شاكر فريد حسناليوم الثامن من تموز يرحل عاشق البرتقال الحزين أبو فايز غسان كنفاني للمرة السابعة والاربعين، وسيظل رحيله المتكرر جرحًا لا سبيل إلى رأبه، كأنما الثامن المشؤوم من تموز هو الموعد الدوري مع اللوعة والأسى والذكرى الموجعة .

فقد كان استشهاد غسان كنفاني الضربة المؤلمة التي تلقتها المقاومة والثورة الفلسطينية والثقافة الانسانية والديمقراطية والتقدمية الفلسطينية على مختلف المستويات، فهو المناضل السياسي الدؤوب، والكاتب المقاتل اللامع، والصحفي القدير المبادر، وهو الشاب اليافع ابن السادسة والثلاثين ربيعًا .

غسان كنفاني قطب من اقطاب الأدب الفلسطيني المقاوم الملتزم بالقضايا الجماهيرية . ولد لأسرة فقيرة كادحة في مدينة الجزار والأسوار التي لا تخاف هدير البحر، عكا الجميلة، العام 1936 مع بداية الثورة الفلسطينية ضد قوى الصهيونية والاستعمار البريطاني . وتعلم في كلية الفرير بيافا، وفي العام 1948 نزح الى لبنان ثم التحق بأفراد اسرته في دمشق، وعاش حياة قاسية ولكنه أقبل على الدراسة ليلًا . وبعد ان نال الشهادة الثانوية غادر دمشق الى الكويت سنة 1955 وعمل في التدريس وواظب اثناءها على الدراسة الجامعية، فانتسب الى كلية الآداب بجامعة دمشق وأعد دراسة لنيل الشهادة الجامعية بعنوان "العرق والدين في الادب الصهيوني" ثم عاد الى بيروت وعمل في صحيفة "الحرية" الاسبوعية، وبعد ذلك اوكلت اليه مهمة رئاسة تحرير صحيفة "المحرر" اليومية التي كانت تعكس وجهة نظر الناصرية والقوى التقدمية والثورية في العالم العربي، وفي خريف العام 1967 انتقل للعمل في صحيفة "الأنوار" الأسبوعية وفي الوقت نفسه بدا يلعب دورًا قياديًا في النشاط الاعلامي الفلسطيني . وفي العام 1969 ترك غسان العمل في الصحيفة وانتقل للعمل في مجلة " الهدف " الأسبوعية السياسية .

وفي الثامن من تموز عام 1972 اغتيل بوضع خمسة كيلوغرامات من المواد المتفجرة في سيارته فأودت بحياته مع ابنة اخته لميس .

وقد أثار استشهاده سخط واستنكار وحزن الاوساط الادبية والفكرية والشعبية والسياسية العربية الفلسطينية، وأبنه العديد من الكتاب والشعراء والصحفيين الفلسطينيين والعرب، واشاد جميعهم بمآثره على الصعيدين الجماهيري الكفاحي والثقافي والأدبي الفني .

يقول الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش : " جميل انت في الموت يا غسان .. بلغ جمالك الذروة حين يئس الموت منك وانتحر، لقد انتحر الموت فيك .. انفجر الموت فيك لأنك تحمله منذ اكثر من عشرين سنة ولا تسمح له بالولادة . اكتمل الآن بك واكتملت به ونحن حملناكم انت والبطن والموت، حملناكم انت والبطن والموت، حملناكم في كيس ووضعناكم في جنازة رديئة الاناشيد . ايها الفلسطينيون .. احذروا الموت الطبيعي . هذه هي اللغة الوحيدة التي تمرنا عليها بين أشلاء غسان كنفاني، ويا ايها الكتاب .. ارفعوا اقلامكم عن دمه المتعدد . هذه هي الصيحة الوحيدة التي يقولها صمته الفاصل بين وداع المنفى ولقاء الوطن . ولا يكون الفلسطيني فلسطينيًا الا في حضرة الموت . قولوا للرجال المقيمين في الشمس أن يترجلوا ويعودوا من رحلتهم لأن غسان كنفاني يبعثر اشلاءه ويتكامل . لقد حقق التطابق النهائي بينه وبين الوطن " .

كان غسان كنفاني كاتبًا ثوريًا وسياسيًا بارزًا مسلحًا بالفكر العلمي الاشتراكي . وكان يمقت الشعارات الجوفاء الخالية من المضامين النضالية الحقيقية، مهاجمًا الانتهازية والانتهازيين، متصديًا للوصوليين والنفعيين، ولذلك احبته الجماهير الشعبية الفلسطينية، وحظي بتقدير رفاقه وشعبه بقطاعاته واتجاهاته كافة .

اغنى غسان المكتبة الفلسطينية بالعديد من القصص والروايات والدراسات الأدبية والنقدية والتاريخية وهي : " في الأدب الصهيوني، الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال، أدب المقاومة في فلسطين المحتلة، أرض البرتقال الحزين، أم سعد، الباب، رجال في الشمس، سقوط الجليل، عائد الى حيفا، عالم ليس لنا، عن الرجال والبنادق، ما تبقى لكم، موت سرير رقم 12، الأعمى والأطرش، اطفال غسان كنفاني، العاشق، القبعة والنبي، جسد الى الأبد، المدفع، وثورة 1936 – 1939 في فلسطين " .

وما يميز كتابات غسان كنفاني انحيازه الى جانب الفقراء والكادحين المسحوقين من أبناء المخيمات الفلسطينية، والريف الفلسطيني، والتحامه العضوي بالقضية التي عاشها حتى الشهادة . وعن ذلك يقول غسان عن نفسه: "في البداية كنت اكتب عن فلسطين كقضية قائمة بحد ذاتها، عن الاطفال الفلسطينيين، عن الانسان الفلسطيني، عن آمال الفلسطينيين بحد ذاتها، كأشياء منفصلة عن عالمنا هذا مستقلة وقائمة بذاتها كوقائع فلسطينية محضة. ثم تبين لي أني اصبحت ارى في فلسطين رمزًا انسانيًا متكاملًا . فأنا عندما اكتب عن عائلة فلسطينية فإنما اكتب في الواقع عن تجربة انسانية ولا توجد حادثة في العالم غير متمثلة في المأساة الفلسطينية وعندما اصور بؤس الفلسطينيين فأنا في الحقيقة، استعرض الفلسطيني كرمز لبؤس العالم اجمع ".

 روايات وقصص غسان كنفاني بمجملها تؤرخ القضية الفلسطينية بكل ابعادها السياسية والاجتماعية،  والاحوال المأساوية التي يعيشها الفلسطيني في الشتات والمنافي القسرية الى حالة التمرد على الصمت والركود التي تلف القضية ثم الى الثورة على الاوضاع التي اوصلت الفلسطينيين الى هذا الدرك وقطع الصلة بالماضي المر والتطلع الى المستقبل الجميل الوضاء الذي يستعيد فيه الانسان الفلسطيني انسانيته وكرامته وهويته .

كتبت ليانة بدر تقول : " لقد صاغ غسان كنفاني انتفاضات الحلم الفلسطيني مؤشرًا حقيقيًا على انتهاء ايام القهر والهزيمة . ومن " ام سعد " الى " عائد الى حيفا " الى " الرجل والبنادق " تراجعت مساحات القهر الشاسعة التي حاولوا كتابتها على جبين الشعب الفلسطيني . وفي جميع كتاباته عانق غسان واقع التشرد والاقتلاع الذي حاولوا ان يرسموه اغلالًا وفجيعة في تاريخنا العربي الحديث  كي يخرج منه الى جدل الواقع والتاريخ والى ضرورة الثورة المقبلة تعطي نقيض الذل والقهر والحرمان . وفي كتابات غسان كنفاني حضرت فلسطين كما يجب ان تحضر . فمن واقع شعبه اليومي والحياتي اعطيت للكتابة الحقيقية على يديه مكانها وجدارتها الاصلية واصبح ابطاله رجالًا يتلاقون مع الهزيمة كي يقهروها ولا تقهرهم، كي يواجهوها دون ان تبتلعهم " .

وفي رواية " رجال في الشمس " يحاول غسان كنفاني رسم رحلة الفلسطيني المرة من صقيع المنفى الى لظى الصحراء الممتدة بين البصرة والكويت، ينقلهم في الرحلة فلسطيني فقد رجولته في حرب فلسطين مهربين في سيارة صهريج ماء فارغ نحو بديلهم المكاني عن الأرض طمعًا في تحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي والنفسي . لكن البديل في النهاية لم يكن الا الموت، والموت اختناقًا في الصهريج وبسواعد اعجز من ان تدق جدران خزان الماء الذي يحتويهم هاربين لتجد جثتهم نهايتها وقبرها في ركام مزبلة صحراوية لا تسمع النداء الذي اصبحت تردده الصحراء .. لماذا لم تدقوا جدران الخزا ن ؟؟

اما في "ام سعد" فيمجد غسان الانسان المسحوق الكادح الذي حمل راية المواجهة والمقاومة ويستشهد دفاعًا عن الوطن والشمس والفرح . وام سعد امرأة حقيقية عرفها غسان وهو إذ يتعلم منها ويكتب عنها ولها . وهي تمثل المرأة الفلسطينية التي تمتلك وعيًا سياسيًا ثوريًا وتشارك في المعركة النضالية التحررية من اجل اقامة الوطن الحر .

وفي " عائد حيفا " يحدثنا غسان عن زيارة يقوم بها فلسطيني مع زوجته الى بيتهم في حيفا الذي تركوه قبل عشرين عامًا، بعد ان اتاح لهم الاحتلال العام 1967 فرصة زيارته، باحثين عن طفلهم الذي خلفوه وتركوه وراءهم في ذلك البيت عند سقوط المدينة في العام 1947 فيتفاجآ حين يجدان ان الطفل قد اصبح ضابطًا في الجيش الاسرائيلي ومدافعًا عن الصهيونية والاحتلال، لكنهم يجدون العزاء في ابنهم الذي يطمح للالتحاق بحركة المقاومة الشعبية الفلسطينية .

وفي قصة "العرس" التي هي البندقية فيصور لنا حب أحد المقاتلين الفلسطينيين لبندقيته التي تمكن من الحصول عليها بعد مهاجمة موضع صهيوني، وينتزعها بأسنانه من يد أحد الجنود القتلى، غير ان بعض الأشخاص يتمكن بحيلة من سرقة بندقيته، ويظل يبحث عنها الى أن يجن بها .

وفي مجموعته "عن الرجال والبنادق" الصادرة في بيروت عام 1968 نجد عودة غسان لممارسة فن القصة القصيرة، والدافع لهذه العودة هو انتكاسة الخامس من حزيران 1967، والرغبة في ملاحقة ومواكبة الأحداث، ملاحقة سريعة كملاحقة الصحفي للخبر اليومي، والرواية تكاد تكون قاصرة عن المواكبة في مثل هذا الحال المتأزم، إذ ان الرواية نتاج التأني، وهو بحاجة الى حرف يحاكي دفقة الرشاش وحدة نصل السكين .

وتجيء " برقوق نيسان " صيغة متقدمة في التقنية القصصية الحديثة لغسان كنفاني، وهي من ناحية أسلوبها تعتمد طريقة جديدة في كتابة الرواية، حيث تعتمد على سياق متواصل من الهوامش، التي تساعد على فهم الخلفيات التي تنتج عنها أحداث القصة الأساسية وتصرفات شخوصها وعلى هذا الاساس تأتي واحدة من محاولات غسان لاقتحام عوالم جديدة في الرواية العربية المعاصرة .

غسان كنفاني لم يمت، فهو خالد في الذاكرة الفلسطينية الخصبة بأثاره وأعماله الأدبية الرائعة، وإذا اعتقد أعداء الكلمة انهم نجحوا في اغتيال صوته الثوري الفلسطينية واخماد كلمته الملتزمة الصادقة فهم مخطئون وواهمون، فهو عائد إلى عكا، وسيبقى يقرع جدران الخزان ..!

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

محمود محمد عليتعلمت من خلال كتابتي في السير الذاتية، أن حياة المفكر مليئة بتفاصيل صغيرة وكبيرة، وعندما  أكتبها أجد نفسي مستعبدا أمور كثيرة في حياته، فهي ليست مهمة بالنسبة لي أو لا تهم الناس كما أعتقد، وبالتالي فإن مثلي هنا كمثل النحات الذي ينحت قطعة من حجر، ينحتها كمن يكشف عن سر في منحوتته لاستخراج ما هو مهم بالنسبة لي، ثم أزيل الأجزاء غير المهمة كما أتخيل . وعندما أتحدث عن الدكتور جلال أحمد أمين أروي ما يخصي من أمر هذا الرجل، فأنا لم أعرفه ولم أحتك به إلا عندما طلب مني أستاذي الدكتور نصار عبد الله بأن أرشحه لجائزة النيل (بوصفي كوني رئيسا لقسم الفلسفة بجامعة أسيوط)، وهنا بدأت أتواصل معه وأقرأ كتبه وفكره وأشهد الله أن جلال أمين قد لعب دوراً مؤثراً في تشكيل عقليتي السياسية، فلقد أخرجني هذا الرجل من إسار الاكاديمية القحة في الفلسفة (وبالأخص المنطق وفلسفة العلوم) إلي أن أكتب وأصوغ أروع كتاباتي في حروب الجيل الثالث والرابع والخامس والفكر السياسي الإسلامي ..الخ.

والدكتور جلال أمين حالة فريدة في فكرنا العربي، ويعد من أكفأ المفكرين بين أبناء جيله، ويتميز بمقدرة فريدة في الوصول المباشر إلى قلب القارئ، فهو الإنسان الذي لا يماثل أحد غيره، ولا يماثله غيره، وفقرة من أعماله تبين لك سمة الصدق التي لا تغيب عنه مفكراً وإنساناً، هو موسوعي المعرفة، ويمتلك القدرة على التواصل مع الآخرين، ومشتبك دائماً مع الحياة اليومية، ولم يهرب في أي مرحله من مراحل حياته من أداء مهمته كناقد ومثقف موسوعي.

وقد وصفه عبد الله السناوي (في مقاله بعنوان جلال أمين: ظاهرة فريدة لن تتكرر) بأنه ظاهرة فريدة في الحياة الثقافية والفكرية المصرية، مثقف موسوعي، مُدقق في فلسفة الحياة، يصعب تصنيفه سياسًا، لكن يمكن تصنيفه بأنه عروبي، ويميل إلى تيار اليسار، فبالرغم من أنه درس الاقتصاد، وأحد المفكرين القليلين في آخر 40 سنة على الأقل، إلا أنه كان يهوى علم الاجتماع والظواهر الاجتماعية التي تحدث في مصر، فأحد مؤلفاته كتاب "ماذا حدث للمصريين؟". وأكد أنه دائما كان يناقش الظواهر الاجتماعية التي تعبر عن حركة المجتمع، فكتاباته كانت تميل إلى النظريات الاجتماعية والتي أكسبته شعبية كبيرة في أوساط القراء. وأوضح السناوي، أن "جلال أمين" كان دائما يناهض الكيان الصهيوني، خاصة اتفاقية كامب ديفيد، كما رفض الهيمنة الاقتصادية والفكرية للولايات المتحدة الأمريكية فهو شخصية فريدة لن تتكرر، من حيث درجة الاهتمام والتفكير ونوعية الكتابات والاهتمام بالظواهر الاجتماعية.

كما وصفه الدكتور نصار عبد الله (في مقاله بعنوان الدكتور جلال أمين: صورة من الذاكرة) فيقول: الكثيرون من أبناء جيلي من خريجي قسم الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية مدينون للدكتور جلال أمين بالكثير، فلقد أسعدنا الحظ فى عام 1966 بأن يُدرس لنا لأول مرة فى تاريخ الكلية مادة: "تاريخ الفكر الاقتصادي"،... ومنذ المحاضرة الأولى شعرنا جميعا بأننا إزاء نموذج نادر يصعب أن يتكرر، ليس للأستاذ الجامعي فحسب، وإنما أيضا للمثقف واسع الثقافة، وكذلك للمفكر الحر النزيه الذى لا يقيم وزنا ولا يحسب حسابا إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا أنه كان يقدم مادته العلمية في أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق تجعلها أشبه ما تكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من دقتها الأكاديمية!!.. وكثيرا ما كان يوجه إلينا أسئلة توقظ الذهن وتشحذ التفكير ولا تقل جاذبية عن الإجابات التي كان يقدمها لنا إذا ما عجزنا عن الإجابة".

ولد جلال أمين 1935 من القرن الماضي، ووالده هو الكاتب الشهير أحمد أمين (صاحب المؤلفات ضحي الإسلام وفجر الإسلام. الخ)، وقد دخل جلال أمين المدرسة في عمر صغير يبدأه في روضة الأطفال ومكث فيها ثلاث سنوات من سن 5 إلي 8 سنوات ثم دخل مدرسة مصر الجديدة الابتدائية الحكومية بشارع العروبة، ثم المدرسة النموذجية، ثم دخل المدرسة الثانوية وحصل علي المركز الأول في المملكة المصرية وكان ذلك 1951 وكنت حاصل علي 83%  وفي الجامعة دخل كلية الحقوق بعد أن تحصل علي الدرجة الأولي عام 1955، وانتهي به الأمر في دراسة الاقتصاد بعد أن سنحت له الفرصة السفر إلي لندن لدراسة للاقتصاد، حصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة لندن. ثم شغل منصب أستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق بجامعة عين شمس من 1965 إلى 1974 وعمل مستشاراً اقتصاديا للصندوق الكويتي للتنمية من 1974 إلى 1978، كما عمل أستاذاً زائراً للاقتصاد في جامعة كاليفورنيا من 1978 إلى 1979 وأستاذاً للاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة من 1979 وحتى وفاته في الخامسة والعشرين من شهر سبتمبر 2018 بعد صراع مع المرض.

وللدكتور جلال أمين كتابات كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال : كتاب وصف مصر في نهاية القرن العشرين، وكتاب عولمة القهر، وكتاب عصر الجماهير الغفيرة، وكتاب عصر التشهير بالعرب والمسلمين، وكتاب العولمة، وكتاب العرب ونكبة الكويت، وكتاب مكتوب على الجبين: حكايات على هامش السيرة الذاتية، وكتاب مصر والمصريون في عهد مبارك 1981 إلى 2008، وكتاب ماذا حدث للمصريين؟، وكتاب خرافة التقدم والتأخر، وكتاب العالم في 2050، وكتاب شخصيات مصرية فذة، وكتاب فلسفة علم الاقتصاد، وكتاب الدولة الرخوة، وكتاب قصة الاقتصاد المصري، وكتاب ماذا حدث للثقافة في مصر، وكتاب المثقفون العرب وإسرائيل، وكتاب محنة الدنيا والدين في مصر، وكتاب ماذا علمتني الحياة، وكتاب عصر الجماهير الغفيرة، علاوة علي الكثير من المقالات التي نشرت في كثير من الصحف والجرائد... وهلم جرا.

آراء وأفكار الدكتور جلال أمين تحظى باحترام الكل في مصر والعالم العربي نظرًا إلى أنه مفكر مستقل بمعنى الكلمة، ولما يتميز به فكره من إبداع وجرأة وبعد نظر. مؤخرا، فاز الدكتور جلال أمين بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في مجال الدراسات الاقتصادية.

والحديث عن جلال أمين متشعب وطويل، ولكن استوقفتني كلامه حول الديمقراطية، فهو يري أن الديمقراطية تمثل أكذوبة، حيث كان يعتقد أنه عبر تاريخ الإنسانية فإن صاحب السلطة يسيطر علي الأقل قدرة، وعبر العصور دائما الذي لديه القدرة والسلطة علي قهر الآخرين يقهرهم، وحتي ديمقراطية اليونان والتي يضرب بها المثل كانت تستخدم لقهر العبيد والعبيد ليسوا مشتركين في لعبة الديمقراطية، وفي العصور الوسطي كان السيد الاقطاعي يسيطر علي الباقين، وفي ظل الرأسمالية أصبح صاحب المال هو الذي يسيطر .

وهنا يتساءل جلال أمين ماذا حدث؟ يعتقد جلال أمين أن التطور التكنولوجي للتكنولوجيا أعطي سلطة وقدرة علي القهر لمؤسسات جديدة، منها الشركات متعددة الجنسية أو الشركات العملاقة أو الشركات التجارية أو كل من له مصلحة في غسيل المخ فأصبح القهر ألآن يأخذ صورة ليس من خلال البوليس وإنما من خلال وسائل أخري، فالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات أكذوبة يستخدمها العالم وتروجها تلك الدول العظمى ومؤسساتها لتحقيق أهداف أخرى غير التي تعلنها، وقد يتعجب البعض من هذا الرأي، لكنه حقيقي وأؤمن به 100%، لا توجد ديمقراطية ولا حريات في العالم كله، بل العكس تماما، فالعالم أصبح يسير بكل قوة في عكس اتجاه الديمقراطية».

ولتوضيح يقول جلال أمين :"كم تغيرت الدنيا منذ كنا فى صبانا ومطلع شبابنا نتعلم ألف باء السياسة. كان هذا فى منتصف القرن الماضي، عندما اعتنقنا أفكارا عن الحرية والديمقراطية تبدو الآن ساذجة للغاية. لم يكن السبب مجرد صغر السن وقلة الدراية والتجربة، بل كان من الأسباب أن العالم كان مختلفا جدا عنه الآن، فلم تعد الأفكار المقبولة (بل والصحيحة) حينئذ، مقبولة أو صحيحة اليوم . كنا نعتقد (وهكذا قال لنا الكتّاب والمحلّلون السياسيون) أن العقبات الأساسية أمام تحقيق الديمقراطية تتلخص فى حاكم مستبد، يفرض رأيه بالقوة، ويمنع أي معارضة، ويودع معارضيه السجون، إلى جانب شيوع درجة عالية من الفقر، تجعل الناس يقبلون الاستبداد في سبيل الحصول على لقمة العيش، ودرجة عالية من الجهل، تجعل الناس فريسة سهلة لأكاذيب الحكام، بل وتفقدهم القدرة على التمييز بين ما يحقق مصلحتهم وما لا يحققها. كان نظام الحكم في ظل الخلافة العثمانية حتى نهاية القرن التاسع عشر، أو فى ظل محمد على في مصر، في النصف الأول من ذلك القرن، مثالين واضحين للمعوقات الأساسية للديمقراطية: حاكم مستبد وفقر وجهل شائعان.

ثم يؤكد جلال أمين أنه مع حلول القرن العشرين أضيفت إلى عقبات الديمقراطية استخدام وسائل الإعلام فى خداع الناس وتضليل الناخبين. وكانت الأمثلة الصارخة على ذلك حتى منتصف القرن، استخدام جهاز جبار للدعاية من جانب ستالين فى روسيا السوفييتية، ومن جانب هتلر فى ألمانيا النازية، وموسولينى فى إيطاليا الفاشية. هكذا أصبح «غسيل المخ» أحد المعوقات الأساسية للديمقراطية، بالإضافة إلى ميل الحاكم للاستبداد، وإلى الفقر والجهل.

وهكذا كان الحال كما يري جلال أمين عندما بدأ وعينا يتفتح على ما يحدث فى العالم. نعم، كنا فى مصر ندرك أن هناك عاملا آخر مهما لابد أن يضاف إلى هذه العوامل، وهو الاحتلال الأجنبى، إذ كيف يمكن أن نتصور أن يسمح المحتل الأجنبي لشعب مستعمر بأن يحظى بحكومة ديمقراطية تعبر عن آمال الناس التى لابد أن تتعارض جذريا مع أهداف الاحتلال؟ ولكن من الواضح أن هذا لم يفت فى عضدنا، بل بدأنا نمارس مختلف طقوس الحكم الديمقراطي بمنتهى الجدية، منذ وضعنا دستور 1923، وحتى ثورة 1952، رغم خضوعنا طوال هذا الوقت للاحتلال البريطاني، فضلا عن شيوع الفقر والجهل بين ثلاثة أرباع السكان.

إلا أن الدكتور جلال أمين يري أنه منذ ذلك الوقت تغيرت الدنيا، فلم تعد لا شخصية الحاكم المستبد، ولا الفقر أو الجهل، ولا حتى الاحتلال الأجنبى معوقات شائعة فى طريق الديمقراطية. ومع هذا، فإن الديمقراطية تبدو وكأنها كالسراب، تبتعد عنا كلما ظننا أننا نقترب منه، ليس فى بلادنا فقط بل وأيضا فى تلك البلاد التى ابتدعت الديمقراطية، ونطمع فى تقليدها. إن القول الذى يتردد بين حين وآخر بأننا نعيش فى عصر ازدهار الديمقراطية، هو أقرب إلى الأكذوبة، بل هو أكذوبة كبيرة يصدقها للأسف عدد كبير من الناس فى بلادنا وبلادهم على السواء.

ويعطينا جلال أمين مثالا علي ذلك، فيقول : فلنأخذ أولا تلك البلاد «العريقة ديمقراطيا». نعم، لقد اختفت أو كادت تختفى تماما أمثلة الحاكم المستبد الذى تنحنى له الجباه، وينصاع الناس لأوامره، بل وكادت تختفى أيضا أمثلة الرؤساء الذين يجمع الناس على احترامهم وحبهم بما لهم من كاريزما وجاذبية شخصية. ففى نصف القرن الماضى لم تعرف بريطانيا مثلا سياسيا له مواهب وجاذبية ونستون تشرشل، ولا فرنسا رئيسا مثل شارل ديجول، ولا عرفت الولايات المتحدة رئيسا مثل جون كينيدى (بل ويلاحظ أن اختفاء أمثال هؤلاء الرؤساء والقادة ليس مصادفة بل له علاقة وثيقة بتطورات أخرى سوف أذكرها بعد قليل). لقد عرفت هذه البلاد وغيرها رؤساء لديهم من صفات الممثلين أكثر من صفات الزعامة الحقيقية، من أمثال تونى بلير فى إنجلترا، وجورج بوش فى أمريكا، وبيرلسكونى فى إيطاليا.

ثم يعلق جلال أمين علي ذلك فيقول يبدو إذن وكأن وجود حاكم قوى ومستبد كعقبة فى وجه الديمقراطية ظاهرة آخذة فى الزوال. ولكن العقبتين الأخريين (الفقر والجهل) قد تراجعتا بشدة هما أيضا، خلال المائة عام الماضية، وعلى الأخص خلال نصف القرن الماضي، ومع ما حدث من ارتفاع فى مستوى المعيشة وانتشار التعليم. فما الذى حدث إذن خلال الخمسين عاما الماضية، ليجعل المجالس النيابية فى هذه البلاد أقل أهمية بكثير مما كانت، وأعضاءها يفقدون الكثير مما كانوا يحظون به من احترام، ويجعل نسبة المشتركين فى التصويت فى الانتخابات تنخفض انخفاضا شديدا، ويزيد من جرأة الحكومات على اتخاذ قرارات لا تحظى بتأييد شعبى والاشتراك فى حروب لا تحظى برضا الرأى العام، بل ويعارضها ويتظاهر ضدها معظم الناس؟

ويعطينا جلال أمين أمثلة علي ذلك فيقول : فى البلاد الأقل عراقة فى الديمقراطية حدثت أشياء مماثلة. ففى روسيا لم يعد من السهل تصور ظهور حاكم له ما كان لجوزيف ستالين من استبداد وانفراد بالرأى، ولا أن يظهر فى الصين حاكم له صفات مثل ما كان لماوتسى تونج، لقد بعث سقوط الشيوعية فى روسيا، وما أصابها من ضعف فى الصين، آمالا كبارا فى أن يحل بالدولتين عصر جديد من الحرية السياسية، ولكن الحقيقة أن الذى ينخر بشدة فى عظام الديمقراطية فى الدول العريقة فى الديمقراطية فى الغرب، قد بدأ ينخر أيضا فى عظام النظام السياسى فى الشرق، حتى بعد سقوط النظام الشيوعى الصارم.

ثم يحاول جلال أمين أن يسقط ذلك علي الشرق الأوسط فيقول : أما بلادنا نحن، فقد كان من المحتم أن  تتأثر بما يحدث خارج حدودنا، مع بعض الاختلافات الناتجة عن طول عهدنا بالاستعمار والتبعية. لقد عرفنا حتى وقت قريب ظاهرة الحاكم المستبد، حتى بعد أن كادت الظاهرة أن تختفى فى الغرب. ولكننا منذ السبعينيات، عرفنا أيضا حكاما لهم صفات أقرب إلى صفات الممثلين منها إلى صفات الزعماء والقادة. ومع ذلك فقد استمرت محنة الديمقراطية عندنا، لعدة أسباب منها طبعا استمرار ظاهرتى الفقر والجهل، ومنها استمرار تبعيتنا لقوى خارجية، ولكن هناك سببا ثالثا هو الذى أريد أن أركز عليه وهو نفس السبب المسئول عن محنة الديمقراطية فى العالم ككل.

ويستطرد جلال أمين فيقول : خلال الأربعين عاما الماضية نمت ظاهرتان مهمتان، بينهما صلة وثيقة، وكان لهما تأثير بالغ على الحياة الاجتماعية والسياسية فى البلاد المتقدمة صناعيا، فى البداية، ثم انتشر تأثيرها فى منطقة بعد أخرى من العالم حتى شمل العالم كله، وكان من بين أثارهما إلحاق ضرر بالغ بالديمقراطية. ومنذ أوائل السبعينيات من القرن العشرين، التفتت الأنظار بشدة إلى ظاهرة أطلق عليها اسم «الشركات متعددة الجنسيات»، وهى الشركات العملاقة التى يمتد نشاطها فى الإنتاج والتسويق، إلى مختلف أطراف الأرض، ومن ثم يصعب نسبتها إلى دولة معينة أكثر من نسبتها إلى أخرى، والتفتت الأنظار إلى نموها السريع وضخامة حجم نشاطها حتى فاق حجم بعضها حجم إنتاج دول بأكملها.

ويوضح جلال أمين : لم تكن ظاهرة الشركات العملاقة جديدة على العالم. فشركة بريطانية كشركة الهند الشرقية يعود نشاطها فى خارج حدود بريطانيا إلى أكثر من ثلاثة قرون. ولكن الأمثلة كانت محدودة فزادت وتضاعفت. وكانت الشركة تخضع للدولة الأم التى  نشأت فيها وتلتزم بسياستها، فأصبحت تتحدى حكومة دولة المنشأ وتتجاهل المصلحة القومية. بدأ الكلام إذن يكثر عن تضاؤل سلطان الدولة فى مواجهة سلطان الشركات العملاقة، وعن خضوع السياسة، أكثر من أى وقت مضى، لإدارة هذه الشركات بدلا من العكس. وأصبح الدبلوماسيون المنتشرون فى الدول المختلفة، يعتبرون من أهم مهامهم، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، تحقيق مصالح هذه الشركات. وأصبح من الممكن أن نقول الشىء نفسه عن الهيئات الدولية. الدولة تضعف والشركات تقوى، والولاء للأمة يضعف فى مواجهة تيار العولمة. فما الذى يمكن أن نتوقع أن يحدث للديمقراطية السياسية؟ البرلمانات تُنتخب، والأحزاب تتنافس، ولكن الحقيقة أن محادثات خفية تجرى بين السياسيين وممثلى الشركات (سواء كان ممثلو هذه الشركات سياسيين أيضا أو لم يكونوا)، فلا تُلقى هذه المحادثات بالا للمناقشات البرلمانية، وتنتهى بقرارات لم يحددها أى حزب ابتداء، بل أصبحت هى التى تحدد اتجاهات الأحزاب (بما فى ذلك قرارات بشن حرب لصالح هذه الشركات). شعر الناس بذلك وإن لم يعترف صراحة به فأخذت نسبة الاشتراك فى التصويت فى الانتخابات تتضاءل، وفقدت المناقشات البرلمانية والخلافات السياسية بين الأحزاب الكثير من أهميتها، بل لقد تضاءلت الاختلافات بين الأحزاب المتنافسة (لنفس الأسباب)، وتحولت هذه الاختلافات، أكثر فأكثر، إلى اختلافات تافهة، كاختلاف درجة جاذبية رؤساء الأحزاب، أو الاختلاف حول قضايا بعيدة الصلة بالسياسة، كالموقف مثلا من إباحة أو حظر الإجهاض، أو إباحة أو حظر الزواج المثلى...الخ.

ثم يوضح لنا جلال أمين حقيقة مهمة بالنسبة لكذب الديمقراطية فيقول : استمر بالطبع الزعم بأن الشعب هو السيد، وأن القرارات الأساسية تُتخذ بجميع الأصوات، وان الفرد هو الذى يختار حكامه، ويفرض إرادته بكل حرية فى ميدان السياسة، كما أنه يختار بمطلق الحرية بين السلع المعروضة عليه فيختار أفضلها. ولكن الحقيقة أن هذه الحرية السياسية أكذوبة كبيرة، كما أن حرية المستهلك فى اختيار أكثر السلع تحقيقا لمصلحته، فى ظل وسائل الدعاية والإعلام المختلفة، هى أكذوبة كبيرة أخرى.

لقد انتقلت هذه التطورات إلى بلادنا بدرجات مختلفة كما يقول جلال أمين، منذ بدأ تطبيق السياسة المعروفة باسم الانفتاح الاقتصادي (والتي لم تنتهجها دول العالم الثالث بمطلق حريتها بل فُرضت عليها فرضا)، وأصبح اتخاذ القرارات الأساسية فى بلادنا يخضع، أكثر فأكثر، لمصالح وإرادة الشركات العملاقة، تماما مثلما حدث فى الدول «العريقة ديمقراطيا»، مع اختلاف فى درجة الخضوع بين دولة وأخرى، ولكن المسيرة هى فى كل مكان فى نفس الاتجاه.

هكذا أصبح العائق الأساسي أمام الديمقراطية السياسية فى بلادنا كما يقول جلال أمين، مثلما هو فى بلادهم، ليس الحاكم القاهر المستبد، (رغم ظهوره بين حين وآخر)، وليس هو الفقر أو الجهل (رغم استمرارهما فى كثير من البلاد)، وإنما أصبح العائق الأساسي هو سطوة الشركات العملاقة التى يساعدها فى ترسيخ هذه السطوة، نمو ظاهرة المجتمع الاستهلاكي. نحن لا نعيش للأسف فى عصر ازدهار الديمقراطية. كل ما حدث هو حلول مستبد جديد محل مستبد قديم.

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول رحم الله جلال امين الذى تعلمت منه كثيرا وما زلت أتعلم حتى بعد رحيله ... رحم الله جلال أمين الذى ما زالت ذكرياتنا معه، وما زالت أعماله وإنجازاته.. وسوف تظل باقية. رحم الله جلال أمين وغفر له، ذلك أنه لا يبقى من المبدع رغم كل شىء إلا الإبداع الجميل، ولقد كان إبداعه جلال أمين جميلاً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

مامون احمد مصطفىفي قرية "سلمة" بالقرب من يافا، ارض البحر الممتد من خاصرة الوقت والزمن، لخاصرة النصر والشهادة، في تلك القرية العابقة بروائح الحنون والزعتر، انبثقت نجمة أضاءت الكون وأرهقت الشمس، نجمة غطت أفاق الأرض والبحر، وانتشرت في عروق البرتقال والزيتون، نجمة كانت على موعد مع النور والضياء، في تلك القرية الوادعة الرائعة، ولدت رجاء أبو عماشة، لتكون أول شهيدة فلسطينية، وأول الروائح المضمخة للتاريخ النضالي والجهادي.

يحكي الناس عن ميلادها، وميلاد الأبطال يوسم دائما بروائع القصص والأخبار، فهو ميلاد غير عادي، يمر بمخاض غير عادي، ليشق الجنين حجب الظلمات بطريقة غير معهودة، يحكى انه في ذات الليلة التي كان المخاض يصارع لحظاته الأخيرة من اجل ميلاد رجاء، تدلت من السماء إشعاعات شديدة الوهج، قوية النور، بهية الألوان، رائعة الانتشار، ومن بين تلك الإشعاعات كانت تمر مخلوقات كونية بيضاء، تشد خيوط الضياء نحو الأرض، وتمعن في تثبيت النور نحو يافا، لتكدسه في قرية صغيرة مغمورة تدعى "سلمة"، وحين استطاعت تلك المخلوقات الكونية أن تحزم نور الأرض حزمة واحدة نحو بيت تصارع فيه الأم آلام المخاض، جاءت رجاء ملفعة بنور السماء الوهاج.

وتكبر رجاء، لتجد نفسها وأهلها تحت وطأة استعمار لا يرحم، فتبدأ بتحسس الأرض والزهر، تبدأ بمحادثة البراعم والعصافير، فتعرف كيف يكون العذاب، وتعرف معنى وجع الغصن الساكن في أعماق الطيور المرتحلة من غصن في سلمة إلى غصن في حيفا، تنفتح مساماتها أمام دموع الأمهات والآباء، وينفطر قلبها حين ترى حمائم الوطن مرهونة في أفق محدود بالسواد.

وهجرت كما هجر أهل قريتها، تركت مكان الميلاد مفتوحا إلى أمد غير محدود، وذاقت كغيرها مرارة الترحال من موطئ القدم ومسقط الرأس، إلى مخيمات اللجوء والعذاب، فأضحت كما أضحى الكثير رقما من أرقام أمم متحدة من اجل تدميرنا وتهجيرنا وصلبنا على لوائح قوانينها العقيمة، وأقامت مع أهلها على حدود الأرض، أقامت في أريحا، حيث لا زهر ولا برتقال ولا حنون.

ولكنها أحبت أريحا، بنفس القدر الذي أحبت فيه قريتها، فهذه رقعة من الوطن كما تلك رقعة من الوطن، وهذه مرفأ القلب والفؤاد كما كانت سلمة مرفأ الطفولة والميلاد.

هناك، في أريحا، أدركت رجاء فداحة الرزء، وأيقنت أنها تحمل بين جنباتها عذابات المشردين والمهجرين، فارتفعت قامتها، وعرضت جبهتها، وتحركت حزمة النور المخزونة بداخلها منذ يوم الميلاد، فانطلقت كشعاع من نور تكافح وتنافح، وحلم العودة إلى سلمة، إلى موطن النور والألق يراود نفسها الصاخبة الضاجة بالنشاط والحيوية، فالتحقت بالعمل النضالي، وعرفت بين رفاقها مناضلة تزخر بالجرأة والإقدام، تفيض بالصلابة والمتانة، فكانت من مؤسسي اتحاد طلبة فلسطين في عام 1955.

وتنقلت من موقع نضالي إلى موقع جهادي، دون كلل أو ملل، فكانت كالوقود للحركة الطلابية والحركة الشعبية، حتى عرف الناس اسمها في زمن يعز فيه معرفة اسم أنثى، وكانت على موعد دائم مع حزمة ضياء ميلادها، تلك الحزمة التي رفضت العودة للسماء بدون رجاء.

وعلى أثر حلف بغداد، عمت المظاهرات والمسيرات مدن وقرى ومخيمات فلسطين، فسقطت رجاء شهيدة، سقطت وهي تحاول بكل عزمها وإصرارها إنزال العلم البريطاني عن السفارة البريطانية في القدس لترفع مكانه علم الأرض والتراب، علم فلسطين، سقطت بعد أن مزق رصاص الغدر جسدها الرائع المطرز بياسمين الأرض وحبق التراب، سقطت وفرح الشهادة يرقص على أساريرها الوضاءة، سقطت وعينيها تتجهان نحو كروم سلمة وشقائقها.

غادرت رجاء بجسدها، فارتفع صوت الحق والنضال "رجاء استشهدت، لكننا سنكون بمثل عطاءها"، وانتشرت هذه المقولة انتشار الرؤى في الروح بين طلبة المدارس والجامعات، بين الفلاحين والعمال، بين الأغنياء والفقراء، وخرج الآلاف يودعون أول شهيدة في فلسطين.

هناك، وعلى سفح ربوة من روابي فلسطين، دفنت رجاء، ويحكي الناس أنهم وقت الدفن شاهدوا حزمة من ضياء خلاب تدخل القبر لتخرج في الليالي لتظلل التراب الندى بطلل نسائم الوطن.

خميلة منسية أنت يا رجاء، غدير يمنح الحياة للوجود دون أن يأبه للثمن، فيض من الذكرى في ملامح الوطن، نبض من البراءة والشموخ في عروق الزيتون والصنوبر، هديل يغنيه الحمام، وصداحا تردده العنادل، وغناء تسكبه البلابل، نرجسة بيضاء وسط جبال فلسطين الأبية الخشنة، وطريق معبد لكل من يذكر اسمك فيقرأ على روحك الطاهرة المنيرة، قول الخالق جل شانه:

"إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"111

صدق الله العظيم

 

مأمون احمد مصطفى - النرويج

فلسطين- مخيم طول كرم

 

محمود محمد عليخلال الأسابيع الماضية غيّب الموت الأخ والصّديق الأستاذ الدّكتور" شعبان عبد العزيز خليفة "( 29 سبتمبر 1941= 23 يونيه 2019)، (أستاذ علم المكتبات والمعلومات بكلية الآداب – جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية) تاركا سمعة وسيرة عطرة ستخلّده في قلوب من عرفوه.. صمتّ وحدي عندما قرأت الخبر الفاجع.. تعطّلت قواي، عادت بي الذّاكرة إلى مواقف كثيرة لا تنسى.. تذكّرت مقولة للإمام عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول فيها: "أكره الحق، وأهرب من رحمة الله، وأصلي دون وضوء! فسئل: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أكره الموت وهو حق، وأهرب من المطر وهو رحمة من الله، وأصلي على الرّسول دون وضوء." .

ووالله إنّ الموت مكروه مع أنّه حقّ على الأحياء كلهم، خصوصا إذا ما اختطف إنساناً أخاً وصديقاً وفيّا كالدّكتور " شعبان خليفة " الذي ينضح حبّا إنسانيّا قلّ مثيله. رحل الإنسان النّقيّ الذي لم يحمل ضغينة لأحد كما اعتقد، رحل ليترك غصّة في قلب من عرفوه كلهم، فوالله إنّ العين لتدمع وإن القلب ليحزن، "وإنّا لفراقك يا شعبان لمحزونون".

أما أن ترحل قامة علمية مثل الدكتور " شعبان خليفة، دون كلمة رثاء فى الإعلام المصري والعربي، فتلك علامة من علامات التردي، ودليل من أدلة الرداءة والعشوائية، فهذا الرجل كان من أولئك الرجال الذين يعيشون وفق ما يكتبون، ويظهرون ما يضمرون، ويعملون بما يؤمنون، لقد كان هذا الرجل ( كما قال هو بنفسه في أحد حفلات تكريمه) :" كنت في صباي أمثل صورة ذلك التلميذ في المرحلة الابتدائية الذي عشق القراءة والكتب وعهدوا إليه بإدارة مكتبة الفصل بين أقرانه ووصفوه بدودة الكتب .. صورة ذلك الطالب في المرحلة الإعدادية والثانوية والذي أنشأ أول مكتبة في الشارع الذي يسكن فيه باشتراك أسبوعي قدره قرش صاغ واحد.. صورة ذلك الطالب الجامعي الذي خُير بين دراسة الاقتصاد والعلوم السياسية أو المكتبات والمعلومات فاختار المكتبات والمعلومات .. صورة ذلك الخريج الذي حرمته السياسة من الابتعاث إلي الخارج فآل علي نفسه أن يحج إلي المكتبات الأمريكية كل عام".

وهنا تتداخل المشاعر وتختلط الأحاسيس تطفو علي سطح الذاكرة صورة ذلك اللقاء الأول بيني وبينه علي متن الطائرة الأمريكية (TWA) المتجهة من مطار القاهرة إلي مطار نيويورك في أوائل شهر مايو لعام 2001م، التقيته داخل الطائرة، فسألني إلي أين ذاهب، قلت له إلي جامعة جورجيا لقضاء عدة أشهر في مهمة علمية منحتني إياها جامعة أسيوط العظيمة، وأخذ طوال الرحلة يحدثني عن مغامراته ورحلاته إلي نيويورك وآسيا والصين ودول كثيرة، وطلب مني وأنا في أمريكا أن أتواصل معه، وبالفعل تواصلت معه، واستمرت علاقتي به إلي أن لقي ربه خلال الأسابيع الماضية.

ولذلك أقول أي الكلمات لديها القدرة أن ترثى عالماً ومفكراً بالغ الصدق والنبل والنقاء، مثل شعبان خليفة؟! أي الكلمات لديها القدرة؟!، فالذين يتسمون بالصدق والنبل في مهنة المكتبات والمعلومات قليلون، وقد ازدادوا برحيله قلة!.. لا أظن أنه من قبيل المبالغة أن أقول إنه من أكثر الذين قدر لي أن أعرفهم من أساتذة المكتبات والمعلومات (علي مستوي أساتذة الجامعة بلا مبالغة) بعداً عن المداهنة أو المتاجرة بالمهنة لحساب أي سلطة من السلطات بما في ذلك سلطة الرأي العام ذاته الذى كثيراً ما يغازله بعض الكتاب على حساب الحقيقة الموضوعية!.

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون وهي أن الدكتور شعبان خليفة هو من أهم وأشهر علماء المكتبات والمعلومات المصريين الذين دونوا سيرتهم الذاتية في كتاب بعنوان " نهر العمر ودهره"، حيث وصف العمر أو حياة الإنسان بنهر بكل ما تتسم به الأنهار، فمشاعر وأحاسيس الإنسان تتدفق، مثل مياه النهر، ويتولد عن هذا التدفق تفاعلات وانفعالات تنتج أحداث، وجعل للعمر أيضاً دهر بكل ما يعرفه الإنسان عن الدهر، فالأحداث تنتج عمر يعيشه الإنسان في رحلات قد يبلغ مداها دهر، وحتى يكون هذا العنوان واضحا للقارئ، وضع شعبان خليفة عنوان فرعي توضيحي وشارح هو "قصة حياة"، ليوضح للقارئ أن هذا العمل عبارة عن قصة حياة هذا النهر وهذا الدهر. وقد قسم الدكتور شعبان نهر عمره ودهره إلي خمس فصول أطلق على كل فصل منها رحلة من رحلات عمره بدءًا من الرحلة الأولي والتي هي رحلة النشأة والتطور وانتهاءً بالرحلة الخامسة التي هي المرحلة الجامعية.

لفت نظري في رحلاته وهو في صباه أمر أبكاني وأدمعني، حين وصف وصفا مبكياً موت أمه بالكوليرا وكيف كان حاله وهو في الرابعة من عمره وهو يذهب إلى محطة القطار، ثم محطة الأتوبيس ينتظرها عندما أخبروه أنها سافرت إلى القاهرة، وكيف كان ينتظرها في الترب عندما أخبروه أنها سافرت إلى الله في الترب، ثم وصف ذهابه إلى الكُتاب وهو قبل السابعة من عمره والشيخ الذي كان يحفظه القرآن، ومر على مراحل حياته المدرسة الابتدائية والإعدادية والثانوية، ووقف عند سمات كثيرة له في هذه المراحل المدرسية، منها على سبيل المثال، مدرسة اللغة الإنجليزية في المرحلة الإعدادية.

كما لفت نظري أمر آخر في سيرته الذاتية وهو يشرح لنا كيف كون المكتبة التي كان يعير منها الكتب لأهل قريته، فكان الصبي المكتبي، كذلك لفت نظري عندما روي تفاصيل المرحلة الثانوية وفصله من المدرسة وتخوفه لنقل الخبر لوالده، ثم العدوان الثلاثي وكيف وهو في المرحلة الثانوية وكان عمره 11 سنة يذهب إلى بور سعيد مع الشباب لكي يحارب ويتدرب على محل السلاح، ثم انتهى العدوان بدون حرب ورجوعه إلى القرية.

ولعل من أبرز ما يعجبني في تقييم شعبان خليفة ظاهرته الفكرية لا الصوتية، فهو محلل بارع للأحداث، والشخصيات بلا أي ثرثرة، أو استعراض عضلات .. فضلا عن قوة مجابهته للخصوم الذين تلونت فيهم الأفكار والسياسات والأيديولوجيات. لقد مرّ الرجل بمراحل خطيرة في حياته، وخرج منتصراً منها كونه قد حافظ ليس على حياته فحسب، بل على كيانه الذي بناه منذ عشرات السنين .

التقيت به بعد عودتي من أمريكا في مناسبتين، الأولي جاءت مصادفة في كلية الآداب - جامعة القاهرة عندما كنت أزور أستاذي الدكتور عاطف العراقي بقسم الفلسفة، والثانية عندما أشرف سيادته علي قسم المكتبات والمعلومات بكليلتنا الموقرة (كلية الآداب – جامعة أسيوط)، وكنت أحب أن أستمع لمناقشاته ومحاضراته؛ إذ لمست فيه عمقًا ثقافيًا هائلاً، وصوتاً له القدرة على أن يضع النقاط فوق الحروف .. كما اكتشفت فيه مؤرخاً ماهراً في تخصصه باستطاعته استدعاء البراهين والأمثلة التاريخية (في علمي المكتبات والمعلومات) التي يمكنه توظيفها بمهارة وفن، كي يكسب جولته بأفكار جريئة ليس لغيره القدرة أن يقتحمها أبداً ! كذلك اكتشفت فيه أيضاً أنه كان مغامراً في الخروج بنتائج تبين لي فيما بعد أنه صائب في تقديراته للأحداث وصيرورتها وتداعياتها .. فضلاً عن أسراره في معرفة العالم الغربي والقوى الدولية .. إنه ذكي في قراءة المتغيرات المتبلورة عند مطلع التسعينيات وما بعدها.. وأثبتت الأيام مصداقية نتائجه .

لقد اكتشفت أن رؤيته الثاقبة للأمور تنسجم مع ما يؤمن به من أفكار ومعتقدات سياسية ؛ فهو مصري قح، ولكنه لم يجعل من العروبة قميص "عثمان بن عفان" يحمله أينما كان .. يحترم خصوصياته، ويدلي بقوة لدى الآخرين .. إذ وجدته ينبه من مخاطر محلية وإقليمية ودولية. اكتشفت أيضاً نزعته النقدية في تحجيم الخصوم وتهميش ما يقولون وجعل رأيه هو محور التعامل الأساسي . وعليه، فان خصومه معروفون دوماً وليس باستطاعتهم منازلته، إذ يدركون جيداً مدى قوته إزاءهم .

ومن الأمور التي أبهرتني في هذا الرجل أيضاً كيف بدأ رحلة تحصيله بجامعة القاهرة بقسم المكتبات والمعلومات، إلي أن أصبح واحداً من كبار الرواد في مجال علم المكتبات والمعلومات في مصر والعالم العربي، حيث ذكر لنا د. محمد جلال سيد محمد غندور" في ( دراسة تحليلية للدكتور شعبان خليفة إنتاجه الفكري من 1963 إلي 1997م ) بأن :" إسهاماته العلمية والفكرية لا تحتاج إلي تأكيد مني أو من غيري، فأعماله الأكاديمية والميدانية لها مردود إيجابي واضح لكل من يعمل في هذا المجال، فمنذ حصوله علي الليسانس في المكتبات والوثائق من كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1963م، والتحاقه بالعمل ذات العام معيداً في علوم المكتبات بذات القسم الذي تخرج فيه، وعلي مدي خمسة وثلاثين عاماً من العمل المتواصل، ارتقي خلالها السلم الأكاديمي والوظيفي؛ ليحصل علي أعلي الدرجات العلمية كأستاذ علم المكتبات والمعلومات عام 1984 م، ورئاسة عدد من أقسام المكتبات والمعلومات والوثائق في مصر وخارجها، وعضوية الكثير من الهيئات المهنية المصرية والعربية، وتقلده مناصب استشارية في عدة مؤسسات محلة وإقليمية، ورئاسة الجمعية المصرية للمعلومات والمكتبات منذ عام 1995 م، وهو في هذا وذاك، بذل – ولا يزال – الكثير من الجهود البحثية والفكرية والميدانية، بغية الارتقاء والتخصص، ودفع مسيرته ليلحق بركب التخصصات العريقة التي سبقته علي الخارطة العلمية العربية، وبذلك أوجد لنفسه (( مساحة ما )) في مجال تخصص المكتبات والمعلومات، وأصبح علماً من أعلامه.

كما وصفته الدكتورة عايدة نصير (في دراسة له بعنوان اتجاهات الانتاج الفكري لكتب أ.د شعبان عبد العزيز خليفة) :" ورغم متابعتي لإنتاجه العلمي المتميز، لم أكن أتوقع أن يمثل هذا الثراء العددي والذي وصل إلي 54 كتاباً. ولقد جري العرف ولمسنا بحكم واقع الزمالة لكثير من أعضاء الهيئة التدريسية بالجامعات أن إنتاجهم العلمي يسير في اتجاه عكسي مع نموهم في الدراسات الأكاديمية بمعني أنه ما دام لم يصل بعد إلي درجة الأستاذية، وهي أعلي درجات السلم الأكاديمي، يكون هناك إنتاج يؤهله للوصول إلي تلك الدرجة وعندما يحصل عليها يبدأ مؤشركم الإنتاج في الهبوط حيث لا يوجد الدافع للقيام بإنتاج علمي متميز مع تقدمه في العمر مما يقلل من عطائه، بجانب زيادة المسؤوليات والارتباطات الإدارية والاستشارية التي يكون قد تقلدها بعد الأستاذية وتكون سبباً في انشغاله عن البحث والتنقيب. ولكننا هنا أمام ظاهرة فريدة متميزة تعارضت مع كل التوقعات السابقة فهناك غزارة في الإنتاج وحكمة في الأداء الإداري وصدق في إعطاء المشورة وهو في أعلي درجات السلم الأكاديمي ويرأس قسم المكتبات والمعلومات والوثائق، والجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات والأرشيف، وعضو مجلس إدارة دار الكتب القومية، ومقرر لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلي للثقافة، ومشاركاً في معظم اللجان المتخصصة. وبرغم هذه المسؤوليات جميعها فقد قام بإنتاج ما يزيد علي 40  كتاباً في مرحلة التسعينيات وكتابين في مطلع القرن الواحد والعشرين .

هذا فضلًا عن توليه رئيسًا لقسم المكتبات والمعلومات جامعة عين شمس 2000- 2003. وحاز رائد علم المكتبات على عضوية الجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات "رئيس مجلس الإدارة منذ 1994 حتى الآن"، واتحاد المكتبات الأمريكية منذ 1992. وتوفي في 23/6/2019.

وقد نشر الدكتور شعبان خليفة علي مدي فترة زمنية تقدر بتسعة وخمسين عاما ( بداية بعام 1963 وحتي نهاية 2019) أكثر من 400 عملاً (ما بين كتب وأبحاث ومقالات)، تباينت في خصائصها الزمنية، الوعائية، الموضوعية؛ حيث شكلت في موضوعها إضافة لها قيمتها الأكاديمية والعلمية للمكتبة العربية في مجال المكتبات والمعلومات، وقد كان من الطبيعي أن يتأثر إنتاجه الفكري كماً وكيفا، بالفترة الزمنية التي أنتج فيها وبالظروف الأكاديمية والعلمية والحياتية المحيطة بكل فترة منها، فتزداد وترتفع، في بعض الفترات وتنكمش وتنخفض في البعض الآخر، لكنها في هذا وفي ذلك لم تتوقف بأي حال من الأحوال، إلا في ثلاث سنوات فقط خلال الأعوام من 1967 م الي 1969 م (كما ذكر د. محمد جلال سيد محمد غندور" )، وهي الفترة التي أعقبت حصوله علي درجة الماجستير عام 1966 م، وقبل حصوله علي درجة الدكتوراه عام 1972 م.

ويذكر د. محمد غندور" أن رؤيته تشير البحثية، إلي إمكانية إرجاع انشغال شعبان خليفة في هذه الفترة بالتحضير لرسالة الدكتوراه، في أصعب مراحلها وهي مرحلة الإعداد، والبحث، والاختيار، والتحضير، وجمع المصادر وتنظيمها، وغيرها من الهموم والشواغل التي يعاينها طلاب الدكتوراه في جميع أنحاء العالم؛ وخاصة في البلاد النامية والعالم الثالث، إلا أنه استطاع – بعد هذه الفترة – أن يستعيد نشاطه البحثي مرة أخري، حيث بدء إنتاجه في التصاعد التدريجي حتي وصل إلي أعلي معدلاته (من زاوية الكم ) ما بين الأعوام 1976 م 1979 م، وهي ذات الفترة الذي أعير فيها من جامعة القاهرة ليعمل كأستاذ مشارك، ورئيس لقسم المكتبات والمعلومات بكلية الآداب والإنسانيات بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، وقد تشكلت معظم أعماله في هذه الفترة، والتي بلغت حوالي 85 عملاً، من المقالات، يستثني من ذلك سبعة أعمال، أربعة منها مؤلفات كتب، والثلاثة الأخرى بحوث ودراسات نبعدها بدأ معدل إنتاجه في الهبوط من زاوية الكم لفترة زمنية بلغت ست سنوات من عام 1980 م وحتي عام 1985 م. وتتزامن هذه الفترة مع انتهاء فترة إعارته في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وعودته إلي جامعة الأم ( جامعة القاهرة )، حيث أنتج خلالها خمسة عشر عملا، منها خمسة مؤلفات (كتب) وعشرة بحوث، وحصل خلالهما علي درجة الأستاذية عام 1984. ثم أعقب ذلك ارتفاع نسبي في معدل إنتاجه خلال العام 1986 ليبلغ في هذا العام وحده سبعة عشر عملاً، منها عشرة مقالات وخمسة بحوث، وورقتي عمل مؤتمرات، نجد أيضاً أنه أتم إنتاجه هذا خلال فترة إعارة لم تستمر إلا سنة واحدة ( العام الأكاديمي 85 /1986)، بالمملكة العربية السعودية كأستاذ علم المكتبات والمعلومات والوثائق، بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام ثم بدأ إنتاجه بالتذبذب صعوداً وهبوطاً ( من ناحية الكم) واستمر ذلك حتي عام 1997 م، وحتي الفترة التي يقلد فيها رئاسة العديد من الأقسام في داخل مصر وخارجها، حيث أعير خلال هذه الفترة إلي دولة قطر لمدة ست سنوات من عام 1986 م إلي عام 1992 م، كأستاذ ورئيس قسم المكتبات، بكلية الإنسانيات جامعة قطر، أنجز خلالهما 24 عملاً تضمنت أحد عشر مؤلفا (كتاباً) وسبعة بحوث وأربعة مقالات، وورقة عمل مؤتمر، ومراجعة علمية واحدة ليرجع بعدها إلي جامعة القاهرة، لشغل منصب أستاذ ورئيس قسم المكتبات والمعلومات، بكلية الآداب - جامعة القاهرة، ويستمر في عمله، حتي عام 1994 م، حيث تقلد منصب أستاذ ورئيس قسم المكتبات والمعلومات بكليتي الآداب جامعة القاهرة، وفرع بني سويف حتي الآن، وقد نشر خلال هذه الفترة اثني عشر مؤلفا (كتابا)، تعد من أبرز إبداعاته الفكرية. تبلغ فيهما الإنتاجية أعلي معدلاتها، فينتج عنها دورتين، ومنخفضا بيانا، وبالتالي نحصل علي منحني شبيه (( بسرج الفرس)) وقد كان أول ما لفت انتباهي عند دراسة الإنتاج الفكري شعبان خليفة، هذا التطابق الواضح بين الإنتاجية وإحدى النظريات التي وضعت حول مسار خط الإنتاجية للبحثين.

ولأن الدكتور شعبان كان دائما يستفيد من السبع فوائد للسفر فقد حرص (كما يخبرنا د. محمد غندور") طيلة حياته الاشتراك في الجمعيات والاتحادات المهنية والتي تقوم بتنظيم مؤتمرات سنوية تجوب مدن ودول مختلفة حتي تكون له الفرصة في السفر والسياحة والعلم والمهنة... وما على ذلك، من هذه الاتحادات التي اشترك فيها اتحاد المكتبات الأمريكية فذهب في صيف 1992م مع أول مؤتمر يحضره مع هذا الاتحاد إلى ميامي بيتش في ولاية فلوريد، ومن المعروف أن ميامي هي سكن علية القوم والأغنياء من أمريكا وكثير من دول العالم وقصورهم وفيلاتهم تتحلق الشاطئ في خليج فلوريد.

ثمة أمر مهم بالنسبة لي أود أن أشير إليه في نهاية حديثي عن شعبان خليفة، وهي أن هذا الرجل قد تعرض للعديد من المؤامرات لوجوده مشرفا على بعض أقسام المكتبات في معظم كليات الآداب بجامعات مصر، وللأسف حيكت له تلك المؤامرات من أعز الناس إليه وهم تلاميذه (سواء المباشرين أو غير المباشرين)، وكأن لسان حاله يقول ("علمتهم نحت القوافي فلما كبروا واشتد ساعدهم هجوني"! ألم يقال" إتق شر من أحسنت إليه.. وأن "عدوك هو ابن كارك" )، أو من زملائه في المهنة الذين إن قابلوه يعطوه من طرف اللسان حلاوة وإن أداروا ظهورهم له راغوا منه كما يروغ الثعلب.

علي كل حال فالرجل لم ييأس إزاء كل هذه الأجواء الصعبة، فقد قرر الابتعاد لبعض الوقت عن كل هذا لأنه يحب الحياة، ولا يحب أن يعيش بعض الوقت في هذه الحياة في ضيق وهم وحزن، فقرر يعود أدراجه في السفر لبعض الدول الأوربية، مثل النمسا، وكوريا الجنوبية، والولايات المتحدة الأمريكية إلي أن وافته المنية في الثالث والعشرين من الشهر الماضي وهو شهر يونيه لعام 2019.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور شعبان خليفة الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور شعبان خليفة، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

جمال العتابيوقّع العراق إتفاقية التعاون الإقتصادي والفني مع الإتحاد السوفيتي في آذار 1959، وكان الوفد المفاوض برئاسة إبراهيم كبة، أول وزير إقتصاد للجمهورية الأولى بعد تموز1958، الذي أدى دوراً كبيراً ومتميزاً في عقد الإتفاقية، التي تعد إحدى المنجزات الإقتصادية في تلك المرحلة، وبفضلها تمكن العراق من تنفيذ برنامج واسع للإنماء الإقتصادي والتصنيع، وأتاحت للسوفييت فرصة إقامة أبرز المشاريع الصناعية التي توزعت على كل مساحة العراق، من شماله إلى جنوبه، وتنوعت المشاريع، من صناعات ثقيلة، إلى صناعات زراعية وتحويلية، ورحبت الدوائر الرسمية والشعبية بعقد الإتفاقية، وعُدّت إنجازاً وطنياً كبيراً، وضع الأسس الأولى في نقل إقتصاد العراق، من زراعي متخلف وتابع، الى إقتصاد وطني يعتمد التنمية والتخطيط والتحرر من الإحتكار الرأسمالي . وتعرضت الإتفاقية إلى جملة من الإنتقادات، مصدرها الأحزاب القومية، ورجال العهد الملكي، ووصفوها بأنها أخطر إتفاقية تقود العراق ليكون تابعا للسوفييت والشيوعية، ومن المفارقة أن يعود حزب البعث في مؤتمره القطري الثامن 1974، ليعلن عن أهمية الإتفاقية في توسيع القاعدة الصناعية العراقية .

بدورها قامت فرق من الخبراء والمهندسين الروس، بجولات واسعة في مدن العراق لتحديد مواقع المشاريع، في يوم قائظ عاد إثنان من الخبراء الى العاصمة، بعد أن أنجزا مهمتهما في الناصرية، وتقتضي العودة، المروربالشطرة ثم الغازية (النصرالآن)، فالرفاعي وقلعة سكر، صعوداً مع الغراف نحو الحي ثم الكوت ...وهكذا إلى بغداد .

يأتي النداء إلى مسؤول المنظمة الحزبية في الغازية بالإسراع في تهيئة (الجماهير) لإستقبال وفد الخبراء القادم من الشطرة، عبر طريق ترابي في الصوب الثاني من المدينة، في الغازية تلفون واحد فقط، هو تلفون دائرة البريد، الموظف يختض من الصياح كي يلتقط الصوت القادم من الشطرة، وتكاد يداه لاتتوقفان من تدويرمفتاح التلفون بحركة متواصلة سريعة، تشبه عملية تشغيل السيارة بـ(الهندر)، عندما تتوقف بطاريتها .

أراقب المسؤول وهو يمسك سماعة التلفون بيد، وفي اليد الأخرى ورقة يدون فيها بقلم حبر(باندان)، ما يتلقاه من توجيه بشأن شعارات الإستقبال، أسمعه بصوت عالٍ : نعم ..نعم، أعد رجاءً، كتب أول كلمة، (مِير )، مير، مرة ثانية يسأل المسؤول، ثم الثانية، (دررررو)، درو، بعدها رجاء ً؟ (شبا)، شنو معناها عزيزي أبو.... ؟ ردّ الطرف الثاني : معناها، سلم وصداقة، ثم واصل، أكمل بقية شعار الترحيب أرجوك، وهنا المصيبة الأعظم، الكلمات جاءت مدغمة، لا فاصل بينها، وجد المسؤول صعوبة بالغة في فرزها، وفك رموزها، وهو يعيد ويستفسر ويطلب التأني اكثر من مرة، وفي وجهه حيرة وأكثر من سؤال، فكتب ما يشبه الطلاسم أخيراً (إزدرازدي سوارشششش ) !!! عرفت بعد عقود من الزمن انها تعني : مرحبا بالرفيق، لم تصدر عن المسؤول سوى تنهيدة خافتة، تبعها بالقول : شنهو هالشدّة يارسول اللة !!

المعضلة الأشد، كيف يمكنك من جمع أبناء المدينة للمشاركة في الإستقبال ؟ بعد أن إستلم عزيز السيد جاسم –المتخرج تواً من دار المعلمين الإبتدائية - ورقة الشعار، وعليه تقع مهمة تدريب المستقبلين على حفظ هذه المقاطع، فطلاب الإبتدائية الوحيدة، يتمتعون بالعطلة الصيفية، وفي النهار الساخن يأوي الناس الى منازلهم، ليس سوى (المهافيف) تحرك الهواء الساخن في غرفهم الطينية، التي تلفها غمامة الإعياء، وهي تستجير من لهب الصيف، كنا أول المتجهين نحو (الطبكة)، واسطة النقل الوحيدة عبر الغراف، وعلى سطحها بدأت أولى الدروس في ترديد الشعار، يحدو بنا السيد عزيز بصوت متعثر، وفي ملامحه توجع خفي، أما نحن فكنا نبادله بخرس مجوف العيون، ووجوه متحجرة، الأغلب منا كان بحاجة إلى أن يسترسيقانه المكشوفة لقصر في الدشاديش، وحديد (الطبكة) يفجّر في أقدامنا المجامر .إختنق في حناجرنا الصوت، كنا صوراً محنطة الملامح، يفترسنا الصمت نبحث عن شربة ماء تروي عطشنا .كنا جميعاً ننقب عن حافز مثير وملّح يحملنا ترديد الشعار بالروسية، وأغلبنا مازال يتهجى الحروف العربية، في مدينة ثلاثة أرباع سكانها من الأميين، مضينا نحو الطريق الترابي، تتوقف بعيداً عنا سيارة حديثة زرقاء، تتلاحق انفاسها، بسبب ثعبان من الغباريطاردها، يترجل منها رجلان، بوجهين يلمعان كسطح جليد في نهار غائم ، إلتفت إلى الوجوه الصفراء والسمر من حولي، أدقق في براءتها المخطوفة، وشحوبها الأزلي، وهي تردد المقطع الأول لسهولته، وأطلقت الثاني للأماني والوعود، بعد أن خطفت حمرة الوجوه وبياضها ابصارنا،

في المشهد الأخير من الحفل، ترتفع كفا الرجلين، مضمومتين لبعضهما، تلوحان لنا من بعيد كرمز للتضامن والسلام، لكن البلاد ظلت تقاوم دائماً رجس الحروب، ولم تدخل عصر السلام، ولم يشرق من غيثها فجرها المنتظر .

 

جمال العتّابي

 

علي المرهجأكملت السنة التحضيرية في الدراسات العُليا (الماجستير)، وبعد حين طلب منَا رئيس القسم واللجنة العلمية تسجيل موضوع بحثنا، وكُنت من قبل في السنة التحضيرية قد كتبت بحثاً عن فيلسوف أمريكي لم يحظ بشهرة عالية رغم أهميته في تاريخ الفلسفة عموماً، وفي تاريخ الفلسفة الأمريكية على وجه الخصوص، ألا وهو (تشارلس ساندرس بيرس) مؤسس الفلسفة البرجماتية التي اشتهرت على يدي فيلسوفها الأشهر (وليم جيمس) الذي وصفه (بيرس) بـ (جوهرة البراجماتية)، رغم التباين بين رؤى (بيرس) المنطقي (البرهاني) ورؤى (جيمس) (السيكولوجي) الذي لا يستهويه المنطق، ولا رغبة له فيه.

عشق (بيرس) (كانط) وحاول أن يبني فلسفته البراجماتية على غرار فلسفته (النسقية) معمارياً، فهو المُحب لـ (كانط) منذ صغره، وحفظ كتابه (نقد العقل المحض) عن ظهر قلب وهو لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره.

المهم أنني رغبت الكتابة عن فلسفة (بيرس) الذي لم يُكتب عنه في اللغة العربية سوى القليل، وقد حاورت بعض من العارفين باللغة الإنكليزية، وعلى رأسهم المترجم والناقد المعروف الأستاذ (سعيد الغانمي)، وأخبرته برغبتي في الكتابة عن فلسفة (بيرس) وقد نصحني بتجنب الكتابة عنه، ولكنني كأي شاب مُتحمس، لم أقبل بنصيحته، وبعد فحص لما كُتب عنه في الدراسات العربية، ألححت بأن يكون موضوعي لدارسة الماجستير عنه، وبعد سعي للبحث عن فلسفته وبعد مُساعدة أحبة لي في الترجمة، وجدت في (د.علي حاكم)، والأخ العزيز (أحمد الهاشم)، والكبير (د.يوسف اسكندر)، والأخ الأحب (رزاق عبد شنيف) والأخت المترجمة (فاطمة الذهبي)، وروح الأخوة المترجمة (خالدة حامد) يُبدون استعدادهم للتعاون معي في انجاز مشروعي (المهم) عندهم قبل أن يكون عندي، فآثرت الاصرار على أن يكون هو لا غيره موضوع دراستي وبحثي في الماجستير، وكيف لا؟ وأنا محظوظ بمثل هذه الأسماء الكبيرة التي أصبحت اليوم أعلاماً في عالم الثقافة والترجمة تُحيطني بمحبتها وتحلم بمنجز أحققه أنا ليكون مُنجزاً لي ولهم.

طرحت الموضوع على اللجنة العلمية، فوافقت لكن بشرط وجود من يقبل الإشراف على مثل هكذا موضوع جديد!.

بينما أنا أفكر حائراً بمن يقبل الإشراف على هذا موضوع، وجدت الدكتور طه الجزاع الذي لم تكن تربطني كبير علاقة به، ولكنه نسمة معرفة ومحبة، تمر على الحائر مثلي لتنكشف له سرائر النفس والمعرفة معاً، أظن لأنه يستشف من روح إفلاطون الذي كتب عنه أطروحته بعض من مثاليته، رغم أنني لم أعشق افلاطون بسبب أستاذ أحب إفلاطون وكتب عنه عاشقاً لفلسفته، ولكنه لم يكن يوماً افلاطونياً بالفعل، إنما هو افلاطوني بالكلام!!، وربما نُشابهه، مع فارق التعبير الوقح عنده!!.

سأني (الجزاع) ما لي أراك حائراً (مشدوهاَ)؟، فأخبرته بأن اللجنة العلمية وافقت على موضوعي بشرط موافقة أستاذ مُختص على الإشراف، فسألني وما المشكلة؟ فأجبته بأن المُشكلة أنني لم أجد سوى الأستاذة (فاتنة حمدي) بحكم اهتمامها بالفلسفة المعاصرة يُمكن لها أن أن تقبل الإشراف على موضوعي هذا!، فردَ علي ولتُشرف (فاتنة على الموضوع، فقلت له ولكنني لا أعرف فاتنة ولا تعرفني، ولربما ترفض الإشراف عليَ، فأجابني (هاي سهلة خليها عليه)!!.

وبعد يوم أو يومين قابلت (الجزاع) فقال لي هل ذهبت لعرض موضوعك على أستاذتنا (فاتنة)؟ فتعجبت!، وقلت له كيف لي أن أذهب وهي لا علم لها؟، فأجابني (ها اشبيك أخبرتها بموضوعك ورحبت، ولكنها ترغب باللقاء معك، لتعرف ما مقدار فهمك وتعلقك بهذا الموضوع)، فطارت روحي قبل عقلي، فصفقا فرحاً، وبين جناحي الروح والعقل الطائرين في مرح المحبة للتفلسف وعشق الحياة التي تمثلت برؤية وسلوك أستاذتنا (فاتنة حمدي) حلَقت رؤاي، فاختصرت (بايات) سلم القسم كي أقفز فرحاً لأكون في ممرات الطابق الأول الذي كانت فيه غرفة أستاذتنا (فاتنة حمدي)..

طرقت باب غرفتها، وأنا الذي لا أجيد حُسن طرق الأبواب، لأنني ابن الجنوب وأبواب الكون كُلها أبوابي، إن لم يكن أجدادي هم من صنعوا الأبواب بعد اختراقهم صمت الأرض وجدبها بعد أن لم يكن فيها حياة فكانوا سادة من يصنع دبيب الروح فيها ونبضها، فهم الأحق بخرق قوانين المدنية الخرقاء التي صيَروها مدينة فتعالت عليهم!!.

المدينة (فاتنة) مثل أستاذتي (فاتنة)، سمحة مثلها لا تقبل تصنعاً في الاقبال على المعنى الجميل، لأنها (فاتنة جميل حمدي) تجتمع فيها كل صفات الحمدُ والفتنة والجمال الأخَاذ لرقة فيها وترف..

إنه ترف الجمال فهي أستاذة الجمال في قسم الفلسفة معرفة وتدريساً واتقاناً لعوالم (الموظة) وصرخات الأزياء لا تباهياً، بقدر ما فيها من شغف للعيش في كنف الجمال الذي تستحقه.

طرقت الباب، فسمعت صوت فيروزي ناعم يقول تفضل، ففتحت الباب بروية، ومددت رأسي، فإذا بها جالسة على كرسي يستريح لوجودها، ومنضدة أو (ميز) كره بعض التراب الذي فيه لأن (فاتنة) مثل أستاذتي جلست والثقة تملؤها ولا خوف بعينيها، ولكنني أظن أن آثاث الغرفة قد عاتب نفيسه لأنه لم يرى في وجوده ما يليق بفاتنة الفلسفة وجميلتها!!.

لا أتحدث غزلاً لأنه كأم لي، ولكن الابن يعشق الكلام عن الأم حينما تستحق أن يُقال عنها ما تستحق من الكلام وأحسنه.

مددت رأسي بينما أنا فتح باب غرفتها، فقالت لي تفضل، فأجبتها أنني (علي عبدالهادي)، فبدت على وجهها ابتسامة الترحيب، فطلبت مني الدخول والجلوس على كرسي مقابل للـ (الميز) الذي وجدته غير راض عن وجوده أمام (جميلة الجميلات) (الفاتنة جميل حمدي)، فحدثتها عن موضوعي، فوجدتها فرحة تستبشر بيَ خيَراً، فوافقت على الإشراف على رسالتي للماجستير.

سجلت رسالتي بعنوان (الفلسفة البراجماتية عند تشارلس ساندرس بيرس ـ قراءة تحليلية).

قرأت الكثير حول بيرس في العربية وما كُتب عنه في الإنكليزية، وترجمت الكثير بمعونة الأصدقاء الذين ذكرتهم، وكُنت أعرض على أستاذتي (فاتنة حمدي) ما أكتبه، فكانت تُراجع ما أكتب لتُصححه بحكم معرفتها باللغة الإنكليزية، لأنه مُجيدة لها تمام الاجادة بحكم دراستها للفلسفة في الجامعة الأمريكية في بيروت، فكانت خير مُعين لي.

لم أكن أعرف صفات وشكل ورد الكاردينايا من قبل، ولكنني أسمع عنها أنها وردة تبعث البهجة في النفس، وبعد أن توثقت علاقتي بأستاذتي وجدت أنها تجلب معها وردة بكميات لا بأس بها تبعث عطراً يخترق مسافات التوَق للعين التي تعشق قبل الأذن أحيانا!.

لم تمنحني أستاذتي (فاتنة) وردة (كاردينيا) فقط، إنما هي أعادة عندي ترتيب أوراقي في التعبير عن المحبة الصادقة، فهي كانت ولا زالت إنسانة تعرف مذاق الحرية التي تُحسن ربطها بالمسؤولية، فتعلمت منها أن الحياة تصنعها إمرأة باذخة الجمال ببراءتها، ولا يصنع الحياة مُدَعون وسخون بلحى طويلة، ولا ذم عندي لأصحاب اللحى الطويلة لأن فيهم القليل من الذين يُصيَرون أنفسهم وحياتهم من أجل نثر محبة يأيديهم النقية كي يجعلوا من الدين دين سماحة وتلاقي وتعايش.

السماحة في عطر ورد الكاردينايا الذي قطفته يدين ناعمتين من حديقة غنَاء بالمحبة الأسرية والعائلية كعائلة أستاذتي (فاتنة) هي ذات اليدين التي تقطف من دين المحبة الذي زرعه الأنبياء والصديقين والأولياء على اختلاف دياناتهم، لنقطف نحن الوارثون حُب الآخرين وإن كانوا خالفونا في الملَة.

أهدتني الكثير سيدتي وأستاذتي من ورد الكاردينيا، فكنت أوزعه ذات اليمين وذات الشمال على كل من ألاقيه في المكتبة المركزية الثانية لجامعة بغداد، فكانت بعض الموظفات من اللواتي تعودن على قدومي يومي الأحد والثلاثاء من كل أسبوع ينتظرن الكاردينايا وعطرها ولا أظنهن يتذكرن شكلي، لأن في الكاردينيا وسماحة لونها الأبيض وعطرها الأخاذ ما يُنسي الهادي له، وإن يكن مُهدياً أحيانا..

حدثتكم عن بعض من جمال الحياة عن صنف مؤنسن، وأخبرتكم عن حُسن الطبيعة بعطر ورد ولون ورقه وزهره جنان وحنان!!...

كاردينيا فاتنة أنت في توقك للمعرفة، وجميلة أنت في إنسانيتك...

شكراً لك لأنك كُنت بحق (فاتنة جميل حمدي)..

 

ا. د. علي المرهج

 

محمود محمد عليتزخر الساحة الفكرية والفلسفية العربية بالأسماء الكبيرة التي أبدعت وقدمت الكثير من الرؤى والأفكار والنظريات في مختلف المجالات، وقد تميزت كتاباتهم بالأصالة والرصانة والإبداع، وكانت مرآة حقيقية تعكس الواقع السائد في المجتمع العربي مما جعلها مسرحاً تتصارع فيه الكثير من الاتجاهات والنظريات والأفكار العربية، مثل الوضعية، والماركسية، والوجودية، والبرجماتية، وغيرها من الاتجاهات، ومن خلال تبني المفكرين العرب لها ومحاولة تطبيقها، أمثال زكي نجيب محمود، وعبد الرحمن بدوي، وفؤاد زكريا، حسين مروة، ومحمد أحمد السيد.

ويعد محمد أحمد السيد أحد الأسماء الهامة واللامعة في سماء تخصص المنطق وفلسفة العلوم في مصر والعالم العربي؛ حيث أسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، وتعد لبناته الفكرية والأدبية التي وضعها بالجهد والعرق بمثابة الأساس الذي بني عليه الكثيرون من تلامذته مشاريعهم الفكرية، ورؤاهم الفلسفية .

ولم يكن محمد أحمد السيد مجرد فيلسوف نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، لكنه كان – قبل كل ذلك وبعده – إنساناً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. إنساناً في تفلسفه، وفيلسوفاً في إنسانيته. وبين الإنسان والفيلسوف تتجلى شخصية محمد السيد متعددة الأوجه، كمترجم وكناقد وكأديب.

ورغم إنجازاته المُبكرة فى مجال تخصصه، وهو فلسفة العلم، إلا أنه فى السنوات العشرين الأخيرة قد أثرى المكتبة العربية بدراسات متنوعة وعميقة فى شتى مجالات فلسفة العلم ، وتاريخ العلم والمنطق الرمزي ، والتفكير الناقد وأخلاقيات العلم ، والثقافة العلمية ، بداية بكتابه "التمييز بين العلم واللاعلم" الذى صدر منذ عشرين عاماً، وحظى فى حينه باستقبال حافل، وحصل على عدد من الجوائز المصرية والعربية وإلي الآن.

والدكتور محمد أحمد السيد واحد من الخريجين الأوائل المتفوقين المحبوبين من كلية الآداب جامعة الاسكندرية، والكاتب الذي أسهم في الحياة الفكرية لسنوات طوال بكتاباته الجذابة ونقده العلمي والاجتماعي والسياسي وقدرته على الاختلاف والتعبير عن وجهات نظر خاصة بتعبيرات براقة وأسلوب جذاب". كما كان رجلا اجتماعيا يضفي على كل جلسة من روحه المرحة وذكاء طرحه وسخريته الضاحكة اللماحة، وقد امتدت علاقتنا لسنوات طوال وحتي الآن.

كما أثري محمد السيد في أجيال من الطلاب بجامعة المنيا بطريقته الفريدة الشيقة في مزج العلم الجاد بالفلسفة والمرح ومشكلات الحياة في تواصل إنساني حميم بين الأستاذ الكبير وطالباته وطلابه . كما كان أحد أبرز المفكرين الذين كرسوا حياتهم للعلم، والذي نتج عن قراءة متميزة للمستقبل، تاركا مؤلفات أثرت في نجاح العديد من الباحثين واستفاد منها القراء، كما ستؤثر في الأجيال القادمة، وسيظل علمه ينتفع به على مدار العقود المقبلة.

والدكتور محمد السيد من المفكرين الذين يملكون رؤية واضحة عن تطور تاريخ الوعي الفلسفي والفكر العربي المعاصر وهو لا يعرف الحلول الجاهزة والاجابات المسبقة ولا يؤمن بالمطلقات الانسانية او الدوائر المغلقة للفكر، منذ ستينيات القرن الماضي.

والدكتور محمد أحمد السيد هو أستاذ المنطق وفلسفة العلوم وعميد كلية الآداب جامعة المنيا بجمهورية مصر العربية ، وهو أستاذ بقسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنيا والذي عمل معارا من قبل بجامعة الامارات العربية وجامعة الكويت ، وقد حصل علي درجة الماجستير في الآداب عام 1982 ، ثم علي درجة الدكتوراه في الآداب (فلسفة) جامعة بوسطن ، وله مؤلفات كثيرة نذكر منها : بول فيرابند : ثلاث محاورات في المعرفة وهو ترجمة وتعليق، والعلم والنسبوية تأليف لاري لودان ترجمة محمد السيد ونجيب الحصادي، ودراسة بعنوان العلم ليس غرضه اليقين وصد صدر في الكويت 2014، ودراسة بعنوان ما هي النسبوية – الكويت 2015، ودراسة عن الربيع العربي والتحول إلي الديمقراطية – الكويت -2015، وكتاب طرح السؤال المناسب : مرشد للتفكير الناقد بالمشاركة مع د. نجيب الحصادي، ودراسة بعنوان ما تبقي من الفكر المزدهر إلي أين انتهي الفلاسفة الفرنسيون العظام ، الكويت 2016، وكتاب التميز بين العلم واللاعلم ، وكتاب المشكلة الحقيقية ( الوعي ، وكتاب نقد الصورة المبكرة للنموذج الإرشادي ، ودراسة بعنوان هل نحن بمفردنا في هذا الكون ، ودراسة بعنوان وقود المستقبل ، ودراسة بعنوان عندما يصل العلم إلي أقصي مدي، ودراسة بعنوان وبحث منشور عن أزمة الفكر الفلسفي المعاصر ، وبحث منشور عن علم النفس بين التشرذم والوحدة ، وبحث بعنوان نسبية المعرفة عند بول فييرابند سنة 1997 وهي مشورة ضمن كتابه الذي ترجمه عن فييرابند بعنوان ثلاث محاورات في المعرفة ، وبحث منشور الأسس المنطقية والعرفية للتكنولوجيا، وبحث هل العلوم الاجتماعية أدني مرتبة ؟ ، وبحث عن أخلاقيات الاستنساخ البشري ، وبحث عن اللاقياسية واللاعقلانية في فلسفة العلم عند توماس كون ، وبح عن دفاع عن العلم : نظرية لاكاتوش بين فلسفة العلم وفلسفة الرياضيات، وبحث النصوص الفلسفية المترجمة بين الأمانة والخيانة " لودفيج فتجنشتين وتوماس كون نموذجا" ، وبحث بعنوان لودفيج فتجنشتين : رسالة منطقية فلسفية، قراءة في ترجمة دورية لوجوس، وبحث عن فرنسيس بيكون مجرب العلم والحياة ، وبحث بعنوان من فلسفة العلم إلي تاريخ العلم ، وبحث بعنوان التفكير الناقد والمغالطات المنطقية : دراسة في المنطق المعاصر ، والأسس المنطقية للتفكير الناقد ، وبحث بعنوان أنا أتمرد إذن أنا موجود.

كما نشر أبحاث كثيرة في مؤتمرات علمية: الثورات العلمية المجهضة في العلم العربي ، التفكير الناقد والمغالطات المنطقية، التكنولوجيا بين العلوم النظرية والعلوم التطبيقية ،وبحث الثقافتان، والفلسفة الأمريكية المعاصرة ، واتجاهات معاصرة في فلسفة العلم، وقضايا الفلسفة في عصر ما بعد الحداثة، آفاق الفلسفة التطبيقية، والحداثة وما بعد الحداثة ، والكمبيوتر والفلسفة ، والبحث العلمي : طرقه وأهميته، وزكي نجيب محمود رائد التنوير والعقلانية، وأخطاء التفكير العلمي في الحياة اليومية، والمنهج العلمي عند المسلمين: جابر بن حيان والحسن بن الهيثم، وأدب الحرب عند جمال الغيطاني، والتسامح الفكري، والثقافة العالمية في عالم متغير.

وقد شارك محمد السيد في كتابة منهج المنطق الجديد لمرحلة التعليم الثانوي ( الصف الثالث) بمصر 2015، وشارك في كتابة منهج المنطق الجديد لمرحلة التعليم الثانوي ( الصف الثاني بمصر 2014، كما شارك محمد السيد بالكتابة والحديث في العديد من الصحف المصرية والعربية والعديد من اللقاءات الفكرية والثقافية في برامج تلفزيونية وإذاعية من بينها: القناة الأولي بتلفريون الكويت، والقناة الأوربية (تلفزيون الكويت)، البرنامج العام بالإذاعة المصرية، إذاعة صوت العرب، إذاعة القاهرة الكبري، البرنامج الثقافي بالإذاعة المصرية ، قناة البوادي( الكويت) ، قناة النيل الثقافية بالتلفزيون المصري، تلفزيون أبو ظبي، قناة العربية، قناة المحور، MBC القنة الأولي والثانية والفضائية المصري، وصحف : الأهرام ، والقبس، الرأي ، روزراليوسف.. الخ حول القضايا الثقافية والسياسية الراهنة .

ورغم أن محمد السيد قد تجاوز الستين من عُمره، إلا أنه، ظل نموذج الأستاذ الجامعي المرموق الذي تعلم باقتدار وأثرى وأثّر في أجيال من الطلاب بجامعة المنيا الفريدة الشيقة- في مزج العلم الجاد بالفلسفة والمرح ومشكلات الحياة، في تواصل إنساني حميم بين الأستاذ الكبير وطالباته وطلابه".

وقد يكون من أهم ما قام به من أعمال في هذا المجال ، هو تأليفه لكتاب " التفكير الناقد " لأنه بهذا الكتاب ، كان يعي أنه إنما يفتح مجالاً جديداً للدراسات حول التفكير الناقد في العالم العربي، يقول محمد السيد: إلى عهد جدّ قريب، اقتصر تدريس مهارات التفكير الناقد في أغلب جامعات العالم على تدريس مساق في علم المنطق الصوري، يغمر المتلقين في فيض من القواعد الرمزية، ويخفق في إكساب تلك المهارات. ولئن مكّن هذا المساق دارسيه من التعرف على سبل تجنب بعض الأغاليط المنطقية، فإنه يعجز غالبا عن جعلهم قادرين على الدفاع عن وجهات نظرهم وتفهم وجهات النظر التي يعترضون عليها. وكما يقر جاكوب هنتيكا، أحد أبرز أعلام المنطق المعاصرين: كان المنطق في الأصل دراسة للتفوق في التفكير، لكنه صار مجرد دراسة لكيفية تفادي الوقوع في الأخطاء في المنطق، عوضا عن حفاظ المرء على فضيلته المنطقية، إذ يتم تخصيص معظم الوقت لتعريف الطلاب بقواعد استدلالية لا تعدو أن تكون قواعد احترازية لتفادي الأوهام والضلالات، وتفشل من ثم في تبيان كيف يفكر الناس، وكيف يتوجب عليهم أن يفكروا .

وتماما كما أن المرء لا يتقن لعبة الشطرنج بمجرد معرفة قواعدها، وإن تسنت له معرفة متى يتم اختراقها، فإن تعلم قواعد القياس المنطقي كما يري محمد السيد لا يضمن تنمية مهارات التفكير الناقد، وإن أمكن توظيفها في الكشف عن بعض الحجج الفاسدة. ثمة حاجة ماسة إلى الدراية باستراتيجيات تقحم المتعلم في عملية التفكير، ولا تقتصر على تطبيق قواعد شكلية بطريقة آلية صرفة.

معظم المعارف البشرية، التي تشكل قوام الحياة البشرية، استدلالية من حيث بنيتها، فالمرء كما يري محمد السيد لا يقف بنفسه على كل معارفه، بل يخلص إلى كثير منها استنادا إلى معارف أخرى استقاها إما من خبرات مباشرة أو معتقدات استدل عليها استدلالا. ولأن كثيرا من الاستدلالات البشرية تعاني من اختلالات جمة، ثمة حاجة إلى علوم تعين على التيقن من صحة ما نخلص إليه من نتائج، أو ترجيح صحته على أقل تقدير. هذا هدف العلوم المنطقية على وجه العموم. وعلى وجه الخصوص، فإن الوصول إلى قرار مستنير بخصوص أكثر النتائج وجاهة غاية كل تفكير ناقد.

إن التفكير الناقد نشاط مقلق بطبيعته، فهو كما يري محمد السيد محاولة لامتحان افتراضات نقرها أو نصادر عليها أو نسلك بمقتضاها. غير أن الناس لا يرغبون في أن تمتحن افتراضاتهم وتبتلى تصرفاتهم أكثر مما يجب، ولا يروقهم ـ على حد تعبير إزيا برلن ـ أن تصبح جذورهم بادية في العراء. معظم البشر، فيما ينبهنا رسل، يفضلون الموت على التفكير، غير أن الحياة غير المتفكرة ليست بشرية بأي حال.

ثمة مبدأ يضمره كل تفكير ناقد، مؤداه كما يقول محمد السيد أن الحقيقة ليست في حوزة أحد، وأن قيمة الفكرة إنما تكمن في وجاهة ما تؤسس عليه من أسباب، وأن الحوار مع الآخرين أفضل سبيل لفهمهم والإفادة من تجاربهم. على هذا النحو يعد مساق مهارات التفكير الناقد مشروعا تنويريا يكرس قيم العقلانية والموضوعية والتعددية والتسامح الفكري. التغاضي عن رأي الآخر، إسكاته أو التقليل من شأنه لمجرد أنه لا يتسق مع ما نقر من معتقدات، جريمة في حق أنفسنا قبل أن يكون جريمة في حقه.

إن بداية، القضايا التي يفترض أن يسهم التفكير الناقد في حسم أمرها كما يري محمد السيد قضايا خلافية في سوادها الأعظم، إذ لا جدوى عادة من إعمال المرء مهاراته النقدية في مسألة يتفق في الحكم عليها مع الآخرين. الحال أنه كلما كانت المسألة أكثر خلافية، كانت أدعى لإعمال المهارات النقدية.

من منحى آخر، فإن الدراية بأهم القضايا التي تشغل المجتمع الغربي المعاصر كما يقول محمد السيد أمر ضروري لثقافتنا العربية والإسلامية، سواء اعتبرت نفسها في صراع مع ذلك المجتمع، أو حاولت إقامة حوار حضاري معه، أو تطلعت إلى محاكاة بعض أنظمته ومؤسساته وسبل عيشه. لم يعد الانفتاح الثقافي الذي يشهده العالم المعاصر يتيح المجال للانكفاء على الذات والتشرنق حول مشاغلها، كما أن المجتمع "الآخر"، مهما اختلفنا معه في رؤيته للواقع، يظل بشريا، والقضايا التي تؤرقه، مهما اختلفنا معه في سبل حسمها، تظل إنسانية.

ينضاف إلى هذا أن الثقافة الغربية كما يري محمد السيد أكثر جرأة في نقاش قضاياها، وأكثر حرصا على إعمال ملكات التفكير الناقد في تناولها. حسبنا أن نطّلع على الصحف الغربية لنقدر مدى الاهتمام الذي توليه تلك الثقافة لسرد الحجج والأدلة، ونستشعر المسحة الارتيابية التي تكتنف ما تصدر من أحكام. في المقابل، تحشد صحافتنا العربية بالأحكام الجزمية، وتحفل بالتعبيرات الإنشائية والخطابية، والمسكوت عنه فيها أكثر مما يقال. وبطبيعة الحال، ثمة استثناءات لافتة، في الصحافتين العربية والغربية، تلزمنا بإبداء بعض التحفظات على هذا الحكم، لكنها تظل استثناءات بمقتضى الطابع العام الذي تتسمان به.

ويمكن أيضا عدّ عناية ما قام بترجمته محمد السيد بقضايا تشغل المجتمع الغربي المعاصر دون أن تشغل مجتمعنا منقبة تحمد له لا مثلبة يلام عليها، كونها تمكن من ولوج عملية التفكير الناقد عبر دروب ميسرة نسبيا. ذلك أن الخوض في قضايا لا تستثير الحفائظ ولا تستنفر العواطف ـ لأنها منعزلة عنا بدرجة أو أخرى ـ إنما يسهم في تبيان كيف أن هناك أوجها متعددة ومغايرة للثقافة والعيش والحياة، أوجها لا تقل شرعية من حيث إنسانيتها عن تلك التي ألفناها. الثقافات المختلفة رؤى متباينة في الواقع، لكن العالم نفسه لا يتشبث ضرورة بأي منها، وإن تشبث بأي منها، فإننا نجهل هوية ما تشبث به. الحال أننا بتناول قضايا تشغل أمما أخرى، تأسس الانشغال بها على قائمة مختلفة من الأولويات، إنما نسهم في شحذ رباطة الجأش في مواجهة ما ننكر من قضايا، ونتعلم كيف نجادل الآخرين دون مصادرة على تعاليم نجزم بصحتها. وكما يقول هنري برجسون، فإن صفاء الذهن يستدعي قطعية مؤقتة مع العرف المفيد. هذه هي روح التسامح الفكري التي يكون هذا المساق أنجز الكثير لو أنه اقتصر على تكريسها.

ويطول بنا المقال غير أني لا أملك في نهاية حديثي عن الدكتور محمد السيد إلا أن أقول تحية طيبة لهذا الرجل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري مني لهذ الرجلٍ العظيم الذي لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علي

تنوعت الدراسات في فلسفة العلم للدكتور صلاح عثمان بصورةٍ تعكس اهتمامًا كبيرًا بموضوعاتٍ شتى، معظمها على علاقةٍ مباشرة بموضوعات الساعة، مثل قضية الاتصال واللاتناهي في الرياضيات والفيزياء والفلسفة، والنموذج ومنطق التفكير العلمي، ونظرية التطور الداروينية، والمنطق متعدد القيم، وفلسفة للكيمياء، وسيمانطيقا اللغة الجغرافية، والواقعية اللونية، والمنطق النيوتروسوفي ... الخ.

يُعد «صلاح محمود عثمان محمد» من المفكرين القلائل الذين اهتموا بالبحث والتنقيب في قضايا ومشكلات فلسفة العلم، حيث يأتي في السياق الفكري العربي المعاصر في مكانة مركزية بين السابقين عليه، والمعاصرين له، واللاحقين عليه، ليس في مجال البحث والتأليف والكتابة فحسب، بل في مجال الترجمة أيضًا، حيث توزعت اهتماماته وتنوعت في جوانب شتي من المنطق وفلسفة العلم. والحق أن التجربة الفلسفية التي قدَّمها صلاح عثمان تجربةٌ متنوعة، ثرية، وخصبة، وهي في حاجة إلى كثير من البحث والتحليل لعمقها وتحولاتها بداية من «الاتصال واللاتناهي»، ومرورًا بـ «شجرة الكون وقضايا مناقضة الواقع»، و«النموذج العلمي بين الخيال والواقع»، و«الداروينية والإنسان»، و«سيمانطيقا المؤشرات اللفظية والكلام غير المباشر»، و«المنطق متعدد القيم»، و«العلم والفلسفة والدين كمقولات لنهضة العقل العربي»، و«جدل الثبات والحركة في مفارقات زينون»، و«نحو فلسفة للكيمياء» و«وهم العالم الخارجي بين اللغة والإدراك»، و«طبيعة الحدود المكانية بين الجغرافيا والفلسفة»، و«الواقعية اللونية»، و«الفلسفة العربية من منظور نيوتروسوفي»، و«رؤية منطقية معاصرة تأسيسًا على نظرية القياس الفقهي»، و«جوتلوب فريجه: في المعنى والإشارة»، ووصولاً إلى «فلسفة العلم من الألف إلى الياء».

على المستوى الأكاديمي، يُعد صلاح عثمان أيضًا واحدًا من أبرز أساتذة المنطق وفلسفة العلم في مصر والعالم العربي. وهو يشغل حاليًا، ومنذ أكثر من عشر سنوات، منصب رئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة المنوفية، وله إسهامات مؤثرة في نشر الثقافة العلمية وأسس التفكير المنطقي الناقد من خلال دراساته المتنوعة والمكثفة باللغتين العربية والإنجليزية في مجالات المنطق وفلسفة العلم وتاريخ الفكر العربي – الإسلامي. كما شارك في العديد من المؤتمرات والندوات الدولية والمحلية، وناقش وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه بالجامعات المصرية والعربية، وهو عضو باللجنة التوجيهية لمركز دراسات الضمير بجامعة دوشيشا اليابانية.

وُلد الأستاذ الدكتور صلاح عثمان بمدينة الإسكندرية يوم الأحد الموافق 20 أكتوبر سنة 1963 م، الموافق الثاني من جمادي الآخرة سنة 1383 هـ، لأسرة تنتمي إلى قرية العمور – مركز المراغة – محافظة سوهاج بجنوب مصر. أنهى مرحلة التعليم الابتدائي سنة 1975 بمدرسة «سانت كاترين» للغات بالإسكندرية، ثم مرحلة التعليم الاعدادي سنة 1978 بمدرسة «الجمعية الخيرية الإسلامية». وفي سنة 1981 أتم دراسته قبل الجامعية بمدرسة «الأنفوشي الثانوية بنين» بالإسكندرية. التحق بعدها بجامعة الإسكندرية، كلية الآداب، قسم الفلسفة، وحصل منها على درجة الليسانس سنة 1985 بتقدير «جيد جدًا»، حيث كان الأول على دفعته، ثم حصل على درجة الماجستير في الآداب من ذات الجامعة سنة 1993 بتقدير «ممتاز» عن أطروحة عنوانها: «العقل والجدل عند هربرت ماركيوز». وفي سنة 1996 حصل على درجة الدكتوراه من كلية الآداب، جامعة المنوفية، بتقدير «مرتبة الشرف الأولى» عن أطروحته المعنونة «مشكلة الاتصال واللاتناهي في الفلسفة والفيزياء والرياضيات»، حيث أشرف علي أطروحته الأستاذ الدكتور محمد محمد قاسم (رحمه الله)، أستاذ فلسفة العلم بكلية الآداب جامعة الإسكندرية.

كان صلاح عثمان قد عُين معيدًا بقسم الفلسفة بكلية الآداب، جامعة المنوفية، في الخامس والعشرين من يونيو سنة 1989، ثم مدرسًا مساعدًا في السادس من نوفمبر سنة 1993، ثم مدرسًا في السابع عشر من نوفمبر سنة 1996، ثم أستاذًا مساعدًا في السادس والعشرين من يناير سنة 2003، ثم أستاذًا في الرابع والعشرين من مارس سنة 2008. وهو يشغل وظيفة رئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة المنوفية منذ التاسع والعشرين من يونيو سنة 2008 وحتى الآن.

تنوعت مؤلفات صلاح عثمان ما بين كتب وترجمات ودراسات وبحوث تقتحم مجالات نوعية مختلفة في إطار فلسفة العلم، ومنها: «النموذج العلمي بين الخيال والواقع: بحث في منطق التفكير العلمي»، «الداروينية والإنسان: نظرية التطور من العلم إلى العولمة»، «المنطق متعدد القيم بين درجات الصدق وحدود المعرفة»، «وهم العالم الخارجي بين اللغة والإدراك»، «نحو فلسفة للكيمياء»، «طبيعة الحدود المكانية بين الجغرافيا والفلسفة: بحث في سيمانطيقا اللغة الجغرافية»، «الواقعية اللونية: قراءة في ماهية اللون وسبل الوعي به»، «الفلسفة العربية من منظور نيوتروسوفي»، تأليف مشترك مع الفيلسوف وعالم الرياضيات الأمريكي فلورنتن سمارانداكه (باللغتين العربية والإنجليزية)، «قراءة معاصرة لمنطق القياس الفقهي الإسلامي: قياس الغائب على الشاهد» (باللغتين العربية والإنجليزية)، «العلم والفلسفة والدين كمقولات لنهضة العقل العربي (باللغتين العربية والإنجليزية)، «جوتلوب فريجه: في المعنى والإشارة»، «رؤية منطقية معاصرة تأسيسًا على نظرية القياس الفقهي الإسلامي»، «النماذج والاستدلال التمثيلي في العلم»، «العلم والفلسفة والدين كمقولات لنهضة العقل العربي»، «سيمانطيقا المؤشرات اللفظية والكلام غير المباشر»، و«شجرة الكون وقضايا مناقضة الواقع عند ستورس مكال» ... الخ.

يُعد كتاب «الاتصال واللاتناهي» أول منشوراته (1998)، وهذا الكتاب يمثل نسخة منقحة من أطروحته للدكتوراه التي عالج فيها نظرية الاتصال واللاتناهي الرياضية وما تثيره من إشكالات ذات أبعاد فلسفة وفيزيائية، كطبيعة الزمان والمكان والحركة، ومشكلة السببية، فضلاً عن الدور المحوري لهذه النظرية في الأزمات الكبرى للرياضيات عبر تاريخها، تلك التي بدأت – كما يُشير – باكتشاف الفيثاغوريين للأعداد الصماء أو اللامُنطقة، وإخضاعهم الحساب للهندسـة، ثم بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر باكتشاف الهندسات اللاإقليدية من جهة، ونظرية المجموعـات الكانتورية من جهة أخرى. كما يعالج صلاح عثمان في هذا الكتاب أيضًا مشكلة فلسفية أثيرة، هي مشكلة الكليات والجزئيات، وارتباطاتها الميتافيزيقية بمشكلات الظاهر والحقيقة، والإدراك الحسي، والتركيب العقلي للعالم، فضلاً عن الجانب اللغوي المعني بتحليل الحدود العامة والجزئية وفحص دلالاتها الوجودية. وعلى الإجمال يتبني صلاح عثمان في هذا الكتاب عددًا من المواقف الفلسفية، أهمها دفاعه عن مبدأ السببية والطابع الموضوعي المطلق للمتصل الكوني، القائم بذاته خلف نسبية الحركات في الزمان والمكان، والنزعة الواقعية بمعناها الأفلاطوني، تلك التي تُسلم بوجود الكائنات الرياضية المجردة في عالمها الخاص والمفارق، واستقلالها عن العقل الإنساني الذي تقتصر إنجازاته على كشفها، وهو ما يستتبع التعويل على القفزات الحدسية المباشرة – المسبوقة بإمدادات الحواس، والمتبوعة باستدلالات العقل – كوسيلة أساسية للكشف العلمي وغيره من إبداعات العقل البشري.

من بين كتاباته أيضًا مقاله المُعنون «شجرة الكون وقضايا مناقضة الواقع عند ستورس مكال» (1999)، وقد انطلق فيه من التأكيد على أن العلم لم يكن يومًا غريبًا عن الفلسفة، بل لقد أدت العلاقة الجدلية المستمرة بينهما إلى مزيد من المصداقية والقبول لبعض النماذج التفسيرية، سواء منها ما كان في الأصل نموذجًا فلسفيًا، ثم وجد دعمًا علميًا – كنموذج الذرات والفـراغ عند «ديموقريطس» وتبنى النظرية الذرية الحديثة لإطاره العام – أو ما كان منها نموذجًا علميًا تم تداوله فلسفيًا – كنموذج النقاط المادية المتجاذبة عند «نيوتن» وتبنى معظم فلاسفة الحقبة الحديثة له. وفي هذا المقال يهتم صلاح عثمان بمناقشة نموذج شجرة الكون لفيلسوف العلم الكندي المعاصر «ستورس مكال»، وأوجه الاختلاف بينه وبين النماذج التفسيرية المماثلة القائمة على فكرة متصل الزمان – مكان، ويُركز على ما يقترحه النموذج من حلٍ لواحدةٍ من أصعب مشكلات العلم والمنطق والفلسفة، ألا وهي مشكلة تحديد شروط الصدق للقضايا المنطقية الشرطية المناقضة للواقع؛ أعني تلك التي لا تُعبر عن حوادث وقعت بالفعل، بل كان من المفترض أن تقع، وبالتالي يصعب تحديد قيمة صدق (صادقة أو كاذبة) لها. هذا النوع من القضايا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتصور القانون العلمي، وتحفل به المقاربات التاريخية والخطط المستقبلية للأفراد والحكومات، لذا تعددت محاولات معالجته من قبل الفلاسفة، وهو ما تجلى مثلاً في النظرية الاستدلالية للقضايا الشرطية التي اقترحها «نيلسون جودمان»، ونظرية العقول واعتقاداتها للفيلسوف الإنجليزي «فرانك رامزي»، ونظرية العوالم الممكنة للفيلسوفين الأمريكيين المعاصـرين «روبرت ستالنيكر»، و«ديفيد لويس»، وأخيرًا نظرية النموذج الشجري لـ «ستورس مكال». وينتهي المقال إلى نتيجة مؤداها نجاح النموذج في معالجة المشكلة، وإن كان ذلك مرهونًا بالتأكيد على موضوعية قيم الصدق والاحتمال التي تحوزها القضايا الشرطية في مقابل الذات المُدركة، تلك التي تنتقل عبر غُرف انتظار متعددة تقترب رويدًا رويدًا من الحقيقة.

إذا ما انتقلنا إلى كتابه «النموذج العلمي بين الخيال والواقع» (2000)، وجدنا أنه يُركز فيه على دور النماذج الفكرية والمادية في اكتساب وتشكيل كافة أنماط المعارف الإنسانية، بداية من المعرفة العادية التي يسعى بها عامة الناس إلى فهم ما يدور حولهم من أمور الحياة، ومرورًا بالمعارف الفلسفية والدينية والفنية التي تحكم توجهات الإنسان العقلانية والوجدانية، ووصولاً إلى المعرفة العلمية الرامية إلى فهم ظواهر الكون وترويضها وفقًا لقوانين حاكمة. ويطرح صلاح عثمان في بداية الكتاب فرضًا نوعيًا أساسيًا مؤداه أن ما يتلفظ به العلماء من كلمات مثل «الفرض» و«القانون» و«النظرية» ما هي إلا أسماء مترادفة لشيء واحد يصب في خانة «النموذج»، وإذا كان ثمة فرق بين ما نعنيه بهذه الكلمات، فهو في الحقيقة فرقٌ في الدرجة لا في النوع، أو هو فرق بين نموذج أولي في مرحلة الفرض، وبين ذات النموذج في مرحلة القانون أو النظرية، وعلى هذا فمن الأجدر بنا ألا نتحدث عن فرض أو قانون أو نظرية، وإنما عن «نموذج علمي» يمر بمراحل متعددة حتى يتم تأكيده وقبوله، وهو في الوقت ذاته عُرضة لأن يحل محله نموذج آخر إذا اتسعت دائرة البحث لتشمل وقائع أخرى لا يحتويها النموذج أو يعجز عن تفسيرها.

أما كتابه «الداروينية والإنسان: نظرية التطور من العلم إلى العولمة» (2001)، فينطلق فيه من فرضٍ رئيس مؤداه أن ظاهرة العولمة، بما تمثله من نزعات للتفوق والربح والسيطرة وبسط النفوذ من قبل الغرب، لاسيما الغرب الأمريكي، ما هي إلا امتداد لأفكار وممارسات برزت بقوة بعد أن نشر «دراوين» كتابه «أصل الأنواع»، وعُرفت باسم حركة «الداروينية الاجتماعية»، في إشارة إلى نظرية التطور البيولوجي للكائنات الحية كما صاغها «دراوين» استنادًا إلى مبادئ الصراع من أجل البقاء، والانتخاب الطبيعي، والبقاء للأصلح، مطبقةً على تطور المجتمعات الإنسانية بكل جوانبها الثقافية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية. والرسالة التي يحملها الكتاب بصفة عامة هي أن بوسعنا – إن أردنا – أن نُروض العلم، وأن نجعل منه أداة لرُقينا، نُحكم قبضتنا عليها فنمتلكها ولا تمتلكنا، وذلك شريطة أن نروض أنفسنا أولاً، وأن نكبح جماح شيطان النفس الإنسانية، ذلك الممسك بتلابيب أي كشف علمي، فيعمد إلى توجيهه حيث أراد.

أما كتابه «المنطق متعدد القيم بين درجات الصدق وحدود المعرفة» (2002)، فلعله أول كتاب باللغة العربية عن الأنساق المنطقية متعددة القيم، وفيه يُناقش صلاح عثمان مراحل وآليات تطور المنطق الرمزي المعاصر متعدد القيم بأنساقه المختلفة، مركزًا على مشكلة الغموض المعرفي للإنسان بأبعادها اللغوية والإبستمولوجية والأنطولوجية، والتي تتجلى – على سبيل المثال – فيما تحفل به الدراسات الفلسفية والمنطقية والعلمية من مفارقات تمثل تحديًا قويًا لثنائية «الصدق – الكذب» الكلاسيكية، وكذلك في اكتشاف «هيزنبرج» لمبدأ اللايقين، وتأكيده وعلماء الكمّ على ضرورة التفسيرات الإحصائية في المجال دون الذري، الأمر الذي يؤكد عدم فعالية قانون الثالث المرفوع في التعامل مع معطيات الواقع الفعلي، واستحالة مشروع إقامة لغة مثالية أو اصطناعية أو كاملة منطقيًا تتجاوز عيوب ونقائص اللغة العادية التي نفكر ونتعامل بها. وينتهي الكتاب إلى نتيجة مؤداها أن ما واجه المنطق الكلاسيكي – ثنائي القيم – من مشكلات أدت إلى تطويره، لاسيما مشكلة الغموض، لابد وأن يواجه بالمثل المنطق متعدد القيم، ذلك أن الغموض ظاهرة إبستمولوجية في المحل الأول، مردها إلى الذات العارفة وقصور إمكاناتها الإدراكية والقياسية، لا إلى الوجود ذاته. وأننا حتى لو سمحنا لأية قضية منطقية بقيمة صدق ثالثة، أو بأكثر من قيمة تتوسط بين الصدق التام والكذب التام، فسوف تظل القضية – كتمثيل لغوي لإحدى وقائع العالم – صادقة أو كاذبة، سواء أدركنا ذلك أو لم ندركه.

ينفرد صلاح عثمان أيضًا بتأليف أول كتاب باللغة العربية يقتحم مجال البحث الكيميائي من منظور فلسفي، ألا وهو كتاب «نحو فلسفة للكيمياء» (2004)، هادفًا من خلاله إلى إضفاء مزيد من المرونة الفلسفية على رؤية الكيميائيين لعالمهم المرئي، وإلى إفساح الطريق أمامهم لاستكشاف الجوانب اللامرئية لموضوعات بحثهم، فضلاً عن توجيه أنظار المشتغلين بالفلسفة إلى هذا العلم الذي باتت تحيط بنا نتائجه وإنجازاته، وتؤثر علينا مردوداته التقنية في كل لحظة من لحظات حياتنا. ويطرح الكتاب عددًا من التساؤلات الهامة والأصيلة، ويجيب عنها تفصيلاً عبر صفحاته وفصوله، ولعل أهمها: ما الذي يمكن أن تقدمه الفلسفة للكيمياء – أو الكيمياء للفلسفة – بصفة عامة؟ كيف نستكشف الإقليم الفاصل بينهما، ونستشرف من ثم العامل المشترك الذي يجمعهما بغض النظر عن الدور المستقل لكل منهما في تحصيل المعرفة؟ وإذا كانت الكيمياء علمًا تجريبيًا بالدرجة الأولى، فماذا إذن عن اللغة الرمزية لهذا العلم؟ هل لهذه اللغة أسس تجريبية واضحة، أم أن لها بالأحرى مستويات سيمانطيقية وقواعد تراكيبية تستلزم معالجة لغوية ومنطقية لا يمكن إنجازها إلا بتدخل الفلسفة؟ ثم ماذا عن الجانب الأنطولوجي للعناصر والجزيئات والمركبات وغيرها مما تشتغل به الكيمياء؟ هل يمكننا القول أن لها وجودًا واقعيًا يضارع وجود الأشياء الجاسئة من حولنا – بالمعني الساذج للواقعية – أم أنها لا تعدو أن تكون مجرد ألفاظ أو كيانات صورية تؤدي دورًا إبستمولوجيًا لا غنى عنه للمعرفة الكيميائية؟ كذلك هل للكيمياء سمات خاصة تميزها كعلم مستقل قائم بذاته، أم أنها بتشعباتها لا تخرج عن كونها نسقًا فرعيًا للفيزياء يرتد إليها بشكل مباشر؟ وبعبارة أخري، هل ثمة مناهج وقوانين ونظريات خاصة بالكيمياء، أم أنها مجرد تجميع لوقائع نسترشد في التعامل معها بالنموذج الفيزيائي؟ وكيف نُعيّن إذن حدود العلاقة بين الكيمياء والعلوم الأخرى؟ أخيرًا، ما هي الأوجه التطورية للكيمياء المعاصرة، وهل يمكننا النظر إلى الكيمياء كإنجاز تاريخي ثقافي خاص، له أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية المميزة؟ وما هي الحدود الأخلاقية للمشروع الكيميائي، وإلى أي مدي يرتبط البحث الكيميائي بالبعد الجمالي لموضوعاته؛ هل ثمة تجربة فنية جمالية تكتنف عالم الكيمياء حين يرسم معادلاته الرمزية، أو حين يبني نماذجه الجزيئية، أو حتى حين يرقب نتائج تفاعلاته في المعمل؟

وفي كتابه «الفلسفة العربية من منظور نيوتروسوفي» (2007) أكد صلاح عثمان أننا نعيش في عالم يكتنفه الغموض من كل جانب؛ عالم تتسم معرفتنا لأحداثه ووقائعه بالتناقض واللاتحديد، وتُفصح قضايانا اللغوية الواصفة له عن الصدق تارة وعن الكذب تارة أخرى، ومن ثم فنحن في حاجة إلى فلسفة جديدة تعكس حقيقة رؤيتنا النسبية لهذا العالم وقصور معرفتنا به؛ ونحن في حاجة إلى نسقٍ منطقي يُلائم معطياته غير المكتملة ويُشبع معالجاتنا لها، سواء على مستوى ممارسات الحياة اليومية أو على مستوى الممارسة العلمية بمختلف أشكالها. والفلسفة التي يقترحها هذا الكتاب هي «النيوتروسوفيا»؛ تلك النظرية التي قدمها الفيلسوف والرياضي الأمريكي «فلورنتن سمارانداكه» العام 1995 كتعميم للنزعة الجدلية، والتي تكشف بأسلوب جديد عن تناقضات الفكر وحركته الدائبة والمتصلة بين الصدق والكذب، وتُعيد لملكة السلب هيبتها المفقودة لدى العقل القانع بوهم الثبات المطلق. ومن هذه النظرية ينبثق المنطق النيوتروسوفي كتعميم لأنساق المنطق المعاصر متعدد القيم، لاسيما المنطق الحدسي الغائم. ورغم حداثة النظرية والنسق، وتعدد مجالات تطبيقهما في الفكر الغربي المعاصر، وبصفة خاصة مجالات العلم التقني، إلا أن ثمة استخدامات أخرى لهما لدى مفكري العرب والإسلام إبان مرحلة ازدهار الحضارة الإسلامية، وهو ما يكشف عنه الكتاب من خلال دراسة منطقية مقارنة، تميط اللثام عن أصالة وخصوبة الفكر العربي، فضلاً عن تحرره وتسامحه وجمعه بين الرأي والرأي الآخر، في وقت يوسم فيه من قبل الغرب بالانغلاقية، والتشدد، والتحجر، ورفض الآخر، وخصومة الحوار الجدلي. جاء الكتاب كثمرة للتعاون البحثي المشترك بين الدكتور صلاح عثمان والدكتور فلورنتن سمارانداكه، وقد نُشر باللغتين الإنجليزية والعربية بالولايات المتحدة الأمريكية ومصر.

أما في مقاله «رؤية منطقية معاصرة تأسيسًا على نظرية القياس الفقهي» (2015) فقد كشف صلاح عثمان عن أوجه التشابه والتلاقي بين منطق القياس الفقهي الإسلامي والمنطق المعاصر متعدد القيم، وكيف تجلت سمات هذا الأخير لدى فقهاء الإسلام في عصرهم الذهبي، سواء من حيث تعددية التفسير، أو سماحة التعايش السلمي بين الأفكار، أو ضرورة الحوار الجدلي بين الرأي والرأي الآخر، دون تعصب مذموم، أو تشدد يعكس جهلاً مطبقًا بحقيقة الدين ومرونة تعاليمه. يستعرض البحث أيضًا واقع الفكر المنطقي العربي المعاصر، وما يشوبه من تقليد أو جمود يستدعي بعث الطاقة الخلاقة للمنطق الفقهي في ضوء تجاوز المنطق المعاصر للمنطق الكلاسيكي ثنائي القيم، وتعقد مشكلات العالم المعاصر.

من جهة أخرى يشير صلاح عثمان في مقدمة ترجمته لمقال «جوتلوب فريجه»: «في المعنى والإشارة» (2016) إلى أن «فريجه» – على حد تعبير «دامت» – كان من أوائل من أدركوا أن نظرية المعنى، أو فلسفة اللغة، هي جزءٌ أساسي من الفلسفة ترتكز عليه كافة الأجزاء الاخرى؛ فإلى جانب دراساته التأسيسية الرائدة في الرياضيات والمنطق، كان يُؤسس ايضًا لفلسفة اللغة ببعض المقالات التي فاقت في تأثيرها وشهرتها تأثير وشهرة معظم أعماله الرياضية الأخرى، دون إقلال من شان هذه الأخيرة وريادتها. وتأتي دراسة صلاح عثمان بمثابة قراءة تحليلية – نقدية لمقال «فريجه» الأكثر أهمية في هذا الصدد «في المعنى والإشارة»، مشفوعة بترجمة إلى العربية للجزء الأكبر والاهم منه

أما في كتابه «الواقعية اللونية: قراءة في ماهية اللون وسُبل الوعي به» (2006) فقد بدأ صلاح عثمان بالتأكيد على أن للمشكلة الفلسفية – على حد تعبير «برتراند رسل» – تمثل طبيعة خاصة تتفرد بها؛ فهي تبدأ بشيء بسيط للغاية بحيث لا يستحق الذكر، وتنتهي بشيء غريب للغاية بحيث لا يصدقه أحد! ولا تخرج الألوان وفقًا لكتاب الواقعية اللونية عن هذا الوصف حين تخضع للبحث الفلسفي؛ فنحن نعرف جميعًا كيف نميز الألوان، وكيف نتفاعل معها شعوريًا، وكيف نوظفها في المواقف الحياتية المختلفة؛ لكن ما أن يُطرح السؤال عن ماهية اللون، أو بنيته الأنطولوجية، أو شروط إدراكه، حتى نجد أنفسنا أمام موضوع يُغلفهُ الغموض الكثيف، موضوع كان وما زال يثير شغفـًا معرفيًا لدى العالم والفيلسوف على حدٍ سواء. إن اللون بالنسبة للفيزيائي هو ذلك الطول الموجي القابل للتحديد، وبالنسبة للفسيولوجي هو قيم الإثارة لخلايا الإحساس بشبكية العين، وبالنسبة للرسام هو ذلك الجوهر المتألق على لوحة الرسم، وبالنسبة للإنسان العادي هو ذلك الرداء الذي ترتديه المادة، والذي تمتنع رؤيتها بدونه. أما بالنسبة للفيلسوف فثمة نظريات عدة ذات مبررات ومنطلقات مختلفة؛ تنتقل بنا من كونه خاصية موضوعية وجوهرية للأجسام، إلى كونه خاصية استعدادية لدى المادة أو الكائن الحي، إلى كونه خاصية علاقية تربط البيئة بمن يقطنها، إلى كونه خاصية افتراضية أو مجرد وهم...، فهل ثمة نظرة توفيقية بين هذه الرؤى والنظريات المختلفة؟ ذلك ما يسعى إليه صلاح عثمان عبر رحلة مثيرة في عالم البحث اللوني، تؤكد أنه ما زال بإمكاننا تذوق متعة أخرى من متع هذا العالم الغامض والمراوغ.

قد لا أجد متسعًا لعرض باقي مؤلفات صلاح عثمان الرائعة، لذا لا أملك إلا أن أقول: تحيةً للدكتور صلاح عثمان، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاؤه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.

تحيةً مني لرجل لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أمينًا لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجًا لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفردًا. بارك الله لنا فيه قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلمًا يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطننا بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غدٍ أفضل، وأبقاه الله لنا إنسانًا نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

ضياء نافعسنحت لي فرصة زيارة جامعة موسكو قبل فترة قصيرة، وقررت طبعا ان اتجول في القسم الداخلي، حيث كنّا نسكن هناك عندما كنّا طلبة في تلك الجامعة. ذهبت رأسا الى غرفتي، وطرقت الباب، فخرجت فتاة روسيّة فاتنة (زي القمر!) بعمر احفادي، وقالت لي – نعم جدو ماذا تريد؟ فقلت لها، اعذريني، فانا كنت اسكن في هذه الغرفة قبل اكثر من نصف قرن مضى، واريد الان ان (اسلّم عليها!) فقط ليس الا، و(اتلمس جدرانها!). ابتسمت تلك الفتاة الجميلة برقّة وعذوبة وقالت – (تفضل تفضل)، وشعرت ان كلماتها كانت صادقة جدا وتنطلق من اعماق قلبها . دخلت الى (غرفتي!)، ونظرت بامعان الى كل مافيها، وتذكرت وتذكرت وتذكرت وفهمت بعمق احاسيس الشاعر العربي قيس بن الملوح الذي كان (يقبّل ذا الجدار وذا الجدارا). اما الفتاة الروسية المسكينة فقد احتارت بكيفية التعبير والترحيب ب (المقيم القديم هذا من العراق!)، وارادت ان تقدم لي الشاي والمرّبى (على الطريقة الروسية بشرب الشاي)، ولكني شكرتها، واعتذرت مرة ثانية على هذه الزيارة الغريبة جدا، وأسرعت بالخروج من (غرفتي)، لانني كنت بالكاد أسيطر على دموعي، وقلت لها، ان وقتي محدود جدا، واني اريد ان أزور غرفا اخرى في القسم الداخلي، كان يسكن فيها آنذاك العراقيون من أصدقائي في جامعة موسكو في تلك الايام الخوالي .

توجهت رأسا الى غرفة محمد يونس، ولم اطرق الباب، وانما وقفت عندها قليلا، وقلت بيني وبين نفسي لروح المرحوم أ.د. محمد يونس وانا ابتسم – (مرحبا يا صديق تورغينيف)، اذ اني تذكرت كيف كان محمد يحضّر اطروحة الماجستير حول تورغينيف، وكيف كان (غارقا !) في المصادر الروسية عنه، وتذكرت طبعا، كيف أصدر محمد يونس كتابه عن تورغينيف ضمن سلسلة أعلام الفكر العالمي في بيروت، وتذكرت مقالته التي نشرها في مجلة الاقلام بعنوان – (تورغينيف والمرأة)، وقلت لروحه همسا، اني ابحث عن مقالتك الان يا (ابو جاسم)، لاني اريد ان انشرها من جديد ضمن سلسلة كتبي – (دفاتر الادب الروسي)، التي تصدر عن دار نوّار للنشر، وانني كلفت بعض طلبتنا لايجادها . وتركت باب غرفة محمد يونس وأنا أتذكر الكلمات الطيبة والعطرة، التي قالتها لي الباحثة المصرية الكبيرة أ.د. مكارم الغمري (عندما التقيتها في المؤتمر العالمي لمترجمي الادب الروسي بموسكو في العام الماضي) عن جارها آنذاك المرحوم محمد يونس وزوجته ام بشار، كلمات مليئة بالاحترام الحقيقي والمحبة الصادقة والتقدير الهائل...

وغير بعيدة كانت غرفة غازي العبادي، ومررت من قربها، وتوقفت عندها ايضا، وقلت لطيف المرحوم غازي العبادي – (مرحبا يا غازي الحبيب!) وصفة (الحبيب) هذه هي تعبير حقيقي عن مشاعر كل العراقيين الذين كانوا حوله في جامعة موسكو، وتذكرت ابتساماته وطيبته ورومانسيته وبساطته المتناهية والنقيّة، وتذكرت ايضا، انه (تورغينيفي الاختصاص)، الا انه كتب عن جانب آخر من ابداع تورغينيف، وكان موضوعه تحليل آراء تورغينيف حول بطلين من ابطال الادب العالمي، وهما - هاملت ودون كيخوت، اي ان غازي تخصص في موضوعة تورغينيف باعتباره ناقدا ادبيا، وهو تخصص فريد جدا بالنسبة لنا جميعا، الا ان المرحوم غازي بتواضعه الجم لم يتحدث عن تخصصه هذا بعد عودته الى العراق لانه كان بعيدا جدا عن التباهي بأي شكل من الاشكال، وتذكرت كيف ان ابنته الدكتورة ضفاف غازي العبادي، التدريسية الان في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد سألتني مرة عندما كانت تعمل معنا في كلية اللغات، كيف يمكن لها ان تجد اطروحة والدها هذه، اذ انها الابنة البّارة، التي تجمع كل تراثه وتؤرخ نشاطه الابداعي الجميل وتنشر في موقعه الالكتروني (الذي عملته هي ويحمل اسمه وصورته) حتى قصصاصات الورق بخط يده حول الكتب التي كان يستعيرها منه الاصدقاء، ولم استطع مع الاسف ان اساعدها.

 تركت الطابق الذي كنّا نسكن فيه وصعدت الى الطابق الاعلى، حيث كان يسكن طلبة كلية الجيولوجيا، وتوقفت قليلا عند غرفة عدنان عاكف، وقلت بيني وبين نفسي، من الضروري جدا جمع مقالات المرحوم د. عدنان عاكف واصدارها بكتاب، خصوصا مقالاته الرائدة والمهمة حول التراث العلمي العربي (انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مرّوا بموسكو (22) / د. عدنان عاكف)، وفكرت ان اطرح هذا المقترح على د. صائب خليل، وكم أتمنى الموافقة على هذا المقترح يا اخي د. صائب، وانتظر جوابك (على أحرّ من الجمر!) . وتوقفت ايضا عند غرفة الشهيد د. حامد الشيباني (أعدمه النظام البعثي في السبعينات)، المبتسم دائما، وقرأت سورة الفاتحة بصمت على روحه الطاهرة، وتذكرت حديثي مع د. ديكران حول اعتقال حامد في شركة النفط الوطنية في بغداد (انظر مقالتنا بعنوان – مع د. ديكران يوسف كيفوركيان في موسكو) . بعد غرفة حامد وذكرياتي عنه لم استطع الاستمرار بهذه الجولة، فتوقفت، وخرجت من القسم الداخلي لجامعتي وانا حزين ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمود محمد عليظلت المرأة في تاريخ الفلسفة في هامش الفكر، رغم خطابات العقلانية، والحداثة، والاختلاف، وحقوق الإنسان، واللواتي اشتهرن من النساء في الكتابة الفلسفية، واقترنت أسماؤهم ( كما يقول صايم عبد الحكيم في مقاله عن: حلمي مطر .. أميرة الفلسفة) بالنضال الاجتماعي والسياسي، مثل (روزا لاكسبورغ) و(سيمون دي بوفوار)•• وداخل هذه المنظومة الفكرية إلتقى الغرب بالشرق، بحيث ارتبطت صورة المرأة العربية- الإسلامية بالأدب وصالوناته وبالحضور الأنثوي في المجالس الثقافية، كما هو الحال بالنسبة لـ (مي زيادة)، و(فدوى طوقان)، و(غادة السمان) و(نوال السعداوي) و( أحلام مستغانمي) و(فاطمة المرنيسي ).. وكأن سلطة الحريم في بنيتها اللا شعورية أقوى من مشاركتها في وجودها الاجتماعي الذي يتحرك في حدود ضيقة نحو الأفضل.

قد يعود ذلك إلى ''الصورة التي رسمها أرسطو'' للمرأة، كما ( يقول صايم عبد الحكيم في مقاله سالف الذكر) ، وأثر ذلك على التراث العربي- الإسلامي، إذ وجدنا بكيفية أو أخرى الإمام أبو حامد الغزالي يعرض ''بعض الحقائق الاجتماعية السائدة التي تحط من قيمة المرأة وقدرها، مستنداً إلى أحاديث متواترة يصعب الأخذ بصحة معظمها'' ، ويظهر هذا أيضا عند قراءة قواميس الفلسفة والفلاسفة وموسوعاتهم، سواء تلك التي أعلنت عن تقدميتها أو تلك التي قامت على أساس الفهم بغرض تجاوز الفكر الدوغمائي والجدلي، إذ نكتشف منذ الوهلة الأولى ذلك الوجود التراجيدي للمرأة كذات مفكرة، وكأن تاء التأنيث ثقيلة على مفهوم ''الفيلسوف''، مع أنّها لا تحمل بالمشروع الفلسفي، بل تصنعه وترسم آفاقه المستقبلية.

ولعل شخصية الدكتورة "صفاء عبد السلام علي جعفر" ، هي إحدى النماذج الفكرية التي نستلهم منها هذا الحس الفلسفي الذي ينبت في الأرض، كما تنبت أشجار النخيل في الصحاري العربية- الإسلامية، فأذهلت بذلك المؤرخ اليوناني (هيرودوت) بنشاطها ''ومشاركتها الرجل في جميع مناحي الحياة•• حتى أنّها وصلت إلى أعلى المناصب السياسية عندما حكمت البلاد بمفردها، أو مع زوجها'' ؛ وعلى خطى الأوائل من الفلاسفة في استحسانهم للحق، مهما كان مصدره أو موطنه، قامت صفاء جعفر الفيلسوفة المصرية المعاصرة ، كما تقول كاتا موزر (أستاذ ة الدراسات الإسلامية بجامعة برن) في دراسة بعنوان" قراءة صفاء جعفر لفكر هيدجر" :" تبحث بشكل أساسي في  الفلسفة الحديثة والمعاصرة ،  وتتعامل مع نقاط معينة تنتقي من مناطق مختلفة عن بعضها ابتداءاً ويشار هنا إلي انتقائها من تفكير الأفلاطونية والشرق الأقصي وحقل تخصصها داخل الفلسفة الأوربية هو فلسفة مارتن هيدجر وأحد اهتماماتها هو السؤال عن العلاقة بين الفلسفة واللاهوت .. وهي تتناوله بشكل مختصر وتسمي النصوص التي تقيم فيها حوارها مع لاهوت هيدجر ، ويلحق بهذا أن تعمل هذه المساهمة علي الموضوع الرئيسي في ثلاث علاقات برهانية ، والتي يمكن أن تتكون عند صفاء جعفر فيما يتعلق بفهم اللاهوت عند هيدجر، ويتبدي أنها تتعامل مع الحجة والفكرة في قراءة هيدجر، والتي تستند عليها وتناقشه مجادلة ، وأخيرا ينبغي أن تتم البرهنة في هذه المساهمة علي القراءة المقدمة والحجة التي تقدمها صفاء جعفر في تأويلها الفلسفي

وذكر الباحث "معتر أبو الخير في دراسة له بعنوان "قراءة د. صفاء جعفر عبد السلام جعفر لفكر نيتشه وهايدجر درء الاتهامات السؤال عن الأصل والأنسان الكامل وفكرة الموت (نشرت ضمن مجلة أوراق فلسفية التي يشرف عليه د. أحمد عبد الحليم):" صفاء عبد السلام علي جعفر، مفكرة وكاتبة، أستاذة جامعية وباحثة، وهي أستاذة مادة الفلسفة الحديثة والمعاصرة، ورئيسة قسم الفلسفة بكلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية، اشتهرت بمؤلفاتها في الفلسفة الألمانية الحديثة والمعاصرة، خاصة فريدريش نيتشه ومارتن هايدجر؛ حيث تخصصت فى هذا الأخير، وأعدت عنه عدة دراسات بالغة الأهمية تهدف إلى تفسير الأصول التي شغلت الفيلسوف الألماني الكبير كالأصل في اللغة، والأصل في العمل الفني. وقد تميزت بمهارتها فى عرض الفكرة ومناقشتها، وكذلك إلمامها بعدة لغات، واعتمادها على المصادر الأصلية.

وبعد هذا الاستشهاد من قبل بعض الباحثين في الشرق والغرب في حق الدكتورة صفاء جعفر، فأود أن أدلي بدلوي في حقها فأقول : تعد صفاء جعفر واحدة من كبار الرواد في دراسة الهيرمينوطيقا والانطولوجيا المعاصرة بمصر، والعالم العربي، وقد استطاعت من خلال بحوثها ومؤلفاتها أن تنقل البحث في الفلسفة الحديثة والمعاصرة من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كانت في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديها هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

وشخصية الدكتورة صفاء جعفر متميزة بطابع الجدية، وقد كان الحوار معها من أصعب الأمور، وخاصة مع أولئك الذين لا يحسنون استخدام عقولهم ؛ فهي لا تقبل هذراً ولا فوضي. والألفاظ لديها ينبغي أن تكون علي قدر معانيها ، فالتزيد مرفوض، والفيهقة مستحيلة . لذلك كانت دائرة أصدقائها ضيقة جدا، ومعارفها قليلين ، وصارت الفكرة التي شاعت عنها أن الصغار يخشون منها، والكبار يهابونها.

وهَبَت الدكتورة صفاء جعفر حياتها كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظلت اهتماماتها الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن . وكانت تعتقد أن قدراتها الخاصة لا تقل بحال من الأحوال عن قدرات أي باحث مماثل لها في أوربا . لذلك فإن حوارها مع كبار الأساتذة في ألمانيا (عندما زارتها في بدايات القرن الحالي أكثر من مرة)، كان يتسم بالندية . وكانت تصحح الكثير من آرائهم بالاعتماد علي المنهج العلمي الحديث في البحث والدرس الفلسفي؛ وبالذات عند نيتشه وهيدجر .

ولدت صفاء جعفر في مدينة الإسكندرية في السادس عشر من شهر فبراير عام 1960 م، وتفوقت في دراستها طوال مشوارها التعليمي، فكانت من العشرة الأوائل على مستوى الجمهورية في الثانوية العامة، وعلى الرغم من ذلك اختارت أن تدرس الفلسفة تحديداً ؛ لحبها الشديد لها ، الذي كان الفضل فيه يعود إلى دراستها أستاذها في مادة الفلسفة في المرحلة الثانوية؛ وقد حافظت على تفوقها خلال المرحلة الجامعية فحصلت علي درجاتها العلمية دون رسوب واحد، فكان حصولها على ليسانس الآداب من قسم الفلسفة ، بجامعة الإسكندرية في عام 1982 م ، وقد كان ترتيبها الأولى على دفعتها، فتم تعيينها معيدة بالقسم في العام نفسه، ثم نالت درجة الماجستير في الآداب من قسم الفلسفة ، بجامعة الإسكندرية 1988 م، ثم واصلت مسيرتها العلمية حتى نالت درجة الدكتوراه من القسم نفسه عام 1993 م .وفي عام 2000م حصلت صفاء جعفر علي أستاذ مساعد ، وفي 2007 حصلت علي درجة الأستاذية ، وفي عام 2013 ترأست قسم الفلسفة .

وقد درست صفاء جعفر من منذ 1993م إلى اليوم لجميع المراحل الدراسية مواد الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وفلسفة الحضارة، والأيديولوجيات، والنصوص الفلسفية باللغة الأجنبية، كما ناقشت وأشرفت على العديد من رسائل الماجستير، والدكتوراه بالجامعات المصرية؛ وقد تميزت مؤلفاتها بتناول الأفكار الأصيلة، والفلسفات العميقة، الأمر الذي أعطى كتبها ودراساتها ثقلا أكاديمياً . وقد وصف الدكتور حبيب الشاروني (أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة الراحل – بكلية الآداب – جامعة الاسكندرية) كتابها : "الوجود الحقيقي عند مارتن هايدجر": بأنه "من أمهات الكتب". كما أن لها كتاباً عن الفيلسوف الألماني المثير للجدل فريدريش نيتشه " يعد محاولة جادة تهدف إلى قراءة الفيلسوف قراءة صحيحة تستبعد كل المفاهيم الخاطئة التي أُلصقت بفكره" .. وقد حرصت على تعلم اللغة الألمانية، لقراءة نصوص الفلاسفة بعيدا عن أخطاء الترجمة إلى العربية والإنجليزية، وقد سافرت إلى ألمانيا مرتين .

ومن أهم مؤلفاتها : محاولة جديدة لقراءة فريدريش نيتشه – فلسفة العلوم أو الترانسندس، والحضارة الغربية الحديثة بين النشأة والتدهور، وفي فلسفة الحضارة بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور أحمد محمود صبحي، والوجود الحقيقي عند مارتن هايدجر، وهيرمينويطيقا : تفسير "الأصل في العمل الفني"- دراسة في الانطولوجيا المعاصرة ، وانطولوجيا اللغة عند هايدجر، والتنوير والرومانتيكية في الحضارة الأوربية – رؤية نقدية في فلسفة الحضارة، وقراءة للمصطلح الفلسفي، والذات الحقيقية عند كارل ياسبرز "  قراءة في مفارقة المواقف الحدية"، والاليثيا بين أفلوطين وهيدجر، والأصل في اللغة دراسة في انطولوجيا في قصيدة تراكل – أمسية شتوية، وميتافيزيقا اللامتناهي عند جيوردانو برونو- قراءة لفلسفة في غير أوانها، وميتافيزيقا الشخصية الحقيقية عند نيقولا برديائيف – قراءة في المفارقة الوجودية ، وحبيب الشارونى: الأستاذ القدوة في الزمن الضنين، والأصل في التقنية: دراسة في الأنطولوجيا المعاصرة، وأحمد محمود صبحي رائد الفكر الإسلامي...الخ.

وقد حصلت صفاء جعفر علي عدة جوائز من أهمها : جائزة الجامعة للتشجيع العلمي عن كتاب " هيرمونطيقا الأصل في العمل الفني " عام 1999 م، وجائزة الأبداع الفلسفي من المجلس الأعلى للثقافة عن كتاب: الذات الحقيقية عند كارل ياسبرز" 2000م.

ولم تكن صفاء جعفر ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان عملها العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكانت في ذلك متسقة مع نفسها تمام الاتساق، فقد كانت تبحث دائماً عن النوعية من الحياة، وتعرف كيف تتذوقها وتُرضي بها حسها المرهف. ولكن لعل السبب الأهم في عزوفها عن الإنتاج الغزير، برغم قدرتها عليه، هو أنها كان من ذلك النوع النادر من المفكرين، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث.

ولم تكتف صفاء جعفر بالإلمام بمقتضيات البحث العلمي في مجال الدراسات الفلسفية أو ترسيخها في قلوب وعقول تلامذتها وكل من يستمعون إليها، بل كان لها السبق في استبطان عقول من تشرف علي رسائلهم ؛ بمعني أنها كان مقتنعة تماماً بأن لكل باحث شخصيته وميوله، فمنهم من يميل إلي المنهج التاريخي المقارن، ومنهم من يميل إلي التحليل والتعمق، في حفر الأفكار، فلم تحرم صفاء جعفر هؤلاء أو هؤلاء من ميولهم، ولكنها أضافت إليها، فحافظت علي شخصية تلاميذها والقواعد العلمية في آنا واحد، مما يندر أن يتوفر عند أساتذة كثيرين. لقد تفردت صفاء جعفر بفضيلة الجمع بين الأستاذية والصداقة لتلاميذها لدرجة كان يشعر معها هؤلاء التلاميذ أنهم يتحدثون ليس إلي أستاذتهم ، بل إلي صديقتهم الودودة التي لا تمل من شكواهم ولا تضيق بمشكلاتهم . إنها الأستاذة التي كانت تؤمن بأن قيم الإنسانية تفوق قيم الأستاذية، وأن البحث العلمي والتقدم الاكاديمي لطلابها وتلاميذها مرهون بإحساسهم بالأمان إلي جوارها والأنس إلي رفقتها ومحبتها .ولذلك ضاقت المسافات بينها وبينهم رغم فارق السن والخبرة والأستاذية، إنها علي دراية بكل دقائق حياتهم تفتح لهم مكتبتها وتهبهم الساعات الطوال في صحبتها، لا تبخل عليهم بنصيحة ولا تتوقف عن رعايتهم ماديا وأدبيا وعلميا، والمدد عندها لهم بلا حدود . لقد اختلطت بهم واختلطوا بها حتي أصبحوا في مرتبة أصدقائها النجباء دون تكلف أو ادعاء مع حفظ المسافات بينها وبينهم .

أضف إلي ذلك حبها العميق للغة العربية، فقد كان عاشقة لها، غيورة عليها، حظية بها – وقد انعكس ذلك كله علي أسلوبها في كل كتاباتها؛ حيث كان أسلوبها جذلاً، فيه رصانة وطراوة، وإغداق وإثمار، وفيه عذوبة تشد الآذان إليه لسهولته، وإن تكن من نوع السهل الممتنع . فعباراتها قصيرة، لكنها واضحة الدلالة؛ وتنتظم في حلقات من سلسلة تشبه جواهر منظومة في عقد، تجسد الفكرة، وتقدمها للمتلقي في سياق يصعب أن تحذف منه كلمة، أو تضيف إليه كلمات، وتكاد تشعر أنك مع شاعرة مبدعة تعزف علي أوتار كلماتها لحناً عذباً رائعاً يستلب القلوب، ويأخذ بمجامع العقول، فيشيع فيها امتاعاً  وأنساً مع شئ من الحماسة تضطرم به الأفكار، غير أنك لا تكاد تسمع منها في الأعماق إلا همساً . هذا علاوة علي اتقانها الرائع للغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور صفاء جعفر بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكرة مبدعة في الفلسفة ، ونموذج متفرد لأستاذه جامعية نذرت حياتها بطولها وعرضها لخدمة الفلسفة والثقافة العربية، وأثرت حياتنا الفكرية بكل ما قدمته من جهود.

تحيةً مني لصفاء جعفر التي  لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع ، وسوف تبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا في صفاء جعفر قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمرها قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاها الله لنا إنسانة نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منها عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

991 عبدالجبار عبداللهالعالم والمربي العراقي عبد الجبار عبد الله غني عن التعريف، من أفضل علماء الانواء الجوية الذين برزوا في العالم. ولد في قلعة صالح ونال شهادة البكالوريوس من الجامعة الامريكية في بيروت. حصل على الدكتوراه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. شغل منصب رئيس جامعة بغداد في عام 1958. أطلق عليه صديقه العالم العراقي عبد الكريم الخضيري بعبقري الجيل لصفاته العلمية والأخلاقية، واستقلالية تفكيره، ومنهجيته الصارمة والدقيقة. أعتقل بعد صعود حزب البعث إلى السلطة في عام 1963 وتعرض للتعذيب. أطلق سراحه وسمح له بالسفر الى الولايات المتحدة وهُناك شغل عدة مناصب، وتوفي في عام 1969.  كتب عن حياته في العراق الكثير ولكن حياته العلمية في الولايات المتحدة ضلت بعيدة عن متناول الكتاب حتى ان الكثير تناولها بصورة خاطئة مستندين بذلك على معلومات غير صحيحة. في وقت سابق طلب مني المشاركة في ندوة عقدت في لندن حول حياة عبد الجبار عبد الله لم أستطع المشاركة بها الا أنى كنت قد بحثت في مساهماته العلمية واطلعت على إنجازاته من خلال الأوراق العلمية التي نشرها، وفي خلال بحثي وقعت على مقالة مهمة في نعي العالم كتبها اثنان من زملائه العلماء عن انتاجه العلمي خصوصا في موضوع الانواء الجوية وهو ما اثار اهتمامي فرأيت انه من المهم عرضها بالعربية لكي يطلع عليها المهتمين بالعلم والمعرفة من العراقيين والعرب على حياة عالم من بلاد الرافدين ترك أثره الكبير على العلم والعلماء.

 

محمد الربيعي

بروفسور متمرس – جامعة دبلن

 ..........................

 

نعي وفاة العالم عبد الجبار عبد الله في مجلة الجمعية الامريكية لعلوم الأرصاد الجوي (1969)

المساهمات العلمية لعبد الجبار عبد الله (1911-1969)

Bernhard Haurwitz and James J. O'Brien

Bulletin American Meteorological Society

Vol. 50, No. 11, November 1969

المساهمات العلمية لعبد الجبار عبد الله هي في مجال الأرصاد الجوية الديناميكية، ذلك الفرع من علوم الغلاف الجوي والذي يهدف إلى فهم وتفسير سلوك الغلاف الجوي لدينا من خلال تطبيق قوانين الفيزياء. كان تدريبه المبكر في الرياضيات في الجامعة الأمريكية في بيروت وعمله العملي كأخصائي الأرصاد الجوي في مطار البصرة، العراق (1937-1941)، له تأثير كبير على بحوثه، وأظهرت أوراقه المنشورة كلاً من علمه بتقنيات الفيزياء الرياضية ومعرفته بظواهر الطقس التي ناقشها. تناولت إحدى أطروحاته العلمية الأولى، أطروحة الدكتوراه في نظرية الأمواج الجوية والتي شكلت مناقشة شاملة حول انتشار الطاقة لهذه الموجات عن طريق سرعة مجموعتها. ثم وجه اهتمامه إلى مشكلة تكوين الأعاصير خارج خطوط العرض المدارية واستكشف التأثير الميكانيكي لاندفاع الهواء البارد على تكوين الإعصار. لقد أظهر أن ضغط الهواء البارد ضد الهواء الأقل برودة ينقل إلى هذا الهواء البارد أقل كمية من الطاقة مماثلة لتلك الموجودة في الإعصار النموذجي، وفي اطروحته قارن النتائج النظرية مع بعض حالات الأعاصير الفعلية. من اللافت للنظر، ومن الخصائص المميزة أيضًا لعمل عبد الله اللاحق أنه حصل على تقريب رياضي جيد للغلاف الحقيقي من خلال نماذج مبسطة للغاية. على وجه الخصوص، افترض أنه يمكن اعتبار الغلاف الجوي غير قابل للضغط، ويمكن محاكاة انخفاض كثافة الغلاف الجوي مع الارتفاع ببساطة من خلال افتراض طبقات قليلة متجانسة من كثافات مختلفة. هذا العمل مهم بشكل خاص لأنه يشير إلى التطبيق الأصلي لطريقة الخصائص لحل مشاكل الأرصاد الجوي. في غضون بضع سنوات فقط، اتبع العديد من الباحثين الآخرين تقدم عبد الله وطبقوا هذه الأداة القوية لحل المعادلات التفاضلية الجزئية الزائدية غير الخطية لمشاكل الجو. في سياق التحليل الرياضي لمشكلة الإعصار، لاحظ عبد الله أيضًا أن عمل البرد على الهواء الأقل برودة  قد يؤدي في الحدود العليا للهواء الأقل برودة إلى ما يعرف في الهيدرودينميك باسم "الموجة الانفرادية". لقد خمن أن مثل هذه الظواهر توجد أيضًا في الغلاف الجوي وبحث آثارها في الغلاف الجوي في ورقتين. من دراساته خلص إلى أن هذه الظواهر قد تكون متطابقة مع الأعاصير المهاجرة الصغيرة التي حددها فوبوش وميلر في عام 1954 فيما يتعلق بتكوينات الاعاصير والتي أطلقوا عليها "فقاعات". كانت هذه الدراسات في طليعة تخصص آخر في الغلاف الجوي - علم الميزوميترولوجي. في السنوات اللاحقة، ازدهر هذا العلم في جزء مهم من الأرصاد الجوي. وبينما تم دراسة الموجات الانفرادية حتى الآن على السطح الحر لطبقة سائلة واحدة فقط، اعتبر عبد الله حدوثها في واجهة بين طبقتين مائعتين من كثافة مختلفة، وهو نموذج سائل يقارب حقيقة ما يحدث في الغلاف الجوي بشكل أفضل إلى حد ما. اقترحت نتائج دراسة هذه الموجات الانفرادية بانها قد تؤدي في ظل ظروف معينة الى عدم الاستقرار ويمكن ان تسهم في تشكيل الأعاصير. قام عبد الله في عام 1955 بإجراء دراسة مفصلة لديناميات الأعاصير التي تم تطويرها بالكامل على أساس نموذج رياضي بسيط يتكون من حوض نقي ودوامة نقية بالمعنى الديناميكي الهيدرودينامي. كما أشار عبد الله، فإن هذا النموذج الرياضي مبسط للغاية، لأنه يهمل آثار الحركات الرأسية، والاحتكاك، والحرارة الكامنة للتكثيف في المنطقة الخارجية للإعصار. ومع ذلك، نجح عبد الله في حساب الضغوط المركزية المنخفضة والسرعات العالية التي تنتج الآثار المدمرة للأعاصير. في ورقة أخرى، بعد أحد عشر عامًا، عاد عبد الله إلى مشكلة الإعصار وأظهر أن الانبعاث الصوتي للأعاصير التي أبلغ عنها العديد من المراقبين قد يكون بسبب الاهتزازات الحرة لدوامة الإعصار شريطة أن تكون الدوامة صغيرة بدرجة كافية، وهو استنتاج يتفق مع تقارير المراقبين بأن النغمات "الموسيقية" تسمع فقط فيما يتعلق بالأعاصير ذات القطر الصغير بينما يسمع الضجيج فقط من الدوامات الكبيرة. استخدم عبد الله أيضًا نماذج رياضية بسيطة مماثلة لدراسة ديناميكيات الاضطرابات الجوية الأكبر، وهي الأعاصير المدارية. لقد كان قادرًا على إظهار أنه حتى مع الافتراضات المبسطة جدًا، أي استبدال الغلاف الجوي القابل للضغط بثلاث طبقات أفقية بكثافة ثابتة ولكن مختلفة، من خلال إهمال آثار الاحتكاك ودوران الأرض على الحركات الجوية، يمكن حساب المنطقة الداخلية، الهادئة أو شبه الهادئة، في ما يسمى "عين العاصفة" لأسباب هيدرودينامية بحتة. وفي الوقت نفسه، نظر في الاهتزازات المحتملة المتراكبة على إعصار متماثل دائري وأظهر أن تلك الاهتزازات التي تمتد فتراتها أكثر من نصف فترة دوران قلب العاصفة قد تؤدي إلى بنية شبيهة بحزام مثبت على حركة متناظرة دائرية. إن وجود مثل هذه الهياكل الشبيهة بالأحزمة في الأعاصير قد تم توثيقه جيدًا من خلال الصور الحديثة العديدة للأعاصير من اقمار الأرصاد الجوي الصناعية. المشكلة الأخرى التي كرس عبد الله الكثير من الوقت والتفكير فيها هي ما يسمى خطوط قفزة الضغط. وفقًا للملاحظة، يتغير الضغط الجوي من الناحية العملية بشكل متقطع على طول خطوط قفزة الضغط، والتي تترافق مع اضطرابات الطقس القاسية محلياً مثل خطوط العواصف. إن العمليات الهيدروديناميكية التي تحدث على هذه الخطوط والأساليب الرياضية لدراستها متشابهة إلى حد كبير مع تلك التي استخدمها عبد الله في دراساته عن الأعاصير والزوابع. ربما تكون إحدى الخصائص المميزة لأبحاث عبد الله أنه في كثير من الحالات كان قادرًا على شرح نظريًا العديد من الخصائص المرصودة للظواهر التي قام بتحليلها بمساعدة نماذج رياضية مثالية للغاية. بالطبع، كان يدرك جيدًا أنه بسبب هذه التبسيطات، لم تتمكن نماذجه من سرد القصة كاملة، ولكن من ناحية أخرى، تظهر التبسيطات في كل حالة عن جوانب ظاهرة جوية معينة يجب أخذها في الاعتبار هناك عوامل إضافية يجب حسابها لتحقيق تفسير كامل. احدى الاوراق الرائعة توضح قدرته على استنتاج سلوك الغلاف الجوي من نموذج رياضي بسيط. لقد اقترح جوًا بسيطًا مضغوطًا من طبقتين يكون للطبقة السفلية معدل ثابت من انخفاض درجة حرارتها وتكون الطبقة العليا متساوية الحرارة. فرضيته الرئيسية هي أن الطبقات المنتجة للسحابة تكون ناتجة عن موجات الجاذبية الداخلية. ينتج نموذجه ثلاثة مستويات في الطبقة السفلية التي يمكن أن تنتج داخلها موجات الجاذبية الداخلية التي تبلغ سرعات حالاتها 10 أمتار - ثانية. تقع هذه المستويات في حدود الارتفاعات المرصودة للسحب التروبوسفيرية. في الوقت نفسه وجد مستويين في الطبقة العليا متساوية الحرارة تشير إلى وضع السحب الداكنة في الطبقة العليا من الستراتوسفير والغيوم الليلية بالقرب من الميزوبوز، وكما تظهر قائمة المنشورات الملحقة بهذا السجل، فإن الاستعراض أعلاه يتعامل فقط مع جزء من عمل عبد الله. أدت اهتماماته الواسعة وقدراته العلمية إلى تقديم إسهامات كبيرة في كل مرحلة من مراحل الأرصاد الجوي الديناميكية.

معظم العلماء الأمريكيين على دراية بمساهماته الهامة في الأرصاد الجوي في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، أولاً في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ثم في جامعة نيويورك. ولاحظوا مساهماته العديدة في عام 1966 عندما عاد إلى الولايات المتحدة، كواحد من كبار العلماء في برنامج الدراسات المتقدمة للمركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي في بولدر، كولورادو، ثم، كأستاذ في علوم الغلاف الجوي في جامعة ولاية نيويورك في ألباني. ومع ذلك، فإن العديد من علماء الولايات المتحدة ليسوا على دراية بجهوده التعليمية المتفانية في وطنه العراق. من عام 1947 إلى عام 1962، كتب عبد الله أو ترجم خمسة نصوص فيزياء وأرصاد جوي إلى اللغة العربية لاستخدامها في وطنه. من 1959 إلى 1963، شغل منصب رئيس جامعة بغداد الفتية. أثناء زياراته للولايات المتحدة، كان زملاؤه يدركون دائمًا أنه يعتبر بغداد وطنًا له. حتى الوصف الأخير لعبد الله في "رجال العلوم" تم إدراج بغداد كوطنه بينما مكتبه هو المركز الوطني للبحث العلمي في بولدر، كولورادو. لقد فقد العراق مسقط رأس عبد الله أحد علماءه البارزين. يتقاسم هذه الخسارة المجتمع العلمي بأكمله والذي حصل عبد الله على مكانة بارزة فيه من خلال عمله. سيتذكره زملاءه الذين حظوا بفرصة طيبة لأنهم ارتبطوا به شخصيًا بشكل احترافي وكأصدقاء، ليس فقط لإسهاماته في الأرصاد الجوي، ولكن أيضًا لصفاته الإنسانية الرفيعة.

 

1/ في العام 2009م قدّر الله لي الانتقال من نواحي وزان إلى العمل قريبا من أصيلا. كان من بركات ذاك الانتقال اللقاء والمعرفة المباشرة بالأستاذ والكاتب صخر المهيف الذي كنتُ قرأت له من قبل في مجلة "العربي" وجريدة "روافد"، وحسبتُ اسمَه اسما مستعارا لأديب لا يحب أن يُعرف باسمه الصريح في دنيا الأدب.

أذكر أن أول لقاء بيننا كان بأحد مقاهي أصيلا. قرّب المسافة بيننا أستاذي العزيز عبد السلام الجباري، فانتسجتْ صداقة بيني وبين صخر، وصرنا نلتقي في عدد من مقاهي المدينة، ونتجاذب أطراف الحديث في موضوعات عديدة. لمستُ فيه ولعا خاصا بالقصة القصيرة، مع انفتاح على قضايا سياسية وفكرية كشفت ميوله اليسارية منذ النقاشات الأولى. لكن ذلك لم يكن ليَغلبَ الجوانبَ الإنسانية التي شكلتْ آصرة قوية حافظت على صداقتنا رغم اختلاف الآراء والتوجهات الفكرية، وسرعان ما أهداني صخر مجموعته القصصية الأولى "ذكريات من منفى سحيق" موقَّعَة بالإهداء الآتي:

«الصديق العزيز أبو الخير الناصري

يسرني أن أهديك هذه الباكورة آملا أن تجد فيها ما يسرك ويؤنس وحدتك في ليلة ما..

مودتي الخالصة. أخوك صخر المهيف

مقهى طنجة / أصيلة في 08/ 01/ 2009م». وبادلتُه إهداء بإهداء.

2/ لم يَمض سوى وقت قصير على ميلاد صداقتنا حتى دعاني صخر لتأسيس جمعية نتخذها سبيلا للإسهام في تحريك البركة الراكدة للثقافة بالمدينة الصغيرة؛ فكانت جمعية الإشعاع الأدبي والثقافي التي ضمت كلا من صخر المهيف، وعبد السلام الجباري، وجمال بوليفة، وجميلة بنيعيش، وكاتب هذه السطور.

انتخبنا صخرا رئيسا لنا، وكان خير رئيس وفاعل ثقافي. بفضل جهوده وتعاون الأصدقاء في مكتب الجمعية استطعنا أن نكتب صفحات مشرقة في تاريخ الحركة الأدبية بالمدينة، أستحضر منها هذه الأعمال المنجزة بين 2012 و2015م:

- تكريم الصحافي عبد اللطيف بوجملة بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية بأصيلة.

- توقيع "عزف منفرد على إيقاع البتر" لعبد الحميد الغرباوي بمركز الحسن الثاني..

- توقيع "ضجيج ذاكرة" لإبراهيم أبويه بمركز الحسن الثاني..

- توقيع "ذكريات عصفورة" لحميد ركاطة بالمطعم الثقافي الأندلسي

- توقيع "حذاء بثلاث أرجل" لعبد الرحيم موذن رحمه الله بمركز الحسن الثاني..

- توقيع "أبي ليس له أنياب" لسناء شدال بدار الشباب

- توقيع "وصمة زعفران" لزهير الخراز بدار الشباب

- توقيع "وداعا شوبنهور" لعبد السلام الجباري بدار الشباب...

ثم قدّر الله تعالى أن يرتحل الصديقان صخر وجمال إلى طنجة، وأن يتفرغ أبو الخير لمتابعة دراساته العليا؛ فخَفَتَ صوت "الإشعاع الأدبي والثقافي" بالمدينة..ولا غرابة فما المدنُ إلا ناسُها، ولا الثقافةُ إلا أهلُها، وقديما قال الشاعر:

وما حُبُّ الديار شَغَفْنَ قلبي  ***  ولكن حُبُّ مَنْ سَكنَ الديار" !!

3/ في السادسَ عشرَ من مارس الماضي احتضن مقر المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بطنجة لقاء ثقافيا لتقديم أعمالي الأدبية نظمته جمعيتان أكن لهما خالص التقدير: رابطة كاتبات المغرب بطنجة وجمعية أعمدة.

قبْلَ يوم اللقاء أرسلتُ إلى صديقي صخر دعوة للحضور. وكان باهتمامه وحضوره مجسِّداً للوفاء للصداقة ولثقافة الاختلاف النبيل والالتقاء على أرضية المشترك الإنساني. وحينما فتحت العزيزة الدكتورة نبوية العشاب بابَ النقاش أمام الحاضرين تحدث صديقي صخر عن عملنا المشترك في "الإشعاع الأدبي والثقافي" وحُسْن تدبير الاختلاف بيننا، ثم سألني عن نصوصي القصصية وسبب إحجامي عن نشرها بين دفتي كتاب.

سعدتُ كثيرا بتدخله، وعبرت في معرض الرد عن اعتزازي بالذين تجمعني بهم رابطة الصداقة رغم الاختلاف في الأفكار والاتجاهات.

4/ مساء يوم الأحد 19 من ماي 2019م الموافق لـ 13 من رمضان 1440هـ جمعتني بالعزيز صخر أمسية أدبية بالمطعم الثقافي الأندلسي بأصيلا. قرأ صديقي في هذا اللقاء قصة قصيرة عنوانها "قصة طويلة". راقتني القصة كما راقت الحاضرين. وإكراماً لصديقي وتقديراً له، وتوسيعاً لحيّز تلقي نصّه الأدبي أنقله إلى هذا الحيز مع خالص محبتي لك أخي صخر.

قصة طويلة

اقتعد رئيس المجلس البلدي بجانب الكاتب العام لجمعية السنابل الثقافية في الصف الأول، وعندما انتهت الفقرة الأولى من الحفل، ألقى الرئيس كلمة مقتضبة، وعاد يجلس في مكانه المخصص له، ثم مال على الكاتب العام هامسا:

- لا يسعني إلا أن أثمن مبادرتكم هاته كل التثمين.

- ولا أملك إلا أن أشكركم على دعمكم لنا.

ابتسم الرئيس مزهوا واستوى في جلسته رافعا هامته إلى السماء، وما لبث أن استطرد قائلا:

- كم هو رائع أن تستقطبوا إلى هذه البلدة أربعين من خيرة كتاب المغرب ونقاده.

رد الكاتب العام باقتضاب:

- هذا من أجل مدينتنا الصغيرة..

ران صمت قصير بعد أن تقدم المنشط إلى المنصة ليعلن استئناف الحفل بفقرة ثانية. صفق الحضور طويلا للراقصين والراقصات، وإذا بالرئيس يهمس في أذن الكاتب العام:

- جميل جدا أن تنظموا ملتقى خاصا بالقصة القصيرة، بيْد أني أنتظر منكم عملا أكبر..

- عملا أكبر..؟ كيف؟

- أود أن تنظموا مستقبلا ملتقى خاصا بالقصة الطويلة..

تململ الكاتب العام في مكانه، وسعل سعالا خفيفا. نظر إلى الرئيس نظرة مركزة وعميقة. لمعت عيناه وصاح:

- هائل..معتبر..فكرة هائلة

ارتسمت في عيني الرئيس ومضة خاطفة وانطبعت على وجهه ابتسامة رضا وارتياح. استطرد الكاتب العام بالقول:

- العامْ الجاي نْطَوْلوا باباها نْعَامْ أَسي..

 

أبو الخير الناصري

 

محمود محمد عليبين الحين والآخر أمضى إليه عندما أسافر إلي مدينة القاهرة، ألتقيه في مكتبه بدار الهلال وأستمع إلى كلماته وتحليلاته، لا يزال الرجل حاضراً مهموماً بالوطن وبالتطورات التي يشهدها، إنه حلمي النمنم .. القيمة والقامة، الإنسان البسيط، الوارف كالظل، الزاخر كالنهر، العميق كالبحر، الرحب كالأفق، الخصيب كالوادي، المهيأ كالعلم، رجل الفكر المتميز، وزير ثقافة مصر السابق.

لقد تعرفت عليه منذ عام 2008، وكان وقتها رئيس تحرير مجلة المصور، أرسلني إليه الدكتور حسن عبد الحميد (أستاذ الفلسفة بكلية الآداب- جامعة عين شمس)، لكي يكتب مقالا ضد اللجنة العلمية لترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين في مجال الفلسفة، ومرفق معها شكوي تقدمت بها ضد تلك اللجنة التي تعسفت ضدي؛ وخاصة في ترقيتي لدرجة أستاذ، وكانت الشكوى المقدمة مني هو عبارة عن طلب أرسلته آنذاك لوزير التعليم العالي (وهو الدكتور هاني هلال آنذاك) ضد أحد أساتذة الفلسفة الذين يحكمون أبحاثي العلمية، ولا أنسي وقوف حلمي النمنم معي والذي أسفر بعد ذلك عن انتصار مكلل بالنجاح لي في حصولي علي درجة الأستاذية بجدارة .

وحلمي النمنم هو كاتب صحفي، ومؤرخ مصري مهتم بالقضايا التاريخية والسياسية والاسلامية. حاصل على ليسانس من كلية الآداب بقسم الفلسفة بجامعة عين شمس عام 1982. بعد تخرجه من الجامعة، عمل صحفياً بقسم التحقيقات، في مجلة حواء، بدار الهلال، ثم انتقل منها إلى مجلة "المصور"، حيث تدرج في المناصب، حتى وصل إلى منصب رئيس مجلس إدارة دار الهلال. شارك في تأسيس جريدة الدستور، والذى خرج الإصدار الأول منها عام 1995، كأول جريدة خاصة تصدر منذ قيام ثورة يوليو 1952، كما شارك في تأسيس جريدة "المصري اليوم". كما تولي رئيس مجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية، ثم تولي منصب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، وأخيراً تولي وزيراً للثقافة منذ 19 سبتمبر 2015 إلي خرج منها في 2018 وهو الآن يمارس كتاباته في المقالات والأبحاث ... متعه الله بالصحة والعافية.

قدم حلمي النمنم للمكتبة العربية أكثر من عشرين كتاباً : نذكر منهم علي سبيل المثال : كتاب أيام سليم الأول في مصر، وكتاب سيد قطب ..سيرة وتحولات، وكتاب الرائدة المجهولة زينب فواز، وكتاب حسن البنا الذي لا نعرفه، وكتاب الأزهر الشيخ والمشيخة، وكتاب الحسبة وحرية التعبير، كتاب سيد قطب وثورة يوليو، وكتاب طه حسين والصهيونية، وكتاب وليمة للإرهاب الديني، وكتاب رسائل الشيخ علي يوسف وصفية السادات، وكتاب التاريخ المجهول: المفكرون العرب والصهيونية وفلسطين.

وقد أسهم حلمي النمنم بعضويته في كثير من المؤسسات العلمية، ومراكز البحث العلمي العالمية، وألقي العديد في بحوث في مؤتمرات وندوات محلية ودواية، منها أبحاث نشرت مجلات متخصصة، كما حاضر عن الفكر العربي الحديث والمعاصر في كثير من الجامعات المصرية والعربية.

كما كان الرجل كاتباً مرموقاً فى عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية كجريدة الأهرام، والوطن، وروزا ليوسف، والوفد، والبوابة نيوز، وفيتو، والأخبار ...الخ.

كان حلمي النمنم مهتما في كل كتاباته ومقالاته بقضية تجديد الخطاب الديني، فهو يري أن الحاجة إليه تمثلت عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، عندما كانت هناك رغبة من قبل كثير من الدول العربية بما فيها مصر لتبرئة عموم المسلمين والإسلام ذاته، مما حدث فى الولايات المتحدة، من تدمير لبرجى مركز التجارة العالميين، وذلك لإثبات أن تنظيم القاعدة وقائده أسامة بن لادن، ليسوا هم الإسلام وليسوا كل المسلمين، فضلاً عن تبرئة الحكومات من شبح أى اتهام بالمسؤولية أو تحمل جزء من المسؤولية عما حدث.

فى هذه الأجواء يري حلمي النمنم أنه ظهر الحديث عن تجديد الخطاب الدينى فى عدد من البلدان، فى مصر وتونس والمغرب واليمن والمملكة العربية السعودية، وهناك جهود بذلت فى هذا الصدد.. مؤتمرات عقدت وبيانات صدرت، وثائق أعلنت لمواجهة هذه المشكلة، فى مصر تولت مكتبة الإسكندرية هذه المهمة، وتحديداً منتدى الحوار بها، وفى يونيو 2003 ألقى د. حمدى زقزوق، وزير الأوقاف آنذاك، محاضرة بعنوان "تجديد الخطاب الدينى"، وأعقبها حوار مفتوح حول نفس القضية أداره د. جابر عصفور؛ وشهدت مصر فى تلك الفترة سياسات ما بات يعرف باسم المراجعات التى شهدها سجن العقرب وسجون أخرى قام بها أعضاء الجماعة الإسلامية، وأشرف على تلك المراجعات جهاز مباحث أمن الدولة.. فى رغبة من الدولة المصرية لتصفير ملف التشدد والتطرف والإرهاب، حتى لا يصيبنا ما أصاب أفغانستان والعراق؛ وظل حديث التجديد قائما، حتى وجدنا الرئيس مبارك يطالب به فى خطاب له سنة 2010 أثناء إحدى المناسبات الدينية.

لذا فقد أصدرت الوزارة (كما يقول حلمي النمنم) وقتها كتاب (تجديد الخطاب الدينى.. كيف ولماذا؟) ثم كتاب (دليل الإمام إلى تجديد الخطاب الدينى)، كما عقد ندوة مشتركة فى القاهرة مع نظيره التونسى وعدد من علماء تونس حول هذا الموضوع.. أما المؤسسة الدينية الرسمية، أقصد الأزهر الشريف فقد كان بعيدا عن هذه المهمة، لم يطالبه أحد بالتجديد، ولا بدا أنه منخرط فى القضية أساساً ولا معنىّ بها اللهم إلا بعض أحاديث أدلى بها فضيلة الإمام الأكبر د. سيد طنطاوى فى هذا الملف، وبينما كان الحديث عن التجديد يجرى فى جانب، كان على الأرض فعل آخر مناقض تماما لهذا التجديد، كان هناك دعم سياسي ضخم لجماعة الإخوان، فى النقابات وفى خوض انتخابات مجلس الشعب.

ويستطرد حلمي النمنم فيقول :" مضت الأيام وغادر الرئيس مبارك موقعه فى 11 فبراير 2011، لنكتشف جميعاً أنه لم يتم تجديد للخطاب الدينى، على أى مستوى، بل حدث انتكاس له (وخاصة بعد أن) وجدت التيارات المتأسلمة. فى الفراغ السياسي الحادث بعد 11 فبراير فرصتها التاريخية، وراحت تعلن عن وجودها بأوضح الصور وبلا أى مواربة كما كان يحدث من قبل.. وامتلأت أرصفة شوارع القاهرة والإسكندرية والمدن الكبرى بكتبهم التى تدل عليهم وتعلن عنهم، وهكذا وجدنا فى وقت واحد ست طبعات من كتاب سيد قطب "معالم فى الطريق"، بينها طبعتان بلا رقم إيداع في دار الكتب، أى أننا بإزاء عملية تزوير تامة، وجدنا كذلك عدة طبعات من رسائل ومذكرات حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان، وهناك كتاب للشيخ محمد الغزالى لم يكن يطبع ولا يوزع فى مصر، منذ أيام الرئيس السادات وهو كتاب " قذائف الحق"، إذ يتضمن الكتاب فى بعض فصوله تحريضا واضحا على الأقباط المصريين.

وكان الاستفتاء الذى جرى سنة 2011 على التعديلات الدستورية، كما يري حلمي النمنم فرصة أمام تلك الجماعات لتعبر عن حضورها القوى، وقد أطلقوا على عملية الاستفتاء "غزوة الصناديق"، ثم جاءت الانتخابات البرلمانية لتؤكد الحضور المؤثر، وهكذا جاء مجلس الشعب سنة 2011 وبعده مباشرة مجلس الشورى، وكانت الأغلبية فى الأول للإخوان وفى الثاني كانت الأغلبية للسلفيين، وفى المجلسين سمعنا ورأينا عجب العجاب، هناك من اقترح مشروع قانون الهبوط بسن الزواج حتى التاسعة للفتيات، أى تزويج الأطفال، وهى جريمة إنسانية ودولية بكثير من المقاييس، وتصطدم مع اتفاقيات دولية وقعت عليها مصر، وهناك من طرح حلاً لمشاكل مصر الاقتصادية أن تتجه مصر إلى تجارة العبيد وبيع البشر ومن عوائد تلك التجارة نسدد ديون مصر، وكان الطرح مسيئا لمصر وللمصريين ومسيئا لدين الإسلام وينكأ جراح تاريخية لدى بعض الشعوب والمجتمعات الأفريقية، وامتلأت فضائياتهم بأفكار وآراء من هذا النوع، فضلا عن آراء وأفكار تبيح لهم العنف والاعتداء على المواطنين والمواطنات المخالفين لهم فى الفكر وفى التوجه، وتدعمت تلك الحالة من التشدد والميل إلى العنف بوجود الإخوان فى السلطة.

إلي أن جاء يوم 3 يوليو 2013، وكان فاصلاً، حيث خرجت جموع الشعب المصري فيما عن لا يقل عن عشرين مليون تطلب بإزاحة حكم الإخوان برئاسة محمد مرسي الذي عصف بالحريات ودخل في عدواه مع كل طوائف الشعب ؛ إلا أن جماعة الإخوان كما يقول حلمي النمنم لم تقر  بالأمر الواقع، وحشدت أنصارها فى ميداني رابعة والنهضة، كان الحشد قائما قبل 30 يونيو بأسبوع تقريبا، لكنه بعد 3 يوليو أخذ فى الازدياد.

وهنا يقول حلمي النمنم : ومن حسن الحظ أن المصادر العربية والإسلامية، حفظت لنا كثيرا من السجالات التاريخية التى جرت فى لحظات فارقة من التاريخ الإسلامي، مثل موقعة الجمل وموقعة صفين ثم النهروان، وبمقتضى تلك المعارك تحول اتجاه التاريخ الإسلامي وانقسم المسلمون إلى سنة وشيعة وخوارج، ويمكنك القول بضمير مستريح إن دهاة السياسة فى العالم يتراجعون أمام دهاء عمرو بن العاص ومعاوية وكبار القديسين يتصاغرون أمام نموذج على بن أبى طالب ورجاله، وتجد فى معركة النهروان ذروة استعمال النصوص القرآنية فى غير موضعها ولا سياقها، حتى إن الإمام على، كرم الله وجهه، يطلب عدم محاجاتهم- الخوارج- بالقرآن الكريم، لأن القرآن حمّال أوجه، وبعد ذلك كثرت السجالات فى التاريخ الإسلامي، ولكن لن ترى الخطاب الديني تردى فى لحظة إلى مستوى التردي الذى وصل إليه الخطاب فى منصة رابعة العدوية.. خطاب من عينة أن سيدنا جبريل تنزل فى ميدان رابعة العدوية، يزف إليهم بشرى النصر وعودة الرئيس المعزول، لاحظ أن جبريل هو ملك الوحى، ومن ثم فإن تنزله توقف بانتهاء نزول الوحى على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، لكنهم جعلوه يتنزل عليهم فى رابعة، وذهب بعضهم إلى حد تخصيص آية فى القرآن الكريم، والقول إنها نزلت فى د. محمد مرسى، وادعاءات عدد منهم بأحلام فى المنام جاء إليهم فيها رسول الله يوصى ويبشر بنصر محمد مرسى.. وانتقل هذا الخطاب إلى الزوايا والمساجد التى كانوا يسيطرون عليها، وقد سمعت بأذنى ما قيل فى بعض من هذه المساجد وتلك الزوايا، وتأمل عبارات مثل " اللى هيرشه بالميه هنرشه بالدم" وغيرها وغيرها، وتم تناول بالاسم كل من ناوأهم تجريما واتهامات متدنية، وكان نصيب فضيلة الإمام الأكبر وقداسة البابا كبير.. كبير، وصف الإمام الأكبر بأنه " بابا الأزهر" وملأوا حوائط جامعة الأزهر بمدينة نصر بعبارات غاية فى البذاءة بحق فضيلة الإمام، وفعلوا الشئ نفسه على حوائط وجدران مبنى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وطال الأقباط جميعا التهديد والوعيد، بكلمات غاية في التردى والبذاءة، ويبدو أن الجماعة تصورت أن عنف الخطاب سيخيف أجهزة الدولة أكثر، فضلا عن أن رهانهم كان على الضغوط الخارجية، وتحديدا الإدارة الأمريكية، حتى إن رئيس مجلس الشورى "الإخوانى" قرر نقل اجتماعات المجلس إلى رابعة.. فيما يشبه إقامة دولة موازية فى رابعة.. تعمق فى رابعة خطاب التكفير ورفض الآخر بالمطلق، ولا أريد أن أنكأ جراحا حقيقية بسبب ذلك الخطاب الملئ بالكراهية، واستباحة كل شىء، حياة الآخرين والقيم والخلق والدين ذاته، هل نذكر فتاوى وكذلك وقائع «جهاد النكاح» وهل وهل...؟!!.

هذا الخطاب وما حواه مع عوامل أخرى، كما يقول النمنم دفع أنصاره إلى أن يقوموا بإحراق أكثر من خمسين كنيسة ومنشأة قبطية فى يوم واحد، يوم الفض، 14 أغسطس، وهذه حالة غير مسبوقة فى تاريخ مصر كله، يومها قال الأنبا تواضروس مقولته الشهيرة «وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن»، ومن جراء خطاب رابعة وجدنا شابا فى الإسكندرية يقذف بأحد المواطنين من أعلى سطح العمارة إلى الشارع، ولما سئل فى التحقيقات قال: "ضايقنى"، ولما صدر عليه الحكم بالإعدام، اعتبرته الجماعة شهيداً، الأخطر من هذا، هم أولئك الذين انطلقوا فى سيناء يقتلون أبناءنا من الجنود والضباط، وفى رابعة قال محمد البلتاجى " إن هذا الذى يجرى فى سيناء يمكن أن يتوقف فى لحظة...". كما أن هذا هو الخطاب الديني الذى ساد مع حكم الجماعة واتجه إلى التوحش مع ثورة 30 يونيو، وبالأحرى فى مواجهتها، ومازالت الجماعة تصر عليه إلى اليوم وتتخندق فيه، فى لقاء جرى على قناة B.B.C مؤخرا مع أمين عام الجماعة، حاولت المحاورة أن تنتزع منه إدانة أو رفضا لعمليات العنف والإرهاب التي تتم في سيناء، فتهرب تماما، واضطرت أن تقول له: «ترفض أن تدين أعمال العنف».

ويختم  حلمي النمنم حديثة قائلا: ربما يكون الرئيس عبدالفتاح السيسى هو أول رئيس جمهورية يهتم ويلح على قضية التجديد «تجديد الخطاب الدينى" منذ أن طرحها أول مرة سنة 2014، وكان يخاطب علماء الدين فى مناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وعلى الأغلب فإن الرئيس لا ينطلق فى إلحاحه من موقف أيديولوجى أو موقف نظرى، بل بناءً على مشاكل فى الواقع لامسها بنفسه حين تولى الرئاسة، وربما قبل ذلك، رأى عمليات القتل والإرهاب التى تقوم بها الجماعة الإرهابية بحق الضباط والجنود فى سيناء، فضلًا عن المدنيين، وتابع كذلك عملياتهم الإرهابية بحق المواطنين الأقباط، بما يمثل هدمًا لنسيج المجتمع، ورأى كذلك محاولات تخريب وهدم المؤسسات والمنشآت العامة، بما يعنيه ذلك من هدم الدولة والعمل على إسقاطها تماما، وكذلك الخسائر الاقتصادية التي تنتج عن تلك العمليات، تراجع السياحة وهروب الاستثمار والمستثمرين، بما يؤدى إلى مزيد من الإفقار لبعض فئات المجتمع التي تستفيد وتتعيش من السياحة وعوائدها، وفى المشهد كذلك الدول التي أنهكها التطرف والإرهاب، والدول التي سقطت بالفعل من جراء المتشددين والإرهابيين.

تحيةً مني للأستاذ حلمي النمنم الذي لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا فيه قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

مجدي ابراهيمحين يسمع المرء بوفاة رجل منتج من رجال الفكر والفلسفة، يأسف كثيراً لسقوط القلم الذي بين يديه، فما بين القلم والقيم رابطة عضوية وعروة وثقى، ولكن هذا الأسف وإن يكن شجياً تعلوه لوعة مخامرة، لا يغير شيئاً من إرادة الله التي لا إرادة سواها على التحقيق، تعمل في هذا الكون عملها ولا مُعقّب، من بعدُ، لحكم الله، ولربما تكون رقدة الجسد أسعد لصاحبها بعدما استوفى عطاءه بين ما استدبر واستقبل من حياته، فملأها من فترة ميلاده إلى يوم وفاته بالعطاء النافع والعمل المفيد، وأحاطها بالقيم المعرفيّة إحاطة القدرة الباقية والسعي الحميد والتحقيق المنظور، وإذ ذاك تقصر المسافة عنده بين الموت والحياة لدرجة التداخل، ولا يلاحظ هذا التداخل مطلقاً من شغل نفسه بغيره وأحط من قدرها؛ لتكون قطعة عائمة في خضم هائل تجري مع القطيع في غير غاية ولا هدف إلا مساق التبعيّة والتسليم.

غير أن البقاء فيها لما ينفع الناس أولى وأهم وأقدر ثم هو أجدر بالنظر مقدار جدارة العبرة المُستخلصة من حياة كل عظيم معطاء، إذ يذهب الزبد جفاءً وتبقى المنافع الخالصة لوجه الله ينتفع بها الناس:  " فأمّا الزّبد فيذهب جُفاءً ويبقى ما ينفع الناس" .تلك هى الحكمة التي تلخّص قانون الوجود من أعمال الإنسان، ولا تكشفها أبداً كل محاولة تخضع لسليقة الأهواء البشرية ثم تنصرف عنها إلى غيرها لتنسب آخر الأمر إليها !

فالذين انعزلوا عن الناس ولم يشاركوهم معمعان الهذيان قد حقّقوا في أنفسهم هذا القانون الإلهي؛ ليستخرجوا لهم ما ينفعهم، ويسمو بهم إلى تحقيقه فيهم قانوناً إلهياً وسنةً كونيةً تنتظم الغاية من وراء العمل كما تنتظم السلامة من هذيان الناس.

982 امام عبدالفتاح

لفقيد الفلسفة الدكتور إمام عبد الفتاح إمام مكانة عظمى بلغت من الإنتاج والتأليف والترجمة مبلغها الأوفى، فكانت حياته مُلآنة بالعمل الفكري والنشاط الفلسفي، فتميزت بالعطاء وتجاوزت المحدود إلى ما ورائه، فكأنما اتصلت القيمة الفلسفية فيها بالحياة العمليّة اتصالاً وثيقاً مشهوداً للعيان، وكأنما وافق النظر التطبيق موافقة الانسجام الذي لا خلل فيه ولا اعوجاج.

بيد أنها الفلسفة حين تكون قناعة وحيث تكون امتلاءً، فرجل الفكر والفلسفة عليه أن يبرهن عمليّاً بالعطاء على قناعاته، وعليه أن يثبت أن القيمة الفلسفية باقية في حياته هو قبل أن يطرحها بالنظريّة على المجموع، وأن حياته هو شخصياً مُلآنة بالحركة والنشاط والسعي الدؤوب نحو التحقيق من تلك القيمة كما يعتقد، وكما يدين، وكما يُوالي من المقبول والمعقول.

ولم يكن الدكتور إمام رحمه الله (1934- 2019) إلا واحداً من أولئك الذين تحققّت فيهم تلك القيمة ممثلة في إسهاماته الفلسفية : عكف على هيجل فترجم نصوصه وألف فيه وصنّف، فأخرج للناس من ترجمات الفيلسوف : أصول فلسفة الحق، وظاهريات الروح، وفلسفة التاريخ، ثم موسوعة العلوم الفلسفية، ومحاضرات في تاريخ الفلسفة لهيجل، ولم يكن هيجل وحده مدار اهتمام الدكتور إمام بل ترجم كذلك كتاب الوجودية لجون ما كويي واستعباد النساء لجون ستيوارت مل. وترجم عملين من أعمال الفيلسوف الإنجليزي "ولتر ستيس" هما "الدين والعقل الحديث" والتصوف والفلسفة.

وكما ترجم أعمال هيجل ألّف فيه واستوفي التأليف، فكتب المنهج الجدلي عند هيجل، وتطور الجدل بعد هيجل في ثلاثة أجزاء، وتطور هيجل الروحي .. دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، ثم أخذت مؤلفاته تنحي باتجاه الفلسفة الوجودية، فكتب كيركجور، رائد الوجوديّة في جزئيين، وله من البحوث "مفهوم التهكم عند كيركجور"، وتنوّع قلمه في غير انتماء لاتجاه بعينه إلا أن يكون الإخلاص للفكرة المعقولة، فكتب المدخل إلى الفلسفة، وأفكار ومواقف، وهوبز فيلسوف العقلانية، ومعجم ديانات وأساطير العالم. واستهوته الفلسفة العملية، والسياسية منها على وجه الخصوص، فكأنما أراد أن يقيم نسقاً فلسفياً من وراء كتاباته تماماً كما أقامه القدماء؛ إذ قسّموا الفلسفة إلى نظريّة وعمليّة؛ فكما عكف في الأولى على هيجل وأقرانه، عكف في الثانية على السياسية والأخلاق، فكتب فيها "الديمقراطية والوعي السياسي"، "والأخلاق والسياسة". والطاغية .. دراسة فلسفية لصور الاستبداد السياسي، وهو كتاب من الأهمية بمكان يعول كثيراً على وجهة نظر مؤلفه، ويبسط مذهبه السياسي؛ إذ يعالج جرثومة التخلف لدى المجتمعات الشرقية التي استمرأت الاستبداد السياسي فاستغرقها. ومن أجل هذا نخصّهُ بالعناية هنا في هذا المقال.

يدعو الدكتور إمام في هذا الكتاب إلى قيم الديمقراطية بحيث تطبق في المجتمعات الشرقية تطبيقاً دقيقاً فتتحوّل قيمها فيما يشبه العقيدة إلى سلوك يومي يمارسه المواطن ممارسة يباشر فيها الطبيعة العاقلة، ولا يفتعلها افتعالاً يجئ مع الادعاء قشرة لا عمق فيها ولا قيمة ولا تقدير، مُجرّد مظهر خارجي أو لفظ ممجوج، فإن المجتمعات المتخلفة هى وحدها التي تفرض الطغيان وتستسيغه، إذ ذاك يكون الطاغية سارقاً لوعي الناس، يحيلهم إلى قطيع من الغنم، ليس له سوى وعي واحد ذو اتجاه واحد.

وكما لا يقبل الحكم الديمقراطي فكرة الطغيان فهو يرفض الاستبداد وفكرة المستبد العادل، ولا ينشط بالمطلق لقبول فكرة الدولة الدينية.

وما دامت المجتمعات الشرقية، والإسلامية منها على التخصيص قد تشرّبت ذلك الاستبداد ردحاً طويلاً من الزمن، فليس هناك من حلّ - فيما يرى الدكتور إمام عبد الفتاح، وهو يستعرض في كتابه نماذج من صور الطغيان مُطرّزاً بمقولات الفلاسفة ومركزاً على الاستبداد الشرقي خاصّة - إلا ظهور الشخصية الإنسانية الحرة المتكاملة التي يكفل لها النظام السياسي جميع الحقوق السياسية كاملة غير منقوصة، ويعترف المجتمع بقيمتها الآدمية وكرامتها الإنسانية.

ولا يكمن الحلُّ فقط في السلوك الأخلاقي الجيد أو في التديّن المحمود، فتلك أخلاق سلبية ليست بالفاعلة تشبه (عدّة النّصب) يمكنها أن تستغل الدين كما توظّف الأخلاق من أجل مكتسبات شرعية وسياسية زائفة، وهو الأمر الذي لا تخلو منه المجتمعات الشرقية، عربية كانت أو إسلامية.

ظاهر جداً في ظلال الحديث نزعة الفصل بين ميدان السياسية ومجال الأخلاق. ولكن هذه النزعة لا تخلو من نقض؛ لأن جرثومة الاستبداد لا تنشأ من فراغ ،وهى إذ تنشأ من الوهلة الأولى لا تنشأ إلا عن فصل السياسية عن الأخلاق، وتلك نزعة تواصلت مع معطيات الفكر السياسي الغربي، وتأصلت فيمن دعوا إليه، ليكون نموذجاً يحتذى عندنا في الأمم الشرقية. صحيح أن التاريخ السياسي للأمة العربية لا ينفصل عن التاريخ السياسي لأمم العالم الغربي اذ كانت التجربة الإنسانية مع اختلاف الشعوب واحدة ولكنها لا تمنع العبرة ولا الدرس، لأن المعرفة كما تصقل خبرة الفرد فهي كذلك تصقل التجارب  للأمم والشعوب.

وإذا سألنا الدكتور إمام عن أيهما الأسبق في الترتيب: الأخلاق والتديّن أو السياسة المستقيمة؟! كانت الإجابة ولا شك في أن الأخلاق الجيدة والتدين الصالح نتائج مترتبة عن مقدمات النظام السياسي الجيد، لاحقة عليه، ولا يحدث العكس أبدا.ً

وهو لئن كان قد اقترح الديمقراطية حلاً بسيطاً يكسبنا مناعة ضد الطاغية، فإن هذا الحلّ وحده فيما نرى لا يكفي لتطهير مجتمعاتنا وسياستها المستبدة من جرثومة الاستبداد السياسي، فإن أكثر أفراد هذه المجتمعات لديها استعداد فطري للخنوع والانبطاح، ولديها الكفاية الكافية أن تكون قطيعاً من الأغنام لا يشذ عنها سوى من كملت آفاقه المعرفيّة واتصل الوعي فيه بمعرفة حقيقته الأصلية؛ فكان فرداً متفرّداً في ذاته لا يعرف للتقليد مكاناً ولا للجهالة العمياء طريقاً، ولن يكون هذا واقعاً فعلياً بغير أدوات معرفية يستخلصها العقل الشرقي الناقد من التعلم والتربية؛ فالديمقراطية لا تتحقق بغير نهضة التعليم وفلسفة التربية، والديمقراطية لا تمضي فاعلة في الشعوب والتربية فيها مشلولة أو منقوصة، والتعليم فيها فاسد أو هزيل.

وإذا كان الوعي أولى هنا بالتغيير؛ ليكون فردياً يسهم ويفيد ولا يخضع خضوع القطيع لطاغوت الطغيان، فإن الفكرة التي تستند عليها مقومات التغيير لا تفارق مطلقاً التعليم الجيد المتطور ولا التربية الواعية المستنيرة بنور العقل والمعرفة، فهما أساس الحرية ومطالبة الشعوب بحقوقها، ومقاومتها للطغيان والاستبداد.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

محمد عرفات حجازيرحل عن دنيانا أمس الأول (الثلاثاء 18/ 6/ 2019) قامة من قامات الفلسفة العربية المفكر والفيلسوف المصري الدكتور إمام عبد الفتاح إمام ـ إلى مثواه الأخير.

الدكتور إمام عبد الفتاح إمام أكاديمي ومترجم مصري متخصّص في الفلسفة والعلوم الإنسانية، وهو أبرز تلاميذ أستاذ الفلسفة المصري زكي نجيب محمود، وأحد من تولوا التعليق على فكره في الفكر العربي المعاصر. له مساهمات فكرية ذات أثر واسع في الأوساط الثقافية المصرية، وهو عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو الجمعية الهيجلية بكندا.

تأثّر الدكتور إمام عبد الفتاح بفلسفة هيجل؛ حتى ذكر أنّه تعلّم منه الكثير. ومن بين ما تعلمّه من فلسفة هيجل: أنّ طريق الفلسفة مرصوف بالأفكار، وهذا هو السبب في غموض الفلسفة وصعوبتها.. وأنّ الفلسفة فكر لاحق، بمعنى أنّ الفلسفة تأتي متأخرة بعد أن تكون الحياة قد دبّت بين الناس بالفعل، وقامت ألوان مختلفة من النظم توجهها الفلسفة في النهاية.. أيضًا، فقد تعلّم من هيجل أنّ كلّ فلسفة هي بالضرورة فلسفة مثالية؛ لأنّ المبدأ الذي ترتكز عليه هو في نهاية تحليله "فكرة".. أضف إلى ذلك، أنّ الفلسفة كلٌّ متّصل؛ بمعنى أنّ كلّ مذهب منها يكشف عن جانب من جوانب الحقيقة..

إضافة لما سبق، فقد أخذ الدكتور إمام عبد الفتاح عن هيجل أنّ الفلسفة الحقّة لا ترفض الحسّ ولكنّها لا تكتفي به أو تقف عنده؛ لأنّها لا بدّ أن تكون في النهاية عقلية.. كما حذا حذو هيجل في أنّ تاريخ الفلسفة لا يرضى تضاربًا بين المذاهب الفلسفية المختلفة..

كذلك من الثمار الهيجلية التي نجدها عند دكتور إمام أنّ التفكير سلب؛ لأنّه يغيّر شكل الأشياء الفردية التي نلتقي بها في حياتنا اليومية طالما أنّه يُحيلها إلى فكرة، وأنّ هذا التحوّل في شكل الظواهر عملية أساسية للمعرفة يقوم بها الفكر.. أيضًا فقد تعلّم منه الشيء الكثير عن خصائص شخصية الإنسان الشرقي من جميع جوانبها: الاجتماعية والدينية والسياسية والفنية.. وربّما كانت تلك النقطة الأخير ما ساعدت أستاذنا في نقد نظام الحكم العربي، وتسليط الضوء على انفصام الشخصية العربية..

ولد الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام ـ طيب الله ثراه ـ بمحافظة الشرقية عام 1933م لوالد كان من علماء الأزهر، ونال ليسانس الآداب من جامعة القاهرة بتقدير جيد جداً عام 1957م، ثمّ نال درجة الماجستير من آداب القاهرة وموضوعها "المنهج الجدلي عند هيجل" بتقدير ممتاز عام 1968م، وبعدها نال درجة الدكتوراة من آداب عين شمس وموضوعها "تطور الجدل بعد هيجل" بمرتبة الشرف الأولى عام 1972م.

قام الدكتور إمام بالتدريس بجامعة القاهرة وعين شمس، والمنصورة، والزقازيق.. إلخ، وجامعة الكويت، وطرابلس، وكلية الدعوة الإسلامية، وجامعة سبها بليبيا.. كما ناقش وأشرف على كثير من رسائل الماجستير والدكتوراة، وأنتدب لمناقشة رسالة دكتوراة في الجامعة التونسية.

ترجم الدكتور إمام عبد الفتاح عددًا كبيرًا من الأعمال الفلسفية، من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية. كما يُعد صاحب مدرسة في الترجمة حيث قام بمراجعة ترجمات عديدة لمترجمين واعدين برزوا فيما بعد.. ومن أهم الأعمال التي ترجمها الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام ما يلي:

فلسفة التاريخ (هيجل)؛ أصول فلسفة الحق (هيجل)؛ ظاهريات الروح (هيجل)؛ محاضرات في تاريخ الفلسفة (هيجل)؛ موسوعة العلوم الفلسفية (هيجل)؛ استعباد النساء (جون ستيوارت مل)؛ الوجودية (جون ماكويي)؛ وأشرف على ترجمة موسوعة كوبلستون في تاريخ الفلسفة الغربية وترجمة بعض أجزائها.

كما أشرف دكتور إمام على سلسلة "أقدم لك" بالمجلس الأعلى للثقافة، وقد صدر منها حتى الآن ما يقرب من سبعين عددًا. وأصدر ما يقرب من مائة كتاب ما بين تأليف وترجمة ومراجعة، ومن أشهر مؤلفاته على سبيل المثال ما يلي:

المنهج الجدلي عند هيجل؛ مدخل إلى الفلسفة؛ أفكار ومواقف؛ تطور الجدل بعد هيجل (3 أجزاء)؛ تطور هيجل الروحي؛ دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل؛ الديمقراطية والوعي السياسي؛ كيركجور رائد الوجودية (جزءان)؛ هوبز فيلسوف العقلانية؛ الطاغية؛ الأخلاق والسياسة؛ معجم ديانات وأساطير العالم؛ سلسلــة الفيلسـوف والمـرأة (سلسلة من تسعة أعداد)..

وفي المجال البحثي، قدم لنا دكتور إمام عبد الفتاح العديد من البحوث، منها: رحلة في فكر زكي نجيب محمود؛ هيباشيا فيلسوفة الإسكندرية؛ مفهوم التهكم عند كيركجور؛ الديمقراطية...

وقد كان الدكتور إمام عبد الفتاح صاحب مواقف فلسفية - سياسية بارزة. ويمكن القول إجمالًا بأنه يتبنى منهجًا وسطيًا في السياسة، إلا أن هذا الموقف يميل كثيرًا تجاه اليسار عندما يتعلق الأمر بالأوضاع السياسية في العالم العربي. ويمكن إيجاز أهم آرائه السياسية على النحو التالي:

يرى دكتور إمام أنّ التاريخ الإسلامي قد حفل بمفارقات فساد السلطة، وقد أثار كتابه "الطاغية" اهتمامًا واسعًا في الأوساط الثقافية العربية؛ لما يحتويه من تحليل متعمق وموضوعي لتجارب الطغيان في العالم العربي. وأكّد على أنّ الحكم لا يستقيم أبدًا طالما تداخلت معه أمور من قبيل (الدولة الدينية، والمستبد العادل...الخ)؛ ولذلك رأى ضرورة الفصل التام بين السياسة والأخلاق، فلكل منهما مضماره.

كما اعتقد أنّ مناقب الحكم في الوطن العربي أساسها هو عزوف الشعوب عن المطالبة بحقوقها؛ وذلك إما عن جهل (ومنشأ ذلك عدم شيوع التفكير لدى غالبية أفراد الأمة)، أو عن يأس (ومنشأ ذلك أيضًا هو عدم تدبر الشعوب العربية للتاريخ السياسي للأمة ذاتها أو لأمم العالم الغربي).

وذهب دكتور إمام عبد الفتاح إلى أنّ انفصام الشخصية الشرقية جاء نتيجة لحكم الطاغية الذي يعتمد على مبدأ الخوف وبثّ الرعب في قلوب الناس، فلا يستطيع أحد أن ينتقد أو يناقش ولا أن يفكر بصوت مسموع، فيلجأ إلى الرياء والنفاق والتملق في الظاهر، ولا يفصح عمّا بداخله إلا إذا اختلى بصحبة يثق فيها، وهكذا يعتاد أن تكون له شخصية ظاهرة علنية هي التي تقول "نعم" بصفة مستمرة، وشخصية خفية مستترة يمكن أن تقول "لا" في أوقات خاصة! وأنّ هذا الانقسام سوف ينعكس في جميع سلوك الفرد وتصرفاته بحيث يكون نمطًا للشخصية: فتراه أولًا يهتم بالشكل دون الجوهر، فيكون تديّنه زائفًا لا يأخذ من الدين سوي جانبه الظاهري السهل ويترك الجوهر الذي يتجلى في الصدق والإخلاص والأمانة والتعاون والضمير والعدل والإحسان.. إلخ. وتراه ثانيًا يفصل نفسه عن وطنه: فالحكومة والشرطة والصحافة شيء ومصلحته هو الخاصة واهتماماته شيء آخر. وهذه القسمة راجعة إلى أنّه لم يشترك في حكم بلاده، ولا في تشريع القوانين التي يخضع لها، ولا في إعداد الخطة التي يسير عليها.. إلخ فذلك كله كان متروكًا "للقائد الملهم"!

وأخيرًا، فقد أكّد على أنّه لا سبيل للتقدم العلمي أو الاجتماعي أو الإنساني في الوطن العربي سوي بتربية أجيال قادرة على التفكير النقدي ومتمكّنة من أدوات العقل.

 

محمد عرفات حجازي/ باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

مجدي ابراهيمرحل عصر اليوم (الإثنين الموافق 17 يونيو 2019) عن دنيانا رجلٌ من الرجال القلائل للفلسفة والتفكير هو الدكتور عزت قرني أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب ومقرر لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة إثر حادث أليم عن عمر يناهز التاسع والسبعين.

ولا شك أن خسارة الدوائر الفلسفية لرجل في مثل قامة هذا الرجل وقيمته لهو مصاب جلل وحزن مقيم، وبخاصّة إذا كنا نفتقد بفقدان هؤلاء الفلاسفة الكبار نماذج تتجسد فيها قيم الأصالة الفلسفية على التحقيق، وعلى العكس ممّا نرى ونشهده اليوم من تدني المستوى الثقافي والعلمي إن في مجالات التخصص الدقيق، وإن في ميادين الثقافة الفلسفية على التعميم.

إنّ الثقافة الفلسفية تتأسس على الوعي، وتحيطه بالمعرفة الفاعلة في سبيل التقدّم، ولا تتأسس على الدعوى العريضة تقوم في الناس بغير دليل.

كان الدكتور عزت قرني رحمه الله واحداً من المجتهدين المخلصين للبحث الفلسفي وللنشاط الثقافي، يقدّم الفلسفة؛ ليستخرج منها المفاهيم الثقافية، تتأسس عليها منظومة الثقافة العليا، وتقود المجتمعات التي تؤمن بالعقلانية ولا تهضم لها حقاً من الحقوق، ولا تهمّش لها دوراً من الأدوار.

وقد ولد الدكتور عزت قرني بمحافظة الجيزة في الخامس عشر من يناير لسنة 1940، وتخرّج في كلية الآداب، جامعة القاهرة عام 1960م، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة اليونانية من جامعة السوربون عام 1972م، ونظراً لنشاطه الثقافي واسهاماته الفلسفية، حصل على العديد من الجوائز والأوسمة من مصر والعالم العربي. وأثرى المكتبة العربية والفلسفية بعديد المصنفات القيمة والترجمات الدقيقة منها على سبيل المثال لا الحصر :

الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون، والعدالة والحرية في فجر النهضة العربية، ومستقبل الفلسفة في مصر، وترجم محاورات أفلاطون وقدّم لها، والفكر المصري الحديث، وغيرها من المؤلفات التي تشهد بقيمته العلمية ووطنيته المخلصة في ظل إيمان صادق بالدور الفلسفي للنهوض بالمجتمعات العربية على التعميم، والمصرية بوجه خاص.

لم يكن عزت قرني - طيّب الله ثراه -  ممّن يعزلون التفكير الفلسفي عن واقعات الحياة ولا كان من أولئك الذين لا يجعلون للفلسفة قيمة فاعلة ولا دوراً متجدداً في حياتهم أو في مجتمعاتهم ولكنه على العكس من ذاك تماماً : آمن بدور الفلسفة كونه العامل الأساس لإشعال فتيل العقل والمعرفة للنهوض بمستوى الفرد أو بمستوى المجموع، واستطاع أن يقدّم رؤية فلسفية لا تقل جديّة عن الرؤى الفاعلة التي تقدّمت في السابق ممّا هو مطروح من قضايا وأفكار، الأمر الذي يجعل منها في الواقع ليست مجرد تحليقات نظرية في سماء المجرّدات أو مُجرّد ممارسات كلاميّة لا تجدي نفعاً، ولكنها فاعلية تطبيقية ترقي بمستوى المعرفة وطريقة التفكير، وتضبط نظم التعليم في إطار القيم العليا، وتتوجه إلى الوعي الإنساني لتصقله بالنقد أو بالتغيير، وترفع من مستوى أنشطه الإنسان الثقافية والمعرفية في ظل مبادئ سامية يعتنقها الضمير ويدين لها بالولاء، ويسير على هداها بقناعة واعتقاد.

ولم تكن نظرته الفلسفية بالضيقة المتحجّرة المقصورة على الدراسات السطحية الخاوية من دلالات الحركة والتطبيق القاحلة من معارف العقل الموجه نحو التغيير ولكنها أنجزت رؤيتها الخاصة باتجاه النظر إلى مكانة الفلسفة بين العلوم التطبيقية الحيوية.

فالفيلسوف في الواقع هو من الواقع ولا يزيد، لكن فكره موصول بمنظومة القيم العليا.

وهذه القيم لا مكان لها في الحقيقة إلا أن يكون مكانها مرهوناً بالحركة الفاعلة في دنيا التطبيق، ولا معنى للفلسفة أصلاً إلا أن يكون المبدأ النظري مثالاً تتحرك التطبيقات في إطاره، يفيد الواقعات العملية التي تجري على هداه، وتكون من ثمّ رؤية الفيلسوف مختلفة عن رؤية غيره؛ لأنه إذ ذاك يرى ما لا يراه الآخرون: يبصر أخطاءهم فينقدها، ويقف على علّة تخلفهم فيقوضها، ولا يزال وراء الطاقة المعرفيّة العاملة إلى أن ينهض بالفرد، ليتقدّم بنهضته المجموع.

وهو إذ يصيب المبدأ النظري ببصيرته الواعية، يتحقق من صحته ثم يدعو إلى تطبيقه في إطار القناعات المعرفية التي كان قد توصّل إليها. ومن هنا كانت أهمية الرؤية الفلسفية التي يقدّمها القادرون عليها، ويفتقر إليها العاجزون عن التطبيق، المفلسون من تمثُّل حركة القيم العليا.

ولا ريب كانت أنجح المحاولات لتلك الرؤية هى المحاولة التي تنبع من داخل المجتمع، من داخل خصائصه، ومن الأصل الاصيل الذي تقوم عليه ثقافة هذا المجتمع أو ذاك، إذ كانت لكل مجتمع خصوصيته الثقافية التي تحكمه وتحكم معتقداته.

وخصوصية هذه الثقافة تفرض من الوهلة الأولى أطرها الفلسفية وبينها التصورية، ولا تقوم بحال تلك الأطر ولا تلك البنية خارجها إلا إذا فرضنا أن يكون "الترقيع" سمة لازمة لتلك الرؤية، وهو بلا شك ترقيع منبوذ ملفوظ، ميئوس منه آخر الأمر لا يقدّم ولا يؤخّر، وفي تلك الحالة لا تصبح رؤية فلسفية بل دعوى عريضة لا يقوم عليها من واقعنا العربي دليل.

فالرؤية الفلسفية تصدر حين تصدر من خصوصية الثقافة العربية الإسلامية، وكذلك التوجُّهات النقدية التي ترافقها وتلزم عنها، ليس يمكن أن يكون لها أثرها الفاعل بالمباشرة إلا في ضوء تلك الخصوصيّة وفي إطارها؛ فالنقد الداخلي لقيم الثقافة العربية هو ذاته فلسفة، ولا يحسنه إلا فيلسوف، وهو أولى وأهم من نقدها من الخارج، لأن الناقد إذ ذاك يكون أعرف بروح تلك الثقافة وخصوصيتها الفلسفية، وليس شرطاً أن تكون تلك الرؤية مستورة من الخارج لتكون فاعلة، ولكن شرطها الأهم هو الإحاطة بكل ما في الداخل من خصائص وسمات.

ولعلّ تلك الرؤية الخاصّة بالمجتمعات الإسلامية هى التي تبناها الدكتور عزت قرني في منجزه الفكري باتجاه النظر إلى عموم منجزات الحضارة الإسلامية : نقدها، ونقد ما ينحرف عن أصولها التأسيسية، إذ يسفر هذا النقد عن بيان أوجه القصور كاشفاً برؤيته عن أهمية تلك الأصول وعن ضرورتها كذلك في كل مشروع نهضوي ناجح، إن في البعد أو في القرب، ممّا يلامس خصائصها وأشراطها ويقارب منطلقاتها التأصيلية؛  فالذي يقترب من الأساس الصحيح والمبدأ الأسمى، فمعيار تقدّمه مرهون بهذا الاقتراب، والذي يبتعد عن بؤرة الحركة في ظله، فتخلفه ونكوصه وترديه أولى بالنقد وأدعى بالتنقية والتصفية ممّا لحق به على طول الزمن المديد.

في إطار المبدأ العقدي تسمو الحركة النقدية ولا تسمو في إطار الادعاء، وتستظل الرؤية الفلسفية بخصائصها المعرفية لا شك في هذا الإطار لا في إطار غيره

ولا تستظل بالترقيع الذي يأتينا من خارج بثقافات ليست هى ثقافتنا ولا هى بالتي تصلح لمجتمعاتنا، ولا نجني من ورائها ثمرة مرضيّة غير ثمرة التمزّق والخلاف.

رحم الله الدكتور عزت قرني وجزاه خيراً كل الجزاء على ما قدم لأمته من عطاء نافع. وإذا كانت الفلسفة في عالمنا العربي قليلة الجدوى، أو هكذا يراد لها، فإن الفيلسوف، بقيمة ومعارفه، لا يزال فيها مطلوباً غير طالب، ولا تزال منارة التفكير يحملها ذلك الرجل البصير الناقد لنفسه أولاً، والعارف لعيوبه وعيوب الأمة التي يدين لها بالولاء، فوخزاته اللاذعة لها، تنطلق عازفة على قيثارة من نار من أجل الإصلاح والتغيير.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي، بأن هناك رواد تنحسر عنهم أضواء الشهرة من أساتذة الفلسفة الحديثة والمعاصرة بسرعة لافتة للنظر، مع أنهم أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس في مجالها، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم، وعلي أن يبدعوا في أكثر من مجال مثل أقرانهم الأكثر شهرة الذين كان عليهم الإسهام في كل مجال من مجالات الفلسفة الحديثة والمعاصرة المختلفة (سواء في القرنين: السابع عشر والثامن عشر أو القرنين: التاسع عشر والعشرين)، استجابة إلي تحديات الركود الفكري في مجتمعهم ورغبة في الوقت نفسه في الارتقاء بهذا المجتمع من خلال نشر التنوير.

والأستاذ الدكتور "سعد عبد العزيز محمد الصادق حباتر (أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية البنات – جامعة عين شمس بجمهورية مصر العربية) ؛ قلما يذكر اسمه في المؤتمرات والمحافل التي تهتم بالفلسفة الحديثة والمعاصرة في مصر وفي العالم العربي، مع العلم بأن هذا الرجل كان واحداً من الأساتذة الجامعيين الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الحديثة والمعاصرة من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

كان الدكتور سعد حباتر قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

والدكتور سعد حباتر من مواليد من محافظة قنا - مركز إسنا (بجمهورية مصر العربية)، التحق بقسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة عين شمس، وقد أعجب به الدكتور عبد الرحمن بدوي، حيث أشرف علي رسالته للماجستير وكانت بعنوان "مشكلة الحرية في الوجودية"، وفي هذه الرسالة سعي سعد حباتر بلغته السهلة الممتنعة أن يعرض لمشكلة ذات طابع انطولوجي مؤثر وهي مشكلة الحرية في الفلسفة الوجودية ولكن بطريقة يفهمها القاصي والداني، وهذا من مأثره الأخرى فلقد تمتع بلغة سهلة وجذابة يظن البعض في الساحة الفكرية المعاصرة أنهم قادرون علي الإتيان بمثلها ولكن هيهات.

كما أشرف عليه الدكتور عبد الرحمن كذلك في الدكتوراه وكان عنوان رسالته "الأخلاق في الفلسفة المعاصرة" إلا أنه لم يكمل إشرافه عليه بسبب تقلده منصب المستشار الثقافي لمصر في سويسرا فأكملت عليه في الإشراف الدكتورة نازلي إسماعيل حسين، وبعد حصوله علي الدكتوراه عُين حباتر مدرساً للفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية البنات بجامعة عين شمس، ثم تدرج في السلك الجامعي حتي حصل علي درجة الأستاذية في نهاية القرن المنصرم.

وخلال ذلك أصدر للمكتبة العربية عدة كتب من أهمها: كتاب الوجودية والإسلام، وكتاب نماذج من الفكر المعاصر، وكتاب الأنا والآخر، وكتاب مشكلة الموت عند جورج مور، والمنطق الرمزي عند ليبنتز، علاوة علي الكثير من الأبحاث التي كتبها في مجال التخصص. كما أشرف علي العديد من الرسائل العلمية، ونذكر منها رسالة الماجستير للباحث محمود حميدة عبد الكريم وعنوانها الأخلاق عند الراغب الاصفهاني، وكذلك رسالته في الدكتوراه عن " المشكلة الأخلاقية في الفكر الإسلامي المعاصر في القرن العشرين"، ورسالة الباحثة ناهد إبراهيم محمد في الحرية عند بولتمان، ورسالة الباحثة مسعودة رمضان علي في الدكتوراه وعنوانها "فلسفة عبد الرحمن بدوي الوجودية"، ورسالة الماجستير الخاصة بمصطفي معوض عبد المعبود بعنوان" مشكلة الإيروس والتحرر عند هربرت ماركيوز"، وباحثين آخرين كُثر حيث يطول بنا الحصر.

وكان سعد حباتر مثله مثل آخرين ممن شاركوه في التلمذة علي العمالقة أمثال الدكتور عبد الرحمن بدوي، والدكتور عبد الهادي أبو ريدة والدكتورة نازلي إسماعيل حسين وغيرهم، وظل طوال عمره محافظاً علي التقاليد الجامعية ملماً بدولاب العمل الجامعي، وفي أواخر العام الماضي وافته المنية علي إثر حادث سيارة.

ولم يكن سعد حباتر ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية من الحياة، ويعرف كيف يتذوقها ويُرضي بها حسه المرهف. ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد فلقد مارس بشكل رائع ما يمكننا تسميته بالمغامرة العقلية فكانت الإشكاليات التي يتناولها في مؤلفاته ورسائله والتي يوافق علي الإشراف عليها من خلال تلامذته حتي أن رسالته للدكتوراه كانت تساؤلا عكس ما هو معروف وسائد عن الفلسفة الوجودية فكانت بعنوان : هل هناك أخلاق وجودية؟ وقد أثبت سعد حباتر من خلال دراسته وجود تلك الأخلاق رغم اقتناع الكثيرين بأن الفلسفة الوجودية فلسفة تقوم علي الحرية وتدعو إليها وليس فيها ذلك الإلزام الأخلاقي المعروف في فلسفات الأخلاق.

ولم يكتف سعد حباتر بالإلمام بمقتضيات البحث العلمي في مجال الدراسات الفلسفية أو ترسيخها في قلوب وعقول تلامذته وكل من يستمعون إليه، بل كان له السبق في استبطان عقول من يشرف علي رسائلهم ؛ بمعني أنه كان مقتنعاً تماماً بأن لكل باحث شخصيته وميوله، فمنهم من يميل إلي المنهج التاريخي المقارن، ومنهم من يميل إلي التحليل والتعمق، في حفر الأفكار، فلم يحرم هؤلاء أو هؤلاء من ميولهم، ولكنه أضاف إليها، فحافظ علي شخصية تلامذته والقواعد العلمية في آنا واحد، مما يندر أن يتوفر عند أساتذة كثيرين.

كما جمع سعد حباتر بين الأفق الفلسفي الواسع، والرؤية العلمية المحددة، والبعد الديني وهنا يتضح عدم تعصبه لمذهب بعينه من المذاهب الفلسفية المعاصرة، فلم يكن وضعياً ولا برجماتياً ولا وجودياً، ولا متمذهبا بأي حال من الأحوال فموضوعتيه غلبت عليه في كل أحكامه، وأراءه وعندما يوجه سهام نقده لأى من هذه المذاهب فهو لا ينكرها أو يريد هدمها أو نقضها، إنما يطالب بإعادة النظر إليها لاشتمالها علي نقائض وعيوب، كما يهتم بصياغة المصطلح صياغة فلسفية، وعلمية دقيقة ويظهر التفرقة الواضحة بين الصياغتين.

أضف إلي ذلك حبه العميق للغة العربية، فقد كان عاشقاً لها، غيوراً عليها، حفياً بها – وقد انعكس ذلك كله علي أسلوبه في كتاباته؛ حيث كان أسلوبه جذلاً، فيه رصانة وطراوة، وإغداق وإثمار، وفيه عذوبة تشد الآذان إليه لسهولته، وإن تكن من نوع السهل الممتنع . فعباراته قصيرة، لكنها واضحة الدلالة؛ وتنتظم في حلقات من سلسلة تشبه جواهر منظومة في عقد، تجسد الفكرة، وتقدمها للمتلقي في سياق يصعب أن تحذف منه كلمة، أو تضيف إليه كلمات، وتكاد تشعر أنك مع شاعر مبدع يعزف علي أوتار كلماته لحناً عذباً رائعاً يستلب القلوب، ويأخذ بمجامع العقول، فيشيع فيها امتاعاً  وأنساً مع شئ من الحماسة تضطرم به الأفكار، غير أنك لا تكاد تسمع منها في الأعماق إلا همساً .

علاوة علي اتقانه الرائع للغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وله ترجمات في ذلك ومنها ترجمة كتاب الأخلاق لجورج مور، حيث كان حباتر يتميز في ترجمته بالبعد الاكاديمي، وهو يمثل واحداً من المترجمين الذين يؤمنون بأن الترجمة عملية لا تقتصر على النقل اللغوي للجُمل والعبارات ومعاني الكلمات فحسب، بل تمتد لتشمل البعد الثقافي أيضًا، فالمترجم هو كاتب، أي أن عمله هو صَوْغ الأفكار في كلماتٍ موجهةٍ إلى قارئ. والفارق بينه وبين الكاتب الأصيل هو أن الأفكار التي يصوغها ليست أفكاره، بل أفكار سواه، لذا على المترجم قبل أن يشرع في ترجمة النص، عليه أن يراعي جيدًا الأبعاد والبيئة الثقافية التي وُلِد فيها هذا النص، والقارئ المتلقي له، ليُخَاطبه ليس بلغته فحسب، بل بثقافته أيضًا التي قد تشبه ثقافة المترجم، وقد تختلف عنها تمام الاختلاف.

إن هذا نزر يسير من مآثر سعد حباتر التي لم يتم لكثيرين من الناس التعرف عليها شأنه شأن صديق عمره الدكتور محمود رجب (أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بجامعة القاهرة) وكأن الأقدار أبت إلا أن يعيشا دون أن ينالا القدر المناسب وربما كان هذا في صالحهما، فقد كان لهما الجزاء الأوفر عند خالقهما والقبول في قلوب محبيهم.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، ولعل هذا يتوافق مع كلمته الشهيرة "لحم الضأن تأكله الضباع وتبيت الأسود جوعانة"، فكان كل هذا بمثابة عوامل أسهمت في تكوين صورتنا عنه والتي ستظل طوال العمر صورة الأستاذ الاكاديمي الذي رغم هذه المأثر المتعددة وغيرها لم ينل حقه الطبيعي من التقدير والشهرة وهما اللذان تركا لأنصاف الأساتذة فلم يعرفه الكثيرون من الأجيال الصاعدة، ولكن حظه أوفر عند، وأما من لم يعرفه فتلك لم تكن مشكلته شأنه شأن زميله الدكتور محمود رجب .

تحية طيبة لسعد حباتر الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله الدكتور سعد حباتر، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ضياء نافعأشرت في نهاية الحلقة الاولى من هذه المقالة الى ان الحديث مع د. خليل عبد العزيز قد تشعّب، واريد هنا ان اتوقف عند (شعابه) هذه. سألته عن أخبار كتابه (محطات من حياتي)، فقال خليل لي، ان الكتاب يباع بشكل واسع جدا في العراق، وقد اخبرني بعض الاصدقاء بطبع اعداد اضافية منه وتسويقها دون حتى اعلامي او موافقتي، وأخبرني اصدقائي ايضا، ان الذين يقتنوه يبحثون فيه عن اجابات لعدة اسئلة تدور في ذهنهم حول المواضيع التي تناولها الكتاب، لعل اهمها سؤال كبير، وهو – (لماذا انهار الاتحاد السوفيتي؟)، اذ ان هذا الموضوع كان بعيدا جدا عن توقعات ومفاهيم القارئ العراقي الاعتيادي، ولازال هذا الموضوع غير واضح المعالم لهم لحد الان رغم مرور اكثر من ربع قرن على ذلك الحدث الهائل، وضحك د. خليل وأضاف قائلا – (لدرجة ان بعض الشيوعيين العراقيين، الذين قابلتهم في بغداد، لازالوا يعتقدون بامكانية عودة الاتحاد السوفيتي مرة اخرى)، وقد أيدّته في ذلك، وقلت له اني صادفت هذه الآراء الساذجة ايضا عند بعض العراقيين، الذين قابلتهم هنا وهناك. سألته عن مشاريعه اللاحقة بشأن كتابه هذا، فقال انه يحضّر الان طبعته الثانية، وستكون منقحة ومزيدة طبعا، اذ ينوي ان يضيف لها مقالات ظهرت له بعد طبع الكتاب المذكور حول مشاهداته وذكرياته الشخصية في الاتحاد السوفيتي ومسيرة الحياة اليومية فيه، وخصوصا تلك الانطباعات في الجمهوريات السوفيتية الشرقية عندما زارها او تعامل مع بعض المسؤولين الكبار فيها ، وأضاف د. خليل، انه سيبقي طبعا عنوان الكتاب (محطات من حياتي) كما كان في السابق، لكنه سيحذف من عنوان الكتاب الكلمات الاضافية – (سجون / اغتراب / نضال)، وسيبدل حتما صورة الغلاف التي لم تعجبه في حينها، فقلت له ان هذه الخطوات بشأن الكتاب دقيقة وصائبة من وجهة نظري، اذ انه كتاب تاريخي مهم، وكم اتمنى ان يطلع عليه الكثيرون من القراء العراقيين، لانه يعكس وجهة نظر موضوعية وواقعية حول تلك المواضيع، فهو لا يهدف الى الطعن بالاتحاد السوفيتي كما هو الحال ببعض الكتب الدعائية المعادية للاشتراكية، وانما هو وثيقة صادقة وصادرة من قبل شخص واضح المبادئ والمواقف الفكرية، ويعتز بماضيه ومسيرته .

 توسّع الحديث معه حول موضوع انهيار الاتحاد السوفيتي، وقال د. خليل، ان القيادة السوفيتية في السنوات العشرين من عمرها (او أكثر) كانت منعزلة عن الواقع تقريبا، واعطاني مثلا دقيقا حول ذلك، وهو ما حدث مع عبد الفتاح اسماعيل سكرتير الحزب الاشتراكي اليمني (اليمن الجنوبي)، اذ كان لديه موعد مع سوسلوف (فيلسوف الحزب الشيوعي السوفيتي آنذاك)، وقد اخبره عبد الفتاح انه قلق جدا، اذ كيف سيقابل هذه الشخصية الشيوعية السوفيتية الفذة وماذا يمكن ان يقول له ...الخ، وعندما التقى خليل به بعد المقابلة تلك، قال عبد الفتاح له، ان الكلام الذي قاله سوسلوف عن اليمن غير دقيق بالمرّة، وانه اضطر ان يسكت كي لا يخبره برأيه ذلك، وكان عبد الفتاح اسماعيل مصابا بخيبة أمل مريرة بعد اللقاء مع سوسلوف. وحكى لي د. خليل حكاية اخرى غريبة حول العقلية الساذجة التي كانت سائدة في الاوساط الاعلامية السوفيتية آنذاك، والتي اطلع عليها د. خليل بحكم عمله معهم . الحكاية هذه بسيطة جدا، فقد عرض التلفزيون السوفيتي مراسم دفن سوسلوف، وكان السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي ليونيد بريجنيف طبعا مشاركا بها، وعندما أنزلوا الجثمان في القبر، بكى بريجنيف، وتم عرض هذا المشهد (اي بكاء بريجنيف) في التلفزيون، وبعد العرض، تم فصل كل فريق العمل وكذلك مسؤولي برامج التلفزيون، لانهم عرضوا بريجنيف وهو يبكي، وذلك لانهم اعتبروا ذلك بمثابة عرض لضعف الدولة السوفيتية امام الملأ، ولم يستطع احد ان يوقف هذه الاجراءات الصارمة وغير العادلة بحقهم رغم تعاطف الجميع مع فريق العمل ذاك . وقال د. خليل، ان الهمس والاستنكار والانتقاد الشديد في الاوساط الاعلامية السوفيتية آنذاك ضد هذه الخطوات الحمقاء كان شديدا جدا، ولكن دون اي فائدة، اذ كان الجميع يخاف ان يعلن موقفه الحقيقي بالنسبة لهذه الاجراءآت، ويختتم د.خليل كلامه قائلا – (لقد تذكرت كل تلك المواقف عندما كنت في الساحة الحمراء بموسكو وانا اشاهد كيف يرمي الشيوعيون الروس هويات الانتماء الى الحزب الشيوعي السوفيتي تخلّصا منها، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي)...

تحية اعتزاز الى الدكتور خليل عبد العزيز، العراقي الاصيل، الذي شاهد في حياته مواقف تاريخية كبيرة، وتحدّث حولها لنا بكل صدق واخلاص وموضوعية ...  

 

أ. د. ضياء نافع

 

رحيم الساعديبقلم: ديميتريس كوروكاليس

ترجمة: د. رحيم الشياع الساعدي

***

أسس سكان شبه الجزيرة العربية من عام 634 م حتى عام 750 م إمبراطورية شاسعة، كانت حدودها جبال البرانس في الغرب وحدود الصين في الشرق. وعلى الرغم من الانقسام السياسي من 9 او 10 قرون في الإسلام الشرقي والغربي الا انه ازدهرت حضارة واحدة مشتركة (مع الإشارة إلى القرآن)

وكانت الثقافة الفكرية الإسلامية أكثر تطوراً من المسيحية في نفس الحقبة. وقد تمت الإشارة إلى أن الرشيد والمأمون كانا مفتونين بالفلسفة اليونانية والفارسية، اما معاصريهما في الغرب، فلم يتمكن كل من شارلمان وحكامه من كتابة اسميهما.

ساهمت الجامعات الإسلامية في التطور الثقافي الهام للإسلام وتم تأسيسها كأماكن للتعليم الديني، حيث تم تدريب العلماء (علماء الدين والمفكرين)، و(القضاة)، واهل الفتوى (المترجمون القانونيون) وغيرهم من المسؤولين الدينيين ليكونوا على استعداد لخدمة المجتمع.

وأثار الإسلام في العصور الوسطى سلسلة من الفلاسفة من الدرجة الأولى الذين جعلوا من خلال شبه الجزيرة الأيبيرية، الفلسفة الإسلامية اليونانية المعروفة في أوروبا، مما ساهم في تأسيس الجامعات الأوروبية الأولى.

في سنوات الحضارة الإسلامية، التي تركزت في بغداد، هناك جهد ترجمة لم يسبق له مثيل لتاريخ الثقافة، مما أدى إلى وصف دقيق لجميع التراث اليوناني القديم الى اللغة العربية مع إيلاء اهتمام خاص لأعمال أرسطو

منزل الصوفية

كرس العرب، اهتمامًا خاصًا لقضايا التعليم وعملوا بشكل منهجي من أجل التطور الثقافي والعلمي للإسلام.

وكانت نتيجة هذه العمليات إنشاء "بيوت الحكمة" في بغداد. كان هذا المنزل هو مصدر الصحوة وحب الشباب لمجتمعهم، لأنه من خلال ترجمة الأعمال الكلاسيكية اليونانية اكتشفوا اليونان، كما كان الحال مع عصر النهضة الإيطالية.

وأسس هارون الرشيد (786-809) هذه المكتبة، ولكن الشخص الذي حوّل الأساس من مكتبة بسيطة إلى مركز روحي وعلمي في آسيا، مع مرصد حيث العلماء من القبائل المختلفة هو ابنه المأمون (813-833) ، الذي استدعى أبرز الرجال في ذلك الوقت في بغداد من أجل الحفاظ على تراثه الفكري وتطوير العلوم وكان الغرض الرئيسي من "بيت الحكمة" هو جعل ترجمات الكتب اليونانية والفارسية والهندية المهمة باللغة العربية وكان عمل المترجمين الذين كانوا تحت حماية العباسيين منظمًا بعناية وتخصص.

جامعة قرطبة (كوردبا)

غزا العرب إسبانيا في عام 711، حيث انتقل معظمهم إلى تلك المنطقة لخمسمائة عام وأصبحوا طليعة الإسلام في الغرب. وأصبح للفلسفة العربية بريق جديد في إسبانيا، خلال هذه الفترة التاريخية، وتمت ترجمة الأعمال العلمية والفلسفية اليونانية، التي سبق ترجمتها من السريانية إلى العربية، وإلى العبرية من قبل يهود جنوب فرنسا وإسبانيا، ثم اللاتينية وجامعة قرطبة (970) هي امتداد للشرق المتقدمة علميا نحو المنطقة الأوروبية.

وظهر العنصر العربي في إسبانيا من قبل الذين شردهم العباسيون من الشرق الأدنى بسلالة جديدة مع إنشاء أسس التطور العلمي في القرنين 11 و12.

المساهمون الأكثر أهمية في التطور الأدبي والعلمي والفني لشبه الجزيرة الإيبيرية في قرطبة هم عبد الرحمن الثالث (912-961) وحكيم ب (971-976). ويمتد نشاطهم الشخصي على مدى أكثر من ستين عامًا، من 912 إلى 976. ويعود عبد الرحمن الثالث، الذي يتمتع بالشخصية القوية التي تميزه، إلى قرطبة وهيبتها وسحرها وهي مكان لقاء للكتاب والفنانين استمر بوقتها للحفاظ على مجد قرطبة كأحد المراكز الروحية الأولى في العالم.

جلب الملك من بغداد، وهي أهم جزء علمي في العالم، وكذلك من مصر ودول أخرى في الشرق، أهم أعمال العلوم القديمة والحديثة، وجمع كمية مساوية تقريبًا لتلك التي جمعها الأمراء العباسيون في فترة زمنية قياسية

وكان هناك أشخاص مسؤولون عن الشراء والنسخ (بالنيابة عنه) لأفضل الكتب القديمة والحديثة في التقاليد العربية، وهناك معلومات تفيد بأن حكم الخليفة الثاني في قرطبة ضم 400000 مخطوطة مسجلة في الوثائق التي امتدت 44 مجلداً.

في ذلك الوقت، كانت جامعة قرطبة (كوردوفا) واحدة من أكثر الجامعات شهرة في العالم، بدوراتها في المسجد الكبير، ونصوص من مجموعة كبيرة تحتوي على ثروة من المعلومات عن العرب القدماء والأمثال ولغتهم وشعرهم.

ونُشرت هذه المجموعة لاحقًا تحت عنوان "المحظورات".  وقد تم تعليم القواعد النحوية من قبل ابن القوطي، الذي كان، من أكثر الحكماء في إسبانيا.

ففي اسبانيا في القرن 11، كان التعليم مجانيا ولم ينظم من قبل الدولة، وانتشر في كل مكان تقريبا، في جميع المجالات سواء في المدن الصغيرة أو المدن الكبيرة مثل إشبيلية وقرطبة، سرقسطة وطليطلة وقد تطورت العلوم في قرطبة قبل فترة قصيرة من غارات المسيحيين في شبه الجزيرة الأيبيرية. وهكذا، كانت إسبانيا ممرا للعلوم القديمة إلى الغرب. كما يذكر هنري ماسي، "الإسلام يقع في السلسلة التي تربط بين القديم والفكر الاحدث ويلعب دوره المهم في تاريخ الحضارة".

جامعة الأزهر

جامعة الأزهر هي امتداد طبيعي للأزهر، أقدم وأشهر المؤسسات الأكاديمية والجامعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم، لأكثر من ألف عام دون استثناء، كان الأزهر المركز الثقافي لجميع المسلمين في الشرق والغرب.

عندما أرسل الخليفة جوهر وهو قائد القوات الفاطمية من قبل الخليفة المعز لغزو مصر، أسس القاهرة هناك في عام 969 وبنى جامع الأزهر.

وتم الانتهاء من المسجد المسلم بعد ذلك بعامين منذ ذلك الحين أصبح المسجد الإسلامي الأكثر شهرة في العالم الإسلامي بأسره، وأقدم جامعة للدراسات الدينية والعلمانية.

ويختلف المؤرخون حول كيفية تسمية المسجد بذلك الاسم الذي أطلق عليه، والجواب الأكثر ترجيحاً هو أنه سمي باسم فاطمة الزهراء بنت النبي محمد لتمجيد اسمها. هذا التفسير الأخير يبدو الجواب الأكثر احتمالا.

وفي عام 988 حولت إلى جامعة وتم التدريس فيها لأكثر من ألف عام في مختلف التخصصات مثل الفقه الإسلامي، واللغة العربية، والعديد من مجالات العلوم الأخرى وسمحت الأسرة الفاطمية للقاهرة باستقلالها الروحي، ونتيجة لذلك أصبحت جامعة الأزهر المركز الأكثر أهمية في التعليم الإسلامي.

دار الصوفية أو دار العلوم

في عهد الأسرة الفاطمية (909-1171) وفي عهد الحاكم 1004، تأسست دار الحكمة - دار العلوم وثُبت المحامون واهل النحو وعلماء المنطق والأطباء وعلماء الفلك وعلماء الرياضيات الذين نقلوا الكتب من مكتبات القصر ودُرست العلوم من العصور القديمة، وهي الرياضيات وعلم الفلك والجيوديسيا والفيزياء وعلم الفراسة والطب والنحو والشعر والفنون ومختلف فروع الفلسفة يمكن لكل فرد القراءة بحرية وان ينسخ ما يريد.

ويتألف "بيت العلوم" من قراء القرآن وعلماء الفلك وخبراء القواعد وعلماء اللغة والأطباء، بالإضافة إلى كتب تتناول جميع أنواع المواد العلمية والأدبية، بالإضافة إلى المخطوطات الحرفية

وهذه المجموعة من أغلى مجموعات الاعمال التي جمعها الحاكم على الإطلاق وكان يقدم رواتب مرضية لرجال يحترمون القانون وغيرهم من الحكماء الذين يعملون في المؤسسة

ويأتي المزيد من الناس إلى المكتبة للقراءة، وبعضهم ينسخون، بالإضافة لمن يقدم لحضور دروس المعلمين. ويمكن للمرء أن يلاحظ هناك الحبر وأقلام الرصاص والورق والمكتب للكتابة لأول مرة في عام 1012، كان العلماء دائمًا من الشخصيات المستنيرة للخلفاء، الذين كانوا أيضًا القادة السياسيين للعرب.

واغلق "بيت العلوم" في عام 1122، بعد أعمال الشغب الناجمة عن الهراطقة.

خاتمة

لم يكن الإسلام دائمًا يعيش في تاريخ عالم التعصب الأصولي او التخلف الاجتماعي والكنيسة الغربية المستنيرة اليوم تشجب نقاط الضعف هذه لأنها تذكرها بماضيها من القرون الوسطى، وفي الختام، يمكننا القول إن العرب حققوا هدف نقل العلوم اليونانية القديمة إلى الأوروبيين. لقد قاموا في كثير من الأحيان بتصحيحات كبيرة وأضافوا تجربتهم الخاصة وبدون جهود الترجمة العربية وزراعة العلوم، لن يكون هناك دافنشي ولا غاليليو في أوروبا لإقامة البحوث الحديثة القائمة على العلوم.

 

.......................

المصادر

1- ثراسيفولوس، التاريخ العام للعلوم، المجلد. 1.أثينا

2- ستيكوس، تاريخ المكتبة في العالم الغربي. أثينا، 2002

3- رومانوس، الإسلام الهيليني. أثينا: الإسكندرية، 2001

4- مصطفى العبادي، مكتبة الإسكندرية القديمة. أثينا، 1998

5- ديفيد نيكولاس، تطور عالم العصور الوسطى. أثينا، 2000

6- موسوعة تاريخ المكتبة، لندن: جارلاند للنشر، 1994

7- غوتاس ديميتريس، الفكر اليوناني القديم في العالم العربي. أثينا

8- فلخوس، مقدمة في النظريات السياسية في العصر الحديث. أثينا: 1979

9- ميثوديوس، الخلفية اليونانية للإسلام. أثينا: لبنان، 1994

10- جياناكوبولوس، الثقافة الغربية في العصور الوسطى وعوالم بيزنطة والإسلام. أثينا: نشرتها 1993

11- ديفيد ليندبرج، بدايات العلوم الغربية. أثينا: مطبعة الجامعة، 1997

12- أوين جينجيرش. "علم الفلك الإسلامي". العلمية الأمريكية 1986

 

محمود محمد عليعرفت الدكتور "محمد عثمان الخشت" منذ تسعينيات القرن الماضي عندما كنت أتردد علي قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، وكنت أري الدكتور الخشت في صحبة أستاذنا الدكتور "محمد مهران"  باستمرار، وقد جمعتني وإياه علاقة طيبة  دامت حتي الآن، كما عملنا معنا في المناقشة والإشراف علي بعض الرسائل العلمية في فلسفة الدين بقسم الفلسفة بكلية الآداب - جامعة أسيوط.

كان محمد الخشت متميزاً في دراسة فلسفة الدين في مصر، والعالم العربي؛ حيث استطاع ببحوثه ومؤلفاته أن ينقل لنا البحث في فلسفة الدين من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أن محمد الخشت يجمع بين التعمق في التراث الإسلامي والفكر الغربي. وتقدم أعماله رؤية جديدة لتاريخ الفلسفة الغربية تتجاوز الصراع التقليدي منذ بداية العصور الحديثة. وتتميز مُؤلفاته بالجمع بين المنهج العقلي والخلفية الإيمانية ونسج منهجًا جديدًا في فنون التأويل يجمع بين التعمق في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية وتاريخ الأديان والفلسفة.

ولد الدكتور محمد عثمان الخشت  في 1 يناير 1964، ودخل قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، ثم أصبح الخشت مُعيدًا بدايةً من عام 1986، وترقى إلى درجة مُدرس مُساعد بعدها بأربع سنوات عقب حصوله على درجة الماجستير. ثم في عام 1993، نال درجة الدكتوراه وأصبح مُدرسًا بالكلية ذاتها. إلى أن أصبح أستاذًا مُساعدًا عام 2003 عقب قيامه بأبحاث الترقي، إلى أن وصل إلى الأستاذية عام 2008 بعد استيفائه مُتطلبات الدرجة.

وبلغت مُؤلفات الخشت عدد (41) كتابًا منشورًا و(24) كتابا مُحققًا من التراث الإسلامي، مع عدد (28) من الأبحاث العلمية المُحكمة المنشورة، و(12) دراسات منشورة في مجلات عربية؛ ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : روجيه جارودي: نصف قرن من البحث عن الحقيقة، حركة الحشاشين: تاريخ وعقائد أخطر فرقة سرية في العالم الإسلامي، مدخل إلى فلسفة الدين، مقارنة الأديان: الفيدية، البرهمية، الهندوسية، الدين والميتافيزيقا في فلسفة هيوم، فلسفة العقائد المسيحية، أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط، العقل وما بعد الطبيعة بين فلسفتي هيوم وكنط، فقه النساء في ضوء المذاهب الفقهية والاجتهادات المعاصرة، المعقول واللامعقول في الأديان بين العقلانية النقدية والعقلانية المنحازة، الشخصية والحياة الروحية في فلسفة الدين عند برايتمان، تطور الأديان، نحو تأسيس عصر ديني جديد ...الخ. وكان قد صدر أول كتاب منشور له عام 1982، كما صدرت أربعة كتب عن فكره وإسهاماته العلمية باللغة العربية والإنجليزية، كتبها عشرات من أساتذة الجامعات المصرية والعربية ومُحررون أجانب، فيما صدر عنه وحول فكره أكثر من 78 بحثًا علميًا مُحكمًا، وقد تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى مثل الألمانية والإنجليزية والإندونيسية.

ثم تولى الخشت الكثير من المناصب القيادية بجامعة القاهرة، من بينها المُستشار الثقافي للجامعة (2002- 2013)؛ ومُدير مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة (2010- 2013)؛ وعُضو اللجنة الدائمة لاختيار الوظائف القيادية بجامعة القاهرة (2013-2013)؛ ومُسئول التدريب والتثقيف للجامعات المصرية بوزارة التعليم العالي (2013)؛ ومُستشار الدراسات العليا بجامعة القاهرة عضو المكتب الفني (2009 - 2013)؛ ومُسئول جودة الأنشطة الطلابية في مشروع تطوير الأنشطة بوزارة التعليم العالي عن جامعة القاهرة (2007-2008)؛ والمُؤسس والمُشرف على مشروع جامعة القاهرة للترجمة (2010- 2017)؛ والمُشرف على تحرير مجلة هرمس (2010- 2013)، وهي مجلة علمية مُحكمة في الدراسات الأدبية واللغوية ومُعتمدة من أكاديمية البحث العلمي ولجان ترقيات الأساتذة والأساتذة المُساعدين في مُختلف تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعات المصرية، كما شارك في تأسيس مجلة الجامعة الدولية؛ ونائب رئيس جامعة القاهرة لشئون التعليم والطلاب (2016- يوليو 2017). كما شغل منصب المُستشار الثقافي المصري لدى المملكة العربية السعودية (2013- 2015).

وأشرف الخشت على أكثر من 30 رسالة ماجستير ودكتوراه، وكان أخرها النزعة التنويرية عند محمد عثمان الخشت..دراسة في فلسفة الدين، وتُناقش الدراسة رؤيته لتطوير العقل الديني وتأسيس فلسفة جديدة للدين. كما قام الخشت أيضًا بتحكيم ومُناقشة عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه والأبحاث وترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين بمصر والعالم العربي. كما شارك في أكثر من 40 مُؤتمر علمي ودولي، ونظم وشارك في تنظيم 100 مُؤتمرًا دوليًا ومحليًا.

والدكتور الخشت يشغل حاليًا منصب رئيس جامعة القاهرة، كرمته جامعة القاهرة في عيد العلم 2013 نظرًا لإسهاماته الأكاديمية والإدارية في الدراسات العليا والبحوث والمشروعات الثقافية، وحصد مئات شهادات التقدير والدروع من جامعات ومُؤسسات دولية وإقليمية ومحلية عبر أربعة عقود.

ومحمد الخشت هو صاحب نظرية جديدة في تطور الأديان قدمها في كتابه تطور الأديان، وفيه تمكن الخشت من تقديم أول مُقارنة شاملة بين الأديان والفلسفات من منظور نظريات التطور، تجمع بين الوصف العلمي والتحليل الفلسفي والنقد العقلي المُلتزم بمعايير المنطق، ونجح في توظيف تلك المعايير في أشكالها الأكثر تطورًا في عصر الحداثة وما بعد الحداثة.

كما قدم الخشت مشروعًا جديدًا لتجديد الفكر الديني القائم على العقلانية النقدية، حيث يرى ضرورة تطوير علوم الدين، وليس إحياء علوم الدين القديمة، ودعا الخشت إلى صياغة خطاب ديني جديد بدلًا من تجديد الخطاب الديني القديم، وأعاد الخشت كتابة علوم الحديث في صيغة عصرية، كما أعاد تأويل موقف الشريعة من قضايا المرأة منذ ثمانينات القرن العشرين.

ويهمني في هذا المقال أن أركز علي موقف الخشت من الخطاب الديني التقليدي، حيث كتب لنا مجموعة الدراسات والأبحاث التي تتعلق بهذا الأمر، حيث أكد أن حركة الإصلاح الديني التي ظهرت مع مطلع العصور العربية الحديثة لم تنتج علوماً جديدة ولا واقعاً جديداً، بل استعادت عصور الشقاق وحرب الفرق العقائدية والسياسية التي ضربت الأمة بعد مقتل عثمان (رضى الله عنه).

ويرجع الخشت السبب في ذلك إلي غياب العقلانية النقدية، على الرغم من أن العقلانية النقدية في جوهرها هي التي قامت عليها دعوتنا منذ إبراهيم (عليه السلام)، وهى العقلانية التي دعا إليها القرآن الكريم وقام عليها الشرع من خلال آيات القرآن وأقوال النبي الصحيحة التي دعت إلى استخدام العقل والتي قامت عليها حضارتنا قبل أن تتحول إلى عصور المتون والشروح والحواشي.

ولذلك تصور المتأخرون العقل كما يقول الخشت على أنه "العقل النقلي" لا "العقلي النقدي"! وهنا ظهر التطرف، وتجمد الخطاب الديني كما توقف الاجتهاد فى علوم الدين، حيث المعالجة النقلية للعلوم، وحيث المعالجة الإنشائية المفرطة فى الخطاب الشفهي والمكتوب. وظن المتأخرون أن هذه العلوم إلهية مقدسة، لا يكون التعامل معها إلا بالحفظ، وأن تصبح عالماً هو أن تحفظ المتون وتقرأ الحواشى! وبالتالي اختلط المقدس بالبشرى فى التراث الإسلامي، واضطربت المرجعيات وأساليب الاستدلال بسبب حالة الجمود الفقهي والفكري التي يعيشون فيها منذ أكثر من سبعة قرون

ولم يكتف الخشت بذلك بل راح يبين لنا أن هؤلاء المتأخرون استعادوا كل المعارك القديمة: معارك التكفير، ومعارك الهوية، ومعارك فقه الحيض والجنس والجسد، ومعارك التمييز بين الجنسين. ولم يدخلوا المعارك الجديدة : معارك التنمية، ومعارك إنتاج العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية والإنسانية، ومعارك الفساد، ومعارك الحرية، ومعارك الفقر والجهل والأمية، ومعارك الدفاع عن الدولة الوطنية. من هنا فإن تفكيك الخطاب التقليدي والبنية العقلية التي ترقد وراءه بات ضرورة ملحة في نظر الخشت .

ويؤكد "الخشت" أن هذا التفكيك ليس تفكيكًا للدين نفسه، وإنما للبنية العقلية المغلقة، كما أنه   تفكيك للفكر الإنساني الديني الذى نشأ حول "الدين الإلهي الخالص؛ فالمهمة العاجلة عنده هي العمل على تغيير "ماكينة التفكير" عند الناس، لأن بنية عقلية المسلم المعاصر تنطوي على إشكاليات ضخمة تجعله بعيدًا عن طرق التفكير الصحيحة سواء فى العلم أو الدين أو الحياة بوجه عام.

إن تأسيس عصر ديني جديد في نظر الخشت يقتضى تكوين "مرجعيات جديدة" في فقه جديد وتفسير جديد وعلم حديث جديد، ولن يحدث هذا إلا إذا تعددت وتنوعت مصادر المعرفة، فهو يرى أن تجديد الخطاب الديني عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة إذا أردنا أن نقرع أبواب عصر ديني جديد.

ويدعونا الخشت إلى العودة إلى "الإسلام النقي المنسي"، لا الإسلام المزيف الذي نعيشه اليوم بسبب الجماعات الارهابية ومجتمعات التخلف الحضاري. ويؤكد أنه لا يمكن هذا إلا بتخليص الاسلام من "الموروثات الاجتماعية" و"قاع التراث"، و"الرؤية الأحادية للإسلام"، ويقول: "إن النظرة إلى الإسلام من زاوية واحدة وضيقة تزيف الإسلام، ولذا من الفرائض الواجبة توجيه النقد الشامل لكل التيارات أحادية النظرة، سواء كانت إرهابية أو غير إرهابية".

ويوضح محمد الخشت بأن النقد الشامل لا يكون إلا بالتفكيك ؛ إذ أنه بغير تفكيك عقلية الإنسان المسلم لن نستطيع صناعة تاريخ جديد نخرج فيه من هذه الدائرة المقيتة لكهنوت صنعه بشر بعد اكتمال الدين، وتلقفه مقلدون أصحاب عقول مغلقة ونفوس ضيقة لا تستوعب رحابة العالَم ورحابة الدين. ويقتضى تحقيق عملية "التفكيك" المرور بمجموعة من المراحل، تأتى في مقدمتها مرحلة "الشك المنهجي" الذى يتخذ من الشك منهجًا للوصول إلى "الحقائق الواضحة والمتميزة".

ويرى الخشت أن "الشك المنهجي" استخدمه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام حين شك فى عقائد قومه الذين كانوا يعبدون الأوثان والكواكب والنجوم. إن شك إبراهيم عليه السلام فتح الطريق أمام عصر جديد فى الإيمان، وكذلك الحال مع الشك الديكارتي الذى مهد الطريق لعصر حديث ودعت فيه أوروبا عالَم العصور الوسطى.

والسؤال الأن: لماذا ركز محمد الخشت على إبراهيم عليه السلام وقارن بينه وبين ديكارت؟ هل هذه تسوية في القيمة والمنزلة بينهما؟ كلا.. ليس الأمر على هذا النحو، إن كل ما هنالك هو أنه رأى أن المشكلة التي واجهها أبو الأنبياء إبراهيم فى عصره كانت مشكلة التقليد والاتباع الأعمى للآباء وكبار القوم، ومنهجهم القائم على اليقين المطلق بصحة أقوال السابقين وسلامة الدين والتاريخ.

اعتقد أن المشكلة التي واجهها ديكارت وعصره هي أيضًا سيادة أقوال الكهنة وتفسيرهم الأحادي للكتاب المقدس. وهى ذاتها المشكلة التي يواجهها الدكتور محمد عثمان الخشت بوصفه مفكرًا مصريًا مسلمًا كبيرًا مهمومًا بقضايا وطنه، منشغلًا بمحاولة إيجاد حل لحالة التردي والتخلف التي تعانى منها البلاد. هكذا رفض إبراهيم ـ عليه السلام ـ إسكات عقله، وهكذا رفض ديكارت ورفاق عصره إسكات عقولهم. وهكذا رفض الخشت إسكات عقله. مع إبراهيم بدأ دين جديد يرفض التقليد، ومع ديكارت ورفاق عصره تم الشروع في تأسيس عصر جديد وخطاب جديد تراجع فيه لاهوت العصور الوسطى الذى كان يحتكر فيه رجال الدين في أوروبا الحقيقة الواحدة والنهائية.

ومع الدكتور الخشت تمت من خلال كتابه «نحو تأسيس عصر دينى جديد» الدعوة للنقاش بغية تجاوز «عصر الجمود الديني» الذى طال أكثر من اللازم فى تاريخ أمتنا، من أجل تأسيس عصر ديني جديد، وتكوين خطاب ديني من نوع مختلف.

ويصل الدكتور الخشت إلى نتيجة مؤداها، أن تأسيس خطاب ديني جديد، يجب أن يتبنى مجموعة من المهام العاجلة، مثل: تفكيك الخطاب الديني، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الإنساني الديني المتصلب والمتقنع بأقنعة دينية حتى يمكن كشفه أمام نفسه وأمام العالم. وليس هذا التفكيك للدين نفسه، وإنما للبنية العقلية المغلقة والفكر الإنساني الديني الذي نشأ حول "الدين الإلهي الخالص". وعملية التفكيك يجب أن تمر بمجموعة من المراحل هي الشك المنهجي، والتمييز بين المقدس والبشري في الإسلام، وإزاحة كل المرجعيات الوهمية التي تكونت في قاع التراث .

وبعد التفكيك يأتي التأسيس، وأهم أركانه تغيير طرق تفكير المسلمين، وتعليم جديد منتج لعقول مفتوحة، وتغيير رؤية العالم، وتأسيس مرجعيات جديدة، والعودة إلي الإسلام المنسي. ويرى الدكتور الخشت أن كل هذا لا يتم بمعزل دون توظيف مجموعة من الآليات لتحقيق حلول قصيرة ومتوسطة المدي، تشمل التعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد والاجتماع والسياسة، وذلك لصناعة عقول مفتوحة علي الإنسانية في ضوء العودة إلي المنابع الصافية المتمثلة في القرآن والسنة الصحيحة وتغيير المرجعيات التقليدية وتأسيس فقه جديد وتفسير جديد وعلم حديث .

تحيةً للدكتور محمد عثمان الخشت، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.. فأطلقوا عليه فى حفل تكريمه (المفكر الأبرز في القرن العشرين مكملاً لكانط).

وتحيةً مني لرجل آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا في محمد عثمان الخشت قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطننا، بهدف الكشف عن مثالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط