حامد الحمدانيالعلاقات العراقية الإيرانية ودور أمريكا في تأجيج الصراع بينهما

اتسمت العلاقات العراقية الإيرانية منذُ سنين طويلة بالتوتر والصدامات العسكرية على الحدود في عهد الشاه [محمد رضا بهلوي]، حيث قام الحكام البعثيون في العراق بإلغاء معاهدة 1937 العراقية الإيرانية المتعلقة باقتسام مياه شط العرب بموجب خط التالوك الوهمي الذي يقسم شط العرب إلى نصفين أحدهما للعراق والآخر لإيران، وقيام شاه إيران والولايات المتحدة بدعم الحركة الكردية التي حملت السلاح ضد السلطة القائمة آنذاك، وسبب الإجراء العراقي إلى قيام حرب استنزاف بين البلدين على طول الحدود، واستمرت زمناً طويلاً، ووصل الأمر إلى قرب نفاذ العتاد العراقي، واضطر حكام بغداد إلى التراجع، ووسطوا الرئيس الجزائري [هواري بو مدين] لترتيب لقاء بين صدام حسين وشاه إيران لحل الخلافات بين البلدين

 وبالفعل تمكن الرئيس الجزائري من جمع صدام حسين وشاه إيران في العاصمة الجزائرية، وإجراء مباحثات بينهما انتهت بإبرام اتفاقية 16 آذار 1975، وعاد حاكم بغداد إلى اتفاقية عام 1937 من جديد!، ووقفت حرب الاستنزاف بينهما، ووقف الدعم الكبير الذي كان الشاه يقدمه للحركة الكردية، حيث استطاع البعثيون إنهاءها، وإعادة بسط سيطرتهم على كردستان من جديد.

 وفي عام 1979 في أواخر عهد البكر وقعت أحداث خطيرة في إيران، فقد اندلعت المقاومة المسلحة ضد نظام الشاه الدكتاتوري المرتبط بعجلة الإمبريالية الأمريكية  وأتسع النشاط الثوري، وبات نظام الشاه في مهب الريح، وسبّبَ ذلك الوضع الخطير في إيران أشد القلق لأمريكا، فقد كانت مقاومة الشعب الإيراني لنظام الشاه قد وصلت ذروتها، وبات من المستحيل بقاء ذلك النظام، وبدت أيامه معدودة.

 كان هناك على الساحة الإيرانية تياران يحاولان السيطرة على الحكم، التيار الأول ديني يقوده [آية الله الخميني] من منفاه في باريس، والتيار الثاني يساري، يقوده [حزب تودا الشيوعي] و[مجاهدي خلق]، ووجدت الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين أحلاهما مُرْ، فهي لا ترتاح لسيطرة للطرفين.

 لكن التيار الشيوعي كان يقلقها بالغ القلق، نظراً لموقع إيران الجغرافي على الخليج أولاً، ولكونها ثاني بلد منتج للنفط في المنطقة ثانياً، ولأن إيران تجاور الاتحاد السوفيتي ثالثاً.

وبناء على ذلك فإن مجيء الشيوعيين إلى الحكم في إيران سوف يعني وصول الاتحاد السوفيتي إلى الخليج، وهذا يهدد المصالح الأمريكية النفطية بالخطر الكبير، ولذلك فقد اختارت الولايات المتحدة [أهون الشرين] بالنسبة لها طبعاً!، وهو القبول بالتيار الديني  خوفاً من وصول التيار اليساري إلى الحكم، وسهلت للخميني العودة إلى إيران من باريس، لتسلم زمام الأمور بعد هروب الشاه من البلاد، وهكذا تمكن  التيار الديني من تسلم زمام السلطة، وتأسست الجمهورية الإسلامية في إيران في آذار 1979.

إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهِ السفن، كما يقول المثل، فلم تكد تمضي سوى فترة قصيرة من الزمن حتى تدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران بعد أن أقدم النظام الجديد على تصفية أعداد كبيرة من الضباط الكبار الذين كانوا على رأس الجيش الإيراني، كما جرى تصفية جهاز [السافاك] الأمني الذي أنشأه الشاه بمساعدة المخابرات المركزية الأمريكية، وجرى أيضاً تصفية كافة الرموز في الإدارة المدنية التي كان يرتكز عليها حكم الشاه.

وجاء احتلال السفارة الأمريكية في طهران، من قبل الحرس الثوري الإيراني، واحتجاز أعضاء السفارة كرهائن، وإقدام الحكومة الإيرانية على طرد السفير الإسرائيلي من البلاد وتسليم مقر السفارة الإسرائيلية إلى منظمة التحرير الفلسطينية، والاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، كل تلك الأحداث المتتالية أثارت قلق الولايات المتحدة، ودفعتها لكي تخطط لإسقاط النظام الجديد في إيران قبل أن يقوى ويشتد عوده، أو على الأقل إضعافه وإنهاكه.

وتفتق ذهن المخابرات المركزية إلى أن خير من يمكن أن يقوم بهذه المهمة هو صدام حسين، وبهذه الوسيلة تضرب الولايات المتحدة عصفورين بحجر واحدة، فالعراق وإيران دولتان قويتان في منطقة الخليج، ويملكان إمكانيات اقتصادية هائلة، ولحكامهما  تطلعات خارج حدودهما، إذاً يكون إشعال الحرب بين البلدين وجعل الحرب تمتد لأطول مدة ممكنة، بحيث لا يخرج أحد منهما منتصراً ويصل البلدان في نهاية الأمر إلى حد الإنهاك، وقد استنزفت الحرب كل مواردهما وتحطم اقتصادهما، وهذا هو السبيل الأمثل للولايات المتحدة لبقاء الخليج في مأمن من أي تهديد محتمل.

 وهكذا خططت الولايات المتحدة لتلك الحرب المجنونة، وأوعزت لصدام حسين، بمهاجمة إيران والاستيلاء على منطقة [خوزستان] الغنية بالنفط، واندفع صدام حسين لتنفيذ هذا المخطط  يحدوه الأمل بالتوسع صوب الخليج، وفي رأسه فكرة تقول أن منطقة [خوزستان] هي منطقة عربية تدعى [عربستان].

لم يدرِ بخلد صدام حسين ماذا تخبئه له الأيام؟ ولا كم ستدوم تلك الحرب؟ وكم ستكلف الشعب  العراقي من الدماء والدموع، ناهيك عن هدر ثروات البلاد، واحتياطات عملته، وتراكم الديون الكبيرة التي تثقل كاهل الشعب العراقي واقتصاده المدمر.

لقد سعت الإمبريالية بأقصى جهودها لكي تديم تلك الحرب أطول فترة زمنية ممكنة، وهذا ما أكده عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين أنفسهم، وعلى رأسهم [ريكان] و[كيسنجر]، وغيرهم من كبار المسؤولين الأمريكيين، فلقد صرح الرئيس الأمريكي  [ريكان] حول الحرب قائلاً:

{إن تزويد العراق بالأسلحة حيناً، وتزويد إيران حيناً آخر، هو أمر يتعلق بالسياسة العليا للدولة}!!.

وهكذا بدا واضحاً أن الرئيس ريكان كان يهدف إلى إطالة أمد الحرب، وإدامة نيرانها التي تحرق  الشعبين والبلدين معاً طالما أعتبر البلدان، بما يملكانه من قوة اقتصادية وبشرية، خطر على المصالح الإمبريالية في الخليج، وضمان وصول النفط إلى الغرب، وبالسعر الذي يقررونه هم لا أصحاب السلعة الحقيقيين.

أما هنري كيسنجر، الصهيوني المعروف، ومنظّر السياسة الأمريكية، فقد صرح قائلاً:{ إن هذه هي أول حرب في التاريخ أردناها أن تستمر أطول مدة ممكنة، ولا يخرج أحد منها منتصراً ، بل كلا الطرفين مهزومين}!!.

وطبيعي أن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إذا لم تستمر الحرب إلى أمد طويل، وإضافة إلى كل ذلك كان سوق السلاح الذي تنتجه الشركات الغربية مزدهراً ومحققاً أرباحاً خيالية لتجار الحروب والموت، في حين استنزفت تلك الحرب ثروات البلدين المادية والبشرية، وسببت من الويلات والماسي والدموع ما لا يوصف، فلم تترك تلك الحرب عائلة في العراق وإيران دون ضحية.

لكن الإمبريالية لا تفهم معنى الإنسانية، فقد كان الفرح يغمر قلوبهم وهم يشاهدون كل يوم على شاشات التلفزيون، وصور الأقمار الصناعية، تلك المجازر الوحشية التي بلغ أرقام ضحاياها حداً مرعباً، فقد قتل في يوم واحد من أيام المعارك أكثر من عشرة آلاف ضحية، وتفاخر صدام أمام القائم بأعمال السفارة الأمريكية بعد مغادرة السفيرة [كلاسبي] العراق، وقبيل غزو صدام للكويت  بزهو قائلاً:

{هل تستطيع الولايات المتحدة تقديم 10 آلاف شهيد في معركة واحدة؟ نحن أعطينا 50 ألف شهيد في معركة تحرير الفاو}.

هكذا وبكل وقاحة دفع صدام وأسياده الأمريكان أكثر من نصف مليون شهيداً من شباب العراق في عمر الزهور، ودون وازع من ضمير وأخلاق، كانت مصالح الإمبرياليين الاقتصادية تبرّر كل الجرائم بحق الشعوب، ولو أن تلك الحرب وقعت في أوربا، أو أمريكا أو بين العرب وإسرائيل لسارع الإمبرياليون إلى وقفها فوراً، وبذلوا الجهود الكبيرة من أجل ذلك.

أن الحقيقة التي لا يمكن نكرانها هي إن تلك الحرب كانت من تدبير الإمبريالية الأمريكية وشركائها، وأن عميلهم صدام قد حارب نيابة عنهم، ولمصلحتهم، بكل تأكيد، وأن لا مصلحة للشعب العراقي إطلاقاً في تلك الحرب، ولا يوجد أي مبرر لها، وإن الشعب الإيراني شعب جار، وليس من مصلحة العراق الدخول في حرب أمريكية بالوكالة ضد إيران.

كما أن إيران لم تكن مستعدة لتلك الحرب، ولم يعتقد حكام إيران أن النظام العراقي يمكن أن يقدم على مثل هذه الخطوة، وهذا ما يؤكده اندفاع القوات العراقية في العمق الإيراني خلال أسابيع قليلة دون أن يلقى مقاومة كبيرة من قبل الجيش الإيراني .

لكن ذلك التقدم لم يدم طويلاً، وتمكن الجيش الإيراني من طرد القوات العراقية الغازية من إقليم خوزستان شّر طردة عام 1982، مكبداً القوات العراقية خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات، ولنا عودة إلى تلك الحرب، وتفاصيل مجرياتها، في الحلقة الثالثة.

 

حامد الحمداني

 

حامد الحمدانيتمهيد: منذُ أن قام صدام حسين بدوره المعروف في الانقلاب الذي دبره ضد شريك البعثيين في انقلاب 17 تموز 968 [عبد الرزاق النايف] بدأ نجمه يتصاعد  حيث أصبح نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، وبدأ يمارس السلطة كما لو أنه الرئيس الفعلي للبلاد، رغم وجود الرئيس أحمد حسن البكر على قمة السلطة، وأخذ دوره في حكم البلاد يكبر ويتوسع يوماً بعد يوم، وخاصة سيطرته على الحزب والأجهزة الأمنية، والمكتب العسكري، وبدا وكأن صدام يخطط لاستلام القيادة من البكر بحجة كبر سنه ومرضه.

وعندما حلت الذكرى الحادية عشر لانقلاب 17 تموز 1979، فوجئ الشعب العراقي بإعلان استقالة الرئيس البكر في 16 تموز 1979، وتولي صدام حسين قيادة الحزب والدولة، حيث أعلن نفسه رئيساً للجمهورية، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة، وقائداً عاماً للقوات المسلحة.

أما كيف ولماذا تم هذا الانتقال للسلطة من البكر إلى صدام حسين فلم يكتب عن ذلك الحدث لحد الآن  إلا القليل، إلا أن المتتبع لتطورات الأوضاع السياسية في البلاد، وما أعقبتها من أحداث خطيرة يستطيع أن يتوصل إلى بعض الخيوط التي حيك بها الانقلاب، ومن كان وراءه!.

أن هناك العديد من الدلائل التي تشير إلى أن ذلك الانقلاب كان قد جرى الإعداد له في دوائر المخابرات المركزية الأمريكية، وأن الانقلاب كان يهدف بالأساس إلى جملة أهداف تصب كلها في خدمة المصالح  الإمبريالية الأمريكية وأبرزها:

1ـ إفشال التقارب الحاصل بين سوريا والعراق، ومنع قيام أي شكل من أشكال الوحدة بينهما، وتخريب الجهود التي بُذلت في أواخر أيام حكم البكر لتحقيق وتطبيق ما سمي بميثاق العمل القومي آنذاك، والذي تم عقده بين سوريا والعراق، حيث أثار ذلك الحدث قلقاً كبيراً لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، تحسبا لما يشكله من خطورة على أمن إسرائيل.

2ـ احتواء الثورة الإسلامية في إيران، ولاسيما وأن قادة النظام الإيراني الجديد بدأوا يتطلعون إلى تصدير الثورة، ونشر مفاهيم الإسلامية في الدول المجاورة، مما اعتبرته الولايات المتحدة تهديداً لمصالحها في منطقة الخليج، ووجدت أن خير سبيل إلى ذلك هو إشعال الحرب بين العراق وإيران، وأشغال البلدين الكبيرين في المنطقة بحرب سعت الولايات المتحدة إلى جعلها تمتد أطول فترة ممكنة، كما سنرى .

3ـ مكافحة النشاطات الشيوعية، في البلاد، والتصدي للتطلعات الإيرانية الهادفة إلى نشر أفكار الثورة الإسلامية في المنطقة.

4ـ بالإضافة لما سبق كانت تطلعات صدام حسين لأن يصبح شرطي الخليج، وتزعم العالم العربي قد طغت على تفكيره، ووجد في الدور الذي أوكل له خير سبيلٍ إلى تحقيق طموحاته .

لم يكن انقلاب صدام ضد البكر بمعزل عن المخططات الأمريكية، فقد قام مساعد وزير الخارجية الأمريكي بزيارة لبغداد، حيث أجرى محادثات مطولة مع الرئيس احمد حسن البكر وبحث معه في مسالتين هامتين بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية:

المسألة الأولى: تتعلق بتطور العلاقات بين العراق وسوريا، وتأثير هذه العلاقات على مجمل الأوضاع في المنطقة، وبشكل خاص على إسرائيل التي تحرص على عدم السماح بإقامة الوحدة بين العراق وسوريا.

المسألة الثانية: دارت حول الأوضاع في إيران، بعد سقوط نظام الشاه، واستلام التيار الديني بزعامة [الخميني] السلطة، والأخطار التي يمثلها النظام الجديد على الأوضاع في منطقة الخليج، وضرورة التصدي لتلك الأخطار، وسعى الموفد الأمريكي إلى تحريض حكام العراق على القيام بعمل ما ضد النظام الجديد في إيران، بما في ذلك التدخل العسكري، وقيل بأن الرئيس البكر لم يقتنع بفكرة الموفد الأمريكي، وخاصة وأن البكر رجل عسكري يدرك تمام الإدراك ما تعنيه الحرب من ويلات ومآسي، وتدمير لاقتصاد البلاد.

وبعد انتهاء اللقاء مع البكر التقى الموفد الأمريكي مع صدام الذي كان آنذاك نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، وبحث معه نفس المواضيع التي بحثها مع البكر، وقد  أبدى صدام كل الاستعداد للقيام بهذا الدور المتمثل بتخريب العلاقات مع سوريا من جهة، وشن الحرب ضد إيران من جهة أخرى.

لم تمضِ غير فترة زمنية قصيرة حتى جرى إجبار الرئيس البكر، بقوة السلاح، من قبل صدام حسين وأعوانه، على تقديم استقالته من كافة مناصبه، وإعلان تولي صدام حسين كامل السلطات في البلاد، متخطياً الحزب وقيادته، ومجلس قيادة الثورة المفروض قيامهما بانتخاب رئيس للبلاد في حالة خلو منصب الرئاسة.

أحكم صدام حسين سلطته المطلقة على مقدرات العراق، بعد تصفية كل المعارضين لحكمه ابتداءً من أعضاء قيادة حزبه الذين صفاهم جسدياً بأسلوب بشع وانتهاءً بكل القوى السياسية الأخرى المتواجدة على الساحة.

لقد أخذت أجهزته القمعية تمارس أبشع الأعمال الإرهابية بحق العناصر الوطنية من ِشيوعيين وإسلاميين وقوميين وديمقراطيين، بالإضافة للشعب الكردي، وملأ السجون بأعداد كبيرة منهم، ومارس أقسى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بحقهم  وقضى العديد منهم تحت التعذيب.

لقد كانت ماكنة الموت الصدامية تطحن كل يوم بالمئات من أبناء الشعب، لكي يقمع أي معارضة لحكمه، وحتى يصبح مطلق اليدين في اتخاذ أخطر القرارات التي تتحكم بمصير الشعب والوطن، ولكي يعدّ العدة، ويهيئ الظروف المناسبة لتنفيذ الدور الذي أوكلته له الإمبريالية الأمريكية، في العدوان على إيران.

لقد وصل الأمر بصدام حسين أن جمع وزراءه، وشكل منهم فريق إعدام في سجن بغداد، لكي يرهب كل من تسول له نفسه بمعارضته، كما قام بإعدام عدد كبير من ضباط الجيش، لكي يصبح وحده الأقوى في المؤسسة العسكرية، رغم أنه لم يكن في يوم من الأيام عسكرياُ.

العلاقات العراقية السورية:

رغم أن العراق وسوريا يحكمهما حزب البعث، إلا أن العلاقات بين الحزبين، والبلدين اتسمت دائماً بالخلافات والتوتر الذي وصل إلى درجة العداء والقطيعة لسنين طويلة، وتطور العداء بين الحزبين إلى حد القيام بأعمال تخريبية، وتدبير التفجيرات، وغيرها من الأعمال التي أدت إلى القطيعة التامة بين البلدين.

ولا شك أن لأمريكا وإسرائيل دور أساسي في إذكاء العداء والصراع بين البلدين الشقيقين، ذلك لأن أي تقارب بينهما ربما يؤدي إلى قيام وحدة سياسية تقلب موازين القوة بين سوريا وإسرائيل نظراً لما يمتلكه العراق من موارد نفطية هائلة، وقوة عسكرية كبيرة، بالإضافة إلى ما يشكله العراق من امتداد إستراتيجي لسوريا في صراعها مع إسرائيل، وهذا ما تعارضه الولايات المتحدة وإسرائيل أشد المعارضة.

وفي أواخر عام 1978، وأوائل عام 1979، جرت محاولة للتقارب بين البلدين، تحت ضغط جانب من أعضاء القيادة في كلا الحزبين السوري والعراقي، وقد أدى ذلك التقارب إلى تشكيل لجان مشتركة سياسية واقتصادية وعسكرية، وعلى أثر توقيع ميثاق للعمل القومي المشترك الذي وقعه الطرفان في تشرين الأول عام 1978، وقد أستهدف الميثاق بالأساس إنهاء القطيعة بين الحزبين والبلدين الشقيقين، وإقامة وحدة عسكرية تكون الخطوة الأولى نحو إقامة الوحدة السياسية بين البلدين، وتوحيد الحزبين.

كان وضع سوريا في تلك الأيام قد أصبح صعباً بعد أن خرجت مصر من حلبة الصراع العربي الإسرائيلي، وعقد السادات اتفاقية [كامب ديفيد] مع إسرائيل مما جعل القادة السوريين يقرون بأهمية إقامة تلك الوحدة للوقوف أمام الخطر الإسرائيلي.

وبالفعل فقد تم عقد عدد من الاتفاقات بين البلدين، وأعيد فتح الحدود بينهما، وجرى السماح بحرية السفر للمواطنين، كما أعيد فتح خط أنابيب النفط [التابلاين] لنقل النفط إلى بانياس في سوريا، والذي كان قد توقف منذُ نيسان 1976.

وفي 16 حزيران تم عقد اجتماع بين الرئيس السوري حافظ الأسد، والرئيس العراقي أحمد حسن البكر في بغداد، ودامت المحادثات بين الرئيسين ثلاثة أيام أعلنا في نهايتها أن البلدين سيؤلفان دولة واحدة، ورئيس واحد، وحكومة واحدة، وحزب واحد، وأعلنا تشكيل قيادة سياسية مشتركة تحل محل اللجنة السياسية العليا التي جرى تشكيلها بموجب اتفاق تشرين الأول 1978، والتي ضمت 7 أعضاء من كل بلد، يترأسها رئيسا البلدين، وتجتمع كل ثلاثة أشهر لتنسيق السياسات الخارجية، والاقتصادية، والعسكرية.

تدهور العلاقات العراقية السورية

لم تمضِ سوى بضعة أشهر على الاتفاق الذي عقده البكر والأسد، حتى أزيح البكر عن السلطة، وتولى صدام حسين قيادة الحزب والدولة في العراق، وبدا بعد إقصاء البكر، أن هزة عنيفة قد ألمت بالعلاقة بين قيادة  البلدين والحزبين، وبدأت الغيوم السوداء تغطي سماء تلك العلاقة.

وفي 28 كانون الأول 1979، جرى لقاء قمة بين الأسد وصدام في دمشق دام يومين، وقد ظهر بعد اللقاء أن الخلافات بين القيادتين كانت من العمق بحيث لم تستطع دفع عملية الوحدة إلى الأمام، بل على العكس تلاشت الآمال بقيامها، وهكذا بدأت العلاقة بالفتور بين البلدين من جديد، واتهمت سوريا القيادة العراقية بوضع العراقيل أمام تنفيذ ما أتُفق عليه في لقاء القمة بين الأسد والبكر.

أدى هذا التدهور الجديد في العلاقة بين الحزبين، إلى وقوع انقسام داخل القيادة القطرية في العراق، قسم وقف إلى جانب الاتفاق المبرم بين الأسد والبكر، وقسم وقف إلى جانب صدام حسين، فما كان من صدام إلا أن أتهم الذين أيدوا الاتفاق بالاشتراك بمؤامرة مع سوريا على العراق، وجرى اعتقالهم، وتعذيبهم حتى الموت، ثم أعلن صدام حسين، عبر الإذاعة والتلفزيون، أن هذه المجموعة قد تآمرت على العراق، وأحيلت إلى محكمة حزبية قررت الحكم عليهم بالإعدام وجرى تنفيذ الأحكام بحقهم.

لكن الحقيقة أن هذه المجموعة أرادت تحقيق الوحدة أولاً، والتخلص من دكتاتورية صدام حسين ثانياً، بعد أن أغتصب السلطة من البكر بقوة السلاح.

وهكذا ذهبت الآمال بتحقيق الوحدة أدراج الرياح، وتدهورت العلاقة بين البلدين من جديد، وفرض صدام حسين سلطته المطلقة على قيادة الحزب والدولة دون منازع، وأصبح العراق ملجأ لكل المناوئين للحكم في سوريا ابتداءً من [ أمين الحافظ] و[ميشيل عفلق] وانتهاءً بالإخوان المسلمين الذين لجأوا إلى العراق بأعداد كبيرة، بعد فشل حركتهم في مدينة حماه عام 1982.

ولم يقتصر تدهور العلاقات بين البلدين على القطيعة، والحملات الإعلامية، بل تعداها إلى الصراع العنيف بين الطرفين على الساحة اللبنانية، حيث أدخلت سوريا عدد من قطعاتها العسكرية في لبنان ضمن قوات الردع العربية لمحاولة وقف الحرب الأهلية التي اندلعت هناك عام 1975.غير أن القوات المشتركة العربية انسحبت من لبنان فيما بعد، تاركة القوات السورية لوحدها هناك.

وانتهز صدام حسين الفرصة ليرسل إلى القوى الطائفية الرجعية المعادية لسوريا السلاح والعتاد والعسكريين لمقاتلة الشعب اللبناني، والقوات السورية والفلسطينية، وأصبح لبنان مسرحاً للصراع بين البلدين، واستمر الحال في لبنان حتى سقوط حكومة [ميشيل عون] حليف صدام ضد سوريا، وانتهاء الحرب الأهلية، وانعقاد مؤتمر الطائف للأطراف اللبنانية المتصارعة لحل الخلافات بينهم، وإعادة الأمن والسلام إلى ربوع لبنان الذي مزقته تلك الحرب التي دامت خمسة عشر عاماً.

وهكذا حقق صدام حسين للإمبريالية الأمريكية ما كانت تصبو إليه، حيث عادت العلاقات بين سوريا والعراق إلى نقطة الصفر من جديد، وتحقق الهدف الأول الذي رسمته له، وبدأت تتفرغ للهدف الثاني الهام، هدف التصدي للنظام الإيراني الجديد، وخلق المبررات لصدام لشن الحرب على إيران في الثاني والعشرين من أيلول عام 1980، تلك الحرب التي كانت لها نتائج وخيمة على مستقبل العراق وشعبه، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً، وكانت سبباً مباشراً لأقدام صدام حسين على غزو الكويت، وبالتالي قيام حرب الخليج الثانية، التي جلبت على العراق وشعبه من ويلات ومآسي، وخراب ودمار لم يسبق لها مثيل.

 

حامد الحمداني

 

 

عبد الاله الصائغمقدمة لابد منها: الثقافة العربية منذ العصر القبسلامي تكره النجاح بعامة رجلا اصاب ام امرأة! والمرأة مخلوق متفوق على الرجل فهي صانعة الحياة والفرح العائلي! فالتفت هذه الثقافة الورائية الى المرأة لتضطهد المرأة الى مستوى التصفية الجسدية أو النفسية أو الأخلاقية!

والأمثلة عصية عن الحصر ولكننا نذكر الممكن منها فمثلا حين علم الملك عمر بن هند أن ام الشاعر عمرو بن كلثوم ذات كبرياء وبهاء بحيث تعلي كرامتها على حياتها!

فغضب الملك غضبا شديدا ولعله قال في نفسه كيف لامرأة في مملكتي او مشيختي وهي ذات كرامة وكبرياء وادعها حرة؟ فدعا الشاعر وقال له انت مدعو في قصري على شرفي وامك مدعوة معك واهلا بكما!

والحكاية مشهورة فقد اهانت ام الملك ام الشاعر حين قالت لها ناوليني نعالي فعرفت ام الشاعر المقلب الذي أعد لها فصرخت ام الشاعر مثل لبوة جريحة واذلاه! فانتفض الشاعر وادرك ان امه اذلت فاستل سيفه وقتل الملك! لكن فاطمة بنت الخرشب التي انجبت في الجاهلية عشرة أبناء نجباء كلهم زعيم وفارس وشاعر وحكيم وحين تحرش بها ضيفها جنسيا خنقته بشالها وطرحته ارضا فعرف الضيف انها قوية ومدربة وستقتله فباس يدها وقال لها اغفري لي! فغفرت له وتركته يصل منطقته بسلام رغم حضور اولادها ساعة الحادثة وقد امرتهم ان لايصيبوه باذى ويتركوه وشأنه!

وحين جاء الاسلام وتنزل القرآن الكريم نهض بتفسيره البعض ممن أعمت الفحولة أعينهم فكان ان اضطهدت المرأة باسم الدين !

المرأة عندنا مغدورة وحقوقها مهدورة بسبب ثقافتنا العربسلامية التي تتنتصر للرجل ظالما او مظلوماً وتستنقص المرأة محقة كانت او غير محقة! وماذا لو حملقنا في غرب الكرة الارضية وشمالها كي نجد ان العنف ضد المرأة حالة نفسية او خلل نفسي يحتاج الى عيادة نفسية وليس الى كلبشات شرطي! لكن الغرب بعامة تجاوز خرافة الكوتا في الانتخابات والمناصب والسوانح فشهدنا نساء يقدن دولا عملاقة عظمى دون ان يتساءل الانسان الغربي الواعي هل انجيلا ميركل سيدة ام سيد؟؟

 تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا!

وغراباركيتاروفيتش رئيسة كرواتيا! وثمة الرئيسة الباكستانية العظيمة المغتالة غدرا بينظير علي بوتو! ولننظر الى نبوغ انديرا غاندي التي اغتالها فحول من حرسها؟ ناهيك عن تفوق النساء في العلوم مدام كوري مثلا وفي الفنون والرواية والدعوة للحرية والموسيقا وهوليود!

هل استمر في استحضار نبوغ المرأة فأكون كمثل من يثبت كروية الارض من جديد ولكنه الميل الصحراوي للظلم كما قال المتنبي:

والظلم من شيم النفوس    فإن تجد ذا عفةٍ فلِعلَّةٍ لايظلم

 والمتنبي العظيم يصرخ بوجوه الرجال الفحول :

وما التأنيثُ لاسمِ الشّمسِ عَيبٌ     ولا التّذكيرُ فَخْرٌ للهِلالِ

 نحونا فحولي ايضا فمن يصدق ان الطلبة في كل البلاد العربسلامية يدرسون في النحو شاهداً نحويا نصه (قتل البنات من المكرمات) ومثل ظواهر نحوية فحولية كثيرة نحو التغليب ونحو اسباغ صيغة فعيل وفاعل صفة للمرأة كقولهم للوزيرة وزير وللنائبة نائب!

شعرنا فحولي مثل ملامحنا قارن :

ومن غاية المجد والمكرمات بقاء البنين وموت البنات

 وقول الشاعر لزوجته التي تغازله فتمشط شعره لتمنحه دلالها وتفليه واضعا سيفه (ذا الريق) على رقبتها

 لاتمشطي رأسي ولا تفليني وحاذري ذا الريق في يميني

 ويتمزز شاعر اخر جلف وهو يقول :

تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً والموت اكرم نزّال على الحرم

 هي دعوة للتفكير العلمي العملي للتطهر الروح العربسلامي من أوساخ ثقافة كراهية المرأة واحتقارها فما زلنا نئد النساء بوسائل غير مباشرة رغم بلوغنا زمن التواصل الاجتماعي

 العالم تغير جدا جدا وان الدنيا اليوم ليست الدنيا قبل عشر سنين ولم تعد عقلية الخمسينات او الستينات ناجعة في مفاتشة الواقع ومغازلة المثال غرب الكرة الأرضية يتطور الى الأمام وشرقها يتقهقر الى الوراء! هذا دعبل الخزاعي يشكو الاغتراب بين الرجال الأشباه

 ما أكثر الناسَ لا بل ما أقلهمو الله يشهدُ أني لم أقلْ فندا

 إني لأفتح عيني حين افتحُها على كثيرٍ ولكن لم اجدْ احدا

وداد فرحانالعرض

الدكتورة العراقية الناجحة وداد الفرحان انجزت بإمكاناتها الذاتية صحيفة بانوراما التي لاقت من الانتشار والاشتهار ماجعلها موضع اهتمام الشارع الاعلامي والثقافي وقد استقطبت بانوراما اقلاما تعد اليوم ايقونات تضيء حيثما كانت!

ولم تكن السيدة وداد الفرحان لتتنطع بنجاحها او تجعل من صحيفتها منبرا للدعاية الشخصانية فضلا عن ان بانوراما كانت منحازة للتنوير ولم تتخندق مع الخيول الكدش لرموز الدين السياسي وأحزاب المحاصصة والعلمانية المتطرفة! وسارت سفينة بانوراما في محيط عميق واسع سيرا حثيثاً واثقاً! فباتت السيدة وداد فرحان متمتعة بنجومية تغبط عليها ومتنعمة بسطوعية تحسد عليها والمحب يغبط والشانيء يحسد!

ومن خلال عملي الطويل في الجامعة والاعلام (جامعات الموصل والمستنصرية والكوفة في العراق) و( جامعات الفاتح واللغات في ليبيا) و(جامعة صنعاء في اليمن) و(كليات هنري فورد في مشيغن وتكساس كولج في جورجيا) فضلا عن الأكاديميات المفتوحة مثل الاكاديمية العربية في الدانمارك وابن رشد في هولندة وشمال امريكا في كندة اقول من خلال تجربتي وخبرتي تهيأ لي ان النظرة للمرأة عند كثير من الزملاء والطلبة والناشطين لن تتعدى حوار الجسد دون النظر الحق للكفاءة والشهادة العليا والمواهب الكبرى! كالدكتورة وفاء سلطان التي فتح المتشددون عليها بوابات الجحيم فاستغلو الفوتوشوب لكي يظهروها في مشاهد لاتليق بمفكرة حاذقة كمثلها!

واليوم تتعرض الدكتورة وداد فرحان وصحيفتها بانوراما الى حملات تسقيط تسعى الى إهانتها ومنعها عن مواصلة مشوارها وتكريس حياتها لحرفتها (حرفة البحث عن المتاعب) ولا اريد ان اتحدث عن المحن التي تعرضت لها هي وزوجها الراقي ولكن الله جنبها ونقول بالعراقي (ياغافلين إلكم الله)

فهل يكون جزاء هذه المرأة العراقية الحالمة ذات الكبرياء والبهاء كجزاء سنمار!

ويشاء الله ان يختلف حسادها وخصومها في مسوغات الاساءة لها ففريق يزعم انها متخندقة مع جماعة الاسلام السياسي وانها تقبض رشاوى منهم وتتلقى تعليمات عنهم وفريق يدعي انها علمانية متطرفة تتماهى مع المشككين بالدين والإله معا ولاتجد حرجا من تعاطي المخدرات والمشروبات الكحولية حد التعتعة!

وحين واجهت الاستاذة فرحان هجمات البداوة الاعلامية ضدها ونأت بنفسها عن ان ترد على كل مدلس او مجسس فهل بات التواصل الاجتماعي تكنولوجية ذكية بأيد غبية؟

 وتمضي النوذج السامق للعراقية المغتربة دكتورة وداد فرحان بخطوات واثقة لتنتقل من نجاح الى آخر بينما تنطفي نيران حسادها وشانئيها والحمد لله.

 

عبد الاله الصائغ - الولايات المتحدة

 

علوان حسينفي الباحة السادسة حيث تـُنتصب ُ المشانق ُ كل أسبوعين وفي أوقات الكثافة كل أسبوع أمام البوابة السوداء لمهجعنا يسمونه مهجع الندوة . كان نصيبنا التلصص من شقوق البوابة إلى ما يجري خلفها من حركة دائبة لعناصر البلدية في تحضير أعمدة المشانق والحبال الغليظة ثم يأتي دور الرقيب الأول حاملا ً معه قائمة بأسماء تعسي الحظ يقادوا من الصباح الباكر فرادى أو جماعات إلى باحة الموت . يذهبون إلى تلك النهاية الفاجعة بهدوء وصمت ٍ ونحن خلف الجدران جالسين وكأن فوق رؤوسنا الطير بعضنا يزدرد لقمته بصمت، آخرون عافت أنفسهم الطعام فلبثوا مع أنفسهم ذاهلين . طبعا ً مع مرور الأيام والشهور والسنين كنا قد إعتدنا المشهد وفقد الموت رهبته عند البعض لكن الخوف من ملاقاة ذلك المصير والتدلي من حبل المشنقة عشناه في اليقظة وفي الأحلام . تمر أيام كثيرة لا أستطيع فيها الضحك لنكتة يقولها أحدهم . تقلقني الأعداد المتزايدة للمحكومين بالإعدام من أين يأتون بكل هؤلاء الضحايا وكيف لا يفرغ السجن من ساكنيه ؟ كنا نحصي أعداد الذاهبين إلى حتفهم حيث يصل الرقم إلى مئتين كل أسبوعين تقريبا ً، كل هذا والمعتقل مزدحم والمهاجع تكاد تختنق بالسجناء . سرت إشاعة في السجن بأن حافظ الأسد شخصيا ً يشرف بنفسه على حفلة الإعدامات . رئيس المهجع أقسم بأغلظ الإيمان أنه رأى بأم عينيه التي سوف يأكلها الدود رئيس البلاد جالسا ً على كرسي ٍ وثير وأمامه على الطاولة فنجان قهوة وكأس ماء وقد جلبوا له خصيصا ً باقة ورد ٍ تضفي على نشوته متعة ً قصوى وهو يبصر ضحاياه يلاقون المصير الذي رسمه لهم .

وسط تعاستي وحزني الشديد كنت أتخيل الرئيس السعيد جالسا ً يرشف قهوته بمتعة وأمامه باقة ورد ٍ ومشنقة يتدلى منها إنسان كان قبل لحظات في كامل فتوته وأحلامه وحياته التي قُطفت منه في لحظة ٍ شاءها الرئيس السعيد لحظة بهجة ٍ يخالطها الموت . كنت أتساءل كيف تواطأ الموت مع الرئيس الذي مثل دور القاضي وكيف غابت حقيقة الموت ومعناه وهل يحتاج الإنسان إلى مجرد فكرة مغايرة تذهب به إلى حيث ينتظره رجل بكامل قيافته وبطشه وقسوته ليرسم له شكل نهايته ببساطة كما يرشف قهوته بالضبط؟ هل يحتاج الموت إلى فنجان قهوة؟ وهل أشعر أنا الناجي من غفلة الموت بالسعادة؟ يا لها من سعادة ٍ قاسية . كم من الجثث مرت من أمامي وكم من الموت رأيت وكم صور الأحياء الموتى ظلت عالقة في ذاكرتي، من ينتشلني من هذا القبر؟ ثم كيف أعثر علي َ من بين ركام الموتى؟ لو فقط هناك محكمة وقاض وعدالة، ضحكت من نفسي لتخيل فكرة العدالة ونحن في تلك الصحراء المقفرة وسط قطيع الضواري ومشهد تل الجثث موضوعة فوق بعضها عارية ً تماما ً من الثياب والأرواح بالطبع وحلقة من الشرطة العسكرية وعناصر البلدية تقيم دبكة فرح وسط التهليل كأنهم في زفاف جماعي لسجناء معتقل تدمر الصحراوي السعيد .   

 

علوان حسين

 

عبد السلام فاروقالشارقة إمارة عريقة، واسمها معناه "الشمس المشرقة" . تشير الحفريات التى وجدت بجبل "فايا" بالشارقة إلى آثار لآنية تعود إلى 85,000 سنة مضت، ما يعنى أنها أقدم حفرية دالة على آثار بشرية وُجدت على ظهر البسيطة . جاء ذكرها فى رسوم الخرائط اليونانية التى رسمها بطليموس خلال القرن الثانى قبل الميلاد، وفى القرن الخامس عشر ذُكرت الشارقة فى مؤرَّخات (أحمد بن ماجد) البحار الشهير . ما يعيدنا إلى كتاب من كتب د/(سلطان القاسمى)، هو كتاب (بيان للمؤرخين الأماجد في براءة ابن ماجد)، وهو بحث استقصائى قام به د/(سلطان) اعتماداً على مخطوطة قديمة من يوميات "فاسكو دى جاما" عَثرَ عليها فى مدينة "أوبورتو" البرتغالية . وفى هذا ما يشير لاهتمام د/(سلطان) البالغ بإعادة اكتشاف التاريخ وتتبعه والتعمق فيه، وعدم الاعتماد كُلّياً على المصادر التقليدية للتاريخ والتى تغفل عن الكثير من الحقائق التى طُويَت فى دوائر النسيان .

كانت الشارقة فى الماضى إمارة صحراوية حوَّلتها الأمطار إلى سهول خصبة ساعدت على الصيد ورعى الماشية . واعتمدت فى حقبة تالية على التجارة البحرية وأهمها تجارة اللؤلؤ، وكان البحارة يتميزون بمعرفتهم لأسرار الملاحة فى تلك المنطقة الحيوية التى تربط بين دول شرق آسيا من ناحية وبين أوروبا الشرقية وشمال أفريقيا من ناحية أخرى .

منذ عام (1823م) وحتى عام (1954م) كانت الشارقة هى مقر الانتداب البريطانى فى منطقة الخليج، حتى وقت جلائهم التام فى أواخر الستينيات قبيل إنشاء الاتحاد الإماراتى . وفى (1903م) تم افتتاح المدرسة "التيمية" كأول مدرسة بالشارقة تعتمد المنهج الإسلامى . أول صحيفة بالشارقة صدرت عام 1927م كانت صحيفة (عمان) أو صحيفة "ولايات عمان المتصالحة" . وفى عام (1932م) أسست الحكومة البريطانية أول مطار فى الشارقة، والذى تحوَّل فيما بعد إلى (متحف المحطة) ضَمَّ مجموعة من نوادر المقتنيات لطائرات قديمة وغيرها من مقتنيات الملاحة الجوية آنئذ . ومع بشائر تسلُّم الشيخ سلطان القاسمى مقاليد الحكم فى 1972م، جاء اكتشاف النفط فى حقل مبارك بالشارقة . ومنذ ذلك الحين بدأت الشارقة مرحلة جديدة من الحداثة، فى خطوات سريعة متلاحقة تثير الإعجاب والاحترام .

مدينة اللؤلؤ

حتى ستينيات القرن الماضى كانت الشارقة تعتمد فى اقتصادها بشكل أساسى على تصدير اللؤلؤ الذى نال شهرة عالمية، وكان حتى عام 1900م ذو أهمية خاصة بين الأحجار الكريمة فاقت أهمية الماس فى تلك الآونة ما أدى إلى ارتفاع سعره ورواجه لدى طبقة النبلاء والأثرياء فى أوروبا وشرق وجنوب آسيا .

كانت مراكب "الداهو" دقيقة الصنع ذات النقوش العربية المميزة، هى المسئولة عن صيد اللؤلؤ، وكان صيد المحار يتم بطريقة يدوية على عمق يصل بين 15 إلى 40 متراً، بحيث يغلق الصياد أنفاسه بوضع وتد عظمى على أنفه، ويسارع بالنزول لقاع البحر فيضع المحار فى سلة مجهزة مسبقاً ويشد الحبل علامة الانتهاء، ثم يسارع بالعودة والصعود . كانت هى الطريقة الوحيدة إذ لم تكن أسطوانات الأكسجين متاحة بعد . ومع ازدهار استزراع اللؤلؤ فى اليابان وانخفاض الطلب عليه، مع اكتشاف النفط، بدأت تجارة اللؤلؤ فى الشارقة وفى الخليج بصفة عامة تتراجع لحساب أنواع أخرى من التجارة والنشاطات الصناعية والتجارية .

غير أن آثار هذا العهد القديم ما تزال موجودة فى صورة أنشطة سياحية . ففى منطقة (دبا) التى ما زال نشاط الصيد البحرى مستمراً بها . وباستطاعة السياح تأجير قوارب "الداهو" للقيام برحلات ساحلية قصيرة . وفى مدينة (كلباء) القريبة من ساحل عمان إلى الشمال من الشارقة، هناك ميناء صيد شبيه بمثيله فى "دبا" . إلى جانب متاحف ومزارات متعددة تعيدك إلى عصور بحرية قديمة من تاريخ الشارقة، مثل "سد الرفيصا"، و"المتحف البحرى "، و"الأكواريوم" وإن كانت قد تدثرت بثوب المعاصرة .

فلكلوريات

ما زالت الإمارات تحتفظ بأصالتها وتراثها، وهذا ما تستشعره فى كل لمحة من ملامح المعمار مهما بدا معاصراً، وفى المعاملات اليومية للمواطن الإماراتى حتى لو ارتدى الردنجوت والتاكسيدو أو تحدث معك بلغة إنجليزية أو فرنسية طبقاً لضرورات العمل التجارى، والإماراتيون رجال أعمال من الطراز الرفيع . لكنهم رغم ذلك يحتفظون بمفرداتهم التراثية دون تغيير .

أهم ما يميز الطابع الإماراتى التقليدى هو الأزياء، الرجال يرتدون الدشداشة، ويعتمرون غطاء للرأس مكون من "غترة" و"عقال" و"قحفية" .. وقد تضاف عباءة خارجية موشّاة بالذهب أو الفضة تُدعَى "المِشلَح" خاصةً فى المناسبات المهمة .

بينما النساء يرتدين حجاباً للرأس من الشيفون يسمى "الشيلة"، وعباءة سوداء طويلة تغطى سائر البدن، وبعض النساء من كبار السن قد يرتدين البرقع لتغطية أجزاء محددة من الوجه . الأزياء الخليجية التراثية منتشرة بأسواق الشارقة الشعبية وما أكثرها . وهى تنم عن طابع محبب يعود بك إلى الماضى وإن لم تكن عشته.

الموسيقى الشعبية ورقص الصحراء من سمات المجتمع الإماراتى الذى يعتز بتراثه الفلكلورى، خاصةً فى المناسبات الوطنية والأعياد والمهرجانات . لعل أهم هذه الفنون فن الوهابية أو الرمسة الذى ينتمى لإمارة رأس الخيمة فى الأساس . وهناك العيالة وهو استعراض يقوم به صفان من الراقصين بالسيوف يشى بمعانى الشجاعة والفروسية، ويتبادلان ترديد أبيات محفوظة من الشعر تعرف "بالشلة" .

هذا إلى جانب الحرف اليدوية التى ما زالت موجودة إلى اليوم لأغراض التجارة السياحية، ومنتجاتها تُعرض فى بازارات الأسواق الشعبية، وأهمها صناعة الأوانى الفخارية المنقوشة، وحياكة وتطريز الأزياء النسائية التراثية، وأهمها "السدو" وهو الفن الذى تم تصنيفه عالمياً كتراث ثقافى مهدد بالاندثار .

حصون ومساجد وأشياء أخرى

لكل دولة طابعها الخاص ومزاراتها الدالة عليها، كأبى الهول بمصر وبرج بيزا بإيطاليا وبرج إيفل بباريس .. ما زالت الشوارع الرئيسية فى باريس ولندن تحتفظ بطابعها التراثى القديم لأنه يعبر حضارياً عن عراقة وأصالة هذه العواصم والمدن .

فى الشارقة اليوم أجواء ساحرة لابد أنها تعود بك، رغم بريقها العصرى ونظافتها، إلى عهود وعصور غابرة مضت . تشعر بهذا إذا زرت "حصن الشارقة"، أو مررت بالبيوت القديمة على الساحل الشرقى فى "خورفكان"، أو إذا زرت مساجد كمسجد "البدية" ومسجد "النور" . والشارقة تحف بالمآذن التى تصل إلى نحو ألف مئذنة رغم مساحتها التى لا تزيد عن ( 2600كم)، وهناك القرية التراثية بمدينة "كلباء"، وحصن البثنة، وسد الرفيصا، ومتحف التراث، ومتحف الآثار. كلها أماكن تراثية قديمة تحف بأجواء سحرية خاصة تأخذك بعيداً إلى أزمان أخرى .

هناك حرص على الاحتفاظ بمظاهر التراث فى كل لمحة من لمحات العمارة والتنظيم، حتى البرامج السياحية التى تنظمها الشارقة تحرص فيها على المزج بين الحداثة والتراث .

كل شئ فى الشارقة ينم عن تاريخها، حتى الكثبان الرملية الحمراء بتموجاتها المبهرة . ما زالت مسابقات الخيول والجمال تجرى بين الفوارس ومحبى هذه الممارسات التراثية الطيبة، بجانب رياضة الصيد بالصقور التى تميز منطقة الخليج عموماً والشارقة خاصة .. هناك أسواق كـ"الشناصية" وسوق"صقر" شبيهة بخان الخليلى فى مصر بما فيها من حرف يدوية نادرة وتذكارات وهدايا وتحف .

فى الشارقة أنت أمام مشهد مبهر يأخذك بسحره الخاص فى منطقة تبدو كالحلم تقف فيها ما بين الأصالة والمعاصرة، أو بين عالمَين يبدوان فى امتزاجهما كالأسطورة الحية .

 

عبد السلام فاروق

 

محمد فتحي عبدالعالالدّهاءُ والجمالُ والتّصميمُ اجتمعوا بملكة قرطاج الأوّلى ابنة ملكِ صورٍ وزوجةِ الكاهن الثري (عاشر باص) اشتهرت  "عليسة" بعدة أسماء ففي الأنيادة لفرجيل سميت "ديدو" وتعني الرّحالة وعُرفت في بعض المصادر الأفريقية ب "ديدون".  كما سميت بـ"أليسا" التي يعتقد أنّها كلمة فينيقية مشتقة من كلمة "اليشات". وبدمجِ الاسمين في بعضِ المصادر عرفت ب "اليسار ديدون" أيّ "الرحالة ديدون".

كانت عليسة الابنه المدللة لماتان او موتو ملكِ مدينة صور الفينيقية وكانت زوجةُ خالها الكاهن الصوريّ الأعظم عاشرباص والذي عرف بزيكار بعل وكان واسعُ الثراء. والمالُ غالباً يجرّ المصائب حتّى من أقربِ النّاس. فهو أخوها وشريكها في الحكم بيغماليون بعدَ وفاةِ أبيها الملك قد عزم على قتلِ زوجها للسيطرة على ثروتهِ وحاول قتلها لكنّها استطاعت بدهاءٍ وحنكةٍ  الفرار بثروة زوجها الطائلة في جنح الظلام. وفي رحلةٍ بحريّة طويلة بلا هدف سوى النجاة بحياتها. أوهمتْ عليسة الجميع بإلقاء كنوزِ زوجها في اليم لتكون قربانا لروحهِ الطاهرة ِ، ولتقطع الطريقَ أمامَ الطامعين فيها على ظهرِ السّفينة ..

رستْ سفنُ عليسة في جزيرةِ قبرص وفيها عقدت الأميرةُ معاهدةً مع كبير كهنة آلهة الجمالِ عشترت وبمقتضي الاتفاق انضم كبيرُ الكهنة وأسرته إلى رفقة الأميرة بعد ضمان استمرار ولدهِ من بعدهِ. والغريب انضمام فتيات وهبن بتولتهن بحسب طقوس الآلهة عشترت وهو ما عرف قديماً بالبغاء المقدسِ  وهو الأصلُ لجهادِ النكاحِ الشّائع لدى الجماعات المتطرفة اليوم وقد ذكرفي السّفر الأوّل من تاريخ هيرودتس ( إنّ أكبرَ المخزيات في بابل شعيرة تقليديّة مضمونها أن تقيم كلّ امرأة في معبد افروديت مرة في حياتها وتجامع غريباً أيّ كان)

غادرت سفن عليسة قبرص لتطولَ رحلتها المحاطة بالمخاطر وتحطّ رحالها في محطةٍ جديدة وأرضٍ غريبة.  حطتْ في أرضِ ملكِ المكسويين والّذي فاوضته للحصولِ على أرضٍ تبني عليها مدينتها إلا أن الأمير اكتفى بمنحها ما يساوي مساحةَ جلدِ ثور فقبلت  وسط دهشةِ الحاضرين وقامت بقص جلدِ الثور إلى أشرطة دقيقةٍ طويلة أحاطتْ بها الهضبة والتي تُعرفُ بهضبةِ بيرصا وتعني جلد ثور ...وكانت هذه المساحة الضئيلة نقطة البداية لبناء مدينة قرطاج (قَرْتْ حدشْتْ) العظيمة والتأسيس لحضارة متطورة قائمة على الملاحةِ والتجارةِ بينَ شرقِ البحر المتوسط وغربهِ في نهاية القرن التاسع قبل الميلاد في منطقةٍ يسكنُها البربر الذين أعجبوا بهذهِ الأميرة ِ، وبهذه الحضارة الراقيّة التي نقلتها إلى أفريقيا ...

راغدة شريفكان التطور الذي أحدثتهُ عليسة بقرطاج إضافة إلى جمالها الشرقيّ الفريد دافعاً لملكِ المكسويين لطلبِ الزّواج منها وهو ما مثل مأزقاً للأميرة وموقف لا تحسد عليه فالرّفضُ بمثابةِ إعلانِ حربٍ على مملكتها الوليدة والزواج منه هو تخلي عن ذكرها لزوجها الّذي بقيت مخلصة لروحهِ الطيبة ..وكان اختيارها هو الانتحار من أجل أن تهب الحياة لمملكتها الجديدة  فجردت سيفا واغمدته في صدرها في مشهد حزين ...ينقلنا هذا المصيرُ الذي شكلَ النهاية لبطلاتٍ كثيرات بحلقاتنا إلى محاولةِ الاقترابِ من فكرةِ الانتحار فأسباب الانتحار كثيرة إلا أنّ الانتحار لأسباب فلسفية ومنها أن يهب الحياة لآخرين أو أنه يرى الحياة قد خلتْ من مغزى حقيقي يدفعة للبقاءِ، يبدو أكثرها حيرة خاصة وأنّه السببُ الرئيس  لانتحارِ المثقفين ...وهل قرارُ الانتحار يبدو سهلاً أمام المقدمين على هذه الخطوة؟!! ...إنّ فكرة أنَّ الشخص العازم على الانتحار هو شخص يودّ أن يموتَ!! هي فكرة خاطئة فالتوصيفُ الأصحُ أنّه شخصٌ يودّ أن يتخلص من ألمه ومتاعبه التي لا تحتملُ،   ليس صحيح أن المنتحر جبانا فالانتحار ترتفعُ نسبته عندَ الأشخاصِ العرضة لحالاتِ العنف الشّديدِ مثل الجنود، بالإضافة  للجانبِ الوراثي لدى هذه الفئة ايضاًقدرة على مقاومة الخوف من الموت وذلك من فرط الألفة مع الأفعال العنيفة والمؤلمه  بحسب توماس جوينز المتخصص في علم النفس الاكلينيكي بجامعة فلوريدا مما يجعل الانتحار خيارا مألوفا لهم . عليسة الأميرة الأسطورية التي نقلتْ حضارةً راقية، وأسست لمملكةٍ بمساحة جلد ثور. 

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الباحثة السوريّة في علوم اللّغة

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري

 

645 اسياخاممن أين نبدأ بقصة الرسام الجزائري محمد أسياخم؟ من ولادته في قرية جزائرية؟ أم من قصة تلك الرمانة اليدوية التي عبث بها، وهو فتى فتفجرت وأحدثت كارثة ستظل آثارها حية في نفسه لأمد طويل؟ أم نبدأ من صداقته لكاتب ياسين؟ أم نشرع بإثارة أوجه الشبه بينه والبطل المتخيل في رواية (ذاكرة الجسد) لأحلام مستغانمي؟ أم… أم أننا تورطنا معاً في قصة شائكة أشواكها كنبات الصبار المنتشر هناك في جبال الجزائر، حاملاً بين أشواكه فاكهة التين-البربري الطيبة، رامزاً في الوقت نفسه للقسوة وللجمال؟

ومهما يكن من أمر، فإن محمد اسياخم (1928-1985) صار يعد أحد أهم رواد الرسم الحديث في الجزائر. وقد نشأ في عائلة بسيطة وعاش طفولته سعيدة نسبياً، فكان يأكل حتى يشبع، في وقت كان كثير من الجزائريين لا يجدون كسرة الخبز، وظل يذهب للمدرسة التي نظر إليها وقتها بوصفها ترفاً بالنسبة لأسر أطفال يرزح وطنهم تحت وطأة احتلال مرير.

ويذكر أن إدارة المدارس في تلك الفترة كانت منوطة بالإحتلال الفرنسي، فالمناهج تشيد بعظمة فرنسا، فرنسا التي كانت في ذلك الحين محطاً لأطماع الألمان الساعين لاحتلالها، إلى أن نجحوا في مسعاهم بداية الأربعينات. وذات يوم لا يختلف كثيراً عن باقي الأيام نظمت المدرسة التي يدرس فيها اسياخم مسابقة لرسم بورتريه يجسد (الماريشال بيتان)، وهو عسكري فرنسي صار رمزاً للدفاع عن استقلال فرنسا عن ألمانيا (انتخب بعد ذلك رئيساً للجمهورية)، فكان الفائز بالجائزة الأولى لأفضل بورتريه، هو بطلنا اسياخم، وقدّر لذلك الرسم الأول أن ينتشر في الحي الذي يقطنه، مبشراً بولادة موهبة حقيقية، فتقدم إليه كثير من قاطني الحي حاملين تصويرات بأيديهم طالبين منه أن يرسمها لهم بالألوان.

غير أن الأمور لا تسير دائماً وفق ما نبتغيه، أو نحلم به، وهذا ما ينسحب على اسياخم أيضاً، ففي عام 1943 يجد الفتى اسياخيم رمانة يدوية قرب معسكر قريب ويجلبها للبيت، ومن غير سوء قصد انفجرت لتسبب بوفاة اختيه الصغيرتين وطفل، هو ابن اخت له ايضاً، أما اسياخم فخسر ذراعه اليسرى وطرف سبابة يده اليمنى. ترى ما الذي يمكن أن يحدث لفتى واجه موقفاً كالذي مر به اسياخم (مقتل اختيه، مقتل ابن شقيقته، فقدانه لذراعه، سوء وضعه الصحي ومكوثه في المستشفى لسنتين، فضلاً عما قيل عن غضب أمه تجاهه، وتحميله مسؤولية الحادث)؟

من المتوقع في ظل حدث مأساوي كهذا أن يترك آثاراً سلبية في نفسية اسياخم تعيقه عن مواصلة الحياة السوية، فما بالك بالإبداع الفني؟ غير أن اسياخم سيقول لنا امرا آخر. إذ بعد عشر سنين، لا أكثر، من ذلك الحادث، بدأ "اسياخيم" دراسة الرسم في باريس نفسها، وفي المدرسة العليا للفنون الجميلة تحديداً، وما أن تعلم الرسم على أصوله الأوربية حتى عاد ليرسم مواضيع اجتماعية: تصور معاناة الفرد الجزائري، وكان أغلب أبطال لوحاته، هم عمال جزائريون وأمهات جزائريات بأزياء تقليدية، نعم أمهات!

وبالعودة للوحات اسياخيم (شاويّة، الشمس السوداء، قيامة الشهيد….) سنجد أنه بالرغم من تفضيله رسم أناس بسطاء من عامة الناس كالعمال اليدويين مثلاً، فإن تركيزه ظل منصباً على تقديم أوجه النساء بطريقة رمزية غالباً ما تكون فيه المرأة حزينة. والسبب في ذلك صار واضحاً فيما نعتقد، وهو ما أكدته ذات مرة الكاتبة الجزائرية نادية أقسوس في مقالة لها باللغة الفرنسية عن فن أسياخم قائلة بأنه حين "رُفض من جنة الأمومة" بقي في "بحث أبدي يترقب رجوع الأم لتعترف به، تلك الأم بعباءتها الثرية بالألوان.". ومن الواضح ان هذا التفسير يستند لمأساة شخصية في حياة اسياخم، ولكن هل ثمة تفسير آخر ينأى عن الشخصي ليقارب العام، يلامس الأحداث العامة التي مرت بها الجزائر؟

فلقد استمر الاستعمار الفرنسي في محاولاته لاقتلاع جذور الهوية الجزائرية، تلك التي أنكرها السياسيون الفرنسيون بعنصرية، وأنانية مفرطة، إذ كانوا يروجون لفكرة أن الجزائر لم تكن شعباً يوماً ما. إن هوية اي شعب تبرز في عاداته وتقاليده، وفي طرق التعامل التي يتبعها افراده، وفي الملبس الخاص والمأكل وطراز العمارة والفن والفلكلور الشعبي، إلى غير ذلك من مكونات الثقافة التي تستند إليها الهوية، وجميع ذلك متحقق فعلاً عند الجزائريين. أما أن ينتبه الفرنسيون لزي المرأة الجزائرية، مثلاً، فلا يروق لهم، فتلك مسألة أخرى، وإن كانت تقوض نظريتهم بصدد هوية الشعب الجزائري. ينسحب هذا أيضاً لا على زي المرأة فحسب، وإنما على دورها في إدارة الأسرة، وطرق معيشتها أيضاً، وإن يكن الفرنسيون قد دسوا أنوفهم عنوة في خصوصيات الشعب الجزائري، لكنهم كانوا يبغون من وراء ذلك بشعور، وبلاشعور أيضاً، دفع الإنسان الجزائري للإحساس بالخجل، والعار من عاداته وتقاليده، أي من هويته ذاتها. وهذا في اعتقادنا هو السياق العام الذي جعل اسياخم يصرف كثيراً من وقته مركزاً على رسم المرأة الجزائرية بلباسها التقليدي.

ولاحقاً وجد اسياخم لنفسه مكاناً ضمن شرائح المثقفين الجزائريين الطليعيين، ذوي الحس الوطني، ونكتفي هنا بالإشارة لصداقته لواحد من أكثرهم شهرة، وهو (كاتب ياسين)، صاحب رواية (نجمة). وقد قدر لفنان والأديب أن يتعاونا في أعمال عديدة. فرسم اسياخم كثيراً من الرسوم التي زينت النسخ المطبوعة لأعمال صديقه، ورسم أيضاً لوحات مستوحاة من أعمال كاتب ياسين. ويكفي الإشارة هنا إلى لوحة (المرأة المتوحشة) ولوحة (إمرأة على قصيدة شعرية)، تلك التي حين أكملها اسياخم طلب من صديقه أن يقوم بتوقيع اللوحة، فتحايل عليه ياسين ولم يفعل ذلك.

وما أن تحقق الإستقلال، وتعين على الجزائر أن تصدر عملة وطنية خاصة بها حتى تمت الاستعانة بأسياخم ليصمم رسمها، وفوق ذلك ظهرت الطوابع البريدية الجزائر، وهي مزينة بأعماله، وطلب منه الإشراف على لوحة جصية في مطار الجزائر. ويبدو من ذلك انهم في الجزائر انتبهوا لبراعة فنانهم في استخدام الرموز في رسوماته لتجسيد هوية البلاد.

هل كان الأثر الأكبر في فن اسياخم عائداً لحادثة فقدانه ذراعه؟ هل كانت هذه المرأة التي ظل اسياخم يرسمها طوال حياته هي أمه بالفعل التي يشتاق لحنانها أم هي المرأة الجزائرية على نحو عام؟ ما سر تلك الصداقة القوية بين اسياخم وكاتب ياسين؟ لماذا أطلق الكاتب الجزائري (بنعمّار مدين) على اسياخيم وكاتب ياسين لقب (توأما نجمة) في كتابه عنهما؟ هل يمكن أن تلهم حياة فناننا ذي اليد (المعاقة) بكل ما تحمله هذه الكلمة من فجاجة، وألم أيضاً، أحلام مستغانمي فتتقصد جعل بطل روايتها (ذاكرة الجسد) صورة قريبة إلى حد بعيد عن اسياخم (موهبة الرسم، اليد المعاقة، الحس الوطني)؟ لقد بدأنا مقالنا هذا بأسئلة، ونفضل أن نختمه بأسئلة أخرى، فلنتركه هكذا، غير منته، غير مقفول، مثله مثل قصة أسياخم مع ذراعه، مع أمه، مع فنه، ومع وطنه الجميل الجزائر.

 

سامي عادل البدري

 

صباح شاكر العكامفي سنة 1540م أدرك عالم الفلك والرياضيات البولوني نيكولاس كوبرنيكوس(1) إن الحركات المعقدة الظاهرية للكواكب يمكن تعليلها بان الشمس ثابتة في حين أن الأرض والكواكب الأخرى تدور في مدارات حول هذا النجم الباهر، وقد أصدر عام 1543م كتاباً بعنوان " دورات الأجرام السماوية " ، وقد كانت الكنيسة تتبنى آراء أرسطو(2) عن الكون، وهي النظرية التي تقول بأن الأرض هي مركز الكون، وأن الشمس تدور حولها كما هو ظاهر للعين ، وقد خلعت الكنيسة على هذا الاعتقاد طابع القداسة، حيث سيتعرض كل من يشكك فيه الى الملاحقة القضائية.

في عام 1610م صنع غاليلو غاليلي(3)  منظاره (تلسكوب غاليلو) ، وقد استطاع بواسطته أن يكشف عن أقمار كوكب المشتري "جوبيتر" ، وما أن انتشر الخبر حتى أعلنت الكنيسة  إن هذا الاكتشاف يراد به أن يعزز ما جاء بكتاب "دورات الاجرام السماوية " للملحد نيكولاس كوبرنيكوس، وكانت الكنيسة قد وضعت أسس ما يسمى بالعلم السلمي، حيث إن الطريق القويم الذي رسمه الدين لكي يكون وسيلة للوصول الى الحقائق المتعلقة بعلم الفلك، هو طريق التفكير اللاهوتي المدعم على أساس النصوص المنزلة في التوراة والإنجيل، التي أكدت على أنه لا يمكن أن يوجد أكثـر من سيارات سبع وبرهاناً على ذلك وجود تلك المناير(4) السبع التي ذكرت في سفر يوحنا، والمناير السبع التي جاءت  في قصة سليمان في التوراة.

كان غاليلو قد اطلع على كتاب "علم الفلك الجديد" الذي ألفه أحد الفلكيين الألمان اسمه "جوهانز كبلر"(5) ، وقد قرأه بعناية وعندما انتهى منه أصدر أول كتبه بعنوان "رسول النجوم"، الذي لاقى موجة شديدة من اعتراضات قادها رجال الدين، وقد ازعجتهم امكانية أن تترك تلك القراءة التجريبية والمبتكرة للطبيعة، والمعرضة لتفسير النصوص المقدسة، آثاراً غير متوقعة على المفهوم الأرسطي الجامد للعالم .

 استمر غاليلو في خوض معركته مع الكنيسة عندما اصدر كتابه الثاني "حوار حول النظامين الرئيسيين للكون" أن يثبت إن تفسير الآيات المقدسة تفسيراً حرفياً، لا يجب أن يطبق على الحقائق العلمية ، فأصدرت الكنيسة رداً أكدت فيه إن ذلك الكتاب يؤكد على هرطقة غاليليو، وإنه أشد إفساداً من كوبرنيكوس .

عندما أعلن غاليلو إن هناك جبالاً وودياناً في القمر، وانه يستمد نوره من انعكاس ضوء الشمس، خرجت الكنيسة من جديد لتعلن إن ما كتبه غاليلو يتناقض مع الأنجيل الذي أكد إن القمر عبارة عن ضوء عظيم.

في عام 1616م صدر من الفاتيكان مرسوماً  يطالب بعدم الابتعاد عن التفسيرات الوحيدة التي يتيحها الكتاب المقدس، موجهاً الاتهام بالهرطقة لكل من يخالف ما جاء بالتوراة والإنجيل، وصدرت الأوامر بان تصبح الرقابة على الكتب العلمية ضرورة لا غنى عنها، واضطر ناشروا الكتب إلى تبني مزيد من الحرص، وقد تعرض ناشر كتاب "رسول النجوم" الى الملاحقة القضائية مما دفعه الى التوجه بشكل كامل الى طبع الأعمال الدينية واللاهوتية، وبعد عام شكّل الفاتيكان "مجمع القائمة " مهمته إصدار تعليمات النشر وقد أصدر المجمع قائمة بالكتب الممنوعة والتي ضمت أعمال كبلر وغاليلو وكوبرنيكوس وديكارت وهوبز.

أحيل غاليلو غاليلي الى المحاكمة من قبل الكنيسة بتهمتين ، الأولى هي إصراره على تأكيد نظرية كوبرنيكوس عن دوران الأرض حول الشمس، والثانية وكانت الأخطر وهي إنه ألف كتاباً باللغة الايطالية وليست اللاتينية، حيث لم يكن مسموحاً نشر كتب باللغات المحلية لمنع انتشار العلوم والأفكار الحديثة، والتي كانت تعتبر بنظر الكنيسة أفكاراً هدامة، ولهذا كان كتاب غاليلو هو أول كتاب علمي يكتب من أجل الناس ، أن عقوبة التهمتين الحرق فتنازل غاليلو عن افكاره وكتب :" أنا غاليليو غاليلي من فلورنسا، في السبعين من عمري، ماثل للمحاكمة، أقلع عن الفكرة الخطأ بأن الشمس ثابتة وإنها مركز الكون، وأقر إنني لن أتمسك بهذه النظرية الخطأ، أو أعلّمها أو أدافع عنها بأي وجه من الوجوه " ، كانت هذه الكلمات التي حاول من خلالها غاليلو أن ينجو من عقوبة الموت حرقاً.

حكم على غاليلو بالإقامة الجبرية في بيته ومنعه من مزاولة أي نشاط علمي ، وبعد خمسة أعوام مات في عزلته المفروضة عليه، فيصدر البابا قراراً بمنع إقامة قداس له، لأن اية كلمة عليه ستكون إساءة لسمعة الكنيسة.

 

صباح شاكر العكام

.....................

الهوامش:

1- نيكولاس كوبرنيكوس (1473م ـ 1543م) هو راهب وعالم رياضي وفيلسوف وفلكي وقانوني وطبيب وإداري ودبلوماسي كان أحد أعظم علماء عصره. يعتبر أول من صاغ نظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها .

2-  ارسطو طاليس(384ق.م – 322ق.م) فيلسوف اغريقي ، تلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر، وواحد من عظماء المفكرين الذي تغطي كتاباته مجالات عدة .

3- غاليلو غاليلي(1564م – 1642م) عالم فلكي وفيلسوف ايطالي ، نشر نظرية كوبرنيكوس ودافع عنها بقوة على أسس فيزيائية .

4- المناير : جمع منارة وهي الاجسام المضيئة .

5- جوهانز كبلر: (1571م - 1630)، عالم رياضيات وفلكي وفيزيائي ألماني كان أول من وضع قوانين تصف حركة الكواكب بعد اعتماد فكرة الدوران حول الشمس كمركز لمجموعة الكواكب من قبل كوبرنيكوس وغاليلوغاليلي.

 

 

 

سمير قاسمهو طبيب حاذق متخصص في علاج أمراض العظام ولكنه عبقري الى درجة انه تجاوز فكرة ان يكون طبيبا الى ان يكون صانعا للاطباء. فالانسان الخلاق المبدع المنتج والبارع في عمله يتحول مع الدراسة والمران والخبرة والاخلاق العالية الى استاذ لايرغب ان يتفرد بشيء لنفسه بل أن يجعله ملكا للإنسانية وهذا ما يمكن وبصدق وصف الدكتور منجد المدرس به.

فالمهاجر الذي جاء على متن قارب وبقي لفترة ينتظر الإندماج في المجتمع الاسترالي تحول الى قصة نجاح مبهرة تتناقلها وسائل الاعلام ويتداولها الناس لتكون لهم عبرة ودافعا للنهوض من الكبوات والتحدي.

كان منجد المدرس طبيبا في بغداد التي درس فيها وتطلع الى النور منها لكنه كان طبيبا انسانيا وحين رأى انه يجب ان يحلق في البعيد لم يتوان ولم يتردد فكان طيرا مهاجرا رفرفت اجنحته في اقصى الارض لتصل الى اقصاها لكنه لم يترك إنسانيته في العراء ولم يسمح لها ان تتجمد ولا أن تغرق في مياه المحيط وعندما كان لاجئا يحمل الرقم 982 لم يلتفت الى ذلك الرقم بوصفه نسيا منسيا بل رقما يمكن ان يطلق العنان لعقله وروحه وعنفوان التحدي في داخله ليقلص المسافات ويصل الى الرقم 1 وينجح في إثبات انه يستحق أن يكون الأول..

منجد المدرس اثبت كطبيب وكإنسان إن الارض كل الارض ميدان واحد يمكن للفرد ان ينجح في مساحة منه حين يعترضه الظرف والمصاعب في مساحة منه واذا عجز عن انجاز وطموح في مكان فان امكنة اخرى يمكن ان تكون بيئة صالحة لعطائه وابداعه وتفوقه ورغبته اللامحدودة في تقديم شيء لنفسه وليحقق ذاته وإمكاناته ويخدم بني جنسه ويأخذ بايديهم ليتعلموا ويبدعوا ويكونوا صانعي حياة ومستقبل ولديهم هدف ورغبة وانهم ليسوا عاجزين عن الوصول الى غاياتهم النبيلة.

اتشرف ان تكون كلمتي عن الطبيب الرائع الدكتور منجد المدرس الذي هو قدوة لنا جميعا ونموذجا مثاليا لكل إنسان قهر القهر وإستسهل الصعب وسافر مع الريح والماء والغيوم الى غاياته النبيلة.

 

سمير قاسم

.................

640 منجد المدرسمنجد المدرس: جرّاح عظام وأستاذ جامعي وناشط حقوقي ومؤلف أسترالي، عراقي المولد، يعمل أستاذًا مشاركًا لجراحة العظام في مدرسة الطب بجامعة نوتردام أستراليا في مدينة سيدني ومحاضرًا إكلينيكيًا بجامعة ماكواري والمدرسة الأسترالية للطب المتقدم.

ولد المدرس في العراق سنة 1972، وحصل على الثانوية العامة من كلية بغداد سنة 1991، ثم التحق بكلية طب جامعة بغداد، حيث تخرج سنة 1997.

ترك المدرس العراق في العام الأول من عمله الطبي، وكان السبب ـ وفقًا لروايته ـ هو واقعة شهدها في المستشفى الذي كان يعمل فيه سنة 1999، عندما جاءت الشرطة العسكرية بمجموعة من الجنود الفارين من الخدمة العسكرية، آمرة الأطباء ببتر آذانهم، ولما رفض رئيس قسم الجراحة تنفيذ الأوامر، قُتل أمام زملائه.

قرر المدرس الفرار من العراق، فسافر أولًا إلى إندونيسيا ، حيث استقل قاربًا وضيعًا مزدحمًا باللاجئين إلى أستراليا.

بعد وصول المدرس إلى أستراليا، احتُجز ورفاقه عشرة أشهر في ظروف قاسية في معسكر كيرتن للاجئين في أستراليا الغربية، ولم يطلق سراحه إلا في 26 أغسطس 2000.

بعد إطلاق سراح المدرس، نجح في الحصول على وظيفة طبيب مقيم بقسمي الطوارئ وجراحة العظام بمستشفى قاعدة ميلدورا، ثم انتقل إلى ملبورن بعد أربعة أشهر، ثم عمل بمستشفى ولونغونغ حيث عمل لمدة عام قبل أن يعمل عامًا آخر في مستشفى كانبرا.

في سنة 2008، حصل المدرس على زمالة كلية الجراحين الملكية الأسترالاسية في جراحة العظام، ثم بدأ دراساته التخصصية في جراحات استبدال المفاصل في سيدني ثم في برلين، وتخصص في جراحات مفصلي الركبة والورك والإصابات وجراحات الاندماج العظمي، وهو رئيس المجموعة الأسترالية للاندماج العظمي.

ويكيبيديا

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D9%86%D8%AC%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%B3

 

 

عبد الحسين شعبانهاتفني الرفيق أبو الجاسم "قاسم سلمان" لينقل لي خبر رحيل الصديق طه صفوك الجبوري "أبو ناصر"، وأعادني هذا الاتصال إلى ما يزيد على نصف قرن من الزمان. ثم لفت انتباهي محمد السعدي إلى ما كتبه عنه في موقع البيدر. وكنتُ قد تعرفتُ على طه في العام 1967، وبعد انشطار الحزب الشيوعي العراقي إلى قسمين : مجموعة عزيز الحاج " القيادة المركزية" التي تمرّدت على الخط الرسمي، ومجموعة "اللجنة المركزية" ذات التوجّه التقليدي.

وبالرغم من نقدنا لبعض توجّهات اللجنة المركزية، لكن اختيار القيادة المركزية طريق العنف واستخدام السلاح لحلّ خلافاتها مع اللجنة المركزية جعلنا نختار الأخيرة دفاعاً عن القيم الشيوعية والاعتبارات الأخلاقية التي كنّا نتوسّمها. وكان "أبو ناصر" من ذات التوجه، إذْ لم نرتضِ أن يستخدم السلاح والاتهام والتخوين ضد رفاق الأمس، وباستثناء بعض المتطرفين والصقور، وهؤلاء موجودون بالفريقين وفي كل زمان ومكان، فإن التوجه العام كان يميل إلى التلاقي والتقارب بغض النظر عن بعض اشتراطات تلك المرحلة وادعاء الأفضليات والزعم بامتلاك الحقيقة.

ومن جانبنا كنّا نعتزّ برفاق القيادة المركزية وواصلنا صداقاتنا معهم على الرغم من افتراقنا عنهم وبقينا على هذا الحال، نحاورهم ونناقشهم ونساجهلم ونتعامل معهم كرفاق وأصدقاء في موقعين مختلفين، سواء بالعلاقة الخاصة بيننا أم على مستوى العلاقات السياسية بشكل عام، لشعورنا أن غاياتنا وأهدافنا مشتركة، بل وواحدة، بالرغم من اختلاف أساليبنا ووسائلنا وكنّا نعتقد أنه لا بدّ من تسوية للأزمة القائمة، سواء قبل الانشطار أو ما بعده.

I

كان طه صفوك الجبوري الأكثر حماسة، وخصوصاً لجهة علاقته بالرفيق عبد الأمير عباس " أبو شلال" (مرشح اللجنة المركزية) وسخّر كل إمكاناته وإمكانات عائلته لخدمة ذلك التوجّه، وكان شغله الشاغل استعادة الحزب لدوره وموقعه، خصوصاً وكنّا لتوّنا قد حققنا انتصاراً كبيراً على صعيد الحركة الطلابية بفوزنا الساحق بالانتخابات (ربيع العام 1967)، وكان على الرغم من مواجهته أحياناً لفريق القيادة المركزية، إلّا أنه يحظى باحترامهم أيضاً، وكنت قد سمعت من فريق القيادة لأكثر من مرّة ما معناه : للأسف إن طه مع اليمين كما كانوا يطلقون على الذين بقوا مع اللجنة المركزية.

لم نكن في البداية نتجاوز عدد أصابع اليد من الذين استمروا في التعاون مع التنظيم الرسمي أو الذين يدورون في فلكه، وذلك في عموم كليات ومعاهد بغداد والثانويات، ولكل قصته وخلافاته وهواجسه، خصوصاً وأن نكسة العام 1963 أدركت غالبيتنا، فعلى سبيل المثال كان حسن أسد الشمري الذي اختير أميناً عاماً لاتحاد الطلبة بعد الانتخابات التي جرت لعموم طلبة جامعات العراق في بغداد والبصرة والموصل، قد ذهب مع فريق الكادر المتقدّم "مجموعة ابراهيم علاّوي" التي أصدرت بياناً اعتبرت فيه انشقاق مجموعة عزيز الحاج يمينياً ضد يميني اللجنة المركزية (اليمين ضد اليمين) والكل في مركب واحد، لكن ابراهيم علاوي وبعد مفاوضات مع مجموعة القيادة المركزية طوى تلك التحفّظات والتحق بالقيادة وأصبح عضواً في لجنتها المركزية، ثم أميناً عاماً لها بعد اعتقال عزيز الحاج.

وكان قد حصل التباس لدىعزيز الحاج حيث كان يعتقد أن الانتخابات الطلابية أجريت بعد انقسام الحزب (الذي حصل في 17 أيلول/سبتمبر 1967) وهو ما كتبه وكرّره لأكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، بل أعاده على مسامعي، وكنت قد حاولت أن أوضّح له الفارق بين التاريخ الذي يذكره وبين التاريخ الصحيح الذي يؤكد أنها أجريت في ربيع العام 1967 وليس في خريفه، أي قبل انقسام الحزب وليس بعده، وقد أرسلت له صفحات مصوّرة من كراس كنت قد كتبته في بشتاشان في العام 1983 (بمناسبة الذكرى الـ 35 لتأسيس اتحاد الطلبة) بطلب من "إدارة الحزب" جرّاء انقطاع التواصل وضعف الخبرة التي كانت بسبب سياسة تجميد المنظمات الجماهيرية في أواسط السبعينات بضغوط حكومية. وكان الكرّاس بعنوان "لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق"، نشرته مطبعة "طريق الشعب"، وقبل ذلك وفي العام 1981 كتبت مادة بطلب من مجلة "فكر" نُشرت على حلقتين، وفي الحلقتين والكراس بشكل خاص وثّقت الانتخابات الطلابية ونتائجها، خصوصاً وقد كنت في قلب الحدث كما يُقال، وإذا كان التنظيم الطلابي بجسمه الأساسي التحق بمجموعة عزيز الحاج، فهذا شيء آخر ولا يغيّر من الحقيقة في شيء.

المجموعة الصغيرة العدد القوية الإرادة والشديدة العزيمة توسّعت وانتشرت، وكما أتذكّر كان من البارزين فيها إضافة إلى حسن أسد الشمري وطه صفوك يوسف مجيد الذي كانت علاقته مع مكرم الطالباني وصلاح زنكنة الذي كان ينقل لنا الوقائع قبل أن تصلنا رسمياً، بحكم قربه من شقيقه عبد الخالق زنكنة وبقايا لجنة بغداد وبعض كوادر اللجنة العمالية التي ظلّت مع اللجنة المركزية في حين أنهما كانا المرتع الأساسي لانشقاق القيادة المركزية ولؤي أبو التمن الذي كان موقفه أخلاقياً فهو ضد العنف، لكن الكثير من أطروحات القيادة المركزية ونقدها لسياسة الحزب العامة كانت تستهويه، خصوصاً لتلك المرحلة العمرية وكنت من ذات القماشة، مع تساؤلاتي النقدية لموقف السوفييت من عدوان 5 حزيران / يونيو1967، ناهيك عن إرهاصات أولية مغايرة لمواقف متمايزة بصدد القضية الفلسطينية، إضافة إلى تخبّطات إدارة الحزب السياسية بعد نكسة العام 1963.

وكانت نقاشات قد دارت في صفوفنا حول شعار " كل شيء إلى الجبهة" أم " كل شيء من أجل الجبهة" وهي التي أعادت نقاشات وسجالات في داخلنا وخارجنا بشأن قضايا الصراع الداخلي وبعض مواقفنا العربية.

ومن الذين شاركوا بفاعلية ونشاط ملحوظ ومحوري كان سعد الطائي وحميد برتو وفائز عبد الرزاق الصكَر وسعدي السعيد ومهدي السعيد ورضا الكربلائي ومحمود شكاره وشاكر المنذري وكاظم عوفي البديري واتسعت المجموعة لتضمن صلاح الصكر وفلاح الصكر وصبحي مبارك إضافة إلى علي العاني ويحيى علوان وجمال أسد وشاكر الدجيلي ومحمد حسن السلامي وصالح ياسر وآخرين.

وكان من أبرز طلبة الثانويات الذين وقفوا مع هذا التوجه،إضافة إلى سعدي السعيد، مالك علي الذي درس في السليمانية لاحقاً وقد ضممته إلى الوفد الذي زار الملّا مصطفى البارزاني في كلالة (أيار/مايو 1970)، وحمّاد الخطيب ومحمد الأسدي وأبو العيس وشيروان جميل بالطة الذي استشهد مع مجموعة الـ 12 رفيقاً الذين على يد عيسى سوار(القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني).

ومن طلبة جامعة البصرة، محمد فؤاد هادي ونزار جعفر، ومن طلبة ثانويات إربيل (معهد المعلمين - منعم العطّار) ومن السليمانية نوروز شاويس الذي أصبح عضواً في سكرتارية اتحاد الطلبة بعد مجيئه إلى بغداد أواخر العام 1968 ولفترة قصيرة، ومن جامعة الموصل زهير جعفر(أبو جنان) ومن طلبة الثانويات في الفرات الأوسط: محمد جواد فارس مسؤولاً عن الحلة، وطالب عواد مسؤولاً عن كربلا. ومن الطالبات الجامعيات رقيّة الخطيب وعطية فاضل الخطيب وبخشان زنكنة ورابحة الناشئ، إضافة إلى هناء أدوارد بوشة وفارعة فاضل وكانتا قد تخرجتا من كلية الحقوق عشية الانشقاق. ومن هذه المجموعة كانت النواة الصلبة للتنظيم الطلابي ولتأسيس مكتب سكرتارية لاتحاد الطلبة، ولا شك أن هناك آخرين أيضاً، لكن هذا ما أسعفتني به الذاكرة المتعبة.

II

كنتُ في الصف المنتهي بالجامعة (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) حين حصل الانشطار وقد عملت كل ما في وسعي ألّا ينتقل الانشقاق إلى اتحاد الطلبة حتى وإن استمر في الحزب وحاولت أن أحاور الطرفين وأضغط عليهما ( كل بمنطق الآخر)، لكن مثل هذا الأمر لم يكن ممكناً، حتى وإن حاول كلا الفريقين أن يقول ذلك، لكنهما وكل على انفراد حاول السيطرة على اسم الاتحاد وإبعاد خصومه والزعم بتمثيله.

وقد بدأ التمايز والانقسام والحسم يأخذ طريقه إلى الجسم المهني، بل أصبح مسألة لا مفرّ منها، وإذا كان فريق القيادة المركزية هيمن على الجمهور الطلابي والكادر الطلابي الأساسي وشبكة الكوادر المتوسطة والدنيا، فإن فريق اللجنة المركزية الذي كنّا نمثّله استمر يحمل راية "الشرعية" والتمثيل الخارجي، على الرغم من أن الغالبية الساحقة من التنظيم، ناهيك عن الأصدقاء والجمهور الطلابي لم تكن معه، وتلك واحدة من مفارقات السياسة.

وللأسف شهدت تلك الفترة كما عرفت لاحقاً ممارسات وضغوط من جانب بعض البيروقراطيين الحزبيين ضد رفاق القيادة المركزية في الدول الاشتراكية، وتلك خطيئة لا بدّ من الإقرار بها، وهو الأمر الذي تكرّر في أوقات لاحقة، ولاسيّما خلال الثمانينات بسبب الخلافات الفكرية والسياسية ضد فريق من إدارة الحزب وكوادره التي اعترضت على النهج السائد آنذاك، ولاسيّما في الموقف إزاء " الحرب العراقية- الإيرانية".

ولعلّ لتلك الممارسات جذرها التاريخي، فقد حدثت انتهاكات من جانب بعض الكوادر الطلابية الشيوعية ضد زملاء لهم من القوى الأخرى (القومية والبعثية) خلال فترة العام 1959، ولاسيّما بعد حركة الشوّاف وكانت بعض تلك التصرّفات تغلّف باسم "الثورية" و"اليسارية" ضد القوى الرجعية و"المتآمرة"، لكنها في واقع الأمر مثّلت نهج احتكار العمل السياسي والنقابي والمهني، وحملت ميلاً إقصائياً وتهميشياً للآخر وعدم اعتراف بالتنوّع والتعددية والحق في الاختلاف، وهو أمر لا بدّ من الإقرار به ونقده.

وطرح مثل هذا التناقض والمقصود: أغلبية ساحقة على صعيد اتحاد الطلبة وجمهور غفير، ولكن بلا "شرعية" للتمثيل الخارجي، مقابل " أقلية" اتحادية تمثّل عموم طلبة العراق، أو على أقل تقدير تعبّر عنهم أو تنطق باسمهم في المحافل الدولية، أسئلة جديدة كانت تحتاج إلى حوارات جدّية لبلورة رأي بشأنها، حتى وإن كانت بنبرة خافتة في داخلنا، خصوصاً حين نواجه من الفريق الآخر، ولكن تلك التساؤلات مهّدت لدينا في وقت لاحق عملياً تطوير فكرة أننا لسنا لوحدنا من يمثل طلبة العراق، أي أن الاتحاد ليس الممثل الوحيد والشرعي فقط، ولكنه قد يكون المنظمة الأكثر تمثيلاً أو الأجدر تعبيراً، لتمثيل الطلبة.

وعند هذه النقطة الإشكالية والحسّاسة غادرنا بالتدرّج فكرة ادعاء التمثيل الكامل أو الشرعية الواحدية، الأمر الذي احتاج إلى كفاح فكري داخلنا وداخلهم وبيننا وبينهم، وأظنه سؤالاً واجه عموم الحركة الطلابية لاحقاً وهو ما حاولنا طرحه خلال مباحثاتنا مع الاتحاد الوطني لطلبة العراق بعد 17 تموز (يوليو) 1968، وقد أدرنا نقاشات واسعة بيننا وبينهم ومن جانبنا كان لؤي أبو التمن وكاتب السطور، ومن جانب الاتحاد الوطني كان كريم الملّا ومحمد دبدب.

وكنتُ قد ذكرت في مطالعة لي في احتفالية أقيمت في برلين (1998) بمناسبة الذكرى الـ 50 لتأسيس اتحاد الطلبة (تُليت نيابة عني لعدم تمكّني من الحضور) كيف أن ذلك بالنسبة لي كان مدخلاً مهماً زاد من قناعتي بفكرة التعددية والتنوّع وعدم ادعاء احتكار العمل المهني والنقابي والسياسي بالطبع، ناهيك عن الاعتراف بالآخر، وبالحق في الاختلاف.

وإذا كان طه صفوك عمل في قيادة طلبة الثانويات فإن تمكننا من استقطاب بعض الكوادر جعله يتفرّغ لمهمات خاصة وذلك بعد أشهر من انقلاب 17 تموز/يوليو/1968، ولكن الصداقة والحوار بيننا بقيا مستمرين، وأتذكّر أنه كان ينتقل من مقهى إلى مقهى ومن زقاق إلى زقاق ومن موعد إلى آخر، كأنه يطير بلا جنحة، وتعلو شفتيه ابتسامة بريئة وفي عينيه تساؤلات كثيرة ورغبة في المعرفة والاستقصاء. وكنت أحياناً أقوم بنقله وإيصاله بسيارتي الفولكس واغن لأداء مهمات عديدة، وبالمناسبة كنت الوحيد الذي يمتلك سيارة بين مجموعتنا، وقد جعلتها في خدمة الحركة، وباستثناء لؤي أبو التمن الذي كان يستخدم سيارة والده الطبيب صادق أبو التمن، والتي درّب الرفيق محمد الخضري السياقة فيها، فإن الغالبية من الأسماء المذكورة كانت تعيش في الأقسام الداخلية عدا طلبة الثانويات. وأتذكّر حادثة طريفة، حين استعار الخضري سيارة لؤي أبو التمن لنقل بريد حزبي، وظلّ لؤي ينتظره عند مدخل كلية التجارة ووالده ينتظر في العيادة، الأمر الذي كان محرجاً، واتضح أن عطلاً حصل فيها لم يتمكن الخضري من إصلاحه إلّا بعد نحو ساعتين قضاها لؤي بالقلق والانتظار.

III

عقدنا العديد من اللقاءات في بستان صفوك الجبوري والد طه في الراشدية، ونظمنا عدة سفرات طلابية إلى هناك، وحضرها بعض الطلبة العرب وبعض الأصدقاء الفلسطينيين معنا بدعوة مني ضمن توجه بادرنا إليه لتعزيز علاقاتنا العربية، كما انعقد المؤتمر الرابع لاتحاد الطلبة في 28 كانون الأول /ديسمبر 1968 في بستان صفوك الجبوري (والد طه)، وكنت أعرف أن بعض الرفاق تدرّبوا على استخدام السلاح فيه أيضاً.

أتذكّر أننا نظمنا احتفالاً في كلية التجارة بمناسبة معركة الكرامة (1968)، لكنه انتهى إلى حيث لا نرغب، حيث هوجمنا على نحو مباغت ولم نكن مستعدين أو متحسبين لمثل هذا الهجوم، خصوصاً وقد سقط من يلقي الكلمة باسمنا مغشياً عليه. وكم كان طه متألماً لأننا فشلنا في الدفاع عن أنفسنا، وكان الهجوم من المجاميع البعثية المتطرّفة في كليات التجارة والحقوق والآداب، حيث فضّ الاحتفال وتم تمزيق اللافتات وتفرقنا دون تحريك ساكن، وقد ظلّت مجموعة القيادة المركزية تتندّر علينا لدرجة التشفي وتستعيد بمناسبة وأخرى تلك الواقعة.

كما شاركنا في التظاهرة التي تم تنظيمها بمناسبة الذكرى الأولى لعدوان 5 حزيران/يونيو/ 1967 (أي في 5 حزيران/يونيو/1968) وذلك بالتعاون مع حزب البعث (المجموعة المؤيدة لسوريا)، لكنه بعد بضعة أشهر من انقلاب 17 تموز(يوليو) 1968، لم يشارك في الأنشطة الجماهيرية العامة مثل الاحتفال بذكرى ثورة أكتوبر في ساحة السباع (الذكرى الـ 51) أو التظاهرات المؤيدة لبيان 11 آذار (مارس) 1970 والتي تم قمعها بما فيها التظاهرة المركزية في 21 آذار (مارس) 1970، وحين سألته لماذا لم تشارك : ابتسم ولم يجب كعادته حين يواجه بسؤال مفاجئ، وقدّرت أن الأمر كان بقرار خاص حتى أن علاقاته الاجتماعية تقلّصت، هكذا تبادلنا النظرات، ثم علّق " الأمر ليس بيدي".

لم يكن طه صفوك مرتاحاً لما حصل من تصدّع وعدائية لعلاقتنا مع القيادة المركزية، خصوصاً بعد اتهام فريق اللجنة المركزية باغتيال سامي مهدي الهاشمي، وقد اضطرّ مثل الآخرين للتواري عن الأنظار دفعاً لأية احتكاكات أو ردود فعل انتقامية، وكنت قد رويت لأكثر من مرّة تداعيات هذا الحادث الأليم وموقفي منه وإدانتي له ومطالبتي لإدارة الحزب لاتخاذ الإجراءات الرادعة ضد المسبّبين فيه، والمسؤولين عنه، وليس سرّاً إن ذلك الحادث كاد أن يصدّع علاقتي "القلقة" بالحزب، خصوصاً وأن الراحل أحد أصدقائي وشقيقه الهارب من سجن الحلّة " سعدون سامي الهاشمي" (بعد كسر السجن) وقد ساهمت في نقله من سدّة الهندية إلى بغداد وإسكانه في بيت في منطقة الزويّة، وظلّت علاقتي وطيدة به قبل الجريمة وبعدها وإلى الآن. وكنت الوحيد الذي حضر مجلس الفاتحة لثلاثة أيام في جامع براثا في منطقة العطيفية.

حاولت أن أستذكر آخر لقاء جمعني بطه صفوك قبل ذهابي إلى كردستان (أيار/مايو/1970) للإشراف على تأسيس اتحاد الطلبة العام في كردستان، وذلك في منزلي في منطقة العطيفية الذي كان غالباً ما يزورني فيه هو وحسن أسد الشمري الذي كان محكوماً لـ 10 غيابياً، لكنه أكمل دراسته الجامعية، وبعد 17 تموز/يوليو 1968 تم تسوية قضيته وغادر لاستكمال دراسته إلى موسكو، ويوسف مجيد الذي التحق بوظيفة إدارية بعد بيان 11 آذار/مارس 1970، وتحدّثنا حول تردّي الأوضاع وانسداد الآفاق لعملنا الطلابي والمهني، خصوصاً وكنت على رأس وفدين للحوار مع البعثيين، وكان رأيي أنه علينا ابتداع أساليب جديدة، فمسألة الجبهة الطلابية أو التنسيق الذي كنّا نفكّر فيها قد انتهت أو أصبحت صعبة المنال. وما كان معروضاً علينا لم يعد ممكناً الآن بعد الانتخابات، ولاسيّما بعد الهجوم الذي بوشر ضدنا مباشرة بعد بيان 11 آذار (مارس) 1970.

لقد رفضنا عروضاً مهمة من جانب الاتحاد الوطني في السابق، وكنت أعتقد أن استراتيجيتنا مشوّشة ومرتبكة وربما غير واضحة، فإذا كنا نريد التحالف فهذا يعني علينا ترتيب أوضاعنا على هذا الأساس، أما إذا كنّا نريد الحوار لغرض الحوار أو نريد أن يكون موقعنا على نفس درجة قوى السلطة فهو غير ممكن وغير واقعي، فهذا سيعني أن علينا اتباع طريق آخر، أو اتباع طريق المعارضة.

ولعلّ ذلك يتطلّب دراسة إمكاناتنا واستعداداتنا، علماً بأن موازين القوى بدأت تتغيّر لصالح السلطة التي بدأت تُرسّخ أقدامها، كما أن علاقتها بالسوفييت ليست مرهونة بتزكياتنا كما يعتقد البعض، وقد كانت السلطة قد أقدمت على طائفة من الإجراءات التقدمية بمصطلح تلك الأيام بما يحرجنا وإنْ لقيت دعمنا، لكن قاعدتها أخذت بالاتساع، وإن الحركة الكردية تراعي مصالحها حتى وإن كانت على حسابنا، وعلينا أخذ العبرة من تاريخ التحالف معنا، وهذه الوقائع تفرض علينا إجراء مراجعة، وبعد نقاش بصوت عال اتفقنا طلبت منه أن يكتب رسالة إلى إدارة الحزب بشأن هذا النقاش العمومي، وكنتُ قد كتبت أكثر من مرّة، بهذا الخصوص.

IV

عدتُ من كردستان إلى بغداد، بعد أن كان مقرراً سفري إلى سوريا ومنها إلى الخارج لإكمال دراستي، لكن ثمة ضرورة استدعتني للعودة بطلب من المكتب السياسي، مع وعود بوقف الحملة وفتح حوار جديد، وخلال وجودي في كردستان نظمت وفداً لزيارة الزعيم الكردي المّلا مصطفى البارزاني وهو قرار كنّا قد اتخذناه في وقت سابق، بعد بيان 11 آذار (مارس) 1970،واستجدت مسألة أخرى هي الحملة البوليسية الشرسة التي تعرضنا لها، الأمر الذي كان يقتضي اطلاعه على ما حصل لنا. وقد رافقنا في تلك الزيارة الملازم " خضر"، الفريق "نعمان سهيل التميمي" أحد أبرز قادة الأنصار الشيوعيين منذ العام 1963 حيث استضافني في قاعدة بيرسيرين التي بقيت فيها عدّة أيام، وعاد الوفد في اليوم التالي، كل إلى موقع عمله.

وحظي اللقاء بالبارزاني وبحضور عزيز شريف باهتمام كبير، وكان صالح اليوسفي كتب لنا رسالة باسم البارزاني أعرب فيها عن تضامنه معنا، ولعلّها الرسالة الأولى بعد بيان 11 آذار/مارس 1970 التي حملت انتقادات الحركة الكردية للسلطة ولحزب البعث وأكّد أنه سيبذل قصارى جهده لإطلاق سراح المعتقلين، وختمها بالآية القرآنية " لا يكلّف الله نفساً إلّا وسعها" (سورة البقرة، الآية 286) وقد تُرجمت الرسالة إلى الانكليزية والفرنسية والإسبانية ووزعت على جهات دولية مختلفة، كما نُشرت في جريدة "كفاح الطلبة" السريّة وكذلك في جريدة " طريق الشعب" السريّة، ووجدت نسخاً منها في الخارج بعد وصولي إلى براغ.

وحين اشتدّت حملة السلطة ضدنا وتوسعت دائرة الاعتقالات لدرجة أنها شملت عضو قيادة الوفد المفاوض لؤي أبو التمن قرّرنا تلبية دعوة وصلتنا من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لزيارة عمان ودمشق واللقاء بالمقاومة الفلسطينية تعبيراً عن دعمنا، والهدف هو إبعاد عدد من الكوادر عن الملاحقة والاحتفاظ بها كاحتياطي للمستقبل وكان وفداً قد ذهب إلى عمّان ودمشق برئاسة محمد النهر وذلك قبل ثلاثة أشهر من الوفد الثاني الذي كان من المقرر ذهابه.

وحين ذهبنا للسفر وكان ذلك في ليلة 17 تموز /يوليو/1970 أبلغنا "أبو وائل" مسؤول الجبهة الشعبية في بغداد أن اثنين من العراقيين اعتقلا عند الحدود قبل يومين (كما فهمنا من بقايا القيادة المركزية)، لكنه أبدى استعداده لنقلنا إذا قرّرنا ذلك وعلى مسؤوليتنا.

وعلى الرغم من أنني كنت رئيساً للوفد، لكنني لم أرغب أن أقرر لوحدي فاجتمعنا نحن الخمسة الذين كان من المقرّر توجهنا إلى عمّان في لقاء سريع وخاطف في مكتب الجبهة الشعبية، لنتخذ قراراً، واستقرّ الرأي على عدم الإقدام على هذه الخطوة التي فيها مغامرة غير محسوبة النتائج. واتفقنا على اللقاء الأسبوع المقبل لكي نستعرض الموقف ونقرر الوجهة بعد التشاور مع مرجعيتنا.

وبعد يومين من هذا اللقاء، اعتقل سعدي السعيد ومعه أبو العيس عضوي الوفد، عند بستان والد طه صفوك في الراشدية، حيث ضاقت السبل بهما فقرّرا الاختفاء في الريف وذهبا إلى هناك، ويبدو أن المنطقة كانت مراقبة والوجوه الغريبة كانت مرصودة، إضافة إلى ثرثرات أهالي الريف وتهويلاتهم كما يقول الروائي أبو كاطع (شمران الياسري)، وهكذا وصلت "الإخبارية"، فتم مداهمة البستان الساعة الرابعة صباحاً في نفس يوم وصولهما، واعتقلا ومعهما صفوك الجبوري والد طه، وتمكن طه من الفرار معتمداً على معرفته بتضاريس المنطقة وطرقها، فأطلق لساقيه الريح، وهكذا أفلت من ملاحقيه.

وفي وقت لاحق التقيت صفوك والد طه وروى لي الكثير من الطرائف والمقالب التي حدثت معه او شاهدها في قصر النهاية، وقد ذكّرتني تلك القصص بحكايات هادي راضي (أبو حسن) عن قصر النهاية وتمثيلياته الفكاهية حين كان يتقمّص شخصيات الجلادين، ويقوم بتقليدهم في السفرات والمهرجانات التي كانت تنظمها جمعية الطلبة العراقيين في تشيكوسلوفاكيا في السبعينات، وكذلك في كردستان خلال فترة الكفاح المسلح في الثمانينات. وعلمت لاحقاً أنه طه صفوك الجبوري سيتوجه للدراسة الحزبية في موسكو، في حين أنني توجّهت بعد بضعة أسابيع إلى براغ، وكان العديد من الأصدقاء من الذين يأتون ويذهبون يحملون سلامات وتحيات متبادلة مني إليه ومنه إليّ في أوقات لاحقة بما فيها خلال عمله في لجنة المنطقة الوسطى.

عند انتهاء دراستي وعودتي إلى العراق، كنّا نلتقي باستمرار مع كل من أبو عليوي (هاشم محسن) وعرب عكاب يوسف (أبو عمّار) وسعد الطائي، إضافة إلى أخي حيدر الذي كان قد تخرج لتوّه، وكان طه صفوك دائماً ما يدعو الوالدة لزيارة البستان ويستأنس بعمل السمك المسكوف لها. وقد توثقت علاقتي بوالده وشقيقه وعائلته خلال تلك الفترة أكثر من السابق.

وفي ظهيرة أحد الأيام جاءني طه صفوك ومعه عامر مطر وزوجته أم شموس، وكانا مطلوبين في ديالى، وقد استضفتهما في منزلي ليومين،وكان عمر " شموس" بضعة أشهر، ثم جاء لنقلهما إلى مكان آخر وفيما بعد إلى بلغاريا. وقد انقطعت أخباري عنه وأخباره عني بعد التحاقي بالخدمة العسكرية الإلزامية، ولكننا عدنا والتقينا، في كردستان وعدّة مرّات في براغ أواخر الثمانينات وبعدها في الخارج حتى وإن تباعدت بيننا السبل.

وأذكر منها لقاء طريفاً، حصل في براغ العام 1989 التي انتقلت إليها لنحو عام بعد مرحلة سوريا وكردستان، وكان عن طريق الصدفة، أنني خرجت من محطة المترو قرب ساحة الفاتسلفاك للذهاب إلى موعد مع منظمة التضامن (التشيكوسلوفاكية)، وإذا بي ألمح طه صفوك ومعه آرا خاجادور، وبعد السلام والكلام دعياني إلى شرب فنجان قهوة، ودخل معي في حوار حول بعض القضايا الإشكالية وظلّ آرا (أبو طارق) يستمع إلى الحديث ولا يعلّق، وبعد أن ذهب (أبو ناصر) إلى الحمام، فاجأني آرا بطرافته المعهودة بالقول: إن أبو ناصر أصبح مسؤولي، وكنت قد علمت بمسألة تنحية آرا في اجتماع برلين آذار/مارس (1989) وفصل كل من باقر ابراهيم ونوري عبد الرزاق وعدنان عباس وحسين سلطان وناصر عبود، وهو القرار الذي علّق عليه باقر ابراهيم (أبو خولة) بقوله: اجتمع خمسة (يقصد الذين حضروا اجتماع م.س.) ففصلوا خمسة .

وأصبح طه صفوك عضواً في اللجنة المركزية في المؤتمر الرابع العام 1985 من ضمن المجموعة التي سمّيت " العشرة المبشّرين بالجنة" في فترة دبّت فيها الخلافات والتعارضات داخل الحزب الشيوعي، حيث بدأ الصراع يتّخذ شكلاً علنياً مع تطورات الحرب العراقية - الإيرانية، خصوصاً بعد انتقالها إلى الأراضي العراقية وانشقت مجموعات عديدة عن إدارة الحزب وعارضت سياسته ونهجه العام، وكنّا قد أعلنا عن تشكيل حركة المنبر الشيوعية وأصدرنا مطبوعاً بالاسم ذاته "المنبر".

لم تستمر عضوية طه صفوك " السرّية" في اللجنة المركزية سوى بضعة سنوات، وكنت أمازحه بالقول: لقد تم اختيارك بالخطأ وبالوقت الخطأ وبالطريقة الخطأ، وكان هو يضحك، فقد أدرك حالة الانحسار التي كانت تمرّ بها الحركة الشيوعية التي شهدت الانهيار العام للمنظومة الاشتراكية، ناهيك عن تردّي أوضاع الحركة الشيوعية العربية والعراقية، حيث توزعت إدارات الحزب وكوادره، بل وعموم جمهور الحزب في الخارج على بلدان المنافي واللجوء ابتداء من سكرتير الحزب عزيز محمد ومروراً بأعضاء في المكتب السياسي واللجنة المركزية وكوادر حزبية متقدمة، وهو اتجاه لعموم القوى السياسية المعارضة، وكان هو أن ذهب إلى هولندا، خصوصاً بعدما أصاب العمل المسلح من نكوص بعد استخدام السلاح الكيمياوي ضد العديد من القواعد الأنصارية، فضلاً عن اختراقات للتنظيمات المهيأة للداخل في ظروف بالغة التعقيد، وكنت أنا قد اخترت لندن قبله، وظلّت الاتصالات والعلاقات واللقاءات قائمة.

وعقب تلك الفترة أصيب طه صفوك بالإحباط، بقدر حماسته، وربما شعر بالإهمال بعدم ترشيحه في المؤتمر الخامس، وظلّ على هذا الحال حتى وفاته، تتصارعه وجهتان، بين الماضي والحاضر، وبالرغم من الاختلاف ظلّت علاقتنا مستمرة والاتصالات التلفونية قائمة، وكان آخر لقاء لي معه على أرض الوطن في شارع المتنبي، حين عرف بوجودي في بغداد، واتصل بي واتفقنا على موعد في صباح يوم جمعة، وكان الزمن قد أخذ منه الكثير وبدا طه هرماً ومتعباً ومتشائماً وحزيناً.

واستعدنا بعض الذكريات، بما فيها النقد الذاتي لكلّ منّا،عدّدت له أخطائي بكل أريحية وقلت له أنني أعتز بها، فهي جزء مني لا أنكره، وهي أخطاء صميمية لأنها مواقف لاجتهادات لم تزكِ الحياة بعضها وبعضها الآخر تجاوزه الزمن ولا ننسى إن بعض المواقف قامت على فرضيات خاطئة أو معطيات غير دقيقة، ولهذا علينا الاعتراف علناً بذلك دون خشية أو خوف، فالاعتراف بالخطأ فضيلة كما يُقال.

أما التغطية على الأخطاء والنواقص والعيوب فإنها ستعني ارتكاب خطأ جديد ومعالجة الخطأ بالخطأ، وهكذا سيكون الخطأ مضاعفاً ومركّباً، خصوصاً حين يتسم بحجب الحقيقة، بل والخداع، وتلك لعمري تربية مدمّرة وليس معمّرة. والنقد الذاتي والمراجعة كفيلان بوضع التجربة على المحك وإفادة الجيل الجديد، لإضاءة ما هو إيجابي لتعزيزه وما هو سلبي للتخلّص منه، خصوصاً بتنمية روح النقد والتساؤل والعقلانية.

قلت له : كان عزيز شريف يردّد قولاً طالما استعرته لتوصيف حالنا " الشيوعي مثل راكب الدراجة عليه أن يسير دون توقف، وإذا توقف سقط على الأرض" هكذا كان علينا أن نمضي دون مراجعة جادة أو سؤال محدد إلى أين؟ ثم أين " أناي" من هذا الجمع الحاشد وكيف أميّز صوتي؟ ولماذا عليّ التماهي فيه لدرجة الذوبان، وإلّا سأكون مارقاً ومرتداً وبرجوزاياً صغيراً أو كبيراً، لا فرق؟

الذين لا يخطئون ليسوا بشراً، فكل من يعمل يخطأ، وكان الروائي الفرنسي فيكتور هوغو يقول " إنه لثناء باطل أن يُقال عن رجل أن اعتقاده السياسي لم يتغيّر منذ 40 عاماً، فهذا يعني أن حياته كانت خالية من التجارب اليومية والتفكير والتعمق الفكري في الأحداث، إنه كمثل الثناء على الماء الراكد لوجوده وعلى الشجرة لموتها".

قلت له المهم ضبط الإيقاع وتدقيق التوجه وتحديد البوصلة لكي تكون دقيقة وغير مضببة، ولا بدّ من الحفاظ على الحساسية الإنسانية التي لا بدّ أن تبقى عالية جداً، ولا يهم إنْ أخطأت أو أعدت النظر بمواقفك وتراجعت عمّا تعتقد إنه لم يعد صالحاً، ففي الحياة الكثير من المنعرجات والتضاريس وهي لا تسير بخط مستقيم دائماً، وبعد قهقهات ونكات وذكريات، كان معي واضحاً وصادقاً، خصوصاً لجهة الاعتراف بالأخطاء، وقال إنها أخطاء مشتركة، لقد اندفعنا وعملنا وحصد غيرنا، لكنني غير نادم على كل ما حصل وترحمنا على الشهداء الذين قضوا بعضهم بسبب الأخطاء أو ضعف اليقظة، فحياة البشر هي الأغلى دائماً.

وإذا كان الكثير قد تغيّر في طه، إلّا أن حميميته ظلّت قائمة ومودتّه مستمرة، وتلك أنبل ما في الإنسان، بغض النظر عن المواقف السياسية التي تخطأ وتصيب، وهكذا هي الحياة دائماً.

 

عبد الحسين شعبان

 

قوارف رشيدإن الثورة الجزائرية من أمجد وأعظم الثورات عبر التاريخ المعاصر، حيث قادها رجال أكفاء، مخلصين للوطن، تكونوا عبر الحركات الوطنية، منذ تأسيسها الى غاية اندلاعها يوم الفاتح نوفمبر 1954 المبارك، والى بلغت أهدافها نتيجة التضحيات وتكافل جهود الرجال العظماء، الذين سجلوا تاريخهم بدمائهم، كما قدموا دمائهم الطاهرة للوطن، والدفاع عن العرض والشرف والكرامة، وحب الولاء للوطن أمثال العربي بن مهيدي، بن بولعيد قرين بلقاسم، علي سواحي وقوارف لخضر وغيرهم كثر، وهذا الاخير (قوارف لخضر) كان من ابناء الثورة المخلصين لله والوطن، ضحى بالكثير بآمال وبدراسته الجامعية ليلتحق بصفوف الجهاد...من هو الشهيد قوارف لخضر؟

ولد الشهيد قوارف لخضر بلبريكات بعين التوتة عام 1929 من عائلة حسنة الحال، ابن أحمد وبوشطيط علجية، عائلة تتكون من البنين والبنات (4 ذكور .2إناث) نشأ وترعرع في بيئة وأسرة تتميز بالثورية والنضال ضد الفرنسيين الغزاة، درس بمسقط رأسه القرآن الكريم وحفظ ما تيسر له منه على يد الشيخ محمد الحيدوسي أولا ثم توجه الى المدرسة الابتدائية école de la commune  الشهيدة قطاف فطيمة حاليا بعين التوتة ثم زاول تعليمه المتوسط ب école supérieur des garçons, بباتنة (العمراني حاليا) فنبغ في الدراسة، وابدى ميلا كبيرا للتعلم، ليواصل تعليمه الثانوي ب lycée Aumale بقسنطينة (رضا حوحو حاليا) تحصل على شهادة البكالوريا الجزء الاول سنة 1947، والجزء الثاني سنة 1948، سجل في الجامعة بالجزائر العاصمة ليسانس الدراسات العليا درس لمدة شهر واحد لكنه ترك الجامعة والعلم ولبى النداء لقوة حبه وتعلقه بالوطن حتى النخاع .

عين مراقب في ثانوية بالبليدة لمدة معينة، ثم درس في خنشلة لمدة سنتين سنة 1957، ثم عاد الى مدينة عين التوتة ليعلم أبنائها بالمدرسة الوحيدة آنذاك كان رئيس لجنة الاشراف على تلاميذ المدرسة في عين التوتة رفقة لخضر قشي، وشادة ابراهيم تزوج من السيدة نزار قباني فطيمة،، ولم يدم هذا القران طويلا لينفصلا تزوج مرة ثانية من السيدة شيرو كوكا التي مازالت على قيد الحياة، كما كانت عضو في المنظمة الوطنية ناشطا بها ورئيس لجنة الاتصال بمدينة عين التوتة، حيث كان دائم الاتصال مع المجاهدين، يحرر ويكتب المناشير بلغة راقية ومؤثرة، وكان يكلف الطيب بن بعطوش لتوزيعها، غير أن عيون فرنسا أفشت به ليعتقل رفقة 34 فرد من المنظمة منهم :حسين شاوش، عمر حمادي، سعيد حمادي بلحسن وبراهيم بوعكاز...الخ بعدها افرج عنه من السجن المتواجد بمدينة القنطرة، بعد تدخل وتوسط مدير المدرسة جورج مييرgeorge muyere للعلم أن هذا الاخير كان يدفع الاشتراك للمجاهدين بعدها أستمر قوارف لخضر في دعم الثورة، وفي سنة 1958 ألتحق بصفوف جيش التحرير، حيث عين ككاتب عام على منطقة 1 الولاية الاولى، كما كان له دور هام في الاعلام والاتصال وكتابة المناشير بدقة عالية، ثم عين قوارف لخضر كاتب عام للولاية الاولى مكان رشيد زيداني، الذي نقل الى تونس للعلاج، وعين المسمى عميرة لمساعدة قوارف لخضر في مهمته الشاقة تحت اشراف مصطفى بن النوي، ثم علي سواحي .بعد الاجتماع الذي حضره الرائد طاهر زبيري ومحمد صالح يحياوي، عثمان جيلالي وآخرين لدراسة الاوضاع في ظل الحملة الشرسة، حملة الحلف الأطلسي، في ظل ذلك جند العدو قوة كبيرة للقضاء على القادة والرفاق في غابة آيث ملول، حيث عرفت هذه المعركة بمعركة آمان أحمد اونصر، وقعت 07/02/1961 بدأت بتحليق الطائرات، ثم افراغ حمولتها من القنابل على مركز القيادة ومستشفى الولاية، حيث رد رجال الجيش في معركة غير متكافئة وقامت مروحيات العدو بإنزال المظليين داخل الغابة، وخلفهم الجنود المشاة تحت تغطية من سلاح المدفعية، وأغلق العدو كل المنافذ، لم يبق لهم غير المواجهة والتصادم، استمر الثوار في القتال حتى حلول الظلام، وانسحب الناجون، وكانت حصيلة المعركة ثقيلة ومؤلمة، فقد سقط قرابة 100 شهيد، منهم ميلود قوجيل، عبد العزيز عشي، وقائد الولاية علي سواحي والامين العام للولاية قوارف لخضر، كما أسفرت المعركة عن جرح ما يقارب 30 جريحا من المجاهدين، منهم محمد الصالح دراجي، موسى نواصري، السعيد عبابسة والعقيد الطاهر زبيري، أما الخسائر العدو فقد بلغت حوالي 400 قتيل، وهناك من يقول أن العدو يفوق 400 قتيل نظرا لكثرة المروحيات التي ظلت تنقل القتلى والجرحى لأيام بعد المعركة، بعد أيام من انتهاء المعركة، حلقت طائرة في سماء باتنة ترمي منشورات تؤكد مقتل (استشهاد) كل من علي سواحي، وقوارف لخضر وهذا دليل على قوة الشهيدين ورسالة لأهل المنطقة بأن الثورة انتهت بمقتلهم .الشهيد قوارف لخضر سقط في ميدان الشرف في 08/09 فيفري 1961 في غابة بني ملول القريبة من خنشلة في عملية مسماة دوردون dordon، كان يحمل رتبة نقيب في الجيش الوطني الشعبي، ضابط في قيادة الاركان للولاية الأولى والكاتب العام لها، تحت ّإشراف الشهيد علي سواحي .بعد الاستقلال تم اختيار ثلاث مدارس ابتدائية باسم الشهيد في كل من خنشلة، باتنة، ودائرة عين التوتة، كما نطلب ونرجوا من السلطات الجزائرية اختيار مؤسسة كبيرة تليق باسم الشهيد قوارف لخضر تمجيدا له .إن الشهيد قوارف لخضر جدير بالبحث، لان كانت له ايديلوجية فكرية عميقة كما كان يحمل أسرار عميقة تخص الناحية الأولى وهذا دور الباحثين والمؤرخين .

 

قوارف رشيد - كاتب صحفي

 

محمد العباسيأنا وأهلي من عشاق تايلند.. لا بد أننا زرناها أكثر من أي مكان آخر على وجه الخليقة.. ولي من المعارف العديدين ممن يمتلكون هناك شققاً ومساكن.. ويفضلونها على سواها من البلدان.. ربما لأن تكاليف السفر إلى تايلند مناسبة.. وتتميز بجمال الشواطئ والغابات والجبال والحدائق والجزر الخلابة.. ربما لأن أغلب أطعمتهم لذيذة ومشوقة.. وأكلاتهم البحرية مغرية الأثمان بالمقارنة بأسعارها الباهضة في مطاعمنا.. فتايلند دولة جميلة والحياة فيها رخيصة.. يعشقها الصغار قبل الكبار ومحبي الرياضات المائية والسهر والتسوق!

لكن تايلند هذه تتميز في ذات الوقت بقسوة رهيبة في بعض مناحي الحياة!! فالشعب التايلندي رغم إبتساماتهم للسواح يكنون لهم بغضاً وكراهية شديدة لما يشهدون من تصرفات مشينة وبذخ وغوغائية.. ينتظرون من أحدهم زلة صغيرة فتنقلب الإبتسامة إلى أنياب سامة.. فكم شهدت معارك إجتمع فيها العشرات من التايلندين والتايلنديات ضد شخص واحد من سكارى الليل.. و"هات يا ضرب".. والغريب أنهم إذا تكالبوا على الضحية لا يرحمون.. ولن تجد بينهم من يرفق أو يحاول منع المهاجمين.. بل يتعاضدون ضد الضحية دونما أن يكون لهم علاقة بالمشكلة من أساسها.. صاحب التاكسي بالطريق ينزل من سيارته ويضرب.. أصحاب الدكاكين يضربون.. بنات الهوى في الطريق تضربن.. بل وحتى رجال الأمن في الفنادق المحيطة بالواقعة يشاركون في المعركة ولا يتركون الضحية إلا مضرجاً بدمائه مفلوق الرأس !!

ولرجال الشرطة في تايلند سطوة غريبة.. ويتصيدون المخالفات للسواح وبالذات للعرب الخليجين.. فالخليجي صاحب مال ولن يتواني عن الدفع ليتخلص من أي موقف.. فمثلاً كل من يستأجر الدرجات النارية منهم يكونون عرضة للملاحقة لأتفه الأسباب من رجال الشرطة.. وكلهم يدفعون بكرم منعاً للمشاكل.. والمشكلة العظمى تكمن في التفاهم اللغوي معهم ولا حلول ودية معهم.. بالذات لأن الكثير من الخليجيين الشباب لا يجيدون حسن التفاهم ولا يمتلكون القدرات اللغوية.. فبعض الحمقى الخليجيين يعاملون أهل تايلند كما يسيئون معاملة الخدم عندهم في منازلهم.. ويعرضون أنفسهم لمواقف "بايخة".

ورغم جمال الطبيعة في تايلند، وبسبب الأشجار والغابات تكثر عندهم الحشرات السامة والأفاعي والعقارب.. فكم من شخص تعرض للدغة من عنكوبتة صغيرة وكاد أن يفقد قدمه أو ذراعه.. وكم من سائح تعرض للكسور والإصابات بسبب بعض الأنشطة الخطيرة مثل البارشوتات المسحوبة بالقوارب أو التعلق بين الأشجار الشاهقة.. وكذلك بسبب بعض الرياضات المائية الخطرة أو حتى بسبب التعرض للحوادث المرورية والوقوع من على الدراجات النارية المستأجرة حيث الزحام وإختلاف خط سير المرور يخلق مشكلة لغير المتمرسين !!

تايلند جميلة .. لكنها لا تناسب الرعناء.. بسيطة في كل شي طالما أحسنا التصرف وإحترمنا أهل البلد وعاداتهم ودياناتهم وبساطتهم.. رائعة لكل من يعطيها حق قدرها فيستمتع بكل ما فيها دون غلو ودونما إستصغار لأهلها البسطاء ممن جعلهم الفقر والحاجة يبدون كلقمة سهلة لذوي النفوس المريضة .

تايلند .. هذه الجنة على الأرض.. هي جنة للذين يسافرون إليها في شهر العسل مثلاً.. ففيها من المتع والرحلات والمناظر الخلابة التي تسر الناظرين.. أغلب فنادقها رائعة، يكل فئاتها.. جزرها المنتشرة حولها خيالية.. بها حدائق منسقة وأزهار وورود من كل صنف.. أنشطتها السياحية مليئة بالمفاجآت.. رحلاتها البحرية وألعابها المائية ليست كسواها في دول الجوار.. يشعر السائح بأمان وراحة طالما يحسن التصرف ويبتعد عن الأنشطة المشبوهة وعالم الليل !!

عالم الليل في تايلند متعدد الجوانب.. فهنالك حفلات ومسارح للعروض الفنية والغنائية المسلية.. لربما من أجمل ما حضرت مع أهلي كانت تلك الأمسية الطويلة في جزيرة "بوكيت" في مدينة ألعاب يتوسطها مسرح عظيم الحجم يقام فيه عروض خيالية حالمة ورقصات وعروض مع الحيوانات، تدعى "فانتسي شو" !! وفي أغلب المدن الرئيسية أيضا هنالك عروض وغناء ورقص مع بعض الكوميديا التي يقدمها الـ "ليدي بويز"، وهؤلاء هم رجال في أزياء النساء الفاتنات.. عروض ممتعة ليس فيها ما يخدش الحياء ومناسبة للعائلة وحتى الصغار .. ولكن !!

الـ "ليدي بويز" هم رجال متحولون جنسياً.. هم كالنساء، بل كثير منهم قد تحولوا بالفعل إلى نساء !!  وهم بصراحة من معالم هذه الدولة.. فهم في كل مكان بالذات في حياة الليل الصاخبة.. تجدهم في كل الشوارع يصطادون الرجال ويعرضون عليهم ممارسة الرذيلة والمساجات.. وهذا الجانب من حياة الليل في تايلند يجذب الملايين من السواح من كل أصقاع الأرض ممن يبحثون عن هذا النوع من المتع.. وحياة الليل تعج بالمومسات في كل طريق وملهى ومرقص ومقهى.. فكل الخمارات تعرض مع المشروبات بنات الليل (في الليل والنهار!).. ومع السكارى تنمو المشاكل وتشهد "الخناقات" ومواقف مشينة.. أغلب أبطالها ممن يتعاطون المسكرات والمخدرات .

يكثر في حياة الليل الحانات الخاصة بالشواذ.. فتجدون العشرات بالذات من الرجال الأوروبيين في جلسات حميمية بلا حياء مع الأولاد والشباب ممن يمارسون الرذيلة.. مناظر يشمئز منها الأسوياء.. لكنها مناظر مقبولة وعادية في هذا البلد حيث لا ينظرون للشواذ والمتحولون جنسياً بازدراء.. وقد  تجدون بعض الكبار في السن يجرون ورائهم مومسات صغيرات السن في عمر حفيداتهن.. مناظر تشعركم بالغثيان.. لكنه نتيجة للفقر والحاجة وقلة ذات اليد.. فمن قسوة الفقر أن يبيع بعض الأسر المدقعة بناتهم الصغيرات على مافيات "القواديين" لأجل غير مسمى (؟!).

ففي هذه الجنة الجميلة قاع مظلم.. وقسوة وظلم ونقائض.. لكنها دولة تستحق الزيارة طالما إستمتعنا بجمالها وإبتعدنا بملئ إرادتنا عن عالمها السفلي المقيت !!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

637 عارف علوانفي الصباح تتلون جدران الغرف التي يشغلها العاملون، بأشعة الشمس التي تغزل ضفائرها فوق موجات دجلة الذاهب نحو الجنوب، ونحن يلزمنا وقت لنغني للنهر والصحو والظلال الهائمة بين أشجار الكالبتوس والساحل الرملي، في المساء تبدو أرصفة الشارع ملأى بمئات الشموع، والسماء كالبلور، يرفّ فيها القمر وهو يخطّ على هالته شكل البلاد .

منذ أوائل سبعينيات القرن المنصرم شغلت (مجلتي) و(المزمار) الطابقين السابع والثامن في عمارة (الروّاف) الجميلة والمطلّة على شارع أبي نواس، إنضم الكاتب والفنان عارف علوان إلى فريق العمل كمصمم، ويومها كان المطبوعان - على قِصر التجربة – مثالين بالمعايشة الصافية، بين العاملين ورئيس التحريرالشاب إبراهيم السعيد، كانت التجربة مشروعاً يحمل أسباب نجاحه منذ لحظة ولادته في صحافة الطفولة العراقية، تلك المتمثلة بالثراء الكامن في الروح العراقية، وفي طاقات الكوكبة المبدعة من الرسامين والكتّاب، تجمعهم حرارة الإخلاص والقدر الأوفى للعمل .

حين نتجاور في المكان، يفاجئني وجه عارف دقيق الملامح، وشعره الكثيف المتناثر بعفوية على جبهته العريضة، إذ لم يسعفه النعاس الذي مازال عالقاً في عينيه بعد من تصفيفه، صوت هاديء النبرات رقيق، في تقاسيم وجهه وجع مرّ من فرط الحزن المكتوم بخجل، أتحايل فأقترب منه، لأدخل مدائنه بسلام آمناً، أراوغ من أجل أن أجلد الصمت والسكون المخيّم على الصالة منذ الصباح، ماذا يخبيء هذا الشاب الرشيق من أسرار وهمهمات ؟ أتساءل مع نفسي، غير أن أبواب قلب عارف تنفتح تلقائياً، حيثما تتصاعد أبخرة الشاي، فلا شيء كالصمت قادرعلى خلق شعور بالفراغ، سوى الشعور المعاكس من الود، لأنه يضفي على المكان لوناً من ألوان الصوت المجسّد، ويمدّنا بقدرات الذاكرة الثقافية التي ترفض أن يبقى باب المكان الأثير مغلقاً، فبدأنا نشعر بمتعة الوجود معاً، تقاربنا وتحاببنا، ولشد ما يغريني أن يخرج عارف من عزلته، وتتحرك معنا موسيقى بمعادل هذا الداخل الذي يسمونه (القلب ).

في ضحى يوم بارد، كنا قد خطونا خطواتنا الأولى نحوشارع السعدون، ننعم بدفء الشمس، كانت الصباحات مفعمة بوجد البنات، والنوافذ مشرعة للطيور، غير أن الشوارع يجتاحها (عسس) يقيم الحفلات ليحبس الكلام، ويعيد عصر الظلام، ويترصّد الجمال، ويخطف المعاني والأحلام .

لم يمضِ وقت طويل لإصطيادنا في فخ أقامه (والي بغداد)، يستبيح فيه الورد وسيقان الصبايا الجميلات، إقتادونا إلى قفص حديدي مخصص لنقل نزلاء السجون، كأننا سبايا غزوات، وحشرونا على جدرانه مابين حمّى الحقد وروح الإذلال، ها هي بغداد بنادق وكمائن، تمضي بنا المركبة نحو شرطة السراي على بعد خطوات من شارع المتنبي .

في عينيي عارف ذهول، وفي صدره صرخة محبوسة، هاهي بغداد تعيدنا لإرث الصحراء، كانت الأيدي تلّوح بـ(المقصّات) لجزّ شعر رؤوس (الخنافس) الذين تطاولوا على أمن الدولة، وتمادوا في إطلاق شعرهم، كان المشهد اشبه بحفل (عرس) أقامه الغجر البائسون . دعوا رؤوسكم مطأطأة أيها (المتخنثون )، هكذا تتعالى أصواتهم مثل سياط التعذيب، كان الصديق الكاتب جعفر ياسين قد سبقنا الى هذا (الحفل)، ويومها تناقلت الصحافة إحتجاجه الشجاع والمرّ: لو كنت أعرف ان شعر رأسي يقدّم حلاً لقضية فلسطين، لقطعت رأسي من أجلها .

في تلك الدقائق لم أغادر عينيي عارف اللتين خفتَ الضوء فيهما، وشحب وجهه، وكأن الموت أسرعَ إليه مبتهجاً، فتجشأ أيامه وهو يبصق على الأرض (تفو يازمن ..تفو يا بلد)!، موحش هذا الوطن ياصديقي، خاطبني بنبؤة العارف :ستولد فيه الأوبئة، وتتسع فيه المقابر، سيمر زمنه مابين حرب وحرب، وموت بطيء، وسيظل حزنه طالعاً من جذور نخيله، يتوزع بين القبائل والطوائف، ستكون أيامكم صاخبات، تذكّر ذلك يا جمال، لأنني سأغادره، وأدع الوطن بإنتصاراته الكاذبة غارقاً في وهم أمجاده الغاربة ..وداعاً .

منذ تلك اللحظة رحل عارف، وهجر الأماسي، والأهل والأصدقاء والذكريات، كانت بيروت محطّته الأولى، ومنه إلى المغرب، ثم إيطاليا، وإستقر في إنكلتره عام 1990، كتب مسرحيات عدّة (هلاك بابل، لعبة المخدوعين، التتر قادمون، بحيرة كانجا)، وفي سنوات عمره الأخيرة كرّس جهده للرواية فكتب (محطة النهايات، غرفة البرتقال، الأضواء)، وصدرت له بالإنكليزية روايتان (مخبرالشيخ، وشارع المصيدة الدبقة)، فضلاً عن كتابة القصة القصيرة، وعشرات المقالات في الصحافة صدرت في بيروت بعنوان (نصوص) عام 1998.

يشار إلى عارف علوان إلى أنه أحد الأسماء المهمة في ساحة الإبداع العراقي في المنفى، إمتاز بعمق الرؤية، وجمال اللغة والتعبير، جريئاً في الرأي وحراً في التفكيرونزعته الإنسانية، إلا أنه لم يحظ بما هو جدير به من إهتمام نقدي، وعاش حياة صعبة إنتهت بموته بالمرض اللعين في آذارمن عام 2017.

إن بضعة كلمات أكتبها لم تعد قادرة على الوفاء لتاريخك ومنجزك ياصديقي، فلو كنتَ قادراً على جرح إحساسنا بلسان صمتك الأبدي، لأسمعتنا مرّ العتاب على أوقاتٍ قضيناها معاً، كنت قلباً مفعماً بالحب يتسع لكل الناس، رحلت بصمت بعد أن تقطّع قلبك حسرات .

 

جمال العتّابي

 

محمد السعديفلاديمير ماياكوفسكي شاعر وكاتب روسي من أب تتري وأم أوكرانية، أبوه كان يعمل حارساً على الغابات والمزارع أما أمه أبنة العسكري تهوي الادب والرسم والشعر والمسرح .. ولد عام ١٨٩٣ في بلدة بغدادى في جورجيا، وهي البلدة التي سميت فيما بعد بأسمه . في عام ١٩٠٦ أنتقل مع أمه وأختيه الى موسكو بعد وفاة والده . طرد من على مقاعد الدراسة لصعوبة ضيق العيش وعدم تدبر مصاريف تعلمه بعد أن أصبح بلا معين وهو شاباً يافعاً.

ألتحق فيما بعد بكلية الفنون في موسكو، وهناك تعرف على الفكر الماركسي، ومنذ بدايته شارك في نشاطات حزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي (الجناح البلشفي)، وبالرغم من صغر سنه، كان مناضلاً نشيطاً دفعته ظروف حياته الصعبة والمأساوية الى الايمان بالافكار التقدمية كمنفذ للخلاص من الاوضاع المتردية ومن سطوة حكومة القياصرة . كان يشار له بالبنان ومن شعراء الثورة وأبنها البار والمدافع عن بريقها الثوري، لم يفوت فرصة في جولاته الى العواصم الاوربية مستغلاً أماسيه ومحاضراته وجلساته الخاصة لا يبخل في الدفاع عن الثورة والحزب والادب الروسي . أرتبط بأكثر من علاقة حب عاطفية (عشك) بنساء مشهورات في باريس (تتيانا ياكوفلوفا) من أصل روسي، وله قصص أيضاً بنساء في برلين، لكنهن حالن دون مشروع زواج مما زاد من نقمته على الأنظمة البرجوازية والرأسمالية ونمط العلاقات السائدة فيها.

في مطلع شبابه، كانت الاحداث اليومية السائده في العالم وتحديداً في روسيا القيصرية نهضة فكرية وتململ ثوري تجاه أنظمة قمعية متسلطة على رقاب الناس وفي قمع حريتهم، من هنا جاء تحسسه مبكراً بالاشياء والتطورات مما زج بنفسه في صلب تلك الاحداث داعياً الى التغير نحو الافضل، فهذا لا يتقاطع مع نهج حزبه البلشفي فتعرض الى المطاردة والسجن . عبر عن تلك التوجهات والتطلعات من خلال منافذ الشعر ودعا الى تجديده على أسس الشعر الروسي العريق . ومن قصائده قبل ثورة أكتوبر ١٩١٧ (غيمه في سروال) .. وتعد من أهم قصائده فخرج بها عن المألوف فحطم بها الوزن والقافية مستفزاً مشاعر الناس ومحرضاً لها ضد القوانيين والاسس التي تكبل الحريات والابداع . في وحي تلك القصيدة تنبأ بوقوع الثورة عام ١٩١٦ لكنها تأخرت الى ١٩١٧ لتكن أول ثورة أشتراكية حلم الكادحين من عمال وفلاحين ومثقفين ثوريين، ولتكن منعطفاً حاسماً في العالم كله وأمل شعوبها في الانعتاق نحو غداً أفضل . ولتبدأ مرحلة جديدة في البلاد وفي حياة ماياكوفسكي الابداعية والاجتماعية وليعلن على الملأ … أنها ثورتي . ثورة العمال والفلاحين والمسحوقين بقيادة العظيم لينين . ومن نشاطاته المبكرة شارك في تهريب ثلاثة عشر سجينة سياسية من سجن (نوفنسكايا) وحكم عليه قرابة عام كامل .

أنتمائه الصادق والثوري وضعه في أصطدام دائم داخل الحزب مع المتسللين والنفعيين الذين تبوأوا مراكز مهمة وقيادية في الحزب والدولة بعيداً عن تطلعات وأحاسيس الجماهير . وهو صغيراً شعر بالفروقات الطبقية في حياته والاغتراب من خلال حياة أقرانه من أبناء الموظفين الروس وأصحاب السلطة والجاه والمميزات التي تمنح لهم على حساب التفوق والابداع، تلك الاوضاع الملتبسة والبعيدة عن الانصاف والعدالة وظروف بيئته عجلت من أنتمائه الثوري للحلقات الماركسية من خلال الاطلاع على بياناتهم السرية والعلنية، وكان الدور لاخته (لودميلا) الطالبة في جامعة موسكو تأتي بكل أجازة مع حزمة من البيانات والمنشورات لاخيها ماياكوفسكي . أختير للعمل لنشاطه المبكر  في مطبعة الحزب الاشتراكي الديمقراطي (البلاشفة)، ففي واحدة من الحملات البوليسية في مداهمة مقرات الحزب البلشفي وأوكاره . أعتقل مع مجموعة من رفاقه وهو الأصغر بينهم عمراً وأنتماء حزبي فأودعوه في السجن وهو صغيراً مما أشفع له لاحقاً بعدم سجنه لمدة طويلة . وكانت لوالدته أيضاً دور ليس قليل في الاسراع من تجنبه من فترة السجن الطويل . في السجن تعرف على  (بايرون / شكسبير) وقرأ أشعارهم وأستقرأ أراءهم الادبية والسياسية . وقرأ للادب الروسي بوشكين / ليرمنتوف / دستوفيسكي .

في ١٤ نيسان عام ١٩٣٠ .. بعد أن حوصر من كل الجهات كمبدع وفنان .. ومنع من السفر خارج الاراضي السوفيتية .. أطلق النار على قلبه من مسدس كان بحوزته .. وعثروا بعد موته على أقصوصة ورق كتب عليها (لا تتهموا أحدا في موتي، وأرجوا أن لاتنموا، فالراحل لم يكن يطيق ذلك) .

 

محمد السعدي - مالمو

 

حامد الحمدانيالبعثيون القيادة الكردية: كان استمرار الحرب في كردستان يشكل أحد المخاطر الجسيمة على السلطة حزب البعث في أيامها الأولى، ولذلك فقد سعت هذه السلطة للتفاوض مع القيادة الكردية للوصول إلى وقف القتال، وقد أثمرت اللقاءات التي جرت بين قيادة حزب البعث وزعيم الحركة الكردية السيد مصطفى البارزاني إلى ما سمي باتفاقية [11 آذار للحكم الذاتي] .

 تنفس البعثيون الصعداء في تلك الأيام، ووجدوا تعويضاً لهم عن العلاقة مع الحزب الشيوعي، وقد بدا في تلك الأيام وكأنه لا يوجد في الساحة السياسية غير حزب البعث والحزب الديمقراطي الكردستاني، وتعرضت العلاقة بين البعثيين والشيوعيين إلى الانتكاسة عند إقدام حكومة البعث على تفريق تجمع للشيوعيين يوم 21 آذار احتفالاً بعيد النوروز بالقوة.

 كما تم في تلك الليلة اغتيال الشهيد [محمد الخضري] عضو قيادة فرع بغداد للحزب في أحد شوارع بغداد. ورغم إنكار البعثيين صلتهم بالجريمة، إلا أن كل الدلائل كانت تشير إلى أنهم كانوا هم مدبريها، وقد أتهمهم الحزب الشيوعي بالقيام بحملة اعتقالات ضد العديد من الشيوعيين في أنحاء البلاد المختلفة.

وفي 1 تموز عقد الحزب الديمقراطي الكردستاني مؤتمره العام، وألقى السيد [كريم أحمد] عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي كلمة في المؤتمر دعا فيها إلى إيقاف الإجراءات القمعية للسلطة ضد العناصر الوطنية، وركز على شعار الحزب الداعي للديمقراطية للشعب العراقي والحكم الذاتي لكردستان، مما أثار رد فعل قوي من جانب السلطة البعثية الحاكمة، وخاصة بعد أن قامت صحيفة الحزب الديمقراطي الكردستاني [التآخي] بنشر نص الخطاب.

 لكن الغزل استمر بين قيادة حزب البعث وقيادة الحزب الشيوعي لإقامة جبهة الاتحاد الوطني على الرغم من الإجراءات الوحشية التي اتخذتها لقمع التجمع الذي أقامه الحزب في ساحة السباع بمناسبة عيد النوروز، وعلى الرغم من حملات الاغتيالات التي طالت العديد من الكوادر الشيوعية.

البعثيون والقيادة المركزية للحزب الشيوعي:

منذُ أن عاد البعثيون إلى الحكم عن طريق انقلاب 17 ـ 30 تموز 968 وقف الشعب العراقي من الانقلاب موقفاً سلبياً منهم، حيث كان مدركاً أن الوجوه التي جاءت إلى الحكم هي نفسها التي قادت انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963، ولا تزال تلك الجرائم التي ارتكبوها بحقه وحق القوى السياسية عالقة في الأذهان.

كان همّ البعثيين آنذاك هو تثبيت حكمهم، وتبييض صفحتهم السوداء فلجئوا إلى اتخاذ بعض الخطوات لاسترضاء الشعب وقواه السياسية وبالأخص الحزب الشيوعي العراقي الذي يتمتع بتأييد ودعم جانب كبير من أبناء الشعب، حيث ركزوا كل جهودهم لجره إلى التعاون معهم وصولاً إلى التحالف، وإقامة الجبهة الوطنية معه، وكان من جملة تلك الإجراءات:

1ـ إصدار قرار بالعفو عن السجناء السياسيين في 5 أيلول 968 وإطلاق سراحهم.

2ـ إصـدار قـرار بإعادة كافة المفصـولين السياسيين المدنيـين إلى وظائفهم وكلياتهم ومدارسهم في 12 أيلول 968.

3- احتساب مدة الفصل لأسباب سياسية قدماً لغرض الترفيع والعلاوة والتقاعد.

غير أن تلك الإجراءات لم تكن كافية لجرّ الحزب الشيوعي، والقيادة المركزية المنشقة عن الحزب، لتشكيل جبهة وطنية عريضة.

 فقد كان المطلوب من حزب البعث تشريع دستور دائم للبلاد، عن طريق إجراء انتخابات حرة ونزيهة لمجلس تأسيسي، وإطلاق الحريات الديمقراطية، وحرية الصحافة، وحرية النشاط الحزبي والنقابي، وهذا ما لم توافق عليه قيادة حزب البعث.

ولذلك لجأت القيادة المركزية [الجناح المنشق عن الحزب الشيوعي] إلى الكفاح المسلح ضد سلطة البعث، وجرى مهاجمة دار صدام حسين، وصلاح عمر العلي وإطلاق الرصاص على الدارين، لذلك قرر البعثيون العمل على اعتقال قيادة الحزب [القيادة المركزية] وكوادرها، وتصفية تنظيماتها.

 وفي شباط عام 1969، استطاع البعثيون إلقاء القبض على زعيم التنظيم [عزيز الحاج] وأعضاء قيادته، وسيقوا إلى قصر النهاية، أحد أهم مراكز التعذيب لدى البعثيين لإجراء التحقيق معهم، وهناك أنهار عزيز الحاج، وقّدم اعترافات شاملة عن تنظيم حزبه مكّنت البعثيين من إلقاء القبض على أعداد كبيرة من كوادر وأعضاء الحزب، وجرى تعذيبهم بأبشع الوسائل من أجل الحصول على المعلومات عن تنظيمهم، حيث استشهد العديد منهم تحت التعذيب كان من بينهم القائدين الشيوعيين [متي هندو] و[أحمد محمود العلاق]، بينما انهار القيادي الثالث [بيتر يوسف] ملتحقاً برفيقه عزيز الحاج، مقدماً كل ما يعرف عن تنظيم حزبه، حيث كافأ البعثيون كلاهما بأن عينوهما سفيرين في السلك الدبلوماسي، في فرنسا والأرجنتين، وذهب ضحية اعترافاتهم عدد كبير من الشيوعيين الذين استشهدوا تحت التعذيب الشنيع، وزُج في السجون بأعداد كبيرة أخرى منهم .

 وبذلك تسنى للبعثيين توجيه ضربة خطيرة للقيادة المركزية لم يتعافى الحزب منها إلا بعد مرور سنة على تلك الأحداث، حيث تسلمت قيادة جديدة بزعامة المهندس [إبراهيم علاوي]، وبادرت تلك القيادة إلى تجميع قوى الحزب، وتشكيل تنظيمات جديدة، وبدأت تمارس نشاطها من جديد.

إلا أن تلك الضربة كان تأثيرها ما يزال يفعل فعله، حيث فقد الحزب العديد من أعضائه إما قتلاً أو سجناً أو اعتكافاً عن مزاولة أي نشاط سياسي بسبب فقدان الثقة التي سببتها اعترافات قادة الحزب عزيز الحاج و بيتر يوسف وحميد خضر الصافي وكاظم رضا الصفار.

البعثيون والحزب الشيوعي:

التزم الحزب الشيوعي [اللجنة المركزية] جانب السكوت عما جرى، وتمسك بالهدنة المعلنة مع حكومة البعث، ثم بادر الطرفان البعث والشيوعي بالتقارب شيئاً فشيئاً بعد أن أقدمت حكومة البعث على تنفيذ جملة من القرارات والإجراءات التي أعتبرها الحزب الشيوعي مشجعة على هذا التقارب، وبالتالي التعاون والإعداد لإقامة الجبهة!!.

فقد أقدمت حكومة البعث على الاعتراف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية، ووقعت في 1 أيار 1969 عقدا مع بولونيا لاستثمار الكبريت وطنياً، كما تم عقد اتفاقيتين للتعاون الاقتصادي والفني مع الاتحاد السوفيتي وبولونيا في 5 تموز 969، ومن ناحية أخرى قام الحزبان البعث والشيوعي بنشاطات مشتركة في اجتماعات مجلس السلم العالمي، وانتخابات نقابة المحامين عام 970، وسمح البعثيون للحزب الشيوعي بإصدار مجلة [الثقافة الجديدة]، كما تم تعيين الشخصية الوطنية المعروفة السيد[عزيز شريف] وزيراً للعدل في 31 كانون الأول 1969.

لكن تلك الإجراءات لم تكن لترضي الحزب الشيوعي الذي كانت له مطالب أساسية هامة تتعلق بالحريات الديمقراطية، وأعلن الحزب أن دخول السيد عزيز شريف الوزارة بصفته مستقلاً، وأن دخول أي شخصية وطنية في الوزارة ليس بديلاً عن حكومة جبهة وطنية، وأن تمثيل كل الأحزاب الوطنية في السلطة على أساس برامج ديمقراطية متفق عليها هو الطريق الصائب.

البعثيون يطرحون شروطهم للتحالف مع الحزب الشيوعي:

في العاشر من تموز تقدم حزب البعث بشروطه للحزب الشيوعي لقيام جبهة بينهما، طالباً من الحزب قبولها والإقرار بها كشرط لقيام الجبهة، وكان أهم ما ورد في تلك الشروط:

1ـ اعتراف الحزب الشيوعي بحزب البعث كحزب ثوري وحدوي اشتراكي ديمقراطي!.

2ـ وجوب تقييم انقلاب 17 ـ 30 تموز كثورة وطنية تقدمية!.

3ـ وجوب إقرار الحزب الشيوعي بالدور القيادي لحزب البعث سواء في الحكم أو قيادة المنظمات المهنية والجماهيرية!.

4ـ وجوب عدم قيام الحزب الشيوعي بأي نشاط داخل الجيش والشرطة!.

5ـ العمل على قيام تعاون بين الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية وبين وحزب البعث.

6 ـ القبول بالوحدة العربية كهدف أسمى، ورفض الكيان الإسرائيلي، وتبني الكفاح المسلح لتحرير كامل الأراضي الفلسطينية.

 

 ورغم أن شروط البعث كانت غير مقبولة من جانب قواعد الحزب الشيوعي، إلا أن الحزب أستأنف حواره مع حزب البعث من جديد، وما لبث الرئيس أحمد حسن البكر أن أعلن في 15 تشرين الثاني 1971 عن برنامج للعمل الوطني، عارضاً على الحزب الشيوعي، والحزب الديمقراطي الكردستاني القبول به لإقامة جبهة وطنية بين الأطراف الثلاثة.

وفي 27 تشرين الثاني أبدى الحزب الشيوعي رد فعل إيجابي على البرنامج في بيان له صادر عن المكتب السياسي داعياً حكومة البعث إلى تحويل البرنامج إلى نص مقبول لدى جميع الأطراف التي دُعيت للعمل المشترك، ووضع نهاية حاسمة لعمليات الاضطهاد والملاحقة والاعتقال ضد سائر القوى الوطنية.

ثم جرت بعد ذلك لقاءات ومناقشات بين الأطراف دامت أشهراً حول سبل تحويل البرنامج إلى وثيقة للعمل المشترك دون أن تسفر عن توقيع أي اتفاق.

لكن البعثيين أصدروا قراراً في 4 أيار 972 يقضي بتعيين أثنين من قادة الحزب الشيوعي في الوزارة وهما كل من[مكرم الطالباني] الذي عيّن وزيراً للري، و[عامر عبد الله] الذي عيّن وزيراً بلا وزارة، إلى جانب وجود أعضاء من الحزب الديمقراطي الكردستاني سبق أن جرى تعينهم في الوزارة.

أحدث ذلك القرار انقساماً في صفوف الحزب الشيوعي، وتباعداً بين القاعدة والقيادة، فلم تكن تلك الخطوة مبررة من وجهة نظر كوادر وقواعد الحزب من دون أن يكون هناك برنامج متفق عليه يحقق طموحات الحزب في إيجاد نظام ديمقراطي حقيقي، وفرص متكافئة لكل حزب للقيام بنشاطاته السياسية في جو من الحرية الحقيقية.

إلا أن قيادة الحزب اتخذت قرارها بالموافقة على المشاركة في الحكومة بعد نصيحة قدمها لهم رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي [كوسجين]!. كان أمل الحزب الشيوعي أن تتحول هذه المشاركة إلى اتفاق حقيقي بين الأحزاب الثلاثة على برنامج يحقق طموحات الجميع، واقترحت قيادة الحزب على حزب البعث منح مجلس الوزراء صلاحيات أوسع لإدارة شؤون البلاد التي أحتكرها مجلس قيادة الثورة البعثي، كما اقترحت تعديل الدستور المؤقت بما يحقق السير بهذا الاتجاه، وطالبوا بإطلاق حرية الصحافة، وإصدار صحيفة الحزب بشكل علني، ووعد البعثيون بدراسة هذه المقترحات.

غير أن الأمور استمرت على حالها السابق أكثر من سنة، ولاسيما وأن ظروف البلاد كانت تستدعي التعجيل بهذا الاتجاه بعد اشتداد الصراع مع شركات النفط، وقرار حكومة البعث بتأميم شركة نفط العراق العائدة للشركات الاحتكارية في الأول من حزيران 1972، واستمرت العلاقات بين الحزبين على وضعها ذاك حتى وقوع محاولة ناظم كزار الانقلابية حيث دفعت حكام البعث إلى الاتفاق على برنامج للعمل الوطني.

 

حامد الحمداني  

 

محمد فتحي عبدالعال(الجميلةُ أتتْ) ما أجملَ أنْ توصفَ المرأةُ بجمالِ نفرتيتي الّذي وُضِعَ كأساسٍ لمقاييس الجمالِ العالميّ والمعتمد عبر َعملياتِ التجميلِ التي تحملُ اسمها . حتّى أنّ بعضَ المهتمين اعتبرها أجمل نساءِ العالم فهي رمزٌ للأنوثةِ والسلطةِ والقوةِ .

على ضفافِ النيل كانتِ البدايةُ لسّاحرةِ المشرقِ الفاتنة، وصاحبةِ الجمالِ الفرعوني الخلابِ والمرأة التي حكمتْ مع زوجها أخناتون.  هذه المرأة التي لازالتْ تسحرُ الألباب بجمالها منذُ القرنِ الرابعِ عشر قبلَ الميلادِ. وللحديثِ عن نفرتيتي الطفلة الفاتنة الجمالِ

اختلفَ المؤرخون حولَ نشأتها فالبعض أرجعَ أصولها إلى أصولٍ افريقية والبعض أرجعها إلى أحد ملوكِ الكرد فيما ذهبَ البعض إلى أنّ اصولها سورية. ولكنّ المجمع عليه لدى أغلب علماءِ المصريات هو أنّها مصريّة الأصلِ والمنشأ و أنّها ربما كانت ابنة آي قائد الجيش في ذاك الزمان وهذا ما منحها القوة ...تزوجتْ نفرتيتي في سنِ الخامسة عشر من امنحوتب الرّابع الملقب بأخناتون والّذي قادَ ثورةً دينيةً تصحيحيةً. دعتْ إلى توحيدِ ِالآلهة في إلهٍ واحدٍ رُمِز لهُ بقرصِ الشّمس وأطلق عليه أتون ،ونقلَ عاصمة ملكهِ إلى تل العمارنه...كانت نفرتيتي الزوجة المخلصة أولى المصدقات بزوجها والداعين لدينه الجديد الذي مثل انقلاباً شديد الوطأة على كهنة آمون الذين تربعوا علي عرش الكهانة لعقود طويلة وغيرت اسمها إلى نفرنفراتون نفرتيتي لتعلن ولائها لعقيدة زوجها التوحيدية ويعني الاسم الجديد ( آتون يشرق لأنّ الجميلة قد أتت) وشاركته كافة الاحتفالات والطقوس الدينية ...تمتعت نفرتيتي في عهد اخناتون بقوة ونفوذ  لامثيل له ، حيث وجد لها العديد من الرسوم الجدارية بحجم يماثل حجم الملك أثناء عبادتها الإله أتون . كما ظهرتْ صور نفرتيتي وهي تحارب الأعداء وكأنّها بمنزلة فرعون

لا نعلم على وجه الدقة ما حدث لمملكة اخناتون  ونفرتيتي إلا أن حجم الدّمار الذي حلّ بعاصمة ملكهما وحملة التشويه المتعمد لتماثيلهما توحي أن اضطرابات واسعة قد صاحبت هذا التغيير الديني نحو التوحيد وأنّ أعمالَ شغبٍ وانشقاق قد حدثت في صفوف جيش اخناتون مما أدى لانهيار حكمه على نحو غامض ومع تمزق دولة اخناتون عاد كهنة آمون إلى الصدارة من جديد مما جعل نفرتيتي تسارع إلى تولية توت عنخ آمون الصبي ليخلفَ أبيه أخناتون والذي سارع إلى تقديم فروض الطاعة ومغازلة كهنة آمون سعيا لاستقرار حكمه وهنا تختلف الآراء حول منزلة توت عنخ آمون من نفرتيتي ففيما ذهب البعض إلى أنّها أمه فقد عارضَ البعض هذا الرأي مؤكدين أن نفرتيتي أنجبت ست بنات فقط وان توت ربما كان ابنا لإحدى محظيات أخناتون لكن الثابت أنّ توت تزوج إحدى بناتها..

اشتهرت نفرتيتي بجمالها وتحديدا عنقها الطويل المشدود وفكها المستقيم كما ذاع عنها اهتمامها بكل ما يخص بشرتها وبقائها ناضرة وإبعاد شبحِ التجاعيد عنها، فكان استخدامها المفرط للحليب في تنظيف البشرة وازالة الخلايا الميتة وهو ما تؤيدة الدراسات الحديثة لاحتوائه علي حمض اللاكتيك والبروتين والدهن مما يساعد على ترطيبِ البشرة ونعومتها ...

وكذلك استخدامها لزبدة الشيا والّتي تتربعُ على عرشِ مساحيق التجميل لاحتوائها علي فيتامين A ,E والأحماض الدهنيّة الأساسية مما يحافظ على جمالِ البشرةِ والشّعر والأظافرِ.

كما تشيرُ بعض تماثيلها أنها كانت حليقةَ الشعر بالموس وأنها كانت تتخذ شعرا مستعارا ...كما اشتهر عنها بشرتها السمراء إلا ان دراسة بريطانية لجامعة بريستول ربما تطيحُ بهذهِ الفرضية مستقبلا مؤكدة أنّ بشرتها كانت بيضاء !  كانتْ نهاية نفرتيتي شديدةَ الغموض فقد أرجع البعض غيابها التام عن مسرح الأحداث بالبلاط الفرعوني فجاءة وبدون أية مقدمات  لوفاة إحدى بناتها وحزنها الشديد عليها وأن انقلابا ناعما قادته ابنتها ميريت اتون لتحل محلها .وبعضها يعتقد أنها تقمصت دور رجلٍ باسم الفرعون سمنخ كارع الحاكم بعد زوجها.

فيما تذهب بعض النظريات إلى وفاتها بالطاعون وهي الفرضية التي لا يقوم عليها دليل ..غير أننا نرى أنّ النهاية لنفرتيتي قد تبدو طبيعية وأنّ اهتمامها بجمالها ربما كان سلاحاً ذو حدين فالكحلُ الفرعوني الّذي اشتهرتْ به والمصنوع من الرّصاصِ السّام كان وحده قاتلاً على المدى الطويل، وذلك لغيابِ أية تقديرات دقيقة في هذه العصور القديمة لمستوى الجرعات الآمنه من الرّصاص وكذلك أحمر الشفاه المائل للبنفسجي  والذي اشتهرت به أيضا والذي كان يصنعهُ قدماءُ المصريين من الأعشابِ البحريّة التي استخلصوها من مياهِ نهرِ النيل، فجفّفوها، وطحنوها، ثمّ قاموا بمزجها بمادتي اليود، والبرومين الشديدة السّمية ...كلّ هذه المواد السّامة ربما كانت سببا لتدهورِ صحتها على المدى الطويل ... وتبقى ملكة جمالِ العالمِ في تلك العصورِ لغزاً لم يكتشف حيّر العلماء حتى يومنا هذا.

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الباحثة السوريّة في علوم اللّغة

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصريّ

 

المشروع الذي أقصده هو نشر ما أحفظ عن تجربتي في الترجمة من الإسبانية وإليها للرئاسة العراقية بين أعوام 1989-1991 و 1998-2001.

هي في الواقع وقائع وذكريات أكثر منها حديث في شؤون السياسة. فليس الناطقون بالإسبانية باللاعبين الأساسيين في عالم السياسة، ولذلك لم تكن الإسبانية لغة سياسة ورسم سياسات، ولا أظنّ رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريّا آثنار، حليف بوش وبلير، تكلّم يوما بالإسبانية إلى حليفيه، ولا هما توجها إليه مرّة بالخطاب بلغته.

ولمّا كانت فنزويلا بلدا ناطقا بالإسبانية فكان لزاما على جابيث، رئيسها آنذاك، أن يتكلم بها، وكان لزاما على ديوان الرئاسة والمراسم أن تستعين يومها بمن يعمل عندهم في ذلك الحقل.

الكلام في المناسبة طويل

لذلك أكتفي هنا بلقطة سريعة طُبعت في ذاكرتي عن ذلك الحدث الذي وصف يومها بالتاريخي.

***

الكلام عن المناسبة طويل كما أسلفتُ، على الرغم من أنّ الزيارة لم تدم إلا عشيّة وضحاها.

وطريق الزيارة طويل: ولا أقصد به الطريق بين فنزويلا والعراق، بل الطريق بين المنذريّة وبغداد.

ففي نقطة المنذريّة بخانقين حلّ الرئيس الضيف، قادما من إيران. وفيها كان الجميع بانتظاره، إلا رئيس مجلس قيادة الثورة صدام حسين ونائب رئيس مجلس قيادة الثورة عزة ابراهيم.

في المنذريّة كان نائب رئيس الجمهورية: طه ياسين رمضان

وكان وزير النفط الفريق عامر محمد رشيد

وكان حشد كبير من رجال المراسم والمخابرات والصحافة.

فالزيارة استثنائية والمناسبة استثنائية والظرف استثنائي والزعيمان "استثنائيان" في نظر "العالم الحر".

نحن في ظهيرة 11 آب من عام 2001.

انتظر الجميعُ وصول ركب الضيف من إيران. وطال الانتظار. وعلمنا من التسريبات أنّ ما سبب التأخير هو دعوة الغداء التي أقامها الرئيس الإيراني على شرف ضيفه. أمّا نحن، فلا فطور ولا غداء..

تجاوزت الساعة الرابعة عصرا حين وصل الركب بالسيارات.

حشرتُ نفسي حشرا بين الرئيس الضيف ونائب الرئيس العراقي. بل حشرني بينهما رجل المراسم المسؤول عن المترجمين. فقد رأيتُ أنّ جابيث يصطحبُ مترجمه، وظللتُ مترددا بين أن أكون أم أن يكون. ويبدو أنّ المسكين مرّ بالحيرة ذاتها. لكنّ الأمر استقرّ على أمر من دون اتفاق. وما هي إلا لحظات حتّى اطمأن المترجم الضيف، وهو فنزولي من أصل لبناني على ما أظن ومستشار للرئيس، على سير الترجمة قبل أن يسلّم بالأمر الواقع ويكتفي بمرافقة رئيسه ومتابعة ترجمة زميله.

دام الاستقبال والمؤتمر الصحفي قريبا من نصف ساعة كانت بالنسبة إليّ بمثابة الإحماء والتآلف مع لفظ الضيف والخطوط العريضة لأفكاره.

وحانت لحظة الانتقال إلى بغداد

حطّت طائرة هليكوبتر ضخمة صعدنا فيها الرئيس الضيف ونائب الرئيس ووزير النفط وأنا بينهم. كانت المرة الأولى التي أصعد فيها إلى واسطة النقل العملاقة تلك بضجيجها الذي كان يجبر الجميع على الكلام صراخا أو على توفير الكلام إن لم يكن هناك ما يستحق أن يقال. مع ذلك كسر المسؤولان العراقيان الصمت وهما يتكلمان للضيف عن محافظة ديالى التي كنّا نحلّق فوقها. وكسر هو الصمت فحدثهما عن والده المعلم الذي كان يكافح من أجل عائلته "في بلد يعوم على بحر من النفط".

لا أذكر كم من الوقت مرّ بين إقلاع الطائرة واقترابنا من مطار بغداد.

كانت طبقة كثيفة من الغبار تغطي الأجواء. فنحن كما أسلفتُ في منتصف آب. وزاد في كثافته دنو الطائرة من مهبطها.

وأفلحنا من بين غبار العاصفة في رؤية حشد المسؤولين المنتظِر.

لا أدري إن كان جابيث ينتظر أو يتأمل أن يكون صدام حسين على رأسهم.

لكنّه لم يرَ من كان ينتظر أو يتأمل أن يكون في استقباله.

مال إليّ، وكنتُ أجلسُ قبالته، ليسألني:

- هل ذاك [يقصد عزة إبراهيم] أعلى من هذا [يقصد طه ياسين رمضان] مرتبة؟

- نعم سيدي الرئيس. هو أعلى منه مرتبة.

    

 د. بسّام البزّاز

 

 

 

 

سوف عبيدتأخّر نوّار اللّوز هذا العام ونوار اللوز لرؤيته بهجةٌ...بهجةٌ اِفتقدتُها هذه الأيام كأن نوّار اللوز أخلف موعده في تونس مرّة أخرى

لم يكن سفري إلى الجزائر قد أعددت له أو مبرمَجا ولكنّي عندما أحسست بالضيق من البلاد والعباد ودعتني جمعية المتقاعدين برادس إلى المشاركة مع ثلّة كريمة في رحلة إلى شرق الجزائر اِستجبتُ لكأنّها صادفت - حاجة في قلب يعقوب - وقلت لعلها تكون فرصة للاستنشاق هواء جديد ففي الجوّ غبار خانق... وسافرْ تَجدْ عِوضا...وكفاكَ مِنْ حَمل أوزار الورقة والقلم

ـ 2 ـ

كانت الرّحلة مضنية حقا...ليل ومطر ورياح وصقيع... رياحٌ عاتية والطريق مرتفعات ومنحدرات وكل ذلك طويناه ولا بأس...إلا إجراء الِانتقال بين الحدود التي يشيب لها الغراب

عندما أصبح الصّباح بالغيوم وصلنا إلى مدينة سطيف أخيرا

تركتُ الجماعة الذين رافقتهم وقد يمّمُوا قِبلتهم شَطر الأسواق ليملؤوا حقائبهم بالبضائع ويخُوضوا في بورصة الصّرف والأسعار في هذه وتلك... وهنا وهناك... ورحت أجُوب مدينة سطيف المتربّعة على هضاب المنطقة الشمالية الغربيّة للجزائر...الجزائر هذا البلد الشاسع الأرجاء المتنوّع التضاريس والمناخ والأصول والحضارات تلك التي اِنصهرت مُهجتها في اِنسجام ووئام وتحالف وتآلف - وعَقدت العزم أن تحيا - كما أنشد شاعرُها مُفدي زكرياء فقدّمت التضحيات وتمكّنت بعد المكابدة من نيل الاِستقلال عن فرنسا التي جعلت من الجزائر مقاطعة أو ولاية فرنسية ولم يكن في حسبانها أبدا أن تتخلّى عنها وما مجزرة يوم 8 ماي 1945 التي واجهتْ بها القوات الفرنسية المتظاهرين في سطيف والتي خلفت 45 ألف شهيد إلا دليل على مدى تشبّث فرنسا باِحتلالها للجزائر ولكنّ الشّعب الجزائري الأبيّ - أراد الحياة - فنال اِستقلاله

ـ 3 ـ

أنا الآن وهنا في مدينة سطيف وعند ساحة الاِستقلال القريبة من القلعة البزنطية والحمامات الرومانية وساحة الاِستقلال محاذية أيضا للمسجد التركي والمباني الإدارية...هنا مركز المدينة وعلى غير عادة مراكز أغلب المدن الكبرى فإن مدينة سطيف تبدو هادئة فلا ضوضاء ولا ازدحام ولا صخب فالحياة تمضي فيها سَلسة في هدوء وسكينة وحتى التَّرَام الذي يشق السّاحة جيئة وذهاب تراه يطوي سكته مُنسابا فإن كان ولابدّ من

التنبيه لأمر ما فإنّك تسمع له جرسًا يرنّ كنقر الأصابع على البيانُو

ـ 4 ـ

مضيتُ أتملّى تفاصيل جمال هذه المدينة المُختطّة على الأنموذج الأوروبي فبَصمات المعمار الفرنسيّ ما يزال واضحا للعِيان في العمارات والشرفات وفي سطوح القرميد المخروطية الحمراء المناسبة للمناخ الشّتائي ولتساقط الثلوج

باردٌ هو اليوم في سطيف وفُندق ـ البشير ـ الذي نزلنا فيه يُطلّ على الساحة وهو دافئ ومُريح لكنّ ذلك لم يُغْرنِي بالبقاء في غرفتي فالسّير على الأقدام اِستهواني وحُب اِكتشاف هذه المدينة دعاني فخرجت أمشي فالمشي يبعث الدفء ويساعد على التأمل وعندما شعرت بثقل الحذاء  قلتُ لا بأس أن تجلس في مقهى مع كأس شاي بالنّعناع ويكون فاتحة لتبادل الحديث مع أهل البلد فالمقهى بمَن فيه وما فيه يُمثل خلاصة المدينة

ـ 5 ـ

الناس في سطيف على قدر كبير من اللطف والمدنيّة وحتى عندما كنتُ أقطع الطريق فإنّ السائق يتمهّل من بعيد ويُفسح لي المجال ولاحظت أن الشوارع والساحات والكراسي فيها نظيفة وعندما دخلت حديقة وسط المدينة وجدت صندوقا يضمّ كتبا متنوّعة للمطالعة فالكتاب عنوان الحضارة حوالرّقيّ وكذلك المقهى فإنّك تجد آنية السّكر موضوعة على الطاولات حتّى على طاولات الأرصفة التي تعجّ بالمارة فلا تسمع صخبا ولا خصاما ولا زحاما إلا أن يبادروك بالتحيّة فيقولون سلاما سلاما

سلام يا سطيف على حَمامك تراه يختال أمامك في اِطمئنان وأمان أو يرفرف حول نافورة - الفوّارة - أو يحُطّ على حَسْنائها التي كلما مررتُ من ساحة الاستقلال حيث الفندق رأيتُها جذلى ناشرة جدائلها في تمام الحُسن والجمال تُنصت إلى رقرقة الماء المتدفّق من تحتها ومن الجهات الأربع والزّائرون حولها  مَعجَبون وهم طائفون ومتأمّلون ومُصوّرون وهي لا تحرّك ساكنا لكأنّها غير شاعرة بهم فهي تبدُو تسبح عاليا وبعيدا في ملكوت الفنّ والإبداع و ـ تَبارك اللّهُ أحسنُ الخالقين ـ

حَسناء سطيف تلك هي مَرمر أبيضُ صقيل أبدعها إزميل النحّات الفرنسي الإيطالي ـ فرنسيس دي سان فيتال ـ سنة 1800 كما هو منحُوت في أسقل التّمثال وقد شاركتْ تلك الحسناءُ في معرض باريس الكبير سنة 1898 ورآها حاكم سطيف الفرنسي وقتذاك فأسَرَتْ فؤاده ولم يستطع فراقها ولم يُطِقْ الُعد عنها ولا صبرًا فأتى بها وجعلها على نُصْبٍ بديع في هذه الساحة عند ـ عين الفوّارة ـ التي لها شأنٌ كبير عند أهالي سطيف جيلا بعد جيل وعصر بعد عصر...فسلام عليها وأزكى سلام

 

سُوف عبيد

 

حامد الحمدانيبعد كل الإجراءات التي أقدم عليها عبد الكريم قاسم بضرب الحزب الشيوعي، وانتزاع كافة المنظمات والاتحادات النقابية والطلابية، وتسليمها للقوى الرجعية، وبعد أن أزاح كل القيادة العسكرية والأمنية التي كان يشك بعلاقتها بالحزب، وبعد أن ازاح كل رؤساء الدوائر ذوي الفكر التقدمي، وأعاد تلك العناصر المعادية التي كانت في مراكزها قبل الثورة، وبعد أن امتلأت السجون بالمناضلين الذين ذادوا عن الثورة وحموها من كيد أعدائها، بات نظام عبد الكريم قاسم معزولاً عن الجماهير، وبات استمرار بقائه في الحكم في مهب الريح الصفراء التي أخذت تقترب شيئاً فشيئا بعد أن هيأ لها قاسم الظروف المواتية للانقضاض على الثورة واغتيالها في انقلاب عسكري دموي خططت له الدوائر الامبريالية، ونفذته العناصر العميلة من البعثيين والقوميين والقوى الرجعية الأخرى.   

ولا شك في أن الدور الأول في الإعداد للانقلاب كان لشركات النفط، بعد أن أقدم عبد الكريم قاسم على إصدار قانون رقم 80 لسنة 1961، بعد صراع مرير مع تلك الشركات، والتهديدات التي وجهتها إلى حكومة الثورة ذلك لأن النفط بالنسبة للدول الإمبريالية أمر لا يفوقه أهمية أي أمر آخر، ولذلك نجد أن جَلّ اهتمام تلك الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، هو الاستحواذ على منابع النفط، وإحكام سيطرتهم عليها.

ولما جاءت ثورة الرابع عشر من تموز، واتخذت لها خطاً مستقلاً، بعيداً عن الهيمنة الإمبريالية، هالهم الأمر، وصمموا منذُ اللحظات الأولى على إجهاض الثورة، والقضاء عليها، وبالفعل نزلت القوات البريطانية في الأردن، والأمريكية في لبنان، وحشدت تركيا قواتها العسكرية على الحدود العراقية من أجل العدوان على العراق.

إلا أن موقف الاتحاد السوفيتي المساند للحكومة الثورية الجديدة، وتحذيره للامبريالين من مغبة العدوان على العراق، وحشد قواته على الحدود التركية، وتحذيرها من أي محاولة للتدخل والعدوان، كل تلك الإجراءات أسقطت في يد الإمبريالية، وجعلتهم يفكرون ألف مرة، قبل الإقدام على أي خطوة متهورة.

وهكذا جاءت الريح كما لا تشتهي السفن، كما يقول المثل، غير أن الإمبرياليين لم يتركوا مسألة إسقاط الثورة أبداً، بل بادروا إلى تغير خططهم بما يتلاءم والظروف الجديدة لإسقاط الثورة من الداخل مجندين حزب البعث، وطائفة من القوى القومية لتنفيذ أهدافهم الشريرة.

أختار الانقلابيون الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة الموافق للثامن من شباط 1963، وكانت لهم حساباتهم في هذا الاختيار، فيوم الجمعة يوم عطلة ولا يتواجد في المعسكرات سوى الضباط الخفر، وكانوا قد رتبوا مسبقاً خفارة الضباط المتآمرين في ذلك اليوم، ليسهل عليهم عملية تنفيذ الانقلاب كما أن قيام الانقلاب في الساعة التاسعة صباحاً أمر غير متوقع، حيث جرت العادة بوقوع الانقلابات العسكرية في الساعات الأولى من الفجر، ورغم أن الحزب الشيوعي كان قد أصدر بياناً في 3 كانون الثاني 963 وزع بصورة علنية، وعلى نطاق واسع، محذراً من خطورة الوضع ومما جاء فيه:

{هناك معلومات متوفرة تشير إلى الكتائب المدرعة في معسكرات بغداد، ولواء المشاة التاسع عشر الآلي قد أصبحت مراكز لنشاط عدد كبير من الضباط الرجعيين، والمغامرين الذين يأملون تحويل هذه المراكز إلى قواعد انطلاق لانقضاض مفاجئ على استقلال البلاد، ولقد حددوا موعداً بعد آخر لتحقيق هذا الغرض، وللموعد الحالي مغزى خاص نظراً لخطورة الأزمة السياسية الراهنة وعدد الزيارات التي يقوم بها كبار الجواسيس الأمريكيين لبلدنا، ووجه الحزب نداءه لعبد الكريم قاسم لأجراء تطهير واسع، وفعال في صفوف الجيش}.

إلا أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ بذلك التحذير مأخذ الجد، معتقداً أن ذلك لا يعدو أن يكون تهويلاً يستهدف أهدافاً حزبية ضيقة.

كان الأولى بعبد الكريم قاسم استنفار كل الأجهزة، والقوات العسكرية، وسائر الضباط الذين لا يشك بولائهم للثورة، وخاصة قائد القوة الجوية، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.

وُزعت الأدوار على الضباط الانقلابيين، ومنظمات حزب البعث، وأفراد الحرس القومي، الذي أُعد مسبقاً ودُرب وجُهز بالسلاح!!، وجعلوا ساعة الصفر اغتيال قائد القوة الجوية الشهيد [جلال الاوقاتي].

كان البعثيون قد رصدوا حركته، حيث أعتاد صباح كل يوم جمعة أن يخرج لشراء الفطور بنفسه، وترصدوا له ذلك اليوم وهو خارج وبصحبته ولده، حيث أطلقوا عليه النار، وأردوه قتيلاً في الحال، وجرى الاتصال بالزمرة الانقلابية، وتم إبلاغهم باغتيال الاوقاتي، وعند ذلك تحرك المتآمرون، حيث قاموا بقطع البث من مرسلات الإذاعة في أبو غريب، وتركيب تحويل في مرسلات الإذاعة، وبدأ البث فيها من هناك قبل استيلائهم على دار الإذاعة.

وفي نفس الوقت قام منذر الونداوي، بطائرته من قاعدة الحبانية، وحردان التكريتي من القاعدة الجوية في كركوك بقصف مدرج مطار الرشيد العسكري، وتم حرثه بالقنابل، لشل أي تحرك للطيارين الموالين للسلطة، وبعد أن تم لهم ذلك بادروا إلى قصف وزارة الدفاع.

وفي تلك الأثناء سمع عبد الكريم قاسم أصوات الانفجارات باتجاه معسكر الرشيد، فبادر على الفور بالذهاب إلى وزارة الدفاع، وتحصن فيها، وكان ذلك الإجراء في غاية الخطورة، إذ كان الأجدى به أن يتوجه بقواته المتواجدة في وزارة الدفاع إلى معسكري الرشيد، والوشاش، القريبين من مركز بغداد، والسيطرة عليهما، ومن ثم الانطلاق نحو الأهداف التي تمركز فيها الانقلابيون، بالاستناد إلى جماهير الشعب الغفيرة التي هبت حال سماعها بنبأ الانقلاب تطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين.

لكن عبد الكريم قاسم حصر نفسه في وزارة الدفاع، على الرغم من تحذير الزعيم الركن الشهيد [طه الشيخ أحمد] مدير الحركات العسكرية، الذي أشار عليه إلى ضرورة استباق المتآمرين ومهاجمتهم قبل توسع الحركة وسيطرتهم على معسكري الوشاش والرشيد القريبين جداً من بغداد، لكن عبد الكريم قاسم لم يأخذ بنصيحته مما سهل على الانقلابيين تطويق الوزارة، وقصفها بالطائرات والمدفعية، قصفاً مركزاً، حتى انهارت مقاومة قواته.

ربما أعتقد عبد الكريم قاسم أن وجوده في وزارة الدفاع المحصنة، يمكّنه من الاتصال بالوحدات العسكرية الموالية له!! ولكن خاب ظنه، بعد كل الذي فعله بإبعاد كل العناصر الوطنية الصادقة والمخلصة، واستبدلهم بعناصر انتهازية، لا مبدأ لها، ولا تدين بالولاء الحقيقي له، وللثورة، فقد سارع معظمهم إلى إرسال برقيات التأييد للانقلابيين، وانكفأ البعض الأخر في بيته، وكأن الأمر لا يعنيه، سواء بقي عبد الكريم قاسم، أم نجح الانقلابيون.

لقد أنتحر عبد الكريم قاسم، ونحر معه الشعب العراقي وكل آماله، وأحلامه التي ضحى من أجلها عقوداً عديدة مقدماً التضحيات الجسام.

كانت جموع غفيرة من أبناء الشعب قد ملأت الساحة أمام وزارة الدفاع، والشوارع المؤدية لها وهي تهتف للثورة وقائدها عبد الكريم قاسم، وتطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين. فقد حدثني أحد رفاقي الذي كان متواجداً في تلك الساعة مع الجماهير المحيطة بالوزارة، والمستعدة للتضحية والفداء دفاعاً عن الثورة فقال:

تجمعنا حول وزارة الدفاع حال سماعنا بوقوع الانقلاب، وكانت أعدادنا لا تحصى، فلقد امتلأت الشوارع والطرقات بآلاف المواطنين الذين جاءوا إلى الوزارة وهم يهتفون بحياة الثورة وقائدها عبد الكريم قاسم، ويطالبونه بالسلاح للدفاع عن الثورة منادين {باسم العامل والفلاح، يا كريم أعطينا سلاح}، كان الجو رهيباً والجموع ثائرة تريد السلاح للانقضاض على المتآمرين، وكان عبد الكريم يرد عليهم :{ إنهم مجرد عصابة مأجورة لا قيمة لها، وسوف نقضي عليهم في الحال}.

وهكذا أخطأ عبد الكريم مرة أخرى في حساباته، ولم يستمع إلى صوت الشعب، وتحذيره، ولم يقدر خطورة الوضع، وكان لا يزال على ثقة بأولئك الذين أعتمد عليهم، وبوأهم أعلى المناصب السياسية والعسكرية والإدارية، سوف يؤدون واجبهم لحماية الثورة، وسحق المتآمرين، ولكن تلك الزمر الانتهازية الخائنة أسفرت عن وجهها الحقيقي، فقسم منها أشترك اشتراكاً فعلياً مع المتآمرين، والقسم الآخر آثر الجلوس على التل دون حراك، فلا تهمهم الثورة، ولا الشعب، ولا عبد الكريم قاسم.

ثم يضيف رفيقي قائلاً: في تلك الأثناء وصلت أربع دبابات، تحمل في مقدمتها صور عبد الكريم قاسم، استخدمتها لتضليل جماهير الشعب لكي يتسنى للانقلابيين عبور الجسر نحو جانب الرصافة حيث وزارة الدفاع، وكانت الجماهير قد أحاطت بالجسور، وقطعتها، واعتقدت أن هذه الدبابات جاءت لتعزز موقف عبد الكريم قاسم.

وعندما وصلت تلك الدبابات إلى وزارة الدفاع، استدارت ظهرها نحو الوزارة، وبلحظات بدأت رشاشات [الدوشكا] المنصوبة عليها تطلق رصاصها الكثيف على الجماهير المحتشدة، وتخترق أجسادهم بالمئات.

لقد غطت الجثث والدماء تلك الشوارع والساحة المقابلة لوزارة الدفاع، خلال عشرة دقائق لا غير، وكانت مجزرة رهيبة لا يمكن تصورها، ولا يمكن أن يدور في خلد أي إنسان أن يجرأ المتآمرون على اقترافها.

ولم تكتفِ دبابات المتآمرين بما فعلت، بل جاءت الطائرات لتكمل المجزرة موجهة رشاشاتها حتى نحو الجرحى الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة.

ثم بدأ بعد ذلك القصف المركز على وزارة الدفاع بالطائرات ومدافع الدبابات التي أحاطت بالوزارة من جانبي الكرخ والرصافة وبدأت القذائف تنهال عليها، والقوات المتواجدة داخلها ترد على القصف بما تملك من أسلحة وعتاد، إلا أن المقاومة بدأت تضعف شيئاً فشيئاً، دون أن يأتي أي إسناد من أي من القطعات العسكرية التي كان عبد الكريم يعتمد عليها، لأنه كان في وادٍ، وأولئك الخونة في وادٍ آخر، وادي الخونة والمتآمرين.

وفيما كانت عملية القصف تتواصل، تقدمت قوات أخرى نحو معسكر الرشيد، ومقر الفرقة الخامسة، واللواء التاسع عشر، وحيث هناك المعتقل رقم واحد، الذي كان عبد الكريم يحتجز فيه عدد من الضباط البعثيين، والقوميين، حيث تم إطلاق سراحهم ليشاركوا في الانقلاب، وتمكنت قوات الانقلابيين من السيطرة على المعسكر، ومقر الفرقة، ووقع بأيديهم مجموعة من الضباط الوطنيين المعتقلين هناك، حيث نفذ الانقلابيون مجزرة أخرى بالعديد منهم، ومُورس التعذيب الشنيع بالبعض الأخر.

الحزب الشيوعي يتصدى للانقلابيين ويصدر بياناً يدعو إلى مقاومتهم:!

منذُ اللحظات الأولى لوقوع الانقلاب سارع الحزب الشيوعي إلى إصدار بيان وُزع على جماهير الشعب صباح ذلك اليوم دعا فيه القوات العسكرية الوطنية، وجماهير الشعب إلى التصدي للانقلابيين بكل الوسائل والسبل، ومما جاء في البيان:

{إلى السلاح! اسحقوا المؤامرة الرجعية الإمبريالية.

أيها المواطنون، يا جماهير شعبنا العظيم المناضل، أيها العمال، والفلاحون والمثقفون، وكل الوطنيين والديمقراطيين الآخرين:

لقد دق جرس الخطر ...استقلالنا الوطني يتعرض للخطر العظيم، إنجازات الثورة تحدق بها المخاطر.

لقد قامت عصابة حقيرة من الضباط الرجعيين والمتآمرين بمحاولة يائسة للاستيلاء على السلطة استعداداً لإعادة بلدنا إلى قبضة الإمبريالية والرجعية بعد أن سيطروا على محطة البث الإذاعي في أبو غريب، وانكبوا على إنجاز غرضهم الخسيس، فإنهم يحاولون الآن تنفيذ مجزرة بحق أبناء جيشنا الشجاع.

يا جماهير شعبنا المناضل الفخور! إلى الشوارع، اقضوا بحزم وقسوة على المتآمرين والخونة، طهروا بلدنا منهم، إلى السلاح دفاعاً عن استقلال شعبنا ومكتسباته، شكلوا لجان دفاع في كل ثكنة عسكرية، وكل مؤسسة، وكل حي وقرية، وسيُلحق الشعب، بقيادة قواه الديمقراطية، الخزي والهزيمة بهذه المؤامرة الجبانة، كما فعل بمؤامرات الكيلاني، والشواف وآخرين.

إننا نطالب بالسلاح}. ودعا البيان رفاق وجماهير الحزب إلى الاستيلاء على الأسلحة من مراكز الشرطة وتوزيعها على الجماهير، إلا أن ذلك الإجراء لم يكن في مستوى الأحداث، فلم يكن الحزب قد كدس السلاح، كما فعل الانقلابيون خلال ثلاث سنوات، ولا شك أن قيادة الحزب تتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية في عدم أخذ الاحتياطات اللازمة لمنع الانقلابيين من تنفيذ جريمتهم، ولاسيما وأن الحزب كان على علم بما يجري في الخفاء، وأنه كان قد أصدر بياناً قبل أيام يحذر فيه من وقوع مؤامرة ضد الثورة.

فما هي الإجراءات التي اتخذتها قيادة الحزب لتعبئة رفاقه وجماهيره، وخاصة في صفوف الجيش؟ في الوقت الذي كان الحزب لا يزال يتمتع بنفوذ لا بأس به داخل صفوف الجيش، على الرغم من تصفية عبد الكريم قاسم لمعظم القيادات الشيوعية فيه.

ورغم كل ذلك، فقد أندفع رفاقه وجماهير الشعب التي كانت تقدر بالألوف للذود عن حياض الثورة بكل أمانة وإخلاص، ووقفوا بجانب عبد الكريم قاسم، بل أستطيع أن أقول أن الشيوعيين كانوا القوة السياسية الوحيدة التي وقفت بجانبه، رغم كل ما أصابهم منه من حيف خلال السنوات الثلاثة الأخيرة من عمر الثورة.

لقد أندفع معظم الضباط، وضباط الصف، والمسرحين من الخدمة العسكرية إلى الالتحاق بالمقاومة وحماية الثورة، بناء على دعوة الحزب، وقدموا التضحيات الجسام، وسالت دماؤهم على ساحات المعارك مع الانقلابين.

كان كل ما يعوز جماهير الشعب هو السلاح الذي كانوا يفتقدونه، ورغم كل النداءات التي وجهوها إلى عبد الكريم قاسم للحصول على السلاح لمقاومة الانقلابيين في أول ساعات الانقلاب، إلا أن نداءاتهم ذهبت أدراج الرياح.

ربما كان قاسم يتوقع من أولئك الذين أعتمد عليهم، في القوات المسلحة أن يقمعوا الانقلاب، ولكنهم كانوا في وادٍ آخر، وربما خاف قاسم من إعطاء السلاح للحزب الشيوعي على مستقبله السياسي إذا ما تم قمع الانقلاب على أيدي الشيوعيين، وفي كلتا الحالتين كان قاسم مخطئاً، ودفع حياته، ومستقبل الشعب ثمناً لتلك الأخطاء التي أرتكبها طيلة فترة حكمه.

وفي الوقت الذي كان فيه القصف المركز يجري على وزارة الدفاع، والقوات الانقلابية تحيط بها، حاول عبد الكريم قاسم تسجيل خطاب يوجهه إلى الشعب والقوات المسلحة يدعوهم لمقاومة الانقلابيين، وقد تم تسجيل ذلك الخطاب على شريط [كاسيت]، تحت أصوات الانفجارات والقصف، وأرسله إلى دار الإذاعة مع الرائد [سعيد الدوري]، الذي تبين فيما بعد أنه من المشاركين في الانقلاب، حيث سلمه للانقلابيين، كما أن دار الإذاعة كانت قد احتلت من قبل الانقلابيين، ولذلك لم يتسنَ إذاعة الخطاب.

لقد فات الأوان، واستولى الانقلابيين على دار الإذاعة، ووقع الشريط الذي يحوي الخطاب بين أيديهم، وربما كان بالإمكان لو لم تقع دار الإذاعة بأيدي الانقلابيين، وتم إذاعة البيان، أن تتحرك بعض القطعات العسكرية الموالية له، وتتصدى للانقلابيين.

كان الانقلابيون يدركون مدى تعلق الشعب العراقي وجيشه بثورة 14 تموز وقيادتها رغم كل الأخطاء التي أرتكبها عبد الكريم قاسم يحق القوى الوطنية المخلصة حقاً وفعلاً، فالكل يركب سفينة الثورة، التي إذا غرقت غرق الجميع، ولذلك نجد الانقلابيين يعلنون في أول ساعات الانقلاب عن مقتل عبد الكريم قاسم، لكي يمنعوا أي تحرك عسكري لإسناده، مثل ما فعلوا عندما تقدمت دباباتهم وهي تحمل صور عبد الكريم قاسم لخدع جماهير الشعب حتى تتمكن من الوصول إلى وزارة الدفاع.

ورغم كل ذلك فقد اندفعت جماهير الشعب تقارع الانقلابيين بكل ما أوتيت من عزم وقوة رغم أنها كانت عزلاء من السلاح، وخاضت المعارك معهم بالبنادق والعصي والحجارة فيما قابلتهم الدبابات والمصفحات منزلة بهم خسائر فادحة في الأرواح بلغت عدة آلاف من أبناء الشعب.

أما [الحرس القومي] الذي شكله الانقلابيون فقد أندفع أفراده إلى الشوارع وهاجموا مراكز الشرطة واستولوا على الأسلحة، وبدأوا يهاجمون جماهير الشعب بكل عنف وقوة موجهين نيران أسلحتهم نحو كل من يصادفونه في طريقهم.

واستمرت مقاومة الشعب في بعض مناطق بغداد، وخاصة في مدينة الثورة والشاكرية والكاظمية، وباب الشيخ، وعقد الأكراد والحرية والشعلة، لعدة أيام، ولم يستطع الانقلابيون قمع المقاومة إلا بعد أن جلبوا الدروع لتنفث نار القنابل الحارقة فوق رؤوسهم، وأصدر الانقلابيون بيانهم المشؤوم رقم 13 الذي يدعو إلى إبادة الشيوعيين الذين تصدوا للانقلاب منذُ اللحظات الأولى، وشنوا على الحزب الشيوعي حرب إبادة لا هوادة فيها، حيث اعتقلوا ما يزيد على نصف مليون مواطن، بينهم 1350 ضابطاً عسكرياً من مختلف الرتب، وجرى تعذيب المعتقلين بأساليب بشعة لا يصدقها أحد، واستشهد جراء ذلك المئات من المناضلين تحت التعذيب الشنيع، وكان من ضحايا التعذيب كل من الشهداء[سلام عادل]السكرتير العام للحزب الشيوعي، حيث قطع الانقلابيون يديه ورجليه، وفقأوا عيناه في محاولة لانتزاع الاعترافات منه عن تنظيمات الحزب، واستشهد أيضاً من أعضاء اللجنة المركزية كل من: جمال الحيدري، ومحمد صالح العبلي، ونافع يونس، وحمزة سلمان، وعبد الجبار وهبي المعروف بـ [أبو سعيد]، وعزيز الشيخ ومتي الشيخ، ومحمد حسين أبو العيس، وجورج تللو، وعبد الرحيم شريف، وطالب عبد الجبار، بالإضافة إلى المئات من الكوادر الحزبية ورفاق الحزب، قضوا جميعاً تحت التعذيب الوحشي رافضين تقديم الاعترافات عن تنظيمات حزبهم .

بعد كل الإجراءات التي أتخذها عبد الكريم قاسم منذُ عام 1959 وحتى وقوع انقلاب 8 شباط، والمتمثلة في إبعاد أغلب العناصر الوطنية المخلصة، والكفوءة من المراكز العسكرية، واستبدالها بعناصر انتهازية، وأخرى حاقدة وموتورة، تتربص بالثورة، وقيادتها، لم يكن متوقعاً أن تحدث المعجزة، ويجري التصدي للانقلابيين، وكل ما حدث أن عدداً من بقايا العناصر الشيوعية في الجيش، من صغار الضباط، وضباط الصف، والجنود، حاولت مقاومة الانقلابيين بما استطاعوا، ولكن دون جدوى، فلم يكن هناك أدنى توازن للقوى، بعد أن سيطرت قوى الرجعية على الجيش.

ففي بعقوبة تصدى عدد من الضباط، وضباط الصف والجنود للانقلاب، إلا أنهم فشلوا في ذلك، وجرى إعدام فوري لما يزيد على 30 ضابطاً وجندياً دون محاكمة.

وفي معسكر التاجي، القريب من بغداد، حيث توجد هناك محطات الرادار، حاولت مجموعة أخرى السيطرة على المعسكر، غير أن الانقلابيين تمكنوا من التغلب على المقاومة بعد قتال عنيف، غير متكافئ، وجرى الإعدام الفوري لعدد من الضباط الصغار، وضباط الصف والجنود.

كما حدثت مقاومة من جانب عدد من الضباط وضباط الصف، والجنود في منطقة فايدة، شمال الموصل، لكنها لم تستطع الصمود، حيث تم للانقلابيين قمعها، وجرى إعدام فوري لعشرات من الضباط والجنود.

أما قادة الفرق، وكبار القادة العسكريين فلم يحركوا ساكناً، بل أن قسماً منهم كان له ضلعاً في الانقلاب، وبشكل خاص محسن الرفيعي، مدير الاستخبارات العسكرية، الذي كان يغطي، ويخفي كل تحركات الانقلابيين، دون أن يتخذ أي إجراء ضدهم، ولم ينقل لعبد الكريم قاسم حقيقة ما يجري في البلاد.

ففي 4 شباط، قبل وقوع الانقلاب بأربعة أيام، أصدر عبد الكريم قاسم قرارا بإحالة مجموعة من الضباط المعروفين بعدائهم للثورة على التقاعد، ولكن أولئك الضباط استمروا بلبس ملابسهم العسكرية، ولم يغادروا بغداد، ولم تحرك أجهزة الاستخبارات العسكرية، ولا الأمنية ساكنا، وهذا خير دليل على تواطؤ مدير الأمن العام مجيد عبد الجليل، ومدير الاستخبارات العسكرية محسن الرفيعي مع الانقلابيين.

أما احمد صالح العبدي، رئيس أركان الجيش، والحاكم العسكري العام، فإن خيانته قد توضحت تماماً عندما أصدر أمراً يوم 5 شباط، أي قبل وقوع الانقلاب بثلاثة أيام، يقضي بسحب العتاد من كتيبة الدبابات التي كان يقودها العقيد الركن [خالد كاظم] وهو الوحيد الذي بقي في مركزه القيادي من الضباط الوطنيين، وأودع العتاد في مستودع العينة، وبقيت دباباته دون عتاد لكي لا يتصدى للانقلابيين. ولم يمس الانقلابيين العبدي بسوء.

كما أن عبد الكريم قاسم قام قبل الانقلاب بتعيين عبد الغني الراوي، المعروف بعدائه للثورة، وتوجهاتها، آمراً للواء المشاة الآلي الثاني، وكانت تلك الخطوة ذات أبعاد خطيرة، فقد كان الراوي أحد أعمدة ذلك الانقلاب، وقام اللواء المذكور بدور حاسم فيه.

استسلام عبد الكريم قاسم ورفاقه للانقلابيين وإعدامهم:

أخذت المقاومة داخل وزارة الدفاع تضعف شيئاً فشيئاً، وتوالت القذائف التي تطلقها الطائرات، والدبابات المحيطة بالوزارة التي تحولت إلى كتلة من نار، واستشهد عدد كبير جداً من الضباط والجنود دفاعاً عن ثورة 14تموز وقيادة عبد الكريم قاسم، وكان من بينهم الشهيد الزعيم [وصفي طاهر]، المرافق الأقدم لقاسم، والزعيم [عبد الكريم الجدة]، أمر الانضباط العسكري، واضطر عبد الكريم قاسم إلى مغادرة مبنى الوزارة إلى قاعة الشعب، القريبة من مبنى الوزارة، تحت جنح الظلام، وكان بصحبته كل من الزعيم [فاضل عباس المهداوي]، رئيس المحكمة العسكرية العليا الخاصة، والزعيم الركن [طه الشيخ أحمد]، مدير الحركات العسكرية، [وقاسم الجنابي] السكرتير الصحفي لعبد الكريم، والملازم [كنعان حداد] مرافق قاسم.

ومن هناك قام عبد الكريم قاسم بالاتصال هاتفياً بدار الإذاعة، وتحدث مع عبد السلام عارف، طالباً منه باسم الأخوة والعلاقة التي ربطتهم معاً قبل الثورة، مذكراً إياه بالعفو الذي أصدره بحقه، ورعايته له، بالسماح له بمغادرة العراق، أو إجراء محاكمة عادلة له، لكن عبد السلام عارف طلب منه الاستسلام.

وفي صباح اليوم التالي، 9 شباط، خرج [يونس الطائي] صاحب صحيفة الثورة، المعروف بعدائه للشيوعية، والذي كان قد سخره عبد الكريم قاسم لمهاجمة الحزب الشيوعي على صفحات جريدته [الثورة]، خرج للقاء الانقلابيين، وكان في انتظاره أحد ضباط الانقلاب، واصطحبه إلى دار الإذاعة، حيث قام بدور الوسي! بين عبد الكريم قاسم والانقلابيين!!، لقاء وعدٍ بالحفاظ على حياته، وتسفيره إلى تركيا، وهكذا انتهت الوساطة بخروج عبد الكريم قاسم، ومعه المهداوي، وطه الشيخ أحمد، وكنعان حداد، وكان بانتظارهم ناقلتين مصفحتين عند باب قاعة الشعب، وكان الوقت يشير إلى الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً، حيث نقل عبد الكريم قاسم، وطه الشيخ أحمد على متن إحدى المصفحات، ونقل المهداوي، وكنعان حداد على متن المصفحة الثانية، وعند وصول المصفحتين إلى دار الإذاعة أنهال عدد من الانقلابيين على المهداوي ضرباً مبرحاً حتى غطت الدماء جسمه، وأدخل الجميع إلى دار الإذاعة، وكان عبد الكريم بكامل بزته العسكرية ولم يمسه أحد بسوء عند دخوله مبنى الإذاعة.

إن كل ما قيل عن إجراء محاكمة لعبد الكريم قاسم كانت محض هراء، فلقد كان الانقلابيون قد قرروا مسبقاً حكم الموت بحقه، وبحق رفاقه، وما كان لعبد الكريم قاسم أن يسلم نفسه لأولئك المجرمين، ولكنه خُدعَ، أو ربما خَدَعَ نفسه بوساطة ذلك الخائن والدجال [يونس الطائي]، الذي كان يتملقه طيلة أيام حكمه، وتبين فيما بعد أنه كان على علاقة حميمة بالانقلابيين، وتصور عبد الكريم قاسم أن يدعه الانقلابيون يخرج بسلام، أو أن يوفروا له محاكمة عادلة، وعلنية كما فعل هو عندما حاكم عبد السلام عارف، والمتآمرين الآخرين على الثورة.

وحال دخول عبد الكريم قاسم دار الإذاعة، أنبري له عبد السلام عارف وعلي صالح السعدي بالشتائم المخجلة، التي لا تصدر إلا من أولاد الشوارع فقد توجه السعدي إليه قائلاً: [لقد كانت عندنا حركة قبل أسبوعين، وأريد أن اعرف مَنْ أفشى لك بهذه الحركة، وهل هو موجود بيننا؟] وكانت تلك الحادثة قد أدت إلى اعتقال السعدي.

وقد أجابه عبد الكريم قاسم [غير موجود هنا بشرفي] لكن السعدي رد عليه بانفعال قائلاً [ومن أين لك بالشرف]، وهنا رد عليه عبد الكريم قاسم قائلاً: إن لي شرفاً أعتز به].

وهنا دخل معه في النقاش عبد السلام عارف حول مَنْ وضع البيان الأول للثورة، وكان كل همه أن ينتزع من عبد الكريم قاسم اعترافاً بأنه ـ أي عبد السلام ـ هو الذي وضع البيان الأول للثورة، إلا أن عبد الكريم قاسم أصر على أنه هو الذي وضع البيان بنفسه، وكانت تلك الأحاديث هي كل ما جرى في دار الإذاعة، وقد طلب عبد الكريم قاسم أن يوفروا له محاكمة عادلة ونزيهة وعلنية، تنقل عبر الإذاعة والتلفزيون ليطلع عليها الشعب، إلا أن طلبه رُفض، فقد كان الانقلابيون على عجلة من أمرهم للتخلص منه لكي يضعوا حداً للمقاومة، ويمنعوا أي قطعات من الجيش من التحرك ضدهم .

قام العقيد عبد الغني الراوي بإبلاغه ورفاقه بقرار الإعدام للجميع، وحسبما ذكر إسماعيل العارف في مذكراته أن عبد الكريم لم يفقد رباطة جأشه، وشجاعته، ولم ينهار أمام الانقلابيين، وعند الساعة الواحدة والنصف من ظهر ذلك اليوم، 9شباط 1963، اقتيد عبد الكريم قاسم ورفاقه إلى ستديو التلفزيون، وتقدم عبد الغني الراوي، والرئيس منعم حميد، والرئيس عبد الحق، فوجهوا نيران أسلحتهم الأوتوماتيكية إلى صدورهم فماتوا لساعتهم رافضين وضع عصابة على أعينهم، وكان آخر كلام لعبد الكريم قاسم هو هتافه بحياة ثورة 14 تموز، وحياة الشعب العراقي، وسارع الانقلابيون إلى عرض جثته، وجثث رفاقه على شاشة التلفزيون لكي يتأكد الشعب العراقي أن عبد الكريم قاسم قد مات في محاولة لأضعاف روح المقاومة لدى جماهير الشعب والحيلولة دون تحرك أية قطعات عسكرية ضد الانقلاب.

لقد حكم الانقلابيون البعثيون وحلفائهم القوميين مدة تسعة أشهر، كان إنجازهم الوحيد خلالها هو شن الحرب الهوجاء على الشيوعيين والديمقراطيين، وكانت تلك الأشهر بحق أشهر الدماء والمشانق، والسجون والتعذيب، وكل الأعمال الدنيئة التي يندى لها جبين الإنسانية، حتى وصل الأمر بعبد السلام عارف، شريكهم في الانقلاب، ورئيس جمهوريتهم، بعد انقلاب شباط، بعد أن قاد انقلاب 18 تشرين ضد حكم شركائه البعثيين، أن أصدر كتاباً ضخماً عن جرائمهم، وأفعالهم المشينة، مشفوعاً بتلك الصور البشعة لجرائمهم بحق الشيوعيين والديمقراطيين والقاسميين سماه [المحرفون].

 

 حامد الحمداني

   

 

ميثم الجنابي(الإهداء إلى عبد الحليم وسلمان)

إن عبد الكريم كاصد ليس شاعرا مغمورا ولا أديبا مجهولا، لكن شان كل ما هو أصيل لا تبرز صورته إلا في لمعان المعاناة الفعلية للثقافة، كما لا يبقى اسمه وأثره وإبداعه إلا في ذاكرة الروح الحر بوصفه حقيقة الأدب وأدب الحقيقة. وهذه احدى الإشكاليات العصية بالنسبة للمزاج والضمير والعقل. لكنها معقولة ومقبولة بمعايير تتبع الإبداع الحقيقي بوصفه معاناة مريرة ومصير بمستواها. ومن خلالهما فقط تلألأ حقيقة الشخصية ومن إبداعها ومكانتها التي ينبغي أن تحتلها في معارج الروح المبدع وآدابه.

للكتابة عن الشاعر والأديب تاريخها الخاص. كما أن الكتابة عن شخص حي غيرها عمن غاب ومضى بجسده. بمعنى أن الكتابة تربط في كل واحد إدراك قيمته الحية في شخصيته وحياته وإنتاجه. وهو جمع يصعب أحيانا إدراك الباعث الكامن وراء الكتابة عنه. بحيث ترتقي احيانا إلى مصاف الإشكالية الفكرية والمعنوية، لكنها تنحلّ وتذوب حالما ننزلها إلى مصاف ما يمكن دعوته برنين المعنى الثقافي في تأمل الشخصيات التي تلعب وتؤدي أدوراها التاريخية في تعميق أو بلورة أحد معاني الوجود الإنساني، أو ما وصفه هيغل بروح الأمم. والشاعر الحقيقي والأديب هو روح معبر عن المعاناة التي يمر بها الروح الوطني والقومي من أجل أن يخرج بعد مروه بدهاليز الحياة والتاريخ إلى فضاء المعاناة من جديد. فالحياة الكبرى هي بركان تصنع نيرانه وأبخرته طبيعة وملامح الوجود الإنساني.

والكتابة عن هذه الشخصيات التي تلمع في ظلمة الوجود هي جزء مما اسميته بالمعاناة المريرة والمصير. وليس مصادفة أن يكون اهتمام عبد الكريم كاصد في اغلب ما كتبه من شعر ونثر ونقد يصب في روافد الأنهر العراقية وأنهاره وأهواره، أي في كل ما صنع اخدود الذاكر العراقية وطبعها بنكهة هي عين الحياة والموت، أي كل ما وجد نموذجه الأرقى والأكثر مأساوية في بدر شاكر السياب. ومن ثم يمكننا العثور في هذا الاندماج الوجداني والروحي العميق بشخصية السياب تعبيرا عما فيه اولا وقبل كل شيئ. ولا يغير من ذلك اختلاف وتباين المظهر. فالسياب صغير الحجم ضعيف منهك الجسد قوى الروح، بينما عبد الكريم يوحي إليك بمظهره من بقابا "عمالقة" الماضي. وهي صفة تشترك فيها العائلة والعروق البصرية التي امدتها برحيق البأس والقوة. وهي الصورة التي انطبعت في المخيلة والذاكرة عندما التقيت به للمرة الأولى قبل أكثر من ثلاثين سنة عندما اوصلني إلى هادي العلوي في دمشق الشام[1]. وقد كانت تلك أيضا المرة الأولى التي التقي بهما. وقد يكون هذا اللقاء هو السر الأعمق والكامن في كتابتي عنهما. فقد كان كتابي عن هادي (المثقف المتمرد) الذي طبع ثلاث مرات لحد الآن تعزية للنفس بفقدانه وما تركه من أثر وجداني وأخلاقي في أعمق أعماقي. لهذا لم اتناول ما كتبه بمعايير البحث العلمي والفلسفي، بل كان الأهم بالنسبة لي شخصه وشخصيته. فقد كان العلوي يشبه بمعنى ما السياب من حيث الجسد المنهك بأثر المرض، والقوي في روحه المبدع.

وعند هذا الحد انقطع اللقاء والتواصل مع عبد الكريم كاصد. لكنه عاد من جديد بعد عقود. وقد وعدته بالكتابة عنه قبل أكثر من عشرة أعوام عندما كان يرسل مقالاته إلى المجلة التي كان يصدرها الدكتور مارفن الزايد في كندا. وقد كان الدكتور مارفن يتولى القسم الانجليزي، بينما كنت اتولى القسم العربي منها (تحت عنوان اوراق عربية). وقد كان وعدي هذا ينطلق من تخطيطي للكتابة عن نماذج من الشخصيات المثقفة الكبيرة في العالم العربي الحديث والمعاصر ضمن كتابي(الأشباح والأرواح- تجارب المثقفين والسلطة). على ان يصدر ضمن المجلد الثالث من كتابي هذا. وقد طلبت منه أن يرسل لي كل ما كتبه ونشره. ومازالت احتفظ بنصوصه المرسلة جميعا. وبسبب تأخر كتابتي لهذا الجزء، إذ لم استطع لحد الآن إتمام سوى المجلد الأول والذي صدر قبل أيام عن المركز الاكاديمي العراقي الكندي للأبحاث. وأعمل على اتمام الجزء الثاني هذا العام. ثم ختامه بالجزء الثالث بعد ذلك. عندها سيكون بإمكاني التوسع بالكتابة عنه ضمن سياق موقف المثقف من السلطة بالمعنى الواسع للكلمة، أي مثقف الحرية.

من هنا فان المهمة القائمة أمامي الآن لا تقوم في تفسير شعره وتقييمه، لأن الشعر الأصيل من وجهة نظري لا يحتاج إلى تفسير لأنه يفسده. إن الشيء الجوهري بالنسبة لي هنا هو تناوله ضمن مفهوم وفكرة الارواح. فالشاعر الحقيقي روح. وبالتالي، فإن مهمة التحليل الفلسفي هنا تقوم في اكتشاف طبيعة ونوعية وغاية الحس والعقل والحدس في شعر الشاعر. وهو الاسلوب الوحيد الذي يحرر الفكر من البحث فيما لا قيمة له. ومن ثم الغوص فيما اراد الشاعر قوله في احساسه وعقله وحدسه. كما انه الأسلوب الذي تتكشف فيه الآفاق المرئية وغير المرئية التي تجعل من الشاعر الأصيل مرآة تعكس على قدر ما فيها من نقاء الحس والعقل والحدس أسلوبه وشخصيته وفكره، أي كل ما هو ضروري لتوسيع مدى الرؤية الجمالية والذوق الفني الرفيع. فهو الالتزام الأكبر والأعمق والأصدق للشاعر وليس بلاغة الكلمات وترصيفها في أبيات الشعر.

إن الشاعر الحقيقي لا يتلوى في بيوت الشعر وخيام الأمراء وقصور السلاطين وأقفاص الرؤساء المذهبة بالجاه والمال والخديعة ورياء الأحزاب، بل بقوة الإرادة البيانية والإخلاص لفكرة الجميل والجمال الفعلي في حياة الأمم. وهذه كلها تنبع بقدر واحد من باطن الشخصية وظاهر سلوكها في كل فعل. والشعر هو الصورة الصادقة لهذه الافعال. من هنا قولي عن أن الإبداع الحقيقي للشاعر هو معاناة ومصير.

تشكل وحدة المعاناة والمصير كلا واحدا. ومنهما ومن خلالهما يمكن تحسس الوحدة الخفية للحس والعقل والحدس فيما أراد قوله وما استبطنه في شعره. لهذا يتفاعل الحس والعقل والحدس عندما نسمع قول ابي فراس الحمداني (اراك عصي الدمع شيمتك الصبر) وهو "نصف بيت" يعادل ما نشر وينشر على مدار عقود مما يسمى بالشعر الحر لهذه الكمية الهائلة التي تملأ الصحف والمواقع من كل ما لا يمكنه أن يكون شيئا غير شويعر وشعرور. بينما تبقى شخصيات وخطاب وروح الشعراء الكبار، ايا كان موقفنا منهم كالسياب وأمثاله في نسيج الرؤية الجمالية والذوق الفعال في الضمير الفردي والاجتماعي والوطني والقومي العربي.

وينتمي عبد الكريم كاصد إلى هذا النوع من الشعراء. وأمثاله في العراق الآن على عدد أصابع اليد. وهو العدد الكافي. فكثرة الشعراء دليل على فساد الأمم وخرابها العقلي وضعف امكانياتها العلمية. كما أن المرء يصاب بالغثيان من هذه الكمية المفزعة "للشعراء" الشعبيين منهم. ولا معنى للشعبي هنا سوى الريفي والقروي. ولا علاقة لذلك بالموقف من القرية والريف. فجمالهما في الزراعة وعطرها المثير والمفيد للروح والجسد. أما شعرها فهو كأعلاف الحيوانات. ضروري لكنه ليس صالحا للذوق البشري. أما شعراء المواقع الالكترونية الذين يحبون المديح المثير للغثيان أحيانا، فإن أحدهم يتغزل وهو في عمر يقارب الثمانين! بينما يفترض الغزل المثير، على الأقل، وجود قضيب عندليب! بينما لا تتعدى شهية هذا العمر وتلذذه بشيء أكثر من الأدوية والشكاوي!

من هنا فان تحليل شخصية عبد الكريم في حسه وعقله وحدسه الشعري والأدبي أهمية بما في ذلك في الدفاع عن الشعر الحقيقي وحقيقة الشعر المبتذلة بين هذا الكم الهائل من الذوق الفاسد ورتابته القاتلة والواسعة الانتشار بين من كان طول عمره وتحصيله في علم الميكانيك والفيزياء والطب البيطري والكيمياء والتاريخ والجغرافيا!! ولا شيء هم فيها! ومن ثم لا يمكن أن يكونوا شيئا هنا ايضا! وهو أمر طبيعي بل إن شئت إنه القدر المحتوم لكل هذا التلاعب الذي لا يحب اللعب!

فالإبداع الحقيقي تلقائي بالضرورة. بمعنى انه نتاج أنساق متنوعة وموحدة بالهموم الجوهرية للمبدع. وهذا بدوره حصيلة تداخل فرداني لمعاناة عميقة ومصير شخصي. وقد صور عبد الكريم كاصد هذه الحالة بدقة في احد مواقفه عندما علق على بعض ابياته الشعرية قائلا، بان هذه الأبيات قد كشفت له المعنى الذي أراده وليس العكس. إذ لم يكن لديّه المعنى لكي يصوغهُ أبياتاً، وإن كل ما كان لديّه هو "رؤيته الكامنة التي قادته إلى المعنى".  وليس هذا بدوره سوى الصيغة الفكرية المجردة لموقفه العام من أن حقيقة الشعر في صلب الحياة. وذلك لأن حقيقة الشعر هو أولا وقبل كل شيئ شعور صادق وليس ترصيف للكلمات وتصفيفها في "أبيات" خربة أو مصقولة المظاهر. وهو الموقف الذي سجله وصوره ودقق وحققه على مثال ونموذج الإبداع الشعري ومصيره في شخصية السياب. فقد أدت مصالحته لمجلة شعر، كما يقول عبد الكريم، الى عداوات أوسع حتى مما في مجال الشعر. اذ جرى انذاك انهماك مختلف المجلات الادبية مثل (الآداب) في شحذ أسلحتها "النقدية" من خلال نقاد مشهورين آنذاك مثل إيليا حاوي للتقليل من أهمية شعر السياب ونعته بالتخلف والبداوة. ليس ذلك فحسب، بل وحاولت، شأن النساء الغيورات، بتقديم بدائل شعرية لكي تستولي على عقول وذهنية وشعرية الشعراء الشباب، كما هو الحال في تقديمها خليل حاوي وغيره باعتباره ممثّلا "للشعر الميتافيزيقي". بينما حدد مسار التاريخ الشعري والإبداع نفسه المصير المحتوم لكل هذه المهاترات الكيدية التي عادة ما ترافق مسار الأبداع الاصيل. فالإبداع الحقيقي معاناة مريرة ومصير. بمعنى بقاء السياب وتزايد عظمته وضمور وتلاشي وانعدام كل ما عداه أو ما جرى العمل من أجل إحلال أحدا غيره. وهي ممارسة لم يخل التاريخ القديم منها ولا الحديث والمعاصر ولا المستقبلي فيما يبدو. إن إحلال دمية بأخرى عمل لا يرهق النفس والروح والجسد، وبالتالي لا معاناة فيه. أما مصيره فإلى زوال.

وقد حدد ذلك ما يمكن دعوته بهيمنة الهموم النقدية في شعر عبد الكريم كاصد وأدبه ومواقفه من الشعر والحياة. بحث يمكننا أن نرى عنده الإدراك الدقيق للحقيقة القائلة، بان حقيقة الشعر  في الحياة أيا كان شكلها ولونها وليس في شخصية الشاعر كما هو، أي رؤية الحياة ما وراء الشعر. فعندما تناول شخصية الشاعر البريكان شدد على ان الذين يبحثون في تفصيلات حياته عن معنى لإضاءة شعره، فإنهم لن يعثروا على ما يسعفهم في فهم هذا الشعر أو اكتشاف ما وراءه من قيم شعريّة كبيرة، لانّ البريكان ليس من هؤلاء الشعراء الذين نجد لديهم ذلك الفاصل الكبير بين حياتهم وشعرهم. ولعل في شعر البريكان القائل، بان "سيد العبيد عبد في الصميم" احد النماذج الدقيقة الحية لهذه الفكرة والموقف.

لم يقصد عبد الكريم كاصد في استنتاجه هذا وضع الحياة فوق الشعر أو وضع حياة الشاعر فوق شعره أو بالعكس، بل بحث عن النسبة الحية والفردية للإبداع الشعري. فلكل شاعر كبير خصوصيته، لكن ما يجمعهم هو هموم الوحدة العميقة للجمال بمختلف أشكاله ومستوياته. لهذا علق على شعر البريكان السابق بقوله "إن المسافة التي يشير إليها البريكان في هذه القصيدة ليست هي المسافة الفاصلة بين العبد وسيّده، ولا مسافة الإنسان المتفوق، بل هي تلك المسافة المنبعثة عن رغبته العميقة في النأي عن سعادة التماثل الكامل التي كان ثمنها فادحاً للكثيرين". والسبب يكمن في صعوبة فصل الإحساس عن الفكرة أو الفكرة عن الإحساس عند البريكان. إذ وراء كل إحساس مهما صغر ثمّة فكرة، ووراء كل فكرة مهما عظمت ثمّة إحساس متجّسد. من هنا استنتاجه القائل، بان قلة من الشعراء العرب المعاصرين من استطاع الجمع بين عمق الفكرة ووضوحها، دون أن يفقد شعرهم قدرته على الإيحاء بما يتجاوز الفكرة نفسها. بمعنى ان حقيقة الشعر وقوته وأصالته تقوم في اشياء وراء "الفكرة" أيضا، أي تلك التي تعادل معنى الحدس العميق لإشكاليات الحاضر والمستقبل. لهذا لا معنى لانهماك النقد في الكشف عن القيم الشعرية في شعر الشاعر بنمط حياته. فقد كان البريكان يعيش العزلة في جسده لكنه كان منهمكا في "شمولية الرؤية ورحابة الفكرة". تماما كما لا معنى لانهماك النقد في البحث عن موقع الشاعر بين شعراء جيله لأنها صيغة تنتمي إلى عصور طبقات الشعراء ونقّادهم. إن الشاعر الحقيقي هو الذي ينتمي إلى وحدته ومدّ جذرها إلى ما يجعلها شجرة تظلل الأشياء والناس بظلالها.

من هنا اولوية وجوهرية الفكرة النقدية الحية في إبداع عبد الكريم كاصد سواء في المجال الادبي أو الشعري او في مواقفه السياسية والحياتية. وسوف اكتفي هنا عند حدود الأولى, مع انهما يتداخلان بصورة عضوية في كيانه وكينونته. ففي احد قصائده التي يحاكي بها ابداع المعري نسمعه يخاطبه:

يا أبا العلاء

كم تشير إلى ذلك الذئب

وتقول: "دعوه! ستهلكه صحبةُ الأغنام".

ففي هذه الصيغة المفارقة نعثر عل احد النماذج النقدية الجميلة التي تتجاوز النقد السياسي المباشر في موقفه من إشكاليات الحياة والواقع،  عبر ارساء القاعدة المرئية القائلة، بأن الخلل الجوهري في الوجود الإنساني والجمالي والسياسي بشكل خاص، يقوم في عدم إدراك القوة الكامنة لانعدام التناسب في الوجود. فالتناسب هو القوة الكامنة وراء الحق والحقيقة والجميل. فللأغنام والذئاب تناسبها الخاص في الطبيعة، بينما في الوجود الإنساني فان مصيره مفسد للاثنين. إنها تشبه فكرة ان سيد العبيد عبد دون ان يرى ذلك. وعندما استعمل هذه الفكرة في موقفه من الشعر والشعراء نسمعه يقول "أليس في صحبة الضعيف ما يبعث على الضعف؟ كم من الشعراء المبدعين من اتخذ له مريدين تافهين لينصّبوهم أتباعاً وشعراء وارثين من بعدهم فكانت العاقبة خسارة هؤلاء المبدعين وأتباعهم معاً؟ كم من قادة اتخذوا أعواناً لهم من أضعف الناس وأخسهم سلوكاً ليقووا بهم فكانت النتيجة ضعف القادة الأقوياء أنفسهم". وهكذا دواليك.

إن الشاعر والأديب الذي يدرك اولوية الحياة وجوهرية النقد العميق بالنسبة للوجود الإنساني، عادة ما تصبح وحدة الذكرى والذاكرة القوة الكامنة في رؤيته لإشكاليات الحاضر والمستقبل. وليس مصادفة ان نرى هذه الحالة تبرز عند عبد الكريم كاصد في أحد آخر أعماله الأدبية الشعرية التي يحاكي بها ما صوّره المعري في (رسالة الغفران) وغيرها من أعماله الأدبية. وسوف اكتفي ها بتحليل الأبعاد النقدية لهذا العمل دون تناول قيمته الأدبية[2].

لقد قدم عبد الكريم كاصد في احدى مقالاته بسؤال "لماذا ابو العلاء؟". والاجابة عنه تبدو بسيطة، وهي انه أحد أعلام ومرجعيات الحقيقة والإبداع الحر في الثقافة العربية. غير ان هذا لا يكفي ضمن السياق الذي وضعه عبد الكريم كاصد. ان الشيء الجوهري في الرجوع الى المعري ومحاكاته تكمن في جوهرية الذكرى والذاكرة الأدبية، التي يستحيل بدونها بلوغ المعنى. ومن ثم الخروج إلى فضاء معاصر. وكما قيّم المعري تراث الاسلاف وشخصياته، فان عبد الكريم كاصد سعى للشيء نفسه ولكن ضمن سياق المرحلة الحالية التي تخلو من فطاحل وفحول الشعراء والأدباء. غير أن لكل مرحلة ابطالها وأقزامها. والمهمة تقوم ليس في المقارنة بل تحسس الواقع وعقله بمرآة الرؤية النقدية. وهو الباعث الذي يمكن رؤيته فيما كتبه عبد الكريم كاصد بهذا الصدد. وقد يكون المقطع التالي مفتحا لما اتكلم عنه:

ويا صيحتي

حين ينبعث الميت في صيحتي.

فقد وجد فيها "مفارقة أن يصبح ديك أبي العلاء وهو الضرير صيحته". أو أن يتساءل: أين أبو العلاء من وحشه الشاعر الذي لا يجد خلاصهُ في انبعاثٍ أو آخرةٍ كما في قوله:

إلى صاحبي الحطيئة

فقد وردتني أخبار

عن وحشته في الجنة

والمقصود بذلك ما هو وارد في ذكر الحطيئة في (رسالة الغفران) عندما صوره المعري كما لو انه كان يعيش في أقصى الجنة "كأنه حفشُ أمةٍ راعية"، رجل "ليس عليه نور سكان الجنة، وعنده شجرة قميئة ثمرها ليس بزاكٍ". وعندما سأله عما وصل إليه وحالته، اجاب الحطيئة "والله ما وصلت إليه إلا بعد هياط ومياط، وعرق من شقاء، وشفاعةٍ من قريش وددت أنها لم تكن". بعبارة اخرى، إن المكان الذي يليق بالشاعر هو ليس زاوية ولتكن في "جنة الله"، بل في القلوب النابضة بالحياة. وهي الفكرة التي وظفها عبد الكريم كاصد فيما يمكن التعبير عنه، بأن جنة الشاعر الحقيقة هي في نقده الأدبي للقبح الموجود او السائد في المجتمع وأفراده. ونعثر على هذا الموقف فيما توصل اليه بأثر هذه المحاكاة، بان ما حاول قوله من وراء هذه الحكاية هو  "تلخيص موقف أبي العلاء من الأدب والأدباء الذين يقول فيهم:

وما العلماء والجُهّال إلا

قريبٌ حين تنظر من قريبِ".

كما وجد في فكرة المعري عن رؤيته للقيامة على انها في نهاية المطاف ليست إلا "القيامة الحقيقة للخلائق".

وقد تتبع عبد الكريم كاصد هذه "القيامة الحقيقة للخلائق" في كل ما كان يشاهد ويتأمله ويتذكره، أي كل ما نستطيع رؤيته في موقفه النقدي من الواقع وذكرياته. وقد تكون المقالات الصغيرة التي كتبها عن تجاربه مع "مربد الشعراء" احد الامثلة النموذجية بهذا الصدد. فنراه مرة يكتب عن (الرحلة الثانية بعد الألف إلى المربد)، و(المربد الاخير)". وفي كليهما نعثر على ارهاف الذاكرة النقدية، التي استشف منها في نهاية المطاف وحدة المعاناة الكبرى التي مر بها بدر شكر السياب والبريكان وغيرهما، والتي يمر بها أو يتحسسها هو نفسه. ففي الحالة الأولى نعثر على تصويره لحالة "مربد الشعراء" للاحتفاء به بوصفه "شاعر المربد لهذا العام". حيث يقول "للمرة الثانية أزور البصرة، وفي المرتين أزورها في الربيع. غير أن الربيع هذه المرّة كان متوارياً، خائفا، متردّداً. لم ألحظ هناك زهرة لأستدلّ عليه. مع ذلك فإنني دعوته لندخل المدينة معاً، وقد نصبت سرادقها للإحتفاء بي شاعر المربد هذا العام". اذ لم يجد في "ثغر العراق الباسم" سوى مدينة أصابها الهرم "مدينة بلا ظلّ. تمتدّ وكأنها تزحف إلى طفولةٍ مفقودة لن تجدها يوماً. أحلامها جمدت كسحب معلقة أصابها العفن واستحال عليها السقوط مرّةً ثانيةً. لا أحد هنا ليرمم ماضيا أو يرسخ حاضراً أو يبني مستقبلا. الحفاظ على حياةٍ مهددة دوماً هو ما يشغل الجميع"، أي حياة بلا حياة. بحيث نراه يجد ملاذه الأخير وسعادته المتخيلة في التردد على تمثال السياب، وما وراءه إلى صاحب التمثال. الأمر الذي دفعه بزيارة جيكور كما لو انها بؤرة الوجود الحي الوحيد في الذاكرة والواقع. لاسيما وأنها كانت جزءا من ذكرى الطفولة وذاكرة الروح الشعري. فقد كانت حسب ذاكرة الطفولة المكان الذي كان يمر به لزيارة جدته. اما الآن فقد أصبحت ممرا مرهقا للكهولة. اذ لم يعد يرى فيها عباءة (امرأة) بل صادفته عشيرتان تقاتلتا أمس وهما اليوم تتفاوضان! وقد تلاشت جدته من أثر المكان ولم يبق إلا زمن خرب. لهذا لم يستوقفه شيئ غير ذاكرة الروح الشعري الذي ارتبط ببويب هذا النهر الصغير الذي جعل منه السياب ينبوع المياه منذ عصر الطوفان وحتى اليوم. لقد رأى بويب وهو يحدّق به بعينيه الواسعتين أو بعينه الواحدة تحت الظلال الكثيفة وكأن الأبدية تحدق بي وتسأل. ماذا تسأل؟ وعلى مقربة منه ثمة نهر آخر وديع هو (نهر العذارى) حيث أمضى السياب هناك طفولته وشبابه. اما "المربد الاخير" فيبدو كما لو انه الموسيقى الجنائزية لموسيقار لا يعرف العزف إلا على الربابة! إذ لم يجد قبل الدخول إليه غير المنازل نفسها، والشوارع نفسها، والأوساخ نفسها. الأمر الذي اثار السؤال الوجودي للشاعر: لم المجئ إذن؟ من أجل ماذا؟ كما لو انه يعيد بدون وعي ما كان مخزونا من ذاكرة الشعراء القدماء ووقوفهم على الأطلال.

لقد وضعه هذا الواقع وأوقفه أمام السؤال العميق للشاعر والأديب المهموم بالكلمة والعبارة والمعنى والغاية، وهو "أمن أجل الشعر جئت وقد أصبحت الكلمات حتّى أجملها مكسوّة بالغبار وسط هذا الخراب اللعين"، وعما إذا كان المربد احتفاء بالشعر أم بالناس وقد اكتظت بهم القاعة؟ فرحين بلقاء بعضهم بعضاً في نزهة نادرة"، حيث تسمع " قصائد جميلة قرئت فضاعت وسط قاعة مصممة للخطب... وصحفيين يقيسون القصيدة بالتصفيق ولا يجيدون حتى الإصغاء متصورين أن ضجيج المايكرفون هو القصيدة". وقد جعله ذلك يصور حاله بعبارات بليغة عميقة وجميلة عندما سألوه متى يمكنهم رؤيته (ويقصون بذلك مرة أخرى) مستغربا كما لو انهم لا يرونه الآن. وهم لا يرونه فعلا. من هنا الصورة الأخاذة التي وضعها بعبارة تقول "ليت الإنسان جملاً يخزن ما يريد أن يجتره في ما بعد ملتذاً وسط صحرائه التي يخوضها بلا أخفاف". لكنه يقف هنا، شأن كل شاعر وأديب أصيل وملتزم بمعايير الروح الجسد أمام المفارقة التي تقلق همومه ووجدانه مخاطبا نفسه:"أية لذة هذه وقد ارتدى الجميع ثياب الحداد". وقد كان المخرج منها هو هو نفسه: الذهاب الى السياب فهو جيكور الجسد، وبويب الروح للشروع بهما ومنهما إلى عالم الشاعر: تحدي الموت باسم الحياة والبقاء ضمن هذه الدورة الخالدة للزمن والتاريخ. فقد اخذه الدفّان بدرّاجته المدفوعة بين الأشجار لزيارة ضريح السياب. وأشار إلى قبر وقال هنا "دفنتُ السيّاب". كما لو أن السياب يدفن ويموت. لكنه حالما وصل إلى طرف المقبرة

استيقظت الصحراء

ومضت تحمل فوق ظهور الإبل

مقابرها!

ان كل هذه الصورة وغيرها تكشف عما أسميته بوحدة الحس والعقل والحدس، بوصفها القوة الفاعلة في شخصية عبد الكريم كاصد وإبداعه الشعري والأدبي. وهي الصورة التي يمكن رؤيتها في موقفه من السياب. فالسياب بالنسبة لعبد الكريم كاصد ليس الشاعر العربي الأكبر، بل "وأنا"ته الأخرى. وليس مصادفة أن نعثر عليه في كل احاسيسه وعقله وحدسه. فقد لازمه دوما بأثر وحدة الذكرى والذاكرة الصانعتان لقوة المعنى. فكل ما كتبه عبد الكريم كاصد عن الشعر والأدب والسياب وغيره من الشعراء محكوم بقيمة المعنى. لكن للسياب مكانته عنده شأن جيكور وبويب للسياب نفسه. لقد كانا مرآة وجوده ووجده، كما أن السياب هو مرآة وجود ووجد عبد الكريم كاصد. فقد صوّر ذكرياته الحية عنه بطريقة مباشرة لا تخلو من الاعجاب الشديد والتأسي العميق والكآبة على شعب وأمة عاملته بهذا القدر من القبح الرذيلة وهو الذي لا هم له غير اعلاء شأنها عبر جيكور وبويب.

إذ يصور لنا عبد الكريم كاصد كيف انه كان يصادفه أحيانا في الظهيرة في حافلة النقل بداية الستينات من القرن العشرين عند عودته من عمله في أحد المصارف، أو في المساء في الحافلة أيضاً، وهو في طريقه إلى مكتبة (فيصل حمود) يجرّ جسده المنهك النحيل، ونظرته الذاهلة البعيدة عن الأشياء والناس. حيث كان آنذاك يسكن في بقعة كانت مقبرة للأطفال. وقد أطلق على هذه البيوت اسم (الأصمعي)، غير أن الناس يسمّونها باسم (الومبي)، وهو اسم الشركة التي بنتها. ولم يكن "بيت" السياب سوى عربة في قطارات، كما يقول عبد الكريم كاصد. لقد عاش في هذه العربة "أعظم شاعر عربيّ معاصر هو الشاعر بدر شاكر السياب".

دوّن عبد الكريم كاصد صوره وتصويره وانطباعاته عن "أعظم شاعر عربيّ معاصر" في أحد مقالاته الصغيرة، الذي يعادل في اعتقادي كل ما كتب عن السياب من ابحاث ودراسات وكتب. واعتقد ان هذا المقال (مصالحات الشاعر) يصلح لأن يكون افضل سيناريو لأحد الافلام العظيمة عن السياب. ففيه يمكن رؤية مفتاح الرؤية الحسية والعقلية والحدسية التي يقدمها عبد الكريم كاصد للسياب وشخصيته وإبداعه ومصيره ومأساته الهالة.

وقد كان اشتقاق هذا المصطلح تعبير دقيق يذلل معنى المهادنة والخنوع والاستسلام وما شابه ذلك مما تتبجح به الصحافة السياسية العراقية. من هنا اساءة فهمهمن قبل الجميع. فقد مات السياب بأثر الفقر والجوع والمرض. وكلها امور عادية تمر بها اقوام وملايين من البشر. لكن ما يميزه هو موت الشاعر المبكر، شأن كل عظماء الشعراء المتمردين امثال بوشكين وبايرون وأشباههم، أي كل أولئك الذين قتلوا بطريقة من الطرق ولم يتجاوز العقد الرابع (بايرون (1788-1824)، بوشكين (1799-1837)، والسياب (1926-1964)، الاول 36 سنة والثاني والثالث 38 سنة)[3].

ويمكنني هنا القول، بأن السياب يمثل بمعنى ما البؤرة الكامنة في حس عبد الكريم كاصد وعقله وحدسه. اذ يمكننا رؤية روح السياب وراء نقده ومواقفه للشعر والشعراء والحياة الأدبية العراقية ولحد ما العربية. من هنا قوله بان هناك الكثير من الجوانب المغرية بالبحث في شعر السياب، إلا ما يهمه اولا وقبل كل شيئ ليس الجانب الوقائعي بحدّ ذاته، على أهميته، بل الجانب المعرفي. وقدم بهذا الصدد رؤية منهجية تختلف عما هو سائد بهذا الصدد، حاول من خلالها تقديم ما اسميته بمفتاح الكشف العميق والحقيقي للسياب، أي كل ما وضعه بفكرة "مصالحات الشاعر". فإذا كان البعض انطلق أو ينطلق في دراسته للسياب، كما يقول عبد الكريم كاصد، من اعتراضات الشاعر، فأنه ينطلق من مصالحات الشاعر في علاقته بالواقع. وهي المصالحات التي لم تجلب له غير المتاعب والخراب. فحين لا يعارض الشاعر العالم ولا يتصالح معه، حينذاك تظهر المأساة كما هي بلا أقنعة. وهذا ما كان عليه السياب.

وشرح عبد الكريم كاصد فكرته ومنهجه وموقفه هذا على بعض أمثلة من حياة السياب نفسه. ففي بداية ستينيات القرن العشرين كان السياب يبحث عن المصالحة الأوسع التي وجدها فيما يبدو في مجلة (شعر). غير أن هذه المصالحة كلّفته كثيراً. لقد زادت من عداواته المعلنة وقادته إلى الشكوى منها. ومفارقة الظاهرة تقوم في أن مجلة (شعر) التي أرادها أفقا له كانت هي نقيضه الشعريّ. وذلك لأنها عملت من خلال احتضانه إياه أيضا على ما اسماه عبد الكريم بخسوفه الشعريّ. لكنه مع ذلك لم يدم طويلا. فهفوات الشاعر العظيم هي أيضا لحظة في الإبداع. وليس مصادفة أن "ينفجر شعره فيما بعد دافقاً مؤكّداً حضور شاعر لم تكن مأساته إلاّ جزءاً من كيان شعري رقيق حتى كاد أن يكون نسيج وحده". وضع عبد الكريم كاصد حصيلة هذا الرؤية في تقييمه للسياب باعتباره "الشاعر الشعبي الوحيد في شعرنا العربيّ". وليس المقصود بالشعبي ما هو سائد بمفهوم الشعبية الساذج للشعر، بل في "امتداداته في روح اللغة والإنسان، بعيداً عن أيّ مظهر خارج الشعر".

إن إشكالية السياب هنا تقوم في كونه كان يمارس هذه المصالحات بمأساوية البطل الخاسر الذي تساوى لديه مديح أدونيس أو مزهر الشاوي[4]. وينطبق هذا على "مصالحاته السياسية" وآثارها الفاجعة في حياته. فقد انهكته بحيث جعلت من "رغبته في التصالح مع العالم ضرباً من الوهم والاستعداء"، كما لو أن العالم بأحزابه السياسية المتصارعة لم يكن بحاجة إلى ولاء شاعر كبير كالسياب، بل إلى عداوته، كما يقول عبد الكريم. وحين لا يُجدي حتى الولاء في هذا العالم، فماذا يفعل الشاعر غير أن يحضن مرضه وعزلته وعجزه، بل وموته أيضاً. وقد تكون تلك آخر المصالحات، إلا أنها لم تق الشاعر ممن حوله. ومع ذلك نعثر في مأساته وموته على بريق يضئ مأساة العراق الدامية لحد الآن.

لقد ظل السياب طريدا شريدا واشترك في هذه اللعبة القذرة البعثيون والشيوعيون وسفهاء الشعر والأدب. وجرى استكمال هذه المواقف عندما جرى تهجير عائلته من البيت في يوم تشييعه. لقد جرى اقفال هذه الدورة التي جعلت منه خصم الجميع رغم توحيده إياهم. وفي هذه المفارقة تكمن الحقيقة الكامنة في كل كينونته وقيمته وأثره بالنسبة للشعر والشاعر ألا وهي اعلان التضاد بين الشاعر والسياسي. اذ لكل منهما عالمه وغاياته. ولا معنى لتداخلهما. فالسياسي وظيفة بينما الشاعر روح. وضمن هذا السياق يمكن فهم السبب القائم وراء اطلاق عبد الكريم كاصد عليه لقب "الطفل الخالد".

لم يقل عبد الكريم كاصد كل ما أراد قوله، لكنا نعثر في كل أقواله ومواقفه وتقييمه ونقده فيما اوردته على ما فيه هو أولا وقبل كل شيء بوصفه شاعر الروح وأديب المعنى.

***

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] لقد عرفت عبد الكريم كاصد من أول لمحة رأيت فيها، لأنه شبيه أو نموذج لأخوته الاصغر الدكتور عبد الحليم والدكتور سلمان. وإذا كانت علاقتي بعبد الحليم قديمة منذ عقود والصديق الأوحد الباقي هنا في موسكو، فان لقائي بالدكتور سلمان في الامارات العربية المتحدة كان سريعا لكنه عميقا. وقد ظلت ابتسامته الجميلة وذهنه الوقاد حيا عالقا في ذاكرتي لحد الآن. وكلاهما يشتركان بقوة العقل النقدي والذوق الساخر والمعرفة العميقة اضافة الى قوة الشخصية والأنفة العميقة. ومهما كان مصدرها فان للعائلة أثرها الجوهري كما ان للأخ الكبير اثره مهما حاولوا الانتفاض ضده. وهو الانطباع الذي تركه عبد الكريم في ذاكرتي. ولا اعرف لماذا انطيع في ذاكرتي بقامته الكبيرة وهدوءه العميق صورة الشخصيات الكبرى للخوارج الذين بلورا بكل ما فيهم قيم التمرد والإخلاص.

[2] اكتفي هنا بإشارة عابرة عامة وهي ان هذا العمل المهم هو محاولة أولية. من هنا طابعها التجريبي الذي لم يرتق بعد إلى مصاف الإبداع الأدبي الكبير. فقد كان المعري وما يزال وسيبقى إحدى الإشكاليات المثيرة للتفكير والنقد، كما كان وما يزال وسيقى أحد المصادر الكبرى للإبداع الأدبي والفكري. ومع انه من أحد الأعلام العظيمة للثقافة العربية، فإنه ما زال مغتربا وظاهريا في الإبداع العربي الأدبي الحديث والمعاصر. فقد اهتم به طه حسين، لكن كل جهوده ظاهرية وسقيمة. فقد كان طه حسين ضريرا حاول ان يقلد ضريرا. والفرق هنا جوهري في كل شي. بينما الاصحاء بحاجة إلى محاكاة مبدعة كما فعل دانتي في (الكوميديا الالهية) باستلهامه (رسالة الغفران) وتقاليد (المعراج النبوي).

[3] هذه إحدى القضايا المثيرة في تاريخ الشعر والشعراء والروح الشعري. وقد كتبت عنها من عقود بحثا موسعا لكنني لم اعثر عليه لحد اآن بين مخطوطاتي. وأملي في العثور عليه أو التفرغ للكتابة عن هذه الإشكالية المثيرة.

[4] مزهر الشاوي هو مدير الموانئ آنذاك، التي عمل فيها السياب لفترة قصيرة. وكان يدعي الشعر أيضا، ومن بين "أشعاره" كما يتذكر عبد الكريم كاصد، نصف بيت لا يزال عالقاً في ذهنه يصف فيه حرّ البصرة :

والحرّ يسلق بيضةً في الشارعِ!