نور الدين صمودأحاول في هذه المداخلة إظهار الحظوة التي كان يلقاها علماء القيروان لدى حكام عصرهم من بغداد إلى إفريقية، وهذه الحظوة تبلغ أحيانا درجة السلطة على أصحاب السلطة، وقد دعمت كلامي هنا بما التقطته من خلال أخبار طريفة يعثر عليها القارئ لكتب الأدب والتاريخ والأخبار، بين الحين والآخر، وهي أخبار نادرة يمكن أن نعتبرها طرائف ونوادرَ أو مُلحا، فنمر بها مستطرفين مستندرين، دون أن نعيرها كبير اهتمام، ولكننا إذا تأملناها فإننا سنستخلص منها أشياءَ ذاتَ قيمةٍٍ حضارية هامة، تكشف عن أشياء أخرى ذات أهمّية كبرى.

يقول لنا المؤرخون: إن علماء القيروان كانت لهم حرمة كبيرة لدى حكامهم، بل سلطة حتى على أصحاب السلطة فيها، ولكن هذا الحكم تقييمي لا تدعمه وتؤكده، ولا يَشـُدُّ أزرَه شيء مثلما تـَسنِده تلك الأخبار المستندرة التي سأسوق طُرَفا منها لتأكيد ما ذهبت إليه في هذا التقديم:

أ) سلطة العلماء على أصحاب السلطة

1) عالِمٌ قيرواني يحرج أبا جعفر المنصور هذا خبر يدل على أن لأحد علماء القيروان دالةً بل سلطةً على السلطة التي كرست السلطة الأغلبية في القيروان، فقد رووا عن رجل من قدماء علماء القيروان، سمع من جِلّة التابعين وتولى قضاء إفريقية مرتين، وكان قبل ذلك قد زاول التعلُّم بالكوفة والبصرة صحبة أبي جعفر المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، الذي تولى الخلافة بعد أخيه السفاح، وقد أسر الروم هذا العالِم القيرواني في البحر ففداه المنصور تقديرا لقيمته ومنزلته عنده، ولهذا العالِم أخبار مشهورة مدونة، وقد توفي سنة 161هـ 778م.

اسم هذا العالم: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري، قال أبو العرب: (حدّث عبد الله بن الوليد عنه؛ قال: خرج في وفد أهل القيروان للشكاية مما نال إفريقية من مظالم الولاة، فدخل يوما على الخليفة أبي جعفر المنصور العباسي، فقال له: يا ابن أنعُم، ألا تحمد الله ربك الذي أراحك مما كنت ترى بباب هشام وذوي هشام من بني أمية؟ فأجابه عبد الرحمن: ما أمْرٌ كنت أراه بباب هشام إلا أرى اليوم منه طَرفا، رأيت ظلما فاحشا وأمرا قبيحا، فقال المنصور: لعله فيما بَعُدَ من بابي؟ فقال له عبد الرحمن: بل كلّما قربت من بابك استفحل الأمر وغلظ. فقال المنصور: فما منعك أن ترفع ذلك إلينا، وأنت تعلم أن قولك عندنا مقبول؟ فقال عبد الرحم: إني رأيت السلطان سوقا، وإنما يرفع إلى كل سوق ما يروج فيها.(1) فقد أراد المنصور أن يسمع من هذا العالم القيرواني كلمة تحط من قيمة حكم الأمويين الذين أطاح بهم العباسيون وتنوه بحكم بني العباس الذين أزاحوهم، ولكنه لم يستجب لهذه الرغبة وأعلمه بأن الظلم في عهد العباسيين قد تفاقم وزاد على ما كان عليه في عهد بني أمية، وهذا الموقف لا نجده لدى المطبّلين والمزمرين في أمثال هذه الحالة.

2) مؤسس الدولة الأغلبية يطلب براءة من القاضي وهذا خبر طريف آخر عن مؤسس الدولة الأغلبية إبراهيم بن الأغلب بن سالم التميمي(140/196هـ) وقد كان عالما شاعرا خطيبا مصقعا، قرأ على الإمام الليث بن سعد(94/175 هـ)  إمام أهل مصر في عصره، وتولّى إمارة إفريقية بعهد من هارون الرشيد، ولم يلِ البلادَ أحسنُ سيرةً ولا أرأفُ بالرعية منه، وتمهدت البلاد في أيامه. وتوفي سنة 196هـ 812م وعمره 56 عاما. جاء عنه في الورقات نقلا عن المالكي: ( كان إبراهيم بن الأغلب الأكبر، يصلي بالجامع المكتوباتِ كلَّها، فخرج ليلة من الليالي من دار الإمارة بالقيروان ـ وكانت ملاصقة لمسجد عقبة ـ فدخل الجامع لصلاة العشاء الأخيرة، وكان مشغول القلب، فعثر في حصير فسقط، فلما صلى بالناس وانصرف إلى منزله بعث في طلب قاضيه عبدِ الله بن غانم، (وهو قاضٍ فقيهٌ ورعٌ من سكان إفريقية، دخل الشام والعراق في طلب العلم، وولاه هارونُ الرشيد قضاء إفريقية سنة 171هـ فاستمر قاضيا إلى أن مات في القيروان، وأخباره كثيرة وهو من الثقات، جمع ما سمعه من الإمام مالك بن أنس في كتاب سمي"ديوان ابن غانم" ولد سنة 128 وتوفي سنة 190هـ) قال المالكي: "فلما أتاه الرسول وقال له: الأمير يدعوك، تغّير ابن غانم عند ذاك وقال: "في مثل هذا الوقت يوجه ورائي؟" ولم يجد بدا من قام إليه، فلما دخل عليه قال الأمير: "يا أبا عبد الرحمن، إني لم أبعث إليك إلا لخير، إني لما دخلت المسجد اشتغل قلبي عن حفظ نفسي، فعثرتُ في حصيرٍ فسقطتُ، فظننت بالناس أنهم حسبوا أني متَـنَـبّـِذٌ،(أي شاربٌ للنبيذ) فأحببت أن تكون براءتي عندك، فاستنكهي. (أي شـُمَّ فمي) فاستنكهه القاضي ابن غانم فوجده بريئا، فشكر له ذلك"، وهذا غاية التحفظ والاحتياط من الأمير.)(4) لقد عثر مؤسس الدولة الأغلبية في حصير بالجامع عند دخوله لأداء صلاة العشاء، فخشي أن يظن الناسُ أنه تعثر لأنه متنبّذ أي من أثر شرب النبيذ، فأرسل إلى قاضيه عبد الله بن غانم في تلك الليلة وطلب منه أن يشم فمه ليعرف هل توجد به رائحة النبيذ، فلما شمه القاضي فوجده بريئا، "وهذا غاية التحفظ والاحتياط من الأمير".كما قال المالكي راوي الخبر في رياض النفوس.

3) سؤال محرج  من أحد الأدباء الظرفاء إلى أمير القيروان قال البكري: (لما آلتِ الإمارة الأغلبية إلى إبراهيمَ الثاني كان من أوَّليات أعماله أنْ نقل عاصمة المُلك إلى "رقَّادة" سنة 264 هـ وترك سكنى العباسية وكان من أثر هذه النقلة أن تقدمت العلوم والآداب والفنون الجميلة تقدما حثيثا لم يُعهد له مثيل في تاريخ البلاد. وأرسل إبراهيم، من أول عهده، سفارات متعددة إلى المشرق بقصد تجهيز عاصمته الجديدة بكل ما تحتاج إليه من أسباب وأثاث ورياش، وكذا سعى في جلب علماء رياضّيين وفنّانين مضاهاةً لما كان يشاهد بحواضر المدن الكبرى: أعني الفسطاط، وبغداد، وسرّ من رأى، ومن الإرساليات المذكورة في التاريخ سفارة"أبي بحر بن أدهم"أحد رجالات الدولة، وقد أخرجه إبراهيم إلى مصر والعراق في سنة 283هـ 896م)- وبعد غياب أشهر عاد الرسول يجر وراءه الأطباء والفنّانين، ومن ضمنهم"مؤنس" المغني. وكان قبل ذلك في خدمة"موسى بن بغا" القائد العباسي المشهور، علاوة على ما جلبه الرسول إلى مخدومة من الجواري الحسان والكتب والآلات والأعلاق النفيسة. وبفضل هذه العناية أصبحت"رقّادة" الباعثَ القوي في النهضة الفنية لإفريقية، وبقيت مدينةُ القيروان أمَّ البلاد للعلوم الشرعية ومركزَ المحافظة على التقاليد الإسلامية والمبنية على الحياء والمروءة والأخلاق العلية، بحيث كنتَ ترى في"رقّادة"، مقرِّ الإمارة الجديدة، الإقبالَ على العلوم الرياضية من تحرير حركة الأفلاك بآلات الرصد، والاهتمامَ بالفنون الجميلة والمستظرفة، وكنتَ تمرّ في بعض أحيائها فتشاهد محلاّتِ اللهوِ والخلاعةِ ومجالسِ الطرب والعزف والمجون، وبجانب ذلك الخمّارات يباع فيها النبيذ علانية حيثما حرص الأمير على منع تداول المسكرات في العاصمة الدينية الكبرى، مما جعل بعض الظرفاء من أدباء القيروان يخاطب إبراهيم الثاني بقوله[منسرح]:

يا سيدَ الناس وابـنَ سيدهمْ             ومَن إليه الرقابُ  مُـنـْقـادهْ

ما حرّم الشُّربَ في مدينتنا            وهو حـلالٌ بأرض رقـادهْ؟)(2)

ذكر حسن حسني عبد الوهاب هذا الخبر في القسم الثاني من "ورقات" نقلا عن البكري ص 28 ثم قرأت نفس الخبر موجزا في القسم الأول من ورقات ص 369 حيث قال: وقد رخّص الأمير للشباب ولأهل الخلاعة واللهو أن يرتادوا الحاناتِ في مدينة رقادة، وكان قد أذن بهذه الحانات أو غض الطرف عنها في أرجاء المدينة، على حين بَيْعُ النبيذ كان محظورا في مدينة القيروان، وذلك ما بعث أحد ظرفاء الشعراء من أهلها أن يسأل الأمير (وذكر البيتين على الوجه الصحيح، فهذا الشاعر يقدم سؤالا محرجا إلى إبراهيم الثاني، حاكمِ القيروان مؤسسِ مدينة "رقادة")(3) وقد علق ح ح  عبد الوهاب على الخبر بقوله: "ولم ينته إلينا بماذا أجاب الأميرُ عن هذا السؤال." والخبر في كتاب "ورقات" يكاد يكون منقولا عن ياقوت في معجم البلدان، وعجز البيت الثاني فيه، وفي القسم الأول من ورقات، صحيح على المنسرح.

4) جواب للقاضي بن فروخ يحرج أمير إفريقية وهذا خبر آخرُ طريف عن عبد الله بن فروخ (115 ـ 176 هـ ) وهو فقيه من علماء الحديث من أهل إفريقية، قيل إنه ولد بالأندلس وسكن القيروان، وعرض عليه روح بن حاتم القضاء فأبى وخرج حاجا فمر بمصر في عودته، فتوفي بها ودفن بسفح المقطم، وله ديوانٌ يعرف باسمه جمع فيه مسموعاته وسؤالاته للإمامين أبي حنيفة ومالك، وكتابٌ في الرد على أهل البِدع والأهواء" كما جاء في الأعلام للزركلي، وجاء عنه في كتاب ورقات التعليق رقم 2 ص 332: أنه نشر آراء أهل العراق ـ أي المذهب الحنفي ـ في إفريقية، وكان عالما فاضلا صالحا قليل الهيبة للملوك في حقٍ يقوله، وهذا الخبر يؤكد هذا الكلام:

(أرسل يزيدُ بن حاتم- أميرُ إفريقية- إلى عبد الله بن فرّوخ يسأله عن دم البراغيث في الثوب، هل تجوز الصلاة به ؟ فقال: "ما أرى به بأسا" وقال لأصحابه بحضرة الرسول: "يسألوننا عن دم البراغيث ولا يسألوننا عن دماء المسلمين التي تسفك!" (5) وقد قرأت هذا الخبر، في مكان آخر، أن ابن فروخ أجاب بشكل ثان أشد جرأة وهو: (سبحان الله يسألوننا عن دم البراغيث وفي أعناقهم دماء المسلمين!)

5) اللحياني يفحم أمير إفريقية

قال أبو العرب في الطبقات: (كان أبو الربيع اللحياني عظيم اللحية جدّا، وكان من أجَـلِّ أصحاب سحنون، دخل يوما على محمد بن الأغلب أمير إفريقية، فكلّمه ووعظه، فقال له ابن الأغلب: ما طالت إلا حمقت!

فأجابه أبو الربيع: "لا تفعل أيها الأمير، فإن الله عزّ وجلّ يقول: (والبلدُ الطيبُ يَخرُج نباتُه بإذن ربه، والذي خَبُثَ لا يَخرج إلا نَكِدًا)(6)(الأعراف 58) وكان محمد بن الأغلب وجهه كوسجا ليس فيه إلا شعرات يسيرة، فخجِل الأمير ولم يعد إليه. والكوسج: هو الرجل الذي لا نبات له في عارضيه، كالأمرد في الغلمان.

6) قاض يُذكّر أمير القيروان بالفقراء

ونسوق هذا الخبر الطريف الآخر الذي يؤكد ما نحن بصدده:

قال المالكي في رياض النفوس: (ختن الأمير إبراهيم بن أحمد الأغلبي أولاده، فمضى أهل العلم من شيوخ القيروان لتهنئته في مدينة"رقّادة" وكان فيمن مضى إليه؛ عبد الجبار بن خالد، فلما أتى إلى الأمير أكبره وعظّمه وسُرّ برؤيته، وأخرج إليه أولاده فدعا لهم وبارك عليهم، ثم قال: أيها الأمير. هل علمت مقدار هذه النعمة التي أنعم الله تعالى عليك بها؟ فإنه أعطاك هؤلاء البنين، وعلّمتهم كتاب الله وأحييت فيهم سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد بلغني أنك أكثرت فيما عملت من الطعام، ودعوت إلى ذلك الأغنياء والأعيان فقال الأمير: أجل! لموضع المسرّة بذلك فقال له عبد الجبار: فلو استكملت هذه المسرة بأن تذكر الفقراء فيها؟ فقال له: صدقت وبررت ثم دعا بكيس فيه خمسمائة دينار ودفعه لعبد الجبار وسأله أن يفرّقها على الفقراء والمساكين، فأجابه عبد الجبار إلى ذلك، فسرّ الأمير بفعله وشيعه إلى باب القصر، وقال لغلمانه: احملوا الشيخ على دابته وقال: والله ما برحت حتى تركب! فركب عبد الجبار والأمير قائم، فلما استوى مركوبه وأصلح الغلمان ثيابه وانصرف، التفت الأمير إلى كاتبه رجاء ابن محمد وخاطبه: يا رجاء! أرأيت ما أعقله وما أظرفه؟ أتعرف في رعيتى مثله؟ إنه قضى ذمامنا، وتعافى عن طعامنا، وأخرج مالنا فيما يُرضي الله ويُرضينا!" وقد تصدّق عبد الجبار بجميع الدنانير على من يستحقها من المساكين.(7)

7) ابن أمير يعلن توبته على يدي القاضي ابن فروخ وهذا خبر طريف آخر يدل على قيمة القاضي ابن فروخ لدى أمراء بني الأغلب، فقد روى المالكي عنه في رياض النفوس أنه خرج يوما يصلي على جنازة في مقبرة باب نافع من القيروان، فرأى إسحاق بن الأمير يزيد بن حاتم وقد أغرى كلابا كانت معه على ظبي ليُضَرِّيَها به، فنهشت الكلاب الظبي ومزقت جلده، فلما انصرف ابن فروخ من الجنازة لقيَ إسحاق بن يزيد الذي كانت كلابه معه، فاستوقفه ابن فروخ، فوقف له إسحاق فما كنّاه ابن فروخ ولا زاد على أن قال له:"يا فتَى، إني رأيتك آنفا تُغري كلابك بشيء من البهائم، وما أُحبُّ لك ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أشد النهي عن ذلك" فقبل منه إسحاقُ وقال له: "صدقت يا أبا محمد، جزاك الله خيرا". مُكَنِّيًا ومعظما ثم قال الفتى: "والله لا فعلت ذلك بعدها أبدا." ثم مضى لوجهه. (8) الملاحظ أن القدماء إذا خاطبوا شخصا ولم يريدوا احترامه لم يكنوه ودعوه باسمه مباشرة، وقد خاطب ابنُ فروخ إسحاقَ ابن الأمير يزيد بن حاتم باسمه دون أن يكنيَه ليُشعره بسلطته عليه، وبغضبه على ما قام به من فعل لا يرتضيه، وهذا ما جعله يعتذر للقاضي بن فروخ، ويكنيه بقوله: يا أبا محمد ويعظمه عند جوابه له.

9) سخرية كاتب أحد أمراء بني الأغلب من إصراره على الجهل وهذا خبر طريف آخر يبدو فيه جهل أحد أمراء بني الأغلب وعندما أصلح كاتبه له الخطأ أصر على الجهل وأصلح جهله بجهل مركب.

فقد روى عنه ابن الأثير في كتاب التاريخ هذا الخبر: "كان أبو العباس بن الأغلب أمير إفريقية قليلَ البصر بالعلم، غيرَ عارف بالنحو والرسم على خلافٍ من آل بيته، لكنه كان منصورا مؤيدا في حروبه وغزواته.

ذكر أن رجاء الكاتب كان يوما بين يديه، فكتب الأمير: (لحم ضبي) مسقوطة، (أي بالضاد) فلمّا خلا المجلس قال له كاتبه: (أيّد الله الأمير، الظبي يكتب بظاء مرفوعة) فقال الأمير: "قد علمنا فيه اختلافا، فأبو حنيفة يجعله بالظاء ومالك يجعله بالضاد." فعجب رجاء من جسارته.(10) فقد حسب أنه صوب ٍهذا الخطأ في الرسم بقول مكذوب نسبه إلى مالك وهو إمام في الفقه المالكي ولم يعتمد قول أبي حنيفة فيه، لأنه من أتباع مذهب مالك، فعجب كاتبه رجاء من جسارته.

ب) طـُرَفٌ من ذكاء أمراء القيروان

وليس معنى هذا أن أكثر هؤلاء الحكام جهال يرتكبون أمثال هذه الحماقات، فقد عثرت على أخبار أخرى تدل على سعة علم وهذا يبدو في أجوبتهم البارعة في بعض محاورتهم وأحاديثهم مع علماء عصرهم، وهكذا نرى أنه إذا كان الأمير أبو العباس بن الأغلب أمير إفريقية قليلَ البصر بالعلم، غيرَ عارف بالنحو والرسم على خلافٍ من آل بيته، مع تشبث بالجهل وإصرار على التعالم، فإننا نجد منهم من له مكانة في العلم.

9) صاحب إفريقية أبلغ من عالم القيروان: المروذي وهذا الخبر يؤكد ما ذهبنا إليه، فقد روى أبو جعفر المروذي، وهو من علماء القيروان في القرن الرابع الهجري في عهد الفاطميين العبيديين،  قال: (خرجت مع مولانا إسماعيل المنصور صاحب إفريقية "وهو رابع ملوك الفاطميين" يومَ هَزم أبا يزيد صاحب الحمار.(11) فسايرت الأمير وكان بيده رمحان، فسقط أحدهما مرارا، فكنت امسحه في كل مرة وأناوله إياه، وأنشدته متفائلا: [الطويل]

فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى     كما قرّ عينا بالإياب المسافرُ

فالتفتَ إليّ وقال: هلا قلت ما هو ابلغ من هذا وأصدق؟ فقلت له: وما هو؟

قال: قول الله عزّ و جلّ: (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون؛ فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين)؟(12) فقلت: يا مولانا؛ أنت ابن رسول الله قلتَ ما عندك من العلم؛ وأنا قلتُ ما عندي.) (13)

11) أمير القيروان يعزل قاضيا لجهله

وهذا خبر يدل على تفوق بعض أصحاب الحكم على بعض العلماء وحتى من تولى القضاء عن غير جدارة، فهذا "أحمد بن وهب من أبناء القيروان، وُلّيَ قضاء طرابلس في مدة الأمير إبراهيم بن الأغلب. وقيل إنه كان قليل العلم، كتب مرة إلى الأمير من ضمن رسالة:"حفضك الله" ولم يرفع الظاء، فقال الأمير: "خفضني خفضه الله." ثم عزله.

والضاد المخفوضة أو الساقطة ضد الظاء المرفوعة أو القائمة أو المُشالة، لذلك رأى إبراهيم بن الأغلب أنه لما كتب له كلمة: "حفضك الله" بالضاد جعلها أقرب إلى خفضك الله منها إلى حفظك الله، وقد عزله لجهل هذا القاضي، ولتشاؤم الأمير من كتابة تلك الكلمة بذلك الشكل.(14) وأختم هذه الأخبار المستندرة التي تؤكد سلطة علماء القيروان على أصحاب السلطة بهذا الخبر الذي ننقله من كتاب "الحلل السندسية في الأخبار التونسية" للوزير السراج، مرويا عن محمد بن سحنون قال: (ولي سحنون القضاء بعد أن أُدِيرَ عليه حولا، وأغلظ عليه أشد الغلظة، وحلف عليه محمد بن الأغلب بأشد الأيمان، فوليَ يوم الاثنين الثالث من رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين 234 هـ : قال سحنون: "لم أكن أرى قبول هذا الأمر حتى كان من الأمير معينان: أحدهما أعطاني كل ما طلبت وأطلق يدي في كل ما رغبت، حتى أني قلت له: "أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك، فإنّ قِبَلَهم ظُلاماتٍ للناس وأموالاً لهم منذ زمن طويل، إذ لم يجترئْ عليهم من كان قبلي". فقال لي: "نعم لا تبدأ إلا بهم وأجْرِ الحق على مفرق رأسي! " فقلت له: "الله!" ثلاثا. وجاءني من عزمه مع هذا ما يَخاف المرء على نفسه، وفكّرت فلم أجد أحدا يستحق هذا الأمر، ولم أجد لنفسي سعة في رده.)(15) وأخيرا فإن المطلع على أمثال هذه الأخبار الطريفة، التي تـُذكر على سبيل النكتة والطرفة والنادرة، يَشعر شعورا حقيقيا عميقا بما كان يتمتع به علماء القيروان، في تلك العهود القديمة، لدى ذوي السلطان من تقدير واحترام يصلان إلى درجة التحكم فيهم، لما لهم من دالة عليهم وقيمة لديهم، تقديرا للعلم واحتراما للعلماء.16)

 

د . نور الدين صمود - تونس

 

ضياء نافعيمكن القول ان الكتابة عن المرحومة أ. د. حياة شرارة قد بدأت لتوّها - ليس الا- في العراق، وقد لعبت دار (المدى) باعادة اصدار مؤلفاتها دورا بارزا بلا شك في هذه العملية، ولكنها (اي الكتابة عن حياة شرارة) لازالت تنتظر الباحثين العراقيين للتعمق في تراثها  واكتشاف وتحديد قيمته الحقيقة في تاريخ الادب الروسي ومسيرته في العراق، واريد ان اكرر – مرة اخرى واخرى - مقترحي السابق لقسم اللغة الروسية في كلية اللغات بجامعة بغداد بضرورة كتابة اطروحة ماجستير عن دور أ. د. حياة شرارة في تاريخ القسم العلمي باعتبارها  واحدة من أبرز الاسماء وأعمقها في مسيرته، واكرر ايضا استعدادي للتعاون مع المشرف العلمي وطالب الماجستير لانجاز هذا العمل العلمي الرائد .

هذه المقالة هي واقعيا ذكريات وانطباعات خطرت لي بعد قراءة بحثها الموسوم – (يسينين في الربوع العربية)، المنشور في مجلة الاقلام العراقية (العدد الصادر في شباط (فبراير) لعام 1989)، التي أعدت الان الاطلاع عليه بمحض الصدفة، بعد كل تلك السنوات الطويلة التي مرّت، اطلعت عليه اعتزازا بذكرى المرحومة حياة (ام مها) واسمها ودورها في مسيرة قسم اللغة الروسية الحبيب الى قلبي وقلبها طبعا، واظن،ان هذه الانطباعات ربما ستكون مفيدة حول هذا البحث المهم في تاريخ دراسة الادب الروسي في العراق، وهو موضوع اهتم به طوال مسيرة حياتي، منذ ان بدأت بدراسة اللغة الروسية وآدابها في جامعة موسكو عام 1959 ولحد الآن .

تذكرت رأسا، ان المرحومة حياة طلبت منّي (اي مصدر روسي حديث عن الشاعر يسينن في مكتبتي الشخصية)، فجلبت لها في اليوم التالي كتابا يتضمن دراسة عن ثلاثة شعراء روس هم كل من ماياكوفسكي وبيدني ويسنين، والكتاب هذا صادر في مدينة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا) العام 1980 . لقد أشارت حياة الى هذا الكتاب في مصادر البحث ضمن الكتب الروسية التي استخدمتها عند كتابة بحثها المذكور، علما انها كانت تعتمد دائما على مصادر باللغات العربية والروسية والانكليزية في بحوثها وكتاباتها، وهذه ملاحظة مهمة وجديرة بالتذكير بها عند الكلام عن حياة وعمق كتاباتها العلمية.

وتذكرت ايضا حديثنا عندما انجزت حياة بحثها، اذ انها اخبرتني عن رغبتها بنشره في مجلة الاقلام ، ولكني قلت لها، ان المجلة غير معتمدة بالنسبة للترقيات العلمية، ولكنها قالت، انها لا تهتم بذلك، وان هناك الكثير من القراء، الذين يتابعون هذه المجلة، وان هذا البحث ينسجم مع الصفة العامة لهذه المجلة، وان تقييم البحث من قبل القراء هو المهم وليس مكان النشر . وانا بشكل عام أؤيد هذه النظرة العلمية والموضوعية للبحث العلمي، ولكن الاجواء الاكاديمية الصارمة، التي كانت محيطة بنا لم تكن تؤيد ذلك (لغة البحث يجب ان تكون بلغة الاختصاص والنشر في مجلات معتمدة)، وأذكر اني ناقشت اللجنة العلمية في قسم اللغات الاوربية بكلية الاداب حول هذا الموضوع، عندما كان فرع اللغة الروسية هناك ضمن ذلك القسم قبل عام 1987، وهي سنة تأسيس كلية اللغات (انظر مقالتنا بعنوان – كلمة ليست متأخرة عن كمال قاسم نادر) . لقد اصطدمت حياة بهذه المشكلة عندما قدّمت هذا البحث للترقية العلمية (للحصول على مرتبة الاستاذية)، ولكن اسمها ومكانتها وتعاون لجنة الترقيات وتعاطفها معها (كانت برئاسة المرحوم أ. د. علي منصور) والظروف السياسية المحيطة بالعراق آنذآك، والتي أدّت الى عزل البلاد عن العالم، كل ذلك قد ساعدها على تخطي هذه العقبة البيروقراطية في نهاية المطاف .

تسمي حياة بحثها عن يسينين  (مقالا)، ولكن واقعيا، ان ماقدمته هناك هو بحث علمي صرف ومتكامل ومبتكر وأصيل في مجال الادب الروسي وجهود المترجمين العرب بتقديم هذا الادب بالعربية، اذ انها قارنت ترجمة حسب الشيخ جعفر وعبد الرحمن الخميسي وترجمتها الشخصية لقصيدتين مشهورتين من قصائد يسينين، وكانت المقارنة موضوعية وعلمية وصارمة فعلا، لدرجة انها اشارت الى ان ترجمة حسب الشيخ جعفر لاحدى مقاطع يسينين جاءت افضل من ترجمتها هي وترجمة الخميسي مرة، وكذلك اشارت، الى ان حسب اخطأ في فهم النص الروسي عند يسينين في مقطع آخر . وتحدثت حياة ايضا عن الفرق بينها وبين الخميسي، اذ اعتبرالخميسي ان قصائد يسنين (من الشعر السوفيتي)، بينما حياة تقول، انها اعتبرتها (من الشعر الروسي)، وتستشهد بموقف طه حسين من بعض الشعراء العرب وهل هم   من شعراء صدر الاسلام ام من شعراء الجاهلية، وهو موقف علمي شجاع جدا ومقارنة مبتكرة بكل معنى الكلمة ودليل على سعة الآفاق الثقافية لها، ولكن حياة لم تتطرق الى تفصيلات هذا الموضوع الشائك والحساس في ذلك الوقت، والذي اصبح في وقتنا الحاضر واضحا (انظر مقالتنا بعنوان – حول مصطلح الادب السوفيتي).

لقد تمتعت جدا وانا اعيد قراءة بحث حياة شرارة الموسوم – يسينين في الربوع العربية، اذ اني تذكرت الايام الخوالي، وتذكرت صحة افكارنا حول طبيعة البحوث العلمية بغض النظر عن لغة البحث ومكان نشره، وتذكرت تلك المرأة العراقية اللبنانية الهادئة، ولكن الأحزان غمرتني بعدئذ، عندما تذكرت نهايتها المأساوية ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

جمال العتابيفي الذاكرة أشياء تحيا مثل مذاق الخبز، لها خطى تجوب الرأس ،تستريح تارة، وتلوب أخرى، في خمسينات القرن الماضي، كانت الكتب تزاحم مشاجب الثياب، كان بعضها ملوناً يأسر القلب ،وبعض يمنح نفسه لكي لا يغيب.

كانت مجلة (المعلم الجديد)، أول التجارب في التصفح، وجدتها مليئة بالرموز والألغاز، بعدسنوات ..المجلة التي تصدرها وزارة المعارف، كانت اشارة دالة على المستوى الثقافي العراقي، وتجربة فريدة جمعت كبار الاساتذة الاكاديميين في هيأة تحريرها.

مصطفى جواد، كمال ابراهيم، علي جواد الطاهر، جعفر الخياط، احمد مطلوب، علي الشوبكي، ضياء ابو الحب، وكتب فيها المئات من الادباء والمفكرين أنذاك .

 وكان الدكتور ابراهيم السامرائي احد أعمدة المجلة لسنوات طويلة، القراءة الاولى للمجلة توقظ في النفس عوامل جذب ودهشة للأسماء، إمتد تأثيرها منذ تلك اللحظة حتى الافاق الرحيبة التي امتدت امامنا نحن ابناء ذلك الجيل .

 الأسماء لم تكن عابرة، بل كانت موجة صاعدة في الادب واللغة والفن، في حقبة زمنية محتدمة، لتؤكد ان تيار الثقافة العراقية الجديد، إتخذ مساره العميق بين ثقافات الشعوب، وبعبارة أدق بدأ إنعطافته الجديدة، يسطع في بواكيرها نور أخاذ .

 وكان صوت ابراهيم السامرائي قد بدأ أشد وضوحاً وتألقا حين إكتشف وجوده خلال مشتبكات اللغة والشعر في قاعات الدرس وخارجها. فأطلّ علينا من نافذة سعة معارفه ب (39) مؤلفاً، و (22) كتاباً محققاً، ومئات المقالات والدراسات. هذه الاعمال لا تعبّر عن إمتلاك الحلم وحده، ولا ادوات المعرفة وحدها، بل هي تؤلف إيقاعاً منسجماً مع ذاته المبدعة، حين لا يقيم له ابناء جلدته أعلى المنازل، أو تماثيل من الحب والتقدير.

 في عام 1944بدأ السامرائي دراسته في دار المعلمين العالية، ثم أتم دراسته العليا في باريس، وعاد الى وطنه استاذاً جامعياً مرموقاً وفاضلاً، وعلما من اعلام الأدب واللغة، عاش حياته غير متحيز، صلباً عنيداً، شديد الإحساس، زاهداً في الدنيا والألقاب والمناصب، صريحا جريئاً، دمث الاخلاق، كريماً مضيافاً.

 تقديراً لعلمه، انتخب عضواً في مجمع اللغة العربية المصري، ومجمع اللغة العربية الأردني، ومجمع اللغة العربية بدمشق، والمجمع العلمي الهندي، والمحزن حقاً ان لا ينتخب عضواً في المجمع العلمي العراقي، لتظل في صدره صرخة محبوسة، وهو الذي حفر اسم وطنه في عروق النخل، وأنسجة الورد!!

 في ايام الحروب المرعبة، يوم كانت ارض العراق نارا ورصاصا، تقدم ابراهيم السامرائي باستقالته الى عمادة كلية الآداب عام 1980،لقد اصبح امراً عسيرا ان أواصل العمل،، هكذا ورد في طلب الإستقالة، وراح الى عمّان ليدرس في جامعاتها حتى عام 87. ثم قصد صنعاء محتجاً على اجراءات الإقامة الأردنية المتعسفة لينشد :

 يا ويل من يشقى بلا وطن        بل ويله يسعى الى بدل

هذا العالم الجليل عاش مغترباً على مدى سنوات طوال، وانكره مجمع بلاده، وهي اشد جنايات السياسة على العلماء وأكثرها غباءً وحماقة، السامرائي طوحت به ظروف الحياة وقسوتها متغربا عن بلاده غير متمكن من الإستقرار ، كل معنى من معاني الكلمات التي دونها ابراهيم، تضيع هنا في اجواء القتل، وسط اصوات البنادق، وطغيان الطوائف، ماالذي يكتبه السامرائي لمدينته العمارة، التي ولد فيها؟ ماالذي يكتبه لبغداد الحزينة؟ التي خلطوا (دجلتها) بالدم!

اشتهر السامرائي لغوياً ومعجمياً، مؤمناً بتطور اللغة وانتقالها من حال الى حال، شارك في تحقيق اهم معجم لغوي هو (تاج العروس)، وأسهم في تحقيق كتاب العين للفراهيدي مع زميله مهدي المخزومي، وديوان الجواهري ،وعمد الى تصنيف معاجم فريدة في موضوعاتها، وهو من كبار نحاة عصره، تناول قضايا النحو، وما عسر منها على نحاتنا الأوائل، وخالف جمهرة الدارسين فيه، الذين قالوا ان النحو وضع بسبب اللحن، ورأى ان النحو نشأ بسبب من الدرس القرآني، في كتابه(من أساليب القرآن).

اسلوب السامرائي، اسلوب الادباء المجيدين، أما الشعر، فحلق به عالياً، وقل من يعرف ذلك.

 كان عفيف النفس واللسان، سمحاً متواضعاً ، عميق التفكير، وواسع العلم، سديد الرأي. توفي في عمان عام 2001 ودفن فيها، بعد تشييع متواضع من قبل قلة من معارفه!

 قبل أيام من وفاته، وحين اشتد به المرض، كتب:

 وطني، اني حزين   ها انا ابكي عليك

 هم من ضيعوك !! ياصاحب المروءات ، ياابراهيم السامرائي !

 

جمال العتّابي

 

 

 

بليغ حمدي اسماعيلحينما يذكر اسم طه حسين، فأنت أمام حقيقة تمثل أوبرا ثقافية متنوعة ومقهى حكائي يعد رافداً لكل الأدباء والمفكرين الذين جاءوا من بعده،  ومن الصعب محاولة تصنيفه أدب وفكر العميد الدكتور طه حسين وفق هوس وهوى النقاد بحمى التصنيف وقولبة الإبداع، فأنت أمام عالم مزدحم بغير ملل أو صخب حكائي بالأحداث والوقائع الجدلية، هذه الأحداث وإن بدت بسيطة في بعض الأحايين إلا أن كل حدث منها يفجر طاقات من الأسئلة المثيرة التي تستدعي التفكير ولا تجعل العقل بمأمن عن التأويل والتفسير. حقاً مجموعة ضخمة من الأعمال الفكرية والأدبية وحياة إنسانية واجتماعية تمثل مغارة من الأسئلة التي يصعب تصنيف كاتبها تحت مظلة قاصرة مانعة.

لذا فطه حسين هو بحق مزار سياحي يستقطب المعارضين قبل المؤيدين وهو مؤسسة شعبية أدبية تنصر بداخلها كافة التيارات الأدبية بغير انحناء أو محاولة انهزام داخلية. وإذا كانت كتابات وأعمال عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين قد حققت ولا تزال الشهرة والصيت وبلوغ المأرب من حيث جودتها ورصانتها وإثارتها لأسئلة سابرة تغوص في المجتمع، فإن عميد الأدب العربي نفسه يشبه الحكاية، بل قلما نجد أديباً ومفكرا صار الاهتمام بشخصه مثل الوعي بأعماله وهذا تحقق بالفعل لطه حسين كما تحقق لكتاب آخرين مثل نجيب محفوظ، والعقاد، وتوفيق الحكيم، ويوسف إدريس.

طَه حسين.. مِن عزبة الكيلو إلى القاهرة المحروسة:

طه حسين ابن المنيا تحديداً عزبة الكيلو التي تقع على بعد كيلو متر واحد من مركز مغاغة بمحافظة المنيا، والتي ولد فيه في الرابع عشر من نوفمبر عام 1889، لأب هو الشيخ حسين علي سلامة الموظف بشركة السكر، وقد أصيب طه حسين في حوالي السادسة من عمره تقريبا بمرض الرمد، فلم يهتم أهله بعلاجه في بادئ الأمر، ثم عولج علاجاً بدائياً ذهب بعينيه. وكانت عادة أهل الريف آنذاك إلحاق أبنائهم بالكتاتيب، وفي كتابه الماتع الرائع الأيام يحكي ويروي طه حسين حكاياته المثيرة في عالمه الثقافي الصغير الأول وهو الكتاب والتي كثيرا ما تم توصيفها بقدر كبير من الدهشة والمبالغة وأحيانا السخرية فهو الثائر الذي لا يهدأ، والصبي الذي كف بصره لكن انفتح عقله منذ الصغر بالنقد والتأويل والمعارضة.

ولاشك أن بدايات القرية قد أثرت بشكل كبير في عالم طه حسين فيما بعد، فلقد روى في كتابه الأيام الذي يعد من درر الأدب الحكائي على مر عصوره العربية جلسات القرية المسائية التي كانت تجمع أهل قريته حول راوي العصر وقتئذ وهو شاعر الربابة الذي كان يقص على مسامعهم سيرة عنترة بن شداد، وسيرة سيف بن ذي يزن، والأميرة ذات الهمة، وأخبار سيرة بني هلال، وما شد وجذب انتباه الصبي طه حسين هو قدر المهابة التي كان يحظى بها أولئك الذين يغدون ويروحون إلى القاهرة للقرية ذهابا وإياباً مما جعله مفتونا منذ صغره بعالم سحري هو القاهرة . ولا شك أن تلك الجلسات الثقافية الشعبية والحكايات التي استمع إليها وهو صغير شكلت ملمحا مهماً  أصبحت بعد ذلك رافداً مهماً وخصباً من روافد تكوين طه حسين الإبداعية.ومما ساهم في خلق التكوين الثقافي لطه حسين حفظه للكثير من الأوراد والأدعية التي كان يسمعها، كذلك الكثير من الابتهالات الصوفية التي كانت تنشد في هذا العهد.

وما أن جاء طه حسين إلى القاهرة ليكمل تعليمه مع أخيه الأكبر أحمد في الأزهر الشريف حتى بدأت المرحلة الثانية والأكثر أهمية في حياة العميد والتي أكسبته بقدر الجانب الثقافي والعلمي خصائص نفسية أبرزها حب الاستطلاع والفضول الاستكشافي والقدرة على تحمل المشقة والصعاب، وعلمته هذه الفترة العناد بغير فجور والثورة الفكرية.

ولا شك أن مرحلة الأزهر الشريف ومكوثه لأول مرة بالقاهرة العامرة هي التي فجرت طاقات الثورة الذهنية عند طه حسين، ولعل سر إعجابه بالشيخ المرصفي معلمه الأول بالأزهر كان مفاده أنه أطلق لحريته وحرية زملائه النقدية العنان، وفك قيود الرتابة التعليمية لديهم عن طريق إثارة الأسئلة أو ما يعرف الآن بمصطلح العصف الذهني وإمطار الدماغ، وهي تلك الملازمة العلمية التي أكسبت طه حسين قدرا كبيرا من الجرأة في النقد والحرية المطلقة في إبداء الرأي العلمي بغير حرج.

وجدال طه حسين من شيوخه بهذه الفترة أكسبته الجرأة في الجهر برأيه مهما كانت النتيجة، ونمى ما كان مركبا فيه من استعداد للعناد والتحدي، كما يلوح في الجزء الثاني من الأيام من مساجلات بينه وبين شيوخه بالأزهر الشريف وهي المساجلات التي شكلت اتجاهه الفكري صوب الجديد والقديم في الطرح الفكري العربي.

الجامعة ومرحلة التنور الثقافي في حياة العميد

في الجامعة اختلفت حياة طه حسين ابن المنيا اختلافا كبيرا، فتعرف على عالم متباين عما شاهده وعاينه بالقرية والأزهر الشريف، وربما ضيقه بالدراسة في الأزهر هو الذي دفعه إلى النهل من روافد العلوم المدنية والتي برع فيها بقدر براعته وتميزه في العلوم الدينة لاسيما السيرة والتراجم، ولعل استماعه لدروس الحضارة المصرية القديمة، والحضارة الإسلامية، وأدبيات الجغرافيا والتاريخ، وفي اللغات السامية، وتاريخ الفلك عند العرب، ثم تاريخ الفلسفة وعصورها، هو الذي أكسبه التنوير الذي صار بعد ذلك علما رائدا له لعقود طويلة.

وفي الجامعة أتيح لطه حسين أن يتعلم على أيدي أساتذة متميزين لهم مقام رفيع في العلم والمعرفة وهؤلاء شكلوا إطارا فكريا وثقافيا جديدا لطه حسين بجانب الثقافة التي نهلها من القرية ثم الأزهر. ومن هؤلاء الأستاذة أحمد زكي باشا، وأجناسيو جويدي، ونللينو، وسانتلانا، ولوي كليمان الذي درس له الأدب الفرنسي، وكان لقاؤه بأستاذ الجيل أحمد لطفي السيد هو مرحلة التحول الكبيرة في حياة العميد طه حسين، وصاحب الريادة في انفتاحه على ثقافات أخرى جديدة وبيئات فكرية متنوعة.

وفي الجامعة، كان طه حسين صاحب أول رسالة للدكتوراه ناقشها يوم الثلاثاء الخامس من مايو 1914 عن أطروحة علمية في تاريخ أبي العلاء المعري، وبعد مناقشة ساخنة يمكن توصيفها بالمضطربة أيضا تم منحه درجة جيد جدا في الرسالة ودرجة فائق في الجغرافيا ودرجة فائق في الروح الدينية عند الخوارج.

في فرنسا.. تميز ونبوغ:

وبحصول طه حسين على درجة الدكتوراه تقدم بطلب بغرض إيفاده لبعثة للخارج، عزمت الجامعة إرسالها إلى أوروبا، لكن تعذر السفر بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى، ثم سافر بعد ذلك إلى مونبلييه واهتم هناك بدراسة اللغة الفرنسية وآدابها، وحصل على الليسانس في الآداب من السوربون عام 1917، وفي يناير من عام 1918 ناقش أطلاوحته للدكتوراه عن فلسفة ابن خلدون الاجتماعية وحصل على مرتبة الشرف الممتازة مع تهنئة لجنة الحكم والمناقشة. وهو الأمر الذي حفزه للحصول على دبلوم الدراسات العليا في تاريخ القانون المدني الروماني في يونيو 1919 بتقدير ممتاز.

إلى مصر الجميلة:

ثم عاد طه حسين إلى مصر ليصير أستاذا للتاريخ القديم، وعين بعد ذلك أستاذا لتاريخ الأدب العربي الذي نبغ فيه وتفرد وأبدع كتبا ومئات المقالات الصحفية في هذا الميدان، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة أخرى في حياة العميد وهي مرحلة الإنتاج والإبداع الفكري والأدبي، وفي هذه الفترة الخصبة من حياة طه حسين انخرط في العمل السياسي وكذلك العمل الاجتماعي التنموي من خلال إلقائه العشرات من الندوات والمحاضرات خارج الجامعة مثل الجمعية الملكية الجغرافية، واستطاع طه حسين فور عودته أن يحجز لنفسه مكانا ومكانة بين أهل الثقافة والمعرفة بصورة رسمية وغير رسمية، فلقد مثل مصر في مؤتمر المستشرقين بأكسفورد، وآخر في فيينا، وثالث في مؤتمر الآثار السورية في بيروت، ورابع في ليدن، وخامس في الاحتفال المئوي الرابع لكلية دي فرانس، ورغم هذه الفترة التي كان طابعها العام السفر المستدام إلا أن عطاءه الفكري لم يتوقف أو ينضب بل استطاع أن يؤلف أبرز وأهم كتبه على الإطلاق مثل كتابه المشكل في الشعر الجاهلي، الذي لا يزال يحدث صخبا نقاشيا وجدالا واسعا حتى لحظتنا الراهنة.

طه حسين وتطوير التعليم المصري:

رغم أن هذه السطور القليلة لا تفي حجم ومكانة عميد الأدب العربي وما هي إلا إطلالة سريعة جدا على سيرة ومسيرة هو بطلها، إلا أنه بات من الضروري التأكيد على الدور التعليمي والتنويري الذي لعبه طه حسين في المشهد التعليمي والذي لازلنا نطبق أفكاره ورؤاه واجتهاداته التربوية حتى الآن. فكما يذكر الأستاذ الدكتور مصطفى رجب صاحب أفضل كتاب عن فكر طه حسين والمعنون بفكر طه حسين التربوي بين النظرية والتطبيق، أن فكره التربوي يمثل حلقة متميزة في تطور الفكر التربوي في مصر خلال القرن العشرين بأكمله.

ويمكننا أن نضيف بأن طه حسين باجتهاداته التربوية شكل بوصلة التعليم في هذا الوقت والعصر، ولعل براعته الأدبية هي التي مكنته من معالجة القضايا التعليمية بقدر من المرونة والتوفيق، وجل هدف طه حسين التعليمي هو التنوير وتثوير العقول وتنقية الأذهان من الضلالات الفكرية والثقافية التي كانت سائدة، وسعى لأن تكون لمصر نهضة ثقافية تمثل النواة للنهضة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بعد ذلك. ويمكن تحديد السمات العامة للفكر التعليمي والتربوي النهضي لطه حسين في سمتين رئيستين هما الديموقراطية، والحرية.

ولاشك أن قضية الديموقراطية قد شغلت إنسانا كطه حسين فتناولها في كثير من كتابته وجعلها منهجا نقديا يمكن تناول التاريخ الإسلامي في ضوئه، وهو المنهج الذي اتبعه في كتبه الفتنة الكبرى بجزئيها والشيخان، ورغم أن الديموقراطية في أساسها تضمين سياسي إلا أن طه حسين استطاع أن يستغل هذا المنحى في سياقه التعليمي الأمر الذي جعله يعلن شعاره الخالد بأن التعليم كالماء والهواء وأنه حق لكل إنسان. ورغم مناداته بذلك إلا أنه واجه حربا شرسة شنها عليه رجال التعليم آنذاك.

وليس بغريب على شخص كطه حسين أن ينادي بمبدأ الحرية وهو الطفل المحروم من التدليل والرفاهية، والطالب العاجز المقهور بالأزهر، وحبيس الثقافة العربية بالقارة الأوروبية، فأخذ على عاتقه المناداة المستدامة بالحرية التعليمية وإتاحة الفرص التعليمية المختلفة لأبناء الشعب المصري بقصد التنوير. وتلك الحرية الفكرية هي التي دفعته على المستوى الشخصي لينهل من كل روافد الثقافة وتياراتها المتباينة بغير خجل ويقول في ذلك بإن الحرية لا تستقيم مع الجهل والتعليم أصبح ضرورة لا رفاهية، ويكفي أن نقول بإن التعليم الجامعي قد لقي على يدي العميد النابغة كثيرا من التطوير والتنظيم الذي كان يهدف لتحقيق مزيد من الحرية والاستقلال.

 

د. بليغ حمدي إسماعيل

 

ضياء نافعقلت له مبتسما، اني نادرا ما التقي بسائق روسي في سيارات الاجرة بموسكو، اذ ان معظمهم يكونون عادة من الشعوب السوفيتية سابقا، فقال لي، نعم، ان الامر فعلا كما تقول، وانا سائق (طارئ!!) على هذه المهنة، وهكذا بدأنا ندردش مع بعضنا. حكي لي هذا السائق الروسي قصته التي تعكس بلا شك وضعا خاصا في روسيا الاتحادية اليوم، ونحن في بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. وتبين من حديثه هذا، انه خريج كليّة الادارة في احدى الجامعات الروسية، وكان موظفا حسب اختصاصه وتحصيله الجامعي، ولكن الراتب في دائرته لم يكن يكفي بتاتا لمتطلبات الحياة، فاضطر ان يترك الوظيفة، و بدأ يبحث عن وظيفة اخرى أفضل، لكنه لم يجد عملا ملائما كما كان يرغب، فقرر ان يصبح سائقا لسيارة اجرة . سألته، ألم يندم بعدئذ على هذا القرار، فقال لي - الان احصل على دخل اعلى (رغم انني مضطر ان اعمل طوال الوقت كي اكسب عيشي)، لكنني واقعيا نادم طبعا على كل ذلك، واحاول دائما ان أجد بديلا لعملي هذا، ولكن الابواب مغلقة مع الاسف امامي في مجتمعنا المعاصر، ولا اريد ان أترك روسيا واهاجر الى الخارج كما يقولون لي وكما فعل الكثيرون من زملائي .

 ثم بدأ يحدثني عن معاناته في مسيرة الحياة، واخبرني، انه وزوجته يعملان طوال الوقت من اجل تسديد ايجار الشقة ومصاريف الحياة ليس الا، وانهما بالكاد يستطيعان تدبير الامور، وان متطلبات الحياة تتوسع أكثروأكثر، فسألته، هل هذه المتطلبات تتوسع بشكل سريع، بحيث تجبركما على الصرف أكثر من المعتاد، فقال، نعم، اذ بدأت ابنتنا الدراسة في المدرسة المتوسطة، وهذا يقتضي ان يكون لها عدة مدرسين خصوصيين بمواد متنوعة، وكل واحد من هؤلاء المدرسين يكلف الكثير، وان المدرسة لا تقوم بتدريسهم كما يجب، فالمدرس هناك يستلم ايضا راتب لا يكفي لحياته الاعتيادية، لذلك فانه لا يقوم بواجبه كما ينبغي، من اجل ان يجبر التلاميذ على الذهاب الى التدريس الخصوصي، وان جميع تلاميذ المدرسة واقعيا يدرسون عند مدرسين خصوصيين . قلت له، ان هذه مشاكل موجودة بشكل عام في الكثير من بلدان العالم، فاعترض رأسا على كلامي وبشدة، وقال، ان روسيا دولة كبيرة وعملاقة وغنيّة جدا بمواردها، ويجب الا تكون فيها مثل هذه الظواهر الموجودة في بلدان ضعيفة التطور، وان اسلوب المقارنة مع هذه البلدان هو مفهوم عتيق، وقد ملّ الناس منه، ولا نتقبله الان بتاتا ولا نعتبره منطقيا بتاتا، واننا يجب ان نقارن روسيا مع دول متطورة لا توجد فيها مثل هذه الظواهر السلبية، وقال بأسى – في تلك البلدان المتطورة، يحقق اللاجئون الروس نجاحات علمية هائلة، وهم يعملون في أرقى الجامعات والمؤسسات العلمية هناك، وقد حصل قسم منهم على جوائز متميّزة، منها حتى جائزة نوبل، ولكنهم كانوا في بلدهم روسيا منسيين تقريبا، ولم يهتم أحد بهم ويساندهم من اجل اظهار امكانياتهم العلمية وتوظيفها لتطوير روسيا.

 ساد الصمت بيننا قليلا بعد هذه الاحاديث التراجيدية ان صح التعبير، ثم قطعته أنا و قلت له، انك تتحدث عن قضايا كبيرة وكأنك سياسي معارض ومحترف، وانني لم اقابل سابقا سائقا يتحدث مثلك وبهذا المستوى عن قضايا مصيرية وجوهرية عميقة حول مسيرة الحياة في روسيا المعاصرة، فقال لي، انه لا ينتمي الى اي حزب سياسي لأن الانتماء الى اي حزب سياسي يلغي السمات الشخصية للفرد ويجب عليه ان يخضع لارادة ذلك الحزب واهدافه، ولكنه يصوّت للشيوعيين في الانتخابات التي تحدث في روسيا، لانهم من وجهة نظره – (أفضل السيئين !!!)، كما قال بالضبط . ضحكت انا من هذا التعبير السياسي الغريب والطريف، ثم سألته عن هذا (المصطلح !) السياسي الجديد، الذي استخدمه، وتفسيره، فقال لي، ان جميع القوى والاحزاب السياسية يساهمون في هذا الفساد الاداري السائد في بلدنا بشكل او بآخر، وانهم جميعا مسؤولون عن هذا الوضع الحالي لروسيا ويكسبون منه، الا ان الشيوعيين – نظريا على الاقل – يعارضون ذلك، اي انهم أقرب القوى السياسية لمعارضة هذا الواقع، وعلى الرغم من قناعتي، انهم لن يصلوا الى السلطة، و انهم لن يستطيعوا تغيير هذا الواقع المرير، ولهذا، فانا اسميهم (افضل السيئين)، واصوت لهم، رغم اني لست منتميا اليهم .

عندما اقتربنا من العنوان المطلوب، اعطيته الاجرة وقلت له، ربما ساكتب مضمون حديثك هذا وأنشره، فقال ضاحكا، لم اتوقع انك اجنبي، فسألته، هل تخاف ان أنشر حديثك ؟ فاجاب رأسا، كلا ابدا، فقد انتهى زمن الخوف في روسيا، وأضاف، بل اني ساكون سعيدا ان يعرف القارئ الاجنبي الوضع الحقيقي في روسيا، لان روسيا دولة مهمة للعالم...

 

أ.د. ضياء نافع

 

علجية عيشكان لعلماء وارجلان دورا رياديا في إحياء الأمة وحمايتها من الدعوات الضالة ومن يخدمون المخططات اليهودية والنصرانية والطاغوتية والذين ابتعدوا عن أهل السنة والجماعة، ومنهم الشيخ أبويعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الورجلاني صاحب القصيدة الحجازية المشهورة وهو من أبرز علماء الإباضية في إفريقيا الشمالية، تقول الكتابات أن الإباضيون أولى الفرق التي تصدت لـ: "الأزارقة" وهي فرقة من أشهر فرق الغلاة اشتهرت بالبدع والأباطيل، فقد كفرت عليًّا واعتبرت عبد الرحمن بن ملجم الذي اغتال علي رضي الله عنه شهيدا، فحياة الشيخ الوارجلاني كانت عامرة بالأفكار والأحداث والحِكم، كما كانت حياة تعبد وتأمل، لدرجة أن البعض قال أنه تأثر بفكر إخوان الصفاء، لمجرد ذكرهم في قصيدته الحجازية الشهيرة

تعتبر زاوية (تايغلا) اليوم قـِبْلـَةً للإباضيين في المواسم والمناسبات، لأن الاهتمام بالتراث هو عنوان التمسك بالأصالة والقيم وتمجيد السلف الصالح والكشف عن الهوية الوطنية بحكم أن التراث هو القاسم المشترك بين مختلف الفئات والمذاهب والشرائح الاجتماعية، فمن تيهرت إلى سدراتة إلى وادي ميزاب نجد مجتمعا مترابطا له جميع المقومات الاجتماعية والثقافية لم تؤثر فيها رياح التغيير ولا الأحداث السياسية ولا التنوع المذهبي،  حسب المصادر من شيوخ المنطقة نقرأ عن الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني هو نفسه أبويعقوب يوسف بن إبراهيم بن الطان الذي كان قاضيا في ورجلان، والشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الورجلاني من مواليد واحة ورجلان من مدينة سدراتة، (ورقلة حاليا) وفيها حصل علومه الأولى قبل أن ينتقل إلى قرطبة لدراسة اللغة العربية والحساب، ولد بين 500 هـ / 1106 للميلاد، تعلم على يد الشيخ أبي سليمان أيوب بن إسماعيل ثم أبي زكريا يحي بن أبي زكريا، وعلى يد أبي عمار الكافي التناوتي الورجلاني، كما عاصر الشيخ الورجلاني الشيخ أبا عمرو عثمان بن خليفة السوفي المزغني، وهو من أشهر علماء الإباضية ومن رواد علم الكلام.

عرف الشيخ برحلاته الثلاث التي قام بها إلى الأندلس وغرب إفريقيا والمشرق العربي، وفي الأندلس مكث خمس سنين حتى لقب بجاحظ الأندلس، ومكنته هذه الرحلات من تأليف عدة كتب، أهمها (الدليل والبرهان لأهل العقول، وهوبحث في علم الكلام يقارن فيه بين الإباضية والفرق الإسلامية الأخرى، ويهتم بمسائل البدع المتعلقة بالآذان في جبل نفوسة، ويبحث خصوصا في قضية المبتدعة النكار الذين هم فرع من الفرق الإباضية، طبع هذا الكتاب في مصر في ثلاثة أجزاء في 1503 صفحات عام 1888/1889)، وكتاب العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف، وهوبحث في مسائل الفقه التي لها اعتبار خاص عند الإباضيين) وكتب أخرى فضلا عن القصيدة الحجازية المشهورة، وهي مؤلفة من 360 بيتا حسبما ذكره المؤرخ (تاديوس ليفيتسكي) الذي أرّخ للمؤرخين الإباضيين، وفي مصادر أخرى يذكر صاحبها أنها تحتوى على 374 بيت ومنهم الأستاذ يحي بن بهون حاج أمحمد في كتابه رحلة الوارجلاني (متحدثا عن الشيخ أبويعقوب يوسف بن إبراهيم السّدراتي الوارجلاني، ومن علماء وارجلان أيضا نجد الشيخ أبا زكريا يحي بن أبي بكر الوارجلاني عاش في النصف الثاني من القرن الخامس، وقد عاصر الشيخ أبا زكريا الشيخ يوسف بن موسى الدرجيني، وهوراوٍ ومفتي إباضي ينتمي إلى عائلة إباضية بربرية تقية عالمة، والدرجيني نسبة إلى درجين، وشهدت هذه المنطقة ظهور علماء أكفاء منهم أبوالعباس أحمد بن سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف الدرجيني، وهم من الرواة انتقلوا إلى وارجلان، وحظوا باحترام كبير من قبل "العزّابة"..

زاوية "تايغلا" قبلة الإباضيين

كما نجد الشيخ أبوعمار عبد الكافي الوارجلاني واضع قائمة الشيوخ، حسب ما أشار إليه المؤرخ المستشرق تاديوس ليفيتسكي فإن اسمه الحقيقي هو  أبوعمار عبد الكافي التناوتي الوارجلاني بن أبي يعقوب التناوتي، وهو مؤرخ وفقيه، يعود أصله إلى قبيلة تناوت البربرية، كان قسم منها يسكن في واحة وارجلان، وهو من مواليدها،  ويذكر الشيخ الورجلاني نسبه مفتخرا به فيقول في قصيدته الحجازية وبالضبط في البيت 299 والبيت 300: (أبي من بني برٍّ بن قيس بن باغطٍ وجدّ جدودي قيس عيلان بن آصر، ووالدتي من جدّ غسّان نسبها، وكان أبوها صالحا غير خاسر) إلى أن يقول في البيت 304: (لنا هِمَّةٌ تعلوا على كل همة وأموالنا توفي على كل دائر)، وكان الشيخ الورجلاني  يسكن في قرية تسمى: (تايغلا) إحدى واحات وارجلان، وتوفي فيها عام 1926، وقبره يوجد على بعد 10 أمتار من مغارة كان أبوعمار يقضي فيها أوقاته في التعبد والتقرب إلى الله، حتى تحولت إلى" زاوية " يقوم إباضيوا ارجلان اليوم بالزيارة إليها كل سنة، نظرا للدور الذي لعبه في تنظيم السلطة داخل المجتمعات الإباضية، وله الفضل في إعداد نظام الحلقة، ومن أعلام وارجلان كذلك نجد الشيخ أبوموسى بن سجميمان النفوسي الوارجلاني، أحد رواة قبيلة نفوسة ومن سكان واحة وارجلان، عاش في نهاية القرن الخامس والحادي عشر، وسجميمان اسم بربري غالبا ما يحمله الإباضيون.

تقول الكتابات أن الإباضيون أولى الفرق التي تصدت لـ: "الأزارقة"، والأزارقة هم أتباع نافع بن الأزرق الذي كان من بين حنيفة، وكانوا أقوى الخوارج شكيمة، وأكثرهم عددا، وفرقة الأزارقة من أشهر فرق الغلاة اشتهرت بالبدع والأباطيل، فقد كفرت عليًّا واعتبرت عبد الرحمن بن ملجم الذي اغتال علي رضي الله عنه شهيدا، فسر الأزارقة القرآن على هواهم وكفروا عثمان وطلحة والزبير وعائشة وعبد الله بن العباس، وأباحوا قتل أطفال المخالفين لهم والنساء أيضا، كما أسقطوا الرجم على الزاني لأنه لم يرد في القرآن بنص، وحرّموا على أنفسهم الصلاة مع غيرهم فحادوا عن الصواب، وخرجوا عن تعاليم الإسلام فكانوا خطرا على الإسلام، مما جعل جميع المسلمين في مواجهتهم ومنهم "الإباضيون" الذين أنكروا علاقتهم بفكر الخوارج الغلاة، وأثرت الحياة في مذهب الإباضية وأفكارهم حتى اقتربوا من مذهب أهل السنة في الكثير من الأمور والمسائل.

هل تأثر الشيخ الورجلاني بأفكار "إخوان الصفاء"؟

يذكر الشيخ الوارجلاني في قصيدته الحجازية وهي من الشعر العمودي بعض القبائل البربرية ومنهم قبيلة من معد بن عدنان يقال لهم (الحمراء) وقبيلة (مغراوة) إحدى بطون قبائل (زناتة) التي تعد من أكثر القبائل البربرية وهي بطن من لواتة، يعيش معظمها في المغرب، وقد سكن بعضها البحيرة بالديار المصرية على النهر بين الإسكندرية والعقيق الكبير ببرقة، ومنتشرة أيضا في الجزائر، كما يذكر قبائل زهانة البربرية التي سكنت شمال أفريقيا وبني فركال، وهي قبيلة بربرية وصفها الشيخ الوارجلاني بأسد البرابر على غرار بعض القبائل الأخرى، ويذكر قبيلة بني عامر ويصفهم بالمجد والشجاعة مثل الجواهر وأنهم قوم متدينون، حيث يرى النور في وجوههم، وأنهم ذوي أخلاق حسنة، إذ يقول في البيت الـ: 155 : (وجوههم مثل الدنانير زينة وأخلاقهم مثل النجوم الزواهر)، كما يذكر قبائل البُجَا وهي قبائل تعيش في مصر والسودان، ويبدوا أن الشيخ الورجلاني كانت له صلة بإخوان الصفاء حين ذكرهم في البيت 207 وذكر بعض منهم في البيت الذي قبله، ومنهم آس ولاس وابن الأعرك وعمر بن جابر.

أما المدن والقرى يذكر الشيخ الوارجلاني مناطق عديدة زارها في رحلاته ومنها (فزّان) ليبيا حاليا بين الفيوم وطرابلس الغرب ويسدي لأهلها الخير كما ذكر في البيت الـ: 32 بقوله: (جذى الله عنا جرمة وبلادها وفزان خيرا شاكرا غير كافر)، كما يذكر منطقة (الوطية) بمصر، يقال أن المسيح عيسى عليه السلام اغتسل فيه، ويذكر (الحَوْرَاء) وهي إحدى كور مصر القبلية، ومنطقة (حِسْمِي) وهي ارض ببادية الشام، ويبدوا من قول صاحب الحجازية أن هذه المنطقة جبلية، حيث وصف جبالها بأنها منيعة محصنة، ويوجد بها ضريح شيخ صالح لم يذكر اسمه في القصيدة..، ويذكر في قصيدته قرية الحُلـِيفَة بالمدينة المنورة عندما أدى مناسك الحج وزيارته قبر الرسول (صلعم) في البيت 71 عندما قال: (إلى قبر خير الخلق من نسل آدم..الخ، ويؤكد في البيت (من 102 إلى 110) قيامه بمناسك الحج، ثم يعود إلى ذكر بلده (وارجلان) في البيت 240 ويثني على أهلها بأنهم أهل الخير وأبوابها مفتوحة لكل طالب الخير.

    ويصف الشيخ الورجلاني مدينة وارجلان بأنها مدينة الخير والتمر وفيها تصلح التجارة فيقول في البيت 242 و243 : (فمن كان يبغي الحج فليأت وارجلان يجد سيلها رحبا وخضرة خافر) (من الضجّ أي الثمار والريح هي الغاية القصوى لجار مجاور) وهويذكر هذه المنطقة يشتد حنينه إلى الوطن والأرض والأهل فلا يجد من العزاء سوى التقرب إلى الله ومناجاته فيقول في البيت 252: (إلى الله أشكو طول همي وغمي وبنّي أي (البعد) وحزني من أمور سواجر، ولم يستثن الشيخ الورجلاني ذكر العراق وما حدث بشعبها، وعن الموصل يشير إلى مجيء الدجال وظهوره وظهور ياجوج وماجوج..، وفي أبيات أخرى يذكر الشيخ الورجلاني نسبه مفتخرا به فيقول في البيت 299 والبيت 300: (أبي من بني برٍّ بن قيس بن باغطٍ وجدّ جدودي قيس عيلان بن آصر، ووالدتي من جدّ غسّان نسبها، وكان أبوها صالحا غير خاسر) إلى أن يقول في البيت 304: (لنا هِمَّةٌ تعلوا على كل همة وأموالنا توفي على كل دائر). (للمقال مراجع).

 

علجية عيش

 

 

محمد السعديفي مطلع السبعينيات وعلى التخوت العتيقة لمقاهي قرية الهويدر في محافظة ديالى، كان يدب همس حديث يومي بين جالسيه تلك المقاهي حول آمور البلد السياسية مقروناً بالتحليل والتنبؤات عن شراكة سياسية قادمة بين البعثيين والشيوعيين، وطوي صفحة الماضي القريب المخضبة بالدم والعداء. كان أسم المرحوم عامر عبدالله هو الأكثر تردداً على مسامعي، وأنا الصغير ومازال عودي غضاً في الفهم والأستيعاب، لكنه في الأيام القادمة ترك علامة في مسيرتي السياسية ليس لي وحدي بل مئات من شيوعيي فترة الجبهة الوطنية مع البعثيين، كان أسماً لامعاً في صدارة تلك الاحداث ومعطياتها .

عامر عبدالله.. الشخصية الشيوعية والمفكر الأهم وربما الأوحد في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية على مدى صفحات تاريخها. ولد العام ١٩٢٤ في مدينة عانه لواء الدليم في عائلة عربية عريقه في تقاليدها وأنتمائها الوطني . أنتقل الى العاصمة بغداد في مقتبل شبابه وأنخرط في العمل السياسي في وقت مبكر . تعرف في بغداد على أبن مدينته عانه عزيز شريف رئيس حزب الشعب وجريدته (الوطن)، وبسبب ظروفه الصعبة في العاصمة بغداد وفر له أبن مدينته عزيز شريف سكن داخل بناية جريدة الوطن بين أكوام الحبر والورق وركامات المطبعة . ومن نوافذها بدأ يرصد الاحداث ويكتب ويحلل ويشارك في المظاهرات ضد سياسة النظام الملكي مما تعرض الى الملاحقة والأعتقال . سافر الى بيروت بعد رؤيته مشانق ساحات أعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي (فهد، حازم، صارم، يهودا صديق)، في ١٤ شباط ١٩٤٩ .

في بيروت تعرف على قادة الحزب الشيوعي اللبناني وشخصيات من القوى الوطنية وللأطلاع على ظروف البلد السياسية قربته أكثر من الفكر الماركسي وتعمقه به، وعندما عاد الى العاصمة بغداد أنضم الى الحزب الشيوعي العراقي ليتدرج في أعلى تراتيبه وليصبح من أهم قادة الحزب ومن ألمع مفكريه .

في سنوات لاحقة من مسيرة النضال تعرفت بشكل قريب ووثيق على الراحل عامر عبدالله، وذاكرتي مليانه بصور مختلفة الابعاد بعضها مغطاة بالغبار . في دمشق عام ١٩٨٨ وعن طريق بعض الرفاق والاصدقاء ألتقيت بالراحل عامر عبدالله لأول مرة في بيته الكائن في منطقة محي الدين، وجدته كما قرأت عنه وسمعت من بعض المقربين منه بتواضعه الجم ودماثة أخلاقه وبساطته المتواضعة وعمق موسوعته الفكرية والسياسية وقدرته على تحليل الأحداث وأبعادها التاريخية . كثرت لقاءاتنا بزياراتي المستمرة الى بيته في دمشق، وتعززت أكثر بعد معرفته أني أبن أخت الشهيد الضابط الشيوعي خزعل السعدي، وأطلاعه بشكل مفصل على مواقفي وتعرضي الى الاعتقال في بناية الشعبة الخامسة وأساليب التعذيب التي تعرضت لها ونجوت بأعجوبة .

وفي فحوى تلك اللقاءات ومصير حياتي في العيش الصعب في دمشق، بدأ الرجل يقترح عليه جملة حلول بالمساعدة في ترتيب حياتي بتجاوز الأزمات المتلاحقة التي لاحقتني من تجربة الجبل الى التسلل الى بغداد والإختفاء بها الى ظروف الاعتقال والى أن وطأت رجليه أرض دمشق بلا عمل أو أفق قريب يلوح بحل قريب لوضعي المعيشي . كانت أكثر الحلول القريبة والممكنة هو حصولي على الجواز اليمني لأتمكن من خلاله السفر من سوريا باتجاه أوربا، في وقت صعب قررت به الحكومة اليمنية الجنوبية بوقف منح جوازات سفر الى العراقيين والفلسطينيين للضبابية في مواقفهم وعلى ضوء تلك التداعيات على الاحداث الخطيرة التي شهدتها اليمن والأحتراب الداخلي بين رفاق الأمس أدت ضياع أفق تلك التجربة الفريدة من نوعها في المنطقة . 

في هذا الأثناء من بدايات العام ١٩٨٩ . سافر المرحوم عامر عبدالله الى العاصمة عدن على ضوء دعوة رسمية من حكومة اليمن الجنوبية الجديدة (علي سالم البيض) أثر الأقتتال الداخلي الرفاقي شهر يناير ١٩٨٦ قتل على أثرها عبد الفتاح أسماعيل وعلي عنتر وعلي شايع هادي وهرب علي ناصر محمد ورفاقه الطرف الثاني في الصراع والتصفيات الى اليمن الشمالي ليستقر به الحال في دمشق العاصمة، فذهب المرحوم عامر للاطلاع على مقتضيات الوضع الجديد بعد حمامات الدم التي سالت في شوارع عدن، ووضع خطة خمسية للبلد لتجاوز عقبات أحداث الماضي والنهوض بالبنية التحتية في البلد، كان قد أملني المرحوم عامر عبدالله في حال وصوله الى عدن سيبذل جهود مع المسؤولين هناك من أجل حصولي على جواز يمني، بعد أيام من وصوله أتصلت بي السيدة بدور (أم أريج) زوجة عامر عبدالله الموظفة في السفارة اليمنية بدمشق . وأبلغتني مع باقات تهاني لقد تمت المواقفة على حصولي على جواز يمني وما عليه الأ أن أذهب الى السفارة اليمنية في دمشق حاملاً صور شخصية لأجل أستلام الجواز .

بعد أيام عاد الى العاصمة دمشق الراحل عامر عبدالله حاملاً في ذهنه عبأ ثقيل عن تداعيات الاحداث في اليمن وتأسفه على ما أصاب شعب اليمن من ويلات وتشظي وضياع التجربة ومواقف الرفاق، وأعلن عن رغبته في الأنتقال الى العاصمة التشيكية (براغ) حسب قوله .. سأقضي آخر عمري هناك وسأجهد نفسي في كتابة مذكراتي حول تجربتي السياسية، وأضاف لي أملاً، عندما أجد هناك فرص متاحة في براغ من خلال الرفاق للسفر الى بلدان اللجوء سأبعث لك خبراً في المجيء لنا . وفي غضن عدة أسابيع، أستلمت رساله من باقر أبراهيم (أبو خولة) أن أتوجه الى العاصمة (براغ)، وسعدت بها ولملمت حالي وحزمت حقيبتي بإتجاه العاصمة (براغ) . وصلت لها يوم ١٥ آيار ١٩٨٩ الى مطار العاصمة، وكان في أستقبالي الراحل عامر عبدالله في المطار، وكان يوم مشمس ودافيء، ورافقته في سيارة تاكسي الى بيته الجميل في أطراف مدينة براغ .

في مساء اليوم ألتقيت مع الرفاق بسهرة في قصر الثقافة التشيكية، بالاظافة الى عامر عبدالله، المرحوم حسين سلطان، عدنان عباس، عبد الحسين شعبان، رواء الجصاني، نجم الدليمي .. وآخرون . بقيت عشرة أيام في مدينة براغ الجميلة، كنا يومياً نتجول في المدينة نلتقي برفاق وأصدقاء وأحبة، والشوارع تغص بالشبيبة الشيوعية فرحين مسرورين، يتعانقون بقبل طويلة للتعبير عن حبهم للحياة، لكن لم يدر في خلدهم أن بعد عام ستغتال تلك التجربة، والحديث الذي يستهوينا والطاغي هو العراق ونية النظام في توجهات جديدة حول التعددية والمفاوضات والعودة بعد نهاية الحرب العراقية / الإيرانية، ووصول الوسيط الدائم  للوساطة والمفاوضات، الشخصية الشيوعية مكرم الطالباني حاملاً في جعبته توجهات جدية في الخروج من الأزمة والعودة الى الميثاق الوطني . وعلى آثر تلك التطورات أخرت قليلاً من أندفاعي نحو التوجه الى مملكة السويد، أملاً في إيجاد صيغ للتفاهم والأعلان عن أنفراج سياسي، ففضلت العودة الى بغداد بدلاً من التوجه الى طلب اللجوء السياسي . وكان هناك توجه عام بهذا الاتجاه بما ضمنهم الحزبين الكرديين الأتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، لكن في اللحظات الأخيرة أحبط المشروع، عندما حمل المرحوم عبد الرزاق الصافي وثيقة الأتفاق الى العاصمة دمشق، هناك توقف كل شيء ؟. وأنتهى .

كان المرحوم عامر عبدالله لايخفي توجساته من أزمة فكرية وسياسية ستحل في بنية الحزب وتطلعاته وعلاقته بالجماهير مما حصل في خيمة المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي العراقي في منطقة (آرموش السفلى)، وشبهها بأحداث قاعة الخلد عام ١٩٧٩، عندما ذبح صدام حسين رفاقه . في خيمة المؤتمر الرابع تم عزل ٢٦ عضو لجنة مركزية، وشمل حتى ممن رحل عن الحياة . ومنح عزيز محمد بعد أن أعيد تعينيه سكرتيراً للحزب بأختيار عشرة رفاق جدد للجنة المركزية، مما أطلق عليهم العشرة المبشرة في الجنة، وأستمروا لسنوات واحد داخل والآخر خارج رافضه عزرائيل . 

بدأت أبحث عن مخارج للوصول الى السويد، فذهبت برفقة الدكتور عبد الحسين شعبان الى السفارة البولندية في العاصمة براغ للحصول على فيزة لجوازي اليمني، فتعرقلت في غياب السفير اليمني، وفي عودتنا الى بيت عامر عبدالله، توصلنا الى حل، قام به الدكتور شعبان فحصلت على الفيزة، وبعد يومين ودعني المرحوم عامر في المحطة العالمية لحركة القطارات بإتحاه العاصمة وارشوا . في يوم ٣ حزيران ١٩٨٩ وطأت قدماي رصيف مدينة إيستاد السويدية في رحلة مضنية وصعبة عبر باخرة بولونية عملاقة .

عاش الراحل عامر عبدالله أخر أيامه في العاصمة لندن، ولم تنقطع زياراته الدائمة الى العاصمة (أستوكهولم) ضيفاً عند قريبته السيدة هيفاء (أم هند)، وكنت على تواصل دائم معه لحين رحيله المر في شقته بالعاصمة لندن يوم ٢٩ كانون ثاني ٢٠٠٠ .

ومازال حول رحيله سجالاً، وأراء وأفكار وكتب ورسائل أطروحه حول منجزاته الفكرية الكبيرة ودوره السياسي البارع ورؤيته الثاقبة للاحداث .

سطور من كتاب في قيد الاعداد .

 

محمد السعدي – مالمو

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن أمين الخولي بين سلبية التقليد وإبداعية التجديد، وفي هذا يمكن القول: كان أمين الخولى يجسد أزمة دعاة الإسلام السياسي الذين يرفعون شعار «الإسلام هو الحل» دون امتلاك برامج حقيقية تكشف كيف يكون الإسلام هو الحل، ولكنهم بهذا الشعار يستطيعون امتلاك قلوب العامة، والسيطرة على الرأي العام، مطالبًا بضرورة التعميق في النظر إلى الإسلام لأنه محاولة إصلاحية كبرى لتنظيم روابط الجماعة الإنسانية (وذلك حسب قول سلمي كحيل في مقالها بفيتو بعنوان أمين الخولي المجدد بما لا يخالف شرع الله).

تقول عنه حفيدته الدكتورة يمنى طريف الخولي، أستاذ فلسفة العلوم المتفرغ بكلية الآداب فى جامعة القاهرة في كتابها "أمين الخولى – الأبعاد الفلسفية للتجديد"، إن " جدى شخصية عملاقة في تاريخ النهضة المصرية والحداثة العربية، عطاؤه باذخ فى كثير من المجالات، متعدد الزوايا، والصلب المحوري والإطار الهيكلي يتلخص فى كلمتين هو أنه شيخ المجددين بلا منازع، فهو شيخ المجددين في الأصولية وشيخ الأصوليين في التجديد".

وتقول د. يمنى طريف فى كتابها: «كان الخولى يبث أصول التجديد في كل المجالات المتصلة بإسهامه: التجديد فى اللغة ونحوها، فى البلاغة وجمالياتها، فى الأدب ونقده، فى تفسير القرآن وفى الفكر الديني وقد تشكلت معالم تجديد الفكر الدينى فى خريطة الفكر العربي الحديث بفعل جهود دءوبة للرواد، يتقدمهم الشيخ محمد عبده «1849-1905» والذى يؤكد على هذا الاتجاه العلمي فيقول: «لو أردت سرد جميع الآيات التى تدعو إلى النظر فى آيات الكون لأتيت بأكثر من ثلث القرآن بل من نصفه»، ومن هنا كان الأصل الأول من أصول الإسلام عند محمد عبده هو النظر العقلي لتحصيل الإيمان، والاصل الثاني هو تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض بينهما، وكان محمد عبده بهذا يعلن حقوق الفكر الحر، كما أبرز جناية الجمود ونتائجه على اللغة والنظام والاجتماع والشريعة وأهلها وعلى العقيدة ونظم التعليم.

وتشير يمني الخولي (مع حفظ الألقاب) إشارة مهمة وهى حاجتنا إلى مناخ يؤكد على التعدد وحرية التفكير والتعبير وإعمال الملكة النقدية فى النظر إلى الأمور فتقول: «لقد كانت مرحلة توهج الثقافة العربية، والتوثب الطامح للعقل فيها فى أعقاب ثورة 1919 حيث انطلقت الجهود فى جملتها من الثابت البنيوي فى حضارتنا / النص الديني والتراث نحو استشراف روح العصر وقيم الحداثة التي تبلورت فى تجربة الحضارة الأوروبية و كانت انطلاقة أسهمت فى ترسيمها خطوط متفاوتة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مواءمة من أعمق جذور الأصالة إلى أبعد آفاق المعاصرة، خطوط سلفية وإصلاحية وتحديثية وعلمية وعلمانية توفيقية وليبرالية واشتراكية تحاورت جميعها فى أجواء متفتحة مواتية نجدها الآن أكثر مواءمة لقيم العقلانية النقدية واشد نزوعا لغاية «التجديد".

وتقول يمني الخولي :" أن تجديد الفكر الديني عند الخولى قد انطلق من نقطة شديدة الأهمية والتميز في تراثه ألا وهى تشغيله الحذر البارع لمقولة التطور والانتخاب الطبيعي، النشوء والارتقاء والبقاء للأصلح وهى النظرية التي قال بها دارون، وهى محاولة لوصف وتفسير نشوء ظاهرة الحياة على سطح الأرض، وارتقائها عن طريق الانتخاب الطبيعي" .. وقد استلهم الخولى هذه النظرية وطبقها على مظاهر الحياة المختلفة من المعنويات العقلية والأمور العملية فرأى أن سُنة النشوء والارتقاء تجرى فى جميع أعمال الأفراد والأمم، وتغيرات حياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأدبية ووفق هذه النظرية وتطبيقاتها كما يرى الخولى أن الجماعات ترقى، وتنشأ الحكومات والصناعات، والمتاجر والآداب والعلوم والفنون من أصل بسيط تغير وتطور وتنافس على البقاء والحياة مع غيره فيبقى الصالح للحياة ويفنى العاجز منها، ومازال الأمر على ذلك.

ومن الأطروحات المهمة فى كتاب د. يمنى طريف الخولى التركيز على ارتباط تجديد الفكر الدينى بالتطوير التجديدي لقضايا اللغة العربية ونحوها وبلاغتها وقد رآهما أمين الخولى قطبين متعامدين وأن تجديد الفقه مقدمة لتجديد النحو لأن أصول النحو قائمة على الفقه عند القدماء، فقد كان الدرس اللغوى الحلبة الأولى لنضاله من أجل الاجتهاد والتجديد وتأثيم التقليد، مستندا إلى أصل عريق هو إجماع النحاة القدامى على ذم التقليد، وحتى فى عصور الانحطاط أغلق الفقهاء باب الاجتهاد ولم يفعل النحاة مثلهم، ورأوا الاجتهاد قائما فى كل آن ومكان وإلا عجزنا عن ضبط وتفهم ما نقوله، وهكذا أعمل سنة النشوء والارتقاء فى اللغات ورأى أن التفسير التطوري للغة هو مفتاح من مفاتيحها هافا لبيئة الطبيعية المادية التى تعيش فيها اللغة والظروف النفسية والعقلية لمتكلميها وأنماط الحياة التى يحيونها، وتوارثها بين الأجيال وعوامل عديدة يصعب حصرها تؤثر فى تطور اللغة.. ومن هنا خلص الخولى إلى أن مواجهة الإسلام للتغيرات لا مفر منها فالبيئات المتغيرة لها حاجات متغيرة ومتطورة، ولذا كان الاجتهاد أساسا لمواجهة التغيرات وكذلك الاعتراف بحق الإنسان فى تفسير وتدبير حياته، وتخلص الباحثة إلى أن تشغيل الخولى الحذر البارع لمقولة التطور جعلته يرى التجديد التطوري ينفصل تماما عن تصور قديم له يحصره فى مجرد إحياء ما اندثر أو إعادة قديم كان.. فالتجديد عنده هو اهتداء إلى جديد سواء أكان هذا الجديد بطريق الأخذ من قديم كان موجودا أم بطريق الاجتهاد فى استخراج هذا الجديد بعد أن لم يكن.. ورأى الخولى أن فكرة التجديد أصل من أصول الدين حتى أنه لا يجوز فى عُرف" السيوطى" خلو العصر من مجتهد، بل نظم السيوطى شعرا أسماه «تحفة المهتدين فى بيان أسماء المجددين» ويلاحظ الخولى أن الكثرة المطلقة منهم " رجال أنجبتهم وعلمتهم مصر ذات الفضل العتيد على المد نية منذ عرفها بنو آدم".

وتضيف يمني الخولي: التجدد عند أمين الخولى فلسفة للفكر والخطاب الدينى ورسالة حضارية ومهمة ثقافية، فالنص الدينى عنده رحلة حضارية يطلق عليها الدوائر المعرفية التى تجعله يحلق حول هذا النص.

وتستكمل: «الخولى يعطينا مثالا نموذجيا منشودا عن حديث الأصالة وتأصيل الحداثة، لا شطط لا ذات اليمين ولا ذات اليسار، لا يميل إلى الحداثة الغربية ولا يميل للأصالة، فينجرف إلى الاغتراب عن الزمان، فهو رائد التنوير الفعال الذى يعنى تأصيل الحداثة وتحديث الأصالة، وكان ميدان عمله وخامة بحثه هو التجديد والبحث عن الأفكار الجديدة، كما انه احترم الخصوصية الثقافية للأمة الإسلامية وسعى لتحديث الواقع استجابة لتحديات العصر الراهن".

وترى «الحفيدة» أن جدها كان لديه تصور للفكر والحياة كإنسان فذ الشخصية، وكعالم لغوى لا يُشق له غبار، وكأستاذ من جيل الرواد الذين اضطلعوا بعبء تمصير الجامعة، وكمفكر هو واحد من التجديديين العِظام. وتقول: كنت طبعًا قد قرأت له وعنه بعض الشيء، فى إطار قراءاتى الغزيرة المتنوعة، ومنذ بواكير الصِّبا لا يمر عليَّ يوم دون أن أفتح كتابا له.

وتتابع: أعترف بأنني لم أكن أتوقف إزاء قضية التجديد ومجدديه وضرورته الحضارية، وأبعاده الفلسفية وتشغيلها فى منظومتنا الثقافية، لم أكن لأتوقف بإزاء هذا منذ البداية وحتى لقائى الحقيقى الواعد بأمين الخولي.

وعندما تطلع على «كتاب الخير» و«مناهج تجديد» و«المجددون فى الإسلام» تجدها كتبا متقدمة فى مجالها، ومن يقترب من الجذوة المضرمة فى عقليته وفى أسلوبه لطرح الأفكار القادرة على تثوير كل خلجة بعقل المتلقي، فى خضم وابل من المنهجية والرصانة والدقة والعمق والاستنارة التى تفيض بها أعمال الخولي، كذلك توضح حفيدته: أنا أتتبع الخولى فى جولاته بأنحاء التراث وصولاته لتجديده، كنت أستجمع فرائد كنز من الأصول المنهجية للنظرة الحضارية التى لا تنفصل أبدًا عن ذاتها وعن تراثها، ما دامت تراه قابلًا للتجديد والتطوير، وأدركت كم كان بصرى حسيرًا، وكانت تلك فاتحة لسلسلة من الزلازل.

وتختم د. يمنى الخولى كلمتها عن جدها، فتقول: «رفع الخولى شعاره الشهير والسديد «أول التجديد قتل القديم فهما وبحثا ودراسة»، أما إذا مضى المجدد برغبة فى التجديد مبهمة، وتقدم بجهالة للماضى وغفلة عنه، يهدم ويحطم، فذلكم - وقيتم شره - تبديد لا تجديد، هكذا كان الخولى يبث ويشمئز ويتهكم على كل من لا يفعل ذلك".

وحول فكر التجديد عند الشيخ أمين الخولي، يقول الدكتور أحمد سالم، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة طنطا وصاحب كتاب " الإسلام العقلاني التجديدي الديني عند أمين الخولي": " التجديد عند الخولى هو حماية للدين، وجعله مسايرا لتغيرات الحياة، ويبدأ التجديد عنده من استيعاب القديم وتجاوزه، وضرورة التحرر من الماضي، والتقيد به والوقوف عند حدوده التى وقفت بطبيعة الأمور عند المستوى العقلي والاجتماعي لأهل هذا الزمن الماضي، ويتجه التجديد بعد ذلك من خلال إدراك الكليات العامة التى جاء بها الإسلام، وتقديم رؤية مستنيرة لها وفقًا لظروف المجتمع، ومتطلبات الواقع".

ويضيف "أحمد سالم" (مع حفظ الألقاب): «تمحورت دعوة التجديد عند أمين الخولى فى التركيز على البعد الاجتماعي للإسلام، أى على البعد الدنيوي، ولم يخض كثيرا فى الإطار الغيبي للإسلام إلا باعتباره دافعا للحياة الدنيا، وبدا له الإسلام محاولة إصلاحية كبرى لتنظيم روابط الجماعة الإنسانية، وتنسيقا للنفس البشرية فى صور وجودها المختلفة، من وجود فردى مستقل، ووجود جماعي شامل، على اختلاف أحوال الجماعات التى يندمج المرء فيها، ويرى الخولى أن الإسلام لم يأت في المشكلات الاجتماعية بغير الكليات العامة القابلة للتفسير فى كل زمان، فالقرآن عودنا فى تدبيره الاجتماعي ألا يمس سوى الأصول الكبرى للإصلاح تاركا وراء ذلك من تفصيل للتدرج الحيوي، والجهاد العقلي الإنساني، لينتفع فى ذلك بكل ما يسعفه عليه نشاطه، ويؤهله له تقدمه، ويقدر الإسلام في ذلك اختلاف الأحوال وتغير الزمان، وفى ضوء الكليات العامة للقرآن رأى الشيخ أمين الخولى مشكلة المال فى القرآن، فيرى أن القرآن قدر للإنسان حب التملك».

ويشكل مفهوم التطور مفهوما أساسيا في بنية خطاب النظر والتحليل عند الخولي، ولا يرتقي لأن يمثل مفهوما تفسيريا ف بحثه عن التجديد الديني، يقيس عليه، ويرجع إليه دائما، وينظر إلي القضايا من خلال نسبتها إليه، وهو من أكثر المفاهيم تواتراً في كتابه:" ( المجددون في الإسلام)،، وبشكل يلفت الانتباه حقا لشدة بروزه وحضوره .

وحين توقف أحمد سالم عند هذه الملاحظة، أرجع تفسيرها إلي تأثر الخولي بنظرية التطور عند دارون، حيث عقد فصلا في كتابه:" الجذور العلمانية في الفكر التجديدي عند امين الخولي)، تناول فيه أثر نظرية التطور علي فكر الخولي . وفي هذا الفصل أشار أحمد سالم إلي ما أسماه دفاع الخولي عن نظرية التطور، وتأكيده علي أن دارون وأتباعه من الدارونيين لم ينكروا الألوهية، ورفض القول بأن الإسلام يعارض نظرية التطور، وسعيه لتأصيل هذه النظرية ليتخذ منها رؤية منهجية وفلسفية، يستعين بها في التجديد اللغوي، والتجديد الديني، وفي دراسة تاريخ الأديان .

وعلي أساس هذه الفرضية بني أحمد سالم أطروحة ( كما يقول زكي الميلاد في دراسة له بعنوان أمين الخولي والمجددون في الإسلام) كتابه المذكور، وأخذ يشرح أثر نظرية التطور في موقف الخولي من التجديد اللغوي والديني، وفي العديد من القضايا الأخرى، وخلص إلي أن الخولي وظف نظرية التطور من أجل إعادة بث الحياة والروح في الفكر الديني، ولهذا كان تأثر الخولي بهذه النظرية في نظره، عاملاً فعالاً في تجديده للتفكير الديني.

وبعد أن اختار الخولي مفهوم التطور في التعبير عن معني التجديد، جاء حديثه عن أسس الطتور في الإسلام، بدل عنوان أسس التجديد في الإسلام، ويعد هذا البحث من أكثر مباحث كتاب الخولي تميزاً، وأكثرها تعبيراً عن جوهر أطروحته في التجديد الديني، ويعتقد الخولي أن من ينظر بعمق وسعة أفق إلي الصورة العامة للإسلام بوصفه ديناً ونظاماً اجتماعياً عملياً، يتضح له انه يحمل أسساً للتطور تهيئه لذلك، وتعده لتحقيقه في يسر، ودون مصادمة لشئ من تطور الدنيا حوله نظرياً وعملياً، لتطور الذي يمضي متوثباً جريئاً حسب قوله ؛ لأن الواقع الذي لا مفر منه ولا محيد عنه .

وفي نهاية حديثي عن سلبية التقليد وإبداعية التجديد عند أمين الخولي لا أملك إلا أن أقول: رحم الله أمين الخولي والذي كان واثق الخطوة في كل مواقفه. كان مجدداً ولم يكن مقلداً بأي وجه من وجوه التقليد. والمجدد ينظر إلى الأمام، والمقلد ينظر للخلف والعياذ بالله، المجدد يمثل النور، والمقلد يمثل الظلام، ألم يقل الفيلسوف ابن سينا في دعائه إلى الله تعالى: فالق ظلمة العدم بنور الوجود. ومن حكمة الله تعالى أنه خلق عيوننا في مقدمة أدمغتنا، ولم يوجدها في مؤخرة الأدمغة. كانت كتابته تمثل شلالاً متدفقاً من الحكمة والمعرفة، وإن كان أكثرهم لا يعلمون، وتعد بحراً على بحر، إنها تعد نوراً على نور، ويكفيه أنه حارب طوال حياته حياة الظلام والتقليد، إنه مدرسة كاملة، وإذا كانت روحه قد صعدت إلى السماء، فقد صعدت إلى عالم الخلود والبقاء واستراحت من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

فتحية طيبة للمفكر المبدع أمين الخولي الذي كان يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

بارك الله لنا في أمين الخولي قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين"، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنسانا نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد علييعد الدكتور أمين الخولي (1313-1385هـ-1895-1966م) واحداً من أهم وأشهر المفكرين المصريين المعاصرين الذين أرسوا دعائم منهج التجديد والاستنارة، فهو أول من رفع شعاره الشهير والسديد "أول التجديد قتل القديم فهما وبحثا ودراسة، أما إذا مضى المجدد برغبة فى التجديد مبهمة، وتقدم بجهالة للماضي وغفلة عنه، يهدم ويحطم، فذلكم - وقيتم شره - تبديد لا تجديد"، وهذا ما جعله يجتهد وفق اجتهاد عصره ويهتم بجملة من القضايا الدينية المعاصرة ليصبح إمام المجددين.. ولقد كان رحمة الله ظاهر الرجولة، بارز الشخصية في آرائه، معتدا بها معتزا بنفسه وبامتيازه في فكره وعلمه، رصين الأسلوب قوي الحجة، متصل الجدل لا يهين لطوله ولا اللدود في خصمه .

كان أمين الخولي (مع حفظ الألقاب) عظيما في كل شئ : في عقله، وفي رهافة حسه، وفي شجاعته، وفي اعتداده بكرامته، وفي عزة نفسه .. كان رجلا منفتح الفكر يؤمن بكرامة العقل الإنساني، ويثق في قدرته علي اختراق الحجب . وكان أبي النفس، شامخ الهامة، لم يتزلق قط إلي أدني بادرة يشتم منها التزلف، أو حتي التقرب إلي أحد .. خاض أقرانه معارك السياسة، وتلونوا ما شاء لهم الهوي، ولكن الأستاذ ظل عزيز النفس، مؤمنا بمصر وحدها، يترفع عن الاشتراك في مهاترات الأحزاب، ويوجه للشباب منذ أكثر من ربع قرن نداءه الحكيم: "أيها الشباب آمن بالوطن واكفر بالسياسة ".. وكان صلب الرأي يؤمن بالمبادئ لا بالشخاص، لا تفلح قوة - كائنة ما كانت – في زحزحته عما كان يؤمن به .. وكان الأستاذ علي صلابته إنساناً عظيما حقا، يوحي إليك شعور الأبوة الحانية الحازمة في آن واحد .. كان كريما جوادا بشهادة كل تلاميذه، واسع العقل .. وكان أكثر أبناء جيله حدباً علي الشباب وعناية بهم، يفتح لهم صدر مجلته " الأدب"، ولكنه لا يتواني عن أخذهم بالشدة كلما لمس منهم تهاوناً أو فتوراً .. وكان حكيماً قوي العقل، ولا يضطرب لأحداث الحياة، ولا يفلت منه زمامه قط .. وكان شخصيته مزاجاً فريداً من القوة والرحمة .. كان متعدد الجوانب، واسع الثقافة .

كما كان أمين الخولي أديب من كبار حماة اللغة العربية، ومصريا أصيلاً معادياً للاحتلال الإنجليزي مطالبا باستقلال الوطن ومؤمناً بوحدة الشعب العظيم، وابناً باراً للثورة الشعبية الكبرى 1919.. ونُفي مع سعد زغلول إلى سيشل..عُرف بزيه الأزهري المميز، ووقاره المهيب، وبريق عينيه وملامحه المتفردة... وقال عند "الدكتور لويس عوض": (كل من جلس بين يديه يتلقى العلم عليه ارتبط به المسحور بالساحر.. من عرفه لا يمكن أن ينساه). كان أمين الخولي يؤمن إيماناًً عميقاً بالشباب، ويؤمن أنهم أصحاب الغد، فدعاهم إلى إيجاد القادة الصادقين . وعاش يفكر في الغد لا في الأمس.. يدفع أبناءه ومريديه إلى العيش في المستقبل برأيهم لا برأي يملى عليهم أو يستوردونه من بلد آخر.. كان من أجهر الدعاة إلى الحرية الفكرية .. ويرى الحرية وسيلة الحياة الكريمة. لقد أخذ منهاجه في أستاذيته عن "عاطف بركات" من المحدثين وعن "الإمام الشافعي" من المجددين القدامى. وكان الأساس النظري عنده في الرأي والرأي الآخر: (أن الاختلاف في الآراء والتقاتل على المبادئ من نواميس الحياة على الأرض، وليس ظاهرة تحلل ولا إشار فساد)، وكان يؤمن بوحدة أصل البشرية. وبجودة المصير الإنساني، فلا يصح تداعي بعض الناس في مختلف الأسر بأفضلية تميز، وأجمل زميله وصديقه "أبو الفرج السنهوري" صـفاته التي تميز بها هذا الأستاذ" (جبار العقل، عميق الفكر، حلو المنطق، قوي الحجة، رصين الكلام، غزير العلم في أدب عظيم).

وكتب عنه تلميذه الشاعر "صلاح عبد الصبور": "كان أكثر ما يؤلمه أثناء الدرس أن يجد طلابه يسلمون برأيه، لا يجادله أحد فيهم، عندئذ تنقطع الدائرة وتخبو النار. أما إذا إرتقت العقول، وإصطرع الرأي بالحجة، عندئذ ينفجر وجه الخولي المقطب، ويشتد لمعان عينيه، وتفيض الفتوة العقلية والذهنية من مكامنها وتتألق الحكمة".

وقد ولد أمين الخولي في الأول من مايو سنة 1865م في قرية شوشاي في مركز أشمون بمحافظة المنوفية، ثم دخل مدرسة لافيسوني في القاهرة ثم مدرسة المحروسة. حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره. وتخرج من مدرسة القضاء الشرعي تزوج الدكتورة عائشة عبد الرحمن وأنجب منها 3 أبناء. وقد الخولي عين مدرساً في مدرسة القضاء الشرعي في 10 مايو عام 1920 م، وفي 1923، ثم عين إماماً للسفارة المصرية في روما، ثم نقل إلى مفوضية مصر في برلين عام 1926، وبعد ذلك عاد عام 1927إلى وظيفته في القضاء الشرعي، وعلي إثر ذلك انتقل إلى قسم اللغة العربية بكلية الآداب 1928، وأصبح بعد ذلك رئيسا لقسم اللغة العربية، ثم وكيلا لكلية الآداب في 1946، ثم عين عام 1953 مستشارا لدار الكتب، كما عمل مديراً عاما للثقافة حتى خرج إلى المعاش أول مايو 1955م، وقد كتب في عديد من الصحف والمجلات وأصدر العديد من الدراسات والأعمال الإبداعية، ثم أسس جماعة الأمناء عام 1944، ومجلة الأدب عام 1956، وقد اختير عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1966.. إلي أن توفاه الله في الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الأربعاء التاسع من مارس عام 1966 ودفن في قريته شوشاي. وتقول الكاتبة تلميذته وزوجته د. بنت الشاطئ:«على عيني اقتحم ناس غرباء مخدعه لتجهيز جسده للرحلة الأخيرة...».

لقد رحل عنا أمين الخولي بعد أن فتح لنا ميادين الأدب والبلاغة واللغة والتفسير مجالات عديدة ملآها بما كان له فيها من فكر مبتكر، ورأي محكم، وبيان رصين، مما اقتضاه عملاً دائباً، ودعوة مدوية في تأليف متتابع وبحوث متساندة، ضمنها كثيرا من آرائه في اللغة والأدب والنحو والتفسير، وهي آراء تشهد له بسمو الموهبة وعمق التكفير وسلامة الوزن ورائع البيان ؛ مما جعله إماما من أئمة نهضتنا الأدبية الحديثة – التي يراد بناؤها علي ما في القديم وخير ما جاءت به الحضارة والمعرفة من جديد – ورائدا في الدراسة المنهجية الفكرية التي هدي إليها في دروسه وأيدها بخبرته وبيانه ومقاييسه، وكان ذلك فيما نشره علي الناس في المجلات المختلفة، وفيما أخرجه من رسائل قيمه  وذلك حسب  قول ما الأستاذ الشيخ علي الخفيف بمجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1969 .

اشتهر أمين الخولي بقلة كتاباته رغم أهميتها البالغة،منهجيا وفكريا ومعرفيا، وكان يقول أنه مثل سقراط ومعرفيا، وكان يقول أنه مثل سقراط يفضل أن يعيش في تلاميذه وليس في كتبه . ومن أهم مؤلفاته في الأدب واللغة والمنهج :" اللاغة وعلم النفس" عام 1939، و"علم النفس الأدبي " عام 1944،و" وهذا النحو " عام 1934م، و"رأي في أبي العلاء" عام 1944م، و" فن القول عام 1946، و" مشكلات حياتنا اللغوية " عام 1958، و" مناهج التجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب"، ومالك بن أنس عام 1951 في ثلاثة مجلدات، وأصدر ملخصاً عام 1962 بعنوان " مالك، تجارب حياة" مع مقدمة جديدة انتقد فيها طريقة عباس العقاد في كتابه سير حياة أو تراجم الأعلام، و" المجددون في الإسلام" عام 1965. وفيه كتب عن خلفاء: كعمر بن العزيز وأئمة الفقهاء (كالشافعي الإمام)، وكتبه الثلاثة في التفسير تحت عنوان :" من هدي القرآن"، وهي : " في أموالهم" ثم " في الحكم" ثم " القادة والرسل" عام 1952.

كما أن له عدداً من المسرحيات، إذ كان مهتما بفن المسرح، وأكد أنه فن يكتمل بالعرض المسرحي، وليس نوعا أدبيا وأنه فن يعتمد علي: مقارعة الحجة بالحجة وعلي حوار الأفكار . إضافة إلي عشرات من الأبحاث في مختلف مجالات اهتمامه العلمية والفكرية . وكتب تسعة مقالات بالغة الأهمية في الطبعة العربية من دائرة المعارف الإسلامية، هي مقالات عن مواد :" بلاغة " و" التفسير" و" سلام" و"سيرة " و"شريعة" و" صالح و" صحيح " و" طرق". ورغم أن أمين الخولى لم يكتب "فلسفته" أو منهجه النظري العام الذي تطور عنده على طول حياته العلمية والعملية الحافلة، فإنه يمكن استخلاص الركائز والعلامات الرئيسية لهذا المنهج النظري الذي أثر من خلاله علي من جاء بعده .

ومن أهم كتابات أمين الخولى والتي نعول عليه بشده هنا كتابه: (المجددون فى الإسلام)، وهو الكتاب الذى يعيد فيه قراءة تاريخ المجددين في الإسلام والذى بدأ مبكرا منذ حوالى القرن الثالث الهجرى، وقد أصدر هذا  الكتاب لعدة أسباب منها: أنه لم تعد فكرة التجديد بدعا من الأمر يختلف الناس حوله فتخسر الحياة ضحايا من الأشخاص والأعراض والأوقات مما ينبغى أن تدخره هذه الحياة لتفيد منه فى ميادين نشاطها، ولا تضيع الوقت والجهد فى مهاترات تُسخف كل محاولة جادة لدفع الحياة الدينية أو الحياة الاجتماعية إلى ما لابد لها منه من سير، وتقدم، وتطور، ووفاء بما يجد من حاجات الأفراد والجماعات»، والسبب الثانى  هو إحياء نص من هذا التراث وعرضا للون من تفكير أصحابه، وتناولهم للقضايا الحيوية، وتعبيرهم عنها فى تلك  العصور على نحو ما عُرض فى كتاب السيوطى فى القرن العاشر الهجرى، وكتاب المراغى وهو أحدث (ق 13هـ) والكتابان هما (التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل  مائة)  للسيوطى (911 هـ)، وكتاب (بغية  المقتدين، ومنحة المجدين على تحفة المهتدين) للمراغى الجرجاوى (ق13 هـ).

وقد كان أمين الخولى يريد من هذا الكتاب أن يدع أصحاب هذا التراث المؤمن بالتجديد يتحدثون هم أنفسهم عن التجديد الدينى، يصفونه، ويسلسلون روايته، ويعينون أصحاب التجديد على رءوس المئات خلال الأربعة عشر قرنا التى عاشها الإسلام حتى اليوم قائلا : (وإذا ما أسس السلف لفكرة التجديد وسموا رجاله، حق لنا أن نكمل الفكرة فى التجديد فنلتمس من تفكير المفكرين فيهم ما نرى فيه من أضواء يبعثها الماضى فيضىء  بها طريق المستقبل).

وكانت ترجمة الخولى لهؤلاء المجددين فيها تتبع خاص لأعمالهم فى التجديد فإذا كان المجدد حاكما كعمر بن عبدالعزيز مثلا، كانت العناية فى ترجمته بالأعمال التى فهم بها الإسلام، وفسره، وإذا كان المجدد عالما كالشافعي والغزالي مثلا كانت العناية فى ترجمته بالأفكار التى أبداها فى فهم الإسلام وتفسيره، ويؤكد الخولي: (أننا واجدون فى تصرفات المجددين وتفكيرهم ما لم تصل إليه الحياة اليوم، أو قل ما لم تجرؤ عليه لأن المقلدين قد ألقوا بجمودهم فى الفهم والتصرف ضبابا أو ظلاما أخفى حقيقته، وحجبه عن الأنظار فلم يُعرف، ولم يشتهر)

ولم يكتف بذلك بل قال الخولى في دعوته التجديدية للدين: «ملك النفس شعور الحياة بالحاجة الماسة الملحة إلى تجديد تطوري يفهم به الإسلام، الذي يقرر لنفسه الخلود والبقاء فهمًا حيًا يتخلص من كل ما يعرض هذا البقاء للخطر ويعوق الخلود إذا ما صح العزم على هذا الفهم الجديد الذي مضت سنوات في تقرير أصوله وأسسه درسًا وتعليمًا وتدوينًا، ولابد أن نحرص على سلامة هذا الفهم وبقائه ونجاته كذلك من تلك المهاترات وما تحدثه من خسائر تكبدتها الحياة في كثير من خطوات سيرها، التي لا مفر لها منه ما دامت حياة".

ويستطرد الخولى فيقول: «وما يحسنُ اليوم أن يكثر الحديث فى الزكاة والصوم عن الفقراء، والبر بهم، وإدخال السرور على أنفسهم، وصونهم عن الاستجداء يوم العيد لأن ما يؤدى لهم إنما هو حق، وحق معلوم بتعبير القرآن الكريم، والجهد مبذول فى أداء حقوقهم لا فى إغنائهم عن التسول يومًا أو بعض يوم فقط».

وتطوير المعاملات يقول الخولي: " والأمر فى المعاملات على كل حال ليس إلا أمر مصلحة واقعة حيث وجدت فثم حكم الله كما يقولون بصريح اللفظ، وتطور عرض العقائد والعبادات والمعاملات يهدف إلى أن لا يبدو الجو الدينى فى صور منعزلة عن الحياة فليجتهد رجال الأديان فى كل مكان فى سبيل المشاركة العلمية والعملية فى الحياة مع الاحتفاظ بالطابع الدينى، والحظ الكامل من الثقافة الدينية دون أن يجور شيء من الثقافات الأخرى على ما يجب تحصيله من ثقافات دينية بحتة، فى بيئة مخلصة لذلك، والتماس ما قد يصيب رجال الدين من ثقافة علمية فى بيئة علمية مخلصة لذلك" .

وفى أحد كتبه، قال «أردت أن أدع أصحاب هذا التراث المؤمن بالتجديد يتحدثون هم أنفسهم عن التجديد الدينى، فإذا حدث أصحاب القديم عن التجديد حديثهم الذي ترى نصوصه وبدأ حديثهم عن التجديد هذا مبكرًا منذ نحو القرن الثالث الهجري، لم يبق بعد ذلك مقال لقائل ولا اعتراض لمعترض ولم تعد فكرة التجديد بدعًا من الأمر يختلف الناس حوله فتخسر الحياة ضحايا من الأشخاص والأعراض والأوقات مما ينبغى أن تدخره هذه الحياة لتفيد منه في ميادين نشاطها ولا تضيع الوقت والجهد في تلك المهاترات التي تكثر وتسخف حول كل محاولة جادة لدفع الحياة الدينية أو الحياة الاجتماعية إلى ما لابد لها منه من سير وتقدم وتطور ووفاء بما يجد دائمًا من حاجات الأفراد والجماعات».

كذلك استند الخولى في كتابه «المجددون في الإسلام» إلى نماذج إسلامية قديمة قامت بالتجديد، منها الخليفة عمر بن عبد العزيز، والإمام الشافعي، وأبو الحسن الأشعري، وابن سريج، والباقلاني، وغيرهم من المجددين القدامى، الذين كانوا من منارات الإسلام التجديدي وذلك حسب ما ذكرته د. زكي بدر في مقالها عن أمين الخولي الذي نشر بجريدة روزرا يوسف بعنوان أمين الخولى وتجديد الفكر الدينى.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عبد الجبار الرفاعي

توفي مساء الجمعة 28-2-2020 في القاهرة الصديق الدكتور محمد عمارة، تغمدّه الله برحمته الواسعة. أحزنني رحيلُه، على الرغم من اختلافي الفكري معه، لأن خسارة الوطن والعالَم بفقدان العالِم تفوق كلَّ خسارة.

لأننا محكومون بالتراثِ وقيمِه وأحكامِه، ترسخت لدينا تقاليدُ الاحتفاءِ المبالَغ به بالأموات، والإفراطِ في الثناء على آثارهم، والإعلاءِ من قيمة منجزهم، وتجاهلِ ما أنتجته هذه الآثارُ من تعصبات وكراهيات وأحقاد وجروح نازفة، في حياتهم وبعد وفاتهم.

كتبتُ هذه المقالةَ بعد ان قرأتُ عشراتِ المقالات الرثائية للمرحوم محمد عمارة، الغارقةَ بالتبجيل والثناء، وبعضها كتبها باحثون أحترم تكوينهم المعرفي وخبرتهم الجادة بالتراث، وأعرف كتاباتِهم النقدية، لكن رهبةَ الموت والخوف من بطشه المفاجئ تربكنا لحظةَ موت الكبار، فنضطر لحذف كل ما يزعجنا في صورتهم، لأن الكبارَ في مخيالنا لا يموتون، فننسى كلَّ شيء كتبوه وفعلوه، وننشغل بتسطير مناقب أكثرها مفتعلة لهم. ارتكبت أنا ذلك قبل سنوات، عندما كتبت مقالة، كلها مناقب، لأحد أصدقائي، بعد أن أربكني الموتُ، فأنساني كلَّ أخطائه لحظة وفاته.

لم يتنبّه بعضُ من يكتب عن محمد عمارة لتحولاته، ورحلتِه الفكرية الطويلة من الماركسية إلى السلفية، ومحطاتِه الاعتقادية المتعددة، وكيف كانت آثارُه المتأخرة تنقض كتاباتِه المبكرة. لذلك نقرأ كتاباتٍ تصنّفه على أنه مفكرٌ تنويري، وعقلاني، ومجدِّد، وأحدُ رواد النهضة، وغيرُ ذلك من توصيفات، لا ينطبق أيُّ توصيف منها عليه في محطته الاعتقادية الأخيرة.

تقلّب محمد عمارة في عدة محطات اعتقادية، كان ينتقل منذ خمسينيات القرن الماضي من تفكيرٍ عقلاني واسع إلى تفكيرٍ ضيق، إلى أن أرستْ سفينتُه منذ سنوات عند التراث، الذي أمسى يتعاطى معه بمنطق مغلق يبدأ بالتراث وينتهي بالتراث، لا يرى رأيا خارج التراث، ولا يفكر تفكيرا خارج مداراته، ولا يصغي لسؤال خارج أسئلته، ولا يبحث عن جواب خارج أجوبته المكررّة، ولا يرى مسارا خارج مسالكه، ولا يقبل معرفةً في الدين خارج معارفه، ولا يقبل علما في الدنيا مالم يكن ممهورا ببصمته.

1387 الرفاعي وعمارة

كان محمد عمارة مفكرا ملتزما، عاش كلَّ حياته وفيّا لمعتقداته، يتحمّس في كل مرحلة من حياته الفكرية لما يتبنّاه من معتقدات، حتى لو كانت على الضدّ من معتقداته السابقة، ويكرّس كتاباته للدعوة إليها والتثقيف عليها.

أعترف أن محمد عمارة كان مناضلا شجاعا في إعلان آرائه والدفاع عنها، ففي كل محطة اعتقادية ينتقل إليها، يتمسك بها بقوة، ويدعو إليها ويبشّر بها، سواء في مرحلته الماركسية التي قادته إلى السجن أواخر الخمسينيات أيام عبدالناصر، ومكث فيه لسنوات 1959-1964، أو في تحوله الى الاعتزال، وكتابة رسالته الماجستير سنة 1970 عن "المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية" في ضوء الدراسة والتحقيق لمجموعة "رسائل العدل والتوحيد"، وأطروحته للدكتوراه 1975 حول: "نظرية الإمامة وفلسفة الحكم عند المعتزلة". أو في تحوله الى وسطي محافظ في عقيدته الدينية في الثمانينيات، أو رؤيته السلفية أخيرا للتراث، وتبنّي كل شيء في التراث على ما كان عليه، والتعاطي معه بوصفه منجما يزودنا بكل شيء تتطلبه حياتُنا في الدنيا والآخرة، وفي الحاضر والمستقبل. والتنكّر لكل علم ومعرفة تنتمي إلى العصر، بذريعةِ أصالة ِكل ما ينتمي للماضي، واتهام ِكل معرفة تنتمي للحاضر.

يفرض محمد عمارة عليك أن تحترم عصاميتَه وزهدَه، فقد زهد بالوظيفة، وتخّلى عن التدريس بالجامعة طوعيا،كما يقول، لأنه أراد أن يتفرّغ لمهمته الفكرية، كما حدّثني عن ذلك سنة 1998 قائلا: "آثرت منذ البدايات ان لا اهتم بالوظائف، وكنت اعتبرها لونا من الرق، فتحررت منها، وعكفت على مشروع الفكر والعمل التأليفي، ولم اذهب الى التدريس، لا في جامعاتنا، ولا في جامعات النفط والخليج والاغراءات المالية. عشت للمشروع الفكري".

عندما كان يحلم بالثورة، على طريقة اليسار في مجتمعاتنا، حقّق ونشر سلسلةً مختارةً من أعمال رواد عصر النهضة، في سلسلة مجلدات في سبعينيات القرن الماضي. إذ نشر آثار: رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الافغاني، ومحمد عبده، وقاسم أمين، وعبدالرحمن الكواكبي، وعلي مبارك. وكتب عن شخصيات إسلامية متعددة، ونشر ذلك في كتاب كبير هو "مسلمون ثوار".

وإن كان محمد عمارة عاش أكثر مراحل حياته الفكرية في سجن الايديولوجيا، لكن انتقالَه من سعة العقل المعتزلي ورحابته إلى انغلاق العقل السلفي واختناقه، يدعونا للتساؤل، ليس عن تكوينه المعرفي ومنطق تفكيره الذي كان يفرض عليه أن يهرب للماضي كلّما تقدّم به العمرُ ، بل عن شيوعِ هذه الظاهرة في الفكر العربي الحديث والمعاصر، والبنيةِ العميقة لمنطق تفكير عدة مفكرين لم يجدوا ملاذا لهم، بعد تقدّم أعمارهم، إلا بالهجرة الكلية إلى الماضي، بعد حياة فكرية في المراحل الأولى تسودها العقلانيةُ النقدية، وأحيانا الدعوةُ للقطيعة مع التراث لدى بعضهم.

إن الرحلة الفكرية لمحمد عمارة لم تكن الاستثناءَ من مفكري جيله الذين تنقّل غيرُ واحد منهم في عدة محطات، إذ بدأ بعضُهم عقلانيا نقديا، متحرّرا وربما متمرّدا، يفكر في فضاء رحب، بلا أطر أيديولوجية، وبلا مرجعيات اعتقادية، وبلا قيود صارمة، وبلا حدود مغلقة، وبلا سقف نهائي تتعطل عنده كلُّ الأسئلة، وتموت فيه كلُّ الأجوبة. لكن عقل هؤلاء بدأ ينغلق بالتدريج مع كهولتهم وتقدّم أعمارهم، إلى أن غادر العقلُ تساؤلاتِه ومواقفَه النقدية وبصيرتَه النافذة، وجرأتَه في اقتراح الأجوبة، وكأن بعضَهم تابَ من إثمٍ عقلي ارتكبه، فدخل نفقا، أو آوى إلى كهف في المرحلة الأخيرة من حياته، يعتكف به، ليحتمي به من قلق الموت الوشيك الذي بات يهدّد شيخوختَه، ويلوذ بالماضي من وهن جسده، وضعف قدراته، وعجزه وغربته ووحدته.

الاحتماءُ بالتراث والدعوةُ للعودة لماضي الأمة وعلوم ومعارف الآباء هو المشترَكُ بين محمد عمارة وهؤلاء المفكرين التوابين من إثم التفكير العقلان ، ومشترَكٌ آخر ينصبّ على التحذير من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، بذريعة أن تراثَنا يختزن كلَّ ما تتطلبه حياتُنا، وكلَّ حلول مشكلاتنا، وأن المعرفةَ والعلومَ الحديثة مادامت وُلدت في بيئة غربية، فهي غريبةٌ عن معتقداتنا وثقافتنا وبيئتنا ومشكلات عالمنا. وهي ذريعةٌ يردّدها كلُّ هؤلاء، بأساليب متنوعة وعبارات مختلفة، وصياغات ملتوية أحيانا، تتوحد في أنها تدعونا لأن نرفض كلَّ معرفة أنتجها العقلُ البشري خارج عالَمنا، بنحو أمسى تكرارُها المبتذَل في كتابات القوميين والإسلاميين يصيبك بالغثيان، فهم مازالوا يردّدونها منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم.

وهذه الذريعة يكذّبها الواقع، فلا نحن اكتشفنا فلسفتَنا وعلومَنا ومعارفَنا التي تستجيب لواقعنا، وتولد في سياقات ديانتا وثقافتنا وهويتنا وخصوصيتنا وراهن مجتمعاتنا، ولا نحن تحرّرنا من عقدة الارتياب من العلم والمعرفة الحديثة.

في المعرفة والعلم الحديث ما هو كوني عابر لمعتقد وثقافة الإنسان الذي اكتشفه. إنه يعبّر عن جوابٍ لأسئلة الحياة واحتياجات الإنسان، بغضّ النظر عن الزمان والمكان الذي يعيش فيه. الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة أعادت تشكيلَ العقل الذي قدّم للبشرية كلَّ هذه الاكتشافات الباهرة، ووضع الإنسانَ في مسار جديد، مكّنه من أن يكون أشدَّ حذاقة في إجابة أسئلة الطبيعة الصعبة وتحدياتها المنهكة، وأذكى في إجابة أسئلة حياته الحائرة.

محمد عمارة من أغزرِ الكتّاب الإسلاميين إنتاجا، وأكثرِهم مثابرة، وأغناهم تنوعا، بلغت آثارُه نحوَ 250 عنوانا في مختلف الموضوعات. ففي كل مراحل حياته الفكرية ومحطات اعتقاده سجّل حضورا لافتا في الصحافة والدوريات ودور النشر.

كانت مواقفُه في ربع القرن الأخير من حياته لا تطيق المختلِف في اجتهاده،كموقفه الشديد من فكر صديقنا المرحوم نصر حامد أبو زيد، ولا تطيق المختلِف في معتقده. وكأنه لا يعرف أن الله مطلق، لكن معرفة الإنسان بالله نسبية، لأنها محدودة: بوجوده المحدود، وطبيعته البشرية، وآفاق وعيه، وثقافته، ونمط رؤيته للعالم، والزمان والمكان الذي يعيش فيه.وان نسبية معرفة الإنسان بالله تعني تنوع وتعدد الطرق إلى الله.

يعرّف محمد عمارة الكفرَ، في كتابه: "فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية"، كما ينقل عن الغزالي، هكذا: "الكفر هو تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام في شئ مما جاء به، والإيمان بتصديقه في جميع ما جاء به، فاليهودي والنصراني كافران لتكذيبهما للرسول صلى الله عليه وسلم.. وهذا لأن الكفر حكم شرعي، كالرق والحرية مثلاً، إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي، فيدرك إما بنص أو بقياس على منصوص، وقد وردت النصوص في اليهود والنصارى..". يتبنى محمد عمارة هذا التعريف ولا ينقده أو يناقشه، لذلك أثار كتابه هذا ضجة كبيرة عند صدوره[1].

يستخدم محمد عمارة لغةَ هجاءٍ عنيفة في الحديث عن المفكر الذي لا يستسيغ أفكارَه أحيانا، فمثلا يصف سلامة موسى بالوقاحة والنفاق، عندما يقول: "هكذا تكلم سلامة موسى، فبلغت صراحته حد الوقاحة، وكانت له فضيلة الإعلان عن كثير مما يبطن المنافقون من المتغربين"[2].

يسود كتابات محمد عمارة تفكيرٌ تبسيطي، يتوقف عند السطح، ولا يشأ أن يتوغل في اكتشاف الطبقاتِ التحتية المولّدةِ للأفكار والظواهر المجتمعية. تتحكم بتفكيره أدواتٌ نهائيةٌ يفسِّر فيها كلَّ شيء، ولا يتردّد في إطلاق أحكام اتهامية، لا صلةَ لها بالفكر، عندما يتحدث عن بعض المفكرين وكتاباتهم، ففي حديثه عن طه حسين مثلا يتهمه بأنه وقع تحت تأثير زوجته الفرنسية وعمّها القسيس، بقوله: "الرجل تزوج امرأة فرنسية، وعمها قسيس أثّر فيه بعمق"[3]، ولا تخلو لغتُه من هجاء لمن يكتب عنهم.

ترك محمد عمارة بصمتَه الفكرية في كل مؤسسة أو مركز أبحاث أو مجلة انخرط فيها، ففي المعهد العالمي للفكر الإسلامي ومشروعه لإسلامية المعرفة الذي كان أحدَ مستشاريه، تغلبّت على مشروع إسلامية المعرفة نزعةٌ تراثيةٌ مغلقة، تراجعت معها آفاقُ التفكير الاجتهادي النقدي الذي كان يعدُ به المعهد عند تأسيسه. فقد كان محمد عمارة ضدّ طباعة كتاب "المنهجية المعرفية القرآنية"، الذي كتبه صديقنا المرحوم محمد أبو القاسم حاج حمد، تلبية لطلب رئيس المعهد وقتئذٍ الصديق المرحوم طه جابر العلواني، ولبث الكتاب سنوات طويلة غير مطبوع. بعث لي الصديق محمد همام بنسخته المصورة عبر البريد، من المغرب "أغادير"، وعند استلامي الكتاب طالعته مباشرة، فتحمست لنشره، واستأذنت طه العلواني، فأجاز لي طباعته وتوزيعه. وكان المؤلف شديد الحرص على طباعته، فأصدره مركز دراسات فلسفة الدين، خلافا لإرادة ادارة المعهد التي حجبت مخطوطته سنوات طويلة عن القراء. ألفَ حاج حمد كتابه سنة 1991، ولبث في المخطوطة حتى سنة 2013 عندما بادر مركزنا لنشره.

وهكذا رأيتُ أن تأثيرَه طغى على مجلة المسلم المعاصر[4]، هذه الدورية التي غامرتْ بمناقشة قضايا منسية عند صدورها، وأثارت أسئلةً جريئةً، وفتحت نافذةَ ضوءٍ لتفكير عقلاني نقدي، يتخطى المتعارفَ في أدبيات الإسلاميين المبسطة.كانت تربطني علاقةٌ شخصية بصاحبِ المسلم المعاصر ورئيسِ تحريرها المرحوم جمال الدين عطية، وبأخيه محيي الدين عطية، وكنت حريصا على مطالعة أعدادها، وترقب صدورها. فوجئت عند صدورها بدعوة هذه المجلة إلى اجتهادٍ معاصرٍ يتجاوز التراثَ مرتين: يتجاوزه مرةً بالتحرّر من ركام القراءات المختلفة، مما أنجزه المسلمون منذ عصر التدوين إلى اليوم في علوم المنطق والفلسفة والكلام والتصوف، والتفسير والحديث، والفقه وأصوله، والتي حجبت الكتابَ الكريم والسنّةَ الشريفة، وشكّلت بالتدريج جدارا صلدا يحول دون استلهامهما والاتصال المباشر بهما. ويتجاوز الاجتهادُ الذي تدعو إليه "المسلم المعاصر" التراثَ مرةً أخرى بالتحرّر من مشاغله وهمومه التاريخية، والاندماج بالعصر، ناهلاً من معارفه ومكاسبه العلمية، ومتفاعلاً مع قضاياه، وواعيًا لمشكلاته، ومستشرفًا لمستقبل أمثل.[5]

سألت محيي الدين عطية عن سبب تأخر صدور أعداد المجلة في الثمانينيات من القرن الماضي، فأخبرني بافتقاد المسلم المعاصر فجأة لعدد كبير من الاشتراكات لمكتبات الجامعات السعودية. المسؤول المباشر في الوزارة عن الاشتراكات أوقفها كلها، لأنه يرى الأفكار التي تنشرها المجلة منحرفة ضالة. وأضاف عطية ان أحد الأصدقاء نقل له عن محمد قطب "المتوفى 2014 " الأخ الأصغر لسيد قطب قوله: "إن مجلة المسلم المعاصر تأسست لمواجهة فكري وفكر أخي سيد قطب".

لكن بعد أن أضحى محمد عمارة أحدَ أعمدة هذه المجلة، تقلّص فضاءُ التفكير الحر فيها، وانحسرت مساحةُ الاجتهاد والنقاش والأسئلة الكبرى على صفحاتها. لفت نظري هذا التحولُ في نهج هذه المجلة التي كانت غريبةً بين ركام المجلات الإسلامية المعروفة، فسألتُ صديقا من محرّري المسلم المعاصر، قبل عشرين عاما، عن سرّ هذا التحول المثير الذي افتقدتْ معه المجلةُ رسالتَها المعلنة، وانكفئت على نفسها، وانطفأ ألقُها، وغاب عنها بعضُ كتّابها الجسورين، والذي حدث بعد مرور سنوات على صدورها، فأجابني: إن دخول محمد عمارة الفاعل والمؤثر على تحرير المجلة، عمل على توجيه بوصلتها باتجاهٍ على الضدِّ من وعود هذه المجلة عند صدورها، فهو لا يستسيغ ما كانت تنشره من اجتهادات ونقاشات وأسئلة في سنواتها الأولى.

رحم الله محمد عمارة، الذي كان فكرُه فاعلا ومؤثرا على مدى ستين عاما، ومهما اختلفنا معه، ينبغي أن نعرب عن الأثر الفائق الأهمية لآثاره في تدافع الأفكار وتصارعها في عالَمنا. وإن كان محمد عمارة يضيق ذرعا بالاختلاف في محطته الاعتقادية الأخيرة، وكأنه لا يدري أن الاختلافَ شرطُ حياة كلِّ فكر حي، وضرورةٌ لتجديده، لأن طاقةَ الحياة الخلاقة في اختلافها، وجمالَها في تنوّع ألوانها، وحيويتَها في تعدّد أشكال تجلياتها، وفي تضادّ تعبيراتها نكتشف المنبعَ الأثرى لديناميكية تغييرها[6].

لا ينبغي أن ننسى بعضَ مواقف وكتابات محمد عمارة في محطته الاعتقادية الأخيرة، التي كانت تحريضيةً قاسيةً ضدّ مفكرين عقلانيين، بل ضدّ كل من يراه خارجا على فهمه للدين والتراث. كان محمد عمارة أحد الموقعين على بيان يتهم فرج فودة بالارتداد، ويستبيح دمه. "بالتحقيق مع أحد من قتلوا فرج فودة أعلن أنه قتل فرج فودة بسبب فتوى دينية بقتل المرتد. وحينما سأله المحقق، لماذا قتلت فرج فودة؟، أجاب: لأنه ينشر كتبا تدعو إلى الكفر والإلحاد. تابع المحقق: هل قرأت هذه الكتب؟، فأجاب القاتل: لا، أنا لا أقرأ ولا أكتب". وبسؤال القاتل عن اختيار موعد الاغتيال قبيل عيد الأضحى، أجاب "لنحرق قلب أهله عليه أكثر"[7].

وتورط محمد عمارة بترديده عبارات السلفيين الجاهزة لمعتقدات وتراث المسلمين الذين يؤمنون بمعتقد لا يطابق معتقدة. ففي محطته الاعتقادية الأخيره انخرط محمد عمارة في موجة الهجوم العنيف ضد الشيعة واتهام معتقداتهم وتراثهم، على الرغم من أنه يعرف التراث الشيعي بشكل ممتاز، وكانت تربطه صلات مع علماء الشيعة، وقد أعرب أمامي عن احترامه لهذا التراث، واعجابه بالتعليم الديني في الحوزات، وتبجيله للنزعة العقلانية فيه، غير أنه تمادى في كلامه ضد الشيعة، وترديد عبارات السلفيين الجاهزة واتهاماتهم المكررة لمعتقداتهم وتراثهم[8].

كما لا ينبغي أن ننسى اصطفافَه مع الأخوان المسلمين، ودعمَ مواقفهم، بلا شروط أو تحفظ أو نقد، بمواقفه وكتاباته، حتى اليوم الأخير من حياته. وتناغم َكتاباته ومواقفه مع السلفيين، فلم نقرأ له مراجعاتٍ نقدية، وهو الخبير بتراثنا البعيد والقريب، للسلفية الجهادية والقاعدة وداعش، والجماعات الدموية، أو إدانةً لمذابحهم وتدميرهم للمدن في سوريا والعراق، وسبيهم واستعبادهم للنساء من غير المسلمين من المواطنين، واستباحتهم لأمن مجتمعاتنا، وتهديدهم للسلام العالمي[9].

عملَ محمد عمارة في محطته الاعتقادية الأخيرة على نشر التشدّد بين من يُصغي إليه من الشباب الإسلاميين، وهم ليسوا أقلية قليلة. وبعد وفاته لم نقرأ من ينبّه هؤلاء الشباب إلى أن الرجلَ في محطته الاعتقادية لم يكن مجدِّدا، ولا عقلانيا، ولا تنويريا، بل كان سلفيا مغلقا، فوجدتُ من الضروري تنبيه من كان له عقلٌ سليمٌ على ذلك.

المنهجُ الذي كُتِبَت فيه رثائياتُ محمد عمارة هو المنهج ذاتُه الذي كُتِبَت فيه مآثرُ ومناقبُ رجال السلف. منهجٌ يتساوى فيه الكلُّ، بغضّ النظر عن كلِّ ما فعلوه في حياتهم، يتساوى فيه العادلُ والظالمُ، والمجرمُ والبرئُ، والصالحُ والفاسدُ، بنحو نقرأ في كتابٍ واحد فصلا يسوق مآثرَ ومناقبَ المقتول بجوار فصلٍ يسوق مآثرَ ومناقبَ القاتل، وفصلا يسوق مآثرَ ومناقبَ العادل بجوار فصلٍ يسوق مآثرَ ومناقبَ الظالم.

أتذكر أن أولَ من نبهني إلى ضرورة المراجعة النقدية لفكر سيد قطب هو حسن الترابي، عندما كنتُ تلميذا في المرحلة الأخيرة من الثانوية، بعد أن قرأت مقابلةً معه في مجلة المجتمع الكويتية أواخر سبعينيات القرن الماضي، إذ أشار بجملةٍ في سياق حديثه الى وهن بعض مقولات سيد قطب، ومنذ ذلك الوقت بدأت المراجعةَ التقويمية لكتابات سيد قطب. كان حسن الترابي مفكرا عقلانيا شجاعا، لكن فكرَه كان ضحيةَ براغماتيتِه السياسية، وتلوّثِ سيرته بمراوغات السياسة ومكائدها.

إيقاظُ الشباب وتحريرُ عقولهم ضرورةٌ يفرضها علينا الكمُّ الهائل من المفاهيم المتشدّدة والشعارات المتطرّفة التي يتلقونها كلَّ يوم عبر وسائل الإعلام، وما يُنشر من كتاباتِ أمثال محمد عمارة في محطته الاعتقادية الأخيرة، والتي تُسهِم بتنويمِهم، وتضييعِ أعمارهم في صراعات عبثية ضدّ مجتمعاتِهم، والعقلانيةِ والعلومِ والمعارف الحديثة، وقيمِ الحريات وحقوق الإنسان.

هذا المقال موجّهٌ للجيل الجديد، الذين لا يعرف عن سيرة محمد عمارة ومحطاته الاعتقادية شيئا. يستمع بعضُ النابهين من الجيل الجديد الى تجارب الآباء، وذلك يفرض على الآباء أن يكونوا أكثرَ صدقا وشجاعةً في نقل تجاربهم المريرة إلى أبنائهم.

أعمالُ محمد عمارة مكتبةٌ كاملة، ومتوفرةٌ في كلّ المكتبات، وكتابتي عنه بهذا الأسلوب ضرورةٌ أخلاقية، لإيقاظ الشباب الذين تغويهم لغتُه، ومجادلاتُه الواضحة، المصاغة بأساليب المغالطات، وإن كانت تبدو لغير الخبير منطقية.

محمد عمارة باحثٌ متمرّس في التراث، يمتلك خبرةً أفقية واسعة في مختلف حقوله. يكتب بأسلوب ذكي، يموهه بقناعٍ إصلاحي. كان في محطته الاعتقادية الأخيرة مهووسا بالتحريض على التشدّد والعنف، مثلما يدعو السلفيون، لكنه كان يكتب بلغة مراوغة.

الدينُ جاء ليحمي الإنسانَ من التشدّد والعنف، والفكرُ السلفي في كلّ الأديان والمذاهب عنيفٌ ببنيته الاعتقادية العميقة[10]، لذلك هو على الضدّ من رسالة الدين في الحياة التي تنشد العدلَ والسلامَ والمحبةَ والرحمةَ والجمال. أكثرُ الكتابات السلفية وسلوكُ السلفيين تفرض على القلب النفورَ من الله، خلافا لأكثرِ شذراتِ المتصوّفة وسلوكِهم، وكتاباتِ التصوف "الفلسفي وليس الطرقي" التي تفرض على القلب الوقوعَ في حبّ الله.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..............................

[1] محمد عمارة، فتنة التكفير بين الشيعة والوهابية والصوفية، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وزارة الأوقاف المصرية، القاهرة، طبعة أولى، 2006، 120 ص.

[2] عمارة، محمد، الانتماء الحضاري للغرب أم للإسلام؟، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2009، ص 52.

[3] عمارة، محمد. طه حسين: ما بين الانبهار بالغرب والانتصار للإسلام، دار الفكر العربي، القاهرة، 2015، ص24.

[4] صدر العدد الافتتاحي لمجلة المسلم المعاصر في بيروت، في يناير 1974.

[5] راجع كلمة التحرير في العدد الافتتاحي لمجلة المسلم المعاصر، الصادر في يناير 1974. وشهادتنا في تكريم مؤسسها جمال الدين عطية، بمناسبة مرور ربع قرن على صدور المسلم المعاصر: "من جمال الدين الأفغاني إلى جمال الدين عطية: العروة الوثقى تستفيق في المسلم المعاصر"، والمنشورة في أحد أعداد المسلم المعاصر.

[6] ناقشتُ محمد عمارة في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، وحاورتُه حول "الاتجاهات الجديدة في علم الكلام"، عندما خصصت الأعداد من 14 إلى 18 "للاتجاهات الجديدة في علم الكلام"، ونشرتُ حوارَه في العدد المزدوج 16-17 الصادر سنة 2001 لمجلة قضايا إسلامية معاصرة. العدد متاح على صفحة مركز دراسات فلسفة الدين: http://www.rifae.com/ ، وعلى قناتي في التلغرام: https://t.me/refaee.

[7] راجع مقالة: عبدالحكيم، أحمد، قصة المناظرة التي قتلت المفكر المصري فرج فودة، جريدة الأندبندت، الصادرة في الاثنين 10 يونيو 2019.

[8] للاطلاع يمكن مراجعة أحاديثه وحواراته الكثيرة المحفوظة على اليوتيوب.

[9] يقول الدكتور محمد حسين عويضة، رئيس نادي أعضاء التدريس بالأزهر في تصريحات لـجريدة الوطن: "رحم الله الدكتور عمارة، فلا نملك في هذه اللحظة إلا الترحم عليه، فهو بين يدي الله جل وعلا، وقد طالبناه في نادي أعضاء التدريس بالأزهر بالانسحاب من هيئة كبار العلماء، وعبرنا عن رفضنا وجوده بها، وضرورة إقالته أو تقديمه لاستقالته، لما كان يمثله من مرجعية للجماعة الإرهابية، فقد كان صاحب فكر مخالف للأزهر، ولكن للأسف استمر في عضويته بهيئة كبار العلماء حتى وفاته". الوطن، القاهرة، 1-3-2020.

[10] كررت في عدة مواضع من كتاباتي هذا المضمون: "حين أتحدث عن السلفية في كتاباتي ولا أخصها بسلفية جهادية أو غيرها، فأعني بها ما يشمل كلَّ قراءة سلفية للنصوص الدينية، وكلَّ محاولة لاستدعاء للماضي أيًا  كان، ودسِّه في الحاضر كما هو، السلفية عندي معنى عام، مهما كانت الفرقة أو المذهب الذي يدعو لها ويتبناها. ‏أعني بالسلفية ماهو أعم من المعنى المتداول اليوم الذي تنصرف فيه لمن يتبع ابنَ تيمية ومدرستَه خاصة. إنها تشمل كلَّ تفسير حرفي تبسيطي للنص الديني قابعٍ في الحرف، عاجزٍ عن تذوق مقاصد النص وأهدافه، مهما كانت الفرقةُ أو المذهب الذي ينتمي اليه صاحبُ التفسير، سواء كان سنيًا أو شيعيًا أو اباضيًا أو زيديًا. السلفيةُ اتجاهٌ في التفكير الديني حاضرٌ في كلِّ تفسير حرفي للنصوص الدينية، يتفشى في كل الأديان والفرق والمذاهب، يرسم صورتَه الخاصة لله، وهي صورة يشدّد على تعميمها وفرضها على الكلّ بالاكراه. صورةٌ تتصف ملامحُها بالقسوة والشدّة والعنف ومطاردة الانسان ومحاربته لأن معتقده لا يتطابق مع معتقد السلفي، لا تحضر في ملامح هذه الصورة الرحمةُ والمحبة والشفقة والجمال والسلام.

هذا نص ما كتبته في مقدمة الطبعة الثانية من كتابي الدين والظمأ الأنطولوجي، دار التنوير ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، الطبعة الثانية مهذبة ومزيدة، 2017، ص 10.

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن خطاب الدكتور محمد عمارة بين دفتي الفكر، وفي هذا نقول: لقد خاض الدكتور محمد عمارة معارك فكرية على جبهات كثيرة جداً، وفي وقت واحد. خاض معركة الإحياء والتجديد، كما ذكرنا، وخاض معركة الدفاع عن أصول الإسلام وعقائده ومبادئه العليا، وخاض كذلك معركة الدفاع عن الأمة ومصالحها في الميدان السياسي، وميدان الجهاد والاستقلال، ومحاربة الاستعمار والتدخل الأجنبي في شئوننا الداخلية، وكذلك كانت له اهتمامات على جبهة رابعة، وهي جبهة الاجتهاد والتجديد، فهو قد أسهم في تجديد كثير جداً من القضايا؛ منها قضايا التعددية في النظام الحزبي وفي الحياة الاجتماعية بشكل عام، وقضايا العلاقة مع الغرب والموقف من الغرب، والموقف من الحضارة الأوروبية، ورأي الإسلام في الفن والفنون الجميلة.. إلخ .. كما خاض معركة المصطلحات، وحذرنا وحذر أجيالاً عديدة من خطر استخدام المصطلحات الوافدة والمستوردة من الخارج. وأدلى برأيه في كل القضايا المهمة، ليس مدافعاً فقط وإنما مجدداً أيضاً، في كل هذه الساحات مرة أخرى هو قلعة حصينة من قلاع الإسلام، ذلك حسب قول إبراهيم البيومي غانم في مقاله المفكر الإسلامي الراحل الدكتور «محمد عمارة».

 وفي مناظرة متلفزة جمعته بالناشطة النسوية والكاتبة المصرية، نوال السعداوي، قال إن "فلسفة الميراث لا ترجع إلى معيار الذكورة والأنوثة".، إلى ذلك انتقد عمارة تركيز التيارات الإسلامية على السياسة، وإهمالها المشروع الإصلاحي، وتجاهلها مسألة العدالة الاجتماعية.، كما خاض سجالات مع البابا شنودة والكنيسة القبطية، ودعا المسيحيين إلى الخروج عن "وصاية الكنيسة والانخراط في نشاط المجتمع المدني" على حد قوله.

  وقد مر محمد عمارة بتحولات فكرية عديدة، فرغم نشأته الدينية والأزهرية، إلا أن عمارة كان في بداياته يسارياً عروبياً منظراً للفكر الماركسي؛ ففي ثلاثينات القرن الماضي انضم عمارة إلى حزب "مصر الفتاة" وكرس نشاطه دفاعا عن العروبة ومحاربة الاستعمار. ثم انضوى عام 1949 تحت "الحزب الاشتراكي".

 وبعد ثورة 23 يوليو التي أطاحت بالملكية في مصر، انخرط في التيار اليساري الذي ناضل فيه نحو عقد من الزمن، حيث تسببت أفكاره ومواقفه السياسية في فصله عن الجامعة، لتقوده في عام 1959 إلى السجن، واستغل عمارة فترة سجنه، التي ناهزت ست سنوات، في الكتابة فألف أربعة كتب كانت بمثابة إرهاصات لتحول فكري جديد. وانتهى به المطاف إلى مغادرة الجبهة اليسارية والانضمام إلى التيار الإسلامي، واقترن اسمه منذ الستينات بلقب المفكر الإسلامي، وتميزت تصريحاته في تلك الفترة بانتقاد من يسموهم بغلاة العلمانيين، وعن تحوله الفكري، قال عمارة في تصريح صحفي أنه " دخل اليسار من باب الدفاع عن القضايا الثورية والعدالة الاجتماعية. لكنني اكتشف أن حل المشكلة الاجتماعية هو في الإسلام وليس في الصراع الطبقي والماركسية".

  ظلت المفاهيم والشعارات الاشتراكية كالحرية والعدالة الاجتماعية حاضرة في تصريحات ومقالات عمارة؛ فعلى على سبيل المثال، يرفض المفكر الوظيفة العمومية ويعتبرها نوعا من أنواع العبودية، رغم أنه تقلد أكثر من منصب رسمي فقد كان عضوا في مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ورئيس التحرير السابق لمجلتها.

 وقد أفرد مغردون وسما باسمه، عددوا من خلاله خصاله ودعوا للترحم عليه معتبرين أنه لعب دورا لافتا في إحياء أعمال مدرسة التجديد الإسلامي التي أسسها رفاعة الطهطاوي وطورها محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، وغيرها من الأسماء، ويرى محبوه أنه نجح في الحفاظ على حياده، ما جعله مرجعا للكثير من الباحثين، ممن وجدوا فيه "العقل المستنير القادر على تقديم مشروع حضاري عربي إسلامي كبديل لفكرة التغريب" حسب تعبيرهم، كما نوهوا بإسهاماته في إثراء المكتبات الإسلامية بعشرات الكتب التي نجحت برأيهم في إحياء الفكر المعتزلي القائم على تقديم العقل على النقل.

 وقد وصفه إبراهيم البيومي غانم قائلا : : إن الدكتور عمارة كان من كبار رواد مدرسة الإصلاح والتجديد في العصر الحديث. هو من الذين تابعوا وأضافوا على اجتهادات الإمام محمد عبده وغيره من رواد هذه المدرسة. وهو من الذين كتبوا كثيراً، وحاضروا كثيراً، ونشروا أصول القضايا الكبرى التي اعتنت بها مدرسة الإصلاح والتجديد في العصر الحديث، وخاصة في القضايا المتعلقة بالمبادئ السياسية للرؤية الإسلامية؛ بأنها رؤية جوهرها الاعتدال، وسمتها الثقة بالذات الحضارية. رؤية تتوافق مع الفطرة الإنسانية وتتطابق معها. كان رحمه الله يؤكد هذه الصفات الأساسية، ويفند كل الدعاوى الأخرى التي تتطرف يميناً أو يساراً عن هذه المنطقة الوسطية.

 وقال عنه محمد جمال حليم في مقال له بعنوان" وداعًا الدكتور محمد عمارة.. مفكر وهب حياته للدفاع عن أمته":" نبغ عالما ربانيًا محبا للعلم يكرم العلماء ويتواضع لهم، أقبل على العلم نهما كأنما يلتمس فيه ضالته روئ مشغولا بهموم الأمة الإسلامية واضعًا على عاتقه هم إخراجها من العقبات التي ابتليت بها ولا تزال، فدافع عن الإسلام بقلمه وحرر الكثير من الشبهات التي تعترض طريقه وعقد من اجل ذلك الكثير من المناظرات الفكرية للذود عن الإسلام وتنقيته من شبهات المغالين والمنحرفين من العلمانيين والملاحدة".

 ويستطرد محمد جمال فيقول: الدكتور محمد عمارة امتاز بالنبوغ منذ صباه وكانت له ثقافة واسعة جعلته نهمًا في طلب العلم والمعرفة التي سخرها للدفاع عن قضايا أمته وتبرئة ساحة الإسلام مما ألصق بها من شبهات.. استوى الدكتور محمد عمارة مفكرًا إسلاميًا ناضجًا، ومؤلفًا محققًا ثبتًا فجذب إليه أنظار العلماء فراح يعقد الندوات ويحاضر في المؤتمرات متحررًا من قيود التبعية الفكرية مظهرًا وسطية الإسلام التي تسع الجميع.

 وأخيرا يختم محمد جمال فيقول: "امتازت ثقافته بالشمولية والتعددية فهو مثال حي لقبول الآخر؛ ولأجل هذه الثقافة كان دائما ما ينادي بالوسيطة الفكرية وعدم التشدد، وهو من حقق لأبرز أعلام اليقظة الفكرية الإسلامية الحديثة، جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم الكثير.. اشتهر بأسلوبه الجميل وصوته المميز وهدوئه في غير ضعف كما اشتهر بإكرامه الباحثين وإسدائه النصيحة للباحثين ومساعدتهم وتشجيعهم لمواصلة طريق العلم فكان بيته بمثابة صالون ثقافي كبير يفيد إليه كل من يريد الاستزادة وطلب المشورة التي يسديها فرحًا مستبشرًا.

 وفند بعضهم ما يردده أنصار عمارة عن "اعتداله" قائلين إن آراءه خدمت "الرجعية والأصولية بل وحتى الطائفية ضد المسيحيين والشيعة".، كذلك يعيب عليه منتقدوه ابتعاده عن "العقلانية" بتقديمه تنازلات لصالح المدرسة السلفية التي شنت عليه حملة بسبب مناصرته لفكرة تقديم العقل على النقل، في حين ينتقد مفكرون أمثال عمار بن حمودة "نزعة محمد عمارة التمجيدية للفكر المعتزلي"، قائلين إنه "اكتفى في البحث بما يميزهم ليسقط بذلك في دائرة التقديس المطلق".ن في حين قال عنه آخرون عمارة» صاحب التناقضات العديدة، كانت حياته سلسلة من التقلبات الفكرية، بدأها ماركسيًا متشددًا، ثم تحول للفكر الاعتزالي، ونهاها منظرا ومفكرا لجماعة الإخوان الإرهابية، حيث كان أبرز داعميه وناشري أفكاره ومطبقيها، كما كان صاحب أول بيان لرفض ثورة 30 يونيو، وساند تنظيم الإخوان الإرهابي.

  وأشار همام عبد المعبود في مقال له بعنوان " في تكريم د. عمارة.. قراءة لأهمية تفنيد الشبهات" إلي أهمية ومكانة محمد عمارة في "الذود عن حياض الإسلام"، و"تفنيد الشبهات التي يثيرها أعداؤه"، وأشار إلى "جهده الكبير في مواجهة معاول العلمانية الهدامة، وخطط الفكر التغريبي المدمر"؛ مؤيدين ترشيح مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف له لنيل جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، في مجال الدراسات الإسلامية وحقوق الإنسان لعام 1432 هجريًّا و2012 ميلاديًّا.

 وفي السنوات الأخيرة اختلفت مع الدكتور محمد عمارة بشدة حين اعتبر ما حدث في 3 من يوليو 2013 "جنوحا عن مدنية الدولة وانقلابا على مطالب الجماهير"، حيث نشر آنذاك بيانا طالب فيه الجيش بالعودة إلى ثكناته واحترام المسار الديمقراطي. وهو موقف جر العديد من الانتقادات على الدكتور محمد عمارة وعده كثيرون موقفا إيديولوجيا كشف عن ميوله السياسية.. وحتى بعد رحيله، لا تزال مؤلفاته ومواقفه السياسية محل خلاف بين المصريين.. فمنهم من يراها أطروحات "تروج لجماعة الإخوان المسلمين" .. ومنهم من يعتبرها امتدادا للمدرسة الدينية التقليدية، والحقيقة كنت أعجب به عندما كان يساريا،ولكن لما أصبح يتبني أفكار أبو الأعلي المودودي وسيد قطب وحسن البنا ذهب هذا الإعجاب، حتي أنه يقال عنه "عمارة" صاحب التحولات الفكرية.. من الماركسية إلى "منظر الإخوان"...وفي نهاية حديثي لا املك إلا أن أقول غفر الله للدكتور محمد عمارة وأدخله فسيح جناته .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

عبد السلام فاروقلدَى كل اكتشاف أثرى حديث.. يعاود عالِم الآثار زاهي حواس الظهور على الساحة، وحقَّ له أن يعود. بل هو لم يغِب أبداً عن دائرة الفعل والتأثير فى حقل الآثار قط.

المصريون اعتادوا أن ينتظروا مع كل اكتشاف أثرى الدكتور زاهى مرتدياً قبعته الأمريكية المميزة ليحدثهم عن تفاصيل هذا الاكتشاف بطريقته الحماسية العفوية الممتعة.

لقد صار رمزاً حقيقياً مؤثراً فى علم الآثار المصرى، تاركاً بصمة علمية لا شك أنها ستظل تؤثر فى أجيال تالية من دارسي وباحثى علم المصريات فى مصر وخارجها.

ليس لدينا كثيرون مثله..

الخبرة العملية الطويلة، وسعة الاطلاع، والقدرات الإدارية والدبلوماسية والإعلامية.. هى من أسرار نجاحه وتفرده.

وكعادةِ أى ناجح، تعرَّض زاهي حواس لعدّة حملات تشويه لم يكترث لها، وواصلَ عطاءَه فى دأب خلال السنوات الماضية، كأنه كان ينتظر أن يتفرغ لمنجزاته الأثرية والعلمية فى مسيرته التى ما زالت تثمر وتنبض بالعطاء الفياض.

رحلة البحث عن المجد

بالصدفة البحتة بدأ كل شئ فى حياة زاهي حواس..

كان ينتوى دراسة الحقوق ليصبح محامياً، وهالته أحجام الكتب الضخمة التى سوف يقبل على دراستها، فقرر تغيير مجال دراسته. والمصادفة هى التى قادته لدراسة مجال الآثار فى كلية الآداب.. وكان مجالاً بِكراً جديداً فى ذلك الحين.

ترَبَّى لديه الشغف بعلوم المصريات بمرور الزمن حتى غرق فى أسراره.. ما يعنى أنه اكتشف عشقه المفقود وطريقه الذى اختاره لنفسه اكتشافاً. فكانت رحلة اكتشاف الذات هى رحلته الأولى قبل رحلاته الأخرى التى دامت وتعددت.

ويبدو أن عمله فى الحفريات الذى امتد لأربعة عقود كاملة علَّمه كيف يحفر بعمق وبإصرار.. حتى فى حياته العملية.. فهو لم يكتفى بعمله الروتينى كمفتش للآثار، وإنما واصل دراساته وأبحاثه فى مصر وأمريكا، فنال زمالة فولبرايت فى المصريات فى فيلادلفيا، ثم الدكتوراه فى الفن والآثار فى أواخر الثمانينيات. كما لم يكتفى بكونه أمين عام المجلس الأعلى للآثار، ولا بتوليه منصب نائب وزير الثقافة، لكنه كلَّل مسيرته المهنية بارتقائه كرسي وزارة الآثار قبل أن يحال إلى التقاعد.

غير أنه استمر على نشاطه ودأبه بعد الستين، بل ضاعف من نشاطه لنكتشف أنه بات نجماً فى عدة أفلام علمية بأرقى القنوات العالمية المتخصصة.. إذ شارك فى تقديم عدة حلقات من البرنامج التليفزيونى الأمريكى: "Digging for the Truth"، وفى برنامج: "Chasing Mummies" على قناة التاريخ: "History channel". بالإضافة لعدة عروض تقديمية فى قنوات ديسكفرى وناشيونال جيوجرافيك العالميتان.

 وفى عام 2006 اختارته مجلة التايم كواحد من بين أهم مائة شخصية مؤثرة فى العالم.

وما يزال شغفه واهتمامه بالاكتشافات الأثرية الحديثة فى تنامِى وازدياد. حيث شارك مؤخراً فى الإعلان عن مكتشَفات وادي الملوك، التى تنبأ بها منذ مطلع الألفية الجديدة فى نهاية كتابه الشهير: "الفرعون الذهبي".

إعادة اكتشاف "توت عنخ آمون"..

 

كان هذا العنوان الأخير فى كتاب زاهي حواس الأشهر: "الملك الذهبى- عالم توت عنخ آمون" الصادر عن مكتبة الأسرة عام 2009، وقد حوَى بين دفتيه قصة أعظم اكتشاف أثرى فى القرن العشرين، والذى فتح الباب واسعاً لمزيد من الاكتشافات الأخرى ومزيد من الفهم لأسرار التاريخ المصرى الفرعوني.

وبالرغم من الحجم المتوسط للكتاب، إلا أنه ضم عدداً هائلاً من المعلومات الشيقة المزودة بصور بعضها كان يُنشَر للمرة الأولى عن قطع أثرية مخبأة فى مخازن المتحف المصري لم تُعرَض للزائرين من قبل.

إنها قصة الفرعون الذهبي كاملة، بعد أن تتابعَت الاكتشافات الأثرية وتوالَت الدراسات العلمية المتخصصة، حتى اكتملت قصة الفرعون أو كادت.

غير أن التطور التقنى المذهل أغرى الأثريين لاستخدام طرق جديدة لإعادة فهم أسرار الحياة والموت عند ملوك الفراعنة، وخاصةً الملك الذهبى الصغير "توت عنخ آمون" الذى تحوم حوله وحول عصره الغوامض والتكهنات والأسرار التى ما يزال هناك خِلاف حولها حتى اليوم.

شاركَ زاهي حواس فى محاولات دراسة مومياء الفرعون الذهبي بالأشعة المقطعية، لكنه رفض تقنية فحص الحمض النووى " DNA" واعتبرها غير مجدية فى اكتشاف جديد ,أو ربما كان متخوفاً من إساءة استخدام هذا النوع من الأبحاث أو التوسع فيه.

لم يكن هذا هو كتابه الوحيد، ولا كتابه الأهم.. لكنه كان الأول والأشهر..

بعد ذلك قام بإصدار عدة مؤلفات، خاصةً بعد أن ترك له التفرغ مساحة وقتية استطاع ملأها بتسجيل حصيلته العملية الطويلة، هكذا صدر له كتاب " 40 سنة حفائر" الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، وهى الدار التى ساهمت قبل ذلك فى إصدار كتابه الأول: "الملك الذهبي".

وفى مقدمة هذا الكتاب الأخير يكشف لنا زاهي حواس عما يعتبره الكتاب الأهم له وهو كتاب: "Valley of the Golden Mummies" الذى أصدره فى أمريكا بتشجيع من الناشر الأمريكي الجامعى: (مارك لينز)..

فى كتاب 40 سنة حفائر الممتع إعادة اكتشاف من نوع آخر..

حيث نكتشف "زاهي حواس آخر" غير الذى عرفناه سابقاً.

إعادة اكتشاف زاهي حواس

من أهم مميزات شخصية الدكتور زاهي حواس البساطة والتلقائية سواءً فى لقاءاته أو فى كتاباته التى لا تقل إمتاعاً عن إطلالته الإعلامية. إنه نموذج متكامل للمرشد الأثرى الفذ.. وهو ما أثبته لدَى مرافقته للرئيس أوباما فى 2009 عند زيارته التاريخية لمصر.

تلك البساطة نلحظها فى مقدمة كتاب 40 سنة حفائر، التى أطال فيها الحديث عن فريق عمله الذى رافقه فى حياته العملية والبحثية. لنكتشف الجانب الإنسانى لدى د. حواس، وهو لا يقل تميزاً عن جوانب تفوقه ونجاحه الأخرى.

حدثَنا فى هذه المقدمة عن عدد المرات التى تم تكريمه فيها سواء فى مصر أو خارجها.. وحصوله على وسام الجمهورية من الطبقة الأولى. إلا أن المثير للدهشة أنه اعتبر تكريمه الأعظم هو التكريم الذى ناله من أهل قريته بدمياط، وكيف أنه غالبَ دموعَه خلال احتفاء مدرسته القديمة وحوله أقاربه ومعارفه وأهل قريته به!

لقد أحاطت زاهي حواس دائماً اتهامات بالأنانية وحب الظهور الإعلامى، وهى اتهامات لم يسلَم منها أى باحث أثري حقيقي منذ هيوارد كارتر حتى اليوم.

إننا فى حاجة إلى ألف أثرى وعالم مصريات مثل زاهي حواس، خاصةً فى قدرته على الدعاية لآثار مصر بطريقة شيقة. وهو الأمر الذى نفتقده فى علماء الآثار وغيرهم من العلماء الذين يتجاهلون دور الإعلام لإبراز جهودهم البحثية، وهو الأمر الذى فطن له زاهي حواس واهتم به.

فى أكثر من مناسبة اهتم زاهي حواس بالضغط على كلماته عندما يتحدث عن ضرورة وجود علماء مصريات يفوقون الأجانب كفاءةً وقدرة. وأن تلك هى الضمانة الوحيدة لاسترجاع آثارنا المنهوبة، والحفاظ على ما تبقى منها لدينا.

 

عبد السلام فاروق             

 

محمود محمد عليفي مساء يوم الجمعة الماضية الموافق 28 فبراير عام 2020 غيّب الموت العالم الكبير الدكتور محمد عمارة عن عمر يناهز 89 سنة تاركاً سمعة وسيرة عطرة ستخلّده في قلوب من عرفوه، حيث أعلن ابنه عن وفاته بعد فترة من المرض لمدة ثلاثة أسابيع، وأضاف: "توفى أبى رحمه الله فى هدوء وبدون أى ألم أو معاناة، يحيط به أسرته الصغيرة ويدعو لأمى ولكل أولاده وأحفاده وأحبابه، وقال لكل واحد منهم: أحبك.. وأنا راضٍ عنك"، وتابع: "توفى أبى رحمه الله وهو يوصى بإكمال مشاريعه الفكرية وكتبه وأبحاثه". وأُقيمت عليه صلاة الجنازة بعد ظهر يوم السبت التالي بمسجد الحمد بالتجمع الخامس بعد صلاة الظهر، ثم وُري الثرى في بلدته "صروة" بمحافظة كفر الشيخ.

وقد نعت مشيخة الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر وفاة عمارة، وقال الأزهر في بيان له يوم السبت الماضي الموافق 29/2/2020 : "أن رحيل الدكتور محمد عمارة ترك فراغًا يصعب ملؤه في صفوف كبار العلماء الذين يحملون على عاتقهم أمانة العلم، وصدق الكلمة."، وأن التاريخ سيظل يذكر فقيد الأزهر والأمة العربية والإسلامية بعلمه وفكره الوسطي في تبليغ رسالة الله والدفاع عن سماحة الإسلام ووسطيته وإعلاء شأنه، ودحض ما أثير عنه من شبهات، تشهد على ذلك مصنفاته المملوءة علمًا وحكمةً ومعرفةً، وإسهاماته الكبرى في إثراء الفكر الإسلامي، والتي ملأت الدنيا وغطت كل القضايا الفكرية العامة والمعاصرة، ومحاضراته التي أفاد منها الآلاف من طلاب العلم في العالم الإسلامي. وأعرب الأزهر عن حزنه وألمه لرحيل المفكر الكبير، فإنه يتقدم بخالص العزاء للعالم الإسلامي، ولأسرة الراحل، سائلًا الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان "إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ.

وقد مر الدكتور محمد عمارة بتحولات فكرية عديدة، فيقول أكرم ذياب وقد نشر بحثا موسعا للرد على أفكار عمارة أن الأخير عاش سلسلة من التحولات الفكرية، وقد مر بأطوار من الماركسية إلى الاعتزال فالسلفية إلى غير ذلك ويقول الدكتور محمد عباس: «إن محمد عمارة هو واحد من كوكبة لامعة صادقة هداها الله فانتقلت من الفكر الماركسي إلى الإسلام، وكانت هذه الكوكبة هي ألمع وجوه اليسار فأصبحت ألمع وجوه التيار الإسلامي، ودليلا على أن خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام.»

وينتمي محمد عمارة إلى المدرسة الوسطية ويدعو إليها، فيقول عنها إنها "الوسطية الجامعة" التي تجمع بين عناصر الحق والعدل من الأقطاب المتقابلة فتكوّن موقفا جديدا مغايرا للقطبين المختلفين ولكن المغايرة ليست تامة، فالعقلانية الإسلامية تجمع بين العقل والنقل، والإيمان الإسلامي يجمع بين الإيمان بعالم الغيب والإيمان بعالم الشهادة، والوسطية الإسلامية تعني ضرورة وضوح الرؤية باعتبار ذلك خصيصة مهمة من خصائص الأمة الإسلامية والفكر الإسلامي، بل هي منظار للرؤية وبدونه لا يمكن أن نبصر حقيقة الإسلام، وكأنها العدسة اللامعة للنظام الإسلامي والفكرية الإسلامية. والفقه الإسلامي وتطبيقاته فقه وسطي يجمع بين الشرعية الثابتة والواقع المتغير أو يجمع بين فقه الأحكام وبين فقه الواقع، ومن هنا فإن الله جعل وسطيتنا جعلا إلهيا: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.

والمفكر الإسلامي محمد عمارة من مواليد 8 ديسمبر 1931 بإحدى قري محافظة كفر الشيخ، لأسرة بسيطة، ليكون الكتاب هو مدرسته الأولي، وأتم حفظ القرآن الكريم وهو لم يتجاوز العاشرة، بقرية قلين بكفر الشيخ، حفظ القرآن وجوده وهو في كتاب القرية، بدأت تنمو اهتماماته الوطنية والعربية وهو صغير، وكان أول مقال نشرته له صحيفة «مصر الفتاة» بعنوان: «جهاد عن فلسطين».

وبدأت مسيرة عمارة في الفكرية مع أوائل السبعينيات ؛ حيث التحق عام 1945 المعهد الأزهري؛ حيث أتم تعليمه الابتدائي والثانوي ليدخل بعدها المعهد الأحمدي الثانوي الأزهري فنال الشهادة التي دخلتها كلية دار العلوم جامعة القاهرة، حيث تخصص في الفلسفة الإسلامية واللغة العربية، وبعد ذلك حصل على الليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية - كلية دار العلوم - جامعة القاهرة 1965م، ثم حصل على الماجستير في العلوم الإسلامية تخصص فلسفة إسلامية - كلية دار العلوم-جامعة القاهرة 1970م وذلك في موضوع بعنوان " مشكلة الحرية الإنسانية عند المعتزلة"، وبعد ذلك درس الدكتوراه في العلوم الإسلامية تخصص فلسفة إسلامية - كلية دار العلوم-جامعة القاهرة 1975؛ كما شغل عدة مناصب منها عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، ورئيس تحرير لمجلة الأزهر، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.

كما حصل عمارة على العديد من الجوائز والأوسمة والشهادات التقديرية والدروع، منها "جائزة جمعية أصدقاء الكتاب، بلبنان سنة 1972م"، وجائزة الدولة التشجيعية بمصر سنة 1976، ووسام التيار الفكري الإسلامي القائد المؤسس سنة 1998م.

ولمحمد عمارة كتابات كثير، حيث - ألف الكتب والدراسات عن أعلام التجديد الإسلامي مثل: الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا، والشيخ محمد الغزالي، ورشيد رضا، وخير الدين التونسي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، ومن أعلام الصحابة علي بن أبي طالب، كما كتب عن تيارات الفكر الإسلامي القديمة والحديثة وعن أعلام التراث من مثل غيلان الدمشقي، والحسن البصري.

كما توجد له كتابات أخري، مثل: التفسير الماركسي للإسلام، والمعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية، ومعالم المنهج الإسلامي، والإسلام والمستقبل، ونهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام، ومعارك العرب ضد الغزاة، والغارة الجديدة على الإسلام، والوعي بالتاريخ وصناعة التاريخ، والتراث والمستقبل، والإسلام والتعددية، والإبداع الفكري والخصوصية الحضارية، والجامعة الإسلامية والفكرة القومية، ومعركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، والقدس الشريف رمز الصراع وبوابة الانتصار، وهذا إسلامنا: خلاصات الأفكار، والصحوة الإسلامية في عيون غربية، والغرب والإسلام، والانتماء الثقافي، والتعددية: الرؤية الإسلامية والتحديات الغربية، وصراع القيم بين الغرب والإسلام، والنموذج الثقافي، وتجديد الدنيا بتجديد الدين، والثوابت والمتغيرات في فكر اليقظة الإسلامية الحديثة، ونقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، والحملة الفرنسية في الميزان، والحضارات العالمية: تدافع أم صراع، والقدس بين اليهودية والإسلام، والأقليات الدينية والقومية: تنوع ووحدة أم تفتيت واختراق، وخطر العولمة على الهوية الثقافية،و مستقبلنا بين العالمية الإسلامية والعولمة الغربية... الخ.

من أواخر مؤلفاته في الفكر الحديث: "الخطاب الديني بين التجديد الإسلامي والتبديل الأمريكاني"، «الغرب والإسلام _أين الخطأ.. وأين الصواب؟»، «مقالات الغلو الديني واللاديني»، "الشريعة الإسلامية والعلمانية الغربية"، "مستقبلنا بين التجديد الإسلامي والحداثة الغربية"، "أزمة الفكر الإسلامي الحديث"،" والإبداع الفكري والخصوصية الحضارية"، وغيرها كثير، وقد اتسمت كتابات الدكتور عمارة وأبحاثه التي أثرى بها المكتبة العربية والتي وصلت إلى 200 مؤلف بوجهات نظر تجديدية وإحيائية، والإسهام في المشكلات الفكرية، ومحاولة تقديم مشروع حضاري نهضوي للأمة العربية والإسلامية في المرحلة التي تعيش فيها.

علاوة علي أنه أسهم في العديد من الدوريات الفكرية المتخصصة، وشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية، ونال عضوية عدد من المؤسسات الفكرية والبحثية منها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والمعهد العالي للفكر الإسلامي.

ومن بين القضايا الهامة التي تعرض لها عمارة، كانت قضية تحرير المرأة، والتي قدم دراسةً في هذا الصدد طرح فيها القضية من منظور قاسم أمين-رائد حركة تحرير المرأة- والتي نشرت بعنوان: "قاسم أمين تحرير المرأة والتمدن الإسلامي"، وصدرت عن "دار الشروق" في 2008. وفي هذا الكتاب يتطرق الدكتور محمد عمارة بأسلوب علمي جذاب، وتحليل وافٍ لجميع النواحي الفكرية التي مر بها المفكر الإصلاحي قاسم أمين، كما يتطرق إلى شخصيته التي مازالت تثير الجدل حولها إلى وقتنا الراهن، برغم كل ما وصلت إليه المرأة من مراكز وما نالته من حقوق.

ويُعد الكتاب تقديما للأفكار التي كان ينادي بها المفكر قاسم أمين، ومنها رؤيته للمجتمع والمرأة، ونقده للمجتمع الإقطاعي، ودعوته إلى حرية الفكر وإبداء الرأي، وكذلك انتقاده للتهافت على الوظائف الحكومية في تلك الفترة، واعتبارها وظائف تنشر التواكل والكسل، وكيف كان يطالب بمجلس نيابي منتخب من الشعب، وكل هذه المطالب في وقتًا كان الحديث عنها من المستحيلات ؛ كما يتطرق إلى جانب من مذكرات قاسم أمين، وبعضًا من أقوال وكلماته التي دونها قاسم أمين، ليدلل بها عن فكره بالإضافة إلى عرض العديد من أقواله، كما دونها قاسم أمين في مؤلفاته الثلاثة، ويعود عمارة في الكتاب ليؤكد ريادة قاسم أمين في الدعوة إلى تحرير المرأة وبأنه صاحب أول صيحة لهذا التحرر، من خلال في كتابيه "تحرير المرأة" و"المرأة الجديدة"، مشيرًا إلى أنه كان مفكر يحارب الأفكار البالية في المجتمع، في هذا الكتاب يرد "عمارة" الاعتبار لقاسم أمين، المفكر الفصيح النهضوي السابق لزمانه الذي طالب بحريه المرأة وبحقها في التعلم والعيش بكرامة واستقلالية، ولم يطالب بتحررها الكامل المنفلت أو انحلالها.

ينتمي المفكر إلى المدرسة الوسطية ويدعو إليها، فيقول عنها إنها "الوسطية الجامعة" التي تجمع بين عناصر الحق والعدل من الأقطاب المتقابلة فتكوّن موقفا جديدا مغايرا للقطبين المختلفين ولكن المغايرة ليست تامة، فالعقلانية الإسلامية تجمع بين العقل والنقل، والإيمان الإسلامي يجمع بين الإيمان بعالم الغيب والإيمان بعالم الشهادة، والوسطية الإسلامية تعني ضرورة وضوح الرؤية باعتبار ذلك خصيصة مهمة من خصائص الأمة الإسلامية والفكر الإسلامي... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

 

ضياء نافعالكلمات الاساسية، التي يمكن ان نقولها – قبل كل شئ -  حول اكساكوف بالنسبة للقارئ العربي، هي انه – الكاتب الروسي شبه المنسي، او بتعبير ادق، شبه المجهول تقريبا في مصادرنا العربية بشكل عام حول الادب والفكر الروسي، والسبب الاوّل – في رأينا -  يكمن في ان أكساكوف لم يكن ضمن تلك الاسماء (الرنّانة و الطنّانة!) في دنيا الصراع الفكري الحاد في روسيا، التي ركّزت عليها الاقلام العربية (ولازالت) وهي تتناول الادب الروسي وأعلامه و الفكر الروسي ومسيرته عموما، وقد كان هذا الموقف عندنا انعكاسا للموقف السوفيتي طبعا، وأذكر اننا عندما كنّا طلبة في الاتحاد السوفيتي في ستينيات القرن الماضي، لم يأت اسم أكساكوف في مناهج دراستنا حول اللغة الروسية وآدابها سوى عند الكلام عن الكاتب غوغول، وذلك باعتباره  كان صديقا قريبا لغوغول ليس الا وانه كتب عنه كتابات قيّمة لازالت تمتلك أهميتها لحد الان .

أكساكوف يعتبر ظاهرة باكملها في مسيرة الفكر الروسي، فقد برز في عدة مجالات فكرية متنوعة وبعيدة عن بعضها البعض، وبرز ثلاثة من ابنائه بمختلف المجالات الفكرية ايضا، ولهذا فانه يتميّز عن الآخرين، اذ ان اسمه في مسيرة الفكر الروسي يرتبط بمفهوم (عائلة فكرية متكاملة)، وهي ظاهرة لم تكن موجودة قبله، ولم تتكرر بعده، ونود في هذه المقالة ان نشير – ليس الا – الى المعالم الاساسية لهذه الظاهرة الفكرية الفريدة في دنيا الادب والفكر الروسي، وان نقدّم  للقارئ العربي شيئا ما، اي تعريفا وجيزا فقط عن هذه العائلة الابداعية في القرن التاسع عشر بروسيا، اذ ان الكلام الموسع والتفصيلي عن هذه العائلة يقتضي كتابة العديد من الدراسات و المقالات عن جوانب ابداعاتها المتنوعة .

أكساكوف الاب (1791 – 1859) هو سيرغي تيموفيفتش، وهناك  عدة نقاط رئيسية يتوقف عندها مؤرخو الادب الروسي عند الكلام عن مسيرته، ومن أهمها اربع نقاط، اولها - عمله في مجال الرقابة على المطبوعات، وثانيا - علاقته بالكاتب الكبير غوغول، وثالثا - نتاجاته المتميّزة جدا في مسيرة الادب الروسي بما فيها مساهماته الواسعة بحركة الترجمة وكتابة المذكرات، ورابعا - مصائر ابنائه ودورهم في الحياة الفكرية الروسية، ونحاول في ادناه الحديث بايجاز عن كل نقطة من هذه النقاط.

حول النقطة الاولى، اي عمله في رقابة المطبوعات، يتحدثون كيف تم اخراجه من هذا العمل، وكيف نشر مقالا بتوقيع مستعار حول الرقابة، والذي أثار الاوساط الرسمية الحكومية ضده، وكيف أرادت تلك الاوساط ان تعرف اسم ذلك الكاتب، ولكن رئيس التحرير رفض الاعلان عن اسمه، أما أكساكوف نفسه، فقد أعلن انه كاتب تلك المقالة، وانه مستعد لتحمّل كل تبعاتها، مما جعل الاوساط الادبية تقف معه وتناصر موقفه وتجبر السلطات على ارجاعه لوظيفته بعدئذ .

النقطة الثانية، وهي مهمة جدا في تاريخ الادب الروسي، ترتبط بعلاقة أكساكوف مع غوغول . لقد تعارفا عام 1832 في موسكو، عندما  كان غوغول هناك بزيارة سريعة، واستمرت هذه العلاقات الفكرية طوال حياتهما (توفي غوغول عام 1852) . توجد دراسات كثيرة وتفصيلية عن هذه العلاقة في تاريخ الادب الروسي، اذ تحولت المقالات التي كتبها أكساكوف عن غوغول الى مصادر مهمة حول سيرة حياة غوغول وابداعه . لقد كتب أكساكوف عند وفاة غوغول مقالة بعنوان – (رسالة الى أصدقاء غوغول)، ثم نشر مقالة اخرى عام 1853 بعنوان – (عدة كلمات عن سيرة حياة غوغول)، وهكذا بدأت أفكاره بشأن تأليفه لكتاب كامل حوله، والذي صدر بعدئذ بعنوان – تاريخ  تعارفي مع غوغول، ويعتبر هذا الكتاب واحدا من اهم المصادر الروسية لدراسة سيرة حياة غوغول وابداعه، منذ ظهوره ولحد الان، ونحن في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين .

النقطة الثالثة تكمن في مؤلفاته المتنوعة جدا، اذ أصدر أكساكوف عدة كتب في مجالات متنوعة جدا، منها مثلا، كتاب بعنوان – (عن صيد الاسماك وعن الصيد)، وهو كتاب فريد في تاريخ الادب الروسي يتضمن صورا قلمية مدهشة، وقد قال عنها تورغينيف (وهو مؤلف مذكرات صياد!)، انها مبتكرة جدا في تاريخ الادب الروسي ولا مثيل لها سابقا، اضافة الى ان النقاد يعتبرونه واحدا من أبرز الادباء الروس في مجال كتابة المذكرات .

النقطة الرابعة، التي نود التوقف عندها قليلا هي عائلته الكبيرة، اذ كان عنده سبع بنات واربعة اولاد، وبرز منهم ابنه قنسطنطين أكساكوف، الذي أصبح أديبا ومؤرخا ولغويّا وأحد أبرز الدعاة الى النزعة السلافية ومنظّريها في صراعها مع النزعة الغربية، وهو الصراع الفكري الكبير، الذي كان محتدما في الادب والفكر الروسي في القرن التاسع عشر (انظر عن هذه الظاهرة مقالاتنا عن دستويفسكي وأستروفسكي وتورغينيف..)، وبرز كذلك ابنه الآخر ايفان أكساكوف، الذي أصبح صحافيا وناشرا وكذلك أحد الدعاة الى النزعة السلافية، وبرزت كذلك ابنته فيرا أكساكوفا، التي أصبحت كاتبة مذكرات وواحدة من أبرز أنصار النزعة السلافية .

وباختصار شديد، فان كل نقطة من تلك النقاط التي أشرنا اليها حول أكساكوف تتطلب مقالات تحليلية وتفصيلية بالنسبة للقارئ العربي، وأتمنى ان تسمح لي ظروفي بالعودة الى هذا الموضوع المهم في تاريخ الادب الروسي ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

سارة طالب السهيلبما اننا على مشارف يوم المراة العالمي الذي يحتفل به العالم في الثامن  من آذار فلا بد ان نتحدث عن التساء وبما انني تناولت موضوعات المراة في جوانب عديدة و مختلفة خطر ببالي ان أتناول المراة الملكة ..

سجل التاريخ الإنساني حياة كوكبة من النساء اللواتي حكمن العالم القديم وصنعن حضارات خالدة متحديات كل صعب، وبقيت قصص نجاحهن منهلا خصبا للدارسين علوم التاريخ والانسانيات، كما ظلت مصدرا خصبا لالهام الشعراء والأدباء والرسامين، وبقي نبوغهن الفكري والسياسي والحربي  حلما لكل امرأة في عالمنا المعاصر طامحة في القيادة والحكم.

ورغم ان الوقائع التاريخية قد امتزجت بالاساطير في تجارب هذه الشخصيات النسائية الممتدة شرق العالم وغربه، الا ان دخول الاسطورة لم يلغ  قدرات هؤلاء النسوة في صنع العالم وقيادته بما امتلكنه من قدرات خاصة كقوة العقل والدهاء والقدرة علي الادارة السياسية والاقتصادية والحربية بجانب الانوثة التي وظفت احيانا في مواجهة ألاعيب السياسية ودحر الخصوم.

كليوباترا القائدة

كيلوباترا أشهر النساء فى تاريخ الاسكندرية ملكة جمعت بين قوة الشخصية والقيادة والانوثة وتباينت كتابات المؤلفين في تحليل مفاتيح شخصيتها بين كونها رمزا لاسطورة الحب الخالد كما في مخيلة الشعراء العالميين، ومصدر الهام للاوبريتات العالمية التي تزال تقدم حتي اليوم وبين الملكة القائدة الحربية.

فكيلوباترا الملكة عاشت بروح وفكر القائد لاستعادة  مجد الاسرة البطلمية وعملت على تقوية مملكتها المصريةعسكريا وعلميا في مواجهة روما، وشكلت خطراً حقيقياً على الجيش الرومانى، حتي هزيمتها هى وانطونيوس.

وحفاظا علي عرشها وحياتها، فلم تتورع كليوباترا عن قتل العديد من أفراد أسرتها، كما حافظت على كرامتها حتى النهاية وخشيت من تقديمها كغنيمة نصر للرومان المنتصرين وتعرضها للاذلال فقتلت نفسها عن طريق لدغة ثعبان.

واهتمام كليوباترا بأنوثتها لم يحل بينها وبين قدراتها كمفكرة سياسية وإستراتيجية خططت لجعل ابنها بطلميوس حاكم قوي في المستقبل وقدرتها على التنبؤ بنتائج الحروب، وذلك بفضل حرصها علي التعلم حيث تعلمت اللغات والعلوم وإستراتيجيات الحرب.

وذكاء كليوباترا المقدونية قادها لبذل مجهود كبير لدراسة وفهم الثقافة المصرية فتعلمت كليوباترا اللغة المصرية ولذلك احبها المصريون خاصة بعد ان وفرت لهم نتيجة للأمان والرخاء.

بلقيس وفنون الحكمة

وهي من اشهر الملكات في العالم فقد خلدها القرآن الكريم في قصتها مع نبي الله سليمان، ويبرز القرآن حكمتها السياسية وشجاعتها وخبرتها في اتخاذ أمر الشوري مع رجال بلاطها وخبرتها بشئون الملوك وقدرتها علي اختبار نواياهم اذا ما اردوا الاستيلاء على مملكة اخرى.

وربما تكون قد اكتسبت الملكة بلقيس هذا الدهاء السياسي من انتسابها لابوها الملك الهدهاد بن شرحبيل من بني يعفر، لكن هذا النسب لم يحميها من استنكار قومها لولايتها عليهم، ولم يمنع الطامعين في مملكة سبأ، ومنهم الملك "عمرو بن أبرهة" الملقب بذي الأذعار، لكنها بما امتلكته من  قوة شخصية وشجاعة وفطانة عقل ودهاء سياسي وانثوي قهرت كل هذه التحديات وحافظت علي عرشها.

وحسب ما تذكر الرويات، فان الملكة بلقيس استخفت في ثياب أعرابي ولاذت بالفرار من هجوم الملك ذي الأذعار علي ممتكلها وعادت بخطة للتخلص منه فدخلت قصره وظلت تسقيه الخمر وهو ظانٌ أنها تسامره وعندما بلغ الخمر منه مبلغه، استلت سكيناً وذبحته بها.

وازدهرت مملكة سبأ في زمن حكم بلقيس وتمتع أهل اليمن بالرخاء والحضارة والعمران والمدنية، كما حاربت بلقيس الأعداء ووطدت أركان ملكها بالعدل وساست قومها بالحكمة، ومما أذاع صيتها وحببها إلى الناس قيامها بترميم سد مأرب.

سميراميس الملهمة

وبين الاسطورة التاريخ يسلتهم المبدعون شرقا وغربا حياة الملكة الآشورية "سميراميس"، فهي حاضرة ليومنا هذا في العديد من الفنادق العالمية التي تحمل اسمها، وفي اعمال خالدة موسيقية ومسرحية والتشكيليين، كما في النصوص التاريخية  لهيرودوتس - الذي تحدث عنها في نصوصه التاريخية المؤسسة والادباء مثل  فولتير والاوبرات الايطالية التي تحمل اسمها.

تمتعت سميراميس بسمات شخصية أهلتها لتخليد اسمها في الذاكرة الانسانية فقد تمتعت بفطنة وذكاء وجمال، بجانب قدرتها علي الادارة وقيادة ممكلتها وخوض المعارك الحربية الشرسة خارج الحدود لتوسيع رقعة مملكتها، وهو ما ممكن لها ان يستمر لأكثر من اثنين وأربعين عاماً.

ومثلت سميراميس انموذجا للوفاء للزوج، فحسب الروايات انها أقامت في نينوى ضريحا كبيرا لزوجها الملك، كما تذكر الاسطورة انها هي التي أقامت مدينة (بابل) العريقة وانها استخدمت ببنائها أكثر من مليوني عامل.

وحققت سميراميس نهضة كبيرة لمملكتها بأقامة كثيرا من المدن على ضفاف نهري دجلة والفرات، وانها أخضعت مصر، والحبشة. كما تذكر الأساطير انها احتلت معظم آسيا وأقامت في عدد منها بعضاً من النصب التذكارية والأبنية.

تمارا تخضع القوقاز

ويحتفي التاريخ الانساني بملكة جورجيا "تمارا " التي حكمت بلادها وهي في عمر الرابعة عشر، حينما توجها والدها في القرن الثاني عشر، تجنباً لوقوع حروب داخلية لتصبح أول امرأة تحكم هذاالبلد وفي هذا السن الصغير!

وامتلكت الملكة الصغيرة من المقومات الانسانية كالدهاء السياسي والقدرة علي دحر الخصوم وكسب المعارضين وتكوين نخبة عسكرية قوية وكسب احترام الممالك المجاورة، مما مكنها ان تبسط سيطرتها كاملة جورجيا  في العصر الذهبي خلال القرون الوسطى.

ولم يكن الوصول للعرش فقد واجهت مقاومة عنيفة من الطبقة الأرستقراطية عند تقلدها لسلطات الحكم لكنها نجحت في تحييدهم ثم اتجهت لبسط الهيمنة السياسية  لبلادها في آسيا الصغرى وعلى توسيع الحدود الجورجية حتي سادت امبروطوريتها منطقة القوقاز بحكمتها السياسية ورعايتها للاداب والفنون .

عشتار النار والحب والخلود

تبقي عشتار الهة الحب والخصب في بلاد الرافدين، مسيطرة علي عقول وخيال الادباء والعشاق والمحلللين النفسيين وفي حضارت مختلفة يوناية وعربية وغيرهما. فهي اسطورة انثوية تجسد  تسلط الأنثى وطغيانها.

وبرزت عبادتها في عهد ابنها الإله مردوخ منذ زمن حمورابي، فقد كانت سيدة السماء، وسيدة النبوءة  في بابل، وهي ايضا تلك المرأة الفاتنة الجميلة الداهية، الماكرة الساحرة القاتلة  هي نفسها آلهة الحب والحرب لدى الآشوريين، وكان لها معبدان، الأول في نينوى باعتبارها آلهة الحب، والثاني في أربا إيلو باعتبارها آلهة الحكمة والحرب.

وبذلك تكون جمعت آشتار لدي العراقيين  التناقض العجيب بين اشتار العاشقة والاخري الحربية، حيث كان معظم قادة وملوك الآشوريين يزورونها في معبدها قبل توجههم في حملات جديدة لتلقي النصح والموافقة، ولكي تتنبأ ماذا يخبىء لهم المستقبل.

هذا التناقض سجله التاريخ الانساني لابراز قدرات المرأة الخارقة في الحب والحرب والسياسية.

دهيا رمز الدهاء الحربي

وسجل تاريخ شمال إفريقيا اسم اقوي شخصية نسائية في صفحاته وهي الملكة الأمازيغية "ديهيا " التي كانت رمزا للدهاء البشري ومع ذلك، فقد ساحرة الجمال وحادة الذكاء وقوية الإرادة، وهذه السمات الشخصية  جعلها فارسة تركب حصاناً وتسعى بين القوم من الأوراس إلى طرابلس تحمل السلاح لتدافع عن أرض أجدادها" كما صورها المؤرخ ابن خلدون .

وقادت الملكة دهيا الحملات العسكرية الناجحة وحكمت الأمازيغ وشمال إفريقيا  طوال 35 سنة، وتذكر المصادر التاريخية، أن جميع الأمازيغيين كانوا يخافون من ديهيا ويطيعونها بسبب جرأتها وشجاعتها.

لقبت " ديهيا " بالمرأة الحديدة لقدرتها علي مقاومة الروم والبيزنطيين والعرب، وتمكنها من توحيد القبائل الأمازيغية، وتوفيت في معركة حامية الوطيس أثناء مجابهتها لجيش حسان بن النعمان في موقع بالجزائر سمي فيما بعد ببئر الكاهنة

 زنوبيا الطامحة

وتظل " زنوبيا " ملكة تدمر، رمزا للطموح السياسي الذي يتملك ادوات تحقيقه بما توافر لها من سمات شخصية مثل رجاحة العقل وشدة الطموح ومعرفة جيدة بالأوضاع السياسية في الشرق وروما، بجانب الشجاعة والجمال والقدرة علي الجمع بين اللغة اليونانية والمصرية.

فمع مقتل زوجها أذينة القائد الاعلي للجيوش الرومانية في الشرق، سعت زنوبيا لتولية ابنه الصغير وهب اللات مقاليد الحكم تحت وصايتها، وجعلته في البدء يحمل ألقاب والده، مع اعترافه بالامبراطور الروماني الجديد أورليانوس.

وسعت زنوبيا لتأسيس دولة تسيطر على التجارة الدولية من منافذها في العراق حتى مصباتها في موانئ البحر المتوسط  فسكت النقود تحمل رأس صوتها وصة ابنها بما يعني انها أسقطت سلطان روما ولم تعد تعترف بالامبراطور الروماني.

وسيطرت قواتها على مصر وآسيا الصغرى حتى مضيق البوسفور إضافة إلى سورية، وضعت زنوبيا تحت سلطتها سائر منافذ طرق مواصلات طريق الحرير، إضافة إلى تموين روما بالحبوب وغيرها من البضائع والمواد الضرورية لسد حاجات روما.

ودفعت الميول الفلسفية والأدبية لزنوبيا، في ازدهار الحياة الفكرية، واستقدمت مشاهير رجال الفكر إلى عاصمتها لتجمع بذلك بين قوة السلطان السياسي والعسكري والاقتصادي والفكري.

اليسار رمز الوفاء والتحدي

هذه الملكة حقتت حلم يصعب علي اعتي الرجال تحقيقه، فقد بنت مدينة قرطاجة على شاطئ تونس، متحدية كل العقبات التي صادفتها في رحلة حياتها وخلد صمودها ونجاحها ووفائها اسمها في سطور التاريخ الانساني .

واليسار، هي ابنة حيرام ملك صور، أوصى أبوها لها ولأخيها "بغماليون" بالملك بعد وفاته لكن سرعان ما اظهر اخيها اطماعه في العرش، فاستغلت  الثروات التي تركها زوجها وجمعت كنوزها واخذت اسطول زوجها التجاري ومعها عدد من الامراء و الاثرياء راحلة في عرض البحر لتحقق حلم تكوين امبراطوريه خاصه بها افريقيا.

وفتنت بجماها ودبلوماسيتها وذكائها ملك البربر فاحتفي بها، وأجاب طلبها في تحديد قطع ارض على ساحل البحر تمثل موقعا استرتيجيا بنت عليها مدينتها الاسطوريه قرطاجة التي ادهشت بجمال معمارها ونقوشها ومسارحها ومراقصها وترفها ملوك المنطقه وقياصرة الروم .

وسرعان ما حققت الملكة اليسار نهضة تجارية مما جعلها مطمعا للممالك المجاورة فتقدم ملوكها للزواج منها مثل ملك البربر وقيصر الروم لكنها رفضت هذه الزيجات وفاءا لزوجها، غير ان ملك البرر اصابه رفضها بغضب عارم

فهددها الملك بتدمير قرطاج وسبي كل اهاليها ان لم تقبل فآثرت الانتحار ملقية بنفسها في المحرقة بين اللهب، وقد هزت تضحيتها هذه الشعب، فرفعها إلى مصاف الآلهة، وأقيم لها معبد  لتلخيدها .

 

سارة السهيل

 

محمود محمد علينختم حديثنا في هذا المقال الثالث عن حسنى مبارك وأهم مميزات ومساوئ حكمه، وفي هذا يمكن القول: كان مشهد الملايين فى ميادين مصر احتفالا بسقوط مبارك، خير دليل على فرح المصريين، وحكمهم على الرئيس الذى دخل القفص الحديدى كمتهم بقتل شعبه وإهدار وسرقة ثروته، وقدرت الجارديان البريطانية ثروته وعائلته بـ70 مليار دولار، بينما فى 4 أغسطس 2011 كان أول فرعون مصري يحاكمه الشعب عقب إسقاطه.

وجاء تنحي مبارك، بعد أكثر من ثلاثين عاما في الحكم، بعد اعتصام دام 18 يوماً من المحتجين بميدان التحرير وسط العاصمة القاهرة، وفي محافظات أخرى، للمطالبة بإسقاط النظام، رافعين شعار: "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية". ومع تصاعد الاحتجاجات، التي بدأت يوم 25 يناير من ذلك العام، قرر مبارك في 10 فبراير، تفويض نائبه اللواء الراحل عمر سليمان في اختصاصات رئيس الجمهورية وفق ما يحدده الدستور. لكنها خطوة لم تفلح، حيث استكمل مبارك في خطاب قال فيه إنه سيبقى وسيموت على أرض مصر، ولن يترك أرواح الشباب الذين قتلوا "منذ بدء الاحتجاجات" تضيع هدراً وسيحاسب المخطئ، وأعلن أنه لا يقبل إملاءات من الخارج، وستبقى مصر أرض المحيا والممات، لكن المتظاهرين رفضوا ما جاء في خطابه، واستمروا في المطالبة برحيله نهائياً عن الحكم. ومع طلوع شمس الجمعة 11 فبراير، خرج المتظاهرون في جمعة أسموها "الزحف"، وتوجه قطاع منهم إلى قصور الرئاسة، مثل قصر الاتحادية، والقصر الرئاسي في منطقة رأس التين بالإسكندرية. وفي مساء نفس اليوم، ومع وصول مسيرات احتجاجية إلى محيط قصر الاتحادية، ظهر عمر سليمان، في بيان تلفزيوني، أعلن فيه أن مبارك قرر التخلي عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد. وفور انتهاء خطاب التنحي، تظاهر العديد في مختلف أرجاء مصر في شكل احتفالية.

وفي 11 فبراير، أعلن نائب الرئيس عمر سليمان عن تنحي مبارك وانتقال السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ويومها انتقل مبارك وعائلته من القصر الرئاسي في القاهرة إلى شرم الشيخ، وفي 2 يونيو 2012، انتقل مبارك إلى سجن مزرعة طرة، بعد إعلان الحكم عليه بالسجن مدى الحياة لتورطه في قتل المتظاهرين أثناء ثورة 25 يناير.

وفي جلسة إعادة المحاكمة، أدين مبارك وابنيه، علاء وجمال في 9 مايو 2015 بتهمة الفساد وحكم عليهم بالسجن، وكان مبارك يقيم في مستشفى عسكري وأُطلق سراح ابنيه في 12 أكتوبر 2015. حصل على البراءة في 2 مارس 2017 بحكم محكمة النقض المصرية، أطلق سراحه في 24 مارس 2017.

لقد كان مبارك ـ تقريباًـ هو الحلقة الأخيرة في مسلسل "البراءة للجميع" بعد أن تمت تبرئة نجليه وأركان نظامه من كل التهم التي وجهت إليهم وبقيت بعض القضايا البسيطة المضمونة مثل هدايا "الأهرام".. وفي قضية قتل المتظاهرين تحديداً تمت تبرئة وزير الداخلية ومعاونيه والأجهزة المنفذة.. وبذلك لم يعد هناك وجه لإدانة الرجل الكبير.. وبالتالي فنحن لم نفاجأ ولم نهتم بذات القدر الذي اهتمت به الصحافة الغربية... صحيفة "الجارديان" البريطانية كتبت تحت عنوان "الإفراج عن الديكتاتور المصري بعد 6 سنوات" أنه بالنسبة لأولئك الذين عملوا للإطاحة بالديكتاتور السابق "مبارك" فإن حريته تمثل لحظة قاتمة في تاريخ مصر الحديث.. ونقلت عن طارق الخطيب. الذي قتل شقيقه مصطفي في مظاهرات يناير 2011 قوله: "أنا لست حزيناً ولا محبطاً.. كنت قد فوجئت بأشياء حدثت سياسياً غير ذلك.. حيث سارت كل الأمور في الاتجاه الذي يمهد للإفراج عن مبارك" وذلك حسب قول مؤمن الهباء في مقال له بعنوان شهادة .. براءة مبارك.

وإذا كان مبارك قد تم تبرئته ولتضح للمؤسسة العسكرية نزاهة هذا الرجل فلماذا رفض «السيسى» السير على خطى «مبارك»؟!!!

وللإجابة نلجأ إلي ما قاله الأستاذ "دندراوى الهوارى " في هذا الشأن ؛ حيث أكد أن عهد مبارك شهد تناغماً عبقرياً بين المواءمات السياسية وبين الفساد والرشوة والواسطة وتجريف العقول وإعلاء قيم اللجان العرفية لتلعب دورا بديلا عن الدولة فى مواجهة الأزمات وحل الصراعات الطائفية بين عنصري الأمة، مسلمين وأقباطا.

فوجدنا في زمن مبارك الدولة المصرية مستمرة بالمسكنات (كما قال محمد الدسوقى رشدى في مقاله كورال «ولا يوم من أيامك يا مبارك»، مثلها مثل مريض استسهل ألمه، وتكاسل عن علاج جذرى واستمر فى تعاطى مسكنات ترضيه لحظيا، حتى استفاق فى مستقبله على حزمة أمراض مزمنة وخلايا غير قابلة للعلاج وقرحة فى المعدة لا تمنحه فرصة تذوق عيش الحياة فى هدوء... ليس هذا فقط بل كانت دولة مبارك تسقينا الوهم حتى ظننا أنه الحقيقة، واستيقظنا على صدمة مصارحة كاشفة لحجم الوهن الذى كانت عليه البنية التحتية لوطن كبير مثل مصر تنقطع كهرباؤه وتنهار طرقه وتتلاشى مقدراته من الطاقة بشكل يجعله طاردًا للاستثمار لا جاذبًا له.

علاوة علي أن مبارك:"كان يعقد الصفقات مع جماعة الإخوان المسلمين خلف الكواليس، بمنحهم 88 مقعدا في البرلمان، وترك كل النقابات لهم، يلعبون فيها كيفما يشاءون، وترك لهم الحبل على الغارب لإقامة المشروعات الاقتصادية، والتحرك في القرى والنجوع والمناطق الشعبية بكل حرية وأريحية يستفحلون ويتضخمون وينشرون أفكارهم ويجندون أولادنا دون أى مجابهة فكرية أو أمنية حقيقية تحمى الوطن من سيطرتهم على شوارعه، ثم يخرج في العلن مسخرا الجماعة فزاعة للمصريين، ضمانا لاستمرار حكمه، لذلك فإن مساحة الاختلاف بين السيسي ومبارك، شاسعة، فالسيسى (كما الأستاذ "دندراوى الهوارى في مقاله السابق ) لا يلجأ إلى تصدير الوهم ليصبح سيد الجماهير، أو استخدام المسكنات فى العلاج، أو الرضوخ والإذعان لأمريكا والغرب، ودول إقليمية، فبدأ فى فتح الملفات الصعبة والمسكوت عنها، والعمل من أجل المستقبل، فى سياسات طويلة الأمد تنهض بالدولة، ولا تعتمد على الحاضر، وتوفير «قوت الناس» يوماً بيوم. وواجه الجماعات الإرهابية بكل قوة، دون خوف، أو حسابات معقدة، بينما «مبارك» لم يقترب من أصل مشكلة لحلها، ولكن كان يلجأ للعلاج بالتنويم المغناطيسى تارة، والمراهم والمسكنات تارة أخرى. ولو كان السيسى يصدر الوهم للمحافظة على شعبيته الجارفة، ما لجأ إلى تدشين المشروعات القومية الكبرى، وكان أغدق على شعبه بكل ما يحصل عليه من قروض وودائع، ولكن المقابل سيكون مريرًا وموجعًا، وسينهار البلد انهيارًا كاملًا، ولن تقوى على مواجهة أصغر المشاكل.

السيسى قرر أن يدشن شبكة طرق عالمية تدفع بالبلاد إلى آفاق المستقبل والخروج من شرنقة الدلتا المميتة، كما قرر استصلاح المليون و500 ألف فدان، لتحقيق أهم عناصر الأمن القومى، وهو الاكتفاء الذاتى من القمح، وقرر أن ينمى سيناء، ويحفر قناة سويس ثانية، وأنفاقا كبرى تربط أرض الفيروز بالوادى وتسهل حركة التجارة منها وإليها، وقرر قهر الجبال بتدشين مشروع جبل الجلالة، وهو المشروع الذى سيحدث طفرة نوعية فى السياحة، ربما تتفوق على الغردقة وشرم الشيخ، ليصبح لدى مصر منتجعات سياحية عالمية، تتمثل فى جبل الجلالة وشرم الشيخ والغردقة. وقرر الرجل أيضًا أن يضع حدًا لأزمة الكهرباء التى أصبحت مشكلة مزمنة، وكارثية، فلا حياة دون طاقة فى أى دولة من الدول، وإقامة العاصمة الإدارية الجديدة، وهو المطلب الذى كان ينادى به الجميع طوال عقود طويلة، للتخفيف عن القاهرة التى تحولت إلى قنبلة موقوتة. هذا قليل من كثير، وتستطيع أن تقولها بكل قوة، نعم السيسى يزيل الوهم من العيون، لا أن «يكحل عيون الناس بالأوهام» مثل مبارك.

ولذلك لا تجذبك أنغام جلسة الزار التى يمارسها البعض بلطيمات الحنين إلى زمن مبارك والتغنى برخص الأسعار والاستقرار، لأن تجارب سنوات ما بعد مبارك أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أننا كنا نعيش وهما، بمسكنات تكثر السلطة من توزيعها على المواطنين حتى لا يشاهدوا إرث دولتهم الكبرى فى المنطقة وهو يتطاير عاما بعد عام، بشكل يجعل كل محاولات الإصلاح لما أفسدته سلطة تصدير الوهم فى عصر مبارك صعبا وقاسيا ومضاعفا لأنه إصلاح رباعي الأبعاد، إصلاح لما أفسده مبارك، وإصلاح لما تكاسل مبارك عن إصلاحه، وإصلاح لما فسد بعد رحيل مبارك حينما اكتشفنا أنه لم يترك لنا دولة حقيقية، وإصلاح لما يحتاجه المستقبل كى تعود مصر إلى مكانتها الطبيعية وذلك حسب محمد الدسوقى رشدى في مقاله كورال "ولا يوم من أيامك يا مبارك".

فلا تصدقهم إن حدثوك عن مبارك وأيامه، عليم أن تحسس عقلك وفتش عن مصالحهم أو جهلهم، هم الخطر الحقيقى فاحذرهم. ولا يوم من أيامك يامبارك، تبدو تلك النغمة شاذة وخبيثة وسلاح جاهل يستخدمه البعض عمدا للتلاعب بمشاعر المواطنين، الذين حاصرتهم خطوات وقرارات الإصلاح الاقتصادى الصعبة فى حاضرها، الضرورية فى توقيتها، المبشرة فى مستقبلها بإعادة بناء الدولة مستندة إلى أرض صلبة وليس إلى أرفف من أدوية المسكنات.

وأخيرا نقول: إن مبارك له ما له وعليه ما عليه وسيقف أمام الخالق سبحانه وتعالي عاريًا بلا مالِ أو جاهِ أو سلطان، سيحاكمه أحكم الحاكمين بعدله أمام معشر البشر وستظهر كل الحقائق جلية أمام رب الناس ولم يتبقى أمامنا إلا أن ننظر لمستقبل بلادنا ونعمل جاهدين من أجل رفعه شأن بلادنا ومواجهة التحديات الكبرى التي تواجه مصرنا.

علي أية حال نتفق مع حسنى مبارك أو نختلف معه، لكن لا نختلف أبدا على وطنيته وتاريخه العسكري المشرف ودوره كواحد من أبطال نصر أكتوبر العظيم؛ لقد أراد البعض ممن نهشوا الرجل أن يمحوا تاريخه الذى قضاه مدافعا عن الوطن ثلاثين عاما كرئيس للدولة و6 سنوات نائبا، ونحو 30 عاما خدم فيها القوات المسلحة من ضابط صغير حتى قائد للقوات الجوية. لم يخن مبارك شعبه ولم يفرط فى متر من الأرض بل أعاد طابا بعد اللجوء للتحكيم الدولي.

إن التاريخ هو الذى سيكتب حقيقة دور مبارك سلبا أو إيجابا خلال سنوات حكمه ولكن يكفيه فخرا تخليه عن الحكم وعدم هروبه من المواجهة. كان يسهل فيها مغادرة البلاد، لكنه أثر البقاء ورضخ لحكم القانون وجلس فى قفص الاتهام يدافع عن نفسه وحكمه، وطالت محاكمته لأكثر من خمس سنوات تحمل خلالها الكثير قبل أن تصدر محكمة النقض حكما صحيحا باتا ونهائيا لقى أصداء طيبة فى الشارع المصري، يبرئه من تهمة قتل المتظاهرين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الثاني عن حسنى مبارك وأهم مميزات ومساوئ حكمه، وفي هذا يمكن القول: مضي مبارك في استراتيجية حُكمه باسترداد آخر الأراضي المغتصبة وهي طابا ولم يهدأ له بالًا حتى رفع العلم المصري على أرض طابا بنفسه في إشارة إلى عدم التفريط في شبر واحد من أرض مصر واحترامًا لتراب هذا البلد ومشاعر هذا الشعب العظيم ووضع مبارك على كاهله مهمة بناء مصر الحديثة فمشروعاته القومية خير دليلِ على ذلك فاهتم ببناء الكباري ومد الطرق مثل كوبري 6 أكتوبر الذي لولاه لاختنقت القاهرة والجيزة وبناء الطريق الدائري الذي يستحيل المرور بدونه فتسبب في سيولة مرورية داخل القاهرة الكبرى ويَسر على المسافرين كثيرًا ولعل مترو الأنفاق هذا المشروع القومي المعجزة الذي حقق نقلة نوعية في وسائل المواصلات بالقاهرة الكبرى وغيرها من المشروعات الكبرى التي تخدم المواطن مثل بناء المدن الحديثة والمشروع القومي للإسكان لمحدودي الدخل واستصلاح الأراضي وتشجيع الاستثمار في شتي المجالات ودخول شركات المحمول السوق المصري وتشجيع وتنمية مجال السياحة المصرية وفتح فرص عمل للملايين العاملين حتى يومنا هذا في مجال السياحة، وتوسع في بناء المدارس التعليمية والجامعات المختلفة لتواكب الزيادة السكانية والحفاظ على مجانية التعليم وأولى اهتمامًا بالغًا بالقطاع الصحي وبناء المستشفيات ولعل إعادة هيكلة منظومة الإسعاف المصري في عهد مبارك دليلًا صارخًا على اهتمام الرئيس بكل ما يهم المواطن المصري ولن يستطيع التاريخ أن يغفل أو يمحو هذه الفترة المهمة من حكم مصر وذلك حسب قول عبدالعال محمد البهنسي في مقال له بعنوان الرئيس مبارك.. ما له وما عليه ! .

قال عنه كرم جبر في مقاله مبارك.. ما له وما عليه! يذكر لمبارك فى بداية عهده أنه رفض تشويه سمعة زعماء مصر، وأوقف حلقات محمد حسنين هيكل فى الأهرام التى استهدفت الانتقام من السادات وتحقيره وتشويه صورته، خصوصا الحلقة التى تناول فيها عن أم السادات بألفاظ وعبارات عنصرية، ومبارك أيضا هو رفع شأن حكام مصر فى خطاباته، ولم يتحدث عن أى زعيم إلا باحترام وتقدير، وليس من الأمانة التعتيم على دوره فى الحرب، فالانتصار ملك لمصر وجيشها وشعبها وليس ملكا لمبارك، والضربة الجوية التى قصمت ظهر إسرائيل، كانت لنسور الجو المصريين، والحرب والانتصار الذى تحقق فخر لنا جميعا.

وقال عنه إمام علي في مقاله "خدعوك فقالوا: ولا يوم من أيامك يا مبارك":"  ليس من الشهامة الطعن فى رجل أصبح خارج السلطة بلا أى مظهر من مظاهر القوة والجاه، التى تمتع بها على مدار 30 عاماً، وليس من الأخلاق الدخول فى معركة مع رجل تجاوز التسعين ويقضى ما تبقى من عمره بين أبنائه وأحفاده فى منزل لا يغادره، وليس من العقل النظر إلى الوراء وإضاعة الوقت والمجهود فى جدل مفتعل حول مرحلة انتهت تماماً بما لها وعليها، لكن للأسف الشديد البعض يصر على أن يجرّ الآخرين إلى محطة قديمة غادرها قطار الزمن، واللعب بصبيانية شديدة في وحل الماضي، ولأنه، كما قال الأديب الكبير نجيب محفوظ «آفة حارتنا النسيان»، فإننا ننسى حقيقة هذا الماضي، ونجتزئ من الذاكرة ما يخدم مواقفنا فقط دون مراعاة لأى سياق أو ظروف محيطة أو تقييم جاد وموضوعي.

كما قال عنه آخرون : لقد تحمل مبارك ما لا يستطيع أن يتحمله بشر ولما لا فهو ابن المؤسسة العسكرية الوطنية التي تتصف بالقوة والصبر ورفض أن يغادر البلاد هاربًا من المجهول المنتظر وكأن السجن أحب إليه من رغد العيش خارج مصر وأكد أكثر من مرة أنه سيموت على أرض مصر، لقد تحمل ويلات السجن منذ ثورة يناير ورضي بقضاء الله وتحمل التردد على المحاكم باحثًا عن برائته التي يؤمن بها مواجهًا الرأي العام بكل شجاعة حتى ظهرت برائته من قتل المتظاهرين وهي التهمة الأعظم والأكبر في سلسلة اتهامات أخرى وبمرور الأيام والسنين جلت الحقيقة للجميع.

أما المعارضون له فيرون فيه  دِيكتاتورًا فاسِدًا حكَم البلاد لثلاثين عامًا، انحاز طِوالها إلى طبقة رجال الأعمال، وكرّس الزّواج بين المال والسياسة، وابتعد بالتّالي عن فئة الفُقراء والمَسحوقين الذين يعيش حواليّ 40 بالمِئة منهم تحت خطّ الفقر ولا يجدون قوت يومهم، وساهم في تدمير العراق بتأييد الحرب ضده، ولهذا لم يكن غريبًا، ولا مُفاجئًا، أن تتم الإطاحة به بثورةٍ شعبيّةٍ انطلقت يوم 25 يناير عام 2011، وكان عِمادها شباب مِصر الذي طفَح كيله وهو يرى بلاده تتعرّض ثرَواتها للنّهب، وتتراجع فيها الحريّات والخدمات العامّة الرئيسيّة.

وقد قال عنه آخرون: إن مبارك أفسد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنيابية في أواخر عهده وترك المشهد لابنه يفعل ما يحلو له عن طريق لجنة السياسات بالحزب الحاكم ولكنه حتمًا لم يقتل ولم يخطر بباله أن يقتل مصريًا واحدًا من أجل حُكمِ زائل والأيام كشفت كثيرا من الحقائق الغائبة عن عقولنا مثل التمويلات الأجنبية التي تدفقت على مصر من أجل تنفيذ أجندتهم المشبوهة ولولا تدخل الجيش ويقظة الأجهزة السيادسة للبلاد لضاعت مصر في براثن المجهول شأنها شأن دول الجوار التي تم تدميرها باسم الثورات والتغيير.

علاوة علي أن طبقة رجال الأعمال الفاسِدة عزلت الرئيس مبارك عن الشعب كُلِّيًّا، وأقنعته بتوريث الحُكم إلى نجله جمال الذي كان رأس حربتها، وأسيرًا لفسادها، باعتِباره واحدًا من رُموزها، ويُسجَّل للمؤسّسة العسكريّة الحاكمة، رفضها للتّوريث، وهيمنة طبقة رجال الأعمال، وإن كان البعض ينتقد بشدّةٍ إلغاءها جميع الأحكام بالسّجن التي صدَرت في حقّ الرئيس مبارك ونجليه وعددًا من رجال حُكمه بتُهم الفساد والتسبّب بمقتل 800 من شباب الثّورة المِصريّة المُباركة، وهي تُهمٌ مُثبّتةٌ بالوثائق وشُهود العيان، ولا تحتاج إلى إثبات.

بلغ حسني مبارك من العمر 91 عاما ، فقد كان حكمه كان شموليا وتسبب في أزمات عدة في البلاد ومنها الفساد ... ومن أهم المحطات اكبري في حياته السياسية هي الإطاحة به من الحكم وذلك في عام 2011 بعد ثورة يناير، وكان ذلك في خطاب التنحي وحكم بعد ذلك الرئيس محمد مرسي وفي عهده ظهر حسني مبارك أمام القضاء الجنائي في محاكمة تاريخية تتعلق بقتل المتظاهرين وتبديد أموال الدولة وحقوق الإنسان وحصل علي الحكم بالبراءة من قضية قتل المتظاهرين، وفي خضم تلك الأحداث التي شهدتها مصر توقع كثيرون هروب حسني مبارك كما كان الحال في تونس بعد هروب بن علي لكنه قال كلماته الشهيرة التي أنهت ذلك الجدل:" إن هذا الوطن العزيز هو وطني مثلما هو وطن كل مصري ومصرية .. فيه عشت .. وحاربت من أجله ودافعت عن أرضه وسيادته ومصالحه وعلي أرضه أموت وسيحكم التاريخ علي وعلي غيري بما لنا أو علينا ". .. المغردون غردوا حسب انتماءاتهم السياسية ، خاصة في مسالة المقارنة بين وفاة الرئيس محمد مرس ووفاة حسني مبارك.

فتح الجدل والنقاش، بشأن التركة السياسية التي خلفها الرجل، الذي حكم مصر على مدى ثلاثين عاما، وهو جدل لم يتوقف منذ أطيح بمبارك، في أعقاب ثورة شعبية، في يناير من العام 2011، ضمن ما عرف بثورات الربيع العربي.

كان مبارك متشبثا بالسلطة بقوة بعد أن أدخل البلاد منعطف الفساد والفقر ، واستمر ذلك الوضع حتي وصل تزايد الغضب من الفساد وعدم العدالة الاقتصادية إلي مرحلة الغليان في 25 يناير 2011 ؛ حيث خرج مئات آلاف من المصريين فى كل المحافظات تقريبا، يحتجون فى الشوارع ضد سياسيات الإفقار والتجويع والتجهيل والقبضة الأمنية، وسقط أول شهيد فى محافظة السويس، وتعامل الأمن بـ"عنف مفرط" فى فض ميدان التحرير مساء اليوم، وكانت قوات الشرطة السماء تمطر قنابل دخان على الميدان، الذى شهد كل ثورات المصريين تقريبا منذ التحرك الشعبى العظيم فى سنة 1919 ضد الاحتلال الإنجليزى، ما دعا البعض إلى تشبيه نظام مبارك بالاحتلال، لكنه احتلالا وطنيا فى حالته، واستمرت الحالة الاحتجاجية فى الشوارع حتى مساء 27 من يناير، استعدادا لمن أطلق عليه الشباب، دعاة التظاهر، "يوم الغضب"، وقد كان.

ملايين المصريين خرجوا من المساجد عقب صلاة الجمعة، والهتاف واحد "الشعب يريد إسقاط النظام" و"يسقط يسقط حسنى مبارك" و"بكرة نقول كان قهر وعدى.. لما مبارك يوصل جدة"، فى إشارة إلى هرب الرئيس التونسى زين العابدين بن على إلى المملكة العربية السعودية، واقتحمت الجماهير الغاضبة أقسام الشرطة فى المحافظات الكبرى وأضرموا فيها النيران، وسيطر محتجو العاصمة على مقر الحزب الوطنى الديمقراطى وأشعلوا فيه النيران احتجاجا على عصر كامل من الفقر والجوع والمرض وتعذيب وقتل المصريين فى أقفية الشرطة السفلية.

ولم يكن خطاب مبارك فى منتصف ليل 28 يناير كافيا، ولم تكن الجماهير وقياداتها المعتصمة فى ميدان التحرير، وكل ميادين مصر ترضى بأقل من رحيل الطاغية العجوز عن الحكم.

واستمر اعتصام المصريين فى الميادين، وخطب مبارك الثلاثاء، الأول من فبراير "خطابا عاطفيا" وقال فيه جملة ستظل شهيرة "لم أكن أنتوى الترشح لفترة رئاسة جديدة"، وفى اليوم التالي لخطابه حدثت "موقعة الجمل"، ودافع المتظاهرون عن الميدان ضد البطجية الذين حاولوا اقتحامه بالجمال والبغال التى أرسلها قيادات حزب مبارك الحاكم، وسقط العشرات ما بين القتلى والجرحى، وكان انتصار المعتصمين وحفاظهم على الميدان إيذانا بانتصار الثورة وسقوط مبارك بعدها بأيام فى 11 فبراير 2011... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

 

محمود محمد عليتوفى في صباح يوم الثلاثاء الماضي الموافق 25/2/2020، الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، بعد معاناته لسنوات من المرض، وبمجرد الإعلان عن وفاة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، فقد اشتعل الجدل علي مواقع التواصل الاجتماعي حول إرثه وحياته وحكمه لمصر .

الخبر نزل في العواجل ومواقع التواصل الاجتماعي، ثم جاء التأكيد بنحو ساعتين من وفاته من نجله علاء مبارك من خلال تغريدة يقول فيها :" إنا لله وإنا إليه راجعون، انتقل إلي رحمة الله صباح اليوم والدي الرئيس مبارك اللهم أعف عنه، واغفر له، وارحمه ".

وفور ذلك جاء تأكيد آخر من رئاسة الجمهورية المصرية وهذا ما قاله المتحدث باسمها :" تنعي رئاسة الجمهورية ببالغ الحزن رئيس الجمهورية الأسبق محمد حسني مبارك، لما قدمه لوطنه كأحد قادة وابطال حرب أكتوبر، التي أعادت الكرامة والعزة للأمة العربية، وتتقدم رئاسة الجمهورية بخالص العزاء والمواساة لأسرة الفقيد الذي وافته المنية صباح الثلاثاء ".

ونعت القيادة العامة للقوات المسلحة ابن من أبنائها وقائداً من قادة حرب أكتوبر المجيدة الرئيس الأسبق لجمهورية مصر العربية محمد حسنى مبارك والذى وافته المنية صباح اليوم وتتقدم لأسرته ولضباط القوات المسلحة ولجنودها بخالص العزاء وندعو المولى سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته .

ونكس مجلس الوزراء، العلم  حداد على وفاة الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك، فى ضوء قرار رئاسة الجمهورية بإعلان حالة الحداد العام في جميع أنحاء الجمهورية لمدة ثلاثة أيام، حدادًا علي وفاة الرئيس الأسبق لجمهورية مصر العربية "محمد حسني مبارك" وذلك اعتبارًا من غد الأربعاء الموافق 26 فبراير 2020

وقد شيعت جنازته ظهر اليوم الأربعاء، جنازة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي وقيادات الدولة المصرية ووفود من عدة دول،  وبدأت مراسم الجنازة بعد صلاة الظهر بمسجد المشير، شرقي القاهرة، ثم توجه المشيعون بجثمان مبارك لحضور مراسم التأبين العسكرية، التي حضرها السيسي، وكبار المسؤولين في الدولة، ومسؤولون سابقون، قبل أن يُحمل النعش إلى مقابر الأسرة بمصر الجديدة.

وكانت رئاسة الجمهورية، قد أعلنت حالة الحداد العام في جميع أنحاء الجمهورية لمدة ثلاثة أيام، حدادًا علي وفاة الرئيس الأسبق لجمهورية مصر العربية "محمد حسني مبارك" وذلك اعتبارًا من اليوم الأربعاء الموافق 26 فبراير 2020.

كان أول ظهور لمبارك منذ ثلاثة أسابيع عندما نشر حفيدة عمر علاء مبارك صورة له من المستشفى علي مواقع التواصل الاجتماعي وبدا فيها متعبا بعد عملية جراحية .

فى هذه اللحظات لا يجوز للعقلاء والأسوياء والبنى آدميين، إلا أن يترحموا على الرئيس الراحل مثلما ترحموا على كل الرؤساء الذين حكموا مصر، ورحلوا لرحمة الله، سواء اتفقنا أو اختلفنا معهم من أول محمد نجيب ثم جمال عبدالناصر ومحمد أنور السادات ومحمد مرسى، وأخيرا مبارك، طبيعى أن من حق كل إنسان أن يتفق أو يختلف مع حسنى مبارك ومع غيره، لكن فى مثل هذه اللحظات، ينبغى أن تكون هناك مراعاة لحرمة الموت والموتى، وأن يكون ذلك بأدب واحترام وموضوعية (وذلك حسب قول عماد الدين حسين .. مبارك.. ما له وما عليه) .

وبهذه المناسبة، نقدم للقارئ الكريم نبذة عن حياته؛ حيث  ولد الرئيس الراحل محمد حسنى السيد مبارك في الرابع من مايو 1928 في قرية كفر المصيلحة التابعة لمحافظة المنوفية، وحصل على بكالوريوس العلوم العسكرية من الكلية الحربية، وفى عام 1950 نال بكالوريوس الطيران، وتلقى الدراسات العليا بأكاديمية "فرونز" العسكرية بالاتحاد السوفيتي عام 1964، حتى أصبح في عام 1967 مديرا للكلية الجوية، وفى عام 1972 تولى الرئيس الأسبق حسنى مبارك قيادة القوات الجوية، وكان قائدا لسلاح الطيران خلال حرب أكتوبر المجيدة، حتى اختاره الرئيس الراحل أنور السادات في عام 1972 نائبا لرئيس الجمهورية.

وكان محمد حسني مبارك رمز للاستقرار والاعتدال بالنسبة لمعجبيه، ورمز للدكتاتورية بالنسبة لنقاده، مع تدريبه كطيار محارب في الاتحاد السوفيتي، ترقي حسني مبارك بشكل تدريجي، إذ قاد القوات الجوية المصرية قبيل حرب 1973، عندما أطلقت مصر وسوريا هجوما مفاجئا علي إسرائيل، بعد عامين قام الرئيس أنور السادات بتعيين مبارك كنائب الرئيس، و6 أعوام بعد ذلك في 1981 أصبح رئيسا بعد مقتل السادات علي يد ميلشيات إسلامية،  مبارك مع السادات في ذلك اليوم الدراماتيكي وتمكن من النجاة بصعوبة من رصاصات القاتل، مع خوض الرئيس مبارك حرب طويلة ودموية ضد ميلشيات إسلامية ساعية لإسقاط نظامه .. تصاعد الصراع في 1997 عندما نفذت الميلشيات مذبحة ضد أكثر من 60 شخصا معظمهم سياح أوربيون ويابانيون، ... في أعقاب الهجوم، سحقت قوات الأمن المصرية الميلشيات .. بينما اتهمت جماعات حقوق الإنسان نظام مبارك بالتعذيب علي نطاق واسع . ..

ومحمد حسنى السيد مبارك، الرئيس الرابع لجمهورية مصر العربية، تولى الرئاسة عقب اغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات على يد تكفيريين فى بداية العقد قبل الأخير من القرن الماضى. فقد استهل مبارك حكمه بالإفراج عن معتقلى سبتمبر، وكان من بينهم ساسة كبار وحزبيون مشاهير، مثل الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، والقطب الوفدى فؤاد سراج الدين، وعدد كبير من اليساريين والناصريين والإسلاميين، فى خطوة اعتبرها البعض بداية جيدة لتدشين نظام سياسى يقبل التعددية السياسية وتداول السلطة والديمقراطية، وأعقب ذلك خطاب شهير قال فيه "الكفن مالوش جيوب"، وشكل أول حكومة برئاسة فؤاد محيى الدين، ومنح الصحافة هامشا من الحرية المنقوصة، أو ما يسميه البعض "حرية الصراخ".

اتسمت السياسة الخارجية لمبارك بشكل عام بكونها سلمية، وظل حليفا قويا للولايات المتحدة، ما جعله وسيطا كبيرا في عملية السلام العربية – الاسرائيلية، وكان مبارك مهندسا لعودة مصر الى الصف العربي في ثمانينيات القرن المنصرم بعد نحو عقد من العزلة بسبب توقيعها على اتفاقية السلام عام1979 مع اسرائيل عن طريق بناء علاقات مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين الذي كان يتمتع بنفوذ قوي في ذلك الوقت.

وتحت حكم مبارك دعمت مصر صدام حسين في الحرب بين العراق وايران.لكن في عام 1990 انحاز مبارك الى التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لمعارضة الغزو العراقي على الكويت، وتحت حكمه ايضا اصبح منتجع شرم الشيخ المصري ساحة لمفاوضات السلام الدولية.

وفي عام 1999 وافق مبارك على ضخ الغاز الطبيعي المصري الى اسرائيل والاراضي الفلسطينية، فيما وصفه رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك بـ "خط انابيب السلام" .

بيد أن المشاعر تُجاهه مُختلفة ومُتضاربة، فالأغلبيّة العُظمى ترى فيه بأنّه حقّق الاستقرار والأمن، وأعاد العلاقات مع جميع الدول العربيّة التي انقطعت بعد اتّفاقات كامب ديفيد، ولكن ما قيمة هذا الاستقرار إذا جاء بالقبضة الحديديّة وغِياب الإصلاحات الديمقراطيّة ورفع سقف الحريّات، والتّوزيع العادل للثّروة، وتعزيز القضاء المُستقل والعدالة الاجتماعيّة واجتِثاث الفساد من جُذوره .

علاوة علي وقفات من فصول تاريخ لا ينسى لحسني مبارك، وأوراق مبعثرة تكتب فترة لا يمكن إسقاطها من ذاكرة مصر الحديثة، أكثرها سطوعا المشهد الختامي، فمهما كان الخلاف على العقود الثلاثة التي قضاها مبارك في السلطة فلا يسع أحد أن ينكر حجم المفاجأة في سقوط إمبراطورتيه خلال 18 يوما من غضبة الشعب... تلك الفصول من حياة مبارك كتبها الشعب وكانت أكثرها تدوينا، وسواها فصول كان لابد فيها من شهادته بنفسه، أما الأولى فسنواته الست التي قضاها إلى جوار السادات نائباً، ففيها رأي بالضرورة ما لم يتمكن آخرون من رؤيته، وفيها عرف ما لم يعرفه سواه، وفيها جرى إعداده ليكون رئيساً، وفيها كان الرجل الثانى فى الدولة دون منافس، وما خفي كان أعظم... أما الثانية فالسبع الأخيرة من الثلاثين عاماً التي قضاها في القصر، ففى عام 2004 صارح وزير خارجيته أحمد أبوالغيط بأنه يشعر من فوق كرسى الحكم بأن الأمريكان يخططون للإطاحة به، رواها أبوالغيط بالتفصيل في مذكراته، وأنه احتفظ بما سمعه لنفسه، ولم يصرح به لإنسان، على مدى سبع سنوات كاملة، هى الفترة بين همس مبارك بما أحس به من جانب الأمريكان لوزير الخارجية، وبين تخليه عن السلطة فى 11 فبراير 2011 (وذلك حسب قول طلال رسلان في مقاله رحل حسني مبارك.. بما له وما عليه).

لقد شاءت الأقدار لهذا الرجل أن يتحمل مسئولية البلاد كاملةً وأن يكون رئيسًا لها بعد اغتيال الرئيس الشهيد محمد أنور السادات في العرض العسكري في أثناء الاحتفال بذكرى انتصارات حرب أكتوبر المجيدة 1982 وكعادتنا نحن المصريين دائمًا ما نتفاءل بالرجل الثاني وننظر له نظرةً مختلفة على أنه الأنسب لهذا المنصب الرفيع والأقدر على تمثيل دولة كبرى بحجم جمهورية مصر العربية وللحق أن مبارك كان فعلًا على قدر المسئولية ووصل إلى شعبية جارفة بالشارع المصري وذلك حسب قول عبدالعال محمد البهنسي في مقال له بعنوان الرئيس مبارك.. ما له وما عليه ! ... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

1370 محمد عمارةكلمة طيّبة نبتَت في ريف مصر، وشجرة طيّبة ارتوَت بنور الوحي؛ اقتدى والدُه بامرأة عمران ، فعزم قبل ولادته على تسميته محمّدا، وبيَّت النيّة على نذْره لدراسة العِلم الشريف الذي تفيض أنهاره في أروقة الأزهر جامعا وجامعة، ثمّ ذهب الوِزرُ وثبَت الأجْر بعد أن وفَّى الوالدُ بالنذْر، فاستوى النبْتُ على سوقه، وصار دوحة فكريّة مبارَكة، تُبرِز هداية السماء فتُجلِّيها أمام ناظرَي مَن جهل، وتَدحض الشبهات والأباطيل فتصفع بها وجه مَن تطاول وبغَى.. ذكم هو المفكر العلامة محمد عمارة الذي رحل عن عالمنا مساء جمعة الثامن والعشرين من فبراير 2020م عن عمر ناهز الواحدة والسبعين. .

 مدحه رئيس رابطة علماء المسلمين (القرضاوي) بقوله: "هو أحد مجدّدي القرن الخامس عشر الهجري، الذين هيأهم الله لنصرة الدين الإسلامي من خلال إجادته استخدام منهج التجديد والوسطية، ومن خلال صولاته وجولاته القوية في تعرية أعداء الإسلام". ووصفه المفكّر التونسي راشد الغنوشي بأنه كاسحة ألغام أمام الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية، ثمّ عَدَّ نفسه تلميذا من تلاميذه الكُثر، وثمرة مِن ثمار مدرسته الفكرية الإسلامية. وقد منحتْه الدولة جائزتها التشجيعية عام 1976م عن كتابه (دراسة الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي)، بينما أهدتْه جمعية أصدقاء الكتاب في لبنان جائزتَها عن كتابه (دراسة الأعمال الكاملة لمحمد عبده) وذلك في عام 1972م. 

نشأ في أحضان أسرة زراعية متوسّطة؛ فحفظ القرآن قبل الحُلُم، ودرس في الأزهر حتى أتمّ تعليمه الثانوي، ثمّ شدّ مئزر العلم ورحل إلى قاهرة المعزّ؛ فالتحق بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، والتي تدرِّس العلوم الشرعية بأسلوب حداثي تجديدي راق له عن الأسلوب الأزهري العتيق، وفيها حصل على درجة الليسانس، ثمّ درجتي الماجستير والدكتوراه في تخصّص الفلسفة الإسلاميّة، ليطلِّق عندها الوظيفة العموميّة التي اعتبرها نوعا من الرقّ وضربا من العبوديّة، ومتخِّذا بذلك أخطر وأهمّ قراراته الحياتيّة، وهو التَفرّغ للعمل الفكري والمشروع الحضاري الذي اختطّه لنفسه بعدما لمس حاجة الأمّة الماسّة إليه، ووجد في نفسه ميلا إلى الانشغال به؛ وهو المشروع الذي عبّر عنه من خلال مقالاته   في الجرائد والمجلات، وإسهاماته في التأليف والتحقيق، ومشاركاته في شتى وسائل الإعلام ومنابر الدعوة، وعضويّته في مجمع البحوث الإسلامية، ورئاسته لتحرير مجلة الأزهر على مدار أربع سنوات. وفي هذا كلّه، كان متبنِّيا لقضايا الحريّة والعدل الاجتماعي، وناهِجا نهج التجديد والنهضة والإحياء، وعلى تماسّ مباشر مع القضايا الوطنية والتحديّات العالمية، ومترصّدا للشبهات العلمانية والدعوات التنصيريّة واللادينيّة.

وبالطبع كانت القراءة زاده وراحلته في هذا المشوار الثري، بدءا بالتوجيه الذي تلقّاه على يد شيخه في المرحلة الابتدائية بضرورة اللجوء إلى القراءة الحرّة، ومِن ثمّ إقدامه على اقتناء باكورة كتبه، وهو كتاب النظرات للأديب الأريب مصطفى لطفي المنفلوطي. مرورا بتلك الغنيمة الباردة التي هبطت عليه في الزمان والمكان المناسبيْن؛ وذلك حين جادت عليه السماء بمكتبة عامرة قوامها أربعة آلاف كتاب، خلَّفها أحد شيوخ قريته بعد وفاته، وكيف أنه تقبَّلها قبولا حسنا، واشتراها مِن الورثة بأربعين جنيها نقَدَها لهم على دفعات بنظام التقسيط المريح، ثمّ اتّخذ منها قاعدة للبناء الفكري ومحطة للتكوين الثقافي، نظرا لما احتوتْه مِن أمّهات كتب التراث في الفقه والتصوّف، وذخائر الأدب العربي نظما ونثرا، والمترجَمات الغربية في الأدب والعلم، إضافة إلى كبريات المجلات العريقة مثل الرسالة والأزهر والعروة الوثقى. وفي هذا يَذكر أنه كان يجلس تحت شجرة الجميز القريبة من منزله، فيقرأ ويقرأ حتى تتداخل الكلمات وتتراقص السطور أمام ناظريْه، فيغمضهما، ويَعمَد إلى إراحتهما نزرا يسيرا، ثمّ يقبض من جديد على الشغف والنّهم، ويواصل إبحاره في محيط القراءة والاطّلاع!

وفي هذا أيضا يَذكر أنه كان دائم الاطلاع في شبابه على جريدة المصري، وكان مَعنيّا بالباب الذي يُنوِّه بإصدارات الكتب الحديثة، ليتخيّر من بين تلك الإصدارات ما يُريد، و يبادر بطلبها عبر البريد. ويضيف أنّه كان على موعد دائم مع معارض الكتب السنويّة، فيدّخر لها المال ويعدّ لأجْلها القوائم، ثمّ يبكِّر يوميا إلى مقرّ المعرض، ويعود بحمل بعير من الكتب. ويَروي أنه عندما باشر العمل السياسي في بداية الخمسينيات، تردّد في الاختيار بين الدخول في حزب مصر الفتاة أو الالتحاق بجماعة الإخوان المسلمين، ولكن الذي رجّح كفّة مصر الفتاة، أنّه لمس في طلاب الإخوان ضيق الأفق، لأنّ قراءتهم قاصرة على كتب بعينها، بينما هو عاشق للفكر والثقافة، ويقرأ في كلّ الألوان، ويرفض تضييق نطاق الفكر والتثقيف.. وكأني به يحذو حذو الرافعي والعقاد في السير على طريقة الجاحظ الذي لا يستثني،  وينصح بقراءة كلّ ما تطاله اليد وتقع عليه العين.

وكما قرأ أمّهات الكتب وصاغ من رحيقها شهدا، فقد قرأ القامات من البشر باعتبارهم كتبا مفتوحة وأفكارا تسير على قدميْن، ثمّ اقتفى أثرهم ونهج نهجهم؛ فنراه قد نهل من  كبرياء العقاد، وعصاميّة طه حسين، وإصلاحيّة محمد عبده، وروحانيّة الغزالي. 

ولقد ناله ما نال غيرَه من طلّاب المجْد ودعاة الحريّة؛ فاعتقله النظام الناصري لمدة خمس سنوات ونصف إبّان دراسته الجامعية (1959-1964م)، وتأخّر بذلك تخرّجه الجامعي سبع سنوات طوال. وبرغم ما تعرّض له في حبسه من سلب الحرية وامتهان الكرامة، إلّا أنها كانت فترة خصبة أحياها بالقراءة والتأمّل، ووقف من خلالها على أكذوبة اليسار الذي انتمى إليه وبُهر بشعاراته الجذّابة والبرّاقة ردحا من الزمن، ومِن ثَمّ بدأ توجهّه الإسلامي الذي عُرف به  وبرز فيه وأخلص له بقيّة عمره، وفيه اختار أن يكون مستقلا؛ يمدّ يده لجميع الحركات والجماعات العاملة في الساحة الإسلامية، دون أن ينتمي تنظيميا لأيّ منها، فكان طيرا حرّا لا يُحجِّر الواسع ولا يقيِّد المطلَق.

ولأنّ الزارعَ لا بد يوما حاصد؛ فقد أثمر هذا التفرّغ الذي اختاره وتلك العزلة التي فرضها على نفسه، كمًّا كبيرا من المؤلَّفات التي ناهزت المائتيْن وأربعين مؤلّفا، بين كتاب وكتيِّب، وتُرجم بعضُها إلى اللغات الإنجليزية والإسبانية والروسية والكردية؛ بدأها في عام 1958م بكتابه عن القومية العربية وهو مازال طالبا في الجامعة، وسطّر منها أربعة داخل محبسه. وقد اهتمّ في جلّ تلك المؤلَّفات بقضايا الفكر الإسلامي قديمه وحديثه، وصاغ من خلالها مشروعا حضاريا إسلاميّا وسطيّا جامعا، وردّ بها على مشاريع التغريب التي علا صوتها وكثر دُعاتها، كما تَرجم فيها لثلّة من روّاد النهضة أمثال الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي والغزالي، ولعلّ أبرز كتبه؛ كتاب (الصحوة الإسلامية والتحدِّي الحضاري) و (الإسلام وحقوق الإنسان) و (المعتزلة وأصول الحكم) و (تيارات الفكر الإسلامي) و(الإسلام والمستقبل)

***

بقلم: منير لطفي - طبيب وكاتب

.....................

* الصورة للدكتور محمد عمارة

 

 

عبد السلام فاروقالسؤال المعتاد: عن افتقاد القيمة والجوهر الثمين وسط لجة الغثاء الخانقة، لماذا؟

مصر لم تعدم العباقرة منذ جمال حمدان إلى الآن، فأين هم؟

ولماذا لم تشهد معارض الكتاب المتتابعة كتاباً فى وزن موسوعة جمال حمدان؟

جمال حمدان .. كان شخصية معرض الكتاب المختارة فى دورته الماضية:(50+1) .. وهى فرصة ليعرف الجيل الجديد حقاً: من هو؟ ولماذا يحتفى به المصريون على الدوام؟

مبتدعِ "شخصيةِ مصر" !

قليلون مَن فكروا فى استجلاء أبعاد شخصية المبدع الذى ألف موسوعة (شخصية مصر)، رغم أن الأمر منطقى وله مغزى .

نحن نعلم عنه ميله للعزلة والانطواء، لكن هذا حال الكثير من المبدعين والعلماء ..

خاصةً فى بلادنا العربية التى لا تعترف بالعبقريات العلمية والأكاديمية بنفس السرعة التى تعترف فيها بالفنانين والممثلين والمطربين ونجوم الكرة !

هو من مواليد قرية "ناى" بمحافظة القليوبية القريبة من قرية "بسوس" التى ولد بها هيكل،رئيس تحرير الأهرام الذى أعاد جمال حمدان بعد أن قرر الانزواء.

وجمال واحد من بين سبعة أخوة لأب أزهرى حرص على تحفيظ أولاده جميعهم القرآن فأتقنوه . حصل على التوجيهية الثانوية عام 1944 وكان ترتيبه السادس على القطر المصرى، وتخرج من كلية الآداب بقسم الجغرافيا عام 1948، فصادف ذلك نفس عام الاحتلال الصهيونى لفلسطين!

أوفدته الجامعة إلى بريطانيا فحصل على الدكتوراه فى "فلسفة الجغرافيا" من جامعة ريدنج عام 1953، ولم تترجم رسالته تلك حتى وفاته! وكانت بعنوان: "سكان وسط الدلتا قديماً وحديثاً" .. ليفاجأ لدى عودته إلى مصر أن الجامعة قررت تخطيه فى الترقية المستحقة له إلى وظيفة أستاذ . فجاء قراره الفورى بالاستقالة احتجاجاً على تعنت رؤسائه . وتفرغ لدراساته فى الجغرافيا التى تمخضت عن كتاب شخصية مصر، وغيره من المقالات والأبحاث والكتب.

ورغم الحياة المتواضعة المنطوية التى اختار أن يحياها، استطاع أن يبدع أفضل منجزاته بهذا الانقطاع المتفانى للعلم، حتى أسماه البعض "راهب الجغرافيا المصرية"، وربما يكون هو الاسم الوحيد البارز فى هذا العلم الذى ندر من تميز فيه لا من المصريين وحدهم بل من سائر العرب. خاصةً وأنه العلم الذى لا غنى عنه للساسة والقادة وأصحاب القرار .. وهو ما أدركه الصحفى الموسوعى الأشهر، محمد حسنين هيكل.

هيكل .. وحمدان !

ثمة مصطلحات حداثية أوجدتها الصحافة من رحم الجغرافيا، مثل "خارطة الطريق"، "حدود الرؤية"، "المناخ السياسي" .. وكان الهدف منها الإشارة إلى الصلة الوثيقة بين علوم السياسة وبين الجغرافيا بمعناها الواسع الشامل.

هذا ما أدركه هيكل الصحفى الوثائقى الموسوعى المهتم بحركة التاريخ، والأكثر تواصلاً مع الزعماء والعلماء والمفكرين . ما جعله يفطن للدور المتداخل بين الجغرافيا والتاريخ فى صياغة القرار السياسي، والعسكرى كذلك . لهذا حرص هيكل على البحث عن عالم من علماء الجغرافيا يدرك هذا الدور، ووقع فى يده كتاب شخصية مصر لجمال حمدان فاندهش، خاصةً عندما أخبره مصطفى نبيل رئيس تحرير مجلة الهلال الأسبق، والذى نشر جزءاً من مقالات حمدان،عن حياة العزلة التى يحياها كأنه راهب فى محراب.

قرر هيكل أن ينتزع جمال حمدان من عزلته بأى طريقة، فذهب إليه . وكانت هناك شفرة للطرق علي باب منزله، لا يعرفها سوى أصدقاء حمدان المقربين ؛ بسبب بغضه للزيارات التى تقطع عليه عزلته وانقطاعه المتفانى للعلم . ورغم أن مصطفى نبيل كان من أصدقاء حمدان المعدودين والتزم بالطريقة المتفق عليها فى طرق الباب، إلا أن حمدان لم يستجِب . فاضطر هيكل إلى تناول حجر صغير من جادة الطريق وألقاه على نافذة جمال ليوقظه إن كان نائماً !

بالفعل فتح حمدان الباب وتركه موارباً لم يفتحه إلا بعد أن أدرك سر الزيارة .. وكان مما قاله هيكل مندهشاً، لما رأى الفوضَى وتواضع الحال: كيف تحيا هكذا، وكتاباتك لها تأثير فى التفكير العام فوق ما تتخيل، وإسهاماتك تعد مراجع كبري للباحثين والمثقفين، لماذا العزلة؟

كان هذا اللقاء بشيراً بعودة جمال حمدان قليلاً قليلاً إلى الحياة العامة، ليترك للمكتبة المصرية والعربية نحو أربعين كتاباً تعد من أهم المراجع لأى باحث اليوم . وحوالى 80 بحثاً ومقالة علمية ورسالة . ناهيك عما فُقد من كتاباته التى سرقت يوم مقتله.

والسؤال اليوم: ما السر وراء اهتمام القيادات بوضع اسمه منفرداً ليكون شخصية العام فى الحدث الثقافى الأهم مصرياً وعربياً؟

ولإجابة هذا السؤال علينا أن نعود إلى الوراء عدة أعوام .. عندما قررت القيادة المصرية القيام بترسيم الحدود البحرية فى اتفاقية تاريخية بين مصر وقبرص واليونان .. تلك الاتفاقية التى لم يدرك أحد أهميتها حتى وقت قريب .. عندما بدأت تركيا فى الإفصاح عن أطماعها فيما لا حق لها فيه . لولا أن جاءت الاتفاقية الدولية المشار لها فى الأمم المتحدة لتقف أمام المطامع التركية بالمرصاد!

إذن هناك دور محورى لعلم الفلسفة الجغرافية الذى نال فيه حمدان درجة الدكتوراه . أما تفرد حمدان فى هذا العلم كان لقدرته الفذة على قراءة الواقع والتاريخ ليستشرف به المستقبل .. وتلك هى قدرته التى أثبتت الأيام والأحداث نبوغه فيها .

نبوءات حمدان!

تنبأ جمال حمدان بالكثير من الأحداث التى وقع بعضها بالفعل، وبعضها الآخر فى انتظار الوقوع إذا صدق حدسه . تلك القدرة الاستشرافية هى من خصائص المبدعين وأصحاب الرؤي والتجليات، وهم قلة من العلماء لا فى مصر وحدها، بل والعالم.

تلك القدرة بعيدة تمام البعد عن التسرع والدجل والإلقاء الجزافى للنبوءات المغرضة كما يحدث اليوم . بل هى تنبؤات قائمة على استقراء معلومات المشهد السياسي بصورة عميقة محيطة . وهى القدرة التى لا تنجلى بالتبعية إلا لقلة من أصحاب العلم الموسوعى من العباقرة، وجمال حمدان أحدهم.

كان من بين العلماء القلائل ذوى القدرة الثاقبة لاستجلاء المستقبل وتوقع تداعيات حركة التاريخ.

قرأت فى العدد الحادى عشر من جريدة الكتاب الصادرة عن المعرض عنواناً مدهشاً يقول: (نبوءات حمدان التى تحققت: الانفجار السكانى، والزحام، والعاصمة الإدارية) .. واتضح أن حمدان أتى على ذكر الموقع الذى تم اختياره لبناء العاصمة الإدارية فكان أول من تنبأ بالصدفة بهذا الحدث الهائل!!!

ولعل من أشهر نبوءاته توقعه لحتمية تفكك الاتحاد السوفيتى، ذكر هذا قبل 21 عاماً من تحقق هذه النبوءة . أيضاً استطاع ببصيرته النافذة أن يتوقع انهيار التحالف التاريخى بين أمريكا وأوروبا الغربية، رغم أن التحالف كان وقتها فى أقوى حالته .. وفى أيامنا هذه نشهد تجليات تلك النبوءة، والتحلل الذى أصاب حلف الأطلسي، والتفكك فى أوصال التحالفات الأمريكية الأوروبية جميعها.

أكثر من هذا أن جمال حمدان له نبوءة فى أوائل التسعينيات ربما نشهد اليوم بوادرها، وهى انهيار القوة العظمى، وأن ما كان يقال عن ألمانيا واليابان استراتيجياً سوف يقال عن أمريكا قريباً، فتتحول إلى عملاق سياسي وقزم اقتصادى أمام عمالقة يسحبون منها صدارة المشهد !!

نحن فى حاجة بالفعل لقراءة جمال حمدان بعمق علنا ندرك اليوم ما أدركه هو بالأمس فسبق عصراً عاد فيه الدجل والافتراء بديلاً عن العلم!

 

عبد السلام فاروق