محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي، بأن هناك رواد تنحسر عنهم أضواء الشهرة من أساتذة الفلسفة الحديثة والمعاصرة بسرعة لافتة للنظر، مع أنهم أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس في مجالها، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم، وعلي أن يبدعوا في أكثر من مجال مثل أقرانهم الأكثر شهرة الذين كان عليهم الإسهام في كل مجال من مجالات الفلسفة الحديثة والمعاصرة المختلفة (سواء في القرنين: السابع عشر والثامن عشر أو القرنين: التاسع عشر والعشرين)، استجابة إلي تحديات الركود الفكري في مجتمعهم ورغبة في الوقت نفسه في الارتقاء بهذا المجتمع من خلال نشر التنوير.

والأستاذ الدكتور "سعد عبد العزيز محمد الصادق حباتر (أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية البنات – جامعة عين شمس بجمهورية مصر العربية) ؛ قلما يذكر اسمه في المؤتمرات والمحافل التي تهتم بالفلسفة الحديثة والمعاصرة في مصر وفي العالم العربي، مع العلم بأن هذا الرجل كان واحداً من الأساتذة الجامعيين الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الحديثة والمعاصرة من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

كان الدكتور سعد حباتر قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

والدكتور سعد حباتر من مواليد من محافظة قنا - مركز إسنا (بجمهورية مصر العربية)، التحق بقسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة عين شمس، وقد أعجب به الدكتور عبد الرحمن بدوي، حيث أشرف علي رسالته للماجستير وكانت بعنوان "مشكلة الحرية في الوجودية"، وفي هذه الرسالة سعي سعد حباتر بلغته السهلة الممتنعة أن يعرض لمشكلة ذات طابع انطولوجي مؤثر وهي مشكلة الحرية في الفلسفة الوجودية ولكن بطريقة يفهمها القاصي والداني، وهذا من مأثره الأخرى فلقد تمتع بلغة سهلة وجذابة يظن البعض في الساحة الفكرية المعاصرة أنهم قادرون علي الإتيان بمثلها ولكن هيهات.

كما أشرف عليه الدكتور عبد الرحمن كذلك في الدكتوراه وكان عنوان رسالته "الأخلاق في الفلسفة المعاصرة" إلا أنه لم يكمل إشرافه عليه بسبب تقلده منصب المستشار الثقافي لمصر في سويسرا فأكملت عليه في الإشراف الدكتورة نازلي إسماعيل حسين، وبعد حصوله علي الدكتوراه عُين حباتر مدرساً للفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية البنات بجامعة عين شمس، ثم تدرج في السلك الجامعي حتي حصل علي درجة الأستاذية في نهاية القرن المنصرم.

وخلال ذلك أصدر للمكتبة العربية عدة كتب من أهمها: كتاب الوجودية والإسلام، وكتاب نماذج من الفكر المعاصر، وكتاب الأنا والآخر، وكتاب مشكلة الموت عند جورج مور، والمنطق الرمزي عند ليبنتز، علاوة علي الكثير من الأبحاث التي كتبها في مجال التخصص. كما أشرف علي العديد من الرسائل العلمية، ونذكر منها رسالة الماجستير للباحث محمود حميدة عبد الكريم وعنوانها الأخلاق عند الراغب الاصفهاني، وكذلك رسالته في الدكتوراه عن " المشكلة الأخلاقية في الفكر الإسلامي المعاصر في القرن العشرين"، ورسالة الباحثة ناهد إبراهيم محمد في الحرية عند بولتمان، ورسالة الباحثة مسعودة رمضان علي في الدكتوراه وعنوانها "فلسفة عبد الرحمن بدوي الوجودية"، ورسالة الماجستير الخاصة بمصطفي معوض عبد المعبود بعنوان" مشكلة الإيروس والتحرر عند هربرت ماركيوز"، وباحثين آخرين كُثر حيث يطول بنا الحصر.

وكان سعد حباتر مثله مثل آخرين ممن شاركوه في التلمذة علي العمالقة أمثال الدكتور عبد الرحمن بدوي، والدكتور عبد الهادي أبو ريدة والدكتورة نازلي إسماعيل حسين وغيرهم، وظل طوال عمره محافظاً علي التقاليد الجامعية ملماً بدولاب العمل الجامعي، وفي أواخر العام الماضي وافته المنية علي إثر حادث سيارة.

ولم يكن سعد حباتر ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية من الحياة، ويعرف كيف يتذوقها ويُرضي بها حسه المرهف. ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد فلقد مارس بشكل رائع ما يمكننا تسميته بالمغامرة العقلية فكانت الإشكاليات التي يتناولها في مؤلفاته ورسائله والتي يوافق علي الإشراف عليها من خلال تلامذته حتي أن رسالته للدكتوراه كانت تساؤلا عكس ما هو معروف وسائد عن الفلسفة الوجودية فكانت بعنوان : هل هناك أخلاق وجودية؟ وقد أثبت سعد حباتر من خلال دراسته وجود تلك الأخلاق رغم اقتناع الكثيرين بأن الفلسفة الوجودية فلسفة تقوم علي الحرية وتدعو إليها وليس فيها ذلك الإلزام الأخلاقي المعروف في فلسفات الأخلاق.

ولم يكتف سعد حباتر بالإلمام بمقتضيات البحث العلمي في مجال الدراسات الفلسفية أو ترسيخها في قلوب وعقول تلامذته وكل من يستمعون إليه، بل كان له السبق في استبطان عقول من يشرف علي رسائلهم ؛ بمعني أنه كان مقتنعاً تماماً بأن لكل باحث شخصيته وميوله، فمنهم من يميل إلي المنهج التاريخي المقارن، ومنهم من يميل إلي التحليل والتعمق، في حفر الأفكار، فلم يحرم هؤلاء أو هؤلاء من ميولهم، ولكنه أضاف إليها، فحافظ علي شخصية تلامذته والقواعد العلمية في آنا واحد، مما يندر أن يتوفر عند أساتذة كثيرين.

كما جمع سعد حباتر بين الأفق الفلسفي الواسع، والرؤية العلمية المحددة، والبعد الديني وهنا يتضح عدم تعصبه لمذهب بعينه من المذاهب الفلسفية المعاصرة، فلم يكن وضعياً ولا برجماتياً ولا وجودياً، ولا متمذهبا بأي حال من الأحوال فموضوعتيه غلبت عليه في كل أحكامه، وأراءه وعندما يوجه سهام نقده لأى من هذه المذاهب فهو لا ينكرها أو يريد هدمها أو نقضها، إنما يطالب بإعادة النظر إليها لاشتمالها علي نقائض وعيوب، كما يهتم بصياغة المصطلح صياغة فلسفية، وعلمية دقيقة ويظهر التفرقة الواضحة بين الصياغتين.

أضف إلي ذلك حبه العميق للغة العربية، فقد كان عاشقاً لها، غيوراً عليها، حفياً بها – وقد انعكس ذلك كله علي أسلوبه في كتاباته؛ حيث كان أسلوبه جذلاً، فيه رصانة وطراوة، وإغداق وإثمار، وفيه عذوبة تشد الآذان إليه لسهولته، وإن تكن من نوع السهل الممتنع . فعباراته قصيرة، لكنها واضحة الدلالة؛ وتنتظم في حلقات من سلسلة تشبه جواهر منظومة في عقد، تجسد الفكرة، وتقدمها للمتلقي في سياق يصعب أن تحذف منه كلمة، أو تضيف إليه كلمات، وتكاد تشعر أنك مع شاعر مبدع يعزف علي أوتار كلماته لحناً عذباً رائعاً يستلب القلوب، ويأخذ بمجامع العقول، فيشيع فيها امتاعاً  وأنساً مع شئ من الحماسة تضطرم به الأفكار، غير أنك لا تكاد تسمع منها في الأعماق إلا همساً .

علاوة علي اتقانه الرائع للغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وله ترجمات في ذلك ومنها ترجمة كتاب الأخلاق لجورج مور، حيث كان حباتر يتميز في ترجمته بالبعد الاكاديمي، وهو يمثل واحداً من المترجمين الذين يؤمنون بأن الترجمة عملية لا تقتصر على النقل اللغوي للجُمل والعبارات ومعاني الكلمات فحسب، بل تمتد لتشمل البعد الثقافي أيضًا، فالمترجم هو كاتب، أي أن عمله هو صَوْغ الأفكار في كلماتٍ موجهةٍ إلى قارئ. والفارق بينه وبين الكاتب الأصيل هو أن الأفكار التي يصوغها ليست أفكاره، بل أفكار سواه، لذا على المترجم قبل أن يشرع في ترجمة النص، عليه أن يراعي جيدًا الأبعاد والبيئة الثقافية التي وُلِد فيها هذا النص، والقارئ المتلقي له، ليُخَاطبه ليس بلغته فحسب، بل بثقافته أيضًا التي قد تشبه ثقافة المترجم، وقد تختلف عنها تمام الاختلاف.

إن هذا نزر يسير من مآثر سعد حباتر التي لم يتم لكثيرين من الناس التعرف عليها شأنه شأن صديق عمره الدكتور محمود رجب (أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بجامعة القاهرة) وكأن الأقدار أبت إلا أن يعيشا دون أن ينالا القدر المناسب وربما كان هذا في صالحهما، فقد كان لهما الجزاء الأوفر عند خالقهما والقبول في قلوب محبيهم.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، ولعل هذا يتوافق مع كلمته الشهيرة "لحم الضأن تأكله الضباع وتبيت الأسود جوعانة"، فكان كل هذا بمثابة عوامل أسهمت في تكوين صورتنا عنه والتي ستظل طوال العمر صورة الأستاذ الاكاديمي الذي رغم هذه المأثر المتعددة وغيرها لم ينل حقه الطبيعي من التقدير والشهرة وهما اللذان تركا لأنصاف الأساتذة فلم يعرفه الكثيرون من الأجيال الصاعدة، ولكن حظه أوفر عند، وأما من لم يعرفه فتلك لم تكن مشكلته شأنه شأن زميله الدكتور محمود رجب .

تحية طيبة لسعد حباتر الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله الدكتور سعد حباتر، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ضياء نافعأشرت في نهاية الحلقة الاولى من هذه المقالة الى ان الحديث مع د. خليل عبد العزيز قد تشعّب، واريد هنا ان اتوقف عند (شعابه) هذه. سألته عن أخبار كتابه (محطات من حياتي)، فقال خليل لي، ان الكتاب يباع بشكل واسع جدا في العراق، وقد اخبرني بعض الاصدقاء بطبع اعداد اضافية منه وتسويقها دون حتى اعلامي او موافقتي، وأخبرني اصدقائي ايضا، ان الذين يقتنوه يبحثون فيه عن اجابات لعدة اسئلة تدور في ذهنهم حول المواضيع التي تناولها الكتاب، لعل اهمها سؤال كبير، وهو – (لماذا انهار الاتحاد السوفيتي؟)، اذ ان هذا الموضوع كان بعيدا جدا عن توقعات ومفاهيم القارئ العراقي الاعتيادي، ولازال هذا الموضوع غير واضح المعالم لهم لحد الان رغم مرور اكثر من ربع قرن على ذلك الحدث الهائل، وضحك د. خليل وأضاف قائلا – (لدرجة ان بعض الشيوعيين العراقيين، الذين قابلتهم في بغداد، لازالوا يعتقدون بامكانية عودة الاتحاد السوفيتي مرة اخرى)، وقد أيدّته في ذلك، وقلت له اني صادفت هذه الآراء الساذجة ايضا عند بعض العراقيين، الذين قابلتهم هنا وهناك. سألته عن مشاريعه اللاحقة بشأن كتابه هذا، فقال انه يحضّر الان طبعته الثانية، وستكون منقحة ومزيدة طبعا، اذ ينوي ان يضيف لها مقالات ظهرت له بعد طبع الكتاب المذكور حول مشاهداته وذكرياته الشخصية في الاتحاد السوفيتي ومسيرة الحياة اليومية فيه، وخصوصا تلك الانطباعات في الجمهوريات السوفيتية الشرقية عندما زارها او تعامل مع بعض المسؤولين الكبار فيها ، وأضاف د. خليل، انه سيبقي طبعا عنوان الكتاب (محطات من حياتي) كما كان في السابق، لكنه سيحذف من عنوان الكتاب الكلمات الاضافية – (سجون / اغتراب / نضال)، وسيبدل حتما صورة الغلاف التي لم تعجبه في حينها، فقلت له ان هذه الخطوات بشأن الكتاب دقيقة وصائبة من وجهة نظري، اذ انه كتاب تاريخي مهم، وكم اتمنى ان يطلع عليه الكثيرون من القراء العراقيين، لانه يعكس وجهة نظر موضوعية وواقعية حول تلك المواضيع، فهو لا يهدف الى الطعن بالاتحاد السوفيتي كما هو الحال ببعض الكتب الدعائية المعادية للاشتراكية، وانما هو وثيقة صادقة وصادرة من قبل شخص واضح المبادئ والمواقف الفكرية، ويعتز بماضيه ومسيرته .

 توسّع الحديث معه حول موضوع انهيار الاتحاد السوفيتي، وقال د. خليل، ان القيادة السوفيتية في السنوات العشرين من عمرها (او أكثر) كانت منعزلة عن الواقع تقريبا، واعطاني مثلا دقيقا حول ذلك، وهو ما حدث مع عبد الفتاح اسماعيل سكرتير الحزب الاشتراكي اليمني (اليمن الجنوبي)، اذ كان لديه موعد مع سوسلوف (فيلسوف الحزب الشيوعي السوفيتي آنذاك)، وقد اخبره عبد الفتاح انه قلق جدا، اذ كيف سيقابل هذه الشخصية الشيوعية السوفيتية الفذة وماذا يمكن ان يقول له ...الخ، وعندما التقى خليل به بعد المقابلة تلك، قال عبد الفتاح له، ان الكلام الذي قاله سوسلوف عن اليمن غير دقيق بالمرّة، وانه اضطر ان يسكت كي لا يخبره برأيه ذلك، وكان عبد الفتاح اسماعيل مصابا بخيبة أمل مريرة بعد اللقاء مع سوسلوف. وحكى لي د. خليل حكاية اخرى غريبة حول العقلية الساذجة التي كانت سائدة في الاوساط الاعلامية السوفيتية آنذاك، والتي اطلع عليها د. خليل بحكم عمله معهم . الحكاية هذه بسيطة جدا، فقد عرض التلفزيون السوفيتي مراسم دفن سوسلوف، وكان السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي ليونيد بريجنيف طبعا مشاركا بها، وعندما أنزلوا الجثمان في القبر، بكى بريجنيف، وتم عرض هذا المشهد (اي بكاء بريجنيف) في التلفزيون، وبعد العرض، تم فصل كل فريق العمل وكذلك مسؤولي برامج التلفزيون، لانهم عرضوا بريجنيف وهو يبكي، وذلك لانهم اعتبروا ذلك بمثابة عرض لضعف الدولة السوفيتية امام الملأ، ولم يستطع احد ان يوقف هذه الاجراءات الصارمة وغير العادلة بحقهم رغم تعاطف الجميع مع فريق العمل ذاك . وقال د. خليل، ان الهمس والاستنكار والانتقاد الشديد في الاوساط الاعلامية السوفيتية آنذاك ضد هذه الخطوات الحمقاء كان شديدا جدا، ولكن دون اي فائدة، اذ كان الجميع يخاف ان يعلن موقفه الحقيقي بالنسبة لهذه الاجراءآت، ويختتم د.خليل كلامه قائلا – (لقد تذكرت كل تلك المواقف عندما كنت في الساحة الحمراء بموسكو وانا اشاهد كيف يرمي الشيوعيون الروس هويات الانتماء الى الحزب الشيوعي السوفيتي تخلّصا منها، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي)...

تحية اعتزاز الى الدكتور خليل عبد العزيز، العراقي الاصيل، الذي شاهد في حياته مواقف تاريخية كبيرة، وتحدّث حولها لنا بكل صدق واخلاص وموضوعية ...  

 

أ. د. ضياء نافع

 

رحيم الساعديبقلم: ديميتريس كوروكاليس

ترجمة: د. رحيم الشياع الساعدي

***

أسس سكان شبه الجزيرة العربية من عام 634 م حتى عام 750 م إمبراطورية شاسعة، كانت حدودها جبال البرانس في الغرب وحدود الصين في الشرق. وعلى الرغم من الانقسام السياسي من 9 او 10 قرون في الإسلام الشرقي والغربي الا انه ازدهرت حضارة واحدة مشتركة (مع الإشارة إلى القرآن)

وكانت الثقافة الفكرية الإسلامية أكثر تطوراً من المسيحية في نفس الحقبة. وقد تمت الإشارة إلى أن الرشيد والمأمون كانا مفتونين بالفلسفة اليونانية والفارسية، اما معاصريهما في الغرب، فلم يتمكن كل من شارلمان وحكامه من كتابة اسميهما.

ساهمت الجامعات الإسلامية في التطور الثقافي الهام للإسلام وتم تأسيسها كأماكن للتعليم الديني، حيث تم تدريب العلماء (علماء الدين والمفكرين)، و(القضاة)، واهل الفتوى (المترجمون القانونيون) وغيرهم من المسؤولين الدينيين ليكونوا على استعداد لخدمة المجتمع.

وأثار الإسلام في العصور الوسطى سلسلة من الفلاسفة من الدرجة الأولى الذين جعلوا من خلال شبه الجزيرة الأيبيرية، الفلسفة الإسلامية اليونانية المعروفة في أوروبا، مما ساهم في تأسيس الجامعات الأوروبية الأولى.

في سنوات الحضارة الإسلامية، التي تركزت في بغداد، هناك جهد ترجمة لم يسبق له مثيل لتاريخ الثقافة، مما أدى إلى وصف دقيق لجميع التراث اليوناني القديم الى اللغة العربية مع إيلاء اهتمام خاص لأعمال أرسطو

منزل الصوفية

كرس العرب، اهتمامًا خاصًا لقضايا التعليم وعملوا بشكل منهجي من أجل التطور الثقافي والعلمي للإسلام.

وكانت نتيجة هذه العمليات إنشاء "بيوت الحكمة" في بغداد. كان هذا المنزل هو مصدر الصحوة وحب الشباب لمجتمعهم، لأنه من خلال ترجمة الأعمال الكلاسيكية اليونانية اكتشفوا اليونان، كما كان الحال مع عصر النهضة الإيطالية.

وأسس هارون الرشيد (786-809) هذه المكتبة، ولكن الشخص الذي حوّل الأساس من مكتبة بسيطة إلى مركز روحي وعلمي في آسيا، مع مرصد حيث العلماء من القبائل المختلفة هو ابنه المأمون (813-833) ، الذي استدعى أبرز الرجال في ذلك الوقت في بغداد من أجل الحفاظ على تراثه الفكري وتطوير العلوم وكان الغرض الرئيسي من "بيت الحكمة" هو جعل ترجمات الكتب اليونانية والفارسية والهندية المهمة باللغة العربية وكان عمل المترجمين الذين كانوا تحت حماية العباسيين منظمًا بعناية وتخصص.

جامعة قرطبة (كوردبا)

غزا العرب إسبانيا في عام 711، حيث انتقل معظمهم إلى تلك المنطقة لخمسمائة عام وأصبحوا طليعة الإسلام في الغرب. وأصبح للفلسفة العربية بريق جديد في إسبانيا، خلال هذه الفترة التاريخية، وتمت ترجمة الأعمال العلمية والفلسفية اليونانية، التي سبق ترجمتها من السريانية إلى العربية، وإلى العبرية من قبل يهود جنوب فرنسا وإسبانيا، ثم اللاتينية وجامعة قرطبة (970) هي امتداد للشرق المتقدمة علميا نحو المنطقة الأوروبية.

وظهر العنصر العربي في إسبانيا من قبل الذين شردهم العباسيون من الشرق الأدنى بسلالة جديدة مع إنشاء أسس التطور العلمي في القرنين 11 و12.

المساهمون الأكثر أهمية في التطور الأدبي والعلمي والفني لشبه الجزيرة الإيبيرية في قرطبة هم عبد الرحمن الثالث (912-961) وحكيم ب (971-976). ويمتد نشاطهم الشخصي على مدى أكثر من ستين عامًا، من 912 إلى 976. ويعود عبد الرحمن الثالث، الذي يتمتع بالشخصية القوية التي تميزه، إلى قرطبة وهيبتها وسحرها وهي مكان لقاء للكتاب والفنانين استمر بوقتها للحفاظ على مجد قرطبة كأحد المراكز الروحية الأولى في العالم.

جلب الملك من بغداد، وهي أهم جزء علمي في العالم، وكذلك من مصر ودول أخرى في الشرق، أهم أعمال العلوم القديمة والحديثة، وجمع كمية مساوية تقريبًا لتلك التي جمعها الأمراء العباسيون في فترة زمنية قياسية

وكان هناك أشخاص مسؤولون عن الشراء والنسخ (بالنيابة عنه) لأفضل الكتب القديمة والحديثة في التقاليد العربية، وهناك معلومات تفيد بأن حكم الخليفة الثاني في قرطبة ضم 400000 مخطوطة مسجلة في الوثائق التي امتدت 44 مجلداً.

في ذلك الوقت، كانت جامعة قرطبة (كوردوفا) واحدة من أكثر الجامعات شهرة في العالم، بدوراتها في المسجد الكبير، ونصوص من مجموعة كبيرة تحتوي على ثروة من المعلومات عن العرب القدماء والأمثال ولغتهم وشعرهم.

ونُشرت هذه المجموعة لاحقًا تحت عنوان "المحظورات".  وقد تم تعليم القواعد النحوية من قبل ابن القوطي، الذي كان، من أكثر الحكماء في إسبانيا.

ففي اسبانيا في القرن 11، كان التعليم مجانيا ولم ينظم من قبل الدولة، وانتشر في كل مكان تقريبا، في جميع المجالات سواء في المدن الصغيرة أو المدن الكبيرة مثل إشبيلية وقرطبة، سرقسطة وطليطلة وقد تطورت العلوم في قرطبة قبل فترة قصيرة من غارات المسيحيين في شبه الجزيرة الأيبيرية. وهكذا، كانت إسبانيا ممرا للعلوم القديمة إلى الغرب. كما يذكر هنري ماسي، "الإسلام يقع في السلسلة التي تربط بين القديم والفكر الاحدث ويلعب دوره المهم في تاريخ الحضارة".

جامعة الأزهر

جامعة الأزهر هي امتداد طبيعي للأزهر، أقدم وأشهر المؤسسات الأكاديمية والجامعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم، لأكثر من ألف عام دون استثناء، كان الأزهر المركز الثقافي لجميع المسلمين في الشرق والغرب.

عندما أرسل الخليفة جوهر وهو قائد القوات الفاطمية من قبل الخليفة المعز لغزو مصر، أسس القاهرة هناك في عام 969 وبنى جامع الأزهر.

وتم الانتهاء من المسجد المسلم بعد ذلك بعامين منذ ذلك الحين أصبح المسجد الإسلامي الأكثر شهرة في العالم الإسلامي بأسره، وأقدم جامعة للدراسات الدينية والعلمانية.

ويختلف المؤرخون حول كيفية تسمية المسجد بذلك الاسم الذي أطلق عليه، والجواب الأكثر ترجيحاً هو أنه سمي باسم فاطمة الزهراء بنت النبي محمد لتمجيد اسمها. هذا التفسير الأخير يبدو الجواب الأكثر احتمالا.

وفي عام 988 حولت إلى جامعة وتم التدريس فيها لأكثر من ألف عام في مختلف التخصصات مثل الفقه الإسلامي، واللغة العربية، والعديد من مجالات العلوم الأخرى وسمحت الأسرة الفاطمية للقاهرة باستقلالها الروحي، ونتيجة لذلك أصبحت جامعة الأزهر المركز الأكثر أهمية في التعليم الإسلامي.

دار الصوفية أو دار العلوم

في عهد الأسرة الفاطمية (909-1171) وفي عهد الحاكم 1004، تأسست دار الحكمة - دار العلوم وثُبت المحامون واهل النحو وعلماء المنطق والأطباء وعلماء الفلك وعلماء الرياضيات الذين نقلوا الكتب من مكتبات القصر ودُرست العلوم من العصور القديمة، وهي الرياضيات وعلم الفلك والجيوديسيا والفيزياء وعلم الفراسة والطب والنحو والشعر والفنون ومختلف فروع الفلسفة يمكن لكل فرد القراءة بحرية وان ينسخ ما يريد.

ويتألف "بيت العلوم" من قراء القرآن وعلماء الفلك وخبراء القواعد وعلماء اللغة والأطباء، بالإضافة إلى كتب تتناول جميع أنواع المواد العلمية والأدبية، بالإضافة إلى المخطوطات الحرفية

وهذه المجموعة من أغلى مجموعات الاعمال التي جمعها الحاكم على الإطلاق وكان يقدم رواتب مرضية لرجال يحترمون القانون وغيرهم من الحكماء الذين يعملون في المؤسسة

ويأتي المزيد من الناس إلى المكتبة للقراءة، وبعضهم ينسخون، بالإضافة لمن يقدم لحضور دروس المعلمين. ويمكن للمرء أن يلاحظ هناك الحبر وأقلام الرصاص والورق والمكتب للكتابة لأول مرة في عام 1012، كان العلماء دائمًا من الشخصيات المستنيرة للخلفاء، الذين كانوا أيضًا القادة السياسيين للعرب.

واغلق "بيت العلوم" في عام 1122، بعد أعمال الشغب الناجمة عن الهراطقة.

خاتمة

لم يكن الإسلام دائمًا يعيش في تاريخ عالم التعصب الأصولي او التخلف الاجتماعي والكنيسة الغربية المستنيرة اليوم تشجب نقاط الضعف هذه لأنها تذكرها بماضيها من القرون الوسطى، وفي الختام، يمكننا القول إن العرب حققوا هدف نقل العلوم اليونانية القديمة إلى الأوروبيين. لقد قاموا في كثير من الأحيان بتصحيحات كبيرة وأضافوا تجربتهم الخاصة وبدون جهود الترجمة العربية وزراعة العلوم، لن يكون هناك دافنشي ولا غاليليو في أوروبا لإقامة البحوث الحديثة القائمة على العلوم.

 

.......................

المصادر

1- ثراسيفولوس، التاريخ العام للعلوم، المجلد. 1.أثينا

2- ستيكوس، تاريخ المكتبة في العالم الغربي. أثينا، 2002

3- رومانوس، الإسلام الهيليني. أثينا: الإسكندرية، 2001

4- مصطفى العبادي، مكتبة الإسكندرية القديمة. أثينا، 1998

5- ديفيد نيكولاس، تطور عالم العصور الوسطى. أثينا، 2000

6- موسوعة تاريخ المكتبة، لندن: جارلاند للنشر، 1994

7- غوتاس ديميتريس، الفكر اليوناني القديم في العالم العربي. أثينا

8- فلخوس، مقدمة في النظريات السياسية في العصر الحديث. أثينا: 1979

9- ميثوديوس، الخلفية اليونانية للإسلام. أثينا: لبنان، 1994

10- جياناكوبولوس، الثقافة الغربية في العصور الوسطى وعوالم بيزنطة والإسلام. أثينا: نشرتها 1993

11- ديفيد ليندبرج، بدايات العلوم الغربية. أثينا: مطبعة الجامعة، 1997

12- أوين جينجيرش. "علم الفلك الإسلامي". العلمية الأمريكية 1986

 

محمود محمد عليعرفت الدكتور "محمد عثمان الخشت" منذ تسعينيات القرن الماضي عندما كنت أتردد علي قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، وكنت أري الدكتور الخشت في صحبة أستاذنا الدكتور "محمد مهران"  باستمرار، وقد جمعتني وإياه علاقة طيبة  دامت حتي الآن، كما عملنا معنا في المناقشة والإشراف علي بعض الرسائل العلمية في فلسفة الدين بقسم الفلسفة بكلية الآداب - جامعة أسيوط.

كان محمد الخشت متميزاً في دراسة فلسفة الدين في مصر، والعالم العربي؛ حيث استطاع ببحوثه ومؤلفاته أن ينقل لنا البحث في فلسفة الدين من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أن محمد الخشت يجمع بين التعمق في التراث الإسلامي والفكر الغربي. وتقدم أعماله رؤية جديدة لتاريخ الفلسفة الغربية تتجاوز الصراع التقليدي منذ بداية العصور الحديثة. وتتميز مُؤلفاته بالجمع بين المنهج العقلي والخلفية الإيمانية ونسج منهجًا جديدًا في فنون التأويل يجمع بين التعمق في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية وتاريخ الأديان والفلسفة.

ولد الدكتور محمد عثمان الخشت  في 1 يناير 1964، ودخل قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، ثم أصبح الخشت مُعيدًا بدايةً من عام 1986، وترقى إلى درجة مُدرس مُساعد بعدها بأربع سنوات عقب حصوله على درجة الماجستير. ثم في عام 1993، نال درجة الدكتوراه وأصبح مُدرسًا بالكلية ذاتها. إلى أن أصبح أستاذًا مُساعدًا عام 2003 عقب قيامه بأبحاث الترقي، إلى أن وصل إلى الأستاذية عام 2008 بعد استيفائه مُتطلبات الدرجة.

وبلغت مُؤلفات الخشت عدد (41) كتابًا منشورًا و(24) كتابا مُحققًا من التراث الإسلامي، مع عدد (28) من الأبحاث العلمية المُحكمة المنشورة، و(12) دراسات منشورة في مجلات عربية؛ ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : روجيه جارودي: نصف قرن من البحث عن الحقيقة، حركة الحشاشين: تاريخ وعقائد أخطر فرقة سرية في العالم الإسلامي، مدخل إلى فلسفة الدين، مقارنة الأديان: الفيدية، البرهمية، الهندوسية، الدين والميتافيزيقا في فلسفة هيوم، فلسفة العقائد المسيحية، أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط، العقل وما بعد الطبيعة بين فلسفتي هيوم وكنط، فقه النساء في ضوء المذاهب الفقهية والاجتهادات المعاصرة، المعقول واللامعقول في الأديان بين العقلانية النقدية والعقلانية المنحازة، الشخصية والحياة الروحية في فلسفة الدين عند برايتمان، تطور الأديان، نحو تأسيس عصر ديني جديد ...الخ. وكان قد صدر أول كتاب منشور له عام 1982، كما صدرت أربعة كتب عن فكره وإسهاماته العلمية باللغة العربية والإنجليزية، كتبها عشرات من أساتذة الجامعات المصرية والعربية ومُحررون أجانب، فيما صدر عنه وحول فكره أكثر من 78 بحثًا علميًا مُحكمًا، وقد تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى مثل الألمانية والإنجليزية والإندونيسية.

ثم تولى الخشت الكثير من المناصب القيادية بجامعة القاهرة، من بينها المُستشار الثقافي للجامعة (2002- 2013)؛ ومُدير مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة (2010- 2013)؛ وعُضو اللجنة الدائمة لاختيار الوظائف القيادية بجامعة القاهرة (2013-2013)؛ ومُسئول التدريب والتثقيف للجامعات المصرية بوزارة التعليم العالي (2013)؛ ومُستشار الدراسات العليا بجامعة القاهرة عضو المكتب الفني (2009 - 2013)؛ ومُسئول جودة الأنشطة الطلابية في مشروع تطوير الأنشطة بوزارة التعليم العالي عن جامعة القاهرة (2007-2008)؛ والمُؤسس والمُشرف على مشروع جامعة القاهرة للترجمة (2010- 2017)؛ والمُشرف على تحرير مجلة هرمس (2010- 2013)، وهي مجلة علمية مُحكمة في الدراسات الأدبية واللغوية ومُعتمدة من أكاديمية البحث العلمي ولجان ترقيات الأساتذة والأساتذة المُساعدين في مُختلف تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعات المصرية، كما شارك في تأسيس مجلة الجامعة الدولية؛ ونائب رئيس جامعة القاهرة لشئون التعليم والطلاب (2016- يوليو 2017). كما شغل منصب المُستشار الثقافي المصري لدى المملكة العربية السعودية (2013- 2015).

وأشرف الخشت على أكثر من 30 رسالة ماجستير ودكتوراه، وكان أخرها النزعة التنويرية عند محمد عثمان الخشت..دراسة في فلسفة الدين، وتُناقش الدراسة رؤيته لتطوير العقل الديني وتأسيس فلسفة جديدة للدين. كما قام الخشت أيضًا بتحكيم ومُناقشة عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه والأبحاث وترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين بمصر والعالم العربي. كما شارك في أكثر من 40 مُؤتمر علمي ودولي، ونظم وشارك في تنظيم 100 مُؤتمرًا دوليًا ومحليًا.

والدكتور الخشت يشغل حاليًا منصب رئيس جامعة القاهرة، كرمته جامعة القاهرة في عيد العلم 2013 نظرًا لإسهاماته الأكاديمية والإدارية في الدراسات العليا والبحوث والمشروعات الثقافية، وحصد مئات شهادات التقدير والدروع من جامعات ومُؤسسات دولية وإقليمية ومحلية عبر أربعة عقود.

ومحمد الخشت هو صاحب نظرية جديدة في تطور الأديان قدمها في كتابه تطور الأديان، وفيه تمكن الخشت من تقديم أول مُقارنة شاملة بين الأديان والفلسفات من منظور نظريات التطور، تجمع بين الوصف العلمي والتحليل الفلسفي والنقد العقلي المُلتزم بمعايير المنطق، ونجح في توظيف تلك المعايير في أشكالها الأكثر تطورًا في عصر الحداثة وما بعد الحداثة.

كما قدم الخشت مشروعًا جديدًا لتجديد الفكر الديني القائم على العقلانية النقدية، حيث يرى ضرورة تطوير علوم الدين، وليس إحياء علوم الدين القديمة، ودعا الخشت إلى صياغة خطاب ديني جديد بدلًا من تجديد الخطاب الديني القديم، وأعاد الخشت كتابة علوم الحديث في صيغة عصرية، كما أعاد تأويل موقف الشريعة من قضايا المرأة منذ ثمانينات القرن العشرين.

ويهمني في هذا المقال أن أركز علي موقف الخشت من الخطاب الديني التقليدي، حيث كتب لنا مجموعة الدراسات والأبحاث التي تتعلق بهذا الأمر، حيث أكد أن حركة الإصلاح الديني التي ظهرت مع مطلع العصور العربية الحديثة لم تنتج علوماً جديدة ولا واقعاً جديداً، بل استعادت عصور الشقاق وحرب الفرق العقائدية والسياسية التي ضربت الأمة بعد مقتل عثمان (رضى الله عنه).

ويرجع الخشت السبب في ذلك إلي غياب العقلانية النقدية، على الرغم من أن العقلانية النقدية في جوهرها هي التي قامت عليها دعوتنا منذ إبراهيم (عليه السلام)، وهى العقلانية التي دعا إليها القرآن الكريم وقام عليها الشرع من خلال آيات القرآن وأقوال النبي الصحيحة التي دعت إلى استخدام العقل والتي قامت عليها حضارتنا قبل أن تتحول إلى عصور المتون والشروح والحواشي.

ولذلك تصور المتأخرون العقل كما يقول الخشت على أنه "العقل النقلي" لا "العقلي النقدي"! وهنا ظهر التطرف، وتجمد الخطاب الديني كما توقف الاجتهاد فى علوم الدين، حيث المعالجة النقلية للعلوم، وحيث المعالجة الإنشائية المفرطة فى الخطاب الشفهي والمكتوب. وظن المتأخرون أن هذه العلوم إلهية مقدسة، لا يكون التعامل معها إلا بالحفظ، وأن تصبح عالماً هو أن تحفظ المتون وتقرأ الحواشى! وبالتالي اختلط المقدس بالبشرى فى التراث الإسلامي، واضطربت المرجعيات وأساليب الاستدلال بسبب حالة الجمود الفقهي والفكري التي يعيشون فيها منذ أكثر من سبعة قرون

ولم يكتف الخشت بذلك بل راح يبين لنا أن هؤلاء المتأخرون استعادوا كل المعارك القديمة: معارك التكفير، ومعارك الهوية، ومعارك فقه الحيض والجنس والجسد، ومعارك التمييز بين الجنسين. ولم يدخلوا المعارك الجديدة : معارك التنمية، ومعارك إنتاج العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية والإنسانية، ومعارك الفساد، ومعارك الحرية، ومعارك الفقر والجهل والأمية، ومعارك الدفاع عن الدولة الوطنية. من هنا فإن تفكيك الخطاب التقليدي والبنية العقلية التي ترقد وراءه بات ضرورة ملحة في نظر الخشت .

ويؤكد "الخشت" أن هذا التفكيك ليس تفكيكًا للدين نفسه، وإنما للبنية العقلية المغلقة، كما أنه   تفكيك للفكر الإنساني الديني الذى نشأ حول "الدين الإلهي الخالص؛ فالمهمة العاجلة عنده هي العمل على تغيير "ماكينة التفكير" عند الناس، لأن بنية عقلية المسلم المعاصر تنطوي على إشكاليات ضخمة تجعله بعيدًا عن طرق التفكير الصحيحة سواء فى العلم أو الدين أو الحياة بوجه عام.

إن تأسيس عصر ديني جديد في نظر الخشت يقتضى تكوين "مرجعيات جديدة" في فقه جديد وتفسير جديد وعلم حديث جديد، ولن يحدث هذا إلا إذا تعددت وتنوعت مصادر المعرفة، فهو يرى أن تجديد الخطاب الديني عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة إذا أردنا أن نقرع أبواب عصر ديني جديد.

ويدعونا الخشت إلى العودة إلى "الإسلام النقي المنسي"، لا الإسلام المزيف الذي نعيشه اليوم بسبب الجماعات الارهابية ومجتمعات التخلف الحضاري. ويؤكد أنه لا يمكن هذا إلا بتخليص الاسلام من "الموروثات الاجتماعية" و"قاع التراث"، و"الرؤية الأحادية للإسلام"، ويقول: "إن النظرة إلى الإسلام من زاوية واحدة وضيقة تزيف الإسلام، ولذا من الفرائض الواجبة توجيه النقد الشامل لكل التيارات أحادية النظرة، سواء كانت إرهابية أو غير إرهابية".

ويوضح محمد الخشت بأن النقد الشامل لا يكون إلا بالتفكيك ؛ إذ أنه بغير تفكيك عقلية الإنسان المسلم لن نستطيع صناعة تاريخ جديد نخرج فيه من هذه الدائرة المقيتة لكهنوت صنعه بشر بعد اكتمال الدين، وتلقفه مقلدون أصحاب عقول مغلقة ونفوس ضيقة لا تستوعب رحابة العالَم ورحابة الدين. ويقتضى تحقيق عملية "التفكيك" المرور بمجموعة من المراحل، تأتى في مقدمتها مرحلة "الشك المنهجي" الذى يتخذ من الشك منهجًا للوصول إلى "الحقائق الواضحة والمتميزة".

ويرى الخشت أن "الشك المنهجي" استخدمه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام حين شك فى عقائد قومه الذين كانوا يعبدون الأوثان والكواكب والنجوم. إن شك إبراهيم عليه السلام فتح الطريق أمام عصر جديد فى الإيمان، وكذلك الحال مع الشك الديكارتي الذى مهد الطريق لعصر حديث ودعت فيه أوروبا عالَم العصور الوسطى.

والسؤال الأن: لماذا ركز محمد الخشت على إبراهيم عليه السلام وقارن بينه وبين ديكارت؟ هل هذه تسوية في القيمة والمنزلة بينهما؟ كلا.. ليس الأمر على هذا النحو، إن كل ما هنالك هو أنه رأى أن المشكلة التي واجهها أبو الأنبياء إبراهيم فى عصره كانت مشكلة التقليد والاتباع الأعمى للآباء وكبار القوم، ومنهجهم القائم على اليقين المطلق بصحة أقوال السابقين وسلامة الدين والتاريخ.

اعتقد أن المشكلة التي واجهها ديكارت وعصره هي أيضًا سيادة أقوال الكهنة وتفسيرهم الأحادي للكتاب المقدس. وهى ذاتها المشكلة التي يواجهها الدكتور محمد عثمان الخشت بوصفه مفكرًا مصريًا مسلمًا كبيرًا مهمومًا بقضايا وطنه، منشغلًا بمحاولة إيجاد حل لحالة التردي والتخلف التي تعانى منها البلاد. هكذا رفض إبراهيم ـ عليه السلام ـ إسكات عقله، وهكذا رفض ديكارت ورفاق عصره إسكات عقولهم. وهكذا رفض الخشت إسكات عقله. مع إبراهيم بدأ دين جديد يرفض التقليد، ومع ديكارت ورفاق عصره تم الشروع في تأسيس عصر جديد وخطاب جديد تراجع فيه لاهوت العصور الوسطى الذى كان يحتكر فيه رجال الدين في أوروبا الحقيقة الواحدة والنهائية.

ومع الدكتور الخشت تمت من خلال كتابه «نحو تأسيس عصر دينى جديد» الدعوة للنقاش بغية تجاوز «عصر الجمود الديني» الذى طال أكثر من اللازم فى تاريخ أمتنا، من أجل تأسيس عصر ديني جديد، وتكوين خطاب ديني من نوع مختلف.

ويصل الدكتور الخشت إلى نتيجة مؤداها، أن تأسيس خطاب ديني جديد، يجب أن يتبنى مجموعة من المهام العاجلة، مثل: تفكيك الخطاب الديني، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الإنساني الديني المتصلب والمتقنع بأقنعة دينية حتى يمكن كشفه أمام نفسه وأمام العالم. وليس هذا التفكيك للدين نفسه، وإنما للبنية العقلية المغلقة والفكر الإنساني الديني الذي نشأ حول "الدين الإلهي الخالص". وعملية التفكيك يجب أن تمر بمجموعة من المراحل هي الشك المنهجي، والتمييز بين المقدس والبشري في الإسلام، وإزاحة كل المرجعيات الوهمية التي تكونت في قاع التراث .

وبعد التفكيك يأتي التأسيس، وأهم أركانه تغيير طرق تفكير المسلمين، وتعليم جديد منتج لعقول مفتوحة، وتغيير رؤية العالم، وتأسيس مرجعيات جديدة، والعودة إلي الإسلام المنسي. ويرى الدكتور الخشت أن كل هذا لا يتم بمعزل دون توظيف مجموعة من الآليات لتحقيق حلول قصيرة ومتوسطة المدي، تشمل التعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد والاجتماع والسياسة، وذلك لصناعة عقول مفتوحة علي الإنسانية في ضوء العودة إلي المنابع الصافية المتمثلة في القرآن والسنة الصحيحة وتغيير المرجعيات التقليدية وتأسيس فقه جديد وتفسير جديد وعلم حديث .

تحيةً للدكتور محمد عثمان الخشت، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.. فأطلقوا عليه فى حفل تكريمه (المفكر الأبرز في القرن العشرين مكملاً لكانط).

وتحيةً مني لرجل آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا في محمد عثمان الخشت قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطننا، بهدف الكشف عن مثالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

ضياء نافعحملت لنا الانباء قبل أيام خبر رحيل فكري بشير، العنقود الاخير في عائلة بشير الموسيقية العراقية الشهيرة، العائلة التي أعطتنا تلك الباقة الرائعة من الموسيقيين العراقيين الكبار - جميل بشير ومنير بشير وفكري بشير .

خبر رحيل فكري أعادني الى أيام موسكو في بداية ستينات القرن الماضي، حيث كان فكري ضمن الطلبة العراقيين الاوائل هناك، و تذكرت طبعا كيف كان فكري يقف بهدوء وهو يقود تمريناتنا على اداء الاغاني العراقية لتقديمها في حفلات الطلبة العراقيين وبقية طلاب العالم من حولنا في قاعات جامعة موسكو وبقية الجامعات الروسية، وتذكرت كيف كان يجري امتحانا لكل واحد على حدة لاصواتنا، وتذكرت روح المرح الشبابي (كلنا كنا بعمر الورود الربيعية !!!) عندما (يسقط !) احدنا في ذلك الامتحان عند فكري، و نحاول جميعا ان نقنعه ان يمتحنه مرة اخرى، وكيف كان فكري يقول لنا، ان صوته لا ينسجم مع المجموعة ولا يمتلك قابلية الغناء الجماعي، وكيف كنا نكرر له - (انه خوش ولد، وسيواصل معنا التمارين بانتظام !) ....

كان فكري هادئا دائما، وكان يستمع الى مختلف الآراء وهو يبتسم، ولم يكن محبا للظهور والشهرة والتبجح ابدا، ولم يقل يوما امامنا انه من عائلة فنانين مشهورين كبار، وقد استمر هكذا طوال حياته، وهي صفة رائعة من صفاته . انهى فكري دراسته الموسيقية في الاتحاد السوفيتي بنجاح وضمن المدة القانونية للدراسة، وهي مسألة كبيرة جدا لم يستطع كل الطلبة تحقيقها (خصوصا طلبة الفنون الجميلة من زملائه العراقيين الآخرين، والذين اضطر بعضهم الى تبديل اختصاصهم)، وعاد فكري الى العراق مع زوجته أكنيس السوفيتية، وعملا معا في مجال تخصصهما، وهي الموسيقى، واصبحت اكنيس ايضا ضمن عائلة بشير العراقية الموسيقية، وبرزت معه في مدرسة الموسيقى والبالية الفريدة في العراق، وكان تلاميذ تلك المدرسة يحبونهما ويعتبرونهما مثل الاصدقاء الكبار لهم (وانا كنت شاهدا على ذلك). استمرت علاقاتنا في العراق (عن بعد)، وكنت متابعا لنشاطات فكري الفنية والتربوية في مدرسة الموسيقى والبالية، وكذلك في مشاركته (مع اكنيس طبعا) بالعزف في الفرقة السمفونية العراقية، وأذكر مرة اني كنت مرافقا لوفد سوفيتي كبير بناء على طلب شخصي من المرحوم أمير الحلو من وزارة الاعلام، وكان ضمن اعضاء هذا الوفد مجموعة من العازفين الموسيقيين لتقديم بعض الفقرات الموسيقية، وشاهدت فكري جالسا في القاعة، فطلبت منه (بحكم علاقات الود القديمة معه) ان يساعدني بتقديم العازفين السوفيت، اذ انه موسيقيّ محترف ويعرف دقائق المصطلحات والتسميات الموسيقية، فقام فكري من مكانه بكل تواضع واخذ يقدمهم للجمهور العراقي مستخدما التعابير الموسيقية الدقيقة والمناسبة والصحيحة بالعربية والروسية مما أضفى على الحفلة رونقا جميلا جدا، وقد شكرته جزيل الشكرعلى موقفه النبيل ذاك و تلك المساعدة القيّمة، فقال فكري بهدوء وصدق – (لا شكر على واجب).

اضطر فكري وعائلته ان يهاجر من العراق نتيجة الوضع الصعب المعروف، فانتقل الى الاردن، وعمل هناك مع اكنيس في مجال الموسيقى، ثم انتقل بعدئذ الى اوربا كما هو حال الكثير من العراقيين، وانقطعت اخباره، وفجأة استلمت منه رسالة الكترونية قبل فترة قصيرة جدا يطلب فيها صداقتي عبر الفيسبوك، وقد فرحت جدا بها، وارسلت له رأسا جوابي الايجابي، وهكذا بدأنا نتراسل بودّ، ولكن هذه المراسلات استمرت عدة اشهر ليس الا، اذ اصطدمت بخبر رحيله ...

الرحمة والسكينة لروح الفنان الهادئ والمتواضع والاصيل فكري بشير، والذكر الطيب والخالد لاسمه ومكانته في عالم الموسيقى في العراق عموما، وفي تاريخ مدرسة الموسيقى والبالية العراقية والفرقة السمفونية العراقية، وتاريخ العراقيين الذين مرّوا بموسكو ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

962 نصرت مردانالكتابة عند الأديب والشاعر والمترجم نصرت مردان يوازي أهمية الماء للأسماك. البحر ها هنا، وطن يسمى مدينة النار والنور والقصيدة الضوئية "كركوك " المدينة التي ولد فيها عام ١٩٤٨.

نصرت حين بدا بفك اسرار الكتابة كتب قصة قصيرة ترجم فيه شعوره نحو فدائيي فلسطين وهو يرى تجمعهم تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية أوائل الستينيات. وعلى عادة ادباء ذلك الزمان قرر إرسال قصته للنشر في بيروت. طبعا كان عيون الرقيب حاذقا فمسك بالرسالة بمهارته المعهودة في الشرق واقتاد بكاتبنا الى الغرف الأمن السرية والمظلمة ليسأله ويستفسر عن سر تلك الشفرات السرية المرسلة من قبل الفدائيين في القصة التي كتبها والتي كان الفدائيين يتواصلون ويتخاطبون بها بينهم. طبعا كل تلك الشفرات كانت من وحي خيال الكاتب.

أين الأدب الرفيع من رجال الأمن الجهلة حتى النخاع. طبعا بعد التحقيق الممل وتدخل الطيبين بالواسطة اخلي سبيل المراهق نصرت وعاد الى بيته تائبا على ان لا يعاود الكتابة ب "الشفرة".

ليس هذا مجرد قصة رواه لي صديق دراستي والذي سكنا معا في نفس البيت، بل احداها فقط من سلسلة من المحطات في حياة الشاعر الرهيف الذي احب الحياة لان فيها "سلمى" وأحب العراق لان فيها سومر وفرات وبقى على سجيته الرومانتيكية يكتب على قطرات المطر اماله شعرا . كتب لي يوما يقول:

962 نصرت

الاديب نصرت مردان مع باقة من ادباء كركوك

انا ضال والقلب ثمل

 اتكسح في الحانات

لأني افتقدك

طبعا قارئي النبيه انه يفتقد حبيبته "سلمى".

بعد ان اكمل دراسته الجامعية في مدينة ازمير الساحلية عمل مترجما في الملحقية الثقافية العراقية في انقرة والتي كانت فارغة من الثقافة بدونه.بعد دراسة الماجستير عاد الى العراق ليعمل في جامعة صلاح الدين وهنا مرة اخرى احبه الدارسين والتدريسيين وساهم في الحياة الثقافية مع زوجته النبيلة. ثم جائت الأحداث فسقطت أربيل عاصمة الإقليم وسارت الدبابات في شوارعها.

فكتب:

سودا بالغ يان گيدر*

وإشعار كثيرة في مجموعة " شفق" مع عدد من الشعراء المحدثين امثال    محمد عمر قازانچي و الشاعر عصمت اوزجان وذلك لكسر الجمود الذي بقى يلازم الشعر التوركماني منذ عصور. لكنه بقى حالما بمعبودته فكتب؛

إلهي

أنا

لا ا

أبغي الجنة ولا النار

الموت في كركوك

جل مبتغاي

ترك الوطن الكبير والصغير واللجوء الى المنفى الى الجار القريب تركيا مغرة كلفه مع عائلته الامرين.

 وذاق المر في مخيم سيلوپي الحدودي وكانت تلك السنين  " عجاف" وكتب عن تلك الأيام والشخصيات التي عاشرهم عن قرب وذاق هو وعائلته الأمرين من القريب والصديق والرفيق في وداعا سيلوپي..

انتهى به المطاف على ضفاف بحيرة "جنيڤ " الخالدة وبدات رحلة جديدة من حياة المنفى. كتب موسوعة توركمان العراق ونشر فيها كتاباته. كما نشر في المواقع العراقية على الإنترنت وفي الجرائد العراقية وجل المطبوعات في الخارج ونشر ذكرياته عن احدى شوارع وطنه الصغير وأبدع في الحوار والسرد الذي يصل الى درجة القصيدة النثرية. كما ابدع في الكتابة المسرحية وترجم الى العربية معرفا قارئ العربية بالموروث الثقافي والأدبي للشعب التوركماني في العراق.

امنياتي لأبو سومر العمر المديد والصحة والعافية.

 

توفيق التونجي

.................

*تجنح السمكة في مسيرها. عنوان أغنية تركية تراثية.

 

معمر حبارمقدمة: من تمام الإنصاف وكماله أن يتحدّث المرء عن الشخصية من خلال وإيجابياتها وسلبياتها والدفاع عنها في فترة معيّنة وذكر مساوئها في فترة أخرى وتطبيق نفس المبدأ مع جميع الشخصيات دون استثناء لأنّه من استثنى في النقد فهو تابع أو حاقد وكلاهما مذموم لايصلح لنقد الشخصيات ويوسف القرضاوي من الشخصيات التي سيتطرق إليها صاحب الأسطر :

أوّلا قراءاتي لكتب يوسف القرضاوي: قرأت ليوسف القرضاوي عددا كبيرا من الكتب وأنا شاب منها: "الحلال والحرام"، و"الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا" و"الحل الإسلامي فريضة وضرورة"، و"ثقافة الداعية"، و"ظاهرة الغلو في التكفير"، و"الوقت في حياة المسلم"، و"مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام"، و"فتاوى معاصرة"، و"عالم وطاغية"، و"الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف"، و"أين الخلل"، و"الإسلام والعلمانية وجها لوجه"، و"الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي" وقرأت له كتابا عن الشيخ البشير الإبراهيمي أو ابن باديس، وكتابا آخر عن عظمة وأهمية الوقف عند المسلمين عبر التاريخ، وكتب أخرى لايحضرني الآن اسمها.

ثانيا قراءاتي لمقالات وحوارات ودروس يوسف القرضاوي: قرأت له عددا من المقالات، وتابعت تدخلاته التي كان يلقيها في الملتقى الفكر الإسلامي الذي كان يقام حينها بالجزائر ويبثّها الرّائي الجزائري عقب صلاة الجمعة، وتابعت حوارات له عبر وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، وتابعت مذكراته التي نشرها عبر فضائية عربية، وتابعت دروسه التي كان يلقيها عبر الرائي الجزائري حين كان مشرفا على جامعة الأمير عبد القادر خلفا للعالم محمد الغزالي رحمة الله عليه، وتابعت دروسه التي نقلها الرائي الجزائري وأظن قبل زلزال الأصنام 10 أكتوبر 1980 وعقبها وكانت تقدّم يومها الدروس قبل أذان مغرب شهر رمضان ونقلت يومها من الفضائية المصرية.

ثالثا أوّل مرّة أرى رأي العين القرضاوي: حين كنت طالبا بجامعة الجزائر بالعاصمة الجزائرية 1986-1990 حضرت له درسا ألقاه بمسجد الأبيار وكان ذلك أثناء درس الجمعة، وحضرت له محاضرة بقاعة ابن خلدون ولأوّل مرّة رأيت يوسف القرضاوي رأي العين وأسمعه لأوّل مرّة وأنا يومها المعجب بصوته الجهوري القوي.

رابعا: القرضاوي السياسي وليس الفقيه: أعترف أنّي لا آخذ الفقه من يوسف القرضاوي حتّى أنّي حين قرأت كتابه "الحلال والحرام" في بدايات حياتي لم ألتفت لمحتوى الكتاب بقدر ماوقفت عند الأسس التي وضعها في مقدّمة كتابه وكانت قوية متينة فاعلة هذا من جهة ومن جهة ثانية فإنّ مواقفه خاصّة في أواخر حياته كانت مرتكزة حول الجانب السياسي ونظرته لقضايا سياسية ولذلك أتعامل معه كسياسي يأخذ منه ويرد في آرائه ومواقفه المسموعة والمكتوبة وليس كفقيه ومن أراد أن يتعامل معه على أنّه الفقيه الذي يأخذ منه ويرد كغيره من الفقهاء ودون استثناء فله ذلك ومن شأنه الداخلي الذي لايحقّ التدخل فيه.

خامسا: دفاعي عن يوسف القرضاوي

1- دافعت عنه حين نشرت طليقته الجزائرية حينها رسائل العشق التي كتبها لأجلها وهو شيخ تشغل باله وهو في أقدس الوظائف كما جاء في احدى الرسائل وبخطّه وختمت المقال  بقولي: "من كان عظيما في وعظه وجدّه كان أعظم في حبّه وعشقه".

2- دافعت عنه حين تمّ تشويه اسمه واستبدال حرف "الضاد" من اسمه بحرف "القاف" فيمسي اسم حيوان كما ذكرت ذلك عبر مقال لي.  وفي نفس المقال دافعت عن أردوغان حين تمّ استبدال حرف "الألف" بحرف "القاف" ليمسي اسم حيوان.

3- وقفت إلى جانبه في مسلسل "عمر بن الخطاب" باعتباره الأوّل الذي أفتى بجواز إظهار صورة الخلفاء الراشدين والعشرة المبشّرين بالجنّة وذكرت ذلك بالتّفصيل عبر مقال لي  واعتبرت ذلك نقلة نوعية في السينما العربية.

4- بين يدي الآن مقال لم أنشره بعد أدافع عبره عن القرضاوي فيما يخصّ التّهم التي نسبت إليه عبر كاتب لايحضرني الآن اسمه ولا كتابه خاصّة فيما تعلّق بالمراجع التي ذكرها في كتابه "ثقافة الداعية" باعتباري قرأت الكتاب منذ سنوات طوال وكذا دفع الزكاة نقدا.

5- دافعت عنه عدّة مرّات حين اتّهمه شيوخ السّعودية وأتباع شيوخ السّعودية بالكفر والفسوق حتّى أنّهم وصفوه بالحيوان وهذا من الفجور الذي لايليق ومن سوء الأدب وقلّة الأدب ومن كان ناقدا فليتأدب عدوه وخصمه ومنافسه وأخيه.

سادسا نقدي ومعارضتي ليوسف القرضاوي: معارضتي الحالية ليوسف القرضاوي وأنا الذي كنت معجب به في صغري وشبابي نابعة من مواقفه السياسية الدموية الشنيعة التي تبناها في أواخر عمره ومازال يصرّ عليها عبر سورية الحبيبة وليبيا العزيزة ومنها:

6- انتقدت يوسف القرضاوي وما زلت فيما يخصّ كلمته المشؤومة: "اقتلوه ودمه في رقبتي" ومازالت تلك الكلمة من الأخطاء الشنيعة التي ارتكبها القرضاوي وهو في أرذل العمر وقد كتبت حولها مستنكرا لها وبقائلها القرضاوي الكثير من المقالات والمنشورات ومنها المقال  المذكور أدناه في الهامش ولن أتردّد في التطرق إليها بالاستنكار كلّما سنحت الظروف بذلك.

7- انتقدت موقفه من سورية وما زلت حين طالب يومها بقصفها ورجمها وردمها ونقلت ذلك عبر مقال لي.  وأتذكّر جيّدا أنّه عاتب يومها "أوباما" لأنّه تراجع عن قصف سورية الحبيبة وكانت تلك من الأخطاء الشنيعة التي ارتكبها يوسف القرضاوي تجاه إخوانه السوريين.

8- استنكرت على يوسف القرضاوي تبريره لبعض سلوكات أردوغان حين قال عنه يومها: "..وبخاصة النظام الذي يدعو إليه أردوغان الذي يتفق مع التعاليم الإسلامية، التي تجعل أمير المؤمنين أو الرئيس الأعلى هو رقم واحد في السلطة" وذكرت ذلك في مقال لي . واستنكاري هنا نابع من استنكاري لأيّ شخص يبرّر لسلوكات السّلطان باسم الدين ولا أستثني في هذا الموقف أحدا من الشيوخ ولا أحدا من الحكام.

9- استنكرت عليه موقفه من اغتيال العالم محمّد سعيد رمضان البوطي رحمة الله عليه حينها عبر مقال لي . وتجلى ذلك في خطبته الأولى عقب الاغتيال حين تعمّد ذكر البوطي في آخر المقام وهو يعدّد الخسائر وتعامل معه حينها بتشفي وازدراء وكأنّه كان يتمنى قتله وبعد الانتقادات التي وصلته صحّح الأخطاء التيي ارتكبها ضدّ زميله ورفيق عمره وكانت بحدّ ذاتها متأخّرة غير نافعة.

10- قرأت كتابه "الحل الإسلامي فريضة وضرورة" الذي ألّفه سنة 1974 حسب مقدمة الكتاب وقد انتقد فيه بشدّة الانقلابات العسكرية كوسيلة من وسائل تثبيت الحكم وأدان الدماء للوصول إلى الحكم. والسؤال المطروح: لماذا القرضاوي تغيّر تغيّرا جذريا في أواخر حياته وانتهج الدماء للوصول إلى الحكم عبر حرق ليبيا وسورية؟ لماذا لم يثبت على رأيه الرّافض للانقلابات العسكرية والدماء للوصول إلى الحكم كما كان يقول من قبل؟. وفي المقابل نجده يتبنى الدماء في سورية وليبيا وهو مايخالف تماما ماذهب إليه في حياته الأولى.

خلاصة: يوسف القرضاوي كغيره من الشخصيات العمومية تخضع للأخذ والرد ودائما في جوّ يسوده الأدب والاحترام. ونقد الشخصية يتم عن قراءة كثيرة متعدّدة ومقارنة لتراث المعني وبعيدة عن الشتم واللّعن.

أكرّر وأثبت: بقدر ماقرأت ليوسف القرضاوي وسمعت له عبر سنوات طوال وأعجبت به في صغري وشبابي غير نادم ولا آسف أظلّ في نفس الوقت أتأسف لمواقفه الدموية التي اتّخذها وهو في أرذل العمر وأحرق بها الأبرياء والعباد والأوطان وكذا الدماء التي سالت بسببه راجيا أن يتدارك الأمر ويصحّح مساره الأخير حتّى لايلقى ربّه ويديه ملطّختان بدماء الأبرياء.

نظلّ على العهد غير مغيّرين ولا مبدّلين: ندافع عن يوسف القرضاوي وبقوّة كما دافعنا عنه من قبل حين يتّهم بما ليس فيه ونظلّ ننتقده بنفس القوّة كما ننتقده الآن حين نقف على أخطاء له لم نقف عليها من قبل.  

 

معمر حبار

 

 

ضياء نافعوصل د. خليل عبد العزيز من ستوكهولم الى موسكو في زيارة قصيرة جدا وسريعة كما اعتدنا على هذه (الزيا رات الخاطفات!) من قبل صديقنا العزيز عبد العزيز، الذي يجسّد روح الشباب وتطلعاته وخططه، رغم بيت الشعر العربي الذي ذهب مثلا حول (الثمانين التي احوجت سمع الشاعر الى ترجمان)، ويجب علينا (ان ندقّ على الخشب!) ونقول الحمد لله، اذ ان (شكل د. خليل ومضمونه) لا يخضع بتاتا لبيت الشعر ذاك ولا يحتاج سمعه او ذاكرته ابدا الى ايّ نوع من انواع ال (ترجمان!) . هدف الزيارة الخاطفة هذه للدكتور خليل هو استلام وسام من تجمّع خريجي كلية الصحافة في جامعة موسكو بعد الاحتفال بمرور نصف قرن على التخرّج من تلك الكلية العتيدة (انظر مقالتنا بعنوان - كتاب نصف قرن بالروسية)، ولا اريد التحدث اكثر عن هذا الوسام التكريمي الكبير، الذي استلمه زميلنا عبد العزيز، واترك تلك المهمّة له شخصيا كما وعدنا، واريد هنا ان اتحدث قليلا وباختصار عن مضمون تلك الاحاديث الممتعة والطريفة والمهمة لتاريخنا، التي تزخر بها ذاكرة الدكتور خليل، الرجل ذو الروح الشبابية الحيوية المتدفقة، رغم كل تلك السنوات (العجاف) كما كتب هو عنها في كتابه الشهير – (محطات من حياتي). 

قال لي خليل في بداية اللقاء، وهو يذكّرني بمقالتي الاخيرة عن السائق الداغستاني الذي استشهد برأي رسول حمزاتوف (انظر مقالتنا بعنوان – مع سائق داغستاني في موسكو)، انه قابل حمزاتوف مرّة عند مدير معهد الاستشراق الاكاديمي المشهور غفوروف، وسأله حمزاتوف (هل قرأ كتابه عن داغستان ؟)، فأجابه خليل – (نعم، ولكن بالعربية)، فسأله رأسا – (وهل الترجمة العربية للكتاب جيدة وتعكس للقارئ العربي روحية ذلك الكتاب ؟)، فقال خليل لحمزاتوف – (الترجمة ممتازة، والقراء العرب يتابعون نتاجاته باعجاب وحب.)، فابتسم حمزاتوف وقال له (ساجلب لك في المرة القادمة شيئا يعبق بعطر داغستان)، ونسي خليل كل تلك الحكاية، ولكن حمزاتوف جلب له فعلا في زيارته الثانية لمعهد الاستشراق(بعد فترة طويلة) كيلوغراما من عسل جبال داغستان، وقال له، ان هذا العسل خاص ولا يباع في الاسواق، وان سكان الجبال يجلبونه له خصيصا اعتزازا بمكانته الادبية . وقال خليل لي، انه لحد الان يتذكر طعم ذلك العسل الرائع واللذيذ، رغم مرور اكثر من نصف قرن على تلك الحادثة، وانه تذكر طعم ذلك العسل عندما قرأ اسم حمزاتوف في مقالتي تلك . وجرّنا الحديث عن الشاعر حمزاتوف الى الحديث عن شاعرين من فلسطين هما محمود درويش وسميح القاسم، الذين قابلهما اثناء مسيرة حياته الحافلة، اذ تذكر خليل، كيف ان رئيس تحرير مجلة (أغنيوك) الاسبوعية السوفيتية الشاعر سفرونوف طلب منه مرّة ان يجلس معه في احدى المؤتمرات عندما قدّم سفرونوف لمحمود درويش الترجمة الروسية لمجموعة من قصائدة، والتي أصدرتها مجلة (أغنيوك) ضمن سلسلة الكتيبات الشعرية التي كانت تصدرها بمئة الف نسخة اسبوعيا، وحكى خليل كيف تناول محمود درويش الكتاب وفتحه وأشار الى مقطع في قصيدة وطلب من المترجم الروسي ان يقرأ له ذلك المقطع وان يترجمه له الى العربية رأسا، ففعل المترجم ذلك، وطلب منه ان يترجم له مقطعا آخر، ثم قال لهم – (أنا لم أقل ذلك في قصائدي)، وتوتر الجو طبعا، اذ ان المترجم الروسي لا يستطيع ان يقرأ تلك المقاطع بالروسية ويترجمها رأسا الى العربية كما كتبها درويش نصا وبهذه السرعة، وانتهت تلك (الجلسة الوديّة !) بان نهض محمود درويش وترك المكان، ولم يأخذ معه الكتاب، بل أبقاه امامهم على المنضدة، وقد استاء سفرونوف جدا من هذا التصرّف غير اللائق جدا، وقال لهم ان ذلك يحدث لاول مرة في حياته . أما سميح القاسم، فقد التقى به خليل في برلين اثناء انعقاد احدى المؤتمرات، وذهب دون موعد الى غرفته، بعد ان سمع، ان بعض العراقيين بصقوا في وجهه عندما رأوه وهو يسير مع الوفد الاسرائيلي . فتح القاسم باب غرفته، فقال له خليل، انه عراقي، فأجاب سميح مستفسرا – (هل جئت لتبصق مرة اخرى في وجهي؟)، فاجابه خليل – كلا، بل جئت معتذرا عن ذلك . وحدثني خليل كيف دعاه سميح للدخول الى غرفته، وكيف تحدثا سوية عن تلك الحادثة، اذ اوضح خليل له، ان بعض اعضاء الوفد العراقي(تنرفز) من رؤية العلم الاسرائيلي، فقال له سميح، انه رجع الى غرفته وأجهش بالبكاء، لأنه يحب العراق والعراقيين كما يحب فلسطين والفلسطينيين، وان العلم المرفوع فوق العراقيين لا يرمز الى النظام الدكتاتوري هناك (كان الحادث زمن نظام صدام)، بل الى المكان الجغرافي المحدد، وانه فلسطيني في بلد محتل، وانه يصمد هناك رغم انه مواطن من الدرجة الثانية بسبب هذا الاحتلال، ولكنه لا يترك وطنه، بل يتشبث بارضه هناك، وان هذا هو الموقف الصحيح – من وجهة نظره – الذي يجب ان يقوم به كل فلسطيني.

 الحديث الممتع مع د. خليل عبد العزيز يتشعب دائما، وهذا ما سوف اتناوله في الحلقة الثانية حول هذا اللقاء...

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمد السعديمنذ أن بذرت البذرة الأولى لنبتتة الشيوعية في العراق في مطلع العشرينيات من القرن الماضي، وهنا ليس بصدد التأثيرات الخارجية أو الدوافع الذاتية أو العوامل الطبيعية بنمو تلك النبتة على أرض العراق الواسعة الطيبة والخصبة، هنا يعنيني القادة الشيوعيين، الذين تعاقبوا على سكرتارية قيادة الحزب الشيوعي بمراحل تاريخية مختلفة ومهمة . في يوم ٣١ آذار ١٩٣٤ انعقد في بغداد إجتماع تأسيسي حضره شيوعيون من مختلف أنحاء البلد . وأعلنوا توحيد صفوفهم في تنظيم مركزي واحد باسم (لجنة مكافحة الاستعمار والأستثمار) وانتخبت أول لجنة مركزية، وأصبح عاصم فليح أول سكرتير للحزب، بعد أن سبقتها حلقات ماركسية على يد ثلة من الأدباء والمثقفين العراقيين (حسين الرحال .. أمنه الرحال .. محمود أحمد السيد، عوني بكر صدقي، عبدالله جدوع)، أقدم هؤلاء الرواد الأوائل باصدار مجلة (الصحيفة) تصدر مرتين في الشهر تتصدر قضايا البلد العامة والتطورات الحاصلة به تأثراً بسياسة السوفيت ودوي سمعة ثورة أكتوبر، ثم تغير اسم الحزب فيما بعد إلى الحزب الشيوعي العراقي بقرار أتخذته اللجنة المركزية العام ١٩٣٥ .

عاصم فليح … ولد في بغداد ومات بها عام ١٩٧٥، رحل بهدوء تام ويأس قاتل وحتى بدون ذكر ولا كلمة نعي بسيطة بأقصوصة ورق عن سيرته النضالية وقيادته لتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي لفترة زمنية صعبة في تاريخ العراق السياسي، أمتدت من أول إجتماع عام للشيوعيين ٣١ آذار ١٩٣٤الى العام ١٩٤١تولى بها يوسف سلمان يوسف (فهد) قيادة تنظيمات الحزب بعد أن عاد من موسكو (جامعة كادحي الشرق الشيوعية) حول أسس التنظيم الحزبي وبناء المنظمات الثورية .

يوسف سلمان يوسف.. ولد في قرية برطلة العام ١٩٠١ لعائلة مسيحية سريانية في محافظة نينوى، وعندما بلغ السابعة من عمر أنتقل مع عائلته الى محافظة البصرة طلباً للعمل ونشأ بها، وباكورة عمله السياسي أنطلقت من محافظة الناصرية، عندما كان يعمل في معمل ثلج تابع لاخيه ومن خلال أطلاعه على ظروف الناس الصعبة ومعاناة العمال وحقوقهم نمى الوعي عنده مبكراً، فوجد طريق الشيوعية خلاصاً لمعاناة هؤلاء البشر .

أعتقل العام ١٩٤٧ وأعدم في ١٤ شباط ١٩٤٩ في بغداد وبأشراف السفير البريطاني في العراق، قاد التنظيم الحزبي عبر منافذ أسوار السجن من خلال الرسائل والبيانات المهربة من السجن الى رفاقه في قيادة التنظيمات . في لجة هذا النشاط السياسي والحراك الثوري تولى قيادة الحزب في الخارج يهودا صديق عكس رغبات فهد في السجن، كان يطمح أن يكون مالك سيف زعيماً للحزب عبر رسالة حزبية هربها من السجن الى التنظيمات الحزبية تضمنت توصية حزبية واضحة حول تشكيلات التنظيم، فقام الرفيق يهودا صديق بخفي الرسالة طمعاً بقيادة تنظيمات الحزب وتولي المسؤولية الاولى ولم يسلمها الى التنظيم ولاحتى الى مالك سيف نفسه ليخبره برغبة فهد بقيادة التنظيم، والذي كان يقود تنظيمات البصرة .

وفي ظروف وزمان أعتقال فهد لم يكن هناك في بغداد قيادياً في الحزب نجا من الاعتقال الا يهودا صديق المولود في بغداد العام ١٩٢٠ ترجع أصوله الى عائلة يهودية، وهو أحد أعضاء اللجنة المركزية، الذي أنتخب في المؤتمر الاول الذي عقد في بيته بجانب الكرخ .

يهودا صديق أنتمى للحزب الشيوعي العراقي بعد أحداث مايس ١٩٤١ وما تركته تلك ألاحداث من مواقف سياسية ووطنية على تداعيات الشارع العراقي . وفي لجة النشاط الوطني المتصاعد شخص وعبر وشاية من أحد الرفاق، مما أضطره أن يختفي عن الانظار، وذهب الى مدينة (شقلاوة)، وسلم مفاتيح التنظيم الى أخيه (حزقيال صديق)، وهو ليس بموقع لجنة مركزية ولا يملك مؤهلات قائد وكادر قيادي .

في عام ١٩٤٨ بعد أن باع نفسه الشيوعي عبد الوهاب عبد الرزاق كمخبر سري للشرطة قادهم الى الوكر الحزبي في محلة (الهيتاويين) وتم ألقاء القبض على قادة الحزب المختبئين مالك سيف ويهودا صديق، وضعفوا في التحقيق وتعاونوا مع أجهزة الشرطة السرية في كشف محطات التنظيم في عموم العراق مما أعيد محاكمة قادة الحزب فهد وحازم وصارم، وحكموا بالاعدام . في غمرة تلك الاحداث وما تعرض له التنظيم من أنتكاسات كبيرة برز شاب ثوري في تصدر تنظيمات الحزب (ساسون شلومو دلال) وعمره ٢٠ عاماً وهو من يهود العراق . وتبنى سياسة شديدة جداً تجاه النظام السياسي القائم، مما أثار غضب السلطات تجاه الشيوعيين في الملاحقة والاعتقال ولم ينجوا منها الشاب الشيوعي الثوري المتحمس في النضال تجاه قبضة السلطة، كان من المعجبين بشخصية فهد ومواجهته للموت من أجل الشيوعية . أعتقل وواجهه الموت بشجاعة متناهية .

فكتب رسالة الى أخيه ليلة أعدامه قائلاً فيها ….

رسالة ساسون دلال الى اخيه ليلة اعدامه :

" أخي العزيز

أنها أمسية ساحرة. الريح تهب باطراد طوال اليوم لكنها هدأت بحلول الظلام فلا ضجة في الهواء. يبدو أن العالم نام بسرعة. انا لا استطيع النوم ومن الصعب النوم مع معرفة انني سأموت فجر الغد . منذ أن تم اعتقالي من وقت طويل، وأنا أريد أن أكتب إليكم. لم أكن متأكدا مما سأقوله. كنت مرتبكا وخائفا. لم أكن متأكدا ان كنت ستتعاطف مع نشاطاتي وافكاري، الأفكار التي يمكن فقط ان تثبت انها صالحة عندما تكون حياتنا في أمس الحاجة إليها. لم أكن متأكدا أن الحياة الأكاديمية التي عشتها انت في أمريكا من شأنها أن تجعلك ترى بموضوعية عدالة وصحة قضيتنا. الليلة مع علمي أن غدا سيكون الفجرالمقبل هو ليلتي الابدية قررت ان أكتب إليكم عن الأفكار والآراء التي تعج في ذهني الآن لقد اخذت موجة من الرعب البلاد والالاف من الناس يجري اعتقالهم ويتعرضون للتعذيب ويتم واعدامهم،. أنا لست الوحيد الذي سأموت غدا هناك عشرة آخرين معي .

بعد أعدام ساسون دلال تولى قيادة الحزب حميد عثمان، الذي كان مسؤول تنظيمات مدينة سليمانية، ولم تدوم قيادته لحزب الشيوعيين الا ثلاثة شهور، حيث تعرض للاعتقال عبر الاندساسات داخل صفوف التنظيمات الحزبية . ألتحق الشاب القروي بهاء الدين نوري أبن رجل الدين ذو الشأن الاجتماعي والعشائري والديني وسط أبناء قريته (التكية) على تلال مدينة قرداغ الى بغداد ليصبح السكرتير الأول للحزب الشيوعي . وقد زرت تلك القرية في نهاية ١٩٨٧ عندما كنت مقاتلاً في الجبل حلت ضيفاً على بهاء الدين نوري (أبو سلام) رغم الحذر الحزبي من الاتصال به، ووقفت على سفح تلك القرية اتأمل (قرية على سفح جيل)، وقصة الشاب بهاء أبن تلك القرية البائسة المتخلفة وقدرته في أدارة قيادة الشيوعيين في العاصمة بغداد . بعد ثلاثة أعوام من العواصف السياسية والقرارات الحزبية والتي أمتازت نوع عما بالفردية والتسلط أعتقل في بيت حزبي مع عدة رفاق وأعترف بانتمائه الشيوعي وحكم عليه يالسجن . تولى بعده كريم أحمد قيادة التنظيم قادماً من مدينة أربيل وبعد فترة زمنية هرب من سجن بعقوبة حميد عثمان بمساعدة التنظيم وفرض نفسه سكرتيراً للحزب وأعطى الاولويه له بمعاونة عدد من الرفاق مما أربك وضع الحزب التنظيمي والسياسي وسادت حالات تشظي أنتهت بقيادة أحمد حسين الرضي (سلام عادل) سكرتيراً للحزب العام ١٩٥٥ .

قاد تنظيمات الحزب الى أخر يوم من أستشهاده بعد أن أعتقل من قبل أنقلابي ٨ شباط ١٩٦٣ يوم ١٩ شباط وأستشهد يوم ٢٣ شباط ١٩٦٣ .

أن أهم مايميز قيادة سلام عادل للحزب الشيوعي العراقي هو إيمانه بوحدة الشيوعيين يضاف الى إستشهاده البطولي . تسلم سلام عادل قيادة الحزب في حزيران ١٩٥٥ بعد أن عزل من قيادته السكرتير السابق حميد عثمان وهروبه الى كردستان وأنضمامه الى الحزب الكردستاني . بعد أن أخذ الشهيد سلام عادل على عاتقة مهمة جمع ولم شمل رفاق الحزب حين قال (عزل أي رفيق من الحزب بمثابة قلع شعرة من عيوني)، وعلى هذا الأساس تحرك وعمل من آجل وحدة الشيوعيين على مباديء الحوار والرأي المختلف والحرص المتبادل أنطلاقاً من جماهيرته الواسعة داخل تنظيمات الحزب لدوره الوطني والتنظيمي المشهود له قبل تسلم قيادته لتنظيمات الحزب وتحديه الشجاع لاساليب السلطة وسجونها .

ومن أهم المفاصل الحزبية التي واجهته في بداية تسلمه قيادة الحزب وحسب ما ذكر الدكتور عبد الحسين شعبان في كتابه حول سلام عادل موضوعة الانشقاقات وفي مقدمتها (راية الشغيلة)، والتي تبناها عزيز محمد، جمال الحيدري، نافع يونس، وقد وصفتها جريدة القاعدة في حينها بأنها زمرة بلاطية (نسبة الى البلاط الملكي)، وإنها انحطت في المستنقع والقاذورات اليمينية، متهمة إياها بالانتهازية وغالباً ما تصدر مثل هذه الاتهامات في المنعطفات التي تشهد انقسامات وصراعات داخل الحزب، لكنه سرعان ما يطويها الزمن بفعل بعض التسويات والاتفاقات .

أما ’’ منظمة وحدة الشيوعيين ” فكانت برئاسة عزيز شريف وعبد الرحيم شريف التي أسهم عامر عبدالله بحكم صلته الوطيده معهما في إقناعهما بحل المنظمة والالتحاق بالحزب . كما أنضمت كتلة داود الصائغ (رابطة الشيوعيين) لاحقاً الى صفوف الحزب . ويمكنني القول هنا الاشادة بدينامكية وقدرة المناضل سلام عادل في أستيعاب الصراعات الحزبية والأراء المختلفة وأحتوائها لمصلحة الحزب والوطن . كان لجماعة داود الصائغ وجريدته المبدأ خط سياسي ضد سياسة الحزب بل النيل من قدرات الحزب وتهميش دوره في عملية التغير، فبعث مجموعة من الشيوعيين في العمل في جريدة المبدأ كمحررين وصحفيين وعاملين ضمن الجهاز الحزبي بأتجاه أدارة الوضع السياسي نحو وحدة الشيوعيين، وهذا فعلاً ما تحقق لاحقاً .

 

تركت مجزرة شباط تداعيات خطيرة على مسيرة الحزب وبنائه التنظيمي وأربكت وضعه السياسي من هول الضربة الماحقة التي أطاحت بأغلبية تنظيمات وكوادر الحزب، حيث تحطمت بالكامل في العاصمة بغداد وظلت تنظيمات وتجمعات ضعيفة في أقيلم كردستان ومنطقة الفرات الاوسط ومقطوعة عن المركز لفترة ليس قليلة . وبقيت تنظيمات الحزب بدون قيادة ومركز وسكرتير الى العام ١٩٦٤، عندما بدأ الوضع السياسي في العراق بتجه نحو الهدوء والتفاهم مع الطرف الأخر في السلطة . رشح لقيادة الحزب شخصان نجا من الاعتقال والموت عزيز محمد وعبد السلام الناصري (أنور مصطفى)، ورغم أن الأول رفض ترشيحه أدراكاً منه بضعف أمكانياته الفكرية ومؤهلاته القيادية، لكن كانت ورقته هي الراجحة لرغبة سوفتية تماشياً مع الوضع السياسي العالمي نحو المساومات وبما يمتاز به عزيز محمد من تسووية وتوفيقية وأرضاء الخواطر على مصالح المباديء والعمل الثوري، فاصبح عزيز محمد سكرتير للحزب من العام ١٩٦٤ الى أيام المؤتمر الخامس ١٩٩٣، حقبة تاريخية مهمة تعرض خلالها الحزب الى ردة فكرية ووطنية وضعف في مواجهة الانعطافات كحزب ثوري .

في المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي العراقي العام ١٩٩٣ أصبح حميد مجيد موسى سكرتيراً للجنة المركزية للحزب وفي فترة عصيبة من تاريخ العراق وتهديد كيانه أي نسفه من خلال جريمة الحصار والأطاحة به مرحلة يتوجب على الوطنيين بها دراستها وأستخلاص دروسها .

في المؤتمر العاشر في العاصمة بغداد العام ٢٠١٦ ترأس رائد فهمي سكرتارية اللجنة المركزية للحزب فدشن تاريخه بسابقه خطيرة من التحالفات الخطيرة مع قوى مظلمة وطائفية وخطيرة في تاريخ العراق السياسي الحديث وأدخله في نفق مظلم .

 

محمد السعدي - مالمو

 

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأنه قلما يحظي مؤرخ الأفكار والباحث الأكاديمي المحقق المختص بأحد فروع الفلسفة ومشكلاتها وتاريخها بما يناله من أصحاب المشاريع الفكرية التي ملأت الساحة الثقافية العربية بإعادة النظر في التراث وفق أحدث تيارات ومناهج الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة. فالأول ينصب اهتمامه الأساسي بالعقل في التاريخ، وما صدر عنه من اجتهادات في صراعه مع القوي المعارضة له، والثاني تنصب نظرته علي الواقع الاجتماعي والسياسي المعاش ومشكلاته، وكيفية التعامل معها انطلاقا من التراث الفكري التاريخي والأفكار الحديثة ؛ إلا أننا ( كما يقول د. أحمد عبد الحليم في مقال له بعنوان حسام الدين الآلوسي المنهج والرؤية): " نشهد في الواقع عدد من الأساتذة الاكاديميين الجاديين يقدمون لنا رؤي ومناهج من واقع خبراتهم للعديد من القضايا التي لا يستطيع المفكر والإنسان العربي المعاصر أن يغض الطرف عنها وفي مقدمتها: العقلانية، والحرية وإعادة النظر في التاريخ والواقع والمفاهيم اللامحدود التي تمتلأ بها الثقافة العربية والفكر العربي المعاصر": ومن هذا النوع نذكر حسام الدين الآلوسي الذي أكتب عنه هذه السطور.

يعد الفيلسوف حسام محي الدين الآلوسي (1936 – 2013) من أبرز المفكرين العراقيين المعاصرين، الذين قدموا لنا منهج عقلاني تكاملي متفتح ورؤية فلسفية ملتزمة: تؤكد التسامح، والحوار، والتعددية، وتفسح المجال للآخر، وهي رؤية ( كما أكد د. أحمد عبد الحليم في مقاله السالف الذكر) بين تاريخية ونسبية المفاهيم وإطلاقية الحقيقة، والتي يسميها " النسبية والإطلاقية" سواء في مجال المعرفة أو الأخلاق أو القيم .

ويظهر هذا في كتاباته المختلفة وفي حواراته المتعددة، والتي تؤكد لنا بحق أنه مفكر رصين، قوي الروح، سديد الرأي، عميق الفكر، واسع الثقافة والمعرفة، وهو من أصحاب الاتجاه الماركسي وفلسفة العلم، وأحد أعمدة وأركان الفكر العراقي، الذي عرفته المنتديات الفكرية، وكان له باع طويلة في ميادين وحقول الفكر النقدي والحراك الفلسفي.

كما يعد الدكتور الآلوسي أحد أساطين العقلانية المنفتحة، الذين لم يتخلوا عن ثقتهم بالعقل، وعن التشديد على ضرورة سيادة الحوار العقلاني في حل الإشكاليات العالقة، على الرغم من الأزمات التي عصفت بالتفكير الفلسفي والعلمي وبالقيم الثقافية والأخلاقية في زمانه، فهو أحد أبرز المفكرين العراقيين المعاصرين القلائل الذين تتميز بحوثهم بالسمة الموسوعية، فلا نجد ميداناً من ميادين النشاط العقلي لم يسهم فيه هذا المفكر. انشغل واهتم بدراسة الفكر الإسلامي بشقيه الفلسفي واللغوي، واهتم بمعالجة قضاياه بمنظور عقلاني مسترشداً بالمنهج الجدلي التاريخي الاجتماعي.

هو بشهادة الكثيرين يمثل أحد أعمدة الفلسفة في العالم العربي الذي تشهد له جامعات العراق ومعاهده ومراكزه العلمية، على طول باعه في ميدان الحراك الفلسفي والفكر النقدي، خلال العقود الأخيرة من عصرنا الراهن، فهو الفلسفة في العراق ؛ حيث ينتمي لجيل فلسفي ضمّ أسماءً جادة قليلة: يُذكر معه، من بين من يُذكر، الراحلون الدكتور ياسين خليل، والدكتور كامل مصطفى الشيبي، والدكتور عرفان عبد الحميد. مارس الفلسفةَ تدريساً أزيد من خمسة عقود، في العراق وفي جامعات عربية مختلفة، فتتلمذ على يديه العديد من الطلبة. لم تنتج، ولم تشهد، الأكاديميةُ الفلسفية في العراق باحثين فلسفيين متميزين كثيرين.

ولد الدكتور حسام الدين محيي عبد الحميد الآلوسي عام 1936 في مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين، وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية في هذه المدينة لينتقل بعدها الى العاصمة بغداد لإكمال دراسته الجامعية؛ إذ درس في جامعة بغداد، كلية الآداب- قسم الفلسفة وتخرج منها. وفي عام 1961 سافر الآلوسي ببعثة على نفقة الدولة إلى بريطانيا لإكمال دراسته العليا؛ حيث دخل جامعة كمبرج وحصل على شهادة الدكتوراه عام 1965 عن أطروحته (مشكلة الخلق في الفكر الاسلامي)، وبعد عودته الى العراق عمل أستاذا في قسم الفلسفة جامعة بغداد وترأس القسم في أوقات متفرقة. كما عمل الدكتور الآلوسي أستاذا للفلسفة في جامعات ليبيا، الكويت، صنعاء، وعمل مستشاراً للعديد من المجلات العلمية في العراق، وفي العديد من البلدان العربية، وفي السابع من تشرين الأول/ أكتوبر في عام 2013 انتقل إلي رحمة الله.

وفي سيرته العلمية نقرأ أنه: عمل أستاذاً في قسم الفلسفة جامعة بغداد منذ عام 1968 وترأس القسم في أوقات متفرقة، وهو عضو الهيئة الإدارية لجمعية العراق الفلسفية، والمسؤول عن الجانب العلمي والإنتاج العلمي في الجمعية، ونائب رئيس الجمعية الفلسفية العربية التي مقرها الأردن، وعضو مشارك في الجمعية المصرية الفلسفية، ورئيس قسم الدراسات الفلسفية في بيت الحكمة منذ 2006. كما أشرف على العديد من طلبة الدراسات العليا، الماجستير والدكتوراه، خلال مسيرته التدريسية، وعمل مستشاراً لمجلة دراسات معاصرة في كندا، كما عمل مستشارا لمجلة أوراق فلسفية التي تصدرها جماعة أوراق فلسفية جامعة القاهرة

والدكتور الآلوسي أحد المفكرين العراقيين المعاصرين القلائل الذين تتميز بحوثهم بالسمة الموسوعية، فلا نجد ميداناً من ميادين النشاط العقلي لم يسهم فيه هذا المفكر، ونشير هنا إلى كتبه الرئيسة: ": كتاب حوار بين الفلاسفة والمتكلمين، وكتاب مشكلة الخلق في الفكر الاسلامي باللغة الإنجليزية، وكتاب الأسرار الخفية في العلوم العقلية- تحقيق ودراسة، وكتاب من الميثولوجيا إلى الفلسفة أو بواكير الفلسفة قبل طاليس، وكتاب الزمان في الفكر الديني والفلسفي القديم، وكتاب دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي، وكتاب فلسفة الكندي وأراء القدامى والمحدثين فيه، وكتاب التطور والنسبية في الأخلاق، الفلسفة والإنسان، وكتاب الفلسفة اليونانية قبل أرسطو، وكتاب مبادئ علم الاجتماع والفلسفة، وكتاب مدخل الى الفلسفة، حول العقل والعقلانية، وكتاب الزمان في الفكر الديني والفلسفي وفلسفة العلم ؛ وكتاب تقييم العقل العربي ودوره من خلال نقاده ومنتقديه، وكتاب أزلية العالم ودور الإله عند ابن رشد (دراسة نقدية معاصرة).

كما نشر الآلوسي مجموعة من الأبحاث في المجلات العلمية العراقية والعربية من بينها: «البنية والعلاقة» (المجلة الفلسفية العربية، الأردن، شتاء 1990) «الفلسفة والعلوم الأخرى» (ضمن كتاب سلسلة المائدة المستديرة، بيت الحكمة، آذار 1998) «الأنسنة عند ابن رشد» (مجلة مقابسات البغدادية، العدد الأول 2005). كما قام بتحقيق بعض النصوص الفلسفية، مثل كتاب «الأسرار الخفية في العلوم العقلية»، للعلاّمة ابن المطهر الحلي، وذلك بمشاركة مع الدكتور صالح مهدي الهاشم.

وإلى جانب كونه مفكراً كان الآلوسي شاعراً يمتلك شعرية خصبة ؛ خاصة وله في هذا المجال ديوان شعري يحمل اسم " زمن البوح "، الذي قال عنه: " إن هذا الديوان يحمل غربة عن الزمن،،وعن الآخرين، وعن تراثي، وأنا ليس كما يراني الناس منتظماً، فأنا أعرف أنني ربما ضللت الطريق، وحين تجدوني وحدي، فأنا كذلك في الديوان وفي سلوكي، حيث إنكم ستجدون في القصائد إنساناً يتكلم بعقله في بيت شعر ما، وفي بيت آخر يتحدث بقلبه " .

وكانت للدكتور الآلوسي مطارحات مع كبار أساتذة الفلسفة في الوطن العربي من أمثال الدكتور حسن حنفي في كتابه تجديد علم الكلام، والدكتور محمد عابد الجابري في كتابه بنية العقل العربي وغيرها من الكتب، والدكتور صادق جلال العظم في كتابه نقد الفكر الديني، والدكتور حسين مروة صاحب كتاب النزعات المادية في الفلسفة العربية، والدكتور طيب تيزيني صاحب كتاب مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط، وغيرهم من الكتّاب العرب الذين يشغلون الساحة الفلسفية والفكرية العربية بنتاجاتهم وكتبهم القيمة .

فمن بين ما تناوله بالبحث والتحليل دور الفلسفة راهناً من خلال طغيان ( العلم ) وتبوؤه مركز الصدارة بتزايد، منذ عصر النهضة وإلى اليوم، في معالجة ظاهر الطبيعة والكون والإنسان، في مقابل تضاؤل الفلسفة ومكانتها حتى وقت قريب، فكان الهدف عند الآلوسي في تناوله لموضوع تكامل الفلسفة والعلم لا تضادهما هو التأكيد أن الفلسفة والعلم يؤديان مهمة تكاملية متضادة. الفلسفة كما يراها الآلوسي ترينا أي نوع من العالم أو الكون هذا الذي نعيشه ونتقلب، ولهذا يشبهها بقائد الجيش أو قائد الاوركسترا، فالفلسفة هي مركب من نتائج العلوم، لها حقول عدة وليس حقً واحدا كما يقول الفيلسوف الآلوسي، إنها وراء كل الحقول إليها، وربما أن يدخل أبداً، ومع ذلك فالإنسان محتاج لأن يرسم حدودها ويدخلها بدجون يقين العلم .

ولذلك يدور المشروع الفلسفي للدكتور حسام الآلوسي حول معالجة قضايا الفكر الإسلامي انطلاقاً من منظور عقلاني حداثي، وباستخدام المنهج الجدلي التاريخي الاجتماعي، ويهدف من ذلك إلى تصحيح نظرتنا للتراث الفكري والفلسفي الإسلامي. وبالتالي يعتبر مشروع الدكتور الآلوسي مشروعاً نقدياً، يحاول أن يمهد الطريق نحو ظهور فلسفة أصيلة وجديدة عربية معاصرة. ذلك أن تصحيح نظرتنا إلى التراث، انطلاقاً من فكرنا المعاصر، يؤدي تلقائيا إلى زيادة حرية الفكر، وبالتالي ظهور أفكار إبداعية جديدة، ويذكر الراحل فيما يخص القضية الجوهرية في فكره في كتابه (تجربتي الفلسفية)، قوله: مجال الفكر الفلسفي العربي والإسلامي: هذا هو ميداني الخاص... بالنسبة لكتاب دراسات في الفلسفة الإسلامية فهو مجموعة بحوث. وكل منها يفتح نتائج جديدة ويؤشر مسارات ويصحح أحكاما ويصح ذلك على بحثنا فيه عن الغزالي مشكلة وحل وبحثنا نظرية الفيض للفارابي بمنظور معاصر نقدي، وكذلك بحثنا فيه عن تقسيم العلوم ونشأة الفكر العربي الإسلامي... كل كتبي ليست تاريخاً للفلسفة، بعضها فيها تاريخ، ولكن ليس للتاريخ، بل للوصول إلى أهداف أخرى.

وقد تأسس مشروع الآلوسي الفلسفي على معالجة قضايا الفكر الإسلامي انطلاقاً من منظور عقلاني حداثي، واستند إلى المنهج الجدلي التاريخي الاجتماعي، وقد حدد منهجه من خلال الخطوات الآتية: أولاً، دراسة المعلومة بحسب منهجية تقوم على ربط النص أو الموضوع بالأساس الاجتماعي والمطروح العلمي والتراكم المعرفي؛ ثانياً، الالتفات إلى الكل أو البنية عند دراسة الجزء أو النظرية للشخص أو النص؛ ثالثاً، الحذر من التعامل التجزيئي؛ رابعاً، الابتعاد عن الأسلوب الانتقائي من التراث المدروس أو الفكر المدروس والمقصود هنا ليس الفيلسوف الواحد بل المنظورات الفلسفية السائدة في زمان ومكان ما؛ خامساً، الجدلية، وهذا واضح في سياقات نظرتنا إلى تراثنا الفلسفي الفكري؛ سادساً، التكاملية، وبعض عناصرها الاستعانة بكل العلوم؛ سابعاً، التواصل، ضد الشوفينية مثل أكذوبة المعجزة اليونانية أو المغالاة في عقلنة الفلاسفة اليونان. (حسام الآلوسي، تجربتي الفلسفية، جريدة الأديب، السنة الثانية، العدد 75، 8 حزيران 2005).

كما يُعد كتابه «حوار بين الفلاسفة والمتكلمين» أول بداية فلسفية محكمة في اللغة العربية للمفكر العراقي بمعناه الموسوعي، وقد صدر نهاية الستينيات من القرن العشرين. عالج فيه موضوعات الفلسفة الإلهية والميتافيزيقية في واحدة من أعمق المشكلات الفلسفية في تاريخ الفلسفة إلى اليوم، فعرض فيه لآراء الفلاسفة واللاهوتيين، لا سيما آراء أرسطو والمدرسة الفيضية الإسلامية وموقف المتكلمين من مشكلة الوجود ونقد الغزالي للفلاسفة وردود ابن رشد. (حسن مجيد العبيدي، شيخ فلاسفة العراق المعاصرين وعميدهم حسام الآلوسي، موقع كتابات).

نادى حسام الآلوسي بالعلاقة التواصلية أو «التواصل الفلسفي» بين الفكرين الإسلامي والغربي التي ضمنها في كتابه «الزمان في الفكر الديني والفلسفي وفلسفة العلم»، كما آمن بمفهوم التقدم «الخطي» للإنسانية، وعارض مقولة المركزية الأوروبية، وأن الفكر الإسلامي لم ينطو على فكر فلسفي أصيل، وأن قيمته تتركز في حفظه للفلسفة اليونانية في العصر الوسيط؛ ثم رأى أن كلا من الفكر الغربي الحديث والفكر المسيحي الوسيط أخذ الكثير من التصورات الفلسفية عن الفلسفة الإسلامية، خصوصاً في قضية الزمان وأدلة وجود الله وقدم العالم.

أما المرجعيات التي استقى منها الآلوسي ملامح منهجه هذا وحدد منطقه وتطبيقاته على الفكر الفلسفي بعامة والإسلامي بخاصة، فهي مؤلفات في الفلسفة الماركسية من أمثال كيللي وكوفالزون في المادية التاريخية والمادية الديالكتيكية، وكورنفورث، العلم ضد المثالية، ويوفتشول، موجز تاريخ الفلسفة، وبيوري، حرية الفكر، وجون لويس، المدخل إلى الفلسفة، وفرديريك انجلز، الاشتراكية الطوبوية والاشتراكية العلمية، وغيرها. مما يعني أن الفيلسوف الآلوسي كان قد تبنى مصادر المنهج المادي التاريخي الجدلي الكلاسيكية، مع تطوير قام به نفسه على هذا المنهج عَبَر به إلى حقل الفلسفة العربية الإسلامية بامتياز، ونجح في ذلك، أيما نجاح، في دراساته الفلسفية المتنوعة التي تدل على موسوعية يندر وجودها في أيامنا هذه وفي تخصص الفلسفة اليوم.

والآلوسي يذكرك بموسوعية أفلاطون وأرسطو والفارابي وابن سينا وابن رشد وكانت وهيجل ورسل على اختلاف فلسفاتهم ومنطقهم، ورؤاهم المعرفية والقيمية، حتى عدّه زميله الدكتور عبد الستار الراوي من أصحاب المشاريع الفلسفية، وأطلق على مشروعه العقلانية التكاملية، قائلاً: أن الفلسفة لدى الآلوسي، تنأى عن التجاوزية الهائمة في سحابة الفكر والعوالم المجردة، وبذات القدر فإنها تدحض بيانات المادية الهابطة، وتظهر سذاجتها ازاء الكون والإنسان، إنها محاولة لتعقل الأشياء لرؤيته، لا تقف عند المظاهر الخارجية والسطوح المكشوفة، ولا يدع الآلوسي الفلسفة في إطار التعريف والتوصيف، وإنما يضفي إيقاعاً ثورياً متجاوزاً مع الصدى الأيديولوجي القديم، مردداً مع ماركس (الفلسفة ليس وصف الواقع بل تغييره)، يراجع، كتاب الفكر الفلسفي العربي المعاصر، بيت الحكمة، بغداد 1999.

وعدّه الدكتور علي حسين الجابري من فلاسفة الجيل الثالث الذي درسوا الفلسفة في العراق في النصف الثاني من عقد الستينيات من القرن المنصرم، في بحثه المشهد الفلسفي الأكاديمي العراقي في القرن العشرين، منشور في كتاب الفلسفة في الوطن العربي في مائة عام، بيروت 2002.

ولكن، يبقى الآلوسي قامة فلسفية عراقية عربية بامتياز في القرن العشرين وبداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، قل نظيرها.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور "محمد محمد مدين" من أكثر المتخصصين الذين اهتموا بالفلسفة التحليلية المعاصرة في مصر، وناقش قضاياها وأطروحاتها المختلفة، حيث بذل جهداً كبيراً في كتابة الكثير من الدراسات والأبحاث الأكاديمية حولها، له منهجية متميزة في توضيح معالمها وأركانها، فهو واحداً من المفكرين المصريين الذين اغترفوا من جورج إدوارد مور، وارتشف جون ديوي، ونهل ألفريد يونج، وشرب ديفيد هيوم، وارتوي والتر ستيس حتي أصبح رائداً من رواد الفلسفة التحليلية في مصر والعالم العربي، ورائداً للقضايا المتخصصة في التصورات الميتأ أخلاقية، وأحد المفكرين المصرين الذين لهم باع طويل في الكتابة عن نظرية القيمة والكتابة عن الحركة التحليلية في الفكر الفلسفي المعاصر، وقد وصفه " تلميذه الدكتور "سعيد علي عبيد" (في دراسة له عن منطق التصورات الأخلاقية في الدراسات العربية " محمد محمد مدين أنموذجا) بأنه : "إذا كان بالمر Palmer أحد أساتذة جورج سانتيانا في هارفارد يقول عن أستاذه (سانتيانا) أنه يحتفظ بهيوم داخل عظامه، وبصورة أخص يمثل الدكتور مدين الحدسية الأخلاقية وتوجهاتها الميتا أخلاقية في الدراسات العربية" .

كما وصفه أيضا ً "د. السيد علي عبد الفتاح جاب الله" بأنه" أحد أبرز رواد الفكر التحليلي علي الصعيد العربي في الوقت الراهن، فالقارئ لكتاباته ودراساته الأخلاقية لا يجده مجرد عارض موضوعي لفكر الآخرين، بل يجده محللاً وناقداً قوياً من نقاد الفكر الفلسفي المثالي (وذلك في دراسة له عن: مدين" محمد" المنهج التحليلي في الدراسات الأخلاقية).

لقد أكد محمد مدين أن النقد هو روح الفلسفة وقلبها النابض، وهو الباعث الأساسي لتحولاتها المتتابعة منذ نشأتها العقلية والمنهجية الأولى عند الإغريق حتى صورها وأشكالها المختلفة عند المحدثين والمعاصرين، فقرر أنه لا يمكن أن يكون هناك مفكر أصيل بدون موقف نقدي، فالموقف النقدي هو بمثابة نقطة الانطلاق، كما أنّه ليس ثمة معرفة مقبولة إلا بعد بحث وفحص وتمحيص، فالنظرة النقدية تكون الحافز والدافع للباحث لسبر غور موضوعه، ولولا النظرة النقدية للظواهر الكونية ولفكر السابقين لما وجد لدى الباحثين والعلماء والمفكرين موضوعات للبحث والدراسة، ولأصبح الإنسان تابعاً لا مبدعاً، مقلداً لا مجدداً، وبدون هذه النظرة أيضاً تموت روح الابتكار والإبداع.

ولد الدكتور محمد محمد مدين في محافظة الدقهلية (في دلتا مصر) في الثالث من شهر يناير لسنة 1947م، حيث التحق بكلية الآداب – جامعة القاهرة، وحصل علي ليسانس بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف، وعين معيدا بقسم الفلسفة سنة 1969م وسجل درجة الماجستير في موضوع بعنوان فلسفة القيم عند جون ديوي تحت إشراف د. يحي هويدي سمة 1976م بتقدير ممتاز، والدكتوراه في موضوع بعنوان النظرية الأخلاقية عند جورج مور تحت إشراف د. أميرة حلمي مطر سنة 1983 بتقدير مرتبة الشرف الأولي، ثم تدرج في سلك التدريس بجامعة القاهرة حتي حصل علي درجة الأستاذية عام 2003م وأعير للتدريس بجامعة السلطان قابوس بعُمان من 1987- 1991م، ثم استاذا زائراً بجامعة الإمارات العربية المتحدة في سنة 1992، وترأس قسم الفلسفة بآداب القاهرة سنة 2003م، كما تولي الإشراف علي قسم الفلسفة والاجتماع بكلية التربية جامعة الفيوم، وكذلك الإشراف علي قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة الفيوم (فرع جامعة القاهرة سابقاً)، والآن يترأس قسم التفكير العلمي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.

ومن مؤلفاته : كتاب جورج إدوارد مور: بحث في منطق التصورات الأخلاقية، وكتاب الحدس الخلقي: الإطار النظري والمنهجي، وكتاب الحركة التحليلية في الفكر الفلسفي المعاصر "دراسة في مشكلة المعني، وكتاب الحدس الخلقي "مقال في المنهج الأخلاقي"، وكتاب منطق البحث "دراسة في منطق الفيلسوف الأمريكي جون ديوي "، وكتاب فلسفة هيوم الأخلاقية، وكتاب ألفريد يونج : دراسة في منطق النقد الأخلاقي، وكتاب مقدمة في الفلسفة العامة، وكتاب دراسات في النظرية الأخلاقية الحديثة، وكتاب الاكسيولوجيا في الفكر الفلسفي المعاصر، وكتاب نظرية القيمة عند ديفيد هيوم "بحث في إعادة بناء رسالة في الطبيعة البشرية "، وكتاب التوجهات الميتا أخلاقية للنظرية المعيارية، وكتاب النظرية الطبيعية في الفن، وكتاب التعادلية في القيمة، وكتاب المنهج التحليلي في برنكيبيا مور، وكتاب النظرية الأخلاقية عند برتراندرسل .

كما له عدة دراسات منشورة في المجلات العلمية، ونذكر منها : دراسة بعنوان : نقد الخطاب الوضعي في خرافة الميتافيزيقيا "دراسة في وضعية زكي نجيب محمود "، ودراسة عن " الواقعية في فكر يحيي هويدي "، ودراسة عن "قراءة في فكر محمد مهران التحليلي، دراسة عن الاستخدام السياسي للغة الدينية منشورة ضمن أبحاث في مؤتمرات علمية للجمعية الفلسفية المصرية والعربية، وبحث بعنوان نظرية السببية عند ديفيد هيوم "قراءة لغوية تحليلية " منشورة ضمن الجمعية الفلسفية، ودراسة بعنوان الإرهاب "دراسة مفهومية" ضمن منشورات الجمعية الفلسفية "، ودراستان عن الحركة التحليلية، والمنهج التحليلي ضمن الموسوعة الفلسفية التي أشرف عليها الدكتور معن زيادة.

كما أن له العديد من الترجمات، ومن أبرزها : ترجمته وتقديمه لكتاب مشكلة القيم في فلسفة هارتمان ولويس تأليف، وترجمة كتاب " حل المشكلات اليومية بالمنهج العلمي: كيف نفكر مثل العالم "تأليف ماك دون (وأخرين)، وترجمة كتاب عن " النزعة الإنسانية، وكذلك ترجمته لكتاب " الفلسفة  الفرنسية في القرن العشرين ... وغيرها.

وقد أسهم الدكتور محمد مدين  بعضويته في كثير من المؤسسات العلمية، ومراكز البحث العلمي العالمية، وألقي العديد في بحوث في مؤتمرات وندوات محلية ودولية، منها أبحاث في متخصصة نشرت في دول عربية، كما حاضر عن فلسفة التحليلية والفكر الغربي المعاصر في جامعتي السلطان قابوس بعمان والإمارات العربية المتحدة.

وقد اتسم إنتاج محمد مدين بالغزارة، وعمق الفكر، ووضوح اللغة وبساطتها؛ فمؤلفاته تجعل الفلسفة قريبة إلي أذهان ومشاعر المثقف المصري والعربي،وجمع أسلوبه في الكتابة بين الأسلوب المباشر والعميق في ذات الوقت، وهو ما يمكن تسميته بالسهل الممتنع في الكتابة الفلسفية والعلمية. واتسمت كتاباته الفلسفية بالصياغة الإشكالية للموضوع فمن يقرأ له يعيش في إشكالية الموضوع،وأسئلته المختلفة المركزة واتسم أسلوبه أيضا بالتماسك فهناك ترابط ونسقية محكمة بين أجزاء الموضوع وهو لا يميل إلى المقدمات المطولة التي تصيب القارئ بالملل والضجر (كما قال الدكتور ناصر هاشم في دراسة له عن الفلسفة التحليلية في الدراسات العربية " محمد محمد مدين أنموذجا).

جمع مدين بين الأفق الفلسفي الواسع، والرؤية العلمية المحددة، والبعد الديني وهنا يتضح عدم تعصبه لمذهب بعينه من المذاهب الفلسفية المعاصرة،فلم يكن وضعياً ولا برجماتياً ولا وجودياً،ولا متمذهبا بأي حال من الأحوال فموضوعتيه غلبت عليه فى كل أحكامه،وأراءه وعندما يوجه سهام نقده لأى من هذه المذاهب فهو لا ينكرها أو يريد هدمها أو نقضها، إنما يطالب بإعادة النظر إليها لاشتمالها علي نقائض وعيوب، كما يهتم بصياغة المصطلح صياغة فلسفية، وعلمية دقيقة ويظهر التفرقة الواضحة بين الصياغتين، وهو ما نراه في تفسيره لموقف والتر ستيس من مصطلح المعطيات الحسية – ومصطلح الصورة ومصطلح التصور، ومصطلح العالم؛ فنراه يتفق مع رسل فى أن المعطيات الحسية هي المفردات الأساسية، وأن الموضوعات الفيزيائية هى دالات لمعطيات حسية، وأنها بناءات منطقية من معطيات حسية يمكن أن تنحل إليها، وهو ما يمكن تسميته ميتافيزيقا الذرية المنطقية، وان هذه المعطيات الحسية موضوعية وليست ذاتية، وهى لا تظل بعد أن ينتهى كونها معطيات، فالقول بذاتيتها ناتج عن عدم التمييز بين المعطى الحسى و" الاحساس" الذى هو الواقعة التي تعتمد على وعى الذات بالمعطى الحسى، والاحساس شئ مركب تكون فيه الذات مكونا من مكوناته (كما قال الدكتور ناصر هاشم)  .

هكذا تمتع محمد مدين بالروح الفلسفية التي تتميز بالرغبة العارفة في البحث والسعي نحو المعرفة، والتفلسف عنده إنما يعني ثمة أشياء لا زال علينا أن نراها أو نقولها – وأثبت لنا أن الفيلسوف لا يملك سوى أن يعيد وضع المشكلات لحسابه الخاص مدركاً في الوقت نفسه أنه مهما فعل فإنه لن يكون سوى مجرد مبتدأ دائماً أبداً. رغم اهتمامه الشديد بالفكر والفلسفة الغربية إلا أن روح الإسلام السمح المستنير لا تفارقه أبداً وتطل في كل أفكاره ومواقفه .

كان مدين يري " أن الإلمام بالتحليل يُعد أمراً حيوياً لفهم الموقف الفلسفي اليوم، وذلك علي كل مستويات الفاعلية الإنسانية من منطق، ونظرية معرفة، وأخلاق، ولغة، ... إلخ. ويري أن من الخطأ القول بأن الفلسفة التحليلية مدرسة واحدة وكأنها فكر متجانس. وأن فكرة التحليل تحوي بداخلها عملية النقد وقد أثبت مدين ذلك عندما قال أن فلسفة هيوم في حقيقتها هي محاولة لاكتشاف مدي وقوة الفهم الإنساني . فالتحليل هو صورة من صور النقد وهو بداية النقد.

ولذلك يمكن القول بأن تحليلية مدين هى تحليلية منهجية وهى تحليلية انتقائية، فالتحليل عنده يعد من أنسب المناهج الملائمة للفلسفة والتربية والعلم، كما أن دور التحليل هو دور علاجي أساسي، حيث يوضح وينير العقل بالكشف عن مصادر البلبلة أو الارتباك في  المفاهيم، فالتحليل عند محمد مدين لا يحل المشكلات الفلسفية والعلمية فحسب، بل يزيلها.

تحيةً للدكتور محمد مدين، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.. فأطلقوا عليه فى حفل تكريمه (المفكر الأبرز في القرن العشرين مكملاً لجورج مور).

وتحيةً مني لرجل  لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا فيه قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

ضياء نافعسألني رأسا ما ان جلست في سيارة الاجرة التي كان يقودها وبدون اي مقدمات – هل انت يهودي ؟ تعجبت من سؤاله، وقلت له انني عربي من العراق، وسألته عن سبب هذا السؤال الغريب والعجيب، فأجابني قائلا، انه داغستاني، ويستطيع ان يميّز رأسا انني لست من مناطق القوقاز المعروفة لديه مثل اذربيجان او ارمينيا او جورجيا او غيرها، ولهذا فانه سألني هذا السؤال، اذ لم يخطر بباله بتاتا انني اجنبي. ضحكت انا، وقلت له، ان معرفته بعلم الاجناس هذه المرّة لم تنجح، فاعترف بذلك واعتذر منّي اعتذارا شديدا جدا وكرّره، وقال لي وهو يضحك – (سأحكي لاصدقائي هذه الغلطة الكبيرة التي ارتكبتها بحق عربي من العراق) . وهكذا بدأنا بالدردشة وهو يقود سيارة الاجرة في شوارع موسكو، وطالت الدردشة تلك بسبب الازدحام الشديد في شوارع العاصمة الروسية الضخمة، والتي يسميها البعض دولة كاملة داخل الدولة الروسية . تحدثنا طبعا عن اوضاع داغستان الان، اذ اني شاهدت في عاصمتها مخجكلا (محج قلعة) قبل عدة سنوات كثيرا من نقاط الحراسات في شوارعها حيث تقف قوات من الجيش والشرطة بشكل دائم، فقال ان نشاط الارهابيين هناك مستمر، ولا يريدون له ان ينتهي، وذلك لأن هذا النشاط يصب في صالح الفساد الاداري السائد في داغستان، اذ ان القضاء على ارهابي واحد يكلف الخزينة اكثر من سبعة ملايين روبل، تعجبت انا مرة اخرى وسألته – من اين لديك هذا الرقم الدقيق والغريب، وهل هو نتيجة احصاءآت رسمية ؟ فقال ضاحكا – لا لا، ولكننا هكذا نقول في احاديثنا العامة في الشارع الداغستاني، فسألته - اليست هذه مبالغة؟ فقال - لا لا، فمن الذي يحسب عدد الاطلاقات النارية، التي يطلقها افراد الشرطة والجيش عند التصادمات مع الارهابيين؟ وهذا بالذات ما يستغله الفساد الاداري في تلك الاجهزة، وقال ضاحكا – (و يضربون الرقم في مئة عندما يقدمون التقرير النهائي، وهي صفقة مغرية جدا، وتدر ارباحا خيالية ويتقاسمها الجميع من كبيرهم الى صغيرهم!). سألته عن هؤلاء الارهابيين وماذا يريدون، فقال انهم يريدون الانفصال عن الدولة الروسية واعلان دولة داغستان الاسلامية، وان هدفهم هذا خيالي جدا ويتعارض مع واقع داغستان ولا تتقبله الاكثرية من الداغستانيين، ولن يتحقق ابدا، ولكن العوامل الخارجية والفساد الا داري يلعبان دورا في كل هذه القضية المعقدة . وسألني فجأة – هل تعرف شاعرنا رسول حمزاتوف؟ فقلت له طبعا اعرفه، وهو معروف جدا لكل القراء العراقيين، فارتاح جدا لجوابي، وقال، ان حمزاتوف صرح في اواخر حياته، انه متألم جدا من تلك الافكار التي كانت شبه سا ئدة تقريبا لدى الكثيرين من الداغستانيين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي حول ضرورة انفصال داغستان مثل ما قامت به جمهوريات القوقاز السوفيتية المجاورة لنا كأذربيجان وارمينيا وجورجيا، وكان حمزاتوف ضد تلك النزعة، وضد الانفصال عن روسيا باي حال من الاحوال، وقال السائق مضيفا – (ونحن نفهم الان في داغستان كم كان حمزاتوف محقا). انتقل السائق الداغستاني للحديث عن ايام الاتحاد السوفيتي، وقال ان والديه يحنان لحد الان الى تلك الايام الخوالي، حيث كانت حياتهما مستقرة ومريحة كليا، وكان عملهما وراتبهما وتقاعدهما وعلاجهما مضمونا بكل معنى الكلمة، فسألته – (وانت ايضا تحن الى الاتحاد السوفيتي ؟)، فأجاب – ليس مثلهما، اذ كانت هناك اشياء ايجابية رائعة، ولكن كانت هناك ايضا الكثير من السلبيات، وضحك وقال – (لم يكن باستطاعتي مثلا ان اتحدث بهذه الصراحة مع اجنبي ، كما اتحدث معك الان).

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمد الدعميثمة قصة هزت كياني وآلمتني كثيرا، أود تعريف القرّاء الأعزاء بها. بدأت يوم سمعت بوفاة زميلتي الأستاذة الدكتورة “حياة شرارة” سنة 1997. وإذا لم تكن مأساة شرارة بمفاجئة على المتابعين والعاملين بكليتنا آنذاك (كلية اللغات بجامعة بغداد)، إلا أنها أطلقت تيارا من الاستذكارات والارتجاعات في دخيلتي: إذ طالما ألقيت على الأستاذة حياة الشرارة التحية مشفوعة بوصف “حمامة السلام”، كلما صادفتها في إحدى باحات أو ممرات الكلية، فما كان منها إلا أن تبتسم بفتور بطريقة توافق الوصف وهي تسعى إلى حيث تريد بقوامها النحيف. إلا أني كنت على ثقة بما كان يعتمل في دواخلها من آلام مبرحة وتفاعلات ساخنة عكست بمجموعها ما قاسته هذه الذهنية الفطنة من تضييق وتجاوزات مذ اضطرت إلى الخروج من النجف الأشرف مع عائلتها للاستقرار في بغداد. وكذلك منذ ما قاساه والدها المتفتح من مضايقات البوليس السري حتى ذهبت إلى موسكو لدراسة الدكتوراه ثم كتابة أطروحتها الموسومة “تولستوي إنسانا”، وبعد ذلك انتظامها بالعمل في القسم العربي لوكالة “تاس” السوفييتية، وهو العمل الذي زاد من طول بقائها تحت المجهر الحكومي فيما بعد، خشية الدعاية السياسية اليسارية المضادة للسلطات آنذاك.

هي كانت تدرك بأنها ليست هدف تلصص الجواسيس الحكوميين المحترفين أينما ذهبت، بل كانت تعرف جيدا أن الصفوف الدراسية التي كانت تلقي بها محاضراتها في الأدب واللغة الروسية إنما كانت ملغومة بالطلاب (الوكلاء) أي من وكلاء الدوائر الأمنية التي تطالب هؤلاء الطلاب بالتقارير المتواترة عن كل أستاذ جامعي، خصوصا إذا كان الأستاذ المعني ذا سمعة “معارضة”، أي من نوع المغفور لها شرارة. وإذا كانت جذور أسرة شرارة تضرب بعيدا عن بغداد في لبنان، فإنها أبت أن تترك العراق برغم تعرضها للمضايقات أعلاه حد التيئيس وحد إلقاء زوجها في غياهب السجون على ثمانينيات القرن الماضي، تاركا عليها أعباء ابنيتها الكبرى والصغرى، الأمر الذي قادها إلى حال من السوداوية والشعور بالاضطهاد واليأس.

ومع ذلك أبت هذه المرأة الذكية أن تغادر الحياة دون رواية بعنوان (إذا الحياة أغسقت)، عاكسة ما قاسته من ظلم وجور حد اضطرارها للانتحار جماعيا مع ابنتيها في عملية مخططة، لا تقبل الخطأ أو السهو: إذ جلست هي أولا إلى مائدة الإفطار في المطبخ ثم تلتها ابنتاها المسكينتان (عن قناعة) بعد غلق كافة منافذ المطبخ، ثم لتفتح أنبوب الغاز في انتظار حضور المنية. توفيت شرارة مع ابنتها الكبرى، إلا أن ابنتها الصغرى كانت قد نجت مصادفة وهي تنازع الموت في ذات المكان، ربما لتحكي حكاية مآسي المناضلين من أجل الحرية في عالم ظالم

 

د. محمد الدعمي

 

علاء اللاميزرياب، الموسيقار الذي ابتكر فن الذوق العام "الإتيكيت"، وعلَّم الأوروبيين كيف يأكلون ويلبسون ويجلسون وأسس أول مدرسة موسيقية غنائية!

* هو أبو الحسن علي بن نافع الموصلي ولد في الموصل شمالي العراق سنة (789م - 173 هـ) وتوفي في قرطبة بالأندلس سنة (857م / 243 هـ هـ).

* سمي على اسم طائر أسود عذب الصوت هو الزرياب ويسمى أيضا الشحرور فقد كان زرياب أسمر البشرة عذب الصوت. وقد عاصر الخليفة العباسي الرشيد وأعجب به الأخير شديد الإعجاب وأوصى به إسحق خيرا ولكن هذا الأخير داخله الحسد والغيض وخير تلميذه بين أن يرحل عن بغداد او أن يقتله!

فهرب زرياب من بغداد وتوجه إلى بلاد الشام ثم إلى شمال إفريقيا وأقام ردحاً من الزمن في بلاط بني الأغلب في القيروان إلى أن قرر التوجه إلى الأندلس.

* زرياب عبقري الموسيقى ومتعدد المواهب. فهو مبتكر فن الذوق العام والذي يسمى اليوم بـ "الإتيكيت"، والذي مثل حلقة وصل هامة في نقل مظاهر الحضارة الاسلامية والشرقية من بغداد إلى الاندلس ومنها إلى أوروبا والعالم أجمع

* عرض عليه خليفة الأندلس عبد الرحمن الثاني، حين وصل إلى قرطبة، قصراً وراتباً شهرياً قدره مائتا دينار، وتقول بعض المصادر أنه قدم له كل هذه الأعطيات وأعطيات أخرى حتى قبل أن يسمعه يغني. وسرعان ما غدا زرياب شخصاً معروفا في قصر الخليفة والبلاد.

* نقل زرياب من بغداد أجمل ما فيها عهد ذاك إلى الأندلس وليس الغناء والموسيقى فحسب، فقد نقل أحسن الأقمشة وأزهى الألوان من بيوت الخلفاء إلى بيوت النبلاء. ولم يكن أثر زرياب مقصوراً على تطوير الموسيقى والغناء بالأندلس، وتجديده فيهما، وسحر أهلها بحسن صوته وجمال أدائه وإعجاز فنه، وتبحره فيه، حتى قيل أن ما حفظه منه تجاوز الألوف من الألحان والأغاني.

* ينسب إليه أنه ارتقى بالذوق العام في الأندلس، ووصفوه بأنه الرجل الأنيق في كلامه وطعامه. وكيف كان يلفت الأنظار إلى طريقته في الكلام والجلوس إلى المائدة أيضا. وكيف يأكل على مهل ويمضغ ويتحدث ويشرب بأناقة.

* فكان إذا جلس إلى مائدة الطعام وضع على مائدته الكثير من المناديل: منديل لليدين وآخر للشفتين وهذا للجبهة وهذا للعنق.

* كان زرياب أول من لفت أنظار النساء إلى أن مناديل المرأة يجب أن تكون مختلفة اللون والحجم وأن تكون معطرة أيضا.

* أدخل زرياب إلى أوروبا عبر الأندلس نظام الوجبات الطعام الثلاثية الأطباق: تبدأ بالحساء (الشوربة)، ثم يتبعها الطبق الرئيسي، إما من اللحم، أو السمك، أو الطيور، ثم تختتم بالفواكه والمكسرات.

* كان له ذوقه الخاص وطريقته في تنسيق الموائد وتنظيمها واتخاذ الأكواب من الزجاج الرقيق بدلا من المعادن، وابتكار الأصص للأزهار من الذهب والفضة.

* ومن الأطعمة التي ابتكرها أو نقلها معه من بغداد النوع المسمى على حد تعبيرهم (النقايا) وهو مصطنع بماء الكزبرى محلى بالسنبوسق / السنبوسة (نوع من المعجنات المحشوة باللوز والفستق والسكر (يشبه القطائف).

* أدخل إلى المطعم الأندلسي فالإسباني والأوروبي لاحقا طعام (الهليون) وهي بقلة لم يكن أهل الأندلس يعرفونها قبله، وقد سموها بلسانهم (الاسفراج). وتسمى اليوم باللغة الفرنسية " إسبيرج".

* إلى الآن ينسب نوع من الحلوى إليه في الشرق يسمونه (زلابيه) وهو تحريف عن (زريابية).

وقد اشتهر عنه إقامة الولائم الفخمة وتنسيقها وترتيبها وكان ذلك كله النواة الأولى في فخامة قصور ملوك الأندلس وبيوت الأغنياء وأناقتهم. وفي الزي والتصميم تخير زرياب البساطة والتناسق والرشاقة.

* علم الناس الشُرب في الأواني الزجاجية بدلاً من الأدوات المصنوعة من الذهب والفضة، ونقل إليهم طرق تسريح الشعر للرجال والنساء وتنظيف الأسنان بمادة أشبه بالمعجون.

* أدخل الشطرنج إلى الأندلس ومنها إلى أوروبا، و(الشاه مات/ شيخ مات) بالعربية ما زالت مستخدمة في أوروبا والعالم إلى اليوم.

* يعتبر زرياب هو السبب في اختراع الموشح لأنه عمم طريقة الغناء على أصول النوبة، وكانت هذه الطريقة هي السبب في اختراع الموشح. وقد أدخل زرياب على فن الغناء والموسيقى في الأندلس تحسينات كثيرة.

* زاد زرياب بالأندلس في أوتار عوده وتراً خامساً اختراعاً منه، مع صديقه بن نعيمة حيث إذ لم يزل العودُ بأربعة أوتار على الصنعة القديمة، فزاد عليها وتراً آخر متوسطاً، فاكتسب به عوده ألطَفَ معنى وأكمل فائدة.

* بنى الخليفة في قرطبة داراً خاصة سمّاها دار المدنيات فكانت أول معهد للموسيقى في الأندلس، عميده زرياب، وقد اتخذ من أبنائه وبناته وجواريه أساتذة لمساعدته على تطور فن الموسيقى والأداء. وكان المنهاج الدراسي لهذا المعهد يشمل تعليم مختلف أنواع العزف، والغناء، والتلحين، والشعر بسائر عروضه، والرقص -وكان الإقبال عليه عظيما- يقصده الطلاب من كل فج، العرب وغير العرب، من الأندلس وخارجها. مما كان ذا أثر عظيم بالنهوض بفنون الموسيقى والشعر في تلك البلاد التي امتد الكثير من فنها إلى أوروبا.

* توفي في قرطبة سنة (243 هـ الموافق ل857 م).

* ليس له تمثال واحد أو شارع أو مَعْلَم يحمل اسمه في البلد الذي ولد فيه، العراق، ولكن له نصب تذكاري جميل في إحدى الساحات العامة بمدينة قرطبة الإسبانية اليوم.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

........................

* أعدت هذه المادة من الموسوعتين المفتوحتين / المعرفة وويكيبيديا ومصادر أخرى.

 

محمود محمد عليعرفت الدكتور محمد فتحي عبدالله (1945-2018) منذ تسعينيات القرن الماضي، عندما جاء ليناقشني في رسالتي للدكتوراه التي كان يشرف عليه أستاذنا الدكتور عاطف العراقي، في موضوع بعنوان " المنطق وعلاقته بالفقه عند الأشاعرة "، وقد كانت مناقشته أكثر من رائعة ؛ حيث ارتقي بها من المستوي العادي للمناقشة إلي مستوي مناقشة الفكر، والحق أقر أنني استفدت منه كثيراً. كذلك كان الدكتور محمد فتحي أحد أعضاء لجنة الفحص (في تعييني مدرساً للمنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب – جامعة حلوان، والتي تضم معه الأستاذ الدكتور حسن عبد الحميد والأستاذ الدكتور علاء حمروش رحمه الله)، وعندما نُقلت من جامعة حلوان إلي جامعة أسيوط في عام 1996م أخذت علاقتي به تتوطد وتزداد، خاصة بعد قبول سيادته تدريس مقررات الفلسفة اليونانية-  سواء في مرحلة التعليم الجامعي (الليسانس) أو لطلبة السنة التمهيدية للماجستير بقسم الفلسفة بجامعة أسيوط .

وخلال تلك الفترة أدركت أن محمد فتحي بالنسبة لي ليس مجرد أستاذ عادي، إنه نموذج متفرد في عالم الفلسفة والفكر، فعندما تستمع إليه في حلقات البحث والنقاش، وفي الندوات أو المساجلات الفكرية تجد نفسك أمام عالم كبير يصعب أن يصمد أمامه أي منافس أو محاور أو مجادل . ولكن عندما يلتقي معنا في بيته، أو في أمسيات ولقاءات خاصة تجمع بينه وبين تلاميذه المقربين تجده بسيطاً ومتواضعاً ووديعاً مسالماً مثل طفل برئ .

وعندما يكتب عن الفلسفة اليونانية أشعر بأن أنفاسه تترد بين الكلمات، وأن روحه المترددة القلقة تبعث بداخلي حيرة جميلة، وتثير في أعماقي السؤال تلو السؤال . ومحمد فتحي علي الأوراق هو محمد فتحي في الحياة .. لا فرق بين الإنسان المبدع .. كلماته عندما يحادثك هي نفسها كلماته التي يكتبها . وعندما أقرأ عبارة واحدة أو سطراً له في كتاب أو بحث ما لست بحاجة إلي أن أبحث عن الاسم، فاسمه منقوش بثنايا كلماته وتراكيب عباراته .

وكم أُحار عندما أكتب عن محمد فتحي، وأي الطرق أسلك، وأي الفضاءات أرتاد؟ تُري هل أتحدث عن أفكاره في الفلسفة اليونانية، أم رؤاه في المنطق، أم موقفه النقدي، لا شك أن هذا العالم الخصب لا يمكن اختزاله في مقال، إن الأمر يحتاج إلي مئات الصفحات، لذلك فقد حاولت جهدي أن أفتش عن خيط واحد يجمع كل هذه الاهتمامات المتنوعة، ويوحد كل هذه الجوانب، فاكتشفت أن محمد فتحي يصعب أن نصفه أو نحصره داخل تيار فكري محدد، فيصعب أن نصفه بأنه ماركسي أو وجودي أو بنيوي .. أو غيره من التيارات .. إنه كل هؤلاء، بمعني أنه استوعب فلسفات عصره وصهرها جميعاً في بوتقة فكره، وأخرج لنا في النهاية رؤية فلسفية قوامها : أنّ النقد هو روح الفلسفة وقلبها النابض، وهو الباعث الأساسي لتحولاتها المتتابعة منذ نشأتها العقلية والمنهجية الأولى عند الإغريق حتى صورها وأشكالها المختلفة عند المحدثين والمعاصرين، فقرر أنه لا يمكن أن يكون هناك مفكر أصيل بدون موقف نقدي، فالموقف النقدي هو بمثابة نقطة الانطلاق، كما أنّه ليس ثمة معرفة مقبولة إلا بعد بحث وفحص وتمحيص، فالنظرة النقدية تكون الحافز والدافع للباحث لسبر غور موضوعه، ولولا النظرة النقدية للظواهر الكونية ولفكر السابقين لما وجد لدى الباحثين والعلماء والمفكرين موضوعات للبحث والدراسة، ولأصبح الإنسان تابعاً لا مبدعاً، مقلداً لا مجدداً، وبدون هذه النظرة أيضاً تموت روح الابتكار والإبداع.

والدكتور محمد فتحي من مواليد محافظة الاسكندرية بجمهورية مصر العربية 1945 م، فقد بصره صغيراً في سن الطفولة، وتخرج من كلية الآداب جامعة الاسكندرية- قسم الفلسفة والاجتماع سنة 1970 م بتقدير جيد، وحصل علي دبلوم في حياة وتعاليم المسيح بالمراسلة من المدرسة الإنجيلية بنبراسكا بالولايات المتحدة الأمريكية بتقدير ممتاز سنة 1971م، ثم دبلوم في التذوق الموسيقي من مدرسة هادلي للدراسة بالمراسلة بولاية الينوي بالولايات المتحدة الأمريكية فبراير عام 1972 م بتقدير ممتاز، ثم دبلوم في اللغة اللاتينية والأدب الروماني من مدرسة هادلي للدراسة بالمراسلة بولاية الينوي بالولايات المتحدة الأمريكية فبراير عام 1973 م بتقدير ممتاز.

ثم بعد ذلك حصل علي درجة الماجستير في الآداب من قسم الفلسفة كلية البنات - جامعة عين شمس تخصص "فلسفة يونانية" بتقدير ممتار أغسطس عام 1978 م وموضوعها "الاتجاه التجريبي في فلسفة أرسطو"، وكان ذلك تحت إشراف الأستاذ الدكتور "عاطف العراقي" رحمه الله. ثم حصل علي درجة الدكتوراه من كلية الآداب – جامعة الاسكندرية 1984 م في تخصص "الفلسفة اليونانية" وموضوعها " الجدل بين أرسطو وكنط"، وكان ذلك تحت إشراف الأستاذ الدكتور "محمود فهمي زيدان" رحمه الله . أثري المكتبة العربية بالعديد من الكتب والمؤلفات في تخصص الفلسفة اليونانية والمنطق، وتنوعت أعماله ما بين أبحاث نقدية ومعاجم ودراسات في تاريخ الفلسفة، كما ساهم بكتابة بعض المواد العلمية بعدد من الموسوعات.

اتجه محمد فتحي للسلك الجامعي حيث تم تعيينه مدرساً مساعداً بكلية الآداب – جامعة طنطا في 5/11/1979، ثم عين مدرساً للفلسفة اليونانية بذات القسم في 30/4/1984م، وترقي إلي درجة أستاذ مساعد بنفس القسم وبذات الكلية اعتباراً من 31/1/1990م، ثم ترقي إلي درجة أستاذ للفلسفة اليونانية بنفس القسم وبنفس الكلية اعتبارا من 17/9/1995م . كما تم تعيينه رئيساً لقسم الفلسفة بنفس القسم ونفس الكلية اعتباراً من 6/8/1995م حتي 15/10/1998م لمدة ثلاث سنوات ورئيس قسم الفلسفة بنفس القسم ونفس الكلية اعتباراً من 6/8/2003م حتي 31/7/2005م، وأستاذ الفلسفة اليونانية المتفرغ بنفس القسم ونفس الكلية اعتباراً من 1/8/2005 .

ومن مؤلفاته الفلسفية علي سبيل المثال لا الحصر: كتاب الجدل بين أرسطو وكنط، وكتاب دراسات في الفلسفة اليونانية (بالاشتراك مع الدكتور علاء عبد المتعال)، وكتاب الفلسفة اليونانية مدارسها وأعلامها من طاليس إلي أفلاطون جزآن (بالاشتراك مع د. جيهان السيد شريف)، وكتاب انتقال الفلسفة اليونانية إلي العالم الإسلامي، وكتاب قوانين الفكر بين أرسطو وهيجل دراسة مقارنة، وكتاب المعرفة عند فلاسفة اليونان، وكتاب النزعة التجريبية عند د. زكي نجيب محمود، وكتاب معجم مصطلحات المنطق وفلسفة العلوم للألفاظ العربية والإنجليزية والفرنسية واللاتينية، وكتاب مترجمو وشراح أرسطو عبر العصور، وكتاب المدرسة الفيثاغورية، وكتاب النحلة الأورفية أصولها وآثارها في العالم الإسلامي ... الخ.

ولم يكن محمد فتحي ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية من الحياة، ويعرف كيف يتذوقها ويُرضي بها حسه المرهف. ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث.

ولذلك قام محمد فتحي بالتدريس في تسع جامعات مصرية، واشترك في الإشراف علي رسائل علمية في 12 جامعة مصرية، وناقش مئات الطلاب في مختلف تخصصات الفلسفة علي مدار سنوات، وحكم مئات الأبحاث في تخصص الفلسفة داخل وخارج مصر، وكان عضواً باللجنة العلمية الدائمة للترقيات بالمجلس الأعلى للجامعات، وعضواً بلجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضواً بلجنة الديانات والفلسفة بمكتبة الاسكندرية.

وقد شارك محمد فتحي في إنشاء مراكز لرعاية الطلاب المكفوفين في الجامعات المصرية، وشارك في العديد من المؤتمرات الدولية، وقام بتحكيم المقررات الدراسية الفلسفية بوزارة التربية والتعليم .امتدت اهتماماته العلمية إلي ما وراء مجال الفلسفة .

كما اُشتهر بنشاطه الكبير وعلمه الغزير وتمكنه في مجال تخصصه، وتتلمذ علي يديه المئات من الطلاب في مختلف جامعات مصر، وحصل الكثير من طلابه بهيئات التدريس علي درجة الاستاذية، وعُرف عنه طيب القلب ونظافة اليد ودماثة الخلق، فكان نعم الأستاذ والأب والأخ والصديق، استمر بالتدريس والتأليف والإشراف علي الرسائل العلمية ومناقشتها دون انقطاع علي مدار أكثر من ثلاثين عاما إلي أن لبي نداء ربه في الثاني من أكتوبر عام 2018 .

وحين توفي كتب نعياً في حقه (نشرته في بوست علي مواقع التواصل الاجتماعي) بعنوان" وداعا محمد فتحي عبد الله أستاذ الفلسفة بآداب طنطا"؛ حيث قلت : فقدنا بالأمس الأستاذ الدكتور محمد فتحي عبد الله، المفكر الكبير، والمعلم القدير، والصديق العزيز. ليس من بين أستاذة الفلسفة اليونانية من يضاهيه في سعة الأفق، أو القدرة على الاندهاش والإدهاش، أو بلاغة وبساطة التعبير، أو الحضور الطاغي، أو خفة الظل. سوف أفتقده كثيرا، كما سوف يفتقده الكثيرون ممن عرفوه، عن قرب أو بعد، وهمُ كثر. وداعا أيها الصرح الفكري والوطني الشامخ".

كما كتب عنه الدكتور مصطفي النشار (في مقاله نشرت بجريدة الوفد بعنوان د. محمد فتحي عبدالله) فقال في حقه :" لقد عرفته في أواخر سبعينيات القرن الماضي شاباً كفيفاً جاء ليعطى أحد أساتذة القسم رسالته العلمية التى أعدها للمناقشة وكانت عن الجدل بين أرسطو وكانط، وتعجبت من ذلك متسائلاً ألم يكن يكفيك دراسة الجدل عند أحدهما فهما فيلسوفين كبيرين ومؤلفاتهما في غاية الصعوبة ومن عصرين مختلفين والمقارنة بينهما تقتضى الإلمام بالمحيط الفكري للعصر اليوناني ويقف أرسطو على قمته والعصر الحديث وكان ذروته كانط فكانت ابتسامته الصافية خير رد وكأنه يقول لقد تعود على اجتياز الصعب دائماً فقد كان يتقن اللغة اليونانية ودرسها على أحد الأساتذة الأجانب، بالإضافة إلى الإنجليزية وكان يجيد اللغة العربية إجادة المجمعيين (أى أعضاء مجمع اللغة العربية).. وكنت أسمع من أساتذتي وزملائي عن كيف أنه وهو الكفيف يدرس ببراعة المنطق الصوري رغم صعوبة ذلك على من في نفس ظروفه وهو منطق أرسطي فى الأساس والأعجب أنه درس أيضاً المنطق الرمزي الحديث الذى يعجز عن فهمه وتدريسه المختصون فيه من المبصرين فإذا هو يدرسه بكل بساطة ويسر ويصر على ذلك عدة سنوات. لقد كان مثالاً للتحدي وقوة الإرادة ولا يقارن في ذلك إلا بعميد الأدب العربي د. طه حسين.

ويستطرد د. مصطفي النشار فيقول : "... وكم كان دقيقاً فى ملاحظاته ومناقشاته التفصيلية للرسائل العلمية، ويناقش الطلاب في أدق التفاصيل، ولعله بذلك كان يتحدى قدراتهم البصرية، وعدم دقتهم فى مراجعة ما يكتبون سواء في الأخطاء اللغوية، أو حتى الأخطاء المطبعية، وكذلك فى كتابة بيانات المصادر والمراجع. وقد كان موسوعة متحركة تعرف تلك المصادر والمراجع بطبعاتها المختلفة سواء في لغتها الأصلية، أو في تراجمها العربية. لقد فقدت بوفاته متعاً فكرية وإنسانية لا تعوض؛ فلقد كان في كل المواضع التي تزاملنا فيها سواء في عضوية لجان الترقيات أو عضوية المجلس الأعلى للثقافة على عكس الكثيرين من الأصدقاء والزملاء عف اللسان لا يذكر أي زميل إلا بما فيه من خير ولم أسمع منه يوماً ذماً لزميل أو لوماً لآخر، لقد كان خلقه الرفيع وتربيته العالية وأصله الكريم فضلاً عن علمه الغزير يمنعه من ذلك ويقوده دوماً إلى كل فعل كريم وإلى كل قول كريم، لقد كان سنداً للجميع وخاصة للضعفاء والمظلومين من الزملاء والطلاب ولا شك أن كل ذلك سيبقيه حياً في القلوب والعقول رغم أنه فارق دنيانا الفانية في الثاني من شهر أكتوبر الحالي رحمه الله وغفر له جزاء ما قدمه لبلده وجامعته وطلابه".

وبعد هذه الشهادة التي أدلاها د. مصطفي النشار في حق محمد فتحي نقول : لقد كان محمد فتحي نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا اخلاصهم لإسلافهم بالانغلاق، والتزمت، وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء .

كما كان محمد فتحي واحداً من كبار الرواد في دراسة الفلسفة اليونانية في مصر، والعالم العربي الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة اليونانية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

تحية طيبة لمحمد فتحي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله الدكتور محمد فتحي، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت امرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

محمد فتحي عبدالعاللقد ارتبطت أغلب الطقوس الرمضانية التي تبعث علي السرور والبهجة في النفوس بالعصر الفاطمي وأولها فانوس رمضان ولقد أرتبط ظهوره لاول مرة بيوم دخول المعز لدين الله الفاطمى مدينة القاهرة قادماً من المغرب في الخامس من رمضان عام 358 هجريَّة، حيث خرج المصريون في موكب كبير ضم جم غفيرمن الرجال والنساء والأطفال للترحيب بالمعز والذي كان وصوله ليلا، وبالتالي كان من الطبيعي أن يحملوا المشاعل والفوانيس الملونة والمزينة وذلك لإضاءة الطريق للوصول إلي موكبه ومن يومها صار الفانوس عادة مرتبطة بمجيء رمضان ولكن ما الذي جعل المصريون يخرجون لاستقبال المعز دون حشد أو ارغام ؟؟ لقد سبق دخول المعز لمصر رحلة تمهيدية واستكشافية من القائد جوهر الصقلي لمصر حيث نزل بموقع اسمه "المناخ"، منتهجا اسلوبا دبلوماسيا ناعما وسلميا ومراعيا التنوع الديني للمصريين فمنحهم الأمان في وثيقة كتبها بخطه بلغة بسيطة يفهمها كل مصري كما أعلن في خِطبة الجُمعة الأمان لأهل السُنَّة وللمسيحيين واليهود مؤكدا علي حرية العبادة للمصريين وهو المسار الذي سار عليه غالبية الحكام الفاطميين فالخليفة الفاطمي العزيز بالله تزوج من سيدة قبطية، وهى «ست الملك» وقد تمتعت بنفوذ كبير في عهده .ومن أروع الصور التي تعكس هذا التسامح بناء مسجدا بدير سانت كاترين والذي قيل أن بناءه كان في عهد الحاكم بأمر الله اتقاءا لشره ونيته في هدم الدير !!! والراجح بناءه في عهد الخليفة الفاطمى الآمر بأحكام الله بحسب بعض الدراسات.

أما أصل كلمة فانوس فيعود إلى اللغة الإغريقية وتعني وسيلة للاضاءة، ويذكر الفيروز أبادي مؤلف كتاب القاموس المحيط أن أصل كلمة فانوس هو (النمام) لأنه يظهر صاحبه وسط الظلام وكان الأطفال يخرجون حاملين الفوانيس ليضيئوا الطريق مبتهجين ومنشدين الأغاني الجميلة في أيام الشهر الكريم و خلال العصر الفاطمي، كانت النساء يشترطن عند الزواج حق الخروج من بيوتهن للاحتفال بمناسبة حلول رمضان وكان يسبقهنَّ غلام يحمل فانوساً لتنبيه الرجال بوجود سيدة في الطريق لكي يبتعدوا فيستمتعن النساء بالخروج بعيدا عن الرجال.

كان الاحتفال بشهر رمضان في أول يوم منه بركوب الخليفة من القصر الشرقي الكبير ويصحبته وزيره ومحاطا بحرسه الخاص فيقطع موكبه الشوارع حتى يصل جامع عمرو بن العاص (الجامع العتيق)، فإذا وصل إلى بابه وجد في انتظاره خطيب المسجد وبيده المصحف المنسوب خطه إلى علي بن أبي طالب، فيتناوله ويقبله ثم يأمر بتوزيع بعض المنح والهدايا على خطيب المسجد ومؤذنيه فإذا انتهى من الصلاة استأنف سيره إلى دار الملك. وكان ركوب الخليفة الفاطمي في غُرة رمضان بمثابة الاحتفال برؤية الهلال عند أهل السنة فقد كان الفاطميون لا يعتمدون علي الهلال في بدء الصوم مفسرين قول النبي صلي الله عليه وسلم : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» بأنها رؤية استبصار لا رؤية إبصار ومن ثَمَّ اعتمدوا علي علم الفلك والحساب،وشيدوا عددا من المراصد الفلكية منها مرصد الجيوشي بجبل المقطم ومرصد المأمون بباب النصر وأسسوا تقويمًا قمريًّا يحسبون بمقتضاه سير القمر، ويقدِّرون منازله حتى يحددوا ميعاد هلال رمضان بدقة، فجعلوا الشهور العربية شهرًا تامًّا، وشهرا ناقصًا دائمًا، وبذلك أصبح شعبان ناقصًا دائمًا ورمضان تامًّا دائمًا، ومن هذا التقويم عرفوا متى يبدأ رمضان ومتى ينتهي، دون الأعتماد علي الرؤية البصرية للهلال لهذا فقد هدموا "دكة القضاة" الخشبية و المقامة أعلى سفح جبل المقطم و التي كان كان القضاة يتحرون من خلالها رؤية الهلال في الازمنة السابقة . أما عند العيد فيذكر أبو المحاسن في كتابه «النجوم الزاهرة» عن مظاهر الاحتفال بعيد الفطر عند الفاطميين:  (كان يقام في ليلة عيد الفطر بالإيوان الكبير الذى يواجه مجلس الخليفة سماط ضخم يبلغ طوله نحو ثلاثمئة ذراع في عرض سبع أذرع وتنثر عليه صنوف الفطائر والحلوى الشهية، فإذا انتهى الخليفة من صلاة الفجر عاد إلى مجلسه وفتحت أبواب القصر والإيوان على مصاريعها وهرع الناس من جميع الطبقات إلى السماط الخليفي وتناولوا الطعام).

نأتي الي مأدبة الرحمن والتي ارتبطت بالعهد الفاطمي وقد حملت فى البداية اسم "دار الفطرة"فإن أول من أقامها هو الخليفة العزيز بالله الفاطمى، حيث مد أول مائدة بجامع عمرو بن العاص، وأقام واحدة بجامع الأزهر بداية من شهري رجب وشعبان. فكان يخرج من مطبخ القصر على مدار شهر رمضان ما يزيد عن ألف قدر يوميا، محتوية علي ألوان شتي من الأطعمة لتوزيعها على الفقراء عند الإفطار، وبعدها يجلس الخليفة فى شرفة كبيرة فى قصره حتي يحين وقت الإفطار، ويقضى الوقت فى سماع القرآن الكريم ومشاهدة حلقات الذكر. ويستمر ذلك الطقس البديع حتى انتصاف الليل، وبعدها يأمر الخليفة بتوزيع الهدايا على الفقراء حتى يحين موعد السحور، لتوضع مائدة عامرة فى نفس مكان الإفطار.

ومن أشهر الأسواق التي تشهد رواجا شديدا في رمضان الفاطمي سوق الشماعيين حيث كان رمضان موسمًا لبيع الشموع الكبيرة، وسوق الحلاويين الذي كانت تباع فيه الحلوى متخذة أشكال أنيقة وسوق السمكرية الذي كان يعج بالياميش وقمر الدين.

ومن العصر الفاطمي ننتقل الي العصر الايوبي ومع محدودية المصادر التي يمكن الارتكان لها الا أن الواضح أن المظاهر التي شاعت في العصر الفاطمي قد تقلصت الي حد كبيرفي العصر الايوبي والذي جاء مقوضا لها بالكلية ولكن المثير في عصورنا العربية أن الأحلال بين الدويلات المتعاقبة عادة ما يكون شكليا دون تدشين أسس الدولة الحقيقية التي تنظر بعين الاعتبار لعامة الناس وتنتهج السياسات التي تجنب الرعية مغبة الأخطار المحتملة والمتكررة والتي حمل لنا التاريخ كارثية تركها دون ضمانات تحول دون تكرارها ومنها الشدة المستنصرية في العهد الفاطمي تلك المجاعة التي جعلت المصريين يأكل بعضهم بعضا في سابقة مرعبة في التاريخ المصري والانساني ولكن من يتعظ من التاريخ؟!! ففي عهد السلطان العادل  أبي بكر بن أيوب شقيق صلاح الدين وخليفته حدثت مجاعة مروعة تفوق الشدة المستنصرية ضراوة وكأننا لا نستوعب شيئا من دروس التاريخ ليعود المصريون لاكل بعضهم بعضا في صور تذهل العقل وتدمي القلب واستمرت المجاعة منذ 596هجرية وحتي عام 599هجرية وبلغت ذروتها في 597هجرية والملك العادل أسير مطامعه في الاستئسار بملك أخيه الراحل وبسط نفوذه في وقت شعبه جائع يعاني ما لم يعانيه الأنسان البدائي في عصور ما قبل التاريخ !!! والحملات الصليبية تطرق دياره يقول أبو المحاسن صاحب كتاب ” النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة”عن هذه الفترة (وفيها كان هبوط النيل ولم يعهد ذلك في الإسلام إلا مرة واحدة في دولةالفاطميين ولم يبق منه إلا شيء يسير واشتد الغلاء والوباء بمصر فهرب الناس إلى المغرب والحجاز واليمن والشام وتفرقوا وتمزقوا كل ممزق‏.‏كان الرجل يذبح ولده الصغير وتساعده أمه على طبخه وشيه وأحرق السلطان جماعة فعلوا ذلك ولم ينتهوا‏.‏وكان الرجل يدعو صديقه وأحب الناس إليه إلى منزله ليضيفه فيذبحه ويأكله وفعلوا بالأطباء كذلك فكانوا يدعونهم ليبصروا المرضى فيقتلونهم ويأكلونهم ) ويصف الرحالة المؤرخ والطبيب عبداللطيف البغدادي في كتابه "الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر" وقد عاصرهذا الوضع المؤلم فيقول : (ووجد في رمضان وبمصر رجل وقد جردت عظامه عن اللحم، فأكل وبقي قفصا كما يفعل الطباخون بالغنم.ويضيف ولقد رأيت امرأة يسحبها الرعاع في السوق وقد ظفر معها بصغير مشوي تأكل منه، وأهل السوق ذاهلون عنها ومقبلون على شئونهم ليس فيهم من يعجب لذلك أو ينكره؛ فعاد تعجبي منهم أشد وما ذلك إلا لكثرة تكراره على احساسهم حتى صار في حكم المألوف الذي لا يستحق أن يتعجب منه. وكثيرا ما كان يدعي الآكل أن المأكول ولده أو زوجه أو نحو ذلك، ورأيت مع عجوز صغير تأكله فاعتذرت بأن قالت إنما هو ولد ابنتي وليس بأجنبي منى ولأن اكله أنا خير من أن يأكله غيري.ومما شاع أيضا نبش القبور وأكل الموتى وبيع لحمهم).

كما أصبح الاحرار مسترقبن نظير بضع لقيمات أو دراهم قليلة يقول البغدادي (وأما بيع الأحرار فشاع وذاع عند من لا يراقب الله حتى تباع الجارية الحسناء بدراهم معدودة، وعرض على جاريتان مراهقتان بدينار واحد، وسألتني امرأة أن اشتري ابنتها وكانت جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم فعرفتها أن ذلك حرام، فقالت خذها هدية). ويصف العماد الكاتب الأصبهاني‏ نفس المشهد بقوله:‏ ‏”‏ ولقد رأيت الأرامل على الرمال والجمال باركة تحت الأحمال ومراكب الفرنجة واقفة بساحل البحر على اللقم تسترق الجياع باللقم ‏”‏‏.

وبوجه عام كان الايوبيون في رمضان أكثر صرامة فيما يتعلق بالالتزام بالشعائر في رمضان فيقول المقريزي أن الملك الكامل كان يغلق الخمارات، ويعتقل البغايا في رمضان، ويغلق المطاعم والمقاهي في نهار رمضان، كما كان ينزل يمر بنفسه في أول يوم من رمضان فإذا صادف مفطرا أمر بضربه, كما كان الملك يوجه المحتسب للمرور للتأكد من وفرة وجودة السلع ونظافة السقايين، حيث كان السقا هو الذي يقوم بتوفير حاجات البيوت في الحواري بالمياه، وكان يأتي بها من القلعة.

الي هنا انتهت رحلتنا مع رمضان في العصر الفاطمي والايوبي

 

د.محمد فتحي عبد العال

..........................

المراجع

1- في أدب مصر الفاطمية لمحمد كامل حسين مؤسسة هنداوي

2- كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي

3- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي

4- الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر لعبد اللطيف البغدادي

5- فانوس رمضان ويكبيديا الموسوعة الحرة

6- مراة الزمان ليوسف قزاوغلي

 

عبد الحسين شعبان…  إلى بلند

نولدُ في الغربة أم نموتُ؟

هل تعرف الأشجار والبيوت؟

وجوهنا

وإننا

نولد كل ساعة

نموت كل ساعة

وحولنا تولد أو تموت

الناس والأشجار والبيوت

*

سعدي يوسف

I

حين أهداني ديوانه الأخير " دروب في المنفى" كتب لي: ... فأنا المسيح يجرّ في المنفى صليبه"، والفقرة هي مقطع من قصيدة " غريب على الخليج" لبدر شاكر السيّاب، وعلّق بلند قائلاً: وهكذا ننتقل من منفى إلى منفى، واستعدنا المقطع الذي قبله وأكملنا:

"حتى الظلام- هناك أجمل، فهو يحتضن العراق،

وا حسرتاه، متى أنام؟

فأحسّ أن على الوسادة

من ليلك الصيفي طلّاً فيه عطرك يا عراق

بين القرى المتهيّبات خطاي والمدن الغريبة

غنيّت تربتك الحبيبة

وحملتها، فأنا المسيح يجرّ في المنفى صليبه".

 

وردّدت عليه وأنا أتصفّح الديوان بين يدي:

أهرب من منفى إلى منفى

وأنا لا أحمل في صدري إلّا رمسي ...

لكنني إنْ متُ هنا في الغربة .. في المنفى

إنْ متُ غداً فسيحمل شاهد قبري: هذا وطني

هذا من أجلك يا وطني..

(من ديوان دروب في المنفى)

وبالمناسبة فهذه الأبيات وضعت على شاهد قبره في مقبرة هاي غيت في لندن بالقرب من قبر كارل ماركس وقبور عدد من المنفيين اليساريين العراقيين.

ودار بيننا حديث حول الغربة والوطن والهويّة واستذكر بلند، الشاعر اليمني عبدالله البردوني وردّد على مسامعي:

بلادي من يدي طاغ           إلى أطغى إلى أجفـى

ومن سجن إلى سجن          ومن منفى إلى منفى

ومن مستعمر بـــــادٍ           إلى مستعمر أخفــى

ومن وحش إلى وحشين       وهي النّاقة العجفــا

ولعلّ ذلك ما كان ينطبق على حالنا حيث أكلت المنافي أكثر من نصف عمرنا البيولوجي، وما يقارب ثلثي عمرنا الإبداعي، وكنتُ قد اتصلت به بعد وصولي إلى لندن العام 1990، وكان هو قد استقرّ فيها بعد سنوات ثلاثة عشر عاشها في بيروت، لكن منفى بلند الفعلي كان قبل هذا التاريخ، حين تمرّد على مجتمعه، وعاش حالة من الاغتراب، فترك الدراسة في سن مبكّرة وهجر العائلة، ليس هذا فحسب، بل انشقّ على القصيدة العمودية التي عاشها الشعر العربي لمئات السنين، باحثاً عن معنى جديد وشكل جديد ورسالة جديدة.

أسّس بلند مع ثلّة من أصحابه جماعة أدبية فنّية أطلق عليها اسم " جماعة الوقت الضائع" وهو في بداية مشواره الإبداعي، لتكون مقهىً وملتقىً ومبيتاً أحياناً كما يقول، وأصدرت " الجماعة" مجلة بالاسم ذاته،  وقد أغلقتها الشرطة حين اعتبرتها ملاذاً للمتشرّدين من أمثال الشاعر حسين مردان.

في فتوّته مارس بلند أنواع الرياضة ورغب أن يكون ملاكماً مقلّداً شقيقه صفاء الذي كان هو الآخر شاعراً ومتمرداً، حيث نصب خيمة سوداء في بساتين ديالى (بعقوبة) وقرر العيش فيها تحدّياً للتقاليد الاجتماعية السائدة، وكان صفاء قد انشغل بالشعر واللغة العربية وهو ما فعله بلند أيضاً، علماً بأنهما ينتميان إلى عائلة برجوازية حسب توصيفات تلك الأيام، فوالده أكرم كان ضابطاً بالجيش العراقي وتوفي العام 1945، ووالدته فاطمة ابراهيم أفندي الحيدري التي كان  والدها يشغل منصب شيخ الإسلام في اسطنبول (توفيت العام 1942)، وخاله داود كان وزيراً للعدل، لكن بلند قرر إحراجه وإحراج العائلة حين نصب طاولة منهكة وكرسياً بالياً ليعمل " كاتب عرائض" (عرضحالجي) أمام الوزارة، وفي الوقت الذي كان عدد من أفراد عائلته يتولى مناصب رسمية، كان عدد آخر منهم قد انخرطوا في الحركة الشيوعية من أبرزهم جمال الحيدري الذي قتل تحت التعذيب  وشقيقه مهيب أيضاً بعد انقلاب شباط (فبراير) العام 1963.

لم يدرس بلند الشعر في جامعة أو معهد، بل جاء إليه من خارج المناهج الأكاديمية والحلقات الدراسية، في حين كان أقرانه قد درسوا الشعر والأدب واللغة في دار المعلمين العالية وكليات الآداب والتربية فيما بعد، مثل بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة وعبد الرزاق عبد الواحد وسعدي يوسف ورشدي العامل وآخرين، وحاول بلند تثقيف نفسه بنفسه وكان يذهب إلى المكتبة العامة لسنوات غير قليلة، ويقرأ، بل يلتهم ما فيها من الكتب المختلفة في الأدب والشعر والفن واللغة والفلسفة وعلم النفس، وكان يبقى لساعة متأخرة من الليل، بالاتفاق مع حارس المكتبة الذي عقد صداقة خاصة معه .

II

في مهرجان أصيلة (المغرب) الأخير 2018 كان بلند الحيدري الغائب " الحاضر"، تأملت صورته بأناقته المعهودة وحضوره الهادئ وهي تتصدّر يافطاتٍ عُلّقت في أماكن عديدة في تلك المدينة الجميلة المستلقية بغنج على البحر، وكان الاسم يتكرّر، خصوصاً يوم تكريم اثنين من الشعراء المبدعين هما الشابان: نسيمة الراوي من المغرب ومحمد المغربي من تونس، بمنحهما "جائزة بلند الحيدري" بصفته أحد من رموز الحداثة الشعرية، فقد كان بلند حداثياً قبل ما نعرفه عن زمن الحداثة، حيث يعتبر أحد أركان الحركة التجديدية في الشعر العربي الحديث، ولعلّ ديوانه "خفقة الطين" الصادر في العام 1946 هو الأول الذي يؤرخ لحركة الشعر الحر والتي أعقبت الحرب العالمية الأولى، وامتدّت إلى الفنون الأخرى، أما أركانها فهي "المربع الذهبي"، فإضافة إلى ركنها الأول  بلند كانت الأركان الثلاثة نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي.

وكان بدر شاكر السيّاب في العام 1953 قد اعترف بذلك قائلاً: " كان هناك ثلاثة دواوين صدرت في العراق أولها - ديوان " خفقة الطين" لبلند الحيدري وثانيها- ديوان "عاشقة الليل" لنازك الملائكة، وثالثها- ديوان "أزهار ذابلة" لبدر شاكر السيّاب، وفتحت هذه الدواوين صفحة جديدة في تاريخ الشعر العراقي والعربي". وقد كتب عن مجموعته الأولى بانبهار الأديب اللبناني مارون عبود في  العام 1947 يقول: " أشهد أن ديوان بلند الحيدري- خفقة الطين، أفضل ما قرأت من دواوين الشباب بالشعر، ولعلّه الشاعر الذي تحلم به بغداد".

وقد ظلّ بلند يخفق كل حياته في الضياع والمنفى والغربة، وضمّت مجموعته الأخيرة "دروب المنفى" 1996 خفقته الوداعية  وحملت قصيدته الأخيرة في المجموعة  "ما بين ذراعي أمي" حنينه الأول إلى "البئر الأولى" حسب رواية جبرا ابراهيم جبرا، وهو حنين يشبه الارتعاش حين يقابل الموت الذي بقي هاجساً قائماً في جميع مراحل حياته وإبداعه:

ذات مساء ماتت أمي

وعلى مدّ ذراعيها استلقيت وكانت عينيّ

فانوساً أعمى يحملني من تيهٍ ولتيهٍ يبحث عنّي

في حيّ موبوء .. في حي

أخشى أن لا يبقى حتى غبش الظن.

وإذا كانت القصائد الأولى أقرب إلى التجريب، فإنه بدا أكثر عمقاً وشمولاً بارتفاع الموجة الجديدة من الشعر الحر، بحيث أصبح جزءًا من مدرسة أخذت تحفر طريقها بثقة أكبر وتحدٍّ أشد في مواجهة القصيدة الكلاسيكية، وخصوصاً بعد أن أصدر ديوانه الثاني "أغاني المدينة الميتة" في العام 1951 وأعاد نشره في العام 1957 " مع قصائد أخرى"، وفي العام 1961 نشر مجموعة بعنوان" جئتم مع الفجر" ضمّت قصائد ما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 وهو ما يوحي منها عنوانها.

وبعد تجربة سجنه نشر مجموعة جديدة (1965) تحت اسم " خطوات في الغربة" ثم " رحلة الحروف الصفر" 1968 و"أغاني الحارس المُتعب" 1971 والتي نالت جائزة "اتحاد الكتاب اللبنانيين"، ثم نشر في العام 1972 بعد عودته إلى بغداد، مجموعة بعنوان "حوار الأبعاد الأربعة"، وبعد منفاه اللندني نشر في العام 1984 " إلى بيروت مع تحياتي" وفي العام 1990 " أبواب إلى البيت الضيق"، وكان آخر مجموعة له " دروب في المنفى" 1996.

لقيت الحركة التجديدية في الشعر تشجيع ودعم وتأييد بعض المبدعين الذين كان يُنظر إليهم كمرجعية للحداثة وكان من أبرزهم في العراق الناقد والأديب الفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا، الذي يقول عنه بلند في حديث مع الكاتب (1991) أنه أكثر من استقبل نتاجهم الإبداعي بإعجاب وتشجيع، حيث كان يرى في بلند وبدر شاكر السيّاب شاعرين مجدّدين وإن اختلف أسلوبهما في كتابة القصيدة الحديثة، وكان يؤكد على بدر الاستمرار في أسلوبه ما دامت الصور تومي كل واحدة منها إلى الأخرى، فبدر " عين وذاكرة" مرهفة مليئة بالصور، ويعترف بلند أن مفرداته كانت "أغنى من مفرداتي".

أما عن شعر بلند فيقول جبرا ابراهيم جبرا في العام 1951 أنه " شعر صُور"، فهو كالفنان الحاذق لا يلقي بالألوان على لوحته جزافاً ولا يرسل الخطوط عليها أنّى اتجهت، إنه يورد تفاصيله مرتبطة متماسكة، فتنمو القصيدة بين يديه نموّاً من الداخل ككل الأعضاء الحيّة، وإذا بها وحدة متكاملة لها أول ووسط ونهاية كما يقول أرسطو في وصف العمل الفني الصحيح، ويضيف جبرا: إن شعر بلند كالصور ذات الأعماق، فيها أضواء وظلال، فيها القريب وفيها البعيد وكلّها تستهدف وحدة الموضوع وقوته وبروز جماله.

III

كم كنتُ سعيداً حين اطّلعت على الكتاب الذي أصدره المنتدى الثقافي العربي - الأفريقي والموسوم " بلند الحيدري- اغتراب الورد"، وأشرف على إعداده عيسى مخلوف، منشورات جمعية المحيط الثقافية، أصيلة، المغرب، ط1، 1997، وذلك لمناسبة الذكرى الأولى لرحيله، والكتاب هو أقرب إلى استفتاء جديد على شعر بلند الحيدري بعد رحيله واعتراف برياديّته.

وقد تضمّن إضافة إلى كلمتيْ التقديم لمحمد بن عيسى والمدخل لعيسى مخلوف 7 دراسات معمّقة لعبده وازن ومحي الدين اللّاذقاني وصبحي حديدي ورفعت سلام وعابد خزندار وبنعيسى أبو همالة وأسعد عرابي، إضافة إلى شهادات وآراء عددها 22 لشعراء ونقّاد بينهم أدونيس وسعدي يوسف ونزار قباني وأحمد عبد المعطي حجازي وأدوارد الخرّاط والطيّب صالح ومحمد سعيد الصكّار وعباس بيضون وضياء العزاوي وجابر عصفور وآخرين.

وجاء في كلمة محمد بن عيسى، الوزير والدبلوماسي والمثقف وصاحب مبادرة مهرجان أصيلة  عن بلند " لم يكن بلند الحيدري شاعراً مجدّداً فقط، وإنما كان أيضاً من قلّة من المبدعين الذين تآخى في حياتهم القول والفعل. كان ينتصر للقيم الإنسانية الرفيعة، وكان مثالاً لها، وهذا ما جعله في صراع دائم مع عالم لا يستجيب لرؤيته وحساسيته الشفافة المرهفة..."

وسبب غبطتي  عند اطلاعي على كتاب " اغتراب الورد" يعود إلى الشهادة الجماعية برياديّة بلند، الذي لم تُنصف تجربته في حياته من جانب الكثير من النقّاد، باستثناءات محدودة، وضاعت أحياناً في سجال التراتبية الزمنية والأسبقية والقصيدة الموزونة أو النثرية والخروج على الوزن والقافية، على عكس تجارب السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة، وفي بعض هذا التقييم دور للسياسة التي تُعلي وتُخفض، فبموجبها مُنح عدد من الشعراء ألقاباً بعضهم لا يستحقها وذيّلت أو قدّمت أسماءهم بألقاب من خارج دائرة الشعر والإبداع، والأمر لا يختص بالشعر، بل بعموم مفردات الثقافة والإبداع.

وحسب تفسير سعدي يوسف فإن الأمر يعود إلى " الرافعة السياسية"، ففي حين كان  السيّاب والبياتي في دائرة اليسار، وكانت نازك في الدائرة القومية العربية، كان بلند في "زاويته الوجودية الجمالية" القلقة والمتوتّرة يبحث عن "فردانية" و"أناه" وسط صخب الشعارات وضجيج الأصوات، لأنه كان يريد صوته الخاص لإحساسه بالفجيعة والتشتّت والفراغ، في إطار نزعته التشاؤمية والأسى الذي انطوى عليه شعره، يضاف إلى ذلك إن بلند لم تسوّقه مؤسسة، وهو كذلك لم يسوّق نفسه، بل لم يكن يبالي بمثل تلك التصنيفات والأوصاف والصفات، وكان يكفيه أنه مبدع وله صوته الخاص وكبرياؤه المتميّز.

وحين كان يُسأل بلند عن الريادة والأولوية كان يجيب بشيء من عدم الاكتراث وكأن الأمر لا يعنيه، ويردّد أحياناً لا يحتاج الأمر إلى كل هذا التحبير، وبقدر ما أغفلت أو أهملت تجربته ودوره الريادي فقد عومل في سنوات اغترابه، سواء في لبنان وعلى امتداد الوطن العربي،  بما يستحقه من مكانة وتقدير، أما شموخه الذي كان يتعامل به فهو مستقى من اسمه الذي يعني باللغة الكردية  "شامخ" كصاحب الشأن ذاته.

وحتى وإنْ كانت صوره " باذخة" وأنيقة ونبرته قوية وواثقة، إلّا أن لغته كانت "مقتصِدة"، لتعبّر عن الإيجاز والتكثيف فقد كتب بلند قصيدته بتركيز كبير أقرب إلى أسلوب البرقيات، وهو ما دعا جبرا ابراهيم جبرا إلى أن يطلق على بلند بحق صاحب القصيدة التلغرافية "البرقية"، فقد كان يعرف المدى الذي يريد الوصول إليه تعبيراً عن الذات وتناقضاتها، حيث امتلك القدرة على ضخّ  أكبر كميّة من الصور والإيحاءات والمعاني بأقل كميّة من الكلمات.

ويقول بلند معترفاً بنصيحة جبرا: أصبح همّي الرئيس هو الإيجاز في قصائدي، ولعلّ علاقته بالفنون التشكيلية والموسيقى هي التي جعلته يختار هذا الأسلوب، لاسيّما  ثقافته الفنيّة المتميّزة قياساً بشعراء الموجة الجديدة، مما أعطى تجربته الشعرية بُعداً جمالياً، خصوصاً حين تكون مفرداته مألوفة وصوره شفافة، في حين كان بدر شاكر السيّاب أقرب إلى التراث، ناهيك عن استخدام مستحدث للأسطورة.

ويعترف بلند في شهادة خاصة عن علاقته ببدر شاكر السيّاب، إنهما كانا قد تأثّرا بالحركة العالمية للشعر الحديث عن طريق المهندس قحطان المدفعي الذي عاد إلى بغداد بعد أن أنهى دراسته في لندن، وقد حمل معه تسجيلات صوتية لعدد من أدباء العصر بينهم: إليوت وآراغون، ويقول إن ذلك كان له تأثير عليه وعلى بدر، حين " كنّا نلتقي مرّة في الأسبوع عند قحطان المدفعي لنستمع إلى هذه الاسطوانات لساعات وساعات، ونحاول أن نستلهم منها ما يعطي إضافة جديدة لتجربتنا الشعرية". ويعترف بتسرّب "إيقاعية إليوت" إلى تجربته الشعرية.

IV

"بيروت ... يا موتاً أكبر من تابوت

يا موتاً لا يعرف كيف يموت ...

لن يعرف كيف يموت "

كانت بيروت التي عاشها بلند الحيدري " بيتاً حميماً ذا أبواب عديدة"، وكما يقول: "كان لكل منّا أن يجد نفسه في الباب الذي يُريد أن يكون فيه: المسلم مسلم والمسيحي مسيحي والمؤمن مؤمن، ولكل منّا أن يعبّر عن نفسه بكثير من الحريّة"، وهي ذاتها بيروت التي عرفتها وكتبت عنها نصاً بعنوان" العشق الملوّن" يوم كرّمتني الحركة الثقافية في انطلياس 2017 بقولي :" لا أستطيعُ استعادةَ ذاكرتي الطّفليةِ المكتظّة بصور مختلفةٍ ومتنوّعةٍ دون أن تشعَّ في إحدى زواياها بيروت بكل رمزيّتها وصباها، تلك التي شكّلت بين تقاسيمِها أغاريدَ شرودي الملّونة وروح تمرّدي الأول، خصوصاً وأنّني ترعرعت في بيئة معاندةٍ كانت جاهزةً ومتفاعلةً ومنفعلة باستشراف الجديد واستقبالِ الحداثةِ والتّطلّعِ للتغيير".

وأضفتُ: هكذا بدأتْ ترتسمُ ملامحُ بيروت الجمال والمدى والتنوّع الثقافي والاجتماعي وكأنّني في فسيفسائيّة تختلطُ وصورة "النجف السعيد" أو ما يكنّى "خدُّ العذراء"، حيث يستلقي الشّعرُ متنفِّساً للمدينةَ المحافظةَ التي تآخت مع التمّرد، حتّى تفّجر "الفكرُ المنفتحُ في المجتمع المنغلق" على حدّ تعبير السيد مصطفى جمال الدّين.

لقد صدرت معظم دواوين بلند في بيروت مثلما صدر معظم كتبي فيها، وقد كانت بيروت في السابق والحاضر، وعلى الرغم مما أصابها، ملاذاً دافئاً يخفّف من مشاعر الغربة إنْ لم يتجاوزها، لدرجة شعور المرء إنه في بلده، والأمر ينطبق على العديد من المبدعين الذين عاشوا في بيروت بينهم ... محمود درويش ونزار قباني وأدونيس  ومعين بسيسو وسعدي يوسف وأنيس الصايغ  وعز الدين المناصرة، ووجدوا في بيروت الرئة التي يتنفسون بها هواء الحرية والإبداع والحداثة.

أما النصف الآخر من غربة بلند فقد كان قاسياً على نفسه فيها، وهو مرحلة لندن، وهي ذاتها التي عشتها، ولكن قبل بيروت. وإذا كان في بيروت قد انغمس بالحركة الثقافية وعمل في مدرسة برمّانا مديراً ورئيساً لتحرير مجلة العلوم وكان حضوره مبرّزاً في مجالسها الأدبية وأنشطتها الثقافية والفكرية وحلقاتها النقاشية وأماسيها الشعرية، فإنه في لندن، ولاسيّما في السنوات الأولى عانى الكثير، خصوصاً مع تعمّق مأساة العراق، حيث شهد حرباً ضروساً دامت ثماني سنوات (1980-1988) مع إيران، ثم حرباً لقوات التحالف على العراق (العام 1991)، وذلك بعد مغامرة الحكم في العراق غزو الكويت في 2 آب/ أغسطس/1990، وفي تلك الفترة كتب قصائد عديدة مناجاة لوطنه المفقود وغير القادر من الوصول إليه والمهدّد من جميع الجهات، وظلّ حلم العودة يراوده:

" هل لي أن أحلم يا مدينتي بالرجوع لدارنا المطفأة الشموع؟

هل لي أن أعود فأوقظ المصباح وأفتح الشباك للنجوم والغيوم والريح؟

هل لي أن أحلم بالرجوع لكل ما في قلبك المقروح من دموع ؟

...   ...

هل لي أن أحلم يا مدينتي أن أعود؟

أبحث عن عينيّ بين دفتي كتاب مفتوح تركته عند الباب

فاصفّر في أوراقه عتاب

أود لو يعود

أريد أن أعود من قبل أن يجفّ في الوعود

سؤالها عن تائه الريح والأرصفة السوداء والضباب

هل لي أن عدتُ غداً لمدينتي

هل لي أن أسأل عن وطن لا عن كفن؟"

V

أتذكّر حين ازدادت المخاطر التي تهدّد العراق ورفض حاكمه الانصياع للمناشدات والقرارات التي طالبته بالانسحاب من الكويت والاستماع إلى صوت العقل، تنادى عدد من المثقفين والباحثين والسياسيين العراقيين، للقاء  واجتمعنا في البداية مجاميع مصغّرة، ضمّت: صلاح عمر العلي ونوري عبد الرزاق وبلند الحيدري وإياد علاوي وفاروق رضاعة وتحسين معلة واسماعيل القادري وعبد الحسين شعبان، وفكّرنا بالسبل المتاحة لدرء كارثة الحرب والضغط من أجل نزع الفتيل، ناهيك عن ضرورة إظهار صوت آخر، يدين الغزو ويدعو لإنسحاب القوات العراقية دون قيد أو شرط، من جهة، ومن جهة أخرى القول " إن هذه الحرب ليست باسمنا"، مثلما لم يكن الغزو باسمنا.

وقد تدارسنا الأمر وقرّرنا إصدار "نداء إلى الرأي العام" بعد مداولات مع قوى وشخصيات أخرى، وقلّبنا جميع الاحتمالات بما فيها ردود الفعل العربية والدولية، خصوصاً حين تأكّد لنا أن الحرب قائمة لا محال وكان لا بدّ أن يُسمع صوت العراقيين من خارج دائرة النظام وبعيداً عن جعجعة السلاح، ودعانا الأخ صلاح عمر العلي في منزله في منطقة ايلينغ بلندن، وهناك اتفقنا على إصدار النداء، الذي كان لي شرف كتابته، والذي حمل بعدين متوازيين أولهما-  "إدانة غزو الكويت ومطالبة الحاكم الانسحاب فوراً"، وتفويت الفرصة على القوى الإمبريالية والصهيونية، لكي لا تستفيد من التصدّع الحاصل، بل والشرخ الكبير في التضامن العربي، وثانيهما- ضرورة مواصلة الجهود للإتيان بنظام حكم ديمقراطي دستوري تعدّدي، يضع حدّاً للاستبداد والإرهاب.

ووقع البيان كما أتذكّر : الأسماء في أعلاه، إضافة إلى موفق فتوحي ومحمد الظاهر ومحمود عثمان وعادل مراد ومهدي الحافظ وصلاح الشيخلي وهاني الفكيكي (انضم إليه) وسمير شاكر محمود الصميدعي وعزيز عليّان وآخرين، لم تسعفني الذاكرة للاحتفاظ بأسمائهم، وأرجو ألّا أكون قد أخطأت ببعضهم، وكم أتمنّى من الأخ والصديق صلاح عمر العلي لو كان يحتفظ بأرشيفه الخاص بالبيان وبأسماء الموقّعين عليه لغرض التوثيق، بهدف نشره، والرجاء موجّه لمن وقّع هذا البيان أو احتفظ به.

وكانت مداولات كثيرة جارية لتشكيل تجمّع للديمقراطيين في لندن وغيرها، وقد نشط فيها بلند الحيدري، وقبلها كانت محاولات أخرى مماثلة، في بداية الثمانينات قد جرت في الشام حيث تم تأسيس "التجمع الوطني الديمقراطي" الذي أصبح صالح دكله أمينه العام وضمّ مجيد الراضي وابراهيم الحريري وادريس ادريس وآخرين، وكذلك "اتحاد الديمقراطيين" الذي ترأّسه أبو أيوب وآخر كان "محمد الحبوبي" على رأسه، و"المتّحد الديمقراطي" الذي ضم هاني الفكيكي ومحمد بحر العلوم ومصطفى جمال الدين وأيهم السامرائي، لكن هذه التنظيمات لم تتمكّن من مواصلة عملها لأسباب عديدة منها بعض الولاءات لأطراف سياسية وأخرى تتعلّق بظروف الغربة،  حيث كانت معظم هذه التنظيمات " مهاجرة"، وتأثرت أيضاً بالجغرافيا، أي بمكان نشأتها، وهو شأن جميع التنظيمات التي تأسست في الخارج أو طال أمد بقائها فيه، سواء بانشطارها عن أحزاب أم قوى جديدة تأسست، لكنها سرعان ما اختفت أو انطفأت.

وكان "اتحاد الديمقراطيين العراقيين" الذي تأسس في لندن قد ضم محمد الظاهر (رئيساً) وبلند الحيدري (نائباً للرئيس) وفاروق رضاعة (أميناً عاماً) وقد انضم إلى المؤتمر الوطني العراقي الذي تأسس في فيينا العام 1992، وبالرغم من أن اسم بلند ومجموعة الشخصيات التي انتسبت للاتحاد تمثّل ثقلاً اجتماعياً وثقافياً، لكن دوره كان محدوداً ولم يتمكّن أن يحتل مكانه في ساحة المعارضة التي تتنافس فيها التنظيمات الآيديولوجية، مثل : الحركة الإسلامية والحركة الشيوعية والحركة الكردية، إضافة إلى تنظيمات البعث السوري، وشكّلت هذه المجموعات " جبهة العمل المشترك" (27 كانون الأول/ديسمبر/1990)، لكنها سرعان ما تفكّكت ودبّت الخلافات بين أطرافها مثلها  مثل "الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية "جوقد" التي سبقتها وتأسست في خريف العام 1980 والجبهة الوطنية الديمقراطية "جود" التي تأسست بعد الأولى بأسبوعين، والمؤتمر الوطني العراقي  الذي أعقبها 1992 وانضمت إليه الغالبية الساحقة من القوى المعارضة، لكنه هو الآخر ظلّ فوقياً وغير مؤثر وسرعان ما فقد إمكانات استمراره وانسحبت أو جمّدت علاقاتها به مجموعة الشخصيات والأحزاب والقوى التي أسسته.

وبتقديري إن معارضة بلند وغيره من المثقفين كانت معارضة فكرية وثقافية بالدرجة الأولى، ومعارضة سلمية لمشروع الاستبداد، خصوصاً  وأن أعداداً كبيرة أعادت النظر بصيغة "الحزب الواحد" و"الحزب القائد" و"الطليعة" و"دكتاتورية البروليتاريا" و"العنف" وغيرها من الصيغ القديمة، وأقرّت بأهميّة التعدّدية والتنوّع واحترام الخصوصيات، ولذلك كان الاختلاف أمراً لا مفرّ منه مع المشروع السياسي الذي خضع لتأثيرات متعدّدة، دولياً وإقليمياً، بل تم توظيفه لاحقاً ليساهم باحتلال العراق، وللأسف وقع ضحية مثل هذا "الوهم" أو "التواطؤ" مثقفون  وإعلاميون وأدباء، ناهيك عن سياسيين، أما بسبب عجز في الرؤية أو تعويلات على الخارج أو لمصلحة ضيقة بتبريرية ذرائعية وانقلاب على المفاهيم والقيم الوطنية.

وددتُ الإطلال على هذا الجانب، لأن بلند الحيدري وإن كان له تجربة سياسية سابقة، ولاسيّما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، حين انتمى للحزب الشيوعي وتصدّر مكانه في اتحاد الأدباء الذي كان يرأسه الشاعر الجواهري وبنفوذ ملحوظ من الأدباء الشيوعيين وأصدقائهم، إلّا أنه لم يكن منغمراً في العمل السياسي، بل إن مرارة تجربته بعد اعتقاله في العام 1963 دفعته للابتعاد عنه، لكنه اضطرّ للعودة إليه مجبراً لشعوره بأن بلاده أصبحت على شفا حفرة، فعسى يستطيع الإسهام بانتشالها عبر بث الوعي الديمقراطي والدعوة لإجراء انتخابات وسن دستور جديد للبلاد على أساس التعدّدية والتنوّع والاعتراف بحقوق الشعب الكردي وبالحقوق والحريّات الديمقراطية العامة والخاصة، وهو ما كان العديد من المثقفين يأملونه ويشاطرونه الرأي فيه.

VI

وكنّا قد حضرنا سويّة مؤتمراً للمثقفين في برلين انعقد في مطلع التسعينات وكان يحمل كاميرته التي لا تفارقه، وخلال تلك الفعالية الثقافية أدرجنا في برنامجنا القيام، بثلاث زيارات مهمة:

الزيارة الأولى إلى متحف برلين "بيرغامون" مدفوعين لمشاهدة الآثار العراقية  بشكل خاص والآثار القديمة بشكل عام، حيث يضمُّ المتحفُ  آثاراً لحضاراتٍ متنوّعة يعود أقدمها إلى ما يزيد عن 4 آلاف سنة قبل الميلاد. ولعلّ أكثر ما أثارنا هو مشاهدتنا " بوابة عشتار" و"طريق الموكب" الذي يعدّ الطريق الرئيسي لمدينة بابل التأريخية، إضافة إلى الرسومات والكتابات المسمارية فوق ألواح الطين والحجر والشمع والمعادن والخزفيات والفخاريات التي تعود إلى أكثر من 6000 سنة .

وكم كان حزننا كبيراً لأن هذه الآثار ليست في متاحفنا، إلّا أن ثمة نوع من " الرضا" المكبوت كان داخل كل منّا،  لأن هذه الآثار محفوظة في أماكن آمنة ويمكن استردادها في ظروف أخرى، ولو كنّا نعلم أن تنظيم "داعش" الإرهابي سيدمّر النمرود العظيم ومدينة الحضر التاريخية الأثرية والمنارة الحدباء وجامع النبي شيت والنبي يونس، وسيحطّم  ثورين مجنّحين عند بوابة نرغال التاريخية في الموصل وغيرها من الآثار التي لا تقدّر بثمن، لكنّا قد تشبّثنا لتبقى آثارنا محفوظة بعيدة عن أيادي الإرهابيين الآثمة التي دقّتها بالمعاول، كما عملت طالبان في أفغانستان ذلك من قبلها حين دمّرت تماثيل باميان التي يعود تاريخها إلى ألفي عام.

أما الزيارة الثانية، فكانت لقبر  برتولت بريخت الشاعر والكاتب والمسرحي الألماني والذي يعتبر من أهم كتّاب المسرح في القرن العشرين، وهناك جلسنا في مقهى قريب،  وتدفّق بلند في الحديث عن المسرح وعن بريخت الذي عاش في المنفى هو الآخر، فهرب إلى الدانمارك العام 1933 إثر وصول هتلر إلى السلطة، ومنها في العام 1941 إلى كاليفورنيا في أمريكا، التي مكث فيها إلى العام 1947، ثم عاد إلى ألمانيا الغربية، لكن سلطات الاحتلال منعته، فاضطرّ الذهاب إلى ألمانيا الشرقية وأسّس "فرقة برلين" ثم "نادي القلم"، حتى وفاته في العام 1956.

وتحدّث بلند عن نظرية بريخيت في "هدم الجدار الرابع"، والمقصود "إشراك المشاهد في العمل المسرحي". وحاول أن يشرح لي ما هو الجدار الرابع باعتباره جداراً وهمياً حيث يقف الممثلون على خشبة المسرح، وأبدى إعجابه الشديد بمسرح بريخت لأنه حسب رأيه مسرح يمثّل الغرابة ويجمع بين الكوميديا والتحريض، مثلما يجمع بعض المشاهد المتناقضة ليضمّها إلى بعضها في إطار واحد ليكوّن منها موضوعاً شديد الغرابة، مستخدماً بعض الأغاني. وقد حفّزني حديثه لقراءة بريخت ومسرحه لاحقاً.

والزيارة الثالثة كانت في رحاب روزا لكسمبورغ أو "روزا الحمراء" التي استحضرناها في برلين،  والتي كان لينين يطلق عليها لقب "نسر الماركسية المحلّق"، وهي مثقفة ومفكرة واقتصادية ماركسية بولونية الأصل وعاشت في ألمانيا، وقد عملت مع بليخانوف في زيوريخ (سويسرا)، ومن أهم مؤلفاتها " تراكم رأس المال" وتزّعمت مع كارل ليبنيخت "الجناح الثوري" في الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني، ووقفت بشدّة ضد مشاركة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، كما عارضت فكرة لينين حول كون الحزب الشيوعي "أداة البروليتاريا" لتحقيق دكتاتوريتها، واعتبرت مثل تلك "الفكرة خاطئة وغير ديمقراطية"  (أي دكتاتورية الـ 9 بالعشرة ضد 1 بالعشرة) وأكّدت على أن الديمقراطية هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق الاشتراكية وحكومة العمال، ولعلّ ذلك تبنّاه لينين في وقت لاحق (نظرياً) حين كتب يقول : إن من يفكر بالانتقال إلى الاشتراكية بطريق آخر  غير الديمقراطية، فإنه سيتوصل  إلى استنتاجات رجعية وخرقاء، سواء بمعناها السياسي أم الاقتصادي.

وبالعودة إلى روزا فقد لعبت مع مجموعة من النساء الأمميات دوراً بارزاً في رفع شأن الحركة النسوية، وذلك تحضيراً للاجتماع الاشتراكي الدولي العام 1910 في كوبنهاغن الذي تقرّر فيه اعتبار يوم 8 آذار (مارس) يوماً عالمياً يتم الاحتفال به بصفته عيداً للمرأة، يُراد منه تكريم الحركة النسائية المدافعة عن الحقوق الإنسانية للنساء والحصول على حقوقهن في الاقتراع وحضر ذلك الاجتماع التاريخي نحو 100 امرأة من 17 بلداً، بمن فيهم ثلاث نساء كن انتخبن في البرلمان الفنلندي اتخاذ ذلك القرار بتمجيد ضحايا مجزرة نيويورك التي صادفت يوم 8 آذار (مارس) 1908، وبعد عام من تلك المسيرة، أعلن الحزب الاشتراكي الأمريكي ذلك اليوم عيداً وطنياً للمرأة.

وكانت كلارا زيتكين قد اقترحت ذلك على مؤتمر كوبنهاغن ليصبح 8 مارس يوماً عالمياً، وأُحتفل بهذا اليوم لأول مرة في عام 1911، في كل من النمسا والدانمارك وألمانيا وسويسرا، لكن الاحتفال الرسمي بيوم 8 آذار (مارس) بدأ في آذار (مارس) الذي تلى ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا (1917) .

وإضافة دور روزا لوكسمبورغ فقد كان دور كلارا زيتكن وكروبسكايا (زوجة لينين) كبيراً، وساهمتا في اجتماع كوبنهاغن بالتنسيق مع لينين الذي كان ظلّه حاضراً من وراء الكواليس، سواءً في مناقشة وتدقيق بعض النصوص  أو في بعض المقترحات، حيث كان يجلس في مقهى قريب يحتسي أقداح الشاي، ويكتب ويدوّن.

وتلمستُ موقفاً متميّزاً لبلند من قضية المرأة ومن حقوقها ومساواتها، وكيف ينبغي أن يتعامل معها على جميع المستويات في الإدارة والقيادة والعمل والأجور وغير ذلك، وكان قد أثنى على القانون رقم 188 لعام 1959 بشأن الأحوال الشخصية واعتبره خطوة أساسية مهمة على طريق تحرير المرأة، وأشار بأسى إلى معاناتها بسبب الحروب والحصار والاستبداد، وذكرت له كيف تعاملت روزا مع المومسات اللواتي اضطررن لبيع أجسادهن وليس قوة عملهن حسب، وتوقّفنا عند شجاعتها حين نظّرت إلى هذه المسألة من زاوية إنسانية، وأكثر من ذلك حين انخرطت عملياً في قيادة تظاهرتين في مدينة كولونيا (ألمانيا) للدفاع عن النسوة  المضطهدات على نحو مركّب وتوفير ضمانات صحية لهن مؤكدة أن تحرير المجتمع كفيل بتحرير النساء، لاسيّما هذه الشريحة المظلومة. وهو ما تناولته لاحقاً في كتابي " تحطيم المرايا - في الماركسية والاختلاف".

توقفنا عند الإرث الفكري والشجاعة والجرأة التي اتّسمت بها روزا وعلاقتها مع هانز حبيبها، وتحدثنا عن رسائلها إلى حبيبها التي تمتلك قيمة أدبية وغنىً روحياً، ناهيك عن مقدار كبير من البوح الإنساني والطهارة الروحية والثقة العالية بالنفس.

VII

اطّلعتُ مؤخراً على  كرّاس نُشر تحت اسم " الكنيسة والاشتراكية" (ترجمة محمد أبو زيد، إصدار مؤسسة روزا لوكسمبورغ، 2017) على آراء روزا لوكسمبورغ بشأن الأرضية المشتركة للاشتراكية الديمقراطية والكنيسة، وتأكيدها على أن الاشتراكيين (إقرأ الشيوعيين) لا يسعون إلى الصدام مع الدين، وقد وجدت فيها ردوداً على بعض الآراء المتطرّفة بزعم "اليسارية" أو "العلمانية"، ولاسيّما في بلداننا ومجتمعاتنا، التي تندفع لمعاداة الدين أحياناً، فسيصطدمون في جدار سميك لا يمكن اختراقه، كما إن المشروع النضالي  من أجل العدالة الاجتماعية لصالح المقهورين لن يتحقق ولن يُكتب له النجاح  إلّا بتحالفات مع قوى اجتماعية، بغض النظر عن الإيمان أو عدم الإيمان، فتلك مسألة شخصية، ولكن في البحث عن الأهداف المشتركة ووفقاً للقيم المشتركة ذات البعد الإنساني . وتلك واحدة من الإشكاليات التي تواجه مجتمعاتنا، وكما تقول "إن ضمير الإنسان ومعتقده أمور مقدسة غير قابلة للتدخّل، فكل فرد حرّ في ممارسة المعتقد والقناعة التي تسعده".

وكانت قد أسست مع ليبنكيخت وكلارا زيتكن " عصبة سبارتاكوس" العام 1916 التي قادت ثورة في العام  1919 وإعلان الجمهورية الاشتراكية الألمانية، لكن قوى الإشتراكيين الديمقراطيين قامت باغتيالها وألقت جثتها في قناة لاندفير في برلين بعد أن ألقت خطاباً نارياً في الرايخشتاغ، وذلك بعد شهرين من قيام جمهورية فايمر الألمانية.

وقد اصطحبت بلند إلى المكان الذي يُعتقد أنها اغتيلت فيه، في الممرّ المؤدي إلى القناة  الذي كثيراً ما كنتُ أتردد عليه عند زياراتي العديدة إلى برلين برفقة عدد من الأصدقاء الذين يعيشون هناك وفي مقدمتهم هاشم المشاط وعلي ناجي بر وعصام الياسري وآخرين، وكنت قد أخذت صديقي الروائي أبو كَاطع (شمران الياسري) إلى المكان ذاته في العام 1976 عند زيارتنا إلى برلين الغربية.

واستعاد  بلند معي الحديث عن حسين الرحال الذي ذهب للدراسة في برلين وشهد ثورة سباراتاكوس وتأثّر بها وعاد إلى العراق داعياً للشيوعية، ثم قام بتنظيم حلقات ماركسية مع عدد من أقرانه مثل محمود أحمد السيد وفاضل البياتي وزكي خيري وآخرين، تلك التي تمثل حلقة بغداد. وكنت حينها قد اطلعت على أطروحة الماجستير لعامر حسن فياض الذي كتب عن "جذور الفكر الاشتراكي التقدمي في العراق 1978".

وتناولنا قضية النساء في روسيا وكوبا بعد الثورة، وقضايا النساء في مجتمعنا، لاسيّما، الذي سيحصل بعد الحروب والحصار، والقوانين الغليظة التي كانت قد صدرت حينها، والتراجع عن حقوقها، وكم كان بلند حزيناً بسبب نكوص المدينة كما أسماها في بلادنا على حساب زحف الريف عليها لدرجة أن مدننا وحواضرنا تريّفت إلى حدود كبيرة وهذا شأن القاهرة ودمشق وبيروت وبغداد، حيث تنتشر العشوائيات، ناهيك عن البعد عن قيم المدينة وقيم الريف في الآن. وكم سيكون حزنه كبيراً  وعيناه الواسعتان تضيقان لو شاهد أوضاع النساء اليوم حين تزدهر الشعوذة وتتفشّى الأميّة وينتشر التخلف وتتشظّى البلاد منحدرة نحو الطائفية؟

 

VIII

وقد استكملنا تلك الجلسة الحوارية في برلين بجلسات ولقاءات في لندن، ودار حوار بيننا حول مستقبل الحركة الشيوعية في العالم العربي بعد انهيار جدار برلين  9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1989 وتحلّل الكتلة الاشتراكية وحين سألني عن رأيي، قلت له: نحن مثل بريخت الذي كان يقول عن الحزب: أغادره كل يوم في المساء لأعود إليه في الصباح، قال لا بل مثل آراغون الشاعر الفرنسي صاحب ديوان عيون ألزا الذي كان يقول:

لا تذهب بدوننا في الطريق الصحيحة

فبدوننا ستكون خاطئة جداً

لربما نكون مخطئين

وتكون مصيباً

لذلك لا تبتعد عنّا.

وتناولنا العلاقة الملتبسة بين المثقف والسياسي، وخصوصاً حين يشعر الأخير أن بيده السلطة، سواءً كان حاكماً أم مسؤولاً حتى في حزب سرّي مقموع، واستعدنا علاقة ستالين بالمثقفين في الثلاثينات وما بعدها وحملة التنكيل التي تعرّضوا لها في ظل الهيمنة  الجدانوفية المريرة، التي  كانت تدعو إلى تسخير كل الإمكانات الفنية والإبداعية من فن وآداب وموسيقى لمواجهة الثقافة البرجوازية الغربية وتوظيف الإبداعي لصالحها السياسي والفني لصالحها الأيديولوجي، وكانت تلك السياسة الثقافية هي السائدة، بل كان بيدها القدح المعلاّ كما يقال في فترة  الثلاثينيات والأربعينيات، إلاّ أنه تم التخلي عنها بعد وفاة ستالين في العام 1953  لكن تأثيراتها لم تختفِ أو تغيب، وظلّت تبسط ظلالها حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي وثمانيناته، علماً بأن جدانوف اتهم  في ما يعرف بمؤامرة "الأطباء اليهود" وكان أحد أبرز ضحاياها، وكان اتهامهم بالتعمّد في إهمال صحة القياديين في الحزب الشيوعي (المقصود ستالين)، وكان جدانوف من أبرز ضحايا تلك "المؤامرة.

وضحكنا كثيراً حين رويت له ما كنت قد قرأته من أن ميخائيل شولوخوف مؤلف رواية "الدون الهادئ" ارتجف حين سأله ستالين عن بطل الرواية "كريكوري" المتمرّد، المتقلّب، الشجاع، القلق، الضاج بالفحولة ومعشوق النساء، ولاسيّما لجهة علاقته باكسينيا، لماذا لم ينتم إلى الحزب؟ فما كان منه إلّا أن يجيبه إجابة تقريرية: لم أقرّر أنا يا رفيق هو الذي قرّر، فقد كان ستالين يريد النهايات السعيدة أو الإيجابية التي تعتبر إن كل ما هو إيجابي فهو ملك للحزب، وهكذا تصوّر إن انتماء كريكوري للحزب يمكن أن يعطي النموذج.

وتعرّض بألم لما أصاب المثقفون والثقافة من نكوص خلال الثورة الثقافية الصينية 1965-1976 حتى وفاة ماوتسي تونغ، حيث جرت عمليات تطويع وترويض وإهانة للمثقفين، ناهيكم عن محاولات توظيف طاقاتهم الإبداعية لصالح السلطة والجهاز البيروقراطي، ابتداء من الكرباج إلى مقصّ الرقيب، ومن العزل والمحاربة بلقمة العيش إلى كاتم الصوت، فضلاً عن وسائل أخرى أكثر مكراً ونعومة، ولكنها أكثر إيلاماً وأذى.

وعُدنا لسلطاتنا التي استهدفت المثقفين، سواء بالعمل على تدجينهم أو دمجهم بجهازها البيروقراطي ومؤسساتها الثقافية، بالإغداق عليهم أو إغراقهم كي لا يغنّون خارج السرب، وفي كل الأحوال تحرص على عدم خروجهم عن الفلك الذي تريده أن يدورون فيه بهدف الابقاء على الصوت الواحد وتطويع وسيلتهم الإبداعية، كي لا يتحوّلون إلى نقطة جذب، خصوصاً حين يتمتعون بقدر من الاستقلالية في الاجتهاد والمعالجة والموقف.

وناقشنا " الواقعية الاشتراكية" التي تحوّلت تدريجياً إلى " أداة تبرير" للاستبداد وتمجيد الزعيم، الفرد، حيث شكّلت كابحاً بوجه تطوير الثقافة، خصوصاً حين اعتمدت القوالب والصيغ والكليشهات لتقييم العمل الإبداعي، ولم يكن ذلك بعيداً عن مقارنة أجريناها مع المكارثية في الولايات المتحدة التي لا حقت المثقفين وقسّمتهم تبعاً لمواقفه الفكرية والسياسية، ناهيك عن أدوارها اللاحقة في التأثير على أعداد من المثقفين في بلداننا، بتغلغل بعض أجهزتها في دعم مؤسسات ثقافية وإعلامية، وهو الأمر الذي ازداد بصورة صارخة وشبه علنية أحياناً بعد انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الأيديولوجي من طوره القديم ضد الشيوعية والمعسكر الاشتراكي إلى طور جديد، وخصوصاً ضد ما سمّي بـ"الإسلام السياسي" في منطقتنا.

كما أجرينا مقارنة بين دور مثقفينا في الوقت الحاضر ودورهم في الخمسينات وكان بلند من دعاة ميثاق يؤكد معايير الحد الأدنى للاتفاق الثقافي والوطني، الذي يؤكد على حق المثقف ودوره ومسؤوليته وحقوقه الديمقراطية والمهنية، خصوصاً في ظل دعوة بإشاعة الحوار وسماع الرأي الآخر، آخذين بنظر الاعتبار التكوين الخاص للمبدع وعالمه الذاتي وما يريده من عملية الخلق، إضافة إلى وسيلته الفنية والمعايير الجمالية التي يريد إبرازها والتعبير عنها، مؤكدين على جدلية الثقافة والوعي، خصوصاً إذا ما عبّرت عن الحرية التي هي بتعبير ماركس "وعي الضرورة".

IX

قدّمت بحثاً في ندوة برلين بعنوان " الثقافة بين حاجز القمع وجدار الآيديولوجيا" وهو ما ضممته إلى كتابي " عاصفة على بلاد الشمس" الذي صدر في بيروت عن دار الكنوز الأدبية، في العام 1994، والذي كتب عنه بلند الحيدري في مجلة المجلّة (السعودية) اللندنية.

وكما جاء في مقالة بلند: وقد اجتمع لهذا الكتاب "عاصفة على بلاد الشمس" من فضائل كاتبه في الاختصاص بالقانون الدولي، وفي العامل ميدانياً في منظمة حقوق الإنسان العربي، وفي الصحفي والكاتب والدارس ما عزّز من نهجه في دقّة المعالجة واعتماده على الحقائق الثّابتة والمؤكّدة بالوثائق والأدلّة... إنه كتاب حقيق بالعودة إليه غير مرّة لإيفاء حقّه في البحث الجاد في مقوّماته وأبعاده.

وكان محمد مكية المعماري المعروف وصاحب ديوان الكوفة قد دعانا بلند وأنا لنكوّن إضافة إليه "لجنة ثقافية" للديوان، ووافقنا على اقتراحه وعملنا معه لبضعة أشهر، حيث وضعنا برنامجاً ثقافياً لفعاليات فكرية وثقافية وفنية وندوات خاصة، ونفّذنا بعضها بزخم كبير، ثم اقترح علينا عقد ندوة عن ميثاق 91 Charter الذي بادر إليه نجله كنعان مكيّة، الذي اشتهر باسم "سمير الخليل" مؤلف كتاب "جمهورية الخوف" .

ورغم التأييد الكبير الذي حظي به الميثاق حيث وقّع عليه عشرات من المثقفين العراقيين، إلّا أنه لم يتحمّل أن يوجّه له نقداً، ولاسيّما في موقفه من "القوات المسلحة" وهو ما دوّنته في هامش لكتابي الذي صدر في 1992 والموسوم "المحاكمة - المشهد المحذوف من دراما الخليج" (عن دار زيد - لندن) والذي جاء فيه "ومع الاتفاق الكامل من أن الجيوش غالباً  ما حدّدت الديمقراطية وأضعفت المجتمع المتمدن، كلّما تضخم حجمها كان ذلك  على حساب المجتمع  المدني وهو ما حدث في العراق بالفعل، إلّا أن ذلك ينبغي ربطه على نحو أشد وثوقاً بقضية الصراع في منطقة الشرق الأوسط وبخاصة لحل القضية الفلسطينية، وبالتالي تخفيض عسكرة الجيوش لعموم دول  المنطقة، إذ أن  استمرار سياسة "إسرائيل" العدوانية وعدم اعترافها بحقوق الشعب العربي الفلسطيني  لا يهدد السلم والأمن الدوليين حسب، بل تنذر بعواقب وخيمة، خصوصاً فيما يتعلق بنفقات السلاح وتضخيم الجيوش واحتمالات اندلاع الحروب وغيرها، وهو ما يجعل التعهد في الدستور العراقي الجديد بتحريم التجنيد الإلزامي وتقليص نفقات الدفاع والأمن الداخلي إلى 2% من مجموع الدخل القومي، إنما هو تعهد من طرف واحد ودون مقابل، خصوصاً وإن الفكرة لا تقترن ببقاء أو زوال صدام حسين، وإنما بقضية الوطن والأمة ككل" (المحاكمة - المشهد المحذوف من دراما الخليج، دار زيد، لندن، 1992، هامش رقم 45 ص 79-80)  وبسبب ذلك شعر بلند وكاتب السطور بنوع من الفتور وضعف الرغبة في الاستمرار، فانسحبنا بهدوء ومودّة ودون أثر يُذكر، وهو ما اتفقنا عليه.

كان بلند الحيدري شديد التواضع ويعبّر عن ذلك بطريقة مملّحة، وأتذكّر أنه حين عرّفني على الروائي اللبناني الكبير أمين معلوف الذي جاء لندن لإلقاء محاضرة في ديوان الكوفة بعد توقيع كتابه (مطلع التسعينات)، بادره إلى القول : " قبل سنوات كنت تأتي لتلتقط معي صورة للذكرى وها نحن اليوم نأتي إليك لنلتقط معك صورة"، وهذا ما يظهر اعتزازه بنجاح الآخرين ومكانتهم وإبداعهم.

ولأن محمد فايق وزير الإعلام المصري الأسبق في زمن عبد الناصر بحكم موقعه كأمين عام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان يعرف العلاقة التي ربطتني مع بلند الحيدري وتعاوننا في الميدان الحقوقي والثقافي، فإنه بادر إلى الاتصال بي لتعزيتي ولنقل تعازيه إلى عائلته، وقد اتصلت بزوجته الفنانة التشيكلية دلال المفتي وأبلغتها بذلك وبحضور الصديق سعود الناصري الذي كان عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا.

وقال محمد فايق في الكلمة التي ألقاها في الاحتفالية التي أقيمت لي في القاهرة بمناسبة نيلي وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي (القاهرة - 2003) "... كان شعبان يندمج مع بلند الحيدري فكراً ووجداناً وشعراً... وينصهر مع الجواهري ويذوب في أشعاره ويتوحّد مع أفكاره... وكان يلتقي مع الشاعرين الكبيرين في إعلاء قيمة الإنسان وإطلاق طاقاته في ظل الحرّية التي عشقها ونذر حياته لها"، والكلمة منشورة في كتاب أصدره المركز العربي لنشطاء حقوق الإنسان الموسوم " عبد الحسين شعبان : الحق والحرف والإنسان"، وقدّم له المحامي حجاج نايل مدير المركز، القاهرة، 2003.

جدير بالذكر أن بلند الحيدري سبقني إلى رئاسة المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن، وحين انتخبت رئيساً بعده وأمضيت عدّة سنوات في رئاستي للمنظمة، وكنت قد اخترت بلند الحيدري عضواً في المجلس الاستشاري مع نخبة ضمّت 15 عضواً من خيرة المثقفين العرب، بينهم الشاعر والمفكر العراقي صلاح نيازي، الذي رفد المكتبة العربية بعشرات الكتب والمؤلفات والترجمات والدراسات النقدية، إضافة إلى دواوين منها:  "كابوس في فضة الشمس"، و"المفكر والهجرة إلى  الداخل" و"ابن زريق وما شابه" -وأصدر مجلة رصينة اسمها " الاغتراب الأدبي" في لندن، استمرت لنحو عقدين من الزمان.

وحين تم اختطاف منصور الكيخيا الحقوقي والمثقف الليبي البارز ورجل الحوار والسلم، من القاهرة في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1993 حين كنّا نحضر مؤتمراً من فندق السفير بالدقي، شكّلنا لجنة للدفاع عنه في لندن كان على رأسها بلند الحيدري  وصديق الكيخيا صلاح عمر العلي والفنانة المسرحية ناهدة الرمّاح من العراقيين وعدد من الشخصيات العربية البارزة، إضافة إلى محمد المقرين أحد أبرز شخصيات المعارضة الليبية ورئيس المؤتمر الوطني الليبي لاحقاً وعلي زيدان رئيس الوزراء بعد الإطاحة بالقذافي وعدد من الشخصيات الفلسطينية والسودانية والخليجية والمصرية والمغاربية، وكنت قد ألفت كتاباً عن الكيخيا العام  1997 بعنوان " الاختفاء القسري في القانون الدولي - الكيخيا نموذجاً"، كما أنتجت المنظمة فيلماً عنه في السنة ذاتها، لكن بلند الحيدري كان قد غادرنا حينها .

وكان آخر لقاء ببلند الحيدري قبل وفاته بأسبوعين، حين دعوت لحضور اجتماع بين اللجنة التنفيذية والمجلس الاستشاري للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، لرسم ستراتيجيات ما بعد المؤتمر، ولاسيّما للاتفاق على الملتقى الفكري السنوي الذي اعتادت المنظمة على تنظيمه، وقد قررّنا في تلك الجلسة أن يكون الملتقى القادم "عن القدس والرأي الاستشاري"، وقد بدا في تلك الجلسة مرهقاً وحزيناً، وبعد الانتهاء من الاجتماع أقنعته بإيصاله بسيارتي إلى منزله في منطقة إيليلنغ وحين علم بأنني أعدّ كتاباً عن الجواهري، بادر إليّ بطلب قراءته وكتابة مقدّمة له وحين عبّرت له عن سروري وشكري، قال بالعكس إنك ستمنحني الفرصة للكتابة عن الجواهري. وهو ما اتفقنا عليه، لكن يد القدر كانت أقرب إليه.

لم أشأ أن أتطفل عليه لسؤاله عن سبب إرهاقه وحزنه، لكنه بادر للقول إنه سيجري قسطرة للقلب بناء على نصيحة الطبيب بعد أيام، ولكنه دخل المستشفى ولم يخرج منها. وأظن أن الفاتحة التي أقيمت له كانت من أكبر وأضخم الفواتح التي عرفتها خلال فترة وجودي في لندن، مهابة وحضوراً وحزناً حقيقياً.

X

تأثر بلند الحيدري بإيليا أبو ماضي وميخائيل النعيمة والياس أبو شبكة، في بحثهم عن الخلود والفناء والوجود والعدم والموت والحياة، وذلك قبل تأثره بسارتر وكيركارد وهايدغر على حد تعبيره، وحسبما يقول إن جيله شهد ثلاث ثورات لم يكن بعيداً عنها، أولها - الثورة الأخلاقية، أي الثورة على الأخلاق السائدة، ومن هنا كان إعجابه بحسين مروان وصفاء شقيقه، والثورة الثانية اليسارية والماركسية جوهرها حينذاك، وثالثها الثورة الوجودية التي يقول إنه انفرد فيها من بين أقرانه، واستفاد في ذلك من حواراته (مطلع الخمسينات) مع عبد الرحمن بدوي.

كانت لغة بلند تشكيلية أكثر منها إنشائية، فقد ابتعد عن الزخارف، وبقدر كونها ترسم صوراً بحروف ملونة فهي ترسل إشارات ناعمة ومؤثرة في الآن، عاطفية، سداها ولحمتها، الذات بحثاً عن الأمل والإنسانية في ظلّ مجتمعات بائسة وتعاني من شحّ الحريات، وترك لنا بلند علامات دالّة على الطريق لتؤشر لتضاريس لتجاوز القصيدة الكلاسيكية.

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

جواد غلومكلما أنوي الاتصال بأولادي وبناتي الموزّعين في أقاصي الأرض وشتاتها ألجأ لملاذي الذي اعتدت عليه في الهاتف الذكيّ وأنتخب "السكايب" ليوصلني إلى من أحبّ فيهدأ بالي وتطيب سريرتي .

في العام /  1992 رحل  شاب قرويّ، وحيد أمه وأبيه، طبعُه ساذج، ليس له مران في التعامل مع الثورة الالكترونية وعالم التقنية والميديا الاّ النزر اليسير، فتىً قليل الخبرة هاربٌ من الاضطرابات السياسية في بلاده الأم ّ، ضعيف الدربة  اسمه "جان كوم" مع أمّه القرويّة الساذجة ربّة البيت الأوكرانية مهاجراً الى الولايات المتحدة بعد ضنك عيشٍ في بلادها الأم  وتركا الأب  في أوكرانيا اذ كان هذا الأب معاندا ولم يرغب في الهجرة وبقي في بلاده كمدير لمشروع إسكان الفقراء وبناء بيوت شعبية لهم وتشييد المدارس والمستوصفات الصحية لمواطنيه وأطفالهم  في قريته .

 كان عمر هذا القرويّ الوحيد لعائلته وقتذاك اربعة عشر عاما حينما حطّ رحاله في بلاد "اليانكي" واستقر في قصبة نائية ضمن ولاية كاليفورنيا اسمها "ماونتن فيو" هربا من النزعة المعادية للسامية وكراهية الأجانب النازحين الى الولايات المتحدة والتي كانت قائمة بين بعض سكّانها في تلك الولاية .

عاش مع أمّه في شقة صغيرة تحوي غرفتَي نوم حصلا عليها ضمن المساعدات الحكومية التي تمنح للمهاجرين  قبل ان تصاب والدته بالسرطان وتنتقل الى العالم الآخر سنة /  2000 .

 وقبل هذا التاريخ رحل والده ايضا سنة /  1997 ودفن في وطنه الأوكراني  الذي لم يغادره .

عملت أمّه في ردح حياتها الاميركية أوّل مرةٍ مربية وجليسة أطفال لدى إحدى العوائل الغنية رغم اشتداد أسقامها، كما حصل "جان كوم" على عمل رثّ في دكان بقالة متواضع ويقوم بنفسه في ترتيب البضائع وغسل أرضية البقالة وتنظيفها يوميا  وبعدها انتقل الى عمل آخر حارسا ليليا بإحدى الشركات حينما تم قبوله طالبا دارسا في جامعة سان خوزيه ستيت اذ كان يدرس نهارا في الجامعة ويعمل في الحراسة ليلا .

قبيل وصوله الى العالم الجديد، عاش الفتى قبلا مع والدته في قرية صغيرة خارج العاصمة كييف في أوكرانيا معيشة فيها من الضنك الكثير إذ كان مسكنه يخلو من الماء الساخن والكهرباء وأجهزة الهاتف، وبالكاد أكمل دراسته الابتدائية في تلك القرية وعُرف بشغبه وشراسته مع زملائه الطلبة ولم تظهر عليه علامات الفطنة والذكاء أيام التعليم الأساسي في بلاده ومحتده أوكرانيا .

وطوال إقامته في الولايات المتحدة  بدأت سمات الذكاء تظهر عليه خاصةً بعد ان فاز بعملٍ مهندس إلكتروني في شركة "ياهو" وتكليفه بتفقّد أنظمة الدعاية، وكان يجمع بين الدراسة وبين العمل والكدح المضني، وبسبب خلو جيبه فقد كان يستعير الكتب من المكتبة العامة ومن زملائه وأصدقائه ليلتهمها في اقصر وقت ويعيدها الى أصحابها  إذ صمم على تغذية عقله بتقنيات التكنولوجيا الرقمية وعلوم الحاسبات وعالم السوشيال ميديا وجهدَ على المثابرة لإغناء عقله باعتباره طريقا سالكا باتجاه إثراء جيبه وزيادة أرصدته المالية، وهو الذي عاش الفقر المدقع والحاجة القصوى للمال يوم كانت أمّه المريضة بأمسّ الحاجة الى الدواء والعلاج المكلف خاصة وانها لم تكن وقتذاك تمتلك تأمينا صحيا يتيح لها العناية بصحتها ومواصلة العلاج .

ولأن الحاجة أم الابتكار والاختراع  كما يقال في أمثالنا ، ففي عام 2009، قام مع شريكهِ  "بريان أكتون" بتأسيس برنامج التراسل للهاتف الجوال "واتس آب" والذي يعني ويترجم تساؤلاً في العربية : ما الجديد؟، والذي اشترتها في فبراير/ 2014 شركة فيسبوك التي سبق ان طردتْه عام / 2007 عندما قدّم على وظيفة تُعينه وصديقه على تحمّل أعباء الحياة وتدعم مشروعه  المجاني في عالم الاتصالات مثلما رفضت تعيينه شركة (تويتر) ايضا، ولكن بإصراره وقوة عزيمته حقق ثروة لا تخطر حتى في خيالات الأحلام وأوسع من حدود الأماني (19 مليار دولار) استلم دفعته الأولى البالغة أكثر من ستة ونصف مليار  وهو الذي كان يُمنّي نفسه بأن يملأ جيبه ببضع مئات من الدولارات ليسدّ رمقه ويقيم أوَده .

والمدهش ان الصفقة التي تمت بينه وبين مؤسس الفيسبوك قد حصلت في نفس البناية البيضاء التي كانت مركزا لاستقبال أمثاله المعوزين اللاجئين وكثيرا ما كان يستلم منها المعونات البخسة بين حين وآخر (بضع مئات من الدولارات وقليل من المساعدات العينية) وكوبونات الحكومة المدعمة لأقرانه المغتربين الفقراء باعتباره لاجئا هو وأمّه وقت شبابه وفتوته  ليقيم أودَه ويسدّ رمق أمه المعوزة المريضة .

تحدّث جان كوم بعد استلامه الدفعة الأولى البالغة اكثر من ستة مليار دولار : كنت في صباي ادخل مكاتب البريد لأتصل بوالدي في اوكرانيا وأبقى ساعات انتظر دوري في مكتب البريد وحالما انتهي عليّ ان ادفع أجرة الخدمات الهاتفية مما يرهق جيبي، ولا اخفي فان هذا الحال المدقع ودفع الدولارات من اجل مكالمة تُريحني كانت سبباً لابتكار الخدمة الهاتفية المجانية في الواتساب، لهذا عزمت مساعدة مستخدمي الواتساب بصورة مجانية وسعيِي ونجاحي في تحميل ما ابتكرت في جهاز (الآيفون) الذي امتلكته عام / 2009 بشقّ الانفس، وهذه ضمن شروطي على إدارة الفيسبوك على إبقائه مجانيا وبدون دعايات إعلانية مفرطة بعد عقد الصفقة عسى ان أوفق في خدمة المعوزين وأخفف عنهم، وها أنا حققت ما أريد وكم أسعد حينما أرى مئات الملايين يستفيدون من خدماتي الهاتفية بلا مقابل مادي، فأنا الآن رغم ثرائي ما زلت اعشق الحياة البسيطة التي كنتها في بلادي قبل رحيلي الى الولايات المتحدة، وهل أنسى أمّي التي ملأت حقيبتي أقلاما وقرطاسية ودفاتر من مكتبات أوكرانيا حتى لا أضطر الى شرائها بسعر غالٍ في مهجري العالم الجديد .

كثيرا ما تختلج في رأسي فكرة ان المبدع – فنانا كان او أديبا، مخترعا او مكتشفا في أيّ حقل من حقول العلم – لا يصل الى قمة الإبداع والابتكار إلاّ إذا عاش الفقر وتذوّق مرارة الفاقة وقد يصل الى ذلك الفردوس الإبداعي والاكتشاف الذي يصبو إليه، لأن الفقر والعوز يعطي العالِم المخترع والأديب والفنان دفعا وزخما أعلى بكثير ممن لا يعيشون معاناة الفاقة وهذا هو حال السيد الأوكراني " جان كوم " مثار حديثنا الذي أقدّم له وافر الشكر والامتنان  كلما سمعت صوت نسلي وأحفادي وأروني شكلهم وجها لوجه عبر اللوح الالكتروني .

 

جواد غلوم

 

محمود محمد علييعد الدكتور محمد مهران رشوان (1939-2012م) أحد رواد أساتذة المنطق المتميزين في عالمنا العربي، استطاعوا توظيف المنهج التحليلي الذي طبقه بدراساته في الفلسفة المعاصرة، خاصة علي فلسفة برتراندرسل، ودراساته حول فلسفة اللغة، علي المنطق العربي، بحيث يستطيع الباحث المدقق أن يجد الصلة بين جهوده في هذين المجالين.

وقد عرفته من خلال كتاباته المنطقية التي كانت تُدرس لي في مرحلة التعليم الجامعي بجامعة أسيوط (سابقا)، حيث كان يشرح منها أستاذنا الدكتور "نصار عبد الله" مقرر المنطق الرمزي (بالفرقة الثالثة) حين كنت طالباً بقسم الفلسفة بكلية الآداب بسوهاج، وحين تخرجت وحصلت علي ليسانس الآداب، ذهبت إلي جامعة القاهرة لأكمل دراساتي بقسم الفلسفة، وكان هدفي الأساسي أن أسجل رسالتي للماجستير والدكتوراه في تخصص المنطق وفلسفة العلوم، وقد بحثت عن الدكتور مهران فوجدته معاراً بدولة الأمارات العربية، وحين عاد سيادته في أواخر 1996، ذهبت لمقابلته أنهل من علمه وفكره ومنذ تلك اللحظة لم تنقطع علاقتي به، حيث كنت أتابعه باستمرار من خلال المؤتمرات والندوات والمناقشات (سواء رسائل الماجستير أو الدكتوراه) .

والدكتور محمد مهران قد تتلمذ علي يديه المئات سواء في مرحلة الليسانس أو الدراسات العليا وحصل الكثيرون معه علي درجات الماجستير والدكتوراه، والدكتور مهران (بشهادة الدكتورة سهام النويهي في مقال لها بعنوان محمد مهران والمنطق) يعد أحد رواد أساتذة المنطق المتميزين في العالم العربي في وقتنا المعاصر فلأنه بدأ الاشتغال به منذ بداية السبعينيات وخاصة الاشتغال بالمنطق الرمزي الذي كان يعد في ذلك الوقت موضوعاً غريباً إلي حد ما ولم يألفه أحد قط فلم يكن بين المشتغلين بالدراسات الفلسفية إلا عددا ضئيلا من المهتمين به نظرا لصعوبته وظهوره بصورة أقرب إلي تخصص الرياضيين منه إلي تخصص الفلاسفة . كما كانت المكتبة العربية نادرة الاحتواء لمؤلفات عربية في هذا النوع من المنطق . ولقد ساهم الدكتور مهران بمؤلفاته في المنطق الرمزي في تعريف القارئ العربي بهذا النمط من الدراسة بأكبر قدر من الوضوح وأبسط طريقة يمكن أن يقدم بها هذا التعريف . فرغم عدم بساطة المنطق الرمزي سواء في طبيعته أو في لغته إلا أن د. مهران قد توخي في كتاباته البساطة في العرض والوضوح في الفكرة دون الاخلال بعمقها وهذا ما يتضح في الكم الهائل من الأمثلة الممعنة في التبسيط التي ترد في كتاباته، وهي أمثلة عادة ما تكون من الواقع بحيث امكنه ربط المنطق الرمزي المتسم بالتجريد والصورية الكاملة بما هو واقع وهذا مما يمكن القارئ بصفة عامة من الفهم بيسر وسهولة، فهو لا يتكلف أساليبه بل إن غايته هي إيصال الموضوعات بأكبر قدر من الوضوح، كما أن من أهداف الدكتور مهران توضيح طبيعة التفكير المنطقي كما نمارسه في حياتنا اليومية . فقد أراد دائما أن يثبت أن القواعد المنطقية ليست مجرد قوالب صماء جوفاء ولكن لها تطبيقاتها في حياتنا اليومية فكما يقول هو في مقدمة أحد كتبه " قواعد المنطق بلا تدريب او تطبيقات في أحوال شتي يحيلها إلي قواعد جوفاء، تماما كما يكون التدريب علي التفكير المنطقي دون فهم جيد للقواعد تدريب أعمي يسير بغير هدي ".

وكان الدكتور مهران نعم الأستاذ الذي يتسم بالكبرياء الواضح، والحوار العميق، والمستوى الرفيع في إدارته للجلسات وإعطائه للكلمات وتعقيبه على الانتقادات، علاوة علي أنه كان يتميز في كلامه بتلقائية صريحة، حيث كان خفيف الظل، عميق الفكاهة، مبهرًا ومتألقًا ورائعًا ؛ ولقد صدق الدكتور مصطفي النشار حين وصفه (في كتابه رواد التجديد) :" بأنه لم يكتف بأداء مهامه في الأستاذية تدريساً وبحثاً وإشرافاً علي تلاميذه، بل قام لدي هؤلاء التلاميذ بمهمة الأب والراعي لهم والمدافع عنهم والذي يتصدى بشجاعة إلي حل مشاكلهم فتحول لديهم من مرتبة الأستاذية الحانية إلي مرتبة الصديق المدافع ليس فقط عن هؤلاء التلاميذ، بل عن هؤلاء الأصدقاء. لقد تفرد الدكتور مهران بفضيلة الجمع بين الأستاذية والصداقة لتلاميذه لدرجة كان يشعر معها هؤلاء التلاميذ أنهم يتحدثون ليس إلي أستاذهم بل إلي صديقهم الودود الذي لا يمل من شكواهم ولا يضيق بمشكلاتهم . إنه الأستاذ الذي كان يؤمن بأن قيم الإنسانية تفوق قيم الأستاذية وأن البحث العلمي والتقدم الاكاديمي لطلابه وتلاميذه مرهون بإحساسهم بالأمان إلي جواره والأنس إلي رفقته ومحبته .ولذلك ضاقت المسافات بينه وبينهم رغم فارق السن والخبرة والأستاذية، إنه علي دراية بكل دقائق حياتهم يفتح لهم بيته ومكتبته ويهبهم الساعات الطوال في صحبته لا يبخل عليهم بنصيحة ولا يتوقف عن رعايتهم ماديا وأدبيا وعلميا، والمدد عنده لهم بلا حدود . لقد اختلط بهم واختلطوا به حتي أصبحوا في مرتبة أبنائه وأصدقائه دون تكلف أو إدعاء .

والدكتور محمد مهران رشوان، من مواليد قرية الصلعا بمحافظة سوهاج، مارس 1939، وعين معيدا فى كلية الآداب جامعة القاهرة، وحصل على الماجستير عن موضوع البحث "فكرة الضرورة المنطقية" تحت إشراف د.زكى نجيب محمود ثم د. توفيق الطويل عام 1968م بتقدير عام ممتاز، ثم عين مدرساً مساعداً وبدأ رحلة البحث في الدكتوراه بين جامعة القاهرة وجامعتى السربون بباريس ولندن بإنجلترا، حتى حصل عليها من جامعة القاهرة تحت إشراف د. يحيى هويدى فى موضوع "منهج التحليل عند برتراندرسل" عام 1974م بمرتبة الشرف الأولى. تدرج د. مهران بعد ذلك في الوظائف الجامعية، حتى تولى الإشراف على كلية الآداب بجامعة القاهرة فرع بنى سويف، وشغل منصب عميد هذه الكلية منذ عام 2000 حتى 2005.

كما يعد مهران أحد الرواد القلائل في ميدان دراسات المنطق بمصر، وتعد أعماله مراجع رئيسية للباحثين في المنطق الصوري والتحليلي، وفلسفات فتجنشتين وجورج مور وبرتراندراسل، الفلاسفة الإنجليزي. وامتلك مهران قدرة هائلة علي شرح المنطق، بخاصة المنطق التحليلي عند جورج مور. ومن كتبه "مدخل إلى المنطق الصوري" 1975، "مدخل إلى المنطق الرمزي" 1976، "فلسفة برتراندرسل" 1976، "في فلسفة الرياضيات" 1977، علم المنطق 1979، مدخل لدراسة الفلسفة المعاصرة 1985، في فلسفة العلوم ومناهج البحث 1985.

ولعل  أهم ما يلفت الانتباه فيما قدمه الدكتور مهران من أعمال في مجال المنطق هو اهتمامه بالدراسات المنطقية عند العرب، فهو من الرواد في التوجيه إلي أهمية الاشتغال به، وهذا ما يتضح كذلك من إشرافه علي العديد من الرسائل العلمية في هذا المجال حتي أنه يعد بحق صاحب مدرسة في البحث العلمي في الدراسات المنطقية عند العرب .

وقد يكون من أهم ما قام به من أعمال في هذا المجال هو ترجمته لكتاب نيقولا ريشر "تطور المنطق العربي" إلي اللغة العربية لأنه بنقله لهذا الكتاب (الذي يقع في 576 صفحة)، كان يعي أنه إنما يفتح مجالاً جديداً للدراسات المنطقية المعاصرة في العالم العربي، ومن ثم فقد قدم لهذه الترجمة بدراسة وافية عن الكتاب وأهميته، وسد بهذه الدراسة ثغرات كثيرة فاتت علي ريشر في ثنايا كتابه .

واسمح لي عزيزي القاري أن أذكر لك جانباً من مقدمته لهذا الكتاب، إذ يثير لنا الدكتور مهران مجموعة من الإشكالات المهمة التي ارتبطت بالنقاش الذي فتحه المناطقة والفلاسفة المسلمون حول المنطق وقضاياه، خصوصا في الفترة الممتدة من بداية الخلافة العباسية حتى القرن العاشر هجري، ويمكن تقريب هذه الإشكالات من خلال ما يلي:

1- إشكالية التسمية (المنطق العربي): حيث أرجع الدكتور محمد مهران بهذه المشكلة إلى النقاش الذي دار بين السيرافي ومتى بن يونس حول طبيعة المنطق، هل هو واحد مرتبط بالفكر، أم إنه مرتبط باللغة ومتغير بتغيرها؟ وهو النقاش الذي خلده أبو حيان التوحيدي في كتاب "المقابسات".

2- مشكلة المنطق بين العلمية والآلية: حيث أرجع الدكتور محمد مهران بهذه المشكلة إلى اختلاف موقع المنطق في علاقته بالفلسفة بالانتقال من أرسطو إلى المدرسة الرواقية، فإذا كان الأول جعله منفصلا عنها، فإن الرواقيين اعتبروه جزءا لا يتجزأ من الفلسفة، حيث تنقسم لديهم إلى العلم الطبيعي، ثم الجدل فالأخلاق.

3- مشكلة المنطق بين المادية والصورية: حيث أرجع الدكتور محمد مهران بهذه المشكلة إلى أرسطو والتأويلات التي أعطيت لأعماله المنطقية، فقد جعل المنطق علما بما هو كلي؛ أي أنه يعتني بالصور المجردة التي هي انعكاس لصورة الأشياء في العقل. رغم هذا الطابع الصوري، فإن الصورية لا تعني الفراغ من كل مضمون، وهذا هو الرأي الذي ساد لدى أوائل العرب الذين اهتموا بالمنطق الأرسطي، قبل أن يتبنى المتأخرون موقفا حاولوا من خلاله تجريده من مادته التي تتخذ تارة صبغة برهانية، وتارة أخرى صبغة جدلية أو خطابية أو شعرية.

4- الأورغانون بين أرسطو والعرب: أكد الدكتور محمد مهران خلال مناقشته لهذه القضية، أن الإسكندر الأفروديسي هو الذي حدد المنطق بالأورغانون، وتركب لديه من كتب ستة هي: المقولات والعبارة والتحليلات الأولي والتحليلات الثانية والجدل والسفسطة، وأكد د. مهران أن هذا الترتيب ليس زمانيا، وإنما تمت فيه مراعاة الانتقال من البسيط إلى المركب ومن المبادئ إلى تطبيقاتها، فتراكب المقولات يشكل العبارة، وتراكب العبارات يعطي قضايا، تتوالد من بعضها بالقياس، وهو توالد قد يتخذ نفحة برهانية أو جدلية أو سفسطائية مغالطة. وبالتالي يضاف لى هذه الكتب الستة كتابان، هما: الخطابة والشعر.

5- قضية التقسيم الثنائي للمواد المنطقية: بعد إثارته لهذه القضايا، سينتقل الدكتور محمد مهران في تقديمه لكتاب "تطور المنطق العربي" لمناقشة قضية أخرى، تتعلق بالتقسيم الثنائي للمواد المنطقية لدى المناطقة العرب، إذ تنقسم لديهم إلى تصورات وتصديقات، من خلال فهمهم للمنطق على ضوء خصائص لغتهم العربية.

6- الطرق التي عالج بها المسلمون المنطق :، وقد جعلها كالتالي: طريق الترجمة والنسخ، والشروح المنطقية، النظم، الحواشي، المختصرات، التشجير. أما بخصوص دخول المنطق إلى العالم الإسلامي والعربي، فقد اقترن حسب الدكتور محمد مهران بالطب، وانتهى به المطاف مقترنا بعلم الكلام، ذلك أن جالينوس أكد أن دراسة الرياضيات والمنطق شرط مسبق لفهم الكتب الطبية فهماً واعياً، فكان المنطق بمثابة تعليم أولي يسبق دراسة باقي العلوم، وقد انتقل هذا التقليد إلى العرب في المشرق والمغرب، ونجده عند ابن سينا وابن ميمون، وقد ساهم بيت الحكمة في العصر العباسي في توفير الكتب المنطقية التي تلازمت مع ترجمة الكتب الطبية والفلكية.

ولقد فتح كتاب تطور المنطق العربي مع الدراسة العربية التي قدم بها الدكتور مهران (بشهادة د. النشار في كتابه رواد التجديد)، آفاقا واسعة  لإعادة النظر من قبل دارسينا العرب في تراثهم المنطقي وإسهامات المناطقة العرب في تاريخ المنطق وتعددت الرسائل العلمية التي أشرف عليها الدكتور مهران في هذا المجال، وقد بدأت باكورة هذه المدرسة الجديدة في دراسة المنطق العربي برسالة د. إسماعيل عبد العزيز تحت إشراف الدكتور مهران عن مدرسة بغداد المنطقية .

وتوالت في هذا الاتجاه عند ترجمة كتاب ريشر والدراسة التي قدمه بها لكنه بدأ سلسلة من الأبحاث الأصيلة في نفس الاتجاه علي طريقته التحليلية الفريدة فكتب دراسة رائدة عن الروح العلمية في القرآن الكريم تحدث فيها عن عناصر المنهج العلمي في القرآن الكريم وأكد علي الروح العلمية والاستدلالية المنطقية في الكثير من آيات القرآن الكريم وتلك العناصر وهذه الاستدلالات المنطقية القرآنية هي ما تحلي به علماء وفلاسفة الإسلام الأوائل الذين نجحوا إلي حد بعيد في استلهام هذه الروح العلمية والتجريبية في القرآن الكريم ليقدموا أروع الأبحاث العلمية في معظم العلوم المعروفة آنذاك، بل ويؤسسوا علوما جديدة لم تكن معروفة قبل عهدهم مثل علم الكيمياء وعلم البصريات بالإضافة إلي تأسيسهم للعلوم الإسلامية كعلم الفقه وعلم الحديث وعلم أصول الفقه حسب الأصول المنطقية واستلهاما لهذه الروح العلمية في القرآن الكريم (وذلك حسب شهادة د. مصطفي النشار في كتابه رواد التجديد).

كما كتب دراسة تحليلية رائدة عن الغزالي وكتابه القسطاس المستقيم ذلك الكتاب الذي حاول فيه الغزالي استخراج الأقيسة المنطقية الأرسطية بأشكالها المختلفة من القرآن الكريم ذاته وإن سماها الموازين القرآنية، وهذا مما جعله يؤكد علي أن القرآن وليس أرسطو هو المعلم الأول، وقد أوضح أهمية هذا الكتاب للغزالي ودوره في تمرير دراسة المنطق والفلسفة في العالم الإسلامي، حيث يستعرض الدكتور مهران في هذا الكتاب للفكر المنطقي عند الإمام الغزالي في بعض مؤلفاته" معيار العلم، مقاصد الفلاسفة، محك النظر"، مع التركيز على كتاب (القسطاس المستقيم) فيبدأ بدفاع الإمام الغزالي عن الفلسفة والمنطق، ثم يتعرض للمنطق بأسمائه واصطلاحاته المختلفة، ثم يناقش أهم معايير العلم وموازينه فيتعرض للمعيار العقلي والنقلي ومدى التطابق بينهما وعلاقتهما بالقياس المنطقي. ويحاول الإمام الغزالي استخراج أصول القياس من الآيات القرآنية والتعبير عن بعض هذه الآيات بأقيسة منطقية وهو أمر كانت له دلالة كبيرة بالنسبة للدراسات المنطقية في الإسلام

كما كتب أيضاً سبع دراسة هامة بعنوان " دراسات في المنطق عند العربي"؛ ستة منها في المنطق وواحد حول الروح العلمية في القرآن الكريم، منها أربع حول المنطق في الأندلس وأعلام المناطقة فيها مثل بحث ابن حزم وكتابه " التقريب لهذ المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية"، وببحث آخر عن ابن رشد وشروحه المنطقية علي أرسطو وقد تساءل في هذا البحث الأخير هل كان ابن رشد مجرد شارح لأرسطو وكانت إجابته النهائية علي التساؤل تشير إلي أن ابن رشد لم يكن مجرد شارح حرفي لأرسطو ؛ فما آثاره من موضوعات وما ابتدعه من مصطلحات وما لجأ إليه من تأويلات قد أعطي لشروحه وتلخيصاته طابعا مميزا لا يخلو من ابداع وإن لم يتعارض هذا الإبداع الرشدي مع أرسطو ومنطقه. كما قدم بحثا آخر عن ابن الأزرق وثقافته المنطقية من خلال كتابه " روضة الأعلام" وأكد فيه علي أنه رغم أن ابن الأزرق عاش في فترة انكسار الحضارة الإسلامية في الأندلس إلا أن هذا الانكسار لم يحل دون أن تظهر العقول المفكرة القادرة علي الإبداع والإضافة إلي نهر المعرفة الإنسانية حتي الرمق الأخير . وقد ختم الدكتور مهران هذه السلسلة من الدراسات المنطقية بدراسة هامة عن الوضع الحالي للدراسات المنطقية في مصر والمعروف أن مصر ومناطقتها ودارسيها في هذا المجال هم الرواد في مجال الدراسات المنطقية في العالمين العربي والإسلامي (وذلك حسب شهادة د. مصطفي النشار في كتابه رواد التجديد).

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول تحية وفاء وعرفان واحترام لهذا الأستاذ الجليل الذى لم يُضف إليه مقعد العمادة ولم تغيّره المناصب، وظل معدنه أصيلًا لامعًا لا يصدأ أبدًا، فهو ذلك الذي كان متربعًا على قمة أساتذة المنطق وفلسفة العلوم في الوطن العربي، رغم محنة ضعف البصر نتيجة الكر والفر بين صفحات الآلاف من الكتب والدراسات والمقالات التي تعامل معها الدكتور محمد مهران فى رحلة أكاديمية فريدة كانت أدواته فيها هي الذكاء المشتعل والنظرة الحكيمة والبصيرة الواضحة والرؤية الشاملة.. فلقد كان رحمه الله صاحب قلب كبير، وعاطفة جياشة، وكبرياء لا ينحنى، ونفس تعلو فوق كل الصغائر. رحمه الله بما قدم لنا ولغيرنا من إسهامات مجيدة فى ميداني المنطق وفلسفة العلوم.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

ابراهيم مشارة"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا" الأحزاب 33

قمت بهذه الرحلة المباركة إلى العتبات الشريفة في لبنان في شهر تشرين الثاني من عام 2018 ولم أكتب عنها في الحين ربما لأن الكتابة بسرعة تذهب بسرعة فمن المفيد ترك تلك المشاعر والرؤى تطبخ على نار الزمن والزمن كفيل بكبح جماح الانفعال وترشيد تلك الرؤى فتأتي الكتابة موضوعية وهو مذهب يراه كثير من الكتاب والنقاد ناصحين بعدم التعجل في الكتابة. لكن تلك الزيارة ظلت تعطر الروح بأريج نفحاتها القدسية وتملأ القلب والعقل كلما خلوت بنفسي متأملا في ذلك الوهج القدسي وتلك المشاعر الإيمانية الحارة التي تترك أثرا خالدا في النفس لا سبيل لوصفه بالكلمات إنما الكلمات تقرب بل هي حجاب تحتجب وراءه الحقيقة، في الطريق إلى بعلبك مررت وجماعة من الأصدقاء الكرام ونحن نغادر جنوب بيروت  بمخيمي صبرا وشاتيلا وتذكرنا تلك المذبحة التي راح ضحيتها المئات من الأبرياء عام 1982 وتبقى تلك المجزرة شاهد على همجية العالم وتوحشه، في الطريق إلى بعلبك تلك المدينة التاريخية الخالدة مدينة الشاعر خليل مطران أحد رواد الرومانسية في الأدب العربي الحديث ومن منا لم يقرأ شعره الخالد فتهتز نفسه لبهاء الشعر وسمو المعنى ولطيف الإشارة ظل ذلك القلب المطراني طافحا بالحب والصدق والإخلاص على الرغم من آلامه العديدة:

ثاو على صخر أصم وليت لي** قلبا كهذه الصخرة الصماء

ينتــــابها موج كموج مكارهي ** ويفتها كالسقم في أعضائي

ظللت أهمس بالبيتين لنفسي ونحن نمر بشتورة ثم زحلة ومن منا من قراء الأدب لم تهزه كذلك ذكرى زحلة ومصيفها الخالد ذلك المصيف الذي خلده أمير الشعراء شوقي:

شيــــعت أحلامي بقلب باك**ولمحت من طريق الملاح شباكي

يا جارة الوادي طربت وعادني** ما يشبه الأحلام من ذكراك

عرجنا في الطريق على قرية شيث بقلب سهل البقاع من قضاء بعلبك وهي القرية المنسوبة إلى نبي الله شيث بن آدم ويعود تاريخ بلدة النبي شيت إلى ما يزيد عن ألف عام اسمها يرجع إلى نبي الله شيث ثالث أبناء آدم بعد قابيل وهابيل وهو من الأنبياء السريانيين وهتف الرفاق لابد من زيارة مسجد شيث الذي يستقبلك شامخا عند مدخل قرية شيث بصومعته الباذخة وبالآيات القرآنية التي زينت جدرانه حين دخلنا فوجئت بقبر طويل يمتد لأمتار سألت القيم قبر من هذا؟ قال هذا قبر نبي الله شيث بن آدم لا تتعجب من طوله فقد كان طول قامته أربعين ذراعا، مسجد بسيط في قرية وادعة مسالمة من قرى لبنان قبل أن نخرج أهدانا القيم كتابا هو الصحيفة السجادية وهو عبارة عن أدعيه منسوبة للإمام زين العابدين بن الحسين – رضي الله عنهما - ومسبحة وودعناه مواصلين الطريق إلى بعلبك ولكن بعد المرور بمسجد السيد الشهيد عباس الموسوي ثاني أمين عام لحزب الله  ذلك الشهيد الذي اغتيل مع زوجته (أم ياسر) سهام الموسوي وابنه الصغير حسين يوم 16 شباط من عام 1992 هنا ينتشر عبق الشهادة وأريج البطولة ونسمات الفداء الطيبة وجدتني وأنا أطوف بالمقبرة المحاذية للمسجد أتأمل قبور الشهداء وهم شباب في ميعة العمر ونضارة الصبا سقطوا كلهم شهداء هم شهداء المقاومة الذين وهبوا أرواحهم لنصرة الحق والتضحية في سبيل الكرامة والحرية وجدتني أهيم على وجهي بين القبور متأملا الصور وتواريخ الميلاد والشهادة وأنا أتلو قوله تعالى :"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا "مازالت سيارة الشيخ عباس الموسوي وهى محترقة ولم يبق منها إلا الهيكل بعد أن استهدفها صاروخ حراري إسرائيلي أطلق من طائرة مروحية فقضى على من بداخلها وأحرق تلك السيارة وأنت تدخل المسجد تملا عليك مشاعر غامضة قوية أقطار نفسك كان المسجد فارغا من المصلين ولكنه عامر بقيم الحق والبطولة و مشاعر الفداء والتضحية، أريج طيب ينبعث في أرجاء المسجد الفخم فتأبى أن تغادر وتصر على البقاء هنا نفسك تريد البقاء لأنها تتصل بقيم الحياة العليا الشهادة، التضحية، الفداء البطولة، الترفع عن شهوات الدنيا وحطامها الفاني مكثنا طويلا ثم غادرنا مواصلين الطريق باتجاه بعلبك بعد المرور بمسجد السيدة خولة وهو مسجد فخم يظهر مدى الاحتفاء بآل البيت الكرام كما في مسجد الحسين ومسجد السيدة زينب بالقاهرة والمراقد المقدسة في كربلاء وفي الكوفة أفواج من الزائرين والزائرات تتوافد على المسجد في سكينة وخشوع مصحوبين بأطفالهم فزيارة هذه المساجد تظهر مدى التعلق بآل البيت وحبهم الشديد الذي هو من الدين وقد وقر في أذهان الكثيرين أن الزيارة إذا كانت مقترنة بالإيمان والنية الخالصة تحقق للزائر منيته من شفاء أو نجاح في الدنيا أو هداية ولذا ترى الكثيرين ممن يحرصون على هذه الزيارات استجلابا للعافية ودرء للبلاء ولكن في كل مساجد آل البيت تقترن بالمحنة التي تعرضوا لها والبلاء الذي أصابهم وهم بقية الرسول -عليه السلام -في هذه الدنيا وطالما حفلت الكتب بتعداد ما أصابهم منذ كربلاء وما أصابهم منذ حكم بني أمية وبني العباس والقصائد الطوال التي دبجها الشعراء حبا لآل البيت وتضامنا معهم واقتداء بسيرتهم. ظلت الرائحة الزكية تعطر الأنوف واللحظات الإيمانية تملأ القلب والروح ونحن نطوف في هذا المسجد الفخم العامر مسجد السيدة خولة – رضي الله عنها- في لبنان،ولربما تساءل البعض كيف وصلت الصبية الصغيرة خولة بنت الإمام الحسين إلى لبنان والجواب أن الإمام الحسين حين قتل مع أهل بيته في كربلاء نجا منهم بقية كانت منهم الصبية خولة –رضي الله عنها- التي سارت مع أخيها الإمام السجاد باتجاه الشام هروبا من بطش زبانية يزيد وكان من الطبيعي أن تسير تلك القافلة التي تضم ما بقي من آل البت الكرام بمحاذاة الأنهار والأشجار حتى لا تهلك من العطش وهكذا سارت باتجاه الشام حتى بعلبك حيث وافى الصبية خولة –رضي الله عنها- أجلها فماتت هناك ودفنها الإمام زين العابدين هناك وغرس إلى جانبها شجرة صغيرة لتدل على قبرها وتمر الأيام وتطمر المياه القبر وتنمو الشجرة وتكر القرون حتى تروي إحدى القصص أن مالك ذلك البستان رأى في المنام السيدة خولة تخبره أنها بنت الحسين وأن الماء غمر قبرها وأمرته برفع القبر وإخراجه من ماء الساقية واستجاب الرجل بمعية سكان القرية ودفنوا الصبية في مكان مرتفع وضربت لها قبة وصارت القبة مزار مقدسا ومن عجب أن الشجرة العملاقة مازالت إلى اليوم مشمخرة مرتفعة إلى عنان السماء وقد مر عليها قرون ولعها عجيبة من عجائب آل البيت الكرام أولئك الذين نال منهم الآخرون شر منال وغدت سيرتهم مثالا للابتلاء والمحنة والفداء . وتلك هي رسالة الحياة فليست إلا الصبر على المكاره وبذل النفس في سبيل نصرة الحق والاعتراض على الباطل والوقوف في وجهه كما وقف سيد الخلق – محمد عليه السلام ثم سيد المجاهدين الإمام علي -كرم الله وجهه- وبقيته الصالحة من آل بيته سيد الشهداء الحسين – رضي الله عنه- التي ترك باستشهاده العاطر في كربلاء قصة خالدة للفداء والتضحية والصبر على المكاره والعطش وتعب المسير من أجل الحق الذي أرادت طمسه جيوش الظلام والعصبية .

في الطريق إلى بعلبك وفي البقاع عموما لا تنفك شعارات المقاومة وصور الشهداء تملأ جوانب الطريق وهو ثبات على الحق الذي أراد الغزاة الصهاينة طمسه مستعينين في ذلك بجبروت الغرب وغطرسته وجحيم الآلة الحربية وافتراء الدعاية الإعلامية وفي غفوة الضمير الإنساني الذي استسلم للخداع الغربي الصهيوني فنفض يديه من مسألة الحق المقدس وإنها لوصمة عارفي جبين الإنسانية المعاصرة أن تبقى الأراضي العربية نهبا للاستيطان وتبقى قوافل الشهداء وحدها تعترض على الباطل وتصر على الحق ولو كره الكارهون.

استقبلتنا بعلبك بأطلالها التاريخية في يوم مشمس بارد قليلا واستقبلنا شاعرها الغريد خليل مطران بتمثاله الشامخ وهتفت لتفسي:

والبحر خفاق الجوانب ضائق ** كمدا كصدري ساعة الإمساء

يا للغروب وما له من عبرة ** للمستهــــــــــــام وعبرة للرائي

أو ليس نزعا للنهار وصرعة**للشمـــــــس بين مآتم الأضواء؟

حين عدنا إلى بيروت كانت الطائرات الحربية الإسرائيلية تخترق الأجواء اللبنانية أشار السائق إليها وفي نفسه ما بها الحسرات وفي نفوسنا كذلك لولا العطر الذي ملأ أرواحنا من بقية الزيارة لتلك العتبات الشريفة في لبنان ويبقى ذلك البلد جامعا بين أريج العتبات الشريفة وشرف المقاومة والإباء والحرص على الحرية والكرامة.

 

ابراهيم مشارة