حسيب شحادةخلاصة ما أدلى به الكاهن صدقة بن إسحق عام ١٩٢٤

لمجلة الزهرة الحيفاوية عن السامريين

A Summary of what the Priest Sadaqa b. Isaac

Said to Haifa’s Magazine al-Zahra about the Samaritans

الطائفة السامرية أو السامريون في العالم، الزهرة، مجلة ادبية روائية اخلاقية تاريخية فكاهية، صاحبها ومديرها المسؤول جميل البحري،  العدد ٥، أيلول سنة ١٩٢٤، السنة الرابعة، ص. ٢٥١-٢٥٨؛ الطائفة السامرية ٢، الزهرة ع. ٦، س. ٤، تشرين أول ١٩٢٤، ص. ٣٥١-٣٥٥، عبارة عن أسئلة وُجِّهت إلى الكاهن في نابلس والأجوبة التي أرسلها للمجلة.

في ما يلي أورد النقاط الهامّة في نظري، التي ذكرها الكاهن صدقة بن إسحاق (صدقة إسحق عمران سلامة غزال إسحق إبراهيم صدقة ١٨٩٤-١٩٧١) الصديق الغيور، في إطار المقابلة معه في حيفا، والمنشورة في مجلة الزهرة المذكورة. ربطت الكاهن صدقة علاقات صداقة طيّبة مع شخصيات عربية كثيرة مثل الملك عبد الله الأوّل بن الشريف حسين بن علي ١٨٨٢-١٩٥١، وحفيده الملك حسين بن طلال ١٩٣٥-١٩٩٩، ورئيس بلدية نابلس المعيّن سليمان بك طوقان ١٨٩٣-١٩٥. أضفت بين القوسين [] تعليقاتٍ على ما ورد في المجلة وهي للصديق الكاهن عزيز بن يعقوب السامري النابلسي كما وردتني إلكترونيًا في الثامن من شباط ٢٠١٩. [ورد في مستهل المقابلة بأنّ الكاهن صدقة المذكور كان كاهنًا أعظم وهذا غير صحيح إذ أنه لم يصل إلى ذلك المنصب لأنّه توفّي في حياة شقيقه عمران، الكاهن الأكبر].

وردت في بداية المقابلة هذه الفقرة:

 ”لقد اغتنمنا فرصة وجود حضرة الصديق الكاهن صدقة بن إسحق الكاهن الاعظم للطائفة السامرية في حيفا وزيارته لنا، واستعلمنا منه عن بعض ما يجهله الكثيرون من احوال هذه الطائفة الصغيرة بعدد نفوس افرادها والتي يشيعون كثيرًا انها محدودة العدد لا تنقص ولا تزيد“.

١) تعود نشأة الطائفة السامرية إلى عهد النبي موسى، وبنسَبها إلى ابني يعقوب، لاوي ويوسف. [شكلت السامرية في بداية عهدها "يوم ظهرت مملكة داود" تسعة أسباط من أصل إثنى عشر سبطاً، والعدد تلاشى جراء معارك وعمليات إبادة، تهجير وتغيير الديانة بالإكراه، إلى أن وصل لمائة ونيف مع بداية القرن الحادي عشر، وقد انحدرت يومئذٍ، على الرغم من صغر عددها، من ثلاثة أسباط، ألا وهي لاوي ويوسف بالإضافة إلى سلالة بنياميم (بالميم) (الاسم اليهودي بنيامين)، وسلالة الأخير بقيت حتى نهاية القرن التاسع عشر، يوم توفت امرأة كانت آخر هذه السلالة].

٢) تسكن الطائفة السامرية مدينة نابلس (شكيم في التاريخ) منذ أمد سحيق، وفيها جبل جرزيم وتسميه الطائفة ”جبل الطور“ وهو قِبلتها، وإليه ينتظرون عودة خيمة الاجتماع، بعد مجيء الطائب (أي التاهب/التائب، المهدي أو المسيح). ويعتقد السامريون أنّ هيكل سليمان وفيه تابوت العهد مدفون هناك حتّى اليوم. باني الهيكل هو يشوع بن نون عند دخول بني إسرائيل الأراضي المقدسة، وبقي الهيكل أربعة قرون وستّين سنة فقط، وهدمه الكاهن الأوّل بوقه ويدعى عزي. ولا يجوز تقديم القرابين إلا على هذا الجبل، الذي قرأ عليه يشوع بن نون البركاتِ كما قرأ اللعنات على الجبل المقابل في الشمال، عيبال. يصل ارتفاع جرزيم  إلى ٨٦٨م  وعلوّ عيبال ٩٣٨ م.

[الكلمة طور في الارامية السامرية تعني الجبل، وجرزيم هو الاسم التوراتي، مع العلم بأن الشريعة قد نعتته أيضاً بالاسم אלון מורה والكلمة אלון تعني البلوط، فيما מורה هي الرم أو الجبل، أي جبل البلوط، نسبة إلى مجاورته لنابلس القديمة، والمعروفة اليوم بـ (بلاطة) الذي يرجع أصل الاسم إلى البلوطة، وهي الشجرة التي اعتاد سيدنا يعقوب الاستظلال بها يوم سكن شكيم.].

 

٣) يوجد على قمّة جبل جرزيم أساس هيكل السمرة، الذي هُدم بعد تشييده بقرنين من الزمان، ويأمُل السامريون في بنائه من جديد. [نواة الخلاف بين المذهب السامري عنه للمذهب اليهودي هو هيكل سليمان، الذي شيده أتباع مملكة داود في القدس، أي إذا صح الاعتقاد بأن للسامريين كان هيكلاً، أنا شخصياً أشكك في مثل هذا، لا يمكن أن ننسبه إلى ما يُسمى هيكل سليمان، والتاريخ السامري يكاد يجزم بأن السامريين لم يُشيدوا أي مقدسٍ بعد خيمة الاجتماع التي عملها الإسرائيليون في عهد نبيهم موسى بن عمران عليه السلام، بأمرٍ من الرب. أنظر سفر الخروج ٣٥: ٤-١٩. ينفي التاريخ السامري قيام أي هيكل على قمة جبلهم المقدس، كذلك ليس هناك أي تفكير في تشييد شيئاً من هذا القبيل، سيان كان السبب لأصل الأمر بعمل خيمة العهد بأمرٍ من الرب تعالى، بهدف مناجاة سيدنا موسى عليه السلام ربه، وعبادته من الخيمة الموصوفة، كذلك إمكانيات أفراد الطائفة المادية الآنية لا تكاد تكفي لعمل قطعة واحدة مهما كانت صغيرة من مركبات خيمة العهد الوارد وصف أدواته في الشريعة المقدسة.].

٤) وصل عدد السامريين في الماضي القديم عشرات الألوف، ولكنّه تناقص من جرّاء الاضطهادات إلى أن وصل عام ١٠٣٥ هـ أي ١٦٢٥م إلى خمس عائلات: من يافا، من غزة، من الشام، من نابلس، من عورتا. وفي قرية عورتا، الواقعة بالقرب من نابلس دفن، بحسب اعتقاد السامريين، كلّ من العزير بن هارون وأخوه مفضل وابنه المنصور، وأنّ ابن هذا الأخير المسمّى أبو الغوث هو الذي كتب توراة السامريين؛ وهذه القرية هي موطن الكهنة السامريين الأصلي. [ لا اختلاف لا بل إحماعاً، بين المذهبين السامري واليهودي، في مسألة مدافن الأنبياء والصديقين، ومن جملتهم العزير بن هارون كذلك يوسف بن يعقوب – عليهم جميعاً السلام – فالعزير كما جاء في مقالتكم مدفون في عورتا المجاورة لنابلس، أما يوسف فمدفون في بلاطة، وسبق أن ذكرت عاليه بأن بلاطة هي نابلس القديمة. يُفضل تدوين الأسماء كما وردت دون حاجة لترجمتها إلى العربية، كلها أو جزءاً منها، فالاسم العزير ذكر كما هو، علماً بأن الترجمة للعزير هي عبد المعين، إذن تعال بنا نسردهم بأسمائهم العبرية ليصبحوا: العزير وإيتامار وفينحاس. אבישע ابيشوع لم يكتب توراة السامريين، إنما هو من نسخ أقدم مخطوطة (توراة) على وجه المعمورة، والتي يحتفظ بها السامريين، وهي الدالة الأكبر على صحة العلاقة بين الديانة الإسرائيلية وجبل جرزيم].

٥) بلغ عدد السامريين في العام ١٩٢٤، ١٧٤ نفسًا وهم فئتان: الكهنة والجماعة (الشعب) [اعتاد السامريون استخدام الألقاب: الكهنة والعامة]، ويرجع الكهنة بالنسب إلى هارون من سبط لاوي بن يعقوب، وعددهم ١٨ ذكرًا من ابن سنة فصاعدًا؛ الكاهن الأعظم آونتها كان إسحق (بن عمران) وله من العمر ٧٢ (أي أنّه وُلد عام ١٨٥٢ وليس عام ١٨٥٥ كما يرد في بعض المصادر، كهانته من ١٩١٧ إلى وفاته عام ١٩٣٢، ح. ش.) وخلّف من الصبيان اثنين أحدهما ”صديقنا صدقة المنوه عنه في رأس هذا المقال“. يسكن كلّ السامريين في مدينة نابلس باستثناء ثلاث عائلات، اثنتان في يافا وواحدة في طولكرم.

٦) الرئاسة الدينية مقتصرة على الكهنة وتعود إلى الأرشد منهم.

٧) انقطع نسل الكهنة لمئة سنة خلت وبقي طفل واحد عمره أحدَ عشرَ شهرا وظلت الطائفة السامرية بدون كهنة مدّة ١٤ سنة إلى أن كبُر الصبي .

٨) يعتاش الكهنة ممّا يتلقون من مساعدات، ومن أعمالهم الخصوصية كباقي الناس.

٩) الشعب أو فئة الجماعة ويعود النسب إلى ابني يوسف، منسى وافرايم، والباقون ينسبون الى سبط منسى. [هكذا في الأصل].

١٠) عقيدة السامريين مكوّنة من خمسة بنود:

أ) الله واحد لا شريك له (يُلفظ شيما Šēma أي: الاسم، ح. ش.).

ب) موسى نبي مرسَل ولا نبي بعده [ليتكم تدونونها – ولا نبي بعدُ في إسرائيل مثل موسى، استناداً إلى آخر سورة في الشريعة المقدسة، سفر التثنية ٣٤: ١٠-١٢]. يعتقد السامريون بأن يشوع بن نون ولي صالح ونبي أيضا، ولكن ليس كموسى، ونبوّته لم تستمرّ بعد وفاته لأن السامريين لا يؤمنون بأي شخص يدّعي النبوة بعد موسى.

ت التوراة، خمسة أسفار موسى، هي الكتاب الوحيد المنزل.

ث) جبل جرزيم هو القِبلة.

جـ) الإيمان باليوم الأخير والدينونة. يؤمن السامري بالجنّة وبجهنم، فالأولى لكلّ صالح والثانية تكون من نصيب كلّ عاصٍ والله أعلم. كما يعتقد السامريون بوجود الملائكة. [صحيح هو إيمان السامري بيوم الحساب والعقاب، إلا أن مسألة الجنة وجهنم غير مجزومين تماماً، وإن تصور البعض مسائل العقاب الموصوفة، هذا لا يعدوا جراء تأثرهم من المعتقدات المحيطة، فلا وصفاً تشريعياً (توراتياً) لشكل العقاب أو مسُمياته].

١١) أعياد السامريين ثلاثة:

أ) عيد الفصح  [الأصح هو عيد الفسح (بالسين) وأصل التسمية الفسحة أي الفرصة، وترمز إلى التحرر من نير العبودية الفرعونية، مع أن الفسح بحد ذاته هو أمسية ذبيح الفسح وصلاة غداته الصباحية، ليبدأ فوراً عيد الفطير، والذي يتناول السامري خلال أيامه الفطير طيلة سبعة أيام تلت الفسح، ولا يأكل أية خوامر؛ سفر الخروج ٢٣: ١٥-١٩] ويحلُ بذات تاريخ فصح اليهود [ الأصح بذات الفترة وليس التاريخ، إذ نادراً ما يصادف الفسح السامري بذات تاريخ نظيره اليهودي، وقد يكون الفرق يوماً واحداً أحياناً يومين، وفي السنوات الكبيسة، شهراً كاملاً]. كل سنتين متتابعتين، ”ويفرقون عنه شهرًا واحدا في السنة الثالثة“.

 تُنحر سبعة خراف عند مغيب الشمس على جبل جرزيم، ليلة العيد في الخامس عشر من الشهر القمري [الأصح في الرابع عشر من الشهر القمري: سفر الخروج ١٢: ١-١٢]، المصادف في نيسان. وعلى السامري أن يتزنّر، يحمل عصاه ويتناول اللحم المشوي بسرعة، كأنه على سفر ويحظر على غير السامري مسّ الذبيحة. يتوافذ القوم من أماكن شتّى لمشاهدة هذا الاحتفال الديني، وقد يصل  عدد الزوّار إلى الألوف الكثيرة.

ب) عيد مناجاة موسى ونزول التوراة (العنصرة). [هو عيد שבועות أو الخماسين، إشارة إلى تاريخه غداة السبت السابع لسبت عيد الفطير، أي اليوم الخمسين، أو الحصاد קציר، فالأعياد موسمية وهذا العيد موعده مع أوج الصيف، سفر اللاويين ٢٣: ١٥-٢٧  ولا يوجد في القاموس السامري ما يُسمى بالعنصرة، حتى لو تناقلتها بعد ألسنة أبناء الطائفة].

ت) عيد الكفارة او المظال (العرش)، ذكرى عامود الغمام، الذي ظلل بني إسرائيل عند خروجهم من مصر. [الكفارة، أظنها ترمز إلى כיפור أي يوم الغفران، سفر اللاويين ١٦: ٢٩-٣٤ وهو يوم صيام وعبادة يسبق عيد العرش/المظال بخمسة أيام، أي بالعاشر من الشهر السابع، فيما العرش/المظال في الخامس عشر من الشهر ذاته، مع العلم بأن لقب الشهر السابع الشرعي (التوراتي) מועד החדש השביעי أي عيد الشهر السابع، فالأول منه عيد استهلال الشهر، والعاشر منه غفراناً، والخامس عشر عيد مظال، والثاني والعشرين عيد الاعتكاف/الجمهرة שמיני עצרת والذي يسمون اليهود نظيره بـשמחת תורה أي فرحة التوراة، حيث استهلالهم قراءة فصول التوراة المقسمة على أيام السبت طيلة السنة. [سفر اللاويين ٢٣-٢٣ إلخ.].

١٢) هنالك في نابلس معبد واحد للسامريين يُدعى ”كنيسة أو مجمع“، وفيه التوراة القديمة وكتب دينية أخرى وكلّها مخطوطة. [الكلمة كنيسة، بالتأكيد تعلمون مُستخدمة باللغة العربية، وإن كانت التسمية لا تليق بدور العبادة، فالفعل كنس الشيء أي جمعه، كذلك الاسم مكنسة أي مُجمعة، فالمعنى الحرفي للاسم كنيسة هو جامع. صحيح في عهد الكاهن صدقة المذكور في مقدمة مقالتكم كانت للسامريين كنيسة واحدة في نابلس، مع العلم بأن الكثير من الكنائس السامرية في مدينة نابلس قد سبق لسكان المدينة تحويلها إلى جوامع إسلامية، منها ما هو قائم حتى اليوم، مثالاً على هذا هو المعروف بالاسم جامع الخضراء، علماً بأن للسامريين في يومنا هذا خمسة كنائس، واحدة في نابلس، إثنتان على قمة جبل جرزيم واثنتان في الحي السامري بمدينة حولون الإسرائيلية والمجاورة لتل أبيب].

١٣) فرائض السامري الدينية تضمّ الصلاة والحج والصوم والزكاة. وتجري الصلاة مرّتين يوميًا،  صباحًا ومساءً وصلاة السبت مختلفة؛ وهناك ركوع وسجود ووضوء وطهارة بكلّ دقّة. والصلاة واجبة على الرجال والنساء وأفضلها في الكنيسة، وهناك فصل بين الجنسين. يصوم كل سامري، كبيرًا كان أم صغيرًا (باستثناء الرضيع) يومًا واحدًا في السنة، من الغروب إلى الغروب، في العاشر من الشهر السابع. هنالك حجّ ثلاث مرّات في السنة، في عيد الفصح وعيد العنصرة وعيد المظال، ومن شروط الحجّ الطهارة والطواف (لا بدّ من التنويه بأن السؤال: ما هي الزكاة المفروضة وهل تقومون بها ونحو من، بقي بلا إجابة،سهوًا على ما يبدو، ح. ش.). تتمّ خِتانة السامري في اليوم الثامن بعد الولادة، وهي فرض قطعي ومن لا يُختن يُقتل.

١٤) للسامريين مدرسة ابتدائية واحدة، يتعلّمون فيها العبرانية القديمة والعبرانية الحديثة أي لغة اليهود، المعروفة اليوم ولغة البلاد العربية. لغة السامري هي العبرانية القديمة، لغة موسى وبها كُتبت التوراة وسائر الآثار الدينية والصلوات، أمّا لغتهم المحكية فهي عربية البلاد (صدقة علّم العربية بحسب كتاب مدارج، والحساب، ح. ش.).

١٥) كلّ كُتب السامريين مخطوطة، ولا شيء مطبوعًا عندهم، ومنها التوراة وتفاسير عليها وكتب فقهية وصلوات وتاريخ. من بين التوراوات هنالك توراة مدوّنة على جلد غنم بقلم ابيشوع بن فنحاس بن لعازر بن هارون، أخي موسى بعد وفاة هذا الأخير بـ ١٣ سنة (؟، هكذا في الأصل) أي من مدة ٣٥٨٤ سنة تقريبا.

١٦) لباس السامري كلباس محيطه، رداء عادي (غنباز) وفوقه الجبّة العربية [مع احترامي لروح الكاهن، إنما أصل ارتداء الجبة يعود للكاهن الأول ألا وهو سيدنا هارون عليه السلام، وصفها جاء في الشريعة المقدسة ( أنظر سفر الخروج ٢٨: ٦-١٤، ح. ش.) أو الجاكيت الإفرنجية، وعلى الرأس الطربوش أو العِمامة. الشريعة السامرية تقضي بارتداء العِمامة البيضاء يوم السبت والحمراء في اليوم العادي، وهنالك من لا يلبس العمامة. [لا لوناً مُحدداً للعمة أو القلنسوة التي يرتديها الكاهن، وقد اعتاد الكهنة سابقاً ارتدائها بيضاء ناصعة، طيلة أيام السنة، إلى أن جاءت فترة الحكم العثماني، يومئذٍ ادعى أحد السلاطنة بأن بعض المسلمين يختلط عليهم الأمر بين الكاهن السامري والشيخ المسلم، فكلاهما يعتم اللون الأبيض، وأمر السامريين – يومها – باستبدال الأبيض بالأحمر، وقد وافق السامريون مُكرهين على الاعتمام باللون الأحمر، على الرغم من علمهم بأن اللون يرمز – يومئذٍ – إلى أتباع عبادة الشيطان، لذلك أبقوا اللون الأبيض عمةً لأيام السبت والمناسبات الدينية الأخرى]. كلّ السامريين وبشكل خاصّ الكهنة، يربّون شعر الرأس واللحية. تلبس النساء بحسب المحيط الإسلامي، الحجاب شرعي وهنالك تساهل به أمام السمرة، وبعض الطوائف التي لا ترتدي الحجاب.

١٧) يتزاوج السامريون في ما بينهم، ويجوز للذكور لا الإناث، الزواج من غير دينهم شريطة أن تتسمرن الفتاة، وهذا هو السبب في قلة عددهم. هنالك نقص في الفتيات في سنّ الزواج والغرباء لا يعطون السامريين بناتهم، ولذلك نرى العُزب طول حياتهم. عند ولادة بنت في الطائفة السامرية، يتسابقون لخطبتها وهي في المهد، فيربّونها صغيرة، وتكبُر على اسم خاطبها. لا يحقّ للسامري الاقتران إلا بامرأة واحدة، وإذا كانت عاقرًا فيجوز له التزوج من ثانية فقط. لا يتمّ الطلاق إلا بعلّة شرعية.

١٨) كلّ شيء مُباح أكله عند السمرة إلا اللحم واللبن معا (هذا غير دقيق كما يعلم الكثيرون وينظر لاحقا، ح. ش.). والجدير بالذكر أنّ سؤالا بهذا الصدد قد ورد ونصّه ”هل يجوز أكل كل الأطعمة عندكم؟ وهل تفرقون بين الكاشير والطريف وما الفرق؟“ (ص. ٣٥٤) وجاء الجواب ”لا يجوز اكل المآكل كلها ويوجد عندنا كاشير وطريف والبحث بهذا المعنى شرحه يطول“.

١٩) الأسئلة الثلاثة الأخيرة التالية بقيت بدون إجابة لضيق الوقت وطول الإجابة: انقسام مملكة إسرائيل على يد يرحبعام ويربعام، بعد موت الملك سليمان، وتكوين رحبعام مملكة إسرائيل من عشرة أسباط؛ ماذا تقولون عن اكتساح سلمناصر لمملكة إسرائيل، ونقل سكّانها إلى بلاد الرافدين؟ ما قولكم بسبي بابل على مملكة يهوذا؟ ردّ الكاهن صدقة على هذه الأسئلة بقوله ”ساتشرف بلقائكم قريبا ان شاء الله وافسر لكم كل امر بمفرده لان نطاق الوقت ضيق الآن وهذا البحث يتطلب على الاقل عددا خاصا من اعداد الزهرة. هذا وفي الختام سيدي الوالد يقدم لحضرتكم سلامه الخاص لكم الخ. اهـ“.

وردّ المحرر، على ما يبدو، جميل البحري بهذه الكلمات:

”هذا ما وافانا به الصديق النشيط الكاهن صدقة واننا لفي انتظار تشريفه او كلمة منه تكون جوابا كافيا على الاسئلة الثلاثة الاخيرة لننشره على صفحات الزهرة واملنا انه لن يضن به علينا خدمة للتاريخ فنكرر له الشكر الحميم باسمنا واسم قراء الزهرة عامة“.

لا أدري في ما إذا تحققّت أمنية مدير التحرير أم لا، فالأمر بحاجة لمزيد من البحث والتنقيب في مجلة الزهرة نصف الشهرية التي بدأت في الصدور في الأوّل من أيّار عام ١٩٢٢ واستمرّت حتى عام ١٩٣٠، عام قتل الأديب جميل البحري ١٨٩٨-١٩٣٠، الملقّب بأبي المسرح فقد كتب قرابة اثنتي عشرة مسرحية. في البداية أصدر البحري مجلة اسمها ”زهرة الجميل“ في أوّل أيار عام ١٩٢١. ثم تحوّلت في العام التالي وسمّيت باسم ”الزهرة“

 

ب. حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

..........................

(حول الصحف والمجلات في فلسطين أنظر:

http://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=4397

 

 

محمد فتحي عبدالعال"نعمةُ النسيان “ قولٌ يترددُ على لسانِ معظم البشرِ. وهو السّبيلُ لاستمرارِ الحياةِ على الرّغم من قسوتها و ازدحامِ الذّاكرة بالكثير من المواقفِ التي تصادفنا في حياتنا اليّومية. لكن هل تعلمونَ أنّ بعضَ الناس قادرون على تذكّر ما مرّ من ذكريات بتفاصيلها الدقيقة والحزينة مهما مضت الأيامُ و السنون؟ وتعود هذه الحالة الدّماغية الفريدة إلى متلازمة فرطِ التذكّر، أو مرض "هايبرسيميثيا" والمصنف بأنّه من الاضطرابات العصبية النادرة، ويسمى أيضا الذاكرة السّيرية الذّاتية بالغة القوة.

 الهايبرسيميثيا تجعلُ من مصابيها حواسبَ آلية متحركة لاتخطئ. تتذكّرُ كلّ الأشياء والمواقف التي مرّت بهم مهما تباعدتِ السنون وبدقة مفرطة، وهذا يجعلهم أسرى ذكرياتِ الماضي وآلامهِ وليس لديهم القدرة على التعايش مع الحاضر أو مجرد التفكير في المستقبل فتتحوّل ذكرياتهم المحزنة إلى حالة دائمة من اليأس والاكتئاب والحزن الشديد... وسنحدثكم عن شخصيةٍ تاريخية تدعى الخيزران،  إنّها الجارية اليمنية التي اشتراها المهدي قبل أن يعتلي الخلافة ثم أعتقها عند عزمه الزّواج بأخرى !

يصفُ هارونُ بنُ عبد اللّه بن المأمون أحد أحفادِ الخيزران اللقاءَ الأوّلَ الذي جمعها بالمهدي بقوله ” لمّا عُرِضت الخيزران على المهدي قال لها: واللّه يا جارية إنّك لعلى غاية التمني، ولكنّك حمشة السّاقين، فقالت: يا مولانا إنّك أحوج ما تكون إليهما لا تراهما …!! فاشتراها وحظيت عنده .. “ وهذا يدلّ على جرأتها وفطنتها وذكائها. و كانت الخيزران أمّاً لخليفتين من الخليفة المهدي هما الهادي والرّشيد وهذه حالةٌ فريدةٌ في البيتِ العباسيّ ...

لماذا تفضلُ الأمّ ولداً وتنبذ آخر؟ سؤال يتردد والجواب الصريح هو قدرةُ هذا الولد على تحقيقِ طموحاتِ والدته وأمانيها. أما السؤال المحيّر لماذا تقتلُ الأمّ ولدها؟ الخيزران تميلُ إلى ابنها هارون الرّشيد وتفضلهُ على ابنها الهادي فحاولتْ أن تقنعَ زوجها أن يرجّحَ كفةَ الرّشيد في ولاية العهد على حساب ابنه الهادي إلا أنّ وفاة المهدي بصورةٍ مفاجئة وغامضة عصفتْ بهذا السيناريو وتولى الهادي الحكم والذي قلّص من سلطاتِ ونفوذ أمه الخيزران إلى حدّ كبير .

كانت الخيزران تتمتع بمكانة كبيرة لدى زوجها المهدي فكانت تتدخلُ في تعيين الولاة والحكام وكبار رجال الدولة مما جعل بابها مقصداً لمواكبِ أصحابِ الحاجات الذين يترددون عليها طمعاً في نفوذها الطاغي، وقد استمرَ هذا الوضع إلى فترة قصيرة من تولي الهادي والذي ساءه هذا السّبيل في إدارة البلاد واستدعى أمّه وأنذرها بشكلٍ حاسم قائلا : والله لئن بلغني أنّه وقفَ أحدٌ ببابكِ لأضربنّ عنقه ولأقبضنّ ماله، فمن شاءَ فليلزم ذلك، ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كلّ يوم ؟ أما لك مغزل يشغلك ؟ أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك ؟ ثم إياك وإياك إن فتحت بابك لأحد .. يقولُ الطبري: فتركت ابنها وهي لا تكادُ تتحسس مكان قدميها؛ فقد أعلنت الحرب بينهما.

لقد اصبح الأمرُ في طور الحسم إما نفوذها وإما ابنها ! لا خيارٌ ثالث، فسارعت إلى التخلص منه وتهيئة الأمور لتولي الرّشيد ابنها المقرّب فاستعانت بجواري القصر في خنقِ ابنها الهادي في أثناءِ نومه .. مشهدٌ مخيفٌ الأمّ هي القاتلة ومن الصّعب أن تكون الأمّ معينا على قتلِ ابنها ثمّ تصلي عليه وتذهبُ إلى الحج ؟! تبقى الذكريات محفورة وإن طال الزّمان .. نموذجٌ غريبٌ ونادرٌ من نساء القصور أليس كذلك ؟ امرأة لا تجد صعوبة في تقديمِ النفوذ على اعتباراتِ الأمومة .

راغدة شريفهل تنتهي الحكاية ؟! لم ينتهِ شبحُ الدّماء بجلوسِ الرّشيد على عرش الخلافة واستعادة الخيزران لمكانتها. حيثُ نشبَ الصّراع بين الخيزران وزبيدة زوجة الرّشيد فيما كان الصّراع دائراً بينَ زبيدة أمّ الأمين والجارية الفارسية مراجل أمّ المأمون على أشده فيمن يخلف الرّشيد فأسهمت الخيزران في اتساع الهوة التي أدت في النهاية والتي لم تشهدها بمقتلِ الأمين. الغيرة والانتقام وسفكُ الدماء

إنّه كيدُ النساء كما أسماه الأقدمون والغيرة التي تجعل المرأة دائما سواء أكانت زوجة أو أمّاً تصارع كلّ من حولها لتستحوذَ على الرّجل سواء كان مسماه زوجاً او ابناً وعادة ما يكون الباعث نحو الغيرة تغيرات هرمونية عدة في المرأة

إضافة إلى اتسام المرأة بنشاط ملحوظ فى السيولة الدموية الناتجة عن تدفق الدّم إلى الصدغ الأمامى من المخ، مما يؤدي إلى ارتفاع إفراز هرمون النورادرينالين المسؤول عن الوظائف المعرفية في المخ، و ما يجعلها أكثر تركيزاً وانتباهاً للأحداث خاصة فيما يتعلق بالنساء الأخريات نحو رجلها فالمرأة بخلاف الرجل لا تستطيع أن توزع مشاعرها واهتمامها في اتجاهِ أكثر من شخص في نفسِ الوقت فيبقى حبها مركزاً على رجلٍ استحوذ قلبها .

و الخيزران في نهايةِ حياتها تتصارعُ مع ذكرياتها القاسية التي لا تغادرها فبقيت في مكة محاولة أن تخفف عن نفسها ذكرياتٍ مؤلمة لا تفارق مخيلتها ...توفيت الخيزران فسار الرشيد في جنازتها حافيا . إنّها الخيزران التي أخذت من الخيزران صفاته وقد عملت وفق المثل السائد (لا تكن قاسياً فتكسر ولا ليناً فتعصر) امرأة رسمت سياسة مملكة بقوة وصلابة وحققت ما تريد بعزيمة دونَ تردد في قتلِ فلذة كبدها لتتربع على عرشِ القرار. وهذا وإن دلّ فهو دلالة واضحة على دورِ المرأة في صنع القرارت المصيريّة عبرَ العصور .

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الباحثة في علوم اللّغة

د. محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث

...................

المراجع

- البداية والنهاية لابن كثير

- الاعلام الزركلي

- سير اعلام النبلاء الذهبي

- موقع ويب طب

 

سوف عبيدبين الشّــابي ومدينة رادس

ما تزال رسائل الشّابي تُمثّل مصدرا أساسيا للإحاطة بتفاصيل عالمه الشّعري الزّاخر بالإضافة إلى أنها توضّح الكثير من مواقفه وآرائه، غير أنّها لا تتوقف عند هذا الحدّ بل إنها كذلك تعتبر وثائق بالغة الأهمية عن الحركة الأدبية والثقافية في تونس خلال الثلاثينات من القرن العشرين، تلك الحركة التي نجد صداها حتّى في المشرق العربي من خلال هذه الرسائل نفسها.

لرسائل الشابي إذن أبعاد عديدة منها ما يلامس الذات وخوالج الّنفْس ومنها ما يُمثّل الحياة وما فيها من أحداث وملابسات، وفيها أيضا مسرح الوقائع والفضاءات التي شهدت مختلف الحركات والإنجازات ممّا يجعل رسائل الشابي تكتسب البعد التاريخي الذي له الصبغة الوثائقية الخاصة ، ومن بين تلك النّواحي الهامشية التي وردت عرََضًا في رسائل الشابي حديثه عن بلد ـ رادس ـ وهو من ضواحي مدينة تونس الجنوبية.

جوابا عن الرّسالة الثالثة والثلاثين التي أرسلها الشابي إلى صديقه محمد الحليوي في شهر جويلية 1934 كتب محمد الحليوي رسالة تضمّنت خبر نُقلته إلى رادس قائلا فيها خاصّة :

(اِعلم – أيها الأخ – أنّي أخّرتُ زفافي إلى الرّبيع لأني سأنتقل إلى رادس ترضية لي عن نقلتي المفاجئة إلى قُربة – هذا ما عرضته عليّ الإدارة وقد قبِلته وإني أنتظر كتاب التسمية الرسمي – ولا شك أن هذا التغيير الجديد في سير حياتي يستدعي تحضيرات ومفاجآت لم أشأ أن أتهيأ لها وأنا متزوّج) وقُربة هي مدينة قريبة من مدينة نابل وسط الوطن القبلي من البلاد االتونسية

ويكتب الشّابي إلى صديقه الحليوي مبتهجا بهذا الخبر رسالته الرابعة والثلاثين بتاريخ 12 أوت 1934 من ـ حامة الجريد ـ وهي بلدة قريبة من مدينة توزر ـ ويقول في هذه الرسالة خاصة خاصة :

أخي تحية عطرة وبعد،

فقد سرّني أنك نُقلت إلى مركز رادس ذلك المركز الجميل الذي كنت أسمع منك أن آمالك اِنتهت عنده وأنك لا تعتزم إلا أن تسمح لك الأيام بأن تبني فيه منزلك وتستقرّ فكأن الزمان قد أخذ يركن إلى المهادنة ويتيح الفرص فما عليك إلا أن تهتبل الفرص السانحة إلى أن يقول أيضا : وأنت في رادس ذات الجمال السّاحر والمركز الذي لا ينقطع رواده والعاصمة منك قاب قوسين ومرمى السّهم.

وفي رسالة موالية بتاريخ 19 أوت 1934 يُبيّن محمد الحليوي مناسبة اِقتراحه للتدريس في رادس قائلا : ذهبت لتونس في أوائل أوت ومررت برادس مرورا سريعا فأعجبتني واِبِتهجت باِنتقالي إليها.

وفي رسالة أخرى كتبها محمد البشروش إلى محمد الحليوي من نابل بتاريخ 10 أوت 1934 يهنئه فيها بنقلته "إلى بلد رادس كي يتفرغ للأحلام والشعر والأدب كما قال بعباراته وفي هذه الرسالة نرى أن الأديب محمد البشروش يُعلم صديقه محمد الحليوي بأهمية بعض الأدباء الفرنسيين الذين كانوا يقطنون وقتذاك في رادس على حدّ قوله فيقول إنّ بها مدرستين أدبيتين كبيرتين إحداهما للأدب التونسي العربي والآخر للأدب التونسي الفرنسي.

فمن خلال ما تقدّم يمكن أن نستنتج أن الرسائل المتبادلة بين الأصدقاء الثلاثة الشّابي والحليوي والبشروش في تلك الفترة تمثّل مرجعا مُهمّا عن الحياة الأدبية والثقافية وحتى عن بعض التفاصيل الخاصة واليومية في واقعهم المُعاش تلك الفترة الزّاخرة بالأحلام والآلام وهي الفترة التأسيسية للأدب التونسي الحديث… 

729 الشابي

سُوف عبيد

https://www.soufabid.com/

 

ليث الصندوقكلما ابتعدت سفينة الأيام، وأوشكت أن تغيب في الأفق، سحبناها إلينا بحبال الذكريات، يدفعنا لذلك وفاؤنا للبحر وللبحارة وللربان . كان ذلك يوماً من أيام عام 1979، وكنت يومئذ في العشرينات من عمري، أكتب الشعر، بيد أني لم أكن قد نشرت سوى القليل منه، لذلك لم يكن إسمي قد عُرف بعد في الوسط الثقافي . ولأني ككل الحمائم في بداية ارتيادها للسماء أحلم بالوصول إلى أقصى ما يمكن للحمائم الوصول إليه، ولا بأس أن أحدّد هدفي دونما حرج، ما دمت لم أسرّ به أحداً من رواد الفضاء فيسخر مني ومن أحلامي . لقد كنت أحلم أن أصل إلى القمر الذي غلبني في الوصول إليه الأمريكي (نيل أرمسترونك) بعشر سنوات. والوصول إلى القمر بالنسبة لحمامة هي في أول عهدها بالطيران كان يعني هو المستحيل بعينه، أما بالنسبة لشاعر في أول الطريق كان يعني طبع مجموعته الشعرية الأولى، وفي مؤسسة النشر التابعة لوزارة الثقافة والإعلام حصراً فهي الوحيدة المخولة بمنح إجازات ارتياد الفضاء الثقافي . لذلك حزمت حقائبي، وملأت مزادتي، ثمّ خفقتُ بجناحيّ بعد أن استطلعت الأفق، وصممت على خوض مغامرة الطيران .

هكذا ذهبت بأنضج قصائدي إلى دار الرشيد للنشر التابعة لوزارة الثقافة والإعلام، وهي الدار الأم لابنتها الحالية دار الشؤون الثقافية، وسلمت مجموعتي البكر التي أسميتها (خلف ذناب البرق) إلى الموظفة الجميلة، ورجعت إلى البيت ألوم نفسي وأبكّتها على قساوة قلبي، وعلى أبوّتي الناقصة التي استأمنت على فِلذة كبدي الغرباء . وبعد انتظار لم يدم طويلاً تسلمت من دار النشر رسالة تتضمن رأي خبيرها السرّي في المجموعة . وبالرغم من أني نفضت الرسالة مراتٍ، وقلّبتها ظهراً لوجه، وفرّطت حروفها وكلماتها كحبوب الرمان بحثاً عن اسم الخبير، إلا أني لم أفلح، وبقي الأسم مجهولاً لي حتى الساعة . وعلى العموم لم يكن اسم الخبير هو المهم بقدر ما كان رأيه، والأهم من رأيه كانت ذريعته لتسويغ ذلك الرأي . لقد رفض الخبير الشبح المجموعة بكاملها بذريعة استخدام مفردات لغوية بائدة استخداماً مغلوطاً في واحدة من قصائد المجموعة، وأنه لمن العجب أن ترفض مجموعة بكاملها بجريرة قصيدة واحدة منها فقط .

من الطبيعي أني بعد كل تلكم السنين ما زلت أحسّ، ولحد اليوم، وبعد أن أصدرت ثماني مجاميع شعرية نشرت خمس منها في ذات الدار التي رفضت مجموعتي الأولى، أقول ما زلت لحد اليوم أحسّ بألم السكينة المثلومة التي ذُبح بها جهدي الإبداعي الأول . ومما يزيد في ألم الذبح أنّ الذابح مجرّد شبح، بلا إسم، ولا هوية، ولا عنوان . لا اعرفه، ولا أستطيع الوصول إليه لأستزيد من تفاصيل قناعته المجتزأة والمبتورة، أو لأردّ في محكمته الجائرة عن ما نسب إليّ من التهم بأدلة وشهود من مَظان التراث . وفي تلك اللحظات الحرجة قررت أن أواصل حياتي كبريء، وأن لا تخدعني التهم الباطلة التي نسبها لي القاضي الشبح فأصدّق أني مذنب، أو متهم في كفاءتي الإبداعية . ولكن قراري بالمواصلة مقروناً بقناعتي في براءتي ينبغي ألا يُلهياني عن البحث عن محام نزيه وضليع يشدّ من أزري ويُدافع عن قضيتي، حتى وإن كانت مرافعته لن تصل إلى آذان الخبير الشبح ولا إلى الهيئة القضائية التي ينتسب إليها ويتخّفي وراء جدرانها السميكة . وحددت مع نفسي صفتين للمحامي النزيه الذي ينبغي لي اللجوء إليه، وهما :

- أن تكون معرفته باللغة معرفة أكاديمية رصينة لا يرقى إليها الشك، ولا يختلف عليها اثنان

- أن يكون شاعراً قديراً ومعروفاً

ولكن الصفتين في ذلك الزمن لم تكون لتجتمعا معاً في شخص واحد إلا إذا كان الشاعر في الأكاديمي هو شاعر تقليديّ ينظر إلى قصيدة التفعيلة على أنها عمل تخريبي ضدّ التراث مدفوع بقوى شبابية مدسوسة للإطاحة بسلطة الشيوخ المقدسة . ولأني شاعر تفعيلة، ومجموعتي المرفوضة هي مجموعة تفعيلة، وإن الإحتكام إلى محام تقليدي ربما يُعقيد الأمر، ويؤدي إلى تشديد الحكم السابق، لذلك عدّلت في صيغة الصفة الثانية ليكون المحامي المرتجى إضافة إلى مقدرته وسعة انتشاره شاعراً يتسم بالاعتدال، ولم يُعرف عنه التعصب الإبداعي، ولا الزمّت  الثقافي . ولم يصعب عليّ من الوهلة الأولى أن أكتشف ان الشخص الذي تنطبق عليه تلكما  الصفتان هو الدكتور محمد حسين آل ياسين .

لكني وجدت نفسي موثقاً بقيدين يحولان دون توجهي للدكتور آل ياسين أولهما أني لم أكن قد تعرفت بعد عليه، ولم أكن قد التقيت به، وثانيهما هو بأية جراءة أحمّل رجلاً لم يسبق لي التعرف به عبئاً لا علاقة له به . ومع ذلك تجاسرت على القيدين، وقصدت الرجل إلى مقر عمله في كلية الآداب بالباب المعظم، وانتظرته حتى أكمل محاضرته وجاء إلى قاعة الأساتذة التي كنت أنتظره فيها . عرّفته بنفسي، فرحّب بي بمودّة يتمازج فيها الإتزان بالتواضع، ثمّ جلس إلى منضدته، وجلست قبالته أشكو إليه قرار الخبير . تناول مني الرجل المسودة برفق وكأنه يتناول رضيعاً في قِماط، وراح يقلب أوراقها بين يديه، فيتوقف عند بعض القصائد، ثمّ يواصل التقليب، ثمّ يعود إلى ملاحظات الخبير، فيمعن النظر بها، ثمّ يصغي إليّ بكلّ جوارحه وكأنّ قضيتي هي قضيته، وشكاتي هي شكاته . وبعد أن أكملت شرب استكان الشاي، طلب مني أن أبقي المجموعة لديه ليقرأها برويّة، ويخلص منها إلى رأي، وأن أعود إليه في الأسبوع المقبل ليبلغني برأيه بعد أن حدد لي اليوم والساعة المناسبين لمواعيد محاضراته .

عندما زرته في الموعد المحدد وجدت على منضدته مسودة مجموعتي الشعرية وفوقها احد قواميس اللغة العربية، وبين صفحات القاموس ثمة ورقة، إستلّها من بين الأوراق، فإذا بها رسالة تتضمن رأيه في ملاحظات الخبير . نظرت إلى الرسالة، فشعرتُ بالخجل من الجهد الذي سببته للرجل فقد تناول بالتمحيص رأي الخبير فناقشه ونقضه، وخلص إلى القول: (أني لم أجد في المفردات أيّ خطأ لغويّ، أو غير لغويّ، وإنما هي ألفاظ عربية فصيحة صميمة مستقاة من اللغة الثرّة الغنيّة، وقد استعملتها أنتَ استعمالاً سليماً لا يبعدها عن دلالتها التي وضعت لها أصلاً) . ولم يتوقف عند حدود هذا النقض، بل تعداه إلى رأيه في المجموعة، وبشاعرية صاحبها فكتب يقول: (قرأت مجموعتك الشعرية - خلف ذناب البرق - فوجدتك فيها شاعراً يمتلك أدواته الفنية امتلاك القادر الحاذق، وقد وقفت في قصائدك الرائعة على موهبة حقيقية أرجو لها من كلّ قلبي ان تأخذ حقها الطبيعي من الاهتمام والإعجاب اللذين تستحقهما، وأني لمطمئن إلى مستقبلك كلّ الإطمئنان) أما بالنسبة للقصيدة التي أخذت المجموعة بجريرتها فقد كتب الدكتور آل ياسين يقول: (... والقصيدة بشكل عام من القصائد التي فرضت عليّ الإعجاب بها، ومن ثمّ الإعجاب بك)

كانت فرحتي بهذا الرأي غامرة، ولفرط فرحتي أردت أن أغادر الغرفة من النافذة، لكني خشيتُ أن يُسيء بي الرجل الظنون فيتراجع عن رأيه . لقد أعادت لي رسالة الدكتور آل ياسين ألثقة بقدراتي، وشجعتني على أن أواصل الإبحار، فأرسلت قصائد المجموعة المرفوضة إلى أغلب الصحف والمجلات العراقية، وكم كنت مزهواً وأنا اشاهد قصائدي المرفوضة تتبختر في اثواب الزفاف على صفحاتها، وعلى صفحات أهم مجلة أدبية عربية وهي مجلة الآداب اللبنانية التي كان يرأسها الراحل الكبير الدكتور سهيل أدريس رحمة الله عليه . وما زلت لحد اليوم أحتفظ باعتزاز برسالة الدكتور آل ياسين التي كانت الطوفَ الذي أنقذني من الغرق، وأوصلني سالماً إلى اليابسة .

لا بدّ لي أن اذكر بأني فيما بعد صرت أتفهم دواعي تصرف هذا النمط من الخبراء، فطبيعة البنية الثقافية الرسمية لمجتمع يرزح تحت ضغط سلطة سياسية ذات هيكلية تعاقبية صارمة، تدعمها تركات المجتمع الأبوي في نموذجه الإقطاعي وما نجمت عنه من اساليب تربوية تقليدية ترسخ مبدأ السلطة المطلقة للأخ الكبير . كلّ ذلك ساهم في تدعيم الممارسات الإستعلائية، وإشاعة ثقافة التعليم بالعصا، ومنح الحق للجيل السابق باستخدامها لإجبار الجيل اللاحق على الإقرار بأن الدجاجة هي فيل .

أن تجربتي المريرة الأولى مع الأخ الكبير الشبح، والتي عاناها قبلي، ومعي الكثيرون، بل هي ما زالت تطبع العلاقة ما بين أجيال المبدعين، علمتني أن التعليم بالعصا هو من أسوأ الأساليب التربوية، اما التفاعل بودّ وتواضع فهو الأسلوب الأرقى الذي لا يجيد التعاطي معه سوى قرنائه في الرُقيّ أمثال الدكتور محمد حسين آل ياسين الذي نجح  في إداء دوره مربياً، ولكنّ استجارتي بنزاهته أجبرته أن يؤدي دور المحامي، وقد انعكس أثر نبله ونزاهته على أدائه في الدورين .

 

ليث الصندوق

 

مجدي ابراهيممن الرجال ما لا تستطيع نسيانه أبداً، ومهما فعلت فلن تفه حقه ولا تكافئ له فضلاً باقياً تركه فيك، وبخاصّة فيما لو كان هذا الرجل أستاذك، غرس فيك القيم النبيلة من حبّ العلم لذاته، والصبر عليه، والسعي لخدمة طلاب البحث العلمي، والإخلاص فيه، وانتظار الجزاء من الله لا من العباد، واحتساب العمل لأجله.

وإذ تمرُّ علينا ذكرى وفاته السابعة نذكره، مع إنّا لم ننساه، فنذكر المُفكر الذي عاش فكره غير مفصول عن واقعات الحياة. فيلسوف من طراز من الناس ممتاز، تتقدَّم لديه القيم الإنسانية فيوليها كل اعتبار، رعاية وعناية وموالاة، لا يعزل فكره عن إنسانيته، ولا الإنسان فيه بمعزل عن فريضة التفكير.

جانبان في حياته هما أهم وأجدر بالحديث عن سواهما، وإنْ كانا هما كل حياته العامة والخاصّة: الإنسانية والتفكير. عاطف العراقي المفكر الإنسان، أستاذ الفلسفة (المولود في مركز شربين - دقهليّة في الخامس عشر من نوفمبر 1935م، والراحل عن عالمنا في يوم الأربعاء الموافق 29/2/2012م عن عمر يناهز 77 عاماً)، رجلٌ هذّبته المعارف فأعطى منها وأبقى، وترك للعقل العربي ذخائر لا يجحدها إلا مُكابر. إنما العراقي في فلسفته وحياته كان قيمة كبرى للوعي، وقيمة كبرى للعقل، وقيمة كبرى للنقد وللتنوير.

هذا الأستاذ الذي أخلَصَ للفكر إخلاص الصادقين، وتحمّل تبْعة الرسالة في شجاعة العارفين، لا يعرف للّين ولا للهوادة طريقاً إذا أتصل الأمر بكرامة القلم والطعن في تقديس الرسالة وخيانة الواجب وزراية الأمانة العلميّة. وبما أنه كان مفكراً طُّلعَة شغوفاً بالتأليف والتدريس وتعليم الطالبين فكان في الوقت نفسه هو هو المفكر "الإنسان" الذي أرتضى لنفسه ولأمته العربية طريقَ النور العقلي تسير فيه: إيمانه بالعقل وقدرته على توظيفه في خدمة قضايا وطنه موصولٌ منذ أن وعي حياةً علميةً منتجةً إلى أن توفاه الله.

وحيث أقول إنه رجل "هذبته المعارف" لم أكن مبالغاً فيما أقول، ولكني قصدت فعلاً تلك الطويّة الكامنة فيه، يستظهرها حبّ العلم والبحث عن المعرفة، ولذلك أستعرض بعض الجوانب التي ربما تكون مجهولة في حياته الأولى وقت الطلب؛ فقد كان رحمه الله يحدثني تماماً كما يحدّث زملائي عن عمله في السنوات الثلاثة التي قضاها في أسوان مدرساً بالمعهد العالي للمعلمين، وربما كانت تلك الفترة مجهولة بالفعل لأكثر تلاميذه؛ فإن أضخم عمل استطعنا إنجازه عنه - وهو الكتاب التذكاري بعنوان عاطف العراقي فيلسوفاً عربياً ورائداً للاتجاه العقلي التنويري بتصدير فؤاد زكريا وتقديم أحمد الجزار، صادر عن دار الوفاء سنة 2002م، وقد تخطى 1350صفحة بالملاحق - لم يشر فيه أحد عن تلك الجوانب لا من قريب ولا من بعيد، غير أنها كانت في تقديري جوانب من الأهمية بمكان؛ لتشكيل الخطوط العريضة في حياته؛ ولبروز ملامح التجربة الفكرية والعلمية، والتأمل الدائم في بواعثها الخفية الباطنة وسوانحها المطويّة، وإظهار ارهاصاتها الأولى التي بدأت تثمر غرسها هنالك في أسوان.

يومها ترك القاهرة فور تخرُّجه من كلية الآداب جامعة القاهرة، قسم الفلسفة عام 1957م، وبعدها مباشرة حصل على دبلوم من كلية التربية جامعة عين شمس 1958م، ثم سافر إلى أسوان ليتم تعيينه مدرساً بمعهد المعلمين الذي تمّ إلغاؤه الآن، وحلت مكانه كلية التربية، وهنالك تولى ممارسة مهام وظيفته بل مهام رسالته المقدّسة: التدريس والبحث والتأليف.

كان شديد الاعتزاز بهذه الفترة من حياته، لكأنه كان يستوحي منها كفاحه المتصل وآماله العريضة وطموحه العلمي الصادق الفياض.

جذبه هدوء أسوان بين أناس سُمر الوجوه بيض القلوب، لم تفسد المدنيّة الغربية التي كانوا يتصلون بها على الدوام قلوبهم الرحيمة على بعضهم البعض، بل كانوا أرحم على السواح الأجانب من أنفسهم، ولم يكن الغريب لديهم سوى صاحب الدار. والبشاشة سيماهم، والكرم ديدنهم، والمودة خصالهم مع الناس كل الناس، ولو كانوا غرباء.

 ولم تكن أسوان - بلد الجبال التي تنجب الرجال - سوى المدينة التي يلتقي فيها كل ما هو مستحدث من مظاهر الحضارة الأوربية، فكانت الفنادق تستقبل السيّاح القادمين من أوربا ومن أمريكا، وربما من جهة الشرق، وتعدُّ لهم من أسباب الراحة والترفيه ما يناسب مطالبهم وأغراضهم ووسائل الخدمات التي يحتاجون إليها، فكانت أسوان إذ ذاك مشتى من أهم مشاتي العالم لالتقاء الأجانب فيها.

وفي وسط هذه الأجواء بين الهدوء الصامت المنبعث من صحارى أسوان وبين الصخب الهادر الصادر من فنادق الأجانب الزوار، عاش العراقي الثلاث سنوات التي قضاها في تلك البلاد مغترباً وليس بغريب. كنت أتساءل بيني وبين نفسي حينما نتجاذب أطراف الحديث في لقاء ودود ومحبة خالصة: ما سرُّ هذا الولع العجيب الذي يجري به لسان أستاذنا الدكتور عاطف العراقي بالحديث الجارف الفياض عن أسوان؟

ومع مرور الأيام اكتشفت بعدها السّر، وهو الجمع كما جمع "العقاد" قبله بين نقائض الحضارتين: الحضارة الأصيلة، المحافظة، الممثلة في التراث بكل ما يحمله التراث من قيم ومن معاني ومن أصالة يستوحيها من الشجر والمدر، ومن الشمس والصّحر، ومن الكائنات ومن البشر، والحضارة الأوربية المعاصرة، حضارة العصر الذي نعيشه، وهى التي جاءت إلى أسوان مع زيارات السياحة وما تلم به النفس إزاءها من انطباعات.

عالمان غريبان ليس يسهل الجمع بينهما إلّا كما يجمع الأفذاذ الذين فهموا الإنسان فيما يقدّمه لبلاده من آثار التقدّم، فكرة وتحقيقاً.

ولا شك في غرام العراقي بشيخه العقاد، كان لا يخفى الإعجاب به ويظهر تفوقه العقلي وامتيازه الفكري، ويحدثنا عنه كثيراً مع صحبة كان يؤثرها ويُفضي إليها بما عنده، وكان يحضر ندواته التي يقيمها في صالون أسوان وفي القاهرة أيضاً، لكنه حينما كان في أسوان كان يواظب على حضور ندوات العقاد ويعتز كثيراً أنه حضر تلك الندوات وواظب عليها واستفاد منها استفادة منقطعة النظير. وكان يؤمن بمبادئه الحياتية التي تندرج تحت القيم الحاكمة للسلوك، الضابطة لخطوات السير في حياة المفكرين الكبار: ومنها تقديس الوقت والحفاظ عليه والوفاء بالعهد والبلوغ به إلى أقصى حد؛ لدرجة أنه كان يكشف الانتحال الذي يدّعيه بعض الكتاب الذين كتبوا عن "العقاد" الكتابات المطولة ويقول: إن أمثال هؤلاء لم يحضروا صالون العقاد الذي كان يعقده كل يوم جمعة في القاهرة، ولا الصالون الذي كان يعقده العقاد في أسوان، فمن أين لهم أن يعرفوا عن العقاد مثل ما كتبوا، وهم كاذبون؟".

وأثبتت الدراسات الدقيقة أن هذا الرأي أو تلك الشهادة التي كان يكرّرها "العراقي" في لقاءاته الصحفية، صحيحة لا شك فيها؛ فإن كاتب "في صالون العقاد كانت لنا أيام"، لم يكن يجرؤ أن يتحدث مع العقاد وجهاً لوجه، ولا أن يأخذ منه معلومة إلا أن يكون العقاد نشرها من قبل، أمّا أن يفضي إليه بسرّ فيحدّثه حديث الصديق لصديقه فهذا ما لم يحدث قط، ولكن الذي حدث بالفعل هو أن الكاتب كان صديقاً لعامر العقاد ابن أخ العقاد الذي لازمه فترة طويلة وعاش معه في منزله ولم يفارقه حتى آخر يوم في حياته، وكان بالطبع يعرف عن عمّه أكثر ممّا يعرف عنه سواه، واستغل كاتب الصالون صداقته بعامر العقاد في حكايات كان يرويها الأخير عن عمّه فملأ بها كتابه الطويل، أخذها عن عامر ولم يأخذها عن العقاد شخصيّاً، وهو الصواب الذي لا يداخله شك، فإن الذي يدقق في طريقة كتابة الصالون يجد الكاتب يتحدّث عن العقاد حديث الند للند، وهذا كذب لا يقع فيه إلّا الأدعياء.

أنا شخصيّاً لم أسمع في الأوساط الأدبية والثقافية تكذيباً لحضور كاتب الصالون لندوات العقاد لأول مرة إلّا من أستاذنا الدكتور عاطف العراقي، وحين قرأت هذه الدراسة الدقيقة اتضح لي كما اتضح  للجميع أن الكاتب كاذب فيما روي، والعراقي صادق فيما قال. وليس من شك في إعجاب العراقي بالعقاد وتلمذة الأول على يد الأخير، فكما كتب العقاد مسودات كتابه "ساعات بين الكتب" في أسوان بين التريّض والكتابة، وهو أكبر كتبه يقترب من الألف صفحة، كذلك كاد العراقي أن ينهي رسالته للماجستير في أسوان.

كان في تلك الفترة يعمل في خطه دراسته لابن رشد وهو الموضوع الذي حصل به على الماجستير تحت إشراف أستاذه الدكتور أحمد فؤاد الأهواني عن "النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد" أعمق محاولة فلسفية قدّمت في فلسفة المذاهب كما كان الأهواني يقول. ومن طريف ما يرويه أستاذنا وكان دائماً ما يذكر هذا الموقف؛ ليُقدر إرادة تلاميذه على الكفاح الموصول؛ وليعلمهم درساً من الدروس الدالة على أن طلب العلم ليس سهلاً والصبر عليه ليس بالهين اليسير؛ كنموذج للعزم والتصميم والإصرار على بلوغ الغاية من غير يأس ولا فتور: أن الدكتور أحمد فؤاد الأهواني أعطاه موعداً ليعرض عليه أحد فصول الرسالة، وكان قد كتبه في أسوان وبينما هو عائد من هذا السفر الطويل لمقابلة أستاذه المشرف، في شوق الطالب وفرحة المجتهد وطرب الظافر بإنجازه الفكري، وقد كان يتوقع أن يلقى من أستاذه كل ما يلقاه الطالب المجتهد المكافح، وظل هكذا طيلة السفر الشاق يداعب خياله على قضبان السكة الحديد ثمرات اللقاء المثمر البناء.

كانت المقابلة في الباخرة ترسو على النيل، وبعد السلام والتحية والجلوس أخرج العراقي من حقيبته الفصل المكتوب عن ابن رشد ليمد أستاذه يده إليه، فلما نظر إلى أول الصفحة وجد كلمة مساقة هكذا "نجد لزاماً علينا ...."، فنظر الأستاذ إلى تلميذه شذراً .. ماذا تقول: نجد لزماً علينا …!!

هذه كلمة لا يكتبها طالب بحث مبتدئ، ثم ما هى إلا سويعات مرت كأسرع من لمح البصر حتى كان الفصل كله مُلقى في النيل.

يا ألطاف الله: أهذه هى ثمرات اللقاء المثمر البنّاء! لكن التلميذ المكافح المجتهد لم ييأس، ولم يفت في عضده قسوة الموقف، كلا بل تعلم وأصرّ وعاد إلى أسوان أقوى عزيمة وأفعل قصداً؛ ليكتب الفصل الذي روته مياه النيل في رسالته من جديد.

كان العراقي يذكر لنا هذا الموقف ليعلمنا كما تعلّم، وكله أسف شجي على ما وصلت إليه أحوال الباحثين في مصر اليوم: لا صبر ولا تعليم ولا استعداد ولا رغبة في العلم تتسع لها أخلاق الباحثين.

ولم تكن قسوة الأهواني عليه إذ ذاك قسوة الحقود المعقد الغيور بل كانت قسوة الأب المعلم الرحيم (ومن يكن راحماً فليقسو أحياناً على من يرحم) فالتي كانت من باب الرحمة، قسوة المعلم الأمين على تلميذه يأخذه بالشدة والعسر؛ ليجعل منه انساناً حقيقاً بصفة الفيلسوف، ولئن كانت الشدة هنا في هذا الموقف قاسية غير أنها جاءت فخراً للأستاذ فيما بعد: بعد أنهى العراقي رسالته للماجستير فقد كتب الأهواني عنها  يقول: لقد كانت هذه المحاولة الأولى من نوعها، ولعلّها أول محاولة لتطبيق فلسفة المذاهب على تاريخ الفلسفة الإسلامية، إذ كانت محاولة استخلصها العراقي من دراسته تفيد أن مذهب الفيلسوف الإسلامي ابن رشد شارح أرسطو يمكن أن يقال إنه مذهب عقلي.

لا حظ أن الأهواني الذي قسى عليه في اللقاء الأول صار مغبوطاً له بعد إتمام البحث وإنهاء الدراسة. وتلك ولا شك قيمة من قيم كثيرة للبحث العلمي فقدناها.

 في أسوان بلد الجبال التي تنجب الرجال والعراقي يكتب مسودات رسالته عن ابن رشد فهل كان مشغولاً ببحثه هذا مهملاً لعمله في التدريس في معهد المعلمين؟ لا والله لم يحدث هذا قط بل كتب في تلك الفترة ثلاثة كتب، تقريباً في كل سنة كتاب وارتبط بتلاميذه في المعهد وارتبطوا به، وأحبوه وظلوا مرتبطين به حتى يوم وفاته. ومن أكابر المعلمين بأسوان اليوم من كان يسأل عنه ويداوم السؤال باستمرار ولما سمع بوفاته حزن حزناً شديداً ولا يزال بعضهم ممّن على قيد الحياة يذكره بكل خير. ومنهم من تعلق به تعلقاً روحياً يصعب مفارقته إذ غرس فيه القيم العلويّة فلم يكتف بالدراسة بمعهد المعلمين بل صحبه إلى جامعة القاهرة ليكمل تعليمه ويحصل على الماجستير والدكتوراه، كانوا من أوائل من تخرجوا على يديه صحبوه في معهد المعلمين، إذ كانوا طلبه بالمعهد يدرس لهم، وبعد أن غادره ظلوا معه كذلك، ومنهم الدكتور صبري عثمان، عليه رحمة الله، كان من قرية تجاور قريتنا بمركز إدفو محافظة أسوان، حصل على الماجستير بإشراف أستاذنا الدكتور عاطف العراقي من آداب القاهرة في موضوع (الله والكون في فلسفة الكندي) والدكتوراه في موضوع (الفلسفة الطبيعة والإلهية عند أبي البركات البغدادي) وكان من أوائل من فتحوا قسم الفلسفة بآداب سوهاج.

ولأستاذنا العراقي مع الدكتور صبري عثمان أثناء وفاته قصة إنسانية غاية في التأثير تحتاج بمفردها إلى كتاب هى تشبه نفس القصة التي كانت مع الدكتور علي عبد الواحد وافي أثناء وفاته أيضاً: أن يتدخل بنفسه فيتصل بالمسئولين برئاسة الجمهورية لتذليل العقبات أمام الإفراج عن جسمان العالمين الجليلين، مع تباعد فيما بينهما من ميقات الوفاه. 

إنسانية راقية لإنسان راقي تكتب بماء الذهب، وتكشف عن معدن أصيل لشخصية نادرة، رحمه الله وطيّب ثراه وجزاه خير الجزاء على ما قدّم من أعمال طيبة.

لم يكن العراقي وهو في أسوان منشغلاً ببحث ابن رشد فقط ولكنه كتب إذ ذاك ثلاث دراسات يغلب عليهم الطابع الأنثروبولوجي استطعت الحصول منه على إثنين أما الثالثة فقال لي إنها ربما فقدت ورجّح أن تكون ضمن مطويات مكتبة بلدته بشربين. أما الدراستان اللتان حصلت عليهما منه فكانت الأولى كتاب عن قرية السيل بأسوان، وكانت الثانية كتاب عن قرية الشيخ دياب بأسوان أيضاً يظهر في هذين الكتابين نظام المسح الانثروبولوجي ومنهجيته من حيث دراسة العادات والتقاليد وطرق الحياة وأساليب الإعاشة والتعامل مع الطبيعة والناس في الأفراح والأحزان والتعبير عنهما سواء بالشعر أو بالنظم أو بالنثر. ولهذين الكتابين دراسة مفردة نقوم بها إن شاء الله وفق منهجها الأنثروبولوجي، ولذلك لكشف اهتمامات أستاذنا الدكتور عاطف العراقي المبكرة والإفصاح عن طويّة كانت كامنة فيه كما قلنا، يستظهرها حب العلم والكدح في طلبه، والبحث عن المعرفة والشغف بها، وإرادة فيهما لا تنكسر ولا تزول ولكنها كانت ماضية كالسيف يشحذها الضرب والنزال وهما أوسع مجالاً للنضال الشريف.

آمن العراقي بالتجديد والإبداع والابتكار كمعالم تنويرية، ولم يكن كتابه العقل والتنوير بقضاياه المتنوعة وشخصياته الفريدة إلا اثراءً لهذا الإيمان من جانبه، وتقويضاً لدعائم الأفكار الظلاميَّة في مناهج التعليم إذ نبّه إليها وحذر من انسياق الناس وراءها.

بديهيّاً؛ إنّ النظرة التجديدية كما يَرَاها العراقي لا تقوم على رفض التراث جملة وتفصيلاً كما لا تقوم على الوقوف عند التراث كما هو ودون أيّة محاولة لتأويله أو تطويره، ولكنها تعدُّ معبرةً عن الثورة من داخل التراث نفسه: إعادة بناء التراث ليكون متفقاً مع العصر الذي نعيش فيه، والفرقُ كبيرٌ جداً بين التمسك بالبناء القديم كما هو بصورته التقليدية وبين إعادة بناء (Reconstruction) التراث ممّا لا يحمل مطلقاً في طياته هدماً أو رفضاً.

وبفقدان نظرة التجديد ممَّا قد يوجد في بعض كتب التراث، وممَّا من شأنه أن يقدّم منه لطلابنا في مراحل التعليم الجامعي من دراسة للآراء العلميّة لدى العلماء العرب أمثال جابر بن حيان وابن سينا والحسن بن الهيثم وأبي بكر الرازي وغيرهم من علمائنا العرب، فقدنا بالتالي الأهليّة التي بها يتكوَّن العلم وتتنامى ناهضةً تلك الروح العلمية، إذْ كان هذا كله لا يساعد على الإبداع ولا يقوّمه ولا يقوّيه؛ لأن الطابع الكمي غالب عليها بدلاً من الطابع الكيفي.

وباتجاه النظر إلى دور الجامعة الأكاديمي لم يعد ممكناً في ضوء الآلاف المؤلفة من الطلاب، وفي ضوء مأساة الكتاب الجامعي والمناهج التعليمية العقيمة، وطمع الأساتذة والمدرسين في أكل السحت والمتاجرة بالمذكرات المسروقة من وراء تعليم الطلاب إنْ في المدارس وإنْ في الجامعات، لم يعد ممكناً الحديث عن دورها الثقافي. إنّ إطلالة عارضة على واقع الجامعة لينذر بالخطر حقاً؛ فليس بأمين على رسالة الوطن من يُلاحظ انهيار الجامعات المصرية ولا تأخذه الغيرة على بلاده فينبه إلى مواضع الخطر ويتخذ من النقد سلاحه في التنبيه والتطهير .

فلئن كان المنهج الذي اتخذه العراقي لنفسه وتكوّن عنده منذ أكثر من أربعين سنة هو المنهج العقلاني النقدي التنويري، فلأنه المنهج نفسه الذي سَبَقَهُ إليه مفكرون كبار على مدار نصف قرن من الزمان ممَّن نهضوا على نفس الطريق قبله كأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا وغيرهم ممَّن كانت دعوتهم دائمة غير منقطعة لفكرة التقدّم عملاً وعلماً، فالعالم ليس فيه مكانٌ للضعيف لا من جهة النظر ولا من جهة العمل، ليس فيه إلا القوي علماً وعملاً حتى إذا ما أخذ المفكرون دورهم المنشود في مجتمعاتهم لكي يحققوا تقدماً بين الدول المتقدمة رأينا العراقي يصرخ في لوعة مخامرة: أصبحنا كعرب أضحوكة بين أمم العالم، الأمم التي أرادت لنفسها التقدُّم إلى الأمام فلم يعد فيها مكان إلا للأقوياء ممَّن ملكوا أدوات العصر وآلياته، علماً من جهة الإبداع، وتكنولوجيا من جهة التطبيق.

 

د. مجدي إبراهيم

 

719 توفيقالادراك ترجمة الوعي.

تجمع الطلاب في فوضى عارم بعد ان قررت إدارة المدرسة المشاركة في العمل الشعبي الطوعي. تنفيذا لاوامر الحزب الحاكم وويل لمن يتغيب من أداء هذا العمل الطوعي الوطني..

تحول اتحاد الوطني لطلبة العراق الى اداة قمعي وأمني الاستخباراتي للنظام الجديد والذي جاء بانقلاب ابيض كما يحلوا للانقلابين تسميتهم. من المعتقد بانهم لو كانوا التزموا بوعودهم في بداية عهدهم بعراق تعددي ديمقراطي وحل المسالة الكردية لكان العراق اليوم أغنى دولة في الشرق الاوسط وكان المواطن العراقي الأغنى مالا وجاها وعلما وكانت كوردستان قبلة يأم اليها الجميع لكن (لو) كما يقول العراقي: لو زرعوه و ما خضر.

اعود الى ذكرياتي عن ذلك اليوم فبعد ان تركنا المدرسة متجهين الى مكان العمل دون اَي معلومات ما سوف نقوم به فإذا بنا نصل الى أطراف ملعب الشعب الدولي والساحة قد تحولت توا الى ورشة عمل كبيرة والفوضى يعم المكان والأتربة وصيحات من هنا وهناك قال علي المخزومي ممازحا

-المهم شباب الجماعة شافونه

رد عليه حسين هندي

- شنو رايكم هسه نگدر نشلع

وكانه دق جرس المدرسة جاء الصدى في اذاننا معلنا بانتهاء الفرصة ويأمرنا الدخول الى الصفوف الدراسية ومن جديد.

نظر احدنا الى الآخر بنظرات ملئها التساؤل

وقال عادل فيلي بتهور قاطعا الشك فينا

يا جماعة الخير

نلتقي في سمير أميس

وفي لحظات اختفت مجموعتنا من المكان بعد أثبتنا وطنيتنا وشاركنا في هذا العمل الطوعي الوطني بينما كان احد المسؤولين يدعي باختفاء أدوات العمل هائجا. سمير أميس كان احدى ارقى سينمات العراق وبتبريد مركزي وكراسي مريحة وكان يعرض على شاشتها احدث الأفلام.

التقت المجموعة في السينما بعد حوالي ساعة وتمكنا عن طريق احد العاملين الحصول على تذاكر لدخول السينما وما يسمى اليوم بمصطلح "ڤيپ" اَي لوج خاص بنا فقط كي نتمكن ان نعلق بحريتنا.الفلم عرض فقط يومين لان السفارة اليونانية اعترضت على عرض الفلم لأنه يسئ الى الطغمة العسكرية الفاشية الحاكمة آنذاك..

(زت)، الحرف الأخير في الف باء الحروف اللاتينية. عنوان لفلم فرنسي قدم قصة سياسية جريئة وقدم تحليلا لحكم الفاشي العسكري للاغتيال السياسي مع إشارة ضمنية الى الحكم العسكري في اليونان وعرض في بغداد عام 1970. المثير في الفلم ذلك التعاون الفعال بين الشرطة والطغمة العسكرية الفاشية الحاكمة. هذا التعاون لم يكن قط غريبا في بلادنا بل يعتبر طبيعيا حين يتحول الجهد الأمني والشرطة والجيش الى مجرد لدولة بيد الحاكم . يستخدم المؤسسة الحكومية بشكل فعال في ضرب المعارضة مهما كانت اتجاهاتها. لا بل حتى انها فوق القضاء وقوانين البلاد لعبة بيد الحاكم ومن السهل ايجاد محاكم ثورية وما يسمى ب محكمة الثورة الذي ينفذ أوامر الحاكم العسكري دون الرجوع الى قوانين البلاد الشرعية متحولا الى محكمة في الظل توازي المحاكم المدنية. طبعا كانت الأجهزة القمعية من مؤسسات الدولة الأمنية والحزبية ومنظماتها تقدم الدعم الكامل وتسوق المناضلين لهذه المحكمة الصورية لمحاكمتهم. وجل احكام هذا النوع من المحاكم الحزبية منها والعسكرية هي الإعدام وبالجملة. وهذا ما جرى عليه العراق منذ محاكم الثورة الذي كان يرأسها المهداوي والتي عرفت باسمه منذ ١٩٥٨.

كنا نعيش آنذاك في جبهة وطنية لكون الحزب الحاكم ضعيف وبحاجة الى مؤازرة الأحزاب الوطنية. في نفس الوقت كانت الاخبار الواردة من كوردستان تبشر بخير مع اتفاق آذار الذي توج نضال الكرد الطويل من اجل حقوقه المشروعة. لا ازال اتذكر فرحة الشعب العراقي وخروجها من بكرة ابيها في مسيرة حاشدة قطعت شارع الرشيد متجه من الميدان الى الباب الشرقي حيث منصة الخطابات والتي وقف عليها الوزراء العراقيين وضيوفهم كاك مسعود والشهيد إدريس والدكتور محمود عثمان والشهيد سامي عبد الرحمن على ما أتذكر.. 

720 توفيق

من الطبيعي للأنظمة القومية السلبية والفاشية ان لا يغيروا سلوكهم العدواني فهم ينتمون الى ثقافة العصابات التي ترى من استخدام الشدة والعنف والاغتيالات والقتل سلوكا يوميا. حتى شعارهم من الوحوش او الجوارح يفتخرون بها. وهذا ما حصل بعد سنوات حين استقر بهم الحكم فأحيوا ثقافتهم القديمة من ايام الحرس القومي ١٩٦٣ فيما يسمى ب (المخربون) وهو عنوان كتاب صدر عام 1964 عن جرائم الحرس القومي البعثي حيث القتل والمؤامرات حيث اعدموا خيرة شباب العراق من الحزب الشيوعي والكرد والأحزاب الإسلامية . اول محاولة قدموا عليها لاغتيال القائد الخالد الملا مصطفى البارزاني وفي عقر داره في كوردستان ثم توالت المصائب والمؤامرات؛

ابو طبر، ناظم گزار الذي بدا به الثورة تاكل أبنائها واستمرت الى 2003 . وكانت اتفاق الجزائر مشينا الذي اعتبر لاحقا سببا للحرب مع الجارة ايران وكانت من نتائج الحرب احتلال دولة الكويت ومن ثم تحريرها ليترك العراق يعاني من حصار طويل انتهت بسقوط العرق. حربان او بالأحرى ثلاث اذ ان الحرب في كوردستان اطولهم أدى الى ملايين القتلى والمعاقين وترك الديار مهدما واقتصاد البلد على خافة الإفلاس. وكانت كوردستان دوما الضحية للفكر القومي السلبي في عمليتين اجراميتين بحق المدنيين في قصف حلبجة والجبال بالغاز الكيمياوي وعملية الانفال سيئة الصيت.

ثم جاءتنا جيوش الاحتلال وووو ولا يزال الجرح ينزف..

اعود لأذكركم بالفلم (زت) الذي موله الجزائر وربما كان ذلك سببا للإجازة بعرض الفلم في بغداد وسنة الانتاج عام ١٩٦٩

صور الفلم في مدينة الجزيرة الجزائرية.

كان الفلم من اخراج كوستا يوناني يعيش في المنفى وأجاد الممثل الفرنسي "إيف مونتان" دوره.

لكن ما اشبه حوادث الفلم مع مجريات الأمور في العراق وللتذكير والتأكيد على وجود العديد من العصابات الحاكمة في العديد من دول المنطقة ولحد يومنا هذا..

 

كتابة: توفيق التونجي

...................

صفحات من سيرة ذاتية (الالتون نامة)"

 

محمد فتحي عبدالعاللغة الاكراد: صنف الباحثون المعاصرون اللغة الكردية كواحدة من أقدم اللغات الايرانية فيما استبعد البعض هذه الفرضية وبرهن علي استقلالية اللغة الكردية بالاختلاف الواسع بين اللغة الكردية والمنشأ الايراني وقد صنف المؤرخ مينورسكي والمؤرخ سايكس اللغة الكردية بأنها من الفروع الهندو اوروبية وان عشائر الكرد واللغة الكردية من الميديين اي الآريين ويؤيد اللغوي الالماني جيرنوت وينهوفر هذا المذهب وان المتكلمين باللغة الكردية كانوا في الماضي يتحدثون اللغة الميديية ..

وإستنادا إلى كتابات هيرودوت فإن أصل الميديين يرجع إلى شخص إسمه دياكو الذي كان زعيم قبائل منطقة جبال زاكروس وفي منتصف القرن السابع قبل الميلاد حصل الميديون على إستقلالهم وشكلو إمبراطورية ميديا وضمت اول وحدة للقبائل الكردية وكان فرورتيش (665 - 633) قبل الميلاد أول إمبراطور وجاء بعده إبنه هووخشتره

هناك اعتقاد ايضا لدى الأكراد المعاصرين ان الميديين هم النواة التاريخية للامة الكردية وهو ما يظهر في النشيد الوطني الكردي وان الشعب الميدي كان عبارة عن عشائر كردية تقطن شرقي بلاد آشور حيث حدود موطنها تمتد الي جنوبي بحر قزوين وان لغة الميديين كانت لغة الشعب الكردي الحالي نفسها او كانت علي اساسها علي الاقل، وبزوال دولة الميديين حدث انصهار مادي وادبي بين الشعب الميدي والشعب الفارسي...

تعتبر اللغة الكردية لغة شفهية تعبيرية بدون ابجدية خاصة في البداية وهي تتميز بكونها لغة تركيبية مزجية علی خلاف اللغات الاشتقاقية كالعربية مثلا وتضم اللغة الكردية الان، كلمات ومفردات كثيرة من العربية والفارسية والتركية وتنقسم الي لهجتين رئيسيتين هما الكرمانجية والبهلوانية ويتفرع منهما ما يقرب من ١٨ لهجة محلية وعلي رأس هذه اللهجات، اللهجة البهدينانية واللهجة السورانية والكورانية واللورية  في ايران والعراق ويعود السبب في هذا التنوع الي العامل الجغرافي حيث الطبيعة الجبلية لمناطق الانتشار السكاني الكردي والتي حالت دون امتزاج وانصهار الكيانات الكردية في بوتقة الوطن الواحد وكذلك العامل السياسي في عدم وحدة الشعب الكردي بوطن واحد كما مارست بعض السلطات المحلية في الاوطان التي عاش بها الكورد عبر التاريخ اجراءات تعسفيه لمنع التحدث باللغة الكردية بين المواطنين الاكراد علي اراضيها!!! ..

كانت اللغة الكردية قبل الاسلام تكتب بالحروف الابجدية للامم المتاخمة كالفارسية وذلك بحكم سيادة الديانة الزرادشتية وكتابها المقدس (الٲڤیستا) للاقاليم الايرانيه وبها الاكراد وتذهب  بعض الآراء الي الزعم أن كتاب "الآڤیستا" المقدس لدى الزرادشتية قد سطّر باللغة الميدية. الا وانه بعد ظهور الاسلام اصبح ادباء الكرد يكتبون ابجديتهم باللغة العربية باعتبارها لغة القران الكريم غير ان الحروف العربية كانت  عاجزة عن تلبية تلك الصوتيات الموجودة في اللغة الكردية لذا فكان من الطبيعي ان يضيف الاكراد إليها حروفا ً من ابتكارهم

والحروف الكردية الصامتة تأخذ شكل الحروف الأبجدية العربية وهى كالتالى " ئـ، ب، پ، ج، چ، ح، خ، د، ر، ز، ژ، س، ش، ع، غ، ت، ف، ڤ، ك، گ، ل، م، ن، و، هـ، ى"، فيما تأتى الحروف الحركية كالأتى "أ، و، وو، ۆ، ى، ێ، ه".

  وكانت اول محاولة لوضع ابجدية كردية مستقلة  بواسطة رائد الصحافة الكردية  جلادت امين عالي بدرخان والذي وضع الابجدية الكردية المعاصرة باستبدال الاحرف العربية باللاتينية كي  تستوعب جميع الألفاظ الموجودة في اللغة الكردية.

كان بداية النشاط اللغوي الكردي في العصر الحديث اذا نحينا الجهود الاستشراقية جانبا مع اول معجم كردي عربي وضعه مفتي الدولة العثمانية في ارضروم السيد يوسف ضياء الدين باشا المقدسي والذي  حمل اسم  الهدية الحميدية نسبة للسلطان عبد الحميد  اثناء حرب العثمانيين مع الروس وهو من الاعمال المجيدة التي لا ينكر فضلها في التعريف باللغة الكردية ووضع المنهجية الاولي لها وكان مقداد بدرخان بمساعدة اخيه عبد الرحمن  اول من  اصدرا صحيفة كردية باسم (كردستان) بالقاهرة ١٨٩٨ كانت منبرا حرا للتعبير عن الاراء الكردية والفاعليات الثقافية للاكراد بمصر ونظرا لنشاط الصحيفة في الهجوم علي السلطان العثماني عبد الحميد  ورموز نظامه واتساع نشاطها وشهرتها بين الاوساط الثقافية فقد طالب العثمانيون السلطات المصرية انذاك بتسليم مقداد لها مما اضطر الاخوين لنقل نشاط الصحيفة الي اوروبا ...ولا يمكن ان ننسي  فضل  المفكر الكردي العظيم محمد كرد علي والذي اسس لاول مجمع للغة العربية في العالم العربي بدمشق فكان حائط الصد ضد هجمات المستشرقين علي الهوية العربية ..كما قام كاميران بدرخان بنشر تفسيرا للقرآن باللغة الكردية ونقل الاحاديث النبوية الشريفة الي اللغة الكردية كما ترجم رباعيات الخيام الي الكردية ...

وللحديث بقية

 

سروه عثمان مصطفی .. كاتبة واديبة كردية

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري .

...........................

المصادر :

خلاصة تاريخ الكرد وكردستان محمد امين زكي بك .

الويكبيديا العربية.

دراسات المركز الكردي السويدي للدراسات .

مذكرات جلادت بدرخان.

 

محمد فتحي عبدالعالحينما نتحدث عن الزعيم في اصطلاحنا العربي فضع تحته كل ما هو منزه وكل ما هو فريد من الصفات والخلال والتي ترفع صاحبها الي مصاف الالهة احيانا ...

اما ظليل الزعيم فهي المساحة النفسية المقابلة للتنزيه والتي تعبر عن الشخصية الحقيقية بما تحمله من جوانب انسانية طبيعية ومتنوعة انها المساحة التي نلتقطها من مذكرات الزعيم او من لحظات صدق افضي بها الي مقربيه او من هفوات الزعيم التي تكشف عن مكنون نفسه دون ارادة منه ..ظليل الزعيم هو الزعيم كما يري نفسه وبوجهه الانساني الخفي بضعفه وقوته وشجونه وافراحه وسقطاته وانجازاته الحقيقة بعيد عن التزيين والتكلف ...

كلما قطعنا شوطا بعيدا في التاريخ وخاصة لو وصلنا به الي العصور الوسطي اصبحت مسألة التماس القرب من ظليل الزعيم لا ملجأ لها الا من خلال كتابات المقربين والذين قد لا يكونوا محايدين في احيانا كثيرة ..اننا لا نعني ابدا بعدم حيادهم كونهم غير صادقين بل بالعكس قد يكونوا صادقين تماما ولكن الاشكالية لدينا اننا لم نقرأهم بلغة ازمنتهم !!.

من الحكام الذين ظلمهم التاريخ المعاصر كان صلاح الدين الايوبي والذي اجتزأ من سياق عصره وحمل زعامة تتناقض افعاله في احيان كثيرة مع الصفات القدسية التي افترضتها واحتضنتها هذه الزعامة في نظر ايدلوجيات معاصرة شتي فهو عند الاشتراكيين عنوانا للوحدة والتآخي والتعايش السلمي وعند الاسلاميين فارسا وموحدا للامة علي قلب واحد ومحررا للقدس ...

ولنبدأ قصة صلاح الدين أو يوسف بن ايوب من البداية ...يختلف المؤرخون حول نشأة يوسف بن ايوب او كما اشتهر في التاريخ بصلاح الدين وهو الاسم الذي اختاره لنفسه فمنهم من يزعم انتماءه الي الاكراد وتحديدا الي اسرة كردية نزحت من اذربيجان واستعربت بالعراق ويري أخرون ان جذوره عربية وتحديدا الي مروان بن محمد اخر الخلفاء الامويين وان ابوه كان حاكما لقلعة تكريت ثم بعلبك ..

كان سطوع نجم صلاح الدين مع تحولات سياسية خطيرة في مصر استدعت تدخل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي سلطان الشام لنجدة الفاطميين في مصر ...

كان الحكم في مصر في نهاية عصر الفاطميين بيد الوزراء وفي عهد الخليفة العاضد لدين الله اخر خلفائهم شب الخلاف بين وزيري الخليفة ضرغام والذي استعان بالصليبين وشاور الذين استعان بقوات نور الدين محمود والذي ارسل حملة لمصر بقيادة اسد الدين شيركوه عم صلاح الدين فتغلب علي ضرغام واستتب الامر لشاور والذي سرعان ما تنكر لحليفه نور الدين محمود واستعان بملك بيت المقدس عموري الاول والذي استطاع اجلاء قوات شيركوه عن مصر فأنفذ نور الدين حملة جديدة علي مصر بقيادة اسد الدين شيركوه ويعاونه ابن اخيه صلاح الدين استطاعت في النهاية السيطرة علي مصر .

عين العاضد اسد الدين شيركوه وكلمة شيركوه (كلمة كردية تعني اسد الجبل)..وزيرا ولكنه مات من التخمة الشديدة حيث كان كثير الاكل بحسب معاصروه !!! وذلك بعد شهرين من توليه الوزارة تاركا خلفه مالا كثيرا وخمسمائة مملوك شكلوا ما عرف بالمماليك الاسدية وهو ما يمكن اعتباره من البدايات لفكرة المماليك او الجنود المرتزقة المجلبون من كل حدب وصوب ليكونوا بديلا عن الشعب المصري الذي كان من المفترض ان يكون نواة الجيش المنوط به الدفاع عن مصر وهو ما انتهجه الايوبيون طوال دولتهم .فعين العاضد صلاح الدين والذي كان الساعد الايمن لعمه اسد الدين شيركوه وخلع عليه لقبه الذي نعرفه به الان الناصر : ناصر أمير المؤمنين العاضد بالله الفاطمى....وهنا يظهر صلاح الدين بشخصيته السياسية لقد عاش البطل السني عند الملايين من علماء السنة في كنف الدولة الفاطمية الشيعية لم يفكر يوما في تغيير نظام الحكم بها بشكل مباشرعلي الرغم من ضعف الخليفة الواضح وتمكن صلاح الدين من السيطرة الكاملة علي زمام الامور ...

الحقيقة التي يبتعد عنها السلفيون المعاصرون والمتدينون الحالمون بعودة صلاح الدين أن الخط الديني لم يكن ابدا المحرك لصلاح الدين او السابقين عليه والذين تأثر بهم ولنستدلل بشخصية عماد الدين زنكي الزعامة الاسلامية الاخري لدي الاسلاميين فحينما استولي علي حلب اضهر تسامحا كبيرا مع الشيعة واقرهم علي آذانهم (حي علي خير العمل) طوال حياته وهذا ليس مستغربا فهو جزء من لعبة السياسة والحكم والمكيافيلية القديمة التي سادت هذة العصور وهي بعيدة تماما عن المثاليات التي نفترضها ....

كان تعيين صلاح الدين لمنصب الوزارة موغرا لصدور كثيرا من القادة والسياسيين في البلاط الفاطمي مما ولد معارضة شديدة ضده وهو الهابط عليهم من بيئة مختلفة ولديه طموحات مقلقة لهم وكان لصلاح الدين ضيق واضح بالمعارضة ولا يتعامل معها الا بالقتل فدبر لقتل كبير الطواشيه بقصر العاضد (وهو منصب رفيع اشبه بقائد الحرس الملكي بلغتنا المعاصرة) أو "مؤتمن الخلافة" :جوهر السودانى غيلة مبررا ذلك بعلاقته مع الصليبين وانه اكتشف رسالة من مؤتمن الخلافة مرسلة الي الصليبين ومخبأة في نعلين !!!مع انه لو كان هذا الزعم حقيقيا فلما لم يحاكمه علنا وقد قبض علي رسوله؟! واظهر حقيقته امام اعوانه وبالتالي جنب الدولة مغبة مواجهة مسلحة مع عشيرته حيث أثارت هذه الخطوة بالطبع ثورة السودانيين والنوبيين فشكلوا جيشا ضخما للثأر لمؤتمن الخلافة، اشتبك معهم صلاح الدين بقواته كما ارسل قواته لحرق مركزهم بالمنصورة واعمل فيهم السيف حتي ابادهم واحرق أسرهم دون هوادة فهل هذه كياسة من قائد تصلح سيرته لكل زمان !!! ام انه قائد في عصره وفي حيز مفاهيم العصور الوسطي في التعامل مع المعارضة ؟!!

وبمقتل جوهر أصبح الطريق ممهدا أمام صلاح الدين لأحكام قبضته علي قصر العاضد فاستعان بأحد اعوانه في ادارة شئون القصر الفاطمي وهو خادم خصي يدعي بهاء الدين قراقوش احد اكبر اعوان الجور والاستبداد واكثرهم كراهية لاي بؤر معارضة...ويعتبر كتاب الفاشوش في حكم قراقوش للاسعد بن مماتي من الكتب الهامة في تصوير طريقة حكم قراقوش والحقيقة اننا نختلف عن الكثيرين ممن يقللون من قيمة الكتاب ويضعونه في مصاف الكتب الهزلية ذلك ان ابن مماتي بالاضافة الي كونه حاذقا باللغة وآدابها كان مسؤول عن ديوان الجيش والمال وهي مسؤوليات كبيرة في عهد صلاح الدين وبالطبع كان قريب من قراقوش بحكم مهامه مما يجعل كتابه شهادة علي العصر وليست من قبيل الهزل ..

بوفاة العاضد المبكرة تتجلي لنا صورة صلاح الدين الانسان الذي لم ينسي عشرة العاضد فبكي لوفاته بشدة واجل اعلان انتهاء دولته..لكن اعتقد ان استعجال نور الدين لهذه الخطوة هو الباعث لحركات صلاح الدين المتسارعة بأعلان الكثير من الاجراءات التي كانت ممكن ان تسير بشكل هاديء لو تحلي صلاح الدين ومن فوقه نور الدين بقدر من الكياسة والدعة فلا يمكن انهاء معالم دولة استمرت لاكثر من مئتي عام بين عشية وضحاها !! ومن هذه الاجراءات: اعلان انتهاء الدولة الفاطمية وقطع الدعاء للخليفة الفاطمي واغلاق الازهر وحركة الاعتقالات الواسعة التي طالت امراء البيت الفاطمي وترك نسائهم مستباحه للعوام وبيع كتب الفاطميين بمكتبة دار الحكمة بالبخس وفي بعض الروايات حرقها خاصة ان هذا السيناريو مشابه لما فعله نور الدين مع شيعة حلب بعد وفاة ابيه عماد الدين زنكي وان لم يكن بنفس الضراوة والشراسة ولعل اكثر خطوات صلاح الدين تكتيكا هي تسريح الجيش الفاطمي بمصر والذي كان يضم امراء مصريين وخليط من السودانيين والارمن واستبداله بجيش جديد من المماليك الاتراك والاكراد وعلي رأسهم مماليك عمه الاسديين الذين اغدق عليهم الاقطاعات ليكون ولائهم لصلاح الدين ومن وقتها اصبح استبعاد المصريين عن الجندية بشكل جذري تقليدا لقرون طويلة حتي مجيء محمد علي باشا !!!!

كان اسلوب صلاح الدين المروع في اجتثاث بقايا حكم الفاطميين سببا مباشرة في انطلاق الثورة عليه من الصعيد في مدينة قفط تحديدا وعلي غرار طريقة الحكام العرب في التعامل مع المعارضة كان السيف مقدما علي اية تفاهمات فقتل خلقا كثيرا في الثورات ضد حكمه .. ..

لم يكن الوازع الطائفي ابدا محركا لصلاح الدين في تقرير اعدائه فكما اوقع بالفاطميين فقد قتل الاديب والمحدث والفقيه السني عمارة اليمني وهو سني شافعي متشدد وصلبه علي باب بيته وذلك علي خلفية اتهامه هو وعبد الصمد الكاتب، والقاضي العويرس، وداعي الدعاة وأخرون بالعمل علي عودة الفاطميين بمعاونة الصليبين اثناء غياب صلاح الدين بالكرك ..صحيح ان عمارة كتب اشعارا في الحنين الي ايام الفاطميين الا ان هذا لا يمنع حقيقة انه قاوم كل محاولات الفاطميين لتشييعه وترك مذهبه السني وهو ما أكد عليه في كتابه النكت العصرية ..

 كانت دولة صلاح الدين دولة عصرية مدنية وليست دينية ابدا فالقائم علي بيت المال كان الاسعد بن مماتي وهو من أسرة قبطية وحديث العهد بالاسلام كما كان طبيب قصره رئيس الطائفة اليهوديه موسي بن ميمون وهو من أهم اللاهوتيين اليهود في العصور الوسطى وهو الذي تظاهر بالاسلام هروبا من الموحدين في المغرب وحينما اتي مصر ارتد صراحة وعيانا بيانا عن الاسلام !! فما الذي دفع السلطان الذي استل سيفه علي معارضيه ببينة وبغير بينة الي غض الطرف واسقاط حد الرده بحق طبيبه ام ان الامر لم يكن يعنيه لانه قائد سياسي برجماتي في الاساس ..المدهش ان صلاح الدين نفسه أمر بقتل ابو الفتوح يحي بن حبش السهروردي وهو من المتصوفه بشبهة الالحاد ولم يكلف خاطره محاكمته والاستماع اليه خشية ظلم بريء !!!

اللافت هومنح صلاح الدين اليهود بايعاز من طبيبه اليهودي حق التملك ووالذي كان مسلوبا منهم بحكم العهدة العمرية وحق الاقامة ببيت المقدس وبناء مدارس وكنس لهم !!!سابقا بذلك بلفور صاحب الوعد الشهير في التاريخ العربي الاسرائيلي !!! كما ان عقيدة صلاح الدين لم تكن محل اتفاق بين معاصريه فمنهم من هو قائل انه كان علي الطريقة القادرية اي سني متصوف ومنهم من هو قائل انه كان اشعريا اي سنيا سلفيا ؟!!!وشتان بين الطريقين

ومن صلاح الدين السياسي والحاكم الي شخصية صلاح الدين القائد والفارس والذي استطاع انزال هزيمة كبيرة بالجيوش الصليبية في حطين حيث نجح في تعطيشهم وشطر جيوشهم الي قسمين ...الا ان صلاح الدين مني بهزيمة كبيره من ريتشارد قلب الاسد في ارسوف ..الا ان انقلابا علي ريتشارد من اخيه جون بانجلترا وفي الوقت ذاته تهديدا لاح في الافق من نور الدين محمود والذي يزعم بعض المؤرخين انه خشي من استقلال صلاح الدين بمصر فقرر غزوها مما جعل من مسألة التفاوض والصلح امرا لا مفر منه لكلا الطرفين ريتشارد وصلاح الدين....ووقع الطرفين صلح الرملة ..ومن هذا الصلح نكشف عن وجها اخر لصلاح الدين وهو صلاح الدين المسالم ...فالحاكم الذي طارد الشيعة في كل مكان ولم يرض بغير قتلهم كما قتل معارضيه بحجة الاتصال بالصليبين هو نفسه الذي سالم الصليبين وهو ذاته الذي دخل في علاقات ودية مع طائفة الحشاشين الباطنية وزعيمهم رشيد الدين سنان وهي طائفة من القتلة وقطاع الطرق والمجرمين ولهم علاقات وطيدة مع الصليبين والذين حاولوا اغتياله بينما كان يحاصر قلعة حلب وفشلوا كما استطاعوا التسلل الي معسكره اثناء حصار قلعة عزاز واستطاعوا اصابته لولا الخوذة الحديدية والدروع التي كان يرتديها صلاح الدين حالت دون اصابته بأصابات بالغة فحاول صلاح الدين الرد بحصارهم في قلعة مصياف دون جدوي لاستئصال شوكتهم فلجأ الي اتخاذ احتياطات امنية صارمة للحفاظ علي حياته منتهيا بمسالمتهم ..وفي مكيافيلية رائعة تضاف الي صلاح الدين رجل الدولة وتتناقض مع اخلاقيات الفارس المثالية استطاع استخدام الحشاشين في اغتيال كونراد مونفيرا ملك بيت المقدس حيث تخفوا في زي رهبان مسيحين وقتلوه !!!

نأتي الي مسألة اخيرة الا وهي فكرة الوحدة التي ما أن يأتي ذكرها الا وجاءت مقترنة بصلاح الدين ..والحقيقة انني بحثت في تاريخه عما يدعم هذه الفكرة دون أن اقف علي أثر لها فبوفاة نور الدين محمود تولي صلاح الدين الوصاية علي ابنه الصالح اسماعيل وأوجد لذلك مسوغا شرعيا بزواجه من عصمة الدين خاتون امرأة سيده السابق نور الدين وام خليفته ولم يكن للصالح اسماعيل ايه صلاحيات او سلطات في ظل الوجود الطاغي لصلاح الدين فأقام بحلب حتي توفي في ريعان شبابه رافضا ان يتناول الخمر كعلاج وصفه له اطباؤه وبوفاته احكم صلاح الدين قبضته علي الشام بشكل كامل ومطلق...مشهد لن تخطئه في مئات القصص التي يحفل بها التاريخ الاسلامي فهل هذا هو تعريف الوحدة ؟!!وحتي نبرهن انه لم يكن صلاح الدين يعرف فعلا معني الوحدة بالمعني الذي ينشده المعاصرون الان من محبيه فقد قسم مملكته وكأنه تركة بين ابنائه واشقائه قبل وفاته بشكل مستقل علي نحو ينذر بوقوع الشقاق والشرر بينهم وهو ما حدث بالفعل فيما بعد ...اننا لا نريد ان نحاكم او نقلل من صلاح الدين كشخصية تاريخية لعبت دورا هاما ومؤثرا في التاريخ الاسلامي ولكنها لعبت هذا الدور بمفاهيم عصرها ومعطيات هذه الحقب القديمة .ما نريده ان نتخلص من ربقة اسقاط الملامح الوهمية لهذه الشخصية وغيرها علي عصرنا الحديث وتمني ظهوره يوما وكأنه المستقبل المشرق الذي ينتظرنا ..اننا الامة الوحيدة في هذا العالم التي تلتمس الخلاص من اوزارها بتمني ظهور رجالات من تاريخها الماضي وهذا اصل الداء ...فلو عاد صلاح الدين فهذا هو صلاح الدين كما شاهده معاصروه فهل سنطالبه باحترام حقوق الانسان والاعتراف بالاخر وحقه في ان يكون له رأيا مغايرا وان يكون منتصرا لفكرة تداول السلطة ونستعين بتجربته في بناء وحدة اسلامية ؟!!!بالطبع لا فهو ابن عصره وزمنه وزماننا مختلف لا يصنعه شخصا من عصور غابرة انقضي وانقضت ملابسات عصره اختلفنا او اتفقنا حولها..ان ما يصنع واقعنا ومستقبلنا ان ننقلب علي فكرة الزعامة الواحدة والعقل الواحد والشخصية الواحدة المثالية التي لا يشوبها شائبة وان نبني واقعنا ومستقبلنا علي فكرة البناء الجماعي والفكر المشترك دون اقصاء.

 

د.محمد فتحي عبد العال

.................................

مراجع المقال:

1- البستان الجامع لجميع تواريخ اهل الزمان – العماد الاصفهانى – المتوفي 597 هـ

2- الفتح القسى فى الفتح القدسى – العماد الاصفهانى

3- الكامل فى التاريخ – ابن الاثير – المتوفي 630 هـ

4- النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية – ابن شداد – المتوفي 632 هـ

5- البداية والنهاية – ابن كثير – المتوفي 774 هـ

6- السلوك لمعرفة دول الملوك – المقريزى – المتوفي 845 هـ

 

علي المرهجفي (قلعة سكر) كُنَا صبية، وكان من ضمن طقوس هذه المدينة زيارة السيد (الميهول) = (المجهول) وقد جاءت تسميته لأنه صبيُ ولدَ ميتاً ويُروى أنه مولود يعود نسبه للسادة الموسوية، ويُقال أن عائلته قد سكنت هذه المنطقة الواقعة بين مدينتنا (قلعة سكر) و مدينة (الرفاعي) = (الكرادي)، وبحسب الرواية المتداولة في هاتين المدينتين أن عائلة هذا السيد عائلة مُباركة، وأن السيد (الميهول) قد كان فيه سرَ إلهي هو شبيه بالسر الذي يضعه الله في أضعف خلقه، وقد كان (الميهول) فعلاً هو أضعف خلق الله، لأنه مات وهو لم يتوسد المهد، وقد سُميَ بهذا الإسم نتيجة لذلك، لأن والدته ووالده رغم توقهم في أن يرزقهم الله بصبي إلَا أن القدر شاء أن يلعب لُعبته، فما إن جاء حتى فُقد، وبفقده كانت له كرامات عوَضت أهله قليلاً أو كثيراً، فقد صار هذا السيد قبلةً لأهل مدينتين عريقتين في محافظة (ذي قار)، فكل من له أو لها نُذرٌ أو مُراد يجد أو تجد في زيارته أو زيارتها للـ "الميهول" استجابة لتحقيق هذا النذر، لا سيما النساء، فكان يُروى في أحاديث أهل مدينتنا أن النساء اللواتي لم يُرزقنَ بأطفال يكفيهنَ أن يزورنَ السيد "الميهول" ليتحقق مرادهنَ بمجرد التبرك بعتبات شباكه أو بأخذ "الجروة" من طينة الأرض الطرية المُحيطة به. "الجروة" هي طين حريَ صلصال، تأخذها النساء من هذه الأرض الرطبة المُحيطة بمقام هذا السيد، ليخلطنها بالماء ويغتسلنَ بها، فكانت قناعاتهنَ أنهنَ سينالنَ المُراد بمُجردَ الاغتسال بهذه الطينة (الجروة).

بُنيَ لهذا السيد مقام في منطقة زراعية تُحيط بها الخُضرة من كُل جانب، وكان يُقال أن أهله الذين لا تحديد لأسمائهم كانوا يقطون هذه الأرض بعد جاءوها وافدين من فيافي أرض الله وقفارها.

العجيب الأثير أن مقام هذا السيد في أرض مخضرة، قد بُنيَ من الآجر (الطابوق) وبعد اكساء الطابوق بالاسمنت تم طلاء هذا المقام أو القبر باللون الأبيض، كدلالة ـ كما أظن ـ بقصد أو من دون قصد على النقاء وما تكنتزه الطفولة من براءة وبهاء.

في اجتماع البياض والخضرة وبركات الصالحين دفق روحي لكل من سكن قرب هه الديار، والأغرب الأحب أن أهل مدينتي (قلعة سكر) و (الرفاعي) كانا يزوران هذا المقام في موعد معروف من السنة هو 21/ آذار، وهو عيد رأس السنة الفارسية، أو عيد (نوروز) وهو عيد الربيع في أدبياتنا (القومجية)، فقد كانت الأمهات والآباء فضلاً عن التحضير لطقوس هذا العيد بوضع أوراق شجرة "الآس" في شقوق الجُدران، أو أوراق "الخس" كدلالة على بدء حياة جديدة، كانت العوائل تصطف بنات وبنين شيوخ وعجائز ليركبوا سيارة "دك النجف" التي كانت تقلنا لزيارة هذا المقام والاحتفاء بهذا اليوم البهيج.

الجدير بالذكر أن سيارة "دك النجف" أو "النيرن" سُميَت بهذا الإسم لأن هيكلها الخارجي كان يُصنع في النجف، وكلمة (دك) تعني صناعة، وهي عبارة عن هيكل خشبي مصنوع من خشب (الصاج) وهي في الأصل من نوع "فالفو" صناعة سويدية، تحتوي على "مسطبات" حديدية مُتقابلة في داخلها، وأحياناً مرصوفة حسب نظام الباصات الحالي، ولكنها في الأغلب الأعم "مصطبات" مُتقابلة تتوسطها باحة داخلية يركب فيها الأشخاص وقوفاً في المُناسبات، وغيرها تُستخدم هذه السيارات لنقل الخُضار وفي أحيان قليلة لنقل الماشية في الأيام التي ليس فيها مُناسبات كالأعياد والزيارات المعروفة للأئمة والسادة والأولياء الذين تنتشر قبورهم على طول أرض العراق.

هُناك من يربط احتفال أهل الجنوب بأعياد (الدخول) أو الربيع بعودة تموز بعد أن أقصته زوجته "عشتار" أو "أينانا" كما تروي الأسطورة السومرية أو البابلية، لذا يرى الكثيرون ومنهم الآثاري الأستاذ الدكتور فوزي رشيد أن هذا العيد عراقي أصيل لا علاقة له بأعياد أهل بلاد فارس ومن يحتفي معهم، بل أنهم هم من توارثوا هذا العيد العراقي جيلاً بعد جيل من الحضارة العراقية القديمة بحكم أسبقية هذه الحضارة في النشوء تاريخياً.

في أيام حزب البعث بعد أن حاول هذا النظام منع الاحتفال بهذا العيد فما قدر، أعادوا تسميته فسُميَ بعيد الشجرة، وهي أيضاً تسمية ذكية تُحافظ على مضمون هذا العيد وتُغير من طبيعة التداول التاريخي الموروث له ولكن لم تنجح خطواتهم هذه وبقيَ العيد له حضوره الاجتماعي والتاريخي المتوارث الذي ليس شرطاً أن يكون مُدركاً حقاً بأبعاده الميثولوجية أو بعلاقته بأعياد "نوروز" الفارسية والكُردية.

ما أذكره عن هذا العيد أنه من الأعياد المُهمة في مدينتنا والمُدن المجاورة مثل: (الرفاعي) و (الفجر) = (سويج شجر)، وكُنَا ننشد هذا المقطع حين ركوبنا بـ "دك النجف" (الما يزور الميهول عُمره خساره) وكأن زيارة (الميهول) تمنحك حياة أخرى أو فيه تجديد للحياة كما هي حياة "تموز" أو "ديموزي" بعد عودته من عوالم الظلام كي يرى النور من جديد وتزدهي أرض الرافدين وتخضر وفق فكرة "العود الأبدي" الذي تحدث عنها فيلسوف "الصيرورة" و"العود الأبدي" (نيتشه).

كان أهل مدينتي (قلعة سكر) و (الرفاعي) يُعلنون بداية حياة جديدة في هذا العيد أثناء زيارة (الميهول)، حياة في التجديد وفي الصراع، فستجد الألعاب القديمة مثل: (الطرام) وهو إطار (البايسكل) القديم أو الدراجة الهوائية المُستهلكة منزوعة القوائم الحديدية لتُدفع بأداة من حديد محني رأسها الأمامي ليُدفع بها هذا الإطار، وهي مُتعة لا ألذ منها في طفولتنا، أو (الدُعبل) بشتى أصناف اللعب فيه، أو (العربانه أم جروخ أو أم الصجم) وهي عبارة عن أطر خشبية وربما حديدية مربوطة ببسامير أو بطرق أخرى فيما يخص القوائم الحديدية حول أسطوانات صغيرة لولبية يُحركها الدفع بحكم تدوير الكوريات في داخل هذا الأطار المربوط بهذه القوائم الخشبية أو الحديدية. وهُناك ألعاب أخرى مثل ركوب الحمير وهو كثير أو ركوب الخيل وهو قليل. واللعبة الأكثر رواجاً هي لُعبة (الزار) أو "الزهر" عبر رمي حجرين من النرد فيما يُسمى (فوق السبعة) و (تحت السبعة) فللمُشارك حق التوقع في رمية النرد أو الزهر المزدوج ليضع مبلغاً للرهان في توقعه لرمية الزهر في أن يكون (تحت السبعة) أو (فوق السبعة)، فإن كان توقعه بحسب رمية الزهر كسب الرهان وبعكسه فلا، وكان في نهاية هذا الاحتفال بالعيد تنتهي هذه الألعاب أو المُنافسات بحرب طاحنة بين أهل القلعة وأهل الرفاعي، فكل له (شقاواتهم) من الذين يشتركون أو يُشرفون على هذه اللعبة، ومرة ينتصر أهل القلعة في هذه الحرب الطاحنة بين المدينتين المُتجاورتين وأخرى ينتصر أهل الرفاعي، وكم من عيد انتهى بصراع دموي ينتهي بالتغاضي أو التراضي، ولا أذكر أن عشيرتين اصطرعتا أو تحاربتا بسبب خلاف على لعبة في عيد أو خلافه... وبقيَ الجميع يتوق لإنشاد نشيدنا الأثير (الما يزور الميهول عمره خساره).

 

د. علي المرهج

 

 

إيران تستعيد قدراتها العسكرية، وتشن الهجوم المعاكس

حامد الحمدانيفي أواسط عام 1982، استطاع النظام الإيراني احتواء هجوم الجيش العراقي وتوغله في عمق الأراضي الإيرانية، وإعداد العدة للقيام بالهجوم المعاكس لطرد القوات العراقية من أراضيه بعد أن تدفقت الأسلحة على إيران، وقامت الحكومة الإيرانية بتعبئة الشعب الإيراني، ودفعه للمساهمة في الحرب، وقد بدأت أعداد كبيرة من الإيرانيين بالتطوع في قوات الحرس الثوري مدفوعين بدعاوى دينية استشهادية، وتدفق الآلاف المؤلفة منهم إلى جبهات القتال، وقد عصبوا رؤوسهم بالعصابة الخضراء، ولبس قسم منهم الأكفان وهم يتقدمون الصفوف.

وفي تلك الأيام من أواسط عام 1982، شنت القوات الإيرانية هجوماً واسعاً على القوات العراقية التي عبرت نهر الطاهري متوغلة في العمق الإيراني، واستطاع الجيش الإيراني مدعوما بالحرس الثوري من تطويق القوات العراقية، وخاض ضدها معارك شرسة ذهب ضحيتها الآلاف من خيرة أبناء الشعب العراقي الذين ساقهم الدكتاتور صدام حسين إلى ساحات القتال، وانتهت تلك المعارك باستسلام بقية القوات العراقية بكامل أسلحتها للقوات الإيرانية.

واستمر اندفاع القوات الإيرانية عبر نهر الطاهري، وأخذت تطارد بقايا القوات العراقية التي كانت قد احتلت مدينة [خرم شهر] وطوقت مدينة عبدان النفطية المشهورة، واشتدت المعارك بين الطرفين، واستطاعت القوات الإيرانية في النهاية من طرد القوات العراقية من منطقة [خوزستان] في تموز من عام 1982، بعد أن فقد الجيش العراقي أعداداً كبيرة من جنوده، وتم أسر أكثر من عشرين ألف ضابط وجندي من القوات العراقية، وغرق أعداد كبيرة أخرى في مياه شط العرب عند محاولتهم الهرب من جحيم المعارك سباحة لعبور شط العرب، وكانت جثثهم تطفوا فوق مياه الشط.

أحدث الهجوم الإيراني هزة كبرى للنظام العراقي وآماله، وأحلامه في السيطرة على منطقة خوزستان الغنية بالبترول، وكان حكام العراق قد ساوموا حكام إيران عليها بموجب شروط المنتصر في الحرب، إلا أن حكام إيران رفضوا شروط العراق وأصروا على مواصلة الحرب وطرد القوات العراقية بالقوة من أراضيهم، وبعد ذلك الهجوم الذي أنتهي بهزيمة العراق في منطقة خوزستان حاول النظام العراقي التوصل مع حكام إيران إلى وقف الحرب، وإجراء مفاوضات بين الطرفين بعد أن وجد نفسه في ورطة لا يدري كيف يخرج منها، مستغلاً قيام القوات الإسرائيلية في صيف ذلك العام 1982 باجتياح لبنان، واحتلالها للعاصمة بيروت، وفرضها زعيم القوات الكتائبية [بشير الجميل] رئيساً للبلاد تحت تهديد الدبابات التي أحاطت بالبرلمان اللبناني لكي يتسنى للعراق تقديم الدعم للشعب اللبناني حسب ادعائه مبدياً استعداده للانسحاب من جميع الأراضي الإيرانية المحتلة.

إلا أن حكام إيران وعلى رأسهم [الإمام الخميني] رفضوا العرض العراقي وأصروا على مواصلة الحرب، وطلبوا من حكام العراق السماح للقوات الإيرانية المرور عبر الأراضي العراقية للتوجه إلى لبنان، لتقديم الدعم للشعب اللبناني، وقد رفض صدام حسين الطلب الإيراني كذلك.

حاول حكام العراق بكل الوسائل والسبل وقف الحرب، ووسطوا العديد من الدول والمنظمات كمنظمة الأمم المتحدة، والجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل، فقد كان الإمبرياليون يسعون بكل الوسائل والسبل إلى استمرار الحرب، وإفشال أي محاولة للتوسط في النزاع، فقد قتل وزير خارجية الجزائر عندما كان في طريقه إلى إيران، في محاولة للتوسط بين الطرفين المتحاربين، حيث أُسقطت طائرته، ولف الحادث الصمت المطبق، وبقي سراً من الأسرار، كما اغتيل رئيس وزراء السويد [أولف بالمه] الذي بذل جهوداً كبيرة من أحل وقف القتال، في أحد شوارع العاصمة السويدية، وبقي مقتله سراً من الأسرار كذلك، وقيل أن توسطه بين الأطراف المتحاربة لوقف القتال كان أحد أهم أسباب اغتياله، هذا بالإضافة إلى موقفه النبيل من قضايا التسلح النووي، والحرب الفيتنامية التي عارضها بشدة.

لقد كان إصرار حكام إيران على استمرار الحرب من أعظم الأخطاء التي وقعوا فيها، بل أستطيع تسميتها بالجريمة الكبرى التي لا يمكن تبريرها، وتبرير موقفهم ذاك بأي حال من الأحوال، فقد أدى استمرار الحرب حتى الأشهر الأخيرة من عام 1988 إلى إزهاق أرواح مئات الألوف من أبناء الشعبين العراقي والإيراني، وبُددت ثروات البلدين، وانهار اقتصادهما، وتراكمت عليهما الديون، وأُجبر حكام إيران على شراء الأسلحة من عدويهما إسرائيل وأمريكا، كما كانت شعاراتهم تقول، ولا أحد يعتقد أن الإمام الخميني وحكام إيران لم يكونوا عارفين أن تلك الحرب كانت حرب أمريكية تولى تنفيذها صدام حسين، وتصب في خانة الولايات المتحدة وإسرائيل الإستراتيجية في المنطقة، وكان خير دليل على ذلك قيام الولايات المتحدة وحلفائها بتزويد الطرفين بالأسلحة، والمعدات وقطع الغيار، والمعلومات التي كانت تنقلها الأقمار الصناعية التجسسية الأمريكية لكلا الطرفين من أجل إطالة أمد الحرب، وعليه كان الإصرار على استمرار الحرب جريمة كبرى بحق الشعبين والبلدين الجارين بصرف النظر عن طبيعة النظام العراقي وقيادته الفاشية والمتمثلة بصدام حسين وزمرته، والتي كانت تدفع أبناء الشعب العراقي إلى ساحات الموت دفعاً، وحيث كانت فرق الإعدام تلاحق الهاربين من الحرب،أو المتراجعين أمام ضغط القوات الإيرانية في ساحات القتال.

لقد كان أحرى بالنظام الإيراني وبالإمام الخميني نفسه إيقاف القتال وحقن الدماء، والعمل بقوله تعالى: [وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله] وقوله تعالى في آية أخرى: [يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدو مبين] كما جاء في آية ثالثة قوله تعالى: [وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، فأصلحوا بينهم] تلك هي آيات من القرآن الكريم التي تحث على السلام وحل المشاكل بالحسنى والعدل، وربما يحاجج النظام الإيراني بأن صدام حسين لا يمكن أن يعتبر مؤمناً، وبالتالي لا يمكن أن تنطبق عليه هذه الآيات الكريمة هذه، وهنا أعود فأقول أن الذين كانوا يقاتلون في تلك الحرب ليسو صدام حسين وزمرته وإنما الناس الأبرياء من أبناء الشعب والذين ساقهم صدام للحرب عنوة، فهل يُعتبر الشعب العراقي كله في نظر حكام إيران غير مؤمنين؟

ومن جهة أخرى كان النظام الإيراني قد أدرك أن الإمبرياليين يساعدون الطرفين، ويمدونهم بالسلاح والمعلومات العسكرية، أفلا يكون هذا خير دليل على أن تلك الحرب هي حرب أمريكية استهدفت البلدين والشعبين والجيشين من أجل حماية مصالح الإمبرياليين في الخليج، وضمان تدفق النفط إليهم دون تهديد أو مخاطر، وبالسعر الذي يحددونه هم؟

ثم ألا يعني استمرار تلك الحرب خدمة كبرى للإمبرياليين، وكارثة مفجعة لشعبي البلدين وللعلاقات التاريخية وحسن الجوار بينهما؟

لقد أعترف صدام حسين عام 1990 بعد إقدامه على غزو الكويت في رسالة إلى الرئيس الإيراني [هاشمي رفسنجاني] أن تلك الحرب كان وراءها قوى أجنبية، حيث ورد في نص الرسالة ما يلي: [إن هناك قوى كانت لها يد في الفتنة]. (6)

ولكن صدام حسين لم يقل الحقيقة كاملة، وبشكل دقيق، لأن الحقيقة تقول أن صدام حسين أشعل الحرب بأمر أو تحريض أمريكي، وظن صدام أن بإمكانه تحقيق طموحاته في التوسع والسيطرة ولعب دور شرطي الخليج بعد أن كانت إيران على عهد الشاه تقوم بهذا الدور، ويصبح للعراق منفذاً واسعاً على الخليج.

لقد أراد صدام حسين أن يزاوج مصالح الإمبريالية بأطماعه التوسعية، ولكن حسابات البيدر كانت غير حسابات الحقل، كما يقول المثل، ودفع العراق ثمناً غالياً من دماء أبنائه، وبدد صدام حسين ثروات البلاد، واغرق العراق بالديون، ودمر اقتصاده، ودمر البنية الاجتماعية للشعب العراقي، وكان المستفيد من تلك الحرب الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهم، وليذهب إلى الجحيم شعبا البلدين المظلومين من قبل حكامهما، ومن قبل الإمبرياليين الذين هم أساس البلاء.

ربما فكر الإمام الخميني بأن استمرار الحرب يمكن أن يحقق له أهدافاً في العراق، كقيام ثورة [شيعية] تسقط النظام الصدامي، لكن هذا الحلم كان غير ممكن التحقيق لسبب بسيط وهو أن الإمبريالية لا يمكن أن تسمح بقيام نظام ثانٍ في العراق على غرار النظام الإيراني، ولا حتى تسمح بأن يسيطر صدام حسين على إيران ليشكل ذلك أكبر خطر على مصالحهم في المنطقة، وتسمح لأحد المنتصرين الجلوس على نصف نفط الخليج، وهذا ما أكده إعلان الرئيس الأمريكي [جيمي كارتر] في خطابه أمام الكونجرس الأمريكي في 23 كانون الثاني من عام 1980 والذي دُعي بمبدأ كارتر، وجاء فيه ما يلي:

{إن أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج سوف يعتبر في نظر الولايات المتحدة الأمريكية كهجوم على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل، بما فيها القوة العسكرية}. (7)

هذه هي حقائق الوضع في منطقة الخليج، والتي جهلها أو تجاهلها حكام البلدين، ليغرقوا بلديهما وشعبيهما في ويلات أطول حرب في القرن العشرين.

استمرار الحرب وإيران تستكمل تحرير أراضيها

اشتدت الحرب ضراوة ما بين الأعوام 1983 ـ 1986 ،حيث أخذت إيران زمام المبادرة من العراقيين واستطاعت بعد إكمال تحرير إقليم خوزستان أن تركز جهدها الحربي نحو القاطع الأوسط من ساحة الحرب حيث شنت هجوماً واسعا على القوات العراقية مسددة له ضربات متواصلة، استطاعت من خلالها تحرير مدن[قصر شيرين] و[سربيل زهاب] و[الشوش]، وتمكنت من طرد القوات العراقية من كافة الأراضي الإيرانية، ومنزلة بها خسائر جسيمة بالأرواح والمعدات، وتم أسر الآلاف من جنوده وضباطه، والاستيلاء على معدات وأسلحة ودبابات بأعداد كبيرة، هذا بالإضافة إلى آلاف القتلى الذين تركوا في ساحات المعارك، ولم يكن بالإمكان نقلهم جميعاً إلى داخل الحدود العراقية، ومع ذلك فقد كانت سيارات النقل كل يوم تنقل أعداد كبيرة من ضحايا تلك الحرب المجرمة، وكان الشعب العراقي يتحرق ألماً وغضباً على النظام الصدامي الذي ورط العراق بتلك الحرب، وقمع أي معارضة لها بأقسى وسائل العنف، فقد كان مصير كل من ينتقد الحرب الموت الزؤام.

لقد حاول صدام امتصاص غضب الشعب واستياءه من الحرب وكثرة الضحايا برشوة ذويهم، وذلك بتقديم سيارة ومبلغ من المال، أو قطعة أرض أو شقة أو دار، وكان حكام دول الخليج، وفي المقدمة منهم حكام السعودية، يدفعون الأموال الطائلة لتمكن صدام حسين من دفع تلك الرشاوى، ولشراء الأسلحة والمعدات للجيش العراقي، بعد أن أستنفذ دكتاتور العراق كامل احتياطيات البلاد من العملات النادرة البالغة 36 ملياراً من الدولارات والذهب، واستنفذ كل موارد العراق النفطية والبالغة 25 مليار دولار سنوياً ،هذا بالإضافة إلى إغراق العراق بالديون، والتي جاوزت حدود أل 60 مليار دولار.

لقد كان من الممكن أن يكون العراق اليوم في مصاف الدول المتقدمة في تطوره، ومستوى معيشة شعبه نظراً لما يتمتع به العراق من ثروات نفطية ومعدنية وأراضي زراعية خصبة، ومياه وفيرة، ولكن الدكتاتور آثر أن يسوق الشعب العراقي نحو الجوع والفقر، ويسبب

للوطن نحو الدمار والخراب.

سادساً:الجيش الإيراني يحتل شبه جزيرة الفاو، وجزر مجنون

اشتدت المعارك بين الجيشين العراقي والإيراني، وبدت إيران في وضع يمكنها من شن الهجمات البشرية المتتالية تارة على القاطع الجنوبي نحو البصرة، وتارة أخرى نحو القاطع الأوسط ، حول مدن مندلي وبدرة وجصان، وتارة ثالثة نحو القاطع الشمالي المحاذي لكردستان، وكان الوضع في كردستان في غير صالح النظام بالنظر إلى الجرائم التي أقترفها بحق الشعب الكردي، مما دفع الأكراد إلى الوقوف إلى جانب إيران رغبة في إسقاط النظام، واستطاعت القوات الإيرانية من احتلال أجزاء من المناطق في كردستان.

أما هجماته في القاطعين الأوسط والجنوبي فقد كان حكام العراق قد حشدوا قوات كبيرة مجهزة بشتى أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية الفتاكة التي أستخدمها صدام حسين لدحر الهجمات الإيرانية موقعاً خسائر جسيمة في صفوف القوات الإيرانية والعراقية، حيث سقط عشرات الألوف من جنود وضباط الطرفين في تلك المعارك الشرسة والتي تقشعر من هولها الأبدان، ولم يفلح الإيرانيون في الاحتفاظ بأي تقدم داخل الأراضي العراقية حتى نهاية عام 1985 .

لكن الوضع أصبح خطيراً بالنسبة للعراق عام 1986،عندما استطاعت القوات الإيرانية الاندفاع نحو شبه جزيرة الفاو واحتلالها بأكملها بعد معارك دموية شرسة، ودفع فيها الشعب العراقي ما يزيد على 50 ألف من أرواح أبنائه في محاولة من صدام حسين لاستعادتها من أيدي الإيرانيين، وكان الإيرانيون يستهدفون من احتلالها قطع الاتصال بين العراق ودول الخليج التي كان العراق يحصل على الأسلحة والمعدات عن طريقها، إضافة إلى محاولة إيران منع العراق من تصدير نفطه عن طريق الخليج، وحرمانه من موارده النفطية اللازمة لإدامة ماكينته الحربية، وقد أضطر العراق إلى مد أنبوبين لنقل النفط إلى الأسواق الخارجية الأول عبر الأراضي التركية، والثاني عبر الأراضي السعودية بعد أن أصبح نفطه مطوقاً، وسيطرت البحرية الإيرانية على مداخل الخليج، أستمر الإيرانيون في تكثيف هجماتهم على القوات العراقية بعد احتلالهم شبه جزيرة الفاو، وركزوا على منطقة [جزر مجنون] الغنية جداً بالنفط، واستطاعوا احتلالها بعد معارك عنيفة.

سابعاً: النظام العراقي يسعى للتسلح بأسلحة الدمار الشامل:

كاد النظام الصدامي يفقد صوابه بعد أن تطورت الأوضاع على جبهات القتال لغير صالح العراق، وبدأ يعبئ كل موارد البلاد لخدمة المجهود الحربي، كما أخذ يطلب المساعدة من دول الخليج، ومن السعودية بشكل خاص، وشعر حكام الخليج أن الخطر قد بدأ يتقدم نحو المنطقة، فسارعوا إلى تقديم كل أنواع الدعم والمساعدة المالية، وحصل العراق في تلك الفترة على 12 مليار دولار، وكان عدد من الدول العربية كمصر والسعودية والكويت تقوم بشراء الأسلحة لحساب العراق.

غير أن حكام العراق وجدوا أخيراً أن السعي لإنشاء مصانع الأسلحة ذات الدمار الشامل يمكن أن تكون أداة فعالة لدفع الخطر عن البلاد، وتم إنشاء هيئة التصنيع العسكري، وبدأ العراق بإنتاج الأسلحة الكيماوية، مستفيدين من خبرة العلماء المصريين، وبعض العلماء الأجانب الذين سبق وعملوا في برامج الأسلحة الكيماوية في عهد عبد الناصر، وأوقفها السادات من بعده، ثم بدأ العراق في إنتاج وتطوير الصواريخ من طراز [سكود]، وطوروا مداها لكي تصل إلى أبعد المدن الإيرانية، وكان الإيرانيون قد حصلوا على عدد من تلك الصواريخ، وضربوا بها العاصمة بغداد وبعض المدن الأخرى، حيث كانت تلك الصواريخ تطلق نحو العراق كل بضعة أيام أو أسابيع لتصيب الأهداف المدنية، وتفتك بالأبرياء، فقد أصاب أحد تلك الصواريخ مدرسة ابتدائية في بغداد، وقتل العديد من الأطفال وجرح أعداد أخرى، وكان الشعب العراقي ينتابه القلق الشديد كل يوم، من هذا السلاح الخطير، حيث لا أحد يعلم متى وأين سيقع الصاروخ، وكم سيقتل من الآمنين.

تمكن العراق من الحصول على أعداد كبيرة من تلك الصواريخ، وبدأ في تطويرها، وزيادة مداها، وبدأ حكام العراق يطلقونها على العاصمة الإيرانية والمدن الأخرى بكثافة حتى جاوز عدد الصواريخ التي أطلقوها على المدن الإيرانية أكثر من [1000 صاروخ]،منزلين الخراب والدمار بها، والخسائر الفادحة في صفوف المدنيين، وأخذت الحرب تزداد خطورة وأذى للسكان المدنيين.

كما تمكن العراق من إنتاج كميات كبيرة من الأسلحة الكيماوية، واستخدمها في صد هجمات القوات الإيرانية منزلاً بها الخسائر الجسيمة في الأرواح، كما راح حكام العراق يعبئون صواريخ سكود بالغازات السامة كغاز[الخردل] و[السارين] السامين، ثم بدءوا يتطلعون إلى تطوير ترسانتهم الحربية في مجال الأسلحة البيولوجية والجرثومية، وتمكنوا من إ نتاجها وتعبئة القنابل بها.

أحدث برنامج التسلح العراقي هذا قلقاً كبيراً لدى إسرائيل التي كانت تتابع باهتمام بالغ تطوير برامج التسلح العراقي، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلية [الموساد] بحملة ضد العلماء الذين ساهموا في تطوير البرامج، وضد الشركات الغربية التي جهزت العراق بالأجهزة، والمعدات اللازمة لتطويرها وخاصة الشركات الألمانية والفرنسية والأمريكية والبلجيكية والسويسرية التي جاوز عددها 300 شركة.

كما قام الموساد باغتيال العالم المصري والأمريكي الجنسية [يحيى المشد] الذي عمل في تطوير الأسلحة العراقية ذات الدمار الشامل، كما أغتال العالم البلجيكي الدكتور [جيرالد بول] في بروكسل، حيث كان هذا العالم يعمل لإنتاج المدفع العملاق للعراق، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلي أيضاً بنسف توربينات المفاعل النووي [أوزيراك] في ميناء [مرسيليا] الفرنسي حيث كان معداً لنقله إلى العراق.

غير أن العراق واصل نشاطه في بناء مفاعل جديد بإشراف العالم النووي العراقي [جعفر ضياء جعفر] الذي استطاع أن يحقق نجاحاً بارزاً في هذا المجال، وكان كل ذلك يجري تحت سمع وبصر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين ومساعدتهم من أجل إبقاء نار الحرب مشتعلة بين العراق وإيران.

 

حامد الحمداني   

 

 

حامد الحمدانيبداية الحرب وتوغل القوات العراقية في العمق الإيراني:

في صباح الثاني والعشرين من أيلول 1980، قامت على حين غرة 154 طائرة حربية عراقية  بهجوم جوي كاسح على مطارات إيران وكافة المراكز الحيوية فيها ثم أعقبتها 100 طائرة أخرى في ضربة ثانية لإكمال ضرب المطارات والطائرات الحربية الإيرانية، وكانت الطائرات تغير موجة إثر موجة، وفي الوقت نفسه زحفت الدبابات والمدرعات العراقية نحو الحدود الإيرانية على جبهتين:

1ـ الجبهة الأولى: في المنطقة الوسطى من الحدود  باتجاه [قصر شيرين]، نظراً لقرب هذه المنطقة من قلب العراق لإبعاد أي خطر محتمل لتقدم القوات الإيرانية نحو محافظة ديالى و بغداد، وقد استطاعت القوات العراقية الغازية احتلال[قصر شيرين].

2ـ الجبهة الثانية: في الجنوب نحو منطقة [خوزستان] الغنية بالنفط  وذات الأهمية الإستراتيجية الكبرى حيث تطل على أعلى الخليج.

وفي خلال بضعة أسابيع من الهجوم المتواصل استطاعت القوات العراقية التي كانت قد استعدت للحرب من السيطرة على منطقة [خوزستان] بكاملها، واحتلت مدينة [خرم شهر] وقامت بالتفاف حول مدينة [عبدان] النفطية وطوقتها.

وعلى الجانب الإيراني قامت الطائرات الإيرانية بالرد على الهجمات العراقية، وقصفت العاصمة بغداد وعدد من المدن الأخرى، إلا أن تأثير القوة الجوية الإيرانية لم يكن على درجة من الفعالية، وخصوصاً وأن النظام العراقي كان قد تهيأ للحرب قبل نشوبها، حيث تم نصب المضادات أرض جو فوق أسطح العمارات في كل أنحاء العاصمة والمدن الأخرى، وتم كذلك نصب العديد من بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات حول بغداد.

 وهكذا فقد فقدت إيران أعدادا كبيرة من طائراتها خلال هجومها المعاكس على العراق، كما أن القوة الجوية الإيرانية كانت قد فقدت الكثير من كوادرها العسكرية المدربة بعد قيام الثورة، مما اضعف قدرات سلاحها الجوي، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح للسلاح الجوي العراقي السيطرة المطلقة في سماء البلدين.

وفي الوقت الذي كانت إيران محاصرة من قبل الغرب فيما يخص تجهيزها بالأسلحة، كانت الأسلحة تنهال على العراق من كل جانب.

 كما أوعزت الولايات المتحدة إلى الرئيس المصري  أنور السادات ببيع جميع الأسلحة المصرية من صنع سوفيتي إلى العراق، وتم فتح قناة الاتصال بين البلدين عن طريق سلطنة عمان، حيث كانت العلاقات بين البلدين مقطوعة منذُ أن ذهب السادات إلى إسرائيل، وقام السادات بالدور الموكول له، وأخذت الأسلحة المصرية تُنقل إلى العراق عن طريق الأردن والسعودية خلال عام 1981، كما بدأت خطوط الإنتاج في المصانع الحربية المصرية تنتج وتصدر للعراق المعدات والذخيرة والمدافع عيار 122 ملم طيلة سنوات الحرب.

لقد كانت تلك العملية فرصة كبيرة للولايات المتحدة لإنعاش سوق السلاح الأمريكي، حيث سعت لأن تتخلص مصر من السلاح السوفيتي وتستعيض عنه بالسلاح الأمريكي، فقد بلغ قيمة ما باعه السادات من سلاح للعراق يتجاوز ألف مليون دولار خلال عام واحد، وكانت أسعار الأسلحة المباعة تتجاوز أحياناً أسعارها الحقيقية، وكان صدام حسين مرغماً على قبولها.

أما الاتحاد السوفيتي فقد بدأ بتوريد الأسلحة إلى العراق بعد توقف لفترة من الزمن  وبدأت الأسلحة تنهال عليه عام 1981 حيث وصل إلى العراق 400 دبابة طراز T55  و250 دبابة طرازT 72)) كما تم عقد صفقة أخرى تناولت طائرات [ميك] و[سوخوي] و[توبوليف] بالإضافة إلى الصواريخ.

كما عقد حكام العراق صفقة أخرى مع البرازيل بمليارات الدولارات لشراء الدبابات والمدرعات وأسلحة أخرى، وجرى ذلك العقد بضمانة سعودية، واستمرت العلاقات التسليحية مع البرازيل حتى نهاية الحرب عام 1988.

 وهكذا استمر تفوق الجيش العراقي خلال العام 1981 حيث تمكن من احتلال مناطق واسعة من القاطع الأوسط منها [سربيل زهاب] و[الشوش] و[قصر شيرين] وغيرها من المناطق الأخرى.

كما تقدمت القوات العراقية في القاطع الجنوبي في العمق الإيراني عابرة نهر الطاهري، وكان ذلك الاندفاع أكبر خطأ أرتكبه الجيش العراقي بأمر من صدام حسين !!!، حيث أصبح في وضع يمكن القوات الإيرانية من الالتفاف حوله وتطويقه، رغم معارضة القادة العسكريين لتلك الخطوة الانتحارية التي دفع الجيش العراقي لها ثمناً باهظاً من أرواح جنوده، ومن الأسلحة والمعدات التي تركها الجيش بعد عملية التطويق الإيرانية، والهجوم المعاكس الذي شنه الجيش الإيراني في تموز من عام 1982، والذي استطاع من خلاله إلحاق هزيمة منكرة بالجيش العراقي، واستطاع تحرير أراضيه ومدنه في منطقة خوزستان، وطرد القوات العراقية خارج الحدود.

إيران تبحث عن السلاح:

أحدث تقدم الجيش العراقي في العمق الإيراني قلقاً كبيراً لدى القيادة الإيرانية التي بدأت تعد العدة لتعبئة الجيش بكل ما تستطيع من الأسلحة والمعدات، وقامت عناصر من الحكومة الإيرانية بالبحث عن مصادر للسلاح، حيث كان السلاح الإيراني كله أمريكياً، وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت توريد الأسلحة إلى إيران منذُ الإطاحة بالشاه، وقيام الحرس الثوري الإيراني باحتلال السفارة الأمريكية واحتجاز أعضائها كرهائن، وتمكنت تلك العناصرعن طريق بعض الوسطاء من تجار الأسلحة من الاتصال بإسرائيل عن طريق أثنين من مساعدي رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك وهما[أودولف سكويمر]و[يلكوف نامرودي]،بالاشتراك مع تاجر الأسلحة السعودي[عدنان خاشقجي]الذي قام بدور الوسيط؟

 وجدت إسرائيل ضالتها في تقديم الأسلحة إلى إيران حيث كانت تعتبر العراق يشكل خطراً عليها، وإن إضعافه وإنهاك جيشه في حربه مع إيران يحقق أهداف إسرائيل، ولم يكن تصرفها ذاك يجري بمعزل عن مباركة الولايات المتحدة ورضاها واستراتيجيتها، إن لم تكن هي المرتبة لتلك الصفقات بعد أن وجدت الولايات المتحدة أن الوضع العسكري في جبهات القتال قد أصبح لصالح العراق، ورغبة منها في إطالة أمد الحرب أطول مدة ممكنة فقد أصبح من الضروري إمداد إيران بالسلاح لمقاومة التوغل العراقي في عمق الأراضي الإيرانية، وخلق نوع من توازن القوى بين الطرفين.            

وفي آذار من عام 1981 أسقطت قوات الدفاع الجوي السوفيتية طائرة نقل دخلت المجال الجوي السوفيتي قرب الحدود التركية، وتبين بعد سقوطها أنها كانت تحمل أسلحة ومعدات إسرائيلية إلى إيران، وعلى الأثر تم عزل وزير الدفاع الإيراني [عمر فاخوري] بعد أن شاع خبر الأسلحة الإسرائيلية في أرجاء العالم.

إلا أن ذلك الإجراء لم يكن سوى تغطية للفضيحة، وظهر أن وراء تلك الحرب مصالح دولية كبرى  تريد إدامة الحرب وإذكاء لهيبها، وبالفعل تكشفت بعد ذلك في عام 1986 فضيحة أخرى هي ما سمي [إيران ـ كونترا]على عهد الرئيس الأمريكي [رونالد ريكان] الذي أضطر إلى تشكيل لجنة تحقيقية برئاسة السناتور  [جون تاور] وعضوية السناتور [ادموند موسكي] ومستشار للأمن القومي [برنت سكوكروفت] وذلك في 26 شباط 19987، وقد تبين من ذلك التحقيق أن مجلس الأمن القومي الأمريكي كان قد عقد اجتماعاً عام 1983 برئاسة ريكان نفسه لبحث السياسة الأمريكية تجاه إيران، وموضوع الحرب العراقية الإيرانية، وقد وجد مجلس الأمن القومي الأمريكي أن استمرار لهيب الحرب يتطلب تزويد إيران بالسلاح وقطع الغيار والمعدات من قبل الولايات المتحدة وشركائها، وبشكل خاص إسرائيل التي كانت لها مصالح واسعة مع حكومة الشاه لسنوات طويلة، وأن تقديم السلاح لإيران يحقق هدفين للسياسة الإسرائيلية الإستراتيجية:

الهدف الأول: يتمثل في استنزاف القدرات العسكرية العراقية التي تعتبرها إسرائيل خطر عليها.

الهدف الثاني: هو تنشيط سوق السلاح الإسرائيلي.

 لقد قام الكولونيل [أولفر نورث] مساعد مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي بترتيب التعاون العسكري الإسرائيلي الإيراني من وراء ظهر الكونجرس  الذي كان قد أصدر قراراً يمنع بيع الأسلحة إلى إيران، وجرى ترتيب ذلك عن طريق شراء الأسلحة إلى متمردي الكونترا في نيكاراغوا حيث كان هناك قرارا بتزويد ثورة الردة في تلك البلاد، وجرى شراء الأسلحة من إسرائيل، وسجلت أثمانها بأعلى من الثمن الحقيقي لكي يذهب فرق السعر ثمناً للأسلحة المرسلة إلى إيران بالإضافة إلى ما تدفعه إيران من أموال لهذا الغرض.

وقد أشار تقرير اللجنة الرئاسية كذلك، إلى أن اجتماعاً كان قد جرى عقده بين الرئيس[ريكان] ومستشاره للأمن القومي [مكفرن] عندما كان ريكان راقداً في المستشفى لإجراء عملية جراحية  لإزالة ورم سرطاني في أمعائه، وقد طلب مستشاره الموافقة على فتح خط اتصال مع إيران حيث أجابه الرئيس ريكان على الفور: [أذهب وافتحه].

وبدأ الاتصال المباشر مع إيران حيث سافر [أولفر نورث] بنفسه إلى إيران في زيارة سرية لم يعلن عنها، وبدأت الأسلحة الأمريكية تنهال على إيران، لا حباً بإيران ونظامها الإسلامي المتخلف، وإنما لجعل تلك الحرب المجرمة تستمر أطول مدة ممكنة.

ولم يقتصر تدفق الأسلحة لإيران، على إسرائيل والولايات المتحدة فقط، وإنما تعدتها إلى جهات أخرى عديدة، ولعب تجار الأسلحة الدوليون دوراً كبيراً في هذا الاتجاه.

 إسرائيل تضرب المفاعل النووي العراقي

 انتهزت إسرائيل فرصة قيام الحرب العراقية الإيرانية لتقوم بضرب المفاعل الذري العراقي عام 1981، فقد كانت إسرائيل تراقب عن كثب سعي نظام صدام لبناء برنامجه النووي حيث قامت فرنسا بتزويد العراق بمفاعل ذري تم إنشاءه في الزعفرانية إحدى ضواحي بغداد، وكانت إسرائيل عبر جواسيسها تتتبّع التقدم العراقي في هذا المجال باستمرار.

وعندما قامت الحرب العراقية الإيرانية وجدت إسرائيل الفرصة الذهبية لمهاجمة المفاعل، مستغلة قيام الطائرات الإيرانية شن غاراتها الجوية على بغداد، وانغمار العراق في تلك الحرب مما يجعل من العسير عليه فتح جبهة ثانية ضد إسرائيل آنذاك. 

وهكذا هاجم سرب من الطائرات الإسرائيلية يتألف من 18 طائرة المفاعل النووي العراقي في كانون الثاني 1981، وضربه بالقنابل الضخمة، وقيل حينذاك أن عدد من الخبراء الفرنسيين العاملين في المفاعل قد قدموا معلومات واسعة ودقيقة عن المفاعل مما سهل للإسرائيليين إحكام ضربتهم له، وهكذا تم تدمير المفاعل، إلا أن العراق استطاع إنقاذ ما مقداره [12,3 كغم] من اليورانيوم المخصب بنسبة 93%  وهي كمية كافية لصنع قنبلة نووية.

 لم يستطع حكام العراق القيام بأي رد فعل تجاه الضربة الإسرائيلية بعد أن غرقوا في خضم تلك الحرب المجنونة، واكتفوا بالتوعد بالانتقام من إسرائيل، ولم يدر في خلدهم أن تلك الحرب سوف تطول لمدة ثمان سنوات، ويُغرق الجلاد صدام الشعب العراقي بالدماء، ويعم بالبلاد الخراب والدمار، وينهار اقتصاد العراق.

 

حامد الحمداني

 

فراس الغضبان الحمدانيكانت العاصمة العراقية هادئة تماماً . ونلاحظ إعدادا كبيرة من المسلحين المدنيين يمخرون الشوارع . أنهم أعضاء « الحرس القومي »، الذين يحملون أشرطة نسيجية خضر على سواعدهم وينسقون مع رجال الشرطة. وهم يتحركون تحت إشراف من الجيش بشكل واسع، إلا إن مهمتهم الأساسية هي قنص الشيوعيين، وهي عملية بوشرت حال توقف المقاومة في وزارة الدفاع.

هناك عدد من الشيوعيين ظل حتى يوم الثلاثاء 12 شباط، يواصل خوض معارك صغيرة في عدد من الإحياء ضد الحرس القومي. لكن هذه المعارك تبدو بمثابة النزع الأخير في مقاومة توشك على الانطفاء . أما الاعتقالات فهي من الضخامة إلى درجة يستحيل علينا الآن إعطاء رقم محدد عنها . الكثير من عمليات الاعتقال تتم لمجرد الشبهة أو الوشاية . ولقد جرى إنشاء معسكرات اعتقال جماعية كبيرة في وسط الثكنات العسكرية وأينما أمكن، لإلقاء كافة المدنيين الذين اعتقلوا في غضون أيام الانقلاب المنصرمة ولم يعدموا بعد . لكن الإعدامات التي جرت لغيرهم هي بإعداد لا تحصى وبدون محاكمة . إن عدد الذين قتلوا لحد الآن لم يتم الكشف عنه بعد . ففي وزارة الخارجية يقولون عن احتمال إن العدد هو « أربعون ضحية »، ثم يضيفون مستدركين: « إن الرقم لم يتحدد بعد على وجه الدقة ». لكن التقديرات الحقيقية الأكثر تواضعاً واتزاناً وتتحدث عن سقوط إلف قتيل على اقل تقدير في العاصمة بغداد وحدها حتى الآن.

في اللحظة الحالية تستعيد بغداد حركة شبه عادية، والأجواء بدأت تتجه نحو الهدوء . إذ يبدو إن يوم السبت 9 شباط كان، بإقرار الجميع، اليوم الأكثر رعباً . لذا فقد حبس الناس أنفسهم في المنازل، حيث حصل قطع في الكهرباء، كما إن أصوات رشقات الرشاشات كانت تسمع في أركان الشوارع . وبينما كانت الأوامر والأوامر المضادة تذاع من الراديو، كان شبان من حملة الأشرطة الخضراء على السواعد يمارسون ما يشبه لعبة الحروب الصغيرة مقيمين دكتاتورياتهم في كل حيّ . التجول لا يتم إلا بتصريح خاص يرخص به، إلا إن أولئك الذين بحاجة ماسة له لا يعرفون لمن يتوجهون بالطلب لاستحصاله. وحتى عندما ينجحون في الحصول على مثل تلك التصريحات فأنهم لا يجدون من يعترف لهم بصفتها الرسمية.

وكمثال على حملات « التطهير » الواسعة ما حصل في وزارة مهمة كوزارة النفط، حيث لم يسلم فيها سوى اثنين من الموظفين بينما القي القبض على كافة العاملين في الوزارة حتى صغار السن منهم وأرسلوا إلى المعتقلات . ففي الأوساط الرسمية للنظام الجديد نسمعهم يقولون بشكل دائم : "لدينا قوائم بأسماء جميع الشيوعيين ولن نترك أحداً منهم يفلت من يدنا". والقلق كبير جداً في أوساط المسيحيين الكلدان الذين، كما يقال، اصطفوا مع الشيوعيين . إن الإضرار المادية اقل مما تم تخيله، إذ كانت وزارة الدفاع مركز الهجمات الجوية، ومن الواضح بداهة أنها تعرضت للقصف بكثير من القذائف والتي بمعظمها لم تكن صواريخ إنما قنابل صغيرة العيار، وان كان كلام راديو بغداد خلال الساعات الأولى بعد انقلاب يوم الجمعة المصادف 8 شباط، الذي أكّد قائلاً « لقد سحقت الدكتاتورية الخائنة كالجرذ تحت أنقاض وزارة الدفاع »، أوحى بالاعتقاد بان الوزارة تعرضت لتدمير شبه كلّي . عموماً، ورغم آثار المعارك فيها، ليس لبغداد هيئة مدينة مهدمة تحت القصف بما في ذلك إحياؤها الأكثر تعرضاً للإصابات.

إما عن كيفية حصول الانقلاب الذي قامت به مجموعة من العسكريين المتمردين في يوم الجمعة الذي يصادف اليوم الرابع عشر من شهر رمضان، فان التفاصيل أصبحت معروفة الآن لدينا.، لم يكن الزعيم عبد الكريم قاسم موجوداً في وزارة الدفاع، التي هي مقر إقامته الاعتيادي، في اللحظة التي قامت فيها طائرات قاعدة البانية بمباشرة هجماتها صبيحة يوم 8 شباط . فيوم الجمعة هذا كان كغيره يوم التعطيل الأسبوعي للمؤسسات الرسمية والخاصة . فقد كان السكان قد سهروا حتى وقت متأخر عشيته، وكانت الشوارع خالية إلا من عدد قليل من المارة . كما ذكرت الإذاعة العراقية إن الزعيم عبد الكريم قاسم قام في ليلة الخميس على الجمعة بواحدة من جولاته التفقدية التي اعتاد القيام بها إلى عدد من إحياء العاصمة. وفي الساعة الثامنة والنصف توقف البث الإذاعي فجأة . ثم تبين إن فريقاً صغيراً من العسكريين استطاع الاستيلاء على محطة الإرسال الإذاعي الواقعة في منطقة تبعد حوالي خمسة كيلومترات شمال شرقي بغداد . وقد تكوّن الفريق من بعض الضباط الشباب شأن معظم الذين شاركوا في تنفيذ هذا الانقلاب العسكري . في نفس الوقت، بوغت قائد الجوية العراقية (الزعيم جلال الاوقاتي) بجماعة أخرى من صغار الضباط نجحت باقتحام منزله وسارع أفرادها إلى غرس بنادقهم الرشاشة في صدره طالبين منه إن يضع توقيعه على أمر يقضي بشن عملية جوية ضد وزارة الدفاع الوطني مقر إقامة الزعيم قاسم . ولما رفض إن يفعل ذلك، ازداد الضباط الشباب حدة في عدوانيتهم.

عندئذ وضع الزعيم (الاوقاتي) احد أطفاله في أحضانه معتقداً إن ذلك كفيل بردعهم قليلاً، إلا أنهم على العكس صاروا اشدّ شراسة وخطراً في تهديدهم. وهنا، وتحت فوهات البنادق الرشاشة المتحفزة نحو رأسه وافق على توقيع أمر القيام بالعملية . بيد أنهم وحال انتهائه من وضع توقيعه أطلقوا عليه رشقات رصاص عدة أردته قتيلاً في الحال، هذه هي البداية الفعلية الأولى لعملية تنفيذ الانقلاب العسكري . وفي تلك اللحظة كانت عدة طائرات قادمة من قاعدة الحبانية قد ظهرت فجأة فوق قاعدة عسكرية أخرى كائنة في موقع جنوب غربي بغداد تسمى بـ « معسكر الرشيد » يرابط فيها عادة قسم مهم من القوة الجوية والدبابات . فالجماعة المتمردة كانت تعرف مسبقاً بأنها لا تمتلك أي حظ في كسب ضباط الجو العاملين في معسكر الرشيد إلى جانبها. لذلك سارعت، عبر عمليات قصف نُفذت جيداً، إلى تدمير جميع أسراب الطائرات الرابضة هناك خلال بضعة دقائق فقط . وبفضل الفوضى التي نتجت عن ذلك، بوشرت الهجمات الجوية على مقر وزارة الدفاع الوطني .

حيث كانت الطائرات القادمة من معسكر الحبانية تحلق على ارتفاع منخفض، مقتفية مسار مياه دجلة المتاخم للجانب الشمالي من وزارة الدفاع، قبل أن تنطلق لتلقي قذائفها فوقها ثم تصعد محلقة عالياً في سماء مدينة بغداد نفسها.

هذه الفعاليات الجوية التي أيقظت جميع سكان بغداد من نومهم، أعطت الانطباع خلال بعض الوقت بان ما يجري هو مجرد مناورة جوية . غير إن راديو بغداد سرعان ما باشر بإذاعة البيان رقم واحد الصادر من « المجلس الوطني لقيادة الثورة » الذي أعلن « إن عبدالكريم قاسم انتهى بعد إن سحقته تحت أنقاض وزارة الدفاع » . لكن وحتى تلك اللحظة لم يكن الأمر كذلك في الواقع . بل إن الزعيم لم يكن في أي من المباني التي كانت الطائرات تهاجمها .

ففي فجر ذلك اليوم وبعد اختتام جولته التفقدية المعتادة في شوارع بغداد النائمة فانه فوجئ شأنه شأن باقي سكان بغداد، بحصول الهجمات الجوية. ولقد ظل على اتصال تلفوني مع الوزارة لحوالي الساعتين قبل إن يذهب بنفسه إلى مقر قيادته العامة في حوالي ما بين العاشرة والعاشرة والنصف صباحاً مخترقا بسيارته جموع المواطنين ورافعا أصابعه إلى الأعلى تشير بعلامة النصر ليتولى بنفسه قيادة المقاومة ضد الانقلاب العسكري فقبل إن يدخل مباني الوزارة المقصوفة، تجول في عدد من إحياء بغداد، ظاهراً بنفسه إمام السكان بهدف تبديد آثار الإعلان عن موته عبر إذاعة بغداد . ولقد بدا قاسم مطمئناً جداً بينما كانت الأوساط الشعبية البغدادية تعبر له عن حبها بشكل صادق وهي تعلن تضامنها معه في تلك اللحظة الحرجة . في وزارة الدفاع كانت هناك كتيبة معززة بحوالي سبعمائة رجل، هي بمثابة الحرس الاعتيادي للحكومة ولقائد الثورة . لكنها في تلك الجمعة من رمضان، لم تكن قط في حالة إعداد مسبق لمقاومة هجمة جوية، بينما لم يكن هناك شيء خلال الساعات الأولى من الانقلاب العسكري سوى الهجمات الجوية . والطائرات المستخدمة هي من طراز « ميغ » و« هوكر هنتر »، وكانت تطير على انفراد أو زوجياً قبل إن تلقي قنابلها الصغيرة وصواريخها الموجهة بدقة كبيرة . وكان السكان في تلك الساعة يتابعون معركة إذاعية بين محطتي الراديو والتلفزيون.

حيث كان الراديو الذي سقط بأيدي المتمردين يعلن موت قاسم، بينما كانت محطة التلفزيون، التي يبدو إن « المجلس الوطني لقيادة الثورة » نسيها في حساباته، تعلن من جانبها إن « الزعيم الامين » لا يزال على قيد الحياة وهو الذي يقود المقاومة، كما راحت تبث أشرطة يظهر فيها وهو يخطب في الجماهير . عندئذ، وبعد إن فشلت محاولاته العديدة لقطع البث التلفزيوني عبر الأوامر الهاتفية، اصدر « المجلس الوطني للثورة » أوامره للطائرات بقصف مبنى التلفزيون . وبانقطاع البث التلفزيوني فجأة هكذا، خسر قاسم الوسيلة الوحيدة التي ظلت بيده للحفاظ على قناة اتصال مع جماهير الشعب في بغداد. حتى نهاية صباح يوم الجمعة ذاك، كان قاسم لا يزال صامداً، حيث استطاع العسكريون السبعمائة الموجودون في وزارة الدفاع إن ينظموا مقاومة كفيلة بتعريض الطائرات التي تحاول مهاجمتها إلى الخطر . وهنا جاء تدخل المدرعات بمثابة المرحلة الثانية في عملية التمرد، إذ انه هو الذي سيقلب كفة الوضع لصالح الضباط الشباب الذين كانوا قد حضروا للانقلاب بجرأة لكن بشكل عجول جداً في ذات الوقت . ففي بغداد معسكران كبيران احدهما يعرف باسم « معسكر الرشيد » والآخر باسم « الوشاش »، تتواجد في كل منهما إعداد مهمة من القوات المدرعة.

ورغم إن قوات الوشاش أعلنت تأييدها للانقلاب العسكري منذ الدقائق الأولى للتمرد، فانه كان ينبغي الانتظار حتى بداية ما بعد الظهيرة، لكي نرى الدبابات تظهر في شوارع بغداد لتقوم بتطويق وزارة الدفاع من بعيد، وذلك لأن العمليات الجوية للطائرات منعتها من الاقتراب جداً من مباني الوزارة المحاصرة . وهنا، ومن داخل الوزارة، راح قاسم يحاول التمكن من استقدام القوات المدرعة المرابطة في معسكر الرشيد لتجيء في نجدته، غير انه كان يواجه رفضاً مبطناً من لدن المسؤولين فيها . حيث كان قائد القوات المدرعة في معسكر الرشيد يراوغ زاعماً بأنه عاجز عن القيام بشيء . لكنهم يقولون اليوم في بغداد إن ضباط المدرعات كانوا يعتقدون منذ 18 كانون الأول 1962، بان قاسم يشك في ولائهم، حيث قام في احد الاجتماعات العسكرية معهم بإبراز ورقة مطوية في يده وهو يقول لهم "إنني اعرف إن بينكم من يحضر لمؤامرة ولديّ في هذه الورقة أسماؤهم وبعضهم من كبار الضباط..".

وهكذا، فمنذ ذلك التاريخ، وضباط المدرعات لا يضمرون إلا ثقة متأرجحة بقائد الثورة العراقية . إما الضباط الذين لم يتهمهم بشيء فأنهم هم أيضا خذلوه ولم يتحركوا للدفاع عنه في ذلك اليوم حيث كان قاسم بأمس الحاجة لهم ...

ابتداءً من الساعة الخامسة مساءً، أصبحت الطائرات أقل عدداً نتيجة نجاح الدفاعات الجوية الموجودة في وزارة الدفاع بإسقاط واحدة منها . فالمقاومة فيها كانت متواصلة بعد، غير إن التعزيزات العسكرية التي أخذت تصل إلى المتمردين تزايدت باستمرار.

وفي حوالي الساعة السادسة والنصف مساء كانت العاصمة قد شهدت وصول وحدات قادمة من معسكر ثالث أكثر بعداً عن العاصمة . كانت الدبابات المسبوقة بسيارات جيب يجلس فيها عدد من الضباط، تأخُذ مواقعها بشكل بطيء وحذر أول الأمر، ثم بعد برهة تبدأ بدورها بإمطار قذائفها على مباني وزارة الدفاع . ابتداء من هذه اللحظة فقط، أصبح مؤكداً إن قاسم خسر المعركة . واليوم، بعد عودة الهدوء، فان كل من يحلل عملية الانقلاب مقتنع بأنها أعدت بشكل سيئ وان المتمردين ما كانوا يستطيعون الإطاحة بقاسم لولا الحظ الكبير الذي حالفهم .

 

بقلم : فراس الغضبان الحمداني

 

محمد السعديقال أحد معاوني الرئيس السوفيتي السابق (ميخائيل كورباتشوف) الذي على يده أنهار الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدولة الاشتراكية وحلف وارشو وتهديم جدار برلين وتشتيت اليسار العربي والعالمي. أن كورباتشوف أبلغه ووصل رسالة عن طريقه الى الشعب الروسي، أن لايتذكروا التاريخ ولا يرجعوا له لانه كان مزور ومشوه ومسيس بعد ثورة أكتوبر العظمى عام ١٩١٧. بعد موت الزعيم لينين، أطاح ستالين بمنافسه القوي لقيادة الحزب والدولة تروتسكي ولاحقه الى المكسيك وقتله شر قتله . وأبتعد عن ماركسية ماركس في بناء الدولة والمجتمع .

فالتاريخ الانساني يدونه المنتصرون غالباً وفق مصالحهم الخاصة بعيداً عن نضالات الشعوب الحقيقية في الحرية والعيش والنضال . المذكرات تعبير عن السيرة الذاتية للانسان سواء كان سياسياً أو أقتصادياً أو موسيقياً أو عتالاً وووو . بمثابة صندوق عن ما أنجزه في مسيرته الحياتية طيلة سنوات نضاله وبحثه وعمله. في سنوات الغربة والهزيمة لم تفك عن ذهني ولع متابعة مذكرات رفاقنا الشيوعيين للادلاء بتجاربهم الشخصية النضالية والسياسية، ومكتبتي عامرة بلا أستثناء بجميع أوراق القادة الشيوعيين، والتي من خلال تلك السير الذاتية يمرون على تجاربهم النضالية السرية والعلنية ومواقفهم ومسؤولياتهم في تحديد الاخفاقات والنجاحات وظروف ملابساتها، وحتى تأخذ السير الذاتية طريقها الصحيح ودوافعها لابد من أن تأخذ المصداقية والشفافية نهجاً لها بعيداً عن العاطفة والمواربة وتمسكاً بالشجاعة والأمانة، فهي تاريخ شعب وبطولات شهداء وسجل ونضالات، لانه هناك أجيال تنتظر فلابد من أن تطلع وتقرأ من أجل رسم خارطة جديدة ومستخلصة عن تجارب الماضي في خدمة الحاضر ورسم المستقبل . مذكرات قادة حزبنا الشيوعي في الاغلب منها لم تكن بالمستوى الذي تنتظره جماهير الحزب والرأي العام في فضح الاسباب التي أدت الى تعثر التجربة وتخلفها عن سباق الاحداث . لم أجد سبباً مقنعاً واحداً .. لماذا غاب عن برنامج الحزب الشيوعي موضوعة السلطة والظفر بها وهي هدف لكل حزب مناضل ؟. وكشف طبيعة العلاقة مع المركز الاممي (السوفيت) ودورهم في أضعاف قدرات الحزب وفق مفاهيم نظرية ومصالح أبعدتهم عن تطلعاتهم الثورية في تسلم السلطة، ولم يعد هذا الأمر محصوراً بالتجربة الشيوعية العراقية حيث شملت كل الاحزاب الشيوعية والحركات اليسارية في المشرق العربي وغربه، وتجربة مصر نموذجاً. لم تتوقف ولا مرت تلك المذكرات على تفاصيل تلك الاحداث المفصلية في تاريخ الشعوب ومستقبلها .

 كتب عزيز سباهي تاريخ الشيوعيين العراقيين أعتماداً على بيانات وشهادات ووثائق وأسانيد ومذكرات ولقاءات . رافقت مسيرة الحزب صراعات فكرية وسياسية أدت الى تكتلات وأنشقاقات نخرت جسم الحزب . نموذجاً .. تجربة القيادة المركزية ١٧ أيلول العام ١٩٦٧، ما زلنا الى يومنا هذا ننعيها في أدبياتنا السياسية بالانشقاق ونلصقها بشخص عزيز الحاج وتصريحاته على شاشة التلفاز للانتقاص من ظاهرتها والتي ضمت خيرة كوادر الحزب في الاقدام والتحدي . لو أردنا أن ننصفها موضوعياً لاتخرج عن أطار (أنتفاضة حزبية) أو حركة معادية لسياسة البعث . لماذا لم يتوقف السيد عزيز سباهي بدراسة وقائعها من خلال اللقاءات بكوادرها المتبقية لانه جزء مهم من تاريخ الحزب ؟. تاريخ كتابة حزب عريق وطويل يحتاج الى لجنة من كفاءات وملاكات ذو باع طويل في النضال حتى ممن أصبح خارج التنظيم وله أعتراضات وخلافات مع سياسة الحزب . هذا تاريخ ملكاً للجميع . تاريخ العراق . أين نحن من مشاكل الحزب الداخلية والصراعات الفكرية التي عصفت به في السنوات الاخيرة ومشكلة مجلة (النهج) وتداعياتها ومالية الحزب ومآلها وحجم الاندساسات ومخاطرها غابتا عن ذلك التاريخ .. وعلى مسؤولية من تقع ؟.

قرأت جزء من مذكرات مام جلال المنشورة في جريدة (الصباح الجديد) البغدادية، تحديداً الفصل المتعلق بالمفاوضات بينهم وبين نظام البعث لحد سنوات قريبة قبل سقوطه على يد الامريكان، كان الشيوعيين طرف بها وكان المرحوم عزيز محمد محوراً، صحيح هو لم يذهب الى بغداد بالمشاركة مباشرة في المفاوضات، لكنه كان داعم ومؤيد ومتابع لتفاصيل تلك الخطوات حسب أعترافات المرحوم مام جلال . لماذا لم نطلع على تفاصيلها والموقف منها بعد مضي تلك السنيين ؟. 

بعد حرب الكويت والانهيار الذي أصاب أجهزة النظام والفراغ الأمني الذي تركه . أستغل قادة الحزب الوضع الجديد بالتسلل الى بغداد، وهذه خطوة تحسب لهم ولتاريخهم ، لكن تبين فيما بعد كانت برعاية مخابراتية عبر عميلهم العتيق (أبو طالب)، الذي أعدم فيما بعد في الجبل بتأمين شقتين لهم في قلب العاصمة بغداد بالتنسيق مع أجهزة البعث . وعندما تجددت المفاوضات بين القوى الكردية ونظام البعث . سأل وطبان أبراهيم الحسن السيد مسعود البرزاني عن غياب الشيوعيين في المفاوضات، حاول كاكا مسعود أن يبرر له، أنهم مشغولين بالنقاشات عبر الخلايا والهيئات الحزبية للوصول الى قرار، فتفاجأ السيد مسعود بتعقيب وطبان أن قيادة الحزب الشيوعي موجودة في بغداد . فابرق السيد مسعود الى كريم أحمد ليبلغه أن الجماعة يعرفون بالربع في بغداد، فانسحبوا الى الجبل بحجة قرب عقد مؤتمر أستثنائي . كما تسرب من بعض المصادر المطلعة .

قرأت مذكرات الركن الثاني، ولكن ليس الهاديء .. خالد علي صالح .. هاني الفكيكي .. حازم جواد .. طالب شبيب . وأخرون . كانوا أكثر جرأة في نقد الذات (جلد النفس) . خطأوا كل تلك التجربة البعثية وتحملوا قسطها الاكبر بشكل شخصي بما لحق من حيف وتخلف ودمار بحياة العراقيين وأعتذروا من ذلك التاريخ الذي لم يجلب للعراقيين الأ الويلات والألام . كل تلك ألاعترافات والندم لايبرر تاريخهم وستبقى ندوباً سوداء لا تمحى في مسيرة تاريخهم الشخصي والسياسي .

في تجربة شخصية في اليوبيل الذهبي لميلاد حزبنا الشيوعي العراقي عام ١٩٨٤ أذار، في وادي (كرجال) بقاطع سليمانية وكركوك . قمنا كرنفال كبير ومتنوع من مسرح وحفل غنائي وأماسي بمشاركة وفود من أحزاب شقيقة لعدة أيام رغم القصف المدفعي لموقعنا . في يومها يتطاير الرفاق مسؤولي القاطع فرحاً، حاملين الراديو بأعلى صوته صداه يرن في جوف الوادي . أن أذاعة موسكو القسم العربي مرت لمدة ثلاثة دقائق بذكرى المناسبة بتقليب صفحات من تاريخ الشيوعيين العراقيين وفي الوقت الذي تتساقط على رؤوسنا يومياً قذائف رفاقنا السوفيت والالمان الشرقيين . مرحلة معقدة وحساسة بحاجة الى قراءة موضوعية حتى وأن كانت متأخرة أفضل من أن لاتأتي يوماً.

في حديث ودي وصريح مع المرحوم عامر عبدالله في بيته في العاصمة (براغ). صيف عام ١٩٨٩ حول أوضاعنا الداخلية قديماً وحديثاً ومستقبلاً . توقفنا عند ثورة تموز وسياسة الزعيم والعلاقة المعقدة مع الشيوعيين وما زالت بحاجة الى فك عقدها . وكان الحديث في حينها حول نيتي بأصدار كتاب حول خزعل السعدي .

قال لي.. كان خالك خزعل السعدي سبب لنا أحراجات شديدة الحرج هو مطالبته العلنية بعزل الزعيم وأستلام السلطة ورغم حديثنا المتواصل معه بتهدئته ومن خلال القنوات الحزبية (العسكرية) الضيقة عبر الشهيد نافع يونس وغضبان السعد وثابت حبيب العاني وعطشان ضيول الازريجاوي لعلاقتهم بخطوط التنظيم العسكري، لكن خزعل كان لايكل في مطالبته وجديته في الاقدام على المبادرة، حتى تجاوز الخطوط كلها بعد حركة عبد الوهاب الشواف عام ١٩٥٩ وذهب بملابسه العسكرية مع رفيقه خليل العلي أمر الكتيبة المدرعة الثانية الى مقر جريدة الحزب (أتحاد الشعب) مطالبين بضوء أخضر من قيادة الحزب بعزل الزعيم قاسم لانقاذ العراق وشعبه من كارثه محدقه، كما وقع لاحقاً في يوم ٨ شباط عام ١٩٦٣، ويكمل حديثه معللاً الاسباب الى الزمن الذي كنا به أمام خيارات صعبة بسبب تبعيتنا للسياسة السوفيتية وتقييد حركتنا أي بمعنى الالتزام الكلي بما يصدر منهم من أملاءات نحن ملزمين بالتقيد بها لجملة أسباب داخلية وخارجية، موضوعية وذاتية . وأحتراماً أي خضوعاً للوصايا السوفيتية لم يدر في بالنا ولاحتى يأخذ الموضوع نقاشاً موسعاً في أجتماعاتنا في أستلام السلطة وتفويت الفرصة على أعداء الثورة رغم شعورنا باليأس من سياسة الزعيم قاسم وتذبذبه بين الاطراف المتصارعة . عامر عبدالله يعتبر المفكر الوحيد التي أنجبته الحركة الشيوعية في العراق بما يتمتع به من مؤهلات ثقافية وفكرية وسياسية ورسم سياسات مستقبلية لحركات البلدان والشعوب . قد يشار له باليمينية من رفاقه ومعاصريه ومتابعيه، لكنه يبقى موسوعة فكرية عالمية . في عيشي الطويل بمملكة السويد ومن خلال قراءاتي لبرامج الاحزاب السويدية الثمانية والمصنفة والمقسمة بين اليمين واليسار . فأنها من حيث المبدأ والبرامج وألية التفكير أنها تصب في بوتقه واحدة والذي وقع أخيراً في التشكيل الحكومي الجديد بعد أن تعرقل لمدة ١٣١ يوماً، عادوا وعقدوا (صفقة) بزنس أقصى اليمين مع أقصى اليسار وأقصوا أحزاب يمينية ويسارية من التشكيلة الجديدة .

 

محمد السعدي

مالمو / شباط / ٢٠١٩

 

غالباً ما يقدم قادة وطنيون على اتخاذ اجراءات وتدابير إصلاحية، ويصدروا مراسيم وقرارات تندرج في إطار السعي لتحقيق حلم شعوبهم في التقدم والرفاه والحرية والاستقلال. ولكنهم في العادة غالباً ما يترددون في تعبئة القوى السياسية والاجتماعية وتوحيدها في بلدانهم وبناء منظومة ديمقراطية قائمة على مشاركة الشعوب وقواها السياسية والاجتماعية الحية من أجل حماية هذه المنجزات والاصلاحات التي يتم تحقيقها كي يواجهوا دسائس ومؤآمرات قوى الردة الداخلية والخارجية. ويعمد هؤلاء القادة، وللأسف، الى التقليل من مخاطر وردود الفعل السلبية الداخلية والاقليمية والخارجية، ولا يسعون إلى اتباع دبلوماسية نشطة للحد من هذه المخاطر الخارجية. وعندها يقع هؤلاء في فخ اجندات الدوائر المخابراتية دون وعي والتي تسعى إلى تمزيق صفوف الشعب وبث النزاع والفرقة في صفوفه لتمهيد تصفية تلك المنجزات والاصلاحات.

والأمثلة على هذه الحالة لا تعد ولا تحصى في تاريخ البلدان النامية المعصر عامة وفي بلداننا المنكوبة على وجه الخصوص. فتجربة الزعيم الوطني الايراني الدكتور محمد مصدق وسقوطه واجهت الانقلاب العسكري الذي دبرته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في عام 1953، ومصير جمال عبد الناصر في مصر وتداعي حكمه عملياً إثر نكبة حزيران عام 1967، وتجربتنا نحن في العراق منذ أن قاد الزعيم عبد الكريم قاسم الثورة ضد النظام الملكي وإعلان الجمهورية العراقية وحتى نهايته ونهاية حلم العراقيين في إرساء نظام قائم على العدل والسلام على يد انقلابيي 8 شباط عام 1963. هذه هي  شذر من الأمثلة على هذا المسار التراجيدي.

لقد أقدم الضباط الأحرار العراقيين وبدعم من جبهة الاتحاد الوطني التي أعلنت في عام 1957 على إحداث التغيير المنشود في العراق. وأصدرت جبهة الاتحاد الوطني برنامجها الوطني الديمقراطي المختصر دون الدخول في التفاصيل، ولم يعلن تنظيم الضباط الأحرار عن نفسه ولا عن برنامجه واتفاقاته السرية قبيل انتصار الثورة. ولم يكن هناك اجماع لدى الضباط الأحرار حول الخطوط العامة للسياسة الداخلية والاقتصادية و الاجتماعية أو شكل بناء الدولة، ولا في السياسة الخارجية. فما وحدهم فقط هو اسقاط النظام والتحرر من الهيمنة الأجنبية وإقامة علاقات طبيعية مع الدول العربية المتحررة. ولذا وما أن انتصرت الثورة حتى برزت على السطح الخلافات حول مستقبل الاصلاحات الداخلية والعلاقات الاقليمية والدولية منذ الساعات الأولى. هذه الخلافات التي برزت بشكل مبكر خاصة بين الضباط الذين شاركوا في الثورة لتمتد إلى القوى السياسية المنظوية تحت راية جبهة الاتحاد الوطني، هذه الجبهة التي شُلت عملياً بعد الأيام الأولى على يد حزب البعث وحزب الاستقلال والقوى القومية بالإساس. والحديث يطول حول ذلك، ولنترك للقارئ فرصة الاطلاع على الكثير من الكتب والبحوث والمقالات المتباينة العراقية والأجنبية حول تلك الفترة البالغة التعقيد في تاريخ العراق.

كان هاجس وسعي عبد الكريم قاسم واليسار وخاصة الحزب الشيوعي هو الشروع بالاصلاحات الاجتماعية والاقتصادية وتحرير البلاد من العلاقات الاجتماعية الاقتصادية المتخلفة وانتشالها من حالة الركود والسعي للحفاظ على استقلال وسيادة العراق. هذا التوجه المشترك هو الذي مهد الأرضية لتحالف غير معلن بين الحزب الشيوعي العراقي والزعيم عبد الكريم. ولكن من ناحية أخرى، فشل الحزب الشيوعي العراقي في مساعيه لإعادة الحياة إلى جبهة الاتحاد الوطني كي يجري العمل المشترك بتحقيق البرنامج الذي اعلنته هذه الأحزاب في عام 1957، لأسباب تتعلق بتعتنت الأطراف القومية والتدخل  الفض من قبل قادة الجمهورية العربية البمتحدة تحت ذريعة الوحدة الإندماجية ظاهرياً، في حين كانت هناك أسباب أخرى لهذه الضغوط منها ما تعكس خشية هؤلاء الحكام من أن يسير العراق على خطى بناء سياسي قائم على التعددية السياسية والديمقراطية واحترام المكونات القومية في البلاد وهو ما كان يتعارض مع منهج الحكم في العربية المتحدة القائم على حل الأحزاب وتخوينها تحت شعار "الحزبية خيانة" وفرض نظام الحزب الواحد كتعبير عن الاستبداد السياسي واحتكار السلطة وتجاهل الحقوق القومية للمكونات القومية القاطنة في عدد من البلدان العربية.

في خضم هذا الوضع المتشابك والضغوط المستمرة على النظام الجمهوري الفتي في العراق، برز عامل جديد في الوضع هوالتحرك الجماهيري الواسع والعاصف، خاصة في الريف الذي كان يضم أغلبية سكان العراق في تلك الفترة. وقاد هذا التحرك الجماهيري التيار الديمقراطي وخاصة الحزب الشيوعي العراقي. وتعاملت قيادةعبد الكريم قاسم وبعض الضباط الأحرار من قاسميين وشيوعيين وديمقراطيين بإيجابية مع الشعارات التي كانت تطرح على نطاق واسع في الشارع وبعفوية أحياناً. وشرع الحكم باتخاذ تدابير متعاقبة في عملية الاصلاح، خاصة تلك المتعلقة بتحسين ظروف حياة الفئات المحرومة التي تشكل الغالبية في المجتمع. وكان على رأس هذه الاجراءات هو الاصلاح الزراعي الذي حرر الفلاحين من جبروت وقيود الانظام الاقطاعي ووزع الأراضي التي سلمت إلى الاقطاعيون من قبل الاحتلال البريطاني للعراق. وهي خطوة واجراء اصلاحي تاريخي يمس غالبية الشعب العراقي، وأنهى حالة الازدواجية في دولة يديرها الاقطاعيون بقوانين وسجون وتقاليد وأعراف وقوى مسلحة من جهة، إلى جانب الدولة المركزية. وهي حالة تتعارض حتى مع بنود الدستور العراقي الذي وضعه البريطانيون عند احتلاهم للعراق. كل ذلك من أجل بناء قاعدة اجتماعية للحكم وحماته البريطانيين لتكريس الحكم في البلاد. ولا يسع المجال في هذا المقال الحديث عن كل الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المهمة التي انجزتها السلطة الوطنية خلال فترة قصيرة في مجال البناء والصناعة والتعليم وبناء المساكن للمواطنين المحرومين، ناهيك عن قرارات مهمة خطيرة تتعلق بالخروج من حلف بغداد والابتعاد عن حمى الاحلاف والتحرر من قيود الاسترليني والغاء القواعد العسكرية الاجنبية واقامة علاقات عربية دولية متوازنة.

بالطبع لابد لكل هذه الاجراءات الايجابية أن تثيرت موجة من رد الفعل السلبية لدى بعض الفئات الاجتماعية الداخلية التي تضررت من الاصلاحات، ولدى الدول الاقليمية والدولية التي ارعبها الحضور الجماهيري ومشاركتها في اتخاذ القرارات خاصة في السنة الأولى من الثورة جراء الضربة التي وجهتها الثورة إلى خطط المحافل العدوانية للدول المهيمنة على العراق في قرار الخروج من حلف بغداد وقرار العراق بإصدار مرسوم 80 القاضي باستعادة الحكومة السيطرة على الأراضي العراقية بكاملها للتنقيب عن المخزونات النفطية والمعدنية، عدا المواقع النفطية المنتجة والخاضعة للشركات النفطية الأجنبية. وبدأت هذه الأوساط الداخلية وبدعم خارجي نشيط في حياكة المؤآمرة تلو الأخرى لاسقاط السلطة الوطنية التي أفرزتها ثورة تموز إلى حد إعلان العصيان في الموصل ومحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم وعشرات المحاولات الأخرى التي بلغت أوجها في انقلاب 8 شباط الدموي بدعم واضح من قبل الدوائر الأمريكية والبريطنية والنفطية والدول المحيدة وعلى رأسها الجمهورية العربية المتحدة التي تحالفت مع الولايات المتحدة لتحقيق هذا الهدف.

في السنة الأولى من عمر الثورة، استطاعت الثورة مواجهة كل تلك المؤآمرات بفعل التحالف غير المعلن بين عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي وغالبية القوى التقدمية والديمقراطية التي اسست قاعدة اجتماعية للنظام قادرة على مواجهة كل المخاطر التي تواجه البلاد. ولكن ما أن دشنت الثورة السنة الثانية من عمرها حتى بدأ التصدع في هذه الجبهة غير المعلنة. ومن أسباب ذلك ما يتعلق بإدراك الأطراف الدولية المعادية إن السبيل الوحيد لاسقاط الحكم هو أحداث تصدع وتخلخل داخل هذه التحالف، أي تشتيت القاعدة الاجتماعية للحكم، عن طريق إثارة الريبة والشكوك لدى عبد الكريم قاسم تجاه الحزب الشيوعي ونواياه، هذا الحزب الذي ظل وفياً لشعاره في الدفاع عن منجزات ثورة تموز والسلطة الوطنية رغم ممارساتها وتراجعها حتى انقلاب شباط 1963. كما سعت الدوائر المعادية إلى افتعال المواجهة بين الحكم وبين الحركة القومية وقائدها المرحوم ملا مصطفى البارزاني الذي تحدث مراراً بعد عودته إلى العراق أنه "جندي الزعيم عبد الكريم قاسم". إن الدوائر التي خططت ودعمت الانقلابيين هي نفسها وبالوسائل والتفاصيل نفسها عندما نفذت الانقلاب ضد حكومة الزعيم الوطني الدكتور محمد مصدق في ايران. واستخدمت هذه الدوائر كل مهاراته وكل تجاربها في مختلف بلدان العالم لتحقيق أهدافها في العراق.

ومن بين هذه الوسائل هي الضغط على عبد الكريم قاسم من أجل التخلي عن علاقاته مع الحزب الشيوعي وإزاحة الضباط الشيوعيين من المؤسسة العسكرية، بإعتبارهما المفتاح لأي تغيير وتحول في الحكم. وقد أثارت محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم الرعب لديه، بحيث أعلن بعد فترة وجيزة شعار "عفا الله عما سلف" ترضية للمتآمرين في التيار القومي والمذهبي بشقيه، ورافق ذلك إطلاق الكثير من المتآمرين وارجاع عدد كبير من العسكريين إلى الجيش. وشرع عبد الكريم قاسم بفك عرى التحالف مع الحزب الشيوعي، دون أن يؤسس لتحالف بديل قادر على ضمان مواجهة الحكم للتحديات الخطيرة ضده. فالتيار القومي الذي ارتهن لأجندات الجمهورية العربية المتحدة وقوى خارجية لا يمكنه أن يشكل البديل في اسناد الحكم كما كان يحلو لقاسم. فهذا التيار استفاد من التراجع في موقف عبد الكريم قاسم كب يستعد لشن هجومه للإجهاز على الحكم. وعلى هذا الطريق الوعر والخطير شن عبد الكريم قاسم في خطابه الشهير في كنيسة مار يوسف هجوماً على الحزب الشيوعي، دون ذكر أسمه، بذريعة مسؤوليته عن الانتهاكات وأعمال العنف التي حدثت في الموصل أثناء عصيان الشواف وفي كركوك أثناء الاحتفال بالذكرى الأولى لثورة تموز. ولو رجعنا إلى الخطاب الذي ألقاه عبد الكريم قاسم في 8 آذار عام 1959 في مؤتمر رابط المرأة العراقية وحديثه عن عصيان الشواف في الموصل لوجدناه حافلاً بالدعوة إلى البطش وملاحقة المتآمرين والتنكيل بهم، هذا ناهيك عن البيان العسكري الذي أصدره القائد العام للقوات المسلحة ودعوته لأهالي الموصل والعشائر العربية والكردية والمقومة الشعبية بملاحقة مرتكبي العصيان والدخول إلى مدينة الموصل لقمعهم. لقد حمّل الزعيم عبد الكريم قاسم مسؤولية كل تلك الانتهاكات على الحزب الشيوعي. وشرعت الأجهزة الأمنية بملاحقة الشيوعيين واعتقالهم ثم الحكم على بعضهم بالإعدام، الذي نفذه انقلابيي شباط في عام 1963 لاحقاً. وكان ذلك إيذاناً بفرط العقد غير المعلن كلياً بين عبد الكريم وتزعزع القاعدة الاجتماعية ورسالة غير مباشرة للمتآمرين لتنظيم صفوفهم والشروع بالإجهاز على الحكم ومنجزات ثورة تموز عام 1958.

وهكذا سارعت قوى الردة في الداخل إلى تعبئة صفوف كل القوى التي تضررت مصالحها من الإصلاحات التي اقدمت عليها السلطة الوطنية. كما شرعت القوى الاقليمية والخارجية واجهزة مخابراتها في الخارج بالعمل النشيط من أجل زرع بذور الشك والريبة لدى قاسم تجاه أهداف الشيوعيين ونواياهم وتعميق الهوة بينهما. وتم أرسال الصحفي الهندي المعروف "كارانجيا" رئيس تحرير صجيفة "هندستان تايمز" إلى العراق لإجراء مقابلة مع عبد الكريم قاسم لهذا الغرض. وكان أهم سؤال طرحه الصحفي المذكور على قاسم هو :"هناك مؤشرات على أن الحزب الشيوعي سيتعامل معك كما تعامل البلاشفة مع كيرنيسكي رئيس الحكومة المؤقتة الروسية قبل انقلاب أكتوبر". هذا السؤال ما هو إلاّ مسعى لإثارة عبد الكريم ودفعه إلى الإمعان أكثر في ملاحقة الشيوعيين والابتعاد عنهم. في الحقيقة سبقت مساعي الدوائر المعادية ما كان يجري من مناقشات داخل بعض منظمات الحزب، وتحديداً كوادر "التنظيم العسكري" وبعض الكوادر المدنية وحتى بعض القياديين حول إمكانية إزاحة عبد الكريم قاسم. ففي أواخر عام 1960 زارنا في البيت الشهيد سلام عادل والفقيد عامر عبد الله، قبيل سفري إلى الاتحاد السوفييتي للدراسة الحزبية، وجرى حديث متشعب ومنها أشار الفقيد عامر عبد الله إلى طلب بعض الرفاق العسكريين التحرك للإطاحة بعبد الكريم قاسم. ولكن مثل هذه الشعار لا يمكن تحقيقه ونجاحه لأسباب داخلية واقليمية ودولية. وحول نفس الموضوع جرى الحديث مع الشهيد سلام عادل في موسكو في نهاية عام 1961، حيث أشار الشهيد إلى أن وضعنا هو أشبه بحال حزب "آكيل" القبرصي الذي كان يتمتع بالأكثرية في البرلمان، ولكنه تنازل عن موقعه لصالح مكاريوس بسبب عدم قدرة حزب آكيل على مواجهة الأوضاع والتحديات الاقليمية والدولية ووجود القواعد العسكرية الأجنبية في الجزيرة.

وبتقديري إن أطرافاً أخرى لا يتوقع منها عملت هي الأخرى على تحقيق هذا الهدف. فلدي اعتقاد بأن الحزب الشيوعي الصيني وبعد توتر العلاقات بينه وبين الحزب الشيوعي السوفييتي حول قضايا فكرية في الظاهر، اتخذت قيادة الحزب الشيوعي العراقي موقفاً مؤيداً للأطروحات السوفييتية مما أثار حفيظة الحزب الشيوعي الصيني وركز في هجماته على الحزب الشيوعي العراقي. وكان ممثلوا الصين في بغداد على صلة ببعض قياديي الحزب ولهم إطلاع على المناقشات داخل الحزب ونقلوا تلك المناقشات، ومنها قضية التحرك لتغيير قيادة الحكم، إلى عبد الكريم قاسم بدليل كثافة الزيارات واللقاءات التي كان يقوم بها السفير الصيني مع عبد الكريم قاسم. وبلع عيد الكريم قاسم هذا الطعم وسار على طريق المواجهة وفرض القيود على الحزب الشيوعي العراقي. ففي القرار الذي اتخذته الحكومة حول إجازة الأحزاب السياسية في العراق، أجازت وزارة الداخلية وبأمر من الزعيم ممارسة النشاط الحزبي إلى جميع الأحزاب وبضمنها الحزب الاسلامي وحُرم الحزب الشيوعي والحزب الجمهوري الذي يتزعمه السياسي الديمقراطي المخضرم عبد الفتاح إبراهيم من ممارسة النشاط الحزبي القانوني. مثل هذا الموقف هو الذي ساهم في عرقلة الجهود السليمة المطالبة بإرساء النظام السياسي العراق على أسس الديمقراطية والتعددية ومشاركة الشعب صاحب الشأن في إدارة البلاد، ومواجهة احتكار السلطة والفردية والاستبداد . ولم يتردد عبد الكريم قاسم في تعطيل جريدة اتحاد الشعب لمدة عشرة أشهر ثم إلغاء امتيازها كلياً لاحقاً بناءاً على طلب "هريدج" رئيس وفد المفاوضين لشركات النفط الاجنبية العاملة في العراق بذريعة نشر الجريدة مقالات تتعارض مع مطاليب الشركات وإنها تثير الأرباك في المفاوضات الجارية مع الحكومة العراقية.

كما غض الزعيم عبد الكريم قاسم النظر عن حملات الاغتيالات التي طالت أعضاء وكوادر في الحزب الشيوعي وخاصة في بغداد والموصل (اغتيل قرابة 400 مواطن فيها) ومدن أخرى وموجة من تلفيق الاتهامات ضد الشيوعيين وانصارهم من قبل محاكم عسكرية يرأسها ضباط قوميين ورجعيين حيث ضمت سجون العراق قبيل انقلاب شباط قرابة 500 سجين وهو عدد يفوق عدد السجناء الشيوعيين والديمقراطين في العهود السابقة . وعاد النشاط إلى الاجهزة الأمنية التي ورثها العراق من العهد الملكي والتي لم تطالها يد الاصلاح والتغيير، لتعود من جديد إلى فبركة وتدوين التقارير الكاذبة حول النشاط الشيوعي الهدام والفوضوي!!!

ومع البدء أولاً بالموقف المعادي للحزب الشيوعي العراقي، فلا بد أن ينتقل هذا السلوك كالعادة في ظروف العراق إلى أطراف أخرى، حيث اندلعت المواجهات الخطيرة المسلحة بين الحكم والحركة القومية الكردية إثر حركة استفزازية اشعلتها الفئات الاقطاعية والرجعية في كردستان العراق. وبدلاً من أن يعي الحكم وقادة الحركة القومية الكردية مديات هذ التطور الخطير وتأثيراته السلبية على الوضع في البلاد، تعنت الطرفان في الوصول إلى حل سلمي للمشكلة ولم يستمعوا إلى صوت الحكمة التي اطلقها الحزب الشيوعي في الدعوة للسلم في كردستان والديمقراطية للعراق والحكم الذاتي في كردستان. ومنذ ذلك الحين تحولت هذه القضية القومية إلى ورقة أضافية ضاغطة بيد الشاه والدوائر الأمريكية وحتى اسرائيل على الحكم ضمن المساعي لاسقاطه والتدخل في الشؤون الداخلية العراقية.

ووقع الحكم في ورطة اقليمية خطيرة تمثلت في الدعوة إلى إلحاق الكويت في العراق، ظناً من الحكم إن هذه الدعوة الشعبوية من شأنها أن تدغدغ مشاعر التيارات الشعبوية والقومية من أجل جذبها لمساندة الحكم بعد أن شعر الحكم بتراجع شعبيته. لقد سهلت هذه الخطوة الخطيرة على الأطراف الاقليمية والدولية الاصطفاف في جهد واحد للإجهاز على ثورة تموز ومنجزاتها وتوجيه ضربة إلى القوى التقدمية والديمقراطية وفي المقدمة منها الحزب الشيوعي العراقي. كما مهدت هذه الدعوة الشعبوية الطريق للأنزال العسكري البريطاني والمصري وقوات دول أخرى في الكويت بذريعة الدفاع عن سيادة الكويت العضو في هيئة الأمم المتحدة والجامعة العربية.

وبالرغم من أن غالبية القوى السياسية تتحمل بهذا القدر أو ذاك مسؤؤليتها في الكوارث التي تحملها العراقيون، إلا ّ أن سلطة تموز بقيادة عبد الكريم قاسم والتراجع الخطير الذي قامت به خاصة في منتصف عام 1959 وأخطائها، هي التي مهدت للكارثة التي حلت بالبلاد متمثلة بانقلاب 8 شباط، وما تبع هذا الانقلاب من تداعيات مدمرة يعيش نتائجها العراقيون حتى الآن.

 

عادل حبه

8 شباط 2019

 

حامد الحمدانيالعلاقات العراقية الإيرانية ودور أمريكا في تأجيج الصراع بينهما

اتسمت العلاقات العراقية الإيرانية منذُ سنين طويلة بالتوتر والصدامات العسكرية على الحدود في عهد الشاه [محمد رضا بهلوي]، حيث قام الحكام البعثيون في العراق بإلغاء معاهدة 1937 العراقية الإيرانية المتعلقة باقتسام مياه شط العرب بموجب خط التالوك الوهمي الذي يقسم شط العرب إلى نصفين أحدهما للعراق والآخر لإيران، وقيام شاه إيران والولايات المتحدة بدعم الحركة الكردية التي حملت السلاح ضد السلطة القائمة آنذاك، وسبب الإجراء العراقي إلى قيام حرب استنزاف بين البلدين على طول الحدود، واستمرت زمناً طويلاً، ووصل الأمر إلى قرب نفاذ العتاد العراقي، واضطر حكام بغداد إلى التراجع، ووسطوا الرئيس الجزائري [هواري بو مدين] لترتيب لقاء بين صدام حسين وشاه إيران لحل الخلافات بين البلدين

 وبالفعل تمكن الرئيس الجزائري من جمع صدام حسين وشاه إيران في العاصمة الجزائرية، وإجراء مباحثات بينهما انتهت بإبرام اتفاقية 16 آذار 1975، وعاد حاكم بغداد إلى اتفاقية عام 1937 من جديد!، ووقفت حرب الاستنزاف بينهما، ووقف الدعم الكبير الذي كان الشاه يقدمه للحركة الكردية، حيث استطاع البعثيون إنهاءها، وإعادة بسط سيطرتهم على كردستان من جديد.

 وفي عام 1979 في أواخر عهد البكر وقعت أحداث خطيرة في إيران، فقد اندلعت المقاومة المسلحة ضد نظام الشاه الدكتاتوري المرتبط بعجلة الإمبريالية الأمريكية  وأتسع النشاط الثوري، وبات نظام الشاه في مهب الريح، وسبّبَ ذلك الوضع الخطير في إيران أشد القلق لأمريكا، فقد كانت مقاومة الشعب الإيراني لنظام الشاه قد وصلت ذروتها، وبات من المستحيل بقاء ذلك النظام، وبدت أيامه معدودة.

 كان هناك على الساحة الإيرانية تياران يحاولان السيطرة على الحكم، التيار الأول ديني يقوده [آية الله الخميني] من منفاه في باريس، والتيار الثاني يساري، يقوده [حزب تودا الشيوعي] و[مجاهدي خلق]، ووجدت الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين أحلاهما مُرْ، فهي لا ترتاح لسيطرة للطرفين.

 لكن التيار الشيوعي كان يقلقها بالغ القلق، نظراً لموقع إيران الجغرافي على الخليج أولاً، ولكونها ثاني بلد منتج للنفط في المنطقة ثانياً، ولأن إيران تجاور الاتحاد السوفيتي ثالثاً.

وبناء على ذلك فإن مجيء الشيوعيين إلى الحكم في إيران سوف يعني وصول الاتحاد السوفيتي إلى الخليج، وهذا يهدد المصالح الأمريكية النفطية بالخطر الكبير، ولذلك فقد اختارت الولايات المتحدة [أهون الشرين] بالنسبة لها طبعاً!، وهو القبول بالتيار الديني  خوفاً من وصول التيار اليساري إلى الحكم، وسهلت للخميني العودة إلى إيران من باريس، لتسلم زمام الأمور بعد هروب الشاه من البلاد، وهكذا تمكن  التيار الديني من تسلم زمام السلطة، وتأسست الجمهورية الإسلامية في إيران في آذار 1979.

إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهِ السفن، كما يقول المثل، فلم تكد تمضي سوى فترة قصيرة من الزمن حتى تدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران بعد أن أقدم النظام الجديد على تصفية أعداد كبيرة من الضباط الكبار الذين كانوا على رأس الجيش الإيراني، كما جرى تصفية جهاز [السافاك] الأمني الذي أنشأه الشاه بمساعدة المخابرات المركزية الأمريكية، وجرى أيضاً تصفية كافة الرموز في الإدارة المدنية التي كان يرتكز عليها حكم الشاه.

وجاء احتلال السفارة الأمريكية في طهران، من قبل الحرس الثوري الإيراني، واحتجاز أعضاء السفارة كرهائن، وإقدام الحكومة الإيرانية على طرد السفير الإسرائيلي من البلاد وتسليم مقر السفارة الإسرائيلية إلى منظمة التحرير الفلسطينية، والاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، كل تلك الأحداث المتتالية أثارت قلق الولايات المتحدة، ودفعتها لكي تخطط لإسقاط النظام الجديد في إيران قبل أن يقوى ويشتد عوده، أو على الأقل إضعافه وإنهاكه.

وتفتق ذهن المخابرات المركزية إلى أن خير من يمكن أن يقوم بهذه المهمة هو صدام حسين، وبهذه الوسيلة تضرب الولايات المتحدة عصفورين بحجر واحدة، فالعراق وإيران دولتان قويتان في منطقة الخليج، ويملكان إمكانيات اقتصادية هائلة، ولحكامهما  تطلعات خارج حدودهما، إذاً يكون إشعال الحرب بين البلدين وجعل الحرب تمتد لأطول مدة ممكنة، بحيث لا يخرج أحد منهما منتصراً ويصل البلدان في نهاية الأمر إلى حد الإنهاك، وقد استنزفت الحرب كل مواردهما وتحطم اقتصادهما، وهذا هو السبيل الأمثل للولايات المتحدة لبقاء الخليج في مأمن من أي تهديد محتمل.

 وهكذا خططت الولايات المتحدة لتلك الحرب المجنونة، وأوعزت لصدام حسين، بمهاجمة إيران والاستيلاء على منطقة [خوزستان] الغنية بالنفط، واندفع صدام حسين لتنفيذ هذا المخطط  يحدوه الأمل بالتوسع صوب الخليج، وفي رأسه فكرة تقول أن منطقة [خوزستان] هي منطقة عربية تدعى [عربستان].

لم يدرِ بخلد صدام حسين ماذا تخبئه له الأيام؟ ولا كم ستدوم تلك الحرب؟ وكم ستكلف الشعب  العراقي من الدماء والدموع، ناهيك عن هدر ثروات البلاد، واحتياطات عملته، وتراكم الديون الكبيرة التي تثقل كاهل الشعب العراقي واقتصاده المدمر.

لقد سعت الإمبريالية بأقصى جهودها لكي تديم تلك الحرب أطول فترة زمنية ممكنة، وهذا ما أكده عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين أنفسهم، وعلى رأسهم [ريكان] و[كيسنجر]، وغيرهم من كبار المسؤولين الأمريكيين، فلقد صرح الرئيس الأمريكي  [ريكان] حول الحرب قائلاً:

{إن تزويد العراق بالأسلحة حيناً، وتزويد إيران حيناً آخر، هو أمر يتعلق بالسياسة العليا للدولة}!!.

وهكذا بدا واضحاً أن الرئيس ريكان كان يهدف إلى إطالة أمد الحرب، وإدامة نيرانها التي تحرق  الشعبين والبلدين معاً طالما أعتبر البلدان، بما يملكانه من قوة اقتصادية وبشرية، خطر على المصالح الإمبريالية في الخليج، وضمان وصول النفط إلى الغرب، وبالسعر الذي يقررونه هم لا أصحاب السلعة الحقيقيين.

أما هنري كيسنجر، الصهيوني المعروف، ومنظّر السياسة الأمريكية، فقد صرح قائلاً:{ إن هذه هي أول حرب في التاريخ أردناها أن تستمر أطول مدة ممكنة، ولا يخرج أحد منها منتصراً ، بل كلا الطرفين مهزومين}!!.

وطبيعي أن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إذا لم تستمر الحرب إلى أمد طويل، وإضافة إلى كل ذلك كان سوق السلاح الذي تنتجه الشركات الغربية مزدهراً ومحققاً أرباحاً خيالية لتجار الحروب والموت، في حين استنزفت تلك الحرب ثروات البلدين المادية والبشرية، وسببت من الويلات والماسي والدموع ما لا يوصف، فلم تترك تلك الحرب عائلة في العراق وإيران دون ضحية.

لكن الإمبريالية لا تفهم معنى الإنسانية، فقد كان الفرح يغمر قلوبهم وهم يشاهدون كل يوم على شاشات التلفزيون، وصور الأقمار الصناعية، تلك المجازر الوحشية التي بلغ أرقام ضحاياها حداً مرعباً، فقد قتل في يوم واحد من أيام المعارك أكثر من عشرة آلاف ضحية، وتفاخر صدام أمام القائم بأعمال السفارة الأمريكية بعد مغادرة السفيرة [كلاسبي] العراق، وقبيل غزو صدام للكويت  بزهو قائلاً:

{هل تستطيع الولايات المتحدة تقديم 10 آلاف شهيد في معركة واحدة؟ نحن أعطينا 50 ألف شهيد في معركة تحرير الفاو}.

هكذا وبكل وقاحة دفع صدام وأسياده الأمريكان أكثر من نصف مليون شهيداً من شباب العراق في عمر الزهور، ودون وازع من ضمير وأخلاق، كانت مصالح الإمبرياليين الاقتصادية تبرّر كل الجرائم بحق الشعوب، ولو أن تلك الحرب وقعت في أوربا، أو أمريكا أو بين العرب وإسرائيل لسارع الإمبرياليون إلى وقفها فوراً، وبذلوا الجهود الكبيرة من أجل ذلك.

أن الحقيقة التي لا يمكن نكرانها هي إن تلك الحرب كانت من تدبير الإمبريالية الأمريكية وشركائها، وأن عميلهم صدام قد حارب نيابة عنهم، ولمصلحتهم، بكل تأكيد، وأن لا مصلحة للشعب العراقي إطلاقاً في تلك الحرب، ولا يوجد أي مبرر لها، وإن الشعب الإيراني شعب جار، وليس من مصلحة العراق الدخول في حرب أمريكية بالوكالة ضد إيران.

كما أن إيران لم تكن مستعدة لتلك الحرب، ولم يعتقد حكام إيران أن النظام العراقي يمكن أن يقدم على مثل هذه الخطوة، وهذا ما يؤكده اندفاع القوات العراقية في العمق الإيراني خلال أسابيع قليلة دون أن يلقى مقاومة كبيرة من قبل الجيش الإيراني .

لكن ذلك التقدم لم يدم طويلاً، وتمكن الجيش الإيراني من طرد القوات العراقية الغازية من إقليم خوزستان شّر طردة عام 1982، مكبداً القوات العراقية خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات، ولنا عودة إلى تلك الحرب، وتفاصيل مجرياتها، في الحلقة الثالثة.

 

حامد الحمداني

 

حامد الحمدانيتمهيد: منذُ أن قام صدام حسين بدوره المعروف في الانقلاب الذي دبره ضد شريك البعثيين في انقلاب 17 تموز 968 [عبد الرزاق النايف] بدأ نجمه يتصاعد  حيث أصبح نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، وبدأ يمارس السلطة كما لو أنه الرئيس الفعلي للبلاد، رغم وجود الرئيس أحمد حسن البكر على قمة السلطة، وأخذ دوره في حكم البلاد يكبر ويتوسع يوماً بعد يوم، وخاصة سيطرته على الحزب والأجهزة الأمنية، والمكتب العسكري، وبدا وكأن صدام يخطط لاستلام القيادة من البكر بحجة كبر سنه ومرضه.

وعندما حلت الذكرى الحادية عشر لانقلاب 17 تموز 1979، فوجئ الشعب العراقي بإعلان استقالة الرئيس البكر في 16 تموز 1979، وتولي صدام حسين قيادة الحزب والدولة، حيث أعلن نفسه رئيساً للجمهورية، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة، وقائداً عاماً للقوات المسلحة.

أما كيف ولماذا تم هذا الانتقال للسلطة من البكر إلى صدام حسين فلم يكتب عن ذلك الحدث لحد الآن  إلا القليل، إلا أن المتتبع لتطورات الأوضاع السياسية في البلاد، وما أعقبتها من أحداث خطيرة يستطيع أن يتوصل إلى بعض الخيوط التي حيك بها الانقلاب، ومن كان وراءه!.

أن هناك العديد من الدلائل التي تشير إلى أن ذلك الانقلاب كان قد جرى الإعداد له في دوائر المخابرات المركزية الأمريكية، وأن الانقلاب كان يهدف بالأساس إلى جملة أهداف تصب كلها في خدمة المصالح  الإمبريالية الأمريكية وأبرزها:

1ـ إفشال التقارب الحاصل بين سوريا والعراق، ومنع قيام أي شكل من أشكال الوحدة بينهما، وتخريب الجهود التي بُذلت في أواخر أيام حكم البكر لتحقيق وتطبيق ما سمي بميثاق العمل القومي آنذاك، والذي تم عقده بين سوريا والعراق، حيث أثار ذلك الحدث قلقاً كبيراً لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، تحسبا لما يشكله من خطورة على أمن إسرائيل.

2ـ احتواء الثورة الإسلامية في إيران، ولاسيما وأن قادة النظام الإيراني الجديد بدأوا يتطلعون إلى تصدير الثورة، ونشر مفاهيم الإسلامية في الدول المجاورة، مما اعتبرته الولايات المتحدة تهديداً لمصالحها في منطقة الخليج، ووجدت أن خير سبيل إلى ذلك هو إشعال الحرب بين العراق وإيران، وأشغال البلدين الكبيرين في المنطقة بحرب سعت الولايات المتحدة إلى جعلها تمتد أطول فترة ممكنة، كما سنرى .

3ـ مكافحة النشاطات الشيوعية، في البلاد، والتصدي للتطلعات الإيرانية الهادفة إلى نشر أفكار الثورة الإسلامية في المنطقة.

4ـ بالإضافة لما سبق كانت تطلعات صدام حسين لأن يصبح شرطي الخليج، وتزعم العالم العربي قد طغت على تفكيره، ووجد في الدور الذي أوكل له خير سبيلٍ إلى تحقيق طموحاته .

لم يكن انقلاب صدام ضد البكر بمعزل عن المخططات الأمريكية، فقد قام مساعد وزير الخارجية الأمريكي بزيارة لبغداد، حيث أجرى محادثات مطولة مع الرئيس احمد حسن البكر وبحث معه في مسالتين هامتين بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية:

المسألة الأولى: تتعلق بتطور العلاقات بين العراق وسوريا، وتأثير هذه العلاقات على مجمل الأوضاع في المنطقة، وبشكل خاص على إسرائيل التي تحرص على عدم السماح بإقامة الوحدة بين العراق وسوريا.

المسألة الثانية: دارت حول الأوضاع في إيران، بعد سقوط نظام الشاه، واستلام التيار الديني بزعامة [الخميني] السلطة، والأخطار التي يمثلها النظام الجديد على الأوضاع في منطقة الخليج، وضرورة التصدي لتلك الأخطار، وسعى الموفد الأمريكي إلى تحريض حكام العراق على القيام بعمل ما ضد النظام الجديد في إيران، بما في ذلك التدخل العسكري، وقيل بأن الرئيس البكر لم يقتنع بفكرة الموفد الأمريكي، وخاصة وأن البكر رجل عسكري يدرك تمام الإدراك ما تعنيه الحرب من ويلات ومآسي، وتدمير لاقتصاد البلاد.

وبعد انتهاء اللقاء مع البكر التقى الموفد الأمريكي مع صدام الذي كان آنذاك نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، وبحث معه نفس المواضيع التي بحثها مع البكر، وقد  أبدى صدام كل الاستعداد للقيام بهذا الدور المتمثل بتخريب العلاقات مع سوريا من جهة، وشن الحرب ضد إيران من جهة أخرى.

لم تمضِ غير فترة زمنية قصيرة حتى جرى إجبار الرئيس البكر، بقوة السلاح، من قبل صدام حسين وأعوانه، على تقديم استقالته من كافة مناصبه، وإعلان تولي صدام حسين كامل السلطات في البلاد، متخطياً الحزب وقيادته، ومجلس قيادة الثورة المفروض قيامهما بانتخاب رئيس للبلاد في حالة خلو منصب الرئاسة.

أحكم صدام حسين سلطته المطلقة على مقدرات العراق، بعد تصفية كل المعارضين لحكمه ابتداءً من أعضاء قيادة حزبه الذين صفاهم جسدياً بأسلوب بشع وانتهاءً بكل القوى السياسية الأخرى المتواجدة على الساحة.

لقد أخذت أجهزته القمعية تمارس أبشع الأعمال الإرهابية بحق العناصر الوطنية من ِشيوعيين وإسلاميين وقوميين وديمقراطيين، بالإضافة للشعب الكردي، وملأ السجون بأعداد كبيرة منهم، ومارس أقسى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بحقهم  وقضى العديد منهم تحت التعذيب.

لقد كانت ماكنة الموت الصدامية تطحن كل يوم بالمئات من أبناء الشعب، لكي يقمع أي معارضة لحكمه، وحتى يصبح مطلق اليدين في اتخاذ أخطر القرارات التي تتحكم بمصير الشعب والوطن، ولكي يعدّ العدة، ويهيئ الظروف المناسبة لتنفيذ الدور الذي أوكلته له الإمبريالية الأمريكية، في العدوان على إيران.

لقد وصل الأمر بصدام حسين أن جمع وزراءه، وشكل منهم فريق إعدام في سجن بغداد، لكي يرهب كل من تسول له نفسه بمعارضته، كما قام بإعدام عدد كبير من ضباط الجيش، لكي يصبح وحده الأقوى في المؤسسة العسكرية، رغم أنه لم يكن في يوم من الأيام عسكرياُ.

العلاقات العراقية السورية:

رغم أن العراق وسوريا يحكمهما حزب البعث، إلا أن العلاقات بين الحزبين، والبلدين اتسمت دائماً بالخلافات والتوتر الذي وصل إلى درجة العداء والقطيعة لسنين طويلة، وتطور العداء بين الحزبين إلى حد القيام بأعمال تخريبية، وتدبير التفجيرات، وغيرها من الأعمال التي أدت إلى القطيعة التامة بين البلدين.

ولا شك أن لأمريكا وإسرائيل دور أساسي في إذكاء العداء والصراع بين البلدين الشقيقين، ذلك لأن أي تقارب بينهما ربما يؤدي إلى قيام وحدة سياسية تقلب موازين القوة بين سوريا وإسرائيل نظراً لما يمتلكه العراق من موارد نفطية هائلة، وقوة عسكرية كبيرة، بالإضافة إلى ما يشكله العراق من امتداد إستراتيجي لسوريا في صراعها مع إسرائيل، وهذا ما تعارضه الولايات المتحدة وإسرائيل أشد المعارضة.

وفي أواخر عام 1978، وأوائل عام 1979، جرت محاولة للتقارب بين البلدين، تحت ضغط جانب من أعضاء القيادة في كلا الحزبين السوري والعراقي، وقد أدى ذلك التقارب إلى تشكيل لجان مشتركة سياسية واقتصادية وعسكرية، وعلى أثر توقيع ميثاق للعمل القومي المشترك الذي وقعه الطرفان في تشرين الأول عام 1978، وقد أستهدف الميثاق بالأساس إنهاء القطيعة بين الحزبين والبلدين الشقيقين، وإقامة وحدة عسكرية تكون الخطوة الأولى نحو إقامة الوحدة السياسية بين البلدين، وتوحيد الحزبين.

كان وضع سوريا في تلك الأيام قد أصبح صعباً بعد أن خرجت مصر من حلبة الصراع العربي الإسرائيلي، وعقد السادات اتفاقية [كامب ديفيد] مع إسرائيل مما جعل القادة السوريين يقرون بأهمية إقامة تلك الوحدة للوقوف أمام الخطر الإسرائيلي.

وبالفعل فقد تم عقد عدد من الاتفاقات بين البلدين، وأعيد فتح الحدود بينهما، وجرى السماح بحرية السفر للمواطنين، كما أعيد فتح خط أنابيب النفط [التابلاين] لنقل النفط إلى بانياس في سوريا، والذي كان قد توقف منذُ نيسان 1976.

وفي 16 حزيران تم عقد اجتماع بين الرئيس السوري حافظ الأسد، والرئيس العراقي أحمد حسن البكر في بغداد، ودامت المحادثات بين الرئيسين ثلاثة أيام أعلنا في نهايتها أن البلدين سيؤلفان دولة واحدة، ورئيس واحد، وحكومة واحدة، وحزب واحد، وأعلنا تشكيل قيادة سياسية مشتركة تحل محل اللجنة السياسية العليا التي جرى تشكيلها بموجب اتفاق تشرين الأول 1978، والتي ضمت 7 أعضاء من كل بلد، يترأسها رئيسا البلدين، وتجتمع كل ثلاثة أشهر لتنسيق السياسات الخارجية، والاقتصادية، والعسكرية.

تدهور العلاقات العراقية السورية

لم تمضِ سوى بضعة أشهر على الاتفاق الذي عقده البكر والأسد، حتى أزيح البكر عن السلطة، وتولى صدام حسين قيادة الحزب والدولة في العراق، وبدا بعد إقصاء البكر، أن هزة عنيفة قد ألمت بالعلاقة بين قيادة  البلدين والحزبين، وبدأت الغيوم السوداء تغطي سماء تلك العلاقة.

وفي 28 كانون الأول 1979، جرى لقاء قمة بين الأسد وصدام في دمشق دام يومين، وقد ظهر بعد اللقاء أن الخلافات بين القيادتين كانت من العمق بحيث لم تستطع دفع عملية الوحدة إلى الأمام، بل على العكس تلاشت الآمال بقيامها، وهكذا بدأت العلاقة بالفتور بين البلدين من جديد، واتهمت سوريا القيادة العراقية بوضع العراقيل أمام تنفيذ ما أتُفق عليه في لقاء القمة بين الأسد والبكر.

أدى هذا التدهور الجديد في العلاقة بين الحزبين، إلى وقوع انقسام داخل القيادة القطرية في العراق، قسم وقف إلى جانب الاتفاق المبرم بين الأسد والبكر، وقسم وقف إلى جانب صدام حسين، فما كان من صدام إلا أن أتهم الذين أيدوا الاتفاق بالاشتراك بمؤامرة مع سوريا على العراق، وجرى اعتقالهم، وتعذيبهم حتى الموت، ثم أعلن صدام حسين، عبر الإذاعة والتلفزيون، أن هذه المجموعة قد تآمرت على العراق، وأحيلت إلى محكمة حزبية قررت الحكم عليهم بالإعدام وجرى تنفيذ الأحكام بحقهم.

لكن الحقيقة أن هذه المجموعة أرادت تحقيق الوحدة أولاً، والتخلص من دكتاتورية صدام حسين ثانياً، بعد أن أغتصب السلطة من البكر بقوة السلاح.

وهكذا ذهبت الآمال بتحقيق الوحدة أدراج الرياح، وتدهورت العلاقة بين البلدين من جديد، وفرض صدام حسين سلطته المطلقة على قيادة الحزب والدولة دون منازع، وأصبح العراق ملجأ لكل المناوئين للحكم في سوريا ابتداءً من [ أمين الحافظ] و[ميشيل عفلق] وانتهاءً بالإخوان المسلمين الذين لجأوا إلى العراق بأعداد كبيرة، بعد فشل حركتهم في مدينة حماه عام 1982.

ولم يقتصر تدهور العلاقات بين البلدين على القطيعة، والحملات الإعلامية، بل تعداها إلى الصراع العنيف بين الطرفين على الساحة اللبنانية، حيث أدخلت سوريا عدد من قطعاتها العسكرية في لبنان ضمن قوات الردع العربية لمحاولة وقف الحرب الأهلية التي اندلعت هناك عام 1975.غير أن القوات المشتركة العربية انسحبت من لبنان فيما بعد، تاركة القوات السورية لوحدها هناك.

وانتهز صدام حسين الفرصة ليرسل إلى القوى الطائفية الرجعية المعادية لسوريا السلاح والعتاد والعسكريين لمقاتلة الشعب اللبناني، والقوات السورية والفلسطينية، وأصبح لبنان مسرحاً للصراع بين البلدين، واستمر الحال في لبنان حتى سقوط حكومة [ميشيل عون] حليف صدام ضد سوريا، وانتهاء الحرب الأهلية، وانعقاد مؤتمر الطائف للأطراف اللبنانية المتصارعة لحل الخلافات بينهم، وإعادة الأمن والسلام إلى ربوع لبنان الذي مزقته تلك الحرب التي دامت خمسة عشر عاماً.

وهكذا حقق صدام حسين للإمبريالية الأمريكية ما كانت تصبو إليه، حيث عادت العلاقات بين سوريا والعراق إلى نقطة الصفر من جديد، وتحقق الهدف الأول الذي رسمته له، وبدأت تتفرغ للهدف الثاني الهام، هدف التصدي للنظام الإيراني الجديد، وخلق المبررات لصدام لشن الحرب على إيران في الثاني والعشرين من أيلول عام 1980، تلك الحرب التي كانت لها نتائج وخيمة على مستقبل العراق وشعبه، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً، وكانت سبباً مباشراً لأقدام صدام حسين على غزو الكويت، وبالتالي قيام حرب الخليج الثانية، التي جلبت على العراق وشعبه من ويلات ومآسي، وخراب ودمار لم يسبق لها مثيل.

 

حامد الحمداني

 

 

عبد الاله الصائغمقدمة لابد منها: الثقافة العربية منذ العصر القبسلامي تكره النجاح بعامة رجلا اصاب ام امرأة! والمرأة مخلوق متفوق على الرجل فهي صانعة الحياة والفرح العائلي! فالتفت هذه الثقافة الورائية الى المرأة لتضطهد المرأة الى مستوى التصفية الجسدية أو النفسية أو الأخلاقية!

والأمثلة عصية عن الحصر ولكننا نذكر الممكن منها فمثلا حين علم الملك عمر بن هند أن ام الشاعر عمرو بن كلثوم ذات كبرياء وبهاء بحيث تعلي كرامتها على حياتها!

فغضب الملك غضبا شديدا ولعله قال في نفسه كيف لامرأة في مملكتي او مشيختي وهي ذات كرامة وكبرياء وادعها حرة؟ فدعا الشاعر وقال له انت مدعو في قصري على شرفي وامك مدعوة معك واهلا بكما!

والحكاية مشهورة فقد اهانت ام الملك ام الشاعر حين قالت لها ناوليني نعالي فعرفت ام الشاعر المقلب الذي أعد لها فصرخت ام الشاعر مثل لبوة جريحة واذلاه! فانتفض الشاعر وادرك ان امه اذلت فاستل سيفه وقتل الملك! لكن فاطمة بنت الخرشب التي انجبت في الجاهلية عشرة أبناء نجباء كلهم زعيم وفارس وشاعر وحكيم وحين تحرش بها ضيفها جنسيا خنقته بشالها وطرحته ارضا فعرف الضيف انها قوية ومدربة وستقتله فباس يدها وقال لها اغفري لي! فغفرت له وتركته يصل منطقته بسلام رغم حضور اولادها ساعة الحادثة وقد امرتهم ان لايصيبوه باذى ويتركوه وشأنه!

وحين جاء الاسلام وتنزل القرآن الكريم نهض بتفسيره البعض ممن أعمت الفحولة أعينهم فكان ان اضطهدت المرأة باسم الدين !

المرأة عندنا مغدورة وحقوقها مهدورة بسبب ثقافتنا العربسلامية التي تتنتصر للرجل ظالما او مظلوماً وتستنقص المرأة محقة كانت او غير محقة! وماذا لو حملقنا في غرب الكرة الارضية وشمالها كي نجد ان العنف ضد المرأة حالة نفسية او خلل نفسي يحتاج الى عيادة نفسية وليس الى كلبشات شرطي! لكن الغرب بعامة تجاوز خرافة الكوتا في الانتخابات والمناصب والسوانح فشهدنا نساء يقدن دولا عملاقة عظمى دون ان يتساءل الانسان الغربي الواعي هل انجيلا ميركل سيدة ام سيد؟؟

 تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا!

وغراباركيتاروفيتش رئيسة كرواتيا! وثمة الرئيسة الباكستانية العظيمة المغتالة غدرا بينظير علي بوتو! ولننظر الى نبوغ انديرا غاندي التي اغتالها فحول من حرسها؟ ناهيك عن تفوق النساء في العلوم مدام كوري مثلا وفي الفنون والرواية والدعوة للحرية والموسيقا وهوليود!

هل استمر في استحضار نبوغ المرأة فأكون كمثل من يثبت كروية الارض من جديد ولكنه الميل الصحراوي للظلم كما قال المتنبي:

والظلم من شيم النفوس    فإن تجد ذا عفةٍ فلِعلَّةٍ لايظلم

 والمتنبي العظيم يصرخ بوجوه الرجال الفحول :

وما التأنيثُ لاسمِ الشّمسِ عَيبٌ     ولا التّذكيرُ فَخْرٌ للهِلالِ

 نحونا فحولي ايضا فمن يصدق ان الطلبة في كل البلاد العربسلامية يدرسون في النحو شاهداً نحويا نصه (قتل البنات من المكرمات) ومثل ظواهر نحوية فحولية كثيرة نحو التغليب ونحو اسباغ صيغة فعيل وفاعل صفة للمرأة كقولهم للوزيرة وزير وللنائبة نائب!

شعرنا فحولي مثل ملامحنا قارن :

ومن غاية المجد والمكرمات بقاء البنين وموت البنات

 وقول الشاعر لزوجته التي تغازله فتمشط شعره لتمنحه دلالها وتفليه واضعا سيفه (ذا الريق) على رقبتها

 لاتمشطي رأسي ولا تفليني وحاذري ذا الريق في يميني

 ويتمزز شاعر اخر جلف وهو يقول :

تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً والموت اكرم نزّال على الحرم

 هي دعوة للتفكير العلمي العملي للتطهر الروح العربسلامي من أوساخ ثقافة كراهية المرأة واحتقارها فما زلنا نئد النساء بوسائل غير مباشرة رغم بلوغنا زمن التواصل الاجتماعي

 العالم تغير جدا جدا وان الدنيا اليوم ليست الدنيا قبل عشر سنين ولم تعد عقلية الخمسينات او الستينات ناجعة في مفاتشة الواقع ومغازلة المثال غرب الكرة الأرضية يتطور الى الأمام وشرقها يتقهقر الى الوراء! هذا دعبل الخزاعي يشكو الاغتراب بين الرجال الأشباه

 ما أكثر الناسَ لا بل ما أقلهمو الله يشهدُ أني لم أقلْ فندا

 إني لأفتح عيني حين افتحُها على كثيرٍ ولكن لم اجدْ احدا

وداد فرحانالعرض

الدكتورة العراقية الناجحة وداد الفرحان انجزت بإمكاناتها الذاتية صحيفة بانوراما التي لاقت من الانتشار والاشتهار ماجعلها موضع اهتمام الشارع الاعلامي والثقافي وقد استقطبت بانوراما اقلاما تعد اليوم ايقونات تضيء حيثما كانت!

ولم تكن السيدة وداد الفرحان لتتنطع بنجاحها او تجعل من صحيفتها منبرا للدعاية الشخصانية فضلا عن ان بانوراما كانت منحازة للتنوير ولم تتخندق مع الخيول الكدش لرموز الدين السياسي وأحزاب المحاصصة والعلمانية المتطرفة! وسارت سفينة بانوراما في محيط عميق واسع سيرا حثيثاً واثقاً! فباتت السيدة وداد فرحان متمتعة بنجومية تغبط عليها ومتنعمة بسطوعية تحسد عليها والمحب يغبط والشانيء يحسد!

ومن خلال عملي الطويل في الجامعة والاعلام (جامعات الموصل والمستنصرية والكوفة في العراق) و( جامعات الفاتح واللغات في ليبيا) و(جامعة صنعاء في اليمن) و(كليات هنري فورد في مشيغن وتكساس كولج في جورجيا) فضلا عن الأكاديميات المفتوحة مثل الاكاديمية العربية في الدانمارك وابن رشد في هولندة وشمال امريكا في كندة اقول من خلال تجربتي وخبرتي تهيأ لي ان النظرة للمرأة عند كثير من الزملاء والطلبة والناشطين لن تتعدى حوار الجسد دون النظر الحق للكفاءة والشهادة العليا والمواهب الكبرى! كالدكتورة وفاء سلطان التي فتح المتشددون عليها بوابات الجحيم فاستغلو الفوتوشوب لكي يظهروها في مشاهد لاتليق بمفكرة حاذقة كمثلها!

واليوم تتعرض الدكتورة وداد فرحان وصحيفتها بانوراما الى حملات تسقيط تسعى الى إهانتها ومنعها عن مواصلة مشوارها وتكريس حياتها لحرفتها (حرفة البحث عن المتاعب) ولا اريد ان اتحدث عن المحن التي تعرضت لها هي وزوجها الراقي ولكن الله جنبها ونقول بالعراقي (ياغافلين إلكم الله)

فهل يكون جزاء هذه المرأة العراقية الحالمة ذات الكبرياء والبهاء كجزاء سنمار!

ويشاء الله ان يختلف حسادها وخصومها في مسوغات الاساءة لها ففريق يزعم انها متخندقة مع جماعة الاسلام السياسي وانها تقبض رشاوى منهم وتتلقى تعليمات عنهم وفريق يدعي انها علمانية متطرفة تتماهى مع المشككين بالدين والإله معا ولاتجد حرجا من تعاطي المخدرات والمشروبات الكحولية حد التعتعة!

وحين واجهت الاستاذة فرحان هجمات البداوة الاعلامية ضدها ونأت بنفسها عن ان ترد على كل مدلس او مجسس فهل بات التواصل الاجتماعي تكنولوجية ذكية بأيد غبية؟

 وتمضي النوذج السامق للعراقية المغتربة دكتورة وداد فرحان بخطوات واثقة لتنتقل من نجاح الى آخر بينما تنطفي نيران حسادها وشانئيها والحمد لله.

 

عبد الاله الصائغ - الولايات المتحدة

 

علوان حسينفي الباحة السادسة حيث تـُنتصب ُ المشانق ُ كل أسبوعين وفي أوقات الكثافة كل أسبوع أمام البوابة السوداء لمهجعنا يسمونه مهجع الندوة . كان نصيبنا التلصص من شقوق البوابة إلى ما يجري خلفها من حركة دائبة لعناصر البلدية في تحضير أعمدة المشانق والحبال الغليظة ثم يأتي دور الرقيب الأول حاملا ً معه قائمة بأسماء تعسي الحظ يقادوا من الصباح الباكر فرادى أو جماعات إلى باحة الموت . يذهبون إلى تلك النهاية الفاجعة بهدوء وصمت ٍ ونحن خلف الجدران جالسين وكأن فوق رؤوسنا الطير بعضنا يزدرد لقمته بصمت، آخرون عافت أنفسهم الطعام فلبثوا مع أنفسهم ذاهلين . طبعا ً مع مرور الأيام والشهور والسنين كنا قد إعتدنا المشهد وفقد الموت رهبته عند البعض لكن الخوف من ملاقاة ذلك المصير والتدلي من حبل المشنقة عشناه في اليقظة وفي الأحلام . تمر أيام كثيرة لا أستطيع فيها الضحك لنكتة يقولها أحدهم . تقلقني الأعداد المتزايدة للمحكومين بالإعدام من أين يأتون بكل هؤلاء الضحايا وكيف لا يفرغ السجن من ساكنيه ؟ كنا نحصي أعداد الذاهبين إلى حتفهم حيث يصل الرقم إلى مئتين كل أسبوعين تقريبا ً، كل هذا والمعتقل مزدحم والمهاجع تكاد تختنق بالسجناء . سرت إشاعة في السجن بأن حافظ الأسد شخصيا ً يشرف بنفسه على حفلة الإعدامات . رئيس المهجع أقسم بأغلظ الإيمان أنه رأى بأم عينيه التي سوف يأكلها الدود رئيس البلاد جالسا ً على كرسي ٍ وثير وأمامه على الطاولة فنجان قهوة وكأس ماء وقد جلبوا له خصيصا ً باقة ورد ٍ تضفي على نشوته متعة ً قصوى وهو يبصر ضحاياه يلاقون المصير الذي رسمه لهم .

وسط تعاستي وحزني الشديد كنت أتخيل الرئيس السعيد جالسا ً يرشف قهوته بمتعة وأمامه باقة ورد ٍ ومشنقة يتدلى منها إنسان كان قبل لحظات في كامل فتوته وأحلامه وحياته التي قُطفت منه في لحظة ٍ شاءها الرئيس السعيد لحظة بهجة ٍ يخالطها الموت . كنت أتساءل كيف تواطأ الموت مع الرئيس الذي مثل دور القاضي وكيف غابت حقيقة الموت ومعناه وهل يحتاج الإنسان إلى مجرد فكرة مغايرة تذهب به إلى حيث ينتظره رجل بكامل قيافته وبطشه وقسوته ليرسم له شكل نهايته ببساطة كما يرشف قهوته بالضبط؟ هل يحتاج الموت إلى فنجان قهوة؟ وهل أشعر أنا الناجي من غفلة الموت بالسعادة؟ يا لها من سعادة ٍ قاسية . كم من الجثث مرت من أمامي وكم من الموت رأيت وكم صور الأحياء الموتى ظلت عالقة في ذاكرتي، من ينتشلني من هذا القبر؟ ثم كيف أعثر علي َ من بين ركام الموتى؟ لو فقط هناك محكمة وقاض وعدالة، ضحكت من نفسي لتخيل فكرة العدالة ونحن في تلك الصحراء المقفرة وسط قطيع الضواري ومشهد تل الجثث موضوعة فوق بعضها عارية ً تماما ً من الثياب والأرواح بالطبع وحلقة من الشرطة العسكرية وعناصر البلدية تقيم دبكة فرح وسط التهليل كأنهم في زفاف جماعي لسجناء معتقل تدمر الصحراوي السعيد .   

 

علوان حسين

 

عبد السلام فاروقالشارقة إمارة عريقة، واسمها معناه "الشمس المشرقة" . تشير الحفريات التى وجدت بجبل "فايا" بالشارقة إلى آثار لآنية تعود إلى 85,000 سنة مضت، ما يعنى أنها أقدم حفرية دالة على آثار بشرية وُجدت على ظهر البسيطة . جاء ذكرها فى رسوم الخرائط اليونانية التى رسمها بطليموس خلال القرن الثانى قبل الميلاد، وفى القرن الخامس عشر ذُكرت الشارقة فى مؤرَّخات (أحمد بن ماجد) البحار الشهير . ما يعيدنا إلى كتاب من كتب د/(سلطان القاسمى)، هو كتاب (بيان للمؤرخين الأماجد في براءة ابن ماجد)، وهو بحث استقصائى قام به د/(سلطان) اعتماداً على مخطوطة قديمة من يوميات "فاسكو دى جاما" عَثرَ عليها فى مدينة "أوبورتو" البرتغالية . وفى هذا ما يشير لاهتمام د/(سلطان) البالغ بإعادة اكتشاف التاريخ وتتبعه والتعمق فيه، وعدم الاعتماد كُلّياً على المصادر التقليدية للتاريخ والتى تغفل عن الكثير من الحقائق التى طُويَت فى دوائر النسيان .

كانت الشارقة فى الماضى إمارة صحراوية حوَّلتها الأمطار إلى سهول خصبة ساعدت على الصيد ورعى الماشية . واعتمدت فى حقبة تالية على التجارة البحرية وأهمها تجارة اللؤلؤ، وكان البحارة يتميزون بمعرفتهم لأسرار الملاحة فى تلك المنطقة الحيوية التى تربط بين دول شرق آسيا من ناحية وبين أوروبا الشرقية وشمال أفريقيا من ناحية أخرى .

منذ عام (1823م) وحتى عام (1954م) كانت الشارقة هى مقر الانتداب البريطانى فى منطقة الخليج، حتى وقت جلائهم التام فى أواخر الستينيات قبيل إنشاء الاتحاد الإماراتى . وفى (1903م) تم افتتاح المدرسة "التيمية" كأول مدرسة بالشارقة تعتمد المنهج الإسلامى . أول صحيفة بالشارقة صدرت عام 1927م كانت صحيفة (عمان) أو صحيفة "ولايات عمان المتصالحة" . وفى عام (1932م) أسست الحكومة البريطانية أول مطار فى الشارقة، والذى تحوَّل فيما بعد إلى (متحف المحطة) ضَمَّ مجموعة من نوادر المقتنيات لطائرات قديمة وغيرها من مقتنيات الملاحة الجوية آنئذ . ومع بشائر تسلُّم الشيخ سلطان القاسمى مقاليد الحكم فى 1972م، جاء اكتشاف النفط فى حقل مبارك بالشارقة . ومنذ ذلك الحين بدأت الشارقة مرحلة جديدة من الحداثة، فى خطوات سريعة متلاحقة تثير الإعجاب والاحترام .

مدينة اللؤلؤ

حتى ستينيات القرن الماضى كانت الشارقة تعتمد فى اقتصادها بشكل أساسى على تصدير اللؤلؤ الذى نال شهرة عالمية، وكان حتى عام 1900م ذو أهمية خاصة بين الأحجار الكريمة فاقت أهمية الماس فى تلك الآونة ما أدى إلى ارتفاع سعره ورواجه لدى طبقة النبلاء والأثرياء فى أوروبا وشرق وجنوب آسيا .

كانت مراكب "الداهو" دقيقة الصنع ذات النقوش العربية المميزة، هى المسئولة عن صيد اللؤلؤ، وكان صيد المحار يتم بطريقة يدوية على عمق يصل بين 15 إلى 40 متراً، بحيث يغلق الصياد أنفاسه بوضع وتد عظمى على أنفه، ويسارع بالنزول لقاع البحر فيضع المحار فى سلة مجهزة مسبقاً ويشد الحبل علامة الانتهاء، ثم يسارع بالعودة والصعود . كانت هى الطريقة الوحيدة إذ لم تكن أسطوانات الأكسجين متاحة بعد . ومع ازدهار استزراع اللؤلؤ فى اليابان وانخفاض الطلب عليه، مع اكتشاف النفط، بدأت تجارة اللؤلؤ فى الشارقة وفى الخليج بصفة عامة تتراجع لحساب أنواع أخرى من التجارة والنشاطات الصناعية والتجارية .

غير أن آثار هذا العهد القديم ما تزال موجودة فى صورة أنشطة سياحية . ففى منطقة (دبا) التى ما زال نشاط الصيد البحرى مستمراً بها . وباستطاعة السياح تأجير قوارب "الداهو" للقيام برحلات ساحلية قصيرة . وفى مدينة (كلباء) القريبة من ساحل عمان إلى الشمال من الشارقة، هناك ميناء صيد شبيه بمثيله فى "دبا" . إلى جانب متاحف ومزارات متعددة تعيدك إلى عصور بحرية قديمة من تاريخ الشارقة، مثل "سد الرفيصا"، و"المتحف البحرى "، و"الأكواريوم" وإن كانت قد تدثرت بثوب المعاصرة .

فلكلوريات

ما زالت الإمارات تحتفظ بأصالتها وتراثها، وهذا ما تستشعره فى كل لمحة من ملامح المعمار مهما بدا معاصراً، وفى المعاملات اليومية للمواطن الإماراتى حتى لو ارتدى الردنجوت والتاكسيدو أو تحدث معك بلغة إنجليزية أو فرنسية طبقاً لضرورات العمل التجارى، والإماراتيون رجال أعمال من الطراز الرفيع . لكنهم رغم ذلك يحتفظون بمفرداتهم التراثية دون تغيير .

أهم ما يميز الطابع الإماراتى التقليدى هو الأزياء، الرجال يرتدون الدشداشة، ويعتمرون غطاء للرأس مكون من "غترة" و"عقال" و"قحفية" .. وقد تضاف عباءة خارجية موشّاة بالذهب أو الفضة تُدعَى "المِشلَح" خاصةً فى المناسبات المهمة .

بينما النساء يرتدين حجاباً للرأس من الشيفون يسمى "الشيلة"، وعباءة سوداء طويلة تغطى سائر البدن، وبعض النساء من كبار السن قد يرتدين البرقع لتغطية أجزاء محددة من الوجه . الأزياء الخليجية التراثية منتشرة بأسواق الشارقة الشعبية وما أكثرها . وهى تنم عن طابع محبب يعود بك إلى الماضى وإن لم تكن عشته.

الموسيقى الشعبية ورقص الصحراء من سمات المجتمع الإماراتى الذى يعتز بتراثه الفلكلورى، خاصةً فى المناسبات الوطنية والأعياد والمهرجانات . لعل أهم هذه الفنون فن الوهابية أو الرمسة الذى ينتمى لإمارة رأس الخيمة فى الأساس . وهناك العيالة وهو استعراض يقوم به صفان من الراقصين بالسيوف يشى بمعانى الشجاعة والفروسية، ويتبادلان ترديد أبيات محفوظة من الشعر تعرف "بالشلة" .

هذا إلى جانب الحرف اليدوية التى ما زالت موجودة إلى اليوم لأغراض التجارة السياحية، ومنتجاتها تُعرض فى بازارات الأسواق الشعبية، وأهمها صناعة الأوانى الفخارية المنقوشة، وحياكة وتطريز الأزياء النسائية التراثية، وأهمها "السدو" وهو الفن الذى تم تصنيفه عالمياً كتراث ثقافى مهدد بالاندثار .

حصون ومساجد وأشياء أخرى

لكل دولة طابعها الخاص ومزاراتها الدالة عليها، كأبى الهول بمصر وبرج بيزا بإيطاليا وبرج إيفل بباريس .. ما زالت الشوارع الرئيسية فى باريس ولندن تحتفظ بطابعها التراثى القديم لأنه يعبر حضارياً عن عراقة وأصالة هذه العواصم والمدن .

فى الشارقة اليوم أجواء ساحرة لابد أنها تعود بك، رغم بريقها العصرى ونظافتها، إلى عهود وعصور غابرة مضت . تشعر بهذا إذا زرت "حصن الشارقة"، أو مررت بالبيوت القديمة على الساحل الشرقى فى "خورفكان"، أو إذا زرت مساجد كمسجد "البدية" ومسجد "النور" . والشارقة تحف بالمآذن التى تصل إلى نحو ألف مئذنة رغم مساحتها التى لا تزيد عن ( 2600كم)، وهناك القرية التراثية بمدينة "كلباء"، وحصن البثنة، وسد الرفيصا، ومتحف التراث، ومتحف الآثار. كلها أماكن تراثية قديمة تحف بأجواء سحرية خاصة تأخذك بعيداً إلى أزمان أخرى .

هناك حرص على الاحتفاظ بمظاهر التراث فى كل لمحة من لمحات العمارة والتنظيم، حتى البرامج السياحية التى تنظمها الشارقة تحرص فيها على المزج بين الحداثة والتراث .

كل شئ فى الشارقة ينم عن تاريخها، حتى الكثبان الرملية الحمراء بتموجاتها المبهرة . ما زالت مسابقات الخيول والجمال تجرى بين الفوارس ومحبى هذه الممارسات التراثية الطيبة، بجانب رياضة الصيد بالصقور التى تميز منطقة الخليج عموماً والشارقة خاصة .. هناك أسواق كـ"الشناصية" وسوق"صقر" شبيهة بخان الخليلى فى مصر بما فيها من حرف يدوية نادرة وتذكارات وهدايا وتحف .

فى الشارقة أنت أمام مشهد مبهر يأخذك بسحره الخاص فى منطقة تبدو كالحلم تقف فيها ما بين الأصالة والمعاصرة، أو بين عالمَين يبدوان فى امتزاجهما كالأسطورة الحية .

 

عبد السلام فاروق

 

محمد فتحي عبدالعالالدّهاءُ والجمالُ والتّصميمُ اجتمعوا بملكة قرطاج الأوّلى ابنة ملكِ صورٍ وزوجةِ الكاهن الثري (عاشر باص) اشتهرت  "عليسة" بعدة أسماء ففي الأنيادة لفرجيل سميت "ديدو" وتعني الرّحالة وعُرفت في بعض المصادر الأفريقية ب "ديدون".  كما سميت بـ"أليسا" التي يعتقد أنّها كلمة فينيقية مشتقة من كلمة "اليشات". وبدمجِ الاسمين في بعضِ المصادر عرفت ب "اليسار ديدون" أيّ "الرحالة ديدون".

كانت عليسة الابنه المدللة لماتان او موتو ملكِ مدينة صور الفينيقية وكانت زوجةُ خالها الكاهن الصوريّ الأعظم عاشرباص والذي عرف بزيكار بعل وكان واسعُ الثراء. والمالُ غالباً يجرّ المصائب حتّى من أقربِ النّاس. فهو أخوها وشريكها في الحكم بيغماليون بعدَ وفاةِ أبيها الملك قد عزم على قتلِ زوجها للسيطرة على ثروتهِ وحاول قتلها لكنّها استطاعت بدهاءٍ وحنكةٍ  الفرار بثروة زوجها الطائلة في جنح الظلام. وفي رحلةٍ بحريّة طويلة بلا هدف سوى النجاة بحياتها. أوهمتْ عليسة الجميع بإلقاء كنوزِ زوجها في اليم لتكون قربانا لروحهِ الطاهرة ِ، ولتقطع الطريقَ أمامَ الطامعين فيها على ظهرِ السّفينة ..

رستْ سفنُ عليسة في جزيرةِ قبرص وفيها عقدت الأميرةُ معاهدةً مع كبير كهنة آلهة الجمالِ عشترت وبمقتضي الاتفاق انضم كبيرُ الكهنة وأسرته إلى رفقة الأميرة بعد ضمان استمرار ولدهِ من بعدهِ. والغريب انضمام فتيات وهبن بتولتهن بحسب طقوس الآلهة عشترت وهو ما عرف قديماً بالبغاء المقدسِ  وهو الأصلُ لجهادِ النكاحِ الشّائع لدى الجماعات المتطرفة اليوم وقد ذكرفي السّفر الأوّل من تاريخ هيرودتس ( إنّ أكبرَ المخزيات في بابل شعيرة تقليديّة مضمونها أن تقيم كلّ امرأة في معبد افروديت مرة في حياتها وتجامع غريباً أيّ كان)

غادرت سفن عليسة قبرص لتطولَ رحلتها المحاطة بالمخاطر وتحطّ رحالها في محطةٍ جديدة وأرضٍ غريبة.  حطتْ في أرضِ ملكِ المكسويين والّذي فاوضته للحصولِ على أرضٍ تبني عليها مدينتها إلا أن الأمير اكتفى بمنحها ما يساوي مساحةَ جلدِ ثور فقبلت  وسط دهشةِ الحاضرين وقامت بقص جلدِ الثور إلى أشرطة دقيقةٍ طويلة أحاطتْ بها الهضبة والتي تُعرفُ بهضبةِ بيرصا وتعني جلد ثور ...وكانت هذه المساحة الضئيلة نقطة البداية لبناء مدينة قرطاج (قَرْتْ حدشْتْ) العظيمة والتأسيس لحضارة متطورة قائمة على الملاحةِ والتجارةِ بينَ شرقِ البحر المتوسط وغربهِ في نهاية القرن التاسع قبل الميلاد في منطقةٍ يسكنُها البربر الذين أعجبوا بهذهِ الأميرة ِ، وبهذه الحضارة الراقيّة التي نقلتها إلى أفريقيا ...

راغدة شريفكان التطور الذي أحدثتهُ عليسة بقرطاج إضافة إلى جمالها الشرقيّ الفريد دافعاً لملكِ المكسويين لطلبِ الزّواج منها وهو ما مثل مأزقاً للأميرة وموقف لا تحسد عليه فالرّفضُ بمثابةِ إعلانِ حربٍ على مملكتها الوليدة والزواج منه هو تخلي عن ذكرها لزوجها الّذي بقيت مخلصة لروحهِ الطيبة ..وكان اختيارها هو الانتحار من أجل أن تهب الحياة لمملكتها الجديدة  فجردت سيفا واغمدته في صدرها في مشهد حزين ...ينقلنا هذا المصيرُ الذي شكلَ النهاية لبطلاتٍ كثيرات بحلقاتنا إلى محاولةِ الاقترابِ من فكرةِ الانتحار فأسباب الانتحار كثيرة إلا أنّ الانتحار لأسباب فلسفية ومنها أن يهب الحياة لآخرين أو أنه يرى الحياة قد خلتْ من مغزى حقيقي يدفعة للبقاءِ، يبدو أكثرها حيرة خاصة وأنّه السببُ الرئيس  لانتحارِ المثقفين ...وهل قرارُ الانتحار يبدو سهلاً أمام المقدمين على هذه الخطوة؟!! ...إنّ فكرة أنَّ الشخص العازم على الانتحار هو شخص يودّ أن يموتَ!! هي فكرة خاطئة فالتوصيفُ الأصحُ أنّه شخصٌ يودّ أن يتخلص من ألمه ومتاعبه التي لا تحتملُ،   ليس صحيح أن المنتحر جبانا فالانتحار ترتفعُ نسبته عندَ الأشخاصِ العرضة لحالاتِ العنف الشّديدِ مثل الجنود، بالإضافة  للجانبِ الوراثي لدى هذه الفئة ايضاًقدرة على مقاومة الخوف من الموت وذلك من فرط الألفة مع الأفعال العنيفة والمؤلمه  بحسب توماس جوينز المتخصص في علم النفس الاكلينيكي بجامعة فلوريدا مما يجعل الانتحار خيارا مألوفا لهم . عليسة الأميرة الأسطورية التي نقلتْ حضارةً راقية، وأسست لمملكةٍ بمساحة جلد ثور. 

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الباحثة السوريّة في علوم اللّغة

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري