قاسم حسين صالح(1834 – 1910)  Le’on Walras

هو الاقتصادي الفرنسي اللامع الذي لم يدرس الاقتصاد في اي جامعة او معهد اكاديمي لكنه درسه بعمق دراسة ذاتية. وهو ثاني الاقتصاديين الثلاثة الذين تنسب اليهم "الثورة الحدّية"، اضافة الى الانكليزي وليم ستانلي جيفنز والنمساوي كارل منگر. تميز فالراس عن زميليه بمساهمته الكبرى في استنباط وارساء نظرية التوازن الاقتصادي العام   General Equilibrium. فلم يهتم أي اقتصادي سابق لفالراس بسؤال كيف يتم للنظام الاقتصادي الواسع بكل سلعه المتعددة واسواقه المختلفة ان يتوازن فعليا وليس افتراضا كما كان مسلما به ليد آدم سمث الخفية وتلقائية فلسفة "دعه يعمل دعه يمر"  Laissez-Faireالى ان لمعت فكرة الجواب في رأس فالراس فتصدى الى اتخاذ الخطوات الاولى على طريق الحل الذي سيأخذ مراحل عديدة من اجل ان يكتمل. لقد اعتقد فالراس جازما بأن توازن الاقتصاد ككل ممكن ان يتحقق عن طريق المعالجة الرياضية لايجاد اسعار وكميات توازن كل السلع المتداولة في الاسواق. وقد ساعده في الاهتداء الى ذلك اهتمامه وحماسه الاستثنائي للمنهج التكنيكي رغم انه لم يتخصص في الرياضيات لكنه درسها مليا كما انه اعتمد في احايين كثيرة على مساعدة زملاء متخصصين مثل پول بيكارد.  كان فالراس يدرك كل الادراك بأن التوازن المزمع تحقيقه رياضيا على الورق سوف لن يكون بالضرورة دليلا على تحققه الحرفي في الواقع لكن المغامرة جديرة بالخوض وستهئ مفاتيح كثيرة للمضي قدما في ذلك الاتجاه.

1568  فالراسولد فالراس عام 1834 في منطقة ايفرو الفرنسية، وكان والده اقتصاديا يعمل في ادارة التعليم. أنهى فالراس دراسته الابتدائية والثانوية محليا وتقدم للقبول في الكلية البوليتكنيكية التي كانت تشترط امتحانا شاملا في العلوم والرياضيات من اجل القبول.  ولكن بدلا من ان يدرس متطلبات الامتحان المحددة، استهوته مواد اخرى فانكب على دراسة المثلثات التحليلية وحساب التفاضل والتكامل والميكانيك عند ديكارت ونيوتن ولاگرانج، وبذا فقد فشل في اجتياز الامتحان والحصول على القبول في الكلية البوليتكنيكية، لكنه حصل على قبول في كلية اخرى هي كلية هندسة المناجم،  التي ضاق ذرعا بمناهجها وبيئتها بعد شوط قصير فتركها ولم يعد للدراسة في اية كلية اخرى. أمضى فالراس ردحا من عمره  كشاب بوهيمي في باريس متنقلا من عمل لآخر. فقد جرب الصحافة والادب والنقد الفني وعمل في المناجم وادارة البنوك ولم يستطع ان يستقر في أي من هذه المجالات ويتخذها كمهنة احترافية له!  وذات مساء في عام 1858 وعندما كان يرافق والده في فاصل مشيه المعتاد، وبعد محادثة طويلة قرر ان يتجه الى الاقتصاد كأهتمام مركزي. كان متجاوبا مع فلسفة والده ومتحمسا لميوله الاشتراكية ومؤيدا لموقفه باعتباره أحد الحديين الاوائل. كما انه وجد الرغبة لدراسة ابحاث الرياضي أوگستن كورنو   Augustin Cournotالذي كان زميلا لوالده والذي تنسب اليه المحاولات الاولى في ادخال الرياضيات كأداة تحليلية في القضايا الاقتصادية. بعد سنوات كتب فالراس يقول انه وجد في حقل الاقتصاد ضالته التي جعلته يشعر بالمتعة والرضا كما يشعر الرجل المؤمن بدينه. وهكذا كرس نفسه لدراسة الاقتصاد وبدأ يكتب وينشر المقالات التي للاسف لم تلق اي اهتمام من قبل بقية الاقتصاديين. في عام 1860 اشترك ببحث في المؤتمر العالمي للضرائب الذي عقد في لوزان - سويسرا. ولم يثر البحث الانتباه الا عند تقديمه شفهيا من قبل فالراس، فقد حاز على استحسان كبير من قبل بعض المؤتمرين ودعاهم ان يعرضوا عليه وظيفة تدريسية في اكاديمية لوزان. وهكذا فقد بقي في لوزان كتدريسي لمدة عشر سنوات حتى عام 1870 حيث استُحدث قسم الاقتصاد في كلية القانون فكانت فرصة مواتية له ان يقدم طلبه. تألفت لجنة المقابلة من ثلاثة اساتذة في الاقتصاد واربعة اداريين/ سياسيين. اثنان من الاساتذة رفضوه بسبب ميوله الاشتراكية ودعوته آنذاك الى الغاء الضرائب وتأميم الارض، وثلاثة من السياسيين قبلوه بسبب منهجه التكنيكي البعيد عن السياسة. وهكذا فقد حصل على اربعة اصوات من سبعة فحاز بمنصب الرئيس الاول لقسم الاقتصاد في لوزان. 

في عام 1874 نشر كتابه الهام بعنوان "مبادئ الاقتصاد البحت" الذي قدم فيه مساهمته المركزية لعلم الاقتصاد وهي نظرية التوازن الاقتصادي العام. ومن اجل شرح هذه النظرية استنبط فالراس تجربة عملية للاختبار، فبدأ عمله بافتراض اقتصاد مصغر متمثل  في سوق واحدة يتم فيها تبادل سلعتين فقط بين فريقين من المشترين (المستهلكين) والبائعين (المنتجين) الذين يتنافسون بالمزايدة والمناقصة الحرة لحين وصولهم لسعر التوازن الذي يرضي الطرفين، آخذين بنظر الاعتبار ان قيمة كل سلعة انما تتحدد بموجب منفعتها الحدية لكل منهما. تبدأ المنافسة في هذه السوق الافتراضية باعلان سعر اولي لسلعة معينة لاطلاق منافسة المستهلكين على الشراء بأقل مايمكن وكذلك منافسة المنتجين أو التجار على البيع بأعلى مايمكن الى ان يصار الى اتفاق الطرفين على سعر معين. وبذلك تهيأت فرصة مراقبة سلوك المستهلكين وعدد المستعدين منهم لشراء سلعة معينة بسعر معين وكذلك مراقبة ردود فعل البائعين واستعدادهم للبيع بذلك السعر. فكان واضحا انه اذا ازداد عدد اولئك المستهلكين المستعدين للشراء(جانب الطلب)،  ارتفع السعر، واذا ازداد عدد البائعين المستعدين للبيع (جانب العرض)، انخفض السعر. كان فالراس قد استنتج بانه في نهاية المطاف ستتساوى قيمة المصروفات الاجمالية مع قيمة المبيعات الاجمالية في تلك السوق، وهذا ماسمي بعدئذ ب "متطابقة فالراس"  . Walras Identity

بعد ذلك قام فالراس بتوسيع نطاق تجربته لسلع اكثر واسواق اكثر، فاكتشف ان لكل عدد من السلع المتبادلة سيكون هناك معدل سعر تبادل مشترك لايقدم ولايؤخر بحيث يمكن اهماله، ولذلك فان عدد نسب اسعار التبادل Price ratios  سيكون اقل بواحد (n-1)  من عدد السلع المتبادلة ( (n. كما انه ادرك ان القيمة الاجمالية لكل السلع المطلوبة ستساوي القيمة الاجمالية للسلع المعروضة للبيع في كل الاسواق. أي انه لو كان هناك فائض في الطلب على سلعة ما سيكون له بالمقابل فائض في عرض سلعة اخرى، مما يمكن الاستدلال منه بأن القيمة الاجمالية الصافية لفائض الطلب في كل الاسواق ستكون مساوية رياضيا الى صفر، وهذا ماسمي بعدئذ ب "قانون فالراس" Walras Law.  كما يمكن الاستدلال بأن نسبة اسعار المشتريات ستكون مساوية لمعكوس نسبة كمياتها.

ومن اجل الوصول رياضيا الى حالة التوازن العام، صمم فالراس أربع معادلات متزامنة   Simultaneous equations وشرع في حلها:

- المعادلة الاولى لكميات السلع المطلوبة

- المعادلة الثانية لاسعار السلع نسبة الى كلف انتاجها

- المعادلة الثالثة لكميات مدخلات الانتاج المعروضة

- المعادلة الرابعة لكميات مدخلات الانتاج المطلوبة

على ان تحل هذه المعادلات فتسفر عن استخراج قيم المجاهيل الاربعة وهي سعر كل سلعة وكميتها، وسعر كل مدخل انتاجي وكميته. وكان فالراس قد اضاف معادلة خامسة تقضي بأن النقود المتوفرة (الدخل) ينبغي ان تصرف بكاملها. وبهذا يكون قد جعل عدد المعادلات اكثر من عدد المجاهيل خلافا للقانون الرياضي، مما دفعه ان يختلق، افتراضا ، سلعة اعتباطية سماها G1 واختار لها سعرا قياسيا يتم بموجبه مقارنة الاسعار الاخرى، وهذا ما أُطلق عليه ب Walras Numeraire الذي اصبح شائعا بعدئذ كوحدة قياس.

كانت لفالراس مساهمات اخرى غير نظرية التوازن العام. فقد ناقش نطاق علم الاقتصاد ونظرية القيمة ودور الرياضيات في فهم وتقدير وتقييس الظواهر الاقتصادية، ونظرية الانتاج عبر التكنولوجيا الثابتة والمتغيرة، ورأس المال والادخار والائتمان والنقود، والنمو الاقتصادي، والمنافسة والاحتكار. لقد اكد فالراس ان تجاربه التطبيقية كانت من أجل الاختبار العلمي للمسلمات كنظام المنافسة الكاملة وفكر "دعه يعمل دعه يمر"  الذي تبناه الاقتصاديون الكلاسيكيون كمفهوم وفلسفة من دون أي اختبار لمدى صحته ومصداقيته. ومن هنا يأتي طبيعيا ادراك فالراس بأن السلع المختلفة والاسواق المتعددة لابد ان تكون متداخلة الارتباط وشائكة العلاقات خاصة بتعددها وتنوعها لكن تلك العلاقات المعقدة يمكن تمثيلها بمعادلات رياضية واستخراج حلولها. وهذا مايفسر افتتان فالراس بالحلول التكنيكية الرياضية مما جعله رائدا في الاقتصاد الرياضي الذي يستخدم الارقام والبيانات ويهتم بحسابها وتقييمها فيحول طبيعة الاقتصاد من وصفي الى تطبيقي تكنيكي.  وكمكمل لكتابه "مبادئ الاقتصاد البحت"، اصدر فالراس جزئين آخرين احتويا على دراسات سابقة منقحة ومزيدة، كان الجزء الاول منها عام 1896 بعنوان " دراسات في الاقتصاد الاجتماعي" ، والثاني عام 1898 وكان بعنوان"دراسات في الاقتصاد التطبيقي".

لم تلق مساهمات فالراس الهامة الاهتمام المتوقع ولم يأخذ هو المكانة التأريخية التي يستحقها إلا بعد مماته بعقود وخاصة خلال الثلاثينيات من القرن العشرين. كان ذلك لاسباب عديدة منها ان ثقل الفكر الاقتصادي والحراك النظري كان في انكلترا وليس في فرنسا او سويسرا، أضف الى ذلك ان كل كتابات فالراس كانت باللغة الفرنسية ولم تترجم الى الانكليزية أوالى لغات اخرى الا بعد زمن طويل على رحيله. السبب الآخر هو ان عمله كاستاذ ورئيس قسم الاقتصاد كان في كلية القانون حيث تدرس الاغلبية من الطلاب ليتخرجوا كمحامين وقضاة وليس كأقتصاديين، فلم يعير جلهم اي اهتمام للاقتصاد الا بقدر كونه درسا ثانويا. ولهذا فقد اصاب فالراس الاحباط فتقاعد عن العمل بعمر 58 عاما رغم انه استمر في نشاطه الفكري خلال الثمانية عشرعاما اللاحقة. ومما خفف عليه كثيرا هو انه قد وجد ضالته في خلفه كرئيس للقسم، الاقتصادي الايطالي القدير وليفريدو پاريتو  Vilfredo Pareto الذي ترأس القسم عام 1893 وعمل مع فالراس يدا بيد ليشكلا تراثا فكريا متميزا سمي فيما بعد بمدرسة لوزان في الاقتصاد.

كانت السنوات الاخيرة من حياة فالراس كئيبة ومثقلة بالمرارة والخيبة والخذلان رغم وجود شذرات مضيئة قليلة كذيوع شهرته، اخيرا، في سويسرا وحصوله على المواطنة فيها وكذلك قبوله كعضو فخري في جمعية الاقتصاديين الامريكية عام 1892. توفي فالراس عام 1910 بعمر 66 عاما وهو يصارع مرضا عقليا أتلف من عمره عدة سنوات!

 في كتابه " تاريخ التحليل الاقتصادي" الصادر عام 1954 وصف الاقتصادي الشهير جوزيف شومبيتر فالراس بانه "اعظم الاقتصاديين" ووصف نظريته في التوازن الاقتصادي العام بانها "وثيقة الاقتصاد العظمى" Magna Carta of Economics.

أما الاقتصادي يورگ نيهانز فقد وصف فالراس في كتابه "تاريخ النظرية الاقتصادية" قائلا "برغم ان فالراس لم يضيف للاقتصاد أي رؤيا جديدة لكنه قدم مساهمة عملاقة على طريق بناء الموديلات الاقتصادية الرياضية.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

محمد السعديبهاء الدين نوري يهدىء العلاقة مع الاتحاد الوطني

 يعد الرفيق بهاء الدين نوري (أبو سلام) نموذجاً من تلك الايام الغابرة من النضال الثوري وتحطيم الرؤى . في صيف ١٩٨٣ تعرفت عن قرب في الجبل على بهاء الدين نوري في مناطق كرميان وقرداغ وشهرزور، كان في يومها المسؤول الأول في قاطع سليمانية وكركوك لانصار الحزب الشيوعي العراقي، وكنت ملتحق تواً من تنظيم الداخل وذهني معبأ بالافكار والمشاريع والخطط والطموح جلها تصب في البحث عن فرص للاطاحة بالنظام الدكتاتوري، حقاً كانت أحلام صادقة بمشاريع ثورية لكنها طوباوية بعيدة عن رؤية الواقع بالعين الأخرى . في يومها ألتقيته على عجل في تقليب سريع لتطورات الاحداث في الداخل، كان ينصت لي بإهتمام وأنا أستقرأ الوضع السياسي وظروف الحرب وعلاقاتنا بالجماهير وتأثيراتها على أثر هروبنا الجماعي عامي ١٩٧٨ / ١٩٧٩ وترك الساحة فارغة فقط للبعثيين يعبثون بها، في أنتهاك صارخ لحياة الشيوعيين وأصدقائهم. آنذاك كانت جريمة بشتاشان تلقي بظلالها السلبية على معنويات الأنصار وحراكهم السياسي، وكان للرفيق بهاء رأي وإتجاه آخر من تشابك الاحداث يدعوا الى تهدئة الأجواء بين الأطراف المتطاحنة رغم أن الأتجاه العام هو الذي كان طاغي بين رفاق الحزب هو الانتقام والثأر لدماء رفاقهم التي نزفت على سفوح وجبال قنديل . المتعارف عليه بين أوساط الشيوعيين عن شخصية بهاء الدين نوري هو الاعتداد بمواقفه والتمسك بها هكذا تتحدث سيرته الذاتية (الحزبية) منذ العام  ١٩٤٩ منذ أن وطأت قدماه أرض العاصمة بغداد من قرية نائية وغافية على سفح جبل قرداغ (التكية)، تلك القرية التي عرفت من خلال قصته الشهيرة أيام العمل الجبهوي مع البعثيين (قرية على سفح جبل) . يذكر أنه جاء الى بغداد بناءاً على وصية من السجن للرفيق فهد في حال أعتقال حميد عثمان، وطيلة وجود فهد ورفاقه في السجن من العام ١٩٤٦ بعد المؤتمر الأول للحزب عام ١٩٤٥ وتشكيل لجنة مركزية ومكتب سياسي وبرنامج سياسي للحزب ونظام داخلي شكلت خمسة مراكز حزبية في العاصمة بغداد في فترة وجود فهد ورفاقه في السجن بعضها أنهار والبعض الآخر تعرض الى الاعتقال والمطاردة والتصفية،  أكثرها كانت أختيارات غير موفقه ومبنية على أسس بعيدة عن القدرة والكفاءة والقيادة بسبب الوضع الاستثنائي للحزب الشيوعي ومعاداة السلطة الحاكمة له .

مشى بهاء الدين نوري بإتجاه تهدئة العلاقة مع حليف الامس عدو اليوم الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) في قاطع سليمانية وكركوك رغم الغضب الحزبي والجماهيري عن ماآلت اليه الامور في التصعيد والقتال في القواطع الاخرى . فراح وعقد أتفاقية عن عدم الاقتتال الداخلي مع مله بختيار مسؤول قوات الاتحاد الوطني في قاطع سليمانية وكركوك في قرية ديوانه فعرفت فيما بعد باتفاقية (ديوانه) بالضد من الجو العام السائد في التصعيد رداً لأعتبار ودماء الشيوعيين التي سالت في قرى بشتاشان ووادي بليسان وجبل قنديل مما سببت غضب وأستهجان كبيرين وأدت الى أنسحاب رفاق من مواقع النضال وعزوف البعض عن العمل الحزبي فتركت بلبلة كبيرة بين الرفاق وأنتقادات ساخرة وصلت الى حد التجريح والاتهامات، وفي غضون ذلك الوضع الحزين وفي تلك الاجواء المشحونة، تدوي صفعة مفاجئة غير متوقعة كالصاعقة على معنويات الشيوعيين ببث أذاعة الاتحاد الوطني الكردستاني بياناً موقعاً باتفاق الأسيرين من قادة الحزب كريم أحمد وأحمد باني خيلاني لمرات متعددة تدعو الشيوعيين الابتعاد عن العمل والتنسيق مع قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) والحزب الاشتراكي الكردستاني (حسك)، وتدعوهم في التنسيق والعمل المشترك مع مقاتلي الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك)، في الوقت نفسه يقتلون ويعذبون برفاقنا ؟.

 تطورات متسارعة

يومها ساد الأسى والتعجب عن ما يجري من تطورات متسارعة بين بشمركة الحزب فانتقل الشيوعيين مجبرين من مناطق كرميان وقرداغ الى مناطق شهرزور وكرجال وسورين وهزارستون، وفي محاولة تعد يائسة أمر الرفيق بهاء بأجراء أنتخابات حزبية للهيئات واللجان الحزبية في سابقة جديدة من تاريخ الحياة الحزبية، لكنها لم تشكل شيء أمام حجم التحديات الجديدة .

توقيع بيان

في الشهور الاخيرة من العام ١٩٨٣ وصل أحمد باني خيلاني الى مناطق كرجال بعد أن فكوا أسره قادة الاتحاد الوطني الكردستاني على أثر توقيع بيانهم المذل بحق دماء رفاقنا مع كريم أحمد بعد أن قتلوا رفاقهم العرب ومثلوا بهم تعبيراً عن شوفينيتهم وحقدهم، وصل حاملاً معه قرار تعيينه مسؤول أول للقاطع ..؟.

 هنا نقطة نظام … رأس سطر ؟.

أحمد باني خيلاني عضو اللجنة المركزية من أهالي دربندخان، كان قاريء مواظب في المساجد قبل أن يعتنق الشيوعية، وهو من رجح كفة الميزان بعقد الجبهة العام ١٩٧٣ بضغط ومراوغة من سكرتير الحزب عزيز محمد بعد أن كانوا ثمانية من أعضاء اللجنة المركزية من مجموع خمسة عشر عضو ضد هذا المشروع بل طالبوا في الحد الأدنى من البعثيين الأعتذار عن قتل الشيوعيين العام ١٩٦٣، لكن البعثيين كانوا وقحين ولم يستجيبوا . ومن هم المعارضين لهذا المشروع ؟. مشروع الجبهة مع البعثيين ؟.

زكي خيري، بهاء الدين نوري، عمر الشيخ علي، أراخاجادور، سليمان أسطفيان، عدنان عباس، مهدي عبد الكريم .. وأخيراً أحمد باني خيلاني الذي أنقلب على هذه المجموعة في الجلسة الثانية من الأجتماع ليحسم التصويت على أقامة الجبهة الوطنية والقومية التقدمية .

منذ اليوم الأول لوصوله كنت مقاتلاً بنفس الموقع وأراقب تطورات الاحداث لسبب لاغيره ما زلت أحمل مرارات  عمل الداخل ومخاطره وحياة الناس في حبها للحزب ومقارنته بما يجري بين صفوفنا ومستوى صراع قادتنا . جاء أحمد باني خيلاني وحامل معه قرار مسبق ومدعوم من سكرتير الحزب عزيز محمد بعزل بهاء الدين نوري عن كافة مسؤولياته العسكرية والحزبية وحصر نشاطه السياسي والعسكري بل تحجيمه وتقزيمه . في تلك اللحظة بدأ صراع محموم بين القائدين الشيوعيين الى مستوى الاتهامات الشخصية المتبادلة وتعيير بعضهم بتاريخهم القديم بفضحه على الملأ من مواقف وأحداث وتاريخ شخصي فكانت كفة النزاع تميل أكثر الى جانب أحمد باني خيلاني وسط الرفاق والأنصار لانه أصبح هو المسؤول الاول وبيده القرار حتى لو كانت على حساب المباديء والأمانة التاريخية وهذه سمة غالبة عند العراقيين عموماً يميلون بمواقفهم مع القوي حتى لو كان عاطلاً وغير أميناً . وفي هذا الأثناء بعد ما حوصر الرفيق بهاء وجرد من مسؤولياته وعمم على الرفاق بعدم الاخذ والعطاء معه أي بمعنى أدق مقاطعته أجتماعياً وسياسياً والنيل منه لكي تثبت أنتماءك الحزبي . تركت تلك الضغوطات على حياة بهاء الدين نوري فراح يلوح بنشر وثيقته التقيمية عن تاريخ الحزب من ١٩٦٨ الى ١٩٧٩ ويطالب بعقد مؤتمر طاريء لمناقشة أزمة الحزب ووضع الحلول الكفيلة بأنهاضه من جديد وبعدم شرعية القيادة الحالية، رغم أتساع الحملة ضده وشدتها من رفاق الأمس لكنه لم يضعف أو يقدم تنازلات بل يزداد تمسكاً بموقفه ويدافع عنه بكل بسالة وتحدي وقناعة، وتتطور الامور الى مستوى محاولة حجزه وحجره وهو داخل موقعنا في شريط مناطق كرجال في جبال (بيارا وطويلة) أي بمثابة إقامة جبرية، بعد هذه الحمله الكبيرة ضده ومراقبة ومتابعة رخيصة بأساليب معيبة ولا تليق بنا نحن الشيوعيين مع الحملة المفترئة للمساس بتاريخه السياسي والشخصي حيث وصل بنا المستوى الى الكيل له بتهمة العمالة للسلطة . هنا شكل عندي الوعي والموقف بتجلي جديد في تقييم الاحداث والخلافات والموقف منها دعتني أن أعيد النظر بمواقف عديدة ورسم رؤى جديدة في مسيرة حياتي النضالية، وعندما كنت أسأل رفاق الحزب عن مصداقية وواقعية تلك الأتهامات بلا جواب شافي وبدون مسؤولية الا أن تطورت الاحداث الى حد التصادم والمواجهة فتسلل عبر مقرنا الى مناطق شهرزور مع مرافقه الوحيد أبن أخيه (آسو)، والتحق فيما بعد به عبدالله فرج (مله علي) المسؤول العسكري السابق للقاطع ورفاق حلبجه توفيق الحاج وأقربائه وسرية فتاح كلالي ليعلنوا تمردهم العسكري والحزبي على الحزب وسياسة الرفاق في القاطع .

كنت ضمن جحافل المقاتلين لملاحقتهم في سهل شهرزور في طريقة متخلفة لانهاء الازمة وأحتواء الخلافات بيننا  كرفاق ومناضلين وأصحاب مشروع ثوري، كانت الحلول المطروحة عشائرية أكثر مما هي سياسية ووطنية أدت بنا الى أنسحاب كامل من أراضي شهرزور مناطق تواجدنا وقربنا من الجماهير الى الشريط الحدودي في جبال سورين طبعاً كانت أيضاً مشاكلنا مع الاتحاد الوطني الكردستاني فعلت فعلتها من خلال دعمهم لهذا العصيان والتمرد الحزبي والعسكري بل شاركوا بتأجيجه بالتنسيق مع خطط النظام . أنتهى المشوار ببهاء الدين نوري في قريته (التكية) في قرداغ بإصدار صحيفته القاعدة ونشر وثيقة تقيمه بها وتاريخ خلافاته مع قيادة الحزب ونقد لاذع لسياسة الحزب في فترة الجبهة وما ألحق بها من ويلات .

بعد شهور من تلك الازمة العاصفة الخانقة بدأت تتلحلح بعض المواقف بأتجاه التهدئة والتواصل عبر وسطاء مؤثريين على المشهد السياسي (الكردستاني) فتوقفت الحملة من الطرفين لكنها يبدو لي مشروطه بالتزامات من الطرفين . أنحصرت تلك التطورات في الفترة الزمنية من نهاية عام ١٩٨٣ الى بدايات العام الذي تلاه . في صيف هذا العام وعلى حين غرة يصل بهاء الدين نوري مع مله علي وعائلته ويتخذوا من بساتين قرية (آحمداوه) موقعاً لهم على طلة نهر متدفق (ريبوار) من الاراضي الإيرانية . كنت أمر وأسلم عليهم متى ما نزلت الى قرية آحمداوة في تبادل أحاديث عامة بعيداً عن ما جرى . ومن أجل طوي تلك الصفحات من الماضي كما أعلن في حينها وفتح صفحة جديدة من التفاهم وسماع الآخر والمضي قدماً بإتجاه لملمة الصفوف ..

حيث تمت دعوتهم من قيادة الحزب الى مناطق لولان حيث إجتماع اللجنة المركزية هناك من أجل الوقوف مباشرة على تقاطعات مواقفهم وأراهم السياسية، لكن هذه المرة الآمر لم يطول وفي مفاجئة سريعة في تسريب الاخبار في عملية أعتقال بهاء الدين نوري وهروبه من السجن ووصوله الى مناطق قرداغ، وكانت هذه بداية النهاية في تصعيد المواجهة مجدداً. تعرض بهاء الدين نوري في حياته الحزبية والنضالية الى أكثر من محاولة تهميش وأقصاء ضمن دائرة الصراع السياسي والخلاف الفكري منذ مطلع الخمسينيات، عندما أعتقل وهو داخل السجن جرده وسحب منه كل مسؤولياته رفيقه حميد عثمان . وفي فترة قيادة سلام عادل لحزب الشيوعيين والخلاف معه حول قيادة سياسته للحزب فعارضوا تلك السياسة كل من بهاء الدين نوري وعامر عبدالله وزكي خيري والشهيد محمد حسين أبو العيس، وفي تدخل السوفييت في أنهاء هذا الخلاف قدم الرفاق أعتذارهم ووضعوا حياتهم تحت تصرف الحزب الا بهاء الدين نوري بقى معتداً بموقفه ولم يخشى من الوقوع في الخطأ وفي الدفاع عنه مما أبعد عن دائرة الأضواء الى موسكو لسنوات عدة وعاد بعد مجازر ٨ شباط ١٩٦٣ .

عزل نهائي

في المحاولة الثالثة تم عزله نهائياً والى الأبد وبدون أي هيئة حزبية أو لجنة لسماعه ودراسة أرائه، حيث عرف  شخصياً بطرده من الحزب من خلال أدبيات ونشريات حزبية . في العام ١٩٨٧ زرته في قريته (التكية) رغم التحذير الحزبي الصارم بعدم الاتصال واللقاء به، فوجدته بتلك الروح العالية من التحدي والمواصلة بصحة أرائه وصدق مواقفه رغم مرور تلك السنين وما تعرض له من حملة كبيرة للاساءة الى تاريخه ومواقفه تجاوزت المألوف وخرجت عن الاساسيات في أصول النزاعات الفكرية . كنت ومازلت أعتبر قادة الحزب رفاق ضحوا بحياتهم وأفنوا مستقبلهم من أجل هدف سامي للعراق وأهله، وتركوا لنا أرثاً نضالياً كبيراً رغم الأخطاء التي رافقت عملهم النضالي، فالعلاقة معهم والتواصل وفاءاً شيوعياً .

في بدايات العام ١٩٨٩ كنت في الشام (دمشق) بعد أن نجوت بأعجوبة من السلاح الكيمياوي في أخر أنفال حكومي على مناطق (سركلو بركلو) مقرات الاتحاد الوطني الكردستاني ربيع العام ١٩٨٨ . ألتقينا مجدداً لأسابيع وسكن عدة ليالي في بيتنا في ركن الدين، الذي كان يشاركني به عزيز الشيباني وخضر عبد الرزاق ودارت حوارات سياسية متعددة مع أطراف عراقية خرجت من رحم الحزب وشخصيات من حركات تحرر ورفاق آخرين، كنت أرافقه ببعضها بناءاً على رغبته وأرى جبروته في أدارة الحوار وطرحه السياسي في المستجدات ومعالجة الازمة وأيمانه بقدرات المناضلين في أعادة بناء صرح الحزب . في العام ١٩٩٠ كنت في مدينة مالمو السويدية بعد الهجرة الجماعية التي عصفت بحياتنا عكس الذي كنا نصبو له في مشروعنا من العودة للوطن أدت بنا الى الهجرة المعاكسة خارج أسوار الوطن . في مدينة مالمو تجمعني الظروف مرة أخرى بالرفيق أبو سلام وصلني من العاصمة أستوكهولم وسكن معي في شقتي المتواضعة ولم تمل أحاديثه كانت بالنسبة لي دروس ومعاني نضالية في تقليب صفحاته عبر تاريخ طويل وعميق بالتجارب والدروس والعبر . رغم عمر سنه وصحته العليلة وحياته المرهقة كان بحاجة الى أجواء حياة مثل السويد في تقديم الخدمات وحياة تليق بالبشر، لكن أبو سلام كانت عيونه وأحاسيسه تربو صوب الوطن حالماً بوطن خالي من الاستبداد والدكتاتورية وحزب شيوعي معافى من ترسبات الماضي . فحزم حقائبه بأتجاه الوطن ليقضي ما تبقى من العمر بين أهله ورفاقه وشعبه . بقينا فترة طويلة نتبادل وجهات النظر عبر الرسائل البعيدة وكانت أشعر بأصراره على مواصلة النضال من خلال سطور رسائله . ومازلت والى يومنا هذا بعد مضي ثلاثة عقود أتابع تغريداته ومقالاته بنفس الاصرار وروح التحدي والدفاع عن تلك المباديء التي حلم بتحقيقها منذ أن وطأت قدماه أرض بغداد الحبيبة وهو شاباً يافعاً . للرفيق أبو سلام الصحة والعافية وثناء له على أصراره في مواصلة الطريق رغم الخلافات ببعض المواقف وتقاطع الرؤى والافكار على أقل تقدير بالنسبة لي .

 

محمد السعدي

شباط/ ٢٠٢٠

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن أستاذنا الدكتور حامد طاهر الذي ذهب ضحية كورونا، وهنا يمكننا القول بأن: لكل فكر مكتمل قواعده وأسسه التي يقوم عليها، ويستند إليها، وله محاوره الجوهرية التي ينشغل بها، كما أن له غاياته التي يسعي إلي تحقيقها . وقد يصرح المفكر نفسه بهذه العناصر المنهجية، التي تحكم نشاطه العقلي،وتوجه اهتماماته الفكرية، ولعله، في بعض الأحيان – يدفع إلي ذلك دفعاً، لا سيما إذا كان يتصدى لدراسة بعض المسائل التي تختلف المواقف حولها، أو يثور النزاع بصددها . ولا شك أن قيام المفكر نفسه بتحديد منهجه، وإبراز خصائصه وملامحه يزيد فكره وضوحاً، ويجعل من السهل متابعته في جوانبه المختلفة التي تبدو علي الرغم من اختلافها – متماسكة، تمثل في مجموعها نسقاً فكرياً متلاحماً. لكن الأمر لا يكون علي هذا النحو دائماً، فكثيراً ما يترك المفكرون لغيرهم فرصة القيام بهذه المهمة، وهي مهمة لا تخلو من صعوبة، ولكنها – مع ذلك- ليست مستحيلة، وهي لا تحتاج- في كل الأحيان- إلي صبر ومثابرة وإمعان نظر، فإذا تحقق ذلك كان الوصول إلي تحديد خصائص هذا الفكر أمراً ميسوراً وذلك كما ذكر الدكتور عبد الحميد مدكور ضمن بحثه عن النهضة الإسلامية في فكر محمود قاسم.

ويمكن القول بأن ما قدمه حامد طاهر من أفكار وآراء حول نهضة العالم الإسلامي من وهدته التي التي انحدر إليها بعد عصور ازدهاره الأولي كانت أفكاراً واضحة المعالم، مكتملة العناصر والحلقات، وأنها تمثل جانباً شديد الأهمية من جوانب فكره، وربما لم ينل هذا الجانب ما يستحقه من اهتمام، إذا قورن بالقضايا الكثيرة التي تضمنها تراثه الفكري والفلسفي، وما بذله فيها من جهد، كان يصل إلي حد المعارك الفكرية أحياناً، ويمكن الإشارة إلي موقفه من الفكر الفلسفي فى الإسلام، والذي يؤكد فيه حامد طاهر إلي أن الفكر الفلسفى فى الإسلام يرجع فى جذوره الأولى إلى القرآن الكريم، الذى دعا إلى إعمال العقل فى كل شئون الحياة، وحذر من تقليد السابقين بدون وعى، حتى لو كانوا هم الآباء، وأدان اتباع الهوى دون التجرد بموضوعية إلى جانب الحق، ثم حين بدأ المسلمون يتصلون بالأمم الأخرى، ويتعرفون على ثقافاتها اقتبسوا منها ما وجدوه صالحا لحل مشكلاتهم الفكرية، أو مفيدًا فى تنظيم عملهم العقلى، كما حدث بصفة خاصة مع منطق أرسطو.

ولم يكتف حامد طاهر بذلك بل يقول:" وإذا كانت الفلسفة الإسلامية قد بدأت مسيرتها لدى المسلمين بعلم الكلام، الذى ناقش فى مراحله الأولى قضيتيْن دينيتيْن هما: مشكلة القدر (الجبر والاختيار) ومشكلة مرتكب الكبيرة، فإنه قد توسع فيما بعد فتناول مسألة الصفات الإلهية، ثم استقر أخيرًا، وحتى اليوم، فى ثلاثة مباحث رئيسية هى: الإلهيات، والنبوات، والسمعيات.

ويستطرد فيقول:" وقد نشأت إلى جانب علم الكلام: الفلسفة ذات الاستلهام اليونانى، أو كما يسميها البعض تجاوزا: الفلسفة المشائية. وهذه راحت تقدم أفكارًا دقيقة للغاية حول طبيعة النفس وخلودها، وكيفية خلق العالم وحدوثه، وعلاقة العالم بالله، ثم تجلت عبقريتها فى أهم مسألة حينئذ وهى محاولة التوفيق بين الفكر الفلسفى التابع من العقل الإنسانى، وبين الوحى المنزل من السماء، وهى المسألة التى عرفت باسم العلاقة بين الحكمة والشريعة .

وإذا كان هذان المجالان: علم الكلام، والفلسفة ذات الاستلهام اليونانى في نظر حامد طاهر قد اعتمدا (العقل) وسيلة أساسية للمعرفة، ومرجعية لها، فإن الصوفية الذين انتشروا منذ القرن الثالث الهجرى كما يقول حامد طاهر ذهبوا إلى أن العقل لا يكفى وحده فى المعرفة، بل لابد من التجربة التى تقوم على (الذوق) الخاص، ومن مبادئهم الشهيرة فى هذا الصدد أن (مَنْ ذاق عرف)، وهم يتمسكون بقول الله تعالى:) وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ ( [سورة البقرة: 282ٍ] وهذا يعنى أن الطريق إلى العلم لا ينحصر فى براهين العقل، وإنما فى طريق أخلاقى طويل قوامه التقوى .

وهكذا أصبح لدى المسلمين في نظر حامد طاهر أكثر من منهج للمعرفة، خاصة وأن علماء الحديث كما يقول "رفضوا كلا من عقل الفلاسفة، وذوق الصوفية، وأكدوا على منهج (النقل) الموثق القائم على الفحص الدقيق لسيرة الرواة، وأنتجوا فى ذلك علما هو علم مصطلح الحديث، الذى يتميز بالأصالة الكاملة".

ولم تقتصر الفلسفة الإسلامية عند حامد طاهر على مناقشة المسائل الفكرية والدينية الخالصة، وإنما تشابكت مع السياسة . فقد جرى استخدامها فى تدعيم آراء الفرق السياسية التى ظهرت لدى المسلمين منذ وقت مبكر، واستمرت حتى اليوم، وهى الفرق الكبرى التى يمثلها: أهل السنة والشيعة، والخوارج – بتفرعاتها التى تكاد تستعصى على الحصر.

وعند التحليل كما يقول حامد طاهر، يتضح أن مجالات الفلسفة الإسلامية تزيد على عشرة مجالات. وقد ترك لنا أعلامها فى كل مجال ثروة فكرية رائعة، ومعظمها ما زال مخطوطًا حتى اليوم، والكثير منها ضاع فيما ضاع بسبب الحروب والكوارث التى نزلت بالمسلمين، ومع ذلك فإن الباقى من هذه التركة ما زال يمثل نسبة أكبر من نسبة أى تراث آخر، تركته أمة لأبنائها.

وهنا يتساءل حامد طاهر: فما هو واجبنا تجاه هذا التراث الثمين ؟ أولا: لابد من البحث عنه، والكشف عن كنوزه، وإخراجه للناس بصورة محققة حديثة. وثانيًا: دراسته بمنهج علمى حديث للوقوف على أبرز أفكاره، وما يمكن أن يستفاد منها فى الوقت الحاضر. وبالطبع لا يمكن التوصل إلى هذا وذاك إلا بفهم واستيعاب وتحليل ومقارنة، حتى تظهر القيمة الحقيقية لما بين أيدينا، ولما يمكن أن نتركه لأبنائنا من بعدنا.

ويجيبنا حامد طاهر فيقول  ومن إحساسى العميق بهذه المشكلات، كتبت منذ فترة بحثا بعنوان (منهج التعامل مع النصوص التراثية) (انظر: سلسلة دراسات عربية وإسلامية – الجزء 38) تناولت فيه مشكلات النص التراثى عموما فى بعض مجالات العلوم الإسلامية واللغوية. لكننى أتجه هنا إلى (تحليل النص الفلسفى) وهو موضوع أضيق، لكنه يعتبر جديدا تماما فى اللغة العربية. وأرجو أن يكون تناولى له فاتحة لدراسات أعمق وأوسع، وخاصة من الباحثين الشبان. ومن الله أستمد العون .

وثمة نقطة أخري مهمة وجديرة بالإشارة نود أن نشير إليها وهي أن حامد طاهر فيلسوف متعدد المواهب، كان يجيد اللغة الفرنسية تماماً، ونتيجة دراسته في جامعة السوربون، ومنها ترجم العديد من المؤلفات، في الفلسفة والاجتماع والأدب، وله اعترافات وخواطر كثيرة، نذكر منها أقواله التالية:

1- يقال إن الاعتراف: شجاعة وأنا أقول إنه: استسلام .. والأمران متداخلان .. فالشخص الذى يعترف .. يشبه من يتعرى أمام الآخرين .. لكنه لا يفعل ذلك .. إلا بعد أن يدرك أن ما يفعله .. هو نهاية التماسك !

2- قضيت معظم سنوات عمرى، وأنا أحاول فهم الماضى من كتب التاريخ، حتى إذا اقتربت كثيرا من ذلك، وجدت.

3- أنفقت زمنا طويلاً، فى معايشة عواصم الحضارة الإسلامية: دمشق، وبغداد، وقرطبة .. وأخيرا وجدتنى أعيش وحيداً فى عصر الإنترنت ! ى أجهل الناس فى فهم الحاضر.

4- صدّقت الذين قالوا لى: إن الحب العذرى هو أسمى أنواع الحب .. وبعد أن وقعت فيه أكثر من مرة، وجدت أنه هو الحرمان بعينه .

5- نشأت على أن عالم الكتب، هو أعلى قيمة من حياة الواقع، حتى تبيّن لى خطأ هذا القول تماماً، فليست الكتب سوى المرآة، التى تعكس الواقع بكل ما فيه .

6- القراءة هى الطريق الأمثل للكتابة، والمسألة هنا أشبه، بالإناء الذى لا يفيض، إلا بعدما يمتلئ !

7- مأساة الإنسان على الأرض أنه لا يحظى بفرصة واحدة، إما أن ينتهزها، أو يخسرها .. والمؤكد أن الحساب قادم لا محالة .

8- أسوأ من قابلتهم فى حياتى: المنافقون الذين يظهرون الطاعة ويضمرون المعصية، والين يداهنون المسئول، لكى يحصلوا منه على مكافأة سريعة، فإذا ترك منصبه، اختفوا من أمامه تماما .

9- أسوأ من قابلتهم فى حياتى: المنافقون الذين يظهرون الطاعة ويضمرون المعصية ـ، والين يداهنون المسئول، لكى يحصلوا منه على مكافأة سريعة، فإذا ترك منصبه، اختفوا من أمامه تماما .

10- معظم الناس يعيشون حياتهم يوما بيوم، دون أن يتركوا وراءهم شيئا يذكر، بينما أفراد قلائل فقط من العباقرة، هم الذين ساهموا فى تقدم الإنسانية، كالذى اخترع الكهرباء، أو الطائرة، أو التلفون المحمول ..

11- اللغة العربية التى نعاها حافظ إبراهيم، فى قصيدة عصماء مبكية، ما زالت تعانى من الإهمال واللامبالاة، وكسر القواعد على ألسنة أهلها، وأقلام كتّابها . أما التلاميذ الذين يتعلمونها فلهم الله، لأنهم أصبحوا يتجرعون (النحو)، كالدواء المر، الذى لا يشفى أحدا !

12- شعار (مجانية التعليم) أصبح خاليا من المضمون، وعلينا الاعترف بذلك دون مجاملة أو مكابرة، ويمكنكم أن تحسبوا معى ما تنفقه الأسرة، على الدروس الخصوصية، وستجدون أن المدارس أحق بتلك المبالغ، للنهوض بالعملية التعليمية، وإصلاح حال المعلم، وتوفير الأجهزة اللازمة ..

وكان حامد طاهر عشاق الشعر العربي، حيث ذكر في سيرته الذاتية أنه قال: عكفت فى سنوات المرحلة الثانوية، التى كانت تمتد فى الأزهر إلى خمس سنوات، على قراءة كمية كبيرة من دواوين الشعر العربى، القديم والحديث، ولم يبهرنى فى العصر الجاهلى سوى طرفة بن العبد، بقصائده المحكمة البناء والعميقة الأفكار . أما كل من عنترة وامرئ القيس فقد كنت معجباً بهما كشخصيات أسطورية عربية، أكثر من كونهما شاعرين حقيقيين . كذلك أعجبنى شعر عمر بن أبى ربيعة، ومجنون ليلى وكثير عزة وفضلت – لنفسى – جريراً على الفرزدق . . كما أحببت البحترى أكثر من أبى تمام . . وقرأت ابن الرومى أكثر من مرة، وكذلك أبا نواس وأبا العتاهية، وحفظت كثيراً لبشار بن برد، أما المتنبى فقد كان أخلص أصدقائى . ومازلت حتى اليوم أحتفظ بديوانه على مكتبى، أنظر فيه من وقت لآخر . وكذلك أعجبت بأبى فراس الحمدانى، والشريف الرضى . . هذا بالإضافة إلى الشعراء الأقل شهرة، والذين كنت أقرأ لهم مقطوعات متناثرة فى كتب الأدب والتاريخ.. ومن العصر الحديث، قرأت البارودى كأنه "مقرر دراسى"، وكذلك حافظ إبراهيم، أما شوقى فقد كان صديقى الثانى بعد المتنبى . وعشت فترة طويلة مع شعراء المهجر، وخاصة إيليا أبوماضى، وأحببت كثيراً شعر الأخطل الصغير وتأثرت به . . وهناك شاعر اسمه فوزى المعلوف قرأت له قصيدة "على بساط الريح" فلم يفتر اعجابى به حتى اليوم . وكان لأبى القاسم الشابى وقع خاص فى نفسى . . كما قضيت وقتاً طويلاً جداً مع قصائد نزار قبانى ... إننى أترك الكثير جداً من أسماء الشعراء الذين أعجبت بهم لأقول إن من ذكرته هنا، ومن لم أذكره . . كانوا يعيشون معى فى حياة فعلية، وكنت أحس وأنا أقرأ لكل منهم أنه إنما يخاطبنى أنا وحدى، ويحدثنى منفرداً عن همومه وآلامه .

وكان حامد طاهر من الداعين إلي تجديد الخطاب الديني، ففي إحدى لقاءاته التلفزيونية قال: إننا في حاجة في تلك المرحلة التي نعيشها إلي خطاب ديني بعيد عن التشدد والتعصب والقصور في معالجة قضية الوحـدة الوطنيـة، ولا يدعو للكراهية ولا التعصب ضد اتباع أي عقيدة أخرى، ولا يؤدي للفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط، لأنه يعتمد على القرآن والسنة، وما تـضمناه من هدايات وأوامر، تدعو إلى السماحة، والعدل، وحسن المعاملة لأهـل الكتاب.. وتجديد الخطاب الديني ليس المقصود به المساس بالثوابت الشرعية، بل ينسحب فقط على المتغيرات التي تتجدد بصفة مستمرة وتحتاج إلى رؤى جديدة، في ظل الظروف المعاصرة التي نمر بها، خاصة وأنه لا بد للداعية أن يتواصل مع مستجدات كل عصر ويشارك المواطنين همومهم ومشاكلهم، وأن السمو إلى مستوى عقول المواطنين بالبعد عن القصص الخرافية التي تحذر الناس وتشل طاقاتهم وتحول بينهم وبين العمل الجاد المنتج الذي تحتاجه البلاد في مرحلة التنمية الشاملة.. كما أن بحث تجديد الخطاب الديني لم يأت وفقاً لتعليمات، أو توجيهات، أو ضغوط خارجية، بل إن الإسلام حث علي تجديد الخطاب وفق متغيرات الزمن في إطار الحفاظ علي الثوابت، وأن تجديد الخطاب الديني يعد "ضرورة عصرية لبيان تعاليم الإسلام في ضوء الواقع، مشيرا إلى أن المؤتمر يرمي إلى التأكيد على أصالة الثقافة العربية والإسلامية وإبراز قدرتها على استيعاب التجديد"..

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الفيلسوف المتعدد الجوانب حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا العملاق، فتحية طيبة للدكتور حامد طاهر الذي الذي خطفته منا كورونا، والذي يمثل لنا نموذجاً فذاً للفيلسوف الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

لكن في المقابل، يظل حامد طاهر بالنسبة إلي الذين اقتربوا منه بدرجة كافية،ولزملائه الذين خلت نفوسهم من الحقد عليه، ولتلاميذه الذين تعلموا منه البحث المنظم في البحث، والتقييم المتزن للأمور، والتعبير الدقيق والواضح عن الفكر- يظل حامد طاهر لهؤلاء جميعاً: صورة ناصعة للفيلسوف والعالم والأستاذ والإنسان، الذي يكون قدومه إلي الدنيا إضافة حقيقية لها، ورحيله عنها من أفدح الخسائر.

رحم الله الدكتور حامد طاهر الفيلسوف الإنسان والأستاذ وإن كان جسده قد فارقنا، فإن فكره سيظل باقيا ن ما بقيت الحياة علي وجه الأرض . ولا يسعني إلا أن أقول مع أستاذنا الدكتور عاطف العراقي أن أخاطب روحه في السماء قائلا: اذكريني، وذلك بعد أن انتشر الفساد الفكري والظلام الثقافي، ازدادت فيه طرق وأساليب جيوش البلاء والظلام، بحيث أصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان، وإن كان أكثرهم لا يعلمون .

نعم أقول لروحه اذكريني حين يتم لقاء الأرواح بالأرواح في عالم الخلود، وبعيداً عن العالم الزائل الذي نعيش فيه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليعرفت الدكتور حامد طاهر حسنين فؤاد (أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم ونائب رئيس جامعة القاهرة السابق) منذ أكثر من ربع قرن، كان واحداً من كبار اللجنة العلمية التي حضرت إلي جامعة أسيوط، كلية الآداب (فرع سوهاج) في أوائل تسعينيات القرن الماضي  لمناقشتي في رسالتي للماجستير والتي كانت عن السهروردي المقتول تحت إشراف أستاذي الدكتور عاطف العراقي .. كانت مناقشته أكثر من رائعة؛ حيث سما فيها من المستوي التقليدي للمناقشة إلي مستوي الفكر، والحق يقال أنني استفدت منه استفادة كبيرة، فقد أدركت بوعي أنني أمام شخصية متميزة لأستاذ أكاديمي تختلف عن شخصيات كثير من الأساتذة غيره . شخصية تتوفر علي سمات ومقومات وأبعاد، تنتذع بذاتها الاحترام وتفرضه، وتستوجب التقدير وتثير الاعجاب.. ولم تنقطع صلتي وعلاقتي به طوال تلك الأيام والسنون.

وبالأمس الخميس الموافق الحادي عشر من حزيران 2020م انتقل إلي رحمة الله الدكتور حامد طاهر متأثراً بإصابته بفيروس كورونا المستجد،، تاركاً سمعة وسيرة عطرة ستخلّده في قلوب من عرفوه..

وقد نعاه الأستاذ الدكتور "محمد عثمان الخشت"، رئيس جامعة القاهرة، الأكاديمي المرموق، الذي يعد أحد رموز كلية دار العلوم عبر تاريخها.. وقال "الخشت": نشعر بالحزن الأليم لفقدان علم من أعلام الفلسفة في مصر وقيادة ناجحة وبارزة من قيادات جامعة القاهرة.. وأضاف: "لقد استرد الله تعالى وديعته، ولا يعز على قدره إنسان، رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته، وألهمنا وذويه الصبر والسلوان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا ملجأ منه إلا إليه".

رحم الله أستاذي الدكتور حامد طاهر، ذلك الرجل العظيم الذي أقبل علي الدرس الفلسفي في شوق ورغبة، وتأمل وعناية، وانتهي به ذلك إلي إنتاج له وزنه بحصاً وتأليفاً أو تعليقاً وترجمة، وكان من حظي أن تابعت نشاطه في مراحل حياته المختلفة من خلال موقعه الإلكتروني الموجود علي الإنترنت،  ولكن مع الأسف عجل بالرحيل عنا، وخلف إنتاجاً علمياً وفلسفيا وأدبياً .

والدكتور حامد طاهر أكاديمي مصري متخصص في الفلسفة الإسلامية، ولد في الثامن شهر أبريل عام 1943 بحي الخليفة بالقاهرة. التحق بالمعهد الأزهري، وقد حصل على ليسانس في اللغة العربية والدراسات الإسلامية بمرتبة الشرف من كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة 1967، وماجستير الفلسفة من الكلية نفسها 1973، ودكتوراه الدولة في الفلسفة بمرتبة الشرف الأولى من جامعة السوربون 1981.

علاوة علي أنه وهب حياته كلها للجامعة: تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

تدرج حامد طاهر (مع حفظ الألقاب) في وظائف التدريس بكلية دار العلوم بالجامعة بدءًا من معيد وانتهاء بأستاذ، وتولى رئاسة قسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم منذ عام1991. كما تولي عمادة الكلية، ثم منصب نائب رئيس الجامعة لشئون التعليم والطلاب.

وللأكاديمي الراحل حامد طاهر كتب عديدة في الفلسفة الإسلامية مثل: المدينة الفاضلة بين افلاطون والفارابي: دراسة مقارنة  (1986)، ومنهج البحث بين التنظير والتطبيق  (2006)، والفلسفة الإسلامية: الجانب الفكري من الحضارة الاسلامية (2012)، والفلسفة الإسلامية فى العصر الحديث (2005)، والخطاب الأخلاقي في الحضارة الإسلامي بين الماضي والحاضر (2006)، ومعالم التصوف الإسلامي (2009)، والدوائر المتداخلة: تحقيق التراث والترجمة والتأليف (1995)، وقوانين القران (2011)، وظاهرة التطرف الدينى: التشخيص والحل (2005)، ومصريات معاصرة (2007)، ويوميات سلامه المصري "جزآن" (2009)، وماذا لو ... ؟ أفكار إصلاحيه (2013)، وأفكار قابلة للتنفيذ (2003)، برديات معاصرة (مقالات فى الشؤون المحلية والاقليمية والدولية) (2010)، وحوارات سقراطية (2002)، وهل تريدون حقا اصلاح التعليم ؟ (2008)، والبناء المنطقي لأعمال الحكيم الترمذي بالفرنسية: These de doctorat d’ etat de la Sorbonne Paris 1981

علاوة علي ترجمته للكثير من الكتب عن اللغات الأخري ؛ وبالذات اللغة الفرنسية، ونذكر منها:

- كتاب (في مرآة الغرب: كيف يرانا الغرب وكيف يري نفسه): بحوث ومقالات لكبار المستشرقين الفرنسيين، دار الهاني للطباعة والنشر 2012 .

-  ترجمة كتاب ( المنهج التجريبي: تاريخه ومستقبله) لرينيه ليكليرك من الفرنسية ؛ مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة التخصصية 2012 .

- كتاب (بانورما للأدب الفرنسي في القرن العشرين) لتريشية، مكتبة العمرانية بالهرم 1992 .

- اللغة العلمية المعاصرة ( بحث) لجيرار بيتيو، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ج .52 - 1983 .

-  المنطق الأرسطي وتأثيره في أصول الفقه وعلم الكلام لإبراهيم مدكور (بحث بالفرنسية)، سلسلة دراسات عربية وإسلامية، أجزاء 37 سنة2012 .

-  بناء مصر الحديثة ( محاضرة مجهولة بالفرنسية) لطه حسين، ضمن احتفال كلية الآداب بذكراه . 28،29 اكتوبر 1998 .

- الفلسفة اليهودية لابستاين (فصل من كتابه: اليهودية)، سلسلة دراسات عربية وإسلامية الأجزاء 16، 1995 .

- قصص عالمية: مترجمة من الروسية والفرنسية، مكتبة الآداب بالقاهرة 2000 .

- قصائد فرنسية ( لمجموعة مختارة من دواوين كبار الشعراء الفرنسيين)، دار الهاني للطباعة والنشر 2012 .

- الاسلام من وجهة نظر المسيحية ـ لويس جارديه ( فصل من كتابه عن الإسلام بالفرنسية)، مجلة الثقافة . القاهرة 1978 .

-  صلاح عبد الصبور في الفرنسية ـ جاك جومييه، مجلة فصول، القاهرة أكتوبر 1981 .

- التضاد وتعدد القطب في التصوف الإسلامي ـ روجر ارنالدز، مجلة الازهر 1979 .

- نظرية الاضداد في اللغة العربية ـ بلاشير، مجلة الثقافة القاهرة 1978، كما نشرتها مجلة اللسان العربي بالمغرب 1979 .

- الصور الشعرية عند جونجورا ـ لوركا، مجلة البيان، الكويت 1977

- مشكلات اللغة العلمية المعاصرة ـ جيرار بيتيو، مجلة مجمع اللغة العربية، ج52، نوفمبر 1983 .

- كتاب حكمة الشعوب، ( 1400 حكمة ومثل من مختلف بلاد العام)، دار الهاني - القاهرة 2017 .

كما حقق كثير من الكتب منها: دراسة وتحقيق كتاب "روح القدس فى مناصحة النفس لابن عربى" . (2006)، رسالة الولاية والنبوة لابن عربى ( تحقيق ودراسة)  (1985)، ومختصر الدرة الفاخرة لابن عربى ( تحقيق ودراسة) (2012).. كما صدر له عدة دواوين شعرية منها: (ديوان حامد طاهر1985 ـ قصائد عصرية 1989 ـ ديوان النباحي (ديوان متخيل من الشعر العربي القديم) 1991 ـ عاشق القاهرة 1992.

كما سطر  لنا حامد طاهر الكثير والكثير من الأوراق البحثية في مجال الفلسفة، نذكر منها مثلاً: نظرية تصنيف العلوم عند الفارابي، و  منهج النقد التاريخي عند ابن حزم الاندلسي، و نظرية خلق الانسان في القرآن، و قضية " المجالات " في الفلسفة الاسلامية، و المشكلات الحقيقية والزائفة في الفلسفة الاسلامية، و تحليل ظاهرة الحسد عند المحاسبي، و ظاهرة البخل عند الجاحظ: دراسة نصية، و ثلاثة مناهج حديثة في دراسة الفلسفة الاسلامية: مصطفي عبد الرازق، ومحمد إقبال إبراهيم مدكور، وحركة التأليف في العالم العربي المعاصر، والترجمة ودورها في الفكر العربي الحديث، وتراثنا المخطوط، وكيف نستفيد منه ؟، والمنهج التربوي لإعداد إخوان الصفا، والتجربة الاخلاقية عند ابن حزم الاندلسي، و قضية العلاقة بين الدين والفلسفة لدي ابن تومرت وابن رشد، وموقف ابن خلدون من علم الكلام، ورأي الغزالي في نشأة الجدل وعيوب المناظرة، وابن النفيس: فليسوف مسلم، ومكانة المرأة عند ابن عربي، وسياسة الدولة الرشيدة عند الماوردي، والدفاع عن القرآن ضد خصومه: ابن قتيبة نموذجاً، وفلسفة السؤال والتساؤل عند ابي حيان التوحيدي، والتراث والمعاصرة عند زكي نجيب محمود، والفلسفة الاسلامية ودورها الجديد في العالم المعاصر، ومشكلة التخلف الحضاري عند المسلمين، وعلم الكلام ومحاولات تجديده، والأفكار الرئيسية في الفلسفة الاسلامية، والاخرويات Eschatologie عند ابن عربي، وتعليم المرأه عند المسلمين، ومنهج التعامل مع النصوص التراثية، و محمد عبده وافكاره المستقبلية.. وهلم جرا..

كان حامد طاهر يريد للعالم العربي، وهو طليعة العالم الإسلامي، أن ينهض من كبوته، وأن ينفض عن عقله غبار الجهل والتخلف. ومن هنا كان من أشد المعجبين بالإمام محمد عبده، في حياته وأفكاره . أما الطريق إلي النهضة فهو التزود بالعلم الحديث الذي هو أساس قيام الحضارة الغربية، وأهم عامل في استمرارها . وإذا كان روح العلم هو المنهج، فقد حمل حامد طاهر علي منطق أرسطو – وهو منهج البحث القديم لدي الإغريق، وكذلك لدي المسلمين لفترة طويلة جداً – حملة شعواء، وكان همه أن يثبت للأجيال الجديدة أن المنهج التجريبي القائم علي الملاحظات، والفروض، والتجارب هو منهج المستقبل.

ويعد كتاب " منهج البحث بين التنظير والتطبيق " الذي أعاد طبعه مراراً – من أهم العلامات التي تؤصل حاضرنا العلمي والثقافي في العصر الحديث، وإذا أضفنا إليه كتاب " مقال عن المنهج" لديكارت، الذي ترجمه وعلق عليه الأستاذ محمود الخضيري، وكتاب " مقدمة لدراسة الطب التجريبي " لكلود برنارد، الذي  ترجمه د. يوسف مراد  وحمد الله سلطان لوقفنا علي ثلاث ركائز رئيسية اعتمد عليها بناء البحث العلمي في الوطن العربي كله.

عاش حامد طاهر شأنه شأن أستاذه الدكتور محمود قاسم (رحمه الله)، مؤمناً بقيمة العقل الإنساني، وقدرته علي مواجهة مشكلات الواقع رغم صعوبتها وشراستها . والعقل منحة من الله تعالي لكل البشر، تماماً مثل الوحي الذي يتنزل علي بعض المصطفين منهم، لذلك فإن التعارض الذي يفتعله البعض بين العقل والوحي، أو الفلسفة الحقة والشريعة: تعارض مصطنع، وغير حقيقي، ويكاد يكون " لفظياً " في معظم الأحيان . وما دام المصدر واحداً، وهو الله تعالي، فمن المستبعد تماماً أن يتعارض العقل مع الشرع. لكن المسلمين مروراً بفترات عصيبة مصائب مختلفة عن الالتفاف إلي جوهر دينهم، وكانوا في كثير من الأحيان يفقدون الطريق الصحيح، فينزلقون إلي الاشتغال بقضايا فكرية لا يجلب عليهم بحثها سوي الفرقة الانقسام.

وبحيطة الباحث المتعمق، تمكن حامد طاهر في كثير من كتاباته من أن يزيح النقاب عن الاتجاهات الباطنية، والغنوصية في الفكر الإسلامي؛ وبفضل بحوثه في هذا المجال، أصبح لدي دارسي الفلسفة الإسلامية في مصر والعالم العربي الوعي الكافي بما طرأ علي التيار الإسلامي الأصيل النابع ( النابع من القرآن الكريم والسنة المطهرة، والمتمثل في فهم السلف) من مصادر أجنبية، سربها وروج لها أفراد وطوائف مغرضة، كان يهمها في المقام الأول الإساءة إلي الدين الإسلامي الذي أزاح هذه الطوائف عما كانت تتمتع به من مكاسب ومغانم في ظل معتقداتها القديمة ..  وقد أستطاع حامد طاهر – عن طريق انتقائه لعدد محدد من القضايا الفكرية، أن يكشف عن العديد من جوانب القوة والضعف في الإسلامية، وقد اتضح ذلك جلياً من خلال إشرافه علي كتاب " الإسلام بين الحقيقة والادعاء: رد علي أهم الافتراءات المثارة ضد الإسلام قديماً وحديثاً، والذي نشر في عدة طبعات، ثم تُرجم إلي الإنجليزية، والألمانية، والفرنسي، والأوردية والمالوية.

وعلي مدي السنوات، تكونت لحامد طاهر مدرسة فكرية في دراسة الفلسفة الإسلامية، أصبحت تتكامل – ولا أقول تتنافس – مع المدارس التي كونها أساتذتنا: الدكتور "عاطف العراقي"، والدكتور "حسن حنفي، والدكتور محمد مهران، في جامعة القاهرة؛ أو علي الدكتور حسن عبد الحميد، والدكتور سامي نصر والدكتور فيضل بدير عون في جامعة عين شمس . ويكفي أن أشير هنا إلي أن آلاف الطلاب الذين استمعوا إلي محاضراته في دار العلوم عن ظاهرة التطرف الديني، والبناء المنطقي للحكيم الترمذي، والخطاب الأخلاقي في الحضارة الإسلامية .. الخ؛ ما زالوا يكنون له أعمق مشاعر التقدير والإعزاز، ولا يحفظون له في أذهانهم إلا صورة الأستاذ الجاد الملتزم. فقد كان يؤدي واجبه في المحاضرة علي أكمل وجه. أما طلاب الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه)، الذين ينتشرون الآن في شتي الجامعات المصرية والعربية، فهم الامتداد الحقيقي له: يتابعون منهجه، ويطورون أفكاره..

وقبل أن أنهي هذا المقال في جزئه الأول أود أن أقول: إن الوفاء الحقيقي لأستاذنا الدكتور حامد طاهر – فيما أعتقد هو أن نواصل مسيرته، ونتابع جهوده، في خدمة مجتمعاتنا وأمتنا، فهل يسهم المشتغلون بالفلسفة الإسلامية في مصر والعالم العربي في هذا الجهاد النبيل، ويوجهوا جهودهم هذا التوجيه الجديد الأصيل؟ هذا ما نأمله، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

داود السلمانمقدمة: لا الشك أن البيئة التي يعيش فيها الانسان، لها تأثير مباشر على حياته وافكاره، وعلى تكوين شخصيته كذلك، وبناء ثقافته، وهذا التأثير يأتي على نمطين معيين: الاول هي البيئة نفسها، من مناخها وتضاريسها، وجوها الخاص؛ كالحراجة، واليبوسة، أو الجفاف، أو الرطوبة، وغيرها. فمثلا الانسان الذي يعيش في الاماكن الباردة، الشمالية، هو ليس كالإنسان الذي يعيش في المناطق الجنوبية أو الوسط. والتأثير يأتي على حالته النفسية، فيلقي بظلالها على نفسيه مباشرة؛ كأن يصبح حاد المزاج أو بالعكس. والتأثير الثاني، هو تأثير المجتمع الذي يعيش فيه الانسان، فالمتجمعات متفاوتة فيما بينها، خصوصا المجتمعات العربية الاسلامية، فهي مختلفة جدا عن المجتمعات الغربية؛ لخصوصيات هذه المجتمعات. فينهل ذلك الانسان من ثقافتها ويقتبس من حضارتها، ويأخذ من بيئتها كل ما يجده شاخصا أمامه، فتترسخ كل تلك القضايا في ذهنه، وتختزن في فكره، ولا يستطيع بعدئذ أن يغادرها أو ينكرها أو ينبذها، كأنها آيات سماوية نزل بها الوحي.

فقليل هُم الذين غيروا تلك الافكار والاطر، ونبذوا تلك الثقافة، بعد جهد جهيد من البحث والمطالعة، والصراعات النفسية، والنقد والتمحيص والفرز، والتأمل في تلك القضايا التي تعلمها من دون أن يسأل عن صحتها أو عن باطلها، أنْ رأى فيها باطلا، بل يأخذها كمسلمات لا يتسرب اليها الشك والريبة. ومن هؤلاء الذين عنيناهم في هذه المقدمة هو عبد الله القصيمي.

وقسمنا البحث الى اربعة مراحل:

مرحلة الطفولة قاسية

عبد الله بن علي النجـدي القصيمي (1907م- 1996م - 1416هـ).    وُلد في "قرية خب الحلوة الواقعة إلى غرب مدينة بريدة في نجد في المملكة العربية السعودية، والده الشيخ علي الصعيدي الذي انتقل إلى خب الحلوة من منطقة حائل، عرف عنه تزمته الديني وانتقل إلى الشارقة لزيادة علومه الدينية، بالإضافة للعمل التجاري".

وعاش القصيمي حياة فقر وحرمان وبؤس، منذ باكورة حياته، بعد فراق والده لوالدته في ظروف غير واضحة المعالم، وانقطاع أخبار والده عنه مدة طويلة، حيث انفصلت عُري الابوة عنه، وهو في اشد الحاجه اليه، خصوصا في هذه السن (العاشرة)، فعمل أجيرًا ليعيل نفسه وهو في كنف اخواله، ثم بدأ رحلة البحث عن والده الذي انتقل إلى بعض مناطق الخليج حتى حصل تم الوصول اليه، والتقى بوالده بعد رحلة بحث شاقة تكبد خلالها المصاعب والمتاعب، ونال ما نال من شظف الحياة وقسوتها.

ومثل تلك الظروف التي مرّ بها القصيمي لا أحد يدرك حجم آلامها إلاّ الذي يعيشها، حيث لها تأثير واضح على نفسيته وعلى شخصيته، اذ قد يشعر بالضياع وبمستقبل ضبابي. ومثل هذه الظروف التي تمر على الانسان وهو في هذه الحياة المبكرة، عالجها علماء النفس وبينوا تأثيرها على نفسية الطفل الذي هو في هذه السن المبكرة، ولو بعد حين، فالتأثير سواء كان سلبي أم ايجابي.

كان والد القصيمي رجل متشدد، متعصبا في دينه، وفي عاداته التي كسبها من محيطة الملغوم بالأفكار الدينية المبنية على الكراهية وعدم قبول الآخر؛ وما كان منه إلاّ أن يزق تلك الافكار والمعارف الدينية لولده عبد الله زقا، وهي عبارة عن معلومات في الدين وفي الفقه وفي اقوال المشايخ التي تعلموها هُم بدورهم من الكتب الفقهية المشددة،  والتي يعوّل عليها ذلك المجتمع، فضلا عن حفظه للقرآن. وكان الفتى عبد الله ذكيا سريع الحفظ، ثاقب الفكر، يتلقف كل ما يسمعه من ابيه ومن غيره تلقف المغناطيس لبرادة الحديد: من ثقافات ذلك العصر. ووالده يراقبه عن كثب، ليرى مدى استيعاب ولده، مما جعل منه متشددا كأنه نسخة مصورة منه.

فارق والده الحياة وعبد الله لم يبلغ الحلم بعدُ، فما كان من إلاّ أن يشد الرحال بهدف تلقي العلم والمعرفة في عدة بلدان عربية ومنها العراق. ففي العراق "تابع القصيمي  تعليمه في مدرسة الشيخ أمين الشنقيطي، في منطقة الزبير التابعة للبصرة في جنوب العراق، ثم التحق بالمدرسة الرحمانية بنفس المنطقة، ومن ثم رحل إلى الهند ومكث فيها عامين، عاد من الهند إلى العراق والتحق بالمدرسة الكاظمية ثم رحل إلى دمشق، ومن دمشق إلى القاهرة حيث كانت بدايته الحقيقية هناك".

وانتهى به المطاف إلى جامعة الأزهر، وهو يحمل في جعبته تلك الافكار التي أخذها عن والده، المتمثلة في تعاليم محمد عبد الوهاب وأفكار ما يسمى بالسلف الصالح، كتعاليم ابن تيمية التكفيرية المتعصبة، وسار بها الى مصر، وكانت تلك الافطار والاطر غير منسجمة مع رجال الدين والمشايخ في مصر عموما، ورجال دين الازهر على وجه الخصوص، حيث الفكر الوهابي هناك لم يكن متغلغلا بعد حينذاك، فالأفكار والتعاليم والدروس معظمها تقريبا يطفو عليها تعاليم الشيخ محمد عبده شيخ الازهر في حينه، ثم تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا، وغيرهما.

فتم قبوله في الازهر، كطالب علم يتلقى العلوم حاله حال الآخرين، الذين جاؤوا من كل حدب وصوب لأخذ العلم والمعرفة الدينية، فوجد أن كثيرا من العلوم الدينية التي يدرسها الازهر لطلابه لا تنسم انسجاما تاما مع الدروس التي تعلمها من والده، ومن مجتمعه ذاك في ارض بلاده.

هنا، بدأت مرحة جديدة تطرأ على أفكار ورؤى عبد الله القصيمي؛ وهي ما نعدها مرحلة تاريخية مهمة في حياته، نقلته بدورها الى مراحل أخرى تباعا أكثر تطورا، فقلبت حياته الفكرية والايمانية رأسا على عقب، وهذه المرحلة هي:

مرحلة التعصب:

ذكرنا قبل قليل أن القصيمي في مصر رأى أن المذهب الوهابي كان معدوما هناك، وإن في الازهر تُدرس فقط تعاليم المذاهب الاربعة المعروفة: من فقه وعقائد واحكام وغيرها. ولم يكن للمذهب الوهابي أي ذكر البتة، فكأنَ قد ثارت ثائرة القصيمي وطغى على فكره طابع الاندهاش والتعجب، بل والحنق معا؛ وتيقن أن هناك اهمال مقصود ومتعمد لهذا المذهب من قبل الازهر.

وفي هذا الوقت الحساس من حياة القصيمي، كانت بعض الكتب قد صدرت في مصر، تتناول قضايا شائكة بين الفرق الاسلامية، لكبار مشايخ الازهر ومنهم الشيخ يوسف الدجوي. الكتاب نهج فيه المؤلف نهجا صارما، ودافع فيه عن قضية زيارة الأولياء، والتوسل بقبور الصالحين، واكد على أن طلب الشفاعة منهم أمر لا تنكره الشريعة، واعتبر أن شفاعتهم جائزة وفقا لبعض آيات القرآنية وبعض الاحاديث النبوية، نافيًا – في الوقت نفسه- أن يكون هذا شركًا أكبر أو أصغر. وهذا الطرح فيه رد لاذع لمباني الوهابية والسلفية وعلى رأسهم شيخهم محمد بن عبد الوهاب، الذي هو ينكر زيارة القبور ويعدها نوع من الشرك، وانها دعوة صريحة الى الوثنية، كما يعتقد.

فما كان من القصيمي إلّا أن يرد على المؤلف بكتاب أطلق عليه «البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية» وفيه يُعري حجج الدجوي، ويعتبر كتابه هذا هو اشبه بالسفاسف، فكان الرد عنيفا وغير مسبوق بالمرة، وبالخصوص على رجل دين معروف ومن كبار مشايخ الازهر، ويعدوه قدوة بالنسبة لهم؛ الامر الذي لاقى ردود أفعال مختلفة، وسخط عارم على هذا الرد من قبل القائمين على الأزهر.

ثم اعقب القصيمي كتابه ذاك بآخر وهو رد على الكاتب والصحفي محمد حسنين هيكل، الذي ألّف كتاباً عن حياة الرسول يرى فيه ان النبي محمد ليس لديه معجزة سوى القرآن. وفيه يذكر القصيمي عقائد الوهابية ومواقفهم المختلفة لبعض طوائف المسلمين، ويشيد بالمذهب الوهابي السلفي ويروّج له من خلال رده هذا.

واثناء هذه الفترة كان الفقيه الشيعي محسن الامين العاملي المعروف وصاحب موسوعة "اعيان الشيعة" قد اصدر كتاب بعنوان " كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب" وفيه يرد العاملي على الوهابية ردا عنيفا، ويحاول ابطال مذهبهم بحجج وادلة، وفيه قدح كبير وكلام طويل، متهما محمد بن عبد الوهاب بأنه كان رجل مدسوس من قبل المخابرات البريطانية، وما غايته الا تفتيت الدين، وهدم الاسلام، على حد قوله. وقد قرأت هذا الكتاب في تسعينيات القرن المنصرم.

فرد القصيمي على كتاب الامين في كتاب تحت عنوان «الصراع بين الإسلام والوثنية»، فكان ردا صارما، وفيه حنكة في التعاطي مع القلم واليراع تدل على أن صاحبه له باع طويل في معترك الكتابة. وفي هذا الرد حاول القصيمي أن يرفع من شأن المذهب الوهابي، ويحلق بالسلفية  معتبرا أن عبد الوهاب هو شيخ مجدد ويروم الحفاظ على بيضة الاسلام. وكانت من القصيمي دعوة واضحة في الترويج للمذهب الوهابي.

أما الازهر من جانبه فأعتبر أن الطالب عبد الله القصيمي طالب يثير الشغب، وبقائه قد يدخل الازهر في مهاترات تخل في وحدة المسلمين. فاجتمع القائمين على الازهر وقرروا أن ابعاده اولى لهم من بقائه مواصلا دروسه في الازهر ومحسوب عليهم.

"واتخذ الأزهر قرارًا قاسيًا بحقه أَلاَ وهو فصله من الجامعة، وأصدر البيان التالي: (صدر كتاب ينسب إلى طالب من نجد في جامعة الأزهر، ويوجد في الكتاب شتائم وإهانات موجهة إلى أستاذ من هيئة كبار العلماء، وعلى أثر ذلك كلفت هيئة المدرسين أحد الأساتذة بإجراء تحقيق ضد الطالب فيما تضمنه الكتاب من افتراءات وشتائم، وقام الأستاذ بتقديم نتائج تحقيقه إلى مجلس إدارة الأزهر والتي قررت في جلستها المنعقدة في 13/9/1932م قرارًا بفصل الطالب من انتسابه إلى الأزهر".

وهكذا خسر القصيمي مقعده في الازهر. لكنه لم يخسر جمهوره في نجد، ومتابعوه بل ازدادوا تمسكا فيه، حتى نعتوه بأعظم النعوت الحسنة، ومنها نعته بـ "ابن تيمة العصر" وغير ذلك من المسميات والنعوت. كذلك لم يخسر قلمه الذي به سيلوي عنق الكتابة، ويعبر عما يريد ببيان بليغ. وكان فصله من الازهر فرصة ذهبية ليتفرغ للكتابة والمطالعة.

ليدخل- بعدها- في مرحلة جديدة بعد أن اصبح له جمهور، وصار اسمًا راكزًا في مجال الكتابة ومعترك البحوث والردود.

مرحلة المراجعة:

بعد ذلك طفق القصيمي يتأمل ويراجع ما كتبه ويقيسه بواقع المسلمين الراهن، وما يمرون به من نكوص مقابل عالم يعجُ بالحراك: العلمي والفكري والصناعي، والمسلمون يراوحون في مكانهم كالآلة الصماء، أهرقوا مائهم على سراب تراث تاريخه اربعة عشرة قرنا أو تزيد، وجده القصيمي لا يسمو بمجتمعات تعيش عصر العلم والثقافات المختلفة. فهم يتقدمون والمجتمعات الاسلامية تعود القهقرى، بسبب كم هائل من الفتاوى لا تسمن ولا تغني من جوع. فراح يخاطب نفسه، ويشاور عقله، ويروم بوضع حلول ناجعة، إن استطاع الى ذلك سبيلا، لإنقاذ ما يمكن انقاذه.

وهذه الفترة قدرها بعض الكتاب والباحثين بثمان سنوات، عاشها القصيمي ما بين شد وجذب، وهذه السنوات تكفي لرجل مفكر ومبدع أن يتخذ قرارا حاسما، لما سيفعله مستقبلا لعله يساهم- ولو مساهمة يسيرة - في انتشال الامة من الغرق المحدق بها، ومن السبات الذي امسك بتلابيبها، ودعاها مشلولة الحركة.

فالأمة هذه التي انجبت الفارابي ابن سينا وابن الهيثم وابن النفيس والكندي وابن رشد وابن خلدون والغزالي، وغيرهم الكثير، حريٌ بها أن تنهض من كبوتها.

وطرح القصيمي كل ذلك- فيما بعد – في كتابه "هذه هي الاغلال". حيث اعتبر أن ثمة اغلال تُكبل الامة وتضعها في سجن افرادي، بعيدا عن العالم الخارجي. والاسباب (الامراض) هذه، حاول أن يشخصها القصيمي ومن ثم يعطي لهذه الامة المضاد الحيوي لعله يجدي فيها نفعا.

فما كان من الامة الا أن رفضت هذا الدواء، وفضلت أن تعيش تحت رحمة هذا الوبال الذي ينخر جسدها، وردت على صاحب المبادرة هذه (القصيمي) بالتكفير والمروق من الدين.

وكان القصيمي قد تنبأ بانبثاق الفكر الداعشي الإرهابي في البلاد العربية والعالمية، فقد كتب في كتابه «هذي هي الأغلال» الذي صدر عام 1946: «إن أعاصير رجعية مجنونة لتهب في هذه الآونة الأخيرة على مصر التي رضيناها لنا زعيمة، وإنها لتترنح تحتها، ولا ندري أتثبت أم تتهاوى تحت ضرباتها الوجيعة، لست أحاول هنا وقف العاصفة، فهي لن تقف. ولكنها ستنكسر على الشواطئ الصخرية، ستذهب مرتها في انطلاقتها في هذا الفضاء الرحيب، وفي دورانها حول نفسها، وحينئذ نرجوا أن توجد العوامل التي تمنع هبوبها من جديد، أو لا توجد العوامل التي تجعلها تعصف مرة أخرى».

فتحول الى مرحلة أخرى، هي الاكثر اهمية في حياته، الا وهي.

مرحلة الشك:

العديد من الفلاسفة قد مروا بمثل هذه المرحلة الحاسمة من حياتهم، ثم خرجوا بنتائج قبلوها من انفسهم لأنفسهم. واذكر هنا ثلاثة فلاسفة مهمين، والقصيمي رابعهم: أوغصطين، الغزالي، وديكارت، كل واحد منهم خرج بمحصلة نهائية. ثم اخيرا مفكرنا القصيمي.

انتاب القصيمي الشك وراح يساوره، وهو الشك المنهجي، أي أن الانسان يشك لا لأجل الشك، وانما ليصل الى نتائج مثمرة، وقيم سامية غير التي اكتسبها من محيطة.

وفي هذه المرحلة اصدر مجموعة من الكتب، كان منها: "لئلا يعود هارون الرشيد" و "الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات". فضلا عن غيرها، وفي هتين الكتابين نقد واضح لما تمر به الامة الاسلامية من اوضاع مزرية، وتخلف عن ركب التقدم الانساني والحضاري. وكذلك فيهما نقد للتراث ولرجال الدين من الذين استغلوا الدين لأهداف ومصالح شخصية، وراحوا يبثون التفرقة من خلال فتاواهم. بعكس كون الدين له رسالة انسانية تدعو  الى الرفع من شأن الانسان، وتطالب بحصوله على مصالحه، ومن ثم تخدمه، لأن الدين وُجد لخدمة الانسان، لا العكس. على اعتبار أن دستور الدين بُني على قواعد اخلاقية وانسانية واجتماعية، وطقوس معينة بهدف الطاعة لله وللرسل الذين بعثهم بهذا الخصوص، وفق مبدأ ما آتاكم الرسول: فخذوه.

مرحلة الالحاد:

بعد مرحلة الشك، والتي كانت مرحلة حاسمة بالنسبة للقصيمي، تحول الى مرحلة الالحاد، فأعلن تمرده على الاله وعلى الدين، من خلال كتبه الاخيرة، ومنها: "الكون يحاكم الاله" و " يا كل العالم لماذا أتيت؟" وسوى ذلك.

ومن خلال الطرح الذي قدمه القصيمي في جميع كبته الاخيرة، باتت آرائه وافكاره واضحة للعيان، وهي رفض الدين جملة وتفصيلا، وعدم الايمان بهذا الرب الذي ارسل الانبياء والكتب لتكوين الاديان، لأنه القصيمي اكتشف أن الاديان هذه ساهمت بتخلف البشر بدل من أن ترفع من شأنه، وتنير دروبه. بعكس اللادينيين واللاأدريين والملاحدة الذين نهضوا بصنع الحضارات من خلال الاكتشافات والتطورات التي ساهموا فيها، وكذلك ما قدموا للإنسانية من منجزات عظيمة على مدى التاريخ، بحسب القصيمي.

وكانت ردود الافعال التي تلقاها القصيمي من خصومه، الذين كانوا في يوم من الايام، هم من لاذوا بأطروحاته ومناقشاته وردوده الصادمة لأعدائهم. كانت الردود تكفيره واهراق دمه، اذ تعرّض لعمليتين اغتيال بائتا بالفشل.

فغادر القصيمي الحياة وفي حلقه غصة، وبفهمه مرارة، لأن الامة ظلت على ما هي عليها: من اوضاع لا تُحسد عليها.

لكنه ترك للأجيال القادمة ارث فكري كبير، وجهد ذهني فذ، بغض النظر عما يحمله ذلك الارث من افكار قد لا تنسجم مع أناس، وقد تنسجم مع آخرين.

 

داود السلمان

 

مصدق الحبيب(1835 – 1882) William Stanley Jevons

هو الاقتصادي واستاذ المنطق الانكليزي الذي تنسب اليه اولى المعالجات الرياضية في الاقتصاد والتي بانت بوادرها في كتابه الموسوم النظرية الرياضية العامة للاقتصاد السياسي المنشور عام 1862. كانت تلك المعالجات قد فتحت الباب الواسع للتطبيقات الرياضية في الاقتصاد واطلقت امكانات التقديرالكمي فجعلت الظواهر الاقتصادية قابلة للحساب والتدقيق العلمي. يؤكد اغلب مؤرخي الفكر الاقتصادي بأن جيفنز كان من بين ثلاثة اقتصاديين عملوا على انفراد وفي نفس الفترة الزمنية على ادخال مجموعة من المعالجات الرياضية لصياغة المفاهيم الاقتصادية بشكل اوضح. الاقتصاديان الآخران ،اضافة الى جيفنز في مانجستر، هما ليون فالراس في لوزان وكارل منگر في فيينا. وبهذا فقد كانت مساهمات هؤلاء الثلاثة فاتحة لحقبة جديدة في الفكر الاقتصادي وهي الحقبة النيوكلاسيكية التي بدأت بعد ماركس، آخر اقتصاديي الحقبة الكلاسيكية.

تجدر الاشارة هنا الى ان هناك مساهمات رياضية سبقت هؤلاء الاقتصاديين الثلاثة كمساهمة عالم الرياضيات الفرنسي انتوان كورنو في نهاية الثلث الاول من القرن التاسع عشر والذي ادخل الدوال الرياضية ونظرية الاحتمالات كتطبيقات رياضية في الاقتصاد واشتق منحنيات الطلب والعرض كدوال للسعر حوالي ثلاثين سنة قبل ألفرد مارشال الذي تنسب اليه العديد من التفصيلات في هذا المجال والتي سنأتي اليها لاحقا. ومن المساهمات الاولى الاخرى مساهمة الاقتصادي الالماني هرمن گوسن الذي عمل على نظرية المنفعة الحدية.  وبرغم تلك البوادر المبكرة فإن انجازات جيفنز وفالراس ومنگر اخذت مكانها في تاريخ الفكر الاقتصادي بكثير من الاهتمام. وقد تميز جيفنز عن زميليه بتقديم ادوات المنطق وطرق البحث العلمي الحديث اضافة الى ادخال التحليل الرياضي والاحصائي لتعزيز وتوضيح المفاهيم الاقتصادية.

1558 جيفريولد وليم ستانلي جيفنز في ليفربول – انگلترا عام 1835 لعائلة من الطبقة الوسطى حيث كان والده مهندسا. اكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة في ليفربول وذهب الى  UCS  بعمر 15 عاما.  لم يلتحق بالجامعة مباشرة  بل ذهب للعمل في استراليا وهو في التاسعة عشرة، ليعود الى انگلترا ويحصل على البكالوريوس في العلوم عام 1859 والماجستير في المنطق والرياضيات والاقتصاد عام 1862، ويتعين استاذا في جامعة أونز  Owensفي مانچستر من 1863 الى 1876، ورئيسا لقسم الاقتصاد في السنتين الاخيرة ، ثم ينتقل الى University College   فيواصل عمله كأستاذ للمنطق والاقتصاد من 1876 الى 1880. تزوج من هريت تيلر عام 1867 وهي ابنة صاحب صحيفة الگارديان في مانچستر، وانجب منها ثلاثة اطفال.

بدأ تركيزه على دراسة الاقتصاد بعد ان عاد من استراليا. ففي عام 1862 نشر بحثه الموسوم "النظرية الرياضية العامة للاقتصاد السياسي" في المجلة العلمية للجمعية الاحصائية، تبعه ببحث اخر معنون "هبوط خطير في قيمة الذهب"،ثم بحث ثالث بعنوان "سؤال الفحم" عام 1865. هذه الدراسات الثلاث هي التي خلقت الاشارة اليه كرائد في الاقتصاد التطبيقي، خاصة الدراسة الثالثة التي كشف فيها موقفه الايكولوجي والتي آلت الى نحت مايسمى بـمتناقضة جيفنز Jevons’ Paradox المتمثلة بأن زيادة كفاءة انتاج الطاقة باستخدام الفحم تؤدي الى زيادة الاستهلاك بدلا من تقليله، وذلك بسبب هبوط الاسعار. هذه المتناقضة اصبحت بعد جيفنز من البديهيات في اقتصاديات البيئة وفي استخدام اي مورد اقتصادي آخر. في عام 1871 نشر كتابه المهم المعنون "نظرية الاقتصاد السياسي"  ، وفي عام 1878 اصدر كتابه المعنون "مبادئ الاقتصاد السياسي". وهما الكتابان اللذان اتضحت فيهما مساهمته الاقصادية التي وضعته على قائمة منظري الاقتصاد عبر مسيرة تطور الفكر الاقتصادي. تمحورت معظم مناقشته الاقتصادية على موضوعة المنفعة الحدية في نظرية المستهلك حيث رأى المنفعة تتجسد في قيمة الوحدة الاضافية من السلعة أو قيمة آخر وحدة يستهلكها المستهلك. وهي قيمة متناقصة مع استمرار استهلاك وحدات اكثر. وبعبارة اخرى فانه وجد علاقة عكسية بين قيمة الوحدة الاضافية مع عدد الوحدات المستهلكة، وهذا ماعرف بعدئذ بـ "قانون تناقص المنفعة الحدية". ولأنه رأى ان قيمة السلعة ليس في كمية العمل المبذول فيها كما اعتقد الكلاسيكيون، انما في مقدار منفعتها الحدية المتغيرة بتغيرعدد وحدات تلك السلعة. هذا مايشاركه فيه فالراس ومنگر وآخرون الامر الذي قاد الى نشوء المدرسة الحدية النيوكلاسيكية. من ذلك المدخل الحدي للمنفعة استنتج جيفنز معادلة التبادل القاضية بأن تعظيم منفعة المستهلك من سلعة معينة يحتم ان تكون نسبة منفعتها الحدية الى سعرها في السوق مساويا الى نسبة المنفعة الحدية لاي سلعة اخرى يشتريها او يستهلكها الى سعرها. وان لم تتساوى تلك النسبة لكل السلع المزمع شرائها او استهلاكها فان المستهلك سيبحث عن سلع اخرى تحقق تلك المساواة. وهذا ماعرف بعدئذ بقانون توازن المستهلك:  MUx/Px = MUy/Py

من الواضح ان جيفنز بنى فهمه للاقتصاد انطلاقا من جدلية المتعة والالم الكلاسيكية والتي تطورت الى موضوعة المنفعة التي اضيفت لها قيمتها الحدية فكانت مفتاحا لخيار المستهلك من خلال مبدأ التساوي الحدي Equi-marginal Principle  الذي هيأ القاعدة المتينة لنظرية شاملة في القيمة . ثم سرى الامر الى تفسير سعر التبادل والكلفة وتداخلات العمل والاجور والنقود والاستهلاك والائتمان والضرائب والمخاطرة. يرى اغلب مؤرخي الفكر الاقتصادي ان جيفنز مهد السبيل لاستنباط "منحنى الحياد" Indifference Curve  الذي طوره فيما بعد اقتصاديون لاحقون.

بحث جيفنز ايضا في طبيعة واسباب الدورة الاقتصادية واستنتج ان الازمات الاقتصادية لم تكن عشوائية او تلقائية انما هناك تسبيبات منطقية لنشوبها. وقدم في دراسته عن انخفاض قيمة الذهب المنشور عام 1863 مساهمة كبيرة حول فهم الارقام القياسية واهميتها في التقدير الاقتصادي. كما ساهم في ارساء دعائم البحث العلمي وطرقه الاصولية. اضافة الى ذلك فقد كتب كثيرا في المنطق فكان لمساهماته اثرا مباشرا على ترسيخ طرق البحث العلمي وعلى التفسير الاقتصادي خاصة بما يتعلق بالوصول الى الخيار الامثل واتخاذ القرار بشأنه. مثال على ذلك تمييزه بين الاستنتاج او الاستدلال  Deduction حيث يسري المنطق من الحيزالكلي الى الحيز الجزئي وبين الاستقراء Induction  حيث يكون المنطق من الحيزالجزئي الى الحيز الكلي، وهما بذلك فعلان متعاكسان. كما انه درس مسألة تعويض المتماثلات وصاغ اصولها، وقام بتشخيص علاقات الاشياء كالثوابت والمتغيرات والقيم السلبية والايجابية وصنفها حسب المساواة واللامساواة والتماثل والتشابه وامكانات التعويض والاستبدال ورسم العلاقات فيما بينها بموجب استخدام الرموز الرياضية. كما انه كتب عن العلم والدين واعتقد ان الاقتصاد علم تكنيكي تجريدي حيادي ليس له مؤثرات او تأثيرات اخلاقية! ولم يكن هذا الموقف غريبا آنذاك كما نراه بمنظاراليوم.

وُصِفَ جيفنز بأنه كان ملولا شاكيا في منصبه كأستاذ فتقاعد عن العمل عام 1880 وهو في الخامسة والاربعين، وتوفي غرقا عام 1882 عندما كان يسبح اثناء اجازته، ويعتقد انه اصيب بنوبة قلبية اثناء

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

داود السلمانهناك نكهة فريدة، وميزة خاصة حينما يكتب الفيلسوف تاريخ الفلسفة، والميزة هذه، تكمن في أن نظرة الفيلسوف للفلسفة هي ليست بالضرورة أن تكون نظرية المؤرخ عينها. والسبب بكل بساطة، أن نظرة الفيلسوف يكون فيها عمق، وتحليل ونقد، وأما المؤرخ فهو ناقل بالدرجة الاولى واحيانا يكون ناقد. وبهذا نخاف رأي الدكتور زكي نجيب محمود في مقدمته التي كتبها في تقديمه لكتاب "حكمة الغرب" للفيلسوف برتراند رسل، إذ يقول: "ليس الفيلسوف أفضل من يكتب عن تاريخ الفلسفة، مثلما أن الفنان ليس خير من يحكم على فن الآخرين".

ويعزو الدكتور السبب كون موقف الفيلسوف يتلون مع الفلسفات الاخرى من التي قد لا تنسجم ورؤاه. يريد أن يقول أنه لا ينقلها بمصداقية تامة، يعني قد يشوش عليها احيانا، كونها تخالف اهواءه الفلسفية والاعتقادية. وأنا لا اعتقد ذلك، لأنه الفيلسوف حينما يكتب عن الفلسفة، فإنما ينسى نفسه أنه فيلسوف، بل هنا يعمل كباحث، وديدن الباحث أن يكون محايدا، وهذا هو الصحيح.

وانما يعني الدكتور زكي بذلك نفسه، لأنه باعتقادي، أفضل من كتب عن الفلسفة وعن الفلاسفة، وأن اسلوبه في الطرح يمتاز بالعمق والتحليل والموضوعية. وهو الذي استشفيته من بعض كتبه التي قرأتها له.

وأما رأينا القائل بأن الفيلسوف هو افضل من يكتب تاريخ الفلسفة، فحجتنا هي راسل نفسه، حيث أن "تاريخ الفلسفة الغربية" والذي هو ثلاثة اجزاء، و"حكمة الغرب" في جزأين، فهما برأيي افضل كتابين قرأتهما في هذا المضمار، فالكتابان دراسات معمقة استعرض فيها المؤلف معظم المدارس الفلسفة، بالشرح والايضاح، بدأ من الفلسفة ما قبل سقراط مرورا بالعصر والوسيط الى الفلسفة الحديثة، وختمها بالفلسفة الوجودية، خصوصا في كتابه الاخير هذا.

لذلك تجد الفيلسوف، حينما يريد أن يؤرخ للفلسفة لا يبدأ بنقل المادة نفسها من المصادر القديمة، وانما يبدأ بإعطاء فكرة عامة عن المادة الرئيسة التي يريد أن يؤرخ لها، بعدها يقوم بتحليلها ومن ثم نقدها، ليعطي بعدها وجهة نظره الخاصة، واضحة وبلا رتوش.

وهذا ما لاحظناه لدى برتراند رسل في "تاريخ الفلسفة الغربية" والذي قسمه الى ثلاثة اقسام بثلاث مجلدات.

وُلد برتراند آرثر ويليام راسل في 18 أيار/ مايو عام 1872 في تريليش، مونموثشاير لعائلةٍ أرستقراطية. وكان جده رئيس وزراء الملكة فيكتوريا، وأبوه في العماد الفيلسوف جون ستيوارت مل.

فهو فيلسوف وعالم إنجليزي، اشتهر بميوله الليبرالية ومعاداته للحروب. تلقى عدة جوائز مهمة من ضمنها جائزة نوبل الفخرية في الآداب.  وقد حصل عام 1950 على جائزة نوبل في الآداب لشجاعته في حرية القول والفكر.

لم يتلق راسل في حياته تربية دينية فعلية على الرغم من الجو الديني المحيط به، وأظهر اهتماماً كبيراً بالرياضيات والفكر الديني. وفقاً لسيرته الذاتية التي كتبها بنفسه، فقد استنتج عدم وجود إرادة حرة أو حياة بعد الموت في عمر الخامسة عشرة؛ متأثرًا بهذا بالفيلسوف اليوناني أبيقور، ليهجر بعدها حجة "المسبب الأول" التي قال بها ارسطو وسار على نهجها معظم فلاسفة الاسلام، كحجة لتأكيد وجود إله ويصبح مادياً بعمر الثامنة عشرة، يؤمن بالمادة كأساس للحياة وللوجود.

وقد آمن راسل مذهب اللاأدرية، وحجته على عدم وجود اله هي نظريته التي اطلق عليها ابريق الشاي السماوي، فـ "ابريق الشاي السماوي، هو حجة منطقية استخدمها راسل لتبيان أن مسؤولية الاثبات تقع على المدعي، خصوصاً في الأديان والميتافيزيقيا. الحجة تفترض الادعاء بوجود ابريق شاي يدور حول الشمس في مكان ما بين الأرض والمريخ، هذا الإبريق صغير جداً بحيث تتعذر رؤيته بالعين أو بالتلسكوبات حتى.. يقول راسل أن طرح هذا الادعاء سيجعل الجميع يطالبون بدليل وجوده، لكن بنفس الوقت فلا يوجد أي دليل على عدم وجوده ولا يمكن اثبات ذلك. من المثال يناقش راسل بأن الإثبات يجب أن يكون من مقدم الادعاء لأن العديد من الأشياء لا يمكن إثبات عكسها أصلاً لكن ذلك لا يجعلها مقبولة بمجرد عدم إمكانية دحضها".

وهذه النظرية، بعضهم أيدها، والبعض الآخر استهجنها، وعدّها فكرة "سخيفة" لا يمكن لفيلسوف أن يطرحها كفرة تناقض نظرية وجود اله للكون، دبر الامور ثم ابدعها من لا شيء.

لكن أفكاره المنطقية قد ساهمت في كثير من الإنجازات الحديثة في علم المنطق وقواعد الرياضيات.

وفلسفة رسل غير المؤمنة كئيبة، نظرة التشاؤم واضحة عليها، فزعمه بعدم وجود إله يجعل الإنسان وحيداً في العالم، فاقدا للعون والمساعد في هذه الحياة المترامية الاطراف، الحياة المخيفة، وعندما يدرك الإنسان هذا، ويشعر بفظاعة العالم في قلبه، ويتحدى ذلك بشجاعة ويكف عن الشكوى والرثاء لنفسه، سيعرف الإنسان معنى السعادة. فالسعادة هي غاية الحياة، لا يصل إليها المرء إلا بمواجهة الخوف والقضاء عليه بشجاعة، والتفكير الحر والرأي المستقل، وجعل الطبيعة كلها بما فيها طبيعة الإنسان، موضوعاً للدراسة العلمية، فلا يمكن للإنسانية أن تتقدم إلا بالتزود بالشجاعة التي لا تلين لمواصلة الطريق سعياً وراء الحقيقة.

وقد أنتبه كانط على خطورة مقولة عدم وجود صانع للكون، وهو من يقف بجنب الانسان ويساعده في حالة الشدة. فجاء بحجج اخرى تثبت هذا الاله، غير تلك الحجج التي اعتبرها كانط بانها ساذجة، ولعل من اهم هذه الحجج هي الحجة الاخلاقية.

ويعتقد راسل إن للفلسفة فائدتين تقريبًا؛ أحدهما هو الإبقاء على التكهنات المتعلقة بالمسائل التي لا يستطيع العلم الآن أن يتطرق لها. المعرفة العلمية تغطي قسمًا صغيرًا جدًا من المسائل التي يهتم لها الجنس البشري، والتي يجب أن تهمه. هناك العديد من الأشياء التي لها أهمية كبيرة، والتي يتكلم عنها العلم تمثيليًا. ولا أريد خيال الناس أن يكون محدودًا ومقتصرًا على ما نستطيع معرفته حاليًا. وأظن أن من فوائد الفلسفة إيساع نظرتكم عن العالم إلى مستوى الافتراض.

وكما نوهنا فراسل يعد نفسه لا أدرياً أحياناً، وملحداً أحياناً أخرى. وهو حائر بين الموقفين، لكنه على يقين من أن الدين مآله للانقراض، وأنه يعود إلى مرحلة الطفولة من تاريخ تطور الفكر البشري، وأن المرحلة الحالية قد تجاوزته، لكن بما أن البشرية تحيا في عوز وصراع وحروب واضطهادات، وتعيش في شقاء، فهي بلا شك تحتاج، باستمرار، إلى الدين، لكن حالما تحلّ مشكلاتها سيفنى الدين مع تلك المشكلات.

ونرى إنّ الاسطورة والخرافة جزء مهم في حياة الانسان، لإنّ الإنسان كائن ميتافيزيقي، متشبث بالماورائيات.

ولعل من اهم قضيتين ركز عليهما راسل هما: السعادة والحرية، واعتبر أن الانسان اذا عاش سعيدا سيشعر بقيمة الحياة، وواجبه الموكل اليه في صراع الحياة، لأنه يعتقد أن الحياة صراع- وصراع مستمر، بين الشر والخير، اذا كان الخير هو الذي ينتصر على الشر، فأن راسل يرى أن الخير والشر متعادلان في الكفة، فتارة الخير ينتصر على الشر، واخرى أن الشر يتنصر على الخير. وهكذا هو صراعهما منذ الوجود، ولن يتوقف هذا الصراع في يوم من الايام.

يقول: "قدر نشعر بالرغبة في أن نتساءل: ما معنى الحياة، أن كان لها معنى على الاطلاق؟ وهل يؤدي مسار التاريخ الى نتيجة؟ أم إن هذه الأسئلة لا معنى لها؟".

والانسان ببحثه من الساعدة فإنما يريد أن يثبت ارادته ووجود حتى يحقق كينونته. ولا يعوقه عن ذلك الا فقده للحرية، وبالتالي فأن الحرية هي ضالته التي يسعى دائما لإيجادها. فالحرية هي امله المنشود وبدونها لا يمكن تحقيق السعادة، وهي تتحقق متى ما شعر الانسان إنه يعيش في مطلق الحرية وفي قصرها المنيف. وكذلك أن راسل يؤمن ايمانا مطلقا بالعلم، ويهرب من الميتافيزيقا هروب الشاة من الاسد، فالعلم عند راسل هو الذي يأخذ بناصيتنا وعلينا كعقلاء أن نساير العلم، ونميل الى الكفة التي يميل اليها.

"غير أن جميع ميادين المعرفة تحف بها منطقة محيطة من المجهول. وحين يصل المرء الى مناطق الحدود ويتجاوزها، فإنه يغادر أرض العلم ويدخل ميدان التفكير التأملي. هذا النشاط التأملي نوع من الاستكشاف أو الاطلاع، وهو يشكل واحدة من مقومات الفلسفة؟".

فراسل يريد القول إن الفلاسفة الذين يعتقدون بوحدة الوجود، امثال جاكوب بوهمه واسبينوزا، واضرابهما، من الذين جعلوا التأمل اداة معرفية للوصول الى الحقيقة غير الظاهرة، لا مطلق الحقيقة. فهؤلاء الفلاسفة شقوا طريقا آخر غير الطريق الذي سار على جادته كثير من الفلاسفة، كالعقليين والتجريبيين والماديين. بالرغم من أن راسل موغل في لاأدريته لكنه يشير الى أن ثمة فلاسفة أصروا على التأمل وعلى التفكر، وهو هنا ليس بطور نقدهم أو انتقادهم.

هذا، ومن اللافت للنظر، إن راسل عاش أطول عمرا، إذ لم يعش فيلسوف كما عاش هذا الرجل، فقد عاش 98 عاما، يعني عاش قرنا من الزمن، وكان قد شاهد العديد من الاحداث السياسية، والبيئية والعمرانية والفلكية، بل والكثير من الاضطرابات التي عمت العالم خلال قرن من الزمن. ومن المعلوم أنه أرخ تقريبا وكتب عن كثير من هذه الاحداث وسلط عليها الضوء من خلال المحاضرات التي القاها هنا وكناك في اماكن متعددة.

وأما الكتب التي الفها فهي بحدود المئة كتاب تقريبا، أي إنه في كل سنة يصدر أكثر من مؤلف، وهو كان غزير النتاج واكثر فيلسوف ترك للأجيال هذا الكم الهائل من الارث، ومن المادة الفكرية الدسمة، وفي مختلف القضايا تقريبا، إذ لم يختصر نتاجه عن الفلسفة والرياضيات.

 

داود السلمان

 

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأنّ النصوص الفلسفية ليست كالنصوص الاعتياديّة التي يمكن ترجمتها بحسب كلماتها، بل هي تندرج ضمن الترجمة الأدبية التي تحتاج إلى وجود حس إبداعي لدى المترجم بحيث يستطيع قراءة ما بين السطور والحفاظ على أسلوب الكاتب الفلسفي وروح النص الأصلي. وهذا يعني وجود مترجم محترف متخصص بالترجمة الفلسفية من أصحاب الخبرة في هذا المجال من الناحية اللّغوية والإبداعيّة.

والدكتور أنور حامد مغيث هو كاتب، ومترجم مصري، ومدير المركز القومي للترجمة، ويعمل أستاذا للفلسفة الحديثة والمعاصرة، بجامعة حلوان، بجمهورية مصر العربية، وهو يعد واحداً من جيلنا العظيم الذي تعلم فن الترجمة الفلسفية علي يد كل من الدكتور فؤاد زكريا، والدكتور زكي نجيب محمود، والدكتور إبراهيم بيومي مدكور، والدكتور أحمد فؤاد الأهواني، وغيرهم أقطاب وأعلام الفلسفة.

والدكتور أنور مغيث أعرفه معرفة شخصية،  فقد كان لي الشرف أن أكون زميلاً له بكلية الآداب بجامعة حلوان، حيث استلمنا معنا العمل في عام 1995 ـ حيث عُينت أنا مدرساُ في تخصص " المنطق وفلسفة العلوم"، وعين سيادته والدكتور مجدي عبد الحافظ في درجة مدرس فلسفة حديثة ومعاصرة خلال عهد الأستاذ الدكتور محمد حسيني أبو سعده (رحمه الله عليه)، والحق يقال كان أنور مغيث من الشخصيات المصرية المحترمة التي وهَبَت حياتها كلها للجامعة: تعليماً وبحثاً، وظلت اهتماماته الرئيسة هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن . كان يعتقد أن قدراته الخاصة لا تقل بحال من الأحوال عن قدرات أي باحث مماثل له في جامعة السوربون . لذلك فإن حواره مع كبار الأساتذة في فرنسا، كان يتسم بالندية . وكان يصحح الكثير من آرائهم بالاعتماد علي المنهج العلمي الحديث في البحث والدرس الفلسفي؛ وبالذات عند روجية جارودي  وجاك دريدا وبيير بورديو وغيرهم.

علاوة علي أن أنور مغيث (مع حفظ الألقاب) مثقف أكاديمي غزير الإنتاج، وذو اهتمامات فكرية متنوعة، وله شخصية مميزة أقدرها وأجلها، فقد كان وما زال يتميز بطابع الجدية، حيث كان الحوار معه من أصعب الأمور؛ وخاصة مع أولئك الذين لا يحسنون استخدام عقولهم ؛ فهو لا يقبل هذراً ولا فوضي. والألفاظ لديه ينبغي أن تكون علي قدر معانيها، فالتزيد مرفوض، والفيهقة مستحيلة . لذلك كانت دائرة أصدقائه ضيقة جدا، ومعارفه قليلين، وصارت الفكرة التي شاعت عنه أن الصغار يخشون منها، والكبار يهابونها.

ولد الدكتور أنور مغيث في الثاني عشر من شهر مايو عام 1956 بمدينة الباجور بمحافظة المنوفية جنوب دلتا النيل. وقد نشأ  سيادته في بيت كان الجميع فيه يقرأون، وكان أباه معلماً ومشتركًا في كثير من الدوريات الثقافية التي يحملها ساعي البريد إليه.. أنهي أنور مغيث في المنوفية دراسته الابتدائية، وانتقلت بعد ذلك الأسرة بكاملها إلى بني سويف بصعيد مصر، حيث أنهي مغيث المرحلة الإعدادية، وكانت المرحلة الثانوية بشارع الأهرام بمدينة القاهرة، وطوال هذا الوقت كانت القراءة هوايته المفضلة، بل وأيضاً سبباً لتفوقه في الدراسة.

ثم التحق أنور مغيث بكلية الآداب فى قسم اللغة اليابانية الذي كان أول افتتاح له في هذا العام 1974، ولكن انخراط مغيث في النشاط السياسي اليساري بالجامعة، جعل من الصعب المواظبة في قسم اللغة اليابانية، فعالج الأمر بأن التحق بقسم الفلسفة التى كانت في نظر رفاقه لا تحتاج الكثير من المواظبة كما يقول.. اهتمام أنور مغيث بالعمل السياسي بالجامعة جعل له مصدرًا آخر للمعرفة غير تلك التي تلقاها في الجامعة، وهي الفلسفة الماركسية.. وكان إعداد المناضل السياسي يتطلب أن يكون ملماً بشيء من العلوم السياسية والاقتصاد والأدب والفن، وأنور مغيث أعتبر ذلك فرصة عظيمة جعلته غير مقيد بالفلسفة الأكاديمية الجامعية، ونجح بتفوق في الليسانس.

بيد أن حلم السفر إلى فرنسا لإعداد الدكتوراه كان يراوده صباح مساء، وبالفعل سافر أنور مغيث إلى فرنسا بدون منحة أو بعثة، وبدأ في إعداد الجزء الأول من الدكتوراه مع الفيلسوف الفرنسي جان لوك نانسي في جامعة ستراسبورج. وكان الموضوع عن البراكسيس أو "الممارسة العملية" عند ماركس الشاب. وكان دافعه وراء ذلك هو التعرف على ماركسية جديدة ونقد الماركسية التقليدية الستالينية التي تربينا عليها.

في خلال تلك الفترة حصل أنور مغيث علي شهادة الـ A.E.D فـي الفلسفة من جامعة II Strasbourg  عام 1985، ثم شهادة الـ A.E.D في الدراسات العربية الإسلامية من نفس الجامعة في العـام التـالي. قام بعد ذلك بالتسجيل لنيل درجـة الدكتوراه بجامعة X Paris  عـام 1987.

وبعد سفر المشرف نانسي إلى أمريكا للتدريس بها، انتقل أنور مغيث إلى جامعة نانتير بباريس تحت إشراف الفيلسوف جورج لابيكا الذي أقنعنه بإنجاز رسالة عن التلقي المصري للفلسفة الماركسية. حصل على الدكتوراه عام 1992 وعاد أنور مغيث إلى القاهرة لتدريس الفلسفة بجامعة حلوان عام 1995، وإلى جانب التدريس أهتم بنشاطين آخرين: أولهما الترجمة عن الفرنسية، وثانيهما المشاركة النظرية فى الجدل السياسي العام منحازاً إلى قضيتين أساسيتين وهما الديمقراطية والعلمانية.

أثري أنور مغيث المكتبة العربية بترجمات العدد من الكتب والأبحاث المهمة لكبار مفكري فرنسا ومنهم روجيه جارودي وجاك دريدا وبيير بورديو وغيرهم .. من أبرز الترجمات: من هو تشارلي لايمانويل تود، وكتاب كيف نصنع المستقبل ؟ -  روجيه جاردي، وفي علم الكتابة – جاك دريدا، نقد الحداثة للمفكر ألان توريه، ومسيحيون ومسلمون: إخوة أمام الله للإيطالي كريستيان فان نسن، كما قام بمراجعة عدد من الكتب منها الترجمة العربية لكتاب " جهاد" – للمفكر الفرنسي جيل كيبل، وكتاب الغرفة المضيئة  - تأملات في الفوتوغرافيا لرولان بارت .

تم انتداب أنور مغيث ليتولى إدارة المركز القومى للترجمة فى يونيو سنة 2014، بعد أن أقال وزير الثقافة الأسبق الدكتور محمد صابر عرب، مديرة المركز السابقة الدكتورة رشا إسماعيل، بسبب خلافاتها المستمرة مع العاملين والتى وصلت إلى حد اتهامهم بالبلطجية.. واجه مغيث بعد انتدابه مشكلات كبيرة كان عليه أن يجد حلولا لها، فلم يقف مكتوف الأيدى وتصرف بكل حكمة، ومع ذلك لم تفارق الابتسامة وجهه، وبدأ بحل مشكلات العاملين بالمركز أولا، وكان حريصا على مخاطبة ودهم والاستماع إلى شكواهم وفتح صفحة جديدة معهم وأقفل على كل الماضى.. بعد مشكلة العاملين بالمركز، كانت هناك مشكلة كبرى تتعلق بالمترجمين الذين انتهوا من ترجمة كتب منذ أكثر من 5 سنوات ولم تتم طباعتها حتى تقلد إدارة القومى للترجمة، وعلى الرغم من أنهم قد حصلوا على مستحقاتهم المالية.. واجه مغيث خللاً كبيراً وكتباً متراكمة متأخرة، فحاول مسرعاً لانتهاء من كل الترجمات المتكدسة ليتم طبع الكتاب فور انتهاء المترجم منه، وعلى الرغم من الميزانية التى لم تكن تسمح وقتها لاستيعاب مترجمين جدد، فقد فتح مغيث الباب لأى مترجم للتعاون مع القومى للترجمة، ليصبح لدى المركز 120 كتاباً مقترحاً للترجمة، كما كان يتمنى وقت تقلده منصبه، ووجد وقتها أن الميزانية الخاصة بالمركز لا تسمح إلا بترجمة 70 كتابا فقط خلال العام 2014م.

أما فيما يخص موضوع الترجمة فى عالمنا العربى المعاصر، فيؤكد أنوار مغيث بأن: إيقاعها ينتظم مع إيقاع التطور الفكري العام فى المجتمع. ففي فترة النهضة والبحث عن سبل التحديث، كان هناك احتفاء بالترجمة، وفي فترة الليبرالية اهتمت دور النشر الخاصة بترجمة الأدب سعياً إلى الربح، وكان لهذا الاهتمام دور كبير فى تنشيط الحياة الأدبية العربية المعاصرة، كذلك في مرحلة بناء الدولة الوطنية. وفي عصر سيطرة الدولة على النشاط الثقافي كان هناك كما يقول أنور مغيث أيضاً اهتمام بالترجمة، ولكن بتوجيه مباشر من الدولة.

أما في عهد الهيمنة الفكرية للإسلام السياسي فيقول أنور مغيث:" لقد أُهملت الترجمة إهمالاً تاماً بمباركة وتأييد من رجال الدين السلفيين، وبمباركة للأسف من بعض المثقفين الذين تعاملوا مع الترجمة باعتبارها استلاباً وتبعية فكرية. واستمرت هذه الروح عقوداً طويلة، ولم ينتبه العرب إلى غفوتهم فى مجال الترجمة إلا بعد ظهور الإحصائيات المهينة التى تقارن حصيلة الترجمة الضئيلة في العالم العربى بالمقارنة بإسبانيا أو اليونان أو إسرائيل، فانطلقت مبادرات دعم الترجمة وتشجيعها في العالم العربى، وعلى رأسها المشروع القومي للترجمة بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر. ولكن على الرغم من نهوض حركة الترجمة إلا أنّ الواقع أقل كثيراً من المأمول".

وقد سئل أنور مغيث من قبل بعض الصحفيين المستنيرين من أمثال يوسف هريمه هذا السؤال: أكد جورج طرابيشي في كتابه هرطقات أنّ بدايات الترجمة في الإسلام كانت مع دولة العباسيين بشكل خاص. هل تتوافقون مع هذا الطرح الفكري؟ وكيف قتلت حركة الترجمة في الإسلام، لتفسح المجال أمام تراث قضى على كل ما هو فلسفي تنويري في تاريخنا؟

وهنا أجاب أنور مغيث قائلا: بالنسبة إلى بدايات الترجمة، علينا أن نميز بين انتقال المعارف والترجمة، وكانت آراء أرسطو وأفلاطون معروفة في الشام وفي الإسكندرية، وبعضها متداول في اللاهوت المسيحي، ولكن ترجمة الأعمال بدأت في العصر العباسي بتشجيع من الخلفاء، وكانت موجهة بشكل عام إلى الرياضيات والعلوم والفلسفة، بالإضافة إلى ترجمات أخرى كانت تتم بمبادرات فردية. فلقد طلب الفيلسوف الكندي من أحد المترجمين السريان أن يترجم له محاورة طيماوس لأفلاطون. ولقد فتحت هذه الترجمات المجال للإسهام العربي الحقيقي في تاريخ الإنسانية، فأغلب الإسهامات العربية فى الرياضيات والبصريات بل وحتى اختراعات العدسات والمرايا الحارقة كانت عبارة عن تعليقات وهوامش على كتب العلماء اليونان المترجمة من اليونان أو من مدرسة الإسكندرية. وبالمثل في الفلسفة التى دخلت فى طور جديد عندما اقترنت بمفهوم للكون يتبنى فكرة الإله الخالق. أما نكوص حركة الترجمة، فقد حدث بسبب حملة الفقهاء على العلم وعلى الفلسفة وميل الحكام إلى أخذ جانب الفقهاء بحثاً عن شرعية دينية لحكمهم، وبالطبع كان لهذا أثر كارثي في التطور الفكري داخل الثقافة الإسلامية.

كذلك سُئل أنور مغيث هذا السؤال: يقال بأنّ الترجمة خيانة في مستوى من مستوياتها. هل الترجمة هنا نص مواز للنص الأصلي؟ أم مختلف؟ كيف تقرؤون هذا الأمر من منظور فلسفي؟

وهنا أجاب مغيث قائلاً: الترجمة ليست خيانة.. ولكن من الطبيعي أنّ المعنى لا ينتقل بكامله. ولدى المترجم شعور بأنّ هناك بالضرورة ترجمة ممكنة أفضل من تلك التي أنجزها. وهو شعور ينتاب المترجمين الذين يقدمون على ترجمة الشعر والنصوص المقدسة. أمّا بخصوص النص الناتج عن الترجمة فلا أتصور أنّه نص مواز، فمن المعروف أنّ التوازي معناه أنّ النصين لا يتلاقيان مهما امتدا. ولكن نقاط التلاقي كثيرة بين النص المترجم والنص الأصلي. وعلى الرغم من ذلك فهما ليسا متاطبقين. فالترجمة ليست استنساخًا ولا إعادة انتاج ولا صورة طبق الأصل. إنّها بمثابة حياة جديدة. إنّها تعطي النص حياة جديدة في سياق جديد. فالترجمة هي أكثر آليات انتقال الأفكار فعالية. فالبيان الشيوعي مترجمًا إلى العربية ليس نًّصا موازيًا للبيان الشيوعي بالألمانية، وليس صورة طبق الأصل منه وليس نصًّا مختلفًا. ولكن الترجمة أعطت للنص مهمة جديدة. إذ تحول بعد ترجمته إلى صيحة لتحرر الشعوب من الاستعمار بعد أن كانت مهمته تحرر الطبقة العاملة من البرجوازية. وكذلك الحال مع برجسون الذي كان فيلسوفًا لليمين الرجعي في فرنسا فإذا به يصبح بعد ترجمته إلى الألمانية فيلسوفًا لليسار غير الماركسي في ألمانيا. أمّا عن الآفاق المعرفية التي تفتحها عملية الترجمة فيكفينا أن نتذكر السؤال الذي طرحه شلايرماخر وهو بصدد ترجمة محاورات أفلاطون إلى الألمانية، فكان يتساءل: أيهما أفضل، أن يصطحب القارئ ليعيش في عصر أفلاطون، أم يأتي بأفلاطون ليعيش في ألمانيا في القرن التاسع عشر؟ وانتهى بأن فضل الاختيار الأول. ولكن هما على أيّ حال استراتيجيتان في الترجمة، فالمترجم ينقل النص إلى لغته وهو مهموم بمشكلات عصره. والترجمة بهذا المعنى تسمح بتجاوز حدود التاريخ والجغرافيا.

وأخيراُ وعلي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور أنور مغيث بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمت من جهود.

تحيةً لأنور مغيث الذي  لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في أنور مغيث قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............................

المراجع

1-  غادة قدري: الدكتور أنور مغيث.. عام من الإنجازات  (مقال).

2-  يوسف هريمة: أنور مغيث: الترجمة في البلدان العربية؛ الواقع والمآل – مؤمنون بلا حدود ..

3- مايكل مدحت يوسف: د. أنور مغيث، أوراق فلسفية (بحث).

4- د. أنور مغيث: التأويل وثراء النص (مقال بالأهرام المصرية).

5-  د . انور مغيث: هل الانفصال حل ؟ (مقال بالأهرام المصرية).

6-  د . انور مغيث: عصر الاشتباه (مقال بالأهرام المصرية).

7-  د . انور مغيث: لماذا نقرأ الفلاسفة القدماء؟ (مقال بالأهرام المصرية).

 

 

محمود محمد عليهناك الآلاف ممن يمارسون الشعر.. يزاولونه.. يكتبونه في المدارس أو الجامعات أو حتي في الهيئات والأمسيات الأدبية.. يكتبون ويقولون.. وإنما من كل هؤلاء الآلاف هناك أفراد قليلة جداً هم الشعراء والشعراء الحقيقيين.. وللشعر لغة خاصة، لا نعني بها اللغات الألسنية السائدة والبائدة، لكنها لغة مختلفة لغة محلقة في فضاءات غير محدودة من المتخيل الذي تتخطى من خلاله حدود التصريح والتقرير والتسمية المنطقية.. هذه اللغة قوامها المجاز، ومحور ارتكازها موهبة سيالة لا تقتات على البقايا ولا تعرف الجمل الاستهلاكية المعلبة مسبقا.. يصف البلاغيون في كتاباتهم الشعر بأنه كلام موزون مقفى ولكن هذا التعريف وإن كان مقبولا في زمن معين، وفي إطار وعي معين، فهو غير صالح على الإطلاق في هذا الزمن الذي يحيل هذا التعريف الى الأرشيف أو يقصره على النظم، بعيداً عن الشعر الحقيقي.. ولذلك يتعب الشاعر الحقيقي في تجديد أفكاره، ولغته، ورؤاه المختلفة، ليكون مختلفا قدر الاستطاعة في زمن التشابه، ليقترب أكثر من اللغة الشعرية التي تحوّل الحديث الى كائن حي له كيانه وله شخصيته، وليس مجرد أداة تعبيرية جامدة.

وهناك نظريات كثيرة لتصنيف الشعر الحقيقي المختلف عمن يمارس الشعر.. ولكن هناك حالة اقتناع بأن الشاعر الحقيقي له صوتاً خاص ومعني خاص ومفرد خاص.. وعندما تستمع لشعره لا تقع أسيراُ للمعني ، ولكن تتأكد أن هذا الشعر يخص فلان وهو من مذاق فلان.. كل هذا ينطبق علي الأستاذ الدكتور حسن طلب ، صحيح أنه أستاذ فلسفة، ولكن الشعر هو دينه وديدنه ؛ كان الشعر عند الدكتور حسن طلب له الأولوية الأولي في حياته، وشعور بالإلتزام يتملكه نحو شعره ؛ فبالرغم من كونه أستاذاً للفلسفة إلا أن شعره يأتي دائماً في المرتبة الأولي.

عرفت الدكتور حسن طلب ، حيث كان زميلي بكلية الآداب- جامعة حلون ؛ تسلمنا العمل معا في عام 1995م ، عُين سيادته في درجة مدرس علم جمال ، وعُينت أنا في درجة " مدرس منطق وفلسفة علوم " ، كان حسن طلب ( مع حفظ الألقاب) قمة في التواضع ، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للأدب الروائي والشعر: تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات شاعر وأديب يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل دواوينه تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

كان الشاعر والزميل والصديق حسن طلب قبل دخوله الجامعة نائب رئيس تحرير مجلة إبداع الأدبية الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب، ثم كان رئيساً لتحرير سلسلة (الذخائر) التى تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، وعضو في الوقت ذاته بلجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، وأحد رموز الثقافة المشاركين في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ51، علاوة علي أنه كان أحد المؤسسين لجماعة "إضاءة" للشعر عام 1977 م.

ولد حسن طلب بمركز طهطا بمحافظة سوهاج عام 1944م ، وقد ظهرت موهبته الشعرية منذ طفولته.. انتقل حسن طلب للالتحاق بالجامعة ووقع اختيار الشاب الصغير حينذاك علي قسم اللغة العربية بكلية الآداب لكن طلب اكتشف أن جزءً كبيراً من المناهج هناك يعرض لأمهات الكتب العربية، والتي كان قد اضطلع بالفعل علي عدد منها خلال قراءاته اثناء دراسته بالثانوية ، فقرر الانتقال إلي قسم الفلسفة لقناعته بأن دراستها ستساعده علي اضفاء العمق علي شعره ، ثم بدأت رحلته الأدبية منذ حصوله على ليسانس الآداب، قسم الفلسفة، من جامعة القاهرة في الرابعة والعشرين من عمره، ثم واصل دراسته الأكاديمية بحصوله على الماجستير في الفلسفة، ليُكمل الدكتوراه حتى حصل عليها في عام 1992 وذلك تحت أستاذتنا الدكتور "أميرة حلمي مطر" .

بالانتقال إلي القاهرة انتقل حسن طلب إلي عالم أوسع فبعد الاقتصار علي حضور الموالد والاحتفالات الصوفية بالقرية ، أتيحت له الفرصة لحضور الأمسيات الشعرية والندوات لكبار الشعراء.. فخرج طلب من الجامعة 1968م وعُين مشرفا ثقافيا بها ، لكنه واصل كتابته للشعر ونشر أول قصيدة عام 1971 م في مجلة المجلة وهو ما شجعه علي التوجه إلي الناقد الراحل رجاء النقاش ليعرض عليه أعماله.. اعجب النقاش بتلك الموهبة الشابة ونصح طلب بنشر قصائده ، وشاءت الأقدار أن يكون حسن طلب واحداً من كبار الشعراء المعاصرين وذلك حين جاءته دعوة للمشاركة فى الدورة الخامسة من الملتقى الدولى للشعر والذي كان يقام باستمرار فى المجلس الأعلى للثقافة.

كما شارك "حسن طلب" بإسهامات أدبية كبيرة، يأتي من بينها أنه أحد المؤسسين لجماعة "إضاءة" للشعر منذ عام 1977، وقاده ذلك نحو الحصول على العديد من الجوائز، فحصل على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب من المجلس الأعلى للثقافة في عام 1990، ثم جائزة كافافيس اليونانية للشعر في 1995، وجائزة السلطان قابوس للإبداع الثقافي في 2006 والتي جاءت كمناصفة مع الشاعر العمانى سيف الرحبي.. ترك "حسن طلب" بصمة أدبية بالعديد من البلاد، وذلك من خلال مشاركته في العديد من المؤتمرات الأدبية والشعرية في اليونان، وفرنسا، وكولومبيا، والدانمارك، والمغرب، والأردن، وسوريا.

ولحسن طلب العديد من المؤلفات الأدبية والفلسفية ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر وذلك علي النحو التالي :-

- وشم على نهدى فتاة - دار أسامة القاهرة 1972.

- سيرة البنفسج: 1986 م.

- أزل النار في أبد النور- دار النديم القاهرة 1988.

- زمان الزبرجد : 1989 م.

- أية جيم (قصيدة طويلة)- الطبعة الأولى هيئة الكتاب القاهرة 1992 الطبعة الثانية دار التلاقي للكتاب 2010

- لا نيل إلا النيل -دار شرقيات القاهرة 1993

- بستان السنابل مختارات شعرية - مكتبة الأسرة 2002

- مواقف ابى على وديوان رسائله وبعض أغانيه المجلس الأعلى للثقافة القاهرة 2002

- دراسات فلسفية.

- المقدس والجميل مركز القاهرة لحقوق الإنسان القاهرة 2001.

- أصل الفلسفة دار عين القاهرة 2003.

- دراسات تناولت حسن طلب بالدراسة الإيقاع في قصيدة السبعينيات ،عادل بدر، كلية الآداب، جامعة عين شمس ،القاهرة،2001.

- المقدس والجميل : 2003 م.

- متتالية مصرية 2006 م.

- مصادرة الفن باسم الدين والأخلاق والسياسة 2013 م.

ليس هذا فقط بل تنوع نتاجه الثقافى، حيث صدر له حتى الآن عشرون ديوانًا، نشرها المجلس الأعلى للثقافة فى أربعة مجلدات تحت عنوان: "ديوان حسن طلب" ، كما صدر له عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ديوان: "سفر الشهداء" وهو المتمم لثلاثية "إنجيل الثورة وقرآنها"، وصدر له كذلك ديوان: "ما كان فى الإمكان كان" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. كما تمكن حسن طلب من إتمام مشروع شعرى جديد بعنوان: (الثلاثية الصغرى) ويشمل قصائد بعنوان: "كفوا عن التضليل" و"تمردنا.. ولكن" ثم : "لا شك فى البطل"..

خلال تلك الدراسات والدواوين كان حسن طلب علامة مميزة من علامات القصيدة العربية المعاصرة ، إذ لم يقتصر سعيه علي إنجاز بصمة مميزة بين السبعينات المصري والعربي من القرن الماضي والمنصرم ، بل ينطوي أيضاً علي إنجاز بصمة مميزة في الكتابة الشعرية الراهنة ، وحينما احتفلت الأدبية بمصر مؤخراً عبر لجنة الشعر بالمجلس الأعلي للثقافة ببلوغ حسن طلب عامه الستين من عمره المديد كانت تحتفل – من خلاله - بالشعر وبالاجتهاد والخيال الأصيل . و" أدب ونقد " حينما تحيي هذا الشاعر الفرد ، إنما تحيي فيه الاتقان والإبداع والصلابة الإنسانية ، حيث وصفوه بالبستاني ، الجواهرجي، المهندس" ولم تكن هذه الصفات الثلاث التي اطلقتها عليه مجرد لغو كلمات، بل كانت ولا تزال - تحديداً دقيقاً لطريقة عمله مع الشعر. فشأن طلب مع الشعر شأن البستاني الذي يتعهد حديقته بالري والتسميد والحرث والتشذيب والتقليم والتنسيق بين الجذور والفروع والغصون والسيقان والأوراق والثمار والزهور. كما ان شأنه مع الشعر شأن الجواهري الذي يتعهد مصاغه بالصهر والتشكيل والنقش والتلميع والتنضيد والتمييز بين العيارات. ثم أن شأنه مع الشعر شأن المهندس الذي يتعهد معماره بالأساس والمداميك والمنظور والطول والعرض والارتفاع والتناظر والتقابل والكتلة والفراغ والطوابق والشرفات والتهوية وأرابيسك الأبواب.. ووصلت «بستانية» هذا الشاعر الى حد ان ارتفع بزهرة من الزهر الى مستوى المركز المطلق (البنفسج)، لتغدو هي الأنثى والوطن والجحيم والقصيدة. بل ان هذا البستاني لم يقصر اهتمامه على الحدائق وحدها، وانما مدّه ليشمل حشرة الحدائق (الخازباز) ليصل بها الى مستوى تجسيد المأساة العربية، في واحدة من فرائده الفريدة.. وقد وصلت «جواهرجية» هذا الشاعر الى حد ارتفع بواحد من الأحجار الكريمة الى مستوى الرمز المطلق (الزبرجد)، حتى صار هذا الحجر الكريم علامة على الشاعر، وصار الشاعر علامة على هذا الحجر الكريم، على نحو غدا معه هذا الرمز المطلق طوّافاً على كثير من مناخات الشاعر و "زمانه".. كما وصلت «هندسية» هذا الشاعر الى حد ان صارت معظم قصائده ابنية معمارية متلاصقة، تتجاوب فيها عناصر الكتلة والفراغ وتتراسل فيها نسب الاسمنت والقرميد والجص، وتتجادل فيها الوشائج بين الشكل والوظيفة، كل ذلك في نسق يعيد بعث الصلة القديمة بين الفلسفة والرياضيات، أو بين التجريد والهندسة، أو بين الجبر والميتافيزيقا. (ناهيك عن أن شاعرنا صمم نصاً شعرياً على هيئة هندسية مباشرة، عمادها المثلث والمستطيل. مثال: بنفسجة للجحيم).. على أن ثمة ثلاثة شروط كبرى، توافرت في تجربة حسن طلب، من دونها يصبح البستاني محض منمق، ويصبح الجواهرجي محض منضد، ويصبح المهندس محض منظم، أول هذه الشروط الثلاثة الكبرى هو: الفطرة الشعرية المطبوعة (أو الروح الشعري الدفين) التي تأخذ النص من الاصطناع الى الصنع الجميل، وتمنح الحرية والتنوع، وثاني هذه الشروط الثلاثة الكبرى هو: القدرة اللغوية (والمُكْنة الموسيقية) التي تأخذ النص من الثبات الى الحركة، ومن الجمود الى دفق الليونة، وتتيح وفرة الاختبارات والبدائل والحلول، وثالث هذه الشروط الثلاثة الكبرى هو: ربط البستاني والجواهرجي والمهندس فيه بهموم ذاته وذات جماعته الوطنية، وهو الربط الذي ينأى بالبستاني عن مفهوم الزينة، وينأى بالجواهرجي عن مفهوم «الاكسسوار»، وينأى بالمهندس عن مفهوم النمط.. هذه احدى مغامرات (أو معادلات) حسن طلب العظمى: دخوله الى البستان ومحل المجوهرات والهندسة، مسلحاً بالفطرة الهادرة والقدرة الطاغية والشوق الجماعي، لينتج لنا - عبر التجادل الخصب بين ذلك جميعاً واحدة من التجارب الشعرية المتميزة في الحركة الشعرية العربية المعاصرة وذلك كما قالت عنه دار الحياة في احتفاليتها عنه "تحت عنوان ستون الشاعر المصري حسن طلب: اللاعب بالنغم... الراقص بالحرف"..

وقد وصفه الدكتور مصطفي النشار في مقال عنه بعنوان " حسن طلب.. والأصل المصرى للفلسفة"، فقال عنه بأنه " واحداً من سدنة مزج الفلسفة بالشعر عبر التاريخ؛ إذ يمكن أن تقارنه ما شئت بإخناتون ملك مصر الفيلسوف الذى عبر عن رؤيته الدينية والفلسفية فى القصيدة الشمسية الشهيرة أو «باكسينوفان» ذلك الشاعر اليونانى الجوال الذى قضى ستين عاما يعبر بالشعر عن رؤاه الفلسفية والدينية فى حقيقة الوجود وجوهره الواحدى أو بتلميذه بارمنيدس صاحب أشهر قصيدة يونانية عبرت عن حقيقة الوجود الواحد ولا ماديته وهى تلك القصيدة التى انبعثت منها فلسفة أفلاطون المثالية كما استندت عليها فلسفة أرسطو الميتافيزيقية".

أما الدكتور سعيد توفيق فقد أفاض في الحديث عنه عندما أخذ يعدد مؤلفاته ودواوينه وإنتهي إلي أن مسألة «أولوية اللغة» لاحظها الكثيرون في شعر «طلب»، والسبب يرجع لمتانة لغته، واستحضاره بلاغة القدماء، حيث يتجلى في شعره استعمال القوافي والجناس والسجع والطباق وغير ذلك من بديع اللغة، وكأنه يحاول ترصيع قصائده ببعض الأحجار القديمة العتيقة، التي لا نكاد، نحن المعاصرون، ندرك قيمتها أو نفقه جمالها.. ونفى سعيد توفيق ما أشيع حول أن شعر «طلب» يقوم على الاستعراض اللغوي، وأنه يميل للزخرفة والاعتماد على الصورة، مؤكدًا أن هذا سوء فهم لشعره؛ وأشار إلى أن «طلب» لجأ لتحولات تدريجية في شعره من أجل الخروج من هذا الإطار، فقدم بعض الدواوين ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية؛ كديوان «لا نيل إلا النيل»، الذي لخص عشق و«إيمان» حسن طلب بالنيل؛ فهو ليس متغيرًا كقلب الأنثى، بل باق بقاء الله والوطن.. كما كشف توفيق أن نقطة التحول هذه جعلت «طلب» أكثر اهتمامًا بالشأن العام، وبعالم الإنسان الذي يلقى شتى صنوف الظلم والعدوان في هذا العصر، فظهر ديوانه «قربان لإله الحرب» الذي صور الفظائع التي ارتكبتها أمريكا بحق العراق منذ احتلالها عام 2003، وإسرائيل بحق جنوب لبنان، حيث تخيل «طلب» في إحدى قصائد الديوان «هذه كربلاء وأنا لست الحسين» وجود شهيد سقط في هذه المعركة ولكنه يرمز للشهداء في كل زمان ومكان.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور حسن طلب بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمت من جهود.

تحيةً لحسن طلب الذي لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

جمال العتابيمن يزيل الصدأ عن التجربة؟

كان لعدد من الأدباء والكتاب، منذ أواسط القرن الماضي، فضل تمثيل الإتجاه الجديد في الكتابة للطفل، الذي بدأ يتنامى في  بعض كتاباتهم، وذهب إبراهيم السعيد بالنصيب الأكبر في فضل الريادة والتوجيه، لتحويل هذا الإتجاه إلى حقيقة شاخصة في الواقع العملي، فأضحى مشروعاً ثقافياً رائداً، تمكّن بفضل مقومات شخصيته العقلية والنفسية، أن يقنع أجهزة الثقافة والإعلام بعد إنقلاب تموز 1968 بتوفير الدعم والرعاية له، وهو مامكّنه كذلك للقيام بهذا الدور التاريخي في صحافة الطفل .

لهذا السبب، ربما نخص هذا الرجل (البعيد عن أرض الوطن الآن) بإهتمامنا . إذ لم تغادر فكرة الكتابة عن (مجلتي) . التي إقترنت بإسمه منذ مرحلة  التأسيس الأولى، والتنبيه لدوره المتميز في تحقيق هذا المنجز الثقافي، لما يتمتع به من عقل ناقد، وعزيمة ماضية، وبصيرة ترنو من وراء الحُجب إلى آفاق المعرفة، وإرادة تُحيل الضعف إلى قوة، والقيد إلى حرية وإنطلاق .

فطنة إبراهيم السعيد قادته إلى الثراء الكامن في الروح العراقية، المتمثل بطاقات هائلة يحملها عدد كبير من المبدعين العراقيين، رسامين، وكتّاب، فمنحهم فضاءً حراً غير مسبوق بإشتراطات سلطوية أو حزبية جائرة، فهو مؤمن أشد الإيمان إن المثقف والفنان يرتكز أساساً على الحرية في مداها الواسع، فأطلق مشاعرهم في التعبير .. وكان له أبعد الأثر وأعمقه في نجاح التجربة وفرادتها في سنوات التأسيس الأولى .

بعد ما يقارب خمسة عقود من الزمن، أجد من المهم والإنصاف والوفاء، أن نسجل لهذا الرجل مأثرته بهذا الفعل الذي ظل على الدوام يحمل بصماته الأولى، على الرغم من كل محاولات التشويه، والإسفاف، التي لم تتمكن النيل من مضمونه الإنساني الجميل ومعانيه الرائعة بمخاطبة الطفل .. سواءً كان ذلك في تسيس المشروع، أم في إختيار بعض الإدارات الحزبية التي تسللت إليه، لم يكن للشرط الإبداعي دور في الإختيار، فأسهمت في توظيف الأهداف لأغراض سياسية ودعائية في مراحل لاحقة، ومن الإنصاف أن نستثني إدارات أمل الشرقي، ومالك المطلبي، وفاروق سلوم، إذ شهدت المؤسسة إزدهاراً ملحوظاً في التنوع والإنتشاربعد أن تحولت إلى مديرية عامة لثقافة الأطفال،وبفضل الدعم المالي اللامحدود لها، إستطاعت أن تطبع إصداراتها في دول متقدمة، كاليابان مثلاً، وإتسعت منافذ توزيعها إلى معظم البلدان العربية، ولا سيما في بلدان شمال أفريقيا، وفي أغلب الأحيان كانت توزع  بصيغة الهدايا .

إن قدرة السعيد تتجلى بهذا الإنفتاح الواسع على الخبرة والكفاءة والإبداع الذي قطع أشواطاً بعيدة في منهجه، وكيانه الفكري، بإسلوب فيه طابع العصر، وجاذبيه الجديد، ولم يكتف بتوظيف تلك الإمكانات . بل حوّل (مجلتي) إلى ورشة عمل دؤوبة لتدريب الطاقات الشابة، فكانت المدرسة التي ضمّت العديد من الأسماء .. والتي أصبحت بفترات لاحقة عناصر مهمة وأساسية في إستمرار التجربة، وغيرها من التجارب الصحفية .

أتذكر جيداً تلك الأعوام الأولى من السبعينات . التي إلتحقتُ فيها بمهنة التدريس خارج العاصمة، وتحديداً في مدينة الفلوجة،إخترتها بعناية لكي أواصل العمل في بغداد مساءً، وأنا أقطع المسافات يومياً بين المدينتين ذهاباً وإياباً، في الوقت الذي بدأت فيه أضع خطواتي الأولى في العمل الفني الصحفي، مع نخبة من المبدعين في (مجلتي) في أوقات العمل المسائي .

ذات يوم قائظ، شديد الحرارة، قادني إبراهيم السعيد، وبتواضع شديد، وبساطة متناهية، إلى مبنى وزارة الثقافة والإعلام في ساحة التحرير، سرعان ما وجدنا أنفسنا في مكتب المرحوم الشاعر زكي الجابر (المدير العام في الوزارة)، المشرف العام على المجلة . بعد أن قطعنا المسافة بين مبنى وكالة الإنباء العراقية المطلة على شارع أبي نؤاس، الذي تشغل (مجلتي) طابقيه السابع والثامن، ومبنى الوزارة مشياً على الأقدام، إذ لم يخطر ببال السعيد أن يمتلك سيارة خاصة به، أو يستخدم إحدى سيارات (الحكومة) .

لم أتخيل إنني سأفلت من (الفلوجة) بهذه السرعة، بعد أن قدمني السعيد للسيد الجابر، ملمحاً لحاجة (مجلتي) لخدماتي، وتجاوزاً لكل الروتين والتعقيد البيروقراطي . نُسبت للعمل فيها .. وصدر أمر وزاري بالتكليف . كنت حينذاك في غاية السعادة، لا لسرعة إنجاز الأمر، إنما لموقف (رئيس التحرير السعيد) الذي كان متسقاً مع نهجه الواضح في العمل .. فأنا لا أرتبط معه بصداقة بعيدة العمق . ولم تتجاوز فترة العلاقة الوظيفية سوى بضعة أشهر .. لكنه لم يكن يعمل على وفق هذا المنطق، إنه يتحرك بإيمان عميق، بحرية التفكير والفن، وكان يتطلع دون تدخل مباشر منه إلى ممارسة هذا الدور بإبداع، وصدق في التعبير، هو معني بحاجة المجلة للكفاءات، وبمقدار مساهمتي في العمل، والمشاركة فيه بإخلاص وجد، والتفاعل الإيجابي مع الآخرين، ألا تستحق هذه التجربة من يزيل عنها الصدأ .. ويعيد ألقها وفتوتها .. أم أننا إعتدنا أن نقتل الأشياء الجميلة، ونطمرها .. لا لنذرف الدموع عليها .. إنما لنستعد لتشييع خضرة أخرى؟

إن أحد أسباب نجاح تجربة (مجلتي)، أنها إستطاعت أن تستقطب أكثرالرسامين والفنانين والكّتاب إبداعاً، ومن حق العراق أن يعتز بالإنجاز الذي حققه أولئك الذين إمتلأ بهم ثراءً، أعتذر سلفاً إن خانتني الذاكرة في ذكر بعض الأسماء المبدعة، لكنني لا أنسى : طالب مكي، فيصل لعيبي، صلاح جياد، وليد شيت، بسام فرج، عصام الجبوري، ضياء الحجار، مؤيد نعمة، نبيل يعقوب،أديب مكي، كاظم شمهود، منصورالبكري، عبدالرحيم ياسر، ميسرالقاضلي، قيس يعقوب، مصدق الحبيب، حسام عبد المحسن، صبيح كلش، عادل صبري، وغيرهم من الرسامين، وبمشاركة أبرزالكّتاب، وفي مقدمتهم: فاضل العزاوي، يوسف الصائغ، سالمة صالح، وصادق الصائغ، عبد الاله عبد الرؤوف، كاظم صالح، عدنان حسين، عبد الرزاق المطلبي، محمد شمسي،سامي الزبيدي، زهير رسام، طلال حسن،خالد يوسف، سهيل سامي، نبيل ياسين، فاروق سلوم، ومن ثم جيل آخر يتقدمهم، حسن موسى، فاروق يوسف، جعفر صادق، كاظم المقدادي، منى سعيد، سعيد شنين، شفيق مهدي، مها البياتي، إسماعيل خليل، وعدد كبير من المساهمين من خارجها من الشعراء، وكتاب القصة أو السيناريو .

وبمعية أولئك، عدد من المصممين والخطاطين والمصورين : عامر العبيدي، عارف علوان، حميد ياسين، جمال العتّابي، بلاسم محمد، سعدي الموسوي، ثامر الخفاجي،ومع الكادر الفني، كاك صلاح ومخلد المختار وعادل العرداوي،وفي إدارة المجلة والمكتبة،جواد عباس، وقسيمة البدري، وميعاد القصاب .

في وسط حاشد من المبدعين، ظهرت قدرة إبراهيم السعيد في التمكن من إدارة هذا الجمع . بغض النظرعن إنتماءاتهم، وتلويناتهم الفكرية والسياسية .. إذ لم يشهد الوضع السياسي أنذاك صراعات طائفية أو مذهبية أو عرقية . كان إبراهيم يجد في العمل الصحفي الخاص بالطفولة صيغة جمال مطلقة، فإعتمد أساليب عمل نيرة وساحرة، مختلفة عن التقليد وترفض الجمود، وأسهم في حالة الإنطلاق الأولى، لتصبح بالإرادة والتحدي ظاهرة تفرض نفسها على الآخرين، والسمة الأبرز في أجواء العمل آنذاك، لأن السعيد يدرك تماماً أن الخوض في هذا الميدان يتطلب عناءً ومشقة، وعليه أن ينأى بالمشروع من سلطة الفكر الشمولي، وتوجهات الفكر الشمولي من جهة، والتأسيس لأدب راقٍ ينسجم مع عقلية الصغار لتطوير قدراتهم وتجديد إبداعاتهم من جهة ثانية، فكانت خطواته الأولى على هذا الطريق الشائك والوعر .

وإنفرد إبراهيم السعيد بخصال كثيرة، أبرزها خصلتان، حكمتا مسلكه الصحفي والثقافي عبر مسار تجربته الصحفية، وهما : مهنيته الفريدة، وتجرده عن الأنانية ومحبته للآخرين، ونختار للسعيد هاتين الخصلتين لأنهما في تقديرنا يفسران إسلوبه ومنهاجه في العمل، وما فجّره من طاقات بين العاملين في (مجلتي) . وإذا أردنا أن نتحدث عن صداقاته، وتواضعه، وإخلاصه، وتفانيه في العمل، فتلك مزايا لاحدود لها .

وجد السعيد نفسه فيما بعد، أنه أسير أنماط جامدة متوارثة، حاولت إغلاق أبواب الإبتكار، وأمعنت في شل قدرات التغيير، فتحدى إبراهيم الجمود، ونظر إلى صحافة الأطفال، على أنها قوة الحياة، فكانت المجلة بيتاً مليئاً بالحيوية والفرح والحب، بما أشاعه من أجواء مودة وإلفة وصفاء بين العاملين، فكنّا لا نبارح المكان، ولا نتقيد بساعات عمل روتيني .. ولا تتسلل لنفوسنا الكآبة والملل، فأن شئنا نفتح النوافذ المطلّة على دجلة المنساب هادئاً نحو الجنوب بزرقة باهتة .. وهو يعدنا بنزهة أو جلسة على ضفافه، وأخرى في كافتيريا نادي الإعلام تزيح متاعب العمل، إنها النوافذ المفضية إلى قلب المدينة .

أكاد أقول بكل إعتزاز وثقة، إن التجربة تلك تستحق أن تكون نموذجاً رائداً للعمل والإدارة في كل المؤسسات والهيئات والجمعيات الثقافية، وهي دعوة كذلك لهذه الجهات أن تدرس أسباب النجاح، والتمكن بالفعل الجاد من وضع مفردات التقدم وتجاوز الصعوبات موضع التطبيق، إن هذه المؤسسات بحاجة إلى طعم فني في الأداء، وهواجس ثقافية عميقة، وصدق العلاقات، وقبل كل هذا، الشعور بالمسؤولية الثقافية الوطنية، بتجرد وأمانة .

ومن حقنا التساؤل عن وجود أي اثر لهذا النموذج في السلوك أو الإدارة بين مؤسسات الإعلام والثقافة اليوم .. أكاد اشك أن تتكرر هذه التجربة بنفس المواصفات، ومن غير المنطقي نسخها بكل تفاصيلها . وبمعانيها الإنسانية النبيلة، لذا فأن مزيداً من الشعور بالإحباط يداهمني، وأنا أرى الدار تتعثر في مسيرتها وأدائها منذ عام 2003، لأسباب عديدة، شانها شأن المؤسسات الثقافية الأخرى، ومعظم دوائر الدولة .

فأين نحن من إبراهيم السعيد؟ الحالم، الذي أراد تغيير العالم بالكلمة . فواجه بثبات ألآت المؤسسات الحزبية التي أرادت أن تصادر منه بيان الأفكار وطعم الطفولة، وعلى الرغم من قوة صموده، فأنه فقدَ قوة المواجهة، حينما حاولوا أن يجبروه على تبني توجهات الحزب القائد، فرفض الإنصياع، وإختار الأصعب، وهوالفرار، لكن إلى أين؟ إلى مملكة الحرية ... إنه الموقف الذي حررّ به نفسه من رواسب الإملاءات المقيتة،  ليتناغم مع إسلوبه في إستعادة ذاته، منسجماً مع معايير الزمن المتجدد، لكي لا تسوقها أفاعي السياسة السامة .

تحية لك أيها السعيد، الباحث عن الضوء، وسط ظلام وصخب العالم وفوضاه، تحية لك أيها الباهر، ومعذرة إن تأخرنا عنك، لكنني أشعر بالغبطة والإرتياح، بعد أن سددت ديناً  برقبتي، وأزحتُ هماً عن نفسي رافقني منذ عشرات السنين، وليس لي شأن بما سيتركه هذا الوفاء من صدى عند الآخرين. على الأقل عند أولئك المتسيدين للمشهد الثقافي، فأنا مطمئن أن البعض منهم غير معني بإبراهيم السعيد، ولا أجداد إبراهيم، ولا بمبدع آخرغير إبراهيم، فليذهب حيث إختار في أقاصي الدنيا .!!

 

جمال العتّابي

 

 

جواد عبد الكاظم محسنتابعت بعناية واهتمام الحلقتين المميزتين اللتين قدمهما الدكتور حميد عبد الله عن الشهيد المفكر عزيز السيد جاسم، وعادت بي الذكرى إلى أول لقاء لي معه في مكتبة الفلفلي بسوق السراي بعد منتصف عقد الثمانينيات، وقد عرف بيننا صديقنا المشترك صاحب المكتبة محمد الفلفلي (استشهد في حرب الخليج الثانية سنة 1991م)، ومنذ اللحظة الأولى شعرت بشخصيته المرموقة وعمق ثقافته وسعة اطلاعه، وشدّني بأسلوبه الجميل وطبعه الهادئ، وكنت قد قرأت له قبل ذلك مجموعة غير قليلة من مؤلفاته ومقالاته المنشورة في الصحافة المحلية، ومازلت احتفظ ببعضها في أرشيف مكتبتي الخاصة ؛ كما شعرت بارتياحه لي ورغبته بالتواصل والحديث معي، وكان حديثنا عاماً وقصيراً حول عالم الكتب والمؤلفين .

لم نتحدث في السياسة على الإطلاق وتحاشينا الخوض فيها رغم حديثنا عن كتب ذات طابع سياسي أو قريبة منه، فقد ابتعدنا عن الحديث السياسي لأن الأوضاع العامة لا تشجع على ذلك، وقد ارتسمت أمامي المضايقات العديدة التي تعرض لها عزيز السيد جاسم بسبب كتاباته التي لم تعجب السلطة، وما مرّ به من معاناة شديدة، وخاصة عند صدور كتابه (علي سلطة الحق) .

كنت قد قرأت الكثير من كتب الفكر السياسي الصغيرة لعزيز السيد جاسم، ولم أتفق مع بعض ما ورد فيها، وقرأت له في الثمانينيات كتبا أخرى منها : (الاغتراب في شعر الشريف الرضي)، و(محمد الحقيقة العظمى)، و(علي سلطة الحق)، و(متصوفة بغداد)، فوجدت نفسي أقرب إليه ؛ كما كنت أتابع ما ينشر في جريدة العراق من مقالات قيمة ودراسات معمقة وكتابات لا تخلو من جرأة في طرحها ؛ فضلا عن روايته (الزهر الشقي) التي نشرت على حلقات قبل ظهورها كاملة، ورأيته كما وصفه الناقد الكبير شكيب كاظم فيما بعد (عقل باهر وفكر زاخر منذ بواكير كتاباته المعرفية).

وأذكر مقالة مؤثرة له بعنوان (خواطر عن النخيل أكرم الشجر) نشرها يوم 12/6/1985م في جريدة العراق، وهي محفوظة في أرشيفي إلى الآن لشدة إعجابي بها، وقد  جاء في مقدمتها (لم يحدثني أحد عن صوت النخلة الذبيحة، فقد سمعته بنفسي، فعندما يحز المنشار عنقها فإنها تصرخ صرخة العاتب الحزين الذي يتألم للذابح لا للمذبوح ؛ إنها تقول "آه" مرة واحدة، ثم تصمت إلى الأبد)، ويضيف ((إنه صوت يصعب أن تجد له مثيلا في وصفه – أذن – إلا من باب استدعاء الأوصاف في اللغة، ومن بين عشرات ومئات الأصوات الكسيرة، المتألمة، المعذبة، التي تودع الحياة على مشرعة القتل ؛ يظل صوت النخلة التي احتز رأسها الصوت الأكثر تفجعا، الأكثر امتلاء بـ "الليش" والأسى والشفقة ؛ إنه الجئير الآتي من أعماق الأبدية، وهل أعجب من عناق من عناق النخلة للأبدية ؟)، وتضمن المقال أحلى وأعمق مقال عن عمتنا النخلة والوصية بإكرامها من قبل النبي (ص)، وصدق أخوان الصفا (وهم أهل علم وموجدة وألفة وصحبة واختيار حين اعتبروها أرقى مرحلة في تطور النبات، وأول مرحلة في صعود النبات إلى مملكة الكائنات الحيوانية، فهي في سلم التطور آخر ما وصل إليه النبات من رقي .

أثار كتابه (علي سلطة الحق) ضجة كبيرة، وقد بحثت عنه واقتنيته، فلم أجد فيه على محاسنه ما استوجب تلك الضجة، ولكني علمت بعد حين أن هذا الكتاب المعروض في المكتبات العراقية هو المطبوع في بغداد بعد حذف فقرات كثيرة، وهو غير الكتاب المطبوع في بيروت الذي أثار تلك الضجة، وتسبب في سخط السلطة وأثارت دوائرها الأمنية، فصبت جام غضبها على مؤلفه، وأعتبر رسالة تحد صارخ لها في زمن شاع فيه الخوف والصمت الرهيب، وليس هذا فحسب بل اشترت الكتاب ومسوداته من الناشر قبل توزيعه، ونفذت فيه حكم الإعدام !! ولكن تسربت نسخ منه، فأعيد طبعه وصدر .

لقد كتب عزيز السيد جاسم على الصفحة الأولى كلمة الإهداء التي قال فيها (رحم الله أبي كان يشطر رغيف الخبز بيننا وبين السائل، فكان نصيبنا منه السهم الأقل) !! وكانت لـ(هذه الفرادة التي قدمها المؤلف والتي عكس فيها همجية السلطة وفوضى سياستها) دفع ثمنه غاليا فـ(نال وسام الشهادة والخلود في تاريخ الثقافة العراقية الملتزمة) كما قال محقق الكتاب صادق جعفر الروازق .

وفي ذاكرتي أن عزيز السيد جاسم نشر في تلك الحقبة رسالة حزينة ومؤثرة موجهة إلى صدام حسين في جريدة العراق أيضاُ، وقد صف فيها معاناته خلال فترة الاعتقال وما تعرض فيه، ووقتها عجبت من نشرها، وتساءلت كيف سمح النظام الديكتاتوري المجرم بنشرها، وعللت الأمر كوسيلة لامتصاص غضب الشارع الثقافي لاعتقال أبرز رموزه الثقافية ومفكريه المؤلفين بسبب صدور كتابه ( علي سلطة الحق)، ولتخدع الناس بأجواء حرية مزعومة، فسمحت بنشر رسالته!! وسأقوم حالما تسمح صحتي بالبحث في أرشيفي عن هذه الرسالة، وأغلب الظن أنني احتفظ بنسختها كما اعتدت الاحتفاظ بالوثائق الصحفية المهمة.

عاش عزيز السيد جاسم محنة شديدة مع النظام الصدامي القمعي، ربما لم يعرفها مثقف آخر غيره، فقد حوصر وحورب واحتجز، ولكنه بقي صامدا يؤدي رسالته، وصار أكثر دفاعا عن الحق والإنسانية والقيم السامية، وكانت له (جولة وكلمة حرة مع ما سجل من مداد خالد، وهو يُعلّم ويُخبر الطغاة بمنهج علي عليه السلام) .

وفي ذاكرتي أن عزيز السيد جاسم نشر في تلك الحقبة رسالة حزينة ومؤثرة موجهة إلى صدام حسين في جريدة العراق أيضاُ، وقد صف فيها معاناته خلال فترة الاعتقال وما تعرض فيه، ووقتها عجبت من نشرها، وتساءلت كيف سمح النظام الديكتاتوري المجرم بنشرها، وعللت الأمر كوسيلة لامتصاص غضب الشارع الثقافي لاعتقال أبرز رموزه الثقافية ومفكريه المؤلفين بسبب صدور كتابه (علي سلطة الحق)، ولتخدع الناس بأجواء حرية مزعومة، فسمحت بنشر رسالته!! وسأقوم حالما تسمح صحتي بالبحث عن هذه الرسالة في أرشيفي، وأغلب الظن أنني احتفظ بنسختها كما اعتدت الاحتفاظ بالوثائق الصحفية المهمة.

وفي ذاكرتي لقاء مميز معه في العام الأخير من حياته أي في صيف 1990م قبل غزو الكويت ؛ حين التقينا في شارع السعدون مصادفة، فقد استقبلني عن بعد بقامته المديدة وابتسامة المرحبة، وتصافحنا بمودة وحرارة، وكان سلام بيننا وسؤال عن الحال والأحوال، وكأننا عشنا الحياة معا منذ عقود وليس بضع سنوات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وكان أملي أن أتواصل معه في قابل الأيام فقد ارتحت له كثيراً، وارتاح لي أيضا كما بدا من ملامح وجهه الطيب وكلامه الجميل .. ذلك اللقاء مازال مرتسما أمام عيني ومحفوراً في ذاكرتي على الدوام، وما دار بخلدي أبداً أنه اللقاء الأخير بيننا.

كما أتمنى على الدكتور حميد عبد الله أن يولي اهتماماً، ويفتح ملفات الأدباء والكتاب والصحفيين والفنانين الذين أعدمهم النظام البائد أو غيبهم سجونه السرية ومعتقلاته الرهيبة لمواقفهم الحرة والوطنية وهم كثر، ففي ذلك أحياء لذكرهم وتكريم لشهادتهم وكتابة لتاريخ حاول المجرمون طمسه وإخفاءه عن أعين الناس.

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

محمود محمد عليفي حياة الأفراد في كل أمة من الأمم وفي كل عصر من العصور، هناك نوع من الرجال لا يرتضي لنفسه أن يكون مجرد مقلد للآخرين، وبحيث يعيش كالعامة من الناس، بل إنه يؤمن إيماناً راسخاً بفكرة يسعي إلي تحقيقها أو هدف نبيل يسعي من أجله لإسعاد الآخرين، وبحيث يفضل الغيرية علي الأنانية ويعمل في صمت دون طبل أجوف أو منصب زائل أو شهرة عمياء .

والأستاذ الدكتور عاصم الدسوقي خير من يمثل هذا النوع من الرجال خير تمثيل، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات،فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وعاصم الدسوقي صاحب رؤية خاصة فى قراءة وتفسير مستجدات الواقع المصري المعاصر، وذلك من اللقاءات التلفزيونية والصحفية، ويمكن أن نضرب بعض الأمثلة، وذلك علي النحو التالي :

1- أجرت بعص الصحفيات المصريات حديثاً معه نشر في صحيفة ملحق الخليج الثقافي بعنوان "عاصم الدسوقي: التاريخ يبدأ عندما تنتهي السياسة" فقال : إننا لا نتعامل بشكل علمي عند الحديث عن التاريخ وهذا خطأ كبير، فليست هناك اجتهادات في عملية البحث عن الأحداث والوقائع الحقيقية المتعلقة بالأشخاص والرموز، وتقصي الأمور بشكل موضوعي. وللوقوف على ضرورات وآليات البحث التاريخي الموضوعي كان للخليج معه الحوار التالي.. إن العلم مستقل عن السياسة والدين، وفي التاريخ على الدراس ألاَّ يصدر حكماً، وأن يفسر الوقائع بالرجوع إلى الظروف المحيطة، ويرصد الحقائق فقط، إضافة إلى تقصي الأشياء بموضوعية، من دون الحكم على الشخص الذي يؤرخ له. وعلى سبيل المثال عندما تقول «سعد زغلول كان مهادناً» فهذا عنوان خاطئ، الأفضل للمؤرخ أن يرصد الحدث فقط دون أن يضيف رأيه.. لا توجد اجتهادات في التاريخ، اللهم إلا في جمع الوقائع التاريخية، لا ينبغي الحكم على الأشخاص، الحكم - دائماً - يكون للقارئ، أما المؤرخ فيتحدث عن النسبي وليس عن المطلق، وليس له إبداء رأيه، لأن إبداء الرأي يخرجه من حيز «المؤرخ»، وإن حدث ذلك يكون خطأ كبيراً، وبعيداً عن المنهج العلمي السليم.

2- سئل عاصم الدسوقي هذا السؤال : هل هناك قداسة عند كتابة تاريخ الأشخاص؟ .. فأجاب قائلاً:  تقديس الشخصيات ليس في العلم أبداً، وما تم في ذلك لا يمكن اعتباره تاريخاً، فكل الشخصيات يؤخذ منها ويرد عليها، لأنها في النهاية بشر، لهم إيجابيات ولهم أيضاً سلبيات، وحدود النقد مرتبطة بالوقائع التي يجب أن تتوافر للباحث، الذي عليه أن يتجرد من الأهواء الشخصية، والانحيازات العصبية، والأفكار المسبقة، لأن هذه الأمراض لو دخلت أو تسربت إلى البحث التاريخي، فسنجد تشويهاً متعمداً للأحداث، كما سنجد لياً لعنق الوقائع، من أجل تجميل أشخاص بعينهم، وهذا تزوير في التاريخ يضر بعملية البحث العلمي، ويضر بالأجيال التالية. على المؤرخ أن يكون كاشفاً وراصداً بحيادية تامة، دون تحزب أو انحياز لعصر ما، أو شخصية ما، حتى تجيء كتابته وأقواله مطابقة للواقع.

3-  وسئل عاصم الدسوقي كذلك: ما أهمية الاستناد إلى مراجع تاريخية؟ فأجاب قائلاً:  كتابة التاريخ هي ذكر الوقائع من مصادرها من أرشيف الدولة، حسب المجال. لو تكتب في الزراعة يجب أن ترجع لوثائق وزارة الزراعة، أو عن وثائق دولية، يجب أن ترجع للمنظمات العالمية، ويجب الرجوع إلى وثائق متعددة، وعدم إسقاط وثائق بعينها، لو تم خلاف ذلك فسيكون تدليساً غير مقبول على الإطلاق،لا بد من البحث العلمي الدقيق، لكن للأسف الشديد كثير من الباحثين والمتحدثين في التاريخ يغفلون جوانب مهمة عند تناولهم لبعض الأحداث التاريخية، كذلك لابد أن أؤكد أن من يتصدى للقضايا التاريخية لا بد أن يكون متخصصاً، ومتأكداً من المعلومة التي يوردها، حتى لا تُحدث بلبلة أو تشويشاً للرأي العام.

4-سئل عاصم الدسوقي : هل يتم تدريس التاريخ عندنا بالشكل المطلوب؟.. فقال : هناك فرق بين مادة التربية الوطنية ومادة التاريخ، في أمريكا يضعون صور رؤساء أمريكا في المدارس لتذكير الطلاب بزعمائهم ورموزهم التاريخيين، وفي تلك الأثناء يتم إسقاط المثالب والسلبيات. المدارس في مادة التاريخ تذكر وقائع فقط. عندنا العيب هو المزج بين السياسة والتاريخ، فالتاريخ يبدأ حين تنتهي السياسة، إضافة إلى أنه من المفترض أن يكون المقرر الدراسي التاريخي يشمل كل التواريخ قبل 2011، أما كتبنا المدرسية التاريخية منتهية عند حرب أكتوبر 1973.

5- وسئل كذلك عاصم الدسوقي هذا السؤال: بعض المؤرخين يرى في التاريخ أحكاماً مطلقة.. كيف ترى ذلك؟.. فقال سيادته: التاريخ نسبي، ليست هناك حقائق مطلقة. البعض كتب عن بعض الزعماء بشكل فيه مبالغة، وهذه رؤية غير دقيقة. فقد يكون الزعيم ناجحاً في السياسة الخارجية، لكنه يغفل الحياة الاجتماعية لدولته، والعكس، كثير من المؤرخين في عصور سابقة كتبوا من هذا المنطلق. أعتقد أن هناك جيلاً من الباحثين في أقسام التاريخ المختلفة في الجامعات العربية، يملكون الآن جرأة في البحث، وقدرة فائقة على المصداقية في التناول، وكذلك في المراكز المتخصصة في التاريخ العربي، سواء في مصر أو غيرها من الدول التي تعنى بهذا الجانب.

6- وسئل : كيف ترى تناول الدراما للشخصيات والرموز التاريخية؟.. فقال الدراما في خصومة مع التاريخ، لأنها تعبر عن وجهة نظر كاتبها، حيث يدخل إليها بفكرة مسبقة، ثم يجيء السيناريست ليغيّر في الموضوع، ثم تكون وجهة نظر المخرج، والمنتج كذلك، حيث يختار المشاهد المؤثرة لجذب المشاهد. ويضع خلطة جاذبة للجمهور؛ لأنه في الأساس يبحث عن شباك التذاكر، والعائد المادي، ولا يهتم كثيراً بصحة الوقائع أو الأحداث. الدراما تقوم على «تهويل» الأحداث وتكبيرها، دون النظر إلى صدق هذه الوقائع وصحتها في الأساس، فهي تعمل على دغدغة مشاعر المشاهد وجذبه بطريقة متنوعة.. الصورة الدرامية تختلف عن الحقيقة المدونة في التاريخ، التي يعتمد في الأساس على وثائق حقيقة. ولذلك نرى كثيراً من الأعمال الدرامية التي تناولت رموزاً وشخصيات تاريخية لم تتحر الصدق في أوقات كثيرة..

7-وسئل عاصم الدسوقي في أحد القنوات المتخصصة عن ثورة 23 يوليو فقال : ثورة 1952 أفرزت حياة برلمانية ديمقراطية، حيث إن المجالس النيابية التي كانت موجودة قبل ثورة 1952 لم تكن برلمانات تعبر عن الشعب، ولا بالمفهوم المتداول حاليًا، ولم تحظ بأي دور تشريعي أو تمتلك سلطة حقيقية.. وعقب ثورة 1952 تم إلغاء النظام الجديد الأحزاب القائمة ورسخ فكرة التنظيم الحزبي الأوحد، وفي عام 1956 صدر الدستور الجديد، وتم بمقتضاه تشكيل مجلس الأمة في 22 يوليو1957 من 350 عضوًا منتخبًا.. وأشار إلى أن المجلس لم يستمر سوى سبعة أشهر فقط وتم حله في عام 1958 لتأليف الوحدة بين مصر وسوريا، وألغى دستور 1956، وصدر دستور مؤقت للجمهورية العربية المتحدة في مارس سنة 1958، شكل على أساسه مجلس أمة مشترك من المعينين 400 عضو من مصر و200 عضو من سوريا.

8- وسئل كذلك عن حريق القاهرة فقال أن «جمعة الغضب» فى يناير 2011 كانت «سيناريو مكرراً للفوضى» التى شهدتها مصر من قبل فى 26 يناير عام 1952، وأن جماعة الإخوان المسلمين كانت «صاحبة مصلحة» فى الحريق لإزاحة حكومة الوفد «عدوها التقليدى» عن المشهد السياسى. وإلى الحوار.. يظل حريق القاهرة واحداً من الألغاز التى لم يستطع أحد حتى الآن فك رموزها.. كيف تنظر إلى هذا الحدث بعد 64 عاماً على وقوعه؟.. حريق القاهرة من الحوادث الغامضة فى تاريخ مصر الحديث. وكون نتائج التحقيقات تصل إلى قيده «ضد مجهول» معناها أن الفاعل "معروف".. بمعني أن الفاعل معروف، ولكن لا يمكن الإشارة إليه، على الأقل فى هذا التوقيت. وهذا الحادث تقريباً مثله مثل موت أسمهان «حادث يقيد ضد مجهول»، ومن بعده يبدأ البعض فى التكهن وتوجيه الاتهامات.

9- وسئل عاصم الدسوقي عن ثورة 25 يناير فقال : إن ما قام به شعب مصر في 25 يناير هو قلب رأس الحكم وتغيير النظام وفلسفته في الحكم، مشددًا على أن ما حدث في 25 يناير حالة من الغضب وليس ثورة، مبررا بأن الثورة هي تغيير جذري في المجتمع وليس رأس النظام فقط كما حدث في يناير 2011.. وأكد «الدسوقي» أنه تم تشكيل لجنة من دار وثائق الكتب لتوثيق ثورة يناير ولكن لم يظهر شيء، وأن التقارير الأمنية من أحد أساليب توثيق الثورة، موضحا في الوقت نفسه أنه لا يمكن توثيق ثورة يناير الآن حتى إغلاق جميع ملفاتها.

10- وسئل عاصم الدسوقي هذا السؤال: هل نعتبر أن «30 يونيو» 2013 هى السيناريو المكرر لتعامل عبدالناصر مع الإخوان فى 1954؟.. فأجاب الدسوقي طبعاً.. فعبد الناصر  تنقل بين مختلف التنظيمات بما فيها الإخوان، وله «كارنيه» فى مصر الفتاة. وانضم إلى الحركة الشيوعية وكان اسمه الحركى «موريس»، وذلك مثبت تاريخياً. والأزمة بين عبدالناصر والإخوان عندما تحالفوا مع «محمد نجيب» ضده. وكان صعباً على عبدالناصر أن يحارب على جبهتين فى وقت واحد لأنه كان مشغولاً بمفاوضات الجلاء مع الإنجليز. وعقب توقيع الاتفاقية والتصديق عليها فى أكتوبر.. أعفى «نجيب» من منصبه. ولو حدث ذلك أثناء المفاوضات لقلب الإخوان الطاولة. وهنا ذكر رئيس الوزراء البريطاني أنتونى إيدن فى مذكراته «إننا كنا نعتمد على الإخوان فى إثارة القلاقل أثناء التفاوض مع ناصر لإحداث فوضى تدفعنا للخروج من التفاوض» !.. ومن قبل ذلك تحدث حسن الهضيبى مباشرة إلى «عبدالناصر» طالباً منه أن يرسل أى مشروع قرار مزمع صدوره عن مجلس قيادة الثورة إلى «مكتب الإرشاد» لدراسته.. وهو ما تكرر بعد أكثر من نصف قرن عندما أصبح «مرسى» رئيساً، والحاكم الفعلي كان «مكتب الإرشاد»!

ويطول بنا الحديث في المواقف والشواهد الدالة علي عمق ومتانة أفكار الدكتور عاصم السوقي الليبرالي، وفي نهاية حديثنا لا نملك إلا أن نقول:  إذا أردت عزيزي القارئ أن تتعرف علي بعض جوانب وقدرة ومهارة الدكتور عاصم الدسوقي في النقد والتحليل، وإذا أردت أن تتعرف علي براعته التاريخية وطريقته الفريدة في البحث وراء معاني التصورات والمفاهيم في بحر التاريخ المصري الحديث والمعاصر العميق المترامي الأطراف، فعليك بقراءة كتبه علها تفتح شهيتك لقراءة المزيد من كتاباته وتستحثك للخوض بنفسك في بحار الحكمة ومحيطات المعرفة.

فتحية طيبة لأستاذنا الدكتور عاصم الدسوقي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عادل بن خليفة بالكحلةمن خلال أحْمَدُ  حَمْـﭙَتِه بَا

تمهيد:

أ‌- لماذا إفريقيا الغربية المسلمة؟

في سياق أزمة الحراك العربي الراهن ليس لنا سوى نموذجيات مفروضة علينا أن نتثاقف معها. وهي نموذجيات مستهْلَكة في العالَم العربي (مع تطوراتها) منذ نهاية القرن التاسع عشر، ثم تحيّنت في زمن «الاستقلالات»، ثم تحيّنت مرة أخرى مع سقوط المعسكر السوفياتي وهيمنة الإمبريالية الأمريكية المطلقة على العالَم.

وذلك التثاقف لا يخرج عن النموذجيات الفرنسية والأمريكية (والغربية عموما)، عِلاوة على نموذجيات مَشرقية أثبتت ضعفها وقصورها حتى في مَواطنها الأصلية نفسها.

فنحن عاجزون عن التثاقف مع العالَم الإسلامي الواسع، ومع أمريكا الجنوبية، وأوروبّا الشمالية، لا بحكم قصور قاعدتنا التعارفية اللغوية فحسب، بل بحكم عوائقنا النفسية التي تمنعنا من التثاقف إلا مع الغالب الغربي.

أما إفريقيا الغربية المسلمة، فنحن نحمل عنها إسقاطات بأنها «أدنى منّا ثقافيا وحضاريّا»، وأن «نزعتها التصوفية دون رُشد نزعتنا الفقهية» أو«دون رُشد نزعتنا الإخوانية».

وسأقدم هنا، ما يفيد العكس. فنحن في حاجة إلى إفريقيا الغربية لأنها ظهيرنا التاريخي، ولم يكن لينجح الاحتلال الفرنسي لنا عام 1881 لولا إحداثه القطيعة التدريجية بيننا وبينها، ولأنها مجالنا «الاقتصادي» الحيوي. ومِنْ ناحية أخرى، سنكتشف أنها ذات حكمة كونية-تصوفية عظيمة، نحن في حاجة إلى التثاقف معها لمعالجة بعض أزمة تفكيرنا الديني وإسلامنا السياسي.

ب‌- التعريف بأَحْمَدُحَمْـﭙَتِهبَا:

وُلِدَ أَحْمَدحَمْـﭙَتِهِبَا في بَنْدِيَاغَرَا، مدينة الحكماء، جنوب مالي، عام 1900. وتوفي في أبيدجان (ساحل العاج) عام 1991. إنه حَوَارِيُّ الحكيم، التّصوُّفيِّ، التِّجانيِّ، تِيَارْنُو بُوكار.

إنه إثنولوجي، ومؤرخ ثقافي، مِنْ أكبر المختصين في «الثقافات» الإفريقية. كرّس حياته لإنقاذ السُّنّة الشفوية لإفريقيا الغربية، وخاصة الفُلاَنية والبَمْبَاريّة، وأحْسَن تمثيلَ بلاده في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة. له: خصائص الحضارة الإفريقية، وحياة تيارْنو بوكار وتعاليمه: حكيم بَنْدِيَاغَرَا، وحكايات حكماء إفريقيا، وغيرها...

1- ما «الشخص» في السُّنن الفُلانيّة والبمبارية:

الفُلاَنِيّون والبَمْبَاريون هم مِنْ أهم شعوب إفريقيا الغربية سَوادًا وإبداعيةً رمزيةً وماديّة.

تعبيران في النّقُول2 الفلانية والبمبارية تعنيان «الشخص». إنهما «نِدُّو» و«نِدَّاكُو» لدى الفلانيين؛ و«ما» و«مايَا» (بالتفخيم في الكلمتين) لدى البَمْبَارة. و«ما» تعني «الشخص»، أما الثانية فتعني «أشخاص الشخص»3.

فهناك أوّلا «ما»، الشخص/الوِعاء، ثم هناك «مايا»، أي مختلف وُجوه الـ«ما»، المحتواة في الـ«ما»/الوِعاء. يقول البَمْبَارةُ: «ما كا مايا، كا سَا آ يِيرِي كُونُو» («أشخاص الشخص متعددون في الشخص»). والأمر نفسه لدى الفُلاَنيين.

فمقولة «الشخص»، بدايةً، في السُّنَّتَيْنِ، معقدة جدّا. إنها تعني تعددية داخلية، أي «أبعادوجودٍمشتركة المركز أو متراكبة (فيزيقية، نفسية وروحية، ذات مستويات مختلفة، وذات أران4 مستمر»5.

هذا الوجود مسبوق بِمَا قَبْلَ وُجودٍ كَوْنيٍّ، حيث الإنسان مُطَالَببأن يُقيم في «مملكة الحب والتناغم، المدعوة: بَنْكي-صُو»6.

2- مكانة «الشخص الإنساني»:

لا يُعتبر الشخص الإنساني في أي لحظة مِن حياته، حسب النُّقول الفُلانية والبَمْبَارِيّة وَحْدَةًمتصلبة أُحاديَّ التكوين، محدودًا بهيئته الفيزيقية، ولكنه يُعْتَبرُ «كائنا معقدا، مسكونًا بتعددية في حركة دائمة»7، فهو ليس كائنا سكونيًّا أو مُنتهِيًا.

فالشخص الإنساني في هذين السُّنَّتَيْنِ«مِثل الحبة النباتية»، قابلٌ للتطور، انطلاقا مِن رأسِ مالٍ أوَّليٍّ، هو «كَونُهُ الخاص»2، وعليه سينمو مِن المرحلة الناشئة مِن حياته، في تطارُد بالميدان والظروفالملاقاة. والقوى المُحرَّرة مِن هذا الكُمُون في حركة دائمة، كحال الكون نفسه.

ذلك ما له علاقةٌ بحادثة خلق الإنسان. جاء في النَّقْلُ البَمْبَارِيُّ أنَّ «مَا- نـﮕَالاَ» (أو الرب السيد) خلق 20 كائنا بدايةً، وكان يَعلَم أنّها جميعا لم تكن قادرة على أن تصبح «كُومانِيُون» لَهُ، آي كَلِيمًا له، فوصيًّا وخليفة على كل تلك المخلوقات العشرين. لقد مَزج الجميع ليَخْلق الكائن الواحد والعشرين، الخلاسي،الأكمل، وسماه الـ«ما»، أي بالإسم الأوَّل مِنْ اِسمه المطلق.

ولكي يجْعل «مَا- نـﮕَالاَ»«ما» كُلاًّ في واحد جعل له جسمًا خاصا، عموديا ومتناظرا، وقادرًا على احتواء عَيِّنة من كل الكائنات الموجودة في الوقت نفسه. هذا الجسم، المدعوّ «فَارِي»(بتضخيم الفاء) يُرَمِّزُ إلى حَرَم، حيث كل الكائنات تتواجد في دوران محوري ولذلك اعتبر النقلُ الفُلانِيُّ والبمبارِيُّ جسمَ الإنسانِ العالَمَ مصغَّرًا: «مَا يِه دِنْيِه مَرَنِينْ دِي يِه» («الإنسان هو العالم مصغرا»)8.

الرأس هو الطابق الأعلى للإنسان، له سبعُ فتحات كبرى. كل واحدة منها بابٌ لحالةٍ مِن العالَم، ولها حراسة خاصة من «الرب السيد». وكل فتحة، هي مَدْخل إلى باب داخلي يُؤدّي إلى المطلق. أما الوجه فهو «الواجهة الرئيسَةُ لمسكن أشخاصِ الــمَا العميقيين، وهناك علامات خارجية تَسمح بحَلّ خصائص هذه الأشخاص»9. يقول المثل: «أرني وَجْهك، أقُلْ لك كيف هي أشخاصك الداخلية». فكل شخص داخلي يُطابِق عالَمًا يَجري حَوْل مِحْوَرٍ.

إنّ نفسيّة الإنسان، بهذا الاعتبار، بناءٌ معقدٌ. ولذلك يقول المَثل الماليّ10: «لا تنتهي من البحث في المَا».

وهذا التعقيد، يعود أوّلاً، إلى أنَّ اسمٌ الـ«مَا- نـﮕَالاَ»، اسم اختاره الله من اسمه المطلق، فمَنحَه روحًا إلهية، ذات قوةٍ عُلْوية. فلقد جَعَل«مَا- نـﮕَالاَ». مَزيجه مِنْ كُلِّ مخلوقاته حاملاً لكل القوى الكونية، العليا والسفلى. فعظمةُ «مَا» ومأساته تتأتيان مِنْ أنه «مكان التقاء القوى المتناقضة في الحركة الدائمة، وَوحْدَةٌ التطور الحسن التكامل على طريق السلوك يسمح له بالانتظام، على طول مَراحل حياته»11.

إن القوى المتعددة والمتنوعة التي تتحرك في الكون الخفي لـ«مَا» تكوِّنُ أحوالَهُ، أو أشخاصُهُ النفسية، الصادرة مِنْ رُوح «مَا»نَفسِه. والروح هي «مَبدأ غير مادّيّ وغير قابل للموت»12، وهي ليس كَائنا وهميّا، بل هي كائن واقعي؛بل هو الذي يُوجِد الخيالَ، ذلك المَلَكة التي تَجعل «مَا»«قادرًا على الرؤية، وعلى الدخول في ارتباط مع الأرواح والكائنات الساكنة خَارِجَهُ، أو خارج العَالَم المرئي»13. فيمتلك مَلَكَةَ الحُكمِ والتقديرِ.

3- واجبات الشخص الإنساني:

بذلك لن يكون «الشخص» كائنا منغلقا على نفسه، بل هو مفتوح على كثير من الاتجاهات، وعلى كثير من الأبعاد، داخلية وخارجية.

إن حالات الإنسان هي العَوَالم في السلوك بينه وبين خالقه. وهي مترابطة في ما بينها، عبْر الإنسان، وهي علاقة بالعوالم الخارجية.

قبل كل شيء يترابط «الشخص» مع نظرائه مِن «الأشخاص». فلا يمكن أنْ نجده في النَّقْلَيْن: الفُلاَني والبَمْبَاري، منعزلا. فالجماعة الإنسانية في تبعية متبادَلة، وفي وِحْدَةِ حياةٍ.

وعليه، يجب أن تكون علاقة الشخص الإنسانيّ بالعالَم الطبيعي (معادِنَ ونباتاتٍ وحيواناتٍ)، علاقةَ توازن، وكذلك علاقته بعالم الأشخاص الإنسانيين. وإن أي مَسَاس بقواعد السلوك مع العالَم الطبيعي سينقلب على الشخص الإنساني، وكذلك مساسه بقواعد السلوك مع معالم الأشخاص الإنسانيين.

إن الـ«مَا»، الحامل لكل مكوّنات العالَم الذي خلقه الله، «مُكَلَّفٌ بتدبير توازن العَالَم الخارجي، وكذلك الكون»14. فالمَساس بالتعددية الخارجية تؤدي إلى «الخواء»15،أي الفوضى والنهاية. كما أن الفعل الحسن أو السيّء للملوك والقادة الدينيين، «يؤثر في ازدهار التربة وانتظام الأمطار، وتوازن قوى الطبيعة»16.

وإذا لم يُحسن الإنسانُ تنظيمَ العوالم، والقوى والأشخاص التي فيه، كان الـ«ما-نِينْ»، أي نوعًا من، أو الإنسان العادي، غير المتحقق. فالنَّقل يقول: «مَا كَاكانْ كَاسِه إي يِيرِه لا نُوتِه آ بِه تُو مَا نِي يَا لا» («لا يستطيع المرء الخروج من حال الـ«ما-نِينْ»، للاندماج في حال الـ«ما»، إذا لم يَكُن سيّد نفسه».

إن النَّقْلَ الفُلاَنيَّ والبَمْبَاريّ يؤكد أن الشخص الإنساني بما هو تعددية داخلية، غير مكتملة في البداية، مَدْعُوٌّ للانتظام والتوحد، وللبحث عن مكانٍ في الوَحَدات الأكثر اتساعًا، التي هي: الجماعة الإنسانية ومُجْمَلُ الكون.

إنّ تَوْليفة الكون وملتقى قوى الحياة، هو الإنسان. وهو مَدْعو لأن يُصْبِح نُقطة توازن مِحْوَرِية في كل ما يجتمع فيه، وعَبْرَهُ. «ولذلك هو يستحق اسم الـ«ما»، كَليم «مَا- نـﮕَالاَ»، وأن يكون ضامنًا لتوازن الخَلْق كله»17.

4- في حكمة تِيارْنُو بُوكار:

تِيارْنُو بُوكار، المُعلم الأبرز لأَحْمَدُ حَمْـﭙَته با، الحكيم التصوفي، التِّجاري، الماليّ، الكبير، وُلد في بَنْدِياغَرَا، مدينة الحكماء، جنوب جمهورية مالي المعاصرة، سنة 1875، وتوفي بها سنة 1940. وقد لخَّصَهُ حواريُّه حَمْـﭙتِه با بقوله: «كان التجسّدَ نفسَهُ للحب والخير»18.

يرى تِيارْنُو بُوكار أن الكلام الإلهي ما إنْ يُصبح مكتوبًا، حتى يصبح نُقولاً يتعهدها الحكماء المربون بالتوضيح للمتلقين وتقريبهم منها. فهو في نظر حَواريّه كان يحمل «الحبَّلله أوَّلاً، إطلاقًا ودون تحفظ؛ والحبَّ لكل المخلوقات الحية، مِن الإنسان إلى المخلوقات الأكثر تواضعا بالطبيعة، حيواناتٍ ونباتاتٍ»19.

كان تِيارْنُو بُوكار «يحب كل الناس، دون اعتبار للعرق والدين والرتبة الاجتماعية. والتمييز الذي كان يراه الأكثر بَاطِليّةً هو تجميع الناس تحت الشعارات الدينية المختلفة التي تعتقد في بعضها البعض أعداءً»20. فقد كان التسامح هاجِسَهُ مع الطرق الصوفية المختلفة، بما هي مَدَارس تربوية لا تختلف في حب تعاليم الله ورسوله، والتسامح مع الحيويّين مِن سكان إفريقيا الغربية، ومع المسيحيين فيها(أوروبيين وشاميّين) رغم أنه مناضل شَرِس ضد الاستعمار ذي العلامتين المتناقضتين: العلمانيةوالتحالف مع الفاتيكان مِن أجل التنصير.

وقد كانت «السياحة»(بالاصطلاح الطَّرِيقي) مِن خصاله الدائمةَ، من أجل معرفة أحوال شعبه الإفريقي-الغربي (ما يسمّى استعماريًّا: مالي والسّينغال وساحل العاج أساسًا) وخاصة تلاميذَهُ.

ولقد كان يعتقد أن الإسلام لا يكون إلا بالتربية وإعادة التربية، من الطفولة إلى الشيخوخة. ولذلك كان تبنيه للتصوف، بما هو مدرسة التربية الإسلامية، أو «طريقة الجنيد السالك» كما جاء في المَتن الشعري لابن عاشر.

«الشريعة» عنده هي الالتزام القانوني-الخارجي للمسلم، و«التصوف» هو التربية التي يُشرف عليها شيخ عارِف بالدين بإجازةٍ من مربٍّ حكيم سابق عليه. وهو يقول: «الشريعة والتصوف (التعليم التلقيني) طابعان متنوّعان من الدين، ولكنهما يتكاملان، وينبغي أن لا يكون الواحد منهما دون الآخر»21. وهو يعرّف «الشريعة»تعريفًا هَدَفيّا: «الغرض الأساسي من الشريعة، هو مِنْصَرَامَتِها نَفْسِها، التّوقّي مِنْ انحرافيّة اللَّادين (...) إنما تضطرُّ المؤمنَ لتحسين سلوكه وتمنعه من السقوط في الأعماق السحيقة للحياة المتدهورة حيث لا تستطيع النمو أي ثقافة روحية. وبدون شريعة قوية، تتخارج العيوب الأخلاقية بسرعة، وتسهّل تشوّه الآداب»22. فتعريفه للشريعة ليس تعريفا قانونيا أو عِقابيا، وإنما هو تعريف أخلاقيّ.

يقارن تِيارْنُو بُوكار الشريعة بشبكة قنوات مياه، ويشبّه التصوف بالرِّيّ. فدوره يتمثل في «فتح الروح الإنسانية على معرفة الله، التي تُشبه الماء العذب»23.

يَصدُرُ التصوف عن مَنْبَعَيْن، في نظر تِيارْنُو بُوكار. أوّلُهُما وَحْيٌ من الله لمصطفًى مِن اختياره، أي لنبيّ يعلّم ويَدْعُو. وثانيهما «تجربة مؤمنٍ، لدى فَرد مُهَيَّإٍ للنور الإلهي، ذي حَدْسٍ مباشر، ثمرةَ ملاحظة تأملية طويلة، لممارسته الدينية»24.

تحت مَلْمحه الأول، نجد أنفسنا أمام الانبثاقالمباشر للمَنْبع، محتواة ومحفوظة في الكتب المقدسة. وتحت المَلمَح الثاني، يقارن تِيارْنُو بُوكار التصرف «بماء، يُجْرَى إلى الإنسان، بوسيلة السدود والقنوات»25.

لكنه يؤكد لتلميذ زاويته:«أيها الحواريّ! يا مَن أتيتَ إلى عتبة زاويتنا! لا تتصوّر أننا سنضع تحت تصرفك وسائلَ معجزةٍ لعلاج الأرواح. نحن نعرض لإخوتنا آياتٍ مقدّسة. طبِّقْ رُوحك للتالي:«﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ، وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا. إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ. فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّـهِ الْغَرُورُ ﴾(لقمان،33)». ويضيف: «كُنْ بين أيدي الله كطفل بين أيدي أمه. لا تبحثْ عن أمر سوى الرغبة في إرضائه!» 26. وهو يضيف: «يَا مَنْ أتيتَ إلينا، نحن لا نعتبرك تلميذًا، ولكنْ أخًا متعقِّلا.قبل أن تَدْخُل الزاوية، حيث نَبْحَث عن الحب والمعرفة،  تفكَّرْ جيّدًا في آية واستخلص أكثر من أنوارها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾(الروم،20)» 27.

لم يكن عَطْفَ تِيارْنُو بُوكار يشمل البشر فقط، بل مخلوقات الله الأخرى أيضا. يتذكر حَمْـﭙَتِه با، أنّ في أحد أيام عام 1933 كان يربّي كِبارَ تلاميذه سنّا: «كُنا تحت جاذبية الجمال. وفي الخارج، كانت الريح تنفخ، جاعلةً الرمل جاريا في الساحة ومُشَفِّرةً ريشَ الديك الواقف قرب يَدِ الهاوِن . هَبَّةُ رِيحٍ أكثرُ عنفًا تهزُّ المَسْقِفَ. وتحت الصدمة انْشَقَّ عش خطاف، كان في توازن في أعلى الحائط، تحت مُقَدَّمَة السقف. ألقينا عليه نظرةً غير مبالية (...). أكمل تِيارْنو جملته، ثم سكت. أرْسَلَ نظرةً حزينة على تلاميذه، ومدَّ أصابعه التي كانت طويلة ودقيقة، نحو العصفور الصغير:

- أُعْطُوني ابنَ الآخَرِ هذا!

طَوَاهُ في يديْه المتجمعتين في شكل كأْسٍ. ثم التمعتْ نظرته:

- الحمد لله الذي فَضْلُهُ العميمُ يَشمل كل الكائنات!

ثم قام، وهو يَنْقُلُ العصفور الصغير، وأخذ صندوقًا ووضعه أسفل العش ثم خرج، وعاد بعد قليل. ورأينا بين أصابعه إبرة كبيرة وخيط قطن. طلع فوق الصندوق، ووضع الخطاف الصغير في عمق العش الذي كان ممزَّقا، ثم أصلحَهُ بعناية. ثم نزل مرة أخرى، وأخذ مكانه على جَهير. كُنّا ننتظر، بفارغ الصبر باقي الدرس؛ ولكنْ عِوض استعادة المِسْبَحة الذي يستعملها قاعدةً لتفسيراته، تركها جانبًا. وبعد هُنَيْهة صمت، توجّهَ إلينا:

- من الضروري أن أكلمكم، مرة أخرى، عن الخير، لأنني مُغْتمٌّ لرؤية أنْ لا أحَدَ منكم له لُطْفُ قَلب حقيقيّ! لو كان لكم قَلب خيْرٍ، كان من المستحيل سماعكم درس عَن الله، لمَّا مخلوق صغير، بائس، يستصرخكم (...) نعم يا أصدقائي، في الحقيقة، مَنْ يتلقن عن ظهر قلب كل تعاليم العقائد، إذا لم يكنْ له مَحبّة في قلبه، يمكنه أو يعتبر المَعَارفَ زَادًا دون قيمة (...) دون المحبة، ليست الصلوات الخمس إلا حركات دون هامّيّة. دونها يُصبح الحج جولة غير نافعة.

لقد رسخ مشهد هذا اليوم إلى الأبد في ذاكرتي. ومازِلتُ أراهُ مكتنزًا في ردائه الأبيض، مُصْلحًا برقّةٍ مَسْكَن «ابن الآخَرِ» هذا (...). وعموما، كان يعلمنا عدم قَتلِ الحيوان دون ضرورة، حتى لو كان بعوضة بسيطة. ففي نظره ينبغي أن تكون الطبيعة كلها، حيواناتٍ ونباتاتٍ، لأنها لم تكن أُمّنَا المغذية فحسب، ولكنْ أيضا الكتاب الإلهي الكبير الذي كله كان رمزًا حيًّا ومَصْدَر تعليمٍ دينيّ»28.

كانت تعاليمه دائما، مع الكبار ومع الصغار، مع السالكين المتقدمين ومع السالكين المبتدئين، قائمة دائما على الحكاية (أحيانا الحيوانية، وأحيانًا البشرية الرمزية، وأحيانا مِن مَتْن الإرث الشعبي) وعلى المثل الشعبي والمباشَرة. وقد كان يُعَلِّمُ مستثمرًا أحداث الحياة اليومية، إذ أن سَرْدِيّتهُ البيداغوجية كانت في أكثر الأحيان من واقع الحياة الجارية. ولذلك، كان، كحُكماء بَنْدِيَاغَرا، قريبا جدًّا من قلوب شعبه، ومازال وهو في قبره. إنه ابن الحكمة الإفريقية-الغربية الإسلامية، الحاملة للتماهي بالعالَم الحيّ، واليقظة الحادة بالحياة واليومي، وذات الحدس المباشر المندهش بجمال الله.

إنه يرى أن واجب قادة الشعب، الدينيين والسياسيين، خطير جدًّا. إنه يقول لتلميذه حَمْـﭙته با: «يا صديقي! خطورةُ كل خطإ يقترفه قائد سياسي أو ديني متناسِبٌ مع مساحة بلاده. ونجاعته مضاعفةٌ بكثافة مَنْظوري قيادته أو تلاميذ زاويته (...). مرَّةً، كُنْتُ أسبَحُ في النهر. وفجأةً أحسستُ بأنني أغوص في سُوَاخ، وأن شحنة ماء ساحِقة تثقل عليّ (...) وتطلب منّي ذلك جُهدًا عظيمًا للصعود إلى السطح. ولمّا أصبحت خارج الماء، كان جُهدٌ عظيم آخرُ ضروريا لكيْ أجِدَ في الحياة الأخلاقية، المُنَظِر للضِّيقِ الغريبِ الذي عانيته. فكّرتُ، فرأيتُ تبعاتِ أخطائنا تُقاس بمستوى رتبتنا الاجتماعية، من جهة، وبموقعنا الشخصي لحظة الخطإ. مِنْ جهة أخرى، كلما كانت رتبتنا الاجتماعية أرفع وموفعنا أشرف، كلما كان سُوَاخُ سقوطنا أعمق واختناقنا الأخلاقي أو العموميّ أعنف»29.

خاتمة:

الحِكمَة الإفريقية الغربية-الإسلامية خليقَةٌ بأنْ تُوضَع ضمن أرفع الحِكْمات في العالَم، ومن الضروري أن نقرأها جيّدًا لنستعير منها ما هو مُناسبٌ لتطوير حكمتنا أو إنشائها.

هذه الحِكمة قائمة على رؤية كونية، تعيد الحب  بين الله والإنسان، وبين العَالَم (بمكوّناتِه الإنسانية وغير الإنسانية) والإنسان. وهي ذات نزعة تربوية متدرّجة مِن الطفولة إلى الشيخوخة، وترى ضرورة العيش بالشريعة والتربية التصوفية، داخل تراتبية تجعل الحكيم، شيخ التربية، ضامنًا «عِلْميًّا» لكل هذه التوازنات. ذلك الحكيم الذي يجب أن يعتبر التلميذَ صديقًا، والشعبَ مخدومَهُ، والمخلوقاتِ الأخرى «أبنَاءَ الآخرين».

نحن في حاجة إلى التعلم منها التماهي بالعالَم وحبّ مكوّناته واليقظة الحادة بالحياة واليوميّ. ومِن الغباء الحضاري، أنْ لا نتَعَلَّمَ مِنْ هذه الحِكْمةِ، ما فيهِ تقويمٌ لمُنْتَحَلنا المغربي، واستعاراتٌ لمشروعِ تقدُّمٍ وتجاوز للأزمة الاجتماعية والمعرفية و«الاقتصادية»...

وفي الحقيقة فاننا نجد انالوجيا بين هذه الحكمة وحكمة الحركة الإجتماعية لأبي مدين الغوث،  والتي انقرضت من سوء الحظ في السياق الثقافي الإفريقي-الشمالي...

وهُنا نَتساءلُ: ماذا يُمكن أن نستعير من الطريقة المُريديّة في بلاد مالي («إفريقيا الغربية باصطلاحنا المعاصر») المنحدرة من الحكمة الإسلامية الإفريقية-الغربية في النموذجية التضامنية والاقتصاد الاجتماعي والمدينة الآمنة؟

 

د. عادل بن خليفة بالكَحْلة

(أ. ت. ع، باحث انثروبولوجي، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس)

......................

1-  تتميّز لغات إفريقيا الغربية بوقوفها على المتحرك، فمِن الخطإ إضافة الواو إلى «أحْمَدُ» الفُلانية أو البَمْبَرِيّة....

2 أنا مدين إلى الترجمان والمفكر محمد فخري القَرقِني في معرفة مقابل« Tracting » («نَقْل» في بعض السياقات، و«سُنَّة» في أخرى).

3Hampaté Bâ (Ahmadou), Aspects de la civilisation Africaine, Présence Africaine, Paris, 1972, P11.

4 أران: Dynamique, dynamic (N).

5 م. س، ص11.

6 م. س، ص12.

7 م. س، ص14.

8 م. س، ص14 أيضا.

9 م. س، ص15.

10 «مالي» هنا بالمعنى التاريخي- الحضاري للكلمة، أي: إفريقيا الغربية

11 م. س، ص15.

12  م. س، ص15 أيضا.

13  م. س، ص16.

14م. س، ص17.

15 كلمة « Chaos » ذات الأصل اليوناني («خَوُوس») تعود إلى أصل عربي- سِرياني: «خَوَا» (بإمالة الواو). ومِنه كان الاصطلاح الهولندي (الذي تَعَوْلَمَ): «غَاسْ» (=«غَاز» بما هو حالة خواء، غير متعينة. وهكذا أصبحت: «خواء»«غَاز» في الجهل الحضاري العربي المعاصر.

16 م. س، ص17.

17 م. س، ص17 أيضا.

18 Hampaté Bâ (Ahmadou), Vie et enseignement de Tierno Bokar, Le sage de Bandiagara, Points, Paris, 1980, P.129.

19 م. س، ص129.

20 م. س، ص129 أيضا.

21 م. س، ص130.

22 م. س، ص130.

23 م. س، ص131.

24 م. س، ص131 أيضا.

25 م. س، ص131 أيضا.

26 م. س، ص140 أيضا.

27 م. س، ص141.

28 م. س، ص161 و162.

29 م. س، ص179.

 

 

محمود محمد عليعرفت الدكتور عاصم الدسوقي (أستاذ التاريخ المعاصر الاقتصادي والاجتماعي بجامعة حلوان بجمهورية مصر العربية) عندما كان يُدرس له بجامعة أسيوط "مقرر التاريخ الحديث"، وزادت علاقتي به عندما عُينت مدرساً للمنطق وفلسفة العلوم بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة حلوان في منتصف تسعينيات القرن الماضي.. كان بالنسبة نعم الأستاذ والصديق، وهو يمثل قامة، وقيمة علمية، وأخلاقية كبيرة، على المستوى العلمي، والمستوى الشخصي أيضاً، لأنه دائما ً كان يمد يد العون، لمن يعرف، ولمن لا يعرف صغيراً وكبيراً؛ كما يتميز بدماثة الخلق، وحسن المعاملة فى العمل.

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون وهي أن الدكتور عاصم الدسوقي هو واحداً من كبار الرواد في دراسة التفسير الماركسي للتاريخ بمصر والعالم العربي، وقد استطاع من خلال بحوثه ومؤلفاته أن ينقل البحث في دراسة التفسير الاجتماعي والاقتصادي للتاريخ من مجرد التعريف العام به، أو الحديث الخطابي عنه – إلي مستوي دراسته دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالسند والنص التاريخي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

ولذلك يعد عاصم الدسوقي (مع حفظ الألقاب) واحداً من رواد الفكر التاريخي المعاصر، وهو ينتمى إلى جيل الستينات من القرن المنصرم، وصاحب الفضل فى تأسيس مدرسة وطنية أصيلة فى التاريخ الحديث والمعاصر فى مصر والوطن العربي، حيث كان من سماتها الصدق والموضوعية والوعي الحضاري، كما استطاع أن يجمع في شخصه وفكره ونشاطه المفكر والمؤرخ والعالم والمناضل الساسي، واتسمت دراساته التاريخية بالعمق واستشراف المستقبل وتجاوز الأنماط التقليدية في الكتابة التاريخية في الكتابة التاريخية، حيث شرع  في العمل علي موضوعات مبتكرة تغاير الصور النمطية للمؤرخ، وهو عالم ومؤرخ صنع نفسه، وعلمها ليعلم الآخرين، وصقلته التجارب وعاصر أخطر الأحداث المعاصرة في تاريخنا المصري المعاصر، مثل ثورة 25 يناير 2011، ووصول جماعة الإخوان لسدة الحكم، وثورة 30 يونيو 2013، فانتصر عليها وقيمها وطوعها، إنه نموذج فريد للإنسان المتفوق المنتصر.. امتدت مسيرته علي مدي ستة عقود جمع فيها بين الاكاديمي والتطبيقي محققاً بصمة لا يجاريه فيه أحد في البحث التاريخي المعاصر، ويُعرف في مصر والعالم العربي والعالمي بشيخ المؤرخين العرب ؛ إضافة إلي هذا الإرث العلمي الزاخر  الذي تركه الدكتور عاصم  إلي مئات الطلبة وربما الآلاف الذين تتلمذوا علي يديه سواء بجامعة أسيوط  وسوهاج وحلوان  أو عن طريق ما ألفه من كتب وسائل علمية، عاش مدافعا عن القيم والثوابت الوطنية .

تميز عاصم الدسوقي (مع حفظ الألقاب) بالثقافة الواسعة التي كسبها في أناة وصبر، والذاكرة الواعية الحافظة، فهو عندما يقدم علي الحديث لا يتعجل، بل يحاور ويعلق،وبعد ذلك يلم بأطراف ويدلي برأيه .. لا تفوته ملاحظة ولا تغيب عنه ذكري .. عشق التاريخ المصري الحديث والمعاصر، ولم يعمد أبداً لخلط أسلوبه بالقديم وباللفظ المهجور أو الغريب، وهو رائد من رواد الفكر التاريخي المصري المعاصر .. عني بالمشكلات التاريخية والسياسية والاقتصادية والمسائل الاجتماعية وقد أعانه علي ذلك تجواله وعمله الإداري والاكاديمي في الجامعات المصرية، واستطاع أن يكتب عن تاريخنا الحديث والمعاصر بمعرفة ودقة وعقل فاحص .. وهو مكافح حر، ومثقف موسوع الثقافة .. كان واقعياً تناول الثقافة التاريخية من جوانبها التطبيقية، وهذا الرجل لم يقف عند الزحام، ولكنه خطا في السهول المنداحة ..

وقد حصل الدكتور عاصم الدسوقي علي وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب، وشهادة من هيئة فولبرايت الأمريكية بالقاهرة تقديراً لجهوده العلمية لطلاب الدكتوراه الأمريكيين الباحثين في تاريخ مصر، عضوية فخرية للجمعية الخيرية الإسلامية بالقاهرة، وميدالية مؤرخ العام من الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية 2013م،وسام الجمهورية للعلوم والفنون من الطبقة الأولي 2013م من الرئيس عدلي منصور.. وهو زميل زائر بمركز الشرق الأوسط جامعة أكسفورد – إنجلترا، وباحث زائر بمعهد اقتصاديات الدول النامية طوكيو – اليابان، وأستاذ زائر بجامعة شيكاغو الأمريكية، وحاضر في جامعات شيكاغو الأمريكية واليرموك بالأردن وروتجرز ونيوجيرسي بالولايات المتحدة الأمريكية وبغداد والبصرة بالعراق، ودمشق، وجامعة صنعاء باليمن. (وذلك كما قالت  د. ماجد عزت اسرائيل في مقالها الدكتور عاصم الدسوقى علامة بارزة فى تاريخ مصر! )..

ولد عاصم الدسوقي، فى محافظة الغربية فى عام 1939، تلقى تعليمه الأولي فى ذات المدينة، وحصل على درجة الماجستير والدكتوراه في التاريخ الحديث من كلية الآداب جامعة عين شمس فى مارس 1973، وبعد ذلك عُين مدرساً للتاريخ الحديث والمعاصر بجامعة أسيوط (فرع سوهاج) وترقي بعد ذلك إلي أستاذ مساعد ثم أستاذاً، وبعد ذلك عُين عميداً لكلية الآداب بسوهاج لأكثر من دورة (1984-1990)، وفي بدايات تسعينيات القرن الماضي انتقل إلي جامعة حلوان ليكون من مؤسسيها خلال (يناير1995- يناير1999) إلي أن بلغ سن المعاش، وهو حالياً أستاذا متفرغاً بقسم التاريخ بكلية الآداب - جامعة حلوان.

كما شغل عاصم الدسوقي عدة وظائف أخري منها أنه كان: عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وعضو المجلس القومي للثقافة، والمجالس القومية المتخصصة، وعضو اللجنة التنفيذية لرابطة المؤرخين الأفارقة (باماكو عاصمة جمهورية مالي)،والشعبة المصرية لاتحاد كتاب آسيا وأفريقيا 1990م، والجمعية التاريخية للعلاقات الدولية ميلانو إيطاليا 1993 وشارك في اللجنة العلمية لدار الوثائق القومية، وعضو الجمعية الثقافية لحماية الآثار الإسلامية والقبطية 2000 م.

ولعاصم الدسوقي دراسات متخصصة ما بين كتب وبحوث تربو على الستين عملا اعتبارًا من 1975م، نذكر منها منها علي سبيل المثال لا الحصر: " كبار ملاك الأراضي الزراعية ودورهم في المجتمع المصري "1952-1914"، "فكرة القومية عند الإخوان المسلمين في مصر"، و"مصر المعاصرة في دراسات المؤرخين المصريين"، و"مجتمع علماء الأزهر في مصر.. دراسة في البناء التنظيمي والاجتماعي"، و"نحو فهم تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي"، و"الصهيونية والقضية الفلسطينية في الكونجرس الأمريكي"، و"جذور المسألة الطائفية في مصر الحديثة"، و"المسيحيون العرب بين الطائفية والوطنية".

علاوة علي العديد من الكتب المترجمة نذكر منها" تفكيك أوروبا العثمانية (إنشاء دول البلقان القومية 1804 1920م) "، ومراجعة وتقديم كتاب "الأصول الاجتماعية والثقافية لحركة عرابي في مصر" 2001م، بالإضافة الى مراجعة وتقديم المئات من الكتب، نذكر أخرها كتاب "أرمن مصر .. وفلسطين بعيدا عن السياسة" الصدار عن دار العربي للنشر والتوزيع عام 2017، "والأقباط والمشاركة الوطنية" الصادر فى عام 2015م .

وقد علمتنا قراءة تاريخ الأعلام أن الشخصية العظيمة هي التي تختلف آراء الناس حولها اختلافاً كبيراً، وكلما كانت الشخصية أشد لمعاناً كان الاختلاف بشأنها أكثر حدة . والواقع أنني لم أكن أتصور في يوم في من الأيام أن ألتقي في حركة الحياة الجارية، بمثل هذه الشخصية، حتي وضعتني الظروف في طريق عاصم الدسوقي .

كان عاصم الدسوقي رجلاً وهبه الله خلقة حسنة، فهو معتدل الطول، ليس باليدين المفرطح، ولا القصير المنكدر، له عينان يشع منهما بريق حاد يدل علي ذكاء متقد  ويوحي بشخصية قوية . ملبسه أميل إلي الأناقة، ولكنها الأناقة التي لا يبدو منها تكلف ولا يظهر عليها استعلاء . كان متحفظاً في حركاته، وقوراً في مشيته . أما مجلسه فغاية في الاحترام الذي لا يخلو أحياناً من تبسط، ولكنه لا يشجع الثرثارين والمتفيقهين، ويستبعد تماماً النمامين والوشاة .. عايشت عاصم الدسوقي، ما يقرب من أكثر من عشرين عاماً، لم أره فيها ينحني أمام أحد من رؤسائه، أو يتملقه، أو يداهنه، وكان شديد الاعتزاز بنفسه، معتمداً علي قدراته الخاصة، وكفاحه الشخصي، ولم يكن يفخر بجاه ولا مال، وإنما كان موضع فخره الدائم: انجازه العلمي الذي حققه بالعمل الدؤوب، والجهد المتواصل.

وقد شهد له الكثيرون ونذكر هنا ما قاله الراحل الأستاذ الدكتور "يونان لبيب رزق" لكاتب هذه السطور حيث ذكر قائلاً:" أن عاصم الدسوقي يتمتع بوطنيه عميقة، ولديه حب للآخر القبطي لا يوصف ولا ينكره  من المسيحيين كل من تعامل معه.. فأنه نموذجاً للمسلم المستنير"، أما صديق عمره الراحل الدكتور رءوف عباس حامد (1939-2008م)، فذكر عنه قائلاً:" طوال حياتي لم أجد صديقاً وأخا فى السراء والضراء مثل عاصم الدسوقي"، أما الأستاذ الدكتور "محمد عفيفي" رئيس قسم التاريخ بجامعة القاهرة فوصفه لكاتب المقال قائلاً:" هو أحد نوابغ التاريخ الحديث والمعاصر فى مصر والعالم العربي"، أما الدكتور ناصر إبراهيم فكتب على صفحته بالفيس بوك قائلاً" جميعنا يعلم مكانة الدكتور عاصم الدسوقي‏. " قامة سامقة من جيل نادر .. جيل الستينات " صاحب الفضل فى تأسيس مدرسة وطنية أصيلة فى مصر والوطن العربي، وهو محاور رائع ومفكر فذ، إن نظرة واحدة على الحوارات المتلفزة أو المدونة فى الصحف والدوريات المختلفة لأستاذنا الجليل دكتور عاصم الدسوقي، ستجدونها تشكل فى مجملها معيناً معرفياً غني بالنظرات العميقة فى طرح المعطيات التاريخية ورهانات التفسير الثرية المحفزة للتفكر". وقالت عنه د. ماجد عزت: " اعتقد لو كل مسلمي مصر مثل الدكتور عاصم الدسوقي لما هاجر قبطي واحد مصرنا الحبيبة.. (وذلك نقلاً عن  د. ماجد عزت اسرائيل في مقالها السابق).. وللحديث بقية عن مواقفة الليبرالية في مقالنا التالي..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

مصدق الحبيبكانت عائلاتهما تعرف بعضها رغم الفارق الطبقي الكبير. جَني بنت البارون لدفگ فون وستفيلن مستشار حكومة منطقة ترير ومن طبقة النبلاء، وكارل ماركس من عائلة يهودية من الطبقة الوسطى وقد اعتنقت المسيحية حديثا. كانوا يلتقون ويلعبون معا: كارل واخته صوفي وصديقه إدگار واخته جني. تسارعت السنون ودخل الاربعة في مرحلة الشباب وظهرت مفاتن جني وأناقتهاوكياستها واتزانها في صالونات موسيقى ورقص الطبقات العليا واحاديثها عن استقلال المرأة وضمان حقوقها، فاصبحت مثار اعجاب الشباب لكنها كانت تميل الى كارل رغم شكها بانه ليس من السهل ان تكون من نصيبه حيث ان السائد عند تلك العوائل هو تزويج بناتها للضباط والدبلوماسيين والاثرياء الشباب من نفس الطبقة الاجتماعية. فلم يكن بالحسبان آنذاك امكانية زواج فتاة ارستقراطية من راديكالي ينحدر من أصل يهودي! ولذلك حين تقدم ضابط شاب وسيم لطلب يد جني، قبلت، وبدأت تلتقي به مرات قليلة دارت بينهما نقاشات عامة من اجل ان تتوثق معرفتها به. وفي يوم كان الحديث عن واجبه العسكري  حيث بدأ يفخر بطاعته العمياء للواجبات والاوامر دون عواطف واعتبارات من اجل ان يصبح ضابطا اصيلا مخلصا لواجبه الوطني ومتطلبات مهنته . فبادرته جني بسؤال افتراضي قائلة: ماذا لو تلقيت أمرا باطلاق الرصاص على المتظاهرين في مدينتك وبينهم من اهالي المدينة الطيبين؟ فكان جوابه بلا تردد. نعم بالتأكيد سأفعل ذلك لانني لا استطيع ان أعصي الأمر العسكري. كان ذلك الحديث بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير والتي قررت جني بموجبها ان تفسخ الخطبة.

حين عاد كارل الى اهله بعد انتهاء السنة الاولى في جامعة بون، واصل اللقاءات بجني التي تعلقت به أكثر فأكثر وصرحت بذلك لاخيها إدگار واخت كارل صوفي. عندما جاء ماركس من بون كان بلحية طويلة وشعر داكن كث، ومع  سحنته السمراء بدا شكله مختلفا عن السابق لكنه كان محببا لجني فكانت تسميه "حبيبي وحش الاحراش"! وهكذا كانت خطبتهما غير الرسمية التي لن تعرفها العائلتان سوى ادگار وصوفي. كان والد جني معجبا ايما اعجاب بكارل الذكي الواعي اجتماعيا والنشط سياسيا، فكان يناقشه في امور عديدة ويخرج للمشي معه عبر الحقول ليواصلوا مناقشات سياسية وقضايا فكرية عديدة كان كارل قد تعرف من خلالها الى مذهب الاشتراكية ومفاهيم الحرية وحقوق الانسان، الامر الذي سيعترف كارل به لاحقا ويعتبر والد جني معلمه الاول ويكتب له الاهداء في رسالة الدكتوراه. كانت جني مطمئنة من جانب موافقة والدها، وواثقة من ان امها لن ترد لها رغبة ، وهكذا تحقق لها ما ارادت فاصبحت الخطبة رسمية . وبرغم ذلك كانت تحترس من أخيها الاكبر، فردناند ، اخوها من والدها فقط وهو الموظف الكبير في ادارة المدينة والذي اصبح بعدئذ وزيرا للداخلية. علم هذا الاخ من شرطة وامن المدينة بنشاطات كارل السياسية المناوئة للحكومة، فجاء يطلب من والده التدخل وفسخ الخطبة فرفض الاب ووقفت ام جني بوجهه فعاد خائبا.

1538  جيني ماركس

واصل كارل سنته الجامعية الثانية في جامعة برلين وتواصلت بينه وبين جني رسائل حب كثار مليئة بالقبل والزهور والآمال الكبار:

" بكامل الصدق.. سأكتبها المرة تلو الاخرى ، تلو الاخرى

لتبقى حية عبر القرون

الحب هو جني، وجني هي الحب"

فتمتلأ جني بفيض من السعادة ويشيع وجهها بالنور، فتكتب:

"سوف لاتصدق ياحبيب روحي، كم من السعادة تمنحني رسائلك، وكم كانت رسالتك الاخيرة المترعة بالحنان مبعثا للاطمئنان والصفاء والسلام"

لكن مدة البعد والحب بالمراسلة ولوعة الانتظار طالت اكثر مما يجب، فلم يكتف كارل بالتخرج من الجامعة بل واصل دراسته العليا وانشغل اكثر بالبحث والنشاط السياسي للحد الذي جعل والده يشعر بغرابة الحال وحراجة الموقف، فبدأ يكتب لابنه كارل رسائلا عديدة لجذب انتباهه الى هذا الحال غير الطبيعي ويهيب به تقدير الموقف وحسمه باسرع مايمكن، فيكتب له متحدثا عن جني:

" هاهي تنكر نفسها، تضحي من أجلك تضحية لاتثمّن، فإياك إياك ان تنسى ذلك يوما أو تخذلها. لو كان بمقدوري أنا ان اعطي هذه الانسانة النبيلة أي شئ يعوض لها بعدك وانتظارك لما توانيت، فليس هناك شئ اعزه عليها.....انت تعرف ان لعائلتها الكريمة الحق ان تتوقع الافضل لها، ولو اردت الحقيقة فان آلاف العوائل، لو كانوا في موقفهم، لرفضوا، ولرفضت انا ايضا هذا الحال من اجل سعادة هذه البنت-الملاك التي اعزها كما لو كانت ابنتي"

وكتبت له اخته صوفي:

" جني تحبك حبا جما، وهي تأتي الينا كل يوم..كانت معنا يوم امس وهي تقرأ رسائلك ودموعها تنهمر على خديها، مما جعل دموعي تنهمر لها"

في عام 1842 توفى والد جني قبل ان يرى زفاف ابنته الذي انتظرته طويلا. وفي السنة التالية، عام 1843 وبعد انتظار دام سبع سنوات بعد الخطبة الرسمية تم اخيرا زواج جني من كارل. وبعد الزواج ببضعة أشهر بدأت رحلة المطاردة والنفي والتشرد عبر أربعة بلدان: ألمانيا ، فرنسا ، بلجيكا ،وانكلترا مكللة بالعوز والفاقة والمرض وموت الاطفال. حزمت جني حقائبها المحملة بالملابس والحاجات الثمينة من امها وحزم كارل حقيبة كبيرة احتوت على اربعين كتابا وبحثا. ولم تتململ جني اوتشتكي قط  من فرط انشغاله الدائم بالبحث والنشاط السياسي، بل كانت مؤازرة مخلصة!  وفي المنافي الثلاث اصبحت مناضلة حقيقية.

تقول الكاتبة ميري گبريل في كتابها "الحب ورأس المال" الصادر عام 2012:

"ان دور وموهبة جني كانت بالدرجة الاولى اضفاء الانسانية والآدمية على حياة زوج انكب على الدراسة والبحث وانشغل بالسياسة طيلة عمره". ولكن كان لجني دورا عمليا كبيرا في خدمة حركة النضال الشيوعية، وكان رمز ذلك انها كتبت بخط يدها البيان الشيوعي الذي حرره ماركس ونقحه أنگلز. وكان عملها المتواصل داخل البيت هو اعادة كتابة (تبييض) مسودات ماركس من اجل ارسالها للنشر. يضاف الى ذلك دورها الاساسي في ادارة شؤون الحركة والثورة كجدولة وتنظيم الاجتماعات ورعاية المبعدين والمنفيين ومتابعة شؤون النشر والتوزيع. ولم يكن ذلك ممكنا مع ادارة شؤون البيت وسبعة اطفال لولا مساعدة هلينا ديمث التي لازمتها لمدة اربعين عاما.  كانت أم جني قد تولت رعاية البنت هلينا حين كانت بعمر 11، وكانت قريبة لعمر جني فنشأتا كأخوات علما ان هلينا اتخذت دور المساعدة في ادارة شؤون البيت الى ان ارسلتها الام لتصاحب جني في رحلتها وتدير شؤون بيتها، في بروكسل وثم في لندن.

بين 1844 و 1857 انجبت جني سبعة اطفال، خمس بنات وولدين. ثلاثة منهم توفوا بعمر سنة أو أقل نتيجة لسوء التغذية وقلة الخدمات الصحية، ولد واحد مات بعمر 8 سنوات وبنت واحدة توفت بعمر 38 بسرطان المثانة. والبنتين الاخريين اصبحتا ناشطات سياسيات وتزوجن وساهمن في الادب والصحافة والترجمة لكن حیاتهما انتهت نهاية مفجعة. واحدة انتحرت انتحارا ثنائيا مع زوجها، والثانية انتحرت نتيجة لخيانة زوجها لها وذلك عند معرفتها انه تزوج بالسر من ممثلة.

كانت جني قد كتبت في يومياتها حول وفاة ابنها أدگار ذي الثمان سنوات عام 1853:

"كان ذلك اليوم الاسود أقسى يوم في حياتي، فقد تجاوز حزني كل الاحزان والمصائب مجتمعة. إدگار بوجهه الطافح بنور الشمس، هو حياتي ووجودي وفخر والده وأمله الكبير"

وكانت قد فقدت طفلين آخرين قبل ادگار وذلك بعد ان اكملوا سنة واحدة فقط من اعمارهم، هنري گاي عام 1850 وجني فرانسز عام 1852. كان ماركس قد سمى كل بناته جني على اسم امهن الاول وباختلاف اسمهن الوسطي.  بعد هذه المحن اصيبت جني الام بالجدري وكان عليها ان لاتلتقي بالاطفال. وحين تماثلت للشفاء وسمح لها ان تلتقي بهم، اصابهم الرعب لمرأى وجهها الذي شوهته بثور الجدري، الامر الذي أثار بكائهم الجماعي.   عاشت جني كل تلك السنين بفقر وألم وعوز. باعت وارتهنت كل ماجلبت من اهلها من مصوغات وحاجات ثمينة ثم جاء الدور لكل ماموجود في البيت من اثاث وحاجات. وفي يوم طرقت الباب صاحبة الدار لتطالب بأيجار ثلاثة اشهر متراكمة وكان معها مُبلـّغ الشرطة ولم يكن لجني أي مال تدفعه فقالت لهم خذوا ماتشاؤوا فحملوا اسرة الاطفال واغطيتهم وبضمنها مهد الطفل الرضيع.

عندما أكمل كارل "رأس المال" ابتهجت جني فكتبت في يومياتها: : قليل جدا من الكتب الفكرية انجزت تحت ظروف قاهرة وضغط متواصل ونكبات متلاحقة وهذا ما انجزه كارل! فما عانى في انجازه يوازي معاناة اولئك الذين كتبه من اجلهم ". وحين تم نشر وتوزيع الكتاب كانت جني في صحة يرثى لها. في عام 1881 وهي على فراش المرض طلبت من كارل ان يقرأ لها أول مراجعة للكتاب ظهرت باللغة الانكليزية. بعدها بيومين، في 2 ديسمبر توفت جني بعمر 67.

خلال مراسيم دفنها وقف فريدرك انگلز ليقول:

" كانت لهذه المرأة مساهمات بالغة الاهمية والخطورة للحركة والثورة تميزت بذكائها الحاد وحسها السياسي الثاقب والتزامها وحماسها وطاقتها التي لم تنضب خلال اكثر من اربعين عاما. انه أمر لايظهر في التقارير ولن يعرفه الا من يراه بأم عينه. سنفتقد تلك الصراحة واالجرأة في نصائحها. الاقدام بلا تفاخر والحكمة بلا مهادنة. أذا كانت هناك امرأة تصنع سعادتها من خلال اسعاد الاخرين، فهي جني".

سنتان بعد رحيلها توفت ابنتها جني كارولاين، وبعد ذلك بشهر واحد توفي ماركس في 14 مارس عام 1883.  

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

محمود محمد عليتعد الجامعات في مختلف دول العالم المتقدم والنامي أساسا من أسس تطوير وخدمة المجتمع على قواعد ومعايير عملية وسليمة، فهي من ناحية تقوم بإعداد القوى البشرية المؤهلة من علماء ومثقفين، وباحثين تأهيلا عالميا، اللازمة للعمل في شتى قطاعات المجتمع، ومن ناحية أخرى وضع خطط التنمية للنهوض بالمجتمع، الى جانب هذا فهي الوسيلة التي يتم بها نشر المعرفة من خلال التدريس، وإنتاجها من خلال البحث العلمي في كل المجالات والعلوم التطبيقية والإنسانية، وتوظيف المعرفة من خلال إيجاد الحلول الموضوعية لقضايا التنمية والبيئة الإنسانية أو خدمة المجتمع بصفة عامة.

وقد كان للجامعة دور كبير في صياغة الوعي الفلسفي وأفكار المجتمع وقيادته للحركة الثقافية والفكرية ؛ حيث ارتبطت نشأة الجامعات بنشأة التعليم النظامي، الذي ارتبط بدوره باكتشاف الكتابة، وتذكر "الموسوعة العربية العالمية" أن السومريين الذين عاشوا في وادي دجلة والفرات قد أوجدوا نظاماً للكتابة حوالي سنة 3500 ق. م.. وكذلك طور المصريون نظاماً للكتابة حوالي سنة 3000 ق.م، وقد تضمن النظامان على أساليب لكتابة الحروف والأرقام، وكان المعلمون قبل اكتشاف الكتابة يكررون الدروس شفهياً، فيقوم الطلبة بحفظ ما سمعوه، وكان معظم المعلمين عند السومريين والمصريين من كهنة المعابد، أما الطلبة فكانوا قلة أمية من أبناء الطبقات العليا، وكانت قبائل معينة في شرق البحر المتوسط تتحدث اللغات السامية وقد ابتكرت ما بين سنة 1500-1000 ق.م الحروف الهجائية الأولى في العالم فأضافوا للتربية والتعليم أداة جديدة، وقد يسر استخدام الحروف الهجائية الكتابة بدلاً من استخدام الصور؛ استخدمت في القديم الصور والرسومات في الكتابة وذلك كما قال مهدي التميمي.

والحضارة اليونان القديمة، نجد أنه بحلول القرن الخامس والرابع قبل الميلاد، حيث اشتهر فلاسفة من أمثال سقراط وأرسطو ممن قاموا بتعليم الفلسفة والعلوم، حيث اعتقد هؤلاء أن التعليم يجب أن يكون أداة لتطوير الشخص ككل - بما في ذلك عقله، وهذا أسفر سيادة التعليم العال، لكن تعليمهم لم يكن ضمن الإطار الجامعي، ففي تلك الأيام، لم يكن الطلبة يحتاجون النجاح في امتحان القبول أو الانتظام في مقررات محددة، ولا يمنحون شهادات ُأكاديمية؛ ومثل ذلك حدث في الهند القديمة، حيث قام علماء الدين بتعليم الهنود التراث الهندي والمعارف الدينية، إذ كان التعليم حكرا على الكهنة .

أما في العصور الوسطي فنجد أنه بالرغم من أن النماذج الأولى للتعليم العالي كان لها تأثير على طبيعة التعليم الحالي، فإن أول ظهور للجامعة كان في أوروبا من الكاتدرائيات والمدارس المحلية لبعض المدن في القرن 12، والتي كانت مكلفة بتدريب نخبة: لحماية المدن، خدمة الكنيسة والدولة، ثم تعدت إلى تدريس: رجال الدين، القانون والطب؛ علي أن أهم ما يميز ذلك العصر هو أن التعليم أخذ يخضع خضوعا تاما السيطرة الكنسية، نتيجة لانحلال السلطة العلمانية وازدياد نفوذ العلمانية وازدياد نفوذ البرابرة في المجتمع الغربي .

ومن الملاحظ أن الكنيسة أقرت تدريس الفنون الحرة التي كانت تلقن التلاميذ في المدارس الوثنية ولكن علي أسس مسيحية لأن الكنيسة وجدت هذه الفنون أساسية ولابد منها لفهم الكتاب المقدس نفسه . وهكذا ظهر من بين المسيحين مارتيانوس كابلا الذي كان أول من حدد الفنون السبعة الحرة بالنحو، والبلاغة، والمنطق، والحساب، والهندسة، والفلك، والموسيقي، وقد ظلت المدارس في الغرب، حتي سنة 600 تهئ تعليماً ابتدائياً عاماً لإعداد الأفراد للحياة، ولكنها لم تلبث ان تحولت كلية لإعداد رجال الدين للمستقبل . وهكذا لم يكد ينتهي القرن السابع إلا كان التعليم في غرب أوروبا قد أصبح ديناً بحتاً داخل مدارس ديرية وأسقفية، واستمر الوضع علي ذلك حتي القرن الثاني عشر .

هذه المدارس كانت تهتم بالجانب الديني فقط، حيث جذبت الرهبان من فرنسا والدنمارك؛ خاصة سنة 1209 و 1215، لتوفرها علي أساتذة و طلبة متخصصين في اللاهوت Theology والفلسفة. تسمى هذه المدارس الحضرية الجديدة بـ Studia، والتي جاءت لتلبية الحاجات الدنيوية: الاستقرار في حال الحروب وذلك بتدريب جيوش للدفاع عن المدن هذا في المقام الأول، الأبرشية Parish، رجال الدين، محامين، إداريين وممارسين للطب؛ حيث لم تصبح أي من هذه المدارس جامعة، لكن كانت تقوم بتعليم المهارات الأساسية التي يحتاجها المتعلم، مثل النحو Grammar (حيث استخدمت اللغة اللاتينية في نشاطات الكنيسة والدولة(، والبلاغة) Rhetoric أسلوب الإقناع في: الوعظ، المحاضرات، الخطب(، الجدل Dialectic (المنطق، التحليل الفلسفي..(هذه الفنون الثلاث Trivium أضيفت لها الفنون الأربع Quadrivium وهي: الموسيقى Music، الحساب Arithmetic، الهندسة Geometry و علم الفلك Astronomy عرف بالفنون، مكونة بذلك ما يعرف بالفنون الحرة Arts Libral والتي تؤهل الفرد ليصبح معلما للآخرين والمضي قدما وصولاً إلى أكاديميات أعلى للبلاغة والقانون والطب ..

فالجامعة في الأصل مجموعة من الـStudium، الذي هو عبارة عن كلية أو مجموعة من الكليات العليا والذي استقطب الطلبة من مختلف أنحاء أوروبا، والذي ثبتت وضعيته فيما بعد بوثيقة أو قرار من الإمبراطور، وكانت Salerno أول مدرسة ثبتت وضعيتها، وكانت تضم كلية معروفة للطب منذ القرن التاسع أو العاشر الميلادي؛ والتي كانت تدرس أعمال جالينوس وأبقراط.

هذا وقد شهد القرن الثاني عشر، ميلاد أولى الجامعات في أوروبا، وهي جامعة باريس وبولونيا، والتي كانت نتيجة انبعاث الفلسفة اليونانية من جديد، ومع حلول القرن الثالث عشر، نمت وتطورت مدارس باريس إلى أن أصبحت Generale Studium Single سنة 1194 بقرار من الملك الفرنسي سنة 1200.

وثمة نقطة جديرة بالإشارة وهي أن كلمة Universitas لم تعد تعني تجمعا فقط (مجموعة من الـ Studium)، لكن في باريس وشمال أوروبا ُ كانت تعني "تجمع الأساتذة"، أما في بولونيا وإيطاليا فتعني "تجمع الطلبة"، حيث عرفت باريس بـ: "جامعة الأساتذة Masters of University، والإيطالية بـ: "جامعة الطلبة students of University، وبذلك أصبح مصطلح الجامعة يعني: تجمع الأساتذة أو الطلبة .

أما في باقي الدول الأوروبية كإسبانيا مثال، تأسست جامعة Salamanca سنة 1218، وفي سنة 1298 اعتبرت واحدة من أكبر الجامعات إلى جانب جامعات:Paris and Oxford, Bologna في العالم المسيحي Christendom.، أما الجامعة الوحيدة التي أسست في البرتغال، فكانت في لشبونة سنة 1290، وتتالت عملية تأسيس الجامعات في مختلف الدول الأوروبية.

وبحلول سنة 1300 ازداد عدد الجامعات التي ظهرت في القرن 12 إلى 16 جامعة، 38 جامعة في 1400 م، و 72 سنة 1500م، وهذه الزيادة في العدد والحجم كانت بسبب: حركات الإصلاح والحركات المعارضة، وتعد الثورة الصناعية من أهم الأسباب التي أدت إلى زيادة و توسيع التعليم العالي. حيث بدأت الثورة الصناعية في بريطانيا في القرن 18، وانتشرت في أوروبا، أمريكا و باقي أنحاء العالم، ما أدى إلى ظهور نموذج جديد للجامعة والتي تختص بالبحث، حيث ظهرت علوم طبيعية جديدة، مثل الكيمياء، البيولوجيا، الجيولوجيا؛ علوم تطبيقية جديدة: الهندسة، المعادن، الكهرباء، الطب التطبيقي؛ العلوم الإنسانية: التاريخ، اللغة المعاصرة.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، ازداد عدد الطالب وانتشر الطلبة عبر أنحاء أوروبا؛ من بريطانيا وفرنسا إلى ألمانيا وروسيا، وصولاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كما شهد هذا القرن ولأول مرة ظهور المرأة، وبنسبة معتبرة وليس مجرد أعداد رمزية لفئة الطلبة (أول ظهور للمرأة كان بتشجيع من القرارات التي اتخذتها الجامعات البريطانية بمنحها شهادات معادلة للطلبة في مستعمراتها سنة 1876 فبدأ قبولها في الجامعات البريطانية، وكذا حذت حذوها باقي الجامعات(.

وتجمع الجامعة الحديثة بين التدريس والبحث ( بدلاً من حفظ المعرفة القديمة)، ولادة الجامعة الحديثة كانت من اسكتلندا في القرن الثامن عشر، ومن ألمانيا في القرن التاسع عشر، كل واحدة منهما وصلت إلى نفس النتيجة (كل واحدة على حدة): التخصص؛ أستاذ متخصص في موضوع واحد يعوض الأستاذ الذي يدرس جميع المقررات، حيث عرفت اسكتلندا فروع، تخصصات وأقسام جديدة.

ولقد عرفت الجامعات أكبر توسع لها بعد الحرب العالمية الثانية، حيث نجد أن 78% من الجامعات تأسست في أوروبا خلال القرن العشرين ( 75 % منها بعد سنة 1945)؛ حيث نمت الجامعات القديمة في كل الدول وتوسعت في الحجم والتخصصات، حتى أعداد الطلبة زادت لتشمل أكبر عدد ممكن، ولم تعد تقتصر على النخبة أو نبلاء المجتمع (لتضم أكبر نسبة ممكنة من الفئة العمرية(..

هذا التوسع غير المسبوق راجع إلى ما يعرف بـ: الثورة الثالثة في تاريخ الإنسانية ( بعد الثورتين: الزراعية في العصر الحجري، الثورة الصناعية في القرن 18)؛ أي التحول إلى مجتمع مبني على خدمات الخبراء المتخصصين، والذي يدعى عادة بـ" مجتمع ما بعد التصنيع" الذي يستدعي من أغلبية النشطين في مختلف الدول المتقدمة العمل ليس في: التصنيع الاستهلاكي، السلع الرأسمالية فقط، بل في الخدمات؛ وخاصة المتخصصة منها والتي تحتاج إلى تعليم وتدريب ذي مستوى عال.. وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

.....................

المراجع

1- أنظر الموسوعة العربية العالمية، 1999، الجزء الثامن .

2- عالم محمد موسى حمدان: الطريق نحو الجامعات البحثية عالمية المستوى دراسة شمولية في الجامعات العربية.

3- نوال نمور: كفاءة أعضاء هيئة التدريس وأثرها على جودة التعليم العالي - دراسة حالة كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير جامعة منتوري قسنطينة.

4- أيمن يوسف: تطور التعليم العــالي: الإصلاح والأفاق السياسية.

5- د. عزت السيد علي : تطور التعليم العالي- الواقع والمشكلات والاقتراحات.

 

محمد السعديليس غريباً لكل من قرأ وسوف يقرأ المشهد المأساوي، الذي أدى، الى نهاية تراجيدية بنهاية حياة وموت  الزعيمين في بلدين بعيدين ومختلفين العراق وتشيلي عبد الكريم قاسم وسلفادور الليندي، الأ أن القائد اليساري الليندي أنهى حياته بعد أن خر صريعاً على عتبة باب قصره بآخر رصاصات من بندقية كلاشينكوف كان قد أهداها له رئيس كوبا فيديل كاسترو. المشهد قريب بين الأثنين كلاهما خدعا من قبل حاشيتهم وأقرب القادة الى قصورهم وحياتهم الخاصة والعامة أو ربما جهلهم بألاعيب السياسة ودهاليزها هو الذي قادهم الى الموت النهائي رغم حبهم لأوطانهم ونظافة ضمائرهم، لكن هذا لايعينهم ببناء أوطانهم وسعادة شعوبهم .

 وصل الليندي الى قصره عبر الانتخابات الديمقراطية ممثلاً عن اليسار والديمقراطية .ويعتبر أول رئيس دولة في أمريكيا اللاتينية في القصر الرئاسي (لامونيدا) ذي خلفية سياسية ماركسية منذ ١٩٧٠ وحتى ١٩٧٣ عند أنتحاره في الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكمه والذي خططت له ونفذته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بقيادة الجنرال أوجستينو بينوشيه رفيقه في السلطة والقرار، والذي يعتبر من أقرب معاونيه ومنحه عدة أوسمة ونياشين لدوره في الأمن الوطني والاخلاص له ، لكنه تخلى عنه وصحبه في شدة الأزمة، بل أنقلبوا عليه وعلى نظامه في زمن حرج، حيث أصطفوا مع قاتليه من قوى معادية لمصالح الشعب ونوايا تدخل خارجي ومما دعا الآخرين أن يعتقدوا سبب أنتحاره هو من هول الأزمة واليأس والمأساة الى لحظة تجلي الوعي في الخيانة الوطنية، عندما وجد نفسه معزولاً ووحيداً يواجه مصيره. في أول الساعات عندما بدأت الطائرات الحربية تدك وترمي حمم قنابلها على القصر الرئاسي تخلى عنه قادته ومريدية رغم بياناته المتكررة من أذاعة سرية تدعو الشعب والقوات المسلحة الى فض الحصار على القصر الرئاسي والمقاومة لكنهم تركوه وحيداً ليتلقى مصيره النهائي، وهذه التراجيديا السياسية قريبة في أحداثها على تاريخ العراق السياسي الحديث ومقتل الزعيم في جمعة ٨ شباط ١٩٦٣ . عندما حصر نفسه الزعيم في وزارة الدفاع تحت وابل قنابل الإنقلابيين وتخلى عنه كل مقربيه جاسم العزاوي حميد حصونه وآخرين كثر، ولم تنقذه بياناته التي سربها عبر حراسه الى مبنى الأذاعة في الصالحية وبعضها سلمت الى أيادي الإنقلابيين، مما أدى به المصير أن يسلم نفسه يائساً الى الإنقلابيين وهو الأدرى بمصيره المحتوم، فقاده قدره الى الموت تحت رحمة وعودهم الخائبة ودهشة محبييه ورفاقه . ليسدل الستار على حقبة سياسية مهمة في العراق، كانت في ظله بناء وأعمار وأفاق وطموحات ورغد للفقراء في العيش، لكنها مغلفة بقالب سياسي مضطرب بالخوف والأنفجار لنزعته العسكرية في أدارة شؤون البلاد والعباد.

ولد سلفادور الليندي في تشيلي يوم ٢٦ يونيو ١٩٠٨ وأستشهد في ١١ أيلول ١٩٧٣ وهو طبيب وسياسي وذي عقلية يسارية وطنية ومن أصول إسبانية . وكان آخر بيان بثه الى أبناء شعبه قبل إنتحاره.

أعلن أني لن أتنازل، اني مستعد أن أقدم حياتي دفاعاً عن السلطة التي ائتمنتني الشغيلة عليها، أن هروبي سيكون أقذر من خيانة هؤلاء الجنود الذين خانوا وطنهم…عاشت تشيلي، يحيا الشعب، يحيا العمال! هذه هي كلماتي الأخيرة، وأنا واثق من أن تضحيتي هذه لن تكون عبثية.وستكون العقاب المعنوي للخونة والمتأمرين.

كان من أهم رجالات سلفادور الليندي ورفيقه في النضال والذي جمعهم الفكر الماركسي وفرقهم الموت الشاعر الشيوعي بابلو نيرودا الحائز على جائزة نوبل للاداب والذي مات بعد ١٢ يوماً من أنتحار رفيقه سلفادور الليندي وما زالت التكهنات متناقضة حول موته . وما أميط اللثام حوله بعد حفنة سنيين، أنه مات في أحدى المستشفيات بحقنة سامة، عندما كان راقداً تحت جرعات أوجاع سرطان البروستات في ظل الفوضى التي عمت في البلاد .

وقد شهدت الحياة السياسية ورموزها في العالم طبيعة العلاقة بين الحاكم السياسي والمثقف وتأثيراتها على صورة البلد، مثلما عرف بدور العلاقة على طبيعة النظام وأسس أركانه بين مفجر ثورة أكتوبر لينين وأبن الثورة الأديب مكسيم غوركي .

وفي تجارب التاريخ صور عديدة عن العلاقة بين الزعيم أي رجل السلطة والمثقف رغم تناقضات فصولها وتركيبة أهدافها فرجل فرنسا القوي العسكري ورمزها شارل ديغول وبعد أن توج فرنسا بالنصر وهزيمة المحتلين الألمان ودخوله قصر (الشانزليزيه) أعطى للمفكر والروائي الفرنسي (أندريه مالرو) منصب وزيراً للثقافة ومستشاراً ثقافياً له تعبيراً عن وجه فرنسا الجديد بعد دحرها للإحتلال النازي الالماني  .

أيضاً أراد وتمنى الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بعد مفاوضات (أوسلو)، أن يقلد الرئيس ديغول في خطوته بالعلاقة بين الرئيس والمثقف فتمنى أن يكلف الشاعر محمود درويش بمهمة وزارة الثقافة أو مستشاراً ثقافياً له . فكان رد الشاعر درويش سريعاً .. لا أنت ديغول ولا أنا أندريه مالرو .. ولا فلسطين باريس ولا باريس فلسطين .

 

محمد السعدي

أيار/ ٢٠٢٠

 

 

عبد الصمد البلغيثيدخلت كلمة حشاشون إلى أغلب اللغات الأوربية الحديثة وأصبحت تنطق assasin  أو ashishin، وبالعودة للقواميس الأوربية نجدها تعني القاتلُ المأجورُ أو المحترفُ، لكن قليلون يعرفون أنها كلمة عربية الأصل أُطلقت على طائفة دينية إسلامية ظهرت في القرن الخامس الهجري. فمن هي هذه الفرقةُ الدينية؟ وبماذا تميزة تعاليمها؟ ولماذا أُطلق عليهم لقبُ الحشاشون؟ وكيف إنتقل هذا الإسمُ إلى اللغات الأوربية وأصبح يدلُ على نظام الإغتيالات؟

- لماذا لقبوا بالحشاشين:

تعني كلمة حشيش في العربية العشب أو الكلأ، وتستخدم الكلة أيضا للدلالة على القنب الهندي وهو مخدر عرفه المسلمون واستخدموه خلال العصور الوسطى، وقد أُطلقة هذه الكلمة في القرن الخامس الهجري للدلالة على فرقة إسلامية تسمى الشيعة الإسماعلية النزارية، تميز أفرادها بالولاء التام والأعمى لإمام الجماعة، واستخدامهم لأسلوب القتل عن طريق الإغتيال لأهداف دينية وسياسية، وبسبب الرعب الذي كانت يتركه أسلوبها في القتل الذي يوصف بالإتقان والإحترافية، إعتقد خصومهم أنهم يتناولون مخدر الحشيشِ قبل تنفيذ الإغتيال حتى لا يقع في نفس الفدائي خوفٌ أو رعبٌ، لكن هناك رواية أخرى تقول أن مصدر التسمية كان بعد حصار دولة السلاجقة لزعيم الجماعة وأتباعه في قلعة محصنة لسنوات صمدوا فيها بسبب تناولهم للعشب وحشائش الأرض بعد نفاذ مخزون الأغذية وطول الحصار، وقد أعتبر البعض أن هذا التفسير هو الأقرب للتصديق.

- الإنشقاق الأول:

تعتبر الحرب الأهلية التي وقعت بين المسلمين بعد إغتيال الخليفة التالث عثمان ابن عفان، أول إنقسام خطير سيشق المسلمين فريقين، فريق من الصحابة يدعوا للإقتصاص من القتلة يتزعمهم معاوية ابن أبي سفيان، وفريق يشايع علي ابن أبي طالب خليفة للمسلمين أُطلق عليهم لقب شيعة علي، وبعد أن بايع بعض المسلمين عليا للخلافة، رفض البعض بذلك وأعلنوا الحرب عليه، في هذه اللحظة سيظهر جرح أخر وهو إغتيال الإمام علي بن أبي طالب، لتتكر المأسات أيضا في إغتيال الإمامين الحسن والحسين أبناؤه من فاطمة الزهراء بنت النبي محمد، من هنا سينقم الزمن الديني والسياسي في الإسلام إلى عالم سني تزعمه الأمويون والعباسيون فيما بعد، وعالم شيعي تزعمه الأئمة من أحفاد البيت النبوي من نسل فاطمة، وبالضبط في زمن الإمام جعفر الصادق وهو أحد أحفاد البيت النبوي، وهو إبن الإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام على بن أبي طالب أو أئمة الشيعة.

المهم أن الإمامة ستنقسم بعد وفاة جعفر الصادق بين من جعلها في ابنه موسى الكاظم ويعرفون الان بالشيعة الإثنى عشرية، ومنهم من رفض ذلك وجعلها في حفيده محمد ابن إسماعيل وقد أطلق عليهم الإسماعليون، وهؤلاء ستظهر منهم طائفة الحشاشون فيها بعد.

- بداية الحشاشين:

ذكرنا فيها سبق السياق التاريخي لظهور الحشاشين وعلاقتهم المباشرة بالإسماعلية، التي ستشكل مذهبا شيعيا قويا إستطاع تأسيس دولة كبيرة في تونس ومصر، وقد سمية بالدولة الفاطمية نسبة لفاطمة وتيمنا بها، ثم إنقسم الإسماعليون بعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر بالله بين من أعلن إمامة إبنه المستعلي وبين من بايع إبنه نزار ولقبوا بالنزارية وهي الفرقة التي ينسب لها الحشاشون، هذه الفرقة التي تزعمها داعية إسمه حسن الصباح عرف بتقواه الديني ودفاعه عن المذهب الإسماعيلي، وقد فر من الدولة الفاطمية في مصر وهاجر نحو بلاد فارس وهي إيران حاليا، حيث أقام يدعو للمذهب الإسماعيلي وإمامة نزار.

لقد تميزت حركة حسن الصباح بالسرية والعمل المنظم نظرا للخطر الذي كان يواجه دعوته من دولة السلاجقة في إيران والخلافة العباسية، الأمر الذي فرض عليه العمل السري ووقد إختار التحرك في المناطق التي لم تكن سلطة السلاجقة تصلها كالجبال والوديان والقرى البعيدة وتجنب المدن والحواضر، وككل حركة سرية يصعب عليها مواجهة الدولة بشكل مباشر بسبب غياب التكافئ العسكري، توجه حسن الصباح لطريقة جديدة في المواجهة وهي نظام الإغتيالات.

- نظام الإغتيالات:

تأتي شهرة الحشاشين في التاريخ الإسلامي من نظام الإغتيلات السياسية الذي إستخدموه في مواجهة خصومهم, وقد حقق هذا الشكل من القتال إنتصارا للجماعة على خصومها من السلاجقة والخلفاء العباسيين، وتحكي كتب التاريخ أن حسن الصباح كان يدرب نخبة من أتباعه على إغتيال القادة من العسكريين والسياسيين وبعض رجال الدين والقضاة، وكان التدريب يقضي بأن ينال الفدائي الإسماعيلي من هدفه بضربة خنجر قاتلة وبعدها يموت في شبه عملية إنتحارية اليوم، وما زاد من خطر ذلك انه كان يستهدف فقط الشخصيات الكبيرة والتي لها نفوذ بالدولة، وهو ما جعل السلاجقة والعباسيون ينهزمون في مواجهة حرب غير تقليدية تقوم على الإغتيال والتحصن بالقلاع والجبال. ولم يسلم من حركة الإغتيالات هذه الجنود الاوربيون الذين دخلوا في الحروب الصليبية على منطقة فلسطين والشام، وهو ما جعل الخوف من الحشاشين ينتقل إلى أوربا وينشر الرعب بين قادتها، الأمر الذي سيدفع الكثير منهم إلى شراء ودهم عن طريق الهدايا والأموال تجنبا لخطرهم. وسيشتهرون في أوربا لدرجة سيدخل لقب حشاش للغاتهم يدل على القاتل المحترف. 

 

عبد الصمد البلغيتي

 

 

محمود محمد علي

بالأمس رحل عن دنيانا الأستاذ الدكتور عبد الحى محمد قابيل (أستاذ الفلسفة الإسلامية والعقيدة بكلية الآداب جامعة أسيوط بجمهورية مصر العربية).. أما والله أن ترحل قامة علمية مثل هذا الرجل العظيم، دون كلمة رثاء فى الإعلام المصري والعربي، فتلك علامة من علامات التردي، ودليل من أدلة الرداءة والعشوائية، فقد كان الدكتور عبد الحي قابيل من أولئك الرجال الذين يعيشون وفق ما يكتبون، ويظهرون ما يضمرون، ويعلمون بما يؤمنون، ولذلك أقول أي الكلمات لديها القدرة أن ترثى مفكراً وكاتباً بالغ الصدق والنبل والنقاء مثل الدكتور عبد الحي قابيل؟!.. أي الكلمات لديها القدرة؟!.. فالذين يتسمون بالصدق والنبل في مهنة الفلسفة قليلون، وقد ازدادوا برحيله قلة!.. لا أظن أنه من قبيل المبالغة أن أقول إنه من أكثر الذين قدر لي أن أعرفهم من أساتذة الفلسفة بعداً عن المداهنة أو المتاجرة بالمهنة لحساب أية سلطة من السلطات بما في ذلك سلطة الرأي العام ذاته الذى كثيراً ما يغازله بعض الكتاب على حساب الحقيقة الموضوعية!.

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون هي أنني قد شرفت بأن تعلمت علي يديه في الفرقة الثانية بقسم الفلسفة بجامعة أسيوط (فرع سوهاج سابقا) بجمهورية مصر العربية، إذ كان سيادته يقوم بتدريس مادة "علم الكلام"، ضمن مقررات الفلسفة الإسلامية، وهو أستاذ قدير، وباحث متميز، وعالم جليل.. كان نموذجاً لأستاذ الجامعة المعاصر في فكره، الفلاح في تقاليده، وفياً لانتمائه، مجسداً لهويته.

كانت محاضراته تتميز بالإلقاء التلقائي، فلم يكن إلقاؤه علمياً جافاً، بل كان يبدع في عرض الفكرة بما أوتي من قدرة علي فهم السياق، وضرب المثل، والاستشهاد بمواقف الحياة، لم يكن حديثه تجريداً متسماً بالغموض أو البعد عن الواقع، بل كان مرتبطاً بالمواقف التدريسية الحية التي يدرك المستمع في ضوئها دلالة ما يقول، ولم يكن يقرأ محاضراته من ورقة، بل كان يلقيها بشكل تلقائي مسلسلاً مرتَب الأفكار، واضح العبارات، منهجياً في تناول قضاياه، وقد عُرف عن الدكتور عبد الحي قابيل الانضباط الدقيق بمواعيد المحاضرات، فما عهدنا تخلف عن محاضرة واحدة، ولا تأخر عنها، ولو لدقيقة ؛ بل كان في بعض الأحيان يدخل إلي المدرج، أو القاعة ويجلس علي مقعده، حتي يحضر معظم الطلاب؛ وهذا بلا شك دليل علي حرصه الشديد علي الاستفادة من كل دقيقة لإفادة طلابه.

علاوة علي أنه يعد قامة، وقيمة علمية، وأخلاقية كبيرة، على المستوى العلمي، والمستوى الشخصي أيضاً، لأنه دائما ً كان يمد يد العون، لمن يعرف، ولمن لا يعرف صغيراً وكبيراً؛ كما يتميز بدماثة الخلق، وحسن المعاملة مع أصدقائه وزملائه فى العمل، وأنه كان يسعى دائماً إلى تحقيق هدف سامى ونبيل، وهو جبر الخواطر، وأن يجمع بين الصدقة الجارية، والعلم الذى ينتفع به، والولد الصالح الذى يدعو له، إيماناً منه بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

وكم هو شاق علي النفس موقف التأبين!.. فيه تتدافع مشاعر الحزن وخواطر الفكر.. وقد يحتدم تدافعُها حتي تستعلي مشاعر الحزن، فإذا بكلمة التأبين تغدو رثاءً باكياً.. أو تستعلي خواطر الفكر أو تغدو بحثاً جافياً !.. ولا يملك ناصية التوازن بين الشعور والفكر في هذا الموقف، إلا أُولو العزم من رجال البيان!.. وهيهات هيهات.. أن تقوي العزائم في مواقف التأبين !

وتزداد المشقة علي النفس حين يكون التأبين لرجل من رجال العلم أو الفكر مثل الدكتور عبد الحي قابيل.. فهنا تنهض أمام المؤبن صحائف صور لمن يؤبنه.. عليه أن يستجليها.. ليجلوها للقارئين والسامعين !.. وتزداد المشقة حتي تبلغ أقصاها.. حين يكون المؤُبن تلميذاً لمن يؤبنه من هذه الصفوة.. حيث تكون فجيعته فادحة.. وحيث يحاول بعينيه الدامعتين أن يستجلي تلك الصور والصحائف.. فيشق عليه أن يجلوها حق جلائها للقارئين والسامعين!..

وها أنا ذا أواجه الآن هذا الموقف علي مسمع ومرأي من قرائي.. فالدكتور عبد الحي قابيل ممن جمعني وإياهم طلب وحب العلم.. وفجيعتي فيه ما زالت تغُاديني وتُراوحني باللوعة والشجن، وبذكريات تتراحمُ علي نفسي وخاطري.. فلا تدع لي فسحة كافية صافية لإحسان البيان.. في موقف يعز فيه كل بيان.. والدكتور عبد الحي قابيل من صفوة الرجال الذين يعتصرون حياتهم علماً وعملاً للوصول بها إلي أسمي الغايات.. فقد منحه الله طُلعة.. تواقة عملاقة.. ضاق عنها جسده الواهن العليل.. وناء باحتمال تطلعاتها الجياشة.. وصدق المتنبي؛ حيث يقول: إذا كانت النفوس كباراً.. تعبت في مُرادها الأجسام.. وقد ظل الدكتور عبد الحي قابيل في مكابدة ومصابرة مع نفسه الوثابة الغلابة .. في نزوعها الدائم للوصول إلي آفاق جديدة في محراب التفلسف.. حتي تضعضع بدنه، وتكاثرت عليه العلل ؛ فضمر وذوي، ثم انطوي.. وهو ما زال في زهرة شيخوخته، ووفرة عطائه.

إنني في هذا الموقف أجدني غير قادر علي أن أتحدث كثيراً.. أتحدث الآن وأنا أشعر بأن روح الأستاذ الدكتور عبد الحي قابيل معنا.. صحيح أنه رحل بجسده الذي أضناه عمل شاق استمر حوالي ثمانين عاماً يكابد فيها الحياة حلوها ومرها، ويعيش فيها أحزان الوطن ونجاحاته وانتصاراته وانتكاساته، ويتألم كما يتألم المصريون، ويحلم ويبعث الأحلام في أعماقنا نحن طلابه الذين نلتف حوله.. في حين أنه لم يكن أستاذ جامعي ربي أجيال لسنوات طويلة، ولكنه معلم، وكلمة المعلم هنا هي مهمة الأنبياء والرسل، فقد عاش مفكراً، ورحل معلماً، ولم يسعي إلي منصب، ولم يسعي إلي مال، وقد كانت حياته كتاباً مفتوحاً أمامنا جميعاً.. كان صاحب كلمة !!

ونبذة مختصرة عن الأستاذ الدكتور عبد الحي قابيل نجده أنه من مواليد قرية الجلاوية بمحافطة سوهاج في الثاني من شهر يناير عام أربعين وتسعمائة بعد الألف الميلادية (1940م)، وتدرج في التعليم العام حتي التحق بقسم الدراسات الفلسفية والنفسية من جامعة القاهرة، تدرج في حياته العلمية حتي نال العديد من الشهادات المحلية، فحصل علي ليسانس الفلسفة عام 1962 م، ثم الماجستير في فى العقيدة من قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة 1969 م وبعد ذلك حصل علي الدكتوراه في فلسفة الأخلاق الإسلامية من قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة 1978 م .

تدرج الدكتور عبد الحي قابيل في السلك الجامعي فعين عضو فنى بقسم الاتصالات الخارجية بوزارة التعليم العالى اعتباراً من 25 / 12/ 1963 م ثم رئيساً لقسم بالإدارة العامة للمجالس العليا للكليات والمعاهد العالية بوزارة التعليم العالى اعتباراً من 29/ 10/ 1970 م، ثم محاضراً بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية جامعة الرياض (الملك سعود حالياً) بالمملكة العربية السعودية من العام 1974 م وحتى نهاية عام 1976 م، ثم مدرس مساعد بقسم الفلسفة بكلية الآداب بسوهاج – جامعة أسيوط بتاريخ 16/ 8/ 1976 م، ثم مدرساً بقسم الفلسفة بكلية الآداب بسوهاج- جامعة أسيوط بتاريخ 13/ 8/ 1978 م، ثم مشرفاً علَى قسم الفلسفة بكلية الآداب بسوهاج – جامعة أسيوط بتاريخ 27/ 1/ 1979 م، ثم أستاذ مساعد ( مدرس ) بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية فى العام الدراسى 1982 م، ثم مدرس بقسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنيا بتاريخ 28/ 11/ 1982 م، ثم أستاذاً مساعداً بقسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنيا بتاريخ 29/ 6/ 1986 م، ثم قائماً بعمل رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب – جامعة المنيا بتاريخ 26/ 7/ 1986 م، ثم أستاذاً مشاركاً بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية جامعة الملك فيصل بالأحساء بالمملكة العربية السعودية اعتباراً من العام الدراسي 1989 م وحتى نهاية العام الدراسي 1993 م، ثم أستاذاً للفلسفة الإسلامية بقسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنيا اعتباراً من 24/ 12/ 1997 م، ثم رئيساً قسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنيا اعتباراً من 27/ 4/ 1997 م، ثم أستاذاً للفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة أسيوط اعتباراً من 20/ 7/ 1997 م، وكيل كلية الآداب جامعة أسيوط للدراسات العليا والبحوث اعتباراً من 3/ 8/ 1997 م، ثم رئيساً مجلس قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة أسيوط اعتباراً من 1/ 1/ 1998 م، ثم أستاذاً متفرغاً اعتباراً من 22/ 1/ 2000 م..

من مؤلفاته من الكتب نذكر مثلاً: المذاهب الأخلاقية فى الإسلام، دار نشر الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة 1984م، أبو المعين النسقى وآراؤه الكلامية (مخطوط لم ينشر بعد – رسالة ماجستير)، والتمهيد فى أصول الدين لأبى المعين النسقى، تحقيق ودراسة – دار نشر الثقافة للنشر والتوزيع، والشيعة- دراسة نقديه دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة 1985م، والمعتزلة – أنصار الاتجاه العقلى، دار نشر الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة 1985م، والأباضية وآراؤهم الكلامية، دار نهضه الشرق، القاهرة 1995م، والمسالك فى الخلافيات بين الحكماء والمتكلمين لشيخ زاده- تقديم وتحقيق ودراسة – دار الهداية القاهرة 1996م، وفى التصوف الإسلامي نشأته وتطوره، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر بالإسكندرية، 2013م..

علاوة علي الكثير من البحوث مثل: فى الأصول الفلسفية للتربية الإسلامية – مجلة كلية الآداب – جامعة المنيا عدد يناير 1995م، والأخلاق عند العقاد مجلة كلية الآداب – جامعة المنيا عدد أبريل 1995م، والجنيد والتوحيد الإرادي عند الصوفية (ضمن: الكتاب التذكاري للدكتور أبو الوفا التفتازانى) دار الهداية القاهرة 1995م، مقالات تفرقه حول " القيم الإسلامية"، والاتجاه العقلي عند الأستاذ الإمام محمد عبده ضمن مؤتمر الإمام محمد عبده مفكراً ورائداً للاستنارة 12- 14 يوليو 1997م..وغير ذلك منشورة بمجلة" النشرة الإعلامية التى تصدرها جامعة الملك فيصل بالمملكة العربية السعودية – ومجلة "صوت سوهاج " وغيرها.

وعلي المستوي الاجتماعي كان الدكتور عبد الحي رحمه الله متزوجاً وله ابنان وبنت واحدة: لؤي ورامي وأروي.. أما مجلسه فغاية في الاحترام الذي لا يخلو أحياناً من تبسط، ولكنه لا يشجع الثرثارين والمتفيقهين، ويستبعد تماماً النمامين والوشاة.. توفي الدكتور عبد الحي في الساعة السادسة من مساء اليوم الأول من عيد الفطر المبارك، الموافق الخامس والعشرين من شهر مايو لعام 2020م..

أما عن أخلاق الدكتور عبد الحي قابيل، فلا أملك إلا أن أستعير تلك الكلمات التي قالها أحد تلامذة الأستاذ الدكتور سيد البحراوي في حفل تأبينه بجامعة القاهرة ( أنظر حفل تأبين الأستاذ الدكتور سيد البحراوي علي اليوتيوب)؛ فأقولها كما هي في حق الدكتور عبد الحي: كان رحمه الله بسيط الكف، رحب الصدر، موطئ الأكناف، سهل الخلق، كريم الطباع، غيثاً مغيثاً، وبحراً ذخوراً، ضحوك السن، بشير الوجه، بادي القبول غير عبوس، يستقبلك بطلاقة ويحيك ببشر، ويستدبرك بكرم غيب وجميل سر، تُبهجك طلاقته ويرضيك بشره، رياناً من العقل، راجح الحلم، ثاقب الرأي، طيب الخلق، مُحصن الطبيعة، معطاء غير سائل، كاسي من كل مكرمة، عاري من كل ملامة، إن سُئل بذل، وإن قال فعل، الجميل لديه معتاد، والفضل منه مبدوء ومعاد، هو ملح الأرض وعمارتها، يصل ببشره قبل أن يصل ببره، وهو بحر من العلم ممدود بسبعة أبحر.. العلم حشو ثيابه.. والأدب ملئ إهابه، هو شخص الأدب ماثلاً، ولسان العلم قائلاً..

كان الدكتور عبد الحي قابيل ينطبق عليه نفس ما قيل في حق الأستاذ الدكتور سيد البحراوي الذي قال عنه أحد تلاميذه: كان رحمه الله ذا مرة حصيف العقل.. قوي الذات.. ذا فراسة قلما تخطئ.. عالماً بطبائع الخلق.. يعطي كل واحداً قدر استحقاقه.. فكان يري بنور الله.. يري بعين عقله مالا يري بعين رأسه.. يري بأول رأييه آخر الأمر.. وكان أعقل من أن يُخدع وأفضل من أن يخِدع.. لم يكن بالخَدب ولا الخِدب يخدعه.. وكان عاصماً لمن حوله من الخطأ والذلل.. وليس هو بالمعصوم، ولكن لم نرَ في معناه مثله قط.. كان متبوعاً غير تابع.. كأنه عَلِِِم في رأسه نار.. هو عالم بتصاريف الأيام.. نافذ في مجال التحصيل والتمييز.. له همة علي جناحها إلي عنان السماء.. وامتد صباحها من شرق إلي غرب.. لا يتعاظمه إشراف الأمر إذا أخطره بفكره.. همته أبعد من مناط الفرقد... وأعلي من منكب الجوزاء.. قد جد واجتهد.. وشمر عن ساق الجدِ ما أطاق.. قد ركب الصعب والذلول.. وهو فرد دهره وشمس عصره ونسيج وحده.. كان في قوم هو صدرهم وبدرهم ومن عليه يدور أمرهم.. كأنما فلك هو قطبه.. وجسد هو قلبه.. حليم إذا ما الحلم زين أهله مع الحلم في وجه العدو مهيب.. من رآه بديهة هابه.. ومن خالطه معرفة أحبه.. لم يزل بيننا محموداً حتي آتانا خبر رحيله.. فرحل عنا كما عهدناه محمودا.. كان خبراً عَز علي النفوس مسمعه.. وأثر في القلوب موقعه.. وما كان موته موت واحداًَ ولكن بنيان قوم تهدما.. فما أعظمه مفقوداً وما أكرمه ملحوداً.. لقد رزقنا من الدكتور عبد الحي قابيل عالماً في شخص وأمة في نفس.. مضي والمحاسن تبكيه والمناقب تُعزي فيه.. العيون لما قرت به اسخنها فيه ريب المنُون.. ولما شُرحت به الصدور قضبها بفقده المقدور.. لو وُقي من الموت في زماننا عزيز قوم لعزته أو كبير بأولاده وأسرته..

لكن الدكتور عبد الحي قابيل ينطبق عليه حقا نفس ما قيل في حق الأستاذ الدكتور سيد البحراوي الذي نعاه أحد تلاميذه بأنه: أحق من وُقي وأولي من فُودي.. ولكن هو الدهر لا يُعجب من طوارقه ولا من ينكر هجوم بوائقه.. كان الشاعر يقصده حين قال: ردوا علي بياني بعد محمودي.. إني عييت وأعيا الشعر مجهودي.. لبيك يا مؤنس الموتي وموحشنا.. يا فارس العلم والهيجاء والجودي.. لقد نزحت عن الدنيا كما نزحت عنها لياليك من بيض ومن سود.. تجري السلاسة في أثناء منطقه تحت الفصاحة جري الماء في العود.. إن هُد ركنك منكوباً فقد رفعت لك الفضيلة ركنا غير مهدود .. لو أنصفوا أو دعوه من جوف لؤلؤة من كنز حكمته لا جوف أخدودي.. وكفنوه بدرج من صحائفه أو واضح من قميص الصبح مقدودي.. وأنزلوه بأفق من مطالعه فوق الكواكب لا تحت الجلاميد.. وناشدوا الشمس أن تنعي تحت محاسنه للشرق والغرب والأمصار والبيدِ.. أقول للملاء الغادي بموكبه والناس ما بين مكبود ومفقود.. غضوا العيون فإن الروح يصحبكم.. مع الملائكة تكريماً لمقصود..

عبد الحي قابيل إني لأستحييك مثل الأستاذ الدكتور سيد البحراوي الذي نعاه تلاميذه بقولهم: في كلمي حياً وميتاً وإن أبدعت تقصيدي.. فأعذر مديحي وأعذر فيك قائله كلاهما بين مضعوف ومحدود.. أو كما قال القائل.. لله درك كنت من رجلاً.. لو أمهلتك غوائل الأجل.. جم المحامد غير متهم.. جم التواضع غير مبتذل.. يا دولة الأخلاق غافلة من عالم في أبهج الحلل.. يا مرسل الأمثال يضربها.. قد عز بعدك مرسل المثل.. يا عارض الآراء صائبتاً.. يرمي بهن مقاتل الخطر.. شغلتك عن دنياك أربعة والمرء من دنياه في شُغل.. حق تناصره ومفخرة تمشي إليها غير منتحل.. وحقائق للعلم تنشدها.. ما للحكيم بهن من قبل.. وفضيلة أعيت سواك فلم تمدد إليه يد ولم يصل.. اللهم لا تحرمنا من خير ما عندك لشد ما عندنا، وإن لم تتقبل تعبنا ونصبنا، فلا تحرمنا أجر المصاب علي مصيبته، ولا تفتنا بعده واغفر اللهم لنا وله.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

شاكر الساعديمَنْ المعروف عن المتصوفة والفلاسفة العرب والمسلمين في عصري الخلافة الأموية والعباسية وما بعدهما ميولهم الإصلاحية ونزعتهم الخُلقية وتَفَرُّدهم بالتَّوَجُّه الروحي من شأنه لو طبق أن ينعكس على المجتمع بالإيجاب وبالخير كله، ومَنْ ذَا الذي يسلبهم طِباعهم السمحة المستقيمة، أو شجاعتهم النادرة في الحق، ووقوفهم دوماً ضد الظلمة والمفسدين وفي وجه الأمراء والحكام المارقين، وعلى مدى تاريخهم الروحي الطويل؟!

رجال ومواقف:

وَقَفَ عالم الشريعة الإسلامية (أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم) الملقب ذو النون المصري (179-245هـ) في وجه الخليفة العباسي أبو الفضل جعفر المتوكل أبن المعتصم بن الرشيد (205-247هـ)، وحملوه من مصر إلى بغداد مغلولاً مقيداً ، وكانت للخليفة العباسي هَارُوُنِ الرشيد بن محمد المهدي (149-193هـ) مَقابلات خَاصَّة مع متصوفة عصره يندى لسَماعها جبين الصادقين، وكانت لابن قِسيِّ الأندلسي (أحمد بن الحسين بن قسي) المتوفى سنة 546هـ وزملائه من أولياء المغرب دعوات إصلاحية، تبحث في كل ما مِنْ شأنه أن يرضي الله من خدمة المجموع فتفعله، كما قتلوا المتصوف (أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن) الملقب ابن برَّجان الأندلسي المتوفى سنة 1141م، والخوالي والمرجاني مع كونهم أئمة يقتاد بهم، كما أمَرَ الخليفة بضرب عُنق المتصوف (أبا الحسن سمنون بن حمزة البصري المُحِبِّ) سنة 298هـ بعد أن أدَّعت عليه امرأة كانت تهواه، راوَدَتُه عن نفسها وهو يأبى أن يأتيها في الحرام، ونفوا (طيفور بن عيسى البسطامي الخراساني) الملقب أبا يزيد (188- 261هـ) من بلدته سبع مرات لأنه كان يتكلم على الكشف بعلوم لا عهد لأهل بلده بها من مقامات الأنبياء والأولياء، ورموا (أبا سعيد أحمد بن عيسى الخراز) من أهل بغداد المتوفى سنة 277هـ بالعظائم وأفتى العلماء بتكفيره لألفاظ وجدوها في كتبه، وشهدوا على (ذي النون المصري) بالكفر بعد أن تَعَصَّبَ عليه فقهاء إخميم في صعيد مصر، وأخرجوا (أبو محمد سَهْل بن عبد الله بن يونس) الملقب بالتستري (200-283هـ) من بلده إلى البصرة، وَنَسَبُوه إلى قبائح موبقات وكفروه مع علمه ومعرفته واجتهاده، ولم يزل بالبصرة حتى مات فيها، وشهدوا على (أبو القاسم الجنيد بن محمد الخراز البغدادي 221-297هـ) مع فضله وعلمه وجلالته ورقي أحواله وريادته في الطريق واتهموه بالكفر، واخرجوا (أبو عبد الله محمد بن فضيل البلخي) من أعلام التصوف في القرن الرابع الهجري المولود في سمرقند والمتوفى سنة 319هـ، لأن مذهبه كان مذهب أصحاب الحديث، والحكيم (أبو عيسى محمد الترمذي 824-892هـ) عالم الدين والحديث، المولود في ترمذ / جنوب أوزبكستان أخرجوه من مدينة بَلْخ حين صَنَّفَ كتاب "علل الشريعة"، وكتاب "ختم الأولياء"، وأنكروا عليه بسبب هذين الكتابين، وأغلظوا الإنكار، وكانت التهمة إذ ذاك جاهزة بطبيعة الحال، إذْ قالوا: فضَّلت الأولياء عَلَىَ الأنبياء، وَرَمُوا (أبو يعقوب يوسف بن الحسين الرازي) المولود في الري بإيران والمتوفى سنة 304هـ بالعَظَائم وتكلموا في حقه بالكلام الخارج، وَشَهَدَ عليه زهاد الرَّاز وصوفيتها بالإنكار فلم يعبأ بهم ولم يبال، واخرجوا الإمام (محمد بن أحمد بن سهل) الملقب أبا بكر النابلسي المغربي المتوفى سنة 363هـ في القاهرة مع فضله وعلمه وزهده واستقامة طريقه، وتَصَدُّره للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحملوه من المغرب مقيداً إلى مصر، وشهدوا عليه عند السلطان، وَلمْ يَرجِعْ عن قوله، فأخذوه وسلخوه وهو حي فصار يقرأ القرآن وهو مَنْكُوس مَسْلُوخ، فكاد أن يفتن به الناس فرفع الأمر إلى السلطان فقال: أقتلوه ثم أسلخوه!، واخرجوا (علي بن أحمد بن سهل) الملقب أبا الحسن البو شنجي، وأنكروا عليه، وطردوه إلى نيسابور فلم يزل بها حتى مَات سنة 348هـ، واخرجوا (سعيد بن سلام) الملقب أبا عثمان المغربي من مكة مع مجاهداته وتمام علمه وحاله، وطاف به العلويّة على جمل في أسواق مكة بعد ضربه على رأسه ومنكبيه، فأقام ببغداد، ولم يزل بها حتى مات سنة 373هـ، وَشَهَدُوا على (تقي الدين السِّبْكي 683- 756هـ) من مصر بالكفر مراراً مع تمام علمه وكثرة مجاهداته وإتباعه السُّنَّة إلى حين وفاته، وأدخلوه المستشفى، وأفتوا في بلاد المغرب بتكفير (محمد الغزالي الطوسي النيسابوري الشافعي الصوفي 450-505هـ) المتوفى في مدينة مشهد، وأحرقوا كتابه "الإحياء"... واخرجوا (أبا الحسن الشاذلي) من بلاد المغرب، وفي صحبته أبي العباس المرسي وجماعته وشهدوا عليهم بالزندقة، ورموا الشيخ (أحمد بن علي الرفاعي الشافعي الأشعري512- 578هـ) بالزندقة وهو من أهل العراق يرجع نسبه إلى أل البيت الأطهار، كذلك اتهموه بالزور والكذب والبهتان وتحليل المحرمات، وعقدوا للشيخ العالم والقاضي (أبو محمد عز الدين بن عبد السلام الشافعي الدمشقي 577 -660هـ) مجلساً في كلمة قالها في العقائد، وحرَّضوا السلطان عليه، إلى أن تداركته ألطاف الله، وأنكروا على العالم الروحاني (محي الدين ابن عربي الأندلسي 1165-1240م) والشاعر المتصوف أبن الفارض (أبو حفص شرف الدين المصري 1181- 1234م) وجماعتهما إنكاراً عظيماً، وتطاولوا في الإنكار، وشهدوا عليهم بالكفر، وذبحوا الشاعر والمتصوف العباسي (الحسين بن منصور الحلاج 858 - 922م) وَالفيلسوف والعالم والكاتب (شهاب الدين السهروردي 1155- 1191م) المولود في زنجان / شمال غرب إيران والمقتول على يد صلاح الدين الأيوبي في حلب بعد الحكم عليهما بالتكفير والمروق عن الدين .

 ثـــم مـــاذا؟

إنْ لم يكن أهل الصوفية أهل إصلاح لنفوس معوجة، وأهل تغيير لواقع فاسد، وأهل جهاد في سبيل حياة كريمة من أجل الله، لمَا تَعَرَّض لهم جهلة الناس وحكامهم وتصدُّوا لهم بالوقيعة والتعذيب والتنكيل والطرد والتكفير، وبكل دسائس الشر ووسائل الاضطهاد التي تصطدم مع أبسط حقوق المرء في التعبير عن فكره.

 حركات الإصلاحات الحديثة:

لم تكن كتابات جمال الدين الأفغاني (1839- 1897م)، وعبد الرحمن الكواكبي (1855- 1902م)، في الربط بين الفكر والسياسة، وفي مجال الإصلاح السياسي على وجه الخصوص تخلو من التبتل العميق الذي يكشف جوهر التصوف في الروح والنيّة قبل أن تكشفه في السلوك والطريق. ولم تخلُ مجمل الآراء الإصلاحية التي قدّمها الشيخ محمد عبده (1849- 1905م)، أو قاسم أمين (1863- 1908م)، أو محمد إقبال (1873 - 1938م)، أو الشيخ مصطفي عبد الرازق (1885- 1947م)، أو أحمد أمين (1886 - 1954م)، أو المفكر المصلح الجزائري عبد الحميد بن باديس (1889 - 1940م)، أو الأستاذ عباس محمود العقاد (1889 - 1964)، أو طه حسين (1889 - 1973م)، أو غيرهم من كبار المفكرين والمصلحين الذين يعلمون عن الإصلاح ومداخله الكثير والكثير ويدرؤون الفساد بالتفكير الدائم في قيم الثقافة والتعليم والحضارة والتقدّم وممارسة الخُلق الرفيع من نقود عارمة عنيفة للتصوف السلبي ومع ذلك يبرز فيها بعد روحي أقوى ما يكون تصوفاً وخلوصاً من ناحية النزوع إلى الإصلاح والتربية والتعليم.

أبن الجوزي أنموذجاً:

من علىٰ ضفاف نهر دجلة في منطقة السنك/ وسط بغداد ، أزالوا قبر العالِم ابن الجوزي (أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري510-597هـ) فقيه حنبلي محدث ومؤرخ ومتكلم/ ولد وتوفي في بغداد، حظي بشهرة واسعة، ومكانة كبيرة في الخطابة والوعظ والتصنيف، كما برز في كثير من العلوم والفنون، يعود نسبه إلى محمد بن أبي بكر الصديق (رض)، ابن الجوزي عنده أكثر من 300 مصنف بالطب والتاريخ والفقه والحديث والتفسير واللغة والسيرة ومن أشهر كتبه تلبس إبليس وصفوة الصفوة وكتاب الحمقى والمغفلين وكتاب إخبار الظروف والمتماجنين

تم هدم قبر العالم العراقي ابن الجوزي حتى لا يأخذ قبره مساحة من ارض الساحة التي أصبحت كراج سيارات، وعلى الرغم من إن ابن الجوزي كتب في كل شيء تقريبا، إلا انه لم يتصور أنه سيأتي زمان كزماننا هذا ويتحول قبره إلى گراج سيارات وليس قبره فقط إنما تم رفع الشاهد الذي يتربع على القبر من اجل أن تركن مكانه سيارة.

التاريخ يعيد نفسه:

اليوم يعيد التاريخ نفسه من جديد في عصر العولمة والانترنت والفضائيات التي قُتل بسببها الكثير من فلاسفة العصر الحديث وإعلاميين شرفاء ورجالات دين بارزين قالوا للباطل كفى تمدداُ.

فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومعه الكتلة الشيوعية عام 1991، ضلت الرأسمالية طريقها، يوم أصبح كل شيء مبرراً لتحقيق الربح، واستنزاف الموارد الطبيعية، وتدمير البيئة، وفقدان الوظائف.

لقد أصبحنا مدينين للكاتب والاقتصادي والفيلسوف الألماني كارل ماركس (1818- 1883) باعتذار، ما تحدث عنه هو دور الدولة الذي لا يمكن الاستغناء عنه لتحقيق العدالة الاجتماعية، وحينما فشلت الشعوب في تطبيق تلك العدالة، جاءت عدالة وباء كورونا لتقول لنا إننا على خطأ.. عذراً ماركس، بينما تفرغت أنت للدفاع عن الضعفاء، الذين لم ينالوا فرصتهم للعيش بكرامة، قسونا نحن عليهم، واتهمك رجال دين لا دين لهم ولا مذهب، وكَتاب لا كتاب لهم، ومفكرين لا فكر لهم بالتقصير والكسل والكفر والإلحاد، والعكس صحيح لان كل ما قلته في حينه فعلاُ أنه أفيون الشعوب .

أما نحن سوف يشهد التاريخ لنا أننا عشنا أصعب فترة زمنية في حياتنا، اجتمع فيها علينا لصوص الله والمؤتفكة وأصحاب الأيكة وقوم تبع وثمود وأصحاب الرق وعبدت الشيطان وقتلة المتظاهرين السلميين وسارقو قوت الشعب، ومجادلة كتاب الله.

 

شاكر عبد موسى الساعدي/ كاتب وأعلامي