب الفيلسوف حضور الله في نفس الإنسان حضورًا لو انكشف لفاضت له النفس وجدًا .

إنسانية متفردة:

وقد خفف سنيكا من حدة الأخلاق الراقية القديمة، فلشد ما تسمعه يتغنى بالرحمة والإخاء، ويقول : لما كان الناس إخوة، فقد وجب عليهم أن يتعاونوا على البر، وفي السراء والضراء وحين البأس، وهو يرى أنه من الواجب على كل إنسان قادر إطعام المسكين، وهداية الضال، وذلك عنده هو الواجب الأسمى، وإن خالف المألوف من أخلاق العصر وآرائه، وسنيكا يفضل طيبة القلب، والإحسان في السر، على سائر ضروب الإحسان الظاهر .

عن الفلسفة والمال:

وشواهد ذلك أنه يرى التكالب على جمع المال والتصارع على المناصب أمرًا ذميمًا، ولكنه يقول لنا : إن المال إذا جاءنا لم يكن من الحكمة أن ننبذه نبذًا، بل ربما كان من ضعف الرجل أن يعجز عن احتمال الثروة، إذ الثروة محنة ينبغي عليه أن يجتازها بكرامة ومروءة .

ويقول سنيكا : إذا صح أننا ينبغي أن نعيش على وفاق مع الطبيعة، أفلا يكون من مخالفة إرادتها أن نوقع بالبدن صنوف العذاب ؟، نعم، إن الفلسفة تحض الناس على العيش في كفاف، لكن الكفاف لا يتنافى مع الاستمتاع بطيبات الحياة، وجملة القول : إننا ينبغي أن نقتني المال، على شرط أن لا نتركه يستعبدنا، وإذا ضاع منا لم تذهب نفوسنا عليه حسرات، وما أجمل أن نساعد به المحتاج والفقير والضعيف .

يقول الفيلسوف الزاهد : إننا نستطيع أن نتغنى بما يسمى العصر الذهبي، وأن نشيد بالأكواخ التي عاش فيها آباؤنا الأولون !، ولكن لا نستطيع أن نحمل ثريا من الاثرياء ، أو سيدًا من السادات على ان يعيش فى برميل ، كما صنع (ديوجين) .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

 

عبد الحسين شعبان"ليت لي رقبة كرقبة البعير كي أزن الكلام قبل النطق به"

الإمام علي


عزيز محمد "مرشح تسوية"

لا يمكن اختزال مسيرة عزيز محمد ببضع كلمات تمجيد أو تنديد، تقديس أو تدنيس، فللرجل بصمة واضحة على مسار الحركة الشيوعية العراقية لنحو ثلاثة عقود من الزمان بصفته أميناً عاماً وعاش منعطفاتها الحادة وانشقاقاتها وتعرّجاتها وصعودها وونزولها وتقدّمها وتراجعها لسبعة عقود من الزمان، وعلينا بقدر دراسة شخصيته، دراسة الظاهرة الحزبية بتعدّدها وأزماتها ودورها في محصّلة العمل، لنرسم في نهاية المطاف الصورة الكلّية الإجمالية بكل منعطفاتها واندفاعاتها وتردّدها ومحطّاتها الإيجابية والسلبية، فلا يمكن قراءة التاريخ بشكل آحادي، بل أخذه كوحدة كاملة على حد تعبير بليخانوف والمهم الاستفادة من دروسه وعبره، علماً بأنه لم يسعَ إلى القيادة أو الأمانة العامة التي كادت أن تُفرض عليه في ظلّ أوضاع غير طبيعية في الحزب بعد استشهاد نحو 25 قائداً من قادته إثر انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963.

وقد حسمت التوازنات الحزبية الموقع لصالحه لأنه ليس طرفاً في الصراعات الحزبية التي اندلعت في القيادة ضد سلام عادل، فضلاً عن ذلك، قد يكون هو الأقدم حزبياً وفي موقع المسؤولية وعلى رأس التنظيمات في كردستان في ذلك الوقت، علماً بأن عبد السلام الناصري كان المرشح الأقوى، لكن ثمة رأي عام في  بعض مفاصل إدارة الحزب أخذ يتشكّل ضده بعد فترة توليّه المسؤولية مؤقتاً عقب انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 في الخارج ، ولم يكن رأي السوفييت لصالحه، ثم إن الفريق المؤهل كلّه كان معاقباً مثل عامر عبدالله وزكي خيري وبهاء الدين نوري، وأعيدت هذه الشخصيات إلى القيادة في ذلك الاجتماع وليس من المعقول أن ترشّح نفسها أو يرشّحها أحد ليتمّ انتخابها.

ويعلّق عزيز محمد على اختياره أميناً عاماً للحزب بقوله " أنا نفسي لا أعرف لماذا جعلوني سكرتيراً للحزب الشيوعي العراقي" ويضيف: لقد أصبحت عضواً في اللجنة المركزية 1958 (وفي المكتب السياسي 1959) بدون مؤتمر (الحلقة الثانية من جريدة رووداو 11/11/2019).

1728  شعبان 1يضاف إلى ذلك الصفات الشخصية الإيجابية لعزيز محمد، فهو عالي التهذيب وشديد التواضع ودمث الأخلاق وظلّ على هذه الحال ودوداً ودافئاً حتى آخر أيام حياته، فلم يذكر أحداً بسوء، وكان دائماً يجدُ المبررات والأعذار لمن تناوله بالتجريح، ويمكنني القول دون تردّد على الرغم من نقاط الضعف العديدة في سيرته وما رافق قيادته من أخطاء وانتهاكات وما يتحمّله شخصياً من وصول الحزب إلى ما وصل إليه، لاسيّما في حياته الداخلية والعلاقات بين أعضائه، أن فمه كان معطّراً، حتى أنه كان ينتقي كلماته بدقة شديدة ويملّحها بما هو طيب وإيجابي، وتلك ميزة كان الأقدر عليها.

وقد روى لي عامر عبدالله، كيف أن عزيز محمد حاول الاعتذار عن ترشيحه أميناً عاماً، وقال مُخلصاً أنه ليس أفضل الرفاق ولا أكفأهم وهو ليس بقادر على تحمّل هذه المسؤولية التي ستلقى على عاتقه، ويمضي لاستكمال ذلك بقوله: حاولت وآخرين إقناعه ليكون أميناً عاماً لمدة عام على الأقل " كمرشح تسوية" لكنه بعد أن ذاق طعم منصب السكرتير العام وما أحيط به من هيبة وهالة، وخصوصاً في مؤتمرات الأحزاب الشيوعية والاتحاد السوفييتي، تمسّك به والكلام لعامر عبدالله، فقد استمرأ الموقع، وحاول اللعب على التناقضات ولم يكن يحاول جدّياً الدخول في معتركات الحزب، لاسيّما في الانعطافات الحادة.

وكنت قد سألتُ عزيز محمد بعد سنوات من تخلّيه عن منصب السكرتير، على الرغم من معرفتي بالخلافات العامة والخاصة والملابسات العديدة التي رافقت رغبات العديد من الإداريين للوصول إلى المواقع العليا في صراع محموم ، هل صحيح ما جاء على لسان الرفيق زكي خيري في مذكراته " صدى السنين " وما تردد على لسان أحد إداريي الحزب أنكم كنتم تبحثون عن سكرتير للحزب من أصول عربية، فقال لي وكنّا في دعوة خاصة في منزل علي عبدالله في شتاء العام 2000 في مصيف صلاح الدين : ألم تقولوا أن عملية "تكريد" للحزب قد جرت، وآن الأوان للبحث عن إعادة الحزب إلى بيئته الأساسية التي نشأ فيها ؟

فقلت له هذا شيء وسؤالي شيء آخر، فكان جوابه دبلوماسياً ناعماً، فقال لي: كنّا نسأل قياديين وكوادر ورفاق قدامى رأيهم في فلان أو فلان ومواصفات كل منهم ، بحيث لا يكون هناك انقطاعاً، بل تواصلاً وكي لا تحدث حتى مفاجآت، واختار المؤتمر الخامس كما تعلم من كنّا نستعد لتهيئة بعضهم، ولعلّ أكثر من رفيق توهّم أننا بسؤالنا عن المواصفات بأننا نعرض منصب السكرتير العام عليه، وهنا ابتسم على طريقته الإيحائية ، ثم أردف بالقول: ربّما اعتقد أكثر من رفيق أن موقع السكرتير العام سيكون شاغراً وكلٌ وجد في نفسه الأفضلية.

أزمة مركّبة

وعلى هذا الأساس لا يمكن اختزال أزمة الحزب الشيوعي بعزيز محمد، وستكون تلك القراءة سطحية ومجتزأة واستهدافية، ومع كل ما تحمله شخصيته من استثناءات، إلّا أنه لا يمكن عزلها عن طبيعة المرحلة السياسية ومعادلتها الأممية والإقليمية والعراقية، ولهذا لا يمكن الاكتفاء بمظاهر الأزمة، بل محاولة تقديم تفسيرات واجتهادات حولها. ولا بدّ من معرفة أبعاد الأزمة، فقد كانت:

أولاً- أزمة فكرية بالدرجة الأساسية وهي أزمة  قراءة للماركسية وتجليّاتها التي هي مرشد ودليل عمل ومنهج ، فقد تحوّلت مع مرور الأيام إلى مجرد "تعاويذ" و"أدعية" بعيدة عن الحياة والواقع وما يرسمه من متغيرات، وتم التشبث بالصيغ والكليشيهات الجاهزة وامتاز الإعلام الحزبي بالصخب والانعزالية وتحوّل بعضه إلى أدوات لتأجيج الصراع الداخلي وتوتير الأجواء والتحريض بصورة لا مبدئية، وأشارت وثيقة تقييم كانت قد صدرت عشية تأسيس حركة المنبر والموسومة " نحو حل شامل لأزمة الحزب وصيانة وحدته وتعزيزها على أساس الشرعية وسيادة الروح المبدئية في حياته الداخلية" إلى المظاهر السلبية التي مهّدت لانعقاد "المؤتمر الرابع" وكان قد سبقها أحداث بشتاشان الدامية العام 1983، خصوصاً الثغرات العميقة والأخطاء الفادحة (كتب هذه الوثيقة الرفيق مهدي الحافظ واطلع عليها الرفيق نوري عبد الرزاق وأبدى موافقته، كما اطلع عليها حوالي 20 رفيقاً ).

وكانت الوثيقة المذكورة قد ركّزت على التشوّش والتذبذب في الموقف إزاء الحرب العراقية- الإيرانية، لاسيّما بعد احتلال أراضي عراقية من طرف إيران وإعلان توجهها السياسي وعدم إخفاء أطماعها التوسعية، خصوصاً وأن بعض الأصوات المرحّبة بدخول القوات الإيرانية قد ارتفعت بزعم التخلّص من الطغمة الحاكمة، ليس هذا فحسب، بل إن إطلاق الشعارات دون تدقيق وتمحيص كان سائداً، فمن شعار الكفاح المسلح والزحف على المدن، إلى الانتفاضة المسلحة ثم الثورة الشعبية الظافرة.

1728  شعبان 2

كل ذلك دون دراسة معمّقة وقراءة للواقع، ناهيك عن زجّ الطليعة والكادر المتقدّم في عمليات عسكرية غير ناضجة وبلغ النزف في قوى الحزب حدّاً كبيراً نجم عنه مئات الشهداء، بما يغذي الميل اليساري، والأمر شمل ميدان التحالفات الوطنية التي دفعنا أثماناً باهظة إزاء تقلباتنا فيها .

إن كل ممارسة لا تقرأ الواقع في ضوء النظرية، مثلما حين لا تقرأ النظرية الواقع ولا تنطلق منه، سيتحوّل فيها الفكر إلى شكل من أشكال القداسة، بل أقرب إلى التديّن في إطار طقوسية إيمانية وهو داء تقع فيه الأحزاب العلمانية مثل الدينية، والسلطات والمعارضات، ومثلما انفصلت أنظمة عن الواقع وأسقطت رغباتها عليه وحاولت وضع المجتمعات في قوالب حتى وإن أبيد بشر وتعطّلت تنمية وساءت أحوال الناس المعاشية لتأكيد فكرة حسنة أو سيئة، فإن معارضات سلكت ذات الطريق تحت عناوين "ثورية" حتى وإن تم التفريط ببشر لحساب فكرة في الرأس واقعية أم متخيّلة، والفارق بين هذه وتلك  ليس في المضمون والتوجّه، بل في الدرجة، أي بمدى التبعية والاستعباد والخضوع للفكرة المهيمنة خارج التفكير الحر. وكان لينين غالباً ما يستشهد بقول الشاعر الألماني غوته "وتبقى النظرية رمادية بالية وأما شجرة الحياة فيافعة خضراء".

وسبق لي ومنذ وقت مبكر أن تناولت أزمة الماركسية  في دراسات وأبحاث ومقالات وأشير هنا إلى الحوار الموسّع  الذي أجراه معي  الصحافي البحريني هاني الريّس  لجريدة أنوال المغربية ونشرته على حلقتين وهو بعنوان: أزمة الماركسية : هل هي واقع أم مجرد دعاية سوداء؟ (الرباط 14 و21 آب/ أغسطس /1990).

إنها أزمة قيادة بالطبع، لأن القيادة والأصحّ "إدارة الحزب" اعتادت على نمط التفكير المتلقي وشحّ المبادرات والخشية من الاجتهاد، دون أن يعني ذلك عدم وجود استثناءات، لكنها كانت محدودة، وقد طغى عليها  نمط من الاستكانة والإيمانية الوثوقية بما يأتيها من المركز الأممي، بما فيها القضايا التي تخصّ مصائر شعوبنا وأممنا، وهناك أمثلة كثيرة وصارخة.

ثانياً- أزمة التعويلية ولا ينفرد بها الحزب الشيوعي العراقي أو الأحزاب الشيوعية العربية، بل هي أزمة عامة شملت الأحزاب القومية العربية والكردية والأحزاب الإسلامية، لاسيّما بوجود مصالح وامتيازات توفّرت لمراكز القوى داخل الأحزاب، الأمر الذي يدل عليه الكثير من الشواهد والقرائن والوثائق التي تدعمه، فإذا كانت عيون الشيوعيين تتّجه صوب موسكو، فالقوميون العرب كانت مرجعيتهم عبد الناصر والقاهرة أو نظامي البعث السوري (دمشق) أو العراقي (بغداد)، ودخلت عوامل مؤثرة على الحركة القومية الكردية التي اعتقدت أن حلّ قضيتها في الخارج، وأحياناً كانت الأنظار تصوّب إلى واشنطن  وإلى بعض العواصم الإقليمية .

أما الإسلاميون ، وخصوصاً الأحزاب الإسلامية الشيعية، فقد كانت مرجعيتها إيران بعد الثورة الإسلامية العام 1979 في حين كانت مرجعية "الأخوان المسلمين" مصرية- عالمية، ولعل موقع أنقرة اليوم هو من يحجّ إليه الأخوان؛ وكل هذه القوى تتجاوز فكرة المواطنة، فبالنسبة للشيوعيين كانت تتقدّم مصالح "الأممية البروليتارية"ولم يعترف القوميون بالحدود وظلّ خطابهم يتجاوز الأطر الوطنية، والكرد تارة يقدمون أولياتهم كقومية وينسون أنهم يحملون جنسيات دولهم في محيط إقليمي متناقض، وضاعوا بين أطروحات كثيرة، والإسلاميون كانوا يفكرون " بالجامعة الإسلامية" التي تتجاوز الأوطان.

ثالثاً- أزمة سياسية وتاريخية مركّبة ومعقدة، وهي أزمة فهم ومعنى ودلالة، وتتعلّق هذه الأزمة بضعف تقدير الموقف، بسبب ضعف التأهيل أو ضعف المبادرة أو غياب الأداء السليم، خصوصاً عدم دراسة الواقع ومعرفة تفاصيله وتعقيداته، وبالتالي رسم سياسات منسجمة معه ولتغييره وستقود مثل هذه الأزمة، إمّا إلى تضخيم الذات أو التقليل من شأنها بالتياسر المفرط أو بالتيامن المحبط إذا استخدمنا تعابير الستينات، وسيتراوح مثل هذا التذبذب في التقييم إلى التذبذب في السياسات، لاسيّما حين يصيب مثل هذا الداء "الإدارة" ويؤثر على الجمهور الذي ستضعف الثقة بنفسه وبالإدارة الحزبية وسياساتها، فما بالك إذا كانت هذه الأخيرة ضعيفة الثقة بالنفس وتعتمد على المعادلات الخارجية .

وقد أدت سياسات التخبّط الفكري والتذبذب السياسي إلى دخول الحزب في تحالفات واتفاقات سياسية قلّلت من شأنه، فضلاً عن تأثيراتها السلبية عليه وعلى استقلاليته مثل: جبهة العام 1973 وجبهة جوقد وجبهة جود (1980) وجبهة الـ19 في طرابلس (1983) والجبهة الكردستانية في العام 1988 والمؤتمر الوطني العراقي 1992 ،والتحالفات مع الحزبين الكرديين المتصارعين، حتى أن وزيراً كان للحزب في السليمانية وآخر في إربيل، والانضمام إلى مجلس الحكم الانتقالي بعد الاحتلال العام 2003، وأخيراً وليس آخراً التحالف مع "مقتدى الصدر" تحت عنوان كتلة " سائرون" مروراً بمحاولات للتحالف مع "إياد علاوي" و"نوري المالكي" ومساعي لتجميع خليط تحت عنوان " التيار الديمقراطي" أو " المدني" كواجهة لم يعد زمانها قائماً، وللأسف فما زال البعض يعيش في الماضي وأساليب عمله وطرائقه.

وإذا كان التحالف فريضة، فلا بدّ أن يرتبط باستراتيجية طويلة الأمد من جهة وتكتيكية ظرفية مؤقتة لمواقف أو قضايا أو تحالفات انتخابية أو غيرها، لكن تلك الفريضة تتطلّب تحديد المستلزمات وعدم التخلّي عن نقد الآخر والذات وعدم القبول بالتبعية حتى وإنْ كان توازن القوى مختلاًّ، والمهم هو الحفاظ على الاستقلالية وحق الدعوة للأفكار البعيدة.

وبهذا الخصوص أسمح لنفسي بالقول : إن الحزب الشيوعي في تاريخه كان مخلصاً لقضايا التحالفات ومؤمناً بها ويسعى للحفاظ عليها، لكن أداءه في جميعها لم يكن سليماً باستثناء جبهة الاتحاد الوطني قبل العام 1958، ناهيك عن أنه لم يمتلك البراعة أو الجرأة أحياناً في تشخيص الأخطاء ومواجهة الآخر في حينها.

رابعاً- أزمة الهويّة، التي تتمثّل باختلال التركيب القومي والاجتماعي بين ما هو أممي وما هو قومي، في بلد غالبيته الساحقة من العرب، وإذا كانت القومية  العربية تؤلف ما يزيد عن 80 %، فسنرى  أن الصفة العروبية في الحزب وتوجهاته العروبية قد ضعفت إلى حدود كبيرة بغياب قيادة سلام عادل.

وقد يكون ثمة أسباب موضوعية وأخرى ذاتية، خصوصاً باندلاع الصراع القومي والبعثي- الشيوعي بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، وحصول استقطاب حاد وتناحري توّج بانقلاب 8 شباط (فبراير) الدموي العام 1963، وفي سبب آخر هو ظهور بعض التوجّهات القومية الكردية لدى بعض المسؤولين الحزبيين، ولاسيّما في كردستان، وهو ما كان سلام عادل قد واجهه مبكّراً، حيث كانت قد راجت دعوات لحلّ فرع الحزب في كردستان والانضمام إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي)، وهي تنم عن ضيق أفق قومي انعزالي.

ولهذا الغرض كتب سلام عادل كرّاساً يردّ فيه على تلك الأفكار التصفوية الذيلية وهو بعنوان" ردّ على مفاهيم برجوازية قومية وتصفوية " العام 1957، وهو ما ينسجم مع توجّهات الكونفرنس الثاني (أيلول/سبتمبر /1956)، وقد عمل الكاتب على نشر وثائق الكونفرنس والكراس  في كتابه الموسوم " سلام عادل- الدال والمدلول، دار ميزوبوتيميا، بغداد، 2019"، وذلك في محاولة منه لتبيان جذور هذه المسألة التي تفاقمت في وقت لاحق.

يتبع

 

عبد الحسين شعبان

 

يسري عبد الغنيفي عام 217 قبل الميلاد، كانت قوات قرطاجنة أثناء غزوها لإيطاليا بقيادة عبقري الحرب / هانيبال، قد تمكنت من الإيقاع بالجيش الروماني والتمثيل به على شواطئ بحيرة تراسيمين شمالي روما، ونحن ندين بمعرفتنا الدقيقة بهذه الواقعة التاريخية وبغيرها من الكثير من معالم التاريخ الروماني إلى المؤرخ / تيتوس ليفيوس، وينادى بالإنجليزية باسم لايفي .

النشأة الريفية:

إن المعلومات التي لدينا عن حياة واحد من أعظم المؤرخين الرومان، معلومات جد ضئيلة، وخلاصتها أن لايفي أو ليفيوس ولد عام 59 قبل الميلاد، في مدينة بادوا، وهي إحدى المدن المزدهرة في منطقة شمال إيطاليا، وقد كان لولادته في الأقاليم، ونشأته وسط الهدوء الريفي بعيدًا عن ضجيج العاصمة الإيطالية، أثر عميق في تكوين هذا المؤرخ العظيم، وفي تكوين نظرته إلى الحياة، ذلك أن روما كان قد حل بها الفساد، وعزت الأمانة في مجتمعها، وبدا كأن جميع القيم السلوكية قد اختفت منها تمامًا، أما في بادوا فإن الفضائل القديمة كانت لا تزال محتفظة بكيانها .

وفي ذلك الجو التقليدي كانت نشأة لايفي، ولذا فإننا نجد أن إعجابه بالعادات والتقاليد القديمة قد ألقى ظله على كل ما كتبه في مجا ل التاريخ .

والمعروف أن لايفي ينحدر من أسرة شريفة في الغالب، وكانت دراسته تتركز في القانون والخطابة، استعدادًا لما كان يخطط له من مستقبل في الحياة الاجتماعية، ويقال إنه كان يريد أن يصبح من المحامين المشهورين في بلاده .

غير أن الشاب لايفي عندما وصل إلى روما حوالي سنة 30 قبل الميلاد، لم يجد في مظاهر الحياة السياسية هناك ما يجذبه إليها .

في تلك الآونة كان أوكتافيان المعروف باسم أغسطس قد هزم مارك أنطونيو (صاحب قصة الحب الشهيرة مع الملكة المصرية / كليوباترا) في موقعة أكتيوم البحرية بالقرب من مدينة الإسكندرية المصرية، في العام السابق لوصول لايفي إلى روما، وانهمك أوكتافيان بعدها في لم شتات السيطرة الكاملة على الإمبراطورية الرومانية .

وعلى ذلك وجد لايفي الطموح في أنه لا مستقبل يرجى له في الحياة السياسية في عهد حاكم ليس في الواقع سوى حاكم مطلق، فاضطر للبحث عن طريق آخر لتأمين مستقبله .

مؤرخ بدرجة متحمس جمهوري:

كان من أهم المشاكل التي تقابل أغسطس في سبيل توحيد الإمبراطورية الرومانية، إحياء الدستور الأخلاقي السليم للجمهورية، الذي كان الأساس الذي قامت عليه عظمة روما، والذي كانت آثاره قد زالت تمامًا خلال نصف قرن من الحروب الأهلية المتصلة، وكان جزء من برنامجه يقضي بتشجيع الكتاب على تقريظ منجزات الماضي، وكان لايفي واحدًا من أكبر مؤيديه حماسة .

وكان بعض ما كتبه المؤلف و المؤرخ / لايفي من الناحية الفلسفية بعد وصوله إلى روما بقليل، قد لفت إليه انتباه أغسطس، وسرعان ما عهد إليه بما أصبح الشغل الشاغل له باقي حياته، ألا وهو كتابة تاريخ روما ابتداء من قصة إنشائها حتى عهد أغسطس، وقد كانت النشأة التي نشأ عليها لايفي، وحبه للناس، وللأخلاق الطيبة الفاضلة التي تميز بها الماضي، سببًا في أنه شعر بالارتياح لهذا العمل، فعكف على كتابة ما كلف به مكرسًا له الأربعين عامًا التالية من حياته .

تاريخ روما عن طريق الحوليات:

لم يكن من المستغرب أن يحذو لايفي حذو من سبقه من المؤرخين، فيكتب تاريخ روما على شكل حوليات، أي وصف للحوادث عامًا فعامًا، وكانت تلك هي الطريقة التي اتبعها المؤرخون القدماء، وهي وإن كانت مفيدة كسرد إخباري، إلا أنها لا تسمح بإعطاء صورة شاملة للحوادث التاريخية وتطورها، وقد أخذ على لايفي، وبحق، عدد من النقائص فيما كتبه، فقد كان يفتقر إلى الدقة في مراجعة المصادر التي استقى منها الحوادث، وكثيرًا ما كان يكرر بعض الحوادث بأوصاف متناقضة .

كما أنه لم يحاول أن يتعمق في فهم بعض الشئون العسكرية، مما يجعل روايته لبعض المعارك تتسم بالغموض، فضلاً عن أنه لم يكن يدقق في صحة التواريخ، ويجمع نقاد التاريخ على أن لايفي كتب الجزء الخاص بالتاريخ القديم لروما، وهو مفتقر إلى الحقائق، وترك العنان لحماسه الجمهوري، فنحى به إلى التحيز .

ومع ذلك، وبالرغم من هذه الأخطاء، فإن التاريخ الذي كتبه لايفي يعتبر عملاً عظيمًا، كانت مشاعره الوطنية وإحساسه بالولاء للمثل العليا لأغسطس تلقي ظلالها على كل ما كتب، وإذا كان تصوره لحدة ذكاء الشعب الروماني القديم وقوة بأسهم يعتبر مبالغًا فيه إلى حد كبير، فإن السبب في ذلك يرجع إلى أنه شخصيًا كان يعجب بتلك الصفات إعجابًا شديدًا .

وعندما كان يصف تدهور المقاييس والمثل القديمة، كان يفعل ذلك بقوة وحماسة يمكن أن تثير حتى القارئ في عصرنا الحديث، وفضلاً عن ذلك، فقد كان لايفي كاتبًا يجيد الوصف التاريخي كل الإجادة، ومن المتعذر أن ننسى وصفه للمآسي التي وقعت في كاناي و تراسيمين أثناء الحرب البونية، أو للذعر الذي ساد روما عندما بلغتها أخبار كاناي (الحرب مع قرطاجنة وهانيبال)، ويمكن تشبيه ما كتبه الشاعر الروماني الشهير / فيرجيل شعرًا عن قصة روما القديمة، بما كتبه لايفي عنها نثرًا .

هذا وقد وصل لايفي إلى مدارج الشهرة أثناء حياته، ومما يروى لهذه المناسبة أن رجلاً طاعنًا في السن جاء من قادش إلى روما خصيصًا لرؤية لايفي، وبمجرد أن قابله واستمع إليه، قفل راجعًا إلى بلده مباشرة دون أن يهتم بمشاهدة معالم روما .

توفي لايفي في عام 17 ميلادية، في مسقط رأسه بادوا، وكان قد عاد إليها في أخريات ايامه، عندما وجد أن قوة أغسطس المتزايدة قد جعلت من النظرة الجمهورية القديمة لمضمون الحرية موضوعًا يصعب على الكاتب أن يطرقه، بل وقد يكون خطرًا عليه إن فعل .

مؤلفات ليفيوس غير المكتملة:

ويمكن القول بأن عمله في كتابة تاريخ روما لم يستكمل، إذ أنه توقف عند سنة 9 قبل الميلاد، و يتكون مؤلف لايفي عن تاريخ روما من 142 جزءًا، لكن لم يصلنا منها سوى 35 جزءًا، تسرد العشرة الأولى منها تاريخ روما منذ تأسيسها حتى الحروب السامينتية 293 قبل الميلاد، وتغطي الأجزاء الباقية المدة من الحرب البونية الثانية 218 قبل الميلاد، إلى حروب مقدونيا 167 قبل الميلاد، ولم يصلنا من باقي الأجزاء سوى نبذ وملخصات قام بكتابتها مؤرخون لاحقون .

كان هذا هو ليفيوس أو لايفي الذي كتب تاريخ روما العظيم، وعاش من سنة 59 قبل الميلاد إلى سنة 17 ميلادية، فهل لنا أن نتعلم من السابقين ؟ !

 

بقلم: د . يسري عبد الغني

 

نبيل عبدالامير الربيعيولد الكاتب والناقد والباحث في الفلوكلور الشعبي العراقي باسم عبد الحميد حمودي النعيمي في قضاء أبو صخير التابع للواء الديوانية سنة 1937م، أكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها، ثم أكمل الدراسة الجامعية سنة 1960م في كلية التربية قسم التاريخ، عُين في ناحية الدغارة مدرساً، حيث قضى فيها سنوات طويلة مدرساً، ثم عاد إلى بغداد ليستقر فيها لغاية يومنا هذا.

وأول مقالة نشرها بعنوان (الفراغ) في جريدة (بغداد المساء) سنة 1954م، وهو ناقد أدبي وباحث فولوكلوري، درس جماعية البطل في الرواية المعاصرة ورموز الكاتب العراقي وإفادته من التراث الشعبي، نوه عن دوره نقاد كثيرون، كالدكتور علي جواد الطاهر وعبد الجبار عباس، تصدى في نقده إلى كتابات الدكتور علي الوردي، والفلسفة البنيوية، حضر معظم المؤتمرات الأدبية التي عقدت في القطر منذُ عام 1968م، ينتمي إلى اتحاد الادباء في العراق( ). تولى رئاسة تحرير مجلة الاقلام التي تعني بالادب الحديث، وكذلك رئاسة تحرير مجلة الثقافة الاجنبية التي تعني بالثقافة والفنون بالعالم. وعمل محررا في مجلة التراث الشعبي وكان مدير الدار انذاك القاص الراحل موفق خضر وتولى الاستاذ باسم عبد الحميد ادارتها لفتره وكاله، وتولي رئاسة قسم النشر في دار الشؤون الثقافية، سكرتير تحرير مجلة الرواد التي تعني بادب الرواد، تولى رئاسة تحرير مجلة التراث الشعبي وتعنى بالدراسات الفلكلورية ونشر العديد من البحوث والدراسات، وكان من أبرز مؤلفاته كتابه (سحر الحقيقة) فقد ضم دراساته المنشورة في مجلة التراث الشعبي. ويقول عن منهجه : (إني أؤمن بالإنسان هدفاً والحرية ممارسة وعدالة).

ومن أبرز مؤلفاته:

- عادات وتقاليد الحياة الشعبية العراقية (إعداد وتقديم).

- كتاب التراث الشعبي. دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد 1986م.

- الزير سالم. سلسلة الموسوعة الصغيرة. بغداد 1989م.

- تغريبة الخفاجي عامر العراقي. دار الشؤون الثقافية. بغداد 1989 (الطبعة الأولى).

- التراث الشعبي والرواية العربية الحديثة. الموسوعة الصغيرة. بغداد 1998م.

- تغريبة الخفاجي عامر العراقي. هيئة قصور الثقافة. القاهرة عام 2000م. (الطبعة الثانية).

أما الكتب المشتركة:

- أبحاث في التراث الشعبي. كتاب التراث الشعبي رقم 2. بالاشتراك مع د. أحمد مرسي/ د. حصة الرفاعي/ د. محمد رجب النجار وغيرهم عام 1986م. بغداد.

- سحر الحقيقة. شخصيات وكتب ودراسات في التراث الشعبي. دار ميزوبوتاميا. بغداد. الطبعة الثانية عام 2014م( ).

ولد الكاتب والناقد والباحث في الفلوكلور الشعبي العراقي باسم عبد الحميد حمودي النعيمي في قضاء أبو صخير التابع للواء الديوانية سنة 1937م، أكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها، ثم أكمل الدراسة الجامعية سنة 1960م في كلية التربية قسم التاريخ، عُين في ناحية الدغارة مدرساً، حيث قضى فيها سنوات طويلة مدرساً، ثم عاد إلى بغداد ليستقر فيها لغاية يومنا هذا.

وأول مقالة نشرها بعنوان (الفراغ) في جريدة (بغداد المساء) سنة 1954م، وهو ناقد أدبي وباحث فولوكلوري، درس جماعية البطل في الرواية المعاصرة ورموز الكاتب العراقي وإفادته من التراث الشعبي، نوه عن دوره نقاد كثيرون، كالدكتور علي جواد الطاهر وعبد الجبار عباس، تصدى في نقده إلى كتابات الدكتور علي الوردي، والفلسفة البنيوية، حضر معظم المؤتمرات الأدبية التي عقدت في القطر منذُ عام 1968م، ينتمي إلى اتحاد الادباء في العراق( ). تولى رئاسة تحرير مجلة الاقلام التي تعني بالادب الحديث، وكذلك رئاسة تحرير مجلة الثقافة الاجنبية التي تعني بالثقافة والفنون بالعالم. وعمل محررا في مجلة التراث الشعبي وكان مدير الدار انذاك القاص الراحل موفق خضر وتولى الاستاذ باسم عبد الحميد ادارتها لفتره وكاله، وتولي رئاسة قسم النشر في دار الشؤون الثقافية، سكرتير تحرير مجلة الرواد التي تعني بادب الرواد، تولى رئاسة تحرير مجلة التراث الشعبي وتعنى بالدراسات الفلكلورية ونشر العديد من البحوث والدراسات، وكان من أبرز مؤلفاته كتابه (سحر الحقيقة) فقد ضم دراساته المنشورة في مجلة التراث الشعبي. ويقول عن منهجه : (إني أؤمن بالإنسان هدفاً والحرية ممارسة وعدالة).

ومن أبرز مؤلفاته:

-عادات وتقاليد الحياة الشعبية العراقية (إعداد وتقديم).

-كتاب التراث الشعبي. دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد 1986م.

-الزير سالم. سلسلة الموسوعة الصغيرة. بغداد 1989م.

- تغريبة الخفاجي عامر العراقي. دار الشؤون الثقافية. بغداد 1989 (الطبعة الأولى).

-التراث الشعبي والرواية العربية الحديثة. الموسوعة الصغيرة. بغداد 1998م.

-تغريبة الخفاجي عامر العراقي. هيئة قصور الثقافة. القاهرة عام 2000م. (الطبعة الثانية).

أما الكتب المشتركة:

-أبحاث في التراث الشعبي. كتاب التراث الشعبي رقم 2. بالاشتراك مع د. أحمد مرسي/ د. حصة الرفاعي/ د. محمد رجب النجار وغيرهم عام 1986م. بغداد.

- سحر الحقيقة. شخصيات وكتب ودراسات في التراث الشعبي. دار ميزوبوتاميا. بغداد. الطبعة الثانية عام 2014م( ).

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

عبد الحسين شعبانعزيز محمد في الميزان

ولد عزيز محمد في العام 1924 في كردستان لعائلة فلّاحية معدمة ويقول في إحدى مقابلاته النادرة: إن والدتي ووالدي كانا يحسبان عمري بحساب الحصاد؛ وكان والده محمد عبدالله يعمل أجيراً في قرية بيركوت التي هي مسقط رأسه، أما والدته سوسن قد نزحت من قرية (وان وباش قلعة) في تركيا خلال الحرب العالمية الأولى وتزوّجت في إربيل، ولكن زواجها لم يدم طويلاً، ولذلك كان عزيز محمد يردّد إنه " ابن أمه" اعتزازاً بها وبتربيتها على الرغم من ظروفها الصعبة والقاهرة التي أجبرتها على العمل في المنازل، وقد تعلّم القرآن كما يقول في مسجد أبو بكر الصدّيق ثم دخل المدرسة الابتدائية وتخرّج منها وعمل مستخدمًا في دائرة التموين لفترة قصيرة.

في بداية مشواره السياسي انتمى إلى حزب هيوا (الأمل) العام 1941 الذي كان أعضاؤه يردّدون القسم على القرآن وجبل كردستان والخنجر ورأس الرئيس، (مقابلة مع سيروان رحيم نشرت بعد وفاته في جريدة رووداو - باللغة الكردية على خمس حلقات، ترجمة خاصة، بتاريخ  14-11 لغاية  2/12/2019، وأضيفت  إليها حلقة سادسة  مع زوجته  الرفيقة "كافيه" التي ذكرت فيها أنه أمها تركمانية متعصبة وأولادها آراس وشيرين وفينك لم يتعرفوا على والدهم إلا بعد العام 1973 (بسبب ظروف العمل السري ما بعد انقلاب العام 1963) وقد تعرفت على عزيز محمد عن طريق الحزب كما تقول.

مع عزيز محمد وعامر عبدالله وكريم أحمد واسعد خضر وحاجو سليمان وقيادات من البيشمركة

التحق عزيز محمد بصفوف حزب شورش (الثورة)، وفي أواخر العام 1945 ومطلع العام 1946 انتمى إلى الحزب الشيوعي بعد أن انتشرت الأفكار اليسارية بفعل انتصارات الجيش الأحمر السوفييتي وتولّى مسؤولية لجنة إربيل للحزب لاحقاً، وسرعان ما استدعي إلى بغداد لمهمة خاصة بعد اعتقال قادة الحزب "فهد وحازم وصارم" العام 1947 ليسكن في بيت المطبعة مع والدته، خصوصاً وهو غير معروف، وهو أسلوب غالباً ما يتبع في البيوت الحزبية، لغرض التمويه بإسكان عائلة في البيت الحزبي، وكانت تلك أولى مراحل احترافه الحزبي، حيث كان ما يزال شاباً يافعاً، ولم يمكث طويلاً  في بغداد التي جاءها من كردستان حتى ألقي القبض عليه في 12/10/1948 كما يقول في إحدى مقابلاته القليلة، ورمي خلف قضبان السجن، بصدور الحكم عليه 15 عاماً قضى منها 10 سنوات متنقّلاً في السجون المعروفة مثل الكوت وبعقوبة وبغداد و"نقرة السلمان" الصحراوي الشهير، علمًا بأن والدته اعتقلت معه ومكثت في المعتقل نحو أربعة أشهر.

وكان قد تأثر بعز الدين فيضي كما يقول، وهو أحد التربويين في مدينة إربيل ومن عائلة دينية عريقة (أسرة الملا جرجيس الإربيلي). ويقول أن أول شيوعي في كردستان كان صالح الحيدري (شقيق جمال الحيدري الذي استشهد في العام 1963 وممتاز وجمشيد) وكان أنور دلوز من أوائل الذين مهّدوا للتنظيم الشيوعي. أما كيف اهتدى إلى الشيوعية، فقد كان عن طريق جمال الحيدري وملّا شريف ابن ملا عثمان ره نكه راشان.

وفي السجن كان عليه أن يستقبل خبر إعدام "فهد" أمين عام الحزب، الذي أحدث ضجّة في أجواء الحركة الشيوعية ذات المنهجية التقديسية للزعماء والأمناء العامين، وخصوصاً حين يكون شخصاً بمواصفات فهد وهيبته وسطوته على الحزب، فضلاً عن استشهاده البطولي.

وعاش عزيز محمد تجربة انشقاق"راية الشغيلة" كأحد أبرز مسؤوليها أو إدارييها  مع جمال الحيدري في العام 1953 واشتهرت رسالته المعروفة "م" وهو اسمه الحزبي (مخلص) التي اعترض فيها على البرنامج الذي أصدره بهاء الدين نوري، والذي عدّه متطرّفاً، وقامت قيادة بهاء الدين نوري (باسم) بطرده وعدد من الكوادر معه وشهّرت بهم علناً وبالأسماء الصريحة التي كشفتها.

وكنتُ قد سألت نفسي: كيف اختار عزيز محمد طريق "العقلانية الحزبية" في السياسة وهو في السجن وقام بنقد التطرّف ومحاولات حرق المراحل التي اختارها الطرف الآخر، وبعدها هل اختار الانشطار أم أنه لجأ إليه اضطراراً على صعيد التنظيم على الرغم من كونه سجيناً؟ وغالباً ما يتّجه السجناء بحكم الضغوط التي يتعرّضون لها إلى التشدّد والتطرّف، فمن أين أتته تلك النزعة، لاسيّما وإن الحركة الشيوعية العراقية، شهدت في تاريخها تطرّفات أو استعدادات لها، لدرجة الانفلاتات أحياناً؟ وخلال سجنه كان متماسكاً ومرحاً وحاول أن يقرأ ويتعلّم ويواظب على الدراسة السجنية، وظلّ على هذا المنوال كما قال لي مستمرّاً في قراءة الأدب، وخصوصاً الرواية في حوار خاص معه في مطلع التسعينات، فضلاً عن تقوية لغته العربية.

وعاش عزيز محمد مرحلة ستالين وما بعده وشخصيته الأسطورية التي كان الشيوعيون يحلفون بها، وكان بعضهم يردّد "بالمبدأ والعقيدة والرفيق ستالين أبو البروليتاريا العالمية"، وعاش مرحلة نقده في العام 1956 على يد خروشوف،والمؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي، و"إنْ كانت هذه قد وصلت إلينا بطريقة مشوّشة وربما مريبة" كما يقول، الأمر الذي حزّ في نفوس كثيرين، بل إن بعضهم اعتبرها في بداية الأمر "دعاية امبريالية سوداء" ومحاولة لتشويه نُبل ستالين وطهريته وبطولته، خصوصاً بالمعلومات التي كانت تضخّها أجهزة الدعاية في الدول الاشتراكية،والصورة المثالية التي تعطيها عن المجتمعات الاشتراكية، وكنّا نصدق ذلك بحكم الصراع الأيديولوجي وظروف الحرب الباردة ، ناهيك عن حجم المعلومات الخاطئة والمغلوطة، بل وحتى الكاذبة عن نمط الحياة ومستوى التقدم المُحرز وحجم الحرّيات وقناعة الناس وغير ذلك من أساليب التضليل الديماغوجي التي تُظهر كل ما يخالفها بالسوء والاتهام والمشبوهية، وهو ما ينبغي أن نقوله في نقد أنفسنا وتوجهاتنا . وحسب نيتشه فإن القناعات الراسخة أكثر خطورة على الحقيقة من الأكاذيب.

وعاش عزيز محمد مرحلة ما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، وما رافقها من نجاحات وانتصارات وأفراح، وكذلك من أحزان ومآسي وآلام، خصوصاً بتمزّق النسيج الوطني وانقسام الشارع العراقي إلى معسكرين:

الأول- القومي - البعثي، المدعوم من جمال عبد الناصر، والمؤيّد بشكل مباشر أو غير مباشر من بعض القوى المخلوعة والمحافظة، إضافة إلى بعض القوى الدينية الناشئة التي وجدت في هذا المعسكر وسيلة مناسبة لمواجهة " الخطر الشيوعي"، لاسيّما وأن معاقلها أضحت مهدّدة، سواء بإخراج العراق من حلف بغداد  ونظام الكتلة الاسترلينية وتأسيس منظمة الأوبك المصدرة للنفط وإصدار قانون رقم 188 للأحوال الشخصية العام 1959 الذي وضع لبنة أولية لمساواة المرأة بالرجل، وقانون رقم 80 لعام 1961 لاسترداد 99.5% من الأراضي العراقية من قبضة الاحتكارات النفطية .

وهذه المنجزات، إضافة إلى الاعتراف بشراكة العرب والأكراد في الوطن العراقي في الدستور المؤقت بعد الثورة مباشرة (27 تموز/يوليو والذي صاغه الفقيه القانوني حسين جميل ) وإصدار قانون الإصلاح الزراعي في 30 أيلول /سبتمبر/1958 رغم عيوبه وثغراته، كلّها جعلت الصراع حاداً وتناحرياً وإقصائياً، ولهذا حصل الاصطفاف والتمترس، لدرجة الاحتراب.

وقد كانت هناك مبرّرات إضافية للإطاحة بنظام الزعيم عبد الكريم قاسم، خصوصاً بعد المطالبة بضمّ الكويت وشنّ الحرب على الحركة الكردية لاحقاً العام 1961 والانفراد بالحكم وعدم انتهاء فترة الانتقال، وهذه العوامل جميعها قادت إلى الإطاحة بالحكم الوطني في العراق في 8 شباط (فبراير) 1963، وشكّل ذلك التاريخ  تراجعاً ظلّ يتواصل بأشكال مختلفة، على الرغم من بعض المنجزات التي تحقّقت في السبعينات وهي عميقة وواسعة لكنها هي الأخرى لم تستمر، وشهدت البلاد موجة لم تعرفها من قبل من الاستبداد والعسف، ناهيك عن المغامرات والحروب.

أما المعسكر الثاني، فقد ضمّ الشيوعيين والحركة الكردية،  وإنْ كانوا يحظون بدعم قائد الثورة عبد الكريم قاسم، لكن الخط البياني للتراجع كان واضحاً بعد ما سمّي بفترة "المدّ الثوري" آذار/مارس- تموز/يوليو 1959، وظلّ الديمقراطيون والوطنيون المؤطّرون وغير المؤطّرين يتذبذبون بين المعكسرين ، وإن كان ميلهم الأغلب إلى معسكر الحركة الشيوعية ، لكن الأخطاء التي وقعت بها هذه الأخيرة جعلتهم يتردّدون في الاعتراف بدورها الريادي على الرغم من سيطرتها شبه الكاملة في العام الأول من عمر الثورة على الشارع العراقي، وكان لمحاولة احتكار العمل السياسي وإقصاء الآخرين من الخصوم بمن فيهم حلفاء الأمس في "جبهة الاتحاد الوطني"، فضلاً عن ارتكابات شديدة سجّلت في رصيدهم السلبي، ولاسيّما في الموصل (آذار/مارس) وفي كركوك (تموز/يوليو) العام 1959، سبباً في هذا التباعد، خصوصاً مع الحزب الوطني الديمقراطي وشخصيات أخرى .

وإذا كانت حركة الشوّاف في 8 آذار (مارس) 1959 قد أحدثت شرخاً كبيراً في صفوف الحركة الوطنية وقادت إلى انفراط جبهة الاتحاد الوطني، بعد تصدّعها، فإن ما رافقها وما أعقبها انعكس على المشهد السياسي برمته وعلى السلطة والمعارضة في آن؛ وبغض النظر عن المجابهات المسلحة والمواجهات المباشرة وما سقط فيها من ضحايا، فإن واقعة "الدملماجة" التي حصلت بعد انتهاء المعارك وإعدام 17 شخصاً خارج القضاء من جانب محكمة صورية أثار الكثير من ردود الفعل الداخلية والخارجية، سواء تلك التي جاءت مباشرة أم التي حصلت بعد حين، فضلاً عن أن المطالبة بإعدام ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سرّي، ومن ثم الاستقواء على القوى الأخرى والعمل على إقصائها أو تهميشها وهذا ما ترك تأثيراته السلبية على الحزب الشيوعي قبل غيره.

وزاد الطين بلّة ما جرى في كركوك في 14-15 تموز (يوليو) من العام ذاته (1959) من مجزرة ضد التركمان راح ضحيتها أكثر من 31 إنسان ونحو 130 جريح،  وأحرق 70 محل تجاري  وقصفت دار سينما ، كل ذلك ساهم في صبّ الزيت على النار، بل أشعل الوضع السياسي برمته، لدرجة أن الزعيم عبد الكريم قاسم المناصر للشيوعيين، حتى ذلك الوقت، أُوغر صدره عليهم وتم تأليبه بسبب الإرتكابات التي حصلت والتي دمغها في خطابه الشهير بكنيسة مار يوسف 1959 ونعتها بالفوضوية، وبالطبع لم يكن ذلك بعيداً عن دور الدعاية الخارجية والدوائر الاستعمارية والرجعية التي ناهضت ثورة 14 تموز(يوليو).

أعود إلى الرفيق عزيز محمد الذي وصف الحادثة بما يلي: " تعرّض الموكب (المقصود مسيرة 14 تموز) لإطلاق رصاص، ولم تُعرف الجهة التي أطلقت منها ودبّت الفوضى، بل الهستيريا، حتى الآن فقدت السيطرة على الوضع وحدثت انتهاكات وأعمال تصفية ضد التركمان. ولم يكن لنا فيها كمنظمة أي دور، وبالعكس بذلنا ما نستطيع من جهود لحقن الدماء ولم نوفق".

أي كلام عام هذا؟ إذا كان مسؤول الفرع والمشرف على منظمة كركوك لا يعرف من أين أتى إطلاق النار؟  علماً بأن العديد من القيادات الشيوعية كانت تتولى مناصب عليا في المحافظة ، أذكر على سبيل المثال لا الحصر أن  داود الجنابي (العميد الركن) كان قائد الفرقة الثانية للوحدات العسكرية وذلك بعد نقل ناظم الطبقجلي، ومعروف البرزنجي وهو كادر في الحزب الشيوعي كان سكرتيراً للجنة أنصار السلام وفي الوقت نفسه هو رئيس البلدية، والشهيد نافع يونس سكرتيراً لمنظمة الحزب وعوني يوسف رئيساً للمحكمة (من البارتي) إلى غير ذلك من قيادة الحزب للمنظمات الديمقراطية بمشاركة كردية (البارتي).

وكان مكرّم الطالباني العضو القيادي في الحزب الشيوعي حتى العام 1984 قد اشتكى من تصرّفات بعض الشيوعيين في المدينة الذين كانوا يعتبرونها مقاطعة شيوعية وتكهّن بحدوث انفجار للوضع بين الكرد والتركمان وحذّر من تدهور الأوضاع ومن الصدام الذي ستكون عواقبه وخيمة ولا تحمد عقباه بتقرير رفعه إلى قيادة الحزب الشيوعي، طالباً فيه معالجة الوضع، ولاسيّما تصرّفات بعض الرفاق التي تسيء إلى سمعة الحزب ومبادئه الإنسانية، (ويسمّيهم بالإسم) معتبراً تدخلاتهم لم تبقِ أي قيمة لرئيس الوحدة الإدارية (والمقصود – المتصرف/ المحافظ) وهو ما ورد في مخطوطة مذكرات مكرّم الطالباني والموسومة "الحياة لا تجري دوماً حفيفة ناعمة".

ولا يمكن الاقتناع بما ورد على لسان الرفيق عزيز محمد، بأن ثمة هرج ومرج قد حصل وجرى إطلاق نار وفي اليوم الثاني حرقت محال تجارية ودكاكين (تعود إلى التركمان) وقُتِل من قُتل وجُرِحَ من جُرح دون تحديد الجهة المسؤولة عن ذلك باستثناء عبارات حول الجهات الخارجية وشركات النفط والقوى المعادية للثورة.

ظلّت تدور شبهات التواطؤ والمسؤولية بحق الشيوعيين، ولاسيّما الكرد منهم  وبشكل أكبر بحق القوميين الكرد (البارتي)، وهو ما كنتُ قد توقّفتُ عنده أكثر من مرّة، وقد حاولت تقديم قراءة ارتجاعية لتلك الأحداث المأساوية في عدد من المعالجات انطلاقاً من النقد والنقد الذاتي والاعتراف بالأخطاء وكشف الملابسات ضمن اجتهادات توصلت إليها عبر حوارات وقراءات وتدقيقات ومقارنات، إضافة إلى شهادات، لاسيّما من طرف الضحايا وعوائلهم. ويمكن الرجوع إليها في كتابي عن سلام عادل " الدال والمدلول وما يمكث وما يزول" وفي مطارحات أخرى .

وقيّمت لاحقاً قيادة الحزب في العام 1959 ما حدث ، وأقتبس هنا النص الآتي: وفي خضم الصراع وذروته استثمرت عناصر مندسّة بعض الاندفاعات وساقتها في اتجاهات تدميرية أحياناً وإن: "لجوء بعض الجماهير المتأخرة سياسياً إلى أساليب السحل وتعذيب الموقوفين ونهب الممتلكات والتجاوزات على حقوق وحرّيات بعض المواطنين الأبرياء هو أسلوب لا يجمعه جامع مع الكفاح الثوري" وإذا كان ذلك صحيحاً ، وهو صحيح كما أعتقد، فأين دور الحزب الذي كان يهيمن على الشارع تماماً، ومعه المنظمات الديمقراطية والعديد من قادة الجيش في كركوك؟ ولو راجعنا جريدة اتحاد الشعب خلال ما حدث سنرى خطابها مختلفاً عن هذا التقييم. ولعل الجو العدائي السائد في المدينة ونهج احتكار العمل والاحتكاك الكردي- التركماني هو الذي دفع بعض الشيوعيين الكرد  إلى الانخراط بذلك حتى بدون تعليمات من قيادة الحزب، دون أن نهمل دور الجهات المعادية الخارجية والداخلية التي ساهمت في توتير الأوضاع.

كان جديراً بالحزب الاعتذار عمّا حصل للضحايا وعوائلهم وهو ما يزال مطلباً لدى التركمان تجدّدت الدعوة إليه في العام 2009 في ذكرى 14 تموز (يوليو) . كما كان جديرًا به أيضًا أن يكشف عن المرتكبين وإذا كانوا من بين صفوفه أن يسلّمهم إلى السلطات لتقديمهم إلى القضاء لارتكاباتهم وأن لا يخفي ذلك ، والأجدى به أيضاً أن يقدّم نقداً ذاتياً صريحاً وجريئاً، إذا كان قد تورّط، بناء على معلومات مغلوطة أو تقديرات خاطئة. وما ينطبق على أحداث كركوك يمكن أن ينطبق على أحداث الموصل، لاسيّما في الموقف من الضحايا الأبرياء والقتل خارج القضاء وأجد في مثل هذا الموقف شجاعة ثورية وطهرية نضالية.

وأكتفي بهذا القدر ويمكن الرجوع إلى آرائي بخصوص ما حصل في الموصل وكركوك بتوسّع في كتاباتي العديدة منذ أكثر من ربع قرن ، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتابي : عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل ، وكتابي: المثقف في وعيه الشقي، وكتابي: المثقف وفقه الأزمة ، إضافة إلى كتاب: سلام عادل الدال والمدلول وما يمكث وما يزول.

وعزيز محمد كان قد تطوّع في تقديم اقتراح لحلّ التنظيم العسكري في اجتماع اللجنة المركزية، وإنهاء الوجود المنظّم للحزب الشيوعي في الجيش، ولا أدري على ماذا استند في ذلك ووفق أي حسابات؟ وكيف مرّت أو هُضمت مثل تلك المقترحات في حين كان الحزب في أوج قوته؟ وكان وجود رفاق له في الجيش عامل ردع ضد قوى كانت تتربّص به وبالتجربة الوليدة، وأثبتت التجربة أن حالة الخدر وكذلك عدم اليقظة وإهمال الخط العسكري، ساهم في إمرار المخططات التآمرية.

وعاش عزيز محمد تجربة ما بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 وخط آب 1964 و"سمة العصر" التي كان يتم التنظير لها في إطار طريق التطوّر اللّارأسمالي والتي قال عنها بطريقته الناعمة المُملّحة "أنها لم تصل إلى كردستان" في معرض تعليق يحتوي السخرية والدهشة وعدم الرغبة في إبداء الرأي بشأن التوجّه الجديد للحركة الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفييتي، والدعوات المعلنة والمبطنة لحلّ الأحزاب الشيوعية، وخصوصاً العربية  وتضخيم دور ما أطلق عليه "الديمقراطيون الثوريون"، وهو تعبير ملطف لـ "البرجوازية  الصغيرة" بسبب صراعات معتقة قديمة وجديدة،  ومراهنة السوفييت على تطوّر بعض أنظمة العالم الثالث ومنها نظام عبد الناصر في مصر ونظام هواري بومدين في الجزائر والنظام السوري في دمشق، لاسيّما بعد حركة 23 شباط (فبراير) 1966، إضافة إلى بعض بلدان آسيا وأفريقيا.

يتبع

 

عبد الحسين شعبان

 

كاظم الموسويإسحاق صموئيلوف، بروفيسور العلوم السياسية، أقدم أستاذ في القسم، عضو قيادة اتّحاد الشباب البلغاري في عهد القائد الشيوعي المعروف غورغي ديمتروف 1882)-1949)، والذي خاض النضال ضدّ الفاشية في فترتها في بلاده والعالم، والمعادي للصهيونية والدارس لأسرارها، والمحاضر فيها للمجموعات العربية، والفلسطينية، خصوصاً، في كلّ دورة دراسية، منذ التحاقه بالأكاديمية. أي يمكن القول إنها عشرات السنين، زوجته الأستاذة فيرا مينولوفا، أشرفت على أُطروحتي بالتعاون معه، كما أشرفت معه على دراسات وأطاريح عدد من الرفاق، العراقيين. وكنت مع الرفيق ماجد عبد الرضا، الطالبين المقدِرين لجهودهما، نزورهما باستمرار إضافة للقاءات العمل، في القسم أو في بيتهما، المتحف الشعبي الصغير. المملوء بالمنحوتات الخشبية والحجرية والمنسوجات الشعبية المعبرة عن تراث الشعب البلغاري، في مراحل نضاله وتاريخه. وعلى رفوف المكتبة تصطف أوسمة وميداليات ورسائل تقدير وشكر إلى المناضل صموئيلوف من بينها من حركات تحرر وطني عالمية من أفريقيا وأمريكا الجنوبية، لفتت انتباهنا وسألناه عنها. ضحك وقال، كلّ عام أرسل ما أجمعه شهريا من راتبي من زيادة المصروفات واهديه إلى منظمة تحرير وطني أو أعمال إنسانية معروفة، وقد وردني منها جميعا هذه التي ترونها امامكم، أوسمة أو دروع أو شهادات تقدير إلا للأسف لم استلم من منظمة التحرير الفلسطينية أي شيء، وليس لدي غير وصل استلام من السفارة هنا، حين قدمت لهم الهدية، وسجلوا اسمي وعنواني عليه فقط، وانتظرت أكثر من عامين دون أمل. تبادلنا النظرات خجلا أو مشاركة في الأسف، ولا حيلة بأيديّنا، فلم نعلق بشيء، وتركنا الأمر دون جواب.

كلّ مرة حين نذهب لزيارتهما نأخذ معنا باقة ورد، ومرة أضفنا لها قنينة ويسكي واحدة من صندوق وصلنا هدية من رفيق دبلوماسي عربي. ووضعناه كعادتنا على الطاولة ودخلنا نجلس في غرفة الضيوف، ومن عادة البلغار أنّهم يفتحون الهدية أمام الضيف ويشكرونه عليها، ولما رأى البروفيسور صموئيلوف القنينة، وضعها جانبا، وصاح إلى زوجته بأن تأتي بمزهرية الورد. وقال اشكركم على الويسكي ولكني لا اشربه ولا افضله في بيتي، وكما تعلمون لا أشرب إلا الركية، (مشروب كحولي بلغاري يشبه العرق) التي تجلبها فيرا من اهلها، المعتقة من سنين، وسأسقيكما منها اليوم وأهديكما قنينة منها، مع قنينتكم الويسكي، وأنصحكما إلا تكثرا منهما.

أوّل تعرفنا بالبرفيسور وزوجته، كان أوّل دخولنا القسم في الأكاديمية، كان عمره حوالي الثمانين وسنتين زيادة، ولا يملك سيارة، ولا يدخن ولا تجد السكر والملح في بيته. وكُلّ نهاية أسبوع يذهب إلى قمة الجبل ويعود في اليوم التالي، مشيا حاملا حاجاته الضرورية في حقيبة ظهر، وتراه دائما أصغر من عمره. وهذه صفات أو سمات شخصية متميزة ومميزة له عن غيره. ونضحك ونحاول إغاظة فيرا، ونقول لها، بأنَّه يذهب إلى صديقته المقيمة هناك، كلّ أسبوع دون أن يخبرك، وتضحك معنا وترد بقوة، دعوه يعمل ما يريد، يعوّض ما فاته من أمثالها. ويشاركنا الضحك ويقول لنا لن تنفعكما هذه المحاولات، حين تزوجنا اقسمنا أن نعيش الحياة بكاملها وبحرية تامة دون مشاكل أو قلق الزواج.

نجتمع في قسم التاريخ السياسي والحركة العمالية، ثلاثة أيام في الأسبوع، نسمع محاضرات فيها من أغلب أساتذة القسم، طيلة السنة الثانية من وجودنا، ونتفرغ في باقي الأيام والأوقات للبحث والكتابة والنقاشات حول تطوّر عملنا ومتابعة الحصول على مصادر جديدة أو السؤال عنها، وتجميع ما تمّ وتسجيل صفحات منه ومن هدف المشروع وعنوان البحث. كتب الرفيق ماجد أُطروحته عن القضية الكردية في العراق، ودافع عنها وطبعها باللغة العربية عند دار نشر تابعة لمنظمة سياسية عربية، دون أن تضع اسم ناشر ولا سنة النشر، ووزعت بحدود نشاطها وعلاقاتها، ولم تأخذ فرصتها الناجزة. وكانت دراسة مهمة وموثقة، فالدكتور ماجد عبد الرضا ليس مختصا بموضوعه فقط، وإنَّما طاقة فكرية ومجددة في البحث والكتابة، وسجل فيها آراءه ونظراته في تاريخ القضية وتطوّراتها والآفاق لها. وكان قد نشر مقالات له من محتوياتها ونالت استحسانا علميا، كما أصبحت، رغم سوء التوزيع الذي أشرت له، وعبر بعض نسخ منها وصلت إلى مكتبات الجامعات، مصدرا لكلّ من بحث في القضية الكردية. وكان يسعى لاستكمال درجة في الدراسات العليا في الأكاديمية وعن الموضوع نفسه في الظرف الراهن، وحصل على موافقة من القسم والأكاديمية، وهيأ نفسه للعمل على مشروعه واستكماله. إلا أن قرارا جاء من أصحاب القرار الحزبي (من هم؟) الذين يقررون ويرشحون من يستحق الدراسة ولديه الكفاءة والقدرة على الإنجاز ومجرب في هذه المهمات الحزبية والسياسية، برفضه ومنعه من البقاء في الأكاديمية ونقله، نعم نقله من بلغاريا إلى مهمات داخلية ومنحه إجازة حزبية بلا أي سبب حقيقي أو عذر واقعي أو مبرر مقنع. والمشكلة الأخرى في الموضوع كلّه إعطاء هذه المنحة الدراسية الوحيدة لكلّ حزب كلّ عام لطالب آخر لم يكمل دراسته في أكثر من جامعة أرسل إليها أو سافر على حسابه الخاص، وفشل في اجتياز المطلوب منه فيها ولكنه كان مدللا عندهم (من هم؟) وخسرنا في الحالتين من بين خسائرنا فرصا كثيرة، ليست لدي معرفة بجميعها، ولكن ما أعرفه يحتاج إلى كتاب أو سلسلة مقالات. فلم يترك الرفيق ماجد يكمل مهمته العلمية ويقدم دراسة مفيدة عن القضية الكردية في العراق، لمن تهمه القضية والحزب وكوادره كمادة تثقيفية وموقف فكري وسياسي موثق ومدروس، ولم يكمل الذي كوفيء بمكانه بما كلف به أو بما ينبغي أن يقوم به. حيث ترك المكان بعد أشهر، ومثل هذه القصة هناك الكثير، ومرت كلها دون سؤال، مجرد سؤال عنها، لماذا حصلت؟ ولماذا تكررت؟ ولماذا جرت بهذا الشكل والأسلوب وحرم من يستحق ومن يمكنه أن يقدم الأفضل للحزب ومكانته وتطوره؟ وبلا مراجعة وحساب ضمير فقط. صحيح أصبحت هذه القصص كلها من الماضي ولا يمكن العودة إليها عمليا، إلا أنَّ التاريخ يقول عنها وعن أمثالها، بأنها عبر ودروس، ومن لم يتعظ بها لا يستطيع التقدّم إلى الأمام، مهما ادّعى وكابر وغلف نفسه بسيلوفان ملون.

أستاذاي صموئيلوف وفيرا، القديران والمحترمان، ظلا حريصين على التواصل، وكتبا لي رسائل طويلة مكتوبة على الإله الكاتبة، وفيها ما فكرا به في تلك الظروف والأيام وطالباني بإبلاغ سلامهما إلى العديد من الرفاق الذين مروا عليهما. وكنت انقلها لكلّ من التقيه أو اراسله. ودائما يذكران بألم ما جرى لي في نهايات الأيام ويعتذران عن أنّهما قدما لي ما كان باستطاعتها فقط، وكُلّ مرة اشكرهما واكتب لهما، مرت الأمور بسلامتي وإنهاء المهمة بامتياز وهذا كاف الآن، في زمن رديء بكلّ المعاني. وهذه قصة أخرى لها سرديتها الخاصة وشهادتها التاريخية.

انقطعت أخبارهما عني بعد أنْ شتتنا المنافي وأشغلتنا الأيام بهموم جديدة. لا أعرف أو لم أحصل على جواب لأسئلتي الكثيرة عنهما من أصدقاء بقوا هناك.. وبعد ما حصل عندهما من ثورات ملونة، شوّهت المصطلحات وغيّرت المفاهيم وأضاعت قيما إنسانية راقية، كانت أحلام الفقراء وتطلعات المستضعفين تصبوا إليها، ولم تكن هذه النهايات يوما بالحسبان. كم علينا أن ندفع الثمن بعد؟

سلاما ومحبة واعتزازا أيها الإنسانان الحقيقيان بمعنى الكلمة... مودة وذكري طيبة لكما... أينما حللتما وسكنتما وانتهت بكما الدنيا وتقلبات الحياة... لذكراكما العطرة أجمل الكلام وأبهى السلام.

* نقطة حبر: من شعر ابي الطيب المتنبي

إذا اعتاد الفتى خوض المنايا .... فاهوّن ما يمر به الوحول

 

كاظم الموسوي

 

 

عبد الحسين شعبان"ليت لي رقبة كرقبة البعير كي أزن الكلام قبل النطق به"

الإمام علي

تمهيد: في روايته "الضحك والنسيان" يتناول الروائي التشيكي ميلان كونديرا بسردية ممتعة وشائقة: الحلم والتأمل في إطار هارموني تجتمع فيه الأكاذيب أحياناً إلى جانب الحقيقة، بل تتماهى في بعض الأحيان، ولا أريد هنا أن أستعجل القراءة بالمديح وإبراز المحاسن، مثلما لا أرغب أن أسجّل سبقاً في النقد السلبي وإظهار المساوئ، فكلا الحالين يؤديان إلى إصدار أحكام قد تكون خاطئة، فضلاً عن كونها إغراضية، مثلما تثير الحساسية الشديدة، سواءً بالإيجاب أو بالسلب، لكنني أحاول أن أقارب الحقيقة كي لا تضيع أو تشوّه أو تحرّف وهدفي هو عدم إهمال التاريخ أو عزله عن الواقع الحاضر، وهذا سيؤدي إلى  عدم الاستفادة من دروسه وعبره، لاسيّما في لحظة نحن أحوج ما نكون فيها إلى "التدوين".

وأدركُ أن إشكاليات التوظيف في الحالين ستكون موجودة، ولهذا سأحاول قدر الإمكان البحث في المعاني والدلالات: فبعد أكثر من 70 عاماً على نضال عزيز محمد، لم يتعرّف عليه كثيرون ولنقل بما فيه الكفاية، بمن فيهم من في الحزب الذي أدار دفته لنحو 3 عقود، أو ولاسيّما في ظروف العمل السرّي، ولم يقرأوا ما يقوله عن نفسه قراءة موضوعية منصفة على نحو نقدي خلال مسيرته الحافلة، مثلما لم تظهر دراسات بحثية عنه بمستوى الموقع الذي شغله.

ولا أزعم أنني عرفت عزيز محمد حق المعرفة أو حتى أعرفه بصورة جيّدة، فقد عرفته كغيري من الشيوعيين، مع اختلاف أنني متابع وباحث أحاول أن أجعل المعرفة الشخصية تصبّ في إطار مشروعي الكتابي والفكري، وكنتُ قد سألته قبل عقدين ونيّف من الزمان لماذا لا تكتب مذكّراتك يا رفيق؟ وكان في كل مرّة يعتذر بعذر ظلّ يتمسّك به وهو ما سأورده في فقرة أخرى.

1715  شعبان 1

وحتى الآن فإن ما كُتب عنه لا يعطيه حقه، فالتقييم الإيجابي كان يقترب إلى كلمات المدح والتمجيد، أما التقييم السلبي، فإنه يتّجه أحياناً إلى كلمات القدح والذم، وكلاهما يجانب الموضوعية، خصوصاً وبعضها يتيه في الصراعات، فلم يتمّ الكشف عن جوهر شخصيته ما يفكّر به الرجل خارج الإطار العام للحزب، وكيف يتعامل كإنسان؟ وماذا يحب؟ وماذا يكره؟ وكيف قضى طفولته، وكيف تكوّنت شخصيته؟ وما هي المؤثرات الاجتماعية والنفسية عليه؟ وما هي روافده الروحية؟ وبمن تأثّر؟ وكيف ينظر إلى الماضي؟ وكيف يقيّم نفسه ومسيرته؟  وأين يقف من الأخطاء؟ وكيف يقيّم أخطاءه؟ وما الفرق بين الأخطاء والخطايا؟ وحسب أفلاطون " يجب أن تذهب إلى الحقيقة بكل روحك".

ولم نطّلع على الجوانب الإنسانية والشخصية والحياتية لعزيز محمد لدرجة أن بعض الغموض والإبهام، بل وحتى الالتباس ظلّ يغلّف شخصية الرجل الشديد التواضع، وقد يكون الأمر ناجماً عن عدم رغبته في الحديث عن نفسه أو البوح بما هو خاص أو خشيته من التصريح لاعتبارات اجتماعية، حيث كان غالباً ما يميل إلى التلميح والعموميات،  أو حتى دون شعور بأهمية تقديم تجربته للآخرين، وقد يشعر أن في ذلك شيء من اللّاجدوى أو اللّافائدة، لست أدري؟ ولكن لماذا أحجم عن كتابة تجربته وتدوين مذكراته أو بعض محطّاتها الأساسية، وهناك من تطوّع له بإعدادها بالشكل المناسب؟ تلك أسئلة بحاجة إلى المزيد من البحث والتأمل.

ولهذا يبقى ما كُتب عنه أحادياً أو حزبويًا وبعضه إثبات حضور وإظهار وجود أو صحيفة أعمال كما يسمّيها الرفيق بهاء الدين نوري، كما إنه جاء عاماً فكأنه لم يقل شيئاً وكان شديد الحذر، حتى وإن حاول البعض " تقويله" في ظرف نفسي وصحي ليس مناسباً، بما يلغي مهمة النقد، خصوصاً حين يتم تضخيم الإيجابيات وكيل المدائح وتدوين ما هو صحيح، أو على العكس إبراز السلبيات والنواقص وإظهار ما هو خطأ.ووفقاً لابن عربي "الطريق إلى الحقيقة تتعدد بتعدّد السالكين"  والحقيقة نادراً ما تكون خالصة وليست بسيطة قطعاً كما يقول أوسكار وايلد.

1715  شعبان 2

المعرفة الشيوعية

أعتقد أننا بحاجة لأن نؤسس معرفة جديدة من خلال تناول سيرة ومواقف أحد أكثر أمناء الحزب تعتّقاً في موقعه ومعمّراً في حياته (1924- 2017)، ولا تكتمل تلك المعرفة دون النقد ولا قيمة لتجربة دون نقدها، فالنقد هو الشرط الأساسي لتأسيس المعرفة ونموها وتطوّرها، سواء بقراءة التاريخ أو بدراسة الحاضر، بما فيها أزمة العمل العام واستشراف المستقبل.

ولعلّ أزمة العمل السياسي والحزبي هي ظاهرة دولية اليوم، وتبرز بشكل أكبر في ظروف البلدان النامية، ومنها البلدان العربية، والعراق بشكل خاص، ولاسيّما بعد الاحتلال، ولذلك يقتضي منّا وضعها على طاولة البحث استناداً إلى مناهج النقد المعرفي والتحليل السياسي- الاجتماعي والنفسي، والمقصود بذلك نقد اليقينيات والقدسيات والفرضيات والمنطلقات، فقد فتكت المسلّمات بالحركة الشيوعية بشكل خاص والحركات القومية والإسلامية بشكل عام حين هيمنت النزعة الدوغماتية إلى أقصى الحدود، وكان من نتائجها على المستوى العملي الانتهازية والصراع على المواقع بصورة مشروعة ولا مشروعة، إضافة إلى الشعبوية على المستوى السياسي، ناهيك عمّا صاحبها من عنف وقمع حتى داخل الأحزاب السرّية، وقاد ذلك في ظل المركزية البيروقراطية إلى الانشقاقات والإنشطارات والانقسامات، وما أسفر عنها من تراشق واتهام وارتكابات واختراقات، استفاد منها أعداء تلك الحركات، لاسيّما في ظلّ ضعف الجانب الفكري والثقافي لإدارة الحزب وانشغالها في أغلب الأحيان بتسيير دفة الحزب في أعمال مسلكية وروتينية.

نقد السياسة

لقد ركّزنا جلّ عملنا لنقد السلطة، خصوصاً حين تمارس الحكم نخبة متحكّمة ومستبدّة، وأشحنا النظر عن نقد سياسات الأحزاب والقوى السياسية المعارضة أو الموالية أحياناً، فلا فرق في ذلك، وهدف النقد هو الرغبة في إرادة التصحيح والتصويب وتعديل المسار والمراجعة للبناء على ما هو إيجابي والتخلّص مما هو سلبي، ناهيك عن  التناغم مع فقه الواقع الأساس في التقييم.

لقد ظلّ التوجّه السائد في الحياة الحزبية بنزعاته المختلفة أقرب إلى تمسّك إدماني أعمى، باعتبار ما هو قائم من سياسات وتعليمات "واجتهادات" يمثّل مستودع الحقيقة والمرجع المتعالي الذي يتم فيه تعديل الميزان، وفي إطار منطوقه وفي سياق حججه تنجلي الحقيقة، ومثل هذا الافتراض كان يمثّل جوهر  التوجّهات ذات النزعة الدينية - الإلهية، لكنه لم يبقَ حكراً عليها، بل امتدّ إلى السياسة وإلى الإدارات الحزبية في السلطة وخارجها، وهكذا أُضيف الفكر والثقافة والسياسة إلى الدين، في النظرية والممارسة العملية، الأمر الذي قاد بالتدرّج إلى انحطاط السياسة وتخلّفها، لاسيّما بالانفصال عن الواقع، وهذا الأخير بطبيعته متغير وليس هناك من يقين أو ثبات فيه.

وهل تكفي بضعة نصوص تصدر عن هذا "القائد" أو تلك "الإدارة الحزبية" أو ذلك "المسؤول" لتصبح مصدر الحقيقة ومرجعية العمل السياسي أم أن الواقع الذي يتحرّك فيه الحزب خارج دائرة العقائدية هو الذي ينبغي أن نبني أحكامنا عليه وفي ضوئه؟ فحتى الفكر هو انعكاس للواقع، وليس العكس، لكن تخلّف الوعي ومحاولة بعض الإدارات الحزبية أن تضخ مثل تلك المفاهيم ذات الطبيعة القدسية بنصوصها أو تعاليمها هي التي دفعت بالجموع الحزبية للانصياع لها، تحت عناوين "وحدة الإرادة والعمل".

يتبع

 

عبد الحسين شعبان

 

يسري عبد الغني(لقد كان الرسام شيما بويه أحسن رسامي عصره، إلى أن جاء تلميذه جيوتو وفاقه، حقًا لقد فاق التلميذ أستاذه بمراحل كثيرة..!!) "دانتي"

ذات يوم حوالي عام 1302 م، بعث البابا بنيد كت الحادي عشر برسول إلى مدينة فلورنسا بإيطاليا الوسطى، وكانت مهمة هذا المبعوث أو الرسول هي اكتشاف أفضل الرسامين في هذه المدينة التي كانت تعد أشهر مدن أوربا بفنانيها، وإحضار نماذج من أعمالهم الفنية لعرضها على البابا، بعد أن قرر تزيين قصره بالصور الزيتية الجميلة .

وقد أشير على هذا المبعوث أن يقصد إلى مركز جيوتو، وهناك طلب رسمًا لعرضه على سيده، فما كان من الرسام جيوتو إلا أن تناول فرشاة وغمسها في طلاء أحمر، وبحركة واحدة من ذراعه، رسم دائرة كاملة، قائلاً إن فيها الكفاية لكي يتبين منها البابا قدر الفنان وموهبته، وقد كان على حق في هذا، فقد عهد إليه البابا وعلى الفور بمهمة رسوم الفريسك على جدران قصره .

كيف أصبح راعي الأغنام رسامًا شهيرًا؟!!

لقد روى هذه القصة المؤرخ الإيطالي فاساري، الذي كتب العديد من سير أعاظم الرسامين في إيطاليا بوجه خاص وأوربا بوجه عام، ونحن لا نعرف إلا القليل جدًا عن شباب جيوتو، ولكن العلماء الباحثين يعتقدون أنه ولد عام 1266 م، في بلدة فسبنيانو، وهي بلدة صغيرة في إقليم المرتفعات، والذي يبعد أميالاً قليلة إلى الشمال من فلورنسا، وكان أبوه قرويًا بسيطًا من الزراع، ولعله كان يمتلك أرضًا خاصة به .

اشتغل جيوتو راعيًا في أول صباه، كما كان يفعل الصبية في الريف الإيطالي، ويروي لنا فاساري أن جيوتو قد اعتاد أن يسوق غنمه إلى المرعى لكي تأكل العشب، أما هو فكان يجلس ويأخذ في رسم الصور فوق صخرة ملساء، بقطعة من خشب محترق (يشبه الفحم)، وذات يوم، كان أحد الغرباء يمشي بين التلال، فاسترعى نظره مشهد الصبي وهو يخط رسمًا لواحد من الحملان في قطيعه، وكان الصبي يرسم ببراعة ملفتة للانتباه، جعلت الغريب الذي كان هو نفسه رسامًا يدعى شيمابويه، يسأل الصبي إن كان يحب أن يتعلم الرسم والتصوير بالألوان في فلورنسا .

ولقد سر جيوتو الصبي الراعي بهذه الفكرة، ولكنه طلب من شيمابويه أن يسأل والده أولاً، وبالفعل توجه الفنان إلى الوالد وسأله إن كان يمكن أن يعمل الصبي معه في مرسمه تحت التمرين، ووافق الأب دون تردد، وبدأ جيوتو حياته الفنية في مرسم شيمابويه، والواقع أن الشاعر الإيطالي العظيم / دانتي صاحب الكوميديا الإلهية، الذي التقى بجيوتو حين أصبح رجلاً مشهورًا في الأوساط الفنية والثقافية، كتب يقول: إن شيمابويه كان أحسن رسام في عصره، إلى بز (فاق) التلميذ أستاذه، فقد تعلم جيوتو كيف يرسم بالفريسك، وبالألوان المائية فوق الجص المبتل، وكيف يزخرف الكنائس من الداخل، وكيف يصنع الفسيفساء، وهي صور مكونة من 1226 قطع ضئيلة من الحجر والزجاج الملون، تلصق في الأسمنت أو الجص .

ومن سوء الحظ، فإن تصاوير الموزايك حال لونها عند تعرضها للضوء سنوات كثيرة، ورسوم الفسيفساء تتآكل وتبلى، وعندما يقوم الفنانون فيما بعد بإصلاحها أو ترميمها، فإن كثيرًا من معالمها الأصلية لا تلبس أن تزول، ولكن قدرًا كافيًا من أعمال جيوتو قد بقى على مر الزمان، ليكون بحق خير شاهد على أنه كان فنانًا قديرًا متميزًا .

وكان من أوائل أعماله بعض التصاوير بالفريسك في كنيسة سانت فرنسيس، في إسيزي، وهي تحكي قصة القديس الذي أحب جميع الكائنات الحية وأشفق عليها في حب وحنان منقطع النظير، ويبدو أنه من الحق والإنصاف أن يغدو هذا القديس الذي حاول أن يدخل عوالم الإنسانية والحب إلى حمى بيت من بيوت الله والمتمثل في الكنيسة، مادة للتصوير على يد الفنان الذي أدخل الإنسانية إلى عالم الفن، فأسبغ عليها الحرارة والواقعية، وقد رأيت في كتب الفن الإيطالي صورتين جميلتين رسمهما جيوتو، الأولى بعنوان (صلاة من أجل الطيور)، وهي صورة جزئية من كنيسة سانت فرنسيس في إسيزي، ومن نفس المكان صورة ثانية جزئية بعنوان (معجزة النافورة)، وإذا تأملت الصورتين، وهما من تصاوير الفريسك، وإذا حاولنا أن نتأمل أو نرى مدى اختلافهما الكبير عما سبقهما من الرسوم بالألوان أو الفسيفساء في عهودها السابقة، فما علينا إلا أن نقارنهما بأي نموذج آخر من نماذج الفن البيزنطي .

قبل جيوتو .. كيف كان التصوير بالألوان ؟:

إن هذا الأسلوب البيزنطي في الفن كان مستخدمًا في الكنائس المسيحية الأولى في السنين المظلمة المتسمة بالعنف والقسوة بعد سقوط روما، وبعد غزوات القبائل المتبربرة، وقد أطلق على هذا الأسلوب وصف البيزنطي نسبة إلى مدينة بيزنطة، أو القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية، التي ظلت قائمة حتى عام 1453 م، حين استولى عليها الأتراك بصفة نهائية .

أقول لك: إن الفن البيزنطي، الذي تتلاقى فيه الأفكار الدينية شرقية وغربية، هو فن جديد وروحاني دون شك، وإذا نظر إليه المشاهد في مجاليه الكبرى، في كاثدرائية ضخمة ، فسيجده غامرًا في عظمته وجلاله، ولكنه فن جامد، لا إنساني، وذو رتابة لا تتغير، وهذا بالطبع ليس كلامي ولكنه كلام العديد من الباحثين والدارسين ومؤرخي الفن.

كانت الصورة ترسم بالفسيفساء أو بالفريسك، على لوحات خشبية مشتملة على بعدين فقط، الطول والعرض، ولم يكن لها عمق، وهكذا كانت الشخوص بلا امتلاء ولا كيان راسخ، إلا كما يكون للصور المقتطعة من ورق، وكان الفنان لا يحاول أن يجعل قديسيه أو أنبياءه يبدون كأناس حقيقيين، وإنما كان يحاول إظهارهم كشخوص رمزية، هي نفسها على الدوام، حتى يمكن التعرف عليهم في الحال، وقد كان هذا شيئًا له أهميته في عصر لم يكن يستطيع فيه القراءة أو الكتابة سوى قلة قليلة من الناس .

وكان الفنان البيزنطي يستخدم أشكالاً ورموزًا مليئة بالمعاني الدينية، ولكن لم يكن لها ما يربطها قط بالحياة اليومية المعاشة، ويحكي تاريخ الفن أن الكنيسة كانت تفرض قواعدها أو تعاليمها على الفنان الذي يجب أن يلتزمها في اختيار الموضوع، وأسلوب العمل، بل حتى في الألوان التي قد يستخدمها .

جيوتو رسام واقعي رأى الحياة والناس والأشياء:

نقرأ: إن هذا النوع من الرسم بالألوان دام 600 عام، ثم جاء الإيطالي جيوتو فنفذ إلى تقاليده العتيقة بفكرة جديدة تمام الجدة لما يمكن أن يكونه الرسم بالألوان، وكان أول رسام بالألوان رأى الحياة، إناسًا وأشياء، فيما حوله، كانت شخوصه ذات وزن وحجم، كما هي ذات شكل ولون، وكانت بيوته وأشجاره المرسومة تمثل شيئًا واقعيًا معاشًا بين إناسه المرسومين، وما يقومون به من أعمال .

وعليه لقد حطم جيوتو كل قواعد الفن البيزنطي الجامد، وغير اتجاه الرسم بالألوان برمته، وبحق لقد كان فنه معنيًا بالكائنات البشرية التي تتحرك، وتتنفس، وتتكلم، التي تأمل وتخاف، تحب وتكره، تفرح وتحزن، هنا غلى أرضنا الدنيوية، في رقعة طبيعية كبرى عرفها ولابسها منذ صباه عندما كان راعيًا بسيطًا .

أعمال جيوتو:

إن أبدع وأفضل ما حفظ من أعمال جيوتو يمكن أن تشاهده اليوم في كنيسة أرينا تشابيل، في مدينة بادوا، تلك الكنيسة الصغيرة التي بنيت عام 1305 م، في الموقع الذي كان يقوم فيه المدرج الروماني الكبير .

لقد تجلت مقدرة جيوتو الدرامية الكبرى، وبراعته في التصميم فيما سجله هناك من تلك المشاهد البالغ عددها 38 مشهدًا، والتي استمدها من حياة السيد / المسيح وأمه السيدة / مريم العذراء (عليهما السلام)، ومثال على ذلك ما يشع في تصانيفه من جمال وحيوية، فالحب يشيع في رسمه للأم والطفل، والوداعة تطل من الحمار الذي يقلهما، في لوحة (الهروب إلى مصر)، كما تتجلى المقدرة والبراعة الفائقة في لوحة (قبلة يهوذا)، تلك اللوحة المكتظة بالشخوص، والتي وقفت فيها قوى الخير و الشر وجهًا لوجه .

نطالع في تاريخ الفن: إن رسامي القرن الرابع عشر الميلادي، لم يتوافر لهم سوى معرفة مبدأية بالرسم المنظوري، ولكن جيوتو مضى في تطوير الرسوم الملونة بأقصى ما وسعه الأمر، دون هذه المعرفة، وبفضل ما اتسق له من مقدرة فائقة في مجال الخطوط المعبرة، وحسن ترتيبه للمجموعات والألوان المتناسقة، وما تهيأ لشخوصه من إيماءات مباشرة وحيوية، بفضل هذا كله، كان عمل جيوتو الفنان العبقري لا شبيه في أي رسم بالألوان على مدار ألـ 600 سنة السابقة لعهده .

لقد ترك جيوتو صورًا بالألوان في الكثير من المدن الإيطالية، وإن كان القليل من أعماله مازال باقيًا، فقد رسم صورة بالفسيفساء للسيد / المسيح (عليه السلام)، وهو ينقذ القديس / بطرس من بين الأموات، وهذه الصورة مازالت قائمة في وسط كنيسة القديس بطرس في العاصمة الإيطالية، حيث يمكن مشاهدتها حتى الآن، بعد إدخال كثير من التغيير والتجديد عليها، كما قام بزخرفة خمس كنائس صغيرة في نطاق كنيسة سانتا كروتشه في فلورنسا، وكان أسمى تكريم توج تاريخ حياته، هو تعينه مهندسًا لمشروع الكاثدرائية الجديدة في فلورنسا، فقام بتصميم الواجهة الغربية وبرج الأجراس، وتم تشييدهما وفقًا لما صممه .

جيوتو: الإنسان الذكي البارع:

لقد أطرى كثير من الكتاب والباحثين، عبقرية جيوتو وتحدثوا عن صفاته كرجل ذكي بارع، حسن الطوية، ودود ومقتدر، حاذق في أعماله الحرفية الدقيقة حذقه كفنان مبدع .

كان نجاح جيوتو كفيلاً بأن يجلب له من المال ما هيأ له اقتناء أرض زراعية جديدة أضيفت إلى الأرض المملوكة له في فسبنيانو، والتي تركها له والده، وقد توفي جيوتو في شهر يناير سنة 1337 م .

وفي كاثدرائية فلورنسا التي دفن فيها، كتب رسام آخر من أبناء المدينة ذاتها، وبعد مائة سنة من وفاته، هذا النقش تكريمًا لذكراه: " إنني أنا الذي بفضل منجزاته، قد حق لفن الرسم الملون أن يبعث من مماته إلى حياة جديدة " .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني