محمود محمد عليقد يحق لي كتلميذ من تلامذته الدكتور نصار عبد الله، أن أقول كلمة في حقه، وربما قد لا أكون مبالغاً في القول لو أني قلت بأن كثيرا من الناس سواء كانوا طلبة في الجامعة أو أساتذة بها يعرفونها، وأنا علي يقين بأن هذا القول الذي أقوله إنما هو استجابة لعاطفة الحب التي يكنها القلب له وبدافع الوفاء الذي أصبح في جيلنا هذا أشبه شئ بعملة نادرة لا يصعب وجودها فحسب، وإنما تحول مستجدات العصر دون تداولها إلا في أضيق نطاق، خصوصاً بين المثقفين عامة والجامعيين علي وجه الخصوص.

والدكتور نصار عبد الله هو علم ورمز من أعلام صعيد مصر، وبالأخص من محافظة أسيوط، ولد بمدينة البداري في 24 ديسمبر 1945، حيث ينتمى إلى عائلة عريقة هناك كان، من أقطابها القاضي الشهير «ممتاز نصّار» الذى قاد الرأي العام القضائي فى ظروف صعبة، ثم قاد الرأي العام البرلماني في ظروف أكثر صعوبة. وهو الأستاذ بجامعة سوهاج، وهو وشاعر ومترجم مصري، حاصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة 2009. وله كتابات ودواوين شعرية ومسرحيات وترجمات، منها ديوانه الشهير “قلبي طفل ضال”، وكتاب “فلسفة العدل الاجتماعي".

والدكتور نصار عبد الله من أساتذتي الذي أدين لهم بالفضل، ففي أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، كانت بدايات علاقتي بأستاذي الدكتور نصار، حيث كنت طالبا بقسم الفلسفة بكلية الآداب فرع سوهاج – جامعة أسيوط، وكان الأستاذ الفاضل يحاضرنا في مادتي ” فلسفة السياسة، وفلسفة الأخلاق ”، و” المنطق الرمزي” .

وخلال المحاضرات الأولي له، أدركت بوعي أنني أمام شخصية متميزة لأستاذ أكاديمي تختلف عن شخصيات كثير من الأساتذة غيره . شخصية تتوفر علي سمات ومقومات وأبعاد، تنتزع بذاتها الاحترام وتفرضه، وتستوجب التقدير وتثير الاعجاب، وتغرس في النفوس حباً تخامره رهبة، وأملاً يواكبه شعور عميق بالتفاؤل، وانتماء يصاحبه شعور بالزهو بالتلمذة علي يديه.

ولم أكن وحدي هو الذي وقع في أسر هذه الشخصية المتميزة، وإنما يشاركني فيه معظم الزملاء الذي يواظبون علي الحضور، ولم يكن أحد يتغيب عن محاضراته إلا لظرف قاهر يصدم الحرص الشديد علي مشاهدة الأستاذ والتواجد في حضرته، والاعتراف من غزير علمه، واكتساب بعض فضائله الخلقية، ومنهجيته في التفكير والدرس والحوار والمناقشة، وطريقته المتفردة في طرح القضايا والمشكلات ومعالجتها، وغير ذلك كثير من عطاء الأستاذ الذي ظل يتنامي في عقولنا فهماً واستيعاباً، ويتعاظم في نفوسنا حباً وتقديراً وإكباراً .

ولعل أول ما يجذبك – كما جذبني وغيري من شخصية الدكتور نصار، سمة الهيبة والوقار الذي يكسو ملامحه الشخصية الظاهرة، ويكشف عن باطن ثري يعمر بإيمان قوي وثقة بالنفس، وعاطفة جياشة، وسريرة نقية، وقلب صاف عن الكدورات

حتي إذا ما انتهي العام الدراسي، وجدت نفسي أعالج ميلاً جارفاً إلي التخصص في ” المنطق وفلسفة العلوم ” في الماجستير . فكشفت له عن رغبتي هذه وتحقيقها تحت إشرافه مع أستاذي الدكتور عاطف العراقي رحمه الله، فوافق علي الفور، وكثرت لقاءاتي به بعد ذلك في الرسالة والبحث.

وهنا اكتشفت بعداً آخر في شخصية الأستاذ، حيث اكتشفت أنه نعم الناصح والموجه والمرشد . لا يفرض توجها معينا، ولا يستبد برأي، ولا يلزمك بوجهة نظر خاصة، وإنما يحاور ويناقش، ويوجه ويفتح أمامك أفاقاً جديدة، ويعرض آراءه وأفكاره ورؤاه، ويترك لك حرية الاختيار .

والدكتور نصار عبد الله أستاذ متعدد المواهب، غنى بالإمكانات الفكرية والثقافية والأكاديمية، قال عنه الدكتور مصطفي الفقي (في مقال له بعنوان ” نصار عبد الله ” نشر بجريدة في المصري اليوم ) :” إنني أكتب عن د. نصَّار عبدالله الشاعر والفيلسوف والسياسي لأنى أرى فيه نمطاً عصرياً للشخصية الموسوعية التي عرفها تاريخ الحضارات، وتكمن قيمته الحقيقية في استقلالية رأيه وانتصاره للحق وانحيازه للعدل وفهمه الصحيح لظروف الشعب الذى ينتمى إليه والمجتمع الذى خرج منه، وكلما طالعت كتاباته حتى فى عموده الصحفي أدركت أن وراء «الأكمة» ما وراءها من فكر متوهج وثقافة رصينة وفلسفة تتسم بالحكمة والوضوح معاً”.

ويستطرد الفقي فيقول:” وعندما رشحته إحدى الجامعات لجائزة الدولة التقديرية منذ عدة أعوام وجدتني أنبرى في حماسٍ شديد لدعم ذلك الترشيح والتصويت له في «المجلس الأعلى للثقافة» لا لأنه زميل دراسة فقط ولكن لدوافع موضوعية بحتة تدرك قيمته وتعرف مكانته”.

ويتميز الدكتور نصار عبد الله بأنه أكثر جرأة في الرأي ‏وشدة في اقتحام القضايا‎ ‎الأكثر حساسية، ولا أنسي ذلك المقال الكبير والخطير الذي كتبه عن “أطفال الشوارع والحل البرازيلي” والذي أثار جدلاً كبيراً في مصر والعالم العربي، حيث يقول الدكتور نصار :" على مدى عقود متوالية كان أطفال الشوارع مصدراً للإزعاج لسكان مدينة برازيليا ولغيرها من المدن البرازيلية الكبرى، وفى التسعينيات من القرن الماضي تحول مصدر الإزعاج إلى مصدر للرعب، فقد تزايد عدد أطفال الشوارع تزايدا كبيرا، وتزايدت بالتالي معدلات الجرائم التى يرتكبونها وفى مقدمتها جرائم السرقة والدعارة والاغتصاب التى يترتب عليها فى معظم الحالات إصابة الضحية بالإيدز الذى أصبح متفشيا بينهم بنسبة تتجاوز الـ 90%، وباختصار فإن وضع برازيليا فى تسعينيات القرن الماضى كان شبيها بوضع القاهرة الآن، بل إن التشابه فى حقيقة الأمر كان أكثر بكثير من ذلك حيث كان الوضع الاقتصادي البرازيلى فى مجمله شبيها بالوضع المصري الراهن، فالديون الخارجية للبرازيل كانت قد وصلت إلى أرقام قياسية، ومعدلات البطالة تتصاعد عاما بعد عام، والفساد متغلغل فى كل أنحاء الجهاز الحكومي، والأصوات المنادية بتأهيل أطفال الشوارع وإعادة إدماجهم فى المجتمع يعلم أصحابها جيدا أن مثل هذه العملية عالية التكلفة إذا ما قورنت بتكلفة إتاحة فرص العمل للعاطلين من غير أبناء الشوارع، فضلا عن أنها غير مضمونة النتائج!، ومن ثم فإن الذى ينبغي أن تركز عليه الدولة فى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة هو إتاحة فرص العمل للعاطلين حتى لا ينضم أطفالهم إلى جيش أطفال الشوارع!!. ونتيجة لهذه الاعتبارات فقد لجأت أجهزة الأمن البرازيلية فى ذلك الوقت إلى حل بالغ القسوة والفظاعة لمواجهة ظاهرة أطفال الشوارع يتمثل فى شن حملات موسعة للاصطياد والتطهير تم من خلالها إعدام الآلاف منهم بنفس الطريقة التى يجرى بها إعدام الكلاب الضالة توقيا للأخطار والأضرار المتوقعة منها!!…كانت سائر قوى المجتمع البرازيلى تدرك أن ما قامت به الشرطة هو جريمة مكتملة الأركان، وأن هؤلاء الأطفال هم فى حقيقة الأمر ضحايا لا جناة، وأن من البشاعة بمكان أن يعدموا بناء على جرائم لم يرتكبوها.. كان الجميع يدركون ذلك، لكنهم ـ جميعهم تقريباـ غضوا أنظارهم عما قامت به الشرطة لأنهم جميعهم لهم مصلحة فيما قامت به!!،.. القيادة السياسية لم تعلن رسميا أنها تؤيد ما قامت به الشرطة، لكنها لم تحاول أن تقدم مسؤولا أمنيا واحدا إلى المحاكمة، لأنها تعلم أن البديل لإعدام أطفال الشوارع هو إعادة تأهيلهم وهو ما يستلزم ميزانية ضخمة سوف تكون بالضرورة على حساب توفير فرص العمل للمواطنين الذى فقدوا وظائفهم وهو ما يهدد خطتها للإصلاح الاقتصادي بالكامل للفشل!، والمواطنون العاديون ـ حتى أولئك الذين يستنكرون ظاهريا حملات الإعدام ـ يشعرون فى قرارة نفوسهم بمدى جدية برنامج الحكومة للإصلاح، ويشعرون بالارتياح لاختفاء أطفال الشوارع من طرقات المدن الرئيسية التى أصبح بوسعهم الآن أن يخرجوا إليها هم وأولادهم وبناتهم بدون خوف!!، ووسائل الإعلام التى راح بعضها يندد بالحملات لا تفتأ تذكر المواطنين فى الوقت ذاته بالروح العدوانية لأطفال الشوارع وبالجرائم التى ارتكبوها والتى سيرتكبون المزيد منها بغير شك لو أنهم تركوا وشأنهم!!، أما جمعيات حقوق الإنسان التى دافعت دفاعاً مستميتاً عن حق أطفال الشوارع فى الحياة فقد اتهمها الكثيرون بأنها تكيل بمكيالين وأنها لا تراعى حقوق المواطنين العاديين فى الحياة الآمنة!!..

ويستطرد فيقول :" وهكذا أفلح الحل البرازيلي فى تخليص الشوارع الرئيسية للمدن الكبرى من أطفال الشوارع ودفع من تبقى منهم إلى الانسحاب للمناطق العشوائية، غير أن هذا النجاح لا يعزى إلى القسوة التى انطوى عليها الخيار البرازيلي، ولكنه يعزى أولا وقبل كل شىء إلى توافر إرادة الإصلاح لدى القيادة السياسية البرازيلية التى حاربت الفساد بكل قوة والتى وفرت الملايين من فرص العمل للبرازيليين، واستطاعت من ثم أن تتحول من اقتصاد موشك على الإفلاس إلى واحد من أهم قوى نظم الاقتصاد العالمي، وهذا هو الدرس الذى ينبغي أن يعيه كل من يحاول أن يتعلم شيئا ما من التجربة البرازيلية.

هذا هو نص المقال بتفاصيله كما نشر بجريدة المصري اليوم، ولذلك هنالك من وصف المقال بالخطيئة، وهناك من وصفه بالجريمة، ومنهم من وصفه بأنه تحريض سافر علي القتل، وهناك بلاغات تم تقديمها للنائب العام من كثير من المنظمات الحقوقية المعنية بشؤون الطفل في مصر في أن الدكتور نصار عبد الله كان يحُرض علي إعدام أطفال الشوارع علي الطريقة البرازيلية .

في حين أن المقال الذي تكلم فيه الدكتور نصار يحكي كما بينا عن ظاهرة ” أطفال الشوارع التي كانت تزعج مدينة “برازيليا” والمدن الكبرى في التسعينات، وكانت ظروف البرازيل في المجمل لا تشبه ظروف مصر، وإنما الخصوصية الثقافية في مصر تختلف عن البرازيل . الذي نفتقده في مصر هو الإرادة السياسية الحازمة والرغبة الجادة في إصلاح الأوضاع وهذا ما توفر في البرازيل، ولكنه اتخذ شكل الجريمة”، وقد ذكر الدكتور نصار في مقاله بأنها “جريمة بشعة متكاملة الأركان”!!.

وعقب نشر هذا المقال في جريدة المصري انفجرت كل مواقع التواصل الاجتماعي والفيس بوك والتويتر، وأصبح هذا المقال محط اهتمام حتي الإذاعات الأجنبية، فوجدنا الإذاعة الهولندية قد تكلمت حول هذا الموضوع، مما جعل جريدة المصري اليوم تقوم بحذف المقال من علي الموقع الالكتروني، وأصدرت بيانا بأنه رغبة من القراء وحفاظا علي الأمن الاجتماعي سوف يتم حذف المقال، وهذا ما زاد الطين بلة لأنه زاد من انتشار المقال وأصبح الدكتور نصار عبد الله متهما بالتحريض علي قتل أطفال الشوارع.

والحقيقة أن الدكتور نصار عبد الله تعرض لمؤامرة إخوانية لم تكن في حسبانه حين بادر في كتابة المقال، فالمقال نشر أيام الرئيس محمد مرسي حين كان علي سدة الحكم، ومرسي في ذلك الوقت كان متهماً بأنه يستخدم أطفال الشوارع والبلطجية من أجل أن يضربوا بيد من حديد المظاهرات المعادية للإخوان في ميدان التحرير، ولذلك كان من حظ الدكتور نصار السيئ، حين نشر هذا المقال عن تجربة البرازيل تجاه أطفال الشوارع، ألا يتعاطف معه أحد من الإعلاميين) إلا القليل من الإعلاميين الشرفاء الذين لا يخشون في الله لومة لائم)، وذلك حتي لا يُتهموا أنهم يقفون مع الدكتور نصار بالدعوة إلي تصفية أطفال الشوارع الذين تستغلهم جماعة الإخوان، وبالتالي يقعوا ضحية غضب الإخوان، وهنا ضحي الإعلاميون المؤيدون للجماعة وكانوا في ذلك الوقت كُثر بالدكتور نصار .

ولكن تبقى عقدة الذنب تؤرق كل الإعلاميين الذين لم يدافعوا عن الدكتور نصار عبد الله وتصب غضبها عليهم، لأنهم غضوا الطرف في الدفاع عن عالم جليل وإنسانًا صالح لا تخالجني ذرة شك في صدق نواياه وعمق إيمانه بحب مصر، وسعة أفقه، ورحابة فكره، وتفرد رؤيته. ولذلك لم أكن مبالغا حين أقول عنه : الدكتور نصار عبد الله هو بحق “أيقونة الإبداع في زمن القفر” .

تحية خالصة للدكتور نصار عبد الله الذي حُورب بضراوة، وخرجت عليه سيوف ظلامية من جعبة جماعة الإخوان الإرهابية الذين يدعون فهم الإسلام السمح، ويحتكرون تفسير النص المقدس، أولئك الذين تصوروا أنفسهم أوصياء على الدعوة، يطعنون بخناجرهم المسمومة، كل محاولةٍ للاجتهاد، وهم لا يدركون أن التفكير «فريضة إسلامية».. بارك الله فى الدكتور نصار عبدالله، وأفاد تلاميذه وقراءه بعلمه، ووطنيته بفكره، وموضوعيته بنقائه وطبيعته.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة ومركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

هِند بنت النُّعمان بن المُنذِر. امرأة عربية شريفة النَّسَب، وشاعرة فصيحة، ذات جمال باهر. وُلِدَت ونشأت في بَيت المُلْك والحُكْم بالحِيرة (مدينة تاريخية قديمة تقع في جنوب وسط العراق). والدها المَلِك النُّعمان بن المُنذِر، وكان نصرانيًّا، تسلَّمَ مقاليدَ الحُكم بعد أبيه، وهو مِن أشهر مُلوك المناذرة قبل الإسلام.

غضب كِسرى على أبيها النُّعمان، وحبسه، ومات في حَبْسه. وبعد ضياع عَرْشه، وخسارة مُلْكه، ترهبَّت ابنته هند، ولبست المُسوح (الثياب السميكة الخشنة التي ترتديها الراهبات)، وأقامت في دَير بَنته بين الحِيرة والكوفة.

2

لم تكن هند بنت النُّعمان امرأةً عادية، فهي ابنة مَلِك، ومعروفة بالجمال، والفصاحة، والبلاغة، وقوة الشخصية، وتتمتَّع بشُهرة واسعة. وعندما دَخل خالد بن الوليد الحِيرة، زارها في الدَّيْر، وعرضَ عليها الإسلامَ، فاعتذرت بِكِبَر سِنِّها عن تغيير دِينها. وقد أمرَ لها بمعونة وكِسوة، لكنها اعتذرت عن قَبولهما، ودعت له. ولَمَّا خَرج جاءها النصارى، فسألوها عمَّا صَنَعَ بها، فقال:

صانَ لي ذِمَّتي وأكرمَ وَجْهي      إنما يُكْرِم الكريمَ الكريمُ 

وهذا يدل على حُسن تعامل خالد بن الوليد مع هذه المرأة المكسورة، التي كانت ذات سَطوة وسُلطة ومجد، والجميعُ يسعى لِخَطْب وُدِّها. وقد ضاعَ كُل شيء عندما ضاعَ مُلْك أبيها. وهي الآن راهبة معزولة في دَير بعيد، وامرأة زاهدة في الدنيا. وكما قِيل: ارحموا عزيزَ قَوم ذَلَّ. وقد أحسنَ إليها خالد بن الوليد، وهو القائد صاحب السُّلطة والنُّفوذ، ولم يتطاول عليها أو يستغل ضعفها وانكسارها. كما أنه لم يُجبِرها على اعتناق الإسلام. وقد تركها وشأنها.

3

ذَكَرَ الباقلاني في إعجاز القرآن (ص 88) أن هند بنت النُّعمان قالت للمُغيرة بن شُعبة، وقد أحسنَ إليها: (بَرَّتْكَ يد نالتها خَصَاصة بعد ثَرْوة، وأغناكَ اللهُ عن يَد نالت ثَرْوة بعد فَاقة).

هذا دعاء في غاية الفصاحة والبلاغة والبيان. وهو يَحمل فكرة اجتماعية عميقة ومُجرَّبة. والمعنى: أحسنَ إليك شخص أصابه فقر بعد ثروة، لأنه في تلك الحال، يكون مَكسورًا وحزينًا ومتواضعًا، إذ إنه انتقل مِن العِز إلى الذل، ومِن الغنى إلى الفقر، ومِن الاستغناء إلى الحاجة، ومِن السُّلطة إلى الهامش. وأغناكَ اللهُ عن شخص صار غنيًّا بعد الفقر، لأنه في تلك الحالة، تَظهر عليه آثار الغرور والتكبر والاستعلاء، إذ إنه يُريد الانتقامَ مِن الظروف، والتخلص مِن عُقدة النقص التي لازمته وهو فقير. لذلك، يَعمل جاهدًا على تحويل ماله إلى سُلطة، ومُجاراة الأغنياء وعِلْية القوم. ومِن أجل هذا الهدف، يَنسى ماضيه، ويُدير ظَهْرَه للفقراء، ويَدخل إلى نادي الأغنياء، كي يَكتسب المجدَ والشرفَ والرِّفعة والسُّلطة والنُّفوذ. ولا شَك أن المال سُلطة، وهو يُغيِّر النفوس للأسوأ، في أغلب الأحيان.

4

روى ابن أبي الدُّنيا في الاعتبار (1/ 35) أن هند بنت النُّعمان قالت: (أصبحنا ذا صباح وما في العرب أحد إلا يَرْجُونا، ثُم أَمْسَيْنا وما في العرب أحد إلا يَرْحمنا).

كانَ الناسُ يَحلمون بمُقابَلة المَلِك النُّعمان بن المُنذِر، ويَطمحون إلى إقامة علاقات مع عائلته، فهي عائلة ملكية حاكمة ذات شَرَف ومكانة، ولا يستطيع أيُّ شخص الوصولَ إليها. والجميعُ يَلهث وراء عطاياها وأموالها، ويتمنى أن يحصل على جُزء من امتيازاتها ونعيمها ومجدها وشُهرتها. وبعد خسارة المَلِك النُّعمان بن المُنذِر لعرشه، وضياع مُلْكه، وتمزُّق عائلته، صارَ الناسُ يَحْزنون عليهم، ويُشفِقون على حالهم، ويتألمون مِن أجلهم. وصاروا يَعتبرونهم أشخاصًا بُسَطاء ومنبوذين مِن قاع المجتمع، حيث إنهم انتقلوا مِن اللمعان إلى الانطفاء، ومِن الغِنى إلى الفقر، ومِن العِز إلى الذل. وهذا يدل على تقُّلب الأحوال، وتغيُّر الظروف. والدُّنيا دوَّارة، لا تستقر على حال، ودُوام الحال مِن المُحال.

5

روى ابن عساكر في تاريخ دمشق (21/ 139) أن سعيد بن العاص لمَّا وَلِيَ الكُوفة أتَتْهُ هند بنت النُّعمان مُترهِّبة معها جَوَارٍ قد تَرَهَّبْنَ، ولَبِسْنَ المُسوح، فاستأذنت، فأذن لها، فدخلت، فأجلسها على فرشه، وكلَّمته في حاجات لها فقضاها، فلمَّا قامت قالت: (أصلحَ اللهُ الأميرَ، ألا أُحِّييكَ بكلمات كانت المُلوك تُحَيَّى بهنَّ قَبْلك). قال سعيد: (بلى). قالت: (لا جَعَلَ اللهُ لك إلى لئيم حاجة، ولا زالت المِنَّة لك في أعناق الكِرام، وإذا أزالَ عن كريم نعمةً، فجعلك الله سببًا في رَدِّها إليه).

إن الحاجة إلى اللئيم ذُل وخِزي وعار، لأن اللئيم لا يَعْرِفَ قَدْرَ الناسَ، ولا يحترمهم، بَل يحتقرهم، ويستغل حاجتهم لإذلاهم وإهانتهم، والسُّخرية منهم، والاستهزاء بهم.

وبقاءُ المِنَّة (النِّعمة والعَطِيَّة) في أعناق الكِرام يدل على الشرف والرِّفعة، لأن الكِرام يَحترمون الناسَ ويُقدِّرونهم، ويَعْرِفون قيمةَ النِّعمة والإحسان. والإنسانُ إذا أكرمَ الكريمَ سيطرَ عليه بالقُوَّة الناعمة، لأن أخلاق الكريم تمنعه مِن نُكران المعروف، وجَحْد الإحسان.

وإذا جَعل اللهُ الإنسانَ سببًا في رَد النِّعمة إلى شخص كريم، فهذا يدل على شرف الإنسان ومكانته العظيمة، ومنزلته الرفيعة، وأخلاقه الحميدة، ومُساعدته للآخرين، والإحسان إليهم، ومَد يَد العَون لهم.

6

قال ابن القيم في زاد المَعاد (4/ 173): (قالت هِند بنت النُّعمان: لقد رَأيْتُنَا ونحن مِن أعز الناس، وأشدهم مُلْكًا، ثُم لم تَغِب الشمسُ حتى رَأيْتُنَا ونحن أقل الناس، وأنه حق على الله ألا يَملأ دارًا خِيرة إلا مَلأها عِبْرَة.. وبكت أختها حُرَقَةُ بنت النُّعمان يَوْمًا وهي في عِزِّها، فَقِيل لها: ما يُبكيكِ لعلَّ أحدًا آذاكِ؟، قالت: لا، ولكن رأيت غضارة (رَغَد العَيش) في أهلي، وقَلَّمَا امتلأت دار سرورًا إلا امتلأت حزنًا. قال إسحاق بن طلحة: دَخَلْتُ عليها يومًا، فقلتُ لها: كيفَ رَأيتِ عِبرات الملوك ؟، فقالت: ما نحن فيه اليوم خير مِمَّا كُنَّا فيه الأمس، إنَّا نجد في الكُتب أنه ليس من أهل بيت يعيشون في خِيرة، إلا سَيُعْقَبُون بعدها عِبرة، وأن الدهر لم يَظْهَر لقوم بيوم يُحبونه، إلا بَطَنَ لهم بيوم يَكرهونه، ثُمَّ قالت:

فَبَيْنَا نَسُوسُ الناسَ والأمرُ أمرُنا      إذا نحن فيهم سُوقة نتنصَّفُ

فأُفٍّ  لدنيا لا يَدوم  نعيمُهــــــــا       تَقَلَّبُ  تَاراتٍ  بنا  وتَصَرَّفُ).

كانت عائلة هند بنت النُّعمان مِن أكرم العرب وأشرفهم، وأعز الناس وأعظمهم، وأشدهم مُلْكًا. وهذه العائلة الملكية كانت في سُدَّة الحُكم، وقِمَّة السُّلطة، تتمتَّع بالشرف والمجد والثروة والسُّلطة والمكانة، وهي محط الأنظار، ومهوى القلوب، والجميع يَنظر إليها باعتبارها القُدوة العُليا، والمَثَل الأسمى، ثُمَّ ضاعَ كُل شيء، وانتهى بسرعة، وصارت هذه العائلة أقل الناس، تحت نظرات الشفقة والرحمة. ودوامُ الحال مِن المُحال، وعِند صَفْو الليالي يَحْدُث الكَدَرُ، وما طارَ طيرٌ وارتفع، إلا كما طارَ وَقَع، والدنيا مُتقلِّبة ومُتغيِّرة ومُتحوِّلة. وكُل بَيت سيصبح خاليًا، وأطلالًا تُثير العِبرة، وتَدعو إلى الاتِّعاظ. وكُل مجد دُنيوي فانٍ، وكُل نعيم في الدنيا زائل، والدنيا لا تدوم لأحد. وكَم مَن مَلِك خُلِع، وكَم مِن عَزيز ذَلَّ، وكَم مِن غنيٍّ افتقرَ. والعاقلُ مَن اتَّعظ بغيره، والجاهل مَن اتَّعظ بنفْسه. وكُل فرح في الدنيا سيعقبه حُزن، وكُل لذة فيها سيلحقها ألم، وكُل بَيت مليء بالسعادة والسرور، سيمتلئ بالحزن والألم. وهذه هي حال الدنيا.

كانت هذه العائلة الملكية، تَحكم الناسَ، وتَسُوسهم، وتُسيطر عليهم، والأمرُ أمرُها، لا أحد يُنازعها فيه، وجميع الناس خاضعون لها، ثُمَّ انقلبت الأمور، وتغيَّرت الأحوال، وصارت هذه العائلة مِن الرَّعِيَّة تَخدم الناسَ، بلا مُلْك ولا حُكْم. وأفرادها صاروا أشخاصًا عاديين تحت الشفقة والإحسان. والدنيا مُتقلِّبة، لا يدوم نعيمُها.

7

قال الأصفهاني في الأغاني (16/ 94): (رَكِبَ المُغيرة بن شُعبة إلى هِند بنت النُّعمان بن المُنذِر، وهي بِدَيْر هِند مُتَنَصِّرَة عَمْياء بنت تسعين سنة، فقالت له: مَن أنت ؟، قال: أنا المُغيرة بن شُعبة. قالت: أنتَ عامل هذه المَدَرَة (تعني الكوفة)، قال: نعم، قالت: فما حاجتك ؟، قال: جِئتكِ خاطبًا إليك نَفْسَكِ. قالت: أمَا واللهِ لو كُنتَ جِئتَ تبغي جَمَالًا أو دِينًا أو حَسَبًا لزوَّجناك، ولكنك أردتَ أن تجلس في مَوسم من مواسم العرب، فتقول: تزوَّجتُ بنت النُّعمان بن المُنذِر).

إن المُغيرة بن شُعبة كان رَجُلًا عجوزًا طاعنًا في السِّن، وقد ذَهَبَ إلى الدَّيْر الذي تتعبَّد فيه هِند بنت النُّعمان كي يَخطبها، وكانت عجوزًا عَمياء، في التِّسعين مِن العُمر. والمُغيرةُ بن شُعبة، لم يكن يبحث عن الجَمَال أو الدِّين، وإنما كان يَبحث عن الشُّهرة والمجد وانتشار صِيته بين العرب، باعتباره الرَّجل الذي تزوَّج هند بنت النُّعمان. وبذلك، تطير شُهرته في أنحاء الأرض، ويُخلِّد التاريخُ اسمَه، ويَربطه بِهِند بنت النُّعمان  (ابنة مَلِك العرب). وهذا هو زواج المصلحة القائم على الصِّيت والشُّهرة والتفاخر بين قبائل العرب.

8

قال الأبشيهي في المُسْتَطْرَف (2/ 482): (وحُكِيَ أن المُغيرة بن شُعبة لمَّا وَلِيَ الكوفة سار إلى دَيْر هِند بنت النُّعمان، وهي فيه عمياء مُترهِّبة، فاستأذن عليها، فقالت: مَن أنت ؟، قال المُغيرة بن شُعبة الثَّقفي. قالت: ما حاجتك ؟، قال: جِئْتُ خاطبًا. قالت: إنكَ لم تكن جِئتني لجَمَال ولا مال، ولكنك أردتَ أن تتشرَّف في محافل العرب،فتقول: تزوَّجتُ بنت النعمان بن المُنذِر،وإلا فأيُّ خَير في اجتماع عمياء وأعور ؟!).

إن المنطق الاجتماعي السائد يقول إن الرَّجل يَبحث عن الشَّابة صاحبة الدِّين أو الجَمَال. فلماذا أرادَ المُغيرة بن شُعبة (وقد كان أعور أُصِيبت عَينه يوم اليرموك) أن يتزوَّج عجوزًا عَمياء؟. لقد كان حريصًا على الشرف والمجد والفخر. أرادَ الافتخار في محافل العرب بأنه تزوَّج ابنةَ المَلِك النُّعمان بن المُنذِر. والعربُ أُمَّة حريصة أشد الحِرص على الشرف والمجد والافتخار بين القبائل. وهذا الأمرُ كان مكشوفًا أمام هند بنت النُّعمان، وكانت صريحة في كلامها بلا مُجامَلة.

9

قال الأبشيهي في المُسْتَطْرَف (1/ 123): (حُكِيَ أن هِند بنت النُّعمان كانت أحسن أهل زمانها، فوُصِفَ للحَجَّاج حُسْنها، فأنفذَ إليها يَخطِبها، وبذل لها مالًا جزيلًا، وتزوَّجَ بها، وشَرَطَ لها عليه بعد الصَّداق مائتي ألف دِرهم، ودَخل بها، ثم إنها انحدرت معه إلى بلد أبيها المَعَرَّة، وكانت هند فصيحة أديبة، فأقام بها الحَجَّاج بالمَعَرَّة مُدَّة طويلة، ثم إن الحَجَّاج رحل بها إلى العراق، فأقامت معه ما شاء الله، ثم دخل عليها في بعض الأيام وهي تنظر في المِرْآة وتقول:

وما  هِندُ  إلا  مُهْرَةٌ  عربية      سليلةُ  أفراسٍ  تَحَلَّلَهَا  بَغْلُ

فإن وَلَدَتْ فَحْلًا فللهِ دَرُّهَا      وإن وَلَدَتْ بَغْلًا فجاء بِهِ البَغْلُ

فانصرف الحَجَّاجُ راجعًا، ولم يدخل عليها، ولم تكن علمت به، فأراد الحَجَّاجُ طَلاقَها، فأنفذَ إليها عبد الله بن طاهر، وأنفذَ لها معه مائتي الف دِرهم، وهي التي كانت لها عليه. وقال: يا ابن طاهر، طَلِّقْهَا بكلمتين ولا تَزِدْ عليهما، فدخل عبد الله بن طاهر عليها، فقال لها: يقول لك أبو محمد الحُجَّاج: كُنْتِ فَبِنْتِ. وهذه المائتا ألف دِرهم التي كانت لك قِبَله، فقالت: اعلم يا ابن طاهر أنَّا واللهِ كُنَّا فما حَمِدْنا، وبِنَّا فما نَدِمْنا. وهذه المائتا ألف دِرهم التي جِئتَ بها بِشارة لك بخلاصي).

أُعْجِب الحَجَّاج بِجَمَال هِند بنت النُّعمان قبل أن يراها، وانبهرَ بحُسنها، فقرَّر خِطبتها، ودفع لها مالًا عظيمًا مِن أجل إغرائها بالموافقة على القَبول به زَوْجًا. والحَجَّاجُ قائد مَشهور، وصاحب سُلطة واسعة وأموال كثيرة. ومِن الواضح أن هند بنت النُّعمان كانت تَكْرهه ولا تُطيقه، والبَيْتان مِن الشِّعر يُشيران إلى ذلك، وقد قالت هِند بنت النُّعمان هذين البَيْتَيْن، وهي تنظر في المِرآة، وهي لا تَعْلَم أن الحَجَّاج موجود ويَستمع إليها. وقد قرَّر طلاقها بعد هذه الإهانة البالغة، والرَّجلُ العاقلُ لا يُمكن أن يَعيش مع زوجة تَكْرهه ولا تُطيقه. وقد أرسلَ الحَجَّاجُ رسولًا لتطليقها، معَ مُؤخَّر الصَّداق. والطلاقُ بهذا الشكل يَحمل إهانة مقصودة لهند بنت النُّعمان. ويَبدو أن الحَجَّاج أراد الانتقام لرجولته، والثأر من هِند بسبب كلامها الجارح بحقِّه. وهِند ابنة مَلِك، لا تَقبل الإهانة، ولا ترتضي لنفْسها الذُّل، وأرادت الرد على الحَجَّاج، فأخبرتْ رَسولَه أنها كانت زوجة غير سعيدة، وأن زواجها كان سيئًا، وأنها تَطَلَّقَتْ فما نَدِمَتْ على ذلك، بل على العكس. إنها سعيدة ومسرورة بطلاقها، ومَنحت مُؤخَّر الصَّداق لرسول الحَجَّاج بِشارةً له بخلاصها من الحَجَّاج، وانتهاء زواجها. ولا شَكَّ أن رفض هند بنت النُّعمان لهذه المبلغ المالي الكبير، يدل على عِزَّة نفْسها، وحِرصها على كرامتها، ورفضها للإهانة والإذلال. والمالُ يأتي ويَذهب، ولكنَّ الكرامة إذا ذَهبت لا تَعود.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

محمود محمد عليتعد سهير قلماوي أول امرأة تشغل منصب ودرجة أستاذ فى اللغة العربية، ثم أصبحت رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآدب – جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة) من سنة 1958 إلى سنة 1967، وعلى يديها درس وتعلم وتخرج مئات الطلبة والطالبات. وهى أول امرأة ترأس الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1967 وكان حماسها شديدا لنشر إبداعات الأدباء الشبان، بل هى من تحمست لنشر أول دواوين الشاعر الشاب وقتها «أحمد فؤاد نجم»، وهو ديوان (صور من  الحياة والسجن) وهو القصائد التى كان ينشرها فى مجلة السجن عندما كان مسجونا ونشرت لأكثر من خمسين من الشبان الواعدين وقتها! وهى أول امرأة ترأس الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1967 ، ونشرت لأكثر من خمسين من الشبان الواعدين وقتها! وهناك ايضا من تتلمذ على يديها دون أن يكون فى علاقة مباشرة معها مثل الأديبة الدكتورة (نوال السعداوي).  أما فى مجال العمل العام، فقد أسست عام 1953 جمعية خريجات الجامعة، وكانت عضوا بمجلس الأمة ثم مجلس الشورى، وكانت محل تقدير المحافل الدولية. كما نالت جائزة الدولة التقديرية فى الأدب عام 1977.

لقد كانت سهير قلماوي ذات علامة أدبية وسياسية بارزة مصرية وهي من شكلت الكتابة والثقافة العربية من خلال كتابتها والحركة النسوية والمناصرة. كانت واحدة من أول أربع فتيات يلتحقن بكلية الآداب بالجامعة المصرية عام 1929..  وكانت الطالبة الوحيدة فى قسم اللغة العربية ومعها 13 طالبا هم كل الدفعة، ولم تكن تستطيع أن تنطق بكلمة عربية، فقد تلقت تعليمها كله فى كلية البنات الأمريكية حيث اللغة الإنجليزية هى أساس الدراسة. كما قرأت روائع الأدب العالمي.

ولدت سهير القلماوي في 20 يوليو 1911 القاهرة مصر وعاشت هناك طيلة حياتها. نشأت في عائلة تفخر بتعليم إناثها ولذلك كانت قادرة على الاستفادة من مكتبة أبيها ذات الأعمال الشاسعة بسن مبكر. يبدوا أن كُتابا مثل طه حسين ورفاعة الطهطاوي وابن إياس ساهموا في موهبتها الأدبية بشكل كبير وشكلوا صوتها كأديبة . خلال طفولتها أثناء ثورة 1919، نشأت سهير القلماوي وسط تأثير السيدات المصريات خلال الفترة التي كانت بها الناشطة النسوية العظيمة هدى الشعراوي والشخصية القومية البارزة صفية زغلول. ركزت تلك النساء وناشطات نسوية أخريات على نقل المناظرة النسوية للشوارع لإنشاء حركة بعيدة المدى. أثر هذا المقصد على بعض مبادئها النسوية.

وفي عام 1928، تخرجت القلماوي من الكلية الأمريكية للفتيات وكرست نفسها لدراسة الطب كوالدها في جامعة القاهرة. ومع ذلك، وفور تلقيها الرفض، شجعها أبوها على التخصص في الأدب العربي عوضاً عن ذلك. أصبحت أول فتاة شابة ترتاد جامعة القاهرة وهي لا تتقن العربية، وحتى تتقن العربية، كما قال " رشاد كامل " في مقاله (القلماوى : أول دكتوراه مصرية) حرص والدها الجراح صاحب أشهر عيادة على أن يقرأ معها القرآن الكريم وكتب التفاسير خاصة تفسير مختصر لمحمد فريد وجدى، كما أحضر لها عددا من المدرسين ليشرحوا لها  كل ما يتعلق باللغة العربية من قواعد وبلاغة وأدب. وفى الجامعة احتضنها د. طه حسين عميد الكلية، الذى كان يعتبرها بمثابة (ابنته الروحية) وتخرجت فى قسم اللغة العربية وجاء ترتيبها الأول، وفى أثناء فترة الدراسة نشرت لها مجلات (اللطائف المصورة) و(العروسة والهلال) و(أبوللو) و(الرسالة)، كما أشرفت على صفحة نسائية كاملة فى صحيفة (كوكب الشرق) و(البلاغ). وعند افتتاح الإذاعة المصرية سنة 1934 تم اختيارها لإلقاء بعض الأحاديث كل ثلاثاء وأيضا الإشراف على بضع صفحات من مجلة الراديو نظير مائة وخمسين قرشا فى الشهر وهو أول أجر تتلقاه فى حياتها!! الطريف أن د. طه حسين عندما اشترى جريدة الوادى، كلفها بالإشراف على  صفحة الأدب وصفحة المرأة دون مقابل، وسرعان ما عرض عليها أستاذها (أحمد أمين) أن تكتب فى مجلة الرسالة ثلاث مقالات مقابل خمسة جنيهات رفضت لأنها وكما تقول: (لأنى لا أريد أن أكتب بأجر إلا فيما بعد)!!

وفي عام 1941 أصبحت أول امرأة مصرية حصلت على الماجستير فى موضوع" أدب الخوارج فى العصر الأموى" عام 1937 ثم الدكتوراه عن  (ألف ليلة وليلة) عام 1941، وقال عنها د. طه حسين: هذه رسالة بارعة من رسائل الدكتوراه التى ميزتها كلية الآداب فى جامعة القاهرة، وبراعتها تأتى من مؤلفتها، فهى السيدة سهير القلماوى، ونحن أساتذتها قد عرفناها بجدها فى الدرس، ودقتها فى البحث واتقانها للاستقصاء حين تعرض لموضوع من موضوعات العلم .

وهكذا أصبحت (سهير القلماوي) أول فتاة مصرية تحصل على الماجستير ثم الدكتوراه، كما كانت أول امرأة تحصل على الجائزة الأولى من مجمع اللغة العربية سنة 1941. وبعد التخرج، عينتها الجامعة كأول مُحاضِرة تشغل هذا المنصب. كانت أيضاً من أوائل السيدات اللائي شغلن منصب الرؤساء من ضمن ذلك رئيسة قسم اللغة العربية في جامعة القاهرة ورئيسة الاتحاد النسوي المصري ورئيسة رابطة خريجات جامعة المرأة العربية.

كانت سهير قلماوي إحدى العديد من أوائل بنات جنسها وابتدأت مشوارها المهني كأول مُحاضرة في جامعة القاهرة عام 1936. وسرعان ماشقت طريقها لتصبح أستاذة جامعية ولاحقاً رئيسة قسم اللغة العربية بين عامي 1958-1967 وكانت أول امرأة تقوم بذلك.

وقد عملت سهير قلماوي كرئيسة الاتحاد النسوي المصري، وفي عام 1959 أصبحت رئيسة رابطة خريجات جامعة المرأة العربية ؛ حيث أسست التعاون بين الاتحاد المصري والاتحاد العالمي للجامعات. أصبحت لاحقاً رئيسة الهيئة المصرية العامة للسينما والمسرح والموسيقى عام 1967 ورئيسة مجتمع ثقافة الطفل عام 1968.  ساهمت القلماوي في النضال لأجل حقوق المرأة ليس فقط عبر عملها الأدبي، ولكن أيضاً عبر مشاركتها في مؤتمرات المرأة العربية حيث نادت بمساوة الحقوق. عام 1960، كانت رئيسة المؤتمر الدولي للمرأة؛ وفي عام 1961 أصبحت رئيسة أول اجتماع للفنون الشعبية. شكلت لجنة للإشراف على جامعة الفتيات الفلسطينيات للحديث عن اهتمامها بالقضية الفلسطينية وكان ذلك عام 1962.

بدأ عملها السياسي عندما دخلت مجال السياسة كعضوة بالبرلمان عام 1958 ومجدداً في 1979 حتى 1984. كانت أيضاً رئيسة الإدارة التابعة للهيئة المصرية للنشر والتوزيع حيث عملت على توسيع نطاق القراء وتشجيع الكتاب الشباب والنهوض بصناعة الكتب. في عام 1967، أسست أول معرض كتاب في الشرق الأوسط: معرض القاهرة الدولي للكتاب. وخلال سنوات عمرها الأخيرة، عملت كرئيسة الهيئة العامة للكتاب من 1967 إلى 1971 وكرئيسة هيئة الرقابة من 1982 إلى 1985.

وفي بداية عام 1935، نشرت مجموعة واسعة من الأعمال الأدبية تحتوي قصصا قصيرة ودراسات نقدية ومجلات ثقافية وتراجم ، وقد نُشرت كتاباتها التي تتضمن مجلدين من قصص قصيرة وعشرة دراسات نقدية والعديد من تراجم عالم الأدب (أحاديث جدتي) نشر عام 1935. وعنه تقول: كنت قد كتبت فى جريدة الوادى عام 1935 قصة أدبية عن (أمة كريمة والحمام) فيها ذكريات أيام جدى، ولما توفى والدى نصحنى أستاذى (طه حسين) أن أدفن أحزانى فى الكتابة، وقال: لماذا لا تؤلفين قصصا أخرى وتنشرينها كتابا، وكان هذا كتاب (أحاديث جدتي) يعبر عن عمق الفجوة بين جيلى ومن سبقه من أجيال! طبعت الكتاب على حسابى الخاص فى لجنة التأليف والترجمة والنشر وطبعت أربعة آلاف  نسخة، قال أستاذى.. أنت مجنونة.. أنا (طه حسين) أطبع ثلاثة آلاف!! قلت: وأنا فى غاية الغرور: أنت مقروء لأنك أديب ممتاز، وأنا أديبة ممتازة زائد أنى امرأة، وهذا فى حد ذاته طرافة تجذب القارئ !! ولم يبع من الكتاب إلا تسعمائة نسخة، وقامت الحرب، فاختفى من المخزن لأن غلافه كان مهما لصناع البلكونات، فهذا الورق المقوى لم يكن متوافرا فى السوق وكان هو غلافى الأنيق!! وكتب د. طه حسين مقدمة كتاب الآنسة سهير القلماوى ووصف أسلوبها «تحدثت إلى النفس المصرية وإلى القلب المصرى بلغة النفس المصرية والقلب المصري».

وتتوالى مؤلفاتها: الشياطين تلهو، ثم غربت الشمس وترجمة العشرات من روايات شكسبير، وتأليف أكثر من ثلاثمائة قصة قصيرة.

وأتوقف قليلا مع كتابها البديع (ذكرى طه حسين) الذى صدر فى الذكرى الأولى لرحيل عميد الأدب العربى أكتوبر 1974، وتروى فيه بعض ذكريات لها دلالة مع العميد، وكان ذلك عقب حصولها على الدكتوراه حتى سألها: ألا تصدرين كتابا آخر فى ألف ليلة وليلة؟ فقالت له: لا أريد أن أكون كبعض الزملاء يحملون رسالة الدكتوراه كعربة (الترمس) يسرحون بها عصرا أو يبيعون للمارة كل يوم حفنة منه، سأؤلف كتبا جديدة بعيدا عن ألف ليلة وليلة! فقال لها: رجعنا إلى الغرور لا بأس.. المهم ألا تكفى عن الدرس!!.

وتكتب أيضا: إنك أبى لا فى العلم وحده، وإنما فى كل خطوة من حياتى، فمازال عقد زواجى يحمل إمضاءك، وأحبك زوجى (د. يحيى الخشاب)  ورعيته تلميذا لك قبل أن اعرفه، ومازالت أذكر معاملاتك بشأنى مع والدتى وكنت تسميها الدولة العثمانية لشدتها وتمسكها برأيها وفرض إرادتها على حياتي! أنت الذى أقنعتها أن أعين فى كلية الآداب معيدة، وكانت ترد مجرد اشتغالى عار عليه: وأنت الذى أقنعتها بأن اسافر فى بعثة إلى فرنسا، فاشترطت أن أكون فى صحبة أسرة مسافرة، وسفرتنى فعلا مع زميل له زوجة وولد.  كتابى الأول كان بأمر منك عندما ملكنى الحزن على أبى، فجعلت تلاحقنى بكتابة الكتاب، كنت معى دائما فى كل خطوة من خطوات حياتى، كنت لى أبا حنونا وجدارا ضخما أستند إليه كلما احتجت إلى سند أو عون أو عزاء.

تحية طيبة للدكتور سهير قلماوي التي كانت  تمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً لامرأة عظيمة لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنسانى رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمد السعديذكرى مرور أربعون عاماً على مجزرة قاعة الخلد.

في العام ١٩٧٩ كنت طالباً في مرحلة الخامس الأدبي في أعدادية بعقوبة المركزية، كانت الملاحقات السياسية (الأمنية)  في أوج ضرامتها بطشاً بالشيوعيين وأصدقائهم في عموم العراق. في يومها شاعت الاخبار في بغداد وعموم المحافظات العراقية بنبأ وقوع مؤامرة أبطالها قادة ميامين في حزب البعث ضد رفاقهم في الفكر والمصير. أنتشرت كسرعة البرق وباتت حديث يومي في البيوت العراقية مع سيل من التسريبات المبالغ بها. وقد مضى عليها دهراً من الزمن على مستوى الحدث والصدى، ومازالت قاعة الخلد في بغداد تشكل مفترقاً تاريخياً في الحدث السياسي العراقي، كل الذين أباحوا بوقع الحدث وآماطوا اللثام عن تفاصيل ذلك اليوم في تلك القاعة والتي شهدت تلك الكوميديا السوداء، وهي القاعة التي عدت خصيصاً للعروض المسرحية والمهرجانات السياسية، لكن خلدها النائب والذي أصبح رئيساً للبلاد بمجزرة الدم. والذين نجوا وهم قلة من مسرحية المؤامرة المزعومة لم يكشفوا عن التفاصيل الحقيقية والدوافع وراء ذلك الاجتماع والتصفيات بحق رفاق الآمس.

الرئيس الجديد والنائب السابق للأب القائد، الاب الذي تنازل عن مقاليد السلطه لنائبه في مشهد تلفزيوني بائس كسعف النخيل الذي سقط بعد أن يبس. الرئيس الجديد صدام حسين يتابع شخصياً المشاهد والأدوار قبل العرض المسرحي من خلال أشرافه المباشر والسريع على التأليف وألاخراج. العراقيين يتناقلون أخبار العرض المسرحي (أنها مؤامرة) بتعاطف مبالغ به مع الرئيس الجديد ودموعه التي ذرفت بغزارة من على مسرح قاعة الخلد مع سيل من الهتافات من قبل المدعوون (المذنبون) للعرض المسرحي بعد أن أنتابتهم نوبة الخوف من ألصاق التهمة بهم. المشهد الدراماتيكي في أعترافات الشمري المثيرة للجدل والسخرية تشكل نقطة تحول في مسيرة حزب البعث نحو السقوط التدريجي.

بعد تسجيل العرض المسرحي ومونتاجه تم توزيعه على منظمات الحزب في محافظات وقرى العراق لمشاهدة فصوله الكاملة وتسريب فصوله الى الشارع وأشاعته بين الناس، نحن العراقيين ميالين جداً الى تصديق الاشاعة ونشرها وصعوبة تكذيبها ضمن البناء النفسي للشخصية العراقية، لقد تسنى لي حين ذلك بالاطلاع على تفاصيل العرض بعد حين، كان عملاً فاشلاً كاخراج وتأليف وممثلين وحتى الكومبارس الذي مثله علي حسن المجيد حول دور عبد الخالق السامرائي في الإيحاء للرفاق (المتآمرين) عبر زنزانته المعزول بها عن العالم الخارجي منذ ستة أعوام، والذي يعد من مفكري الحزب ولزهده ونزاهته أطلق عليه الملا من قبل رفاقه.  في ليلة وضحاها تحول عتاة قادة حزب البعث من مناضلين الى متأمرين، وقالت التجارب أن العمل السياسي في العراق يؤدي بك في النهاية الى الموت، ومن خلال تاريخ العراق كل الذين حكموه قتلوا من خلفاء وأمراء وملوك ورؤساء. 

محمد عايش، محمد محجوب، غانم عبد الجليل، عدنان الحمداني، محيي عبد الحسين المشهدي، مرتضى الحديثي، وليد محمد سيرت، ماجد عبد الستار السامرائي، إسماعيل النجار، والعشرات بعضهم نجا بأعجوبة وظل صامتاً الى يوم رحيل البعث ٢٠٠٣.

الرئيس الراحل حافظ الأسد طلب من عدنان الحمداني بعدم العودة الى العراق، وكان حينها في دمشق يتابع الأعلان حول مشروع الميثاق القومي بين العراق وسوريا. قال له الغيوم متلبدة في سماء بغداد وخوفي عليك كبير رفيق عدنان ستكون أحد الضحايا رد عليه بثقة متناهية حول إنجاز المشروع القومي وسأكون رئيس وزراء العراق القادم في عهد الرئيس الجديد. أما محمد عايش الذي أعتقلت زوجته في اليوم الذي أعتقل به وبقيت في حاكمية المخابرات لمدة سبعة سنوات، وكانت تعتقد أنها إعتقلت بوشاية من زوجها الذي أعدم بنفس يوم إعتقاله، وعندما قرروا أطلاق سراحها ألتقى بها مدير الحاكمية، وكانت تدعي على زوجها بغضب فتفاجأت عندما أبلغها المدير أن زوجها أعدم بنفس اليوم الي أعتقلت به بتهمة الخيانة والعمالة للنظام السوري. الرفاق الذين بلغ عددهم خمسة وخمسون شخصاً قيادياً جرجروا الى مبنى حاكمية المخابرات بتهمة التأمر جلهم لم يسبق له الدراية الا في داخل قاعة الخلد من خلال بساطيل الحماية وأحتكاكها في الأرض والبشر والدور البائس الذي إجبر عليه محيي عبد الحسين الشمري (المشهدي) وممن أستدعى من سفارات النظام لآمر هام في القدوم الى بغداد ولم يعد.

مبنى حاكمية المخابرات الواقعة في منطقة شارع ٥٢ في بغداد كانت سابقاً معبداً للبهائيين الذين هجروا من العراق في منتصف الستينيات ليختاره النائب أن يكون معتقلاً سياسياً بعد أن حولوا خريطة المبنى الى زنازين أنفرادية عرضها تسعين سم وطولها متر واحد لاتتسع الا لشخص واحد أشبه بالتوابيت.

مرحلة مهمة في تاريخ العراق السياسي لم توثق الى الآن شهودها أغلبهم رحلوا. تابعت بأهتمام مذكرات برزان التكريتي بعد أن نشرها موقع أمريكي عثر عليها في صندوق حديد بعد إحتلال العراق وإعتقال برزان الذي كان المشرف الأول على تلك التصفيات الجسدية لرفاق الحزب ولكنه لم يمر عليها ولا بجانبه فقط ركز في مذكراته حول شجرة الدر (زوجته) وزواج أبنته سجى من عدي صدام حسين وقصة هجرها. 

في يوم الثامن من آب وفي الساعة الثامنة مساءاً وبأمر من مجلس قيادة الثورة (صدام حسين) بتشكيل محكمة حزبية لمحاكمة الرفاق المتأمرين تعقد جلستها الاولى  فاتخذوا من قاعة صغيرة في نهاية مبنى الحاكمية قاعة للمحاكمة وضعت فيها عدة طاولات متلاصقة مع بعضها بعضاً. جلس خلفها رئيس المحكمة المفترضة نعيم حداد عضو القيادتين القطرية والقومية، والى يمينه حسن العامري وتايه عبد الكريم عضوا القيادة القطرية، وسعدون شاكر وحكمت العزاوي وعبدالله فاضل وسعدون غيدان. وفي زاوية مخفية من القاعة وضع كرسي مميز أتخذه برزان التكريتي محطة أستراحة، للجلوس عليه عندما يشعر بالارهاق من التجوال بين غرف التحقيق 

في صبيحة ذلك اليوم من آب العام ١٩٧٩، كان جو بغداد قائض والرطوبة مرتفعة، جاءوا بلمذنبين أو المتأمرين على شكل رتل طويل يتقدمهم عبد الخالق السامرائي متحدياً صورة المحكمة، ويجرجر قدميه بثقل خلفه محمد عايش من وطأة التعذيب الذي لاقاه في الامس من رفاق الأمس.

خمسة وخمسون رفيقاً قيادياً بعرض مسرحي تراجيدي أدوارهم مجهولة وأقوالهم مخنوقة أمام هيئة صورة المحكمة، وفي سؤالها الاول الى المذنبون. هل لديكم شيء أضافته عن ما قلتوه في التحقيق؟. أي تحقيق لم يجري معنا أي تحقيق. كانت كل المؤشرات تشير الى تصفيتهم جسدياً على وجه السرعة الممكنة. هنا همس عبد الخالق السامرائي قائلاً.. أمنيتي كانت أن أعدم في اليوم الذي أتهمتوني بمؤامرة ناظم كزار العام ١٩٧٣ مع أطلاق أبتسامة خافته أن مؤامراتكم سوف لن تنتهي وهذه هي البداية والنهاية لكم. وتفوه محمد عايش بكلام مسموع (أي أمة هذه تقدم مناضليها، قرابين لمقدم رئيس مزور).

نعيم حداد في سنواته الأخيرة يعيش بعوز مدقع في منطقة صناعية بائسة في سوريا قريبة من الحدود اللبنانية وهو يكاد فقد بصره بعد أن ترك العراق بعد إحتلاله ٢٠٠٣. زاره أحد المهتميين بالشأن العراقي وعرض عليه مبلغ للمساعدة، لكنه رفضها، وأيضا رجل أعمال عراقي عرض عليه مبلغ كبير مقابل الأدلاء بشهادته حول تفاصيل مجزرة قاعة الخلد، لكنه رفض بتاتاً.

ماجرى في قاعة الخلد من الرئيس الجديد في قتل رفاقه حسب إعترافات الباحثين في تاريخ السياسة هي قريبة الى مجزرة القلعة في زمن محمد علي باشا في قتل مماليك عصره، وبعض فصولها قريبة على ما كان ينتهجه ستالين تجاه قتل رفاقه، وأحد القادة الشيوعيين يقربها على ماجرى في المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي العراقي عام ١٩٨٥ في خيمة أرموش السفلى، حيث النصف ألغى النصف الآخر.

يروي المذنب مرتضى الحديثي سفير العراق في إسبانيا الى بقية المعتقلين معه في زنزانة الحاكمية، أستدعيت الى بغداد لآمر هام، فلبيت الدعوة حالاً وبدون تردد رغم كل التحذيرات التي وصلتني وأيضا وصلني تلكس من الرئيس السوفييتي بريجنيف شخصياً بعبارات محددة (لاتذهب الى بغداد)، توجه الى موسكو ضيفاً عزيزاً، الكي جي بي، لديها علم بالتصفيات التي ستجري في البلاد، لم أعر الموضوع أهتماماً، وإن أقلقني حقاً، وبعد نصف ساعة من وصولي العاصمة بغداد صباح الأول من آب، كنت في مكتب السيد الرئيس النائب قبل أيام وبات رئيساً، بادرني السيد الرئيس عن عدم فعالية طاقم السفارة العراقية في أسبانيا في فضح خيوط المؤامرة وكان حجة السفير لم تكن لنا معلومات كاملة وتوجيهات ضمن هذا التحديد. لقد أنفعل غاضباً عندما أجبته، أني محتار جداً بدوافع محمد عايش للتأمر على الحزب، ومحتار أيضاً بكيفية إتصال المتآمرين بعبد الخالق السامرائي، وهو في سجنه الانفرادي، إذ سألني عمن أخبرني أنه في سجن أنفرادي، وأجاب هو من عنده، لابد وأن يكون الخونة المتآمرين هم من أخبروك بذلك، ولابد أن يكون لك أتصال بهم، حاولت أن أجيب، أوضح له الحقيقة، لكنه لم يعطيني فرصة، بعدها ضغط على زر الجرس الذي أمامه، وأمر المقدم، وشخص آخر دخل معه بكلمة واحدة (خذوه) فأصبحت بعد نصف ساعة مسجوناً في بناية لا أعرفها من قبل، قريباً من الجندي المجهول.

حكم عليه خمسة عشر عاماً من قبل المحكمة بقيادة نعيم حداد، لكنه قتل بطريقة مأساوية بعد شهور في الزنزانة.

يعتبر مرتضى الحديثي مهندس مفاوضات النفط العراقي وتأميمه العام ١٩٧٢ وأيضا هو من وضع صيغة الحكم الذاتي مع الاكراد في قيادته للمفاوضات العام ١٩٧٠، وكان مساهماً فعالاً في المفاوضات مع الشيوعيين حول قيام الجبهة الوطنية العام ١٩٧٣. 

نطق رئيس المحكمة باسم عبد الخالق السامرائي، ومن بعده محيي عبد الحسين المشهدي حكماً بالاعدام، فسمعه فاضل العبيدي، الواقف الى جواره في صف المذنبين يقول؛ هذه كلمة الشرف التي أعطيتموني أياها ؛ وسكت. أثنان وعشرون مذنباً، أولهم عبد الخالق وآخرهم غانم عبد الجليل صدرت بحقهم عقوبة الاعدام.

أمضى القادمون من جميع المحافظات العراقية الى بغداد، ممثلين عن قيادات فروع حزبهم، ليلتهم في فنادق خصصت لهم، حسب الدرجات الحزبية، بينها فندقي بغداد وأطلس، ليساهموا في مجزرة الدم بقتل رفاقهم وتلطخ أياديهم بعار التاريخ. آخر تبليغ لهم قبل النوم، هو التجمع في بهو الفندق الذي هم فيه بالساعة الخامسة والنصف صباحاً، وفي تمام السادسة، يكونون أمام بناية القيادة القطرية للحزب.

 كان يوم الثامن من آب، حاراً منذ الساعات الأولى لحلوله، حضر الرفاق في الموعد المحدد، لايعلمون لماذا حضروا في هذا الوقت المبكر بالذات، يسأل بعضهم الآخر، لماذا حضروا، وماهو المطلوب منهم. بعضهم كان قلقاً لأن رفاق لهم حضروا الى قاعة الخلد قبل أيام، ولم يعودوا منها، فأصيبوا بوباء القلق الذي لايشفى.

أطل علي حسن المجيد، بسيارة رئاسية سوداء نوع (مرسيدس) أقترب من جمهور المجتمعين، أعطى أوامره الصارمة بضرورة الصعود الى السيارات المخصصة لنقلهم الى مكان محدد. لم يذكر أسم المكان المحدد، تدخل في تفاصيل توزيع الرفاق مجاميع من عشرة أشخاص، على كل سيارة. لدى السائق تعليمات بالمكان الذي أليه ذاهبون. المهمة التي تؤدوها اليوم تاريخية، ستبقى ماثلة في سجل خدمة جليلة.

تحرك رتل السيارات بقيادة المجيد، وصل المثابة المطلوبة، ساحة الرمي الخاصة بالفوج الثاني لواء الحرس الجمهوري. ألتفت الرفاق بعضهم الى بعض، لايعرفون الخطوة الآتية حتى الآن.

نصف ساعة مضت وهم مازالوا يقفون في أماكنهم، ينتظرون في هذه الساحة، التي شهدت الرمي على الأف الاهداف الوهمية، الا هذه المرة  فالأهداف ليست وهمية، أنها من بين قادتهم، كانوا حتى وقت قريب مسجلين كبار دولة، وكادر حزبها الوحيد والأوحد. يمر الوقت ببطء شديد، وعند أنتهاء النصف الأول من ساعة الانتظار، أمتلأت الساحة بأعقاب السكائر. وصلت في الدقيقة الثالثة من النصف الثاني لها سيارتان رئاسيتان، ترجل من الأولى رئيس الجهاز (برزان التكريتي)، ومن الثانية ولدا الرئيس الجديد للعراق (عدي وقصي)، كان وصولهم إيذاناً بالشروع في إكمال المهمة. أثنان وعشرون شخصاً وقفوا في رهط عريض من صف واحد، عصبت أعينهم، وكممت أفواههم، وقيدت أيديهم الى الخلف.

رفاق هؤلاء الواقفين أمامكم خانوا الحزب، تأمروا عليه، حكموا بالإعدام من قبل المحكمة التي شكلتها قيادتكم الحكيمة يستحقون الموت، ويستحقون أن تكون أماتتهم على أيديكم رفاق، ليبقى الحزب أكبر من الجميع، هذا ما قاله العريف علي حسن المجيد قبل بدأ التنفيذ المطلوب للمهمة. وزعت البنادق على الرفاق، أنا لدي بندقيتي الخاصة، ولا أريد بندقيتكم قالها عدي الأبن البكر للرئيس بصيغة آمر، الضابط نعم سيدي، آمرك سيدي قال في رده على أوامر أبن الرئيس. أشر عدي الى سائقه أن يجلب له بندقية الصيد الغالية الثمن من سيارته وكذلك بندقية القنص الامريكية لاخيه قصي. وطلب عدي أن تكون حصته محمد عايش أما قصي فحصته الملا عبد الخالق السامرائي ليبدا بالتنفيذ تحت هتافات باسم الرئيس الجديد. أراد وليد محمود سيرت فك الشريط اللاصق من على فمه مما لفت أنتباه الجميع، فالتفت علي حسن المجيد الى برزان التكريتي، سائلاً عن أمر  هذا وليد، قد يكون لديه قولاً يهم الحزب، في صحوة ما قبل الموت، لا أعتقد هذه، أجاب رئيس الجهاز، وأكمل القول من أن وليداً معروف بوقاحته، وأن مجرد رفع الشريط عن فمه، سيسمعنا كلام لا يصح سماعه أمام هذا الجمع من الرفاق، ثم أن لدي توجيه من قبل السيد الرئيس بسد الأفواه، لكي لاينطقوا الشهادة ويموتوا كفرة لخيانتهم الحزب والثورة.

 

محمد السعدي

مالمو / تموز ٢٠١٩

..........................

المصادر

١ - رواية (حفل رئاسي) ل سعد العبيدي

٢ - شهادات خاصة (للتاريخ) للدكتور حميد عبدالله (أحسان وفيق السامرائي، ضرغام عبدالله الدباغ، سليم الامامي، وليد السامرائي، تايه عبد الكريم، محمد السباهي، فايز الخفاجي).

٣ - لقاءات تلفزيونية مع الدكتور عبد الحسين شعبان.

٤ - كتابات للباحث شامل عبد القادر.

٥ - برنامج أحمد منصور (شاهد على العصر) مع حامد الجبوري.

٦ - حوار محمد دبدب مع جريدة الزمان.

 

 

عبد الجبار نوريهوالناقد العراقي المتألق والمبدع "جمعه عبدالله" وهو اليوم في منفاه القسري اليونان منذ عشرين عاماً، يبدو من سيمياء العنوان أنه دفع فاتورة الغربة أستلاباً ووجعاً يومياً كانت الخسارة في مصادرة حريته في وطنه العراق وتغييب طموحات شعبه، وكان ربحهُ في شخصيته الفذة وثقافته الرصينة والعالية ومواهبه الأدبية أصبح يملك ذلك البستان المورق بألوان زهورها وثمارها بفضل ولعه وموهبته في شتى ألوان الأدب والثقافة وتخصصهِ في النقد الأدبي بأسم الناقد العراقي "جمعه عبدالله".

في مفهوم النقد الأدبي هو عملية دراسة وأصدار أحكام على النصوص الأدبية، وهو أحد الفنون الأدبية الذي يرتبط فيها ذوق الناقد وفكره محاولا الكشف عن جمالية النص الأدبي والعيوب التي قد توجد فيها، علما أن الأدب صنعة أبداعية والنقد هو الذوق لذلك الأبداع يكون فيه الأديب مطالب بالتعبير الأبداعي والناقد مطالب بنقد ذلك النص بموضوعية وحيادية لكون النقد الأدبي عملية تحليل وتفسير وتقييم الأعمال الأدبية، بأعتماد (النظرية الأدبية) هي النقاش الفلسفي لطرق النقد الأدبي وأهدافه، رغم العلاقة بينهما، علماً أن الأدب سابق للنقد في الظهور وهما متلازمان، أذ لولا وجود الأدب لما كان هناك (نقد) أدبي لأن قواعده مستقاة ومستنتجة من دراسة الأدب، والنقد الأدبي ذوق وفن وعلما يكون الناقد صاحب حس مرهف وذوق سليم وموهوب وليس بالضرورة أن  يكون منظراً .

أسلوب الناقد العراقي " جمعه عبدالله "

-يطمح دوماً وبأصرار إلى بناء صرح معماري أدبي رصين وهادف ككاتب ملتزم ينحو للواقعية في كتاباته متمثلا بنجيب محفوظ وأرنسنت همنغواي وفكتورهوجو وغائب طعمه فرمان وأنتون تشيخوف وتولستوي، لا يتوقف الناقد البارع " جمعه عبدالله "عند قراءة النص الأدبي فهو يقرأها مابين السطوركما يقرأها طه حسين في كتابه الأيام .

- يكتب عن قناعة مفادها : أنهُ لابد من تجاوز عدد من الأحكام الجاهزة المترسخة في الأذهان حول العلاقة بين الأدب وسوسيولوجية المجتمع، وهو ينحو دوماً إلى التجديد والحداثوية بتجاوز المقاربة الكلاسيكية التي كانت تخيم بظلالها المعتمة على مجمل الفنون الأدبية، في الوقوف بين الأختلافات والتشابهات بعملية يحكمها منطق الحصر والحد

- أهتمامات الناقد عبدالله متنوعة في الأدب والشعر والنقد الأدبي والرواية والقصة القصيرة والطويلة، أخذ ينحو العالمية في أساليب النقد الأدبي كونه يعتمد النقد الأدبي الحديث بنقاش فلسفي لطرق النقد الأدبي وأهدافهُ بدون أن يوحي لك بأنهُ منظر أدبي، في محاولة  فريدة في أشراك عامل ديناميكي يمثل أنضباط أخلاقي كقواعد مستنتجة من دراسة الأدب العربي والعالمي .

- وهو ينظر إلى النصوص الأدبية شعرية كانت أم نثرية مكتشفاً لمواطن الجمال والقبح بشكلٍ بارعٍ وملفت للنظر، فهو متخصص في دراسة أساليب الأدباء والقدرة على فهم أسرارهم والنفوذ إلى دواخلهم وأدراك مشاعرهم وسبر عواطفهم بفهمهِ العميق وحسهِ المرهف وكثرة تجاربه الأدبية لكونه يتمتع بقدرٍ وآخر من المعرفة والثقافة .

- يعتمد الناقد جمعه على مجموعة من الأفكار في قياس الحكم على العمل الأدبي هي عناصر اللغة، النص السردي، الأيقاع، والخيال تساعد المتلقي في فهم النص، وخصوصا عند قراءتي لنقده نصوص القصص والروايات، فهو يعتمد أسلوب النقد الحديث في أعتماد التحليل والتفسير والتقييم للجوانب الجيدة والرديئة في النص الأدبي .

- فهو يركز على النقد البنيوي على التحليل الداخلي للنص أي أنهُ يهتم بالنص ولا شيء غير النص في دراسة كينونة وصيرورة النص السردي للرواية وهنا ينثر الناقد الجميل مطيباته من الذوق والعاطفة والحب والجمال وبعضاً من الرومانسية لأنهُ يعي العلاقة الجدلية بين الأدب والنقد تلك العلاقة التكاملية بحاجة كل منهما للآخر.

- يمتلك الناقد العراقي جمعه عبدالله الموهبة وذخائر في الثقافة والمعرفة وسلوك الموضوعية في النقد الأدبي والدقة في الحكم ويعتمد الثوابت والمسلمات بالحذر من الممنوعات الثلاثة (الجنس والدين والقيم الأخلاقية)

وظهرت تجليات أدوات الناقد العراقي الفذ " جمعه عبدالله " في بعض ما قرأت له في :

قراءة في المجموعة الشعرية (من يطرق باب الضوء) للشاعره رفيف الفارس

قراءه في كتاب (قيثارة أورفيوس) في السائد والمختلف /د-عبدالرضاعلي

قراءه في كتاب (مرافيء في ذاكرة يحي السماوي) للناقد لطيف كريم

قراءه في المجموعة الشعرية (على أثير الجليد) للشاعر عبدالستارنورعلي

قراءة في ديوان شعري (أناشيد زورق) للشاعر جميل الساعدي

قراءة في رواية (الجنائن المغلقة) برهان الخطيب

لابد من كلمة أخيرة أوجهها للناقد الجميل الأستاذ "جمعه عبدالله" أن كتاباتنا لن تكتمل نشوة قراءتها ألا بمرور أنفاسك العطرة في نقدك الأدبي  البناء لها، وبحضورك البهي تفوح عطرها ، لك المجد أيها الأديب والمثقف الملتزم متمنيا لك مزيدا من التألق في عالمك المعرفي الثقافي والعلمي.

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

في/ العشرين من تموز 2019

 

فوزي حامد الهيتيالاعسم بصفته انسانا هو أميرٌ.. إسمٌ على مسمى.. بسلوكه المنضبط وهندامه عالي الشياكة وشخصيته القوية الحاضرة والمؤثرة في من حوله. كل هذا معلوم معروف لكل من عرف الاعسم عن قرب أو من بعيد. هو بحق (باشا) كما وصفه الدكتور علي المرهج في مرثيته الجميلة. وقد وظف كل هذه الامكانيات في خدمة الفلسفة وإثرائها في العراق المعاصر الأمر الذي دفع الكبير مدني صالح للقول كلمة بحقه مازلنا نتذكرها هي (الأعسم آوى الفلسفة بعد أن كانت شريدة) وهو حكم دقيق يفرض علينا اليوم ونحن من طلابه، أن ندون هذه المسيرة والجهود عرفانا بخدمته وحفاظاً على حقوقه بعد أن رحل عنا.

أولاً: الأعسم.. آوياً للفلسفة:

 الحديث عن المنجز الفلسفي للأستاذ الدكتور عبد الامير الاعسم يتطلب منا الحديث عن جانبين مهمين شكلا مجمل نشاطه الفلسفي على مدى حياته العلمية، هما:

أولاً: جهود ملموسة ظاهرة للجميع تتمثل في مجمل نتاجه العلمي وهو عشرات العناوين كتباً وأبحاثاً علمية منشورة في دوريات عديدة. سأتوقف عندها نهاية هذه الورقة.

والثاني: جهود علمية غير ظاهرة وملوسة إلا لمن كان قريباً منه ويعرفه معرفة شخصية مثل زملائه وطلابه والعاملين معه طوال حياته الاكاديمية. تتمثل هذه الجهود غير المنظورة في مجمل نشاطه العلمي الاكاديمي في المؤسسات العلمية التي عمل فيها، يمكن إيجاز هذه النشاطات في الآتي:

أولاً: إداريا:

أ- دوره في إستحداث أربعة أقسام فلسفية في كليات الاداب في جامعات (الموصل والبصرة والمستنصرية والكوفة) فضلا عن قسم الفلسفة في جامعة بغداد لتصبح لدينا خمسة اقسام فلسفية في العراق في وقت كاد أن يغلق قسمنا اليتيم في بغداد. وقد كان الأعسم حينها يشغل منصب عميد كلية الاداب في جامعة الكوفة. وقد حظي قسم الفلسفة في الكوفة آنذاك بدعم مطلق منه فاستحدث فيه الدراسات الأولية والعليا الماجستير والدكتوراه بخلاف التعليمات والسياقات المعمول بها حيث إستقدم أفضل الكوادر التدريسية في جامعة بغداد للتدريس فيه وبفضل ذلك خرّج لنا هذا القسم أسماء لامعة صار لها اليوم حضور في الدرس الفلسفي الاكاديمي منهم د. منذر الكوثر والدكتور علي المرهج. بل وصار هذا القسم ينافس قسم الفلسفة الام في جامعة بغداد.

ب – دوره في استحداث قسم الدراسات الفلسفية في بيت الحكمة وإصدار مجلة له فضلا عن جمعية العراق الفلسفية واتحاد الفلسفي العربي وقد شغل الاعسم رئاسة قسم الدراسات الفلسفية والجمعية الفلسفية والاتحاد الفلسفي العربي منذ تأسيسها الى سنة 2003.. العام الذي غادر فيه العراق. وأقول بصراحة أن مكانة بيت الحكمة وقسم الدراسات الفلسفية فيه كانت بفضل جهوده العلمية وحسن إدارته لها وتوظيف كل علاقاته العلمية لتفعيلها قد أثمر عن عقد العديد من المؤتمرات الفلسفية العربية المهمة واستضاف أكثر الفلاسفة والمفكرين العرب من أمثال مطاع صفدي وناصيف نصار وطه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري وعشرات الاكادميين العرب من مصر والمغرب والجزائر وتونس ولبنان والاردن واليمن مؤتمرات لم يحقق بيت الحكمة واقسامنا الفلسفية بمستواها الى اليوم. كما له الدور المهم في إصدار مجلة دراسات فلسفية واستمرارها فضلا عن إصدار العشرات العناوين الفلسفية عن دار بيت الحكمة وبخاصة منشورات الاساتذة العراقيين أيام كان النشر صعباً على كل العراقيين .

ثانياً: علميا:

 دوره في دعم وتشجيع الطلبة والشد من أزرهم في مواصلة البحث العلمي . وقد تجسد هذا الدعم والتشجيع في تشجيعهم بالمشاركة والحضور في المؤتمرات العديدة التي كانت تعقد في بيت الحكمة . كان يعاملنا باحثين كبار أمام أسماء لامعة من المفكرين العرب ويدفعنا للتعرف عليهم والمشاركة في أحاديثهم ويشعرك بأنك لست أقل منهم مقاما علميا. أما حين يستقبلنا في مكتبه فيكون في غاية الحفاوة والاهتمام يسمع لك بكل إنتباه وتقدير ويشاركك الحديث ويقدم لك ما تحتاجه. وعند توديعك لا يتركك إلا خارج غرفته . هذا هو الاعسم الإنسان النبيل والباشا بحق سامي بأخلاقه وتعامله اليومي كبير بخدماته للفلسفة وأهلها.

الأعسم.. باحث أكاديمي رصين:

لا أود في هذه الفقرة سرد عناوين كتبه وأبحاثه العديدة والمهمة على أهمية ذلك فقد كفانا بذكرها أغلب من كتب عنه وسأتوقف فقط عند منهجه العلمي محاولاً التعريف به وكاشفاً عن إطاره الفلسفي واسباب تبنيه لهذا المنهج دون غيره من المناهج الفلسفية التي حققت حظوراً وشهرة لأصحابها لكنها لم تغري الأعسم ولم تدفعه للركض في متاهاتهم كما فعل البعض من أساتذتنا وغيروا من مسارهم البحثي فصاروا يدورون في فلك أسماءٍ كانوا هم أعلا كعباً ومقاماً علمياً منهم، واحترامي لهم يلزمني السكوت عن ذكر أسمائهم.

الأطر الفلسفية لمنهج الأعسم في دراسة التراث الاسلامي:

منهجياً لم يكن الأعسم مثل غيره من كبار االأكادميين العرب المعاصرين مثل حسام الدين الآلوسي والطيب تيزيني وحسين مروة وحسن حنفي ومحمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن وغيرهم من الباحثين الذين تبنوا رؤى فلسفية محددة محكومة بمقولاتٍ منهجيةٍ جاهزةٍ ثابتةٍ طبقوها على النصِ التراثي مثل المنهج الماركسي والمنهج البنيوي الابستلوجي فكل هؤلاء باستثناء حسام الآلوسي تعاملوا مع النص التراثي بعده ميداناً لتطبيق منهجهم الفلسفي واستحصال شهادة إعتراف بصحة مقولاته وصدق منطلقاتهم الفلسفية ولم يتعاملوا مع المنهج بعده أداة تفسير وفهم الظاهرة المدروسة، ذهبوا الى التراث وهم يحملون معهم همومهم الحاضرة وأجوبتهم لها يحدوهم دافع التأسيس والتأصيل لهذه الأجوبة والنظريات الفكرية المتعلقة بحاضرنا ومشكلاته. أما الأعسم وبالرغم من معرفتنا به أنه ينتمي فكرياً الى خط فكري معروف هو التيار القومي ، إلا أنه كان واعياً أن مشروعه الفكري القومي مرتبط بمعالجة مشكلات الحاضر وليس لإعادة تفصيل التأريخ بما ينسجم مع الخط الفكري القومي كما فعل غيره من المنتمين الى هذا التيار وأسرفوا بالحديث عن الأصالة والمعاصرة وغيرها من مفاهيم صدعت رؤوسنا بلا طائل (جعجعة بلا طحين كما يقال).

  أن الأعسم كان يؤمن أن المشروع القومي العربي لا يحتاج أن يستمد مشروعيته من التراث والماضي ، لأن مشكلات العرب المعاصرين هي بنت الحاضر ناتجة عن طبيعة صراعهم اليوم مع الآخر.. الغرب . ولا يوجد لديه شك أن للعرب مصلحة حقيقية لإدراة إختلافاتهم وبما يحقق مصالحهم. يقول الأعسم معززاً هذا الفهم (أن واقعنا الفكري العربي لا يستقيم من الناحية القومية طالما أننا نقع في أفخاخ ينصبها لنا الغرب لاختلافنا وليس لإتلافنا) 1. أما الاختلافات الفكرية في الاصول على حد وصفه فلا يمكن تجاوزها إلا بدراسة الترث دراسة علمية موضوعية لفهمها وتجاوزها وليس للبناء عليها كما يحاول البعض أو رفض التراث بالمطلق والبدء بلحظة تاريخية جديدة أي إحداث قطيعة تامة مع الماضي كما يروج له البعض الآخر من المفكرين العرب المعاصرين.

في ضوء هذه الرؤية الفلسفية التي تميّزُ بوضوح ووعي بين الحاضر ومشكلاته ومتطلبات حلها وبين الماضي المحكوم بمقولات ومشكلات أخرى مختلفة تقتضي منا فهمها جاوزياً لأنها كما قلنا مشكلات محكومة بمقولات عصرها وطبيعة الصراع الفكري ودوافعه وأطرافه مختلفة. هي بكل الحالات لا تصلح أن تكون جواباً لمشكلاتنا المحكومة هي الأخرى بمقولات علمية مختلفة تماماً كما أن دوافع الصراع وأطرافه مختلفة... على أساس هذا الفهم والوعي بين الماضي والحاضر حدد الأعسم أدواته المنهجية، والأعسم بالطبع لا ينكر أن للماضي إمتدادات في الحاضر تنتقل إليه عبر علامات ثقافية عديدة أهمها اللغة وفنون العمارة وأنماط العيش والعادات.. الخ ، مثل إنتقال الجينات الوراثية. فهذا لا يضير، لأن المشكلة عند الأعسم لا تكمن في الماضي وامتداداته الذي يعده تأكيداً وتعزيزاً للهوية الثقافية للأمة ، بل المشكلة تكمن في كيفية التعامل مع هذا الإرث والتعاطي معه.. الطريقة التي حوّلتنا من أمة لها تأريخ عريق عظيم إلى كائنات تراثية مشلولة القدرة على الفعل والابداع في مواجهة مشكلاتنا الحاضرة حتى صار هذا الإرث الغني الى عبئ ننوء بحمله .

  إن وعي الأعسم بالتمايز بين لحظتين زمنيتين للأمة (لحظة الماضي ولحظة الحاضر) وهيمنة اللحظة الثانية (الحاضرة) بمشكلاتها وهمومها على الأولى (الماضية) هي التي غيبت الوعي العربي المعاصر عن فهم تأريخه فهماً علمياً تجاوزياً لتلك اللحظة.. فهماً يمكنه من معرفة أصوله المتعددة (أي المباني الأصولية لمسارات الفكر الاسلامي القديم) التي تمتد الى ما قبل الإسلام وفروعه المتشابكة . إن هذا الوعي بالتمايز بين اللحظتين هو الذي دفع الأعسم الى تحديد أدواته المنهجية في دراسته للنص التراثي وهي الأدوات التي يعتقد أنها ستعينه على تحقيق مبتغاه في فهم التراث فهما علمياً حيادياً أو على الأقل عرضه بحيادية دون تدخل الذات.. ذات الأعسم في هذا العرض الموضوعي .

لقد وجد الأعسم ضالته في مناهج الغربيين التي إستعانوا بها في دراسة تأريخهم وتراثهم ومن ثم مكنتهم من بناء علاقة سليمة صحية مع هذا التأريخ . وهو المنهج ذاته الذي إعتمده بعض المستشرقين في دراساتهم للتراث الاسلامي بدافع فهم هذه الحضارة ضمن السياق الثقافي العالمي.

في ضوء هذا الفهم لمنطلقات الأعسم الفلسفية ودوافعه في اختيار أدواته المنهجية يمكننا أن نفسر لماذا إختار الاعسم المنهج الببلوغرافي الوصفي التحليلي والنقدي منهجاً لدراسة النص التراثي فهو بالفعل منهج يسمح له بعرض نصوص تراثنا عرضا حياديا تتيح لمن يأتي بعده من دراستها دراسة علمية دقيقة وحيادية.

وللأمانة أقول أن قراءتي هذه لمنهج الأعسم لا تملك ما يبررها في نصوص الأعسم المتوافرة بين يدي ولا يعززها إلا حسن النية في وعي الاعسم بعده باحثا واعيا في استخدامه لأدواته المنهجية وليس مكرراً مقلداً لمناهج الاستشراق ، فضلا عن معرفتي الشخصية به استاذا كبيراًأصيلا لا يجتر مقولات الآخرين.

خطوات منهج الاعسم:

يتألف المنهج الببلوغرافي الذي اعتمده الأعسم من خمس خطوات رئيسة هي:

الخطوة الأولى: توثيق النص وتصنيفه ضمن سياقه الفكري والثقافي العام . وتتضمن هذه الخطوة كما نراها في دراسات عديدة عنده أهمها دراسته لنص المقابسات للتوحدي . تتضمن هذه الخطوة تحديد وتوثيق نسبة النص للمؤلف وبيان مكانته ضمن مؤلفاته الأخرى. كذلك مراجعة كل المخطوطات المتوافرة والمقارنة فيما بينها بإحصائيات ببلوغرافية برع الاعسم فيها. مراجعة آراء كل المحققين السابقين وتقييم جهودهم التحقيقية للنص مشفوعة بعرص وصفي لها وبآرائه النقدية لعمل كل واحد منهم.

الخطوة الثانية: تحليل وصفي للنص .

الخطوة الثالثة: تحليل مضمون النص .

الخطوة الرابعة: تفكيك النص وبيان متبنياته ومرجعياته . أي دراسة النص من خلال نصوص أخرى تنتمي لمجاله الفكري وبيان مدى تأثره بها.

الخطوة الخامسة والاهم: دراسة فعل النص . أي عرض ببلوغرافي لكل من أخذ من النص أو رد عليه أو تأثر به أو أضاف عليه من الاحقين .

وخطوات هذا المنهج لا يطبقها الاعسم فقط على النصوص الفلسفية التراثية مثل كتاب المقابسات للتوحيدي أو كتاب فضيحة المعتزلة لابن الريوندي بل يطبقها أيضا الشخصيات الفلسفية التي درسها مثل الغزالي والطوسي وابن الريوندي .

أن هذه المنهجية العلمية في عرض النص التراثي وحتى شخصياته المختلف عليها قد عرضتهم بطريقة حية طازجة غير ممزوجة بأفكار ودوافع من ساهم في تقديمها وتحقيقها وارشفتها، وتركت للباحث حرية دراستها وفهمها . إنها طريقة لتقديم التراث كبيانات حيادية للباحثين الآخرين لتسهيل إمكانية دراستها دراسة علمية موضوعية. لهذا يمكن القول أن أغلب دراسات الأعسم وهي كثيرة موجة في الأصل للمتخصصين من الباحثين وليس للقارئ العام. وإن هذه الدراسات أصبحت مرجعا مهماً بل وحافزاً لإنجاز دراسات عديدة عليها وتعد دراسته المهمة حول ابن الريوندي وهي موسوعة بخمسة مجلدات إنموذجا حياً لجهوده المثمرة في خدمة الترث الاسلامي فقد أصبحت هذه الموسوعة مرجعا غنيا عن ابن الريوندي لا يمكن لأي باحث جاد تجاوزها عند دراسة ابن الريوندي وقد رجع إليها بالفعل أغلب من كتب عن ابن الريوندي مثل المستشرق دومنيك أورفو في كتابه المهم (المفكرون الاحرار في الاسلام) وكذلك المستشرقة الامريكية سارة سترومسن في دراساتها العديدة عن ابن الريوندي وبالنسبة لي كانت هذه الموسوعة حافزاً مهما لدراسة ابن الريوندي حيث استطعت بما وفرته لي من معلومات وبيانات ونصوص متنوعة عن ابن الريوندي او له من بناء فرضياتي البحثية حول كتابه المهم الزمردة واستطعت أن أكمل هذا النص بنصوص لم يقف عندها كراوس . وكذلك خدمتني هذه الموسوعة وما زالت في دراستي قيد الانجاز عن ابو عيسى الوراق .

وختاما نقول إن ما تركه لنا الاعسم من منجز علمي كبير ونشاط فلسفي قد خدم المشهد الفلسفي العربي والعراقي بخاصة سيبقى نافع دافعا ومعيناً لكل دارس مجيد ما بقي أكادميين متميزين باحثين عن الحق والخير والجمال.

 

د. فوزي الهيتي

................

 1) الاعسم بين الاختلاف والاتلاف في الفكر العربي المعاصر، محاضرة أُلقيت في رابطة الكتاب الاردنين 2005 .

 

صادق السامرائيالدكتور صالح الوكيل قامة عراقية علمية أسهمت بتنوير العقول في المجتمعات البشرية، بما أضافه من إكتشافات ورؤى ونظريات، وآليات للإبحار في عالم الخلايا والإطلاع على تفاعلاتها الأيضية، وما يجري في تلك الكينونات الحُجَيْرية الصغيرة التي تبني الكيان الحي.

فعلى مدى أكثر من نصف قرن وهو يغوص عميقا وعميقا في دنيا الخلايا ويأتينا بما لا نعرف، وقد أسهم بأصالة وإبداع متميز في علوم الكيمياء الحياتية بمكتشفاته الأيضية، المتصلة بهضم وتمثيل المواد الدهنية.

ويمكن وصفه بالرائد والفاتح لميادين علم الإنزيمات، والعارف بمفاتيح العمليات البايوحياتية في الجسم الحي، وهو المكتشف للجين الذي يمنع تراكم الدهون في الجسم.

 وقال عنه عدد من العلماء المشاهير هو صاحب "سلسلة إكتشافات مثيرة تكفي كل واحدة منها لإضاءة سيرة بكاملها" و"كان الأمر الثابت والوحيد فعلا هو إفتنان الوكيل كليا بالأيض الشحمي وإلتزامه العميق بفهمها بالكامل" و هو الذي " أزال الحدود بين الحياة واللاحياة"!!

وليس الهدف من المقال التطرق لسيرته العلمية الباهية، فهي موجودة على صفحات الإنترنيت وباللغتين العربية والإنكليزية، لكن الذي جعلني أكتب هو إيفاءً بوعدي له،،وأشعر بالأسف لأنني لم أكتب عنه في حياته وقد وعدته بذلك، لكن دوامة الأيام أخذتني إلى مرافئ أخرى حتى إستيقظت وأنا أقرأ نبأ وفاته.

أول لقاء مع الدكتور الوكيل عندما كنا طلبة في كلية الطب، وقد جاءنا زائرا وألقى علينا محاضرة في الكيمياء الحياتية، ولازلت أذكر حركته وهو يرفع قبعته مبتسما ويقول جئتكم من تكساس لكني لست من رعاة البقر، وكانت محاضرته فائقة الروعة.

وكان أستاذنا في الكيمياء الحياتية هندي، وقد كان مبهورا به وهو يقول هو أستاذي، إنه أبو الكيمياء الحياتية، ولا يخلو كتاب من إسمه وبحوثه، وأذكر أنه تصفح الكتاب المقرر وذهب إلى (كربس سايكل)، وفي حاشية الكتاب كان إسم صالح الوكيل، الذي له إسهامات معرفية بعمليات هذه الحلقة الأيضية المهمة في الخلية.

ودارت الأيام والسنون والعقود، وإذا بي معه على ذات المائدة في مؤتمر علمي صاخب ، فتحدثت معه عن محاضرته لنا عندما كنا طلبة في كلية الطب، وتشعب الحديث وتطور عن إنجازاته، وما قدمه للطب من خدمات معرفية غير مسبوقة، وخصوصا في ميادين هضم وتمثيل المواد الدهنية.

وبعدها تواصلت لقاءاتنا، وكان مرحا ويضفي على كلامه شيئا من المزحة، وكلما إلتقينا يمنحني فكرة للكتابة، فيمسك بيدي ويضغطها ويقول: أكتب عن كذا وكذا.

وكانت مجالسته فياضة بالمعارف العلمية والعبارات الثرية بالمعاني، والدلالات الفكرية والفلسفية والتراثية التي تقدح الأفكار في العقول، وفي آخر لقاء معه ذكر بأنه قد توصل إلى معرفة أسرار تمثيل الدهنيات، وربما سيتم تصنيع دواء يساعد على حرقها بسرعة، وأضاف مازحا أي يمكنك أن تأكل كل ما تشتهي ولن يزيد وزنك.

وكان كلامه أشبه بالحديث عن ثورة جديدة في عالم الكيمياء الحياتية.

وكما ذكرت وعدته أن أكتب عنه لأني أرى أنه يستحق جائزة نوبل، لما قدمه للعلم من إنجازات غير مسبوقة، إذ نقل علم الكيمياء الحياتية إلى ميادين متطورة فتحت آفاقا علاجية ذات قيمة شفائية مؤثرة.

كما أنه مثال حي وبرهان فعّال على أن العقول العراقية تساهم في بناء الحضارة الإنسانية المعاصرة.

وكم سألته :متى سنحتفل بجائزة نوبل، وكان جوابه دائما بإبتسامة واعدة.

ولازلت على يقين بأنه يستحق الجائزة ومؤهل لها، لكنه لم يحصل عليها لأسباب لا أعرفها، فما أنجزه يضاهي ما قدمه الذين حصلوا عليها وأكثر.

وأكتب عنه اليوم إكبارا وتقديرا لعالم جليل أضاء للبشرية ظلمات أعماق الخلية، وأرجو أن تكون هذه الكلمات قد أوفت بوعدي ولو متأخرا.

ورحم الله أستاذنا الوكيل الذي أنار دروب البشرية بإضافاته العلمية الوهاجة.

 

د. صادق السامرائي

 

علي المرهجلم يحظ مفكر عراقي بمثلما حظي به الوردي من اهتمام، على كلا المستويين الشعبي والثقافي، ورغم ذلك فالكتابات عنه مازالت ليست بالمستوى المطلوب، فكثير منها، إما ذات طابع مقالي وغالبا ما يكون احتفائيا، أو ذات طابع ثقافي عام. أما على المستوى الدرس الأكاديمي، فمن وجهة نظري ـ على قدر علمي ـ لم يحظ الوردي بقدر كاف من الاهتمام في الدرس الأكاديمي، ومحاولة تفكيك وتحليل آراء الوردي في ضوء متغيرات الوضعين: الوضع العراقي اليوم والصراع الطائفي فيه، من جهة، وارتباطات هذا الوضع بتحولات السياسات الدولية والإقليمية المحيطة، من جهة أخرى. وهل بقي من فكر الوردي شيء أم أشياء في ضوء قراءته لشخصية الفرد العراقي؟ وهل ظهر ما يٌثبت قيمة الدراسة الاستبيانية في معرفة شخصية الفرد العراقي بعد أن تنكر لها الوردي؟!.

بقيَ من فكر الوردي أشياء وأشياء، ولا زال فاعلاً في معرفة الشخصية العراقية وحتى العربية، ومنها تأكيده على عٌمق الصراع الطائفي في العراق وإستمراره بإستمرار الصراع الإقليمي، لا سيما بين تٌركيا "السنية" ومؤيدوا سياستها، وإيران "الشيعية" ومؤيدو سياستها، وانعكاسات هذه "الحرب الباردة"ـ والتي بدأت بالسخونة ـ على تشتت العراقيين وضياع وطنيتهم بالولاء لهذه الجهة أو تلك.

نعتقد أن قيمة فكر الوردي ليست في جرأته فقط، وإن كانت هذه سمة مهمة للمفكر والكاتب، ولكننا نجد أن قيمة الوردي تكمن في صياغته لفرضياته وصناعته لمفاهيم جديدة وتبيئته لمفاهيم أخرى من الفكر التراثي أو الفكر الحداثي التي أثبتت قدرتها التفسيربة في معرفة المجتمع العراقي. والتي ستكون واحدة من مهمات بحثنا هذا.

إننا حينما نُريد أن نكتشف أهمية كاتب ما يستحق أن تُطلق عليه صفة مفكر، فعلينا البحث عن منتجه المفاهيمي أولاً، ومساعدة القارئ على الكشف عن القدرة التفسيرية لهذا المنتج المفاهيمي اليوم ثانياً، وتسهيل إمكانية الافادة من توظيفهم لمنتجه المفاهيمي بوصفه عدة منهجية للباحثين في معرفة خط سير المجتمع العراقي أو أي مجتمع آخر ثالثاً.

إن الكشف عن الأفكار والمنتج المفاهيمي هو بحث يصب في إظهار البعد الفلسفي وإظهار فاعلية هذه المفاهيم، لأن بُعد المفاهيم الأهم يكمن في كونها منتج نظري تصوري، يحاول ذوو الاختصاص التطبيقي توظيفه في بحوثهم الاجرائية. لذا وكما نعتقد أن أفكار الوردي بقيت أقرب للرؤية الاستقرائية ذات البعد الاستنباطي الافتراضي، شبيهة بمنهج التكذيب البوبري الذي يضع الكثير من الفرضيات ومن ثم السعي لتفنيدها واحدة تلو الأخرى، والفرضية الأكثر صموداً أمام النقد هي الأقرب للحقيقة، لذا أبقى الوردي على فرضياته الثنائية الثلاث "البداوة والحضارة" و"ازدواجية الشخصية" و "التناشز الاجتماعي".

1028 علي الورديأعتقد أنها هي الأكثر صموداً من فرضيات أُخر. ويمكن أن يكون هذا البعد النظري لفرضيات الوردي ومنتجه المفاهيمي الذي جعله يعتقد أنه صار بمقدوره معرفة شخصية الفرد العراقي، هو الذي دفعه إلى رفض الطريقة الاستبيانية والاحصائية في الكشف عن طبيعة الشخصية العراقية التي تُعاني من "إزدواجية الشخصية"، فبالتالي حينما يُعطى الاستبيان الاحصائي، فإنه سيُظهر شيء في جوابه ويُضمر أشياء وأشياء.

المهم ما يعنينا من كل ذلك أن هذه الثنائيات التي برزها الوردي في قراءته للشخصية العراقية هي التي بدأ عندها الصراع والنزاع أكثر وضوحا وتميزا لاسيما ظاهرة "البداوة والحضارة" وتفريق الوردي بين أخلاق البداوة وأخلاق التحضر، فالبداوة تمجد قيم العصبية والثأر والنهب والدخالة وقتل المرأة لغسل العار. أما عند الحضر فقد كان هناك حضورا ومقبولية لحكم القانون والانفتاح على المدنية وطرق الحياة فيها. وللغزو المستمر للبدو للعراق تغلغلت قيم البداوة، وصارت فرضيات الوردي الثلاث، لا سيما بعد المد الاستعماري على بلدان الوطن العربي والعراق من ضمنهم، صارت أكثر حضورا ووضوحا في شخصية الفرد العراقي، الذي شاهد قوة الترسانة العسكرية من بندقية ومدفع وآليات أخرى في مقابل "المكوار" أو "التوثية" أو "السيف" حتى، فهي آلات ليس لها قيمة في مقابل ما وصل إليه الغرب وإن كان الوردي لا يتنكر لما فعله رجال ثورة العشرين في آلاتهم التقليدية هذه في مواجهة المحتل الإنكيزي، ولكن ينبغي علينا ألا نتصور بأن هذه الآلات التقليدية هي وسائل ناجعة في مواجهة الأعداء اليوم (بداية القرن العشرين) بما لديهم من قوة ومن ترسانة عسكرية مهولة.

كما هو معروف أن الوردي ينطلق في رؤيته لكل قضية في ضوء مرجعيته الاجتماعية، وتوظيفه لمفاهيمه في البداوة والحضارة، والتناشز الاجتماعي، وازدواجية الشخصية، التي تدخل في حياة المجتمعات والرؤية الدينية والنظرة المجتمعية تنطلق من هذه الرؤية التي تُبيء الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية عامة موجودة في جميع الشعوب حتى أشدها بدائية، فطلما كان للإنسان مهدداً بالأخطار ومحاط بالمشاكل دائماً، فهو اذاً بحاجة الى عقائد وطقوس دينية تساعده على مواجهة تلك الأخطار والمشاكل وتبعث في نفسه الطمأنينة، ومعنى هذا أن التقديس ليس أمراً طارئاً في حياة المجتماعات، بل حاجة مُلحة تقتضيها طبيعة الانسان.

لا يخفى علينا موقف الوردي الناقد لتوظيف الدين من قبل الكثير من رجال الدين لمصالحهم الخاصة أو بسبب أوامر سلطانية، تجعل مهمة رجل الدين ليس التعريف بالبعد الأخلاقي والإنساني للدين، وإنما تتحول مهمتهم إلى "وعاظ السلاطين" كما عنون الوردي أحد كتبه. وهنا سيكون هنالك "دين ضد دين" بعبارة علي شريعتي، و "إسلام ضد إسلام" بعبارة الصادق النيهوم. ففي هذه الحال لا يكون الدين كما أراد له الأنبياء محاولة للخلاص وسبيل لنجاة البشرية وتحقيق السعادة الإنسانية، بل سيكون وسيلة بيد "وعاظ السلاطين" لتبرير أفعال المستبدين من سلاطين الأرض.

كتب الوردي أن كل حركة ناهضة تبدأ في مسعاها لترنو التجديد والتغيير، ولكنها بمجرد أن تصل إلى السلطة لا يُمكن التكهن بمقدار ثباتها في الحفاظ على مبادئها، فلربما ستكون هي بعد تمكنها من تحتاج إلى تجديد، وفي هذا الصدد يقول شريعتي:"كل مذهب أو مدرسة اجتماعية أو دينية أو طبقية أو قومية، تظهر إلى عرصة الوجود على أساس تلبية مُتطلبات زمانية أو طبقية أو قومية مُعينة وتدفع أتباعها ومُريديها نحو العمل من أجل تحقيق هذه الآمال والتطلعات وتُجسد الشعرات التي يحملها المذهب الحركي أو المدرسة التغييرية وُتواصل هذه الحركة سيرها باندفاع ورغبة جامحة في كسر القيود وتحطيم الحواجز التي تعترض طريقها وعادة ما تكتسب طابعاً نقدياً عنيفاً وتحتجَ على كل شيء وتقترح بديلاً عن كل حالة راهنة ووضع موجود.

فإذا تحقق لها ما تُريد وحصل التحول الجتماعي الذي كانت ترنو إليه ووصلت إلى أهدافها كُلاً أو بعضاً، أو أنها لم تصل إلى الهدف ولكن وصلت إلى أوج قُدرتها وبلغت نقطة "Maximum" في الخط البياني لنشؤها ونموها، وقتئذ، تنطفئ جذوة التغيير في نفوس أصحابها، فلقد وضعت الحرب أوزارها ولم يعد ما يقف في طريق الثائرين، فعلام التوتر والإنفعال؟! آنذاك تبدأ الحالة الثورية بالضمور إلى أن تتلاشى نهائياً!

وتتحول الحركة إلى نظام ذي طابع مُحافظ، فلقد إنتقل أتباع المُعارضة من خندق المُعارضة إلى خندق السُلطة، وبطبيعة الحال، ستظهر لديهم نزعة في الحفاظ على موقعهم السياسي والجتماعي ضد الأخطار التي تُحيق به، ومن الآن فصاعداً سوف ينظرون إلى أي حركة تجديدية على أنها مظهر من المؤامرة التي تستهدف قويض أركان الحُكم وسيُحكم على أتباع الحركة الجديدة بالتمرد والغوغائية وتُلصق بهم تُهمة الخيانة العُظمى تمهيداً لإنزال أقسى العقوبات بحقهم.

في كتابه "دين ضد دين" بين شريعتي رؤيته للإسلام بأنه رفض للأرستقراطية وهيمنتها، وهو قول للفظة "لا" أولى نطق بها النبي ضد عُتاة قُريش، وكان التشيع هو لفظة "لا" مرة ثانية ضد الذين هيمنوا على الحُكم بإسم الإسلام ممن مثلوا الأرستقراطية القرشية الذين إتبعوا سياسة بني أمية ومن جعلهم أقرب للهيمنة على السلطة.

نجد الوردي في جُل كتاباته ينتقد رجال "الدين الكهاني" الذي يجني رجالاته انجازات رجالات "الدين النبوي"= (الثوري).

في المرحلة الأولى يأتي بالدين "نبي" من أجل إصلاح أحوال المجتمع الفاسدة على وجه من الوجوه، وكل نبي يواجه في بدايته مقاومة شديدة من المجتمع، لأنه يٌحارب قيمهم وعاداته التي تربوا عليها وإعتقدوا بها، فليس من السهل التخلي عنها، وتظل الدعوة الجديدة في حرب متصلة مع أعدائها فترة من الزمن، في حال انتصارها سيكثر أتباعها، وكلما إزدادت انتصاراتها كلما زاد عدد الداخلين فيها وإشتد تحمسهم لها وإيمانا بها. يعتنق الدعوة الجديدة فريقان: فريق بدافع الإيمان وحقانية الدين الجديد، وفريق يعتنقها بدافع الانتهازية والمصلحة الذاتية، وهؤلاء هم كٌثر وأغلبهم من الداخلين في الدعوة بعد تحقيقها الانتصارات.

حاول الوردي أن يكون موضوعياً في تحليله للشخصية العراقية، يُجرد فكره من الأهواء والميول الأيديولوجية والطائفية، لا بقصد الانسلاخ من هويته الوطنية والاجتماعية، بل بقصد معرفة الذات علاقتها بالآخر المغاير ثقافياً وأيديولوجياً وعقائدياً المُشارك لك في الحياة الاجتماعية وامتلاكه الروح الوطنية.

لا يُحاول الوردي اقصاء الإيمان من دائرة الحياة، إنما هو يسعى لتشخيص "العقل الدوغمائي" بوصفه عقل اقصائي لا تقبله الروح الإيمانية الحقة، لذلك هو ينتقد هيمنة النزعة المادية على حياة الشعوب الغربية.

"إن النفس البشرية تهوى الإيمان بدين فإذا فقدت ديناً جائها من السماء إلتمست لها ديناً يأتيها من الأرض".الدين عند الوردي ثورة انصاف للمظلومين في بدايته، يستحوَذ عليه المترفون بعد نجاح دعاته ليُحولوه إلى أفيون "دين كهاني" مُخدِر، وهذا ما جعل الوردي يعتقد بأن "الثورة تفسدَ إذا نجحت" على قاعدة "الثورة تأكل أبنائها".

الوردي ليس مفكراً فحسب، بقدر ما هو ظاهرة تستفز العقل العراقي وتكشف زيف توهماته وبنيته الحالمة (المثالية) الناظرة للذات على أنها تُدرك حقائق الأشياء وماهيتها، فتجد الفرد منَا يُدافع ويستميت في دفاعه عن رؤى يحلم بها ولكنه في حياته الواقعية لا يعمل بها!!.

 

ا. د. علي المرهج

 

محمود محمد عليكان العلماء والفلاسفة دائماً أبداً هما المنارة التي تضئ بوهج علمها مسار الطريق العلمي والثقافي للبشرية، بما يقدمونه من أفكار نابعة، من نبع علمي وأدبي فلسفي، وبموهبة ونفحة سماوية خاصة، لا يسبغها الله إلا علي مختاريه من رسل الكلمة وقادة الفكر؛ فحينما أرادت العقول الإنسانية الكبيرة أن تعظم الفيلسوف اليوناني الكبير "أرسطو" منحوه لقب معلم البشرية الأول، ونفس الشئ حدث مع فيلسوفنا العظيم "أبا نصر الفارابي" الذي مُنح هو أيضا لقب معلم البشرية الثاني.

وهكذا نري الفكر الفلسفي عند المعلم الأول ينتقل من جيل إلي جيل حتي المعلم أحمد لطفي السيد، ثم امتداداً للمعلم طه حسين، وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا ؛ ففي كتاب" قادة الفكر" للدكتور طه حسين الذي نراه يقدم لنا تلك القادة الذين انتقلت منهم القيادة إلي طائفة أخري، هي طائفة الفلاسفة الذين خلَد التاريخ القديم أسماءهم وآراءهم، مثل سقراط، وأفلاطون، وديكارت، وجان جاك روسو، وكنط، وأوجست كونت، وهربرت سبنسر... هؤلاء الفلاسفة جاءوا بعد هوميروس ؛ حيث يقول طه حسين:" فلقد كانت قيادة الفكر في يد الشعراء في العصور الأولي من حياة الأمة اليونانية، ثم انتقلت هذه القيادة إلي الفلاسفة والمفكرين الذين استطاعوا أن يقودوا الفكر ويدبروا شئون دولته الكبري، ومع حلول القرن العشرين جاء العلم والفكر معاً ليمتزجا بالفلسفة، وظهر في مصرنا الخالدة أدباء وفلاسفة ورواد فكر، استطاعوا أن يقدموا فكرهم وفلسفتهم برؤيا متطورة لصالح البشرية، ولخدمة العقول الإنسانية وخلق جيل من المفكرين والأدباء ورسل العلم، ليعتنقوا ويمارسوا ويسيروا علي نهج هذا الفكر وهذه الفلسفة بأصالة ومعاصرة .

وقد انتقل هذا التقليد إلي معظم أشقاؤنا في الدول العربية ففي العراق وجدنا رواد يقومون بهذه المهمة من أمثال ياسين خليل وفي سوريا وجدنا جورج طرابيشي، وفي الجزائر وجدنا محمد أركون، وفي تونس وجدنا هشام جعيط، وفي المغرب وجدنا محمد عابد الجابري، وفي الأردن وجدنا شاكر النابلسي، وفي لبنان وجدنا حسين مروة، وفي الكويت شفيقة بستكي.أما في ليبيا الشقيقة فلم نجد من يقوم بهذه المهمة علي الوجه الأكمل إلا نجيب المحجوب الحصادي الشهبر بـ"نجيب الحصادي" .

يعد نجيب الحصادي واحداً من أبرز المفكرين الليبيين المعاصرين الذين أسهموا بنصيب وافر في حياتنا الثقافية . تشهد بذلك حياته الحافلة بالنشاط العلمي والثقافي والاجتماعي . فضلاً عن عمله الجامعي علي مدار ما يقرب من نصف قرن، وما شغله من مناصب خلال هذه الفترة، وما قدمه من مؤلفات، وأبحاث، ومشاركة في مؤتمرات، وتخريج لصفوة الباحثين المنتشرين في معظم دول الوطن العربي، فقد أسهم الرجل في العديد من المؤتمرات والندوات الثقافية والمحاضرات العلمية خارج قاعات الجماعة، كما تولي الإشراف علي مجلات ثقافية وفلسفية . وخصص جزءً كبيراً من وقته متعاونا لازدهار الحركة الثقافية بليبيا وتكوين جيل من شباب المثقفين لمتابعة المسيرة العلمية.

كما يعد نجيب الحصادي أيضا أعظم المفكرين الليبيين المتخصصين في فلسفة العلوم  فى النصف الثانى من القرن العشرين، الذين لم يكونوا يحملون سيفاً أو بندقية، بل فقط عقلاً وقلماً، وهو لم ينعزل بأفكاره عن العالم والمجتمع، ولم يختص نفسه وتلاميذه بالفلسفة، بل إنه كان من المؤمنين يضرروه إنزال الفلسفة من عزلتها إلى الشارع، وصعد بالشارع إلى عالم الأفكار، حيث بدا فى كثير من الأحيان خليطاً من سقراط، وأرسطو، وسبينوزا، وهيجل، وفولتير، وقام بدور طه حسين، وسلامة موسى، وزكى نجيب محمود، وحسن حنفى؛ وذلك عندما جعل الثقافة والفكر موضوعا للنقاش العام، مدركاً أهمية العقل فى التقدم. كان نجيب الحصادي يمتلك شجاعة اقتحام الموضوعات المسكوت عنها في فلسفة العلم، والدخول فى مواجهات مع أفكار أو تصرفات سياسية واجتماعية، مستخدماً سلاحاً واحداً هو العقل، دون حسابات للتوازنات أو التوقيت أو المكسب والخسارة.

ولد نجيب الحصادي في الخامس والعشرين من شهر أغسطس عام 1952 بمدينة درنة، ليبيا، وتعلم في المدارس الليبية من ابتدائي وإعدادي وثانوي، وفي المرحلة الجامعية سافر إلي الولايات المتحدة الأمريكية، ليمنح درجة من جورج تاون، واشنطن دي. سي، الولايات المتحدة عام 1977، وليمنح الماجستير أيضا وسكانسن، ماديسون، الولايات المتحدة من 1979، وأما في الدكتوراه فقد اجتازها بنجاح من وسكانسن، ماديسون، الولايات المتحدة عام 1982 وذلك في موضوع بعنوان "نقد تصور تومس كون في العقلانية العلمية".

وعقب عودته لأرض الوطن في ليبيا تولي نجيب الحصادي رئيس قسم الفلسفة، كلية الآداب، جامعة قار يونس، بنغازي، ليبيا، في الثلث الثاني من عقد التسعينيات، ثم سافر إلي الإعارة لجامعة جامعة الإمارات العربية المتحدة، وفيها تولي رئيساً قسم الفلسفة، كلية العلوم الإنسانية خلال الفترة 2001م وحتي 2002م، ثم تولي منصب العميد المشارك لوحدة التراث والثقافة بجامعة الإمارات أيضا من 2003 وحتي 2004، ثم رئيس لجنة الدراسات العليا بكلية العلوم الإنسانية، جامعة الإمارات أيضا من 2004 م وحتي 2005م.

ولنجيب الحصادي كتابات كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : أوهام الخلط، وتقريظ المنطق، وتقريظ العلم، نهج المنهج، وليس بالعقل وحده، معيار المعيار، وأسس المنطق الرمزي المعاصر، وآفاق المحتمل، جدلية الأنا-الآخر، والريبة في قدسية العلم، قضايا فلسفية، نتح الكمال...الخ. علاوة علي أبحاثه الكثيرة المنشورة في أغلب الدوريات ومنها : ماهية الفلسفة، العولمة: الخيار الجيني، وقتل المرحمة، والوعي الفلسفي ومستقبل الفلسفة في الجامعات الليبية والخليجية، والوعي الزائف والنسبانية الأخلاقية، قيمية العلم، في التعليم العام- مشروع ليبيا 2025، ودفاع عن الارتيابية، وسجايا ليبية، وظاهرة الاندياح ومسألة الهوية، وفي الجزاء الأعظم، وتوقيت تنفيذ عقوبة الإعدام بين سوانح التراخي وعذابات الانتظار، واحترازات فلسفية، تعايش الليبي مع الآخر الأجنبي والجندري والديني، وفي العيش المشترك في ليبيا وفي مجالات جغرافية أخرى..الخ.

وأما في مجال الترجمة فقد حظيت بنصيب وافر من اهتمامات نجيب الحصادي، نذكر منها علي سبيل المثال: كيف يرى الوضعيون الفلسفة لـ Ayer، ونظرية المعرفة لـ  Chisholm،  وقراءات في فلسفة العلم لـ  Brody،  ورجال الفكر لـ Magee، ومن وجهة نظر منطقية لـ Quine، وإشكاليات فلسفية في العلم الطبيعي لـ Shaper، ودليل أكسفورد الفلسفي لـ    Honderich، والتفكير الناقد في القضايا الأخلاقية لـ Will، والتفكير الناقد: طرح الأسئلة المناسبة لـ  Neil Brown & Stuart M. Keeley، والجسد والنظرية الاجتماعية لـ Shilling... الخ.

وفي تلك الكتابات كان نجيب الحصادي يؤمن أن الفلسفة تقوم بدور حاسم في تشكيل الحضارات والوعي الإنساني علي مر العصور ؛ والحال أن كثيراً من الأنشطة التي دأب البشر علي ممارستها، إنما تعول في نظر الحصادي علي الفكر الفلسفي وترتكن إلي نهجه إبان إجراء أية عمليات نظرية تستهدف تبرير أو تأصيل مبادئها، أو الخوض، فإن العلم الذي يؤقره المرتابون في جدوي الفلسفة إنما ينهض علي أسس فلسفية صرفة.

وعلي ذلك غدت الفلسفة في العقود الأخيرة في نظر الحصادي موضع استرابة من جهات متعددة، حيث يوصف الجدل الفلسفي بأنه مجرد مماحكات لفظية، وتكال للفلسفة تهم بقصد تشويه صورتها في الأذهان والتقليل من قدرتها، تهم من قبيل الغموض المفتعل، وعوز الجدوي، وتكريس رؤي مريبة تشكك في القيم والعقائد التي يتبناها المجتمع . وقد أثر كل ذلك بدرجات متفاوتة علي تدريس الفلسفة في المدارس الثانوية والجامعات في مختلف أرجاء الوطن العربي، بقدر من أثر في عدد ونوعية من يقبلون علي دراستها ويطلعون علي أدبياتها ويعنون بأمر قضاياها، الأمر الذي قلل من فرص المقبلين علي دراستها في الحصول علي وظائف تناسب تطلعاتهم.

والفلسفة نشاط معرفي لا يقل أهمية عن العلم ولا يقل عنه جدارة بالاهتمام، حيث ثمة نزوع فطري كما يقول الحصادي نحو شطر فعل التفلسف يمكن استثماره في تحقيق مقاصد لا تختلف علي وجوب السعي شطرها.. ولا تبدا الفلسفة في ممارسة نشاطها الجدلي إلا عقب قيام أنشطة بشرية من قبيل العلم والفن والاقتصاد والسياسة، بإثارة مسائل لا يتسني حسمها باستخدام المناهج التقليدية، ما يحتم البحث عن مقاربات ورؤي وأساليب تقص جديدة تشترط اتخاذ مواقف فلسفية.

ويعطينا الحصادي مثالاً علي ذلك بأن النشاط العلمي يثير قضايا لا يقوي نهجه علي حسم أمرها . إنه يسكت عن الأسباب التي تعقلن المصادرة علي غايات بعينها (التفسير والتنبؤ خصوصاً)، قدر ما يسكت عن تحديد دلالات المفاهيم الحاسمة المتضمنة في آلية تحقيق هذه الغايات، مفاهيم من قبيل النظرية العلمية والدعم الاستقرائي والقانون الطبيعي.

والعلم لا يستغني عن الفلسفة بحال . حسبنا أن نقتصر في هذا المقام كما يقول الحصادي علي الإشارة إلي الدور الذي قامت به الفلسفة في تشكيل طبيعة العلم، وتحديد مناهجه، وتسويغ مصادراه، والدفاع عن قيمه. أما الفلسفة فهي في نظره رد المتكثر للأقل كثرة، رؤية الأشياء معاً من جهة الواحد، ولئن كانت الرؤية الفلسفية كلية بطبيعتها، فإنها تظل وليدة تساؤلات أفرزتها وقائع العصر في ظروف تاريخية بعينها، فالكلي لا يستبصر بمعزل عن العيني والمتشخص: لقد كانت الفلسفة في اقترانها بالحضارات كما يقول الحصادي وليدة روح عصرها ؛ إذ كان لكل عصر أسئلته الكبري التي تركت للفيلسوف كي يجيب عنها، ومعني هذا أن الواقع بكل أبعاده المعرفية والعلمية ونتاجاته الثقافية في حضارة ما، كان يثير التساؤلات التي تستدعي مهمة التفلسف، وبذلك فإن الفلسفة تبدو كحركة الوعي أو العقل النقدي الذي ينقد ويطور نفسه باستمرار في ضوء ما يطرحه الواقع من تساؤلات . غير أننا لا ينبغي أن نفهم الفلسفة كما يقول الحصادي كحركة للوعي أو العقل النقدي كما لو كانت هذه الحركة مجرد انعكاس لهذا تكون علاقة الفلسفة بالواقع؛ وخاصة الواقع الثقافي علاقة جدلية.

الفلسفة نشاط نقدي في أساسه، ولعل هذا كما يقول الحصادي يفسر عزوف عموم الناس عنها. المشقة التي نلقي في دراستها ناجمة من جهة عن صعوبة ما تعرض له من قضايا، عن كونها تخوض في مناطق غائمة، وعن كون الناس يستأنسون إلي دعة المألوف ؛ لكنها تنجم من جهة أخري عن لغة خطابها. الحديث عن حقائق جديدة يستدعي لغة جديدة (هيوم)، واللغة ليست مجرد وسيلة لتبليغ الأفكار، فهي كما يقول الحصادي :"مسكن الوجود (هيدجر)، كما أنها مشحونة دوما بافتراضات مسبقة، والفيلسوف الذي يرصد رؤي لا عهد لأسلافه بها يحتاج إلي استحداث لغة تتخلص من ظلال معاني الألفاظ المألوفة التي تلوكها الألسن وتفقدها دلالاتها".

وعن جدوي الفلسفة أكد نجيب الحصادي  أن ثمة جهات تتبني مواقف معادية من الفلسفة وتعتبرها خطراً علي قيمنا الروحية وعلي وجه الخصوص، فإنها تري في الفلسفة سبيلاً إلي نزعات مادية تنكر الدين وتعبث بالعقائد والقيم الأخلاقية، الأمر الذي يستوجب حماية النشء من آفاتها وخطر تدريسها في مختلف مراحل التعليم.

بيد أن هذه الجهات في نظر الحصادي تغفل أن النزعات المادية لا تعدو أن تكون نتاجا من نتاجات الفكر الإنساني، وأن المذاهب الروحية المتسقة مع روح الدين وتعاليم الأخلاق نتاج آخر لا يقل أصالة . لقد طرح مفكرو الإسلام، وكثير من فلاسفة الغرب والشرق، مذاهب فلسفية أصيلة تروم الحجاج عن النقل بالعقل، وتستهدف طرح أسس عقلية خالصة للعقائد الدينية. أكثر من ذلك أنهم اهتموا خصوصاً بدحض النزعات المادية التي تكشك في تعاليم مركزية في عقائدنا الثيولوجية.

ومن منحي آخر، ثمة مسائل فلسفية أصيلة لا تتعلق أصلا بالقيم والأخلاق كما يقول الحصادي، بل تعني بمفاهيم ابستمولوجية (معرفية) أو استاطيقية (جمالية) أو أنطولوجية (وجودية) لا تخفي أهميتها ودورها في تشكيل مسار الفكر الإنساني.

فضلاً عن ذلك، فإن الفلسفة في نظر الحصادي تمثل مشروع تنويري يكرس قيم العقلانية والموضوعية والتسامح والتعددية، ونبذها إنما يعمل علي تكريس توجهات ظلامية تخفي الحقائق وتطمس معالمها، قدر ما يشجع علي ازدهار حركات التطرف التي تتسم بنزوعات دوجماطيقية تعادي الآخر وترفض الحوار معه. الراهن أن الفلسفة لا تقتصر كما يقول الحصادي علي الدعوة إلي تكريس تلك القيم الإنسانية السمحاء التي يدعو إليها الدين نفسه، بل تعمل علي تسويغها وتبيان كيف أن تطور الحضارة البشرية رهن بالالتزام بها.

ولا تتضمن الدعوة إلي تدريس الفلسفة كما يري الحصادي الترويج لمذهب فلسفي بعينه، بل تخص علي تبني النهج الفلسفي في التفكير والجدل والإقناع، ولذا فإن دعوتي كما يقول الحصادي إلي تدريس الفلسفة إنما تقترن مع دعوة إلي تدريسها علي نحو بعينه.

بل يتعين أن نتذكر أن المنطق فرع رئيس من فروع الفلسفة كما يقول الحصادي، وأن الكشف عن الأغاليط ومختلف سبل التضليل التي تمارس في مختلف السياقات مهام تناط بهذا الفرع، ناهيك عن الدور الذي قام به المنطق تاريخيا في تطوير العلوم الرياضية وتأسيسها . إن الفلسفة التي يدعو إليها الحصادي هنا إلي وجوب تدريسها ليست معنية بما ارتآه هذا المتفكر أو ذاك، بقدر ما هي معينة بالسباب التي ركن إليها المتفكر حين ارتأي. مثال ذلك أنه قد يدرس كتاب في الأخلاق قضايا لا تؤرق المجتمع الذي نعيش فيه، لكن ذلك لا يعني أن الكتاب تعوزه الأهمية، فالأمر المهم ليس حل المسألة الأخلاقية، بل طريقة حلها، وكيفية الدفاع عنه، وفحص الافتراضات التي تم الركون إليها دون جدل. فحص الافتراضات المصادر عليها ليس بأي حال مهمة سهلة، لكنه ضروري. ذلك أن محاباة المرء كما يقول الحصادي تتجذر في الأشياء التي يقبل صدقها يقينا، وهي غالباً ما ترتهن بتاريخه الشخصي. يتوجب أن ندرك الافتراضات التي نصادر علي صحتها، فهي تمارس تأثيراً علي الرؤية التي نختار الدفاع عنها،بل تؤثر حتي في درجة ثقتنا في بعض الحقائق.

هذا يعني أن جدوي الفلسفة لا يستبان كما يقول الحصادي فيما يقره الفلاسفة من تعاليم، بل يتعين خصوصاً في نهجها الناقد، في قدرتها المستمرة علي إثارة الشكوك فيما نركن إليه من مزاعم، في حدس الفجوات المستسرة في صرح مفاهيمنا المعرفية والثقافية والأخلاقية، وفي دعوتها لقيام المرء بالدفاع عما يتبناه من رؤي، والتنصل مما كان أقر من مواقف بمجرد أن تتضح له مستجدات لم يكن قد أخذها في حسبانه.

والدراية التي تدعو إليه الفلسفة باعتراضات الآخرين علي ما يقره المرء من رؤي في نظر الحصادي إنما تسهم في تفهمه رؤاه وقدرته من ثم علي استبانة ما يعتورها من خطل . العاجز عن إدراك رؤي الخصوم عاجز بالتعريف عن تأسيس رؤيته، وهذا علي وجه الضبط هو حال من ينكر جدوي الفلسفة ويصر علي حظر تدريسها.

ولا يفوت الحصادي أيضا أن يذكرنا بالدور الحاسم الذي تقوم به الفلسفة في تربية وجدان الأفراد والمجتمع وتنمية احساساتهم ومشاعرهم الاستاطيقية. ثمة حاجات جمالية للفن الحقيقي تعمل أدبيات علم الجمال فهمها وتعميق فعل الاستمتاع بتلبيتها. بكلمات أخري، الفلسفة سبيل من سبل مكافحة التلوث الوجداني الذي يتعرض له المجتمع، وهي كما يقول الحصادي أقدر من غيرها علي تبيان الخلل الكامن فيما استشري من أعمال توصف بهتانا بأنها فنية.

وأخيرا ثمة تناقض ظاهر كما يقول الحصادي في موقف الداعين إلي تبني العلم وسيلة للخلاص مما تعانيه مجتمعاتنا من تخلف حين يتبنون الدعوة إلي حظر الفلسفة. إذا كان العلم معلمة الحضارة الإنسانية الراهنة الأساسية وكانت التقنية خيارنا في تطوير مجتمعاتنا، وإذا كانت الفلسفة تقوم بدور حاسم في تشكيل طبيعة العلم والدفاع عن قيمه، فإن الداعين إلي حظر الفلسفة، حال تبنيهم ذلك الخيار كما يقول الحصادي، إنما يمارسون سلوكيات" لودايتية" تلحق الضرر بالذات .

ويطول بنا المقال غير أني لا أملك في نهاية حديثي عن الدكتور نجيب الحصادي إلا أن أقول تحية طيبة لهذا الرجل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري مني لهذ الرجلٍ العظيم الذي لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علييعد الدكتور محمود فهمي زيدان (1927-1995م) واحدا من جيل رواد الفكر الفلسفي المصري المعاصر، ولا شك أن الدارسين يعرفونه جيدا كأحد هؤلاء الرواد الذين يحرصون في كل ما يكتبون علي الإضافة والتجديد والابداع، ولذلك فكل ما يصدره من مؤلفات تلقي اهتمام القراء، كما يعد من ألمع أساتذة الفلسفة المصريين والعرب ؛ فقد كان من أكثرهم قدرة علي توصيل فكرته الفلسفية بأسلوب واضح وأقوي بيان، كما كان من أغزرهم إنتاجاً، وتميز إنتاجه الفكري رغم غزارته بالأصالة والابتكار، فقد كان له نشر الوعي بالفلسفة وبأهم قضاياها ومناهجها، وبما كتبه في تاريخ الفلسفة؛ وخاصة الفلسفة المعاصرة عامة والمنطق وفلسفة العلوم علي وجه الخصوص. ورغم كثرة ما كتبه في ميادين الفلسفة المختلفة فإنه قد كتب واحداً من أهم مؤلفاته بعنوان "مناهج البحث الفلسفي "حيث جاء هذا الكتاب تتويجاً لخبرة فلسفية طويلة، جاء ليكشف عن التطور الفكري الجديد الذي ظل يعيشه صاحبه في أواخر حياته.

ومحمود فهمي زيدان هو واحداً من كبار أساتذة الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب – جامعة الإسكندرية الذين أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس في مجالها، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم، فهو واحدا من كبار مفكرينا الذين كانوا في القرن الماضي يشرفوننا في المؤتمرات والمحافل التي تهتم بالفلسفة الحديثة والمعاصرة في مصر وفي العالم العربي وأوربا، كما كان كذلك واحداً من أساتذتنا الكبار الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الحديثة والمعاصرة من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

كان الدكتور محمود زيدان قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وقد شهد له تلاميذه في مصر بالكفاءة والقدرة غير المحدودة علي اكسابهم مهارة التفكير الفلسفي وجعل الأفكار الفلسفية حية في نفوسهم وعقولهم وكان شديد التأثير في تلاميذه لما تميز به من حب لا محدود لتلاميذه لدرجة أن كان يهدي إليهم مؤلفاته المطبوعة من شدة اعتزازه بهم .

شارك محمود فهمي زيدان في عضوية العديد من الهيئات العلمية في مصر والعالم العربي كما كان دائم الكتابة والمشاركة بالمقالات في مختلف القضايا الفكرية في المجلات المصرية وخاصة "تراث الإنسانية" و" الفكر المعاصر".

وقد حصل محمود زيدان على ليسانس الآداب قسم الفلسفة جامعة القاهرة عام 1951، والماجستير في الآداب قسم الفلسفة جامعة القاهرة عام 1956، ثم حصل علي دبلوم عام في التربية جامعة عين شمس عام 1956 ـ ثم ماجستير في الفلسفة جامعة دبلنM Litt   من إيرلندا عام 1960 . وسافر إلى المملكة المتحدة وحصل على دكتوراه في الفلسفة من جامعة لندن عام . 1964

قدم محمود زيدان عدداً من المؤلفات مثل: الاستقراء والمنهج العلمي، كانط وفلسفته النظرية، المنطق الرمزي نشأته وتطوره، مناهج البحث الفلسفي، في النفس والجسد، من نظريات العلماء إلى مواقف الفلاسفة، فلسفة اللغة. ومن ترجماته: المسائل الرئيسية في الفلسفة، لأ لفريد إير...الخ.

في واحدة من أهم كتاباته الفلسفية في مجال الإبستمولوجيا ومناهج البحث العلمي كتابا حول "مناهج البحث الفلسفي"، أراد محمود زيدان في هذا الكتاب أن يعطينا خطاباً تجديدياً في منهج البحث الفلسفي، حيث حاول أن يحرر تاريخ الفلسفة من قيود القراءات التقليدية والأيديولوجية وإعادة تفسيره وتأويله من منظور واقع الحداثة ونقله إلى فضاء معرفي جديد. وهذا الكتاب نشر لأول مرة بالهيئة المصرية العامة للكتاب – فرع الإسكندرية عام 1977 وعدد صفحاته 140 صفحة ثم بسبب الإقبال الشديد عليه نشر عدة طبعات كان آخر الطبعة التي قدم لها الدكتور محمد فتحي عبد الله في 2015.

لقد تناول " منهج البحث الفلسفي " المنهج بوصفه يمثل الخطة المتبعة للوصول إلى نتيجة معينة لدي الفيلسوف، أو هو الترتيب الذي يتقيد به الفيلسوف في نظريته للوصول إلى نتيجة . وهو الطريق المؤدي إلى بلوغ الحقيقة الفلسفية، باعتبارها تمثل مجموعة العمليات الفكرية التي يحاول من خلالها الفيلسوف إدراك الحقيقة، مع إمكانية بيانها والتأكد من صحتها. وللمنهج الفلسفي في نظر زيدان يمثل مستوى نظري هدفه الوصول إلى الحقيقة، ومستوى عملي يتحدد باعتباره مجموعة الطرق التي يمكن للفيلسوف الوصول بواسطتها إلى نتيجة فلسفية معينة.

وإذا كانت العلوم التجريبية تقوم على منهج يتكون من الملاحظة والفرضية والتجربة، وهو منهج ينسجم مع موضوع الدراسة الذي يتألف من عناصر مادية، وبما أن مواضيع الفلسفة هي في الأغلب ليست مادية، فإنه كان الضروري ظهور منهج ينسجم مع موضوع الدراسة فيها، وعندما حاول الفلاسفة وضع هذا المنهج تبين لهم أنهم أمام مناهج وليس منهجا واحدا. ومن هذه المناهج : المنهج الفرضي، والمنهج الحدسي، ومنهج الشك، والمنهج الظواهري، والمنهج التحليلي.

وكان الدكتور زيدان قد قسم كتابه إلي ثمانية فصول ؛ حيث يحتوي الفصل الأول طبيعة النظرية الفلسفية، والفصل الثاني المنهج الفرضي، الفصل الثالث المنهج التمثيلي، والفصل الرابع  منهج الشك واليقين، والمنهج الخامس منهج الظواهر، والمنهج السادس منهج التحليل وجورج مور، والفصل السابع منهج التحليل ورسل، والفصل الثامن المنهج والمذهب في الفلسفة.

وفي الفصل الثاني والخاص بالمنهج الفرضي عند أفلاطون توصل زيدان إلي أن المنهج الفرضي يمثل أقدم المناهج الفلسفية، وهذا المنهج له صور عده ذكرها زيدان منها الحوار السقراطي وبرهان الخلف، وكان أفلاطون أول من استخدمه في صوره التي ذكرناها ؛ حيث اختار زيدان محاورة بارمنيدس مثالا لتطبيق هذا المنهج .

وإذا انتقلنا للفصل الثالث والخاص بالمنهج التمثيلي عند أرسطو، فنجد محمود زيدان يؤكد لنا أن أرسطو يعد أول من استخدم المنهج التمثيلي لعرض نظرية الغائية في الكون، ثم قدم لنا زيدان موجز نظرية أرسطو في غائية الكون لأنه وصل إليها كما يقول زيدان باستخدام المنهج التمثيلي، ثم وضح لنا أن هذه النظرية تتخلص من نقد الناقدين لذلك المنهج، ثم اكتشف زيدان بأن نظرية الغائية باب يمكن الدخول من خلاله إلي مذهب أرسطو كله، كما يمكن الدخول إلي هذا المذهب من أبواب أخري.

أما إذا انتقلنا للفصل الرابع والمتعلق بمنهج الشك واليقين، فيؤكد زيدان أن ديكارت كان أول فيلسوف يعلن في صراحة ضرورة البحث عن منهج فلسفي، وقد خصص لمنهجه الجديد كتابين : قواعد توجيه الذهن والمقال عن المنهج، وقد لاحظ زيدان أن هذين الكتابين يحويان إلي جانب المنهج إشارات واضحة إلي نظريات فلسفية جديدة سوف يفصلها ديكارت في كتب الية، كنظرية الكوجيتو، ولا مادية النفس الإنسانية، وتميزها من البدن، والأفكار الفطرية، والرياضيات الكلية، مما يوحي بالقول إن تلك النظريات نشأت مع المنهج الجديد، أو حتي قبل المنهج . ولذلك يقول زيدان أن المنهج جاء ليناسب نوعا معينا من النظريات كانت قد تكونت من قبل .

أما الفصل الخامس فيدور حول منهج الظواهر وفيه يؤكد زيدان أن أول من تميز به إدموند هوسرل أحد الفلاسفة الألمان المعاصرين الذين أحسوا الحاجة إلي إقامة الفلسفة علما، له موضوعاته، ومنهجه المحدد، ووصوله إلي قضايا صاغها مفكر لتصحيح السابقين عليه أو تطويرهم، وتلك مقومات العلم. وقد بذل هوسرل جهده في سد هذه الحاجة، فأقام ما سماه " فلسفة الظواهر" أو علم الظواهر .ولعله أحس أهمية قلق ديكارت وكنط في سبيل إقامة الفلسفة علما محتاج غلي تطور. لم يكتب هوسرل كما أخبرنا زيدان كتابا خاصا في المنهج مثلما فعل ديكارت، لكن يعتبر مقال " الفلسفة كعلم محكم" أصدق تعبير عن صرخته . ثم يؤكد زيدان بأن هوسرل لم يبدأ حياته الفكرية باحثاً في المنهج الفلسفي أو إقامة مذهب فلسفي، وإنما بدأها باحثاً في فلسفة الرياضيات، ما دونه في كتابه فلسفة الحساب، حيث قدم تحليلا للتصورات والقوانين الأساسية لعلم الحساب. ويقول زيدان أنه دخل إلي الفلسفة ومشكلاتها الأخرى عبر أصول الرياضيات تحت تأثير أستاذه فرانتس برنتانو فاتجه إلي البحث في المشكلات الفلسفية ما دونه أولا في كتابة البحاث المنطقية في جزئيين ثم انطلق إلي تعميق منهجه ومذهبه في كتبه التالية الكثيرة العدد.

وأما عن الفصلين السادس والسابع معاً فيدورا حول المنهج التحليلي، والذي يفيد إرجاع الكل إلى أجزائه، أو الانتباه إلى التصور ثم تحليله إلى تصورات أخرى تؤلفه، ثم إحصاء كل المعاني التي يدل عليها اللفظ ومحاولة التقاط الخاصية المشتركة بينها، فإن هذا المنهج قد بدأ في انجلترا مع جورج مور، ثم سار في طريقه فيما بعد برتراند راسل والفريد نورث هوايتهد، وكان هؤلاء يريدون الرجوع إلى العناصر الأولية البسيطة والوحدات الجزئية التي يقوم عليها الفكر والوجود، ثم العمل على توضيح حقيقة تلك العناصر والجزئيات والعلاقات التي تربطها بعضها ببعض. وبدأ تطبيق المنهج التحليلي على الرياضيات ليكشف الوحدات الأساسية التي ترتد إليها، وليوضح أنواع العلاقات التي تربطها فيما بينها. وفي الحقيقة فإن تحليل الرياضيات إلى عناصرها عملية شرع فيه قبل ذلك بيانو الذي رد العلوم الرياضية كلها إلى علم الحساب، ثم قام بعد ذلك بتحليل علم الحساب ورده إلى ثلاثة مبادئ أولية بسيطة وأطلق عليها اللامعرفات وهي الصفر والعدد والفئة، وظن بيانو أن تلك هي أخر المبادئ التي يمكن تحليل الحساب إليها. لكن جاء راسل واستخدم منهج التحليل على العدد ووجد أنه بدوره يرتد إلى فكرة الفئة التي هي من مباحث المنطق، وهكذا وجد أن المبادئ الأولية للرياضيات ترتد إلى المنطق واستمر هذا الاتجاه التحليلي مع الوضعية المنطقية التي ظهرت عند موريس شليك في فينا، ثم حمل لوائها بعد ذلك آير  وكارناب . وبهذا يمكن القول أن  الفلسفة التحليلية هي نتاج مشترك لتزاوج مذهب جورج مور وأفكار الوضعيين الجدد .

وأما فيما يتعلق بالفصل الثامن والأخير والخاص بالمنهج والمذهب في الفلسفة، فيحاول زيدان أن يجيب عن الأسئلة التي طرحها في مقدمة الكتاب، وهي : هل هناك منهج محدد للبحث الفلسفي يلتزم به الفيلسوف حين يقيم إحدي نظرياته ؟ وطالب الفلسفة لا يعرف في وضوح هذا المنهج كما أن ليس بين الفلاسفة أجمع علي منهج واحد يلتزمون به. فهل هذا الغموض في أذهان طلاب الفلسفة عن جهل فيهم ؟ أم أن الفكر الفلسفي يقتضيه؟ وهل هذا التباين بين الفلاسفة في مناهجهم مرض يتطلب علاجاً؟ أم أنه طبيعة الفكر الفلسفي ؟ وهل يمكن للفلسفة أن تكون علماً، أي هل للفلسفة موضوعات محددو ومنهج محدد ونتائج مثمرة يتناولها فيلسوف عن سابقه يصححها أو يعدلها أو يطورها؟

ويجيبنا زيدان فيقول : "وصلنا في الفصل الأول إلي أن الفلاسفة ليسوا مختلفين علي النحو الذي تلوكه ألسنة أعدائهم، لأن بين الفلاسفة اتفاقا كبيرا علي موضوعات بحثهم، وأن مذاهب الفلاسفة المختلفة تنطق باتصال الفيلسوف عن سابقيه إفادة وتطويرا . ورأينا أن اختلاف الفلاسفة مرتبط بمعيار الحكم علي نظرياتهم، ووصلنا في الفصل الأول أن لا صدق أو كذب في النظرية الفلسفية، وإنما يجب أن نتحدث فقط عن قبول نظرية ما والاقتناع بها، وعدم قبول أخري وعدم الاقتناع بها، وحددنا مقومات الاقتناع بالبساطة والشمول، لكن يظل الاقتناع معيارا ذاتيا؛ ونريد استكمال البحث في اختلاف الفلاسفة، وفي معيار الاقتناع بنظرياتهم. وينتهي زيدان من حديثه إلي أنه " ليس للفلسفة منهج واحد، وإنما هدة مناهج ".

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لمحمود فهمي زيدان الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري مني لهذ الرجلٍ العظيم الذي لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله أستاذنا الدكتور محمود زيدان، الذي لم يختلف عليه أحد والذي بالفعل صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق، ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ضياء نافعهم ليسوا بكثيرين، هؤلاء الذين درسوا في كليات الصحافة بالجامعات الروسية وحصلوا على شهاداتها، وعمل قسم منهم في الجامعات وبرزوا فيها، ولكننا نريد التوقف هنا عند بعض الاسماء العراقية المختارة بينهم، الاسماء التي برزت في العمل الصحفي التطبيقي بالذات، اي اصبحوا صحافيين محترفين فعلا بعد تخرجهم في تلك الجامعات، وهؤلاء هم - وحسب حروف الهجاء – كل من المرحوم د. جلال الماشطة والمرحوم سعود الناصري ود. سلوى زكو ومحمد كامل عارف . ان كل واحد من هؤلاء الصحافيين يستحق ان نكتب عنه مقالة تفصيلية خاصة به، كي نوفيه حقه ونتحدث بشكل موضوعي وشامل عن مكانته ونشاطه الصحفي الابداعي، ونرسم للقارئ صورة متكاملة عن دوره في مسيرة الصحافة والاعلام . ونبدأ بالمرحوم د. جلال الماشطة، ونقدم للقارئ موجزا عن مسيرته الصحفية الحافلة، ونأمل (عندما تسمح ظروفنا) ان نعود لاحقا للحديث عن الاسماء الاخرى من هؤلاء الخريجين الكبار في كليات الصحافة من الجامعات الروسية، الاسماء اللامعة في دنيا الصحافة العراقية والعربية ايضا .

نتوقف عند اسم المرحوم د. جلال الماشطة . قصة جلال مع الصحافة طريفة جدا، اذ لم يصل اليها رأسا، فقد درس اول الامر في معهد الطاقة مع أخيه صلاح الماشطة (صديق العمر بالنسبة لي منذ 1959 ولحد الان)، وكان طالبا متقدما في دراسته تلك، وكان واضحا انه سيكون مهندسا كهربائيا ناجحا، الا انه بدأ منذ دراسته في معهد الطاقة بالميل (بفتح الياء) نحو الادب واللغة والعلوم الانسانية عموما، وأخذ يقترب من جماعات طلابية عراقية كانت تهوى الادب والفكر، وقد ساعدت معرفته العميقة للغة الروسية على هذا التوجّه الادبي، وهكذا اصبح هذا النشاط الهاجس الاساسي بالنسبة لجلال لدرجة، انه بدأ يشعر بالندم لانه اختار دراسة لا تتناسق وهوايته هذه وميوله الفكرية، بل - و يمكن القول- حتى مع طموحه الشخصي، وهكذا وصل الى قرار شجاع سيغير مجرى حياته، وهو – ترك معهد الطاقة والانتقال الى الدراسة في كلية الصحافة رغم كل تلك السنين الناجحة دراسيا في ذلك المعهد. وقد كلّفه هذا القرار الرجوع الى العراق والعودة ثانية الى موسكو للبدء بتلك المسيرة الجديدة، ونجح بتحقيق رغبته رغم كل الصعوبات الهائلة التي عانى منها نتيجة لهذا القرار، الصعوبات الادارية والبيروقراطية ومواقف الآخرين وتدخلاتهم و(سيل نصائحهم !)، ويمكن القول الان – وبكل ثقة – ان جلال حقق آنذاك اول نصر باهر وكبير في حياته الشخصية، اذ انه اكتشف نفسه، وعلى اساس هذا الاكتشاف أخذ يبني مستقبله . وهكذا بدأ جلال بالسير في طريق الترجمة، مستخدما معرفته العميقة للغة الروسية، واصبح واحدا من ألمع المترجمين العراقيين في الاتحاد السوفيتي (انظر مقالتنا بعنوان – المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي)، وتخرج في الوقت نفسه في كلية الصحافة بجامعة موسكو (حصل بعدئذ على شهادة الدكتوراه في الصحافة والاعلام)، ثم اصبح مدير مكتب صحيفة الحياة في موسكو، وهكذا دخل عالم الصحافة من اوسع ابوابه، وبرز اسمه في هذه الصحيفة اللندنية الشهيرة باعتباره صحافيا موهوبا يغطي ما يجري في موسكو من احداث تخص مسيرة الاتحاد السوفيتي والعالم العربي. وعاد جلال الى العراق رأسا بعد الاحتلال الامريكي وسقوط نظام صدام، وتفاعل مع الاحداث السياسية الكبيرة المعروفة باعتباره صحافيا مرموقا، واصبح رئيس تحرير صحيفة (النهضة) البغدادية، والتي كانت واحدة من اوائل الصحف الجديدة الواسعة الانتشار بين القراء العراقيين في تلك الفترة، ثم انتقل جلال بعدئذ للعمل في الاذاعة والتلفزيون واصبح المسؤول الاول في تلك المؤسسة الاعلامية المهمة، ثم استقال احتجاجا على بعض الاعمال التي حدثت فيها، ثم اصبح مستشارا ثقافيا للرئيس جلال الطالباني، واخيرا اصبح سفيرا للجامعة العربية في موسكو، ولكنه رحل مبكرا عن الحياة مع الاسف الشديد نتيجة مرضه، وتم دفنه في موسكو.

جلال الماشطة ومسيرته الصحفية الحافلة تصلح ان تكون موضوعا للبحث في علم الصحافة بشكل عام، وفي تاريخ الصحافة العراقية بشكل خاص، موضوعا يمكن ان يكون كتابا خاصا او اطروحة جامعية للماجستير اوالدكتوراه، اذ ان مسيرته الثقافية في دنيا اللغات و الترجمة والصحافة وصولا الى المناصب الرفيعة التي شغلها تعني الحديث عن هؤلاء العراقيين الموهوبين، الذين شقّوا طريق نجاحاتهم بعملهم الذاتي البحت، عملهم العنيد والدؤوب، والذين استطاعوا اكتشاف طاقاتهم الابداعية و استخدموها للوصول الى اهدافهم .

 

أ. د. ضياء نافع

 

محمود محمد عليكان أبو الحسن علي بن عيسي الرماني (ت:384هـ) متقننا في علوم كثيرة، منها النحو، واللغة والعروض، والفقه، والمنطق، والنجوم، والكلام علي مذهب المعتزلة  (132). وقد ظهر أثر هذه الثقافات الواسعة في مؤلفاته التي تجاوزت المائة، حيث تناولت موضوعات: النحو، واللغة، والقرآن، والفلسفة، والكلام. ومن الكتب التي وضعها في الكلام والاعتزال: "مقالة المعتزلة" و"الرد علي الدهرية" و"صنعة الاستدلال"، و"أصول الجدل"، و"أدب الجدل" و" الرسائل في الكلام" و"جوامع العلم في التوحيد" . وكان من عنايته بهذه العلوم الكثيرة ووضعه فيها الكثير من الكتب، أن أصبح معروفاً بـ "الجامع" و" صاحب التصانيف المشهورة في كل فن .

وقد ولِدَ الرماني في سنة 296 هـ ما يوافق 909 م، ويعود نسبه إلى سامراء، ومكان ولادته مختلف عليه، وكلمة الرماني في اسمه قد تشير إلى قصر الرمان وهو قصر معروف بمدينة واسط، أو أنَّها تُشِير إلى مدينة الرمان على رأي من يقول بولادته في تلك المدينة، وكان يُعرَف أيضًا بالوراق والإخشيدي.

تذكر بعض المصادر أنَّ الرماني ولد في مدينة بغداد، بينما تذكر مصادر أخرى أنَّه ولد في مدينة سامراء أو الرمان ثُمَّ انتقل في صغره إلى بغداد. نشأ الرماني في بغداد، وأخذ النَّحو عن الزجاج وابن السراج، والعربية عن أبي بكر بن دريد، وعلوم الدين والعقيدة عن ابن الأخشيد المعتزلي.

ويُعد واحداً من أشهر نحاة المدرسة البغدادية، وكان يميل إلى آراء نحاة البصرة، ولسيبويه - إمام نحاة البصرة - تأثير هائل عليه، إلا أنَّه انتهج أسلوباً فريداً في النَّحو، فكان تعامله مع المسائل النَّحوية مشحوناً بالفلسفة والمنطق، حتى قال أبو علي الفارسي: «إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان النحو ما نقوله فليس معه منه شيء»، وقال أحد الأدباء: «كنا نحضر عند ثلاثة مشايخ من النحويين، فمنهم من لا نفهم من كلامه شيئاً، ومنهم من نفهم بعض كلامه دون البعض، ومنهم من لا نفهم جميع كلامه، فأما من لا نفهم من كلامه شيئاً، فأبو الحسن الرماني، وأما من نفهم بعض كلامه دون البعض فأبو علي الفارسي، وأما من نفهم جميع كلامه فأبو سعيد السيرافي». اشتهر الرماني في بغداد، وجلس في مجلسه عدد من الطلاب، نَبَغَ منهم أبو القاسم الدقيقي، وكان أبو القاسم خليفته بعد وفاته. اشتغل الرماني بأمور الفكر والعقيدة، وكان معتزلياً في عقيدته، وله تفسير مشهور للقرآن، وتُفِيد كثير من المصادر أنَّه كان شيعياً، إلا أنَّه لم يكن إمامياً في تشيعه، غير أنَّ روايات عنه تُفِيد خلاف ذلك. تُوفِّي الرماني في 11 جمادى الأول من سنة 384، ما يوافق 994 من التقويم الميلادي، عن عمر 85، أثناء خلافة القادر بالله

لقد كان من مزج الرماني لثقافات عصره،وخلطه لها أن تداخلت عنده ألوان العلوم التي بحث فيها، حتي غدت ممسوخة مشوهة، فأنكرها أصحاب الاختصاص فيها علي أيامه، يقول أبو حيان التوحيد (ت: 414هـ) فيه :" .. وأصحابنا يأبون طريقته . وكان "البديهي الشاعر" يحط عليه، ويقول فيما حكاه أبو حيان : ما رأيت علي سني وتجوالي وحسن انصافي لمن صبغ يده بالأدب، أحدا أعري من الفضائل كلها، ولا أشد ادعاءً لها من صاحب " الحدود " .. راجعت العلماء في أمره، فقال المتكلمون، ليس فنه في الكلام فننا، وقال النحويون : ليس شأنه في النحو شأننا، وقال المنطقيون : ليس ما يزعم أنه منطق منطقاً عندنا . وقد خفي مع ذلك أمره علي عامة من تري " .

ولم يكتف  " أبو حيان التوحيدي "  بذلك، بل سعي إلي وصفه بأنه " عالي الرتبة في النحو واللغة والكلام والعروض والمنطق وعيب به "، وعقب علي ذكر المنطق بأنه كان له منحي خاص، غير منحي أصحاب هذا العلم المنقطعين له فقال " وعيب به " إلا أنه كذا، ولعل الصواب : لأنه لم يسلك طريق واضع المنطق، بل أفرد صناعة وأظهر براعة " .

وقد ظهر هذا واضحاً جدا في شروحه لكتاب سيبويه، ولمقتضب المبرد ولأصول ابن السراج، وهي الشروح التي كانت معرضا لأساليب الجدل والاحتجاج وصورة ناطقة بغلبة المنطق عليها وبشدة تأثر مصنفها، مما حمل معاصره " أبا علي الفارسي " علي انتقاده بقوله : " إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس منه شئ، وإن كان ما نقوله نحن فليس معه منه شئ " .

وقد علق أبو حيان التوحيدي نقلا عن السيوطي علي ذلك بقوله :" النحو ما يقوله أبو علي، ومتي عهد الناس أن النحو يمزج بالمنطق، وهذه مؤلفات الخليل وسيبويه، ومعاصريهما، ومن بعدهما بدهر، لم يعهد فيه شئ من ذلك ".

ومن كل ما سيق يتضح لنا أن الرجل كان له مذاهب خاصة في جملة العلوم التي شارك فيها، وما يعنينا إنما هو آثار المنطق الأرسطي في منهجه النحوي، ويظهر أن أول ما استهواه من المنطق إنما هي فكرة الحدود، وقد وضع في هذا كتاب " الحدود في النحو " الذي يعرض فيه لمعاني الأسماء التي يحتاج إليها في النحو بالتعريف والتحديد، وتنقسم هذه الأسماء أو هذه المصطلحات التي يوردها الرماني في هذا الكتاب إلي مصطلحات منهجية مثل القياس والبرهان والحكم والعلة والغرض والسبب والعامل، ومصطلحات منطقية مثل الجنس والنوع والنقيض والخاصة والمادة والصورة، ومصطلحات نحوية مثل الاسم والفعل والحرف والبناء والتغيير والتصريف والجملة، ومصطلحات بلاغية مثل الحقيقة والمجاز والاستعارة " .

وأول ما يلاحظ هنا أن الرماني ينادي بأن النحو محتاج للمنطق، وبذلك تصبح المفاهيم المنطقية في رأيه أمرا يحتاج إليه النحو، كما يلاحظ أن تعريفات الرماني لهذه المفاهيم تعتمد مع الجوانب التي يمكن استغلالها في النحو، وليس كل عناصر هذه المفاهيم كما عرفت في مصادرها المنطقية، ولعل ذلك يفسر لنا هذه الرواية التي ينفي فيها المناطقة أن يكون الرماني واحدا منهم .

إن من يقف علي " شرح كتاب سيبويه " للرماني لا يسعه إلا أن ينكر أن يكون هذا الشرح مادة نحوية، إذ يجد نفسه أمام مادة ليست مشحونة بألفاظ المنطقيين وتراكيبهم وحدودهم فحسب، بل هي مؤسسة وقائمة علي منهج البحث المنطقي من حيث البناء والتقسيم والتعليل والاستدلال    فمثلا يعرف الرماني " القياس " بقوله : " القياس جمع بين أول وثان يقتضيه في صحة الأول صحة الثاني، وفي فساد الثاني فساد الأول "، وهذا التعريف يحتمل تفسيرين، إما أنه يشير إلي نظرية القياس الأرسطي فيكون الأول هنا هو المقدمات والثاني هي النتائج، فإذا صحت المقدمات صحت النتائج، وإذا فسدت النتيجة دلت علي فساد المقدمات، كما أنه يشير إلي نظرية القياس الفقهي التي تشابه نظرية التمثيل الأرسطي، فيكون الأول هو المقيس عليه والثاني هو المقيس، ولكن التعريف في كلتا الحالتين لا ينتمي انتماءً خالصا لإحدى النظريتين، فهو لا يساير نظرية القياس الأرسطية في مجموعها، حيث قد تنتج هناك نتائج صحيحة عن مقدمات كاذبة وكما أنه لا يساير نظرية القياس الفقهي لأن فساد المقيس لا يؤدي إلي فساد المقيس عليه، ولأنه لا يشير إلي فكرة الجامع بين المقيس والمقيس عليه، وهي فكرة أساسية في القياس  الفقهي .

وإذا انتقلنا إلي المفاهيم النحوية فإن أول ما نلاحظه أن الرماني قد استطاع أن يصوغ هذه المفاهيم صياغة منطقية، يبدو هذا واضحا من تعريفه لعلم النحو، حيث يقول " صناعة النحو مبنية علي تمييز صواب الكلام من خطئه علي مذاهب العرب بطريق القياس الصحيح "، وهو نفس الغرض من المنطق الذي بناه أرسطو وأكده فلاسفة العرب .

ومن العناصر المرتبطة بمفهوم النحو عند الرماني تعريفاته للعامل والإعراب والبناء والجملة والمعني واللفظ والكلام من تجرد وحصر للمحدود . فالعامل هو " موجب لتغيير في الكلمة علي طرق المعاقبة لأتلاف المعني والأعراب هو " تغيير آخر الاسم بعامل " . والجملة هي المبنية علي موضوع ومحمول للفائدة .

وتكاد تعريفات الرماني لأجزاء الكلام تكون أرسطية في جوهرها فهو يعرف الاسم يقول : الاسم كلمة تدل علي معني من غير اختصاص بزمان دلالة العيان " وعرف الفعل بأنه كلمة تدل علي معني من غير متخصص بزمان دلالة الإفادة من معناه في غيرها " .

أما إذا انتقلنا إلي الجانب التطبيقي من نحو الرماني ونعني به شرحه لكتاب سيبويه، فإننا نجد مبدأ التعليل يكاد يشكل صلب المنهج الذي أصطنعه الرماني في إعادة صياغة النحو العربي .

ومن أمثلة تعليلات للأحكام النحوية فكرة وجوب إتباع الصفة للموصوف : يقول الرماني " وإنما وجب في الصفة أن تتبع لأنها بمنزلة المكمل لبيان الأول، ومع أن الثاني فيها هو الأول... وقلنا هي مكملة لبيان الأول ليفرق بينها وبين الخبر الذي هو الأول، إلا أنه منفصل منه وليس معه بمنزلة اسم واحد " .

وكذلك تعليله لجواز أن يوصف الموصوف الواحد بصفات كثيرة لأنه يحتاج إلي تخصيص الموصوف بصفات كثيرة، إذا يكون بوصفين أخص منه بصفة واحدة، وثلاث صفات أخص منه بصفتين، وكأننا هنا أمام فكرة المفهوم والماصدق في المنطق الأرسطي، بحيث كلما زاد الماصدق قل المفهوم والعكس صحيح، وهي الفكرة التي تقوم عليها نظرية الحد المنطقي .

هذه هي بعض النماذج التي تبين مزج النحو بالمنطق عند الرماني، وهي أن دلت علي شئ تدل علي أن الرماني يعد بحق أكبر المناصرين لمزج النحو بالمنطق الأرسطي بعد ابن السراج.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

 

عبير خالد يحيىزيارتي لتونس الخضراء كانت حلمًا راودني منذ نعومة أظافري، سيما في سنتي الدراسية الخامسة من المرحلة الابتدائية عندما كنا نتدرّب على رقصة على أغنية (بساط الريح) لفريد الأطرش والتي كتبها بيرم التونسي، يأتي فيها على ذكر كل البلدان العربية، لا أدري لمَ كنت أنتظر المقطع الذي يتغنى فيه بتونس الخضراء قائلًا: (تونس أيا خضرا.. يا حارقة الأكباد .. غزلانك البيضا تصعب على الصياد .. غزلان في المرسى والا في حلق الواد.. على الشطوط تعوم ما تخاف صيد المي)، رغم أني كنت ولا زلت أتمنى زيارة كل البلدان العربية، وكان المفروض أن نشارك بتلك الرقصة بفعالية فنية في بغداد أو في مصر ولبنان والأردن ودول الخليج، وبقية الدول العربية، وتحقق ذلك الحلم قبل حوالي أسبوع بدعوة من الشاعر التونسي نجم الدين حمدوني لحضور مهرجان شعر الحرية الدولي للثقافة والسياحة بدورته الثامنة في مدينة سيدي بوزيد، وكانت مقررة بشهر أبريل من هذا العام 2019، لكن – ولحكمة أدركتها لاحقًا- تأجلت الفعالية لنهاية شهر حزيران، طبعًا لن أتحدث عن موضوع الفيزا وأنها تأخرت أكثر من شهرين حتى صدرت، وسافرت إلى هناك بالرغم من عدة أمور حدثت وقفت عندها قليلًا، منها أن صديقتي الشاعرة المصرية التي كنا سنترافق معًا بهذه السفرة أصابتها وعكة صحية مفاجئة منعتها من السفر، ومع ذلك سافرت من مطار القاهرة، وصلتُ مطار قرطاج، وتوجهت من هناك إلى سيدي بوزيد والتي تبعد حوالي 5 ساعات عن تونس العاصمة، كان في استقبالي هناك الأستاذ حمدوني منظم المهرجان والذي استقبلني بترحاب كبير، أنزلني في الفندق لأرتاح من تعب السفر، وفي الصباح الباكر انتقلت مع مرافق شاب من الفريق المنظم للفعالية ليأخذني في جولة في المدينة، وبعدها إلى المركّب الشبابي (مجمّع شبابي رياضي وثقافي)، استرحت في الغرفة المخصصة لي حتى افتتاح المهرجان بتجمّع عدد من الشعراء والشاعرات الذين قدموا من مدن تونسية مختلفة، وكنت أنا مع الذين جاؤوا من خارج تونس، كالجزائر والعراق، وكنت أول من دعيت لإلقاء قصائدي، بعد كلمة منظم المهرجان، لأمثّل بلدي الحبيب سوريا، وتوالى من بعدي الشعراء والشاعرات، فأتحفونا بقصائد لافتة، لم نشبع من الشعر، فارتأى الأستاذ نجم أن نعود إليه في أمسية تلك الليلة مرة أخرى، وكانت الأمسية مقررة لسماع أغنيات تراثية، فترافق الشعر متناوبًا مع الغناء التراثي، بعد عشاء لذيذ الذي كان مكوّنًا بشكل رئيسي من طبق تونسي (الكسكسي) وهوطبق تقليدي في تونس وكل بلاد المغرب العربي، وأثناء الأمسية تعرفت على الشعراء والشاعرات، وتواصلنا بأريحية الحديث و كأننا نعرف بعضنا منذ زمن طويل، المفاجأة كانت عندما أعلن الأستاذ نجم عن برنامج اليوم الثاني والذي جعله صباحية ثقافية طلب مني فيها أن أتحدث عن الذرائعية كمنهج نقدي عربي جديد، وما أن بدأت حتى وجدت كل انتباههم عند ما أقول، قدّمت لهم موجزًا مختصرًا جدًّا عن الذرائعية وبماذا امتازت عن باقي النظريات النقدية، وعلى ماذا ترتكز وبماذا تهتم، وما هي آلياتها، وكيف قدّمها المنظر العراقي عبد الرزاق عوده الغالبي وكيف طبّقتها أنا، لأجدهم في نهاية دقائق لم تتعدَ الخمس عشرة دقيقة يصفقون بإعجاب ويسألونني في تفاصيل، استأنفنا الفعالية التي انتهت بتوزيع شهادات تقدير على الحضور.

وعند الظهيرة شددت الرحال إلى مدينة القيروان، المدينة التاريخية التي تبعد حوالي ساعتين عن سيدي بوزيد، بدعوة من صديقتي الشاعرة التونسية سامية فطوم التي استقبلتني بترحاب وأريحية عربية، وتناولت طعام الغداء مع أسرتها الكريمة، بعدها ذهبنا في جولة في مدينة القيروان القديمة، زرنا مسجد ومقام الصحابي الجليل (أبي زمعة البلوي) وهو من الصحابة الكرام الذين شهدوا بيعة الرضوان، كما زرنا فسقية الأغالبة، وهي عبارة عن بركة كبيرة جدًّا يتم فيها تجميع المياه، زرنا أيضًا مسجد عقبة بن نافع، وتجولنا في المدينة القديمة ضمن سورها الأثري الكبير، وبين مبانيها وشوارعها الضيقة التي لا تدخلها السيارات ولا المركبات الأخرى، زرت المركّب الثقافي في القيروان ووقفت عند صرح قصيدة قالها نزار قباني في أفريل 1995 مشيدًا بمدينة القيروان.

وقفت تحت النوافذ الزرقاء، لمست كل مدقّات الأبواب الكبيرة، دققت على أبواب الزمن، أحلم بصوت يأتيني ملبيًا، يفتح لي الباب لألتقي مجد الأجداد.. في المساء كانت كل الأبواب موصدة، بما فيها باب بيت الشعر، أبواب نامت خلفها الحكايات، لكن الصباح كان كريمًا، ففي صباح اليوم التالي كنا على موعد مع الشاعرة والأديبة (جميلة الماجري) مديرة بيت الشعر في القيروان، والتي تفضّلت بدعوتي عن طريق شاعرات القيروان (اليعقوبيات) - وهن ثلاث أخوات شاعرات من عائلة اليعقوبي- لزيارة بيت الشعر، تحدّثنا عن عراقة المكان، والذي كان عبارة عن قصر قديم تم تهيئته ليكون بيتًا للشعر، يتم فيه عقد الكثير من المهرجانات والمناظرات الشعرية و الملتقيات الأدبية والثقافية، أهدتني أحد دواوينها وأهديتها ديواني الأخير(قصيدة لم تكتمل)، وافترقنا على اتفاق بالتعاون والتواصل. بعدها أكملنا جولة سياحية داخل بيت الشعر وخارجه، وقرأت العديد من اللافتات التي كانت تعلن عن فعالية مهرجان ربيع الفنون الدولي، واختتامها قبل أيام، زرنا مجددًا جامع عقبة بن نافع حيث لم يتح لي في اليوم السابق الدخول إلى داخل المسجد وهو آية عمرانية فريدة بأقواسه الكثيرة التي تشبه مسجد الحمراء في غرناطة، وتيجان أعمدته المختلفة، ثم زرنا مقام سيدي عبيد الغرياني الأثري الذي تم تحويله إلى ملتقى ثقافي، وهو أيضًا آية بالجمال العمراني الإسلامي القديم، زرنا أيضًا بئر برّوطة، وهو بئر قديم جدًّا وعميق جدًّا وله قصة طريفة، وهي أن بعض الصحابة أصابهم العطش وهم في رحلة في المنطقة، افتقدوا كلبة ترافق قافلتهم تدعى (روطة) هربت منهم، عندما عادت إليهم كانت أطرافها مبلّلة، قادتهم إلى المكان الرطب، حفروا فيه فكان تحته البئر، الذي لفتني وجود جمل مربوط بحبل يلتف على بكرتين كبيرتين متعامدتين، يدور الجمل فتخرج الدلاء المربوطة بالحبل مملوءة بالماء، والمقولة أن من يشرب من البئر لا بد أن يأتي مدينة القيروان مرات عديدة، الجمل يأتون به صغيرًا ويكبر في نفس المكان إلى أن يموت، ثم يأتون بغيره وهكذا، وعلى ذراع المحور الذي تدور حوله البكرتان رُبطت العديد من المناديل والمزق القماشية الملونة، عقدها أصحابها مع أمنياتهم على أمل أن تتحقق، أنهينا الجولة بشراء الحلوى المسماة ب (المقروض) والتي تختص بها مدينة القيروان تحديدًا، وهي عبارة عن عجين محشو بالتمر ومقلي بزيت الزيتون أو السمن، ومغطس بالقطر أو العسل كما يسمونه، عند هذا الحد انتهت جولتي بالقيروان، مدينة الصحابة والأولياء والصالحين، مدينة الثقافة والفقه والشعر والأدب، مدينة العراقة التي تعبق فيها رائحة الأمجاد، غادرتها بعد الغداء الشهي الذي أعدّته لنا أخت صديقتي سامية، ودّعوني وداعَ الأهل، رافقتني صديقتي إلى محطة الركاب، ومن هناك انطلقت إلى تونس العاصمة ...

وفي تونس العاصمة كنت على موعد مع صديقتي الليبية الشاعرة و الإعلامية نيفين، رافقتني في باقي أيام جولتي، لم يسعفنا الوقت بأكثر من عشاء في مطعم من مطاعم شارع بورقيبة، لآوي بعدها إلى الفندق الذي حجزت لي فيه صديقتي إقامة لمدة ثلاثة أيام، هي ما تبقى من رحلتي قبل سفر العودة. في اليوم التالي، ومنذ الصباح الباكر توجهنا إلى مدينة الحمّامات، يوم استجمام تمتعنا فيه بالعوم والسباحة سيما أن درجة الحرارة تجاوزت 40درجة مئوية في العاصمة- ويقيني أنها أعلى بكثير- اختلفت المعالم العمرانية عن القيروان، فهنا المباني الحديثة والأسواق العصرية، والطرقات الإسفلتية وليس الحجرية، اشتريت من سوق الحمامات بعض الهدايا المصنوعة يدويًّا من الفخار والجلديات، في اليوم التالي كنت على موعد مع جمال الطبيعة وسحر مدينة سيدي بوسعيد والمدن القرطاجية التي كانت تبهرنا في الطريق، انطلقنا في القطار كي لا يفوتنا أي منظر جمال طبيعي، رغم شدة الحرارة والرطوبة العالية أكملنا جولتنا، كانت الليموناضة الباردة وسيلتنا لإطفاء الحرارة العالية، تنقلنا بين أزقة المدينة السياحية الرائعة، حيث التقينا بالعديد من الأفواج السياحية الأجنبية، تمتاز أبنية المدينة باللونين الأزرق والأبيض في تنافس راق في مسابقة للجمال، لوحات فنية لفنانين محليين احتلت الأرصفة، تلة عالية من بعدها تتهادى البيوت الفخمة التي تشهد على أيام عزّ عاشها أصحابها، لتنتهي في عناق حميمي مع البحر، ومن أعلى مقهى رصدت عدستي ميناء اليخوت، خلفه وعلى امتداد غير بعيد التقاء جبل عال مع البحر، منظر ساحر فعلًا!

مدينة (مرسى) كانت وجهتنا التالية بعد أن لحقت بنا صديقتنا الشاعرة القيروانية سامية، مدينة ساحلية رائعة الجمال، قضينا الوقت نتنقل بين معالمها الحيوية، مدينة مفعمة بالنشاط والحركة، الجو فيها لطيف بأنسام رقيقة، غادرناها في المساء، لأقضي ليلتي الثالثة في تونس العاصمة، وصباح اليوم الأخير كان في مدينة الثقافة التي ذهبنا إليها مشيًا على الأقدام لقربها من الفندق، بناء كبير وقبة كروية زجاجية، نخلات عالية تصطف على مدخل الصرح الذي ولجنا فيه لنلتقي بالناقد والأديب الكبير كمال الرياحي مدير (بيت الرواية) والذي كان مشغولًا بالإعداد لمسابقة عنوانها مسابقة القرّاء، وكان موعدها في اليوم التالي، ومع ذلك دعانا إلى مكتبه، وتحدّثنا بأزمة القرّاء والقراءة، وشرح لنا أن المسابقة تقوم على توزيع كتب وأعمال بعض الأدباء على القراء، يقرؤونها، ثم يدعوا بيت الرواية الأدباء والقرّاء إلى ندوة، يناقش فيها القرّاء عمل الأديب بحضوره، ويقيّمون العمل من خلال تلقّيهم له، والجائزة عبارة عن العديد من الكتب والأعمال المطبوعة يفوز بها القرّاء، هذه المسابقة عنوانها (روايات الصيف) ومثلها (روايات الشتاء)، أهديت بيت الرواية (موسوعة الذرائعية) نيابة عن أستاذي المنظر العراقي عبد الرزاق عوده الغالبي، كما أهديت مجموعتي القصصية (ليلة نام فيها الأرق)، الجميل في الأمر أن المبدع كمال الرياحي حمل الهدية ودعانا لجولة تعريفية في مكتبة (بيت الرواية) وبقي يحمل الكتب طيلة الجولة، وعندما وصلنا إلى جناح النقد أشار إلى أعلى رف في المكتبة وقال لي : " هنا ستتربع موسوعتكم" وإلى رف آخر في جناح يحوي مجموعات قصصية قال: "وهنا ستقف مجموعتك" ، أحسست بالامتنان فعلًا، شعرت أنني أزرع شتلة في أرض طيبة، من يدري لعلها تتسامقُ تسامقَ نخلة مشرقية في أرض مغاربية، من يدري؟! .

لم تنتهِ المفاجآت السارة، فبعد هذا اللقاء الثقافي المثمر، اتصلت بي الفنانة والشاعرة التونسية المبدعة صالحة الجلاصي لتخبرني برغبتها بأن نلتقي، تجمعنا صديقة مقرّبة جدًّا أديبة وشاعرة، التقينا في صالة الفندق، وكان اللقاء جميلًا جدًّا حدّثتني عن نشاطاتها الأدبية والفنية المتنوعة، وأمتعتنا ببعض قصائدها الرائعة، وحدّثتنا عن تجربتها المسرحية والتلفزيونية والإذاعية ، لقاء لم أتمنى أن ينتهي، لكن الوقت قصم متعتنا، وكان وقت الرحيل قد أزف، فودّت الجميع تاركة عند كل واحد منهم قطعة حب، وعند تونس الخضراء دعوات مخلصة وأمنيات كبيرة بأن تعود درّةً على جبين المغرب العربي، غربية الموقع، عربية الهوية، مشرقية الحب.

 

د. عبير خالد يحيي

 

حسن العاصي"كان والدي رجلاً طيباً. يشتري لي ما أرغب به. ما زلت أحبه رغم أنه مات. حين أكبر سوف أصبح مثل أبي، وأحارب كي أعود إلى فلسطين، أرض أبي التي حدثني كثيراً عنها وعن أم سعد. رغم أنني وجدت صعوبة في تعلم اللغة العربية، إلا أنه أصبح بمقدوري الآن قراءة جميع ما كتب عن والدي. أحب أنه كان والدي، فهو كان كثير الذكاء، والناس أحبوه. سوف أساعد أمي وأختي من أجل أن لا يحزنا كثيراً، لكننا لن ننساه أبداً"

هذا ما كتبه فايز ابن الشهيد غسان كنفاني عن والده، وكان بعمر العشر سنين حين رحل غسان كنفاني المتعدد المواهب بإتقان، الذي يجيد النضال في جبهات متعددة، ابتدأها بالعمل الصحفي، ليتحول إلى مختلف أنواع الأدب، ويصبح مناضلاً ثورياً، وقائداً سياسياً فيما بعد.

غسان الإنسان

كان غسان ملتصقاً بفلسطين بصورة استثنائية فوهبها حياته. غسان الذي آمن بأن الشعب الفلسطيني يفضل الموت واقفاً على أن يخسر قضيته، وأن هذا الشعب سوف يستمر بالنضال حتى ينتصر، وأنه لن ينهزم أبداً.

كان غسان محبوباً من جميع القوى الفلسطينية، وكان يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، هاجر من فلسطين مع عائلته العام 1948 ولجأ إلى لبنان ودمشق التي درس فيها، وانقطع عن دراسته وسافر إلى الكويت للعمل، ثم عاد مرة أخرى إلى لبنان بعد انضمامه لحركة القوميين العرب.

وهناك في بيروت التقى مع "أنى هوفمن" الفتاة الدانمركية الجميلة التي ستصبح زوجته بعد أسابيع قليلة من اللقاء الذي جمعهما في بيروت، وكانت آني ابنة عامل نجار ومناضل مناهض للنازية. كانت قد التقت لأول مرة في حياتها مع فلسطينيين في العام 1960 اثناء مؤتمر طلابي في يوغسلافيا، حينها سمعت عن فلسطين الكثير، وقررت في العام التالي زيارة مخيمات اللجوء الفلسطينية في سورية ولبنان، وهناك تعرفت بغسان كنفاني الذي كان صحفياً شاباً يعمل في صحيفة الحرية. وأنجبا خلال الخمس سنوات بعد زواجهما طفلين هما "فايز" الذي اسماه غسان على اسم جده و"ليلى".

وفي مناسبات متعددة ذكرت أني أن غسان كنفاني كان فخوراً جداً كونه فلسطينياً، وكان يتمتع بمواهب متعددة، وكان إنساناً رائعاً يتمتع بحس المرح، وله قدرة لافتة على التعامل مع الآخرين، أيضاً كان يمتلك قلماً نقدياً لاذعاً في المقالات السياسية والاجتماعية، وكان غزير الإنتاج الكتابي والإبداعي كأنه نبع متدفق، وكان غسان زوجاً محباً وأباً صالحاً.

اغتيل غسان وهو بعمر الشباب والعطاء، ورغم ذلك ترك خلفه ثمانية عشر مؤلفاً بين الرواية والقصة والمسرحية، ومئات المقالات في صحف متعددة، حتى أنه كان يكتب تحت أسماء مستعارة، مثل "أبو متى" و"أبو فايز" و"فارس".

بعد عدة أسابيع من لقاءه وآني قال لها "هل تتزوجيني؟ أنا رجل فقير بلا مال ولا وطن، وأعمل في السياسة، وحياتي خطرة وأنا مهدد ومصاب بالسكري"

النكبة الكبرى

حين احتلت فلسطين من قبل الصهيونية في العام 1948 واقتلع أهلها وتشردوا في بقاع الأرض، كان غسان كنفاني طفلاً بعمر 12 عاماً، فخرج مع عائلته وأصبحوا جميعاً لاجئين في لبنان. قبل خروجهم أخبره والده أن الجيوش العربية سوف تدخل إلى فلسطين وسوف يتم طرد الصهاينة الدخلاء من أرض فلسطين، وأنهم سوف يعودون بعد ذلك. لكن ما حصل في الحقيقة التي التقطها غسان مبكراً أن لا الجيوش العربية تمكنت من استعادة قرية فلسطينية محتلة واحدة، ولا أحد من الشعب الفلسطيني الذي خرج من وطنه تمكن من العودة. وفي رواية "أرض البرتقال الحزين" يصف غسان وجع اللحظة، وألم الفاجعة، والقهر الذي أبكى أباه، وولدت المرارة التي ستشكل هوية كتاباته من تاريخ النكبة لغاية انطلاق المقاومة الفلسطينية المعاصرة.

عمل غسان كنفاني مدرساً في مدارس وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وهو شاب صغير، كي يساعد والده على إعالة العائلة. في عمله كأستاذ يكتشف غسان عوالم الأطفال اللاجئين، الذين لم يتمكنوا من رسم أنواع معينة من الفاكهة لعدم وجودها في مخيم اللاجئين، ولأن الصغار لم يروها من قبل لأن الآباء لا يمتلكون ثمنها. وعرف أن الأطفال يخرجون من المدرسة في فترة ما بعد الظهر ليحملوا صندوقاً خشبياً فوق رؤوسهم، لبيع الكعك للمارة في الطرقات أو المقاهي أو أمام أبواب السينما، يظلون هكذا حتى ساعات الليل مقابل قروش قليلة يساعدون الأهالي.

كان هؤلاء الفلسطينيون الفقراء هم الذين قاوموا وقاتلوا من أجل ألا يتم احتلال فلسطين من الصهاينة، ومن أجل ألا تسقط فلسطين ويسقطون معها. وهاهم اليوم لاجئين في مخيمات التشرد، يصارعون ويكافحون لأجل البقاء على قيد الاستمرار.

أدب غسان كنفاني

إن الثقافة هي انعكاس للسمات الرئيسية التي تشكل وجدان وضمير الأمم، والتي تعكس أصالتها وقيمها وموروثها الفكري والعلمي والشعبي، وتشمل العقائد والفنون والآداب والأخلاق والقانون والعلوم والمعارف، وتمثل بصمة تميز أمة عن سواها. وبهذا فإن الأدب بكافة أنواع ما هو سوى انعكاساً للواقع وتفاعلاته وأحداثه، حيث أن الأدب شكل من اشكال الوعي الاجتماعي الذي يمكن اعتباره وثيقة تاريخية لحقبة ما.

بهذا المعنى إن الأدب الفلسطيني شكل دوراً توثيقياً للتاريخ الفلسطيني، خاصة الرواية التي عايشت مختلف المراحل التي مر بها الشعب الفلسطيني منذ بداية القرن العشرين، مروراً بالنكبة الكبرى عام 1948، وفترة ما بعد نكسة حزيران عام 1967، وما تلاها من أحداث، وصولاً للفترة الحالية. كما أن الرواية الفلسطينية قد عالجت كثير من القضايا الاجتماعية والوطنية والسياسية والإنسانية للشعب الفلسطيني، وأجرت مقاربات جادة مبدعة لفاجعة تشريد هذا الشعب وتهجيره ولجوئه، ومقاومته وتضحياته وهويته. حتى يصح أن نقول إن الرواية هي فلسطين، وهو ما يمكن للقارئ أن يلاحظه بوضوح في روايات غسان كنفاني، الذي اعتبر- وهو الأديب والمناضل- في كتابه "أدب المقاومة" أنه لا يمكن للكاتب والأديب والروائي أن يكتب عن فلسطين وعن المقاومة دون أن يكون جزءًا منها. وهذا يعني ببساطة أن الأدب الفلسطيني وفن الرواية مرتبطان بشكل وثيق بالتاريخ الفلسطيني، وبتاريخ الوجع والقهر والتشرد والمقاومة، منذ النكبة لغاية يومنا هذا. لكن الأدب أيضاً مرتبط بالمبدع المنتج للأدب، وبشخصيته وموقفه وأدواته، ومقدرته على قراءة الواقع واستشراف القادم. غسان كنفاني كان واحداً من أهم المبدعين الفلسطينيين الذين تمكنوا من هذه المقاربة التي أتاحت لنا أن نرى فلسطين بتفاصيلها وأصالتها وشموخها من خلال النوافذ التي شرّعها لنا غسان كنفاني، وكأننا نشاهد فلسطين للمرة الأولى، ونشاهد معها أنفسنا وآباءنا وأجدادنا.

الأدب الذي انتجه غسان كنفاني يؤرخ فترة مهمة من تاريخ الفلسطيني، ورحلة اللجوء والمنافي، رحلة التشرد والقهر، رحلة المعتقلات، والمقاومة، الذي كان غسان جزءًا منها ومشاركا فيها كلاجئ وأديب ومثقف ومقاوم صاحب رؤية وفكر وانتماء. فكتب روايتين ولم يكن عمره قد تجاوز 23 عاماً، هما "أرض البرتقال الحزين" و"رجال في الشمس".

في روايات غسان كنفاني ترى اللاجئ الفلسطيني قد خرج من إطار الأرقام الذي وضعته داخله الأمم المتحدة وهيئاتها الإنسانية، وعبر من الأوراق ليتحول إلى إنسان يحمل جرحه ومعاناته ووطنه أينما اتجه. رصدت روايات غسان تفاصل حياة الفلسطيني بكافة شرائحه، وانحاز إلى الفقراء والمضطهدين والبسطاء اختياراً واعياً فكرياً وأيديولوجياً وسياسياً. ولم يراوده الشك لحظة في قراره أن يكون ذاك المثقف العضوي المشتبك مع قضايا شعبه ووطنه.

هذا ما نستطيع أن نلمسه في جميع روايات غسان. ففي رواية "أم أسعد" يذكر غسان أن على المثقفين والمناضلين التعلم من الجماهير وتعليمها. بهذا هو يحدد موقعه الطبقي والنضالي. وفي رواية "أرض البرتقال الحزين" يصف رحلة اللجوء الموجعة إلى لبنان، التي حولت الفلسطيني -شأنها في ذلك شأن رحلة لجوء الفلسطيني إلى دول أخرى- من إنسان طبيعي يعيش في بيته ووطنه، إلى لاجئ بلا بيت وبلا وطن. ربما هذا قد يكون واحداً من أبرز سمات أدب غسان كنفاني، الذي جعلته بصورة أو بأخرى أدب التاريخ الفلسطيني.

الانحياز للفكر الثوري

شهدت خمسينيات القرن الماضي حالة ضياع للشعب الفلسطيني، الذي عاش في مخيمات اللجوء، يعاني الإحباط وتداعيات الهزيمة. في ظل هذه الأجواء سافر غسان كنفاني إلى الكويت للعمل. ومن هناك بدأت صفحة جديدة في حياته، إذ انضم لحركة القوميين العرب وبدأ نشاطه السياسي، وبدأ يكتب في الصحف عن فلسطين والنكبة، وعن أحوال اللاجئين. وفي تلك الفترة كتب روايته "رجال في الشمس" التي رصدت حالة الفقر والضياع والطحن والتهشيم للإنسان الفلسطيني، الذي تم اجتثاثه من بيته، وتركه وحده يواجه المحق وضنك الحياة.

وفي تلك المرحلة أيضاً تبلورت أفكار غسان كنفاني وحدد خياره الأيديولوجي، حيث اتجه نحو الماركسية والفكر اليساري الثوري. كما شكلت المرحلة نقطة انعطاف ليس فقط سياسياً وفكرياً ونضالياً، إنما إبداعياً أيضاً، حيث انتقل أدب غسان من حالة توصيف النكبة ورحلة اللجوء والتشرد التي اتسمت بالإحباط، إلى حالة من رفض الواقع والتمرد عليه بهدف تغييره.

شكلت هزيمة عام 1967 بداية حقبة جديدة من حياة الشعب الفلسطيني، حيث سيصبح التمرد والتحدي وانطلاقة الفعل الوطني التحرري الفلسطيني، سمات هذه المرحلة التي كانت بداية العمل الثوري. أسس غسان صحيفة "الحرية" ثم أنشأ مجلة "الهدف" التي كانت الصحيفة التي تتبع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة الدكتور جورج حبش، وظل غسان رئيس تحرير الهدف حتى استشهاده العام 1972، وكانت فترة العطاء بالنسبة لغسان الذي توزع جهده بين الكتابة في الهدف، والكتابة في الصحف اللبنانية، وبين الاجتماعات الحزبية واللقاءات السياسية، والكتابة الإبداعية.

لا تنتظروا أحداً

عبر غسان كنفاني عن حالة الوعي التي تبلورت لدى طليعة الشعب الفلسطيني بعد هزيمة 1967، وعن أهمية وضرورة استنهاض القوى لأجل بلورة فعل مقاوم يغير الواقع، في رواية "ورقة من غزة". ثم اتسمت كتاباته لاحقاً بالتمرد والحس الثوري، وقدرة غسان الفائقة على التقاط اللحظات والمنعطفات التاريخية في حياة الشعب الفلسطيني، وإعادة صياغتها، وتنقيتها من خطاب النفاق العربي الرسمي، الذي اثبت عجز الأنظمة العربية عن تحرير فلسطين، بل تسببت بضياع ما بقي منها.

في العام 1969 كان غسان عضواً في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الفصيل الفلسطيني اليساري، وناطقاً رسمياً باسمها، ورئيس تحرير مجلة الهدف. شهدت تلك الفترة سيطرة الفصائل الفلسطينية على منظمة التحرير الفلسطينية، وانطلاق الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني، وتحالف المقاومة الفلسطينية مع القوى التقدمية اللبنانية. وفي هذه الأجواء الثورية كتب غسان رواية "عائد إلى حيفا" في لحظة مهمة من حياته الثورية والأدبية. حيث أدرك غسان أن الصراع مع العدو هو صراع الوجود، صراع على الأرض والهوية والوطن. لذلك آمن غسان بالكفاح المسلح وبكافة أشكال النضال الوطني، وبذلك يكون قد امتلك الوضوح والرؤية والموقف والصلابة والجرأة التي لم يمتلكها كاتب سواه.

في رواية "أم سعد" يجدد غسان انتماءه للشعب وبهذا يقترن الفعل الثوري بالبعد الطبقي، وينتقد عقول المثقفين، ويعتبر أن الجماهير الفلسطينية في المخيمات هم الناس الفقراء الذين يدفعون ثمن النكبة والتشرد، وهم أصحاب المصلحة الحقيقية للعمل الثوري، لأنهم الأكثر تضرراً. فكانت أم سعد صرخة غسان وصوته وتعبيراً عن موقفه الثوري والأيديولوجي. وبعد أن استوعب الدرس ودفع ثمنه غالياً بات على الفلسطيني أن يقاتل وحده الآن دون أن ينتظر قدوم الجيوش العربية.

أي قوة امتلكت يا غسان

في تعليقها على عملية اغتيال غسان كنفاني قالت "غولدا مائير" التي كانت رئيسة الوزراء الصهيونية حينها " تخلصنا اليوم من لواء فكري مسلح، كان يشكل خطراً على إسرائيل أكثر مما يشكله ألف فدائي مسلح". وغاب عن هذه المرأة الفاشية أن إرث غسان الأدبي وقيمه الثورية وكتاباته وافكاره ما زال الفلسطينيين يتناقلونها وهي كانت ولا زالت تشكل مصدر إلهام للأجيال الفلسطينية.

غسان كنفاني، الأديب المبدع، المثقف العضوي، المناضل الثوري، القائد المنظر، الشاب الوسيم، الأب والزوج الإنسان، الجذري الأممي، الخطيب والمتحدث، السياسي والروائي والحزبي المؤدلج، الذي كان يجيد التحدث بالإنجليزية بطلاقة. غسان صديق الفقراء ونصير المضطهدين، غسان الموثق لتاريخ فلسطين والمحلل لأحداثه، غسان المحرض الثوري. غسان كنفاني الإنسان الاستثنائي، الذي أرعب الصهاينة بالقوة التي يمتلكها. غسان تحول شهيداً وهو بعمر 36 عاماً، حين أقدمت أيادي الغدر الصهيونية "الموساد" على اغتياله بعبوة ناسفة فجرت سيارته، مع ابنة أخته لميس في بيروت بتاريخ 8/7/1972.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

شاكر فريد حسناليوم الثامن من تموز يرحل عاشق البرتقال الحزين أبو فايز غسان كنفاني للمرة السابعة والاربعين، وسيظل رحيله المتكرر جرحًا لا سبيل إلى رأبه، كأنما الثامن المشؤوم من تموز هو الموعد الدوري مع اللوعة والأسى والذكرى الموجعة .

فقد كان استشهاد غسان كنفاني الضربة المؤلمة التي تلقتها المقاومة والثورة الفلسطينية والثقافة الانسانية والديمقراطية والتقدمية الفلسطينية على مختلف المستويات، فهو المناضل السياسي الدؤوب، والكاتب المقاتل اللامع، والصحفي القدير المبادر، وهو الشاب اليافع ابن السادسة والثلاثين ربيعًا .

غسان كنفاني قطب من اقطاب الأدب الفلسطيني المقاوم الملتزم بالقضايا الجماهيرية . ولد لأسرة فقيرة كادحة في مدينة الجزار والأسوار التي لا تخاف هدير البحر، عكا الجميلة، العام 1936 مع بداية الثورة الفلسطينية ضد قوى الصهيونية والاستعمار البريطاني . وتعلم في كلية الفرير بيافا، وفي العام 1948 نزح الى لبنان ثم التحق بأفراد اسرته في دمشق، وعاش حياة قاسية ولكنه أقبل على الدراسة ليلًا . وبعد ان نال الشهادة الثانوية غادر دمشق الى الكويت سنة 1955 وعمل في التدريس وواظب اثناءها على الدراسة الجامعية، فانتسب الى كلية الآداب بجامعة دمشق وأعد دراسة لنيل الشهادة الجامعية بعنوان "العرق والدين في الادب الصهيوني" ثم عاد الى بيروت وعمل في صحيفة "الحرية" الاسبوعية، وبعد ذلك اوكلت اليه مهمة رئاسة تحرير صحيفة "المحرر" اليومية التي كانت تعكس وجهة نظر الناصرية والقوى التقدمية والثورية في العالم العربي، وفي خريف العام 1967 انتقل للعمل في صحيفة "الأنوار" الأسبوعية وفي الوقت نفسه بدا يلعب دورًا قياديًا في النشاط الاعلامي الفلسطيني . وفي العام 1969 ترك غسان العمل في الصحيفة وانتقل للعمل في مجلة " الهدف " الأسبوعية السياسية .

وفي الثامن من تموز عام 1972 اغتيل بوضع خمسة كيلوغرامات من المواد المتفجرة في سيارته فأودت بحياته مع ابنة اخته لميس .

وقد أثار استشهاده سخط واستنكار وحزن الاوساط الادبية والفكرية والشعبية والسياسية العربية الفلسطينية، وأبنه العديد من الكتاب والشعراء والصحفيين الفلسطينيين والعرب، واشاد جميعهم بمآثره على الصعيدين الجماهيري الكفاحي والثقافي والأدبي الفني .

يقول الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش : " جميل انت في الموت يا غسان .. بلغ جمالك الذروة حين يئس الموت منك وانتحر، لقد انتحر الموت فيك .. انفجر الموت فيك لأنك تحمله منذ اكثر من عشرين سنة ولا تسمح له بالولادة . اكتمل الآن بك واكتملت به ونحن حملناكم انت والبطن والموت، حملناكم انت والبطن والموت، حملناكم في كيس ووضعناكم في جنازة رديئة الاناشيد . ايها الفلسطينيون .. احذروا الموت الطبيعي . هذه هي اللغة الوحيدة التي تمرنا عليها بين أشلاء غسان كنفاني، ويا ايها الكتاب .. ارفعوا اقلامكم عن دمه المتعدد . هذه هي الصيحة الوحيدة التي يقولها صمته الفاصل بين وداع المنفى ولقاء الوطن . ولا يكون الفلسطيني فلسطينيًا الا في حضرة الموت . قولوا للرجال المقيمين في الشمس أن يترجلوا ويعودوا من رحلتهم لأن غسان كنفاني يبعثر اشلاءه ويتكامل . لقد حقق التطابق النهائي بينه وبين الوطن " .

كان غسان كنفاني كاتبًا ثوريًا وسياسيًا بارزًا مسلحًا بالفكر العلمي الاشتراكي . وكان يمقت الشعارات الجوفاء الخالية من المضامين النضالية الحقيقية، مهاجمًا الانتهازية والانتهازيين، متصديًا للوصوليين والنفعيين، ولذلك احبته الجماهير الشعبية الفلسطينية، وحظي بتقدير رفاقه وشعبه بقطاعاته واتجاهاته كافة .

اغنى غسان المكتبة الفلسطينية بالعديد من القصص والروايات والدراسات الأدبية والنقدية والتاريخية وهي : " في الأدب الصهيوني، الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال، أدب المقاومة في فلسطين المحتلة، أرض البرتقال الحزين، أم سعد، الباب، رجال في الشمس، سقوط الجليل، عائد الى حيفا، عالم ليس لنا، عن الرجال والبنادق، ما تبقى لكم، موت سرير رقم 12، الأعمى والأطرش، اطفال غسان كنفاني، العاشق، القبعة والنبي، جسد الى الأبد، المدفع، وثورة 1936 – 1939 في فلسطين " .

وما يميز كتابات غسان كنفاني انحيازه الى جانب الفقراء والكادحين المسحوقين من أبناء المخيمات الفلسطينية، والريف الفلسطيني، والتحامه العضوي بالقضية التي عاشها حتى الشهادة . وعن ذلك يقول غسان عن نفسه: "في البداية كنت اكتب عن فلسطين كقضية قائمة بحد ذاتها، عن الاطفال الفلسطينيين، عن الانسان الفلسطيني، عن آمال الفلسطينيين بحد ذاتها، كأشياء منفصلة عن عالمنا هذا مستقلة وقائمة بذاتها كوقائع فلسطينية محضة. ثم تبين لي أني اصبحت ارى في فلسطين رمزًا انسانيًا متكاملًا . فأنا عندما اكتب عن عائلة فلسطينية فإنما اكتب في الواقع عن تجربة انسانية ولا توجد حادثة في العالم غير متمثلة في المأساة الفلسطينية وعندما اصور بؤس الفلسطينيين فأنا في الحقيقة، استعرض الفلسطيني كرمز لبؤس العالم اجمع ".

 روايات وقصص غسان كنفاني بمجملها تؤرخ القضية الفلسطينية بكل ابعادها السياسية والاجتماعية،  والاحوال المأساوية التي يعيشها الفلسطيني في الشتات والمنافي القسرية الى حالة التمرد على الصمت والركود التي تلف القضية ثم الى الثورة على الاوضاع التي اوصلت الفلسطينيين الى هذا الدرك وقطع الصلة بالماضي المر والتطلع الى المستقبل الجميل الوضاء الذي يستعيد فيه الانسان الفلسطيني انسانيته وكرامته وهويته .

كتبت ليانة بدر تقول : " لقد صاغ غسان كنفاني انتفاضات الحلم الفلسطيني مؤشرًا حقيقيًا على انتهاء ايام القهر والهزيمة . ومن " ام سعد " الى " عائد الى حيفا " الى " الرجل والبنادق " تراجعت مساحات القهر الشاسعة التي حاولوا كتابتها على جبين الشعب الفلسطيني . وفي جميع كتاباته عانق غسان واقع التشرد والاقتلاع الذي حاولوا ان يرسموه اغلالًا وفجيعة في تاريخنا العربي الحديث  كي يخرج منه الى جدل الواقع والتاريخ والى ضرورة الثورة المقبلة تعطي نقيض الذل والقهر والحرمان . وفي كتابات غسان كنفاني حضرت فلسطين كما يجب ان تحضر . فمن واقع شعبه اليومي والحياتي اعطيت للكتابة الحقيقية على يديه مكانها وجدارتها الاصلية واصبح ابطاله رجالًا يتلاقون مع الهزيمة كي يقهروها ولا تقهرهم، كي يواجهوها دون ان تبتلعهم " .

وفي رواية " رجال في الشمس " يحاول غسان كنفاني رسم رحلة الفلسطيني المرة من صقيع المنفى الى لظى الصحراء الممتدة بين البصرة والكويت، ينقلهم في الرحلة فلسطيني فقد رجولته في حرب فلسطين مهربين في سيارة صهريج ماء فارغ نحو بديلهم المكاني عن الأرض طمعًا في تحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي والنفسي . لكن البديل في النهاية لم يكن الا الموت، والموت اختناقًا في الصهريج وبسواعد اعجز من ان تدق جدران خزان الماء الذي يحتويهم هاربين لتجد جثتهم نهايتها وقبرها في ركام مزبلة صحراوية لا تسمع النداء الذي اصبحت تردده الصحراء .. لماذا لم تدقوا جدران الخزا ن ؟؟

اما في "ام سعد" فيمجد غسان الانسان المسحوق الكادح الذي حمل راية المواجهة والمقاومة ويستشهد دفاعًا عن الوطن والشمس والفرح . وام سعد امرأة حقيقية عرفها غسان وهو إذ يتعلم منها ويكتب عنها ولها . وهي تمثل المرأة الفلسطينية التي تمتلك وعيًا سياسيًا ثوريًا وتشارك في المعركة النضالية التحررية من اجل اقامة الوطن الحر .

وفي " عائد حيفا " يحدثنا غسان عن زيارة يقوم بها فلسطيني مع زوجته الى بيتهم في حيفا الذي تركوه قبل عشرين عامًا، بعد ان اتاح لهم الاحتلال العام 1967 فرصة زيارته، باحثين عن طفلهم الذي خلفوه وتركوه وراءهم في ذلك البيت عند سقوط المدينة في العام 1947 فيتفاجآ حين يجدان ان الطفل قد اصبح ضابطًا في الجيش الاسرائيلي ومدافعًا عن الصهيونية والاحتلال، لكنهم يجدون العزاء في ابنهم الذي يطمح للالتحاق بحركة المقاومة الشعبية الفلسطينية .

وفي قصة "العرس" التي هي البندقية فيصور لنا حب أحد المقاتلين الفلسطينيين لبندقيته التي تمكن من الحصول عليها بعد مهاجمة موضع صهيوني، وينتزعها بأسنانه من يد أحد الجنود القتلى، غير ان بعض الأشخاص يتمكن بحيلة من سرقة بندقيته، ويظل يبحث عنها الى أن يجن بها .

وفي مجموعته "عن الرجال والبنادق" الصادرة في بيروت عام 1968 نجد عودة غسان لممارسة فن القصة القصيرة، والدافع لهذه العودة هو انتكاسة الخامس من حزيران 1967، والرغبة في ملاحقة ومواكبة الأحداث، ملاحقة سريعة كملاحقة الصحفي للخبر اليومي، والرواية تكاد تكون قاصرة عن المواكبة في مثل هذا الحال المتأزم، إذ ان الرواية نتاج التأني، وهو بحاجة الى حرف يحاكي دفقة الرشاش وحدة نصل السكين .

وتجيء " برقوق نيسان " صيغة متقدمة في التقنية القصصية الحديثة لغسان كنفاني، وهي من ناحية أسلوبها تعتمد طريقة جديدة في كتابة الرواية، حيث تعتمد على سياق متواصل من الهوامش، التي تساعد على فهم الخلفيات التي تنتج عنها أحداث القصة الأساسية وتصرفات شخوصها وعلى هذا الاساس تأتي واحدة من محاولات غسان لاقتحام عوالم جديدة في الرواية العربية المعاصرة .

غسان كنفاني لم يمت، فهو خالد في الذاكرة الفلسطينية الخصبة بأثاره وأعماله الأدبية الرائعة، وإذا اعتقد أعداء الكلمة انهم نجحوا في اغتيال صوته الثوري الفلسطينية واخماد كلمته الملتزمة الصادقة فهم مخطئون وواهمون، فهو عائد إلى عكا، وسيبقى يقرع جدران الخزان ..!

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

محمود محمد عليتعلمت من خلال كتابتي في السير الذاتية، أن حياة المفكر مليئة بتفاصيل صغيرة وكبيرة، وعندما  أكتبها أجد نفسي مستعبدا أمور كثيرة في حياته، فهي ليست مهمة بالنسبة لي أو لا تهم الناس كما أعتقد، وبالتالي فإن مثلي هنا كمثل النحات الذي ينحت قطعة من حجر، ينحتها كمن يكشف عن سر في منحوتته لاستخراج ما هو مهم بالنسبة لي، ثم أزيل الأجزاء غير المهمة كما أتخيل . وعندما أتحدث عن الدكتور جلال أحمد أمين أروي ما يخصي من أمر هذا الرجل، فأنا لم أعرفه ولم أحتك به إلا عندما طلب مني أستاذي الدكتور نصار عبد الله بأن أرشحه لجائزة النيل (بوصفي كوني رئيسا لقسم الفلسفة بجامعة أسيوط)، وهنا بدأت أتواصل معه وأقرأ كتبه وفكره وأشهد الله أن جلال أمين قد لعب دوراً مؤثراً في تشكيل عقليتي السياسية، فلقد أخرجني هذا الرجل من إسار الاكاديمية القحة في الفلسفة (وبالأخص المنطق وفلسفة العلوم) إلي أن أكتب وأصوغ أروع كتاباتي في حروب الجيل الثالث والرابع والخامس والفكر السياسي الإسلامي ..الخ.

والدكتور جلال أمين حالة فريدة في فكرنا العربي، ويعد من أكفأ المفكرين بين أبناء جيله، ويتميز بمقدرة فريدة في الوصول المباشر إلى قلب القارئ، فهو الإنسان الذي لا يماثل أحد غيره، ولا يماثله غيره، وفقرة من أعماله تبين لك سمة الصدق التي لا تغيب عنه مفكراً وإنساناً، هو موسوعي المعرفة، ويمتلك القدرة على التواصل مع الآخرين، ومشتبك دائماً مع الحياة اليومية، ولم يهرب في أي مرحله من مراحل حياته من أداء مهمته كناقد ومثقف موسوعي.

وقد وصفه عبد الله السناوي (في مقاله بعنوان جلال أمين: ظاهرة فريدة لن تتكرر) بأنه ظاهرة فريدة في الحياة الثقافية والفكرية المصرية، مثقف موسوعي، مُدقق في فلسفة الحياة، يصعب تصنيفه سياسًا، لكن يمكن تصنيفه بأنه عروبي، ويميل إلى تيار اليسار، فبالرغم من أنه درس الاقتصاد، وأحد المفكرين القليلين في آخر 40 سنة على الأقل، إلا أنه كان يهوى علم الاجتماع والظواهر الاجتماعية التي تحدث في مصر، فأحد مؤلفاته كتاب "ماذا حدث للمصريين؟". وأكد أنه دائما كان يناقش الظواهر الاجتماعية التي تعبر عن حركة المجتمع، فكتاباته كانت تميل إلى النظريات الاجتماعية والتي أكسبته شعبية كبيرة في أوساط القراء. وأوضح السناوي، أن "جلال أمين" كان دائما يناهض الكيان الصهيوني، خاصة اتفاقية كامب ديفيد، كما رفض الهيمنة الاقتصادية والفكرية للولايات المتحدة الأمريكية فهو شخصية فريدة لن تتكرر، من حيث درجة الاهتمام والتفكير ونوعية الكتابات والاهتمام بالظواهر الاجتماعية.

كما وصفه الدكتور نصار عبد الله (في مقاله بعنوان الدكتور جلال أمين: صورة من الذاكرة) فيقول: الكثيرون من أبناء جيلي من خريجي قسم الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية مدينون للدكتور جلال أمين بالكثير، فلقد أسعدنا الحظ فى عام 1966 بأن يُدرس لنا لأول مرة فى تاريخ الكلية مادة: "تاريخ الفكر الاقتصادي"،... ومنذ المحاضرة الأولى شعرنا جميعا بأننا إزاء نموذج نادر يصعب أن يتكرر، ليس للأستاذ الجامعي فحسب، وإنما أيضا للمثقف واسع الثقافة، وكذلك للمفكر الحر النزيه الذى لا يقيم وزنا ولا يحسب حسابا إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا أنه كان يقدم مادته العلمية في أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق تجعلها أشبه ما تكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من دقتها الأكاديمية!!.. وكثيرا ما كان يوجه إلينا أسئلة توقظ الذهن وتشحذ التفكير ولا تقل جاذبية عن الإجابات التي كان يقدمها لنا إذا ما عجزنا عن الإجابة".

ولد جلال أمين 1935 من القرن الماضي، ووالده هو الكاتب الشهير أحمد أمين (صاحب المؤلفات ضحي الإسلام وفجر الإسلام. الخ)، وقد دخل جلال أمين المدرسة في عمر صغير يبدأه في روضة الأطفال ومكث فيها ثلاث سنوات من سن 5 إلي 8 سنوات ثم دخل مدرسة مصر الجديدة الابتدائية الحكومية بشارع العروبة، ثم المدرسة النموذجية، ثم دخل المدرسة الثانوية وحصل علي المركز الأول في المملكة المصرية وكان ذلك 1951 وكنت حاصل علي 83%  وفي الجامعة دخل كلية الحقوق بعد أن تحصل علي الدرجة الأولي عام 1955، وانتهي به الأمر في دراسة الاقتصاد بعد أن سنحت له الفرصة السفر إلي لندن لدراسة للاقتصاد، حصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة لندن. ثم شغل منصب أستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق بجامعة عين شمس من 1965 إلى 1974 وعمل مستشاراً اقتصاديا للصندوق الكويتي للتنمية من 1974 إلى 1978، كما عمل أستاذاً زائراً للاقتصاد في جامعة كاليفورنيا من 1978 إلى 1979 وأستاذاً للاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة من 1979 وحتى وفاته في الخامسة والعشرين من شهر سبتمبر 2018 بعد صراع مع المرض.

وللدكتور جلال أمين كتابات كثيرة نذكر منها علي سبيل المثال : كتاب وصف مصر في نهاية القرن العشرين، وكتاب عولمة القهر، وكتاب عصر الجماهير الغفيرة، وكتاب عصر التشهير بالعرب والمسلمين، وكتاب العولمة، وكتاب العرب ونكبة الكويت، وكتاب مكتوب على الجبين: حكايات على هامش السيرة الذاتية، وكتاب مصر والمصريون في عهد مبارك 1981 إلى 2008، وكتاب ماذا حدث للمصريين؟، وكتاب خرافة التقدم والتأخر، وكتاب العالم في 2050، وكتاب شخصيات مصرية فذة، وكتاب فلسفة علم الاقتصاد، وكتاب الدولة الرخوة، وكتاب قصة الاقتصاد المصري، وكتاب ماذا حدث للثقافة في مصر، وكتاب المثقفون العرب وإسرائيل، وكتاب محنة الدنيا والدين في مصر، وكتاب ماذا علمتني الحياة، وكتاب عصر الجماهير الغفيرة، علاوة علي الكثير من المقالات التي نشرت في كثير من الصحف والجرائد... وهلم جرا.

آراء وأفكار الدكتور جلال أمين تحظى باحترام الكل في مصر والعالم العربي نظرًا إلى أنه مفكر مستقل بمعنى الكلمة، ولما يتميز به فكره من إبداع وجرأة وبعد نظر. مؤخرا، فاز الدكتور جلال أمين بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في مجال الدراسات الاقتصادية.

والحديث عن جلال أمين متشعب وطويل، ولكن استوقفتني كلامه حول الديمقراطية، فهو يري أن الديمقراطية تمثل أكذوبة، حيث كان يعتقد أنه عبر تاريخ الإنسانية فإن صاحب السلطة يسيطر علي الأقل قدرة، وعبر العصور دائما الذي لديه القدرة والسلطة علي قهر الآخرين يقهرهم، وحتي ديمقراطية اليونان والتي يضرب بها المثل كانت تستخدم لقهر العبيد والعبيد ليسوا مشتركين في لعبة الديمقراطية، وفي العصور الوسطي كان السيد الاقطاعي يسيطر علي الباقين، وفي ظل الرأسمالية أصبح صاحب المال هو الذي يسيطر .

وهنا يتساءل جلال أمين ماذا حدث؟ يعتقد جلال أمين أن التطور التكنولوجي للتكنولوجيا أعطي سلطة وقدرة علي القهر لمؤسسات جديدة، منها الشركات متعددة الجنسية أو الشركات العملاقة أو الشركات التجارية أو كل من له مصلحة في غسيل المخ فأصبح القهر ألآن يأخذ صورة ليس من خلال البوليس وإنما من خلال وسائل أخري، فالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات أكذوبة يستخدمها العالم وتروجها تلك الدول العظمى ومؤسساتها لتحقيق أهداف أخرى غير التي تعلنها، وقد يتعجب البعض من هذا الرأي، لكنه حقيقي وأؤمن به 100%، لا توجد ديمقراطية ولا حريات في العالم كله، بل العكس تماما، فالعالم أصبح يسير بكل قوة في عكس اتجاه الديمقراطية».

ولتوضيح يقول جلال أمين :"كم تغيرت الدنيا منذ كنا فى صبانا ومطلع شبابنا نتعلم ألف باء السياسة. كان هذا فى منتصف القرن الماضي، عندما اعتنقنا أفكارا عن الحرية والديمقراطية تبدو الآن ساذجة للغاية. لم يكن السبب مجرد صغر السن وقلة الدراية والتجربة، بل كان من الأسباب أن العالم كان مختلفا جدا عنه الآن، فلم تعد الأفكار المقبولة (بل والصحيحة) حينئذ، مقبولة أو صحيحة اليوم . كنا نعتقد (وهكذا قال لنا الكتّاب والمحلّلون السياسيون) أن العقبات الأساسية أمام تحقيق الديمقراطية تتلخص فى حاكم مستبد، يفرض رأيه بالقوة، ويمنع أي معارضة، ويودع معارضيه السجون، إلى جانب شيوع درجة عالية من الفقر، تجعل الناس يقبلون الاستبداد في سبيل الحصول على لقمة العيش، ودرجة عالية من الجهل، تجعل الناس فريسة سهلة لأكاذيب الحكام، بل وتفقدهم القدرة على التمييز بين ما يحقق مصلحتهم وما لا يحققها. كان نظام الحكم في ظل الخلافة العثمانية حتى نهاية القرن التاسع عشر، أو فى ظل محمد على في مصر، في النصف الأول من ذلك القرن، مثالين واضحين للمعوقات الأساسية للديمقراطية: حاكم مستبد وفقر وجهل شائعان.

ثم يؤكد جلال أمين أنه مع حلول القرن العشرين أضيفت إلى عقبات الديمقراطية استخدام وسائل الإعلام فى خداع الناس وتضليل الناخبين. وكانت الأمثلة الصارخة على ذلك حتى منتصف القرن، استخدام جهاز جبار للدعاية من جانب ستالين فى روسيا السوفييتية، ومن جانب هتلر فى ألمانيا النازية، وموسولينى فى إيطاليا الفاشية. هكذا أصبح «غسيل المخ» أحد المعوقات الأساسية للديمقراطية، بالإضافة إلى ميل الحاكم للاستبداد، وإلى الفقر والجهل.

وهكذا كان الحال كما يري جلال أمين عندما بدأ وعينا يتفتح على ما يحدث فى العالم. نعم، كنا فى مصر ندرك أن هناك عاملا آخر مهما لابد أن يضاف إلى هذه العوامل، وهو الاحتلال الأجنبى، إذ كيف يمكن أن نتصور أن يسمح المحتل الأجنبي لشعب مستعمر بأن يحظى بحكومة ديمقراطية تعبر عن آمال الناس التى لابد أن تتعارض جذريا مع أهداف الاحتلال؟ ولكن من الواضح أن هذا لم يفت فى عضدنا، بل بدأنا نمارس مختلف طقوس الحكم الديمقراطي بمنتهى الجدية، منذ وضعنا دستور 1923، وحتى ثورة 1952، رغم خضوعنا طوال هذا الوقت للاحتلال البريطاني، فضلا عن شيوع الفقر والجهل بين ثلاثة أرباع السكان.

إلا أن الدكتور جلال أمين يري أنه منذ ذلك الوقت تغيرت الدنيا، فلم تعد لا شخصية الحاكم المستبد، ولا الفقر أو الجهل، ولا حتى الاحتلال الأجنبى معوقات شائعة فى طريق الديمقراطية. ومع هذا، فإن الديمقراطية تبدو وكأنها كالسراب، تبتعد عنا كلما ظننا أننا نقترب منه، ليس فى بلادنا فقط بل وأيضا فى تلك البلاد التى ابتدعت الديمقراطية، ونطمع فى تقليدها. إن القول الذى يتردد بين حين وآخر بأننا نعيش فى عصر ازدهار الديمقراطية، هو أقرب إلى الأكذوبة، بل هو أكذوبة كبيرة يصدقها للأسف عدد كبير من الناس فى بلادنا وبلادهم على السواء.

ويعطينا جلال أمين مثالا علي ذلك، فيقول : فلنأخذ أولا تلك البلاد «العريقة ديمقراطيا». نعم، لقد اختفت أو كادت تختفى تماما أمثلة الحاكم المستبد الذى تنحنى له الجباه، وينصاع الناس لأوامره، بل وكادت تختفى أيضا أمثلة الرؤساء الذين يجمع الناس على احترامهم وحبهم بما لهم من كاريزما وجاذبية شخصية. ففى نصف القرن الماضى لم تعرف بريطانيا مثلا سياسيا له مواهب وجاذبية ونستون تشرشل، ولا فرنسا رئيسا مثل شارل ديجول، ولا عرفت الولايات المتحدة رئيسا مثل جون كينيدى (بل ويلاحظ أن اختفاء أمثال هؤلاء الرؤساء والقادة ليس مصادفة بل له علاقة وثيقة بتطورات أخرى سوف أذكرها بعد قليل). لقد عرفت هذه البلاد وغيرها رؤساء لديهم من صفات الممثلين أكثر من صفات الزعامة الحقيقية، من أمثال تونى بلير فى إنجلترا، وجورج بوش فى أمريكا، وبيرلسكونى فى إيطاليا.

ثم يعلق جلال أمين علي ذلك فيقول يبدو إذن وكأن وجود حاكم قوى ومستبد كعقبة فى وجه الديمقراطية ظاهرة آخذة فى الزوال. ولكن العقبتين الأخريين (الفقر والجهل) قد تراجعتا بشدة هما أيضا، خلال المائة عام الماضية، وعلى الأخص خلال نصف القرن الماضي، ومع ما حدث من ارتفاع فى مستوى المعيشة وانتشار التعليم. فما الذى حدث إذن خلال الخمسين عاما الماضية، ليجعل المجالس النيابية فى هذه البلاد أقل أهمية بكثير مما كانت، وأعضاءها يفقدون الكثير مما كانوا يحظون به من احترام، ويجعل نسبة المشتركين فى التصويت فى الانتخابات تنخفض انخفاضا شديدا، ويزيد من جرأة الحكومات على اتخاذ قرارات لا تحظى بتأييد شعبى والاشتراك فى حروب لا تحظى برضا الرأى العام، بل ويعارضها ويتظاهر ضدها معظم الناس؟

ويعطينا جلال أمين أمثلة علي ذلك فيقول : فى البلاد الأقل عراقة فى الديمقراطية حدثت أشياء مماثلة. ففى روسيا لم يعد من السهل تصور ظهور حاكم له ما كان لجوزيف ستالين من استبداد وانفراد بالرأى، ولا أن يظهر فى الصين حاكم له صفات مثل ما كان لماوتسى تونج، لقد بعث سقوط الشيوعية فى روسيا، وما أصابها من ضعف فى الصين، آمالا كبارا فى أن يحل بالدولتين عصر جديد من الحرية السياسية، ولكن الحقيقة أن الذى ينخر بشدة فى عظام الديمقراطية فى الدول العريقة فى الديمقراطية فى الغرب، قد بدأ ينخر أيضا فى عظام النظام السياسى فى الشرق، حتى بعد سقوط النظام الشيوعى الصارم.

ثم يحاول جلال أمين أن يسقط ذلك علي الشرق الأوسط فيقول : أما بلادنا نحن، فقد كان من المحتم أن  تتأثر بما يحدث خارج حدودنا، مع بعض الاختلافات الناتجة عن طول عهدنا بالاستعمار والتبعية. لقد عرفنا حتى وقت قريب ظاهرة الحاكم المستبد، حتى بعد أن كادت الظاهرة أن تختفى فى الغرب. ولكننا منذ السبعينيات، عرفنا أيضا حكاما لهم صفات أقرب إلى صفات الممثلين منها إلى صفات الزعماء والقادة. ومع ذلك فقد استمرت محنة الديمقراطية عندنا، لعدة أسباب منها طبعا استمرار ظاهرتى الفقر والجهل، ومنها استمرار تبعيتنا لقوى خارجية، ولكن هناك سببا ثالثا هو الذى أريد أن أركز عليه وهو نفس السبب المسئول عن محنة الديمقراطية فى العالم ككل.

ويستطرد جلال أمين فيقول : خلال الأربعين عاما الماضية نمت ظاهرتان مهمتان، بينهما صلة وثيقة، وكان لهما تأثير بالغ على الحياة الاجتماعية والسياسية فى البلاد المتقدمة صناعيا، فى البداية، ثم انتشر تأثيرها فى منطقة بعد أخرى من العالم حتى شمل العالم كله، وكان من بين أثارهما إلحاق ضرر بالغ بالديمقراطية. ومنذ أوائل السبعينيات من القرن العشرين، التفتت الأنظار بشدة إلى ظاهرة أطلق عليها اسم «الشركات متعددة الجنسيات»، وهى الشركات العملاقة التى يمتد نشاطها فى الإنتاج والتسويق، إلى مختلف أطراف الأرض، ومن ثم يصعب نسبتها إلى دولة معينة أكثر من نسبتها إلى أخرى، والتفتت الأنظار إلى نموها السريع وضخامة حجم نشاطها حتى فاق حجم بعضها حجم إنتاج دول بأكملها.

ويوضح جلال أمين : لم تكن ظاهرة الشركات العملاقة جديدة على العالم. فشركة بريطانية كشركة الهند الشرقية يعود نشاطها فى خارج حدود بريطانيا إلى أكثر من ثلاثة قرون. ولكن الأمثلة كانت محدودة فزادت وتضاعفت. وكانت الشركة تخضع للدولة الأم التى  نشأت فيها وتلتزم بسياستها، فأصبحت تتحدى حكومة دولة المنشأ وتتجاهل المصلحة القومية. بدأ الكلام إذن يكثر عن تضاؤل سلطان الدولة فى مواجهة سلطان الشركات العملاقة، وعن خضوع السياسة، أكثر من أى وقت مضى، لإدارة هذه الشركات بدلا من العكس. وأصبح الدبلوماسيون المنتشرون فى الدول المختلفة، يعتبرون من أهم مهامهم، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، تحقيق مصالح هذه الشركات. وأصبح من الممكن أن نقول الشىء نفسه عن الهيئات الدولية. الدولة تضعف والشركات تقوى، والولاء للأمة يضعف فى مواجهة تيار العولمة. فما الذى يمكن أن نتوقع أن يحدث للديمقراطية السياسية؟ البرلمانات تُنتخب، والأحزاب تتنافس، ولكن الحقيقة أن محادثات خفية تجرى بين السياسيين وممثلى الشركات (سواء كان ممثلو هذه الشركات سياسيين أيضا أو لم يكونوا)، فلا تُلقى هذه المحادثات بالا للمناقشات البرلمانية، وتنتهى بقرارات لم يحددها أى حزب ابتداء، بل أصبحت هى التى تحدد اتجاهات الأحزاب (بما فى ذلك قرارات بشن حرب لصالح هذه الشركات). شعر الناس بذلك وإن لم يعترف صراحة به فأخذت نسبة الاشتراك فى التصويت فى الانتخابات تتضاءل، وفقدت المناقشات البرلمانية والخلافات السياسية بين الأحزاب الكثير من أهميتها، بل لقد تضاءلت الاختلافات بين الأحزاب المتنافسة (لنفس الأسباب)، وتحولت هذه الاختلافات، أكثر فأكثر، إلى اختلافات تافهة، كاختلاف درجة جاذبية رؤساء الأحزاب، أو الاختلاف حول قضايا بعيدة الصلة بالسياسة، كالموقف مثلا من إباحة أو حظر الإجهاض، أو إباحة أو حظر الزواج المثلى...الخ.

ثم يوضح لنا جلال أمين حقيقة مهمة بالنسبة لكذب الديمقراطية فيقول : استمر بالطبع الزعم بأن الشعب هو السيد، وأن القرارات الأساسية تُتخذ بجميع الأصوات، وان الفرد هو الذى يختار حكامه، ويفرض إرادته بكل حرية فى ميدان السياسة، كما أنه يختار بمطلق الحرية بين السلع المعروضة عليه فيختار أفضلها. ولكن الحقيقة أن هذه الحرية السياسية أكذوبة كبيرة، كما أن حرية المستهلك فى اختيار أكثر السلع تحقيقا لمصلحته، فى ظل وسائل الدعاية والإعلام المختلفة، هى أكذوبة كبيرة أخرى.

لقد انتقلت هذه التطورات إلى بلادنا بدرجات مختلفة كما يقول جلال أمين، منذ بدأ تطبيق السياسة المعروفة باسم الانفتاح الاقتصادي (والتي لم تنتهجها دول العالم الثالث بمطلق حريتها بل فُرضت عليها فرضا)، وأصبح اتخاذ القرارات الأساسية فى بلادنا يخضع، أكثر فأكثر، لمصالح وإرادة الشركات العملاقة، تماما مثلما حدث فى الدول «العريقة ديمقراطيا»، مع اختلاف فى درجة الخضوع بين دولة وأخرى، ولكن المسيرة هى فى كل مكان فى نفس الاتجاه.

هكذا أصبح العائق الأساسي أمام الديمقراطية السياسية فى بلادنا كما يقول جلال أمين، مثلما هو فى بلادهم، ليس الحاكم القاهر المستبد، (رغم ظهوره بين حين وآخر)، وليس هو الفقر أو الجهل (رغم استمرارهما فى كثير من البلاد)، وإنما أصبح العائق الأساسي هو سطوة الشركات العملاقة التى يساعدها فى ترسيخ هذه السطوة، نمو ظاهرة المجتمع الاستهلاكي. نحن لا نعيش للأسف فى عصر ازدهار الديمقراطية. كل ما حدث هو حلول مستبد جديد محل مستبد قديم.

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول رحم الله جلال امين الذى تعلمت منه كثيرا وما زلت أتعلم حتى بعد رحيله ... رحم الله جلال أمين الذى ما زالت ذكرياتنا معه، وما زالت أعماله وإنجازاته.. وسوف تظل باقية. رحم الله جلال أمين وغفر له، ذلك أنه لا يبقى من المبدع رغم كل شىء إلا الإبداع الجميل، ولقد كان إبداعه جلال أمين جميلاً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

مامون احمد مصطفىفي قرية "سلمة" بالقرب من يافا، ارض البحر الممتد من خاصرة الوقت والزمن، لخاصرة النصر والشهادة، في تلك القرية العابقة بروائح الحنون والزعتر، انبثقت نجمة أضاءت الكون وأرهقت الشمس، نجمة غطت أفاق الأرض والبحر، وانتشرت في عروق البرتقال والزيتون، نجمة كانت على موعد مع النور والضياء، في تلك القرية الوادعة الرائعة، ولدت رجاء أبو عماشة، لتكون أول شهيدة فلسطينية، وأول الروائح المضمخة للتاريخ النضالي والجهادي.

يحكي الناس عن ميلادها، وميلاد الأبطال يوسم دائما بروائع القصص والأخبار، فهو ميلاد غير عادي، يمر بمخاض غير عادي، ليشق الجنين حجب الظلمات بطريقة غير معهودة، يحكى انه في ذات الليلة التي كان المخاض يصارع لحظاته الأخيرة من اجل ميلاد رجاء، تدلت من السماء إشعاعات شديدة الوهج، قوية النور، بهية الألوان، رائعة الانتشار، ومن بين تلك الإشعاعات كانت تمر مخلوقات كونية بيضاء، تشد خيوط الضياء نحو الأرض، وتمعن في تثبيت النور نحو يافا، لتكدسه في قرية صغيرة مغمورة تدعى "سلمة"، وحين استطاعت تلك المخلوقات الكونية أن تحزم نور الأرض حزمة واحدة نحو بيت تصارع فيه الأم آلام المخاض، جاءت رجاء ملفعة بنور السماء الوهاج.

وتكبر رجاء، لتجد نفسها وأهلها تحت وطأة استعمار لا يرحم، فتبدأ بتحسس الأرض والزهر، تبدأ بمحادثة البراعم والعصافير، فتعرف كيف يكون العذاب، وتعرف معنى وجع الغصن الساكن في أعماق الطيور المرتحلة من غصن في سلمة إلى غصن في حيفا، تنفتح مساماتها أمام دموع الأمهات والآباء، وينفطر قلبها حين ترى حمائم الوطن مرهونة في أفق محدود بالسواد.

وهجرت كما هجر أهل قريتها، تركت مكان الميلاد مفتوحا إلى أمد غير محدود، وذاقت كغيرها مرارة الترحال من موطئ القدم ومسقط الرأس، إلى مخيمات اللجوء والعذاب، فأضحت كما أضحى الكثير رقما من أرقام أمم متحدة من اجل تدميرنا وتهجيرنا وصلبنا على لوائح قوانينها العقيمة، وأقامت مع أهلها على حدود الأرض، أقامت في أريحا، حيث لا زهر ولا برتقال ولا حنون.

ولكنها أحبت أريحا، بنفس القدر الذي أحبت فيه قريتها، فهذه رقعة من الوطن كما تلك رقعة من الوطن، وهذه مرفأ القلب والفؤاد كما كانت سلمة مرفأ الطفولة والميلاد.

هناك، في أريحا، أدركت رجاء فداحة الرزء، وأيقنت أنها تحمل بين جنباتها عذابات المشردين والمهجرين، فارتفعت قامتها، وعرضت جبهتها، وتحركت حزمة النور المخزونة بداخلها منذ يوم الميلاد، فانطلقت كشعاع من نور تكافح وتنافح، وحلم العودة إلى سلمة، إلى موطن النور والألق يراود نفسها الصاخبة الضاجة بالنشاط والحيوية، فالتحقت بالعمل النضالي، وعرفت بين رفاقها مناضلة تزخر بالجرأة والإقدام، تفيض بالصلابة والمتانة، فكانت من مؤسسي اتحاد طلبة فلسطين في عام 1955.

وتنقلت من موقع نضالي إلى موقع جهادي، دون كلل أو ملل، فكانت كالوقود للحركة الطلابية والحركة الشعبية، حتى عرف الناس اسمها في زمن يعز فيه معرفة اسم أنثى، وكانت على موعد دائم مع حزمة ضياء ميلادها، تلك الحزمة التي رفضت العودة للسماء بدون رجاء.

وعلى أثر حلف بغداد، عمت المظاهرات والمسيرات مدن وقرى ومخيمات فلسطين، فسقطت رجاء شهيدة، سقطت وهي تحاول بكل عزمها وإصرارها إنزال العلم البريطاني عن السفارة البريطانية في القدس لترفع مكانه علم الأرض والتراب، علم فلسطين، سقطت بعد أن مزق رصاص الغدر جسدها الرائع المطرز بياسمين الأرض وحبق التراب، سقطت وفرح الشهادة يرقص على أساريرها الوضاءة، سقطت وعينيها تتجهان نحو كروم سلمة وشقائقها.

غادرت رجاء بجسدها، فارتفع صوت الحق والنضال "رجاء استشهدت، لكننا سنكون بمثل عطاءها"، وانتشرت هذه المقولة انتشار الرؤى في الروح بين طلبة المدارس والجامعات، بين الفلاحين والعمال، بين الأغنياء والفقراء، وخرج الآلاف يودعون أول شهيدة في فلسطين.

هناك، وعلى سفح ربوة من روابي فلسطين، دفنت رجاء، ويحكي الناس أنهم وقت الدفن شاهدوا حزمة من ضياء خلاب تدخل القبر لتخرج في الليالي لتظلل التراب الندى بطلل نسائم الوطن.

خميلة منسية أنت يا رجاء، غدير يمنح الحياة للوجود دون أن يأبه للثمن، فيض من الذكرى في ملامح الوطن، نبض من البراءة والشموخ في عروق الزيتون والصنوبر، هديل يغنيه الحمام، وصداحا تردده العنادل، وغناء تسكبه البلابل، نرجسة بيضاء وسط جبال فلسطين الأبية الخشنة، وطريق معبد لكل من يذكر اسمك فيقرأ على روحك الطاهرة المنيرة، قول الخالق جل شانه:

"إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"111

صدق الله العظيم

 

مأمون احمد مصطفى - النرويج

فلسطين- مخيم طول كرم

 

محمود محمد عليخلال الأسابيع الماضية غيّب الموت الأخ والصّديق الأستاذ الدّكتور" شعبان عبد العزيز خليفة "( 29 سبتمبر 1941= 23 يونيه 2019)، (أستاذ علم المكتبات والمعلومات بكلية الآداب – جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية) تاركا سمعة وسيرة عطرة ستخلّده في قلوب من عرفوه.. صمتّ وحدي عندما قرأت الخبر الفاجع.. تعطّلت قواي، عادت بي الذّاكرة إلى مواقف كثيرة لا تنسى.. تذكّرت مقولة للإمام عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه يقول فيها: "أكره الحق، وأهرب من رحمة الله، وأصلي دون وضوء! فسئل: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أكره الموت وهو حق، وأهرب من المطر وهو رحمة من الله، وأصلي على الرّسول دون وضوء." .

ووالله إنّ الموت مكروه مع أنّه حقّ على الأحياء كلهم، خصوصا إذا ما اختطف إنساناً أخاً وصديقاً وفيّا كالدّكتور " شعبان خليفة " الذي ينضح حبّا إنسانيّا قلّ مثيله. رحل الإنسان النّقيّ الذي لم يحمل ضغينة لأحد كما اعتقد، رحل ليترك غصّة في قلب من عرفوه كلهم، فوالله إنّ العين لتدمع وإن القلب ليحزن، "وإنّا لفراقك يا شعبان لمحزونون".

أما أن ترحل قامة علمية مثل الدكتور " شعبان خليفة، دون كلمة رثاء فى الإعلام المصري والعربي، فتلك علامة من علامات التردي، ودليل من أدلة الرداءة والعشوائية، فهذا الرجل كان من أولئك الرجال الذين يعيشون وفق ما يكتبون، ويظهرون ما يضمرون، ويعملون بما يؤمنون، لقد كان هذا الرجل ( كما قال هو بنفسه في أحد حفلات تكريمه) :" كنت في صباي أمثل صورة ذلك التلميذ في المرحلة الابتدائية الذي عشق القراءة والكتب وعهدوا إليه بإدارة مكتبة الفصل بين أقرانه ووصفوه بدودة الكتب .. صورة ذلك الطالب في المرحلة الإعدادية والثانوية والذي أنشأ أول مكتبة في الشارع الذي يسكن فيه باشتراك أسبوعي قدره قرش صاغ واحد.. صورة ذلك الطالب الجامعي الذي خُير بين دراسة الاقتصاد والعلوم السياسية أو المكتبات والمعلومات فاختار المكتبات والمعلومات .. صورة ذلك الخريج الذي حرمته السياسة من الابتعاث إلي الخارج فآل علي نفسه أن يحج إلي المكتبات الأمريكية كل عام".

وهنا تتداخل المشاعر وتختلط الأحاسيس تطفو علي سطح الذاكرة صورة ذلك اللقاء الأول بيني وبينه علي متن الطائرة الأمريكية (TWA) المتجهة من مطار القاهرة إلي مطار نيويورك في أوائل شهر مايو لعام 2001م، التقيته داخل الطائرة، فسألني إلي أين ذاهب، قلت له إلي جامعة جورجيا لقضاء عدة أشهر في مهمة علمية منحتني إياها جامعة أسيوط العظيمة، وأخذ طوال الرحلة يحدثني عن مغامراته ورحلاته إلي نيويورك وآسيا والصين ودول كثيرة، وطلب مني وأنا في أمريكا أن أتواصل معه، وبالفعل تواصلت معه، واستمرت علاقتي به إلي أن لقي ربه خلال الأسابيع الماضية.

ولذلك أقول أي الكلمات لديها القدرة أن ترثى عالماً ومفكراً بالغ الصدق والنبل والنقاء، مثل شعبان خليفة؟! أي الكلمات لديها القدرة؟!، فالذين يتسمون بالصدق والنبل في مهنة المكتبات والمعلومات قليلون، وقد ازدادوا برحيله قلة!.. لا أظن أنه من قبيل المبالغة أن أقول إنه من أكثر الذين قدر لي أن أعرفهم من أساتذة المكتبات والمعلومات (علي مستوي أساتذة الجامعة بلا مبالغة) بعداً عن المداهنة أو المتاجرة بالمهنة لحساب أي سلطة من السلطات بما في ذلك سلطة الرأي العام ذاته الذى كثيراً ما يغازله بعض الكتاب على حساب الحقيقة الموضوعية!.

والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون وهي أن الدكتور شعبان خليفة هو من أهم وأشهر علماء المكتبات والمعلومات المصريين الذين دونوا سيرتهم الذاتية في كتاب بعنوان " نهر العمر ودهره"، حيث وصف العمر أو حياة الإنسان بنهر بكل ما تتسم به الأنهار، فمشاعر وأحاسيس الإنسان تتدفق، مثل مياه النهر، ويتولد عن هذا التدفق تفاعلات وانفعالات تنتج أحداث، وجعل للعمر أيضاً دهر بكل ما يعرفه الإنسان عن الدهر، فالأحداث تنتج عمر يعيشه الإنسان في رحلات قد يبلغ مداها دهر، وحتى يكون هذا العنوان واضحا للقارئ، وضع شعبان خليفة عنوان فرعي توضيحي وشارح هو "قصة حياة"، ليوضح للقارئ أن هذا العمل عبارة عن قصة حياة هذا النهر وهذا الدهر. وقد قسم الدكتور شعبان نهر عمره ودهره إلي خمس فصول أطلق على كل فصل منها رحلة من رحلات عمره بدءًا من الرحلة الأولي والتي هي رحلة النشأة والتطور وانتهاءً بالرحلة الخامسة التي هي المرحلة الجامعية.

لفت نظري في رحلاته وهو في صباه أمر أبكاني وأدمعني، حين وصف وصفا مبكياً موت أمه بالكوليرا وكيف كان حاله وهو في الرابعة من عمره وهو يذهب إلى محطة القطار، ثم محطة الأتوبيس ينتظرها عندما أخبروه أنها سافرت إلى القاهرة، وكيف كان ينتظرها في الترب عندما أخبروه أنها سافرت إلى الله في الترب، ثم وصف ذهابه إلى الكُتاب وهو قبل السابعة من عمره والشيخ الذي كان يحفظه القرآن، ومر على مراحل حياته المدرسة الابتدائية والإعدادية والثانوية، ووقف عند سمات كثيرة له في هذه المراحل المدرسية، منها على سبيل المثال، مدرسة اللغة الإنجليزية في المرحلة الإعدادية.

كما لفت نظري أمر آخر في سيرته الذاتية وهو يشرح لنا كيف كون المكتبة التي كان يعير منها الكتب لأهل قريته، فكان الصبي المكتبي، كذلك لفت نظري عندما روي تفاصيل المرحلة الثانوية وفصله من المدرسة وتخوفه لنقل الخبر لوالده، ثم العدوان الثلاثي وكيف وهو في المرحلة الثانوية وكان عمره 11 سنة يذهب إلى بور سعيد مع الشباب لكي يحارب ويتدرب على محل السلاح، ثم انتهى العدوان بدون حرب ورجوعه إلى القرية.

ولعل من أبرز ما يعجبني في تقييم شعبان خليفة ظاهرته الفكرية لا الصوتية، فهو محلل بارع للأحداث، والشخصيات بلا أي ثرثرة، أو استعراض عضلات .. فضلا عن قوة مجابهته للخصوم الذين تلونت فيهم الأفكار والسياسات والأيديولوجيات. لقد مرّ الرجل بمراحل خطيرة في حياته، وخرج منتصراً منها كونه قد حافظ ليس على حياته فحسب، بل على كيانه الذي بناه منذ عشرات السنين .

التقيت به بعد عودتي من أمريكا في مناسبتين، الأولي جاءت مصادفة في كلية الآداب - جامعة القاهرة عندما كنت أزور أستاذي الدكتور عاطف العراقي بقسم الفلسفة، والثانية عندما أشرف سيادته علي قسم المكتبات والمعلومات بكليلتنا الموقرة (كلية الآداب – جامعة أسيوط)، وكنت أحب أن أستمع لمناقشاته ومحاضراته؛ إذ لمست فيه عمقًا ثقافيًا هائلاً، وصوتاً له القدرة على أن يضع النقاط فوق الحروف .. كما اكتشفت فيه مؤرخاً ماهراً في تخصصه باستطاعته استدعاء البراهين والأمثلة التاريخية (في علمي المكتبات والمعلومات) التي يمكنه توظيفها بمهارة وفن، كي يكسب جولته بأفكار جريئة ليس لغيره القدرة أن يقتحمها أبداً ! كذلك اكتشفت فيه أيضاً أنه كان مغامراً في الخروج بنتائج تبين لي فيما بعد أنه صائب في تقديراته للأحداث وصيرورتها وتداعياتها .. فضلاً عن أسراره في معرفة العالم الغربي والقوى الدولية .. إنه ذكي في قراءة المتغيرات المتبلورة عند مطلع التسعينيات وما بعدها.. وأثبتت الأيام مصداقية نتائجه .

لقد اكتشفت أن رؤيته الثاقبة للأمور تنسجم مع ما يؤمن به من أفكار ومعتقدات سياسية ؛ فهو مصري قح، ولكنه لم يجعل من العروبة قميص "عثمان بن عفان" يحمله أينما كان .. يحترم خصوصياته، ويدلي بقوة لدى الآخرين .. إذ وجدته ينبه من مخاطر محلية وإقليمية ودولية. اكتشفت أيضاً نزعته النقدية في تحجيم الخصوم وتهميش ما يقولون وجعل رأيه هو محور التعامل الأساسي . وعليه، فان خصومه معروفون دوماً وليس باستطاعتهم منازلته، إذ يدركون جيداً مدى قوته إزاءهم .

ومن الأمور التي أبهرتني في هذا الرجل أيضاً كيف بدأ رحلة تحصيله بجامعة القاهرة بقسم المكتبات والمعلومات، إلي أن أصبح واحداً من كبار الرواد في مجال علم المكتبات والمعلومات في مصر والعالم العربي، حيث ذكر لنا د. محمد جلال سيد محمد غندور" في ( دراسة تحليلية للدكتور شعبان خليفة إنتاجه الفكري من 1963 إلي 1997م ) بأن :" إسهاماته العلمية والفكرية لا تحتاج إلي تأكيد مني أو من غيري، فأعماله الأكاديمية والميدانية لها مردود إيجابي واضح لكل من يعمل في هذا المجال، فمنذ حصوله علي الليسانس في المكتبات والوثائق من كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1963م، والتحاقه بالعمل ذات العام معيداً في علوم المكتبات بذات القسم الذي تخرج فيه، وعلي مدي خمسة وثلاثين عاماً من العمل المتواصل، ارتقي خلالها السلم الأكاديمي والوظيفي؛ ليحصل علي أعلي الدرجات العلمية كأستاذ علم المكتبات والمعلومات عام 1984 م، ورئاسة عدد من أقسام المكتبات والمعلومات والوثائق في مصر وخارجها، وعضوية الكثير من الهيئات المهنية المصرية والعربية، وتقلده مناصب استشارية في عدة مؤسسات محلة وإقليمية، ورئاسة الجمعية المصرية للمعلومات والمكتبات منذ عام 1995 م، وهو في هذا وذاك، بذل – ولا يزال – الكثير من الجهود البحثية والفكرية والميدانية، بغية الارتقاء والتخصص، ودفع مسيرته ليلحق بركب التخصصات العريقة التي سبقته علي الخارطة العلمية العربية، وبذلك أوجد لنفسه (( مساحة ما )) في مجال تخصص المكتبات والمعلومات، وأصبح علماً من أعلامه.

كما وصفته الدكتورة عايدة نصير (في دراسة له بعنوان اتجاهات الانتاج الفكري لكتب أ.د شعبان عبد العزيز خليفة) :" ورغم متابعتي لإنتاجه العلمي المتميز، لم أكن أتوقع أن يمثل هذا الثراء العددي والذي وصل إلي 54 كتاباً. ولقد جري العرف ولمسنا بحكم واقع الزمالة لكثير من أعضاء الهيئة التدريسية بالجامعات أن إنتاجهم العلمي يسير في اتجاه عكسي مع نموهم في الدراسات الأكاديمية بمعني أنه ما دام لم يصل بعد إلي درجة الأستاذية، وهي أعلي درجات السلم الأكاديمي، يكون هناك إنتاج يؤهله للوصول إلي تلك الدرجة وعندما يحصل عليها يبدأ مؤشركم الإنتاج في الهبوط حيث لا يوجد الدافع للقيام بإنتاج علمي متميز مع تقدمه في العمر مما يقلل من عطائه، بجانب زيادة المسؤوليات والارتباطات الإدارية والاستشارية التي يكون قد تقلدها بعد الأستاذية وتكون سبباً في انشغاله عن البحث والتنقيب. ولكننا هنا أمام ظاهرة فريدة متميزة تعارضت مع كل التوقعات السابقة فهناك غزارة في الإنتاج وحكمة في الأداء الإداري وصدق في إعطاء المشورة وهو في أعلي درجات السلم الأكاديمي ويرأس قسم المكتبات والمعلومات والوثائق، والجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات والأرشيف، وعضو مجلس إدارة دار الكتب القومية، ومقرر لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلي للثقافة، ومشاركاً في معظم اللجان المتخصصة. وبرغم هذه المسؤوليات جميعها فقد قام بإنتاج ما يزيد علي 40  كتاباً في مرحلة التسعينيات وكتابين في مطلع القرن الواحد والعشرين .

هذا فضلًا عن توليه رئيسًا لقسم المكتبات والمعلومات جامعة عين شمس 2000- 2003. وحاز رائد علم المكتبات على عضوية الجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات "رئيس مجلس الإدارة منذ 1994 حتى الآن"، واتحاد المكتبات الأمريكية منذ 1992. وتوفي في 23/6/2019.

وقد نشر الدكتور شعبان خليفة علي مدي فترة زمنية تقدر بتسعة وخمسين عاما ( بداية بعام 1963 وحتي نهاية 2019) أكثر من 400 عملاً (ما بين كتب وأبحاث ومقالات)، تباينت في خصائصها الزمنية، الوعائية، الموضوعية؛ حيث شكلت في موضوعها إضافة لها قيمتها الأكاديمية والعلمية للمكتبة العربية في مجال المكتبات والمعلومات، وقد كان من الطبيعي أن يتأثر إنتاجه الفكري كماً وكيفا، بالفترة الزمنية التي أنتج فيها وبالظروف الأكاديمية والعلمية والحياتية المحيطة بكل فترة منها، فتزداد وترتفع، في بعض الفترات وتنكمش وتنخفض في البعض الآخر، لكنها في هذا وفي ذلك لم تتوقف بأي حال من الأحوال، إلا في ثلاث سنوات فقط خلال الأعوام من 1967 م الي 1969 م (كما ذكر د. محمد جلال سيد محمد غندور" )، وهي الفترة التي أعقبت حصوله علي درجة الماجستير عام 1966 م، وقبل حصوله علي درجة الدكتوراه عام 1972 م.

ويذكر د. محمد غندور" أن رؤيته تشير البحثية، إلي إمكانية إرجاع انشغال شعبان خليفة في هذه الفترة بالتحضير لرسالة الدكتوراه، في أصعب مراحلها وهي مرحلة الإعداد، والبحث، والاختيار، والتحضير، وجمع المصادر وتنظيمها، وغيرها من الهموم والشواغل التي يعاينها طلاب الدكتوراه في جميع أنحاء العالم؛ وخاصة في البلاد النامية والعالم الثالث، إلا أنه استطاع – بعد هذه الفترة – أن يستعيد نشاطه البحثي مرة أخري، حيث بدء إنتاجه في التصاعد التدريجي حتي وصل إلي أعلي معدلاته (من زاوية الكم ) ما بين الأعوام 1976 م 1979 م، وهي ذات الفترة الذي أعير فيها من جامعة القاهرة ليعمل كأستاذ مشارك، ورئيس لقسم المكتبات والمعلومات بكلية الآداب والإنسانيات بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، وقد تشكلت معظم أعماله في هذه الفترة، والتي بلغت حوالي 85 عملاً، من المقالات، يستثني من ذلك سبعة أعمال، أربعة منها مؤلفات كتب، والثلاثة الأخرى بحوث ودراسات نبعدها بدأ معدل إنتاجه في الهبوط من زاوية الكم لفترة زمنية بلغت ست سنوات من عام 1980 م وحتي عام 1985 م. وتتزامن هذه الفترة مع انتهاء فترة إعارته في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وعودته إلي جامعة الأم ( جامعة القاهرة )، حيث أنتج خلالها خمسة عشر عملا، منها خمسة مؤلفات (كتب) وعشرة بحوث، وحصل خلالهما علي درجة الأستاذية عام 1984. ثم أعقب ذلك ارتفاع نسبي في معدل إنتاجه خلال العام 1986 ليبلغ في هذا العام وحده سبعة عشر عملاً، منها عشرة مقالات وخمسة بحوث، وورقتي عمل مؤتمرات، نجد أيضاً أنه أتم إنتاجه هذا خلال فترة إعارة لم تستمر إلا سنة واحدة ( العام الأكاديمي 85 /1986)، بالمملكة العربية السعودية كأستاذ علم المكتبات والمعلومات والوثائق، بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام ثم بدأ إنتاجه بالتذبذب صعوداً وهبوطاً ( من ناحية الكم) واستمر ذلك حتي عام 1997 م، وحتي الفترة التي يقلد فيها رئاسة العديد من الأقسام في داخل مصر وخارجها، حيث أعير خلال هذه الفترة إلي دولة قطر لمدة ست سنوات من عام 1986 م إلي عام 1992 م، كأستاذ ورئيس قسم المكتبات، بكلية الإنسانيات جامعة قطر، أنجز خلالهما 24 عملاً تضمنت أحد عشر مؤلفا (كتاباً) وسبعة بحوث وأربعة مقالات، وورقة عمل مؤتمر، ومراجعة علمية واحدة ليرجع بعدها إلي جامعة القاهرة، لشغل منصب أستاذ ورئيس قسم المكتبات والمعلومات، بكلية الآداب - جامعة القاهرة، ويستمر في عمله، حتي عام 1994 م، حيث تقلد منصب أستاذ ورئيس قسم المكتبات والمعلومات بكليتي الآداب جامعة القاهرة، وفرع بني سويف حتي الآن، وقد نشر خلال هذه الفترة اثني عشر مؤلفا (كتابا)، تعد من أبرز إبداعاته الفكرية. تبلغ فيهما الإنتاجية أعلي معدلاتها، فينتج عنها دورتين، ومنخفضا بيانا، وبالتالي نحصل علي منحني شبيه (( بسرج الفرس)) وقد كان أول ما لفت انتباهي عند دراسة الإنتاج الفكري شعبان خليفة، هذا التطابق الواضح بين الإنتاجية وإحدى النظريات التي وضعت حول مسار خط الإنتاجية للبحثين.

ولأن الدكتور شعبان كان دائما يستفيد من السبع فوائد للسفر فقد حرص (كما يخبرنا د. محمد غندور") طيلة حياته الاشتراك في الجمعيات والاتحادات المهنية والتي تقوم بتنظيم مؤتمرات سنوية تجوب مدن ودول مختلفة حتي تكون له الفرصة في السفر والسياحة والعلم والمهنة... وما على ذلك، من هذه الاتحادات التي اشترك فيها اتحاد المكتبات الأمريكية فذهب في صيف 1992م مع أول مؤتمر يحضره مع هذا الاتحاد إلى ميامي بيتش في ولاية فلوريد، ومن المعروف أن ميامي هي سكن علية القوم والأغنياء من أمريكا وكثير من دول العالم وقصورهم وفيلاتهم تتحلق الشاطئ في خليج فلوريد.

ثمة أمر مهم بالنسبة لي أود أن أشير إليه في نهاية حديثي عن شعبان خليفة، وهي أن هذا الرجل قد تعرض للعديد من المؤامرات لوجوده مشرفا على بعض أقسام المكتبات في معظم كليات الآداب بجامعات مصر، وللأسف حيكت له تلك المؤامرات من أعز الناس إليه وهم تلاميذه (سواء المباشرين أو غير المباشرين)، وكأن لسان حاله يقول ("علمتهم نحت القوافي فلما كبروا واشتد ساعدهم هجوني"! ألم يقال" إتق شر من أحسنت إليه.. وأن "عدوك هو ابن كارك" )، أو من زملائه في المهنة الذين إن قابلوه يعطوه من طرف اللسان حلاوة وإن أداروا ظهورهم له راغوا منه كما يروغ الثعلب.

علي كل حال فالرجل لم ييأس إزاء كل هذه الأجواء الصعبة، فقد قرر الابتعاد لبعض الوقت عن كل هذا لأنه يحب الحياة، ولا يحب أن يعيش بعض الوقت في هذه الحياة في ضيق وهم وحزن، فقرر يعود أدراجه في السفر لبعض الدول الأوربية، مثل النمسا، وكوريا الجنوبية، والولايات المتحدة الأمريكية إلي أن وافته المنية في الثالث والعشرين من الشهر الماضي وهو شهر يونيه لعام 2019.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور شعبان خليفة الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الدكتور شعبان خليفة، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

جمال العتابيوقّع العراق إتفاقية التعاون الإقتصادي والفني مع الإتحاد السوفيتي في آذار 1959، وكان الوفد المفاوض برئاسة إبراهيم كبة، أول وزير إقتصاد للجمهورية الأولى بعد تموز1958، الذي أدى دوراً كبيراً ومتميزاً في عقد الإتفاقية، التي تعد إحدى المنجزات الإقتصادية في تلك المرحلة، وبفضلها تمكن العراق من تنفيذ برنامج واسع للإنماء الإقتصادي والتصنيع، وأتاحت للسوفييت فرصة إقامة أبرز المشاريع الصناعية التي توزعت على كل مساحة العراق، من شماله إلى جنوبه، وتنوعت المشاريع، من صناعات ثقيلة، إلى صناعات زراعية وتحويلية، ورحبت الدوائر الرسمية والشعبية بعقد الإتفاقية، وعُدّت إنجازاً وطنياً كبيراً، وضع الأسس الأولى في نقل إقتصاد العراق، من زراعي متخلف وتابع، الى إقتصاد وطني يعتمد التنمية والتخطيط والتحرر من الإحتكار الرأسمالي . وتعرضت الإتفاقية إلى جملة من الإنتقادات، مصدرها الأحزاب القومية، ورجال العهد الملكي، ووصفوها بأنها أخطر إتفاقية تقود العراق ليكون تابعا للسوفييت والشيوعية، ومن المفارقة أن يعود حزب البعث في مؤتمره القطري الثامن 1974، ليعلن عن أهمية الإتفاقية في توسيع القاعدة الصناعية العراقية .

بدورها قامت فرق من الخبراء والمهندسين الروس، بجولات واسعة في مدن العراق لتحديد مواقع المشاريع، في يوم قائظ عاد إثنان من الخبراء الى العاصمة، بعد أن أنجزا مهمتهما في الناصرية، وتقتضي العودة، المروربالشطرة ثم الغازية (النصرالآن)، فالرفاعي وقلعة سكر، صعوداً مع الغراف نحو الحي ثم الكوت ...وهكذا إلى بغداد .

يأتي النداء إلى مسؤول المنظمة الحزبية في الغازية بالإسراع في تهيئة (الجماهير) لإستقبال وفد الخبراء القادم من الشطرة، عبر طريق ترابي في الصوب الثاني من المدينة، في الغازية تلفون واحد فقط، هو تلفون دائرة البريد، الموظف يختض من الصياح كي يلتقط الصوت القادم من الشطرة، وتكاد يداه لاتتوقفان من تدويرمفتاح التلفون بحركة متواصلة سريعة، تشبه عملية تشغيل السيارة بـ(الهندر)، عندما تتوقف بطاريتها .

أراقب المسؤول وهو يمسك سماعة التلفون بيد، وفي اليد الأخرى ورقة يدون فيها بقلم حبر(باندان)، ما يتلقاه من توجيه بشأن شعارات الإستقبال، أسمعه بصوت عالٍ : نعم ..نعم، أعد رجاءً، كتب أول كلمة، (مِير )، مير، مرة ثانية يسأل المسؤول، ثم الثانية، (دررررو)، درو، بعدها رجاء ً؟ (شبا)، شنو معناها عزيزي أبو.... ؟ ردّ الطرف الثاني : معناها، سلم وصداقة، ثم واصل، أكمل بقية شعار الترحيب أرجوك، وهنا المصيبة الأعظم، الكلمات جاءت مدغمة، لا فاصل بينها، وجد المسؤول صعوبة بالغة في فرزها، وفك رموزها، وهو يعيد ويستفسر ويطلب التأني اكثر من مرة، وفي وجهه حيرة وأكثر من سؤال، فكتب ما يشبه الطلاسم أخيراً (إزدرازدي سوارشششش ) !!! عرفت بعد عقود من الزمن انها تعني : مرحبا بالرفيق، لم تصدر عن المسؤول سوى تنهيدة خافتة، تبعها بالقول : شنهو هالشدّة يارسول اللة !!

المعضلة الأشد، كيف يمكنك من جمع أبناء المدينة للمشاركة في الإستقبال ؟ بعد أن إستلم عزيز السيد جاسم –المتخرج تواً من دار المعلمين الإبتدائية - ورقة الشعار، وعليه تقع مهمة تدريب المستقبلين على حفظ هذه المقاطع، فطلاب الإبتدائية الوحيدة، يتمتعون بالعطلة الصيفية، وفي النهار الساخن يأوي الناس الى منازلهم، ليس سوى (المهافيف) تحرك الهواء الساخن في غرفهم الطينية، التي تلفها غمامة الإعياء، وهي تستجير من لهب الصيف، كنا أول المتجهين نحو (الطبكة)، واسطة النقل الوحيدة عبر الغراف، وعلى سطحها بدأت أولى الدروس في ترديد الشعار، يحدو بنا السيد عزيز بصوت متعثر، وفي ملامحه توجع خفي، أما نحن فكنا نبادله بخرس مجوف العيون، ووجوه متحجرة، الأغلب منا كان بحاجة إلى أن يسترسيقانه المكشوفة لقصر في الدشاديش، وحديد (الطبكة) يفجّر في أقدامنا المجامر .إختنق في حناجرنا الصوت، كنا صوراً محنطة الملامح، يفترسنا الصمت نبحث عن شربة ماء تروي عطشنا .كنا جميعاً ننقب عن حافز مثير وملّح يحملنا ترديد الشعار بالروسية، وأغلبنا مازال يتهجى الحروف العربية، في مدينة ثلاثة أرباع سكانها من الأميين، مضينا نحو الطريق الترابي، تتوقف بعيداً عنا سيارة حديثة زرقاء، تتلاحق انفاسها، بسبب ثعبان من الغباريطاردها، يترجل منها رجلان، بوجهين يلمعان كسطح جليد في نهار غائم ، إلتفت إلى الوجوه الصفراء والسمر من حولي، أدقق في براءتها المخطوفة، وشحوبها الأزلي، وهي تردد المقطع الأول لسهولته، وأطلقت الثاني للأماني والوعود، بعد أن خطفت حمرة الوجوه وبياضها ابصارنا،

في المشهد الأخير من الحفل، ترتفع كفا الرجلين، مضمومتين لبعضهما، تلوحان لنا من بعيد كرمز للتضامن والسلام، لكن البلاد ظلت تقاوم دائماً رجس الحروب، ولم تدخل عصر السلام، ولم يشرق من غيثها فجرها المنتظر .

 

جمال العتّابي

 

علي المرهجأكملت السنة التحضيرية في الدراسات العُليا (الماجستير)، وبعد حين طلب منَا رئيس القسم واللجنة العلمية تسجيل موضوع بحثنا، وكُنت من قبل في السنة التحضيرية قد كتبت بحثاً عن فيلسوف أمريكي لم يحظ بشهرة عالية رغم أهميته في تاريخ الفلسفة عموماً، وفي تاريخ الفلسفة الأمريكية على وجه الخصوص، ألا وهو (تشارلس ساندرس بيرس) مؤسس الفلسفة البرجماتية التي اشتهرت على يدي فيلسوفها الأشهر (وليم جيمس) الذي وصفه (بيرس) بـ (جوهرة البراجماتية)، رغم التباين بين رؤى (بيرس) المنطقي (البرهاني) ورؤى (جيمس) (السيكولوجي) الذي لا يستهويه المنطق، ولا رغبة له فيه.

عشق (بيرس) (كانط) وحاول أن يبني فلسفته البراجماتية على غرار فلسفته (النسقية) معمارياً، فهو المُحب لـ (كانط) منذ صغره، وحفظ كتابه (نقد العقل المحض) عن ظهر قلب وهو لم يتجاوز الثالثة عشر من عمره.

المهم أنني رغبت الكتابة عن فلسفة (بيرس) الذي لم يُكتب عنه في اللغة العربية سوى القليل، وقد حاورت بعض من العارفين باللغة الإنكليزية، وعلى رأسهم المترجم والناقد المعروف الأستاذ (سعيد الغانمي)، وأخبرته برغبتي في الكتابة عن فلسفة (بيرس) وقد نصحني بتجنب الكتابة عنه، ولكنني كأي شاب مُتحمس، لم أقبل بنصيحته، وبعد فحص لما كُتب عنه في الدراسات العربية، ألححت بأن يكون موضوعي لدارسة الماجستير عنه، وبعد سعي للبحث عن فلسفته وبعد مُساعدة أحبة لي في الترجمة، وجدت في (د.علي حاكم)، والأخ العزيز (أحمد الهاشم)، والكبير (د.يوسف اسكندر)، والأخ الأحب (رزاق عبد شنيف) والأخت المترجمة (فاطمة الذهبي)، وروح الأخوة المترجمة (خالدة حامد) يُبدون استعدادهم للتعاون معي في انجاز مشروعي (المهم) عندهم قبل أن يكون عندي، فآثرت الاصرار على أن يكون هو لا غيره موضوع دراستي وبحثي في الماجستير، وكيف لا؟ وأنا محظوظ بمثل هذه الأسماء الكبيرة التي أصبحت اليوم أعلاماً في عالم الثقافة والترجمة تُحيطني بمحبتها وتحلم بمنجز أحققه أنا ليكون مُنجزاً لي ولهم.

طرحت الموضوع على اللجنة العلمية، فوافقت لكن بشرط وجود من يقبل الإشراف على مثل هكذا موضوع جديد!.

بينما أنا أفكر حائراً بمن يقبل الإشراف على هذا موضوع، وجدت الدكتور طه الجزاع الذي لم تكن تربطني كبير علاقة به، ولكنه نسمة معرفة ومحبة، تمر على الحائر مثلي لتنكشف له سرائر النفس والمعرفة معاً، أظن لأنه يستشف من روح إفلاطون الذي كتب عنه أطروحته بعض من مثاليته، رغم أنني لم أعشق افلاطون بسبب أستاذ أحب إفلاطون وكتب عنه عاشقاً لفلسفته، ولكنه لم يكن يوماً افلاطونياً بالفعل، إنما هو افلاطوني بالكلام!!، وربما نُشابهه، مع فارق التعبير الوقح عنده!!.

سأني (الجزاع) ما لي أراك حائراً (مشدوهاَ)؟، فأخبرته بأن اللجنة العلمية وافقت على موضوعي بشرط موافقة أستاذ مُختص على الإشراف، فسألني وما المشكلة؟ فأجبته بأن المُشكلة أنني لم أجد سوى الأستاذة (فاتنة حمدي) بحكم اهتمامها بالفلسفة المعاصرة يُمكن لها أن أن تقبل الإشراف على موضوعي هذا!، فردَ علي ولتُشرف (فاتنة على الموضوع، فقلت له ولكنني لا أعرف فاتنة ولا تعرفني، ولربما ترفض الإشراف عليَ، فأجابني (هاي سهلة خليها عليه)!!.

وبعد يوم أو يومين قابلت (الجزاع) فقال لي هل ذهبت لعرض موضوعك على أستاذتنا (فاتنة)؟ فتعجبت!، وقلت له كيف لي أن أذهب وهي لا علم لها؟، فأجابني (ها اشبيك أخبرتها بموضوعك ورحبت، ولكنها ترغب باللقاء معك، لتعرف ما مقدار فهمك وتعلقك بهذا الموضوع)، فطارت روحي قبل عقلي، فصفقا فرحاً، وبين جناحي الروح والعقل الطائرين في مرح المحبة للتفلسف وعشق الحياة التي تمثلت برؤية وسلوك أستاذتنا (فاتنة حمدي) حلَقت رؤاي، فاختصرت (بايات) سلم القسم كي أقفز فرحاً لأكون في ممرات الطابق الأول الذي كانت فيه غرفة أستاذتنا (فاتنة حمدي)..

طرقت باب غرفتها، وأنا الذي لا أجيد حُسن طرق الأبواب، لأنني ابن الجنوب وأبواب الكون كُلها أبوابي، إن لم يكن أجدادي هم من صنعوا الأبواب بعد اختراقهم صمت الأرض وجدبها بعد أن لم يكن فيها حياة فكانوا سادة من يصنع دبيب الروح فيها ونبضها، فهم الأحق بخرق قوانين المدنية الخرقاء التي صيَروها مدينة فتعالت عليهم!!.

المدينة (فاتنة) مثل أستاذتي (فاتنة)، سمحة مثلها لا تقبل تصنعاً في الاقبال على المعنى الجميل، لأنها (فاتنة جميل حمدي) تجتمع فيها كل صفات الحمدُ والفتنة والجمال الأخَاذ لرقة فيها وترف..

إنه ترف الجمال فهي أستاذة الجمال في قسم الفلسفة معرفة وتدريساً واتقاناً لعوالم (الموظة) وصرخات الأزياء لا تباهياً، بقدر ما فيها من شغف للعيش في كنف الجمال الذي تستحقه.

طرقت الباب، فسمعت صوت فيروزي ناعم يقول تفضل، ففتحت الباب بروية، ومددت رأسي، فإذا بها جالسة على كرسي يستريح لوجودها، ومنضدة أو (ميز) كره بعض التراب الذي فيه لأن (فاتنة) مثل أستاذتي جلست والثقة تملؤها ولا خوف بعينيها، ولكنني أظن أن آثاث الغرفة قد عاتب نفيسه لأنه لم يرى في وجوده ما يليق بفاتنة الفلسفة وجميلتها!!.

لا أتحدث غزلاً لأنه كأم لي، ولكن الابن يعشق الكلام عن الأم حينما تستحق أن يُقال عنها ما تستحق من الكلام وأحسنه.

مددت رأسي بينما أنا فتح باب غرفتها، فقالت لي تفضل، فأجبتها أنني (علي عبدالهادي)، فبدت على وجهها ابتسامة الترحيب، فطلبت مني الدخول والجلوس على كرسي مقابل للـ (الميز) الذي وجدته غير راض عن وجوده أمام (جميلة الجميلات) (الفاتنة جميل حمدي)، فحدثتها عن موضوعي، فوجدتها فرحة تستبشر بيَ خيَراً، فوافقت على الإشراف على رسالتي للماجستير.

سجلت رسالتي بعنوان (الفلسفة البراجماتية عند تشارلس ساندرس بيرس ـ قراءة تحليلية).

قرأت الكثير حول بيرس في العربية وما كُتب عنه في الإنكليزية، وترجمت الكثير بمعونة الأصدقاء الذين ذكرتهم، وكُنت أعرض على أستاذتي (فاتنة حمدي) ما أكتبه، فكانت تُراجع ما أكتب لتُصححه بحكم معرفتها باللغة الإنكليزية، لأنه مُجيدة لها تمام الاجادة بحكم دراستها للفلسفة في الجامعة الأمريكية في بيروت، فكانت خير مُعين لي.

لم أكن أعرف صفات وشكل ورد الكاردينايا من قبل، ولكنني أسمع عنها أنها وردة تبعث البهجة في النفس، وبعد أن توثقت علاقتي بأستاذتي وجدت أنها تجلب معها وردة بكميات لا بأس بها تبعث عطراً يخترق مسافات التوَق للعين التي تعشق قبل الأذن أحيانا!.

لم تمنحني أستاذتي (فاتنة) وردة (كاردينيا) فقط، إنما هي أعادة عندي ترتيب أوراقي في التعبير عن المحبة الصادقة، فهي كانت ولا زالت إنسانة تعرف مذاق الحرية التي تُحسن ربطها بالمسؤولية، فتعلمت منها أن الحياة تصنعها إمرأة باذخة الجمال ببراءتها، ولا يصنع الحياة مُدَعون وسخون بلحى طويلة، ولا ذم عندي لأصحاب اللحى الطويلة لأن فيهم القليل من الذين يُصيَرون أنفسهم وحياتهم من أجل نثر محبة يأيديهم النقية كي يجعلوا من الدين دين سماحة وتلاقي وتعايش.

السماحة في عطر ورد الكاردينايا الذي قطفته يدين ناعمتين من حديقة غنَاء بالمحبة الأسرية والعائلية كعائلة أستاذتي (فاتنة) هي ذات اليدين التي تقطف من دين المحبة الذي زرعه الأنبياء والصديقين والأولياء على اختلاف دياناتهم، لنقطف نحن الوارثون حُب الآخرين وإن كانوا خالفونا في الملَة.

أهدتني الكثير سيدتي وأستاذتي من ورد الكاردينيا، فكنت أوزعه ذات اليمين وذات الشمال على كل من ألاقيه في المكتبة المركزية الثانية لجامعة بغداد، فكانت بعض الموظفات من اللواتي تعودن على قدومي يومي الأحد والثلاثاء من كل أسبوع ينتظرن الكاردينايا وعطرها ولا أظنهن يتذكرن شكلي، لأن في الكاردينيا وسماحة لونها الأبيض وعطرها الأخاذ ما يُنسي الهادي له، وإن يكن مُهدياً أحيانا..

حدثتكم عن بعض من جمال الحياة عن صنف مؤنسن، وأخبرتكم عن حُسن الطبيعة بعطر ورد ولون ورقه وزهره جنان وحنان!!...

كاردينيا فاتنة أنت في توقك للمعرفة، وجميلة أنت في إنسانيتك...

شكراً لك لأنك كُنت بحق (فاتنة جميل حمدي)..

 

ا. د. علي المرهج