شاكر فريد حسنمرت خمس سنوات منذ أن غادر الحياة وانتقل إلى العالم الآخر شاعرنا الفلسطيني الكبير سميح القاسم، ابن بلدة الرامة الجليلية، بعد مسيرة زاخرة بالنضال والابداع والحياة والعطاء اللامحدود في خدمة قضايا شعبه الوطنية .

وسميح القاسم هو أحد أبرز واهم وأشهر الشعراء الفلسطينيين، ارتبط اسمه بشعر الثورة والمقاومة والالتزام الوطني والطبقي، وتركزت أشعاره حول الهم والجرح الفلسطيني النازف والمأساة الفلسطينية المتواصلة وكفاح أبناء شعبه التحرري الاستقلالي .

سميح القاسم من مواليد الزرقاء الاردنية العام 1939 لعائلة فلسطينية من قرية الرامة، تعلم الابتدائية في بلده، وانهى الثانوية في الناصرة، بعدها سافر الى الاتحاد السوفييتي لمدة عام، حيث درس اللغة الروسية والفلسفة والاقتصاد، ثم عمل مدرسًا لفترة قصيرة، بعدها اخرط في العمل الحزبي والنشاط السياسي من خلال عضويته في الحزب الشيوعي، وعمل سنوات طويلة في الصحافة الشيوعية " الاتحاد " و " الجديد " و " الغد "، ثم تفرغ للكتابة الأدبية وعمل رئيس تحرير صحيفة " كل العرب " الأسبوعية، وترأس اتحاد الكتاب العرب والاتحاد العام للكتاب والادباء الفلسطينيين في الداخل.

اعتقل سميح القاسم وزج به في غياهب السجون والزنازين، وفرضت عليه الاقامات الجبرية على خلفية نشاطه ومواقفه الوطنية والكفاحية، لكن ذلك زاده تفولذًا وايمانًا أكثر بطريقه السياسي والنضالي، وتمسكه بقضايا شعبه والتزامه الوطني .

صدر لسميح القاسم أكثر من ستين كتابًا في الشعر والقصة والمقالة والرسائل والمسرح والترجمة، وصدرت أعماله الناجزة في سبعة مجلدات عن دور نشر مختلفة في الدخل والخارج .

 ولفتت تجربته الشعرية والأدبية أنظار الكثير من النقاد المعاصرين على اختلاف اتجاهاتهم، فتناولوها بالتحليل والنقد والدراسة، وصدرت العديد من المؤلفات والدراسات النقدية والبحثية حول سيرته وأعماله ومنجزاته .

قدّم سميح القاسم الكثير للأدب الفلسطيني والعربي والكوني، واشتهر بأشعاره الوطنية والثورية والغنائية، وبإضافاته للتجارب الشعرية من خلال السربيات والكولاجات والبنى المركبة وبأدوات الاوزان الكلاسيكية والتفعيلات والمقاطع النثرية وعصرنة الايقاع الكلاسيكي حتى في قصيدة التفعيلة وتحديث الجناس .

ارتبطت تجربة سميح القاسم بقضية شعبه ووطنه وأمته، وأعماله الشعرية هي خلاصة علاقته الفردية بالكون كله وليس بمساحة محدودة في الجغرافيا، وهو شاعر قضية، وجماليات شعره جزء لا يتجزأ من جماليات الصوت والفكرة والروح التي ميزت هذه القضية.

ومضامين سميح القاسم على الأغلب هي مضامين فلسطينية وقومية إنسانية، وتعامله مع الأرض بقدر تعامله مع التاريخ والتراث .

قصائد سميح مشحونة بالتمرد والرفض والثورة ومراجل الغضب، والمواجهة الساخنة هي لغته، ومواجهة التحدي يحتشد لها بأدق التفاصيل واخفاء الايماءات، ويصنع نسيجه الشعري من لغة بسيطة متحررة، حادة المواجهة، شديدة الولع بالوصول إلى مضايق الاشياء، لتحرك وتحرض وتثوِّر .

ونجد في شعره العودة الى الماضي والانطلاق منه مع حركة التاريخ وصيرورته إلى المستقبل في رؤيا أسطورية يرى فيها عروبته وانسانيته، ويرى المستقبل فردوسً أرضيًا من تكوين يديه .

وللقرآن والتوراة والانجيل حضورًا بارزًا في الكثير من نصوصه، لغة ورموزًا، وتأخذ النبوءة والاساطير اهتمامًا في بنية قصيدته، تتحول فيه على بناء تكويني مفعم بعناصر العمل الملحمي .

والموت من المصطلحات والموتيفات البارزة في قصائد وأعمال سميح القاسم الشعرية، وحتى في عناوين مجموعاته مثل : الموت الكبير، قرآن الموت والياسمين، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، والهي الهي لماذا قتلتني، وهذا نابع من الثكل الذي عاناه في حياته، ومأسي شعبه ومشاهد الشهداء الذين يتساقطون يوميُا . ولا ننسى مقولته " لا احبك يا موت لكني لا اخافك " .

سميح القاسم من أبرز الرموز والاصوات الشعرية الفلسطينية والعربية المعاصرة، التصق اسمه بمأساة ومعاناة وهموم شعبه، منذ بداياته مزج بين الذاتي والجماعي . إنه شاعر المواقف الدرامية، وشاعر الصراع، وقصائده الشعرية تقترب من قلب الإنسان الكادح المسحوق في كل مكان .

تتميز أشعاره وقصائده عامة بسعة الخيال، وخصوبة اللغة، والالم والحزن الممزوج بحدة الانفعال بالشكوى لما آلت أحوال وأوضاع شعبه وغياب الحل العادل لقضيته الوطنية المقدسة، ويبدو وكأنه يرسم بالسنة النار المتأججة في أعصابه وتهاويل الحلم المتأرجح في عينيه، الخط البياني للحرب الدائرة على الجانبين من قلبه .

 وفي النهاية يمكن القول، مسيرة سميح القاسم باذخة، ونجح ان يفرض تجاربه الشعرية المتجددة دائمًا وأبدًا، وعرف بقصائده الإبداعية النابضة بروح الكفاح والمقاومة والرفض  والإباء للشر السياسي، وللمؤامرات الاستعمارية والامبريالية على مصير شعبه، ولا شك أن بسالة الروح المقاومة التي تشع في أشعاره شديدة الوقع والتأثير على القارئ أينما كان .

وإن غاب سميح القاسم أبو وطن فهو عصي على النسيان، وخالد بشعره الوطني والثوري الملتزم المقاوم واعماله الإبداعية.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر هذه الأيام علينا ذكري وفاة الأستاذ الدكتور محمود رجب (أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب – جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية)، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا العالم الكبير، فقد كان محمود رجب ظاهرة فريدة ومميزة في الفلسفة الحديثة والمعاصرة، حيث كان مفكراً يحلل المادة الفلسفية التي بين يديه تحليلاً عميقا، ثم يحلق بعقله في آفاق الفلسفة البعيدة، فيعود لنا بخلاصة استدلالاته وأفكاره.

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون وهي أن الدكتور محمود رجب هو واحداً من كبار الرواد في دراسة الميتافيزيقا بمصر والعالم العربي، وقد استطاع من خلال بحوثه ومؤلفاته أن ينقل البحث في الميتافيزيقا من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة؛ وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

وكان الدكتور محمود رجب قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة: تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وقد قال عنه أستاذنا الدكتور "مجدي الجزيري" (في مقاله بعنوان لقاء الفيلسوف والفنان في فلسفة المرآة لمحمود رجب) :" لم يكن محمود رجب من المشتغلين بالفلسفة بقدر ما كان من هواتها ومحبيها وعشاقها، بل يبدو لي أن عمله كأستاذ للفلسفة فرض عليه بحكم الثقافة والتقاليد المتعارف عليها بأن يكون لكل منا مهنة يسترزق منها، ولم تكن هذه المهنة غير العمل بتدريسها . وربما يفسر لنا هذا محدودية الدراسات التي كتبها لنا، والتي لا يمكن مقارنتها بطاقاته وقدراته وأدواته البحثية، فالرجل كان بمقدوره أن يقدم لنا آلاف الصفحات في الفلسفة، لكنه آثر أن يخلص لها، ولا يقدم لنا إلا ما يعد إضافة حقيقية وجادة للفكر الفلسفي، بل وللإبداع الفلسفي . تعامل رجت مع الفلسفة بعشق ومحبة حقيقية، وبآلا يضن علينا بكتاباته ولم يكن يزعجه أن يجد غيره يقدم للمكتبة العربية مجلدات ومؤلفات شتي لا قيمة لها في عالم الإبداع الفلسفي، وإن دلالاتها في عالم في عالم الزيف وخداع النفس لا تقدر بثمن يكتب في صمت ويبدع في صمت، ويحيا في صمت، ويعمل في صمت، لكنه في نهاية المطاف يستمع بما يكتب ويمتعنا بما يبدع.

ولم يكن الدكتور محمود رجب ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية من الحياة، ويعرف كيف يتذوقها ويُرضي بها حسه المرهف. ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث.

لقد كان محمود رجب من ذلك النوع من الفلاسفة الذين يمكن أن يطلق عليهم الفلاسفة الخلص، أي الذين يمضون العمر منشغلين بقضايا الفكر ذاته. فإنتاج محمود رجب الفلسفي يغلب عليه الطابع المفاهيمي ولا يتماس مع الواقع، إلا عرضا وفيما نذر، فلا نجد عنده هماً اجتماعيا أو سياسيا أو حضارياً كما نجد عند زكي نجيب محمود أو حسن حنفي أو عابد الجابري أو محمد أركون مثلاً، وإنما نجد عنده الفكرة من أجل الفكرة والتفلسف دراسة على دراسة، والمفهوم هو المحور الأساسي لكل تأمل، ولا يستغرب أن نجد من بين مؤلفات رجب كتابا كاملا مخصصا لتتبع سيرة مصطلح واحد من المصطلحات الفلسفية الهامة والشائعة وهو "الاغتراب". كما لا يستغرب أن نجد من بين مؤلفات رجب كتابا كاملا مخصصا لتتبع سيرة مصطلح واحد من المصطلحات الفلسفية الهامة والرائعة وهو " الاغتراب" . كما لا يستغرب أن نجد لديه كتابا كاملا يتجاوز الـ"300" صفحة تم تخصيصه لموضوع لا لمباحث الفلسفة التقليدية بصلة، وهو "فلسفة المرآة". وبالرغم من أنه يتناول موضوع شديد الالتصاق بالواقع الحياتي واليومي، إلا إنه يتناوله من جهة التنظير الفلسفي الخالص. فاختيار محمود رجب للمرآة كموضوع للتأمل لا يمكن تحميله بأي دلالة سياسية أو اجتماعية، بالرغم من احتشاده بكم هائل من الأمثلة الحية والعملية والتاريخية في مجالات العلم والفن والأخلاق. ولا ينفي ذلك إمكانية اللعب بآليات التأويل والتفسير التي يمكن أن تفتح آفاقا في تحويل النشاط الفلسفي الخالص إلى رؤى تطبيقية وعملية (وذلك حسب ما قاله د. ماهر عبد المحسن فقد عنه في مقالة بعنوان جماليات الصورة المرآوية عند محمود رجب).

وعلى ذلك فإننا لا نخجل في أن نقول عن هذا الرجل بأنه عاشق للميتافيزيقا وعشقه لها قائم علي فكرة أنها أشد التصاقا بالدراسات الفلسفية، وبالتالي فهي ليست كما قيل عنها بأنها شيء مفارق للواقع، بعيد عن الإنسان، أو أنها مرادفة للاواقعي، والخرافي، أو ما لا معنى له، وهو يرفض تلك الأحكام التي ذهبت إليها بعض الاتجاهات الفلسفية، مثل مدرسة الوضعية المنطقية إلى تصنيفها على أنها أشباه قضايا، أو قضايا فارغة المعنى.

ويؤكد محمود رجب بأن تلك الاتهامات المجحفة قد طالت الفلسفة في حد ذاتها، وهذا ما جعل من التفكير الفلسفي يدخل نطاقا خطيرا من التصورات السلبية التي جعلته كفرا وزندقة، أو ضربا من اللغط والهرطقات التي غرضها الكلام من أجل الكلام، وعليه فإنه يتحتم علينا أن نتوجه إلى ضرورة تحديد أعمق لمفهوم الميتافيزيقا وعلاقتها بغيرها من الدراسات الفلسفية، حيث يقول في كتابه " الميتافيزيقا عند الفلاسفة المعاصرين ( وهو في الأصل كان رسالته للماجستير التي يشرف عليها أستاذه عبد الرحمن بدوي وناقشه فيها كل من د. محمد عبد الهادي أبو ريدة ود. نازلي إسماعيل حسين) يقول رجب: "ما الميتافيزيقا؟ ما منهج الميتافيزيقا؟، هل الميتافيزيقا بوجه عام ممكنة . تلك هي الأسئلة التي أثارها – صراحة وتفصيلا الفيلسوف الألماني " كنت"، الذي يعد بلا جدال أول من وضع مشكلة الميتافيزيقا موضع الفحص والتساؤل، فلقد كان الفلاسفة قبل " كنت" يتفلسفون ويشيدون المذاهب والنظم الميتافيزيقية، لكن ما من أحد منهم توقف –طويلا – وتساءل عن طبيعة الميتافيزيقا: ما هي؟ وعن منهج الميتافيزيقا: ما هو؟ . وزعم أن الشك في إمكان قيام الميتافيزيقا أمر قديم، فإن كنت هو أول من صاغ هذا الشك صياغة منهجية صريحة، اتخذت صورة السؤال التالي: هل من الممكن – علي الإطلاق – قيام شئ كالميتافيزيقا؟.

ويستطرد محمود رجب فيقول: "ونفس هذه الأسئلة هي شغل الفلاسفة المعاصرين، وهي تمثل وتجسد اختلافات في المصطلح ووجهة النظر، تبلغ من الكثرة حدا يصر معه الجدال الذي لا ينتهي حول الميتافيزيقا أمرا ليس بالمستغرب. وهذا الجدال يتأرجح بين قطبين من الأحكام والتقويمات المتضاربة أشد التضارب، فأحيانا تلقب الميتافيزيقا بملكة العلوم، وأحيانا تنبذ وتهجر كما لو كانت إمرأة زال جمالها.

إن مشكلة الميتافيزيقا كما قال محمود رجب ليست كما قال "كنت" في عدم قدرتها علي تحقيق مهمتها علي النحو الذي يمكنها من التقدم بخطي ثابتة، فالحق بركب العلوم الطبيعية والرياضة، وإنما هي في عدم وجود تعريف واحد عام للميتافيزيقا يكون في أذهان الذين ينادون باستبقاء الميتافيزيقا والذين يدعون إلي استبعادها علي السواء، مما يؤدي إلي تناقض الأحكام التي تطلق علي الميتافيزيقا وتضاربها.

وبما أن الجميع يتفق على أن الميتافيزيقا هي ما بعد أو ما وراء الطبيعة، فإنه الأجدر في نظر محمود رجب أن نغوص في هذا المعنى، للكشف عن المعنى الأصيل والبنّاء الذي يحمله هذا التعريف البسيط، فبأي وجه يمكن أن تستثمر الميتافيزيقا في خدمة العلم والفلسفة والإنسان بمجال الدراسات الرصينة القائمة على هذه الاهتمامات بشكل علمي، رغم كون نطاق الميتافيزيقا تتموقع دائرته في ما وراء الطبيعة، ورغم وجود وتنوع أنماط العلم الطبيعي، لا سيما المعاصر منه، مدعيا أنه كفيل بحل مشكلات الإنسان دون الحاجة إلى دراسات ميتافيزيقية، ما جدوى الميتافيزيقا حيال ذلك؟ وهل ثمة حاجة إلي الميتافيزيقا في عصر العلم؟

لقد شغل هذا السؤال ذهن ووجدان محمود رجب عندما حاول أن يجد أواصر قربي بين العلم والميتافيزيقا تزيل الشك في إمكانية إيجاد مثل هذه الصلة، إن السؤال الذي ظل مسيطرا علي محمود رجب (كما قال خالد قطب في مقاله الرائع عن العلاقة بين الميتافيزيقا والعلم: رؤية محمود رجب) أثناء بحثه عن العلاقة التي يمكن إيجادها بين العلم والميتافيزيقا هو: ما هو فيصل التفرقة بين العلم والميتافيزيقا؟ أيتمثل في الموضوع الذي يبحثه كل منهما، أم في المنهج الذي يستخدم، أم في الموضوع والمنهج علي السواء.

وهنا يري محمود رجب أنه لا بد من ضرورة التكامل بين الميتافيزيقا والعلم، بين التأمل والتجريب، فلا يجب أن نتعصب لعلم ضد الميتافيزيقا فننادي باستبعادها، ولا نتعصب للميتافيزيقا ضد العلم، ونحط من قيمته، ولا نتعصب الميتافيزيقا والعلم علي السواء، فننادي باستبعادهما معا؛ ولقد وجد محمود رجب ضالته في الفيلسوف الإنجليزي وايتهد، الذي يعد بمثابة النموذج الذي جمع بين الميتافيزيقا والعلم علي أسس فلسفية ومنطقية وعليمة صحيحة غاية هذا الجمع هو إثراء روح الإنسان وتزكية وجوده، فلم يعزل وايتهد العلم عن الميتافيزيقا، بل اتخذها معبرا أو سلما للوصول إلي الميتافيزيقا: فالميتافيزيقا هي غاية المعرفة الإنسانية وتاجها .

كان هذه وايتهد أن يقيم مذهبا للأفكار يستطيع أن يضم الاهتمامات الجمالية والأخلاقية في علاقة مع تصورات العالم الميتافيزيقية التي تتأصل في العلم الطبيعي، ف الميتافيزيقا، من وجهة نظر وايتهد هي البحث عن الخصائص العامة للكيانات الفعلية، ومحاولة اكتشافها، ولكي تكتشف الخصائص العامة الواقعية الفعلية تلك، لا بد أن نستجيب للتجربة، ولكن لما كانت التجربة متغيرة بتغير الشئ الملاحظ، كان لا بد من الركون إلي العناصر الممكنة الثابتة التي نجدها في الميتافيزيقا، أي الخصائص العامة والكلية للأشياء لأنها ثابتة لا تتغير، وضرورية في مجال الحياة اليومية، لأنها تهتم بالتفاصيل، بل هي ضرورية أيضا لتقديم الدليل أو البيئة، إذن يحاول محمود رجب أن ينتفع بمنجزات العلم وتطبيقاته علي مستوي الحياة اليومية، ولكن لا يمنع هذا وجود التصورات والتأملات والفروض التي تنبع من الميتافيزيقا، فكلاهما يكمل الآخر، وكل منهما ضروري لوجود الإنسان وللحضارة الإنسانية بعامة (وذلك حسب خالد قطب) .

إن البنية المتماسكة للفكر الميتافيزيقي هي التي جعلته يقف صامدا أمام الهجمات الشرسة التي تعرض لها طوال تاريخ الفكر الفلسفي، وهي من دعاة النزعة العلمية أنفسهم، بحيث لا نستطيع كما يقول مارتن هيدجر " أن نتخلص من الميتافيزيقا مثلما نغير رأيا من آرائنا، ولا يكفينا أن ندعي العلمية أو نعتنق الأفكار الوضعية كي نجد أنفسنا خارج الميتافيزيقا وعلي هامشها، فحتي الأسس التي يقوم عليها العلم تظل متجذرة في الميتافيزيقا، والعلوم، كما يري هيدجر ذاته، ليست إلا الميتافيزيقا وقد بلغت أوجهها . العلم هو البعد الميتافيزيقي للعالم المعاصر، هذا العالم الذي تسوده إرادة القوة، والذي يسعي لأن يجعل من الإنسان كائننا يتفوق علي الإنسان.

لذا حاول محمود رجب أن يقدم درسا فلسفيا كما يقول خالد قطب نحن أحوج ما نكون إليه، وهو أن " الموقف الميتافيزيقي هو ذلك الموقف الذي يتخذه الإنسان بالضرورة عندما يدرك أن العلم هو من خلقه، وإن صلته وعلاقته بالوجود هو من نوع آخر غير ما تفترضه المعرفة الموضوعية، وليس هناك في تاريخ الفلسفة أي تقدم مطرد، بل هناك سرمدية مستمرة لنداء الوجود الذي يهيب بكل فيلسوف أن يعود إلي " الوجود "، هذا الأساس الذي لا بد أن تتأسس فيه الميتافيزيقا، أو الأرض الخصب التي تمد جذر شجرة الفلسفة (أي الميتافيزيقا) بالعصارة والقوة اللازمتين لنموها . ولا بد أيضا لكل فيلسوف أن يعود إلي "الذات" فإن ما تكشف عنه الميتافيزيقا، إنما هو دائما " الإنسان" في علاقته بالوجود، و " الإنسان" هو الكلمة النهائية للميتافيزيقا، فالإنسان بعد رأسي هو الذي يجعل منه موجودا ميتا- فيزيقيا... إننا عندما نستبعد الميتافيزيقا – سواء باسم العلم أو الإنسان، فكأننا نستبعد من الإنسان ماهيته، أي قدرته علي التجاوز والعلو.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور محمود رجب الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور محمود رجب، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا.. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

علي القاسميكثيراً ما أضع نفسي في مآزق بسبب قبولي الآخر ومنحه كامل ثقتي بصورة تلقائية حتى لو لم أعرفه من قبل. فكلُّ من ألتقيه أوَّل مرَّة وأتحدَّث معه، يحصل على ثقتي التامة وأفضي إليه بجميع أسراري، دون اتخاذ الحيطة. وقد تكرّر هذا الأمر معي وسبَّب لي حرجاً كبيراً عدَّة مرّات.

ذات يوم كنتُ في زيارةٍ لعالِم اللغة المغربي الدكتور أحمد الشرقاوي إقبال (1927 - 2000) في منزله بمدينة مراكش، فأخبرني بأنه أمضى سنوات عديدة في تأليف كتاب بعنوان "درجات الذكاء ودركاته" بحيث جمع فيه أكثر من مئة مصطلح تدلُّ على مراتب القدرات العقلية المتفاوتة، مرتَّبةً من أعلى مكانةٍ في الذكاء إلى أدنى حضيض الغباء، معزِّزاً استنتاجاته باستشهادات من الشعر والنثر. فاغتنمت هذه الفرصة، وشرحتُ له حالتي، ورجوته أن يشخّصها، ويُمدَّني بالصفة المناسبة لي. ففكر قليلاً وقال:

 - " إنها السذاجة. فأنت رجل ساذج. فقد يكون الرجل ذكياً أو عالِماً متخصِّصاً في حقلٍ علميٍّ معيِّن ولكنه، في الوقت نفسه، ساذج. والسذاجة طبعاً على درجات، والساذج أعلى درجة من الغِرّ."

عدتُ إلى منزلي وتناولت معاجم اللغة فوجدتها تعرّف " الساذج: بسيط، غير محنّك". وتعرّف " الغرّ: مَن ينخدع بسهولة." فقلتُ في نفسي: يمكن أن يكون الساذج غرّاً في الوقت نفسه، فكثيراً ما يخدعني بعض الباعة لأنني أصدّق ما يقوله الناس وأثق بهم.

وسأروي حادثة وقعت لي، ويستطيع القارئ الكريم أن يحكم بنفسه ويشخِّص الصفة المناسبة للإطلاق عليَّ.

حوالي سنة 1965، كنتُ طالباً في الجامعة الأمريكية في بيروت وعمري في مطلع العشرينيات. والتقيتُ ذات يوم بشابٍّ دمث الأخلاق وتعارفنا فقدّم نفسه باسم خلدون ساطع الحصري. وكان اسم ساطع الحصري (ولد في اليمن سنة 1879 ـــ وتوفي في بغداد سنة 1968) آنذاك أشهر من نار على علم، كما يقولون. فقد كان يلقَّب حينذاك بأبي القومية العربية، أو رائد القومية العربية، أو فيلسوف القومية العربية، أو إمام القومية العربية، على الرغم من أنه كان يتكلَّم اللغة العربية برطانة تركية، لأنه درس في المدارس التركية ، وتولّى مناصب إدارية وتربوية عليا في الدولة العثمانية، وانضمَّ إلى جمعية تركيا الفتاة، ودعا إلى الطورانية والتتريك، وشغل منصب الحاكم العثماني في إحدى دول البلقان، وعمل في بلاط عبد الحميد الثاني سلطان الإمبراطورية العثمانية ( 1876- 1909)، وأستمر الحصري في خدمة البلاد حتى سقوط الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918). وبعد ذاك عاد سنة 1919 إلى سوريا، واتصل بالأمير فيصل بن الحسين (ولد في مكة سنة 1883 وتوفي في بيرن بسويسرا سنة 1933) الذي حارب العثمانيين في الشام أثناء الثورة العربية الكبرى التي أطلقها والده شريف مكة، الحسين بن علي، سنة 1916، من أجل استقلال البلدان العربية بدعم ووعود زائفة من حلفائه البريطانيين. وعندما أصبح فيصل بن الحسين ملكاً على سوريا (من مارس إلى يوليو 1920)، اختار ساطع الحصري وزيراً للمعارف. وحينما دخل الجيش الفرنسي سوريا واستعمرها، خرج الملك فيصل منها فساعده حلفاؤه الأنجليز الذين استعمروا العراق، فتوَّج ملكاً على العراق (1921 - 1933)، فالتحق به ساطع الحصري وتولَّى منصب مدير عام بوزارة المعارف في بغداد.

نشر الحصري حوالي خمسين كتاباً معظمها عن فكرة القومية العربية بتوجّه علماني، أصدر معظمها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت سنة 1985 تحت عنوان " الأعمال القومية لساطع الحصري" في ثلاثة مجلدات. وعندما كنتُ تلميذا في السنة الأولى الابتدائية، كان أوَّل كتبي المدرسية هو كتاب القراءة " -القراءة الخلدونية -" من تأليف ساطع الحصري، وكانت طرائقه التعليمية جيدة جداً في عصرها. وقد أسمى الكتاب باسم ابنه خلدون، هذا الذي التقيتُ به..

ولهذا عندما تقابلنا في رحاب الجامعة الأمريكية في بيروت، قلتُ:

 ـ أنا أعرفك فقد تعلَّمتُ القراءة من كتاب " القراءة الخلدونية".

وسألته عما يفعله في الجامعة.

- أكتب رسالة ماجستير في العلوم السياسية.

- وما موضوع رسالتك -؟

- التوجهات السياسية لرجال الدولة العراقية بين الحربين العالميتين.

قلت له:

- رائع، لأنني أود أن أسألك عن رشيد عالي الكيلاني. إذ يقول بعضهم أنه قام بانقلابه بإيعاز من الإنجليز، فهل تؤيّد رسالتك هذا الرأي؟

ولعل الذين يقولون بذلك هم من المؤمنين بنظرية المؤامرة، أو بمقولة زعيم الهند المهاتما غاندي (1869 ـ 1948) " ما تخاصمت سمكتان في أعماق البحر إلا وكان الإنجليز وراء ذلك". فالمعروف عن رشيد عالي الكيلاني (1892 ـــ 1965) انتماؤه إلى أسرة وطنية، وكان من السياسيين العراقيين الوطنيين في العهد الملكي، ومن القوميين البارزين منذ أن كان عضواً في الجمعيات العربية السرية الداعية الى استقلال البلدان العربية عن الإمبراطورية العثمانية ووحدتها، وتولّى رئاسة الوزارة العراقية ثلاث مرات في 1933 و1940 و1941. وكان من المناوئين لبريطانيا، وقرَّر أن يقف العراق على الحياد أثناء الحرب العالمية الثانية، ونظراً لأن ذلك مخالف لموقف الأمير عبد الإله بن علي (1913-1958)، الذي أضحى وصياً على العرش سنة 1939، ولا يتفق مع توجهات نوري باشا السعيد، ويخرق المعاهدات التي تربط العراق مع بريطانيا، فقد قام الكيلاني بما يسمى بـ " ثورة رشيد عالي الكيلاني" التي تعدّ في حقيقتها من الانقلابات العسكرية، إذ شارك فيها قادة الفرق العسكرية العراقية الأربع. وعندما فشلت " الثورة"، أُعدِم القادة الأربعة في حين لجأ الكيلاني إلى إحدى دول الجوار ونجا بنفسه..

ولهذا كله، فإن خلدون ساطع الحصري أجابني بكلِّ هدوء ولطف قائلاً:

- إنني عملتُ جدولاً إحصائيا في رسالتي لمواقف كلِّ سياسي عراقي في تلك الفترة، ويشير هذا الجدول إلى أن جميع مواقف رشيد عالي الكيلاني في الوزارات التي شغلها مناوئة لبريطانيا، وأنه كان يسعى لألغاء المعاهدات التي تربط العراق بها، ووضع حدٍّ لتدخُّلها في شؤونه.

وخلدون ساطع الحصري كان نشطاً في الحركة القومية في العراق، وألَّف بعض الكتب في السياسة منها كتابه " ثورة 14 تموز وحقيقة الشيوعيين في العراق" الذي نشرته دار الطليعة في بيروت سنة 1963.

في مساء ذلك اليوم، كنتُ مدعواً لتناول طعام العشاء مع خليل إسماعيل البستاني (1902-1978)، عم خطيبتي بتول عبد المجيد البستاني (فيما بعد زوجتي أم حيدر). والسيد خليل سبق أن شغل مناصب إدارية عليا في العراق منها منصب وزير المالية. وعلى مائدة الطعام، أخبرته بما دار بيني وبين خلدون ساطع الحصري حول رشيد عالي الكيلاني. فأصيب الرجل بنوع من الدهشة، وقال باستغراب:

- هل قلت ذلك لخلدون عن رشيد عالي الكيلاني -؟!

- قلتُ: نعم. ولِمَ لا -؟

قال الرجل بنوع من الحرج:

- إن خلدون هو زوج ابنة رشيد عالي الكيلاني.

قلت: وأنّى لي أن أعرف ذلك؟

بعد مدة، قدِمَ أبي من العراق لزيارتي في بيروت وتفقُّد أحوالي، وتحدثنا عن أمور كثيرة، فأخبرته بما دار بيني وبني خلدون ساطع الحصري، وكيف أن السيد خليل إسماعيل البستاني دُهش عندما أخبرته بذلك. وإذا بوالدي يقول باستغراب:

- وهل أخبرت السيد خليل بذلك؟!!

- نعم، ولمَ لا؟

قال والدي:

- لأن السيد خليل هو قريب رشيد عالي الكيلاني، وكان يده اليمنى عندما كان رشيد عالي الكيلاني وزيراً للداخلية، فقد اختار خليل وكيلاً للوزارة..

قلتُ بنوع من الاستياء:

- وكيف لي أن أعرف أنهم جميعاً أقرباء؟

هذا أحد الأمثلة على سذاجتي.

 

د. علي القاسمي

 

علي القاسميلأخـرجنَّ من الدنيا وحبــُّـــكم    بين الجــــوانحِ لم يشعرْ به أحـــدُ

العباس بن الأحنف    

تخرّجتُ في ثانوية الديوانية سنة 1957، والتحقتُ بدار المعلمين العالية في بغداد وهي كلية تُعدّ المدرسين للمدارس الثانوية في العراق. كنتُ أرغب في دراسة التاريخ، ولكن عمادة الدار ألحقتني بقسم اللغة الإنجليزية وآدابها، لأنهم كانوا في حاجة لمدرسي اللغة الإنجليزية أكثر من مدرسي التاريخ.

وعلى الرغم من أن معظم دروسنا باللغة الإنجليزية يتولاها أساتذة بريطانيون، فقد كان المنهج يتضمَّن في السنة الأولى درساً للغة العربية وآدابها. ومن حسن الحظ، كانت أستاذتنا في ذلك الدرس هي الشاعرة المتألقة الدكتورة عاتكة وهبي الخزرجي.

بعد ما يقرب من خمسين عاماً على تشرُّفي بالتتلمذ على يديها وبعد أن واراها الثرى، كتبتُ دراسة مطوله عنها وعن شعرها الرائق قلتُ فيها:

" أحرر دراستي هذه عن الشاعرة عاتكة وهبي الخزرجي، قيثارة العراق، لعلّي أستطيع أن أردَّ بعض جميلها عليَّ، فقد كانت تدرّسنا الأدب العربي بدار المعلِّمين العالية في بغداد سنة 1957، بعد عام واحدٍ فقط من حصولها على شهادة دكتوراه الدولة في الآداب من السوربون بباريس.

اختارت ذلك العام أن تدرّسنا شعر الشاعر العباسي، العباس بن الأحنف (ت نحو 194هـ/ 807م)، بوصفه نموذجاً للأدب العربي والحضارة الإسلامية وقِيمها ومُثلها في أزهى عصورها، عصر هارون الرشيد (149 ـ 193 هـ / 766 ـ 809م). وكانت عاتكة قد اكتشفت، وهي فتاة صغيرة، شاعريّة العباس بن الأحنف الفذة وأغرمت به، وتألَّمت لما أصابه من آلام حبِّه الخائب لمعشوقته "فوز".

كانت الدكتورة عاتكة الخزرجي تجمع في شخصيتها الجميلة بين غنج الفتاة البغدادية المترفة والأناقة الباريسية الجذّابة، والخُلق الإسلامي المحافظ. كانت في ذروة شبابها لم تتعدَ السنة الحادية والثلاثين من عمرها المبارك، تصفِّف شعرها الفاحم السواد على شكل زهرتي دالية تحتضنان وجهها الصبوح ذا الملامح الجميلة المتناسقة الساحرة، الذي تشرق فيه ابتسامتُها الصغيرة الحيَّية المرسومة بعنايةٍ على شفتيْها الحمراويْن المكتنزتيْن. وعندما تكبر ابتسامتها، تكشف عن أسنانٍ لؤلؤيةٍ ناصعة البياض، وتبدو غمّازتان أخّاذتان على الخدَّين الأسيليْن. قوامها لدن رشيق لا يشتكي منه طولٌ ولا قصر، مع بروزٍ ملحوظ في صدرها الناهد. تمشي بخطواتٍ رشيقةٍ خفيفةٍ مموسقة كما لو كانت تؤدِّي رقصة الفرح على ألحان شِعرها المنغَّم، ويفوح خلفها عطرُها الباريسي النادر الفريد.

في تلك الأيام كان يكفيني أن أقترب من غرفة أساتذة اللغة العربية في بناية دار المعلمين العالية، لأعرف ما إذا كانت الدكتورة عاتكة قد وصلت أم لا (وفي هذه اللحظات التي أكتب خلالها هذا المقال بالحاسوب في المقهى الشتوية في شارع محمد السادس في مدينة مراكش الرائعة، تناهي إليَّ، على بُعد المسافة، أريجُ عطرك الفوّاح، يا عاتكة، بعد أكثر من خمسين سنة من الفراق وعلى بعد أكثر من ألف ميل).

كانت تحدّثني بصوتٍ خفيضٍ رخيمٍ ذي رنين عذب يشيع المرح في الجو، وأنا أرافقها بعد الدرس من غرفة الصفِّ إلى موقف السيّارات حيث سيّارتها الصغيرة. ولكن لم أكُن قد تعلّمت آنذاك ما يكفي من الشهامة واللياقة واللباقة لأفتح لها باب السيّارة، بل كنتُ أقف مشدوهاً أراقبها بحسرةٍ وهي تركب سيارتها وتغادر.

باختصار، كانت عاتكة ــ في نظري ــ أجملَ امرأة تقود سيّارتها أو تمشي بين الرصافة والجسر، بل حتّى أحلى وأملح وأفصح وأكثر جاذبية من جميع طالباتها اللواتي كنَّ يصغرنها بأزيد من عشر سنوات. كنتُ أنظر إليها مأخوذاً منبهراً كما لو كنت أقف مبتهلاً أمام صورة مقدّسة، فائقة الحسن خلابة الجمال، أبدعها الخالق المصوِّر الأعظم. 

وُلدت عاتكة في أسرةٍ ميسورة في بغداد سنة 1924. فقد كان والدها يشغل ُمنصب متصرِّف (محافظ) الموصل إبان العهد العثماني. ويبدو أنه كان رجلاً متديناً تقيّاً، وأن عاتكة تأثّرت بما سمعته، عن سيرته وتديّنه، من أُمِّها الصالحة التي أحسنت تربيتها. فعندما بعث إليها الشاعر المصري الكبير، عزيز أباظة (1899 ـ 1973)، بتحيّةٍ شعرية، ردَّت حالاً بقصيدةٍ لها نفس الوزن وذات القافية

أنا يا مولاي بنتُ الصِّيدِ والغرِّ الأُبـاةِ

بنتُ ذاكَ القانتِ الحرِّ الكريمِ الخلواتِ

مَن يُقيم اللَّيلَ بالذِكرِ ووحي الصلواتِ

خاشعاً لله في المحراب، بَرَّ الدعــواتِ

وأبي ما ماتَ بل عاشَ بِسَمْتي وسماتي...

أورثها اليُتم المبكِّر أسىً شفيفاً وحسرةً دفينة، حوّلتهما أحاسيسُها المرهفة ومشاعرُها الرقيقة إلى شعرٍ حزين، حتّى أصبح الألم والحزن والحبُّ بمعناه الواسع (حبّ الأُمّ والأهل، حبّ الوطن، الحبّ الإلاهي) من موضوعات شعرها الرئيسة. وراحت تسمّي نفسها " ابنة الآلام والشعر والحبِّ"، كما في قصيدتها " هوى الوطن" التي تخاطب فيها حمامةً على غصنها أو تخاطب نفسها، فهي تلك الورقاء الحزينة:

قِفي أَنشديني من لحونكِ ما يُصبي     فأنـتِ ابنـةُ الآلام والشـــعرِ والحـــــبِ

قفي أســعدي قلباً برته يدُ الأســـــى      ومثلكِ مَن يأسو الجراحات في القلبِ...

أورثها اليتمُ المبكّر أسىً مُقيماً وجُرحاً أليما، تتذكَّره كلّما رأت أُمّها التي تداري دمعها ومصيبتها، كيما تبتسم لابنتها الصغيرة وتشجّعها على القراءة والدرس، حتّى أضحت الأمومة موضوعاً من موضوعات شعر عاتكة. ففي قصيدة " نشيد الأمومة" تعبّر عاتكة عن حبِّها الطافح لأمّها وافتتانها بها وامتنانها لها:

أنتِ معنى الحبِّ، بل  معنى الحياه         أنتِ نورٌ فاضَ من نورِ الإله

أنـــتِ، يا أمــاه، من قلبـــي مُنـاه         أيعيــــش المرءُ دون الأملِ ؟.

دخلت عاتكة دار المعلِّمين العالية حوالي سنة 1941 وكانت فتاةً خجولةً حيَّية  محافظة في سلوكها وتصرُّفاتها، وظلَّت كذلك طوال حياتها، ولكنّها كانت متحرِّرة ثوريَّة في شِعرها الذي تناولت فيه موضوعاتٍ وطنيةً واجتماعية، وتتَّسم بجرأةٍ وشجاعةٍ أدبيتيْن عندما تلقي شِعرها بصوتها الرخيم وطريقتها المنغّمة.

وفي السنوات الأربع التي أمضتها عاتكة الخزرجي في دار المعلّمين العالية، كانت هذه الدار تحتضن روّاد الشعر الحرّ في العراق ، مثل زملائها نازك الملائكة (1923 - 2007)، وبدر شاكر السياب (1926 ــ 1964)،  وعبد الوهاب البياتي (1926 - 1999)، ولميعة عباس عمارة (1929 -)، وشاذل طاقة ( 1929- 1974)، ومحمد جميل شلش ( 1930 -)، وعبد الرزاق عبد الواحد (1930 -)؛ وغيرهم كثير من خارج دار المعلمين العالية، مثل بُلند الحيدري (1926 - 1996)، وكاظم السماوي (1919- 2010 )، وكاظم جواد  (  1929- 1985). وكلهم ينشرون أشعارهم في دوريّات العراق والمجلات الأدبية اللبنانية مثل "الآداب"، وكانت عاتكة في طليعتهم. وكان هؤلاء الشعراء هم الذين ابتكروا الشعر الحرَّ وحملوا مشعله. ومع ذلك، فإنَّ عاتكة الخزرجي ظلّت محافظةً وفيةً لتقاليد الشعر العربي العمودي، ولكنّها حدّثته بموضوعاتها الجديدة، وبأسلوبها المتميِّز، وأحاسيسها المرهفة، وعاطفتها المتأجّجة. كانت ترى أنَّ شكل الشعر العربي بقافيته وأوزانه قادرٌ على التعبير عن مختلف الموضوعات في متباين الأزمان، ولا ترى في الشعر الحرِّ إلا هروباً من القافية والبحور الخليلية التي يصعب ضبطها على غير الشعراء المطبوعين، وتقول في ذلك: " إنَّ صعوبة الوزن والقافية لا يشكوها شاعرٌ مبدع، وإنَّما هي عقبة كأداء في وجه المقلِّدين... وجمال شعرنا العربي آتٍ من هذا الإيقاع الموسيقيِّ المنغَّم، وإعجاز شعرنا العربي آتٍ من رصانة قوافيه واتساق أنغامه."

 تخرّجت عاتكة في دار المعلِّمين العالية سنة 1945، وعُيّنت مدرِّسة للغة العربية وآدابها في مدرسةٍ ثانويةٍ للبنات في بغداد. وبعد أن أمضت خمس سنوات في التعليم حصلت على منحةٍ دراسية من مديرية البعثات في وزارة المعارف، للحصول على دكتوراه الدولة من السوربون في باريس.

أخذت تتهيّأ للرحيل وتتهيّب منه، لأنّها ستفارق أحبّاءَها: أمَّها، بغداد، العراق. وهكذا كتبت قصيدة "قبل الرحيل" تخاطب فيها بغداد:

هاتِ العهود على الوفاءِ وهاكِ      وإليـكِ ذي يُـمناي في يُمـنــاكِ

قسماً بحبِّكِ والذي برأ الهـوى        وأذابَ روحي في سعيرِ لظاكِ

لأظلُّ أرعى العهدَ  شأنَ متيَّمٍ          آلى علــى الأيـامِ أن يــهــواكِ

تقضي التقاليد الجامعية في السوربون والجامعات العريقة في أوربا مثل أكسفورد وكيمبرج، أن طالب الدكتوراه لا يتمُّ تسجيله إلا بعد أن يوافق أحد أساتذة الجامعة المختصّين بموضوع الطالب على الإشراف على دراسته وأطروحته. اختارت عاتكة الخزرجي أن يشرف على دراستها وأطروحتها المستشرق ريجي بلاشير (1900 ـ 1973) المشهور آنذاك بترجمته الفرنسية الأدبية لمعاني القرآن الكريم، وكتابه عن المتنبي؛ ولأن عاتكة كانت تريد أن تكتب أطروحتها عن الشاعر العباس بن الأحنف؛ وبلاشير هو الذي كتب مقالة " العباس بن الأحنف" في  " دائرة المعارف الإسلامية "، فوافق على الإشراف على أطروحتها..

وحصلت على الدكتوراة سنة 1956 وعُيّنت أستاذة بكليتها السابقة، دار المعلمين العالية ببغداد، قبل سنة واحدة من التحاقي بها طالباً.

وفيما كانت تدرّسنا شعر العباس بن الأحنف في دار المعلمين العالية، طلبتْ منا ذات يوم حفظ قصيدةٍ من قصائد العباس بن الأحنف. وعندما سألتْ في اليوم التالي ما إذا كان أحدنا قد حفظها، رفع بعضنا أصابعه، وكنتُ من بينهم. ويبدو أنّني كنتُ أرفع إصبعي بشيءٍ من الإلحاح، ولم أنتبه إلى أنَّ غيري قد سبقني إلى ذلك. فطلبتْ من أحد الطلّاب تلاوة القصيدة، وفي الوقت نفسه التفتتْ إليّ وخاطبتني بلطف وبابتسامةِ اعتذار قائلة: " أنتَ مسكُ الختام."

ولكن عندما جاء دوري، ارتُجَّ علي ولم أستطِع تذكّر القصيدة. فقالت ملتمسةً لي العذر:

ـ " كثيراً ما يحصل هذا عندما نحفظ النصَّ جيِّداً"

رحمك الله يا عاتكة.

 

د. علي القاسمي

 

صبحي عبدالنبيبرز عنترة واضحًا في صفحات الأدب العربي برمز الشجاعة ورمز الحرب، وما ينتج منهما من أقوال وأحاسيس، وكثيرًا تجد في شعره الحرب والثأر واثارة الشجون نحو الإغارة والغزو، ويمت هذا بحكم بيئته التي لم تعط له حظًا من الحرية لذنب قد اقترفه أبوه إذا كان بالفعل  ذنبًا على حد زعم القبيلة .

فقد عاش الشاعر وظهر نبوغه في ظل القسوة والتفرقة البشرية التي سادت آنذاك في خواصر العرب، وهي التمييز والتميز بين العبد والحر الذان يأتيان طبقًا لتصانيف أزلية قد تكون المعني لا يعلم طرف خيطه، كما الحال في شاعرنا عنترة بن شداد الذي صارع العبودية فترة من الزمن لأنه ابن زبيبة وهي امرأة حبشية قطعت صحراء العرب تلحث مصائبها وثغراتها الى أن استقرت في يد شداد بن قراد الذي ربما كان آخر عتبة في المسيرة الزوجية، ومنه انجبت عنترة بن شداد اسطورة التاريخ وسنام الحكمة والأدب ورمز العروبة.

وبعد فترة استطاع عنترة ان يشتري حريته بحر فكره وعزمه، فكان امنيته الوحيدة أن يعيش حرًا كريمًا لينثر ما لديه من درر وإنسانية التي تغيب في أعماق العبودية، والناظر لحاله وعزمه على الحرية يرى أن العبودية كانت تمي ملامح الانسانية والبشرية من الوجود فبالنظرية التقريبية العبد كالميت في عرائك المجتمع، وإلا لماذا هذا الشاعر العظيم كان حريصًا لنيل الحرية، حتى أنه عمل كل ما في وسعه .

طلب عنترة بن شداد من أبيه ان يلحق بنسبه ليكتب اسم ابيه بعد اسمه في الالسن والرسائل طلبا شديدا وقد صده أبوه في هذا بأشد التصدية برفض وعقاب، إلى أن جاءت الحرية بدرب لم يتوقعه الابن ولا الاب، فذات يوم جاءت قبيلة بغزو بني عبس في وجود (شداد) فقال كريا عنترة لعلمه بمهاراته وامكانياته لانه سبق أن حجز عنترة مثل هذه الإغارة من قبيلة عبس وحماية ابناء زهير ملك القبيلة . فقال عنترة العبد لا يحسن الكر بل يحسن الحلابة والصر فقال أبوه :كر وأنت حر،،،فأصبح بين لحظة ولحظة حرًا طليقا يجالس الزعماء بدلا من اصطحاب الابل فكر عنترة وقاتل قتالا عنيفًا إلى أن حرر القبيلة من شر الغزاة ....

ظل عنترة في أذهان الناس بأنه رجل جاف لا يخرج من الا صلابة الكلمات التي تنبت من اماكن الحرب والقسوة كقوله:

إذا نحنُ حالفنا شفارَ البواتر

وسُمْرَ القَنَا فَوْقَ الجيادِ الضَّوامر

على حربِ قومٍ كان فينا كفاية ً

ولو أنهُم مثْلُ البحار الزَّواجرِ

وما الفخْر في جمع الجيوشِ

وإنمافخارُ الفتى تفريق جمعِ العساكر

سلي يا ابنة َ الأعمام عني وقد أتت

قبائلُ كلبٍ معْ غني وعامر

ولكن تكمن في نفسه الحنية والشوق والبكاء في فقد الصديق والعزيز لديه ولدى القبيلة سمة لا تفارقه ولكن قل ما تجده في شعره مقارنة بالجم من اشعاره ..

ومن رقائقه ...

بكى هذا الرجل الشجاع الذي فصل كثيرا من الرؤوس من أجسادهم، عندما مات الملك زهير زعيم بني عبس بكاءً شديدًا وقال فيه ابيات ابكت كل من سمعها. وهذه دلالة على أنه كان يكن له الحب والاحترام والأدب حيث قال عند موته ..

تولى زهيرٌ والمقانبُ حولهُ

قتيلاً وأطراقُ الرماح الشواجر

وكان أجلّ الناس قدراً وقد غدا

أجلّ قتيل زارَ أهل المقابر

فَوا أسفا كيْفَ اشْتفى قلْبُ خالِدٍ

بتاج بني عبْس كرَام العشائر

وكيف أنامُ الليل من دون ثاره

وقَدْ كانَ ذُخري في الخُطوب الكَبائر

انظر إلى رقة الابيات في رثاء زهير زعيمهم وحكيمهم .

 

الدكتور صبحي عبد النبي (السودان) أستاذ لغة عربية بالإمارات العربية المتحدة

 

محمود سعيدمدينة صغيرة يلفظون اسمها "جابالا، بـ ج معطشة، كأختها العراقية "جا شلون"، في وسط المكسيك، لا يتجاوز سكانها مع القرى المحيطة بها عشرة آلاف نسمة. من حسن حظي أنني زرتها، في شهر تموز الماضي، بالرغم من أنني لم أصدق الدعاية التي جذبتني تماماً، قلت إنها مبالغة. كل ما أعرفه ان الجو في المكسيك ساخن صيفاً، لكني غامرت، وهكذا وجدت نفسي في البيت الذي استأجرته، وكان أكبر من أن يضمني وحدي، لذا توجست من الملل، لكن الوقت انقضى على أفضل مما أتوقع.

كنا في العراق نعاني من احتباس المطر كثيرا، ونادراً ما تدر السماء بكرمها المتلألئ على قدر ما نتمنى، فأحيانا تنقطع المطر سنتين أو أكثر، وأحياناً تهطل وتفيض وتضر وتخلق فيضانات مدمرة، لكني لحظت في تشابالا مطراً يوميا ينهمر بين الساعة السادسة والنصف مساءً حتى التاسعة، لا يدوم أكثر من نصف ساعة، فإن زاد اتخذ هيئة المداعبة، فهو طلّ، يصفع الوجوه لحيظات ثم ينسحب خجلاً بسرعة، ليكرر ملاطفته بين حين وآخر، حتى إذ حلت التاسعة صفا الجو، وهبت نسائم رائعة جففت الماء والبلل، فكأن لا وجود للمطر قبل ذلك.

كلما كانت المطر تطل بقبلها الخفيفة أتذكر ما جاء في التراث "إن أريد خير بلد أُمطر ليلاً وصُحّى  نهاراً". فلاح تشابالا لا يحتاج لري زرعه مطلقاً، فما يتلقاه من منح السماء كاف لزرعه ويزيد، كل ما يهمه أن يقتلع النبتات الطفيلية من بين الزرع، وينظفه تماماً، ولما كانت شوارع المدينة الصغيرة مبلطة بآجر وأحجار طبيعية، مختلفة الأحجام، فالأرض مليئة بمثل هذه النباتات التي تبرز في  الفراغات، وهذا ما يسلي بعض السكان الذين يدأبون بقلعها من أمام بيوتهم.

ما تجود به ارض تشابالا من خير وفيرلا يصدق، فقد رأيت في هذه المدينة من الفواكه عشرة أمثال ما رأيت في الهند. المعروف أن الهند بلد المانكو "العنبة". لكنه بالتأكيد يحسّ بالخجل والصغار أن رأى شقيقه في تشابالا، ربما يزيد وزن الواحدة هنا على نصف كيلو، أما النوع الصغير الذي بحجم العنبة الهندي فيباع بأكياس نايلون لا بالوزن، ربما كل عشر وحدات بعشرة بنسات. كل ما نعرفه من فاكهة موجود عندهم: موز، عنب، برقوق، خوخ، رمان، شليك، كرز، أجاص، تفاح الخ، إضافة الى أنواع لم ارها في العراق، ولا أعرف أسماءها، لحظت بعضها في ماليزيا وتايلند لكنها متوافرة هنا، وبكثرة تفقد المرء رغبته بتذوقها، وحتى بمعرفة أسمائها، أما جوز الهند عندهم فذو حجم هائل، ولا أبالغ إن قلت أن حجمه بين ضعف أو ثلاثة أضعاف حجمه في دول شرق آسيا والهند، وهذا هو أحد معاني مصداقية الخير الذي يتوافر في المطر الدائم ليلاً.

عندما صرفت العملة التي معي، كان بقربي، لحسن الحظ، من يستطيع فك مغاليق اللغة، فيترجم لي، إذ رأيت تشابها بين عملة فرنسا وعملة المكسيك، فعلى وجه العملة الورقية رجال لا علاقة لهم بالسلطة، عرفت بعدئذ أنهم شعراء، أدباء، أو فنانون، قسم منهم معاصرون، وهذا يعني أنهم يقدرون الفن، ولست بحاجة إلى دليل لتكتشف ذلك، فأي بيت في هذه المدينة الصغيرة حديث وقديم مصبوغ بلون ما، يختلف عن اللون البيت  الذي قبله، أو يماثله، لن تر آجرّ بيت من دون صبغ مطلقاً. ولما كان البناء يمتد إلى جبل متواضع في إحد أضلاعها، فقد سرت الألوان الى الجبل، الذي استحالت شوارعه إلى درائج كمدينة عمّان، لكنها هنا مصبوغة بألوان عدة، تجذب الأنظار بصورها المختلفة.

لكلاب الهند وعي يوحدها، ففي كل ركن من مدينة نيودلهي "مثلا" كلابه الخاصة التي لا تسمح لكلب آخر من حي آخر المرور في شوارعها، فتراها تنبح جميعاً بصوت موحد، لتهاجم، أو ترحب، أو تتسكع، بينما كلاب تشابالا قليلة لا تتجاوز عشرة كلاب، وهي مؤدبة رزينة ذوات خلق جم، فلا تكاد تسمع لها صوت مطلقاً، وكل واحد منها، ينحدر من سلالة تختلف عن غيرها، سلالات غالية الثمن في أسواق أمريكا وأوربا، أرخصها يباع بما لا يقل عن ٥٠٠ دولار، ولو كانت هذه الكلاب في مدينة أمريكية، لما بقي واحد منها بالشوارع ساعة واحدة، لتبناها  أحدهم حالاً، معززة مكرمة، واشبعها حناناً وإلفة. 

من ملاحظاتي أن الأهالي هنا لا يحبون الاحتفاظ بالكلاب، فلم ارَ مواطناً مع كلب قط، من يحوي كلباً سائح فقط. إذن من اين جاءت كلاب  الشوارع؟ بعد التفكير حدست أن السواح، لحظة سفرهم افتقدوا كلابهم، فلم يروها، وتخلوا عنها لظروف اضطرارية، وهكذا انساب في الشارع نحو عشرة كلاب، تجمعت معظمها في الساحة الرئيسة أمام قيصرية المطاعم وباعة الخضار، والتي تقع على الشارع الرئيس "مادورو" قرب الميناء، على البحيرة، تأكل مما تضعه السيدة كارمن أمام عتبتها، أو مما يجود به رواد عربات الطعام في الشارع  الرئيس "مادورو"، ثم تستلم للنوم ليلاً تحت أشجار الساحة.

مع كل هذا الجمال، لن ترَ في الشوارع أي قطة، يبدو ان المدينة كانت تخلو من الكلاب والقطط، حتى جاء السياح، فعرفت الكلاب، لكنها لم تعرف القطط، ثم قادني حسن الحظ إلى السيدة كارمن وهي خمسينية تضع كل يوم طاسة مليئة بطعام صناعي للكلاب، قرب عتبتها، مع طاسة أخرى مملوءة بالماء، دعتني للدخول إلى بيتها، عندها قطتان لا واحدة، وحصلت عليهما من سياح لا تدري لماذا اضطروا لتركهما حين رحلوا.

سألتها إن كانت تعرف السيدة رولا، هزت رأسها، ابتسمت "نعم".  بيت رولا على بعد عشرة امتار من بيتي، وقد تبنت أربعة كلاب من أجمل السلالات، أحدها "فالنتينو" ليس جميلاً كاسمه حسب، بل هو أجمل كلب في تشابالا كلها، رولا فقيرة جداً تعيش من بيع خبز تجلبه من المخبز يومياً صباحاً، وتضعه في سلة أمام بيتها، وما تربحه تأكله وتطعم الكلاب منه.

كلاب تشابالا ينطبق عليها المثل: "عزيز قوم ذل". حينما يراك أحد هاته الكلاب، ينظر إلى عينيك بتركيز واضح، لعله يسأل نفسه هل رآك يوما ما مع سيده، أو في أيام عزه؟ ثم يسحب نظره وطيف ألم يبدو واضحاً في عينيه، مع شعور بالاستسلام لقدر ظالم فرض نفسه عليه.

 

محمود سعيد

علي ثوينيفي حينا (مدينة الحرية) المتهالك، سبق وأن كتبت عن (بيت محينه) الواقع في أول (الدربونه) وخالهم (عجم)، وأولاد أخته البعثيين في الحرس القومي. لكن المفارقة أن جيرانهم القاطن في مساحة الـ55 متر مربع المتاخمة والمتلاصقة كان يأمه شاب نشط ومتكلم لبق أسمه (كاظم الرماحي) وهو يتردد على أخته مالكة هذا "القن". كانت أمرأه راجحة العقل بملامح الفلاحة الجنوبية الحاذقة، من أصول الكوت أو جهاتها، طويلة ومهيبه، اسمها (أم حسنه) لديها بنتين وولد صغير أسمه حمد، وزوجها الحالي هو الثاني، لكن يطلق عليه كذلك (أبو حسنه)، وكانت متحدثه شيقة تضع (البهارات) على ما تقصه، وعادة ما تنقل لوالدتي كل الأخبار والأفكار الدارجة في الحي، وكنت أستمع لها بشغف، و التقط ما يروق لي ويثير فضولي، وحسبي أنها فترة تدريب تطبيقي على مفاهيم الحياة الإجتماعية العراقية التي لم أقطف منها سوى 18 عام فقط، كانت حصيلة كل ما عشته وتعلمته وأتذكره من العراق.

كان (ابا حسنه) عصبي المزاج، وكثير التعرق، وكان يردد (بالقيض لا اشرج ولا أغرب) أي يمكث بدون حراك في بيته. ولفت نظري رغم أمية تكتنف العائلة لكن بيتهم يحوي على مكتبة ضخمة تحوي آلاف الكتب، كانت تثير أهتمامي رغم بعثرتها على الأرض، حيث تناغمت مع سجية بحب الكتب والمكتبات أكتشفته بنفسي لاحقا. وكان صاحب الكتب (كاظم الرماحي) الشخصية الغامضة والمحبوبه. كان قارئ للكتب، مطلع وواعي، رغم عدم حصوله على قسط من التعليم المدرسي ولا يحمل أي شهادة، بل لم أعرف وظيفته ومكان إقامته.

وقد شكل (كاظم) وعمره في نهاية العشرينات، أحد سمات جيل الخمسينات والستينات حينما كان العراقي يقرأ من أجل مسايرة المجتمع الصاعد ويتحاشى الهامش المعرفي للمجتمع، ولاسيما من اقرانه الشباب. وقد شهدتها لدى تجمع من شباب الحي الذين يتراوح أعمارهم بين (16-20 عام) يلتقون دوريا بنهاية الشارع (راس الطرف) ويتكلمون عن أمور لم أكن أفهمها لكنها نقاش يثير حماسي، وربما شكل لي الفضول المعرفي المؤسس. ومازالت ذكرى الحوارات عالقة في ذهني، منها مثلا: هل الإنسان مسجى على تفضيل مصلحته الذاتيه على المصلحة العامة أم العكس؟. وتبين لي لاحقا أنه يفضل مصلحته الذاتية، لكن رومانسية المرحلة الستينية كانت توحي بالعكس. وكان حديث الشباب في حينا يتسم بأدب الحوارالممتع، و تقاذف مفردات جنابك وحضرتك وأخي وعزيزي وسيدي الفاضل.. وأقولها بأمانة اليوم وبعد أكثر من نصف قرن من التغريب والتجريب، بأن ما كان يدور من سجالات عالية الهامة والهمة لدى شباب صغار في حينا الهامشي، يكافئ اليوم بل يزيد على المستوى المعرفي الذي يتشدق به أساتذة الجامعات ولاسيما من يحمل لقب دكتور، وقد التقيت بعضهم، وتيقنت أنهم أقل فقها من جيل الستينات الشباب. وحسبي وبحسب "تحليل خطاب" المرحلة بأن ذلك الرقي الأدائي للفكر، جاء من تأثير توسع نطاق الطبقة الوسطى وتصاعد الهم السياسي الذي فحواه وصلبه فكري، ناهيكم عن إنتشار أفكار المرحوم علي الوردي (1913-95)، حيث كان نشط حينها، و الأمور مازالت إيجابيه في أواسط ستينات القرن العشرين حتى نهاياتها.أي قبيل حلول البعثيين في تموز/ يوليو 1968، وتغير مسار الحياة العراقية الجذري نحو دجل (ديماغوجي) ثم لحقتها شمولية تصاعدت حتى جسدها صدام عام 1979.

لم أكن أتحاور مع كاظم الرماحي بسبب فارق السن ومستوى الوعي، بل كنت أصغي لكلامه الرومانسي "الكبير" عن حقوق المظلومين والفلاحين.وكان جمهوره بنات أخته، اللاتي هزجن يوما في أحد مناسبات الفرح بشكل عفوي: أسمع يا حميد خالك وكع طياره!.. وكان المقصود بها الطائرة الهليكوبتر التي أسقطها ثوار (هور الغموكه) الواقع بين الغراف والشطرة والناصرية، حيث ثار نفر من الشيوعيين المنشقين عن الحزب الشيوعي الذي قصم ظهره البعثيين والناصريين عام 1963، فما كان منهم إلا أن يتأثروا، ويثأروا لأنفسهم، من خلال الحركات الثورية "التروتسكية" التي دعت إلى (الكفاح المسلح) لتصحيح المسارات السياسية، والتي تبنتها عام 1967-68 ودعمتها الصين الماوية، على عكس الإتحاد السوفيتي الذي تحفظ على بعضها و أيد من هو تابع لمخابراته، ويبدوا أن حركة (القيادة المركزية للشيوعيين العراقيين) لم تتبع مخابراتهم ولعبة الأمم وسياقات الحرب الباردة كما في ظفار وأرتيريا والكونغو مثلا، لذا لم تدعم ولم تذكر بعد أفولها.

لقد سبب هؤلاء الشباب الثائرين إحراج لهيبة الدولة المركزية (القومية) التي قدوتها عنتريات عبدالناصر، رغم أنها كان يمكن ان يكون لهم دور في رسم خريطة السياسة في العراق لو كتب لها التصاعد والموائمة مع الظروف، وهي المفعمة بالرومانسية الثورية على هدى (كاسترو) و(لومومبا) و(جي كيفارا) وحرب فيتنام . وقد قادها مهندس مثقف عاش ودرس في بريطانيا، يدعى خالد أحمد زكي، ولمع منها شهيدان هما محسن حواس ومنعثر سوادي، ضمن 12 شاب قادوا ونفذوا الأنتفاضة المسلحة وحركوا ساكن (الوعي الثوري). ويعرف اليوم أن رئيسها الفيلي البغدادي (عزيز الحاج)، والذي أمسك به البعثيون بعد وشاية، وساوموه على أن يعترف عن التنظيم والحركة ويسلم عناصرها لهم، ويظهر في التلفزيون العراقي عام 1969 يشيد بسلطة البعث ويعدها (النموذج الثوري)، مقابل إطلاق سراحه وتعيينه في منصب دبلوماسي، وتحديدا مندوب العراق في منظمة اليونسكو بباريس عام 1971، وقد حاول أن يبرر صفحة الخيانة التي مارسها مع رفاقه، في كتابه (شهادة للتاريخ)، الصادر عام 2001 و شرح فيه سيرته السياسية بتبرير غير موفق.

ذات مره جاءتنا أم حسنه ترتجف وتحمل أكياس كبيره (كونيه) هي وبناتها ويتكلمن مع أمي بسريه وخشيه، وصعدن السطح جرياً، ثم عادن ونقلن غيرها من الأكياس.. ومن فضولي وأنا صغير صعدت أتسقط أمر الأكياس والكلام المثير الذي تداولنه مع والدتي. وكان بيتنا قد حور من حوش داخلي ليغطى سقفه، كما لجأ لذلك في بيوت الحي الصغيرة والحانية، و أحتفظ بيت الدرج في زاوية يمين البيت الذي يؤدي ألى بيتونة السطح وتحته الحمام وجنبه مخزن المفروشات(الحواس) التي تحوي مطارحنا في الصيف والنوم على سطوح بغداد، كعرف بيئي، وتقليد يبدوا أنه تلاشى اليوم. ووجدت الأكياس، وفتحتها فضولا، فوجدتها ملئى بالكتب، لاغير. وتبين بعد الإستقصاء بعد سنين أن تلك هي مكتبة (كاظم الرماحي) التي أرادت أخته (أم حسنه) إتلافها أكثر من إخفاءها خشية من أن يداهمهم العسس وأمن الدولة، ويجدون تلك الكتب التي ل ايعرفون فحواها ومحتواها، كما يبدوا أنها كانت تهمة كافية لأن تزج هي وعائلتها بالسجن.

وكانت (أم حسنه) ألتمست من أمي أن تقوم بحرقها في التنور الذي يقبع فوق السطح . ولم تدخر والدتي جهدا بأيثارها و"نشميتها" المعهودة، وإخلاصها لجيرانها، بأن طفقت تفرغ أكياس الكتب مباشرة بالتنور، وبدات تقيد النار بها، بجهل بقيمة كنوز تحرق. وتسنى لي أن أسرق كتابين أو ثلاث وأخفيها كي لا أوبخ ، وقد أستهوتني أغلفتها، تبين أحدها عن الحرس القومي، لكن البقية ذهبت حصة التنور ودخانها أدراج الرياح. ومكث هاجس يؤرق والدتي وهي اللوامة لنفسها، بأن ربما كان ضمن المحروقات كتاب الله(القرآن)، بعدما أملت الأمية الإعدام المبرم للمكتبة. وعند الوعي بعد سنين أخبرتها، بأن الرجل كان شيوعي، ويستبعد أن يكون قد شمل القرآن لمكتبته.

وهكذا قتل قائد ثورة الهور التي كتب عنها رواية (أعشاب لوليمة البحر) للسوري حيدر حيدر، حينما كان يعمل مدرسا في الجزائر، وبنى نصها على معلومات أمدها بها أحد المساهمين في تلك الثورة الحزبية،  وقد زاد شهرتها أن الأزهر حرمها بطبعتها العاشرة، رغم أنها لا تمس دين أو يقين. وهكذا تكتم الكل على كل أسرار الحركة وشخوصها، وتوارى منذئذ كاظم الرماحي او ربما أعدم ضمن من وشى بهم عزيز الحاج، ولم أشاهده بعد ذلك، بل أن اسماء الـ12 المعلنون لم يكن منهم كاظم و هم: خالد أحمد زكي (جبار) محسن حواس (شلش) منعثر سوادي (كاظم) عقيل عبد الكريم حبش (أبو فلاح) حسين ياسين (أبو علي) عبد الجبار علي جبر (هادي) عبد الأمير عبد الواحد يونس الركابي (لفته) عبد الله شهواز زنكنه ومحمد حسين الساعدي وعبود خلاطي وعلي ابوجي وحمود (صالح)، وربما يكون منعثر لكن لا يمكن أن يكون أسمه الحركي داخل عائلته كذلك .وهكذا مضى أكثر من نصف قرن على تلك الأحداث، لكنها مكثت في ذاكرتي البغدادية مما علق بها من ذكريات بعيدة، في مغترب طال وسنين تمضي وذاكرة يخفت وهجها.

 

د. علي ثويني

 

محمود محمد عليليس من المعقول أن تمر علينا الذكري الثانية والثلاثين علي وفاة الأستاذ الدكتور عزمي إسلام موسى إسلام (أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب – جامعة عين شمس بجمهورية مصر العربية)، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر أو وقفة أو تسليط الضوء على شيء من منجزات هذا العالم الكبير، فهو يعد رائداً من رواد المنطق وفلسفة العلوم بعد الدكتور زكي نجيب محمود الذين أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس في هذا المجال، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم.. كما يمثل أحد كبار مفكرينا المصريين الذين كانوا في القرن الماضي يشرفوننا في المؤتمرات والمحافل التي تهتم بالمنطق وفلسفة العلوم في مصر وفي العالم العربي وأوربا.. كما كان كذلك أحد أبرز أساتذتنا الكبار الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في المنطق الحديث من مجرد التعريف العام به، أو الحديث الخطابي عنه – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

كان الدكتور عزمي إسلام قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وقد شهد له تلاميذه في مصر بالكفاءة والقدرة غير المحدودة علي اكسابهم مهارة التفكير الفلسفي وجعل الأفكار الفلسفية حية في نفوسهم وعقولهم وكان شديد التأثير في تلاميذه لما تميز به من حب لا محدود لتلاميذه لدرجة أن كان يهدي إليهم مؤلفاته المطبوعة من شدة اعتزازه بهم ؛ فقال عنه كلا من : (د.أحمد عبد الحليم عطية – د. حسين علي في مقال بعنوان عزمي إسلام، المنطق وفلسفة التحليل):" يمثل عزمي إسلام، المفكر والأستاذ الجامعي المصري المتخصص في الفلسفة، والذي تركزت جهوده العلمية وإنتاجه الخصب الدقيق في مجال الفلسفة الحديثة عامة، وتحددت بشكل واضح في المنطق (الرياضي أو الرمزي بوجه خاص) والعلوم الفلسفية المتصلة به مثل مناهج البحث وفلسفة العلم ونظرية المعرف... وإذا كان عزمي إسلام بمزاجه العلمي والمنطقي قريباً من فلسفة التحليل المعاصرة، فقد اهتم كذلك بالكتابة في الفلسفة المعاصرة والميتافيزيقا، سواء في كتبه أو بحوثه ومقالاته، كما أولى تراثنا الفلسفي جزءً من وقته واهتمامه، فكتب عن ابن رشد وابن تيمية".

ولم يكتف أحمد عطية وحسين علي بذلك بل أكدا لنا أن :"المنطق الذي شغف به عزمي إسلام – وبخاصة الرمزي – كما ذكر أحمد عبد الحليم عطية – حسين علي يحتاج أكثر من أي مبحث آخر في الفلسفة، إلى معالجة فنية متخصصة لمشكلاته. فالمشكلات المنطقية لا تُحل بلغة مجازية، وإنما تقتضي دقة الصياغة الرياضية، بل إن مجرد التعبير عن المشكلة يكون في كثير من الأحيان مستحيلاً بدون مساعدة لغة تماثل في دقتها لغة ً الرياضيات. والمنطق هو الجزء الفني في الفلسفة، ولهذا السبب ذاته كان شيئا عنه للفيلسوف. ولقد غدت أهمية المنطق الرمزي بالنسبة للتفكير الفلسفي تعادل الآن أهمية الرياضة لعلم الفيزياء".

ويستطردا فيقولا :" إن عزمي إسلام قد اختار أن يدخل إلى الفلسفة من أصعب أبوابها، وأن يسير على أشق دروبها، فخص المنطق الرياضي وفلسفة العلم بقدر كبير من جهده العلمي الدقيق. ولا شك أن كتاباته في المنطق القديم والحديث تضعه بين رواد هذا الميدان العسير من ميادين الدراسات الفلسفية، وتجعله أحد روادها القليلين. أن ولا شك أيضا دراسة المنطق الحديث تمثل القاعدة الصلبة التي تنهض عليها الدراسات الفلسفية المعاصرة، وبخاصة ما أصبحت ٍ في مجالات فلسفة العلوم ومناهج البحث ونظرية المعرفة، بل ربما أصبحت ضرورة لا غنى عنها لفهم التطورات الحديثة في مجالات أخرى تبدو بعيدة عنها، كفلسفة الأخلاق، والميتافيزيقا وفلسفة اللغة".

ولا شك في أنني أؤيد أحمد عطية وحسين علي فيما قالاه عن هذا الرجل العظيم؛ فهو نعم العالم المتوحد الشامخ: سراجاً هادياً.. عالياً كالمنار.. وارفاً كالظل.. زاخراً كالنهر.. عميقاً كالبحر.. رحباً كالأفق.. خصيباً كالوادي.. مرفرفاً كالعَلم.. لا يرجو ولا يخشي.. طاقته لا تنضب.. كأن وراءها مدداً يرفدها من سر الخلود .

ولد الدكتور عزمي إسلام بالقاهرة في اليوم الثاني عشر من شهر أغسطس سنة 1931، وتوفى في خريف 1987 بمدينة القاهرة عن عمر 56 عاماً عقب إصابته بأزمة قلبية. حصل عزمي إسلام على درجة “الليسانس” في الفلسفة من كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1953، وعلى “الدبلوم” العامة في التربية وعلم النفس من جامعة عين شمس في السنة التي تلتها (1954). وقد عمل بتدريس المواد الفلسفية بالمدارس الثانوية ما يقرب من اثنى عشر عاما، تقدم خلالها للحصول على درجة الماجستير عن “نظرية المعرفة عند جون لوك” (1962) من جامعة القاهرة. وكان معاراً من قبل وزارة التعليم العالي للتدريس بالجامعة الليبية (كلية الآداب والتربية) خلال المدة سبتمبر 1964 إلي فبراير 1967، قبل تعيينه مدرساً بجامعة عين شمس. ثم حصل علي درجة الدكتوراه في قسم الفلسفة بآداب القاهرة بـ “مرتبة الشرف الأولي” في السادس عشر من مارس عام 1966 .وكانت أطروحته للدكتوراه “فلسفة التحليل عند فتجنشتين” بإشراف الدكتور زكي نجيب محمود.

بدأ عزمي إسلام عمله مدرساً بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة عين شمس في الأول من شهر فبراير سنة 1967، وأخذ يترقى في سلم الدرجات الجامعية من مدرس إلى أستاذ مساعد ( 3/10/1973(  إلى أستاذ (27/2/1978 ( إلى رئيس لقسم الفلسفة بآداب عين شمس (1978 – 1979(. وسافر للعمل في قسم الفلسفة بكلية جامعة الكويت في الفترة من 12/9/1971 إلي 31/8/1975، وعاد واستلم عمله بقسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة عين شمس اعتبارا من 2/9/1975، واستقال ليواصل العمل بجامعة الكويت. نال الدكتور عزمي إسلام جائزة الدولة التشجيعية (في تاريخ الفلسفة والمنطق) قبل وفاته بعشر سنوات (في شهر ديسمبر سنة 1978).

وللدكتور عزمي إسلام مؤلفات كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : كتاب أسس المنطق الرمزي، وكتاب الاستدلال الصوري (جزآن)، وكتاب دراسات في المنطق، وكتاب مقدمة لفلسفة العلوم، وكتاب مبادئ التفكير العلمي، وكتاب مفهوم التفسير في العلم، وكتاب جون لوك، وكتاب مدخل إلى الميتافيزيقا، وكتاب مفهوم المعنى –دراسة تحليلية، وكتاب اتجاهات في الفلسفة المعاصرة، وكتاب مدخل إلى الميتافيزيقا.. الخ.

هذا بالإضافة إلي الكتب المترجمة مثل : مقدمة للمنطق ولمنهج البحث في العلوم الاستدلالية”، لـ (ألفرد تارسكي)، “فلسفة الذرية المنطقية” (وهى المحاضرة الأولى من ثماني محاضرات ألقاها "رسل" في جامعة لندن بين عامي 1917 و 1918،”، وكتابي بحوث فلسفية”، "رسالة منطقية فلسفية" لـ (لودفيج فتجنشتين)، مطبوعات جامعة الكويت، الكويت، 1990، مراجعة وتقديم د. عبد الغفار مكاوي..الخ.

ومن البحوث والدارسات والمقالات التيَ طُُّور معظمها أو أُدمِج في كتب ما يلي: “ رسالة منطقية فلسفية للودفيج فتجنشتين”، و“مشكلة المعنى في الفلسفة المعاصرة” و“التحليل في الفلسفة المعاصرة” و “واحدية محايدة بين العقل والمادة”،  و“الاتجاه الذري في الفلسفة المعاصرة”، و“مبادئ الأخلاق لجورج مور”، و“مشكلة الحتمية في الفكر المعاصر”، و“ من حقوق الإنسان في الإسلام”، و“من الميتافيزيقا إلى فلسفة العلوم”،و“ابن تيمية والرد على المنطق الأرسطي”، و“المنطق الصحيح لتشارلز بيرس”،، و“برتراند رسل الفيلسوف الإنسان”، و“ألفرد نورث هويتهد”، و“فتجنشتين وفلسفة التحليل”، و“الفلسفة والطب لليدرمان”،و“ابن رشد، دراسة تحليلية”،و“مفهوم الزمان عند ماكتجارت”، و“الدكتور زكي نجيب محمود ومكانته في الفكر العربي المعاصر”، و“في فلسفة العلوم الإنسانية”، و“البرهان الرياضي على المعرفة بوجود الله عند جان موران”، فضلاً عن كتابة عدد من مواد "معجم الأعلام" عن بعض المصطلحات في المنطق وفلسفة العلم وبعض أعلام الفلسفة الحديثة والمعاصرة.

وبجانب اهتمامه بالمنطق الصوري، كان عزمي إسلام مهتما بالفلسفة التحليلية ؛ وبالأخص تحليلية فتجنشتين، حيث كان الرجل يؤمن بأن فلسفة " فتجنشتين"  نقطة تحول حاسمة في تاريخ الفكر الفلسفي المعاصر، ويرجع ذلك إلي أهمية المنهج الذي اصطنعه في بحث مشكلات الفلسفة وهو المنهج التحليلي الذي يتناول عبارات اللغة، التي نصوغ  فيها الأسئلة والمشكلات الفلسفية، يتناولها بالتحليل المنطقي لكي يكشف عن أن هذه المشكلات ليست أصلا بمشكلات، وأنها لم تنتج إلا عن سوء استخدام اللغة، الأمر الذي جعل فلسفة " فتجنشتين" كما يقول عزمي إسلام، أشبه ما تكون بالثورة علي الفلسفة التقليدية، وذلك لأنها غيرت من مفهوم الفلسفة نفسها وكذا من مجالها ووظيفتها، فأصبحت الفلسفة لديه عبارة عن تحليل للغة، وانتقل مجال البحث فيها من البحث في الأشياء في ذاتها أو الوجود من حيث هو موجود أو العلة أو المطلق أو الجوهر أو اللامتناهي أو العدم .. إلي غير ذلك – إلي البحث في العبارات والألفاظ التي يقولها الفلاسفة وتحليلها لبيان ما له معني منها وما لا معني له أو لبيان الصحيح منها والخاطئ بناء علي اتفاقها أو اختلافها مع قواعد الاستخدام العادي للغة، ومن ثم تغيرت مهمة الفلسفة فأصبحت تحليل مشكلات الفلسفة بدلاً من إقامة نسقات فكرية أو ميتافيزيقية متكاملة، أصبحت الفلسفة لديه فلسفة للفلسفة، وأصبح عمل الفيلسوف عنده، هو أن يكون فيلسوفا للفيلسوف بتحليله لما يقول.

ويؤكد عزمي إسلام أن عمل " فتجنشتين " الفلسفي ينقسم إلي فترتين، فترة مبكرة وأخري متأخرة . وتجد الفترة المبكرة صياغة دقيقة لها في " الرسالة المنطقية الفلسفية " . ولكن فتجنشتين لم ينشر شيئاً عن فترته المتأخرة، وإن كان لدينا صورة أولي عنها، وذلك في كتابيه " الأزرق" و" البني" نسبة للون غلاف كل منهما، ثم صورة ثانية في كتابه : البحوث الفلسفي" Philosophical Investigations .

ثم يوضح عزمي إسلام أن هذا الرأي هو الذي يتفق عليه معظم الشراح والباحثين، حتي أن بعضهم  لا يقتصر علي تأكيد الفروق الأساسية بين المرحلتين، وإنما يذهب إلي حد الكلام عن فلسفة " أولي " وفلسفة " ثانية "، مثل الاستاذ فولفجانج اشتيجمولر في كتابه عن التيارات الأساسية في فلسفة العصر الحاضر . غير أن فيهم من يكتفي ببيان الأفكار التي عدل عنها في فلسفته المتأخرة، والتعديلات التي أدخلها علي آرائه ومواقفه التي تبنهاها في الرسالة نتيجة للتوسع في منهج التحليل، واختلاف تطبيقه، وتغير مفهومه عن اللغة، مثل أ.ج. آير في كتابه عن فلسفة القرن العشرين، وفيهم كذلك من يحاول أن يثبت أن فلسفة " فتجنشتين " ظلت في جوهرها وغايتها واحدة لم تتغير، وأن الهدف منها – علي الرغم من التوسع والتنويع في استخدام منهج التحليل اللغوي والمنطقي – هو نفي الفلسفة نفسها ودفعها إلي النهاية وإجبارها علي " الانتحار" وتقديم الأدلة والمسوغات لبيان أن عباراتها إن لم تكن لغوا هاماً ( كما قال في الرسالة) فهي في أفضل الأحوال تحاول أن تقول ما لا يمكن أن يقال، وإنما يظهر نفسه أو يتجلي بنفسه ( كما قال في البحوث الفلسفية) ... وكأن الهدف من " فاعلية " الفلسفة هو في النهاية تأكيد أن قضايا الفلسفة لا معني لها، ومن أراد أن يبحث عن المعني فليذهب إلي العلوم الطبيعية أو فليرجع إلي لغة الحياة اليومية " الجارية" التي هي صورة من صور الحياة.

ويستطرد فيقول إن دراسة فكر " فتجنشتين " في المرحلة الأولي يبدو وكانه مقطوع الجذور عن تطوره في المرحلة الثانية ؛ بمعني أن فكر " فتجنشتين " المتأخر هو سلب أو نفي لفكرة فتجنشتين المبكر. وبالتالي فإن هناك قطائع ابستمولوجية في فلسفة " فتجنشتين "، وهذه القطائع تنبثق من منطلق أن " تاريخ العلم يتخلله الكثير من القفزات والوثبات والتحولات الفجائية والجذرية وأن التقدم في تاريخ العلم لا يشبه ابدا درجات السلم التي يصعد عليها العلماء درجة بعد درجة للوصول إلي الغاية المنشودة وهي التقدم، وإنما التقدم كما يشهد عليه تاريخ العلم لا يسير وفقاً لخطي متصلة مستمرة، وإنما يحدث من خلال قطائع وانفصالات". وهذه القطائع نحاول هنا في هذه الدراسة إلقاء الضوء عليها، وتحليل عناصرها الأساسية في ضوء أهمية دراسة الابستمولوجيا في الفكر الفلسفي المعاصر.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور عزمي إسلام الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور عزمي إسلام، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

منير لطفيرغم تفاوت الأزمنة والأمكنة، وتمايُز الرتوش والتفاصيل؛ إلّا أنّ التاريخَ ما برح  يكرَّر نفسَه ويعيد الحدَثَ ذاتَه مع تطابُقٍ في المضمون وتوافُقٍ في الجوهر، حتَّى ليُخيَّل إليك أنَّ التاريخ ينفخ في رمادٍ حين يُعلِّم ولا أحد يتعلَّم، ويصرخ في وادٍ حين يُدرِّس ولا أحد يَدْرُس؛ فالرحلة من السجون والمنافي إلى القصور والعروش، لم يكن الجنوب إفريقي المناضل (نيلسون مانديلا) هو مَن قصَّ شريطَها وأعلن افتتاحها، ولن يكون التونسيّ النبيل (المنصف المرزوقي) هو مَن يكتب خاتمتها أو يغلق الباب دونها، طالما أنَّ عجلة التاريخ تسير وذاكرة البشَر تتبلَّد، بينما سُنَن الله لا تتبدَّل ولا تتحوّل.. "سنّة الله التي قد خلَت من قبل ولن تجدَ لسُنّة الله تبديلا" ، "فهل ينظرون إلّا سنّت الأوّلين فلن تجد لسنّت الله تبديلا ولن تجد لسنّت الله تحويلا".

في تونس الخضراء الواقعة في الشمال الإفريقي على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وفي قرمبالية الواقعة 30 كم جنوبي العاصمة، وإبّان الاحتلال الفرنسي الذي جثم على صدر التونسيين لسبعة عقود ونصف؛ وُلِد محمد المنصف المرزوقي في السابع من يوليو عام 1945م، وتربّى في حِجر عائلة بدويّة تنتمي إلى قبيلة المرازيق التي وصَف أطفالَها في مذكّراته بأنهم يُولدون وفي فمهم عَجُز أو صدْر بيت من الشِّعر، ولا يزعقون إلّا على وزنٍ من أوزان الخليل، كناية عن امتلاكهم ناصية اللغة والشّعر.

 وبعد تلقِّيه مبادئ الدراسة الأوّلية بالعاصمة التونسية، رحل إلى والده المَنفِيّ سياسيّا بطنجة المغربيّة، وذلك في عام 1961م، حيث تحصَّل هناك على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة)، قبل أن يمدّ له القدر يده بفرصة ابتعاث ثمينة لدراسة الطبّ في فرنسا بدعم من الحكومة الفرنسية. وعن علاقته بالقراءة في هذه السنّ المبكّرة، ذكر أنه ببلوغه عتبة الخامسة عشرة كان قد قرأ مؤلَّفات العقّاد والمنفلوطي وطه حسين وتيمور وجبران، إضافة إلى دواوين كبار الشعراء.  علاوة على الفرنسيّة التي أجادها وقرأ بها لموليير وراسين وكوناري وغيرهم. هذا بالإضافة إلى الأدب الروسي وزعيميْه تولستوي ودوستويفسكي.

وبين جنبات مدينة النور (باريس)، لبث خمسة عشر عاما (1964-1979م)، التحق خلالها بجامعة ستراسبورغ التي تُعَدُّ مِن أعرق الجامعات الأوروبية وأكبر الجامعات الفرنسيّة؛ فدرَس الطبّ، وتحصَّل على درجة الدكتوراه في تخصّص الأعصاب، ثمّ عمل بالتدريس في الجامعة ذاتها، قبل أن يسافر إلى الصين ليدرس نظام الكومونات وطريقة تقديم الخدمات الصحيّة، والتي استفاد منها لاحقا لدى عودته لتونس وعمَلِه كأستاذ مساعد لطبّ الأعصاب في الجامعة التونسية، ثمّ مشرفا على قسم طبّ المجتمع وتجربة الطبّ الجماعي بكلية طبّ سوسة، وهو القسم الذي يركّز على الجانب الوقائي ويحتكّ بقعر المجتمع في القرى والنجوع.

واستنادًا إلى نشاطه السياسي المناوئ لسلطة (زين العابدين بن علي) الاستبدادية آنذاك، ودعْمه للحريّات والحقوق من خلال تأسيسه للرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان؛ اعتُقِل وطُرِد من وظيفته الجامعية، وكان عليه أن يختار بين ثلاثة اختيارات أحلاها مرّ، تلك الاختيارات التي ضمّنها ابن خلدون مقالته حين قال: "إذا دخلتَ إفريقية (تونس) فوافِق أو نافِق أو غادِر". ولمّا أبت نفسه الحرّة أن يوافق أو ينافق، اختار أن يحزم حقائبه من بلدٍ جارت عليه وهي عزيزة وقومٍ ضنّوا عليه وهم كرام، فغادر إلى فرنسا كمنفًى قسْريّ لمدة عشرة أعوام أخرى (2001-2011م)، عمل خلالها محاضرا في جامعة باريس، واستكمل  بذلك عدّة الربع قرن في فرنسا.

وعلى أنغام ثورة الياسمين التي كانت باكورة الثورات العربية، وجاءت كريحٍ صرْصرٍ عاتية فرّ مِن هولها الطغاة وطأطأ لها الجبابرةُ الأعناق؛ عاد المرزوقي إلى تونس مرفوع الرأس موفور الكرامة، فأسّس حزب المؤتمر مِن أجل الجمهورية، وترشّح للرئاسة، وفاز بها في أوّل انتخابات حرّة وديمقراطية منذ نشأة الجمهورية وانتهاء عصر البايات الملكي في عام 1957م ، ليَعْبر بالثورة التونسية في تؤدة واتزان إلى مرفأ السلامة وبَرِّ الأمان، رغم أشواك الثورة المضادة وتربُّص العديد من القوى الإقليميّة والدوليّة.

والواقع أنه لم يكن طبيبا وسياسيّا وحقوقيّا فحسب، ولكنه يُضاف إلى عداد المفكّرين بالنظر لمؤلَّفاته التي جابت حقولًا معرفيّة متباينة، كالطبّ والفكر والسياسة والأدب، ولعلّ أشهرها مؤلّفه الصادر عام 2010م  تحت عنوان (الرحلة..مذكّرات آدمي)، بعدما وُلد بعمليّة قيصرية تعرّض فيها للنصب من قبل أحد الناشرين الذي قبض المبلغ والمخطوطة وذهب كالريح، وجُوبه من قِبل ناشرين آخَرين بالرفض المهذّب تارة وغير المهذّب تارة. مع أن الكتاب سِفرٌ فتِيٌّ غجريّ، حفل بالسرد الروائي والحوار المسرحي والعمق الفكري والتحليل الفلسفي والأسلوب الأدبي، وجاء مغايرا لِما عهده القرّاء في المذكّرات من استقصاء الوقائع وسرْد الأحداث حسب الترتيب الزماني والمكاني، وهو ما استشْعره المرزوقي ونبّه إليه في صدر الكتاب قائلا: "لن يكون من السهل تصنيف هذا الكتاب، فهو كتاب قد يقبل به الأدب أو الفلسفة أو حتى العلوم الإنسانية.. وقد يُطرَد من كلّ هذه الميادين باعتباره جنسا هجينا لا ينتمي لأيّ حقل معرفي محترَم ومعترَف به".

ولعل هذا ما دعا الجهات الدولية لتكريمه في محافلها المختلِفة؛ فنال درجة الدكتوراه الشرفيّة من جامعة تسوكوبا اليابانية، وصنَّفته مجلة فورين بوليسي الأمريكية ضمن أفضل مائة مفكر عالميّ في عامي 2012و2013م. كما تمَّ تكريمه من قِبَل المُنتدَى المغاربي، والمعهد الملكي للشئون الدولية في لندن. عدا عن حصوله على ميدالية حقوق الإنسان مِن قِبَل الأكاديميّة الوطنيّة الأمريكيّة للعلوم ، وغيرها.

وبالرغم من إخفاقه في الترشّح الثاني للرئاسة التونسية عام 2014م، وبلوغه منتصف العقد الثامن من العمر؛ إلّا أنه ظلّ وفيًّا لمبدئه حين قال: "كونوا صُنَّاعا للحدَث ولا تكونوا مِن ضحاياه"، إذ مازال يَشتعل حماسة لإرساء دعائم الحريّة والديمقراطيّة، ليس في تونس وحدها بل في محيطه العربي والإفريقي، ومنها تأسيسه لحزب سياسي جديد اندمج بموجبه حزب المؤتمر من أجل الجمهورية مع كيانات سياسية أخرى، وهو حزب حراك تونس الإرادة الذي رأى النور في عام 2015م، وهو العام نفسه الذي انطلق فيه ضمن أسطول الحرية الرابع لكسر الحصار الظالم على غزّة، فاعتقله الصهاينة وقاموا بترحيله إلى فرنسا، بعد أن مُنعت السفن من الوصول لبغْيتها.

ومن الناحية الفكرية، وعلى امتداد مسيرته النضالية الطويلة؛ ظلّ يفاخر بانتمائه إلى مدرسة سياسيّة متفرّدة، احتذى فيها بمانديلا إفريقيا وتأسَّى بغاندي الهند، تلك المدرسة التي تهدف إلى أخْلقة السياسة وتنقيتها من عفن الاستبداد والفساد والكذب، وإلى أنْسنة الحُكم بنفْض القدسيّة عن الحاكم الذي يتألّه فيعتبر نقدَه عيبا في الذات العليّة وتَعدِّيا على قدس الأقداس! وهو بهذا ليس علمانيا قحّا يغرّد خارج سرب الدِّين، بل علمانيّا متصالحًا مع عروبته وإسلامه، ومتباهيًا بالاقتداء بمحمّد النبيّ صلى الله عليه وسلّم وعمر الفاروق رضي الله عنه. بمعنى أنّ العلمانية في نظره ليست سوى تقنيات تكنولوجية حديثة، وأدوات حكم جديدة، تسعى إلى تحقيق المقاصد الشريفة التي هي من صلب الدِّين ولا ريب، كالحريّة والكرامة وحقوق الإنسان والمساواة وتداول السلطة.

ومع أنه قضى شطرا كبيرا من عمره في فرنسا، وتشبّع بثقافتها، وكتب أربعة كتب بلغتها، وتزوّج من إحدى بناتها؛ إلّا أنه لم يستغرب كما استغرب الكثيرون من سكان المغرب العربي الذين نزحوا إلى فرنسا، بل ظلّ وفيًّا لجذوره البدوية وحضارته الإسلامية ولغته العربية، إيمانًا منه بأنه لا تَقدُّم لأمّة لا تحترم نفسها ولا تقدّر لغتها، وهو ما أقرّه بوضوح قائلا: "أنا لا أستطيع التنكّر لأصولي البدوية ولا لانتمائي للطبقة الفقيرة ولا لمجيئي من منطقة مهمَّشة، كلّ هذا سيبقى موجودا في داخلي". ولعلّ هذا عائدٌ –كما قال- إلى متانة وعمق الانتماء الذي تربَّى عليه في البيت والمدرسة، والتصاقه بأخبار وطنه وهموم أمّته، ومداومته على القراءة والكتابة بلغة الضاد. إضافة إلى معرفته الدقيقة بأمراض الحضارة الغربيّة من استشراء إدمان الكحول، والتشتّت العائلي، والماديّة المفرِطة.

وقد وضع يده على نقطة التقاطع بين الطبيب والسياسي، وأشار إلى استراتيجية التوازن المشترَكة بين الطبّ والسياسة، وذلك في إحدى لقاءاته الصحفية بقصر قرطاج الذي أدار منه دفّة البلاد قائلا: "أنا طبيب أعرف أنّ الصحة هي قدرة الجسم على إعادة التوازنات التي اختلّت بعد المرض، وبالنسبة لي: السياسة وحقوق الإنسان هي إعادة هذه التوازنات التي اختلّت بين المناطق، بين الجهات، بين الأمم العربية والأمم الأخرى".

ومن مواقفه الإنسانية التي أبَت فيها نفسُه أن تسكنها روح التشفّي والانتقام، توديعه لجسد بورقيبة عام 2000م، والذي حكاه ضمن مذكّراته قائلا: "على جثمان رجلٍ حقدتُ عليه طفلا لأنه كان عدوّ الأب، وشابا لأنه كان عدوّ العروبة، وكهلا لأنه كان عدوّ الديمقراطية؛ قرأتُ الفاتحة بتأثُّر، لأنه من القِيم التي ربّتْني عليها والدتي أنه بحضور الموت تنتهي الضغائن والأحقاد". 

***

بقلم: د. منير لطفي

طبيب وكاتب - مصر

 

 

عبد الرضا عليحينَ عرضتْ جامعةُ الموصل على ثالث النهرين ضيافته، ليفتتحَ موسمها الثقافي للعام 1980م،  اشترطَ أنْ يصحبه في الزيارة صديقاه الحميمان: الدكتور مهدي المخزومي، والدكتور عليّ جواد الطاهر (رحمهم الله)، فما كان من رئيسِ الجامعة المرحوم الدكتور محمّد مجيد السعيد(آنذاك) إلاَّ أنْ يُبادرَ بفرحٍ غامرٍ إلى تكليفِ زميلي الدكتور سعيد جاسم الزبيدي بالاتصالِ بهم، وتحديدِ موعدِ الزيارةِ، ومرافقتهم في الرحلةِ إلى الموصلِ .

لكنَّ سعيداً الزبيديَّ لم يوفقْ في إصعادِهم الطائرة في اليومِ المحدّدِ للسفرِ إلى نينوى، فقد أُلغيتِ الرحلةُ، فهاتف رئيس الجامعة، وطلبَ موافقتهَ في نقلهم بالسيّارات إلى الموصل، فأرسلَ السيِّد رئيس الجامعة سيّارتين إلى بغداد، كانت الأولى سيّارته، وكانت الثانية سيّارة نائب رئيس الجامعة، ويقول الدكتور سعيد الزبيدي: (وانطلقنا صباحاً، ركبَ الجواهري والمخزومي والطاهر في سيَّارةٍ، وركبتُ سيَّارةً أُتابعهم بتا، وبعد أن تجاوزنا حدود مدينة بغداد وقفتْ السيارةُ التي تُقلُّهم جانباً، فظننتُ أنَّهم يبتغونَ أمراً، فوقفتْ السيّارة التي أستقلُّها خلفهم، ورأيتُ الأستاذَ الطاهرَ يترجَّلُ، ويتَّجهُ نحوي، وطلبَ منّي أنْ أُشاركَهم في السيّارةِ التي يستقلُّونَها، فكانت فرحتي لا توصفُ وأنا أتوسّطُ المقعدَ بين المخزومي والطاهر، ومن فُرجةٍ بين مقعدِ الجواهري، ومقعدِ السائقِ لمحتُ الجواهري يُمسِكُ ورقةً ويكتبُ في أوَّلها كلمة لم أتبيَّنها،ثمَّ يكتبُ كلمةً في آخرِ السطرِ منها، فاستغربتُ من صنيعِهِ هذا، ثمَّ التفتُّ إلى أستاذي الطاهرِ لأخبرهُ بما رأيتُ، فقال: هكذا تولدُ القصيدةُ الجواهريَّة!)¹

1056 الجواهري4

وكان الأستاذ سعيد الزبيدي قد هاتف رئيس الجامعة قبل انطلاقهم، محدّداً ساعةَ وصولهم الموصل، فارتأى السيّد رئيس الجامعة أنْ يتمَّ استقبالُ الضيوفِ على مشارف مدينة الموصل بمبعدةٍ لا تقلُّ عن ثلاثين كيلومتراً، عند موقعٍ معيّنٍ، ففرحنا،لأنّنا سنلتقي بالجواهري عن قرب، ووجهاً لوجهٍ، فخرجَ المستقبلون من الأساتذة وأبناءِ الموصلِ الكرامِ بسيّاراتهم، وببعضِ سيّارات الجامعة، وكان على رأسهم السيّد رئيس الجامعة، وأعضاء من مجلسها.

1056 الجواهري8

وصل الموكبُ عصراً (في العشرين من شهر شباط من العام 1980م)، وبعدَ أن تمَّ استقبالهم بالأحضان والقبل، والترحيب، سارَ الموكبُ إلى المركزِ الثقافي لجامعةِ الموصل حيثُ دارُ الضيافةِ، فحلّوا ضيوفاً مكرّمين، وبعد استراحتهم (بضعِ ساعات) أُقيمت الأمسيةُ الشعريَّة في قاعةِ مسرحِ المركز الثقافي لجامعة الموصل، فألقى الدكتور أحمد الحسّو الأمين العام للمكتبات كلمة جامعة الموصل، ثمَّ تولّى الدكتور طارق عبد عون الجنابي رئيس قسم اللغة العربيّة في كلية التربية إدارة الأمسية، فدعا الأستاذ سعيد جاسم الزبيدي لإلقاءِ قصيدته الترحيبيّة بالجواهري، فألقى بين يدي ثالثِ النهرينِ قصيدةً من أربعةٍ وثلاثين بيتاً كان مستهلها:

أطلقْ جناحَ القوافي أيُّها الغردُ

                           فما يُشنِّفُ آذانَ الورى أحدُ

فكان صدى وقعها على الجواهري محبَّباً مريحاً.

1056 الجواهري3

ثمَّ قدّمَ الكتور طارق الجنابي الأستاذ العلاّمة الدكتور عليّ جواد الطاهر، فألقى دراسةً تعريفيّةً نقديَّة وسمها بـ (هو الجواهري)، وبعد انتهاء الطاهر من دراستِهِ النقديّة، ارتأى العلاّمة الدكتور مهدي المخزومي أنْ يتنازلَ عن الوقت المخصَّصِ لدراستِه النقديَّة لصديقهِ الجواهري، وآثرَ أن يتمَّ نشرَ دراستِه النقديّة التي وسمها بـ (في لغة الجواهري) مع ما سيدورُ في الأمسية في الكتابِ الذي أسندَ السيّد رئيس الجامعة مهمّة إصدارهِ للصديقِ سعيد الزبيدي، ولكاتبِ هذه السطورِ، فأصدرناهُ موسوماً بـ (الجواهري في جامعة الموصل، كلمات ومختارات) بعد وقتٍ قصير من الزيارة.

1056 الجواهري2

ثمَّ قدّمَ الدكتور طارق الجنابي الجواهري قائلاً: (تقرأ الجواهري فتـشمُّ رائحةَ الترابِ العربيّ المضمَّخِ بدماءِ الشهداءِ، وبالحضارةِ العربيَّةِ، وبالوجودِ العربيّ، ثمَّ تسمع الجواهري، فتسمع صوتاً عربيَّاً دافئاً دافقاً يتحدَّرُ إليكَ عبر التأريخ الطويلِ، نسيجٌ عربيٌّ، وكلامٌ عربيٌّ، وضميرٌ عربيٌّ، لكأنَّنا نعيشُ مع الجواهري تاريخنا المعطَّرَ كلَّهُ.

أيها الأعزَّاءُ، أقدّمُ لكم بحبٍّ، وودٍّ، وإخلاصٍ صادقٍ، الكلمة الصادقة في كلِّ مكانٍ، وكلِّ زمانٍ أُستاذَنا أبا الفراتينِ، ابن الفراتينِ)²

فارتقى الجواهري الكبير المنصّةَ مُستهلاً قراءته بكلمةٍ قال فيها: (أشكُرُكم جزيلَ الشكر. أنا خجلٌ، ولخجالتي أكثر من سبب... أنا خجل لأنَّني مغمورٌ بألطافٍ أكثر ممّا أطيق التعبير عنها... وأنا خجلٌ مما غمرني به الأخوانُ: وفي الطليعةِ والأول منهم سيادة الرئيس، رئيس الجامعة (أبو غدير) والأستاذ الشاعر المبدع السيّد سعيد، أمَّا الدكتور علي جواد الطاهر فكما رأيتُم فهو أنا، أكثر ممّا أنا... ولا أريد أنْ آخذ من وقتكم.

أولاً: النثرُ بوجودِ الأستاذ الطاهرِ، والدكتور المخزومي، ووجودِ أساتذتكم أولى منّي بهذا الموقف، سبق لي أن قلتُ: (لقد أكلتْ القوافي لساني، ولم تترك منه شيئاً لغيرِ الشعر.)

وثانياً: لا حاجة للنثرِ، فكل كلمة نثر تأخذُ منكم قافيةَ شعر، فلا حاجة لها... إنَّما أعيد شكري، وشُكري الجزيل، لأنَّني سعيد بهذه الفرصةِ التي أتاحها لي سيادة الرئيس، رئيس الجامعة، والأخوان.

هذه فرصةٌ أعدُّها من العمر. وأسالُ اللهَ ألاّ يذهب هذا العمر دونَ أنْ أراكم مرَّةً ثانية، ثمَّ أشارَ إلى ظروفِ الرحلةِ، وكيفَ كادت أن تُلغى بسبب إلغاءِ رحلةِ الطائرةِ، منبِّهاً إلى أنه كتبَ (أُمّ الربيعينِ) في الطريقِ ما بينَ بغداد والموصلِ بصحبةِ الأستاذينِ الدكتور علي جواد الطاهر، والدكتور مهدي المخزومي، مختتماً مستهلَّهُ النثري بقولهِ: (وجئتُ، وفي الطريقِ قلتُ: يجبُ أن أُقدِّمَ شيئاً للموصلِ العظيمة،لأبناءِ الموصل، لشبابِ الموصل، وكنتُ بينَ لحظةٍ ولحظة أُسجِّلُ كلمةً، وهذهِ هي المُسوَّدةُ، وأنا أعِدكم – إن شاء الله- أنَّها قريباً ستكون لديكم كاملة)³

1056 الجواهري6ثمَّ استهلَّ قراءاتهُ الشعريّةَ برائعتهِ (أمَّ الربيعين) التي حيَّا بها الموصلِ، وأبناءها:

أُمَّ الربيعينِ يا منْ فُـقْتِ حُسنَهُما

              بثالثٍ من شبابٍ مُشـرقٍ خضلِ⁽⁴⁾

وحين وصل إلى قولهِ:

ويا محطَّ المُـنى فـي كلِّ مأزمةٍ

               ويا مِجنَّ الحِمى في الحادثِ الجلَلِ

عهدٌ بأنْ سأصونُ العهدَ في قفصٍ

                 من الضلوعِ، وفي زاهٍ من الحُلَلِ

ويا عطوفـينَ لمَّتـني شمائلُهمْ

                   كمـا يلِمُّ الكميُّ السـيفَ من فَلَلِ

شوقاً إليكمْ مدى عمْرٍ تجيشُ بهِ

                شتَّى الدواعي وما زالتْ ولمْ يَزَلِ

توهَّـجتْ وهْوَ في مُزْبَدِّ عارِمِهِ

                 وتغتلي فيهِ، وهْوَ اليومَ في وشلِ

شوقاً أمِنتُ جَناني أنْ يَزِلَّ بـهِ

                   وقد يزِلُّ الفتى خوفاً من الزَّلَـلِ

شوقاً تعثَّرَ بي في زحمةِ الخجلِ

                    ألاَّ أُطيقَ لهُ وصفاً على عجَـلِ

ضجَّتِ القاعةُ بالتصفيقِ المرتفعِ ارتياحاً، وإعجاباً، وتكريماً للشاعر.

ثمَّ بدأ بقراءةِ  مختاراتهَ التي أعدَّها في قصاصاتٍ لا يستطيع أحدٌ غيره قراءتها، لأنَّه يكتبُ أحياناً مفردةً واحدةً من صدر البيت، ومثلها من عجزه، وأحياناً مطلع الصدر برمَّتهِ، وأحياناً المفردة الأولى من العجز، وأحياناً قليلةً جدَّاً يكتبُ البيتَ كاملاً، وسيرى القارىء الكريم أُنموذجاً من خطِّ الجواهري، وكتابتِه مع هذه الدراسة.

وكانت تلك المختارات:

يا دجلة الخير.

لغزُ الحياةِ.

ليلة عاصفة على فارنا.

وصرفتُ عيني.

وحيُ الموقِد.

أرِحْ ركابك.

أزفَ الموعد.

يا أمّ عوف.

رسالة مُملَّحة.

***

وبعد انتهاءِ الزيارةِ مباشرةً شرعنا بإعدادِ الكتاب، وتوزَّعتْ موادُّهُ في ثلاثةِ أبوابٍ، بعد المقدّمةِ، ولقطات من الزيارة هي:

الباب الأوّل: احتوى على ما قيلَ في الأمسيةِ من كلمات، وشعر، ودراسات، وتعليقات.

الباب الثاني: احتوى على قصيدة (أمّ الربيعين) وما قرأ الجواهري من مختاراته الشعريَّة، وهي:

1 – يا دجلة الخير.

2 – لغز الحياة.

3 – ليلة عاصفة على فارنا.

4 – وصرفتُ عيني.

5 – وحي الموقد.

6 – أرحْ ركابكَ.

7 – أزفً الموعدُ.

8 – يا أُمَّ عوف.

9 – رسالة مُملَّحة.

1056 الجواهري7الباب الثالث: لمَّا يُنشرْ في ديوان، وهي تلك القصائد التي لم يحوِها (حتى ذلك الحين) أيُّ ديوانٍ مطبوع، وكانت:

1 – رسالة إلى محمَّد علي كلاي.

2 - آهٍ على تلكمُ السنينِ.

3 – لُغةُ الثياب.

4 – سجا البحر.

5 – فتى الفتيان..المتنبِّي.

6 – محمَّد البكر.

7 – تغنَّ بـ (تمُّوز) .

8 – إلى المجد.

9 – دمشق.

10 – فتيان الخليج (المقدِّمة).

11 – التحيَّة.

12 – فتيان الخليج (القصيدة).

1056 الجواهري1

واتفقنا مع مطبعة جامعة الموصل على أن يكونَ ورقُ الكتابِ صقيلاً ملوّناً (آرت 80)، وأن يكونَ طبعُهُ عرضيّاً (بالعَرضِ) وليس طوليَّاً.أي يكون كالكرّاسِ، لنستفيدَ من وضعِ لوحاتٍ تخطيطيَّةٍ على بعضِ تلك الصفحاتِ الداخليّةِ العرضيّة.

كما اتفقنا مع الفنّانِ التشكيليِّ الموهوب المهندس شاهين عليّ ظاهر(أطالَ الله في عمره) أنْ يتولَّى هو وضع تخطيطات للجواهري، ولبعضِ قصائدهِ، وزوَّدناهُ بصورٍ عديدةٍ لأبي فراتٍ التُـقِطتْ له في أثناء زيارتهِ لجامعةِ الموصل، باستثناء لوحةِ الغلافِ الأول، فقد كانتْ للفنان المرحوم عبد الحميد الحيالي، لكونها لوحةً فنيَّة جميلةً للموصلِ القديمة.

أمّا الخطُّ، فقد تولاّهُ الخطَّاط الكبير الأستاذ يوسف ذنون.

***

وصدر الكتابُ كما أردنا، ونفَّذتِ الجامعةُ القسمَ الأوّلَ من العقدِ الذي أبرمتْهُ معنا، فسلَّمتْـنا أربعينَ نسخةً من الكتابِ تقاسمناها، فضلاً عن المكافأةِ التي كانت ألفِ دينارٍ عراقيٍّ، فحمل الصكَّ صديقي الأستاذ سعيد الزبيدي، ونزلَ بهِ إلى بغداد، وسلَّمه إلى الجواهري، (لأنَّنا اتفقنا سلفاً أنْ نتنازلَ عن حقِّنا في المكافأةِ لصالحِ أُستاذنا الجواهري)، فما كانَ من الجواهري (كما أخبرني الزبيدي) إلاَّ أن سلَّمه  لنجلهِ المرحوم فرات.

وبعدَ عشرةِ أيّامٍ من صدورهِ نفدتْ نُسخُنا الأربعون التي زوَّدتنا بها الجامعة، لأنّنا أهديناها لزملائنا الأساتذةِ في قِسمي اللغة العربيّة في جامعة الموصل: (التربية والآداب) وبعض الأصدقاء خارج الجامعة، وأردنا تنفيذ القسم الثاني من العقد المبرم مع الجامعة ببيعِنا خمسين نسخة من الكتابِ بنصفِ السعر،  فصدمنا بخبرٍ اختفاءِ الكتابِ من مخازنِ المطبعةِ، ومن المكتبات، دونَ أنْ نحظى بالسببِ، وعندما ألحفنا في السؤال قيلَ لنا: لقد تمَّ شحنُه إلى بغداد بأمرٍ من المهيمنين على الثقافةِ في جمهوريّةِ الخوفِ ومنظّمتِها السريّة، فبقينا حيارى، لكنّ صديقنا المرحوم (سامي محمَّد) الذي كان يعمل مترجماً بمجلَّةِ ألف باء ضمن وزارة الثقافة والإعلام  ببغداد همس بأُذني حين زرتُه في مقرِّ الوزارة  قائلاً: كان ذلك بسبب نشركما  لقصيدة أزعجت المنظّمة السريّة، لما تثيره من تأويلات بشأنِ حادثةٍ معيَّنة، فكان ظنُّ الجميع أنَّها قصيدة الجواهري في رثاء محمّد البكر(والله أعلم)، علماً أنَّ القصيدة حتى ذلك الحين لم يضمَّها ديوان، مع كونها قد نُشِرتْ في جريدة الجمهورية، العدد 3231، الأربعاء 29 آذار 1978م، عندما كان والدهُ أحمد حسن البكر ما زال رئيساً لجمهوريَّة العراق.

***

1056 الجواهري5وقبل بضعةِ أيَّام، أي بعدَ ما يقرب من أربعين عاماً على زيارة الجواهري للموصلِ وجامعتها، وصدور كتابنا عن تلك الزيارة فاجأني صديقي الدكتور سعيد الزبيدي بإهدائه (لي) قصيدةً جميلةً تعاطت مع أسئلةٍ ملحَّةٍ بشأنِ قصيدة الجواهري (يا أُمَّ عوفٍ)، وهي أسئلةٌ تريدُ الوصولَ إلى خلاصاتٍ تفتحُ مغاليق الشعرِ، وما كانَ توريةً بين سطور قصيدة الجواهري، فحاولتُ (قدر استطاعتي) معارضته شعريّاً كي أجاري (بقصيدتي) قصيدتَهُ العصماءَ (أخا عوف)، وأجيب عن أسئلته الذكيّة فنيَّاً، وليسَ علميَّاً، فرأيتُ عرضهما معاً في هذه المقالة، فضلاً عن عرضِ ما كان متعلِّقاً بكتابنا (الذي صادرته منظّمة جمهوريَّة الخوف الثقافيَّة آنذاك) من صورٍ، ولوحات، وتخطيطات⁽⁵⁾.

مع عظيمِ الامتنانِ للصديقِ الشاعرِ المرهف الدكتور سعيد جاسم الزبيدي على تلك المفاجأة التي استولدت قصيدتي (رفيق الدرب..) وهذه المقالة الأدبيَّة.

***

أخا عوف ٍ...

سعيد جاسم الزبيدي

(مهداة إلى أخي الناقد المبدع د. عبد الرضا علي)

أتيتُكَ سائلاً يا خـيرَ إلـف ِ

                       أتدري ما ليـالي أُمِّ عوف ِ؟

أسـرٌّ لم يبحْـهُ أبو فـرات ٍ

                       فلمْ يُبدِ الذي قد كانَ يُخفـي؟

أم التبَسَ الأنيـنُ فساءَ ظنِّي

                    بنونات ٍ الرويِّ صدىً لحيفِ؟

ألم تكنِ الليـالي موحيـات ٍ

                      لدى الشّعراءِ مُذْ ألفٍ وألفِ؟

بلى، مُلِئتْ على أرَقٍ شَـكاةً

                       وهمَّاً ناصِـباً يُودي لحتْـفِ!

فهل عَرَضتْ عليهِ أُمُّ عـوفٍ

                   بما عانتْ ضنى جَورٍ وعسفِ؟

وهل دارتْ مطـارحةٌ فأوحتْ

                      إليهِ ليستَعيرَ ثيـابَ ضَـيفِ ؟

وقد عُدَّ الحديث قِرىً وأضحى

                     كربِّ البيتِ من كـرمٍ ولُطْـفِ

أخا عـوفٍ وأسـئلةٌ بأخـرى

                       تُلاحِقُـني وتُـشرِكُني بطيفي

(عجيباتٌ ليـاليهِ) وأولـى

                        يكنَّ اللائقـاتِ لـنا بوصـفِ

فـكانت أمُّ عـوفٍ مسـتراحاً

                         وتسـريةً لَهُ تُغـني وتَـُشفي

ولكنْ هـل تلفَّـتَتِ الليـالـي

                          إليـنا عـندَ غربتِـنا لتـكفي

فلا بُـسُطٌ تُمـدُّ ولا حَشـايا

                       ولا مُـسِحتْ مدامِعُـنا بكـفِّ

وكـم بلـداً حسـِبْناهُ مـلاذاً

                       نبا فيهِ المقامُ لطــولِ خسفِ

ولم نأمَـنْ بلـيل ٍ أو نهـارٍ

                       كأنَّا في البـيوتِ بغيرِ سقفِ

أجبـني إنَّـني مُذْ رُبعِ قرنٍ

                       مُدمَّى ألتظي من غيرِ نزْفِ

فهل حقَّاً ليـالي أمِّ عـوفٍ

                       عجيباتٌ إذا قيـستْ بظرفي

سـأفرُكُ خيـبةً راحاً براح ِ

                        كأنِّـي لم أعُدْ منها بخُـفِّ !

تقاذفني هنا السـبعون قهراً

                    ومن ضـعفٍ يُسلِّمُني لِضعف ِ

ومن نِعَم ٍ وجدْتُ بكـم ملاذاً

                         أتيـتُكَ سـائلا ًيا خيرَ إلـفِ

               ***

رفيقُ الدرب...

عبد الرضــا عليّ

1056 عبد الرضا عليمهداة إلى أخي اللغوي الثبت الدكتور سعيد جاسم الزبيدي

(معارضةً أجاري بها قصيدته العصماء أخا عوف)

وتـسـألُني أبا زيـدٍ بلطـفِ

                     بما قـد كان من سـرِّ امِّ عوفِ

فهل لي أنْ أُجيـبَ وأنتَ أدرى

                     بما قاسـيتَ من حـالٍ وظرفِ

عرفتُـكَ كاشـفاً فطِناً مجيـباً

                       ولم أعرفْـكَ تَسـآلاً  لمخـفي

ولكـنَّ الكبـيـرَ أبـا فـراتٍ

                      يـورِّي خادعـاً قصـفاً بعزفِ

فكـانتْ أُمُّ عوفٍ خَـيرَ بـابٍ

                     ليمضيَ كاشفاً مـا كان يُخـفي

نظامٌ شـنَّ فـي بغدادَ جَـوراً

                   وآذى الناسَ في عَـنَتٍ وخسفِ

فلمْ يـرَ ثالـثُ النـهريـنِ إلاّ

                   رحيلاً عن أذى صَـلِفٍ وجِلْفِ

فولَّى شـطرَ ميـسانٍ مسـيرأ

                 فكانَ لهُ (علي الغربي) يُعَـفِّي¹

كمـا أخـفتْ منافيـنا (تـباعاً)

                        رؤانا، ثـمَّ غـطَّتْـنا بسـجفِ

              ***

لنا يا صـاحبي كُـتِبتْ نجـاةٌ

                      من الأزلامِ والبعـثِ المُسـفِّ

أتذكرُ يـا رفـيقَ الـدربِ أنَّا

                   مشينا صوبَ موتٍ دونَ خوفِ

فأخرجنا سـجيناً ذاتَ ليـل ٍ

                     وأحكمنا التمـوُّهَ والتـخـفِّي²

من المشـفى أخذنـاهُ لبـيت ٍ

                     وعندَ الفجرِ عادَ وكانَ يُغْـفي

وعُدنا ضاحكـينَ بشـأنِ قولٍ:

                      إذا عرفوا سنُـنتَفُ شرَّ نتـفِ

                    ***

أبا زيـدٍ رحيـلُ الـروحِ دان ٍ

                        فهذا القلـبُ أضنـاهُ بنـزْف ِ

فعزفُ الناي باتَ خفيضَ صوتٍ

                     ومنخفضاً بدا  لحنـي وعزْفي

فهل لي أنْ أرى وطني سعيداً

                     وهل لي أنْ أُعيدَ بناءَ سقْفي؟

***

عبد الرضا عليّ

..............................

¹ - يُعَفِّي = يستر، يخفي.

²- كان زميلنا المرحوم مزاحم أحمد البلداوي قد اختطفته المخابرات الصداميّة  من قاعة الامتحان في جامعة الموصل في العام 1982، ثمَّ حكم عليه بسبع سنوات، ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة، وبعد أربع سنوات تعرَّض إلى أزمةٍ قلبيّة حادة، فتمَّ نقله إلى مشفى قرب اتحاد الأدباء، لعلّ اسمه (ابن النفيس)، وحين تحسّنَ وضعه الصحيّ قليلاً اتصل بزوجه الشجاعة أمِّ أحمد، فبادرت هي واتصلت بنا، فخططنا لحملهِ ليلاً إلى بيته، وإعادته في الصباح الباكر إلى المستشفى، لأنّ الحارس الشخصي كان سكّيراً مدمناً، وكان المرحوم مزاحم يغريه بالمال يوميّاً، فيتركه في الساعة الثامنة مساء، ويعود إليه في السابعة من صباح كلِّ يوم، فخطّطنا لنقله إلى داره مساءً، والعودة به إلى المشفى فجراً، ونجحنا في ذلك، وقد كتب عن مجازفتنا تلك الدكتور قصي الشيخ عسكر رواية أسماها بـ(الساعة الثامنة والنصف مساءً) وقد يطول الحديث في تفاصيلها.

.......................

إحـــــــالات

(1) الدكتور سعيد جاسم الزبيدي (من معجم الجواهري) 17، ط1، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، الأردن/عمّان،2015م.

(2) عبد الرضا عليّ، وسعيد جاسم الزبيدي (الجواهري في جامعة الموصل، كلمات ومختارات)، ط1، ص 36، منشورات جامعة الموصل 1980م.

(3) نفسه، 35.

(4) نفسه، 37.

(5) التخطيطات، وغلاف الظهر للفنان التشكيلي البارع شاهين عليّ ظاهر،، أمّا لوحة غلاف الكتاب الأوّل، فهي للفنّان التشكيليّ المرحوم عبد الحميد الحيالي، وثمَّةَ صورتان لخطّ الجواهري حين يهيئ مختاراته للقراءة.

 

محمود محمد علييُعد المفكر الكبير الأستاذ الدكتور محمد صالح محمد السيد (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب –جامعة المنيا بجمهورية مصر العربية)، أحد القامات الفكرية العربية التي آلت على نفسها الجمع بين النظرة العقلية الغربية والتراث الإسلامي في معالجة القضايا الفكرية؛ وبخاصة العقدية، وهي تلك النظرة التي كشفت عن العديد من الأفكار المهجورة في الفكر الإسلامي، وفي  علاقة الإنسان بالآخر،  والقضايا الفكرية الآنية.

كما كان واحداً من كبار الرواد في دراسة الفلسفة الإسلامية في مصر، والعالم العربي الذين استطاعوا ببحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الإسلامية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوى دراستها دراسة موضوعية تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

يشهد علي ذلك زملاؤه بكلية الآداب – جامعة المنيا التي شهدت مولده الوظيفي في أواخر سبعينيات القرن الماضي، بل ويشهد علي ذلك زملاؤه وطلابه في جامعة الكويت التي عمل بها أستاذاً ومحاضراً لسنوات عديدة . وما زال أمد الله في عمره يواصل العطاء في تفانِ وإخلاص نادر لطلابه في كل جامعات مصر والعالم العربي من مشرقه إلي مغربه؛ فهو نعم العالم المتوحد الشامخ: سراجاً هادياً.. عالياً كالمنار.. وارفاً كالظل.. زاخراً كالنهر.. عميقاً كالبحر.. رحباً كالأفق.. خصيباً كالوادي.. مرفرفاً كالعَلم.. لا يرجو ولا يخشي.. طاقته لا تنضب.. كأن وراءها مدداً يرفدها من سر الخلود .

ولد الدكتور محمد صالح في الأول من شهر أغسطس عام 1944، بقرية مغاغة بمحافظة المنيا،  وتدرج بمراحل التعليم الابتدائي والثانوي، وفي المرحلة الجامعية التحق بقسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة القاهرة، وقد أعجب به الدكتور أبو الوفا التفتازاني، حيث أشرف علي رسالته للماجستير، وكانت بعنوان "الحسن والقبح العقليان عند المعتزلة" عام 1974م، وأما رسالته للدكتوراه فكانت بعنوان " خلق العالم عند المعتزلة" عام 1980.

وأما عن تدرجه في المناصب الاكاديمية الجامعية، فقد عُين مدرساً مساعداً عام 1975، ثم مدرساً عام 1980، ثم أستاذاً مساعداً عام 1986، ثم أستاذا عام 1997. وعن تدرجه الوظيفي فقد عُين مشرفاً ورئيساً لقسم الفلسفة من 1986 وحتي 1999م، ثم عُين بعد ذلك وكيلاً من 1997 وحتي 1998م، ثم أُعير لجامعة الكويت وفيها عُين رئيساً لقسم الفلسفة من عام 2002 وحتي عام 2005م، ثم كان عضواً بلجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر.

وخلال ذلك أصدر للمكتبة العربية عدة كتب من أهمها: أصالة علم الكلام، وعمرو بن عبيد وآراؤه الكلامية والفلسفية، والخير والشر عند القاضي عبد الجبار، وإعادة بناء علم التوحيد عند الإمام محمد عبده، والإسكافي وآراؤه الكلامية، ومدخل إلى علم الكلام. علاوة علي تأليفه للكثير من البحوث المنشورة بالدوريات والمجلات العلمية والمؤتمرات، فنذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: نحو علم كلام معاصر، وتربية الذات عند الشيخ مصطفي عبد الرازق، وتجديد الفكر الإسلامي، والملاحمي والرد علي الدهرية، وأسس فلسفة الذات عند إقبال، وفلسفة الشهادة في الإسلام، والحوار مع الآخر في تراثنا الكلامي، وأسس الجدل عند المتكلمين، ومدخل لتجديد الخطاب الديني مستوحى من التراث الديني للإمام محمد عبده، ومرتكزات الخطاب الإسلامي المعاصر، وفلسفة الأخلاق عند المعتزلة، والغزالي سيرة ذاتية مثيرة للجدل ... وهلم جرا.

ويتميز الدكتور محمد صالح في كتاباته ومقالاته بالعمق، وسعة الاطلاع، والتعمق في البحث، وإضافة البعد النقدي الذاتي إلي البعد الموضوعي، والأسلوب الأكاديمي الرائع والذي نادراً ما نجده في بحوثنا الحالية؛ فكتاباته تمثل نضجاً فكرياً هائلاً، وبناءً هرمياً متماسكاً، ومن يحاول أن يحذف سطراً واحداً من بحث لمحمد صالح في موضوع من الموضوعات فوقته ضائع عبثا، لأن أسلوبه يعد أسلوباً أكاديمياً دقيقاً وعباراته بعيدة كل البعد عن الطابع الإنشائي البلاغي الفضفاض، لا يقول عبارة إلا علي قدر المعني .

واسمح لي عزيزي القاري أن أذكر لك جانباً من ابداعاته التي تميز بها في الفلسفة الإسلامية، وبالأخص علم الكلام والذي كانت معظم أبحاثه ودراساته متجسدة فيه، فقد محمد صالح عاشقاً له .. غيوراً عليه .. متفرداً في طرحه للكثير من القضايا والمشكلات العقدية، فهو ينظر لعلم الكلام علي أنه يمثل الكلام فلسفة الإسلام علي الحقيقة، تلك الفلسفة التي اتسمت بالأصالة والإبداع، حيث ارتبط هذا العلم كما يقول محمد صالح :"في نشأته ارتباطاً وثيقاً بالمشكلات الدينية والسياسية والثقافية التي أفرزها الواقع الإسلامي في تطوره، وحاول من خلال اجتهاداته حول العقيدة أن يقدم حلولاً لهذه المشكلات، كما أخذ علي عاتقه مهمة الدفاع عن العقيدة، وقد أبلي في ذلك بلاءً حسناً، واقتضت مهمته الدفاعية أن يستعين بكل ثقافة ممكنة، لإبراز ما كمن في الدين من قيم إيجابية تقف في مواجهة هذه التيارات العاتية، واستطاع – بحق – أن يكون من خلال اجتهاداته حول العقيدة "فلسفة العقيدة "، اتسمت بالعقلانية في كثير من جوانبها، وكانت مقدمة ضرورية لتأسيس فلسفة فلاسفة الإسلام".

لقد كان علم الكلام في نظر محمد صالح أحد ركائز الحضارة الإسلامية في عصر ازدهارها، بما هيأه من فهم للدين وأصوله، ذلك الفهم الذي انطلق منه المسلمون في بناء تلك الحضارة التي أبدعت في جانبيها الروحي والمادي ...، وكانت – بحق – إحدى حلقات التقدم الإنساني، استفادت من حضارات سابقة، وأضافت وأبدعت من ذاتها إبداعاً جديداً، وهذا شأن الحضارات الحية تأخذ وتضيف وتبدع، وليس من شك في أن إبداعها كان نقطة انطلاق لحضارة أوربا، التي أصبحت الآن تمثل – بالنسبة لنا – تحدياً حضارياً، وما زلنا حتي الآن منذ قرنين من الزمان أو يزيد نلتمس طريقاً للخلاص من طغيانها.

بيد أن علم الكلام في رأي محمد صالح مع ما حققه من نجاحات كثيرة، إلا أنه وجه إليه الكثير من النقد سواء عند القدماء من بعض أئمة الفقه والحديث ... أو بعض المفكرين من المحدثين والمعاصرين .. وخلاصة ما وجهه بعض أئمة الفقه والحديث والحنابلة وبعض الصوفية من نقد كما يقول محمد صالح :" يدور حول شرعية بحوث علم الكلام، فهم يرون أن علم الكلام خاض في موضوعات من دقيق الكلام وجليله، وهي موضوعات – في نظرهم – لا يجب الخوض فيها . أما خلاصة ما وجهه بعض المفكرين المُحدثين والمعاصرين من نقد لعلم الكلام أنه علم لا جدوي منه، حيث لا يجد فيه المسلم المعاصر ما يعينه علي مواجهة واقعه المأزوم، وحل مشكلات مجتمعاته المعاصرة، كما لا يجد فيه أملاً في مواجهة تحديات الحضارة الغربية، بما تفرزه من تيارات فكرية ومذاهب فلسفية يحمل بعضها جوانب إلحادية ترمي إلي هدم الإسلام، بل هدم كل دين، ولهذا فهم ليسوا علي قناعة تامة في أن بعث علم الكلام يمكن أن يسهم إسهاماً فعالاً في تكوين ثقافتنا المعاصرة ".

وهنا يؤكد محمد صالح علي حقيقة مهمة وهي أن :" ما أثير بصدد مشروعية ما خاض فيه المتكلمون من موضوعات في " الدقيق " و"الجليل"، إنما هي موضوعات فرضت عليهم فرضا من قبل خصومهم، وهم بصدد مجادلتهم، أو دحض هجومهم علي الإسلام، وهذه الموضوعات في مجملها تمثل نقاط الخلاف بين الإسلام والأديان المختلفة، فهم لم يتجهوا لمناقشة " الدقيق " و" الجليل "، بدافع الجرأة العقلية المحضة، إنما كان ذلك لما اقتضته طبيعة المهمة الدفاعية لعلم الكلام، ومع ذلك نجد معظم المتكلمين كما يقول محمد صالح يبرأ إلي الله من كل ما يخالف القرآن والسنة، فهذا هو النظام المعتزلي والذي يعد من أكثر المتكلمين جرأة عقلية يضرع إلي الله عند احتضاره قائلاً :"اللهم إن كنت تعلم أني لم أقصر في نصرة توحيدك، ولم اعتقد مذهباً من المذاهب اللطيفة، إلا لأشد به التوحيد، فلما كان منها ما يخالف التوحيد، فأنا منه بريء، اللهم إن كنت تعلم أني كما وصفت فأغفر لي ذنوبي، وسهل علي سكرات الموت"، وهذا أيضا أبو الهذيل العلاف الذي خاض في دقيق الكلام يفطن ببراعته يحقن ببراعته وانحلاله عن كل ما يخالف منهاج الإسلام ويعتذر بأن كان لنصرة الإسلام، وهذا ما نجدة عند الأشعري والجويني والغزالي".

أما ما أثاره بعض المفكرين المحدثين والمعاصرين كما يقول محمد صالح فيرجع إلي أنهم :" نظروا في علم الكلام في طوره المتأخر، الذي غلب عليه التدهور والإنحلال ولم يوفقوا في إبداع فكر جديد يواجه العصر ومستجداته، بل ظل يدور في فلك المشكلات التقليدية، يعالجها علي نفس النمط الذي عولجت به في كتب الأسلاف، من هنا جردت من ارتباطها بالواقع تماماً، هذا فضلا عن المناهج العقيمة التي تمسكوا بها، والتي لا تسعف مفكر اليوم عن معالجة مشكلاته الراهنة التي أفرزها تقدم الحياة وتطورها، سواء كان ذلك فيما يتعلق بالتقدم العلمي، أو التقدم في مجال البحث في حرية الإنسان وكرامته وعلاقته بواقعه ".

وهنا يقول محمد صالح :" ونحن وإن كنا لا نقبل وجهة النظر هذه، فإننا لا ندعي أن علم الكلام في عصوره المتأخرة، يمكن أن يكون مفيداً للمثقف المعاصر، أو مؤثراً علي نحو أو آخر في تغيير الواقع إلي ما هو أفضل، أو معينا علي مواجهة تحديات العصر ومشكلاته، غير أننا نقول إن المحلل لتاريخ علم الكلام في عصر ازدهاره لن يشق عليه أن يعثر علي مجموعة من القيم الإيجابية، يمكن أن يكون لها فعالية في نهضتنا المعاصرة، إذا استثمرت استثماراً معاصراً ".

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة في نظر محمد صالح في عجالة سريعة – إلي بعض هذه القيم، حيث يقول :" ارتبط علم الكلام في نشأته وتطوره بالواقع الإسلامي فجاءت المشكلات التي عالجها في عصر ازدهاره من واقع حياتهم، فكان فكرهم معايشا لوقعهم ومرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً، وقيمة ارتباط الفكر بالواقع قيمة لها أهميتها في تقدم أي مجتمع وتطوره، فما تعانيه مجتمعاتنا من مشكلات وتأخر، إنما يرجع – في بعض جوانبه- إلي إهمالنا للمشكلات الحقيقية، وانغماسنا في مشكلات عقائدية جدلية، قد تكون موغلة في التجريد، من هنا لم يقو علم الكلام – المعاصر – علي إنتاج فكر يقف في مواجهة الأيديولوجيات والفلسفات الوافدة والتي تواجه المسلمين منذ بداية نهضتهم، ذلك لأن الفكر المنفصل عن الواقع لا  يتهيأ له وسائل التأثير والتغيير في مجتمعه ولا يكون دافعا لتقدمه .

ويعتقد محمد صالح أن علي علم الكلام المعاصر مهمة أساسية وهي البحث عن صيغ جديدة للربط بين التنظير في مجال العقيدة وبين الواقع الذي نعيش فيه فقد اسرف علم الكلام القديم – أحياناً – في التنظير، علينا أن نسرف نحن الآن في التطبيق، فعلم الكلام القديم وإن كنا نلمح فيه هذه القيمة إلا أنها لم تتطور لتصبح قيمة راسخة".

ويستطرد محمد صالح فيقول :" ولكي لا أكون في مجال التنظير علي أن أضرب بعض الأمثلة فقط لتوضيح هذه القيمة فأقول :إن ما شاع في مجتمعاتنا من الفصل بين النظر والعمل، بل وجعل صناعة العمل في مرتبة أدني من صناعة النظر أدي إلي احتقار العمل وتقديس الفكر النظري الخالص المنزه عن الأغراض العملية، وصار فكرنا قابعاً في هذه الأطر النظرية الخالصة، والبعيدة كل البعد عن الواقع العملي، إن الإشكالية التي يواجهها علم الكلام المعاصر هي كما عبر عنها محمد إقبال كيف يكون علم الكلام علماً يدفع إلي تقوية الذات الإنسانية لتتجه إلي العمل المؤثر في الحياة ؟، علما لا يقتصر علي إيراد الأدلة علي وجود الله وصفاته، بل يتعدى ذلك إلي بيان كيفية الاتصال بالله تعالى، اتصالا يدفع إلي العمل، الذي يقضي علي الجمود والتخلف، فعلي علم الكلام الآن أن يحلل الأصول الاعتقادية مبيناً مضامينها العملية، وكيف تكون دافعة للإنسان إلي العمل المنتج، لا يكفي عرض الأصول الاعتقادية في صيغها النظرية، وإنما المطلوب تحليلها تحليلاً عقلياً يربطها بالعمل، لتصبح أصولاً دافعة إلي تغيير الواقع لما هو أفضل، وتكون مؤثرة في حياة المسلم سواء علي مستوي حياته الشخصية الفردية أم علي مستوي المجموع أو المجتمع، فالتوحيد – مثلاً وهو أصل الأصول جميعاً، لو حللناه لوجدنا فيه معان عملية كثيرة منها أنه قوة محررة للإنسان من كل القيود التي تغله ... من قيود : الخرافة والجهل، وقيود السلطان والقوي أيا كانت دينية أو سياسية أو اجتماعية، فهو تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، بل وعبودية كل ما سوي الله، وإذا تحقق للإنسان هذا التحرر ـ تحققت المساواة، وإذا كان حراً، فإنه يوكل إلي عقله، فالحرية والعقل مكمل أحدهما للآخر . والتوحيد بهذا يكون مفجراً للطاقات الابداعية، فتنطلق الذات الإنسانية لتبني المجتمع الأمثل، وتحقق النموذج المتفوق، والذي عاشه أمس الإسلام . وهكذا تكون مهمة علم الكلام المعاصر التركيز علي تحليل الأصول الدينية تحليلا يجعلها حوافز للعمل، وللسعي الدؤوب، فيرد للعقيدة فاعليتها وقوتها الإيجابية، ويصحح الصورة الشائهة التي رسمت للمسلمين والإسلام مرادفاً للتخلف، وعدواً للحضارة، وخصما للحرية، وتوأماً للإرهاب .

ومن القيم التي استخلصها محمد صالح من تراثنا الكلامي في عصر ازدهاره قيمة العقل، الذي هو السبيل إلي فهم الدين ونصوصه، وهو السبيل إلي الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص قطعي الثبوت والدلالة، وهو أداة المواجهة مع المخالفين، فليس من سبيل إلي دعوة المخالف أو مواجهته إلا بدليل العقل ولا رد المتطرف إلا بحوار عقلي مقنع.

وهنا يعلن محمد صالح فيقول :" ونحن في استيفائنا لقيمة العقل في حياتنا المعاصرة لسنا مطالبين أبدأ أن نطبقه علي نفس الموضوعات التي تناولها اسلافنا إذ ربما لا تكون هي نفس الموضوعات المعاصرة، ولعل من أرحب مجالات العقل الآن مجالين مهمين : الأول: العلم وجوهره الإيمان، والثاني : الاجتهاد وجوهره التحرر من التقليد. ويمكن الإشارة أخيرا إلي قيمة من القيم الإيجابية المستخلصة من تراثنا الكلامي في عصر ازدهاره، قيمة الانفتاح علي ثقافات العصر، انفتاحا مستبصراً، فلقد انتحت عقول المتكلمين في وقت مبكر علي ثقافات عصرهم، والعصر السابق عليهم، بما تهيأ لهم من حرية فكرية، فاتسع أفقهم، وتنوعت اهتماماتهم، وهم في اطلاعهم علي ثقافة الغير، لم يقفوا عند حد الأخذ والتقليد، بل كان اطلاعهم اطلاعاً مستبصراً، فأخذوا واضافوا وأبدعوا، وما أخذوه هذبوه وطوعوه لثقافتهم الإسلامية، وجدير بنا أن ندرس تجربتهم في هذا المجال في الاطلاع علي التراث العالمي والمحافظة علي الهوية، وبخاصة ما يدور من جدل حول العلاقة بين العولمة والهوية الذاتية، فكثيراً ما يطرح السؤال الان كيف نكون عالميين في ثقافتنا، وفي نفس الوقت محافظين علي هويتنا وخصوصيتنا الإسلامية.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ الدكتور محمد صالح لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

زهير الخويلدي"أعدل السير أن تقيس الناس بنفسك فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك"

عاش روزبة بن داذويه بين 724 و759 وإذا كانت فيروز آبادي هي أرض المولد فإن بغداد أو البصرة  هي مكان وفاته واشتهر بنقله إلى العربية الحكمة المشرقية وخاصة من اللغة الفارسية والهندية والبهلوية.

اشتهر بحكمته العملية ومعرفته النظرية ونظرته التاريخية وفكره الموسوعي وأدبه الصغير والكبير ونقده السياسي للحكام على لسان كتابه الشهير الذي يجمعه من مختلف الثقافات الشرقية والمعنون"كليلة ودمنة".

لقد كانت حياته قصيرة ولكنها حافلة ومليئة بالمغامرات والمواقف والتحديات ولذلك كانت نهايته تراجيدية وجسدت الصراع الذي اندلع بين القلم والسيف وبين المعرفة والسلطة حيث جسد نموذج المثقف الرافض.

لقد عرف عنه ارتياده سوق المربد واختلاطه بالناس وحضور مجالس العلم والنهل من المعارف الملقاة ولقد ساعده ذلك على تعلم العربية بسرعة والتخصص في الأدب وما يضمه من شعر وقصة وفقه ولغة.

تتلمذ على يد عيسى بن علي وتواصل مع مواليه من بني الأهتم وتبنى الكثير من الأفكار الفلسفية والعقدية التي أثرت في نظريته عن الإنسان وعلاقته بالكون ودوره في المجتمع ودفعته إلى اعتماد العقل والمنطق.

لقد ألف وترجم الى لغة الضاد الكثير من الكتب أهمها "كليلة ودمنة" و"الدرة الثمينة والجوهرة المكنونة" و"سير الملوك" و"التاج في سيرة أنو شروان" و"رسالة الصحابة" و"الأدب الكبير" و"الأدب الصغير" و"عجائب سجستان" و"أيساغوجي" و"باري تارمينياس" و"أنالوطيقا في تحليل القياس" و"كتاب نزدك".

لقد أطلعنا على عادات الفرس وسير ملوك الساسانيين والمعارف القادمة من الهنود ولقد اتصف برجاحة العقل وعمق التفكير وصلابة الرأي وسداد العمل وقدم قراءة فنية مغايرة للثقافة الفقهية والكلامية السائدة.

لقد جعل من الملك دبشليم والحكيم بيدبا وكسرى أنو شروان شخصيات أدبية ونزع عنها الصفة التاريخية واستعمل الحيوانات في النقاش السياسي حول الملك والعدل والظل وتدبير شؤون الناس وتحصيل السعادة.

لقد جمع في هذا الكتاب الشهير عددا هائلا من الحكم والأمثال والأقوال والعبارات والصيغ والمأثورات والمواعظ التي تنصح بتهذيب الأخلاق وتدعو إلى الابتعاد عن الرذائل والتحلي بالفضائل وترك الشرور والحقد والدسائس والكذب والجبن والسرقة والالتزام بالقيم المثلى كالصدق والعفة وأمانة والوفاء والخير.

لقد حرص على تفضيل المصلحة العامة في السياسة ونبه الى اعتماد جواهر الحكمة العملية ومدح العقل في حضارة  تقدس النص بقوله:" إن أمارة صحة العقل، اختيار الأمور بالبصر وتنفيذ البصر بالعزم".

 إذا كان الأدب الصغير يتضمن حاجة العقل إلى الروية والاعتدال والتوسط ويجعل من الأدب أسلوب لتنمية العقول وشحذ الأفهام وتقوية الإرادات وتمتين العزائم فإن الأدب الكبير يشتغل على تزكية النفس بالرياضة العقلية والصداقة البشرية ويحلل قواعد الحكم وشروط الصداقة وحاجة الناس إلى التعاون. لكن لماذا تخلص الساسة من ابن المقفع بسرعة ؟ وأي خطر مثله أدبه سواء الكبير أو الصغير على سلطانهم؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

محمود محمد عليفي هذا المقال الرابع والأخير نحاول أن نبرز قضية أخري مهمة عند السهروردي، وهي قضية توافق العقل مع الذوق، حيث يدعو السُّهْرُوَرْدِىّ في مذهبه الإشراقي إلى ضرورة توافق الذوق مع العقل أو المنطق . فالعقل الذى يرى ويفكر وحده دون أن يكون له مؤيد له من الذوق، ليس من الثقة فيه والاطمئنان إليه، بحيث ينتفى كل شك فيه، وتزول كل شبهة، ولا بد من ازدواجية أداة المعرفة التى تعتمد على الحكمة البحثية المعتمدة على التحليل والتركيب والاستدلال البرهانى وهى حكمة الفلاسفة المشائية، والحكمة الذوقية التى هى ثمرة مذاق روحى، وهى حكمة يحياها الإنسان . ولا يستطيع التعبير عنها، وهى حكمة الفلاسفة الإشراقيين، وليس ثمة تعارض حقيقى بين الحكمتين، وإنما هو تعارض ظاهرى لأن الفيلسوف الإشراقى الحقيقى هو الذى يتقن الحكمة البحثية وينفذ في نفس الوقت إلى أسرار الحكمة الذوقية  .

ويعطينا الشهرزورى تلميذ السُّهْرُوَرْدِىّ صورة واضحة لهاتين الحكمتين، فيقول: "جمع  السُّهْرُوَرْدِىّ بين الحكمتين، أعنى الذوقية والبحثية. أما الذوقية فشهد له بالتبريز فيها كل من سلك سبيل الله عز وجل وراضى نفسه التشاغل بالعالم الظلمانى، طالباً بهمته العالمية مشاهدة العالم الروحانى . فإذا استقر قراره وتهتك بالسير الحثيث إلى معاينة المجردات أستاره، حتى ظفر بمعرفته ونظر بعقله إلى ربه، ثم وقف بعد هذا على كلامه. فلنعلم حينئذ أنه كان فى المكاشفات الربانية آية والمشاهدات الروحانية نهاية، لا يعرف غوره إلا الأقلون، ولا ينال شأوه إلا الراسخون . وأما الحكمة البحثية فإنه أحكم شأنها وشيد أركانها، وعبر عن المعاني الصحيحة اللطيفة بالعبارات الرشيقة الوجيزة، وأتقنها إتقاناً لا غاية وراءه لا سيما في كتابة المعروف " بالمشارع والمطارحات " فإنه إستوفى فيه بحوث المتقدمين والمتأخرين، ونقض فيه أصول مذاهب المشائين وشيد فيه معتقد الحكماء الأقدمين، وأكثر تلك البحوث والمتناقضات، وذلك على قوته فى الفن البحثى والعلم الرسمى .

ويستطرد الشهرزورى فيقول: " واعلم أنه لم يتسير لأحد من الحكماء والعلماء والأولياء ما تيسر لهذا الشيخ من إتقان الحكمتن المذكورتين، بل بعضهم يسر له الكشف، ولم ينظر في البحث كأبى يزيد البسطامى و" الحلاج " ونظرائهما، وأما إتقان البحث الصحيح بحيث يكون مطابقاً للوجود من غير سلوك وذوق فلا يمكن وجميع الحكماء المقتصرين على مجرد البحث الصرف مخطئون في عقائدهم . فإن أردت حقيقة الحكمة وكنت مستعداً لها، فأخلص لله تعالى وأنسلخ عن الدنيا انسلاخ الحية من جلدها عساك تظفر بها، وذلك لأن الحكمة الإشراقية كما يري السُّهْرُوَرْدِىّ لا يمكن تعلمها لا بفكر ولا بنظم دليل قياسى أو نصب تعريف حدى أو رسمى، بل بأنوار إشراقية متناوبة، وتشاهدها فوقها على العناية الإلهية، وهذه الحكمة الذوقية قَل من يصل إليها من الحكماء ولا يحصل إلا للأفراد أو الحكماء المتألهين كأنباذوقليس وفيثاغورس وسقراط وأفلاطون وغيرهم من الأفاضل الأقدمين الذى شهدت الأمم المختلفة بفضلهم وتقدمهم .

وإذا كان السُّهْرُوَرْدِىّ قد جمع بين الحكمتين الذوقية والبحثية . فيمكن تلمس هاتين الحكمتين عند الفيلسوف الإنجليزي " برتراند راسل " Bertrand Russell، حيث كتب رسالة في غاية الروعة عن العلاقة بين المنطق والتصوف، حيث عقد فصلاً هو من أجود ما كتب في حياتة الفلسفية، أراد أن يميز بين قطبى الرحى في حياة الإنسان الثقافية الذين هما بصورة مجملة التصوف في ناحية، ومنطق العقل في ناحية أخرى، ففى الحالة الأولى يكون الإدراك مباشراً وبغير مقومات، وفى الحالة الثانية على " التحليل "، بينما يرفض أصحاب الحالة الأولى كل ضروب " التحليل "، وأطلق "راسل" على بحثه ذاك عنوان " المنطق والتصوف " Mysticism & Logic، ثم جعل العنوان نفسه عنواناً لكتاب يضم ذلك الفصل من فصول أخرى، وإنه لما يفيدنا في هذا الموضوع أن نوجز ما قاله " راسل " فى العلاقة بين المنطق والتصوف "، يقول "رسل": لقد سار الإنسان في محاولته أن يتصور العالم من حيث هو كل واحد مدفوعاً بدافعين مختلفين كل الاختلاف، وقد يتلاقى هذان الدافعان معا في إنسان واحد، وقد لا يتلاقيان، فأولهما هو الذى يحفز الإنسان إلى النظر إلى الوجود نظرة المتصوف، وأما الثانى فيحفزه إلى النظر بوسيلة العقل نظرة العلماء، ولقد استطاع أعظم الرجال أن يبلغوا قمة العبقرية بالدافع الأول وحده . كما استطاع أيضاً أعظم الرجال أن يبلغوا قمة العبقرية بالدافع الثانى وحده . ولكن أعظمهم جميعاً هم أولئك الذين اجتمعت لهم عناصر المعرفة العقلية، وعناصر الإدراك الصوفي في آناً معاً .

ويوضح برتراندراسل ذلك قائلاً:" تطورت الميتافيزيقيا، أو محاولة إدراك العالم ككل بوسائل الفكر، منذ البدء عبر وحدة وتصارع دافعين إنسانيين، أولهما يحث الناس على التصوف، فيما يحثهم الثاني على العلم . لقد حقق بعض الأفراد ما هو عظيم ضمن الدافع الأول وحده، فيما حققه البعض الآخر عبر الدافع الثاني وحسب: فإذا أخذنا " ديفيد هيوم" مثلاً، كان الدافع العلمي عنده هو الغالب دون منازع، فيما نجد عند " بليك " العداء حيال العلم يتعايش مع رؤية صوفية عميقة . لكن الأفراد الأكثر عظمة والذين هم الفلاسفة كانوا يشعرون بحاجة لكل من العلم والتصوف: فمحاولة خلق تناغم مّا بين الاثنين ـ التي وسمت حياتهم، والتي يجب أن تكون دائماً كذلك، بما فيها من توقد غير مستقرـ هي التي جعلت الفلسفة تبدو، بالنسبة لبعض العقول شيئاً يفوق بعظمته العلم والتصوف" .

ثم يعطينا برتراندراسل أمثلة للخصائص التي تميز دافِعيْ العلم والتصوف مأخوذة من حياة فيلسوفين عظيمين إمتزجت حياة كل منهما بقوة بما أنجزه . هذان الفيلسوفان هما هيرقليطس وأفلاطون، حيث  يقول ": لقد كان هيرقليطس، كما يعرف الجميع، يؤمن بمقولة التدفق الشامل: الزمن يبني جميع الأشياء ويحطمها. ومع أنه ليس من السهل معرفة كيف توصل إلى آرائه، إذ لم يبق لدينا منه سوى شذرات، يمكننا القول إن بعض ما قاله يوحي بأن المراقبة العلمية كانت ينبوع آرائه. يقول: " الأشياء التي يمكن أن تُرى، أو أن تُسمع، أو يتم تعلمها هي التي أُثمنها أكثر" إن لغة كهذه هي لغة أمبيريقية، تشكل فيها المراقبة الضمان الوحيد للحقيقة. وكذلك قوله إن " الشمس جديدة في كل يوم"، واحدة من تلك الشذرات، تكشف بوضوح، رغم طابعها المُتناقض، أنها كانت تستلهم التفكير العلمي، فمما لا شك فيه أن هيرقليطس، عبر ذلك الحكم، كان يحاول تحاشي صعوبة فهم كيف أن الشمس بمقدورها التحرك من الشرق إلى الغرب. ولا بد أن تكون المراقبة العيانية أيضاً هي ما أوحى له بنظريته المركزية، القائلة بأن النار هي الجوهر الوحيد الثابت والذي تمر بفضله جميع الأشياء المرئية عبر مراحل. ففي الاحتراق نرى تحول الأشياء التام، فيما يتصاعد اللهب والحرارة في الهواء ثم يتلاشيان. يقول "هذا العالم، والذي هو واحد بالنسبة للجميع لم يصنعه أي من الآلهة أومن البشر، لكنه كان دائماً، وهو الآن، كما سيكون دائماً، من صنع النار الحية، ثمة مكيال يُضئ، فيما يخمد مكيال آخر. تحولات النار هي، قبل أي شئ آخر، بحر؛ ونصف البحر أرض، ونصفه الآخر زوبعة تبقى هذه النظرية، رغم أنها قد أصبحت مرفوضة من قبل كل العلوم، علمية في روحها. كذلك يبقى علمياً حكمه الشهير الذي يستشهد به أفلاطون " لا يمكننا النزول مرتين في النهر الواحد؛ لأننا ننزل دائماً في مياه جديدة" . غير أننا نعثر أيضاً على حكم آخر ضمن تلك الشذرات " نحن نهبط في النهر الواحد ولا نهبط، لأننا موجودون وغير موجودين".

ويري راسل أن مقارنة هذه العبارة الصوفية، بتلك التي يذكرها أفلاطون، العلمية، تظهر إلى أي حد يتزاوج فيه الدافع الصوفي بالدافع العلمي في نظام هيرقليطس. فالتصوف، في جوهره، شئ أكثر من محض توتر أوسع وأعمق في الإحساس حيال الطريقة التي يجري بها فهم الكون؛ وهذا الإحساس قد أدى بهرقليطس، على أسس علمه، إلى ذلك النوع من الأقوال الغريبة والمؤثرة عن الحياة والعالم، كقوله: الزمن طفل يلعب بالنرد، القوة الملكية هي قوة الطفل. فالمخيلة الشعرية، لا العلمية، هي من يقدم الزمن باعتباره سيداً طاغياً يتحكم في العالم، بكل ما ينطوي عليه الطفل من طيش ولا مسؤولية . والتصوف أيضاً هو ما جعل هيرقليطس يؤكد على وحدة المتناقضات: " واحد هما الخير والشر"، كما يقول: كل الأشياء عند الرب لطيفة وخيرة وعادلة، لكن البشر يحسب البعض منها خاطئاً والبعض الآخر صحيحاً. ترتكز أخلاقية "بيليك وهيرقليطس " على الكثير من التصوف. صحيح إن التحديد العلمي هو الذي ألهم حكمه التالي: طبع الإنسان هو مصيره، بيد أن المتصوف وحده منْ يمكنه القول: "تساق كل بهيمة بالصفعات إلى المرعى، وكذلك: يصعب نزاع المرء مع رغبة قلبه. كل ما يُرغب الحصول عليه، يتم شراؤه على حساب الروح، وأيضاً: "الحكمة واحدة. إنها معرفة الفكرة التي تُرَص فيها الأشياء بعضها ببعض

ويزيد راسل في مضاعفة الأمثلة، فيقول:"  ثمة مقاطع عند أفلاطون –من بين تلك التي تُبين الجانب العلمي من عقله- تشير إلى معرفته الواضحة بذلك الأمر. أكثر تلك المقاطع أهمية هو ذلك المقطع الذي يشرح فيه سقراط، الذي كان شاباً، نظرية الأفكار لبارمنيدس. فبعدما أوضح سقراط أن هناك فكرة للخير، لكن ليس ثمة من فكرة لأشياء كالشعر أو الطين أو القذارة، ينصحه بارمنيدس بالمضي وأن لا يزدري حتى بالأشياء الوضيعة. وقد كشفت تلك النصيحة عن الطبع العلمي الأصيل. إذ لا بد من تركيب الرؤية الصوفية للواقع السامي للخير مع هذا الطبع اللامتحيز، إذا ما كانت الفلسفة تطمح في تحقيق أعظم ممكناتها. بيد أن إخفاقها على هذا الصعيد هو ما جعل الفلسفة المثالية هزيلة، فاقدة للحياة، وبلا مادة. فعن طريق التزاوج مع العالم يمكن لمُثلنا جلب ثمارها: لكن إذا ما انفصلت عنه، فستظل تلك المُثل عارية. غير أن التزاوج مع العالم لا يعني القيام به عبر مثالية تهرب من الواقع، أو تعلن بدءًا بأن على العالم التطابق مع رغباتها .

ثم  يدلل " راسل " على ذلك ببارمنيدس الايلى الذى يصف تصوفه بأنه تصوف منطقى ظهر عند كثير من المتصوفه الميتافيزيقيين من يوم " بارمنيدس " إلى " هيجل " وتلاميذه المحدثين وأساسه هو أننا لا نعرف اللاوجود وما لا نعرفه ليس موجوداً، يقول رسل:"  كذلك فإن لبارمنيدس نفسه نوعاً من التصوف الخاص، المُثير للاهتمام، والذي كان يستولي على فكر أفلاطون، أي التصوف الذي يمكننا تسميته بـ " المنطقي"، ما دام يتجسد عبر نظريات في المنطق. فكما هو واضح يجد هذا الشكل من التصوف، بالقدر الذي يتعلق فيه الأمر بالغرب، جذوره عند بارمنيدس، كما أنه يستحوذ على طرق تفكير المتصوفة الميتافيزيقيين الكبار منذ أيامه وحتى هيجل ومريديه المعاصرين. فالواقع، مثلما يقول، لم يُخلق، ولا يمكن تحطيمه، ولا تغييره، أو تجزئته؛ فهو مُثبت ضمن حدود سلاسل كاملة القدرة، لا بداية له ولا نهاية؛ ما دام المجئ إلى الوجود والخروج منه قد تم إبعادهما عنه، وأزالهما عنه الإيمان الحقيقي. فالمبدأ الجذري الذي يوجه بحثه قد عبر عنه بحكم يمكن أن يجد مكانته عند هيجل: “لا يمكنك معرفة ما هو غير قائم -أمر مستحيل- وليس بمقدورك النطق به؛ ذلك لأنه شئ واحد ذلك الذي يمكنه الوجود وما يمكن التفكير به أيضاً لا بد من أن يكون ما يُقال وما يفكر به موجوداً، ذلك لأنه قادر على أن يكون، وليس من الممكن لما هو غير كائن أن يكون”. تنتج عن هذا المبدأ استحالة التغيير، لأن ما جرى في الماضي يمكن قوله، وهو ما زال قائماً تبعاً لذات المبدأ "

ويستطرد راسل قائلاً:" إن أحد الجوانب الأكثر إقناعاً في التجلي الصوفي هو الوحي الظاهري بوحدة جميع الأشياء، وذلك ما ولد مذهب وحدة الوجود في الدين والتوحيد في الفلسفة. ثمة منطق متقن، كان قد بدأ مع بيرمنيدس وبلغ ذروته عند هيغل وأتباعه، قد تطور تدريجياً، للبرهنة على أن الكون هو كلية واحدة لا تتجزأ، وما يظهر وكأنه أجزاء له، إذا ما تم التعامل معه باعتباره جوهراً يتمتع بالوجود الذاتي، ما هو إلا وهم. فالإيمان بوجود واقع يختلف تماماً عن عالم الظاهر، واقع واحد، لا ينقسم ولا يتغير كان قد أُدخلَ على الفلسفة الغربية من قبل بارمنيدس ليس لأسباب صوفية أو دينية، على الأقل اسمياً، ولكن على أسس الحجة المنطقية القائمة على استحالة اللا-وجود، وبأن غالبية النظم الميتافيزيقية اللاحقة كانت حصيلة لتلك الفكرة "

ثم يؤكد رسل أن:"  المنطق الذي تم استخدامه للدفاع عن التصوف يظهر بأنه خطأ في المنطق، وهو معرض للنقود التقنوية، وذلك ما قمت بشرحه في مكان آخر. لن أكرر هنا تلك النقود، ما دامت طويلة ومعقدة، لكني سأحاول القيام بتحليل للحالة الذهنية التي تولد عنها ذلك المنطق الصوفي. يتولد الإيمان بواقع مختلف تماماً عمّا يظهر للحواس بقوة لا تقاوم في بعض الأمزجة، والتي هي مصدر غالبية التصوف والميتافيزيقيات. فحينما يتغلب مزاج كهذا، ينتفي الشعور بالمنطق، وبالتالي فإن أكثر المتصوفة إندفاعاً لا يستخدم المنطق، بل يسعى مباشرة للكشف عن رؤيته الداخلية. غير أن التصوف المدفوع إلى هذا الحد قلما نعثر عليه في الغرب. فعندما تتواصل قناعة بمثل هذه القوة الانفعالية، يبحث الفرد المُمارس للتفكير عن أسس منطقية لصالح الإيمان الذي يجده في نفسه. لكن عندما يكون ذلك الإيمان قائماً سلفاً، سيكون هذا الفرد منفتحاً حيال أية أرضية توحي بنفسها ".

وأخيراً يري رسل أن:"... المتناقضات المُبرهن عليها بصورة واضحة ضمن منطقه هي في الحقيقة متناقضات التصوف، وتشكل الهدف الذي يعتقد بأن على منطقه بلوغه، إذا ما أراد له أن يكون منسجماً مع رؤيته الداخلية. وقد كان الناتج المنطقي هذا سبباً في جعل غالبية الفلاسفة عاجزين عن وضع العالم العلمي والحياة اليومية ضمن اعتباراتهم. فلو كانوا مهتمين بأخذ ذلك في نظر الاعتبار، لكان في مقدورهم، ربما الكشف عن الأخطاء التي يتضمنها منطقهم، غير أن غالبيتهم لا تعير اهتماماً لفهم عالم العلم والحياة اليومية، بل تدينه باعتباره غير واقعي لصالح عالم “حقيقي” يقع فيما وراء الحواس. بمثل هذه الطريقة تمت مواصلة المنطق من قبل أولئك الفلاسفة الكبار والذين كانوا من المتصوفة. لكن ما دام التعامل مع المألوف قد أُخذَ كونه ضامناً لتلك الرؤية المُفترضة للانفعال الصوفي، فقد جرى تقديم عقائدهم المنطقية بنوع من الجفاف، وتم احتسابها من قبل مريديهم وكأنها مستقلة عن أي تجلّ مُفاجئ كانت قد إنبثقت عنه. ورغم ذلك ظل أصلهم مُلتصقاً بهم وبقوا، لكي أستعير كلمة نافعة من “سانتيانا”، “خبثاء” إزاء عالم العلم والحس العام. بهذه الطريقة وحسب يمكننا التعامل مع ذلك الرضا الذي قبل بموجبه الفلاسفة تناقض عقائدهم مع جميع الحقائق العلمية العامة التي تبدو أكثر استقامة وجدارة بالإيمان. يُظهر المنطق الصوفي، كما هو الأمر في الطبيعة، حالات الخلل المُتأصلة في كل ما هو خبيث. إن الدافع المنطقي، الذي لا يمكن الشعور به عندما يهيمن المزاج الصوفي، يعاود التأكيد على نفسه ما إن يتلاشى ذلك المزاج، ولكن مع الرغبة في الاحتفاظ بتلك الرؤية المُضمحلةِ، أو على الأقل البرهنة على أنها لم تكن سوى رؤية داخلية، وبأن ما يناقض ذلك الدافع ما هو إلا وهم. إن نشوء منطق كهذا لا يخلو من المصلحة، فهو يستلهم كراهية معينة حيال العالم اليومي الذي يسعى لتطبيق نفسه فيه. من الطبيعي أن لا يؤدي موقف كهذا إلى الوصول لأفضل النتائج. فكل واحد يعرف أن قراءة مؤلف ما من أجل دحضه وحسب ليست بالطريقة الصحيحة لفهمه؛ كما أن قراءة كتاب الطبيعة ضمن الاعتقاد بأن كل شيء فيها وهمي هي بالدقة ما لا يوصل إلى الفهم. فإذا كان منطقنا يجد العالم اليومي مفهوماً، لا ينبغي أن يكون عدائياً، بل يجب عليه استلهام قبول أصيل له، بطريقة لا نعثر عليها عادة عند الميتافيزيقيين ".

من كل ما سبق يتضح لنا أن هناك فلاسفة قد أخذوا بالمنهج العقلى الاستدلالى فحصرهم الجدل العقلى الجاف في دائرة مغلقة، ولكنهم برغم هذا وصلوا إلى قمة العبقرية، ولكن هناك فلاسفة جمعوا بين المنهجين، أى تجاوزوا مرحلة الفكر الاستدلالى إلى مقام الرؤية المباشرة أو الكشف . وهؤلاء أعظمهم لأنهم هم الذين اجتمعت لهم عناصر المعرفة العقلية وعناصر الإدراك الصوفى في آناً واحدة معا كما يقول " راسل ".

والسُّهْرُوَرْدِىّ خير من جمع بين عناصر المعرفة العقلية وعناصر الإدراك الصوفى، وذلك في منطقة الإشراقى القائم على الحكمة البحثية والحكمة الذوقية، وهو بهذا يظل ثنائياً كابن سينا، فهو منطقى فيلسوف من ناحية، يعتمد على العقل والبرهان في نقده للمنطق الأرسطى بصرف النظر عن دوافع هذا النقد وهى دوافع إشراقية، ثم هو إشراقي من ناحية يعطينا تصوراً للعالم كنور ولدرجات، العالم كدرجات من النور، فهو يمثل الفيلسوف المنطقى الإشراقى، أى الحكيم البحاث المتأله .

ويعطينا السُّهْرُوَرْدِىّ تصوراً لهذا الحكيم البحاث المتأله، وذلك في إطار تصنيفه لدرجات الحكماء فيقول: " العالم ما خلا قط عن الحكمة وعن شخص قائم بها عنده الحجج والبينات مصداقاً للآية الكريمة: " إنى جاعل في الأرض خليفة " .

ويصنف السُّهْرُوَرْدِىّ الحكماء إلى حكماء بحثيين وحكماء إشراقيين، ثم حكماء يجمعون بين الحكمتين البحثية والإشراقية، ويرتب الدرجات لكل طائفة، وقد جعلها على أربع درجات، التوغل والتوسط والضعف والعدم، ومن ثم يكن لدينا حسابياً درجات ثلاثة رئيسية وأربعة فرعية، والثلاث الأولى بين التوغل " التأله مثل أكثر الأنبياء " و" الأولياء " والثلاث الأولى بين التوغل والعدم وهى:

1- حكيم عديم البحث متوغل في التأله، مثل أكثر الأنبياء والأولياء .

2- حكيم إلهى متوغل في البحث عديم التأله، مثل كثير من الفلاسفة .

3- حكيم إلهى متوغل في البحث والتأله، وهذه درجة نادرة لم يبلغها إلا السُّهْرُوَرْدِىّ كما يذكر الشارح.

أما الدرجات الفرعية، فهى تتفاوت بين التوغل والوسط والضعف وهى: .

أ- حكيم إلهى متوسط في البحث متوغل في التأله .

ب- حكيم إلهى متوغل في البحث متوسط في التأله .

ج- حكيم إلهى متوغل في البحث ضعيف في التأله .

كما يصنف السُّهْرُوَرْدِىّ طلاب الحكمة على درجات متفاوتة تقابل درجات الحكماء الثلاث وهى:

- طالب البحث والتأله، وهو يطابق الحكيم الإشراقى المتوغل في البحث والتأله.

- طالب التأله فحسب، وهو يطابق الصوفى عديم البحث المتوغل في التأله .

- طالب البحث فحسب، وهو يطابق الفيلسوف المتوغل في البحث عديم التأله .

والأفضل عند السُّهْرُوَرْدِىّ الحكيم البحاث المتأله، ثم الحكيم المتأله، ثم الحكيم البحاث، يقول السُّهْرُوَرْدِىّ: " وكتابنا هذا يعنى حكمة الإشراق " لطالبى التأله وليس للباحث الذى لم يتأله أو لم يطلب التأله فيه نصيب " .

ويعلق قطب الدين الشيرازى على هذا فيقول: " بأن المتوغل في البحث والتأله له الرياسة، أى رياسة العالم العنصرى لكماله في الحكمتين وإحرازه للشريفين وهو خليفة الله، لأنه أقرب الخالق منه تعالى، وإن لم يتفق أى لندرته وعزته، فالمتوغل في التأله، المتوسط في الباحث لا يسلم من الشك بخلاف الحاصل من التأله، وإن لم يتفق فالحكيم المتوغل في التأله عديم البحث وهو خليفة الله الذى يهدى به صراطاً مستقيماً لا أن يقتله ضلالاً مبيناً فصار وروده ملكة له، بحيث تلحظ النفس متى شاءت من استبيانه ليمكن أن يبنى عليه ما يحتاج إليه من الأحكام هذه أقل الدرجات وأعظمها ان يصل له الملكة الثانية الطامسة وهى آخر المراتب .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

يكثر نمو شجر الصفصاف، هذا النبات الرقيق، على ضفاف انهار بساتيننا في العراق، يحميها ظلال اشجار النخيل الباسقة من حرارة الشمس المحرقة، انها ترطب الهواء المحيط بها وتطيبه، وغالبا ما تتدلى اغصانه النحيلة في الماء الجاري، تعيق تياره.

وقد اغدقت الطبيعة عليها نعمة الهدؤء والسكينة، فغدى منظرها الأخاذ جذابا، بيد انه  متسم بجمال حزين، يحمل الأنسان ان يقف امامها ويتأملها.

كانت لنا في احدى ضواحي مدينة كربلاء في اربعينيات القرن الماضي بستان، تحوي مختلف انواع اشجار الثمر، تتخللها وفرة من اشجار الصفصاف، كان الفلاح فيها يقوم كل شهر بجلب حزمة كبيرة من اغصانها الى دارنا لأستخرج انا منها عن طريق عملية  التقطير Distelation (سبع عرقات) فضلا عن استحضاري من الورد المحمدي، عطره  المعروف، كي يستفاد المرحوم الوالد في محله في السوق من هذا السائل في معالجة المصابين بضربة البرد، خاصة في فصل الشتاء.

كان الوالد حكيم اعشاب، يقوم في معالجة زبائنه الذين يعانون من وكعات صحية خفيفة باستعمال الادوية الشعبية المعروفة. فكان من ضمن برنامج يومه،  القراءة في كتاب قانون الطب لأبن سينا ليلا.

ونظرا للطلبات الملحة للوالد في تهيئة الدواء، انشأنا مستودعا داخل دارنا يزدحم بمختلف انواع الاعشاب الطبية وجذور النباتات النادرة وحتى بعض المنتجات الزراعية المجففة، كان الوالد يجلب بعضها من الهند، من حيث انه كان الى جانب مهنة العطارة  يمارس التجارة الحرة عن طريق سفراته المكوكية الى مدينة كراجي.

لم يكن لدينا في حينها جهاز للتلفون، لذا استخدم الوالد صبيا يافعا اسمه عباس، ليكون خط وصل بين محل عمله وموقع الدار الذي كان لا يبعد عنه كثيرا، فكان عباس خير عون في جلب ما يحتاج الوالد اليه من دواء.

وصادف انه في احد الايام من عام 1979 وبينما كان عباس متوجها صوب الدار لأنجاز ما كُلف به من مهام، فإذا به يفاجئ بسيارة سوداء تقف وسط الشارع والى جانبها شخص يبحلق في عيون المارة، كانت مهمته تسفير العراقيين من اصول ايرانية. هنا اختفى عباس ليلقي مصيره المجهول.

ودارت الايام وتغيرت الامور، واذا بي في اواسط التسعينيات انتقل من واشنطن الى طهران، بهدف ادارة العيادة الخارجية لطبابة العيون لمستشفى العراقيين التي انشأت  هناك. فكان ضم مرضائ، مهجرون عراقيون بمختلف ثقافاتهم ومشاربهم الاجتماعية، وعن طريقهم استعلمت بان عباس المسفر هو الان صاحب محل لصياغة الذهب في البازار ويعد من اثرياء القوم، فلم يصدقه عقلي وقررت ان اذهب اليه.

خلال هذه الاقامة التي حددتها بسبعة سنوات، كنت اتفقد فيها المواقع الاثرية والمراكز السياحية للمدن التي عُرفت بحضارتها التاريخية قديما، كان المركز السياحي لمزار ابن سينا في مدينة همدان في مقدمتها، فقصدته.

كان المظهر الخارجي لعمارة المزار، المتوج بمأذنة اسلامية، توحي للزائر جوهر العقيدة التي كان عليها ابن سينا. كانت البناية بسيطة، لكنها انيقة، تحيطها من حولها  حدائق غناء جميلة. كان المزار في واقعه متحفا، وقد بني بشكل دائري وبقطر يقارب  سبعة امتار. وقد وضع في وسطها صخرة قرمزية ضخمة، كشاهد قبر، جُلبت خصيصا من مدينة نيسابور الأيرانية، مسقط رأس ابن سينا، تخليدا لذكراه.

كانت الجدران الداخلية الزجاجية للمتحف مجزأة الى عشرات الاقسام، كل منها يعرض نموذجا لأعشاب او جذور لنباتات طبية، اكتشفها ابن سينا زمن العصر العباسي الاول، كانت اوراق الصفصاف من ضمنها وقد كتب تحتها باللغة الفارسية والانجليزية عبارة (ورق الصفصاف يشفي امراض البرد).

وفي عام 1954 كنت طالبا في كلية الطب لجامعة دوسلدورف في المانيا الغربية، وقد هيئت لنا ادارتها سفرة استطلاعية الى مدينة لفر كوزن، المتخصصة في صناعة الادوية الطبية، بغية اكتساب المعرفة، فشاهدت هناك بأم عيني، كيف انهم كانوا بصنعون حبوب Asperin Bayer  من حامض الساليسيك، الكامن في ورق الصفصاف. المستعمل في معالجة امراض البرد.

نعم.. لقد كان الشرق الاسلامي لا يكتفي بتعليم ابناء الغرب بالعلوم عن طريق المدارس والجامعات العربية في الاندلس ابان القرون الوسطى، انما كان يجهزهم بالمواد الخام كذلك.

واخيرا نضيف بان شجر الصفصاف قد جاء ذكره في الاساطير السومرية، حسبما يخبرنا الباحث العراقي على الشوك في كتابه (جولة في عالم الاسطورة واللغة) والتي تقول الاسطورة بان شجرة الصفصاف التي نمت على نهر الفرات، اقتلعتها رياح الجنوب ذات يوم وحملتها مياه الفيضان، وحينها كانت الألهة (أنانا) تسير على مقربة منها، حملتها الى مدينتها اور وهناك زرعتها في حديقتها واولتها رعايتها، وبعد ان نمت الشجرة سكنتها افعى خبيثة وحل فيها الشيطان، إلا ان كلكامش تمكن من تطهيرها، فصنعت أنانا من خشبه آلتين موسيقييتن، سمت الاولى باكو والثانية ماكو.

كان الصفصاف في الحضارة السومرية يستعمل في التعاويذ وكذلك تستعمله المرأة وقت الحيض كمطهر، كما كانت الصفصلفة عند الساميين تعتبر شجرة مقدسة، تستنزل المطر وتقترن بالقمر، المسبب لظاهرة المد، في ارتفاع ماء البحر، القمر يتم دورته في 28 يوم وكذلك عدد ايام الحيض 28 يوم، كما كان يُعتقد ان ميزة أماليد الصفصاف في الالتواء والأنضفار اشارة الى الدورة الدموية للمرأة.

يطلق على الصفصفا في اللغة السومرية اسم خيلافا، ويبدو ان معظم الاسماء الاوربية التي تقال للصفصاف برجع الى السومرية.  وهذه الالفاظ كلها تذكرنا بمعنى (سطع) وبكلمتي الهلال والهالة العربيتين. يرد ذكر لبنات (هاء ، ل ، ل) وقد يكون المقصود منه القمر الساطع.

 

د. رضا العطار   

 

ضياء نافععندما كنّا ندرس بالاتحاد السوفيتي في ستينات القرن الماضي لم يكن هناك مفهوم الاعلانات ابدا، وأذكر ان الكاتب الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز أصدر كتابا شهيرا بعنوان غريب، وهو - (الاتحاد السوفيتي - 22مليون و400 الف كيلومترمربع بلا اعلان واحد للكوكا كولا)، والكتاب هذا يحتوي على صور قلمية حول الاتحاد السوفيتي، وقد اطلعت عليه بالروسية، ولا ادري اذا تم ترجمتة الى العربية، ومن الواضح، ان عدم وجود الاعلانات في الاتحاد السوفيتي آنذاك قد أدهش الكاتب، مما جعله يختار هذه التسمية الغريبة والطريفة جدا لكتابه ذاك . الوضع قد تغيّر طبعا بالتدريج ومنذ الثمانينات، و الان غزت الاعلانات روسيا الاتحادية من أقصاها الى أقصاها، لدرجة ان هناك نكتة يتداولها الناس في روسيا تقول، ان البرامج التلفزيونية (تعرقلنا!!!) من متابعة الاعلانات المهمة والضرورية جدا للمشاهدين والاطلاع عليها، وأذكر مرة، ان احد موظفي الملحقية الثقافية السوفيتية زار قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد، وحدّثنا (وكان غاضبا جدا)عن اعلان ظهر في التلفزيون الروسي بطله غورباتشوف نفسه، وهو يعلن عن وجبة طعام (البيتزا) الايطالية لصالح احد المطاعم .

غالبا ما نرى في شوارع موسكو الان اناسا يقفون في الاماكن المزدحمة ويوزعون الاعلانات (ومن بينهم حتى طلبة أجانب او نساء متقاعدات !)، ويرفض معظم المارة أخذها من الموزعين هؤلاء ويستمرون بمسيرتهم السريعة دون مراعاة اليد الممتدة اليهم وهي تحمل الاعلان، أما أنا، فاحاول ان استلم منهم الاعلانات، عطفا عليهم وتعاطفا مع مجهودهم اولا، وللاطلاع على تلك الاعلانات ثانيا ولو بسرعة، ثم ارميها بعدئذ في اقرب مكان ممكن، وهذا ما حدث عندما كنت أسير قبل ايام قرب احدى محطات المترو، اذ ناولني شخص اعلانا صغيرا جميلا و ملوّنا، وعندما بدأت بالاطلاع عليه بسرعة، كي أرميه كما افعل عادة، وجدت فيه كلمة بالعربية، فاحتفظت به، وفي البيت بدأت بالاطلاع عليه بامعان، واود ان اتحدث عنه هنا، اذ انه اعلان طريف ويثير عدة قضايا ثقافية ولغوية ترتبط بواقع روسيا الاتحادية ولغتها الروسية المعاصرة.

الاعلان هذا عن مطعم يحمل اسم مدينة اوزبكستانية ترتبط بالتراث العربي الاسلامي وهي مدينة (بخارى) الشهيرة، واسم المطعم – (جايخانه)، والقاموس المعاصر الكبير الروسي – العربي يعطي معناها كما يأتي – (مقهى في آسيا الوسطى)، وتحت تلك التسمية في الاعلان توجد صورة تخطيطية لجامع جميل جدا بست منارات متناسقة، وفي مركز هذا التخطيط توجد كلمة (حلال) باللغة العربية، ومكتوبة بشكل بارز وواضح تماما (وهي الكلمة التي لاحظتها عندما القيت النظرة الاولى على الاعلان)، وتحتها بخط أصغر نفس الكلمة باللاتينية – (هلال) بالهاء، لعدم وجود حرف الحاء باللاتينية . تحت هذه الصورة توجد نماذج من انواع الطعام مع التسميات بالروسية (اي ان كلمة الجايخانة تعني مطعم باللغة الروسية المعاصرة، وقد فات ذلك على واضع القاموس الروسي العربي)، و انتبهت الى كلمة (شوربه) مكتوبة بالروسية (حرف الباء بثلاث نقاط)، وبحثت عن هذه الكلمة في القاموس المذكور أعلاه ووجدت معناها كما يأتي – (حساء من لحم الضأن والرز في آسيا الوسطى)، ثم يعطي القاموس كلمة (الشوربة) ايضا. كنت اعتقد ان كلمة (الشوربة) هي مفردة عاميّة، ولكن المعاجم العربية تشير الى انها من (شرب) العربية الفصيحة، رغم ان المعجم يوضحها كما يأتي – (طعام مائع من الرز او العدس او الخضر)، وقد تذكرت النكتة (الكلاسيكية !!) عن (الشاطر والمشطور والكامخ بينهما)، وضحكت، وبدأت أتصور شخصا عربيا يجلس في تلك (الجايخانة الاوزبيكية في موسكو !) ويطلب من النادل - (صحنا من طعام مائع من الرز مع قطعة واحدة من الشاطر والمشطور والكامخ بينهما...).

توجد في قائمة الاطعمة تسميات اخرى لم أجد اي اشارة اليها في القاموس الروسي – العربي، مثل – (لاغمان)، او (خاشلامه)، او (جوجفارا)، وهذا يعني ضرورة العودة الى القاموس الروسي الكبير، او قاموس الكلمات الاجنبية، او موسوعة العلاقات الروسية – الاوزبيكية، او مصادر روسيّة اخرى ....

هذا الاعلان الصغير هو في الواقع وثيقة تثبت ان روسيا هي دولة اوروبية واسيوية بامتياز (اوروآسيا)، وانها المزيج النموذجي للحضارتين الغربية والشرقية، وانها دولة متعددة القوميات والاجناس بما لا يقبل الشك، رغم ان اكثرية سكانها من القومية الروسية طبعا، و يثبت ايضا، ان كتاب ابن فضلان العظيم في القرن العاشر عن رحلته اليها من بغداد وسر من رأى باسم الخلافة العباسية لازال يمتلك قيمته العلمية الكبيرة باعتباره وثيقة صحيحة ومعتمدة في مسيرة تاريخها ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمود محمد عليلقد كان لمصير السهروردى أثره في أن يظل إنتاجه الفلسفي مختفياً لبعض الوقت، نظراً لما شاع عنه من مروق في الدين، إلا أن تلامذته قد اهتموا بتتبع أخباره، وعلى الأخص الشهرزورى، الذى ذكر في ترجمته لمصنفات السهروردى تسعة وأربعين كتاباً ورسالة، فضلاً عما ذكره من مصنفات منثورة ومنظومة تصور عبقرية السهروردى في النثر والنظم . ولم تصل إلينا معظم تلك الآثار والمصنفات التى يعددها الشهرزورى للسهرورى، اللهم إلا كتباً ورسائل نشر أقلها وما يزال أكثرها مخطوطاً حتى الآن، وتوج منه نسخ خطية تختلف كثرة وقلة في مكتبات الشرق والغرب، يضاف إلى هذا أن صحة نسبة ما يذكره الشهرزورى إلى السهروردى ما يزال في حاجة ماسة إلى تحقيق وموازنة تكشف عن وجه الحق فيها .

ومهما يكن من شئ، فإن إثبات الشهرزورى لمصنفات السهروردى يمكن أن يعد إثباتاً كلياً، إذا قيس إلى ثبوت غيره من المؤرخين والمترجمين، من أمثال أبن أبى أصيبعة، وابن خلكان، وياقوت الحموى، وحاجى خليفة، والتي من أخص خصائصها أنها جزئية ذكرت شيئاً وأغفلت أشياء، وما أغفلته كان أكثر بكثير مما ذكرته . غير أننا نجد أن محاولة الشهرزورى ليست بحثاً في العلاقة بين ترتيب كتب السهروردى وتطور فلسفته، بل إنها تعداد لكتبه ورسائله دون مراعاة لأى اعتبار تصنيفى.

أما أول من قام بمحاولة التصنيف هذه من الكتاب المحدثين فهو ماسينيون، الذى يقسم كتب السهروردى إلى ثلاثة أقسام بحسب مراحل ثلاث من حياته الفلسفية وسمت كل منهما تفكيره بطابع معين، وهذه المراحل هى:-

1- مرحلة الشباب أو " العهد الإشراقى " وتشمل الألواح العمادية، وهياكل النور أو الرسائل الصوفية، وكان ذلك بالاستناد إلى ما أورده الشهرزورى .

2- مرحلة العهد المشائى: وتشمل التلويحات واللمحات والمقاومات والمطارحات.

3- المرحلة الثالثة: وهى العهد الأخير الذى تأثر فيه بالأفلاطونية المحدثة وابن سينا، وتشمل حكمة الإشراق واعتقاد الحكماء .

ولقد فتحت محاولة " ماسينيون " باب الخوض في تصنيف كتب " السهروردى " أمام المستشرقين فذهب سبيز ختك Spies Khattak ، ليقررا أن رسائل السهروردى الصوفية والفلسفية، مثل " مؤنس العشاق " و" لغة موران " و" صفير سميرغ "، هى من أعمال السهروردى المبكرة .

إلا أن المحاولة الرصينة التى قام بها المستشرق الفرنسى الأستاذ " هنرى كوربان Henery Corbin، بعد ذلك، نقلت هذه المسألة، من بحث تاريخي لتصنيف السهروردى إلى بحث فى فلسفته والإبانة عن تطور فكره، منذ تحصيله الأول فى " مراغة " إلى امتلاك أساليب الجدل في " حلب " . كما يذهب أيضاً " هنرى كوربان " إلى أن كتب السهروردى لا يمكن أن تصنف تبعاً لمراحل سيرته، بل أن هذه المؤلفات، المتجانسة في الغاية تشير الواحدة منها إلى الأخرى بشكل ظاهر أو خفى . ولذلك اعتمد تصنيفه على الوحدة الجوهرية لآثار الشيخ، وعلى المنهج المعنوى الذى ينظم ويؤلف بين هذه الآثار في دلالتها على مثال واحد . فأهمل تصنيفه، وبالتالي التسلسل التاريخي، واعتمد الأواصر المعنوية والنفسية في تقدير المشكلة . وهو يقسم كتب السهروردى إلى أربعة أصناف:

1- صنف يشتمل على رسائل يمكن أن يطلق عليها اسم " الرسائل الاعتقادية الكبرى " وهى مكتوبة بالعربية، وقد وضعت الرسائل الثلاث الأولى: " وهى التلويحات والمقاومات والمشارع والمطارحات " . على أن تكون إعداداً وتمهيداً لدراسة الرابعة، وهى حكمة الإشراق التى يعدها السهروردى أهم مصنفاته جميعاً.

2- صنف يشتمل على طائفة من الرسائل الاعتقادية الصغرى بعضها كتب بالعربية وكتب بعضها الآخر بالفارسية، كما هو الشأن في هياكل النور ويدخل تحت هذا الصنف " الألواح العمادية " و" بستان القلوب " و" اعتقاد الحكماء " و" كلمة التصوف " و" كشف الغطاء " و" اللمحات في الحقائق " .

3- صنف يشتمل على طائفة أخرى من الرسائل وضعت في صورة أمثال وحكايات توجيهية وقصص رمزية وقصد بها الإرشاد والتوجيه، ويكاد كلها يكون مكتوباً بالفارسية إلا القليل منها، فقد كتب بالعربية، أو كتب بالعربية والفارسية، كما هو الشأن في رسالة " الغربة الغربية "، ويدخل تحت هذا الصنف: رسالة عقل، ورسالة " آواز بر جبرائيل "، وكلمات ذوقية ( = الأبراج )، ولغة موران، " مؤنس العشاق " ( = العشاق )، رسالة " درخالة طفولية "، رسالة " روزى باجماعت صوفيان "، " ورسالة الطير "، ورسالة " صفير سميرغ " .

4- صنف يشمل على مجموعة من الواردات والتقديسات التى هى أشبه ما تكون بالمزامير، وتدور حول طقوس يومية تقديساً للملائكة القائمين على أمر الكون والمخطوطات التى عثر عليها من هذا الصنف ما تزال نادرة حتى الآن . ويقول الأستاذ كوربان " إنه لم يقف منها إلا على مخطوطات استانبول.

ويساير الدكتور سيد حسين نصر  هذا الترتيب، وذلك في خمسة أقسام:-

القسم الأول: مؤلفات كلها باللغة العربية، وأهمها أربعة، منها ثلاثة عن الفلسفة المشائية: تلويحات ومقاومات ومطارحات، أما الأخير فيدور حول حكمة الإشراق .

القسم الثانى: مؤلفات مكتوب بعضها باللغة العربية وبعضها الآخر باللغة الفارسية، تتناول بالتفصيل الموضوعى الدقيق بعض الجوانب المتصلة بالمؤلفات الأولى . وهى عموماً موجزات وتشمل العناوين التالية الرئيسية: " هياكل النور، الألواح العمادية، بارتا نامة اعتقاد الحكماء، اللمحات، يزدان شناخت " التى تنسب أحياناً إلى " عين القضاه " الهمذانى وبستان القلوب الذى ينسب بدوره إلى السيد الشريف الجرجانى أحياناً بعنوان " روضة القلوب " .

القسم الثالث: مؤلفات كلها باللغة الفارسية، وهى أقاصيص وحكايات كتبت بلغة رمزية، تصف الطريق التى يجب على مبتدئى السالكين . وإتخاذها كى يصلوا إلى المعرفة الباطنية والإشراقية . وأهمها عقلى سرخ، وأوازبر جبرائيل والغربة العربية ( وهو نفسه مكتوب بالعربية )، لغة موران، رسالة في حالة الطفولية، روزى باجماعت صوفيان، ى صوفيات، رسالة في المعراج، صفير سميرغ .

القسم الرابع: مؤلفات تشتمل على شروح وترجمات لنصوص فلسفية قديمة ضمنها كتب في المدخل للمذاهب الباطنية، وينبغى أن نعد بينها ترجمته الفارسية لرسالة الطير لابن سينا، والشرح الفارسى لكتاب " الإشارات والتنبيهات " لنفس المؤلف ورسالته في حقيقة العشق التى تعتمد على رسالة أخرى لابن سينا بعنوان " رسالة العشق " وشرحه لبعض آيات القرآن ولمجموعة من الأحاديث .

القسم الخامس: مؤلفات تشتمل على صلوات وأدعية وأوراد وأذكار يسميها السهروردى الواردات والتقديسات .

ولا يشير الدكتور  سيد حسين نصر إلى تصنيف تاريخى لكتب السهروردى فهى على غرار الأستاذ " هنرى كوربان "، يقيم علاقة معنوية بين كتب السهروردى، ويصنفها بحسب تقارب المضمون .

أما الدكتور  محمد على أبو ريان، فيرى، هو أيضا، أن كل محاولة تاريخية لتصنيف كتب السهروردى تعد بعيدة كل البعد عن الروح العلمية، لأن التداخل بين أفكار هذه الكتب، وظروف تأليفها يحولان دون التصنيف المنهجى السليم . ويذهب إلى أن مؤلفات الشيخ يجب أن تصنف تصنيفاً تعليمياً . ثم ينصح القارئ أن يبدأ بقراءة " التلويحات " ثم " المقاومات " ثم " المطارحات "، وذلك قبل الشروع بقراءة " حكمة الإشراق "، وهو يرى أن تكون قراءة هذا الأخير تحت إشراف موجه مرشد هو " القائم بالكتاب "، حتى يقف المريد على بعض مبادئ " الإشراق " .

والجدير بالذكر أن السهروردى ينصح بإتباع هذا التركيب في قراءة بعض كتبه، وخاصة المطارحات فهو يقول: " وهذا الكتاب أى المطارحات ينبغى أن يقرأ قبل حكمة الإشراق، وبعد التحقيق المختصر المرسوم بالتلويحات، فإذا استحكم الباحث هذا النمط، فليشرع في الرياضيات المبرقة بحكم القيم على الإشراق، حتى يعاين بعض مبادئ الإشراق، ثم يتم له مبانى الأمور ...... وأول الشروع في الحكمة هو الانسلاخ عن الدنيا، وأوسطه مشاهدة الأنوار الإلية، وآخره لا نهاية له " .

ومن هذا النص نجد أن الدكتور محمد على أبو ريان أراد أن يكمل افتراض ما أوصى به السهروردى، وهو لذلك يستحسن أن يقرأ المريد الرسائل أثناء قراءاته من حكمة الإشراق لأنها تساعده على مشاهدة الأنوار القاهرة . ويفطن الباحث أخيراً، إلى أن السهروردى لم يجعل " لهياكل النور " مكاناً خاصاً في ترتيب قراءة الكتاب، فيعود إلى الأخذ بطريقة الأستاذ " هنرى كوربان " في اختيار مكان له " بحسب محتوياته "، ولما كان محتوى هذا الكتاب وثيق الصلة " بما ورد في " حكمة الإشراق "، فقد وجد الدكتور محمد على أبو ريان أنه من المستحسن قراءاته قبلها مباشرة، وهكذا بدأ الدكتور  محمد على ريان تصنيفه معتمداً على نصح السهروردى في قراءة بعض كتبه، ثم انتهى إلى طريقة الأستاذ " هنرى كوربان " – في البحث عن محتويات للكتب الموضوعية التى تؤلف بينها، ثم تحديد مكانها من " حكمة الإشراق " .

ولا شك في أن كل المحاولات التى بذلت من قبل الباحثين لتصنيف كتب السهروردى تنطوى على دقة وإبداع، ومن ثم يمكن حصر مؤلفات السهروردى في مجال المنطق الإشراقى على النحو التالى: التلويحات اللوحية والعرشية، والمقاومات،والمشارع والمطارحات، واللمحات في الحقائق، وهياكل النور، وحكمة الإشراق.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الثاني عن السهروردي المقتول فيلسوف الإشراق؛ حيث يحدثنا الشهرزورى عن مأساة السهرروردي بما قاله " فخر الدين الماردينى" ما نصه: "ولما فارقنا السهروردى" من الشرق، وتوجه إلى حلب، وناظر فيها الفقهاء، ولم يجاره أحد . فكثر تشنيعهم عليه، فاستحضره الملك الظاهر، واستحضر الأكابر والفضلاء المتفننة لسماع ما يجرى بينهم من المباحث، فتكلم معهم بكلام كثير، وباَن له فضل عظيم وعلم باهر، وحسن موقعه عند الملك الظاهر، وقربه وصار مكيناً عنده مختصاً به . فازداد تشنيع أولئك عليه، وعملوا محاضر بكفره، وسيروها إلى دمشق إلى صلاح الدين، وقالوا له: إن بقى أفسد اعتقاد الملك، وإن أطلق أفسد أي ناحية سلك، وزادوا عليه أشياء كثيرة فبعث إلى الملك الظاهر يقول بخط القاضى: " إن هذا الشهاب لابد من قتله، ولا سبيل إلى إطلاقه بوجه .

من هذا النص يتضح لنا أن السهروردى عندما جاء إلى حلب، نزل المدرسة الخلاوية، وحضر درس شيخها الشريف "افتخار الدين" كما أخبرنا بذلك ابن أبى أصيبعة، فأدناه إليه وقرب مجلسه منه، وأظهر فضله للناس، وعرف مكانه فيهم، على أن ما ظهَر من فضل السهروردى وعلمه، وما أظهره من براعة في المناظرة، وإفحام في الحجاج، وما كان له من منزلة كبرى عند الشيخ افتخار الدين، كل أولئك قد أخنق علي الفقهاء وأوغر صدورهم فجعلهم يرجفون به ويشنعون عليه، الأمر الذى ترتب عليه أن استحضره الملك الظاهر بن صلاح الدين وصاحب حلب في ذلك الحين، وعقد له مجلساً من الفقهاء والمتكلمين يباحثونه ويناظرونه، فيظهر عليهم بحججه، وإذا الملك يقربه، ويقبل عليه ويتخصص به، وإذا بالحانقين عليه والضائقين به من الفقهاء يزداد حنقهم وغيظهم، وإذ هم يرمونه بالإلحاد والزندقة، ويكتبون إلى الملك الناصر صلاح الدين يحذرونه من فساد عقيدة ابنه الظاهر بصحبته للشهاب السهروردى، ومن فساد عقائد الناس ان هو أبقى عليه فلم يكن من صلاح الدين إلا أن كتب إلى ابنه الظاهر يأمره بقتل السهروردى ويشدد عليه في ذلك ويؤكده، وما هى إلا أن استفتى فقهاء حلب في أمره فأفتوا بقتله .

والواقع أن هذه الحملة على السهروردى تدعو إلى التساؤل، هل هى وليدة خصومة شخصية وتباين في الميول والطباع، أم ثمرة خلاف مذهبى؟

في الحقيقة ذهب بعض المستشرقين من أمثال ماكس هورتن  Horten M.، وغيره إلى أن مقتل السهروردى يرجع إلى أسباب سياسية: يقول " هورتن " ما نصه: (إن مذهب السهروردى ينطوى على إحياء المذهب الإسماعيلى القائل بأن أبناء علَى هم صور للتجلى الإلهى، ولهذا أُعتبر ثائراً سياسياً يعمل على قلب النظام وكان مصيره كمصير الحلاج من قبل .

ويوافق بعض الباحثين على هذا الرأى، فنجد الدكتور عبد الرحمن بدوى يقول: " بأنه لولا اتصال السهروردى بالملك الظاهر وما خشية السلطان من تأثير هذه الصلة على المذهب السنى الذى كان يمثله صلاح الدين لظل السهروردى طليقاً حراً يفكر كما يشاء . ونفس ما حدث للسهروردى حدث للحلاج من قبل، فلولا أن الحلاج قد زج بنفسه في التيارات السياسية المضطربة في عصره ومصره بين الشيعة والحنابلة، واتصاله برجال السياسة، لما حدث له شئ مما حدث من تعذيب أو صلب . أما أن تكون أسباب اتهامه هى مسائل ترجع إلى آرائه، فلم يكن إلا تكاة استند إليها السلطان فحسب، وأن فى وسعه أن يجد غيرها لينكل به كما فعل لو لم توجد هذه الآراء .

وإذا كان بعض المستشرقين والباحثين يرجع حادث مقتل السهروردى إلى أسباب سياسية، فإن هناك أسباباً أخرى يجب أن لا نغفل عنها، وهى أن جرأة السهروردى وقسوته على معارضيه هى التى جنت عليه، وهذا الشهرزورى تلميذ السهروردى أقوى شاهد إثبات؛ حيث فصل القول في هذا تفصيلاً تاماً، وأظهرنا على أن السهروردى كان يصرح في البحوث بعقائد الحكماء، لأنه كان صارماً في جدله مفحماً في حجته، لا يأخذ خصومه فى هوادة ولا يخاطبهم في لين.

هذا بالإضافة إلى ما كان بقوة روح القدس، وما نسب إليه من العظائم، وأنه إدعى النبوة، فكل ذلك كان سبباً في أن يجمع الفقهاء أمرهم على تكفيره وإباحة دمه، والحكم عليه بالقتل، ولكن الشهرزورى يرى أن السهروردى برئ من ذلك .

من هذا يتبين لنا أن جرأة السهروردى وتهوره وقلة تحفظه من الأسباب التى جنت عليه، فمن يدرى فلعل السهروردى لو أنه أصطنع كثيراً أو قليلاً من التحفظ والاعتدال وأمسك عن كثير أو قليل من تصريحاته وعباراته لكان للفقهاء معه شأن أخر، ولكنه وقد أطلق نفسه على سجيتها، وأطلق لأذواقه وأفكاره ومذاهبه كل حريتها، ولكن لم يستطيع أن يكون غير ما كان، ولا أن يقول غير ما قال، ولم يستطيع الفقهاء إلا أن يحرجوه ويدحضوا مزاعمه وينسبوه إلى الكفر والضلال ويفتوا بقتله .

وينفرد العماد الأصفهانى الذى كان معاصراً للسهرورى بإيراد القصة الكاملة لمقتله فيقول ما نصه: " ... في سنة 588 هـ،  قتل شهاب الدين السهروردى وتلميذه شمس الدين بقلعة حلب . أخذ بعد أيام، وكان فقهاء حلب قد تعصبوا عليه، ما خلا الفقهين (ابن جهيل) فإنهما قالا: هذا رجل فقيه ومناظراته في القلعة ليس بحسن، ينزل إلى الجامع ويجتمع لهم ويعقد له مجلس في الخلاف معه وقالوا له أنت قلت فى تصانيفك: " إن الله قادر على أن يخلق نبياً وهذا مستحيل، فقال لهم: ما حد لقدرته، أليس القادر إذا أراد شيئاً لا يمتنع عليه؟ قالوا بلى، قال: فالله قادر على كل شئ، قالوا إلا على خلق نبى فإنه مستحيل، قال فهل يستحيل مطلقاً أم لا، قالوا كفرت وعملوا له أسباباً لأنه بالجملة كان عنه نقص عقل لا علم، ومن جملته أنه سمى نفسه المؤيد بالملكوت .

وإن كان السهروردى قد قتل بالفعل، فكيف نفذ فيه حكم القتل؟ وعلى أو وجه قتل؟

اختلفت الروايات وتضاربت الأقوال في هذا الموضوع، فنجد أن الشهرزورى يقول: " ... ورانت الناس مختلفين في قتله فزعم بعضهم أنه سجن ومنع الطعام " وبعضهم يقول: "خنق بوتر"، وبعضهم يقول بسيف، وقيل: "أنه حط في القلعة وأحرق" .

كما يخبرنا ابن أبى أصيبعة ؛ حيث يقول: "ولما بلغ الشهاب السهروردى ذلك (نبأ قتله) وأيقن أنه مقتول وليس جهة إلى الإفراج عنه، اختار أن يترك في مكان منفرد، ويمنع من الطعام والشراب إلى أن يلقى ففعل به ذلك " .

من هذين النصين يتضح أنه لا يمكن أن نرجح كيف قتل السهروردى، غير أنه يمكن القول مع " هنرى كوربان "، بأنه قتل بطريقة سرية . أما عن معرفة التاريخ الذى وقع فيه حادثة القتل، فنجد أن المؤرخين والمترجمين يختلفون في إيراد وفاته، إلا أن الاختلاف ليس كبيراً، فهو لا يتعدى سنتى 586 هـ - 588 هـ . فنجد أن الشهرزورى يذكر 586 هـ، على أنها السنة التى قتل فيها أستاذه، وكذلك العماد الأصفهانى يذكر حادث مقتله 588 هـ.

إلا أن معظم الباحثين والمؤرخين والمترجمين يرجحون من بين هذه التواريخ جميعاً 587 هـ (38)، وهو يوافق 29 يوليو سنة 1191 م، يعنى أن عمره كان حينئذ 36 عاماً بالتقويم العربى القمرى، ويلاحظ أن تاريخ وفاته سابق على التاريخ الذى مات فيه ابن رشد، وذلك بسبع سنين .

ويعد السهروردى أول من تصدى للفلسفة المشائية في القرن السادس الهجرى، فقد أعرب في مصنفاته عن تبرمه بالفلسفة المشائية وحرصه على تخطيطها بالاتجاه نحو فلسفة إشراقية، تنم عن أعماق شجونه الفكرية، وهذا إن دل على شئ، فإنما يدل على أن السهروردى متصوفاً قبل أن يكون فيلسوفاً، وقد انتهى من فلسفته إلى حكمة الإشراق التى تدل على مذهبه الحقيقى، وقد تفلسف غيره من متصوفى الإسلام، ولكن أحداً منهم لم يربط الفلسفة بالتصوف مثل ما فعل، فهو يضع الفلسفة والتصوف في علاقة خاصة لا نجدها إلا عنده، وهو يميز بين نوعين من الحكمة متقابلين: " الحكمة البحثية " المعتمدة على التحليل والتركيب والاستدلال البرهاني، وتهدف إلى الوصول إلى الحقيقة، وهى حكمة الفلاسفة، " والحكمة الذوقية " التي هي ثمرة مذاق روحي، وهى حكمة يحياها الإنسان ولا يستطيع التعبير عنها وهى حكمة الإشراقيين، وليس ثمة تعارض حقيقي بين الحكمتين، وإنما هو تعارض ظاهري، لأن الإشراقي الحقيقي هو الذى يتقن الحكمة البحثية وينفذ في نفس الوقت إلى أسرار الحكمة الذوقية .

وفي هذا يحدثنا الشهرزورى: ما نصه: " جمع يعنى (السهروردى) بين الحكمتين أعنى الذوقية والبحثية . أما الذوقية فشهد له بالتبريز فيها كل من سلك سبيل الله عز وجل، وراضى عن نفسه التشاغل بالعالم طالباً بهمته العالمية مشاهدة العالم الروحانى، فإذا إستقر قراره وتهتك بالسير الحثيث إلى معاينة المجردات أستاره، حتى ظفر لمعرفة نفسة، ونظر بعقله إلى ربه، ثم وقف بعد هذا على كلامه، فلتعلم جيداً أنه كان في المكاشفات الربانية آية، والمشاهدات الروحانية نهاية، لا يعرف غوره إلا الأقلون، ولا ينال شأوه إلا الراسخون . وأما الحكمة البحثية فإنه أحكم شأنها وشيد أركانها وتميز عن المعانى الصحيحة البارزة اللطيفة بالعبارات الرشيقة الوجيزة، وأتقنها ورآها، لاسيما في الكتاب المعروف " بالمشارع والمطارحات "، فإنه استوفى فيه بحوث المتقدمين والمتأخرين وتفحص فيه معتقد الحكماء الأقدميين، وأكثر تلك البحوث والمتناقضات، والأسئلة والإيرادات من تصرفات ذهنه ومكنون علمه، وذلك يدلل على قوته في الفن البحثى والعلم الرسمى، وأعلم أن قيم كلامه ومعرفة أسراره مشكل جداً على من لا يسلك طريقته .

وهذا الجمع المحكم بين الحكمتين " الذوقية والبحثية "، يدل دلالة واضحة على مظاهر الأصالة في التفكير عند السهروردى . فبحسب النظرية السهروردى أن المجهود الفكرى للنفس الإنسانية، لا يحقق لها الغاية المرجوة، التى تسمى المعرفة التامة، إلا بالتجربة الداخلية والذوق الباطنى، كما أن الاختبار الروحى بدوره، لا يزدهر ويرسخ وينتج ثمراته المطلوبة، إلا إذا قام على أساس ثابت من العلم والفلسفة.

وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن النظرية السهروردية تدعو إلى " حشد " كل ضروب العهد – بما فيها الإسلام – لشرح " روحية الإشراق " بنقل إعتبار التوجيه للإسلام في المجتمع الإسلامى إلى روحيته الإشراقية (، وهذه المحاولة تبين لنا أن السهروردى كان موسوعى النزعة، لا يقنع بكتاب، ولا يقف عند شيخ، ويأبى إلا أن يضم الحكماء بعضهم إلى بعض سواء أكانوا شرقيين أو غربيين . وكأنما كان يطبق الحديث القائل: " الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها "، فجمع بين حكماء الفرس واليونان، وبين كهنة مصر وبراهمه الهند وآخى بين أفلاطون وزرادشت، وبين فيثاغورس وهرمس، وشاء أن يضم الروحانيين بعضهم إلى بعض دون تفرقة بين جنس ووطن .

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى استطاع أن ينبهنا إلى دراسة المنطق والفلسفة، وما لهما من قيمة كبرى وخطر عظيم، وأثر كبير في إعداد طلاب الحكمة وتثقيفهم، فهو يرى أنه لابد لطالب العلم والمعرفة من أن يلم إلماماً تاماً بالفلسفة الأرسطية والمنطق والرياضيات والتصوف، وأن يخلص نفسه من شوائب الهوى والشهوة ؛ بحيث يستطيع أن ينمى تدريجياً هذه الحاسة التى تحقق وتصحح ما يأخذه العقل على أنه نظرى خالص، والتى تعرف عن الصوفية باسم الذوق . فإن العقل الذى يعمل وحده دون أن يكون له عون أو مؤيد من الذوق لا يصح أن يوثق فيه ثقة مطلقة أو يطمئن إليه اطمئناناً لا شبهه فيه ولا غبار عليه ومن ثم كان السهروردى حريصاً على أن يؤيد العقل بالذوق .. وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

ضياء نافعاستلمت ردود فعل كثيرة حول مقالتي الاولى عن الصحافيين العراقيين من خريجي الجامعات الروسية، ومن بينها، ان كلية الصحافة لا يمكن ان تخلق الصحافيين، لان الصحافة موهبة مثل بقية المهن الابداعية، وهي ملاحظة دقيقة وصحيحة جدا من وجهة نظري، ولم نتحدث عن ذلك في مقالتنا، وانما ذكرنا مجموعة (من خريجي كلية الصحافة) برزت في صحافة العراق بعد عودتها الى الوطن. هذه الملاحظة ذكرتني بقول كنت غالبا ما اسمعه من بعض العراقيين حولي عندما كنّا طلبة في موسكو، وخلاصة هذا القول، ان كلية الصحافة هي مكان الذين لا مهنة لهم، ويستشهدون بان كل صحافيو العراق الكبار ليسوا من خريجي كلية الصحافة، بل ان أحدهم  قال لي مرة، انه حتى شهادة الدكتوراه التي يستلمها خريج تلك الكلية في روسيا تشير، الى ان حاملها هو – (كانديدات العلوم الفيلولوجية، اي دكتوراه فلسفة في علوم اللغات وآدابها )، ويستنتجون من ذلك، انه لا توجد (علوم صحافية  بحتة) يمكن ان يدرسها طلاب تلك الكلية، ولو كانت موجودة لأشاروا اليها في الشهادة الجامعية. وقد وجدت مثل هذه المفاهيم في العراق ايضا، اذ غالبا ما كنت اسمع، ان الطلبة في كلية الصحافة والاعلام هم (بلا مهنة)، وان الصحافة الحقيقية لا تحتاج الى هذه الاعداد من الخريجين، وانها تنتظر الموهوبين منهم فقط . ان هذه الآراء طبعا تتعارض مع الواقع العلمي، اذ ان اي موهبة (خصوصا في عصرنا) تحتاج الى المعرفة وصقلها والتعمق بها، والا فانها تضيع في خضم الحياة ( وما أكثر المواهب التي ضاعت  في مجتمعاتنا العربية !)،  وان كلية الصحافة باقسامها الاعلامية المتشعبة – ضرورية جدا مثل بقية فروع الدراسات الفنيّة الاخرى مثل الفن التشكيلي (الرسم والنحت) والموسيقى والفنون المسرحية والسينمائية  بفروعها المتشعبة والخ...، شريطة ان يتم القبول في تلك الدراسات كافة (بما فيها الصحافة) حسب تعليمات محددة وامتحانات خاصة تختبر مبادئ الموهبة في مراحلها الاولية لدى الراغبين بالالتحاق فيها، ولا مجال هنا للتوسع اكثر .

ومن جملة ردود الفغل على مقالنتا تلك ما قاله لي البعض، بان الاسماء غير كاملة، وذكروا مثلا اسم الدكتور خليل عبد العزيز، الذي انهى الدراسات الاولية والعليا في كلية الصحافة بجامعة موسكو، وأجبتهم، انني حددت في مقالتي اسماء هؤلاء الذين عملوا في صحافة العراق حصرا، وانني كتبت عن د. خليل ونشاطه الاعلامي المتميّز عدة مقالات ، وقد كرر د. خليل عبد العزيز نشر بعض تلك المقالات  في كتابه الموسوعي الموسوم – (محطات من حياتي)، وان مسيرة هذا الرجل ونشاطه الاعلامي المتنوع  تستحق دراسة واسعة ومعمقة بلا شك، وقد أعود الى الكتابة عنه لاحقا . وذكر البعض الآخر لي اسم  الزميل كامران قره داغي، الذي برز – كما هو معروف - في صحافة العراق وبشكل متميّز فعلا، وانني لم أشر اليه في مقالتي تلك، فقلت لهم اني اؤيد – وبحرارة - كل ما تقولون عنه . ان كامران صحافي موهوب واصبح  فعلا واحدا من الصحافيين البارزين في العراق بين خريجي الجامعات الروسية، ولكنه لم يتخرّج في كلية الصحافة، وانما هو خريج كلية الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) في جامعة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا)، وبالتالي، فانه النموذج الذي يثبت ان مهنة الصحافة هي مهنة ابداعية يبرز فيها الموهوبون بغض النظر عن شهاداتهم، علما اني كتبت ايضا عن نشاط كامران  الابداعي عدة مقالات . وجاء اسم الزميل سلام مسافر بين التعليقات حول مقالتنا، وأشاروا الى انه اصبح صحافيا عالميّا الآن، وانه – في أجواء عالميته وشهرته – لازال يحمل راية هموم وطنه الام – العراق، فقلت لهم، ان سلام مسافرقد اضطر ان يهرب من عراق البعث عندما كان صحافيا معروفا بجريدة الجمهورية البغدادية في سبعينيات القرن العشرين، عندما اراد النظام الصدامي ان (يؤدلج!) الاعلام العراقي  (جاء اسم سلام مسافر مع مجموعة بارزة من الصحافيين العراقيين الذين نقلوهم من جريدة الجمهورية آنذاك الى اماكن لا علاقة لها بعملهم الصحفي)، وان سلام مسافر قد تخرّج في كلية الصحافة بجامعة بغداد وليس خريج كلية الصحافة الروسية، اي انه كان صحافيا عراقيا معروفا قبل وصوله الى موسكو، وانه استمر بنشاطه الصحافي رأسا بعد وصوله اليها، وكلنا نتذكر انه كان مندوبا نشيطا جدا لاذاعة مونتي كارلو من موسكو لسنوات طويلة .

اضطررت الى تكريس هذه الحلقة من مقالتنا حول الصحافيين من خريجي الجامعات الروسية الى ردود الفعل هذه، واتمنى العودة قريبا الى اكمال الحديث عن الاسماء التي أشرنا اليها في الحلقة الاولى، اذ اننا تحدثنا عندها فقط عن جلال الماشطة، ولم نتناول بقية الاسماء، وهم - سعود الناصري وسلوى زكو ومحمد عارف...

 

أ. د. ضياء نافع

 

محمود محمد علييرى معظم المؤرخين والمترجمين أن شهاب الدين السهروردى هو "أبو الفتوح يحيي بن حبش بن أميرك"، غير أن "ابن أبى أصبيعة" في عيون الأطباء، ذكر أن أسم السهروردى هو "عمر" دون أن يذكر اسم أبيه . وقد لاحظ " نيللينو " Nallono في كتابه علم الفلك عند العرب، هذا الخطأ الذى وقع فيه "ابن أبى أصبيعة" ووصفه بالسهو الشنيع والغلط الفظيع ؛ أما ياقوت الحموى في معجم الأدباء فيقول أن: "اسم السهروردى هو "أحمد" وأن كنيته هى "أبو الفتوح".

ولكن ابن خلكان (في إخبار العلماء) يشير إلى أن الاسم الصحيح هو : "أبو الفتوح يحيي بن حبش بن أميرك". ثم يضبط هذا الاسم ضبطاً لغوياً لما عسى أن يلتبس في هذا الاسم من ألفاظ غريبة أو عجيبة، قد يصعب نطقها أو فهمها فيذكر أن لفظ " حبش " بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة والشين المعجمة . وقال عن لفظ " أميرك " إنه بفتح الهمزة وبعدها ميم مكسورة، ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها راء مفتوحة، ثم كان وهو اسم أعجمى معناه " أمير " وهو تصغير " أمير " لأن الكاف التى تلحق بآخر الاسم هى للتصغير.

ويلقب السهروردى بالمؤيد بالملكوت، وذلك لما عرف عنه من العلوم الإلهية والأسرار الربانية التى رمز الحكماء إليها وأشار الأنبياء إليها، ولما أيد به من قوة التعبير عن هذه الأسرار وتلك العلوم في كتابه العظيم " حكمة الإشراق " . ويلقب أيضاً بخالق البرايا، وذلك لما كان يظهره في الحال من العجائب، ويرى الشهرزورى أن واحداً رأى السهروردى في المنام، فقال له الأخير لا تسمونى بخالق البرايا .

ولما كان السهروردى قد قتل بأمر السلطان صلاح الدين الأيوبى سنة (589 هـ - 1193 م) فلهذا السبب أطلق عليه المؤرخون لقب " الشيخ المقتول "، وذلك تمييزاً له عن غيره ممن يشتركون معه في النسبة إلى سهرورد، فثمة علماء ثلاثة يعرفون باسم السهروردى وهم :

1- ضياء الدين أبو النجيب عبد القاهر السهروردى، المتوفى سنة 630 هـ الموافق 1167 م أو سنة 1168 م .

2- شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد بن عموية، مؤلف عوارف المعارف، سنة 632 هـ الموافق سنة 1234 أو 1235 م .

3- محمد بن عمر بن الشيخ شهاب الدين، المتقدم مباشرة، صاحب زاد المسافر في التصوف.

غير أن " أحمد أمين " في كتابه ضحي الإسلام، يرى أنه ربما لقب " بالشيخ المقتول " فذلك إيماء بأنه قتل استحقاقا لهذا القتل، وإلا كان لقب بالشهيد، وأنه أشاع في " حلب " تعاليمه الفلسفية ورأيه في الحلول، وأن الله والعالم شئ واحد وتصريحه بذلك ألب الفقهاء والشعب عليه، فاضطر الملك الظاهر بن صلاح الدين حاكم حلب أن يتخلى عن حمايته فقتل عام " 587 "، وهو السادس والثلاثين من عمره.

ويرجع " الأب جومس نولجانس " (في بحثه عن السهروردي ضمن الكتاب التذكاري) أن علة لقب السهروردى بالشيخ المقتول يرجع إلى أنه الذى تعود عليه الناس فسموه به، ولأنه لم يمت موتاً عادياً، وإنما مات مقتولاً، ولهذا يكون اللقب الذى تعود الناس تسميته به " المقتول " يشير إلى أن موته لم يعتبر دليلاً على الإيمان الحقيقى الذى يتسم به الشهداء، وإنما مات ككافر مداناً من السلطات الدينية .

وهنا يتضح أن السهروردى إذا كان قد لقب بالشيخ المقتول، فذلك لما تواتر عليه جمهور المؤرخين، أما تلاميذه وأتباعه فإنهم يطلقون عليه لقب " الشهيد " ؛ حيث اعتبروه شهيد الفكر والعقيدة الإشراقية .

وفي منتصف القرن السادس الهجرى ولد شهاب الدين السهروردى المقتول عام 549 هـ الموافق 1153 م في (سهرورد)، وهى بضم أوله وسكون ثانيه وفتح الراء والواو وسكون الراء، ودال مهملة وهى : بلدة قريبة من زنجان بالجبال .

على أنه ليس من الممكن الآن تحديد موقعها بدقة، لكن إذا أردنا تحديد موقعها في العهد القديم، فيمكن القول بأنها كانت تقع في الشمال الغربى من إيران في ميديا القديمة وهى مدينة كانت مزدهرة إبان الاضطرابات المغولية .

وبخصوص المولد والنشأة يعطينا المؤرخين والمترجمون طائفة قليلة من المعلومات التى لا خطر لها ولا غناء فيها، والتى لا تكفى لإظهارنا على صورة واضحة لحياة السهروردى في طفولته وصباه، ولعل كل ما نعرفه عنه أنه ولد في سهرورد، وأن تاريخ مولده يقع بين سنتى (545 هـ) الموافق (1150 م)، وسنة (550 هـ) الموافق (1155 م)، وأنه قضى حياته الأولى بتلك البلدة القريبة من زنجان، وهى (سهرورد)، وهنالك تلقى أول ما تلقى من ثقافات دينية وفلسفية أو تصوفية . أما على من تلقى هذه الثقافات وما مبلغ وقوفه عليها وتحصيله لها !! وما الخصائص العلمية وغير العلمية التى امتازت بها بيئته المنزلية من ناحية، وبيئته الاجتماعية من ناحية أخرى، ومن أبوه، وما مكانة هذا الأب، وما أثر في تنشئة ابنه، وتثقيفه وتوجيهه !! . فكل ذلك أمور لا يكاد الباحث يظفر بها أو يقف على بعضها فيما بين يديه من المراجع، حتى الشهرزورى تلميذ السهروردى المباشر وشارح مؤلفاته لا يخبرنا في ترجمته المطولة بإجابات شافية عن هذه الاستفسارات.

ولعل السبب في هذا يرجع إلى صغر سن هذا الفيلسوف الصوفى وكثرة أسفاره كانا من العوامل التى قيضت نطاق انتشار علمه، أو ذيوع صيته، فلم يحفل بتتبع نشأته الأولى .

وكان السهروردى كثير السفر والترحال والتنقل في مختلف الأقطار، فلقد كان السفر من بعض هواياته، فلا يكاد ينزل ببلده جديدة حتى يبحث عن العلماء والحكماء، ويأخذ عنهم علمهم، وعن الحكماء حكمتهم، ويصاحب الصوفية، ويجالسهم، ويأخذ نفسه بالتجريد وسلوك طريقتهم من رياضيات ومجاهدات كانت سبيله إلى ما أشرقت به نفسه من أنوار المكاشفات.

فقد حدثنا الشهرزورى ما نصه : " كان قدس الله روحه كثير الجولان والطوفان في البلدان، شديد الشوق إلى تحصيل مشارك له فى علومه، ولم يحصل له، قال في آخر " المطارحات " ... ها هو ذا قد بلغ سنى تقريباً ثلاثين سنة وأكثر عمرى في الأسفار والاستخبار والتفحص عن مشارك مطلع على العلوم، ولم أجد من عنده خبر عن العلوم الشريفة، ولا من يؤمن بها وأكثر العجب من ذلك .

والبلاد التى سافر إليها السهروردى لا تتجاوز كما أخبرنا المؤرخون والمترجمون بلاد الشام، وبلاد الروم، وقد حدثنا الشهرزورى أيضاً عن السهروردى في موضع آخر، فقال ما نصه : " .... وسافر في صغره في طلب العلم والحكمة إلى مراغة، واشتغاله بها على يد " مجد الدين الجيلى "، في أصفهان، وبلغنى أنه قرأ هناك بصائر ابن سهلان الساوى على الظهير الفارسى، والله أعلم بذلك، إلا أن كتبه تدل على أنه فكر في البصائر كثيراً، وسافر إلى نواحي متعددة، وصحب الصوفية، واستفاد منهم، وحصل لنفسه ملكة الاستقلال بالفكر والانفراد، ثم اشتغل بنفسه بالرياضيات والخلوات والأفكار، حتى وصل إلى غايات مقامات الحكماء ونهايات مكاشفات الأولياء .

من هذا النص يتضح لنا أن السهروردى قد أخذ العلم في بداية حياته على يد " مجد الدين الجيلى " أستاذ فخر الدين الرازى، ثم سافر بعد ذلك إلى أصفهان، وأصفهان إحدى المدن الكبرى التى استقر فيها " ابن سينا " وقتاً غير قصير، واتخذ فيها قسطاً كبيراً من موسوعته الفلسفية الكبرى " الشفاء "، وكان له فيها تلاميذ وأتباع تعاقبوا إلى أن رآهم السهروردى، واطمأن إلى صحبتهم، واتخذ منهم أصدقاء أولع بهم . وفى أصفهان قرأ السهروردى " بصائر ابن سهلان الساوى المتوفى سنة 450 هـ - الموافق سنة 1060 م " .

وكتاب البصائر من أجواد أنواع التلخيصات لمنطق الشفاء لابن سينا، كما أن السهروردى، وهو بأصفهان خاطب الفكر السينوى . فكتب له رسالة " بستان القلوب "، كما ترجم " رسالة سينا إلى اللغة الفارسية .

كما اتصل السهرودرى بالشيخ " فخر الدين المادرينى "، وكانت بينهما صداقات واجتماعات كما أخبرنا بذلك ابن أصيبعة ؛ حيث استفاد السهروردى من اتصاله به في تكوين مذهبه المشائى الذى عرض له في " التلويحات واللمحات والمقامات والمطارحات وهياكل النور ..... الخ .

ثم يذكر الشهرزورى بأن السهروردى سافر إلى مناطق متعددة لطلب العلم دون أن يذكر اسمها بالتفصيل، غير أنه أشار بأن السهروردى كل يفضل الإقامة " بديار بكر "، وقد إتصل بأمير خربوط " عماد الدين قرة أرسلان " حاكم ديار بكر وأهدى إليه كتابة " الألواح العمادية .

ويذهب " ماسينيون " Massinon (في كتابه مجموعة نصوص لم تنشر) إلى أن السهروردى أسس مدرسة إشراقية في بلاط الأمير. غير أن كتابات المؤرخين والمترجمين لم تؤيد هذا الرأى، حيث أن صغر سنة وكثرة أسفاره لا تجعلنا نعتقد أنه كان لديه من الوقت ما يسمح له بتكوين مدرسة فلسقية، ولا سيما وأن إقامته فى الأناضول عن الأمير أرسلان لم تطل، لأن الشيخ كان كثير السفر ميالاً إلى التجوال .

على أن حياة التجوال التى كان يحياها السهروردى، لم تقف به عند البلاد التى أشار المؤرخون والمترجمون إلى أنه قد دخلها، وأفاد منها ما أفاد من ثقافات، واتصل فيها بمن اتصل من شخصيات وإنما هى قد امتدت به إلى الشام، حيث قدم مدينة حلب سنة 579 هـ، كما يقول : " ابن أبى أصيبعة، وهى آخر البلاد التى سافر إليها، وفيها قتل بسبب معتقداته الفلسفية . وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمد فتحي عبدالعالفي بلادنا لا يوجد فيصل أحيانا بين أن تكون ملكا ووأن تكون زعيما فمادام الملك مستمر في حكمه فالزعامة قرينه ولو كانت مملكتة لا تتعدي بضعة سنتيمترات وكيف لا ويوجد أجهزة أعلامية لا تتوقف عن الأشادة به بسبب وبدون ..ولكن ملكنا في هذه الحلقة كان يملك ملكا متراميا ضم مصر والسودان فحاول أن يكون زعيما بحق وليس من قبيل التباهي الاعلامي الواهي المرتبط بحياة الحاكم ...ملكنا اليوم هو الملك فاروق الأول والذي تولي الحكم عام 1937 خلفا لوالده الملك فؤاد الرجل الصارم وكان لا يزال عمره السابعة عشر من عمره فيعود فاروق المتوج على العرش إلى بلاده على باخرة «النيل» قاطعًا دراسته بكلية «ووليتش» العسكرية في بريطانيا. ونظرا لعدم بلوغ «فاروق» السن القانونية ، فقد تشكل مجلس للوصاية على العرش، وكان برئاسة ابن عمه الأمير محمد علي بن توفيق ، وعضوية محمد شريف صبري باشا، وعزيز عزت باشا، وكان من المقرر أن يستمر هذا المجلس لعام وتسعة أشهر. وحتي تقطع والدته الملكة نازلي الطريق أمام مطامع الأمير محمد علي المدعوم من السفير البريطاني السير مايلز لامبسون نظرا لطول فترة الوصاية وخشيتها من ضياع الحكم من ابنها فنجحت نازلي وبتأييد السياسي المخضرم علي باشا ماهر في استصدار فتوي شرعية من شيخ الأزهر مصطفي المراغي بأن «عُمر الملك المسلم لابد أن يُحتسب بالتقويم الهجري لا الميلادي»، وبموجب ذلك بلغ فاروق سن الرشد في يوليو 1937. ولأن العهود لا تسير علي نفس الوتيرة فعلي ماهر ذاته هو نفسه الذي اقنع فاروق فيما بعد في توقيع ورقة التنازل عن عرشه بعد حركة عام 1952 كما أن المراغي دب الخلاف بينه وبين فاروق حينما رفض أصدار فتوي بتحريم زواج فريدة مطلقته ولكنها لعبة السياسة والحكم واجادة التلون لدي بعض النخب السياسية والدينية .

كان فاروق متميزا عن أسرة محمد علي باشا في كونه الوحيد من ورثة العرش الذي كان له أصول مصريه فوالدته نازلي ابنة عبد الرحيم باشا صبري وهي أسرة وفدية عريقة وكانت مخاطبته للمصريين لأول مرة باللغة العربية سابقة في التاريخ المصري الحديث حيث كان حكامه السابقين كانت لغتهم الرسمية هي التركية ولغة قصورهم الفرنسية !! بينما لغة الشعب الذي يحكموه غائبة. كما أعجبه فجأة لحية جده الخديو اسماعيل فقرر أن يلتحي !!! ليصبح الملك الزاهد في نظر رعيته.

كان يداعب فاروق منذ البداية حلم أبيه في أن تكون له زعامة العالم العربي والأسلامي والتي انتهت بسقوط الخلافة العثمانية عام 1922 ولكن كتاب الشيخ علي عبد الرازق الاسلام وأصول الحكم والمعركة التي ثارت حوله أدت الي تقويض حلم فؤاد حيث أشار عبد الرازق في كتابه الشهير أن النبي لم يعيّن في البلاد التي فتحها ولاة لإدارة شؤونها، و أن معارضة المسلمين للخلافة "نشأت إذ نشأت الخلافة نفسها، وبقيت ببقائها" .

كان فاروق يطمح الي احياء هذا الحلم منذ بداية حكمه فسعي الي عمل مراسم تتويج أسطورية داخل القلعة علي طريقة العصور الوسطي وأن يبايعه الناس كخليفة للمسلمين، ويتسلم التاج من شيخ الأزهر ويحمل سيف جده محمد علي باشا، ثم يدعو له المشايخ الدعاء الخاص بالخلفاء العباسيين وسلاطين آل عثمان له.وأن تقام هذه المراسم علي مرأي ومسمع من زعماء العالم وأن يكون الحفل في يوم الخميس، وفي اليوم التالي الجمعة يخطب المراغي خطبة الجمعة ثم يصلي الملك إمامًا بالمسلمين في الجامع الأزهر .واستباقا لأحلام الملك صرح «المراغي» بأن (الله يبعث كل مائة عام للأمة الإسلامية رجلًا يُصلح دينها ويجدد عقائدها ويوحّد صفوفها، وفاروق هو المختار ليكون رجل المائة عام المقبلة).

أطاح بأحلام الملك الأسطورية رفض مصطفي النحاس باشا زعيم الاغلبية ورئيس الوزراء انذاك والذي صمم أن يكون التنصيب في البرلمان وهو ما وسع الهوة بين الملك والوفد ...سرعان ما تعلم فاروق -الفتي صغير السن وقليل التجربة والمعرفة بالحكم والذي لم يكن معنيا بشئون الحكم في عهد والده بأكثر من لقب أمير الصعيد- علي يدي علي ماهر باشا الثعلب السياسي المخضرم لعبة السياسة والتلاعب بالوزارات فأقال فاروق حكومة النحاس عام 1938 وألف حكومة برئاسة علي باشا ماهر وبدأ ماهر باشا يقنع فاروق أن الطريق نحو الزعامة يكون بتزويج اخواته البنات من عدد من ملوك وامراء العالم العربي والاسلامي وكانت البداية مع زواج الاميرة فوزية ذات الثقافة والملامح الارستقراطية الجميلة من شاه ايران محمد رضا بهلوي وكانت ايران انذاك دولة في مهدها لم تصل الي الحداثة مثلما كانت مصر في ذلك العهد وسرعان ما انتهي هذا الزواج الذي لم يسفر عن تحالف سياسي ملموس الي الطلاق.

حاول فاروق أن يسير علي خطي ابن عمه الخديو السابق عباس حلمي الثاني في اكتساب الزعامة الشعبية في مصر عبر العداء للانجليز والتقرب من النخب الوطنية منتهجا خطا مختلفا بعض الشيء وهو محاولة الأقتراب من الالمان وكان مسرح عمليات الحرب العالمية الثانية ليس ببعيد عن مصر وجرت العديد من المحاولات للاتصال بالالمان ومنها أرسال بعض الصور والخرائط عن مواقع القوات البريطانية الي الالمان عبر طيار مصري هو أحمد سعودي الا أن الطائرة الانجليزية الصنع والتي كانت تقله تم ضربها عبر سلاح الجو الالماني قبل هبوطها بالخطأ وضاعت الفرصة الثمينة ثم محاولة تهريب الفريق عزيز المصري رئيس الاركان المصري لمساندة ثورة رشيد الكيلاني ضد الانجليز في العراق ثم قضية حكمت فهمي الراقصة المصرية والجاسوسين الالمانيين ابلر وساندي واللذين وقعا في قبضة الانجليز عبر فتاتين من فتيات الهوي اليهود شكا في امرهما وهما يغنيان تحت تأثير الخمر نشيد المانيا فوق الجميع !!! هل كان فاروق يعلم بهذه المحاولات وهل ساعد فيها ؟ من الصعب تحديد ذلك نظرا لتعدد الروايات وتضاربها حول هذه المحاولات وبعضها كان الشاهد عليه مذاكرات الرئيس السادات والتي كتبها مرات عديدة وبعناوين مختلفة وروايات بعضها متناقض واستفاض فيها في اسباغ الوان من البطولة اليه عبر مراحل مختلفة من حياته لا يوجد عليها شاهد غيره !!

الا أن المتفق عليه أن فاروق حاول الأتصال بهتلر نفسه عبر برقية الي السفير المصري بأيران يوسف ذو الفقار باشا (والد زوجته الملكة فريدة) ورصدتها المخابرات البريطانية ...

كان الرجل الثاني في حياة فاروق هو أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي الشاب المثقف الارستقراطي مكتشف الواحات وصاحب أول محاولة للطيران في مصر ذو الجذور الازهرية والذي كان يمتلك مكيافيلية عالية وقد التحق بجامعة اكسفورد بلندن بوساطة اللورد ملنر وزير المستعمرات وصاحب اللجنة الشهيرة في التحقيق في اسباب ثورة 1919 !!! استطاع حسنين الاستحواذ علي أم فاروق الملكة الطروب نازلي والتي أوجعها قسوة وغيرة زوجها فؤاد وحبسه أياها بواسطة الخدم ووأدمي قلبها منعها من رؤية ابنها فاروق لفترة طويلة وقد وصفتها الصحفية الأمريكية جريس هوستون أنها عصفور في قفص من ذهب !! ..وتم الزواج بين حسنين ونازلي عرفيا دون معرفة فاروق في البداية .

لم تكن مغامرات الملك في الاتصال بالالمان بالاضافة الي كثرة حاشيته من الالمان والايطاليين بخافية علي الانجليز في هذا الخطب وقوات روميل بالعلمين تقترب من الاسكندرية فطلب السير مايلز لامبسون السفير البريطاني من فاروق تشكيل حكومة برئاسة النحاس باشا حاول فاروق المراوغة وطرح بدائل لاسماء أخري وهو الامر الذي لم يعجب لامبسون فوجه انذاره الاخير للملك عبر حسنين باشا بأنه ان لم يسمع قبل السادسة مساءا أن الملك استدعي النحاس لتشكيل الوزارة فليتحمل الملك تبعة ذلك .. وكانت الطامة حينما حاصرت دبابات لامبسون القصر الملكي في عابدين يوم 4 فبراير عام 1942 ليقتحم القصر بصحبة الجنرال ستون قائد القوات البريطانية وينحي الحاجب بأنه يعرف طريقه ... حاول فاروق والذي بدا عليه الاضطراب الشديد تلطيف الاجواء مع لامبسون -والذي كان ينعته دوما في تقاريره بالصبي- لكن الاخير أعتبر ان الوقت قد مضي وان علي فاروق توقيع وثيقة التنازل عن حكمه وكانت خطة الانجليز تولية الامير محمد علي بن توفيق ولي العهد خلفا لفاروق .. كاد فاروق أن يوقع لولا رجاء أحمد باشا حسنين للامبسون بمنحه فرصة أخري .

وفي عجالة استدعي فاروق النحاس لتشكيل الوزارة ...اعتبر حسنين باشا أن ما تم كان أهانة شخصية له فقرر الانتقام علي طريقة الكونت دي مونت كريستو في أمير الانتقام !!! من أقطاب من اعتبرهم المسؤلون عن هذا الحادث وهم النحاس المستفيد الاول من هذا الحادث ولامبسون السفير البريطاني واستهل انتقامه بالنحاس وووجه له أكبر طعنة عبر صديق عمره الزعيم الوفدي البارز والخطيب المرموق مكرم باشا عبيد حيث استطاع استمالته ليتحول الصديق الي عدو ويصدر كتابه الشهير الكتاب الاسود والذي هاجم فيه صديق عمره النحاس واتهمه بالفساد المالي ونجحت الخطة وتم أقالة وزارة النحاس علي أثر هذه الاتهامات ...

استطاع أحمد حسنين باشا من خلال اتباع سياسة النفس الطويل أن ينتقم من لامبسون عبر صديقه في لعبة الشيش وزميله السابق في اكسفورد عبد الفتاح باشا عمرو والذي كان علي اتصالات ممتازة مع أقطاب حكومة العمال وحينما حطت الحرب العالمية الثانية اوزارها وخرج ونستون تشرشل وحكومته المحافظة من السباق الانتخابي ونجحت حكومة العمال في المقابل كانت الفرصة مواتية لاتصالات عبد الفتاح باشا والسعي لتعيين معتمد بريطاني جديد في مصر وهو ما قد تم ..

بوفاة أحمد حسنين باشا في حادث سيارة مع احد عربات الجيش الانجليزي عام 1946 كان بمثابة تحول كبير في حياة فاروق اذ انخرطت أمه نازلي في علاقات غرامية سببت ليه الكثير من الحرج علي المستوي الدبلوماسي والشعبي كما كان الأثر الذي تركه حادث 4 فبراير قد أحدث تصدعا داخله ...

كان الرجل الثالث في حياة فاروق هو الدكتور يوسف رشاد والذي التقاه لاول مرة في حادث القصاصين عام 1943 حيث تعرض فاروق لحادث تصادم كاد أن يودي بحياته .. استطاع يوسف رشاد ان يلبي رغبات فاروق الطائشة في مزيد من تصفية حسابات الماضي مع النحاس باشا ولكن هذه المرة عبر اسلوب جديد وهو اسلوب القتل ... فشكل ما عرف بالحرس الحديدي من الضباط من صفوف الجيش وكان منهم الرئيس الرحل أنور السادات ..كما كانت زوجة يوسف رشاد السيدة ناهد رشاد لها دورا بارزا داخل القصر ..

كانت مهمة الحرس الحديدي تصفية خصوم الملك ومنهم النحاس الا أن مسألة اغتيال النحاس منيت بالفشل عدة مرات فأنتقلت الدائرة الي مهندس الاتصال الوفدي مع الانجليز في حادث 4 فبراير وهو وزير المالية أمين عثمان حيث تم أغتياله عبر مجموعة حسين توفيق وكانت القضية الشهيرة التي ضمت حسين توفيق جنبا الي جنب مع انور السادات ... لكن الملك لم يكن بالذي يترك رجاله ليلاقوا الموت في حكم شبه بات في قضية كاملة الاركان من حيث القتل العمد والترصد ففجأة تتعرض أوراق القضية للسرقة ويتم تهريب حسين توفيق الي سوريا وفي دمشق استمر في نشاطه حيث هاجم المعبد اليهودي هناك!!!!

لقد كان فاروق مثالا انسانيا للصراع بين شخصية الملك وما تفرضه من التزامات وشخصية الشاب بجموحه وتهوره وشخصية الزعيم التي تحاول أن تفرض نفسها  وسط ظروف دوليه استثنائية تفرض تحولات جذرية ومحيط عائلي غير مستقر قتلت هذا الحلم داخله كل هذا رسم الطريق لنهاية فاروق بشخصياته الثلاث حيث تتسارع السنون ويتحول الجيش المحب لفاروق بعد حادث 4 فبراير والذي كان علي استعداد للفداء في سبيله الي ساخط عليه ...لتقوم حركة 23 يوليو 1952.

 

د. محمد فتحي عبد العال

كاتب وباحث مصري