علي رسول الربيعيياتي خطاب الطهطاوي في سياق الحركة الإصلاحية الأسلامية، التي تنظر الى الإصلاح السياسي من مرجعية اسلامية في تناول للحداثة، وفي طريقة تلقيها أو الاقتباس منها. فقد قدم الطهطاوي وصفا وشرحا للأسباب التي أسهمت في تقدم أوروبا، ومنها تلك التي تعود الى سيادة أشكال الحكم التي تقوم على الحرية والعدل.

نهتم في هذه الدراسة بالخطاب السياسي للطهطاوي (1801- 1873)؛ أيً على افكاره السياسية سواء في صورتها المباشرة في " تخليص الابريز" أو في المضمرة في كتابيً " مناهج الالباب، والمرشد الامين"، ولاسيما البنية الداخلية لهذا الخطاب من خلال إجابة عن السؤال. كيف استجاب هذا الخطاب لتحديات الفكر السياسي للحداثة؟

يمثل خطاب الطهطاوي أول حلقة في سلسلة اتصال العالم الإسلامي بالحداثة الأوربية، فهو " أول رواية تطورية في الأدب العربي، تأخذ بنظرية التطور الحضاري وأسباب الرقي والتأخر". (المعوش1998، ص 90) فقد عبر هذا الخطاب عن الوعي باشكالية التأخر التاريخي الإسلامي، وأوضح الفارق بين تقدم اوربا الحداثة وبين تاخر العالم الاسلامي. لهذا جاء يحمل في مطافه الاخير هدفا واحدا هو الجواب على السؤال " كيف السبيل إلى ربط الإسلام بالحضارة الحديثة، " ؟ (شكري 1983، ص190)

لقد عرّف الخطاب السياسي للطهطاوي العالم الإسلامي بقيم ومبادئ الحداثة السياسية ممثلة بالحقوق المدنية، مساواة المواطنين جميعا أمام القانون والقوانين، اشراك الشعب في عملية الحكم، حقه في اختيار ممثليه‏، ومحاسبتهم علي أعمالهم‏، الحكومة يجب أن تكون مسؤولة أمام ممثلى الشعب، وأن تكون العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة بين الحقوق والواجبا؛ فتناول موضوع الحريات العامة بالتفصيل، لاسيما الحرية السياسية‏، وحقوق الانسان ً التي شرعتها الدساتير الأوروبية.

موقف الطهطاوي من الحداثة السياسية

حاول للطهطاوي في خطابه السياسي إيجاد نقاط مشتركة بين الإسلام والحداثة. وهذا نتيجة لما طرأ على تفكيره من افكار جديدة استلمها من الحداثة، يظهر فيما كتبه عن النزعة العقلية المتحررة، التي سادت فرنسا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في جانبيها القانوني والاجتماعي. (محمد حسين 1997، ص 38) انه يعكس اطلاعه على الفكر السياسي لأمثال مونتسكيو وروسو وفولتير، وعلى مبادئ الثورة الفرنسية. فيعتبر خطاب الطهطاوي من أولى محاولات تضمين الإسلام ببعض جوانب الحداثة.

كان خطاب الطهطاوي محاولة لأدخال المبادئ العامة والافكار السياسية للحداثة في اطار النظرية السياسية الاسلامية. فمضمون الحداثة السياسية التي قصدها الخطاب تتعلق أساسا بمفاهيم العدالة والحرية السياسية. يتضمن الخطاب تفاصيل مهمة عن النظم السياسية والحكومة والدستور فهو يعد أول محاولة لتأصيل الفكر السياسي الإسلامي عن طريق الاحتكاك بالحداثة الأوربية وأنظمتها السياسية.

لقد انعكس الفكر السياسي للحداثة في الخطاب السياسي للطهطاوي بدرجات متفاومة من خلال شرحه نظام الحكم الدستوري والحقوق المدنية للمواطنين، وعـرض وثيقة حقوق الإنسان التى نادت بها الثورة الفرنسية. وكذلك من خلال ترجمته للدستور الفرنسى الصادر عام 1814م، والاعجاب بثورة سنة‏1830 فى فرنسا مبينا أسبابها، وبموقف الفرنسيين منها. (سابايارد 1992، ص 28) فقد رسم خطاب الطهطاوي صورة مفصًلة لمؤسسات الدولة الفرنسية وسلطاتها التشريعية والتنفيذية، مدركا أن المقصود من هذا النظام هو تقيـيد سلطة الملك واخضاع الحكومة لرقابة نواب الامة وإلزام الجميع باحترام الدستور‏؛ وأن السياسة الفرنساوية هي قانون مقيد. فملك فرنسا ليس حاكم مطلق التصرف ولكن عليه ان يعمل بالقوانين وتحت نظر مجلس الشيوخ الذي يمثل الارستقراطية الملكية‏، ومجلس النواب الذي يمثل الأمة. (الطهطاوي 1973، ص95)

يوظف الطهطاوي منهجية القياس، والمقارنة، والمماثلة في تناوله مسالة التوفيق بين بين الاسلام والحداثة؛ فيماثل بين طريقة أصول الفقه وبين منهجية استنباط الأحكام في الفكر السياسي للحداثة، فيقارن بين النظام السياسي الإسلامي والنظام السياسي للحداثة في أوربا، ورغم ان الاول يستند الى الشريعة الإسلامية والاخر الى قانون طبيعي، الا انه يرى الاختلاف الظاهر بينهما يتعلق بالتفاصيل لا بالمبادئ الاساسية التى يقوم عليها كليهما. فتنظيم الشريعة لا يتناقض مع اغلب القوانين الطبيعية. فقد نظر الى الفكر السياسي للحداثة في علاقته بالاسلام من وجهة النظر هذه فيقول : " من زاول علم اصول الفقه … جزم بان جميع الاستنباطات العقلية التى وصلت عقول اهالى باقي الامم المتمدنة اليها، وجعلوها اساسا لوضع قوانين تمدنهم واحكامهم، قبل ان تخرج عن تلك الاصول التي بنيت عليها الفروع الفقهية.فما يسمى عندنا بعلم أصول الفقه يسمى مايشبه عندهم بالحقوق الطبيعية أو النواميس الفطرية، وهي عارة عن قواعد عقلية، تحسينا وتقبيحا، يؤسسون عليها احكامهم المدنية، وما نسميه بفروع الفقه يسمى عندهم بالحقوق او الاحكام المدنية، وما نسميه بالعدل والاحسان يعبرون عنه بالحرية والتسوية " (الطهطاوي 1973،ص469).

ويستعمل هذه المنهجية، ايضا في محاولته وصف وتأصيل مفاهيم الفكر السياسي الليبرالي مثل المواطنة، والحرية، والعدالة، فيقول "وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يُطلق عليه عندنا العدل والإنصاف وذلك لأن معنى الحكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين، بحيث لا يجور الحاكم على إنسان، بل القوانين هي المحكمة والمعتبرة ". (الطهطاوي 1973، ص 102)

الأقتباس من المدنية الاوربية

قدم الطهطاوي صورة عن الحداثة؛ داعيا المسلمين الى الاقتباس من ثمراتها، مما هو جدير بالاقتباس، باعتبار أن البلاد الإسلامية تحتاج منها الى كسب ما لا تعرفه، وجلب ما تجهل صنعه؛ (الطهطاوي 1973، ص16). لقد نصح المسلمين باكتساب وتبني الحضارة الاوربية الحديثة المتفوقة ليتغلبوا على ضعفهم وتخلفهم. ومن هنا تاتي ضرورة الإحتكاك المباشر بالأوربيين فهي الطريق الوحيد للإستفادة منهم؛ أذ أنً " مخالطة الأغراب، لاسيما إذا كانوا من أولى الألباب، تجلب للأوطان من المنافع العمومية، العجب العجاب". (الطهطاوي 1973، ص398)

لقد شكل خطاب الطهطاوي صيغة ثنائية توفيقية تجمع في مركب واحد بين " الإسلام الصحيح " و" الحضارة الحديثة "، ولم يرى اي تناقض او تعارض بينهما، لانه كان يعتقد ان نهضة اوربا الحديثة قامت في احدى ركائزها على تمثل واستيعاب التراث الإسلامي، وبالتالي من المبرر الأقتباس منها. (شكري 1983، ص 158) وانطلاقا من ذلك اكد على مشروعية الاقتباس من الحداثة فيما يتعلق بالنظام السياسي والقانوني للدولة، لا لانه لا يتناقض مع الاسلام فحسب، ولكنه يجسد قيم العدالة الاسلامية.

لقد حاول الطهطاوي، وفق صيغة التوفيق، البحث عن التشابه بين علم اصول الفقه الإسلامي ومنهج الحداثة في الاستنباطات العقلية كما توصل اليها الاوربيون، لكن لابد من الاشارة الى ان هذا لايعني تبنيً تلك الاستنباطات ولكن ليبين السبق الاسلامي لها. والامر نفسه فيما يتعلق بالحرية فهي موجودة في الإسلام تحت مفهوم العدالة. وهذه هو مستوى تسويغ الطهطاوي لأفكار الحداثة (الطهطاوي 1973، ص469)

إن تمعين النظر في خطاب الطهطاوي، ووضع المفاهيم التي يستعملها في السياق الداخلي لهذا الخطاب يكشف ان الطهطاوي يقدم وصفا للافكار السياسية للحداثة ويوضح ما شاهده من تطبيق لهذه الافكار في اوربا " فقد أظهر حسنات التمثيل الديمقراطي في فرنس، لكنه لم يوجبه بالنسبة الى المسلمين (سابايارد 1992، ص65)، فهو لايتبنى هذا الفكر ولايدعو الى تطبيقه كايديولوجيا في مصر او العالم الإسلامي. فعندما يتناول نظام الحكم الاسلامي يعود الى السياسة الشرعية والفقه السياسي الاسلامي، واقصى مايقوم به هو محاولة التوفيق بين بعض تلك الافكار والاسلام.

لقد مثلت مسالة التقدم نقطة مركزية في اهتمام الخطاب السياسي للطهطاوي، الا أن هذه الاهتمام لم يستدعي معه المفاهيم المرتبطة بهذا المفهوم مثل الحرية، والحقوق الطبيعية، والعقد الاجتماعي بقدر ما اتجه الخطاب نحو مفهوم التمدن، الذي اعتبره الطهطاوي مطابقا للتقدم. فهو عندما يستعمل مفهوم التقدم يترجمه باستمرار الى المترادف في مفاهيمه، وهو مفهوم التمدن. انه يستعمل هذا المفهوم بوصفه تصورا يقدم بديلا لأوضاع الانحطاط السائدة؛ حيث يكون فيه " التنظيم عين التمدن.") الطهطاوي 1973، ص469). فيقوم التمدن عن الطهطاوي على محورين رئسيين يشكلان مجموع اهتماماته النظرية : محور الإصلاح السياسي، ومحور المنافع العمومية ولايمكن الفصل بينهما في خطابه، ولكن مقتضيات الدراسة تدفعنا للتركيز على الجانب السياسي من خطاب الطهطاوي. أيً على الدلالات والابعاد السياسية للمنافع العمومية فقط.

كانت الفكرة المحورية التي توجه خطاب الطهطاوي السياسي، أذن، هي فكرة المنافع العمومية التي لايمكن ان تتحقق الا بتقليد بالاوربيين بوصفهم اكتسبوا اسباب القوة؛ وأن المنفعة الأساسية للممالك الإسلامية هي في اكتساب هذه القوة؛ لذلك الواجب : " هو حث اهل ديارنا على استجلاب مايكسبهم القوة." (الطهطاوي 1973، ص399) يستعمل الطهطاوي، أذن ن مفهوم التمدن الإسلامي ليفكر بواسطته في صلاح العمران، وصلاح الأمة الإسلامية. ان تفكيره في التقدم والتمدن أنتج نصا هاما في سياق الخطاب الإصلاحي الإسلامي في القرن التاسع عشر، يرسم من خلاله نهجا في طريقة التعامل مع اوضاع التاخر وسبل تجاوزها.

رغبته الطهطاوي في اقتباس أفكار الحداثة هذه دفعته للتقريب بين هذه الافكار والاسلام؛ وقد وظّف طريقة التأويل للتوفيق بينهما فيقول: " إنه قد لا تقتضي الأوضاع الشرعية المتأدب بها في المملكة عين المنفعة السياسية إلا بتأويلات للتطبيق على الشريعة." (الطهطاوي 1973، ص265) ويبرر أهمية الأقتباس من الحداثة لأنها كانت فى الأصل إسلامية، استمد الأوربيون أصولها من الحضارة الإسلامية ثم عملوا على تطويرها وإذا تبنى منها المسلمون اليوم، فهم يستردون ما كان لهم فى الماضي. فأوربا قد نهلت من معين التجربة الإسلامية، ولا يوجد ما يمنع من التواصل مع اجدادنا عن طريق الغرب (شكري (1983)، ص157)

لذلك يرى الطهطاوي ان الرافضين للاقتباس من الحضارة الاوربية الحديثة واهمون، لان الحضارة دورات متلاحقة، ومتعاقبة تنتقل من مجتمع الى آخر، فعلى المجتمعات ان تقتبس من بعضها وهذا ما فعلته اوربا وبنت لنفسها حضارتها الخاصة، فالتمدن هو جهد وليس حالة فطرية للانسان. (جدعان، فهمي 1985، ص108) ويحذر المسلمين من اتخاذ موقف رافض للحداثة، قائلا :" إياك أن تجد ما أذكره لك خارقاً عن عادتك، فيعسر عليك تصديقه فتظنه من باب الهذر والخرفات، أو من حيز الإفراط والمبالغات. » الطهطاوي 1973، ص11)

يتضمن خطاب الطهطاوي بعض الافكار الجديدة رغم انها محمولة على مصطلحات من التراث الاسلامي التقليدي مثل: الوطن، ابناء الوطن، الوطنية، فاول مرة مع خطاب الطهطاوي أصبح مفهوم ابناء الوطن يشير الى " أن ابناء الوطن دائما متحدون في اللسان، وفي الدخول تحت اسرعاء ملك واحد، والانقياد الى شريعة واحدة وسياسة واحدة "، (الطهطاوي 1973، ص433) في حين كان الانتماء قبله يعني الانتماء الى الأمة الإسلامية، او الى دار الإسلام مع اختلاف اللغات، وتعدد السلطة السياسية، فهذا الذي يطرحه خطاب الطهطاوي لم يكن متصورا قبله في الفكر السياسي الإسلامي. انه يدل على تاثر هذا الخطاب بمفهوم الدولة القومية. (الدوري 1984، ص143)

ماثل خطاب الطهطاوي بين معنى المساواة في الشريعة الإسلامية ومعناها في الدستور الفرنسي، فاعتبر الشريعة والقانون مترادفين فيقول: "إن المادة الأولى في الدستور الفرنسي تذهب إلى أن سائر الفرنسيين مستوون قدام الشريعة " (الطهطاوي 1973، ص102.) لقد ساوى بين مفهوم العدل، والمساواة، وبين مفهوم الحرية؛ وكذلك بين العدالة في الدستور الفرنسي والعدالة في الشريعة الإسلامية؛ فأعتبر الدستور الفرنسي قائم على العدالة رغم مخالفته للشريعة الإسلامية، وهذ ه العدالة سبب اعمار البلدان؛ فيقول عنه "وغالب ما فيه ليس في كتاب الله ولا في سنته رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولنعرف كيف حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك، وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهـم." (الطهطاوي 1973، ص95.) لكي يبين ان العقل بذاته توصل أن العدل والانصاف من أسباب تمدن البلدان، وان الحكم بالدستور من قبل الحكام يحقق هدف الحكم وهو رعاية مصالح المحكومين ويقيم أسس العدالة؛ فالعدالة أساس العمران.(الطهطاوي 1973، ص95)

انه ينطلق بخصوص الاقتباس من مبدا مفاده أن الافكار الصادرة عن العقل لاتتنافى مع الشريعة، لذلك فان ما احتوت عليه الحداثة من افكار تتعلق بالدولة والقانون، كما هي مطبقة في الدولة الفرنسية، رغم انها غيرمستمدة من القرآن والسنة النبوية الا انها تـُقيم العدالة التي تعمر البلدان، والعدالة في جوهرها لاتتناقض مع مبادئ الإسلام فيقول عن الفرنسين، بوصفهم يطبقون افكار الحداثة، لقد توصلوا بواسطة العقلانية الى ان العدل والانصاف والحكم وفقا للقانون من اسباب تعمير البلدان فعمرت بلادهم.(الطهطاوي 1973، ص102)

قام الطهطاوي بتبرير الأقتباس من خلال مناداته بإستعارة العناصر النافعة من الحداثة لأنها برايه تساهم في حل المعضلات الإنحطاط التي تواجه الاسلام. فحاول التوفيق بين افكار الحداثة السياسية المتعلقة بانظمة الحكم وبين مبادئ الفقه السياسي الإسلامي، وقارن بين شرعية الحكم التي تاتي من تطبيق الشريعة وبين الشرعية في الفكر السياسي للحداثة التي تستمد من من ارادة المواطنين، ومن تعاقدهم على تقسيم السلط. اذ يرى ضرورة خضوع السلطة الحاكمة للقوانين تطبيقا لمبدأ سيادة القانون، وهذا لايتعارض مع جوهر الإسلام، لانه ليس الا تطبيق حديث لمبدا اساسي في الحكم الإسلامي، وهوخضوع الحاكم للأحكام الشرعية الإسلامية، فالحكم الإسلامي يقيد سلطة الحاكم، مثل الدساتير الحديثة التي تقيد سلطة الحكومة. (حجازي 1974، ص45)

وكان من رأيه أنه لا تعارض بين الشريعة والقوانين الوضعية، فالشريعة يمكن أن تفسر طبقا لحاجات العصر. فعلى العلماء، وهم يفسروا الشريعة، أن يكونوا على دراية وفهم عميق بإحتياجات العصر. وأن يتعرفوا إلى العالم الحديث، ويدرسوا العلوم التي أنجزها العقل البشري.

(Hourani (1983): pp.75)

لكنه أعطى الطهطاوي الأولوية للشريعة الإسلامية على أي قانون وضعي، فهي تتضمن كافة المسائل الصغيرة والكبيرة، والاحكام السياسية ايضا لاتخرج عن المذاهب الشرعية ((الطهطاوي 1973)، ص544). ويرى أن العدل لا يقام الا بقدر ما يكون للشريعة من دور في التنظيمات السياسية؛ لأن الشريعة الإسلامية ساوت بين الجميع في العدل والإنصاف، ولهذا أصبحت معيار السياسة، وميزان السلطنة؛ والحكم وفقا لها يمنح الفوز بسلامة الدنيا والآخرة، ويقيم العدل في صيانة النفس والمال؛ فـمن اسباب التمدن هو تطبيق الشريعة. (الطهطاوي 1973)،ص470)

يتبنى خطاب الطهطاوي العقيدة الأشعرية التي تقول بأن الحسن والقبح تحددهما الشريعة الإسلامية، ولهذا هو يعطي الأولوية لأحكام الشريعة على أحكام العقل، فيقول: "ليس لنا أن نعتمد على ما يحسنه العقل أو يقبحه إلا إذا ورد الشرع بتحسينه أو تقبيحه. " (الطهطاوي 1973، ص467) وأن سـبيل تمدّن الممالك الإسلامية يقوم على التحليل والتحريم الشرعيين دون الحاجة الى العقل في ذلك.

و هذا يعني أن الطهطاوي يحتكم إلى العقيدة الأشعرية في تقييم الأفكار والمفاهيم السياسية للحداثة، ويظهر ذلك جليا عند تناوله مسالة اعتبار العقلانية مقياس الحكم في تفسير العالم والوصول الى الحقيقة "إن الفرنساوية من الفِرق التي تأخذ بالتحسين والتقبيح العقليين، وهم ينكرون خوارق العادات، ويعتقدون أنه لا يمكن تخلف الأمور الطبيعية أصلاً." (الطهطاوي 1973)، ص79) وجهة النظر هذه جعلت خطاب الطهطاوي يضع هوة واسعة تقف حائلا دون انتاج رؤية نظرية متماسكة بين الفكر السياسي للحداثة وموروثه الأشعري. فالقول " كان الطهطاوي " مفكرا " يعتمد التحليل والتركيب. ولم تجئ دعوته تلفيقا وترقيعا، بل " ثنائية توفيقية "(شكري 1983، ص158). قولا يفتقد التماسك لانه ينظر للافكار خارج سياقها الداخلي وبنيتها العامة. أذن ان ما لعب دورا مؤثرا ماثر في طريقة تشكيل خطاب الطهطاوي وهو يتناول الفكر السياسي الليبرالي هو هيمنه العقيدة الإسلامية الاشعرية التي تعطي إعطاء الأولوية للنقل على العقل، وأعطى الأولوية الشريعة في نظرته للحداثة.

فكل ما كان يهدف اليه الطهطاوي من وراء ترجمته أفكار روسو، ومونتسكيو وفولتير، ومواد الدستور الفرنسي، هو وإطلاع اهل الحل والعقد والفقهاء على ما انجزته الحداثة الاوربية لابراز اهمية التجديد في التشريع؛ والأشارة الى أن تقدم أوروبا يعود الى نظامهم السياسي القائم على الحرية، والدليل على الامر لايتعدى الوصف والشرح، نجده في خطاب الطهطاوي نفسه، عندما يرفض طريقة تشريع القوانين الاوربية فيقول: "إن أحكامهم القانونية ليست مستنبطة من الكتب السماوية، وإنما هي مأخوذة من قوانين أخرى أغلبها سياسي، وهى مخالفة بالكليًة للشرائع. (الطهطاوي 1973، ص106. أنه بالنهاية يعود فيغلّب الشريعة؛ اذ إن تحسين النواميس لا يعتد به إلا إذا كان قد قرره الشرع. (الطهطاوي 1973، ص467)

هناك تجاهلاً واضحاً في خطاب الطهطاوي بأن الفكر السياسي للحداثة لم يتقدم في أوروبا إلا بعد الانتقال من اللاهوت السياسي الى الفلسفة السياسية، وبعد فصل سلطة الكنيسة عن سلطة الدولة،، لقد ظل في المطاف الاخير يحتكم الى عقلية معيارية اسلامية تقليدية تقيم كل شيء وفقاً لرؤية المعيار الديني الكفر/الإيمان، والهداية/الضلال.

 

الدكتور علي رسول الربيعي

 

منى زيتونيُقصد بلغة الجسد Body Language الرسائل الاجتماعية غير اللفظية التي يرسلها ويستقبلها الأشخاص باستخدام حركات الجسد المختلفة.

تشمل لغة الجسد مجموعة متنوعة من السلوكيات غير اللفظية، وهي اللمس Touch، والتوجه الجسدي Body orientation، والجِلسة Posture، وإشارات الأيدي Hand gestures، وإيماءات الرأس Head nods.

وتعتبر هذه الحركات من أكثر السلوكيات غير اللفظية التي تتفاعل مع الكلمات لتوصيل الرسائل الاجتماعية، فقليلًا ما تُستخدم بشكل مستقل مثل رفع الكتفين مع تعبيرية وجه تشير إلى الاستهجان. وأحيانًا تكون هذه الحركات أقرب للعالمية، لكنها في الغالب تتأثر باختلاف الثقافات.

تصنيف الحركات الجسمية

يصنف ديسموند موريسDesmond Morris,197 الحركات التي يؤديها الشخص بجسمه بناءً على طريقة تعلمها واكتسابها إلى خمسة أنواع:

- الحركات الفطرية Inborn actions

وهي تلك الحركات التي يؤديها الفرد دون حاجة للتعلم، وبإمكاننا التعرف على هذه الأفعال بملاحظتها؛ حيث إنها تؤدى عبر الثقافات في العالم، ويؤديها أشخاص لم تتح لهم الفرصة ليتعلموها، والأمثلة الأشهر لمثل هذه الحركات الابتسام Smiling والعبوس Frowning والبكاء Crying.

وبالرغم من كون هذه الحركات فطرية إلا أنه ينبغي ألا نغفل تأثير العوامل الثقافية عليها، ففي بعض الثقافات يذرف الدمع في هدوء، بينما في ثقافات أخرى يحدث نشيج (بكاء وتنهد بأنفاس سريعة).

- الحركات المكتشفة Discovered actions

هي تلك الحركات التي تحدث بتكرار عظيم عبر ثقافات عديدة، لأنه من السهل اكتشافها بالنسبة للبشر، مثل تشابك (عقد) الأذرع بوضع معاكس، وكذلك وضع إحدى الأرجل على الأخرى أثناء الجلوس، ولسهولة هذه الحركات وشيوعها عبر الكثير من الثقافات فإنه يصعب أحيانًا التمييز بينها وبين الحركات الفطرية.

- الحركات المتعلمة بالمحاكاة (المُقلدة) Absorbed actions

هذه الحركات يتم تعلمها من الآخرين –مبدئيًا من الآباء والمعلمين- ، وهي متميزة ثقافيًا، ولكنها ليست بالضرورة إجبارية ثقافيًا، ومن أمثلتها الحركات الجسمية التي تعكس أنماط أدوار الذكورة أو الأنوثة، وإن كانت لا تعكس الأنماط التقليدية لتلك الأدوار، ولكنها تنتقل دائمًا من الأشخاص ذوي التأثير القوي إلى غيرهم ممن لا يمتلكون هذا التأثير.

- الحركات المكتسبة بالتدريب Trained actions

هي حركات يتم تعلمها والتدرب عليها بشكل متتابع، وهي تتضمن أغلب المهارات الحركية، ومن أمثلة هذه الحركات الوثب والانزلاق ورقص الباليه وتنظيف الأسنان بالفرشاة، ومثل هذه الحركات تأخذ وقتًا أطول للتعلم.

- الحركات الخليطة Mixed actions

هي حركات تنشأ من امتزاج النوعين السابقين، أي إنها حركات يتدرب الفرد على أدائها وفي الوقت ذاته يمتصها عن طريق المحاكاة، وتحدث عندما يكون الفرد عضوًا في جماعة خاصة، كحال الأطفال الذين يتربون في السيرك.

ويندرج تحت لغة الجسدBody Language كل من الأنماط السلوكية غير اللفظية الآتية:

أ- اللمسTouch

أظهرت الدراسات العلمية أن التلامس بين شخصين يؤدي إلى إفراز الأوكسيتوسين Oxytocin (هرمون الحب والثقة)، والذي يُعتبر أحد العناصر الرئيسية في كيمياء الحب في أجسام الكائنات الحية، وهو ناقل عصبي هام للغاية في تكوين الذاكرة الاجتماعية، وتحسين تصور الفرد عن ذاته في المواقف الاجتماعية، ويؤدي إلى نجاح التواصل الاجتماعي للشخص.

زيادة إفراز هذا الهرمون تزيد من الاستقرار النفسي والاسترخاء وثقة الفرد في الآخرين، وتؤدي كذلك إلى التأثير على مشاعر الآخرين! وفي العلاقات الزوجية، تشير الدراسات إلى أن ارتفاع نسبته لدى الزوجين يزيد الترابط بينهما ويرفع قدرتهما على الحوار والتفاهم حتى في أعقد المواضيع التي يمكن أن تسبب الجدل بينهما. وهناك دراسات تبحث في تأثير نقص هذا الهرمون على حدوث اضطرابات نفسية ومشاكل اجتماعية وربما مرض الرُهاب الاجتماعي.

وتعتبر المصافحة باليد أكثر درجات التلامس الشائعة عالميًا، ويمكن من خلالها توصيل رسائل كثيرة. هناك من يلامس بالكاد يد من يصافحه، وهناك من يصافح ويسحب يده بسهولة، وهناك من يضغط بقوة، وهناك من يكاد يعتصر اليد، وهناك من يهزها بشدة، وكل من تلك الطرق يختلف في المعنى، ويتفاوت تقبله باختلاف الثقافات. وربما يضع شخص يده اليسرى أيضًا فوق يد من يصافحه فتبدو يد من يصافحه وكأنها معتقلة بين كلتا يديه! وتشتهر تلك المصافحة بين السياسيين، ولا تحبذ على الإطلاق. وهناك من يقوي المصافحة بوضع يده اليسرى بجوار مرفق يد الآخر التي يصافح بها، وهذا أفضل كثيرًا من اعتقال كف يد من تصافحه بين كلتا يديك.

في بعض الثقافات أيضًا ينتشر التقبيل كطريقة للتحية، ويعتبر العِناق أقوى درجات التلامس، ويحدث بين الأقارب والأصدقاء والأحباب؛ حيث يواجه كلا طرفي التواصل بعضهما، مع الميل للأمام، وفتح الأذرع، في تعبير عن أقصى درجات الارتياح والسعادة والثقة. وعلى العكس منه تمامًا تأتي الاستدارة بعيدًا عن الشخص الذي لا نشعر نحوه بالارتياح بأن نعطيه ظهرنا.

وترتبط درجة التلامس المقبولة وغير المقبولة بالمسافات الشخصية (الحيز الشخصي المقبول)، والذي سنُفصِّل فيه لاحقًا. هناك ثقافات تتسع فيها هذه المسافات، وثقافات يزيد التقارب وتقل المسافات التي يقف فيها الناس على مبعدة من بعضهم. علماء الانثروبولوجيا يميزون بين بعض الثقافات التي يُستخدم فيها التلامسContact cultures مثل شمال أفريقيا، والثقافات التي لا يحدث فيها التلامس Non- contact cultures مثل أوروبا والهند وشمال أمريكا. إضافة إلى ذلك فإن تتابع اللمس يبدو أنه يقع تحت تأثير الثقافة بوضوح، وقد يختلف وفقًا للثقافات المحلية الضيقة. في دراسة أجراها Jourad عن عدد مرات اللمس التي يقوم بها فردين أثناء حديثهما في أحد المقاهي وجد اختلافًا شاسعًا من مدينة لأخرى حول العالم، فبينما وصل هذا المعدل للشريكين إلى 110 مرة في الساعة في باريس، لم يلمس أي من الشريكين الآخر على الإطلاق في لندن!

كما توجد فروق واسعة بين الأفراد وبين الجنسين في تقبل اللمس. وتعتمد الكيفية التي تتم بها ترجمة اللمس على السياق وطبيعة العلاقة بين المتفاعلين، على سبيل المثال فإنه في العلاقات غير الشخصية يتم تجنب اللمس من أجل تجنب التلميحات الجنسية.

ب- التوجه الجسدي Body orientation

يعتبر توجه جسم الشخص ووضعه وشكل وقفته أثناء الحوار عاملًا هامًا في قراءة الرسائل الاجتماعية الصادرة عنه؛ ولا تقتصر الرسائل التي يبعث بها توجه الجسد على تفاعل الشخص مع غيره من الناس، بل يرسل به الشخص رسائل عن نفسه؛ فالشخص الذي يمشي مرفوع القامة يعطي علامة على ثقته بنفسه، على عكس من يمشي موجهًا نظره إلى الأرض. كذلك تؤثر سرعة الخطو على إرسال رسالة بالثقة والحزم، وعكسها بطء الخطوات. وإن كانت الفروق بين الأفراد لا تقتصر على التعبير الانفعالي، بل تتعداها إلى الحساسية والتفسير، فهناك من يرى في التوسط في مستوى رفع الرأس وفي سرعة الخطوات تواضعًا، ويأخذون عنه انطباعًا إيجابيًا.

نحن نعبر دائمًا عن الرضا والانبساط برفع أجزاء من جسمنا لأعلى، والعكس صحيح. رفع إصبع إبهامك لأعلى يعني موافقتك، ورفع رأسك هو دليل على الارتياح والثقة، وكذلك إن راقبت أصابع قدميك ستجد أنها ترتفع تلقائيًا عندما تكون راضيًا عن شيء تفعله أو في مزاج معتدل.

مظهر الكتفين تحديدًا يعطي انطباعًا قويًا عن الإنسان؛ الكتفان المفرودتان علامة على الثقة والسيطرة، بينما الكتفان المرفوعتان لأعلى يشيران إلى الشك والاضطراب، وأحيانًا يكون إحناء الكتفين مع التوجه للأمام رغبة في إظهار القوة وإخافة الطرف الآخر في الحوار.

وهز الكتفين معًا إشارة تكاد تكون عالمية للامبالاة، ولنفي المعرفة بالأمر الذي يتم السؤال عنه، وتصاحبها كثيرًا حركة راحتي الكفين المنفتحتين للأمام. ويكون الشخص صادقًا في إدعاء عدم معرفته بما يُسأل عنه، لكن هز كتف واحدة للنفي قد يعني أن الشخص خبيث ويعرف حقيقة الأمر الذي يُنكر معرفته به.

أما إلقاء الذراعين لأسفل مع تدلي الكتفين فعلامة سخط واضحة، يمكن تقويتها بإمالة الرأس إلى الخلف ودوران العين وعدم استقرارهما، ويمكن أن تصاحب بأصوات تنهد.

وضم الذراعين متعاكسين إلى الصدر أو إشارة الاحتضان تعبر عن حب وتقدير الشخص أو الأشخاص الذين تُصدر ذلك التعبير لهم. وهو تعبير ينتشر بشكل واسع في الثقافات الآسيوية، وانتقل منها إلى غيرها.

وتشبيك اليدين خلف الظهر بحيث لا يمكن السلام بهما، هو تعبير عن الانعزال عن الآخرين بفوقية. كانت هذه وقفة الملوك في أوروبا في عصور ماضية أثناء مرور العامة، ولا زال يستخدمها رؤساء العمل عند مرورهم بين مكاتب واستراحات موظفيهم لمراقبة الأوضاع، وكذلك يستخدمها أساتذة الجامعة عند السير في قاعات الامتحانات. هذه الوضعية المنسحبة لليدين تفهم الأقل مرتبة أنه لا سبيل للتودد مطلقًا. وأحيانًا يكون هذا التشبيك تعبيرًا عن الرغبة في الانعزال، لانشغال الفكر بأمر ما.

أما وضع الذراعين أو أحدهما على الخصر بقوة أثناء الوقوف، بحيث يكون الإبهام إلى الخلف، فهو إشارة إلى القوة والسيطرة، وربما عبّر أيضًا عن الغضب والتحدي، والنساء من المستويات الدُنيا في الثقافة المصرية يستخدمن هذا التعبير غالبًا باستخدام ذراع واحدة عند إظهار التحدي للرجال أو لغيرهن من النساء، وغالبًا يكون مصحوبًا بالتحديق وهز الرأس والجذع مع إمالتهما جهة الذراع المستخدم. أما الرجال ففي حال استخدام ذلك التعبير يتم وضع كلا الذراعين على الخصر، وبدون هز الرأس والجذع، لكن مع تعبيرات وجه صارمة.

كذلك فإن الوقوف أمام منضدة أو مكتب مع وضع أطراف أصابع الكفين بقوة عليه، مباعدًا بينهما، هي حركة لا يقوم بها إلا رئيس العمل، أو الأب في المنزل، أو شخص يريد بسط نفوذه، ولديه ثقة تامة فيما سيقوله من كلمات وتعليمات وهو على هذا الوضع. وإذا صاحب ذلك ميل الجذع إلى الأمام فهي وإضافة إلى الثقة والسيطرة تحمل إشارة تهديد لمن يتلقى التعليمات في حال خالفها.

ورفع الذراعين لأعلى مع قبض الكفين هي علامة شهيرة على الانتصار، وهي أقوي من رسم حرف V بالإصبعين السبابة والوسطى. نراها كثيرًا بين السياسيين الكبار أوقات الانتخابات. لكن عندما نرفع الذراعين لأعلى ونحركهما مع تبادل قبض وبسط راحتي الكفين فنحن ننشط أنفسنا ونستجلب المزيد من الطاقة، وهي حركة نقوم بها كثيرًا في الصباح أو عند ممارسة الرياضة.

وضعية الأقدام أيضًا هامة للغاية في فضح الانفعال، ربما لأن الناس لم يتدربوا بالقدر الكافي على التحكم فيها. ومن ثم، فهي أصدق إنباءً عما إن كان الإنسان يشعر بالثقة أو التهديد أو الخجل، بالسعادة أو بالانزعاج، وربما الرغبة في مغادرة المكان.

وقد يعتبر تباعد أقدام الواقفين أثناء الحوارات دليلًا على الرغبة في إنهاء الحوار، خاصة عندما يقف الشخص بزاوية توضح في العادة الاتجاه الذي ينوي الذهاب إليه، لكنها ليست دائمًا علامة على الرغبة في المغادرة، فعادة يباعد الرجال بين سيقانهم أثناء الوقوف، وأحيانًا أثناء الجلوس لزيادة المساحة التي يحصلون عليها. وسنتكلم لاحقًا على المسافات وأثرها. هذا يعطي انطباعًا بالثقة بالنفس والسلطة، وتُعتبر الشُرطة أشهر المهن التي يشتهر أصحابها بهذه الوقفة. بينما في الحقيقة قد تُستخدم هذه الوضعيات عند نقص الثقة بالنفس! ويُنصح بتضييق التباعد بين الساقين كإجراء لتخفيف التوتر. ومن المعروف أن تحديد مساحة النفوذ هو إجراء تتبعه ذكور الحيوانات، وكلما اتسعت المساحة التي يترك فيها الحيوان رائحته دل على قوته وهيمنته، واحذر أن تقترب من عرين الأسد.

ووقوف شخصين وجهًا لوجه واشتراكهما في حوار يعني أنهما يتحدثان في موضوع لا يرغبان انضمام أحد إليهما فيه، وينبغي تأجيل أي محاولة للاقتراب منهما في هذا الوقت، أما في حال تحريك أقدامهما بحيث لا يتواجهان تمامًا فهذا يعني إمكانية الاقتراب منهما.

وكما أن عقد الذراعين مع إخفاء الأصابع قد يكون علامة على الاسترخاء فكذلك الوقوف مع عقد الساقين، فهو من أقوى علامات الاسترخاء الشديد، ويستخدمها الأقران عند وقوفهم سويًا لفترات طويلة؛ فهذه وضعية لا تُسهل المغادرة ولا تُوحي بها بأي حال.

ويُعتبر التربيت على الساقين كما لو كان الشخص يمسح الغبار عنهما سلوكًا يُستخدم للتهدئة، سواء فعله الشخص أثناء وقوفه أو جلوسه.

وكالعادة تلعب الثقافة دورًا في تحديد التوجه الجسدي المقبول، فالثقافة الآسيوية على سبيل المثال تؤكد على الانحناء كعلامة على الاحترام.

كما توجد فروق بين الجنسين، على سبيل المثال فإن بسط الذراعين لأسفل مع ملامسة كف أحد الذراعين لأعلى الفخذ من طرق النساء التعبيرية عند الشعور بالانزعاج، أما بسط الذراعين لأسفل مع عقد الكفين سويًا في المنتصف فهو من طرق الرجال التعبيرية عند الشعور بعدم الارتياح.

ج- الجِلسة (وضع الجسم) Posture

يلعب شكل الجِلسة دورًا في تحديد الرسالة التي يحملها التفاعل الاجتماعي؛ فانشغال الموظف بالعبث في الأوراق التي أمامه على مكتبه لا يمكن تفسيره كعلامة على انتباهه وتقديره للشخص الذي يقف أمامه مهما حاول توصيل رسالة لفظية تؤكد إصغائه.

يذكر جون مول (John Mole,2001)أن معرفة كيفية قراءة لغة أوضاع الجسم أثناء الجلوس هي مهارة اتصال مفيدة، وهناك مجموعتان رئيسيتان لأوضاع جلسة الجسم: الانفتاح أو الانغلاقOpen/Closed والاتجاه نحو الأمام أو التراجع للخلفForward/Back .

- الانفتاح أو الانغلاق Open/Closed

هذه المجموعة هي الأكثر وضوحًا، فعندما تكون أذرع المستقبلين منثنية في وضع متشابك، ويضعون ساقًا على ساق (عقد الذراعين والساقين)، ويرجعون بأجسامهم للخلف، يُعتبر هذا وضعًا مغلقًا دفاعيًا للجسم، وتلك إشارة إلى أنهم يرفضون الرسائل الاجتماعية، ومنغلقون على التفاعل الاجتماعي، بينما عندما تكون أيديهم مفتوحة وينظرون للشخص نظرة كاملة وكلا القدمين على الأرض، فهم يتقبلون من يتعاملون معه.

- الاتجاه نحو الأمام أو التراجع للخلف Forward/Back

تلك المجموعة من الأوضاع الجسمية تشير إلى ما إذا كان التفاعل إيجابيًا أم سلبيًا؛ فعندما يتكئ الشخص بذراعه للأمام وهو يتجه نحوك فإنه يكون متقبلًا أو رافضًا الرسالة بإيجابية، بينما عندما يتكئ للخلف ناظرًا للسقف أو عابثًا بأي شيء أو يقوم بتنظيف زجاج نظارته فإنه يكون مستقبلًا للرسالة الاتصالية بسلبية التعالي أو متجاهلًا لها ونافرًا ممن يتفاعل معه.

ويمكن ألا يكون الشخص متجهًا نحو الأمام ولكن فقط مائلًا نحو محاوره لإشعاره بالانتباه له، لكن مع تجنب الميل الزائد كي لا يبدو الوضع غريبًا، وربما ينتهك مسافته الشخصية.

وتتجمع تلك المجموعتان لتخلق أربعة أنماط رئيسية من أوضاع الجسم

- النمط المستجيبResponsive mode (Open/ Forward)

حيث يكون المستقبل متقبلًا بإيجابية، وهذا هو الوقت لإنهاء المناقشة وطلب الموافقة على أي طلب والحصول على امتياز.

- النمط المتأملReflective mode (Open/Back)

حيث يكون المستقبل مهتمًا ولكنه غير موافق بإيجابية؛ لذا فالمحاولة لإنهاء المناقشة وطلب الموافقة في هذا الوقت ربما تقوده إلى التحول للنمط الثالث المتملص Fugitive، وفي هذا الوقت يلزم تقديم المزيد من الحقائق والبواعث والمثيرات، وربما يكون أيضًا وقتًا جيدًا للإنصات وإتاحة الوقت للمستقبل ليفكر.

- النمط المتملصFugitive mode (Closed/Back)

ويظهر هذا النمط عندما يحاول المستقبل الهرب جسمانيًا من خلال باب، أو فكريًا بإظهار الضجر والسأم، وفي هذه الحالة يجب أن يحاول المرسل جذب اهتمامه بأي طريقة يستطيع عدا المتعلقة بالرسالة التي سببت محاولة التملص.

- النمط المستعد للمقاومةCombative mode (Closed/Forward)

تظهر في هذا النمط مقاومة نشطة؛ لذا فإن المرسل المتفاعل مع المستقبل الذي يكون على هذه الحال يلزمه تهدئة الغضب وتجنب التكذيب والجدل برمته، حتى يستطيع دفع المستقبل نحو النمط المتأمل Reflective mode كي يعاود التفكير في الأمر.

هذا ويظهر أثر الثقافة في كيفية التعبير بهذه الأنماط في الجلسات والتي تختلف من ثقافة لأخرى. ولكن أهم ما فيها أنها تعتبر منبئًا جيدًا لمزاج المستقبل يفيد منه من يتفاعل معه لتحسين التفاعل.

ومن أشهر الأمثلة على الانفتاح أو الانغلاق والميل للأمام أو التراجع للخلف، جلسة الطلاب في الفصل الدراسي، فالطالب المجتهد الراغب في المشاركة والمرحب بأسئلة المعلم يجلس في وضع مفتوح، ناظرًا إليه، على عكس الطالب البليد الذي يحني ظهره ناظرًا نحو الأرض، ويتجنب النظر إلى المعلم. ونجد الطلاب في الحصة الأخيرة من اليوم الدراسي قد اتجهوا بأجسامهم نحو باب الفصل استعدادًا للخروج. ونحن نقف دائمًا مواجهين لمن نحبهم أو يعنونا كثيرًا، بينما نأخذ زاوية ولا نلتفت بالكلية عند الحديث مع الأشخاص الأقل أهمية، وندوِّر كراسينا عند الجلوس في اتجاه من نحب ونتجنب تدويرها لمواجهة من نكره. ولإظهار الاهتمام لا نستدير فقط برؤوسنا، بل بكامل الجذع. وكذلك نميل في جلستنا نحو من نحب مقتربين منه، بينما نرجع بظهورنا إلى الخلف مبتعدين عمن لا نحبهم أو عندما نستمع إلى ما لا يعجبنا حتى من أحبائنا.

وفي حال الجلسة مع عقد الساقين لأعلى بوضع إحداهما فوق الأخرى، فإن اتجاه عقدهما علامة واضحة على درجة الارتياح في الحوار؛ حيث وضع الساق العليا وتحويل اتجاه جسمك بعيدًا عن رفيقك هو بمثابة خلق حاجز بينكما، وهو دليل عدم ارتياح، والعكس صحيح.

أما عقد كاحلي القدمين أثناء الجلوس وربما سحبهما تحت الكرسي فهي علامة لا تدل فقط على عدم الارتياح بل على القلق الشديد، وربما الهم، خاصة في حالة الاستدامة. كثيرًا ما يحدث هذا السلوك أثناء مقابلات العمل أو الاجتماعات الهامة كرد فعل على توجيه سؤال سبّب القلق.

التباعد بين القدمين أثناء الجلوس يوحي بشدة الارتياح، ويناسب فقط الجلسات العائلية وجلسات الأصدقاء، لكنه غير محبذ في العمل لأنه يزيد من المساحة الشخصية كما أوضحنا، ويعطي انطباعًا ببسط النفوذ لا يناسب المرؤوسين، بل وقد يكون مبالغًا فيه بالنسبة للرؤساء، كما أنه يناسب الرجال فقط.

الغريب أننا أحيانًا نأتي بالحركة نفسها للتعبير عن انفعالات متباينة؛ فقد نهز أقدامنا لأننا منزعجون أو لأننا نكاد نطير ونقفز من الفرح! بالنسبة للأشخاص ذوي التعبيرية الانفعالية المرتفعة، الذين يأتون بهذه الحركة في أوقاتهم العادية، فانزعاجهم وحزنهم قد يأتي في صورة تغير في معدل هز القدم بالزيادة القصوى أو النقص إلى حد الجمود، ولكن الحالة الأخيرة قليلة الحدوث.

قد تكون الأذرع المنعقدة مع الارتخاء علامة على أن الشخص يفكر وربما ينتظر، فالوضعية المرتخية لعقد الذراعين خاصة عند إخفاء كفي اليدين إلى داخل الأذرع هي رسالة غير متعمدة يستخدمها الأفراد عند الانتظار أو التفكير. ولكن عقد الذراعين يشير غالبًا إلى الانزعاج وعدم الرغبة في الحديث، وأحيانًا تكون علامة على شعور الفرد بالتهديد، فيُتخذ هذا الوضع عندها لحماية الذات، كما يُستخدم عقد الذراعين حول الصدر في أحيان لخلق حاجز بواسطة الجسد مع الآخر في حال عدم وجود حاجز مادي، وهي طريقة معروفة لدى كلا الجنسين، ويمكن تمييز هذه الإشارة كحاجز عندما يكون عقد الذراعين محكمًا وليس مرتخيًا.

يمكن أيضًا لف أحد الذراعين حول البطن في حال التهديد البسيط، وهي من الطرق التعبيرية للنساء، أما عند محاولة تخفيض التوتر فيمكن أن نضغط بالذراع على منتصف الجذع.

وحتى مع عقد الذراعين تبقى وضعية كفي اليدين هامة في تفسير لغة الجسد، وإن كانت يمكن أن تتداخل في تفسيرات عدة للحالة الانفعالية للشخص، يتم تحديد أيها من خلال إجمالي التعبيرات والإيماءات المستخدمة.

أما تشبيك أصابع الكفين خلف الرأس أثناء الجلوس، مع إمالة الرأس للخلف فإشارة لا تخطؤها عين على الراحة والاسترخاء، ويجب تجنبها في العمل في غير أوقات الراحة لأنها تعطي انطباعًا سلبيًا عن الموظف، بينما وضع راحتي اليدين فوق بعضهما أعلى الرأس هي إشارة لموت شخص في صعيد مصر وكثير من الدول الأفريقية.

وبوجه عام فإن أي جلسة يصاحبها توتر وعدم ارتياح وكثير حركة من الشخص لا تعطي للشخص المتفاعل معه شعورًا بالانتباه والاهتمام.

د –إشارات الأيدي Hand gestures

لا شك أنه لا يوجد بشر يحتفظ بيديه جامدتين تمامًا دون تحريكهما أثناء الحديث، لكن مع ذلك توجد اختلافات شاسعة بين البشر في درجة استخدامهما. بعض الناس يقل لديه تمامًا استخدام الإشارات بالأيدي، ويشير ذلك لسلبيته، وبعضهم في المقابل قد يصل به الأمر حد التلويح كإشارة للعصبية والعدوانية، وبينهما يتدرج البشر الذين يستخدمون تلك الإشارات لتدعيم الرسالة اللفظية المطلوب توصيلها في التفاعل الاجتماعي، بإعطاء إشارات تتفق مع الكلمات، لكن هذا يتوقف على التعبيرية الجيدة، كما يتوقف ذلك على مستوى تعقد الرسالة؛ فأحيانًا تكون الرسالة معقدة، والمبالغة في استخدام الإشارات بالأيدي قد لا يدعم الرسالة اللفظية، وإنما قد يصرف الانتباه عن المحتوى اللفظي. في أحيان أخرى يستخدم الناس إشارات الأيدي وحدها بمعزل عن الكلمات لتوصيل الرسالة.

بعض الإشارات كي يكون لها قيمة لا بد أن يكون هناك معنى متفق عليه لها، بمعنى أنها تمثل لغة حقيقية بين من يستخدمونها؛ فهناك العديد من أشكال الإشارات بالأيدي التي توصل رسالة للمتفاعلين مع الشخص؛ وكما نرفع الإبهام للدلالة على الموافقة، وأن الأمر يجري بصورة ممتازة، يمكننا أن نشير به لأسفل للدلالة على الاستياء.

يمكن أن نشير بالإصبع السبابة أثناء الحديث، وهي إشارة تحذيرية، كثيرًا ما تُعتبر غير لائقة، ويُعاب على السياسيين الذين يستخدمونها في خطاباتهم السياسية، والأفضل استبدالها بالإشارة بكامل الكف وفي اتجاه رأسي.

وإن أردنا التأكيد على ثقتنا بأنفسنا وآرائنا وأفكارنا خلال الحديث فالأفضل خلق شكل هرمي باستخدام كفي اليدين معًا عن طريق ملامسة طرف كل إصبع من أصابع اليد اليمنى لطرف لإصبع المناظر له في اليد اليسرى. كذلك فإن تشبيك الأصابع الأربع المتجاورة في كل يد بنعومة وعدم اعتصار مع الأصابع الأخرى، بحيث تشكل اليدان معًا خطًا مستقيمًا رأسيًا، وإبقاء إصبعي الإبهام غير متشابكين ويتجهان لأعلى وبوضوح هي إشارة أخرى توحي بالثقة.

وعلى العكس فإن الشكل الهرمي الناتج من ملامسة أطراف أصابع اليدين إذا ما مال بحيث تصبح أطراف الأصابع متجهة لأسفل وليس لأعلى فتلك علامة أكيدة على افتقاد الثقة، وكذلك عند تشبيك الأصابع الأربع لكن مع خفض الإبهامين فإن تلك إشارة أخرى توحي بضعف الثقة، أما تشبيك كامل أصابع اليدين بقوة والتحام شديدين فيعطي انطباعًا أقوى بالتشكك الشديد وعدم الثقة المفرط. والشيء نفسه يُقال عن فرك راحتي اليدين أو فرك أصابع إحدى اليدين براحة اليد الأخرى، فهو إشارة إلى رغبة الشخص في تخفيف توتره، ويظهر قلة ثقته.

ومثلما تعطي حركات اليدين بقوة مفرطة انطباعًا بنقص الثقة فإن الجمود وعدم إصدار أي إشارة باليدين يعطي الانطباع نفسه بضعف الثقة والتشكك.

يمكن أن نباعد بين أصابع اليد ونحركها ببطء بشكل مروحي كدلالة على التأرجح وعدم التأكد.

كما يمكن أن نمسك بأي شيء أمامنا ونلهو به أو أن ننقر بالأصابع على المنضدة أمامنا أو نطرقع أصابع اليد كدلالة واضحة على عدم الاهتمام بالحديث.

كذلك يمكن أن ندلك منطقة عضلة الحزن في الجبهة بين العينين أو أعلى الأنف أو جانبي العينين أو أن نشبك أيدينا لتحرير الطاقة ولتقليل التوتر.

بل إنه حتى في مصافحة الآخرين –وسبق أن تحدثنا عنها في اللمس- ، فإن لوجود اليد اليسرى - التي لا نصافح بها- في جيب البنطلون أو المعطف أو وضعها على حقيبة اليد بالنسبة للإناث بحيث تختفي اليد كلها عدا الإبهام الذي يتم إبرازه، دلالة قوية على أن من يقوم بهذا الفعل يرى نفسه في منزلة أعلى ممن يصافحه.

في كثير من الثقافات العربية وبعض ثقافات البحر المتوسط فإن رفع الإصبعين السبابة إلى أعلى جانبي الرأس (رمز القرنين) هي مسبَّة معروفة واتهام بالدياثة.

باختصار، هناك الكثير مما يمكن أن نفعله بأيدينا ويسهم في إيصال رسائلنا غير اللفظية.

لكن ينبغي أيضًا الحذر لأن تلك الإشارات رغم شيوعها فهي ليست عالمية، وتوجد اختلافات ثقافية فيها. كما توجد فروق بين الجنسين فيها خاصة عند الشعور بالتهديد وعدم الأمان والرغبة في مزيد من الراحة، فإضافة إلى حركات الذراعين فإن النساء لديهن خصل شعر يقمن بلفها بأيديهن، كما يمكن أن تربت المرأة على رقبتها، بينما الرجال يحركون أيديهم على رقابهم دعكًا بقوة.

ينبغي أيضًا العناية بنظافة اليدين جيدًا للنساء والرجال على حد سواء، لأن عدم نظافتهما تعطي انطباعًا سيئًا. والشيء نفسه يُقال عن الأظافر، فأظافر الرجال الطويلة وغير النظيفة تعطي انطباعًا سيئًا للغاية عنهم، وكذلك أظافر النساء شديدة الطول التي تبدو أشبه بالمخالب.

هـ- إيماءات الرأس Head nods

يمكن أن يُستخدم الإيماء بالرأس كعلامة على التحية أو الموافقة أو عدم الموافقة أو لإظهار التحير.

وتوجد إيماءات سلبية نقوم بها بالرأس فقط، وإيماءات توصل رسائل سلبية تتداخل فيها إشارات الأيدي مع الرأس مثل العبث بالشعر أو هرش الرأس أو فرك الأذن أو عقد اليدين خلف الرأس أو وضع الرأس على راحة اليد أو تغطية الفم باليد أو إمساك الأذن وغيرها الكثير، والتي يسبب الإكثار منها إلى إرسال رسائل سلبية للطرف الآخر بعدم الاهتمام، وتسبب الإلهاء له أثناء حديثه، ولا شك أنها تترك انطباعات سيئة لديه.

إن إمالة الرأس وإظهار الرقبة له دلالاته حول شعور الشخص بارتياح تجاه من يتواصل معه. وتعتبر ملامسة الرقبة والمنطقة أعلى القفص الصدري على العكس علامة انزعاج واضحة، ومحاولة من الإنسان للتهدئة واستجلاب الراحة. الإشارة الأخيرة تنتشر أكثر بين النساء، وقد تداري بعضهن تلك الحركة بالإسراع بالإمساك بسلسلة في رقبتها. رفع الذقن أيضًا يُسهم في إظهار الرقبة ويوحي بالثقة، على العكس من خفضه لأسفل.

غالبًا ما نميل الرأس إلى الخلف مع رفع العينين لأعلى عند محاولة تذكر بعض التفاصيل. أما إمالة الرأس إلى الأسفل وإلى جهة اليمين فغالبًا هي إشارة على شدة انفعال الشخص. وأحيانًا تكون إمالة الرأس إلى الخلف مع التجهم إشارة إلى شدة الضيق والإحباط ومحاولة الابتعاد عن مصدره.

وهناك معلومة يعرفها المحققون الجنائيون، وهي أن الشخص الذي يدلي باعترافه ورأسه مرفوع يعطي اعترافًا كاذبًا لأن رفع الرأس دليل الثقة ولا يتناسب مع خزي الاعتراف بجريمة.

وإلى اللقاء في حلقة قادمة، نواصل فيها الحديث عن سلوكيات البشر غير اللفظية في التواصل.

 

د. منى زيتون

 

مهدي الصافيثقافة الصور الظاهرة..

الاديان.. الطقوس والشعائر والتراث..

العقل والمعرفة والاخلاق.. الذاكرة والذوق والاحساس والشعور والعاطفة والحب والجمال...

هذه الضرورات الانسانية المهمة، التي بدونها يفقد الانسان ادميته وحيويته في الحياة، ويصبح رقما مهمشا في ميزان التأثيرات الايجابية في المجتمع، فيكون ضرره اكثر من نفعه.

الانسان كائن بسيط ومعقد، تتحكم بقدراته العقلية والعلمية والجسدية (اضافة الى نسبة او ملكة الذكاء والعبقرية) حجم المعارف والمعلومات المكتسبة، وكذلك الظروف والبيئة والثقافة او الدين والموروثات الاجتماعية، يتعقد اداءه وفعله ومسيرته في الحياة، تبعا لطبيعة الجهل والتخلف والعقائد المصطنعة التي يؤمن بها، اضافة كما ذكرنا الى الظروف وطبيعة المجتمعات والانظمة السياسية والتربوية او الثقافية...

يقال ان بعض خطط الحكام المستبدين الذين يرغبون بزيارة معينة عامة (لمدينة او قرية او مؤسسة معينة الخ.)، تطلق اجهزتهم الامنية عدة اشاعات حول اماكن بديلة محتملة للزيارة، كي لا تتمكن قوى المعارضة المفترضة من رصده، ففي نظام الدكتاتور صدام كانت اجهزة الامن تتجه بعدة مواكب رئاسية في جهات مختلفة للتمويه، وفي اغلب الاحيان يتجمهر رجال الامن في مكان معين، ويحدثون ضجة شعبية فيه، الغاية منها اعطاء صورة ظاهرة اقرب للحقيقة، من ان الزعيم متواجد في هذا الموقع، ثم يظهر العكس...

الغاية من هذا المثال القريب من الواقع العملي، هو تبسيط شرح مفهوم الصور والمشاهد والاحداث والممارسات الظاهرة، التي تأخذ وتجذب او تتلاعب بعقل وروح ووجدان الانسان او المجتمع، لتسيره الى اماكن اخرى(فارغة لا تمثل جوهر الحقيقة)، حتى تتمكن القوى او الجهات المستفيدة من هذه الخدع البصرية الشاملة من البناء والترسيخ على تلك الظواهر وجعلها اشبه او اقرب للواقع الموثق، كما يحصل مع الموروثات الدينية (بعض منها يندرج تحت مقولة اكذب اكذب حتى يصدقك الناس)، فقد تحدث عن تلك الحالة الكثير من المفكرين، من انها جزء من سياسة الالهاء المتعمدة من قبل انظمة الحكم الراسمالية العالمية المهيمنة على الاعلام،

ولكنها في الحقيقة تعد اكبر واخطر من تلك الظاهرة بكثير، تصل في ابعادها الى مديات عقائدية تاريخية سحيقة، تخترق الذاكرة والثقافة الاجتماعية بشكل يومي عبر المؤسسات والشخصيات المنتفعة منها، متمثلة بالاديان والموروثات، والاثنيات، وتاريخ الامم والشعوب والحضارات..من الممكن جدا ان نعطي امثلة كثيرة عن تلك الظواهر المنسية...

الاديان:

الاديان لا تأخذ بيد الانسان او المجتمع المتخلف الى طاعة الله عزو جل..فالعرب جاءهم الاسلام، وقادهم الى مقدمة الامم في عهد الرسول محمد ص، ولكنهم منذ اكثر من اربعة عشر قرنا لازال ايمانهم وارتباطهم بالله سبحانه وتعالى شكلي ظاهري، بالرغم من وجود القران الكريم، والسنة النبوية، والمذاهب والفقهاء، ويمارس اغلبهم العبادات والطقوس والشعائر بطريقة منتظمة يوميا ودوريا، ولكن الخلل والتراجع والانكماش والتأخر الحضاري مستمر في وتيرة تصاعدية، هذا يرجع الى ان الطرق والصور المقدمة لهم عن الدين، تستنزف منهم الطاقات العقلية والنفسية والروحية في الامور الظاهرة منه، اي ان الاهتمام والاجتهاد المذهبي الفقهي، الذي عمد الى تقريب المسافة بين عظمة الله عز وجل وقدرته، وبين امكانات الانبياء والرسل والفقهاء او مراجع الدين، صار حاجزا امام باطن الحقيقة، فظاهر الدين الحالي لا ينطبق مع باطن العبادة والايمان بالله عز وجل، انما حالة من الفراغ او الهوة الواسعة بين العقائد والممارسات الدينية (التي وجدت لتقريب المسلم او العبد من خالقه)، وبين التصرفات والسلوكيات اليومية لرجل الدين او الانسان المسلم العادي، لازالت المجتمعات والدول الاسلامية متخلفة وغارقة في الفساد والظلم والاستبداد والجهل ..

لازال السلاح والعنف طريقهم المعتاد في حل مشاكلهم الداخلية، اما ظاهرة النفاق فهي تحكم قبضتها على عقولهم وتفكيرهم وحياتهم الاجتماعية ...هذه الامة كانت تحارب الفلسفة والفكر، والثقافة والابداع ويجعلوها

في خانة البدع والانحراف..

طريق الحضارة هو السبيل الوحيد لا نقاذهم وجعلهم اقرب لله عزو جل مما هم فيه.. بمعنى لو كانت المجتمعات المسلمة متحضرة لاصبحت في مقدمة دول العالم اليوم...

ما يحصل عبر قرون هو تكرار لاستحضار صورة الماضي (التراث، والتاريخ المصطنع) لا عادة تصديرها وتسويقها للمجتمعات المسلمة الحالية، في حالة من الصراع والتطاحن العقلي والنفسي الداخلي، لا يراد للفكر الحر ان يخترق هذه الخطوط الحمراء المتوارثة، تماما كما يحصل في حالات التحشيد القومي او الطائفي او اليميني المتطرف، من اجل الكسب المادي او السياسي، وليست حاجة انسانية اخلاقية لزيادة في الوعي او ثقافة المجتمع، {الانسان يتفاعل مع ظاهر الصور سواء كانت ممثلة بالطبيعة الجميلة، او بالقناعات والاراء والافكار البسيطة السهلة الفهم، او حتى القريبة من مستوى الادراك والوعي لديه، فالانسان الذي يزور منطقة سياحية معينة (على سبيل المثال)، تأخذه صورة جمالية معينة في الطبيعة الساحرة، يبدأ بالتفاعل معها وفقا لمستوى الوعي الذي يملكه، اما ان يلهوا ويمرح وينطلق في الفراغ الكامل، واما ان يستغرق بالتفكير والتأمل كما يفعل الفلاسفة والمفكرين والشعراء والادباء (الخ.)، النتيجة ان المتعة حصلت، ولكن الغاية والهدف والفائدة اختلفت تماما، هذه المشاكل الاجتماعية الغير مشخصة بشكل واضح، ولم تعالج فلسفيا او فكريا لحماية الانسان او المجتمعات والاجيال القادمة من ظاهرة الاستنزاف والاستغراق العقلي والنفسي او الروحي بظواهر الصور الطبيعية او المصطنعة ماديا ومعنويا، دون الوقوف عند جوهرها وحقيقة امرها، سوف تزيد من الازمات والكوارث الثقافية او الدينية، كظاهرة عودة اليمين المتطرف لاختراق الحضارة التكنولوجية للانظمة العلمانية المدنية في اوربا وامريكا،

فالصور المقدمة عنها هي صورة الصراع والصدام الحضاري المستمر بين الامم (دينيا وعرقيا وثقافيا)، بينما ان الذي يختبأ خلف تلك الماكنات الصناعية التخريبية (ماكنات صناعة الصور الظاهرة المغايرة للحقيقة) هي المصالح الراسمالية الامبريالية (امبراطوريات الهيمنة، المال والسلطة)،

وهي بالطبع لا تختلف كثيرا عن الامبريالية الدينية للمؤسسات والاديان الاخرى، ففي اليهودية كما في المسيحية والاسلام استغل الدين لقرون في صناعة صورة الطاعة والعبادة والانقطاع لله المقدم من قبلهم، فابتعد الناس عن هذه الاديان الوضعية (الاديان الشعبية)، بالعقل والعلم والمعرفة والحضارة الالكترونية-الفضائية، ولا توجد اكثر صورة عن هذه الانحرافات الاخلاقية او الدينية، كتلك التي صورتها المعابد والكنائس والمساجد عن صكوك الغفران، ومفاتيح الجنة، والاجتهاد في الغيبيات والماورائيات الاخروية، واعطاء اهمية كبيرة للشعائر والطقوس والشعائر الدينية، واعتبارها اوامر الهية مقدسة، لابد ان يمارسها الانسان كي ينال رضى الخالق عنه، ليقبل اعماله او القرابين المقدمة منه اليه، حالة من الاسطورية الغارقة في الصور التقليدية المتوارثة عن الاديان الشعبية القديمة....

اكثر الطوائف او الفرق الدينية في تاريخ الاديان الحديثة، التي ميزت بين باطن الدين وظاهره، هي الطائفة الصوفية القديمة (المدارس الصوفية الاولى)، عرفت او كشفت ان حقيقة الايمان بالخالق ليست طقوس عبادية رسمية اوشعبية، انما هي حالة من الذوبان الباطني الروحي للانسان في صورة الاله الاعلى المقدس، لا يمكن ان تتجسد في صور

 العبادات والعقائد والممارسات الدينية الشائعة او الظاهرة، الا ان الخطا الكبير الذي وقع عندهم، وجعلهم لا ينفتحون علميا على الايمان بشكل اوسع، هي العودة الى نفس اسلوب الممارسات او الحركات والطقوس الروحية الظاهرة(تزكية النفس)، وهي حالة من حالات الاستنزاف الروحي الكبير، الذي لم يتمكن من اقناع عامة المسلمين، ولا مدارسهم المذهبية الكثيرة بقبول هذا النوع من العبادة المتناقضة ....

في السياسة والتجارة والاعلام وحتى في مجالات الثقافة والادب والفن وعموم الابداع، تنقل صور مغايرة للحقيقة احيانا عن الواقع الموضوعي او الماثل امام المجتمع.

فلكل شيء ظاهر وباطن، ثم تبقى بعدها حسابات معايير التفاعل بين فلسفة التفكيك المنطقي العقلي العلمي لتلك الحالات، وبين قدرة وقوة ظواهر الاستنزاف الروحي المهيمنة على الواقع الاجتماعي او العقل الجمعي، فهي الطريق والاسلوب الافضل للتحديد والتشخيص، لانتشال اغلب طاقات الانسان الضائعة من حالة الخمول والكسل العقلي، وكذلك لمنعه من ان يصبح مجرد رقم تجاري او صناعي او اجتماعي مؤدلج فكريا او مبرمج الكترونيا، لا يكترث احد لافكاره وطموحاته ومستقبله الشخصي،

بعد ان صار موقع ومكانة الفلاسفة والمفكرين والمبدعين في اخر الطابور الرسمي والاجتماعي (حتى في الدول المتحضرة التي تعترف بأن من انقذها من وحل الحروب والازمات والمعاناة، وشبح الماضي المظلم، علوم وافكار وايديولوجيات عظماء الفكر والفلسفة) ...

الاستنزاف الروحي او النفسي امر كارثي، لانه يصور الحياة على انها شيء اخر، غير الذي وجد من اجله الانسان...

تتجسد بعض صوره في التلوث البيئي وتغيرات المناخ، وتفاقم او تزايد مستوى الامية والفقر، وانتشار الجريمة والمخدرات والامراض النفسية، واندلاع الحروب وزيادة النزاعات الدولية والفتن الدينية او العرقية، الخ.

(ان بعض الدول تجرم وتحرم قطع الاشجار ولكن عندما يتدخل الاستثمار والحسابات المادية تصبح تلك الغابات او الاشجار عقبة امام التقدم الحضاري الراسمالي كما يدعون الخ.)

الانسان بحاجة الى فلسفة انسانية حديثة تبعده عن الاعتقادات والقناعات السطحية الساذجة في الحياة، وعن الانبهار والاستغراق والاستنزاف الروحي في الصور التراثية او الاجتماعية الجاهزة المقدمة اليه، دون ان يكون هناك تطابق فعلي بين جوهر الحقيقة وبين الصور النمطية (الدينية او الثقافية او السياسية) المعتادة، عليه ان لا يكون وعاء للخزن السلبي، الذي سرعان ما يصيبه العفن، فينفجر كالبركان ليدمر كل شيء...

يجب ان لا تستمر عملية الدوران في الفراغ القاتل، فتعاد صناعة خزائن واوعية جديدة، لتكرار عملية التعفن والانفجار الروحي او النفسي المتوارث...لابد ان يخضع كل شيء الى لغة العقل والعلم بما فيها الاديان والعقائد والماورائيات...

 

مهدي الصافي

 

اسعد شريف الامارةمن أوليات الصحة النفسية هي وجود الشيء ونقيضه معًا عند الإنسان، فعندما نريد تعريف الشيء بالموجب، لا ينفصل ضمنيًا عن نفي نقيضه، ولما كانت المقارنة عملية لا يستطيعها العقل البشري بسهولة قبولها أو رفضها، عندئذ يكون لدينا تصور يتبادر إلى الذهن ما هو ليس أبيض، فإنه سيكون حتمًا أسود، أو أي لون آخر، وكذلك الشيء الكبير سيكون نقيضه حتمًا الشيء ما ليس كبير، أي ما هو صغير، وتزداد الصعوبة حينما يكون للمفهوم قيمة،  وبالأخص إذا كانت عقلية، مجردة غير مادية، وغير ملموسة بالواقع، ولكن ملموسة بنتائجها من التكفير وما ينتج عنه، لا سيما أن التفكير هو سلوك نتلمسه بالواقع من خلال الفعل على مستوى ما يجري في الدماغ. سأطلق لتفكيري العنان بصدد إيجاد العلاقة بين التأمل والتركيز وما يرتبط بينهما من علاقات" متغيرات أخرى مثل أحلام اليقظة، أو غيرها إن أستطعت"، فالتأمل هو شبيه إلى حد كبير باحلام اليقظة من ناحية عمل الأعصاب ووظائفها، وكثير من الناس لا يميزون بين حالة التأمل وحالة التركيز وأحلام اليقظة، ويقول علماء النفس أن التأمل لا يقوم على التفكير بجهد في شيء محدد، بل على العكس، إن الإنسان يرخي العنان للدماغ في موضوع عام، ويقول" بيير داكو" الإنسان المتأمل منفعل، ودماغه يتلقى الحد الأقصى من الاحساسات، إذن إنها أحلام يقظة في العمق، فالأفكار تجري بسهولة بالنظر إلى أن الدماغ لا يتركز على فكرة معينة منها، وتسير الامور بيسر فضلا عن قابلية الاستقبال والوضوح حيث تكونان جيده جدًا. لا نغالي إذا قلنا أن التأمل هو الدرجة العليا من درجات الفكر الإنساني، حيث يكون الفكر نقي وصافٍ، متسع جدًا أيضًا، مفعم ونشط ويسر، وكذلك قابلية الاستقبال تكون في حدها الأعلى، بينما التركيز عمل متعب للدماغ، لأنه يشغل المراكز الدماغية التي تعمل خاضعة لتبيه قوي ومركز.

في علم النفس المعرفي الذي تقوم دراساته وأبحاثه الميدانية التطبيقية على موضوعات التفكير والادراك والتنبيه والاستدعاء والتعرف والاسترجاع للمعلومات، وكذلك التأمل، فإن في هذا الجانب من عمل الدماغ، وهو التفكير، فإن الفكر يستقر على شيء محدد، على نقطة أو نقاط، معينة فلتكن على سبيل المثال محاضرة مثلا، أو موضوع يفكر به كاتب، أو باحث، أو قصصي،  فلابد هنا أن يتدخل الإنتباه كنوع من التركيز الضعيف، رغم أن ثمة درجات مختلفة من الإنتباه تبدأ من الإنتباه المشتت، كانتباه الطالب الشارد الذهن، وتنتهي بالانتباه المحدد، كالاصغاء إلى المحاضرة باهتمام، وكلما تقدمنا أكثر فسوف نذهب إلى التركيز شيئًا فشيئًا. من هنا سنذهب إلى مجال التركيز ونحاول سبر أغواره وايجاد علاقته بالتأمل.

أن التركيز يقوم على تثبيت الفكرة بجهد على نقطة محددة، أو إكمال نص شعري، أو فكرة جديدة أو إذا كانت مسألة صعبة مثلا، أو موضوع محدد، ويحصر الإنتباه بنقطة تركيز واحدة، وهذا ما نلاحظه عندما يتركز الدماغ خلال التركيز الشديد، حتى كادت معظم مناطق الدماغ تنام وتتوقف عن العمل خلال وأثناء التركيز، وهي نفس الحال حينما يتوقف الدماغ عن استقبال المنبهات الاخرى مثل الضجة، أو صوت المذياع العالي، أو الكلام المحيط بالشخص، أو المثيرات الخارجية الاخرى،

يرى علماء النفس أن التركيز لفترة طويلة متعب جدًا، لأنه يتعب المراكز الدماغية التي تحتاج إلى التنبيه القوي وتؤدي إلى الإنهاك أيضًا، ونلاحظ تلك الحالة بصورة واضحة لدى الطلبة في فترة الامتحانات ورغبتهم الشديدة في النوم، وبعد التوقف عن الدراسة "المذاكرة" حيث يستسلمون بصورة قوية للنوم، وهذا التعب سببه التركيز مع إنهاك المراكز العصبية في الدماغ.                                                        أن الأبحاث المتعلقة بالتركيز والانتباه والتأمل ترى أن الوضوح يعمل دورًا مميزًا في هذه العمليات العقلية، وقد يكون في حالة التركيز أقل مما في العمليات الاخرى السابقة التي ذكرناها، حيث أن الإنسان في حالة التركيز يتصف بأنه على طرفي نقيض من الوضوح مادامت ثلاثة أرباع دماغه لا تعمل تقريبًا، ومحصور عملها في ولوج عملية التركيز، وتساؤلنا متى ينبغي للإنسان أن يركز؟ أنه يركز عندما يشعر بصعوبات كبيرة في فهم مشكل، أو موضوع من موضوعات يبحث عنها، أو نص يمتنع من تطويعه، أو إنهائه بشكل يقبله العقل ويخزنه بعد تشفيره "اعطاه شفرة وخزنه في الدماغ" لغرض استدعائه متى ما يحتاج ولكن ليس بطريقة آلية ميكانيكية" ، التركيز يعني بالمعنى الادق أنه جهدًا ضخمًا، والجهد الضخم يعني نقصًا في سيادة الفرد على ذاته، نقصًا يدل بدوره على نقص في اليسر وإتساع التفكير الذي يحتاج إلى عصف دماغي لإنهاء هذا المشكل، أو ما يسمى بالقصف الذهني Brain storming  وفكرة القصف الذهني على أن الفرد وبالأخص المبدع، انه يستطيع إنتاج عدد كبير من الافكار حول موضوع معين، وله القدرة على إيجاد العديد من الحلول لمشكلة رياضية، أو مسألة فيزيائية، أو مسألة تتعلق بالعلوم الصرفة، أو حتى في مجال الإبداع الفني والشعري والقصصي، أو كتابة النص، أو تأليف مقطوعة موسيقية، أو رسم لوحة فنية، فهو يحتاج إلى التركيز المركب لإنتاج هذه الحلول، وهذا بدوره يحتاج إلى اليسر الذهني والطلاقة في التفكير وبمرور الوقت إثناء وخلال التركيز يقلل التركيز ويتيح التغلب على المشكل ، فالإنسان في مثل هذه الحالة أن يرى ، كما يرى، وكما يرى في حالة التأمل. وتبقى مسألة مهمة عند معالجة الدماغ للعمليات المعرفية المذكوره أعلاه، بان الأفكار الثابتة لدى الفرد تتراوح في شدتها من حيث استدعائها وتأثيرها عليه، فضلًا عن سيطرة الوساوس وتأثيره أيضًا بين القوة والضعف، واخيرًا الإجترار النفسي الذي يستدعيه الفرد في هذه العمليات المعرفيه ويتراوح في سعته، أو في أحيان أخرى إنعدامه تقريبًا، أو يكون قليل الإتساع. وهكذا تتراوح شدة التركيز أو ضعفه، أو شدة التأمل أو ضعفه، بما تمس الدماغ وتأثيره بالقوة والضعف.

 

أسعد الاماره

استاذ جامعي وباحث سيكولوجي 

 

عبد الحسين شعبانلا يمكن اختزال الإرهاب في مقاربة واحدة مهما كان دورها كبيراً، لأن هناك عدداً من العوامل تتفاعل معها، وتتدافع فيها لتنتج بالنهاية ما نطلق عليه «الظاهرة الإرهابية». وبالطبع يختلف منظور الباحثين باختلاف خلفياتهم الفكرية والسياسية وتباين ظروف حياتهم ومجتمعاتهم، فضلاً عن اختلاف مناهجهم.

ويستند التفسير الثقافوي - الديني بشقيّه الغربي والإسلاموي إلى ربط العنف والإرهاب بالنصوص الدينية، فالمجاميع الإرهابية تحاول تفسيرها أو تأويلها بما يخدم مشروعها الإرهابي، من دون الأخذ بنظر الاعتبار سياقاتها التاريخية والظروف التي قيلت فيها ومدى توفّر شروطها.

وإذا كنا نعترف بأن ثمة حمولة أيديولوجية تتضمّنها بعض النصوص الدينية، فإن التركيز على ذلك واعتباره القاعدة وليس الاستثناء هو الذي دفع صنّاع القرار والقوى المؤثرة في الغرب بشكل عام لدمغ الإسلام بالإرهاب بزعم أن ثمة جينات إرهابية بين النص الديني والفعل الإرهابي، خصوصاً بعد أحداث ال 11 من سبتمبر / أيلول عام 2001 في الولايات المتحدة، اعتماداً على أطروحة الرهاب من الإسلام «الإسلامفوبيا».

ولعلّ من يميل إلى هذا التفسير أو من يحاول اعتباره العامل الحاسم في الظاهرة الإرهابية، إنما ينطلق من قراءة ميكانيكية جامدة للدين والثقافة، فالعنف والإرهاب وليدا التعصّب والتطرّف، وهذان الأخيران مرتبطان أيضاً بالوضع الاجتماعي والاقتصادي والنفسي والتاريخي والتربوي وبقية العوامل المؤثرة فيه داخلياً وخارجياً، وبالطبع من دون نسيان درجة الوعي الثقافي والديني.

أما أصحاب التفسير النفساني للظاهرة الإرهابية، فإنهم ينطلقون من اعتبار العوامل السيكولوجية المتأثّرة بالوضع السسيولوجي والاقتصادي للإرهابيين، هو الذي يقودهم للانخراط في الأعمال الإرهابية، بما فيها تفجير أنفسهم والانتحار وصولاً إلى تحقيق الهدف، وبقدر ما يكون مثل هذا التفسير صحيحاً، لكنه يبقى محدوداً وينطبق على حالات ضئيلة، بسبب إحباطات حياتية وشعور باللّاجدوى واستجابة لما هو غير عقلاني كتعويض عن حالات اليأس والقنوط، التي يظل الفرد أو المجموعة تتخبّط فيها لدرجة يستولي عليها مثل هذا الشعور، حيث يُقدم الإرهابي على إقناع نفسه أولاً بأنه ينفّذ واجباً، فما بالك حين يكون «أمراً إلهياً» فيلقى الثواب عنه في الآخرة، لكن مثل تلك الحالات لا يمكن تعميمها، كما أن نتائج الإحباط والشعور باليأس لا تقود كلها إلى نتائج واحدة.

وتستند أطروحة التفسير الاجتماعوي إلى واقع الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، وبشكل خاص إلى الفقر والعوز، وتتفاعل مع الجوانب النفسية، فتنتج ردود فعل حادة في ظلّ الشعور بالاستلاب والبطالة وتردّي الأوضاع المعيشية والصحية، وهو ما يوفّر مغريات للبحث عن أمن مادي ونفسي واجتماعي، وحين تكون الفرص شحيحة والظروف غير متكافئة، فقد يميل بعض الأفراد أو الجماعات المهمّشة إلى الإرهاب جزعاً ولا مبالاة، خصوصاً في ظروفهم البائسة. والأمر يشمل حتى بعض مسلمي أوروبا، فإضافة إلى عدم قدرة بعضهم على الاندماج، فإن ظروف حياة أوساط غير قليلة منهم مزرية، ولا سيّما بعد موجة اللاجئين التي ارتفعت وتيرتها في السنوات الأخيرة على نحو لا مثيل له تاريخياً، حيث فشلت سياسات العديد من البلدان في دمجهم مثلما هي إسبانيا وبلجيكا وفرنسا وغيرها، وهو ما يسهم في تغذية عوامل التوتر لدى الجاليات المسلمة.

وقد تمكن «داعش» من التغلغل في صفوفها واستقطاب المئات من المسلمين أو المتحوّلين دينياً إلى صفوفه، وذلك عبر التشكيك بجدوى العيش في تلك المجتمعات «غير العادلة» أو «الكافرة» أو المنقوصة الإيمان أو المشوّهة، ولا سيّما الشعور بفقدان الأمن الاجتماعي والإنساني.

في حين يذهب التفسير الجيوبوليتيكي إلى الصراع التاريخي على المصالح والنفوذ، ولا سيّما السياسي والديني وما تركه من حساسيات ومرارات قديمة وراهنة، وإذا كان هذا التفسير غربياً يقوم على «الإسلامفوبيا» فإنه في البلدان العربية والإسلامية يحمل لافتة «الويستفوبيا»، تلك التي تعتبر الغرب كلّه شروراً واستعلاء وعنصرية، استناداً إلى ترسّبات التاريخ وقراءة أحادية قائمة في الذاكرة الجمعية للناس تلك التي تتغذى على صدمة الاستعمار وما تركته على العرب والمسلمين، إضافة إلى استمرار الحروب والصراعات والنزاعات بشأن الموارد الطبيعية الأخرى في المنطقة مع وجود «إسرائيل» ودورها العدواني التوسعي الإحلالي.

وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار العوامل المختلفة في فهم الظاهرة الإرهابية وتفسيرها، فإن مواجهتها عند ذاك ستكون مستندة إلى معطيات علمية وخبرات ميدانية وتجارب حياتية متراكمة وأدوات تجريبية ضرورية، إذْ ليس هناك نظرية جاهزة ومتكاملة تصلح لجميع المجتمعات، ويتطلّب الأمر معرفة ما لدى الإرهابيين من أفكار وخطط وبرامج.

وإذا كانت المقاربة الأمنية والعسكرية ضرورية ولا غنى عنها، فهي آخر العلاج، وينبغي أن تكون مقترنة باحترام كرامة الإنسان في إطار منظومة قوانين تكون درعاً واقية من جهة، ومقدمة لخطاب إقناعي وعقلاني مدعوم من الناس من جهة أخرى، فلم يعد نافعاً الخطاب العاطفي وردّة الفعل العشوائية وهكذا نحتاج إلى عمل تربوي طويل الأمد لبناء الإنسان، ويمكن للإعلام أن يلعب دوراً مؤثراً، خصوصاً إذا احتوى على الحقائق واستند إلى العلم والمعرفة، مثلما يمكن للمجتمع المدني أن يكون رديفاً للدولة وفاعلاً مجتمعياً في المجابهة.

 

عبد الحسين شعبان

 

"حينما تريد خداع العالم كله.. ما عليك سوى.. النطق بالحقيقة!!

 إن مشكلة ضمان الأمن القومي هي اليوم محور الأهمية الإستراتيجية لتنمية البلاد، وإن ضمانه هو إلى حد ما هدف الإصلاح الذي يجب أن يخضع مضمونه لتعزيز سيادة البلاد وسلامتها الإقليمية وصنع وبلورة ظروف داخلية وخارجية تضمن الاستقرار والتنمية المستدامة للفرد والمجتمع والدولة. وقد كشفت مشاكل الأمن عن تخلف الفكر النظري في هذا المجال مما يستوجب نطاق تدريب أخصائيي النظم في هذا المجال، ومن دون فهم واضح لما هو الطبيعة الاجتماعية لمفهوم الأمن، وما هي مصادره، وما القوة الدافعة، والهدف المترجى، لا يمكن أن يتم بذل مزيد من الجهود لضمان الأمن من أجل حل مشكلة الاستقرار وتوفير مجتمع مستقر وفهم طبيعة التهديدات الأمنية، وسبل التغلب عليها.

كان السعي لتحقيق الأمن أحد الأسباب الدافعة لتوحيد الناس في المجتمع وقد ازدادت كثافة ونطاق هذه الحاجة باستمرار وكان الأمن من ولادة الحضارة هو الهدف الرئيسي لنشاط الأفراد وبالتالي المجتمع ككل والدولة، وإن الحاجة إلى الأمن الشخصي والممتلكات تجلب الحياة للدولة، وفي هذه الحالة تجد الدولة التفسير الأكثر أهمية لوجودها، كما أنها تشير إلى غرض الدولة ومبتغاها وهدفها الرئيسي. ويتم استخدام المفهوم الأكثر شيوعًا للأمان بالنسبة إلى العديد من العمليات الذي لا يعكس اختصارا العلامات المحددة لأمن الشخص المتأصل في حالة معينة ولكنه يتضمن شيئًا مشتركًا يسمح لنا باستخدام هذا المفهوم في مختلف المجالات، فالأمن هو غياب الخطر والسلامة والموثوقية ومن الواضح أن مثل هذا التفسير المبسط واللغوي البحت لمفهوم الأمن غير كاف، لأن انعدام الأمن ينطوي على إمكانية تحقيق مثل هذا الوضع ولكن في الحياة الواقعية توجد دائمًا وستكون هناك مخاطر ذات طبيعة مختلفة تمامًا ولذلك إن فئة الأمن ليست مطلقة لكن المعنى النسبي والهادف يتم اكتسابه فيما يتعلق بأشياء محددة أو مجال النشاط البشري والعالم المحيط به.

الأمن لا يوجد بمعزل عن النشاط العام للحياة البشرية فهو يرتبط ارتباطا وثيقا بجميع جوانب الحياة البشرية والمجتمع، وتتمثل مهمته الأساسية في ضمان وجوده وتطوره وإن إدراك مثل هذه الأشياء النامية مثل الإنسان والمجتمع والدولة تجوهر وتوثق الترابط بين أهم وظيفتين للوجود الاجتماعي في التنمية والحفاظ على الذات والأمن للناس، إن التنمية والأمن هما جانبان من جوانب حياة المجتمع، وإن عدم توافر وظيفة التنميّة والأمن يرجع في المقام الأول إلى جميع عمليات النشاط البشري وإن تقسيمها إلى مجالات وفروع واتجاهات منفصلة أمرٌ مشروط يسهّل إدراك الواقع عبره، ومنذ القد كانت لهاتين الوظيفتين الأساسيتين للإنسان والمجتمع مميزة واضحة، وان القدرة على التنمية هي واحدة من الخصائص العالمية للمادة والوعي. يتطلب تحليل آليات تطور المجتمع دراسة عميقة لهيكله الداخلي وتنظيمه وعمله. وإن قوانين الديالكتيك كنظرية عامة للتنمية تعمل أيضا في المجتمع غير أنها محددة الإشكال ولم تدرس بشكل كاف.

الشكل الاجتماعي للتنمية هو أعلى وأصعب طريقة للتطبيق من الواقع الموضوعي ويتميز في وحدة الهدف المادية والمثالية للتنمية إذ أنها عملية تكاملية متزايدة التعقيد وثراء المحتوى على مستوى المجتمع ككل وتتجلى في تراكم الثروة المادية والروحية للمجتمع وزيادة التعقيد وظهور العناصر والوظائف والعلاقات الجديدة في النظام العام. وينطوي التطور على زيادة قدرة وموارد الإنسان والمجتمع والدولة في مختلف مجالات الحياة لذا يتم توفيرها من خلال الوسائل القانونية والسياسية والاقتصادية وغيرها من الوسائل التي لا تنتهك آليات عمل وتناسل الحياة التي وضعتها البشرية وبهذا فأن الأمن لا ينتقص من دوره وأهميته في الواقع الموضوعي.  وإن الأمن الشخصي والممتلكات هو الضمان الرئيسي للتنمية البشرية وإن انعدام أمن الفرد والممتلكات يرقى إلى عدم وجود أي صلة بين الجهود الإنسانية وبين تحقيق الأهداف التي يتم القيام بها إذ إن من دون ضمان الأمن يتبين أن جميع الأنشطة البشرية بلا هدف لذا فإن دراسة مشكلات الأمن القومي مقارنة بالمجالات الأخرى من الإدراك هي أكثر تماسكًا وتساهم في فهم المجتمع كجسم واحد متكامل مما يفسر هذا من ناحية التعقيد الهائل لفهم المشاكل الأمنية وضعف تطور العديد من جوانبها النظرية والعملية كما انه يولد اهتمامًا كبيرًا بالمشاكل الأمنية من جميع فروع العلم تقريبًا. إذ تعتبر مشكلة تطور الإنسان والمجتمع بمعزل عن المشاكل الأمنية ولا يزال التطوير والأمن قائمين في شكل اتجاهات مستقلة ومتوازية وغير متقاطعة للنشاط البشري.  فكثيرة هي المهام التي تواجهنا في مجال التنمية الاجتماعية وفي مجال الأمن وغالبا ما تكون قريبة ومماثلة، ولربما ما يفسر الأهمية العالية لوظيفة الأمن هي حقيقة أنها تؤثر بشكل فعال على تشكيل الاتجاهات والمستويات الممكنة للتطوير في هذا أو ذاك بمجال الحياة فيتم تحديد مستوى الأمن إلى حد كبير من خلال مستوى التنمية كما يتم توفير الأمن من إجمالي الطاقة الكلية للدولة لكن هذا الاعتماد أبعد ما يكون عن الخطية والحتمية وكلما كان البلد أكثر تطوراً في اتجاهات مختلفة كلما زادت وتضاعفت قدرته على ضمان أمنه غير إن تنفيذ هذه الفرص في الواقع العملي قد يكون بعيدًا عن التنفيذ الفعلي ولا يضمن ذلك مستوىً أمنيًا عاليا.

 إما من حيث الجوهر والمضمون فإن مهام التنمية والأمن لها دائما الاتجاه المعاكس وعضويا يتطلب التطوير المستمر والتجديد والابتكار في مختلف مجالات المجتمع وإن الأمن يتطلب استقرار الوضع القائم وتقييد جميع أنواع الابتكارات، وإن العلاقة الحقيقية بين التنمية والأمن هو أكثر شخصية جدلية معقدة، واثنين من أهم وظائف المجتمع ترتبط ارتباطا وثيقا مع بعضها البعض وتقوم بشكل منفصل لأنها كانت ومن كلا الجانبين وجهين لعملة واحدة. ويبدو أن الاهتمام المتزايد بمشكلة الأمن في الوقت الحاضر، وهو ازدهار غير مسبوق في هذا المجال يعكس الحاجة الماسة إلى المعرفة الحقيقية لمجتمعنا ككل واحد كنظام معقد، وعلى الرغم من حقيقة أن هناك الكثير من معاهد البحوث في البلاد فإن جميعهم ينشطون في دراسة بعض مجالات الحياة المجتمعية فقط بينما لا ينفرد في معظم بلادنا ولا حتى مركز علمي واحد في دراسة شاملة للبلد الذي يمثله.

الوضع الغريب الذي عانيناه في بلادنا انه لم يكن هناك إلى حد ما أي علم في المجتمع ناهيك عن علم الافراد وقوانين وتنميته وأمنه، ووفقاً لمبادئ المادية التاريخية تم تعريف الوجود الاجتماعي على أنه مجمل العمليات الاجتماعية المادية الموجودة بشكل مستقل عن إرادة ووعي الفرد أو المجتمع ككل، كما وقد تم فصل الناس عن العمليات الاجتماعية المستقلة عنهم وعلى الرغم من كل المحاولات للاعتراف بالدور النشط للأنشطة الشعبية التي يمكنها أيضًا تغيير هذه الظروف بفعالية، وقد كان غياب التحليل العلمي للعمل يمثل علاقة وثيقة مع محتوى العمليات الاجتماعية وحالة المجتمع كنظام اجتماعي متطور ومعقد فأدى في نهاية المطاف إلى فقدان الدول التنظيم الاجتماعي. ومفهوم الأمن باعتباره ظاهرة اجتماعية معقدة ومتعددة الوجوه لها طابع تاريخي ملموس وترتبط ارتباطا وثيقا مع جميع الأشكال والاتجاهات التفاعلية، وان الجانب الأكثر أهمية هو جانب المحتوى من التفاعلات المختلفة بين عناصر النظام المعطى إذ أنها تعكس عمليات تأثير الأشياء المختلفة على بعضها البعض، وشروطها المتبادلة وتغيرها والانتقال المتبادل، ولذلك يحدد التفاعل تطور كل كائنات الواقع المحيط لان تفاعل الأضداد هو المصدر والأساس والسبب النهائي للحركة الذاتية والتنمية وان أكثر أشكال التفاعل تعقيدًا وتميزا هي حياة المجتمع لأنه نتاج تفاعل الناس. لذا تعتبر فئة التفاعل مهمة في عملية إدراك الظواهر الطبيعية والاجتماعية وهي أساس مقاربة منهجية لإدراك العالم والممارسة الاجتماعية في جميع مجالات الحياة بما في ذلك مجال الأمن وسلامة الحياة، وسلامة الحياة هي حماية العالم المادي والمجتمع الإنساني من التأثيرات السلبية ذات الطبيعة المختلفة، وأهدافها هي الطبيعة والإنسان والمجتمع.

أمان الوجود البشري أو الأمن الشخصي والممتلكات هو حماية الشخص من التأثيرات السلبية ذات الطبيعة المختلفة القادرة على إلحاق الضرر بجسده وممتلكاته وهذا النوع من الأمن يضمن الامتثال مع بعض الخبرة الغريزية البشرية أو المعايير المتقدمة وقواعد السلوك في النشاط الصناعي والحياة اليومية ويشمل كذلك السلامة من الحرائق وأمن النقل وسلامة العمل وما إلى ذلك.  لذا فإن سلامة البيئة هي حماية الإنسان والبيئة من الآثار السلبية الطبيعية والاصطناعية التي ييتم توفيرها من خلال دراسة وإدراك الظواهر الطبيعية والتدابير الوقائية في حالة الكوارث الطبيعية ذات الطبيعة المختلفة.  وإن هذه الأنواع من سلامة الحياة منذ ولادة الإنسان والحضارة هي التي كانت ولا تزال في مركز اهتمام الناس وإن العديد منها يتطابق تماماً مع الفئة العامة للأمن في توفير هذه الأنواع من سلامة الحياة هو مجال النشاط النظري والعملي لعدد من العلوم والمعاهد الخاصة للمجتمع والدولة، وإن الجوهر البيولوجي للإنسان له طبيعة مشروطة اجتماعيا وبالتالي فإن سلامة الإنسان ككيان اجتماعي ومجتمع بشري له أهمية خاصة ولذلك ينبغي التأكيد على أنه مع تطور البشرية وهيكل ونظام الدولة تحول نهج الأمن بشكل مستمر من فهمه كظاهرة فيزيائية إلى فئة اجتماعية لذا فإن الدور الرئيسي لتحديد ووضع النظام ينتمي إلى الأمن القومي أو أمن الأمة. والأمن القومي أو أمن الأمة هو حماية المصالح الحيوية للفرد والمجتمع والدولة في مختلف مجالات الحياة من التهديدات الداخلية والخارجية وضمان التطور التدريجي المستدام للبلاد والقدرة على حفظ الطبيعة والإنسان والمجتمع من اليقين النوعي والقدرة على أداء وظائفه تحت تأثير العوامل السلبي وهذا لأن الأمن واحد وغير قابل للتجزئة وأن مركز جميع أنواع الأمن هو الإنسان لأنه هو الذي يعاني في المقام الأول من أي نوع من التهديدات غير انه وفي الوقت ذاته فيتم توليد هذه التهديدات في الغالب من قبل الإنسان ذاته ولذلك فإن الإنسان هو الأكثر عزلة والأكثر خطورة على نفسه وعلى المجتمع والبيئة.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

نبيل عبدالامير الربيعيما فعل الحصار الاقتصادي على أبناء الشعب العراقي الكرام من ويلات وعوز وفاقة وتضييق لم يسبق له مثيل خلال فترة التسعينات من القرن الماضي، والسنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين، لا اظن شعباً على مرّ التاريخ ذاق مرارة العيش كما ذاقها شعبنا الصابر المكلوم، وكأننا مررنا بسنوات المجاعة والقحط.

حتى عام 1995 كنت اسمع بين الحين والحين أخباراً سارة تنبئ عن قرب انفراج الأزمة القائمة بين العراق وبين الأمم المتحدة، بشأن اطلاق بيع كميات محدودة من النفط والسماح بتصديره نتيجة المعاناة والكوارث الاقتصادية والنفسية التي أصابت شعبنا، وحرمان الإنسان من ابسط حقوقه في الحصول على الغذاء والدواء ومستلزمات الحياة الضرورية، والتمتع بثرواته مثل بقية الشعوب، إلى أن سمحت الأمم المتحدة أخيراً بعد مخاض عسير واصدرت قراراً بالسماح ببيع كميات محدودة جداً من النفط مقابل شراء الغذاء والدواء والمواد الاساسية (برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء)، لكن الحصار ظلَّ سارياً وبقي يضيق الخناق برقاب شعبنا الموجوع الذي وقع بين مطرقة الحصار وسندان الدكتاتورية، التي حكمت العراق بالحديد والنار، كان حصار السلطة على العراقيين كبير وقاسي جداً، منها منع صناعة المعجنات بسبب عدم توفر الدقيق الابيض لأصحاب المخابز والأفران، من صنع الكيك والمعجنات والحلويات والاقتصار على الخبز لشحة الدقيق والسكر، كانت اكواب الشاي المخلوط بنشارة الخشب المصطبغة هي مما توفره وزارة التجارة العراقية وفق توزيع البطاقة التموينية على العراقيين.

كانت عملية شراء الكتب النفيسة والنادرة ليست بالأمر الهين والسهل وقتذاك، حيث كان البعض يتم تهريبها إلى الدول المجاورة لأجل بيعها بأضعاف سعرها من نفائس الكتب والمجلدات بسبب مافيات الثقافة التي افرغت الشارع من كل ما هو مطلوب، ولم تسلم حتى المخطوطات الهامة غير المحققة من عمليات التهريب المنظم.

لكن ظهرت شريحة من الناس تقوم باستنساخ الكتب المهربة للعراق الممنوعة من التداول لتلبية رغبات القراء، مقابل ثمن يزيد أو ينقص وفق اهمية الكتاب وقيمته الفنية، لكن السلطة كانت تنشر عناصرها الأمنية في كل مكان حتى قبالة المكتبات وارصفة بيع الكتب في المدن ومنها مدينة الديوانية، كانت الأيادي تتلقف الكتاب بشكل سري ويقبلون عليه اقبال الوحش الجائع أمام فريسته، العراق في حلكة الحصار كان مهرّب الكتاب ومستنسخه ومقروءة، والمكتبات كانت لا تحوي إلا الكتاب الغث والهزيل من مطبوعات وزارة الثقافة العراقية.

والوضع المزري لمثقفينا كان للأسف الشديد، إن بعضهم قد جندته دوائر المخابرات وما اكثرها، وقد عملوا كمخبرين مهمتهم تدبير المكائد، ولم تسلم حتى الجلسات العائلية الخاصة من هذه العناصر، التي كنا نظن انهم من اخلص الزملاء، لكنهم كانوا يتمتعون بعذابات الآخرين وآلامهم.

كانت صور التنكيل ضد الأدباء والمثقفين العاملين في مستوى الإعلام تتخذ اشكالاً عديدة، منها الطرد من الوظيفة وزجهم في السجون والمعتقلات حتى وصل الأمر إلى قطع الحصة التموينية عليهم والتي كانت المصدر الرئيس الذي تعتاش عليه الأسرة العراقية، مثل فضلَّ بعض الأدباء والصحفيين والشعراء اعتزال الكتابة نهائياً، وامتهنوا اعمالاً أقل ما يقال منها غير لائقة به منها بيع كؤوس الشاي في كشك أو بيع الخردوات أو لعب الاطفال مقابل ثمن بخس ليعتاش عليه، كان من الصعب أن اشاهد أديب قد جرَّ عربة ثقيلة منادياً على بضاعة الملأى بأطياف الخزف والأكواب وملاعق الطعام، أو عرض وجبته من الحصة التموينية من زيت وشاي ورز ودقيق، اكتب هذا ليعرف عراقيو الخارج كيف كان عراقيو الداخل يعتاشون في ظل نظام الدكتاتور.

كان الدكتاتور في ظل الحصار يستقبل الكتّاب العرب والفنانين استقبال الأبطال ليمطر العراقيين بتصريحاته النارية وقبل أن يحترم هذا الفنان أو الأديب العربي حقائبه الملأى بالهدايا والأوراق الخضر مقابل تصريحاته المدوية لكسر سلاسل الحصار والصلدة التي حزّت رقاب العراقيين.

أثناء حقبة الحصار ظهرت اشكالاً غرائبية من الأدباء فتجد مقالاتهم غاية في الرثاثة والضعف الفني من صغار الأدباء الذين بدأوا يظهرون كالفقاعات في الزبد، لكن سرعان ما تنفجر وتخبوا هذه الفقاعات وليمحى أثرها . كانوا يمجدون القائد الضرورة بشكل يصل حدّ التأليه الهدف منه الحصول على رضا القيادة والمطامع المادية، وغالباً ما يشعروا بالصدمة بسبب كلمة (العفيّة) التي يقول القائد لصغارة.

كانت الصحافة في عهد الحصار موصدة تماماً أمام القوى غير البعثية سواء من الماركسيين أو التيارات الإسلامية غير المنضوية تحت راية الحزب الحاكم، أما الثقافة فكان همها الأساس تمجيد النظام وعيد ميلاد القائد، لكن البعض من الأدباء ذو الحظوظ غير العاثرة غادر العراق للعيش في المهجر خلاصاً من ضغوطات السلطة التي لا تطاق، ومن كانت حظوظه خائبة فقد فضلّ الانكفاء والبعد عن أي نشاط ثقافي، حتى اصبحت الثقافة في عهود الحصار مرعى للدمن والبعر تسرح فيها النعاج والخراف لحماية كلاب السلطة وهم يتحينون المناسبات لحلول يوم الزحف العظيم والبيعة الكبرى وتاريخ ميلاد القائد عسى أن ينالهم شيء من الفتات... حتى ملئت الثقافة بالحنظل المرّ والعلقم اللاذع والطحالب السامة . لكن البعض من المثقفين الحقيقيين ممن عركتهم التجارب وخبرته الحياة بقيت شجاعة ووفية لمبادئها رغم حجب نتاجاتهم.

جميعنا يعرف ومن عايش فترة الحصار أن مسرحنا العراقي الأصيل قيد شيّع إلى مثواه الأخير، وإن صقوره ونسوره من الممثلين البارعين قد اعتكفوا في بيوتهم واعتزلوا التمثيل، ولم يبق منهم أحد ولا يوجد سوى بغاث الممثلين وصغارهم يلعبون ادواراً هزيلة في مسارح مؤجرة تغلب عليها طابع الكوميديا الهابطة والاسفاف المبتذل والهدف منها لكسب المال والضحك على الذقون وتسخير بعض الراقصات الغجريات لأثارة الغرائز لدى المشاهدين . كان هذا النوع من المسرح الهزيل فقد بقي يعرض مسرحياته البائسة بمباركة السلطة والقائمين على الثقافة لأجل اشاعة الثقافة الرثة وغسل ادمغة الناس من كل ما هو رائق.

أما مهرجانات المربد وأبي تمّام فكانت مهرجانات تنظمها وزارة الثقافة بظروف استثنائية لضعف الامكانيات المادية، والمدعوون لها فإن معظمهم من أدباء الداخل من العراقيين الذين بقوا في بلدهم صاغرين أو مستضعفين لا حول ولا قوّة ما عدا قلة قليلة من الأدباء العرب وبعض الأجانب.

لكن الألسن هللت عندما صدرت رواية (زبيبة والملك) المنسوبة لصدام حسين والتي أشير إليها في غلافها الرئيسي عبارة (رواية لكاتبها)، كما رحب المقربون للنظام من الأدباء لها وصفقت لها الأكف ترحيباً واستحساناً، حتى قارن احدهم هذه الرواية بملحمة كلكامش واعتبرها توازي تلك الملحمة في القدرات الفنية الهائلة التي تمتلكها، حتى تم ترجمتها إلى اللغة الفرنسية عام 2000م من قبل (جيل مونيه) أمين عام جمعية الصداقة الفرنسية / العراقية، ثم اعطى صدام حسين توجيهاته إلى كتّاب الرواية في العراق لتمجيد الحروب التي خاضها، فقدرت ما يربو عن ثمانين رواية، كتبت بدوافع من السلطة.

تُرى لمَ يفعل الزمن السافل بثقافتنا وادبنا العراقي ويطيح بها؟؟ بعدما كانت انظار المثقف الاجنبي للاطلاع على إرث العراق الموغل في القدم، إذ كانت الحضارة السومرية والآشورية والبابلية والأكدية وغيرها مثار اعجاب العقل الأوروبي وغير الأوربي.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

مجدي ابراهيميتوهم كثيرون من الناس أنهم على النقيض من إننا بإزاء طريق مغلق، إذا نحن صرنا نحو التقدم والظفر بمكانة بين الأمم؛ فكيف ينفتح أمامنا هذا الطريق، ونحن في الأصل منغلقون في الباطن، مطموسون في رؤية الوعي الداخلي بذواتنا، فلا نتحرك، فلكأننا لا نريد، ولا تدفعنا هذه "الذوات" إلى الأمام بل هى نفسها العراقيل الحاجبة التي من شأنها أن تعوق تقدمنا وتحجز ظفرنا بالسيادة فيما لو أردناه، تماماً كما أعاقت آباءنا، وحجزت ظفر أجدادنا في العهد القريب.

صحيح أن الطريق إلى التقدَّم (والتقدّم الفكري خاصّة) مرهون بالثورة الروحية الداخلية، تثور في الحق والصدق من أعمق الأعماق؛ لتفتح مغاليق تلك الطلاسم الإنسانية الموجهة نحو غايات ترابية ليس إلا، ليتجاوز الإنسان بمقتضى الثورة فيه مقررات الرؤية السطحية إلى الأمور، إلى العمق الجُّوَانيِّ الغائر الدفين. ولكن من جهة أخرى، لن تقوم لهذه الثورة الروحية قائمة؛ ونحن مسلطون بعضنا على بعض، ناظرون على الدوام إلى ما من شأنه أن يشبع فينا البطون والأبدان، لكأننا خلقنا في هذه الحياة لنهيم فيها هيام السَّوَائم على غير هداية من معنى الوجود والكرامة، وتحقيق القيمة في هذه الحياة.

ومن المحقق عندنا أنه بغير الفضيلة الروحيّة الباقية وتزكية الوعي الإنساني في دخائل الإنسان العربي لن تستقيم طريقة واحدة من طرق الإصلاح الذي نزعم أننا نرجوه محققاً في الداخل؛ وفي الداخل فقط، ونرفضه بالقطع إذا هو جاءنا من الخارج. كيف يقوم الإصلاح -  كائناً ما كانت توجهاته - ونحن ممزقون مشرذمون لا نقوى على فعل الإرادة، ولا على احتمال ما يطرأ عليها من عوارض الهدم والانحلال. إنها آفة الإنسان المتخَلّف في كل مكان: ألَّا يقتدر، وألَّا يعتزم، وألَّا يصمد، وألَّا يتخلق بأخلاق الكرام، ثم يزعم - على البجاحة - أنه من أولئك المتميزين القدراء الأبطال !

للوقوف على مصدر القوة فينا ينبغي علينا إزاء التحديات التي تواجهنا أن ندرك أن القوة لا بد لها من "فكرة" موجهة تسيطر على الأذهان بمقدار ما تسيطر على الضمائر والقلوب. إن القوة الروحية في الحق هى المطلوبة، لأنه قوة الإسلام وحضارة الإسلام. ما في شك أن حضارة الإسلام تركز على أساس روحي غير الأساس الذي ترتكز عليه حضارة الغرب. ولن تكون هناك في الحق قوة غير مطلوبة ما دامت في ذاتها ساعية إلى تحقيق "الحق" الذي لا باطل فيه؛ لأن القوة الخلقية التي ننشدها هى قوة الضمائر والقلوب، وهى قوة العزائم الماضية التي يقرَّ المرء بوجودها وفاعليتها في الدين والحضارة والقيم الإسلامية، ولا يتصور غيابها إلا وينتكص ويتردى إذا هو أراد لنفسه مكانة، ولأمته ريادة بين أمم العالمين.

(وما هو واقع اليوم خيرُ مصداق عملي على تلك السيطرة المادية وغياب تلك القوة الروحية وغياب الأساس الروحي للحضارة الإسلامية؛ فالتنافس والنضال هما المظهر الأول للنظام الاقتصادي، وهو بدوره أول مظهر لحضارة الغرب. وما دام التنافس والنضال على المال هما جوهر الحياة، ومادام النضال بين الطوائف طبيعياً، فالنضال بين الأمم طبيعيُّ كذلك، وللغاية التي يقع من أجلها نضال الطوائف.

ومن ثمّ كانت فكرة القوميات أثراً محتوماً بحكم الطبيعة لهذا النظام الاقتصادي كما يقول الدكتور هيكل في (حياة محمد) . أمَا ونضال الأمم في سبيل المال طبيعيُّ، أمَا والاستعمار لذلك طبيعيُّ أيضاً (بشتى ألوان الاستعمار وبكل أشكاله الجديدة) فكيف يمكن أن تمتنع الحرب ويستقر السلام في العالم؟! إنما السلام في عالم هذا أساس حضارته حُلم لا سبيل إلى تحقيقه، وأمنية معسولة، ولكنها سرابٌ كذوب) (أ. هـ).

تلك هى - كما ترى - ثمار الحضارة الغربية على طول تاريخها. وتلك هى ثمار غرسها وسيطرتها على أرجاء هذا العالم الحيران، تقوم على الأساس المادي، وتجعل النظام الاقتصادي أول المظاهر الذي يُحقق للإنسانية الخير والتقدُّم.

ولم تكن حضارة الإسلام تتأسس على هذا الأساس، ولم يكن تصورها يخرج عن حضور القرآن الفاعل فيها، أو يخرج عن حضور تعاليمه الخلقية والروحيُّة المقرّرة لربط الدين بالحضارة لا باتجاه النظر إليه معزولاً عن الفعل والعمل والتأثير، ولا عن المبدأ العقدي الموصول دوماً بتغذية قيم "الوجود الروحي" في الإنسان على التعميم.

من أجل ذلك؛ ينبغي أن تكون "القوة" هى هى الحقيقة بكل سلام نسعى إليه ظاهر أو مطلوب. قالها شاعرنا العربي الممرَّس على فن القول نقداً لسعي العقول العربية سعي التخاذل والنكوص؛ حكمة ما أحرانا اليوم إلى ترديدها وتمثيلها في زمن التخلف والانكسار والانهزامية والعدوان:

خلاصةُ القضية تُوجَزُ في عبارة        لبسْنَا الحَضَارَة والرُّوح جَاهليَّة

أي نعم ! لبسناها قشرة خارجية لم تتغلغل فينا إلى الأعماق: تلك هى الحكمة التي تقرَّرت في وعي الأحداث بالعقول العربية: طبيعتها ومداركها وأصولها الثقافية والمعرفية، واهتماماتها الفكرية والحياتية ونبض الوقائع عليها؛ فهذه الحكمة - مما لا ريب فيه - هى التي تعكس وعي العقل العربي وطريقة تفكيره التي أثبتت الأيام قله نفعها أو بتعبير قدماء الفلاسفة مما ورد عن ابن رشد قلة "نزوعها إلى الصناعة"؛ وعدم جدوى تمثلها إلى القوة والمنعة والعدالة والإنصاف، ولو كان هذا العقل أمتلك بادئ ذي بدء قدرة على الفاعلية النقدية لطريقته في التفكير، ولآثاره في الصناعة التي ينزع إليها بمختلف ألوان النزوع على شتى طرق التحصيل يرومها من وراء العلوم والمباحث والنظريات؛ لكانت رؤيته الآن غير رؤيته في أزمنة مضت وأيام سلفت، ولكنه في الواقع عقل غير معقول الرؤية، يفتقر إلى معقوليَّة النظرة النقدية ومرجعية الإدراك، ويسمح بتداخل الأنماط اللاحقة عليه من مختلف نواحي النظر غير المعقول، لا لشيء إلا لأنه كان تعوَّد منذ البداية؛ مما كان قد لحقه من اختلاط القيمة بالنقيصة والرأي بالهوى، على لا معقولية النظرة المنصفة، تماماً كما تَعَوَّد أن يكون لإدراكه شيءٌ من العبث الذي يثقل كاهل العلماء والمفكرين بإزاحة أستاره من أجل وضوح الرؤية.

وإذا أردنا أن نبتغي "إصلاحاً" عاماً على الحقيقة لا من طريق المجاز، فوق ما نريده من الإصلاح "الفكري" على وجه الخصوص، علينا أن نحدِّد عوائق تقدُّم العقل العربي بدايةً قبل الدخول في مسألة إصلاحه، بمعنى إزالة هذه العوائق قبل غَرْسِ الجديد، أي إزالة ما لا ينبغي، تهيئة واستعداداً لما عَسَاه ينبغي، وذلك لأن كلمة "الإصلاح" كلمة جليلة مُهَابَة لا يقْدِم عليها سوى الأبطال، تعبَ المفكرون في تنظيرها وتوالت معطياتهم فيها عبر تاريخ الوعي العربي تترى من أجل خدمة أوطانهم ومعتقداتهم، ولكي يحفظ التاريخ آثارهم في الفكر والواقع، وفي تنظير الفكرة الإصلاحية، وتقنين مستوى الأداء على ذلك الواقع الذي يأملون تغييره، فيحوّلون زاريا السلب فيه إلى مزايا الإيجاب.

ولعَلَّ أول العوائق التي تعوق العقل العربي عن الرؤية الواضحة هو: ضبابية اللغة التي تكرس ضبابية الفكر من الوهلة الأولى، ثم التعبير عن هذا الفكر بلغة معقدة اصطلاحية جافة منقولة من الغرب لا هى بغربية أعجمية صرفة، ولا هى بعربية فصيحة قُحَّة، لا روح فيها ولا إحساس، لغة مُرَقّعَة أو قرعاء تصيب العقل بالغيبوبة الفكرية، ولا تقدمه قيد أنمله نحو هدف الفاعلية التطبيقية، يستخدمها بعض المثقفين ليُقال عنهم جهابذة متفردين في تخصصاتهم ومطالعاتهم لكتب الغرب واصطلاحات كُتَّابه النّوَابِه!

فلئن أفادت هذه اللغة بعض المتخصصين بين قاعات الدرس، فهى لا تفيد المجموع العريض مِمَّن يُراد لهم أن يفهموا، وأن ينهضوا، وأن يتقدموا، وأن يتحدوا، بل على العكس تصيبهم بالإحباط والتراخي ثم العزوف عن القراءة والتحصيل. هذه اللغة القرعاء تدلُّ من أول وهلة على أن الفكرة التي تريد توصيلها، والرسالة التي تنهض من أجلها هما كذلك فكرة قرعاء، ورسالة قرعاء.

وإذا قطعنا النظر عن الترقيع في التعبير والتفكير عرفنا الفكرة إنْ هى إلا خاطر يخطر، ويتفاوت قوة وضعفاً حين يخطر، فإذا وجد هذا الخاطر مدداً من الألفاظ الدالة على خَطْرَته، صيغ بوضوح نفهم منه دلالة الفكرة في رحم العقل. أما إذا عبَّرتَ عن خواطرك بقلق واضطراب فيما تريد أن تعبِّر عنه من خواطر جاءت أفكارك وكأنها لا تمتُ إلى عالم التفكير بصلة، لكأنك التقطتها التقاطاً من ألسنة الناس وأفواه المتحدثين (كالثقافة الشفاهيّة لا تستند إلى حصيلة فكرية مقرَّرة بآثار التدوين)، غير مشيرة إلى ذات نفسك، ولا هى ماضية حسبما تريد إلى غايتها في باطن النفس كما أردت لها أن تكون؛ لأن قلق التعبير واضطرابه معناه قلق في التفكير واضطراب في تصورات الإدراك الذهني.

ونقطة أخرى نجليها في هذا الصدد وترتبط بقمة العمل الإبداعي، وهى أسبقية الشعور على الفكر؛ إذْ لولا فيض الشعور بحركة الانفعال ما كان هنالك إبداع أصلاً، وعلى الشعور يستند الفكر عندنا، لا العكس؛ فكم ألهمت العواطف والوجدانات كبار الكتاب صوراً ساحرة وألهمت الشعراء تشبيهات بديعة وأخيلة فاتنة خلابة، ربَّما ينتهي التفكير دائماً إلى لغة، هذا صحيح، بل لا سبيل إلى المنطقي والسامي منه بدونها، لكن التفكير نفسه يستند إلى فورة الشعور ودفقة الوجدان، ولا يستند الشعور على الفكر عندنا أبداً، وقديماً قال أفلاطون:" إنَّ التفكير كلامٌ نفسيِّ "، أي شعوري.

وهو ما أصابه الشاعر العربي تعبيراً صادقاً وحكمة جلية ساطعة بقوله:

إنَّ الكَلامَ لفي الفُؤَاد وإنَّما         جُعِلَ اللَّسَان على الفؤاد دَلِيلَاً

كل ما هو في الباطن من حوافز شعورية، هو بمثابة الأصل الأصيل، تقوم عليه عناصر اللغة: وجدان وعاطفة، وفكر ورأي، وبيئة ومجتمع، ومدلولات ودوال.

أي نعم! قلقُ التعبير واضطرابه معناه قلقٌ في التفكير واضطراب لاشك في الإدراك الذهني؛ إذْ مراعاة اللفظ لتوصيل المعنى لازم كمراعاة المعنى في حقيقة اللفظ، كما يقول الشيخ زرُّوق في "قواعد التصوف"، فلزم ضبط المعاني في النفس (أولاً) ثم ضبط اللسان في الإبانة عنها، والأصل المتكلم في الأول أصلٌ في الثاني؛ فمن هذا الوجه وضع الأئمة لحن العامة، ونبهوا على وجوه الغلط في العبارات. وربما كفِّر وبُدِّع وفسِّق محقق لقصور عبارته عن توصيل مقصده بوجه سليم عن الشَّبَه، وأكثر ما وقع هذا الفن - على حد تعبير الشيخ زَرُّوق- كان للصوفية حتى كثُر الإنكار عليهم أحياء وأمواتاً. وربَّما قُبِلتَ الحقيقة من رجل، ولم تُقبل من الآخر، بل ربما قُبلت من شخص في وقت ورُدَّت عليه من آخر، وذلك لإتحاد لفظها ومعناها.

هذا دليلٌ يعطيه الشيخ زَرُّوق على أن قلق التعبير يحمل مساحة كاشفة عن اضطراب الباطن وتوتره، فيؤدي اضطراب الباطن إلى اضطراب الإدراك وتوتر الإفصاح. وعليه؛ يلزم ضبط المعاني في النفس أولاً، فإذا غَابَ الإلزام ووقع الصوفية في هذا الجانب من غيبة ضبط المعاني؛ فلتجاربهم الروحيّة مع الواحد الحق، وإنها لتجارب يَلزَم عنها التوتر كما يلزم الاضطراب. وإنه ليتحفنا بنص آخر له دلالاته في هذا المساق من حيث ارتباط اللفظ بالمعنى فيقول:" يُعتَبر اللفظ بمعناه، ويؤخذ المعنى من اللفظ؛ فكلِّ طالب اعتنى باللفظ أكثر من المعنى، فإنه تحصيل المعاني وكل طالب أهمل اللفظ كان المعنى بعيداً عنه، ومن اقتصر على فهم ما يؤديِّه اللفظ من غير تَّعمُّق ولا تتبُّع كان أقرب لإفادته واستفادته، فإنْ أضاف لفهم المعنى أجزاء النظر في حقيقته بأصوله اهتدى للتحقيق؛ إذْ العلوم إنْ لم تَكُنْ منك ومنها، كنت بعيداً عنها. فمنك بلا منها فساد وضلال، ومنها بلا منْكَ مجازفة وتقليد، ومنها ومنك توقف وتحقيق، ولذا قيل: قِفْ حيث وقفوا ثم سِرِّ ..!".

قِيمةُ اللفظ في أصالته ومعناه، وهو مع هذه الأصالة وذاك المعنى يُسَاير في الوقت نفسه عمليَّة التفكير. ومن التفكير العالي والراقي والمستنير ما يحتاج إلى ألفاظ خاصَّة (دالة) كيما تعبَّ فيها دلالات الوعي وأنشطة الفكر، ووهج العناء فيما تمخَّض عنه عقل المفكر وذوق البصير حين فكر كلاهما وأراد التفكير والتعبير.

والأمر الثاني الذي نراه عائقاً من العوائق التي تعوق مسيرة العقل العربي عن الرؤية الواضحة هو غيبة الإدراك للطريق إلى معرفة النفس، ومن ثم غيبة السعي فيه. والطريق إلى معرفة النفس ليس هو الطريق الذي يترائى لكل إنسان ولا لأي إنسان؛ فمعرفة النفس طريق معرفة الرَّب بغير مُنَازَع، ولكنه الطريق الذي يحمده كل إنسان يصلح لمعنى الإنسانية ويحملها حقيقة بغير مجاز واقعة حاضرة في جوفه.

مَنْ مِن الناس يجزم: أن معرفة النفس طريق سهل في جميع الأحوال أو في بعض الأحوال؟ إنه لمن الصعوبة بمكان معرفة الطرق التي نعرف بمقتضاها أنفسنا؛ إذْ أن معرفة النفوس لذواتها تقتضي مشقة "الجهاد"، وليس الجهاد في كل الأحوال بالأمر المتاح؛ لأنه يعدُّ النفس إعداداً لأن تقف وجهاً لوجه أمام رغائبها وشهواتها ورعوناتها وملذاتها، ثم يأمرها أن تتخلى عن ذلك كله أو بعضه؛ عَسَاها بما تفعل، تدرك أنها بلا شك مأمورة من قبيل العقل والإدراك العلوي بأوامر صارمة قلَّ أن تمكنها بالانصياع إلى ما تحب وتهوى من فنون التضليل.

وأحياناً كثيرة تكون النفس مفتونة بكل ما تأتيه من أعمال وأقوال؛ فلا يعز عليها شيء قط مقدار ما يعز عليها ويؤلمها "قانون الاحتجاب". وقانون الاحتجاب هذا لهو أوفر ما يخلص النفس من أدرانها وآفاتها ومن مثالبها وسيئاتها، فهو قانون الإرادة الدامغ وقانون العزيمة، لا تحتاج النفوس في تقويمها أكثر من التشبث بهذا القانون سلاحاً تتخذه ضد عوامل الضعف والخنوع والاستسلام وحيث هى أرادت صادفها قانون الاحتجاب، فحجب عنها الهوى، وأوقفها أمام ذاتها مجردة عن ملابسة الأهواء، وحيث هى نزغت تولاها هذا القانون بالردع والتقويم والاحتجاز.

ولكن الضعف أمضى فتكاً بالنفوس من هذا القانون أحياناً كثيرة، تستمرئ النفس فيه ضعفها وخنوعها ولذائذها، ولا تقوى على فعل شيء من عمل الخيرات، كل ما هنالك أنها تقف خانعة مستسلمة أمام بطش النزوات، وكلما عالجتها بشيء أقرَّت فعل هذا الشيء وهناً في غير احتساب، وسَوَّفت، وماطلت، وأوهمت صاحبها أوهام الخذلان في كافة الأحوال . ومن ها هنا؛ كان الطريق إلى معرفة النفس ومعالجتها العلاج الناجع أمراً بالغ الصعوبة. مَنْ ذا الذي يقتدر في نفسه على مواجهة الحقائق الناصعة ثم لا يدكدك فيه الهوى القدرة على المواجهة؟ ومَنْ ذا الذي يصوم بعض الدهر لا كله عن النوازع والرغائب والمشتهيات، ثم لا يجد في نفسه أعنف آيات التمرد والعصيان؟

إن الحرية الحقيقية هى حرية الروح في إدراك قوتها وسيطرتها على الأبدان؛ فما لم تكن في ذاتك قادراً على التحرر من أوهام النفس وجبروت الهوى فلن تكون حراً؛ فبمقدار حريتك عن الانسياق وراء أوهام النفس، تتحدد فيك المسئولية؛ إذْ معنى كونك حراً إنك مسئول مسئولية كاملة عن كل فعل وكل قول وكل حركة وكل تصريف.

وقديماً قال ابن رشد: "إن قطع الشهوات شرطٌ في صحة النظر"، وليست الشهوات قاصرة على الشهوات الحسية فقط، بل ينضاف إليها الشهوات المعنوية وحظوظ النفس؛ وما أكثرها جناية على بني الإنسان. ومن أجل ذلك؛ صار قهر نوازع النفس يورث بالضرورة صفاء العقل، وعلى صفاء العقل تتحدد المسئولية. والعقول التي لا يتقرر فيها وعي المسئولية هى العقول التي تلبست بأمراض النفوس المستشرية لدى أصحابها، فوقفت أجوافها المسمومة بأمراضها اللعينة إزاء صفاء العقل، فأظلمت رؤيته الواضحة أو التي يُفترض فيها مسبقاً أن تكون واضحة، ثم تلبَّدت غيوم الحقيقة فصارت الغشاوة "جوانيَّة" قبل أن تكون "برَّانيَّة": داخلية قبل أن تكون خارجية، باطنة خفيّة قبل أن تكون ظاهرة جلية، وغابت في هذه الظلمة النفسية الحالكة معالم المصارحة والشفافية بغياب الحريات بصفة عامة، وحرية التعبير ومن قبلها بالطبع حرية التفكير.

وينعكس ذلك كله على تلك الأحوال المتردية في الواقع الفعلي، فترى البلاد العربية تنطبع بطابع الاستبداد والاستعباد والقهر والتسلط، ويسهل بالتالي لانتشار الفساد، وشيوع قنواته المنظمة، ثم عبادة الاستبداد وتضخم الأنانية البغيضة؛ كل قوانين "الغاب" لتصل شعوب المنطقة في النهاية إلى حالة الانهيار والفقر والعوز والتخلف والعدوان ثم والحرمان من أدنى الحقوق كما هى عليه الآن.

هذا الضعف الروحي يقهر العقل العربي لا محالة، وهذا الفقر المعنوي يسلب من الوجود العربي أعز ما يملك، ويجعله فريسة سهلة أمام من يفتك به أو يريد الفتك به، ليكون؛ وهو في قبضة الاحتلال الأجنبي؛ سيادته مفقودة، وكرامته مهدرة، وإهانته متعمدة، وإذلاله واقع أسود ومرير؛ أوَ نَنْسَى ما كانت تفعله القوات الأنجلو - أمريكية مع العراق بداية من تعمد إذلال النساء علناً، والرجال، وبصورة قبيحة كما جرت قبل سنوات في "سجن أبي غريب"، وانتهاءً بتعمد ترويج الإهانة كما ظهرت في قصة الاعتداء الجنسي على الرئيس صدام حسين !

وعلى أيه حال؛ ما كان ممكنا أن يحدث ذلك كله لولا الذي فعلنا نحن بأنفسنا؛ وإنه لمن الوهم العالق في الرؤوس المطموسة بما تمدها شراهة النفوس الطاغية؛ أن يتصور البعض منَّا إن الإصلاح يجيء دائماً مبتعثاً من الداخل في غير وعي من جانبه لمعنى هذه الإشارة ومرماها، إذْ كيف يجيء الإصلاح من الداخل والنفوس في الغالب خربة، والضمائر تلفانة، والأفئدة من جراء تعلقها بالزائل في كل حال، خواء في هواء لا تقوى مطلقاً على النهوض بالعبء الوطني، والعقدي، والفكري، والثقافي؛ وسائر الأعباء المفروضة عليها لا من الخارج، بل من قبل الواجب الخلقي على أقل تقدير.

يتوهم كثير من الناس أن نشدان الإصلاح في جميع مرافق الحياة، لهو الأمر الذي نرمي إليه في مستقبل الأيام الجديد؛ وبخاصة إذا جاء الإصلاح مفروضاً من الخارج، تراهم على صوت رجل واحد يجمعون على أن الإصلاح يبدأ من الداخل.

وهذا صحيح، ولكن لِمَ لَمْ يؤخذ ممحصاً في الاعتبار أن معنى كون الإصلاح إذا هو بدأ من الداخل أن تجيء معه النفوس في مجملها وتفاصيلها على استعداد نقيِّ لتلقيه؛ وإنها لبالفعل صادقة على أهبَّة الإخلاص في السعي فيه؛ وإنه إذا لم تكن في توخي عملية الإصلاح برمتها (أي سياسياً، واجتماعياً، وثقافياً، وخلقياً) على ذلك الاستعداد في الإخلاص، وقعت لا محالة في مفارقات عجيبة تواجه الباطن العميق والبنية الجُوَّانيَّة قبل أن تواجه الظاهر المرئي والقشرة السطحية والغلاف البرَّاني.

عائقان أحدهما ظاهر والآخر باطن، في نفس الوقت يحجزان العقل العربي عن المضيء قدُماً نحو فريضة الإصلاح. الأول: اللغة المتردية والإسفاف فيها، ثم تشجيع الابتذال وتكريم المبتذلين لكي يخربوا العقول ويفسدوا الضمائر تحت اسم "التجديد المختلق"، ثم تمنح لهم الجوائز نظير الفساد والتخريب!

والثاني: وهو الأمر الباطن: وجوب معرفة النفس وتنقية الضمائر لتكون جديرة بتحمل التبعات. لا إصلاح بغير التنبّه المقصود لهذين العاملين، ولا تقدُّم للعقل العربي مطلقاً وهما خاملان لا ينشطان. أبدئوا بالتربية الروحية والعقلية قبل أن تشرعوا في محاربة الفساد من مؤسساتنا المعنية.

لأجل هذا - لا قبل هذا - فلا يتمَّ الإصلاح وعالم الإنسان الداخلي مصاب بلوثة فكرية وروحيَّة، يطفح بالوهم والمرض والاتّسَاخ وسائر ألوان الآفات؛ فتغيير النفوس، من ثمَّ، إذا لم تكن هنالك تربية روحية جادة وفاعلة، يكاد يكون من أمحل المحالات.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

كاظم المقداديمشكلات ساخنة في النظام الصحي

يسلط تقرير وزير الصحة والبيئة الأستاذ الدكتور علاء الدين العلوان الموسوم: "الوضع الصحي في العراق.. التحديات وأولويات العمل"، اَيار 2019، الضوء على العديد من المشكلات الساخنة التي يعاني منها النظام الصحي، نعرضها بإيجاز:

تمويل النظام الصحي

يشير التقرير الى معاناة النظام الصحي في العراق من شحة التمويل وتدني الأولوية الممنوحة للصحة في الموازنة الحكومية. منوهاً الى ان الطريقة التي يتم بها تمويل النظام الصحي لها تداعيات مباشرة على قدرة الأفراد على الوصول الى رعاية صحية جيدة، وان شحة التمويل للخدمات الصحية الأساسية تؤدي الى تعرض المواطنين لمصاعب مالية أو الوقوع في براثن الفقر نتيجة الأنفاق المباشر على الخدمات الصحية التي هم بحاجة ماسة إليها.

وبين التقرير بكل صراحة بأنه على الرغم من ان الدستور يكفل الرعاية الصحية بوصفها حق أساسي لجميع المواطنين، بيد ان التمويل الصحي في العراق شهد تغيرات جوهرية، منتقلآ من نموذج الدولة المرفهة التي يقدم فيها القطاع العام الرعاية الصحية المجانية، الى تأسيس نظام التمويل الذاتي وجباية رسوم مقابل طيف واسع من الخدمات الصحية.

ويؤكد التقرير بان عدم إعتماد الصحة والبيئة أولويات أساسية في برامج الحكومات المتعاقبة أسهم الى حد كبير في التدهور الذي اَل إليه الوضع الصحي في العراق. وأوضح بان إجمالي الموازنة الحكومية للعام 2019 بلغ نحو 133 تريليون دينار، إلا ان التخصيص المقدم لقطاعي الصحة والبيئة مجتمعين يبلغ 6 تريليون فقط، أي بنسبة 4. 5 %، وهي نسبة متدنية مقارنة بمعظم بلدان العالم الأخرى. وكمثال على ذلك فان حصة الأنفاق العام كنسبة من اجمالي الأنتاج المحلي GOP)  لسنة 2015 بلغت أقل من 1 % في العراق، مقارنة بـ 3. 6 % في الأردن و 3. 8 % في لبنان و 4. 1 % في إيران [15]. ويُعدُ الأنفاق الصحي للفرد الواحد في العراق مثال لأدنى في المنطقة، حيث قُدرَ بـ 152 دولار في عام 2015، مقارنة بـ 366 دولار في إيران و 257 دولار في الأردن. وتبين بينات البنك الدولي نفس الحقيقة بالنسبة للإنفاق الصحي من إجمالي الموازنة الحكومية في دول العالم[16].

وبين التقرير بان إهمال القطلع الصحي من قبل الحكومات المتعاقبة، والتمويل المتدني بشكل خاص خلال السنوات الماصية، أدى الى بنية تحتية غير كافية من مستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية التي تفتقر الى الإدامة وقلة الموارد البشرية وسوء توزيعها. ونتج عن ذلك فجوات كبرى في الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية، وأعباء مالية على الطبقة الفقيرة بسبب الرسوم المفروضة على المرضى، وتزايد معدل الأنفاق الشخصي على الصحة. إذ تشير المؤسسات الصحية الدولية الى ان نسبة تزيد على 70 % من تكاليف الرعاية الصحية يتحملها المريض العراقي أو ذووه [17]، مع ان منظمة الصحة العالمية توصي بان لا تزيد هذه النسبة على 30 % لضملن الحماية المالية وتفادي التعرض للفاقة والعوز.

ونبه التقرير الى ان تمويل الصحة في العراق بصورته الحالية لا يمكن ان يستمر إذا أراد العراق ان ينتشل النظام الصحي من تراجعه وإخفاقاته. ومثال على ذلك، ان المبالغ المخصصة للأدوية والمستلزمات الطبية في الموازنة الحالية، التي تبلغ 1. 5 تريليون دينار، لن تكفي لتغطية الأحتياج الكلي حتى من الأدوية الأساسية، خاصة وان البلد يعاني من أزمة دوائية خانقة، وان جزء من هذه المبالغ سوف يستخدم لأطفاء ديون سابقة للشركة العامة لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية، التي تتجاوز نصف تريليون دينار.

حيال هذا، لخص التقرير الرسائل الرئيسة للتمويل الصحي في العراق بالآتي:

- لا يتماشى إستثمار الحكومة في الصحة والبيئة مع التحديات الهائلة ومتطلبات إصلاح النظام الصحي وإنتشاله من كبوته.

- لا تتفق حصة الصحة من الموازنة الحكومية مع إحتياجات المواطنين والتوجهات العالمية، إذ يعد إنفاق العراق على الصحة من المستويات الأوطأ في العالم.

- هنالك تفاوت كبير وعدم مساواة في الحصول على الرعاية الصحية الأساسية بسبب المعاناة المالية. وهذا يمثل عقبة كبيرة أمام تحقيق التغطية الصحية الشاملة، وهو الهدف الذي تسعى دول العالم الى تحقيقه.

- فقر الأنفاق الحكومي على الصحة وغياب الحماية المالية يقودان الى ضعف أداء القطاع الصحي وتدني مستوى الخدمات الصحية.

- إضطرار الطبقات الفقيرة من المجتمع الى الأنفاق على الخدمات الصحية المُكلِفة يؤدي الى تفاقم الفقر، والى نتائج سلبية على التنمية الوطنية.

ودعا التقرير الى ضرورة إلتزام السلطات التشريعية والتنفيذية بإعتماد أولويات وإجراءات فعالة لتحسين أداء نظام التمويل الصحي. مؤكداً ان تعزيز الحماية المالية في الصحة، من خلال تحقيق التغطية الصحية الشاملة، هو الأستراتيجية السليمة لإصلاح النظام الصحي في العراق. ولن يتم ذلك إلا بزيادة الموارد المخصصة للقطاع الصحي.

القوى العاملة الصحية

يؤكد التقرير بان القطاع الصحي يعاني من تحديات عديدة في مجال القوى الصحية العاملة، وأبرزها:

1- نقص أعداد العاملين من الأطباء والملاكات التمريضية، وسوء توزيع هذه الملاكات، وعدم كفاية التدريب، فضلآ عن ظروف عمل غير ملائمة طاردة للكفاءات:

2- إعتماد الرؤية الواضحة والتخطيط الأستراتيجي، إذ تدار القوى العاملة الصحية حالياً بعيداً عن الأساليب الحديثة لإدارة الموارد البشرية، فضلآ عن تأثرها بالضغوطات السياسية والممارسات اللامنهجية. ويفتقر العمل الحالي في هذا المجال الى تخطيط واضح وعدالة في توزيع الموارد البشرية، وهناك حاجة لمستوى أعلى من التنسيق بين النظام الصحي والمؤسسات التعليمية التي تديرها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

3- التطبيق غير المدروس للامركزية، إذ أدى نقل صلاحيات القطاع الصحي الى الحكومات المحلية في المحافظات بشكل غير مدروس، الى ممارسات خاطئة، والى مضاعفة الثغرات وسوء التوزيع في إدارة الموارد البشرية، وإعاقة التصدي للمشكلات القائمة. لذلك من الضروري ان يتضمن إصلاح النظام الصحي إعداد برنامج متكامل يستهدف توفير المعايير والمتطلبات الأساية للعمل في المراكز الصحية، وخطة واضحة لإعداد أطباء أسرة لسد الأحتياج، وإجراءات مجدية لتحفيز الأطباء وتشجيعهم للإلتحاق في برامج تدريب طب الأسرة .

البنية التحتية وتقديم الخدمات الصحية

يورد التقرير أعداد المراكز الصحية، بنوعيها الرئيسي والفرعي، حيث يبلغ مجموعها 2765، منها 1336 رئيسية و 1429 فرعية. ويشكل مجموعها الحالي نسبة 7. 2 لكل 100 ألف نسمة.

ويؤكد التقرير النقص الشديد في عدد المراكز الصحية الأولية وفي إمكانياتها، وحاجة العراق الى مضاعفة الأعداد المتوفرة حالياً، حيث تشير بيانات وزارة الصحة الى حاجة العراق الى نحو 3000 مركزاً صحياً أولياً رئيساً.

أما عدد المستشفيات بنوعيها (الخدمات الثانوية والثلاثية) فيبلغ 281 مستشفى، ويشكل مجموعها نسبة 0. 7 لكل 100 ألف نسمة[18]. وهي نسبة قليلة جداً..

ويؤكد التقرير ان البنية التحتية الصحية تعاني من غياب إدامة الأبنية ومرافقها وتطويرها، ومن نقص كبير في توفير الأجهزة والمستلزمات الطبية. وهذا بمجمله يؤدي الى ضعف مستوى وجودة الخدمات التي تقدمها.

الخدمات الصحية للنازحين

يشير التقرير الى وجود أعداد كبيرة جداً من النازحين في المخيمات وداخل المدن العراقية، وخاصة في شمال العراق. وتقدر وزارة الهجرة والمهجرين عدد الأسر النازحة حالياً بأكثر من 708 اَلاف أسرة [19]، في حين تشير المنظمة الدولية للهجرة الى وجود 1. 7 مليون نازح[20]. حيال هذا، قامت وزارة الصحة بإجراء تقييم ميداني للخدمات الصحية التي تقدم للنازحين في شهري تشرين الثاني 2018 واَذار 2019 لتشخيص الأحتياجات الأساسية، مثل النقص في الأدوية التي ينبغي ان تتوفر بشكل أكبر وخاصة لسكان المخيمات.

الخدمات الصحية الوقائية

يتضح من تقييم الوضع الصحي في العراق- يؤكد التقرير- عدم كفاءة أداء عدد من البرامج الصحية الوقائية، وخاصة تلك التي تتصدى للعبء المرضي الرئيسي (الأمراض المعدية، وغير الأنتقالية المزمنة، والمخاطر السلوكية والبيئية). ومثال على ذلك ما أظهره المسح العنقودي متعدد المؤشرات، الذي أجرته وزارة التخطيط ووزارة الصحة ومنظمة اليونيسيف عامي 2011 و 2018، من عدم وجود تحسن في التغطية باللقاحات الأساسية ومكافحة الأمراض المعدية لدى الأطفال، إذ لا تزال هذه التغطية تتراوح بين 60- 70 %، مقارنة بأكثر من 95 % في إيران والأردن. وبذلك لا يحصل ثلث الأطفال في العراق على اللقاحات الأساسية. أما فيما يتعلق بالحصول على جميع اللقاحات، فلا تتجاوز النسبة 50 %، مقارنة باكثر من 80 % في الأردن. وتعود أسباب هذا التراجع الى عدم كفاءة برامج التحصين ضد الأمراض، وقلة مراكز الرعاية الصحية الأولية. ومن الواضح ان برنامج التحصين في العراق يحتاج الى مراجعة شاملة.

الصحة الأنجابية ورعاية الأم والطفل

يقول التقرير بصراحة ان هنالك فجوات مهمة في الخدمات التي تقدمها وزارة الصحة في مجال رعاية الأم والطفل والصحة الأنجابية على المستويات الثالاثة: الأولية والثانوية والثالثية، وتباين كفاءة هذه الخدمات وجودتها بحسب المناطق الجغرافية ونوع مؤسسات الرعاية الصحية. ويتضمن التقرير أشكالاً توضيحية بشأن إنخفاض نسبة الولادات التي تتم على أيد ماهرة، وهي إحدى المؤشرات الأساسية لمثل هذه الخدمات.

ويتناول التقرير وفيات الأطفال التي ما تزال في العراق أعلى من أغلب بلدان المنطقة وبشكل ملحوظ [21].

ويؤكد التقرير، بالإستناد الى البيانات المتوفرة، ان نحو ثلث الأمهات في سن الإنجاب لم تتوافر لهن رعاية صحية كافية في أثناء الحمل[22]. وان أكثر من ثلث مراكز الرعاية الصحية الأولية غير متكامل الوظائف والأمكانيات، وغير قادر على تقديم جميع الخدمات المطلوبة وفق المعايير الدولية. ويتزايد إجراء العمليات القيصرية وتبلغ نسبته حالياً 35 %[23]، مقارنة بالمعايير المقبولة والتي لا تتجاوز الـ 15 %. .

ويشير التقرير الى ان معدل الخصوبة في العراق يُعدُ من أعلى المعدلات في المنطقة، إذ يبلغ 3. 6، فضلآ عن إنخفاض نسبة إستعمال وسائل تنظيم الأسرة الذي يوازي نحو 50 % من الأناث في مرحلة الأعمار الأنجابية[24]. ويقول التقرير أنه تجري حالياً إعداد ورقة عمل لأستراتيجية مُحدثة لتنظيم الأسرة في العراق من قبل وزارة الصحة والبيئة وصندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمات الأمم المتحدة الأخرى لمناقشتها مع القطاعات الحكومية الأخرى والمجتمع المدني.

الأدوية والتقنيات الطبية

يؤكد التقرير ان القطاع الصحي العام في العراق ظل يعاني نقصاً مزمناً في عدد كبير من الأدوية الأساسية طيلة العقدين الماضيين، غير ان هذا النقص إشتد منذ عام 2014 ووصل ذروته في عام 2018. ويبلغ عدد المستحضرات المقرة للتداول في العراق نحو 3000 مستحضراً دوائياً، منها 1166 مُقرة للتداول في المؤسسات الصحية الحكومية. وتعتمد وزارة الصحة قائمة للأدوية الأساسية تشمل الأدوية المنقذة للحياة، وتلك المستخدمة لتشخيص وعلاج الحالات الشائعة والمزمنة، فضلآ عن أدوية السرطانات واللقاحات. وتحتوي هذه القائمة على 531 مستحضراً.

ويشير التقرير الى ان المراجعة المفصلة للوضع الدوائي لعام 2018 بينت ان 12 % فقط من ألأدوية الأساسية توفرت بشكل كامل، في حين غاب نصف أدوية هذه القائمة نهائياً طيلة العام 2018. وهذا يعني ان مراجعي المستشفيات والمراكز الصجحية، بما في ذلك المرضى الراقدين فيها، إضطروا لشراء هذه الأدوية من القطاع الخاص وبتكلفة تفوق الأمكانات المادية لكثير منهم.

وتناول التقرير مشكلة أخرى تتعلق بالإستخدام غير الرشيد للأدوية التي تؤثر سلباً في توفير الأدوية الأساسية. فهنالك مؤشرات واضحة على إنتشار هذه الظاهرة في القطاعين العام والخاص، وعدم الألتزام بالضوابط ألأساسية لوصف وصرف الأدوية بشكل عام والأدوية الحساسة، مثل المضادات الحيوية والأدوية المتخصصة، مثل أدوية السرطان والأمراض النادرة، بشكل خاص.

وكشف التقرير بان وزارة الصحة لا تمتلك إمكانيات وخبرات كافية في مجال إقتصاديات الصحة، وهذا ما ينعكس سلباً على كفاءة الوزارة وأدائها في مجال إنتقاء الأدوية والأجهزة الطبية ومستلزماتها، لاسيما فيما يتعلق بتوريد أدوية باهظة الثمن لعلاج أمراض مزمنة شائعة دون ان يكون لها تأثير أكثر إيجابية، مقارنة بأدوية أخرى متداولة، مسببة هدراً في الموارد الشحيحة.

وتناول التقرير الوضع الدوائي في القطاع الخاص، واصفاً إياه بالخطير وغير المنضبط ويبعث على القلق الشديد. وعلى الرغم من عدم توفر بيانات دقيقة فان هناك ما يشير ان نسبة كبيرة جداً قد تصل الى 60-70 % من الأدوية المتداولة في الصيدليات الخاصة والمذاخر قد لا تستوفي متطلبات التداول من حيث عدم إقرارها أو تسجيلها أو إخضاعها لفحوصات الرقابة الدوائية. وما تم تسعيره من قبل وزارة الصحة ونقابة الصيادلة لا يتجاوز نسبة 20 %. وتعود أسباب هذه الفوضى الى دخول الكثير من الأدوية بشكل غير قانوني ودون رقابة في المنافذ الحدودية، والى عدم كفاءة التفتيش والرقابة الصحية في وزارة الصحة، فضلآ عن الإجراءات المعقدة التي كانت تعتمدها الوزارة في تسجيل المستحضرات والشركات ومنح إجازات الأستيراد.

الأستعداد للطوارئ والإستجابة لمتطلبات اللوائح الصحية الدولية

كشف التقرير بان العراق لم يتمكن حتى الآن من تحقيق المتطلبات اللازمة لتطبيق اللوائح الصحية الدولية الخاصة بالوقاية والكشف المبكر عن الأمراض والإستجابة للمخاطر الصحية والأوبئة التي يجب ان تلتزم بها كل دول العالم. ولم تكن هنالك جهود تذكر من أجل تعزيز القدرة الوطنية للإستجابة لهذه المتطلبات. وتتركز مواطن الضعف في الكثير من المجالات، مثل قدرة المختبرات الوطنية وإمكانياتها، والسيطرة على العدوى، ورصد المخاطر الصحية، بما في ذلك الكيمياوية والإشعاعية والبيولوجية، وضعف السيطرة على المنافذ الحدودية، كالمطارات والموانئ ونقاط التبادل التجاري البري، والسيطرة على الأمراض حيوانية المنشأ، وسلامة الغذاء.

وفي هذا المجال تناول التقرير خدمات نقل الدم وتقويتها، معتبراً تعزيزها من أهم مجالات العمل الوقائية من إنتشار بعض الأمراض المعدية الخطيرة، مثل إلتهاب الكبد الوبائي ومتلازمة نقص المناعة المكتسب (الأيدز). وقد تبين من زيارة مراكز نقل الدم قصور خطير في أوجه عديدة من عملها.

وتناول التقرير السلامة الغذائية وضرورة ان تكون هنالك خطة أستراتيجية وطنية وخطة عمل متكاملة للسلامة الغذائية في العراق، تعدها وتنفذها القطاعات المعنية، وفي مقدمتها الصحة والزراعة.

نظام المعلومات الصحية

أولى التقرير أهمية خاصة لنظام المعلومات الصحية، الذي يتصف بالكثير من نقاط الضعف في المكونات الثلاثة الرئيسية له، وهي:

* رصد المخاطر الصحية ومحددات الصحة.

* مراقبة الوضع الصحي بما في ذلك المراضة وأسباب الوفيات.

*  تقييم أداء النظام الصحي وقدراته.

وأشار التقرير الى أجراء تقييم منهجي شامل لمكونات نظام المعلومات الصحية، في كانون الثاني 2019، شارك فيه عدد من الخبراء الدوليين، وكشف وجود ثغرات مهمة وعدم إمكانية وزارة الصحة حالياً إعداد بيانات معتمدة لعدد كبير من المؤشرات الصحية الأساسية، وان البيانات والمعلومات التي يتم جمعها لا تستخدم بشكل منتظم في رسم السياسات الصحية وفي إتخاذ القرارات اللازمة. ولا تتوفر حالياً خطة واضحة لتقييم أستراتيجية القطاع الصحي ومتابعته، ولا يوجد برنامج فعال للأنظمة الصحية الألكترونية وتقنية المعلومات الصحية. كما تعاني الوزارة من ندرة الخبرات في إختصاصات متعددة، أهمها الوبائيات والإحصاء الصحي.

أما في مجال التسجيل المدني والإحصاءات الحياتية، فقد أظهر التقييم الشامل السالف ان هناك ثغرات مهمة في بعض الجوانب، وخاصة في مجال التسجيل الدقيق لأسباب الوفيات، إذ تبقى نسبة كبيرة من الوفيات دون تسجيل سبب واضح.

- يتبع -

 في القسم الثالث والأخير سنستعرض أولويات العمل التي وضعها الوزير، والتقدم الذي أحرزته إدارته، وخارطة الطريق نحو التغطية الصحية الشاملة، والتوجهات الأستراتيجية لإصلاح النظام الصحي في العراق. .

 

د. كاظم المقدادي أكاديمي عراقي مقيم في السويد

ستوكهولم، 14/8/2019

..........................

الهوامش

15-WHO, Strengthening Health financing systems in the Eastern Mediterranean Region, Health Financing Atlas, 2018

16-World Bank, World Development Indicators, 2015.

17-WHO, Strengthening Health financing systems in the Eastern Mediterranean Region, Health Financing Atlas, 2018

18-وزارة الصحة، قسم الإحصاء الصحي والحياتي، 2015.

19-تقرير أعدته وزارة الهجرة والمهجرين بتأريخ 24 / 3/ 2019.

20-المنظمة الدولية للهجرة، بعثة العراق بتأريخ 28/2/ 2019.

-21WHO,Health Statistics, 2018:

-22Ministry of Health, UNFPA and UNICEF, Iraq Emergency Obstetric and Neanatal Care Needs Assessment, 2014.

23-وزارة الصحة، التقرير الإحصائي السنوي، 2017.

24-الجهاز المركزي للإحصاء، المسح العنقودي المتعدد المؤشرات، 2018.

 

في الاستشراق يتحدث سعيد عن نقطة واحدة فقط، أنه على الغرب أن يفهمنا بشكل صحيح وأن يتعاطف معنا بشكل إنساني .. لا يتحدث سعيد عنا أبدا، إلا طبعا كبشر نساوي سادة العالم في الغرب، دون أن يحتاج ليقدم أية حجة أو مبرر عن كل فرضياته تلك ولا حتى ليحتاج إلى القول بأن البشر هم سواء فعلا .. لكن، بالفعل، لماذا على الغرب أن يكون موضوعيا معنا بالذات، لماذا على الغرب أن يفهم الإسلام ويدرسه دراسة وفهما موضوعيين ويتيح المنابر فقط لأولئك الذين يعرفونه كما نريد نحن لهم أن يعرفوه لا لمن يتحدث باسم مصالحهم أو الذين قد يكرهوننا أو يحتقروننا، لماذا على البشر أن يكونوا موضوعيين تجاه بعضهم، بل تجاه أغراب عنهم.. هل نحن، أو سعيد نفسه، موضوعيون تجاه الغرب أو تجاه كل البشر على هذه الأرض، تجاه الزنوج أنفسهم أو تجاه زنوجنا نحن: الأكراد والأمازيغ والأقباط، أو تجاه هنودنا الحمر: الأرمن والآشوريون، البنغال والهندوس بالنسبة لإخوتنا في باكستان وأهل تيمور الشرقية بالنسبة لإخوتنا الإندونيسيين، هذا ما لا يحتاج سعيد ولا أيا منا للإجابة عنه أو للالتزام به، إنه ونحن معه لا ننطق ولو بحرف عن أية موضوعية نفرضها على أنفسنا لا تجاه الغرب ولا تجاه أي بشر آخرين.. مثلا عندما يطالب إخوتنا الفلسطينيين يهوديا أو أمريكيا أن يعترض على جرائم دولته أو جماعته (قبيلته، عشيرته، قطيعه) بحقهم هم يفترض أن يعني هذا أنهم هم أيضا سيعترضون على مثل ذلك إذا صدر عن واحد من قبيلتهم، جماعتهم، عشيرتهم بحق شعب أو جماعة أخرى .. عندما تسمع إخوتنا الفلسطينيين يهيء لك أنهم بمجرد أن يسمعوا عن احتلال جماعة من الغرباء لأرض ليست لهم وطردهم لأصحابها الأصليين فإنهم سينضمون فورا للدفاع عن هذه الأرض وعن أصحابها .. حقا، ترى ماذا قالوا يومها عن حلبجة، الأنفال، عفرين، حماة، النجف، كربلاء، تيمور الشرقية، جرائم الباكستانيين بحق البنغال .. عندما يلوم أحرار السنة في سوريا آدونيس مثلا على عدم وقوفه ضد طائفته العلوية وجرائمها ضد أهلهم السنة فهذا يفترض أن يعني أنهم هم أيضا مستعدون للاعتراض عن جرائم إخوتهم في عفرين والساحل وعدرا وعن التهجير القسري في ادلب ورقة داعش .. للأسف نحن لا نكذب على الآخرين بقدر ما نكذب على أنفسنا، نحن في الواقع عراة أمام الآخرين كما أمام أنفسنا بالطبع، إن كلامنا مثير للسخرية أكثر مما هو مثير للشفقة، وعجزنا وعرينا مكشوفين أمام العالم، النخبة الليبرالية وحدها تستمع لنا وتصدق بعض ما نقول وتبتلع الباقي خوفا من تقدم أولئك الذين يزداد كرههم لنا يوما بعد يوم .. لم يناقش سعيد أبدا الفرضيات التي بنى عليها كتابه، التي هي في الواقع مقدمات غربية، غريبة عنا، جزء مما نرفضه ونسعى إلى تجريمه وتحريمه والقضاء عليه إن استطعنا إلى ذلك سبيلا .. إننا نحقد على الغرب ونحسده في نفس الوقت لأننا لا نستطيع أن نصير مثله، إننا ننفث الكراهية في كل دقيقة ضد سادتنا وعبيدنا في نفس الوقت، لا أعرف إلى أية درجة نحلم بإبادتهم جميعا لكن هذه الفانتازيا قد وجدت في إهلاسات محمد وتلامذته منذ زمن ويرددها أكثرنا كل يوم جمعة وآخرون كل دقيقة تقريبا ونجترها بأشكال مختلفة إسلاميين وليبراليين وقوميين وماركسيين، إن قصائدنا في الحقد والكره ليست فقط قمة في البلاغة بل أيضا قمة في الانحطاط، كنا قد حملنا معنا طويلا حلم الأبوكاليبوس وهرمجدون وذبح العجل المقدس وتعذيب كل خصومنا إلى الأبد دون أية رحمة أما اليوم فقد أصبحنا أنبياء هرمجدون الكبرى، الأبوكاليبوس، ليس فقط بسبب كآبة محمد أو عجز ابن تيمية الجنسي، بل لأننا أمام مهمة انتحارية في الواقع لا حل لها إلا بموت جماعي … لكن كي لا أفهم خطأ فإني لا أنتقد أحدا هنا ولا أرغب في تغيير أي شيء في هذا العالم أو أن أعيش في عالم آخر أو في زمان آخر ولا أتألم من كل هذا الهراء عن كراهية الآخر الممتزج بمازوخية الضحايا ولا من مشاهد الرؤوس المقطوعة أو الأشلاء المحترقة ولا هستيريا القطيع أو عربدة القتلة .. إن بارانويا الضحية وجنون كراهية الآخر وتكفير الإنسان وانتهاكه حتى ذبحه وسحله هي كالموسيقا العذبة على أذني، يا لها من فرجة بل يا لها من متعة، يا له من حظ استثنائي أن تشاهد كل ذلك، حتى أفخم استدويوهات هوليود أو ما كان قد يكون لم تكن لتنتج فيلم رعب رائع عن نهاية العالم كهذا .. يشعرني غثاء القطيع وعواء كلاب الرعاة بالنشوة وصرخات القتلة والقتلى الحقيقية أو المتخيلة تبعث في نفسي الفخر وسرورا لا يوصف، بل إنه الشيء الوحيد الذي يبعث على المتعة في هذا العالم بعد أن فقدنا كل أحلامنا أو أوهامنا ووقفنا عراة أمام أنفسنا ونحن في قمة فهمنا لحقيقة تفاهتنا وتفاهة أحلامنا وتفاهة وجودنا في هذا العالم، لا أجمل من هذا المنظر ومن هذا الشعور، أنكم تسيرون مباشرة إلى هناك، حيث ينتظرنا عدم لا نهاية له، المجد للجنون، المجد للهستيريا، المجد للموت وتقطيع الأوصال، المجد للقتلة الذين لا يرحمون طفلا ولا شيخا ولا امرأة، إنها ليست قيامة جديدة للبرابرة، إنها ليست عاصفة جديدة من الدماء والأشلاء والصرخات المرعبة وصهيل خيول الغزاة التي تجتاح العالم، بل إنه على ما يبدو مشهد النهاية، وما يهم إذا كانت النتيجة هي الموت أن يكون القتلة وضحاياهم واعين بما يفعلونه أم لا، فغدا سيحصلون على حورياتهم وعلى لبنهم وعسلهم في قلب العدم، غدا سيمجد العدم وحده كل ما قدسه البشر، وهذه هي القداسة الحقيقية في هذا العالم الساخر حتى الثمالة، قداسة القبور التي طواها النسيان .. لن أنسى ما حييت ذاك اليوم في سورياهم الحرة، عندما تحدث مقاتلون أمامي عن كيف كانوا يعصبون أعين أسرى جنود النظام ويقولون لهم أنهم أمام حاجز لجيشهم الأسدي، فيركض هؤلاء تحت التهديد بإطلاق الرصاص ووسط ضحكات هستيرية طالما حاولت تخيلها، ليسقطوا في واد سحيق .. من يومها أدركت أننا جميعا نركض إلى هناك، أنها طريقتنا الوحيدة في القفز عاليا والطيران في الهواء .. هيا أيها الأبطال، إذا كان علينا أن نموت فلنأخذ معنا العالم ..

 

مازن كم الماز

 

1075 النعمانيظهر تعبيرُ "علم الكلام الجديد" للمرّة الأولى عنوانًا لكتاب ألفه شبلي النعماني (1857 – 1914)[1]، الذي كان من مؤسّسي ندوة العلماء بلكنو سنة 1893، وهي مؤسّسةٌ دينيةٌ تهتمّ بالتعليم الديني التقليدي، وتعارضُ دراسةَ العلوم الحديثة، خلافًا لجامعة عليكرة التي أسَّسها أحمد خان سنة 1875. وكان شبلي النعماني يتحدّث العربيةَ والفارسيةَ والأرديةَ والتركيةَ والهندية.

ولا يمكن الجزمُ بأن النعماني أولُ من نحت مصطلح "علم الكلام الجديد" الذي أضحى عنوانًا للاتجاه الحديث في إعادة بناء علم الكلام، لكنه كان أولَ مؤلِّفٍ يؤلّف كتابًا تحت هذا العنوان. فقد ألّف شبلي النعماني كتابًا في علم الكلام أملاه على أحد تلامذته وهو على سرير المرض، فرغ منه في 18 مارس 1902، ونُشر في الهند في مارس 1903. وكان هذا الكتابُ الجزءَ الأول، ثم تلاه تأليفُه للجزء الثاني الذي خصّصه لـ "علم الكلام الجديد"، وفرغ منه سنة 1903، ونشره في الهند أيضًا سنة 1904[2]. في الجزء الثاني من كتابه هذا يتحدّث النعماني عن مجال علم الكلام الجديد فيقول: "لقد كان علم الكلام القديم منصبًا فقط على بحث العقائد الإسلامية، لأن المخالفين للإسلام في ذلك العهد كانت اعتراضاتُهم تتعلق بالعقائد، ولكنه في الوقت الحاضر يبحث في الجوانب التاريخية والحضارية والأخلاقية للدين. إن عقائد أيّ دين عند الأوروبيين لا تكون جديرة بالاعتراض إلى هذا الحد، ما لم تكن هذه المسائل قانونية وأخلاقية.  وفي رأيهم إن إباحة تعدد الزوجات والطلاق، والرق، والجهاد، في أي دين لهو أكبر دليل على بطلان هذا الدين، بناء على هذا سيتم بحث هذا النوع من المسائل في علم الكلام، وهذا الجزء بالكامل من علم الكلام الجديد. أهمّ الأشياء الضرورية في هذا الصدد أن تقدّم مثل هذه الدلائل والبراهين بأسلوب بسيط وواضح، تستوعبه الأفهام بسرعة، ويستقر في القلب، فقد كان يستخدم في المنهج القديم مقدمات معقدة ومتشابكة، ومصطلحات منطقية، وأفكارًا دقيقة وحساسة جدًا، فكان المخالف يصمت بعد أن يصاب بالرهبة، ولكن لا يوقر في قلبه حالة من الوجدان والإيمان. المهم أنه يجب مراعاة تلك الأمور المذكورة عند تأليف علم الكلام الجديد"[3]. أدرج النعماني في هذا الكتاب مسائلَ جديدة مثل: الدين والعلوم الحديثة، حقوق الإنسان، مسألة الانتحار، حقوق المرأة، الإرث، والحقوق العامة للشعب، بموازاة مباحث: وجود الباري، والنبوة، والمعاد، والتأويل، وغير المحسوسات، كالملائكة والوحي وغيرها، والعلاقة بين الدين والدنيا. لكننا لم نعثر له على رأي في الوحي خارج سياق الكلام القديم، ولم نجده في مسائل الاعتقاد الأخرى يفكر في فضاء العقلانية الحديثة، ولم يعالجها من منظور مختلف عن المنظور التقليدي، ولم يطل على أفق جديد في تدوينها. وهذا يعني أن علمَ الكلام الجديد في مفهوم النعماني يعني استيعابَ مسائل جديدة تضاف إلى مسائله القديمة، والتحدّثَ بلغة أكثر وضوحًا وأقل التباسًا، والبحثَ عن أدلّة جديدة في مناقشة ما يُثار من إشكالات واستفهامات.

تظل وظيفةُ الكلام الجديد في مفهوم النعماني دفاعية، إذ يمكث علمُ الكلام في مقولات متكلّمي الفرق القديمة، يشرحها ويعزّز أدلتَها بأدلة جديدة، من دون أن يعيد النظرَ في مضمونها، ويتعرّف قدرتَها على الاستجابةِ والوفاءِ ببناءِ رؤية توحيدية تواكب إيقاعَ حياة المسلم، ومتطلباتِ العقل والروح والقلب في عالم نسيجيّ متشابك مركّب، وتحريرِ صورة الله مما تراكم عليها من غبار التاريخ، ولوّثها من دماء الحروب، وشوّهها من أزمنة الاستبداد.

لم نعثر في كتاب النعماني على نقضٍ أو إعادةِ تفسير لـ "مقولات الإسلاميين واختلاف المصلين"[4]، أو غيرِه من كتب المتكلّمين المعروفين، ولم يتعامل معها بوصفها اجتهاداتٍ قالها بشر، ترتسم فيها ملامحُ ثقافتهم، ودرجةُ تطوّر العلوم والمعارف في عصرهم، ولم يناقشها كاجتهاداتٍ بشريةً قابلةً للصواب والخطأ. أما ما اقترحه النعماني من أمثلة جديدة يضيفها إلى علم الكلام فإنها تنتمي للمدونة الحقوقية والقانونية، وتتصل بالشريعة أكثر من اتصالها بالعقيدة. وكأنه يحسب علم الكلام الجديد مجرد إستيعاب مسائل مُستحدَثة، وإن كانت لا تعود لعلم الكلام.

ولا نقرأ في آثار شبلي النعماني أو نجد في محطات حياته ما يشي بخروجه على مسلمات الكلام القديم في تفكيره، ولا نرى محاولةً لبناء رؤية جديدة لله والعالم في كتابه "علم الكلام الجديد"، أو فهمًا جديدًا للوحي والنبوة، أو مسعىً لتوظيف المكاسب الحديثة للفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع في فهم الدين وتفسير نصوصه.

لا شيء يشبه علمَ الكلام الجديد في تفكير النعماني وآرائه، كلُّ شيء يشبه الكلامَ القديم. شبلي النعماني يستأنف القديمَ بلغة أكثر وضوحًا واختزالًا للاستطرادات والتفاصيل المملة، وحتى العناوين الجديدة التي أدرجها في كتابه هذا لا نرى في حديثه عنها ما يشير إلى معالجة تخرج من جلباب الآباء، وتنزع لبناء نهجٍ جديد في التفكير الديني، كما نجده في آثار سلفه أحمد خان، أو خلفه محمد إقبال. ونخلص من ذلك إلى أن شبلي النعماني شارحٌ جديدٌ لعلم الكلام القديم. وذلك ما يدعونا للظنّ بأن النعماني اصطاد مصطلحَ "علم الكلام الجديد" من أحمد خان، غير أنه لم يشأ أن يخبرنا عن مصدر تلقيه. آثارُ أحمد خان هي الوحيدةُ التي خرجت على التراث الكلامي قبل النعماني، وبعضُ ما جاء فيها يشبه علمَ الكلام الجديد، إذ بحثت قضايا محورية في علم الكلام بطريقة تخرج على تقليد المتكلمين، وقدّمتْ فهمًا مختلفًا عن فهم المتكلمين. ونعترف بأن المراجعَ تنقصنا للوثوق بأول من ابتكر تسميةَ علم الكلام الجديد. وإن كنا نعدّ المفهومَ الجديدَ للوحي الذي يقول به أحمد خان وغيرُه من أهمّ القضايا التي يمكننا على وفقها أن نصنّف آثارَ مفكرٍ بأنها كلامٌ جديد. شبلي النعماني متكلم تقليدي وضع عنوانًا جديدًا لمضمونٍ قديم.

وفي سنة 1922 أصدر اسماعيل حقي الإزميرلي  "1869 – 1946" كتابًا بعنوان "علم الكلام الجديد" باللغة العثمانية[5]، وطُبِع هذا الكتاب في الآستانة "اسطنبول"[6]، لكن هذا الكتاب لم يُترجَم إلى العربية أو غيرها من اللغات حتى اليوم، ولم يُعرَف عن مؤلفه أنه من رواد التجديد، لذا يمكننا القول ان مفهوم الكلام الجديد لديه لا يتجاوز الدعوة للانفتاح على الأسئلة التي فرضها الواقعُ الجديد على عقيدة المسلم وشريعته في العصر الحديث، وهو ما كان يدعو إليه شبلي النعماني قبله في كتابه. ولو كان كتابُ اسماعيل حقي يتضمنُ رؤيةً للتوحيد واجتهادًا في فهم الوحي خارج آفاق مقولات المتكلمين الموروثة، لذاعت رؤاه واشتهرت بين المهتمين بدراسة الاتجاهات الفكرية الجديدة في عالَم الإسلام غربًا وشرقًا، كما اشتهرت رؤى رواد التجديد غيره.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

..................................

[1] نقله إلى الفارسية: محمد تقي فخر داعي كيلاني، وطبعه في طهران سنة 1329ش/1950م بالعنوان نفسه. ونقله إلى العربية: جلال السعيد الحفناوي، ونشر في القاهرة سنة 2012.

[2] مقدمة جلال السعيد الحفناوي لكتاب النعماني، الذي ترجمه ونشره بجزئيه في القاهرة سنة 2012، ص 8-10.

[3] المصدر السابق، ص 181-182.

[4] عنوان لأشهر كتاب للعقيدة الأشعرية المنسوبة إلى مؤلفه أبي الحسن الأشعري المتوفى 324 هـ.

[5] جاء عنوان الكتاب بالعثمانية: "يني علم كلام"، ويني بمعنى جديد.

[6] راجع ترجمة اسماعيل حقي الإزميرلي في: انسكلوبيديا الإسلام التركية، المنشورة على الرابط التالي:

https://islamansiklopedisi.org.tr/izmirli-ismail-hakki

منى زيتونيُعتبر الوجه أكثر أعضاء الجسم قدرة على التعبير غير اللفظي، وتعبيرات الوجهFacial expressions هي ثاني أكبر مصدر للمعلومات بعد الكلام. ومن أكثر ما يميز تعبيرات الوجه قدرتها على إظهار الانفعالات بأنواعها المختلفة بدرجة واضحة وبشكل مستقل تمامًا في بعض الأحيان عن الكلمات.

تقوم عضلات الوجه المتشابكة مع أعصابه بإصدار تعبيرات مختلفة يعتاد عليها الإنسان حتى يمكن القول إنه توجد ذاكرة للعضلات. بعض هذه التعبيرات شائعة للدرجة التي تبدو غريزية عالمية كالابتسام، وبعضها نكتسبه من والدينا والمحيطين بنا عن طريق التنشئة، وبعضها خاص بكل فرد، وأحيانًا يكتسبها بالتدريب عليها لأداء مهام بعض المهن كالتمثيل والعمل السياسي والمخابراتي. كما نتعلم مبكرًا ضبط التعبير عن هذه الانفعالات.

وتتفاوت درجة تعبيرية الوجه بين البشر، حيث توجد بينهم فروق فردية وجنسية وثقافية كبيرة في التعبير الوجهي، وبوجه عام هناك بشر وجوههم معبِّرة، وبشر وجوههم كألواح الثلج يكاد لا يُقرأ عليها تعبير، ويُطلق على وجوه كل منهم الوجه اللا معبر "البوكر فيس". وبقدر شدة التعبيرات وكثرة استخدامها تظهر تجعيدات الوجه في الكبر؛ فعمق هذه التجعيدات، وخاصة تجعيدات الجبين، تظهر إلى أي حد كنت تستخدم عضلات وجهك للتعبير.

وتشكل حوارات الوجه للوجه نسبة كبيرة من اتصالنا بالآخرين. وفي تلك الحوارات - خاصة الثنائية منها- تعتبر تعبيرات الوجه من أكثر ما يُظهر الانتباه والاهتمام بالشريك أو الانشغال عنه في المقابل، فهي دليل أساسي على الإصغاء من عدمه، إضافة إلى نقل الانفعالات الخاصة بالطرفين تزامنًا مع الكلمات.

ويصعب تمامًا فصل تعبيرات الوجه عن تعبيرات العين لأن تعبيرات منطقة الحاجب تؤثر في تعبيرية العين؛ ولا يوجد خلاف في أن شخصًا يرفع حاجبيه على هيئة قوسين، فتتسع عيناه، وتتجعد جبهته أفقيًا، وقد يفتح فمه وترتخي شفتاه، هو شخص متفاجئ! فهذه إشارة عالمية فطرية إلى المفاجأة والدهشة، بل إن القردة أيضًا - وليس البشر وحسب- تفعل ذلك! بينما الحاجبان المشدودان لأسفل حتى وإن تم رفعهما هما إشارة على القلق، وعقد الحاجبين عند المنتصف يظهر ما يسمى بعضلة الحزن. وإنزال الحاجبين بشدة هو تعبير شائع عن الاستنكار، فإذا صُوحب بتكشير الوجه فهو تعبير قوي عن الغضب. أما رفع أحد الحاجبين مع خفض الآخر فهو إشارة واضحة لاستقبال رسالة جديدة مع عدم تقبلها! أما رفع الحاجبين مع عقدهما فدلالة على أنك تنتظر رأي الآخر في الرسالة التي أرسلتها.

وعند الابتسام على سبيل المثال نعرف أن الابتسامة عامة ولا تدل على سعادة حقيقية عندما تقتصر على أن يتسع الفم وغالبًا يبقى مغلقًا، وأن الابتسامة تكون للترحيب بمن نعرفهم معرفة بسيطة عندما نظهر أسناننا قليلًا وتأخذ الشفتين وضعية الطبق المفتوح لأعلى قليلًا، بينما عند الابتسامة الحقيقية الدالة على السعادة تستدير الشفتان لأعلى وتنسحب الشفة العليا لأعلى كاشفة عن الأسنان وضاغطة لإبراز الوجنتين، وتضيق العينين قليلًا مع تجعد الخطوط على جانبيهما، وتتسع الحدقتان، وقد يرتفع الحاجبان.

إن حركة الشفاه Mouth highlights وما تعكسه من تأثير على تعبيرات الوجه هي واحدة من السلوكيات غير اللفظية التي تسهم في نقل محتوى الرسالة الاتصالية بين الناس. بعض تلك السلوكيات يكون فطريًا مثل الابتسام عند السعادة وتقطيب الشفاه عند الحزن، وبعضها تكون سلوكيات مكتسبة متعلمة مثل زم الشفاه Pursed lips، وهو سلوك يوجد في بعض الثقافات.

وهناك الكثير من الأوضاع التي تستخدم فيها الشفاه لإرسال رسائل معبرة عن انفعالات مختلفة. ومن التعبيرات المركبة العالمية المعبرة عن الاستياء والاستنكار حركة الحواجب إلى أسفل مصحوبة بسحب زاوية الفم أيضًا إلى أسفل مع تجعد الأنف. فإذا ما ارتفعت الوجنتان لتصنعا ابتسامة إضافة لهذا الوضع فالرسالة هي السخرية.

وكما أن فمنا ينفتح تلقائيًا عند الشعور بالسعادة فنبتسم ونتحدث كثيرًا، فإنه ينغلق تلقائيًا أيضًا وتكاد تجمد الشفاه عندما نشعر بالحزن. وكلما زاد التوتر كلما انضغطت الشفاه للداخل، حتى إنها قد تُشكل حرف U مقلوبًا عند درجة الحزن القصوى.

قد يكون تقطيب الجبين مظهرًا للحزن أو الغضب، وفي فرنسا يشيرون إلى عضلات الجبين باسم عضلات الحزن. كما قد يكون التقطيب دليلًا على التركيز أو التحير في أمر، وربما في مشكلة، خاصة إذا صاحبه لمس الرأس أو الاستناد باليد على الجبهة.

ومن حركات اليدين اللا إرادية التي نحاول بها تغيير تعبير وجوهنا، فرك منطقة عقد الحاجبين، لأن تخفيف شد العضلات في تلك المنطقة يقلل التوتر.

هناك من يحاول تهدئة مشاعره السلبية بطرق أخرى كلعق الشفاه أو الضغط عليها بالأسنان، أو مضغ العلكة، أو قضم الأظافر وسدادات الأقلام. وكل هذه السلوكيات تعطي انطباعات سيئة عمن يقوم بها، وينبغي التدريب على ضبطها.

ومن خلال سلسلة من التجارب الشهيرة توصل ألبرت ميرابيان Albert Mihrabian, 197  إلى أن الشعور الكلي بحديث شخص ما = 7 % شعور لفظي + 38 % شعور صوتي + 55 % شعور وجهي. وبالرغم من صعوبة تصديق مثل هذه النسب التجريبية، إلا أنها بلا شك تؤكد لنا على أهمية أنماط الاتصال غير اللفظي في الإدراك الشعوري للأفراد، وخاصة تعبيرات الوجه. فماذا نعرف عن الكيفية التي ندرك بها تعبيرات الوجه؟

مثلما قد يختلف الناس في تفسير الكلمات الصادرة عن شخص ما، كثيرًا ما يكون تفسير تعبيرات الوجه مربكًا ومحيرًا. وتظهر الدراسات أن إدراك الناس لانفعالات السعادة والحزن والمفاجأة أيسر من غيرها من الانفعالات. بينما تقل الدقة في إدراك انفعالات أخرى كالخوف والغضب.

وقد تؤثر عناصر الموقف في إدراك الانفعال الوجهي نفسه، فالوجه المبتسم يُدرك وحده بمعزل عن أي عناصر كمعبر عن السعادة، ولكن عندما توجد عناصر أخرى في الموقف يختلف إدراكنا له. على سبيل المثال: عندما ينظر صاحب الوجه المبتسم إلى وجه مكتئب لا يُدرَك الابتسام كدليل على السعادة بل قد يُعتبر سخرية.

ولتعبيرات الوجه أيضًا تأثيرها الانعكاسي على الآخرين الذين نتفاعل معهم، فنحن عندما نبتسم في وجوه الآخرين يبتسمون لا إراديًا حتى لو كانوا يشعرون بالحزن، وإن كان من المؤكد أن الابتسام وحده غير قادر على إنهاء الشعور بالحزن لدى الآخرين تمامًا.

وتؤثر الثقافة أيضًا اختلافًا كبيرًا في إدراكنا لتعبيرات الوجه. وقد زود التطور الكبير في تقنية التصوير الفوتوغرافي - من خلال الصور شديدة الدقة- علماء النفس والاجتماع بإمكانيات ساعدت كثيرًا في دراسة تعبيرات الوجه، أو بشكل أدق الطرق التي يدرك بها الناس تعبيرات الوجه، وكانت الدراسات في مراحل سابقة قاصرة على صناعة تماثيل مطاطية لمحاكاة تلك التعبيرات الوجهية.

بالرغم من ذلك، وأخذًا لمهارة الضبط الانفعالي في الاعتبار، فإنه ينبغي التأكيد على أن الانفعال كما يُلاحظه ويُدركه الآخرون ليس بالضرورة أن يكون هو الانفعال الحقيقي الذي يشعر به الشخص. لكن أظهرت بعض الدراسات أن إظهار الشخص تعبيرات وجهية مركبة (الحزن والغضب معًا على سبيل المثال) تتيح لمن يتفاعلون معه دقة أكبر في إدراك انفعالاته، ربما لأنه يصعب على الشخص المنفعل ضبط أكثر من تعبير انفعالي واحد.

ولأن الحكم على تعبيرات الوجه له دور هام في تواصلنا الاجتماعي فإن التواصل الاجتماعي الفعّال يستلزم من الإنسان ضبط تعبيرات وجهه في كثير من المواقف باستخدام استراتيجيات التنظيم الذاتي لإظهار الانفعال المناسب اللائق اجتماعيًا، ويتحقق هذا الضبط بأربع طرق:

- التكثيف (أو المبالغة): وهو إظهار درجة شدة أعلى للانفعال الذي يُشعَر به؛ فحتى لو كان شخص لا يعتني كثيرًا بإعداد زوجته حفل عيد ميلاد له، وفوجئ بإعداد هذا الحفل، فليس من اللائق إظهار عدم اعتنائه، وعليه أن يبالغ ويزيد من تعبيراته الدالة على المفاجأة بذلك التصرف.

- تقليل التكثيف (أو كبح الانفعال): وهو إظهار درجة شدة أقل للانفعال الذي يُشعَر به؛ فإظهار الزملاء لسعادة عارمة بالنجاح في وجود زميلهم الذي رسب ليس لائقًا اجتماعيًا، وعليهم كبح انفعالهم وعدم إظهار شدته الحقيقية.

- التظاهر: وهو إظهار انفعال لا يُشعَر به من الأساس، وهو يختلف عن التكثيف، ففي مثال عيد الميلاد السابق، يكون تعبير الفرد عن مزيد من المفاجأة تكثيفًا لأنه متفاجئ بالفعل، ولكن تعبيره عن السعادة هو تظاهر لأنه ليس سعيدًا بعيد الميلاد ولا يعني له شيئًا كأغلب الرجال. كما وقد يكون من اللائق كظم الغيظ في كثير من المواقف والتظاهر بعدم التأثر.

- التقنع (أو التمثيل): وهو إظهار انفعال لا يُشعَر به لإخفاء انفعال آخر لا يريد الفرد لأحد أن يلحظه، كمن يُظهر السعادة لإخفاء حزنه.

 

د. منى زيتون

 

ابراهيم أبراشالأنظمة السياسية ودساتيرها وقوانينها كما الأحزاب وبرامجها وإيديولوجياتها، كلها كيانات اجتماعية سياسية، تخضع للسياسة وقوانينها وللبشر وطبيعتهم المتنوعة والمتقلبة، ولموازين القوى وتغير الظروف والأحوال وطنياً ودولياً، وهذا ما يميزها عن الديانات المقدسة المُنزلة من السماء والأقانيم المستمدَة من مخيال جمعي قاهر، وبالتالي فالحكم على الأنظمة والكيانات السياسية ينطلق من مدى تفاعلها مع المجتمع والتجاوب مع احتياجاته بدءاً من حاجات الناس العاديين من مأكل ومشرب ومسكن إلى بناء المؤسسات الاجتماعية الكبرى ومؤسسات الدولة حسب خصوصية كل مجتمع والتحديات التي يواجهها، وحماية الحريات الدينية للمواطنين جزء من مسؤولية الدولة، كل ذلك في إطار الشرائع القانونية الوضعية التي تعبر عن إرادة الأمة ويخضع له الجميع، ومن هنا تسمى الدولة الديمقراطية والحديثة بـ(دولة القانون) .

هذه الرؤية للعمل السياسي وفن إدارة المجتمعات هي ما توصل له علم السياسة في الغرب وهو السائد في غالبية الدول الديمقراطية. إنه (العقد الاجتماعي) الذي حدد ونظم وضبط علاقة الشعب بمن يحكمونه، ونزَّل السياسة من السماء إلى الأرض وحررها من هيمنة أدعياء الإلوهية والمفوضين من الرب ليحكموا باسمه كما يزعمون، وحافظ على الدين كعلاقة بين الإنسان وربه دون وسيط، كما أن (العقد الاجتماعي) أعلى من شأن القوانين والدساتير الوضعية التي يتوافق عليها البشر ليس لمواجهة الشرائع الدينية بل لوضع حد لفوضى فتاوى وقوانين تُنسب للدين تم تحريفها وتحويرها ممن نصبوا أنفسهم نواب الله في الأرض لخدمة مصالحهم الشخصية ولتبرير تسلطهم على البشر .

جاءت القوانين الوضعية المعبرة عن إرادة الأمة لتضع حداً لشريعة الغاب وحالة الفوضى الناتجة عن ممارسة الحقوق الطبيعية والحريات الشخصية بلا حدود وضوابط، ولتضع حداً أيضا لفوضى وسوء فهم واستخدام الشرائع الدينية من طرف رجال الدين أو كهنوت حل نفسه محل الله في التحليل والتحريم وفي الثواب والعقاب وأصبحت أقوال هؤلاء أهم من القوانين التي تجمع عليها الأمة، كما أن القوانين الوضعية المعبرة عن إرادة الأمة جاءت لتصحيح اعوجاج الحكام ووضع حد للاستبداد والدكتاتورية، وفي كل المجتمعات والدول الديمقراطية تحترم القوانين الوضعية حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية .

عندما يصبح الإسلام كما تمارسه جماعات الإسلام السياسي وكما يجري عندما يتم إضفاء طابع ديني على الدولة أو الحكام لتبرير الاستبداد والتغطية، عندما يصبح سبباً للفُرقة والحروب الأهلية بسبب التعصب أو تعدد الاجتهادات والتفسيرات فإن إعمال القانون الوضعي وفرضه على الجميع يصبح ضرورة ومصلحة وطنية حتى وإن اصطدم بفتاوى واجتهادات بعض مدعي وتجار الدين، لأن رسالة الديانات السماوية وفلسفتها تهذيب الأخلاق والسلوك وتوفير حياة كريمة للبشر، وعندما تؤدي ممارسات دينية إلى ما هو عكس ذلك، آنذاك يجب تغليب المصلحة الوطنية كما يعبر عنها القانون الوضعي، والتعامل مع الدين كما التعامل مع الوطن كملكية مشتركة لا يحق لأحد مصادرة أي منهما أو التصرف المتفرد بأي منهما .

المشهد السياسي أو السياسة بشكل عام في عالمنا أو عوالمنا العربية والإسلامية تسير في سياق مغاير، فكلما اجتهد البعض من حكام ومفكرين وحاولوا الولوج إلى عالم الديمقراطية والحداثة إلا وحدثت ارتكاسة تُعيد الأمور إلى ما كانت عليه إن لم يكن أسوأ مما كانت عليه، باستثناء حالات محدودة نتمنى صمودها وتغلبها على ما تواجه من تحديات .

مع تلمسنا لانجازات تحققت ونضال لا يتوقف من أجل التغيير والديمقراطية في بعض البلاد العربية والإسلامية، إلا أن المشهد العام يشي بما يلي : غياب المنظومة القانونية الموحدة الحاكمة والناظمة للنظام السياسي، غياب أو تشوه المنظومة الأخلاقية والهوية الوطنية الجامعة، القرار الوطني غير وطني بل مُسير من الخارج ويخضع لحسابات قوى خارجية، من يملك المال والسلاح هم سادة البلاد وسلاطينها، استبعاد ومحاصرة المتنورين على يد حكام الأمر الواقع الذين سيَّدوا أنفسهم بقوة السلاح والمال وبالدعم الخارجي وأضفوا على أنفسهم شرعية موهومة، الحركات التي تطلق على نفسها حركات مقاومة أو ثورات وهبات شعبية تتحول في غالبيتها إلى تجارة ومصدر رزق للجياع والعاطلين و لظاهرة ارتزاق ثوري وجهادي ولتمرير أجندة ومصالح دول خارجية، محاربة كل من يقول كلمة حق في وجه سلطان جائر و يتم تهميشه وتشويهه إلى أن يصبح فاسداً وينساق مع منظومة الفساد، التاريخ المُصطنع والملفق عبئاً على الحاضر وقيداً على العقل، أقوال المتحدثين باسم سلف صالح ـ لا يوجد ما يثبت أنه كان صالحاً أو حتى كان لهم وجود أصلاً وإن وجد بعضهم فصلاحهم وصحة أقوالهم كان في زمانهم وليس لكل زمان ـ تعلو على أصوات العلماء والمثقفين وعلى كل منظومة قانونية ويصبح السلف ومن ينطق باسمهم قدوتنا ومنهم نستلهم سلوكنا وننمط تفكيرنا، حلت تفسيرات وتأويلات دينية لرجال دين جهلة بالدين بقدر جهلهم بالسياسة محل القرآن نفسه والسنة الصحيحة ومحل الفهم العقلاني للدين، الخيانة تصبح وجهة نظر، تكفير الخصم لدرجة تبرير قتله أصبح من مستلزمات حماية الجبهة الداخلية وفي سياق التضحية بالقلة الكافرة والمنحرفة لصالح الأغلبية المؤمنة وتنفيذ إرادة الرب بحماية الدين .

في هذه الحالة أين نحن من السياسة وعلمها ومن الحضارة وتطورها؟ وما هي أوراق المحاججة التي نتسلح بها للرد على أمريكا وإسرائيل والغرب إن احتقروا العرب أو اتهموهم بأنهم شعب أو أمة عالة على البشرية وأنهم خارج سياق التطور الحضاري، واتهموا المسلمين بالإرهاب والإسلام كمعيق للتطور والحضارة ؟.

 

إبراهيم أبراش

 

 

كاظم المقداديبمناسبة انقضاء عام كامل على مباشرة حكومة السيد عادل عبد المهدي لمهامها نُشرت تقييمات موضوعية كثيرة، إتفقت غالبيتها العظمى وبحق على فشل الحكومة في إنجاز أكثر من ثلثي برنامجها المُعلن..

بشأن الفشل، سؤال يطرح نفسه: مَن يتحمل مسؤوليته؟

جواباً على السؤال، نقول: إذا أعطينا كل ذي حق حقه، فلا يصح تحميل المسؤولية للجميع-رئيس الحكومة وكافة الوزراء والمستشارين وأمانة مجلس الوزراء.. رئيس الحكومة هو المسؤول الأول.. أما الوزراء فيتعين ان يُحاسب كل وزير على ما حققته وزارته..

وفي هذا الإطار، أدعوا الى التوقف عند ما أنجزه وزير الصحة الأستاذ الدكتور علاء الدين العلوان لتنفيذ البرنامج الحكومي خلال فترة الأشهر الستة الأولى من تسلمه لمنصبه، ومراجعة ما حققه بمسؤولية وحرص وطنيين .. فالوقفة الجادة والمراجعة الموضوعية والمحايدة، ستظهر بوضوح ان الوزير لذل جهوداً كبيرة وأثمرت الكثير، بالرغم من الصعوبات والعقبات والعراقيل الجدية التي واجهها..

لماذا الحملة على وزير الصحة؟

الوزير الدكتور العلوان معروف محلياً ودولياً بأنه تكنوقراط كفوء ومؤهل لإدارة الصحة ومؤسساتها. وهو برأينا أكفأ وزير من حيث المهنية والتأهيل والخبرة والتجربة، التي تميزه عن جميع وزراء الصحة العراقيين الذين سبقوه ..

فقد تخرج العلوان في تخصص الطب، وإمتلك تدريباَ ومؤهلات الدراسات العليا في المملكة المتحدة. وبعد عودته إلى العراق، تسلم عدة مناصب في الطب السريري، والأكاديمي، والصحة العامة. ونال الأستاذية، وأصبح عميد كلية الطب في الجامعة المستنصرية ببغداد.وعدا هذا، فهو استاذ فخري زائر في الصحة العالمية والصحة العامة بجامعة واشنطن وجامعة أكسفورد وكلية إمبريال في لندن. وأشغل في الفترة (2003 – 2005) منصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي..

وعلى الصعيد الدولي، فان الأستاذ الدكتور العلوان هو خبير دولي في الصحة العامة. إلتحق في عام 1992 بمنظمة الصحة العالمية كمستشار اقليمي للامراض غير الانتقالية في المكتب الإقليمي لشرق المتوسط، ثم شغل منصب مدير قسم تطوير النظم الصحية في الاقليم. وفي عام 1998 انتقل إلى مقر منظمة الصحة العالمية كمدير للوقاية من الأمراض غير الانتقالية، ثم أصبح مدير ادارة الامراض غير الانتقالية. وفي عام 2001 أصبح ممثل منظمة الصحة العالمية في الأردن. وفي الفترة ( 2005 - كانون الثاني 2008) أصبح ممثلآ للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، والمدير العام المساعد للعمل الصحي أثناء الأزمات. وبعد ذلك أشغل حتى كانون الثاني 2012 منصب المدير العام المساعد لمنظمة الصحة العالمية في جنيف. وفي الفترة ( 2012 - 2017 ) أصبح المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط..

الملفت ان الدكتور العلوان تعرض كوزير للصحة والبيئة في حكومة السيد عبد المهدي لحملة عدائية ظالمة وضغوط سياسية كبيرة عقب إقدامه على أولى خطواته الإصلاحية الجريئة، لإعاقة إنجازه لبرنامج وأهدافه- كما صرح لوسائل الأعلام.. أزاء ذلك قدم الوزير مرتين إستقالته لرئيس الحكومة، الذي رفضهما وطلب منه مواصلة مهامه.. وهو مستعد لتقديم إستقالته الثالثة- كما صرح مؤخراً- إذا إستمرت الضغوط عليه لمنعه من تحقيق الأهداف التي وضعها لإصلاح وتحسين الوضع الصحي القائم..

ويبدو ان ما أنجزه العلوان خلال الأشهر الستة الأولى قد إستفز البعض، الذي واصل محاربته، وبلغت حد إتهامه بقضايا فساد مستشرية في وزارة الصحة، لا علاقة له بها، بل بالعكس وضع العلوان مهمة مكافحة الفساد وهدر المال العام ضمن أولويات برنامجه، وحقق أولى النجاحات..سنأتي عليها لاحقاً..

والغريب المريب ان بعض موجهي الإتهامات بالفساد للعلوان، ولم تمض على تسلمه لمنصبه سوى 4 أشهر تقريباً، هم من الصامتين والمتفرجين والمتسترين طيلة 15 عاماً على جرائم الفاسدين الحقيقيين المعشعشين في مؤسسات وزارة الصحة..

إنجازات أولية هامة تبشر ببصيص أمل

أول إصلاح هام قام به الوزير العلوان هو إلغاء جزء كبير من الأجور على الخدمات الصحية التي فرضت على المرضى خلال السنوات الأخيرة، وأُعتبرت عائقاً مالياً للحصول على الخدمات الصحية لنسبة كبيرة من العراقيين، وخصوصاً الطبقات الفقيرة والمهمشة، والإكتفاء بأجرة رمزية مقطوعة لمرة واحدة يدفعها المواطن عند المراجعة.

ولعل أكبر ما أنجزه، تنفيذاً للبرنامج الحكومي، هو إعداده بجهوده وبعزمه لتقرير هام جداً، عنوانه: "الوضع الصحي في العراق.. التحديات وأولويات العمل"، أصدرته وزارته في اَيار 2019، جاء، كوثيقة رسمية، موثقاً لمجمل الوضع الصحي الحالي، غنياً بالمعلومات والأرقام والأحصائيات والأشكال التوضيحية والمصادر، شاملآ المحددات الديموغرافية والاجتماعية للصحة، والخطوط العريضة للواقع الصحي، والنظام الصحي العراقي، وأولويات العمل للفترة من تشرين الثاني 2018 الى نيسان 2019، والتوجهات الأستراتيجية لعام 2019 وما بعده.

للاطلاع على التقرير الكامل:

upload/upfile/ar/1001.pdf

upload/upfile/ar/1023.pdf

التقرير هو حصيلة مراجعة دقيقة، موضوعية وواقعية، للوضع الصحي الراهن وتحليله. إعتمدت (المراجعة) على دراسة المؤشرات الصحية وتقييم متخصص للبرامج الصحية الأساسية. وفي هذا السياق إتسم التقرير بالجرأة وتسمية المسميات بأسمائها ووضع النقاط على الحروف. ووفق نظرة علمية وتوجه عملي وضع التقرير خططاً لتطوير مستوى الأداء الصحي العام، وحدد أولويات العمل.

وتنفيذاً لأولويات العمل، عرض التقرير معلومات وافية لما تم تقديمه خلال الاشهر الماضية..

ورسم التقرير خارطة طريق نحو التغطية الصحية الشاملة، والتوجهات الأستراتيحية لإصلاح النظام الصحي والبيئي في العراق- سنأتي على تفاصيلها..

من المحددات الديموغرافية والإجتماعية للصحة

إعتبر التقرير ان بعض المؤشرات الديموغرافية، وتدهور التعليم، والفقر، والفروقات الأجتماعية، وتدني النظم الصحية، تمثل أهم الأسباب الأجتماعية المؤدية الى إعتلال الصحة. من هذا المنطلق وجوب التعرف على هذه المحددات والتصدي لها من أجل النهوض بالواقع الصحي.

يشير التقرير الى ان سكان العراق يتضاعف كل 23-25 عاماً، حيث بلغ التعداد الكلي للسكان 38 مليوناً في عام 2018[1]، . يعيش 30 % من السكان في الأرياف، بعد ان كان عدد السكان 7 ملايين و 280 الفاً في عام 1960. ويقدر العمر المأمول عند الولادة بنحو 70 عاماً[2].

ويؤكد ارتفاع معدل الأمية في العقود المنصرمة، حيث بلغت النسبة التخمينية للأمية في العراق 23 % في العام 2007[3][4]. ويوثق التقرير ان معدل الملتحقين بالتعليم قد تناقص في المراحل التعليمية اللاحقة ليبلغ نحو 50 % من الأطفال بعمر 12- سنة، 14 و 33 % فقط في المرحلة المدرسية الثانوية. ويتطرق التقرير الى عزوف الذكور عن إكمال الدراسة لأسباب تتعلق بإضطرارهم للحاق بسوق العمل.

ويتناول التقرير أيضاً معدلات الفقر، التي طالت نسبة كبيرة من سكان العراق، إذ بلغت 19 % في عام 2012 لتتصاعد الى 22 % في العام 2014[5].وتتراوح هذه النسبة بين المحافظات، فتصل الى 40 % من السكان في بعض المحافظات المتضررة بفعل الأرهاب[6]. وتشير الأستراتيجية الوطنية للحد من اَثار الفقر الى ان الكثير من الوحدات الإدارية (النواحي) في جنوب العراق(المثنى، الديوانية، وميسان) قد طالها الفقر بنسبة تفوق 70 % من السكان، فضلآ عن ان الفقر بين الأطفال قد شهد إزدياداً كبيراً، بحيث يعاني من الفقر واحد من كل 4 أطفال عراقيين، وتصل هذه النسبة الى 50 % في بعض المحافظات الجنوبية.

وتوقف التقرير عند مؤشر اَخر للتنمية، يعتمده البنك الدولي في تقييم التقدم المحرز في مجال التنمية في البلدان المختلفة، ألا وهو "مؤشر رأس المال البشري"، الذي يتم إحتسابه إستناداً الى الوضع الصحي والتعليمي والأجتماعي. ويشير البنك الدولي الى ان هذا المؤشر في العراق يقل عن المعدل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو أقل من البلدان ذات المستوى الأقتصادي والأجتماعي المشابه[7].

الخطوط العريضة للواقع الصحي في العراق

في الواقع الصحي الراهن، تمثل الأمراض غير الأنتقالية، والمتمثلة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطانات، والسكري، وأمراض الرئة المزمنة، السبب الرئيس للوفيات في العراق- وفقاً للتقرير.فهي مسؤولة عن أكثر من 55 % من معدل الوفيات الكلي. وتبلغ النسبة التخمينية لوفيات العراقيين بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية 17 % من إجمالي الوفيات. وبسبب السرطانات 11 %، والسكري- 4 % وأمراض الرئة المزمنة- 2 % [8].

ويلفت التقرير الأنتباه الى ان نسبة كبيرة تفوق 20 % من الوفيات الناتجة عن الأمراض غير الأنتقالية تحدث في وقت مبكر وفي أعمار شابة تمثل أكثر مراحل العمر إنتاجية، مما يؤثر سلباً في التنمية الأقتصادية والأجتماعية. ويعتبر التقرير ان مكافحة هذه الأمراض هي من أهم ركائز القطاع الصحي، خاصة وان أكثر من 30 % من العراقيين يعانون من إرتفاع ضغط الدم، وأكثر من 14 % من السكري، وأكثر من 30 % يعانون من السمنة [9].

وبالأستناد الى البيانات المتوفرة يشير التقرير الى ان نحو 16.5 % من السكان للفئة العمرية فوق 15 سنة يعانون من الأضطرابات النفسية[10]. ويؤكد بأن أغلب المصابين بالأمراض النفسية الشديدة لا يستطيعون الحصول على العلاجات الطبية الأساسية والرعاية النفسية الأجتماعية. ومما يدعو الى القلق الشديد تصاعد نسب تعاطي المؤثرات العقلية والإدمان. وتشير المعطيات المتوافرة الى ان نسبة إنتشار هذه الظاهرة تصل الى نحو 2.7 % خلال مراحل الحياة المختلفة[11].

ويشير التقرير الى أن الأمراض الأنتقالية والأضطرابات الغذائية لا تزال من أهم أسباب المراضة والوفيات في العراق، إذ تشكل 17 % من إجمالي الوفيات.

ويكشف التقرير النقاب عن ان العراق فد أخفق في الوصول الى أهداف الألفية للتنمية في العام 2015 فيما يتعلق بصحة الأمهات والأطفال ووفياتهم، وذلك بسبب تدني مستوى خدمات الرعاية الصحية الأولية.

ويلفت الأنتباه الى الأصابات بوصفها سبب رئيس اَخر للوفيات والأعاقة التي يمكن تفاديها. وتشير المعطيات الحالية الى أنها مسؤولة عن أكثر من 20 من الوفيات في العراق[12]. ويعد ذلك من أعلى النسب في العالم. وتسبب الأعاقات الناتجة عن الأصابات عبئاً صحياً وإجتماعياً وإقتصادياً كبيراً. مبيناً ان الأفراد ذوو الأعاقة في العراق يمثلون نسبة 5 % من السكان، وذلك إستناداً الى المسوحات التي أجريت من قبل وزارة التخطيط عام 2016 [13]. غير ان هناك معطيات أخرى تشير الى نسبة أكبر من الأعاقات تصل الى 10 %.وأقر التقرير عدم وجود إحصاء دقيق لعدد المصابين بالأعاقات في العراق، على الرغم من وجود تقديرات بان العدد الكلي من المعاقين يناهز مليون و 357 ألفاً[14].

-يتبع -

القسم الثاني سنكرسه للمشكلات الساخنة في القطاع الصحي التي تناولها تقرير وزير الصحة والبيئة..

 

د. كاظم المقدادي - أكاديمي عراقي مقيم في السويد

......................

الهوامش:

1- الجهاز المركزي للإحصاء، 2018

2- التقرير السنوي لوزارة الصحة، 2017.

3- الجهاز المركزي للإحصاء، المسح الأقتصادي والأجتماعي في العراق 2007.

4- من المؤاًخذات على التقرير إستناده على أرقام وإحصائيات قديمة، مثل هذه التي تعود الى ما قبل 12 عاماً، بينما نشرت في عام 2018 إحصائيات تقول ان نسبة الأمية في بغداد بلغت 50 % للأعمار 6- 40 نتيجة لتفشي الفساد وغياب الرقابة وفشل النظام التعليمي الراهن..

5- وهنا لا يذكر التقرير نسب الفقر الجديدة، التي بلغت في عام 2018 أكثر من 26 %. وهذا مأخذ ثان.

6- الجهاز المركزي للإحصاء، وزارة الصحة، اليونيسيف- المسح العنقودي متعدد المؤشرات، 2018.

7-البنك الدولي، مؤشر التنمية البشرية، 2018.

8-WHO, Noncommunicable disease country profile, 2018

9- التقرير يتحاشى ذكر كم عدد ونسبة العراقيين الذين يعانون من السرطانات. وهذا مأخذ ثالث.

10-Iraq menthal health survey 2006- 2007

11-Survey of substance abuse in Iraq.2015.

12-وزارة الصحة، قسم الأحصاء الصحي والحياتي، 2018.

13-وزارة التخطيط، الجهاز المركزي للإحصاء، المسح الوطني للإعاقة، 2016.

14 -WHO, Report, Health and Environment in Iraq, 2018

-

 

 

منى زيتونتتمثل السلوكيات غير اللفظية Non- verbal behaviors في العديد من أشكال الإيماءات والإشارات التي تستخدم للتعبير عن الموافقة والقبول أو الرفض أو الأمر أو التوسل أو الانفعالات المختلفة كالغضب أو الاشمئزاز أو الحزن أو الخجل أو السعادة. ودائمًا نستطيع إرسال الرسالة التفاعلية بأساليب مختلفة نحقق من خلالها الإدراك نفسه.

يشيع استخدام هذه السلوكيات، وتعتبر بصورتها الفطرية عالمية، وتصبح أحيانًا الوسيلة الوحيدة للتواصل بين أفراد يستخدمون لغات مختلفة. لكن قد يتطور استخدام تلك السلوكيات لتكوين لغة إشارة كالمستخدمة في تعليم الصم والبكم. تقوم فكرة تلك اللغة على التعبير باستخدام حركات اليدين والذراعين والرأس عن الأشياء والأفعال، بحيث تُختار أشد الخطوط وضوحًا في الأشياء وأشد سمات الأفعال وضوحًا.

أنماط السلوك غير اللفظي Non-verbal Behavior Types

1- التحديق والاتصال البصري Gaze and Eye contact. 

2- تعبيرات الوجه Facial expressions.

3- لغة الجسد Body Language.

4- المسافة الشخصية Personal space.

5- سلوكيات خاصة بالمكان Spatial behavior.

6- سلوكيات خاصة بالوقت Time behavior.

7- الخصائص الجسمية Physical characteristics.

8- الملابس والمظهر الخارجي Clothes and appearance.

وهذه السلوكيات غير اللفظية المتنوعة تقدم معلومات عن سمات شخصية الفرد، واتجاهاته، وانفعالاته، أكثر صدقًا مما تقدمه الكلمات. ونُفصِّل في عرض كل منها لأهميتها.

1- التحديق والاتصال البصري Gaze and Eye contact

في كتابه الشهير "فقه اللغة" يذكر لنا الثعالبي حالات النظر، وكيف ميّزت اللغة العربية بينها. يقول: "إذا نظر الإنسان إلى الشيء بمجامع عينه قيل رمقه، فإن نظر إليه من جانب أذنه قيل لحظه، فإن نظر إليه بعجلة قيل لمحه، فإن رماه ببصره على حدة نظره قيل حدجه بطرفه".

 

وفي كتابه أول أربع دقائق The first four minutes يذكر ليونارد زونين (Leonard Zunin,1972) أننا نتصل مع الأشخاص الذين لا نعرفهم غالبًا من خلال العيون.

ومعروف أنه من بين جميع الكائنات لا تُوجد الصُلبة (بياض العين) سوى في الإنسان، وهذا يجعل نظرات الإنسان تحديدًا قادرة على حمل رسائل تواصل مختلفة، بل للعيون لغة مستقلة عند الشعراء. يقول أحمد شوقي:

وتعطلت لغة الكلام وخاطبت *** عيناي في لغة الهوى عيناكِ

يعتبر التحديق والاتصال البصري من أكثر أنماط الاتصال غير اللفظي أهمية. يحدث التحديق عندما ينظر أحد الأشخاص لشخص آخر بقوة في منطقة العينين، بحيث لا يكاد يرفع عينيه عنه، وسواء كان الشخص الآخر ينظر إليه أم لا، بينما يحدث الاتصال البصري عندما يكون كلا الشخصين ينظران بشكل متبادل إلى بعضهما في منطقة العينين.

قد يكون التحديق باردًا غير مصحوب بكلمات، وأحيانًا يحدث أثناء الاستماع كدلالة على الانتباه، بينما يكون المتحدث ينظر نظرات عابرة، وأحيانًا أخرى يقوم به المتحدث فيطيل التحديق ليركز على نقطة ما بينما المستمع لا ينظر إليه. أما الاتصال البصري فيكون مصحوبًا بتعبيرات الوجه، وهو علامة في أغلب الأحيان على الاسترخاء والود الذي يسود جو المحادثة بين الشخصين.

وكغيره من أنماط التواصل غير اللفظي فإنه قد يتم تلقائيًا دون قصد؛ فليس بالضرورة أن من ينظر إليك لديه رسالة يوصلها لك. كثيرًا ما قد يبدو الشخص ينظر إلى أحد الجالسين في حين أنه غير منتبه، ولا يكاد يركز معه فيما يقول.

كيف يتم ترجمة واستقبال التحديق والاتصال البصري؟

تعتبر العيون إحدى أهم القنوات التي تصل من خلالها رسائلنا غير اللفظية للآخرين؛ فالعين هي النافذة التي تطل من خلالها مشاعر الإنسان الداخلية الحقيقية إلى الآخرين، فإن كانت تعبيرات الوجه يمكن تزييفها فليس الحال مشابهًا بالنسبة لنظرات العيون. وقد تعرف الناس منذ القدم أن مواجهة المتحدث في عينيه من أيسر الطرق لكشف مشاعره الحقيقية دون كذب.

وحاسة النظر من أهم الحواس التي نستقبل بها مدخلاتنا عن العالم، وتجنب النظر إلى بعض المثيرات البصرية أمام العين تعني ببساطة رغبتنا في عدم التفاعل معها. لا يلزم أن يكون ما نتجنب النظر إليه أشخاص بعينهم، بل يمكن أن نرفض النظر إلى مشهد بأكمله لأنه دموي أو مرعب. قد يتم ذلك عن طريق حجب أو تغطية العينين بإحدى اليدين، وهو سلوك انعكاسي فطري شائع لرفض الاتصال عند استقبال مثيرات مزعجة غير متقبلة سواء كانت بصرية أو سمعية. قد يتوقف الحجب على العينين، وقد يمتد لتغطية الوجه بكلتا اليدين أو إحداهما. ويمكن أن نحجب عن أعيننا نصف الرؤية بالإغلاق الجزئي للعين للتعبير عن الانزعاج الشديد، خاصة عندما تقترن مع خفض الحاجبين كما وكأن ضوء الشمس شديد، بينما إطباق الجفون تمامًا لغلق العينين هو تعبير عن الشعور بمشاعر سلبية. في كلتا الحالتين -النظر وتجنب النظر- نحن نكشف عن مشاعرنا تجاه ما يواجه أعيننا.

يمكن من خلال نظرات العيون التعبير عن العديد من الانفعالات؛ يمكنها توصيل الإعجاب والانجذاب الجنسي، كما يمكن توصيل الحنو والشفقة أو الغضب أو الخوف أو المفاجأة أو الاحتقار. والسعادة الحقيقية لا يتم التعبير عنها فقط بواسطة ابتسامة الشفتين، بل يدل عليها غلق العينين قليلًا لدرجة تجعد الجلد على حافتيهما، والتي تُعرف بخطوط الابتسامة. بغير ذلك تكون الابتسامة مصطنعة غير حقيقية.

مع ذلك كثيرًا ما تكون رسائل العيون محيرة ومربكة في تفسيرها، فنحن نفسر حركة العين، ومدى اتساع أو ضيق بؤبؤ العين، ولمعان العين، والانقباضات والانبساطات في المنطقة حول العين، ونستخلص من كل هذا تصورنا حول ما يشعر به الشخص.

يلعب عامل اتساع العين أو ضيقها دورًا كبيرًا في إيصال الانفعال. كذلك تلعب الحدقة (تُعرف أيضًا بالبؤبؤ أو إنسان العين) دورًا كبيرًا في ذلك. والحدقة (البؤبؤ) هي فتحة في مركز القُزحية (الجزء الملون من العين) حجمها قابل للتغير من خلال عضلتين في القزحية إحداهما مُوسِعة تتحكم فيها الألياف العصبية السمبثاوية، والأخرى قابضة تتحكم فيها الألياف العصبية البارا سمبثاوية الموجودة في العصب المحرك للعين.

ويكون ذلك فسيولوجيًا بالأساس للتحكم بكمية الضوء الداخل إلى العين والساقط على الشبكية؛ إذ تتسع الحدقة في الظلام لتمرر كمًا أكبر من الضوء، وتضيق في النور -خاصة الشديد- لتمرر فقط القدر الملائم من الضوء. كما تتسع وتنقبض وفقًا لبعد الجسم المرئي، فيضيق البؤبؤ عند النظر إلى جسم قريب. كذلك يتسع البؤبؤ عند الانتباه الشديد وعند أداء المهام الصعبة، بينما يضيق البؤبؤ في المقابل قليلًا عند أداء المهام المعقدة لأجل مزيد من التركيز.

ولأن اتساع وضيق البؤبؤ لا يمكن لإنسان ضبطه والتحكم فيه فهو من أصدق ما يعكس مشاعرنا ويكشف عنها. واتساع بؤبؤ العين هو عامل مشترك في الكثير من الانفعالات كالإعجاب بالجنس الآخر، والسعادة، كما يتسع البؤبؤ عند المفاجأة وعند الخوف وعند الضيق وعند الشعور بالألم العضوي، لكنه يضيق عند الشعور بالاشمئزاز وعند الغضب. قد لا ننتبه إلى اتساع وانقباض بؤبؤ العين، ولكن مجمل تعبيرات الوجه وتعبيرات المنطقة حول العين وحركة الجسد تنبهنا إلى وجود تغير ما، وهي التي تحدد بأي الانفعالات يشعر الإنسان.

وكسائر القنوات غير اللفظية ينبغي مراعاة أن اتساع وانقباض بؤبؤ العين يعكس حالتنا الفسيولوجية والصحية وليس فقط الانفعالية. إضافة لكمية الضوء في المكان، قد يكون اتساع البؤبؤ بسبب التعرض لمواد كيميائية سامة أو مواد طبيعية مسببة للحساسية مثل لحاء شجر الخروب أو بعض الأدوية والمخدرات كالكوكايين أو الأمفيتامين، بل وأحيانًا يكون اتساعه دائمًا علامة على مشكلات عصبية أو ورم دماغي أو نزيف دماغي! لدرجة أن تسليط الطبيب الضوء على العينين لا يؤثر عليه ولا يسبب انقباضه! وعلى العكس قد يؤدي تناول الكحوليات والمورفين إلى انقباض البؤبؤ.

ويُضاف إلى ذلك لمعان بؤبؤ العين والذي يحدث عند اتساع الألياف العصبية السمبثاوية وانقباض الألياف العصبية نظيرة السمبثاوية. هذا اللمعان يدل في أغلب الأفراد على حالة من الإثارة أو التوتر يمر بها الفرد، ومعروف أن الشعور بالسعادة يجعل العيون براقة، والشعور بالحزن يقلل من بريق العيون، وهذا ما أثبتته الدراسات عن تغير مزاج البشر؛ لذا فالعين هي مرآة وانعكاس لشعور الإنسان؛ فالإنسان عندما يكون سعيداً ومبتهجاً، وفي حالة ذهنية هادئة ينعكس ذلك على حدقة العين، فيكون لها بريق زاهٍ ولمعة شفافة، وتأتي هذه اللمعة بطريقة فسيولوجية من انبساط الغدة الدمعية وإفرازها الدموع بصورة تلقائية ولكنها بسيطة –مجرد مسحة دمعية تكسو العين-، إلى جانب انبساط العضلات التي تتحكم في العين فتبدو العين وكأنها تضحك، فتظهر جاذبية وجمالاً ونعومة، نراها بشكل ملحوظ في الصور الفوتوغرافية للأشخاص السعداء وأحياناً لمن يمثل الشعور بالسعادة لحظيًا –عشان الصورة تطلع حلوة-، ويظهر هذا البريق بشكل أوضح عند النساء.

وعندما يحزن الإنسان يحدث نوع من الانكسار للعين، وذلك لأن الجفن يثقل وكأنه حمولة على الإنسان يصعب رفعه، فتبدو العين شبه مغلقة، ولا تفرز الغدة الدمعية إفرازاتها الملائمة مع كل حركة جفن، وتختفي اللمعة المصاحبة لمسحة الدموع، وتكون العين في حالة ذبول.

ولأننا نختلف فسيولوجيًا عن بعضنا فهناك نسبة قليلة من البشر لديهم هذا البريق في أعينهم بشكل مستديم تقريبًا، وهو علامة جمالية ولا شك، ويجب الحذر عند تفسير تواصل هؤلاء الأشخاص غير اللفظي بناءً على هذا التعبير.

يمكن لنظرات العين أيضًا تقريب المسافات رغم البعد الجسدي؛ فنحن نستشعر قرب من ينظرون إلينا حتى عن بعد.

وقطعًا فإن اتصال العين الفعلي لا يحدث إلا في اللحظات التي يشترك فيها كلا الفردين في النظر مباشرة إلى عيني الآخر، وتكرار ذلك يشير إلى تفاعل اجتماعي كامل وناجح، ويبعث على الارتياح، ويكون علامة على العلاقة الودية بينهما، لكن الأمر يكون بحاجة لتفسير تعبيرات الوجه المصاحبة للتأكد من ذلك الانطباع. على العكس من تجنب اتصال العين الدائم أثناء المحادثة، والذي يشير إلى تفاعل اجتماعي فاشل وغير ناجح، لأن أحدهما لا يهتم بالآخر أو غير قادر على التأثير فيه. في المقابل فإن استدامة النظر من أحد الطرفين والذي لا يوجد ما يناظره من الطرف الآخر، والذي يُعرف بالتحديق يكون باردًا أغلب الأوقات، وقد يترجم كرغبة من المُحدِّق في إظهار السيطرة.

وقد وجد دوفيديو وآخرونDovidio et al.,198  أن مستوى الاتصال البصري يمكن أن تكون له علاقة بالمكانة والسيطرة؛ ففي سلسلة من الأبحاث درست العلاقة بين السيادة البصرية والقوة الاجتماعية ظهر جليًا أن الأشخاص ذوي السيطرة ينظرون أكثر أثناء الحديث، وذوي المكانة الأقل ينظرون أكثر أثناء الاستماع.

اتجاه نظرة الفرد أيضًا يكون هامًا، وربما ينبيء عن سلوكياته وانفعالاته تجاه الأفراد الآخرين في تفاعل اجتماعي متسع. على سبيل المثال فاتجاه النظر بعيدًا وإلى أسفل يُفسر غالبًا بأنه شعور بالخجل وربما يكون شعورًا بالذنب، وربما في بعض الأحيان يُترجم كعلامة على الخوف، ولغة الجسد وتعبيرات الوجه المصاحبة تحدد التفسير الصحيح. كذلك فإن النظرة الجانبية قد تشير إلى الشك والارتياب، خاصة إذا صاحبها إمالة للرأس.

ويختلف البشر في حساسيتهم لنظرات الآخرين نحوهم. هناك أشخاص حساسون للغاية عندما يشعرون أن شخصًا ما يختصهم بالنظر وسط تجمع من الناس. يختلف ذلك وفق مستوى الحساسية الانفعالية للفرد، ويكون عادة أعلى لدى الإناث، كما يتأثر بالعمر، فالأطفال أكثر حساسية من الكبار تجاه أي نظرات توجه إليهم، مهما كانت قصيرة.

وقد وجد نيكولاس وشامبنس (Nichols & Champness,1971) علاقة بين استقبال التحديق من الآخرين واستجابة الجلد الجلفانية، وهي العلامة الشائعة على الإثارة الانفعالية. وليس الإنسان فقط من يتأثر بالنظر إليه، فقد لُوحظ تغير مستوى الطاقة الكهربية لجذع المخ لدى القرود الهندية عند النظر إليها.

ويعتبر الاتصال البصري أيضًا من الأساليب المستخدمة لتنظيم الدور أثناء المحادثات، فكأن المتكلم ينظر لمحاوره ليخبره أن دوره قد جاء وعليه الرد، كما أن نظر المتكلم لمن يحاوره يعطيه تغذية مرتدة عن رأي المستقبل في حديثه. ويختلف انطباع المرسل تمامًا إن كان المستقبل يُحدق فيه أو لا يحدق، إضافة إلى تفسير معاني نظراته إليه.

هذا وينبغي الانتباه للفروق الثقافية عند تفسير الاتصال البصري، فهناك ثقافات تشجع عليه، كالثقافة الأوروبية –بوجه عام- والثقافة الأمريكية، وهناك اعتقاد لدى كثيرين من أبناء هذه المجتمعات بأن الشخص الكاذب فقط هو من يتحاشى الاتصال البصري عند الحديث، وهناك ثقافات أخرى كالثقافات الآسيوية والتركية لا تحبذ التواصل البصري مع كبار السن، ويعتبرونه نوعًا من التبجح وإساءة الأدب، بينما في الثقافات العربية على المرأة تحديدًا الانتباه في الحوارات الثنائية مختلطة الجنس لأن الرجال يتصورون أن تواصل المرأة البصري معهم تعبير عن الانجذاب والإعجاب. وقلة من النساء أيضًا يعتقدن هذا ويسئن تفسير نظرات الرجال ما يدفع كثيرًا من الرجال المهذبين لتحاشي النظر إلى النساء عامة أثناء الحديث، وإذا ما كان الحديث طويلًا فإنه يقلب بصره ما بين ناظر ومتحاشي النظر طيلة الوقت.

وكذلك ينبغي مراعاة الفروق الفردية لأن من الناس من ينعدم اتصالهم البصري لدرجة غلق العيون لأجل تحقيق إصغاء تام، على العكس ممن يديمون الاتصال كعلامة على الانتباه والإصغاء!

وعندما نتلعثم أو نبحث عن الكلمات المناسبة أو نُسأل عن معلومات مفاجئة قد لا نكون مستعدين لها فإن معدلات رفرفة الرموش تزداد. قد يرى بعض الناس في تلك الحركة محاولة للخداع، ولكنها غالبًا لا تكون كذلك، فليست كل الناس تتمتع بالطلاقة اللفظية، وكثيرًا ما لا تُسعفنا الكلمات، خاصة عندما يُطلب منا التحدث بلغة ليست لغتنا.

 

د. منى زيتون

  

مادونا عسكر"أنا لا أخاف الله لأنّي أحبّه. إنّ المحبّة تطرد الخوف" (القدّيس أنطونيوس الكبير)

من الموروثات الّتي تسرّبت إلى الإنسان بشكل عام، فكرة الخوف من الله حتّى أصبحت سلوكاً مرتبطاً بميكانيسم التّفكير الإنسانيّ، بل أصبحت متجذّرة في نفسه حتّى التبس عليه مفهوم العبادة لله. البعض يشرح أنّ الخوف من الله يمثّل الخوف من الحساب فيرتدع الإنسان عن إيذاء أخيه الإنسان. والبعض الآخر صُوِّر له أنّ الله كائن يراقب سلوك النّاس بدقّة ويترصّد لكلّ واحد منهم حتّى يعاقبه أشدّ عقاب. وبعض آخر يقول إنّ الخوف من الله ليس خوفاً بمعنى الجبانة أو التّوجّس، وإنّما بمعنى الرّهبة والإجلال واحترام العدالة الإلهيّة.

أيّاً كان المعنى، وأيّاً كان الشّرح تبقى كلمة الخوف هي المحور الّتي تدور حوله أغلب العبادات. وأيّاً كانت الاجتهادات في تفسير الخوف من الله، فهي في جميع الأحوال تخلق هوّة عظيمة بين الله والإنسان. نستدلّ عليها من السّلوك الإنسانيّ إن على مستوى سلوكه الفكريّ أو الرّوحيّ. فمتى تحقّق الخوف عطّل القدرات الإنسانيّة ودفع بالإنسان للتّقوقع والانغلاق على نفسه، ظنّاً منه أنّه بهذا الانغلاق يحمي نفسه من شرٍّ ما. وكلّما تقوقع وانعزل انحصر تفكيره في كيفيّة حماية ذاته، وتقيّدت قدراته الّتي إذا ما استثمرها حقّق صورة الله. ففي الإنسان جانب إلهيّ يعكس المواهب الإلهيّة الّتي منحها الله للإنسان. والخوف بشتّى معانيه يقيّد هذه القدرات بل يعطّلها. وإذا كان التّصوّر عن الله، الّذي غذّاه الفكر الدّينيّ، يدعو إلى الخوف من الله الجبّار، المتعالي، المنتقم، الغضوب... فلأنّ الإنسان اكتفى بشكل عام بالتّجربة الدّينيّة لا بالاختبار الإيمانيّ. فالتّجربة الدّينيّة محورها العبادة وتطبيق الشّرائع وحسب. وأمّا الإيمان، كما سبق وذكرت في مقالات عديدة، هو اختبار العلاقة الحميميّة مع الله الحبيب والصّديق. هذا الاختبار يوقد الإنسان إلى الانفتاح على النّور الإلهيّ على عكس التّقوقع والانعزال. وكلّما انفتح على النّور اقترب من الفكر الإلهيّ الّذي سيغيّر منهج الإنسان الفكريّ.  ومن هنا الحديث عن استنارة العقل. فالعقل المقيّد بأغلال الخوف لا يمكنه أن يبدع ويحلّق ويعاين الجمال. وحده العقل المتحرّر يمكنه التّحليق والتّأمّل في التّفاصيل. أمّا العقل الخائف فيستدعي القلق والاضطراب والكره لكلّ ما هو حضاريّ؛ لأنّه يتصوّر أنّ الحضارة تؤثّر سلباً على عباداته. ولقد تبيّن تاريخيّاً أنّ أيّة جماعة متشدّدة، وأيّاً كان انتماؤها العقائديّ، ساهمت في هدم الجمال بحجّة تحقيق الحقّ الإلهيّ. بينما في المقابل، كلّ المستنيرين الّذي اختبروا العلاقة مع الله، وتحسّسوا نوره بحثوا عن الجمال في كلّ شيء.

يقول القدّيس يوحنّا سابا: "إن كانت الطّبيعة هي كتاب يسجّل أعمال الله ويكشف جماله فلنطوِ هذا الكتاب بعد قراءته لئلّا يشغلنا الكتاب عن هدفه. لنتلمّس من خلال الطّبيعة لمسات جمال الله وحلاوته ولتدخل أنفسنا إلى شركة عميقة في نقاوة قلب تعاين بنفسها جماله"، إذاً فهدف الإنسان البحث عن الجمال الإلهيّ والتّأمّل والانغماس فيه بقلب نقيّ يعاين الله (طوبى لأنقياء القلوب لأنّهم يعاينون الله/ متى 8:5) فأنّى لقلب خائف متوجّس أن يعاين الجمال؟ القلب الخائف أسير القبح وليس باستطاعته أن يندهش بالجمال، لأنّه منشغل بالتّفاصيل المادّيّة وبتطبيق الشّريعة بحذافيرها خوفاً من نار جهنّم، وليس محبّة لله. فالخوف والحبّ لا يستويان، ولا يقيم الخوف مع الحبّ. الحبّ يسعى إلى الحبّ الإلهيّ بدافع الحبّ وبهدف الحبّ، وما يلبث أن يذوب في الله. وأمّا الخوف فيزيد من الابتعاد عن الله؛ لأنّ التّمسّك بالحرف لا يتيح له النّظر إلى فوق. وبقدر ما يبتعد عن الجمال الإلهيّ ينغمس في الكره والحقد والعنصريّة والإدانة.

والخوف مقبرة العقل وموت المنطق واندفاع نحو قبول تصوّرات تميل إلى الخرافة وتصوّر الإله بحسب الرّؤية الإنسانيّة بما تحمل من تناقضات وتعقيدات. فالإنسان يخاف من غضب الله لأنّه، أي الإنسان، يغضب. ويخاف من انتقام الله، لأنّ الإنسان يثأر وينتقم، ويخاف من بطش الله، لأنّه يبطش ويفتك بأخيه الإنسان. إلّا أنّه من العسير على الإنسان أن يفهم معنى الحبّ الإلهيّ ما لم يختبره، لأنّ الإنسان لا يعرف كيفيّة الحبّ، بدليل ما نراه من حولنا من سلوكيّات عاطفيّة قد تكون نتائجها سلبيّة. لو أنّ الإنسان يعي جوهر الحبّ لتبدّلت أحواله وتغيّر سلوكه وتفتّح عقله. الإنسان يفهم الحبّ كعاطفة قد تكون سبب حاجة عاطفيّة، أو نقص عاطفيّ. وقد يحبّ الله فيقتل المختلف عنه، وقد يحبّ الله فيحارب ويدمّر ويبطش ليحقّق الحقّ. بيد أنّ الحبّ الإلهيّ لا يترادف وهذه الوحشيّة ولا يستدعي قبح الإنسان. الخوف مقبرة الإيمان وإحياء للحالة الهمجيّة الأولى، فتتحرّك النّزعة إلى القتل، والفتك. وأمّا الحبّ فأبديّة الجمال وذوبان في تفاصيل البهاء الإلهيّ. وأنّى لناظرٍ إلى الجمال الأعلى ألّا يتحرّر من التّرابيّة ويمتزج بالجمال، وأنّى لعاشق أن يخاف من معشوقه بل إنّه كلّما ذاق جماله توهّج اشتياقه إلى مزيد من الجمال حتّى يفنى فيه.

الحبّ يطرد الخوف، لأنّ الحبّ حرّيّة كاملة. وحيث يتجلّى الحبّ الإلهي يندثر كلّ خوف ويستنير العقل ويبتهج القلب لأنّ الله حبّ، بل الحبّ هو الله.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

لا يمكن للإنسان أن يتصالح مع نفْسه، ويصل إلى حالة الوئام الداخلي، إلا إذا أدركَ حقيقةَ نفْسه، وطبيعة ارتباطها بالعلاقات الاجتماعية. والنَّفْسُ الإنسانية هي رمزية البُنية الاجتماعية، لكن المشكلة تكمن في تشظِّي هذه الرمزية، وتناثرها في التفاصيل الحياتية، بفِعل ضغط العناصر المركزية في الواقع المُعاش. ووظيفةُ الإنسان أن يَجمع شَظايا حياته، ويُعيد ترتيبها، من أجل الوصول إلى الأشكال الجمالية المُنبثقة عن المجتمع، ومعرفةِ القيم الأخلاقية التي تذوب في التفسيرات المادية الاستهلاكية لطبيعة الوجود الإنساني. وهذه المهمة في غاية الصعوبة، لأن المجتمع ليس كُتلةً واحدة، ولا يتحرَّك ضمن خَط أُحادي، ولا يَخضع لمعادلة خطية بسيطة. إن المجتمع تيارات مُختلفة، ويتحرَّك ضمن مسارات متوازية حِينًا، ومُتقاطعة حِينًا آخَر، وهو يبتكر مُعادلاته المُعقَّدة أثناء حركته، كما يبتكر النهرُ روافده الجديدة أثناء سَيره. والأفراد_ بشكل عام_ يتحركون في اتجاه أهوائهم الذاتية ومصالحهم الشخصية. وهذا التشابك الاجتماعي أفقيًّا وعموديًّا، يؤسِّس لأزمنة فكرية جديدة، تضغط على وَعْي الإنسان ووَعْيه المُضاد. وهذه المنظومة الثنائية (الوَعْي / الوَعْي المُضاد) تحفظ حالةَ التوازن بين العناصر الأساسية في الواقع الحقيقي والوجود الخيالي.

2

عندما تنعكس الطبيعة المعرفية للعلاقات الاجتماعية على ماهية اللغة، تتكاثر الأشكالُ الرمزية في الألفاظ والمعاني، ويحدث تداخل بين مراحل الزمن، حيث يُعاش الماضي في الحاضر، ويتم حَمْل الماضي إلى المُستقبل. وفي هذه الحالة المُلتبسة، لا يعود الماضي ماضيًا. وبعبارة أخرى، إن الماضي لا يَمضي، وإنما يتقمَّص أشكالًا حياتية مُعاصرة، وينبعث مِن جديد في الفكر الإنساني والسلوك الاجتماعي. ومَن يُحاول التخلُّص مِن ماضيه، كَمَن يُحاول الهرب مِن ظِلِّه. وهذا يستلزم بناء المراحل (الماضي، الحاضر، المستقبل) على قاعدة الفِكر لا الزمن، كما يستلزم إعادة تعريف التراث، مِن منظور الطبيعة التواصلية بين الأنا والأنا المُقَابِل، أي : بين صَوت الإنسان وصَدى أفكاره. والتعاملُ مع الفِكر يؤدِّي إلى حُلول تَوْفيقية لا تَلْفيقية، في حِين أن التعامل معَ الزمن، يؤدِّي إلى التعارض بين المراحل والحِقَب التاريخية، لأن التاريخ يقوم على المشاعر والانتماءات الوجدانية، ويَكتبه كُل شخص وَفْق وُجهة نظره ومصلحته الشخصية، أمَّا الفِكر فلا مكان فيه للمشاعر، لأنه يقوم على الدليل، ومُقارَعة الحُجَّة بالحُجَّة. وإذا كان التاريخُ يكتبه المنتصرون الذين يَمتلكون مَنطق القُوة، فإن الفِكر يَكتبه العلماء الذين يَمتلكون قُوة المنطق. والتاريخُ موجود بفِعل العوامل الخارجية الداعمة له، وضغطِ العقل الجمعي، وتبنِّي السُّلطة الحاكمة له. أمَّا الفِكر فقُوَّته ذاتية، لأن عوامل قُوَّته كامنة فيه، وغير مُستمدة من الخارج. لذلك، الرأي الصائب يُؤخَذ بالحُجَّة القوية، وليس بالأغلبية. والفردُ هو الجماعةُ والمجتمعُ والأغلبيةُ الحقيقيةُ، إذا كان على الحق. والإنسانُ _ أوَّلًا وأخيرًا _ فِكْر، والفِكر هو الجوهر الدائم، أمَّا باقي العناصر الإنسانية التُّرابية، فهي أعراض مُؤقَّتة وزائلة. لذلك، ليس غريبًا أن تنطلق رُوح الإنسان، ويكون جسده طعام الدُّود. وهذا التفاوت الطبقي بين الروح (المحمول ) والجسد (الحامل) مرجعه إلى مركزية المعنى الإنساني، وأهمية الهدف، واستعلاء المصير على المسار.

3

الهديةُ الثمينةُ تُحمَل في كيس بسيط لا قيمة له، ولا أحد يَعبأ به. وأغلى أنواع البضائع تُحمَل في عربات القطار الحديدية، ورُبَّما أكَلَها الصدأ. واللوحةُ الفنية التي تُباع بالملايين، لا أحد يسأل هل رُسِمَت بألوان غالية أو رخيصة. وهذا يعني أن مركزية النتيجة تُغطِّي على السَّبب المُوصِل إليها، وسعادةُ الوصول إلى البيت، تُنسي الإنسانَ مُعاناته مِن وُعورة الطريق. والعِبرةُ بكمال النهايات لا بنقص البدايات. وكُل شيء جميل، إذا انتهى بشكل جميل. وهذا يعني أن جمال الشَّيء كامن في وظيفته ودَوْره، وليس في ذاته وشَكْله.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

علي اسعد وطفةتشكل الثقافة العمق الوجداني في حياة الشعوب والأمم، وإذا كانت التنمية في جوهرها تعمل على تعزيز مستويات العيش المشترك بين الناس، والنهوض بحياة الأفراد في المجتمع، فإن الجهود التنموية لا يمكنها ابدا أن تنفصل عن التكوينات الثقافية للمجتمع. فالثقافة تلعب دورا محوريا في العملية التنموية، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان من المفكرين أو الباحثين في الميدان التنموي المعاصر.

ومن البداهة بمكان أن الباحثين يدركون اليوم وأكثر من أي وقت مضى القوة الهائلة للثقافة بوصفها حاضنا طبيعيا للرموز والقيم والشعور بالانتماء والهوية، وقد برهنوا في كثير من الدراسات والأبحاث قدرة الثقافة على إضافة أبعاد جديدة مميزة وفعالة في مجال الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات المعاصرة. وهذا ما أكدته المؤتمرات العالمية في العقود الأخيرة ولا سيما مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة الذي عقد في جوهانسبرغ في عام 2002، وكذلك ما أسفرت عنه فعاليات مؤتمر ريو +20 من تأكيد كبير على أهمية الثقافة التنموية في عملية النهوض الحضاري بالمجتمعات الإنسانية.

إذا كان تحقيق الاستدامة أولا يتمثل جوهريا في عملية الاستخدام الملائم لموارد الكوكب، فإن الثقافة يجب أن تكون فاعلة في صلب الاستراتيجيات الإنمائية، لأن الثقافة تشكل الحاضن الأساسي للعلاقات الاجتماعية بين الأفراد، كما تشكل الناظم الحيوي السلوكي لعلاقاتهم بالبيئة والموارد الطبيعية التي تحيط بهم. ومن المؤكد اليوم عبر التجارب العالمية أن المبادرات والنهج الإنمائية التي تأخذ الثقافات المحلية في الحسبان تحقق مزيدا من النجاح والتفوق في تحقيق الأهداف التنموية المرجوة. وهذا يعني في النهاية ضرورة إدماج الثقافة في السياسات والبرامج التنموية من أجل تحقيق الاستدامة التنموية والنهوض الحضاري بالمجتمع.

الطبيعة والثقافة: تلازم وجودي.

عرفت الثقافة في ديباجة الإعلان العالمي للتنوع الثقافي (2001)، بأنها "... نسق من الخصائص الروحية والمادية والفكرية والعاطفية المميزة للمجتمع وهذا يشمل الإبداعات الفنية والأدبية، وأنماط الحياة، وسبل العيش المشترك، ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات " ومما لا شك فيه أن الثقافة ترتبط جوهريا بالطبيعة والتنوع البيولوجي القائم فيها، وكلاهما يشكلان المحور الأساسي للتنمية المستدامة. فالثقافة تشكل أرومة التنمية وتضرب جذورها في الاقتصاد عبر صيرورة الزمان والمكان، ومن خلالها يمكن أن ندرك كيف يرتبط الشعب بالطبيعة وكيف يعبر عنها كما يمكن لنا أن نعي جيدا وشائج العلاقة التي تربط شعبا بالبيئة التي تحضنه والعالم الذي يعيش فيه بل والكون الذي ينتظم فيه، كما تترجم اتجاهاته وعقائده نحو مختلف أشكال الوجود والحياة على حد سواء.

ولا تقف الفعالية الثقافية للثقافة في مسارتها المحلية بل تتجذر وتأخذ فعاليتها في قلب المجتمعات العابرة للقارات، أي : في عمق الحياة الثقافية للعالم على مختلف تشعباته وامتداداته. ويتم هذا التفاعل الثقافي في المستوى العالمي بتأثير التكامل الفعال بين التنوعات الثقافية والبيولوجية في العالم، وهو نوع من التفاعل الذي لا يمكن أن تنفصم عراه، وقد تشكل هذا التكامل الثقافي من خلال عمليات التكيف الثورية المستمرة بين الإنسان ووسطه الطبيعي عبر التاريخ.

ولهذا السبب، فإن الممارسات التقليدية القديمة المتعلقة بإدارة الموارد البيئية واستخدامها، بما في ذلك تقنيات المباني، تميل إلى أن تكون خضراء - أي محافظة على البيئة بوجه عام- في تصاميمها. وهي بذلك تجسد نمطا أكثر استدامة من حيث استخدام الأراضي واستهلاكها وإنتاجها، وهذه الممارسات الثقافية تسهم أيضا في الأمن الغذائي والوصول إلى المياه، وذلك كله يأتي استنادا إلى المعارف والممارسات التي تطورت على مدى قرون من التكيف البيئي للإنسانية. ومن هنا فإن أي سياسة محلية تهدف إلى حماية البيئة الطبيعية وتحقيق التنمية المستدامة يجب عليها بالضرورة أن تأخذ بعين الاعتبار الخبرات الثقافية المتراكمة وأن تستفيد من التجارب الحيّة للمجتمعات الإنسانية.

الثقافة والتنمية الإنسانية:

تشكل الثقافة في جوهرها قوة ديناميكية للتغيير وهي ليست مجموعة جامدة متصلبة من الأشكال والصيغ التي تفرض صورتها وقيودها على الأفراد في المجتمع، بل هي حالة مستمرة من التفاعل والتناغم الدائم القائم على أساس التغير التفاعلي المستمر في مختلف مستوياتها وعناصرها. فأفكار الناس وتصوراتهم ونظرتهم وأنماط استجابتهم نحو العالم تتغير – كثيرا أو قليلا - في إطاري الزمان والمكان، وهذا التغير يشمل مختلف أشكال التعبير الثقافي وأنماطه الاجتماعية.

فعصر العولمة يعرف بتسارعه الهائل، وتكاثفه على صورة تدفقات هائلة لرأس المال والعمل والميديا والمعلومات، ويؤثر بقوة وعلى نحو متجانس في مختلف الثقافات المحلية وينحت فيها. ومع أن هذا التأثير يحقق نوعا من التكامل فيما بين الثقافات المحلية، ويوفر فرصا نادرة وجديدة لملايين الناس في مجال العمل، فإنه في الوقت ذاته يؤدي إلى تدمير المكونات الثقافية التي تتفرد بها الثقافات المحلية وتتمايز، كما أنه يفقد هذه الثقافات هويتها الخاصة وقدرتها على الاستمرار والمنافسة. وغالبا ما يكون هذا التأثير أكبر واشد وأخطر إزاء ثقافات المجتمعات التقليدية التي تتعرض لصدمة الحداثة العالمية الجديدة المدمرة وفق نماذج ثقافية جديدة خارجية مختلفة تفرض نفسها بقوة صادمة لكل معايير الخصوصية الثقافية لهذه البلدان.

يتطلب تحقيق التوازن بين فوائد الاندماج في العولمة وبين حماية الطابع الفريد للثقافة المحلية نهجا دقيقا، وإذا كانت الثقافة تلعب دورا حيويا في صميم السياسات الإنمائية فإن هذا الأمر لا يعني توظيف الثقافة بصورة تلقدية متحفظة بل يعني استثمار كل الإمكانيات والموارد والمعارف والمهارات والمواد المحلية الإيجابية في محال تعزيز الإبداع وفرص التنمية المستدامة. وهذا يعني توظيف الجوانب الثقافية الإيجابية في الثقافة المحلية في اتجاهات التنمية والتطوير والتحديث المستدام. وهذا الأمر يقتضي العمل على الاعتراف بالتنوع الثقافي وتأكيد الأهمية الكبيرة للاستفادة من مختلف المعطيات الثقافية لهذه الثقافات في الحوار والتنمية والتفاهم والتطوير الإنساني.

لا يمكن للتنوع الثقافي أن يشكل منصة لمهاجمة حقوق الإنسان والانتقاص من قيمتها الحضارية التي رسختها القوانين الدولية وعظمت من أهميتها. والمعضلة التي تواجهها عملية تحقيق التوازن بين حماية الثقافات المحلية والحرص في الوقت نفسه على احترام حقوق الإنسان العالمية وتأكيد أهمية التنوع الثقافي، لأن الثقافات المحلية غالبا ما تنطوي على مضامين ثقافية تقليدية ترسخ العنف القمع والاضطهاد وتؤصل لقيم وممارسات مضادة لعملية التنمية بحد ذاتها.

ومن الواضح أن حقوق الإنسان تتصف بالعالمية، وتتمثل في القانون الدولي ولاسيما في ميثاق الأمم المتحدة، فحقوق الإنسان عالمية لجميع البشر والثقافات والمجتمعات بدون استثناء، ويضاف إلى ذلك إن جميع الاتفاقيات والعهود الثقافية والتربوية التي أبرمتها اليونيسكو تستند إلى مبدأ العالمية الذي يؤكد نسقا متميزا من القيم العالمية التي تؤكد على أهمية الاعتراف بالثقافات الأخرى وفهمها وترسيخ قيم التسامح فيما بينها على أساس الأخلاق العالمية المستمدة من مختلف الثقافات الإنسانية جمعاء.

وتجدر الإشارة في هذا السياق أن اتفاقيات حقوق الإنسان العالمية تؤكد أهمية الحقوق الثقافية في كل المجتمعات الإنسانية على حدّ سواء، وتشمل نسقا من الحقوق الثقافية مثل: حق المشاركة في الحياة الثقافية في المجتمع، وحق الممارسة الثقافية والتمتع بمضامينها، والحقوق التي تتصل بالإبداع الثقافي، وممارسة العقائد والأفكار، واحترام العادات والتقاليد، واحترام ثقافة الأقليات... الخ. ومع ذلك فإن هذه الحقوق الدولية في المجال الثقافي لا تأخذ طابعا مطلقا أو غير محدود ولاسيما إذا كانت الممارسات الثقافية تؤدي إلى انتهاك حقوق إنسانية أخرى، وضمن هذا التوجه فإن أي ممارسة ثقافية تنتهك أي حق من حقوق الإنسان تعد انتهاكا صارخا للكرامة الإنسانية وتعد خروجا على مبدأ الحقوق الثقافية نفسها التي تكفل الحريات الإنسانية بمضامينها الثقافية لمختلف الشعوب والجماعات والأمم.

القياس الواحد لا يناسب الجميع:

يمكن القول من وجهة نظر سوسيولوجية أن النظريات التنموية المبكرة كانت تنظر إلى الثقافات التقليدية بوصفها عائقا في ي طريق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي. ولكن الأمر لم يبق على هذه الحالة حيث شهدت تسعينات القرن الماضي تحولا كبيرا في هذه النظريات ولاسيما هذه التي تركز على الأهداف الإنمائية الاجتماعية والتربوية بدلا من الأهداف الاقتصادية البحتة. وقد أدت التصورات الجديدة إلى ظهور مفهوم "مؤشر التنمية البشرية" (Human development index) الذي كان نتاجا للجهود المبذولة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ومع أهمية هذا التحول الجديد إلا أن السياسات الإنمائية الرئيسية ما تزال في كثير من الأحيان تستند إلى فلسفة واحدة يراد لها أن تكون صالحة لجميع المجتمعات في كل الأحوال.

وفي سياق آخر تجدر الإشارة إلى أن نشاط الأمم المتحدة في مجال بناء "الأهداف الإنمائية للألفية" MDGs  قد أدى إلى حملة عالمية واسعة لم يسبق لها مثيل لتعبئة المجتمع الدولي في مجال العمل على وضع أهداف وأولويات واضحة ومشتركة في مجال التنمية المستدامة. وقد أسست هذه الجهود إلى تزايد الاعتراف بدور للثقافة وأهميتها في مجال التنمية كما عززت أهمية البحوث العلمية الشادة في مجال الكشف عن نسق العلاقات بين الثقافة والتنمية.. وعلى الرغم من أهمية هذه الجهود وضراوة العمل في هذا الميدان فإن قياس المعايير الثقافية وتأثيرها في التنمية بقي خارج مؤشرات الأهداف التنموية للألفية ومؤشراتها وذلك يعود إلى وجود عدد كبير من التحديات والصعوبات في مجال القياس الأمبيريقي الملموس للعوامل الثقافية وتأثيرها في العملية التنموية.

لقد تَبيّن للباحثين المهتمين بالشأن الثقافي والتنموي أن القصور في تنفيذ العديد من برامج التنمية يعود في جوهر الأمر إلى تغييب الخصوصيات الثقافية للثقافات المحلية في العملية التنموية، ولاسيما في مجال التنمية المستدامة التي ترتبط حيويا بالعناصر الثقافية للتنمية.

تؤكد الأمم المتحدة في مسارات فعالياتها الحضارية بأن جميع الثقافات والحضارات تسهم في إثراء البشرية، كما تؤكد في سياق ذلك على أهمية الثقافة التنموية ومساهمتها في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية. ويمكن القول في هذا السياق أن الجمعية العامة للأمم المتحدة بدأت في العقود الأخيرة تولي دورا هاما وأساسيا للثقافة في العملية التنموية، وذلك بعد أن كانت النظرة إليها على أنها حالة جمالية غير مؤثرة في عملية التطور والتحول الإنمائي. ونعني بذلك أن النظرة إلى دور الثقافة كانت ثانويا في البداية ولكن هذه النظرة تطورت وبدأت تركز على الأهمية الحيوية الجبارة للثقافة في أي فعالية تنموية ونهضوية. وقد شددت قرارات الجمعية العامة على أهمية الثقافة بوصفها عاملا مؤثرا في مكافحة الفقر وتوفير النمو الاقتصادي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة بما في ذلك الأهداف الإنمائية للألفية.

دور الثقافة في تمكين التنمية وتوجيهها:

 يمكن للثقافة أن تكون فعالية تنموية عندما يتم الاعتراف فعليا بالخصوصيات الثقافية الخاصة بالمكان والمجتمعات المحلية وعندما يتم التوظيف الأمثل للموارد الثقافية المحلية والاستفادة من منظومة المعارف والمهارات والخبرات الكامنة فيها. وهذا يعني أن تجاهل المضامين الثقافية للثقافات المحلية قد يؤدي إلى فشل العملية التنموية برمتها.

فالثقافة تمكّن أفراد المجتمع من الهيمنة على المصير، وتجعلهم أكثر قدرة على تحقيق التغيير الملموس في مجال التنمية الشاملة، وهذا يشكل أمرا بالغ الأهمية لتحقيق التنمية المستدامة في أكثر مساراتها الوطنية خصوصية وأهمية. وعلاوة على ذلك، فإن احترام وتعزيز التنوع الثقافي في إطار نهج قائم على حقوق الإنسان، يسهل الحوار بين الثقافات، ويمنع الصراعات الداخلية، ويحمي حقوق الفئات المهمشة، داخل الدول وفيما بينها، مما يهيئ الظروف المثلى لتحقيق الأهداف الإنمائية.

ومن ناحية أخرى، فإن الثقافة بوصفها قطاعا من الأنشطة يشمل ذلك المعطيات الثقافة التراثية المجردة والمجسدة تشكل بحد ذاتها محركا قويا للتنمية يترك بصمته في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية على نطاق المجتمع المحلي.

ومن هذا المنطلق يمكن القول إإن الاستثمار في الموارد الثقافية، وتشجيع الأنشطة والمعارف والمهارات التقليدية، التي يضعها البشر على مدى فترات طويلة جدا من التكيف مع البيئة، هي أيضا وسائل فعالة جدا لتعزيز الاستدامة البيئية ورأس المال الاجتماعي للمجتمعات المحلية.

فالقطاع الثقافي يشكل موردا اقتصاديا مستداما يتم فيه تمكين المجتمعات المحلية من التنمية الاقتصادية الخاصة، بها فعلى سبيل المثال: تزن الصناعات الثقافية أكثر من 3.4 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بحصة سوقية عالمية بلغت 1.6 تريليون دولار أمريكي في عام 2007. وتمثل الصناعات الثقافية والإبداعية واحدة من أسرع القطاعات نموا في الاقتصاد العالمي، حيث بلغ معدل النمو 13.9 في المائة في أفريقيا، و11.9 في المائة في أمريكا الجنوبية، و9.7 في المائة في آسيا.

فالصناعات الثقافية تتطلب استثمارات رأسمالية محدودة ولكنها فعالة في المستوى الاقتصادي، وفي الوقت نفسه فإن قطاع الثقافة يتيح الفرصة لتطوير وظائف محلية في جوهرها، تقوم على أساس تعزيز الاتصال بالبيئة المحلية وتنميتها.

وتبين الدراسات أن العوائد الاقتصادية للثقافة تأخذ خطا متصاعدا وملحوظا في مختلف مستويات التنمية الاقتصادية في مختلف أنحاء المعمورة. فالثقافة، التي تشمل كل من التراث (المادي وغير المادي) والصناعات الإبداعية، تلعب دورا حاسما بوصفها موردا لا يمكن تعويضه في مجال التنمية الاقتصادية.

إن الحفاظ على البيئة الحضارية التاريخية وإعادة استخدامها بشكل مناسب يسهم في تحسين نوعية حياة سكانها بطرق عديدة. ويعزز إحساسهم بالانتماء والتماسك الاجتماعي، كما يوفر بيئة ممتعة جذابة للسياحة العالمية، وهذا بدوره فإنه يخفف أيضا من التمدن المفرط، ويجذب السياح والزوار والاستثمارات الاقتصادية والسياحية المؤثرة في العملية التنموية.

 ويمكن القول في هذا السياق أن الصناعات الثقافية والانتاجات الإبداعية تشكل عاملا أساسيا من عوامل التجديد الحضاري، حيث أنها تعزز الصورة الحضارية للمجتمع وتساهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، كما أنها تحسن مستويات معيشة السكان، وتدعم الاستثمارات في الأنشطة الثقافية والاقتصاد الإبداعي وتعزز التنمية الحضرية المستدامة. كما تساهم سياسة التنمية القائمة على التراث الثقافي في التخفيف من حدة تغير المناخ والتكيف مع معطيات هذا التغير، حيث أن الحفاظ على النسيج القائم (الذي بني بالتقنيات التقليدية والمواد والمهارات المحلية) هو أكثر ملاءمة للبيئة من الهدم وإعادة البناء. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تقدر الطاقة المتجسدة في تشييد مبنى بمعدل يتراوح بين 15 و30 ضعف استخدام الطاقة الطبيعية وفق الآليات التراثية المعتمدة في عملية البناء.

ويمكن أن توفر التقنيات التقليدية لإدارة الأراضي مصدرا كبيرا للإلهام التنموي في استخدام المياه العذبة والمحافظة عليها على نحو مستديم. إذ يمكن إعادة إنشاء تقنيات الري التقليدية في مشاريع التنمية الحديثة وضمان استخدام أكثر احتراما للبيئة. لقد أدرك سكان الواحات الصحراوية، الذين يواجهون النمو السكاني وتدهور البيئة، ضرورة العودة إلى تقنيات الري التقليدية من خلال دعم الممارسات التي تحترم البيئة.

ويعد التراث العالمي في مجال البحار والحفاظ على المحيطات جزءا لا يتجزأ من صحة الكوكب كما يشكل أيضا جزءا هاما من تراث الإنسانية وثقافة المجموعات البشرية. وتعد المعارف التقليدية من في إدارة موارد المحيطات طاقة حيوية تنموية تلعب دورا رئيسيا في تمكين السكان من كسب أرزاقهم في المجتمعات المحلية المعنية.

 قامت منظمة اليونسكو، من خلال برنامجها الخاص بتنظيم المعارف التقليدية المحلية، بجمع ونقل المعارف والآراء المحلية للموارد المائية. وتشهد هذه المعلومات على معرفة السكان الأصليين الواسعة والدقيقة لأنواع الأسماك والحيوانات المائية في البحار، وتؤكد هذه المعارف عمق واتساع الثقافات المحلية بالبيئة الطبيعية، وهذا بدوره يشكل منطلقا يعتمد عليه من منطلقات التنمية المستدامة في المجال البحري على نطاق عالمي أوسع.

ويتضح دور الثقافة في المنعطفات الصعبة والتحديات القاسية التي يواجهها أي مجتمع، فعندما تضرب الكوارث الطبيعية والحروب المجتمعات الإنسانية وتمزقها، وعندما تؤدي مشاريع التحديث الواسعة النطاق والهجرة العابرة للحدود إلى اختلالات مفاجئة في بنية المجتمع، يبرز دور الثقافة المحلية النابضة بالحياة لتلعب دورا هاما في إعادة بناء الإحساس بالمجتمع ووحدته، وهي بذلك تشكل ركيزة أساسية يعتمد عليها في عملية البناء الاجتماعي والثقافي المضادة للكوارث الطبيعة والاجتماعية. ويمكن القول في هذا السياق إن الثقافة المحلية تشكل قوة حيوية في مواجهة المخاطر والكوارث قبل وبعد وقوعها، وتساعد في معالجة مختلف المشكلات والتحديات المرافقة لها والناجمة عنها. فالتراث الثقافي المتراكم عبر التاريخ غني بالفعاليات والخبرات والممارسات التي يعتمدها المجتمع في أزمنة الكوارث والحروب والتحديات الطبيعية كالزلازل أو الظواهر الطقسية المتطرفة، لأن هذا التراث يتضمن بالضرورة المعارف التقليدية المميزة الفاعلة المتراكمة عبر قرون من التكيف مع البيئة.

ويمكن الاستدلال على هذا الجانب في أحداث الزلزال الهائل الذي شهدته كشمير الهندية في عام 2009، حيث تمكنت المباني التقليدية من الصمود وحماية أرواح ساكنيها في أتون هذا الزلزال الفظيع، وعلى خلاف ذلك، تساقطت المباني الخرسانية المسلحة على ساكنيها فأزهقت أرواحهم وتناثرت أجداثهم بين الأنقاض في نفس المناطق المتضررة.

ونظرا للأهمية الكبرى للثقافة في العملية التنموية والنهضوية للمجتمعات الإنسانية بدأ المجتمع الدولي بتأكيد أهمية هذا الجانب ولاسيما بعد مؤتمر ريو +20، حيث بدأ التركيز على الثقافة بجوانبها المختلفة والعمل على دمجها في استراتيجيات التنمية المستدامة، وضمن هذا التوجه تعمل اليونسكو اليوم، ضمن نسق من الشراكة الفعالة، مع الحكومات ووكالات الأمم المتحدة الشقيقة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، على وضع خطط مستنيرة للتنمية تأخذ بعين الاعتبار الأهمية الكبيرة للثقافة والثقافات المحلية في نجاح العملية التنموية واستمرارها. النظر في الثقافة استنادا إلى الإجراءات الاستراتيجية الرئيسية التالية:

1- دمج البعد الثقافي في مفهوم التنمية المستدامة وفي أنماط قياسها وتحديد مستويات فعالياتها وجدواها، ومن ثم الالتزام بتشجيع المعارف الثقافية والممارسات العلمية التقليدية ودمجها في سياسات التنمية المستدامة، ولا سيما فيما يتعلق بالإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، والأمن الغذائي والحصول على المياه النظيفة.

2- أهمية المحافظة على التراث الثقافي الطبيعي وحمايته، ومن ثم وتعزيز التعاون الدولي في هذا المجال، وذلك من أجل تعزيز التنمية المستدامة في أبعادها الثقافية.

3- الاعتراف بالدور الهام للصناعات الثقافية والإبداعية، والسياحة المستدامة، ومختلف القيم الثقافية القائمة على التراث، من أجل التنمية المستدامة في مجالي والاقتصاد الأخضر والعمالة الخضراء، ومن ثم تحفيز التنمية المحلية، وتنمية الفرص التجارية، وتعزيز الإبداع والإندماج الاجتماعي.

4- التأكيد على أهمية العوامل الثقافية ومدى تأثيرها في أنماط الحياة والاستهلاك وسلوكيات الأفراد، والقيم المتعلقة بالبيئية والطرق التي نتفاعل بها مع بيئتنا الطبيعية. ومن هنا تبرز أهمية العمل الثقافي في ترشيد عادات استهلاك، والتشجيع على الإنتاج الأخضر المستديم، الذي يحتاج إلى فعالية ثقافية قادرة على الوفاء بالمتطلبات الحيوية للتنمية المستدامة.

وفي هذا السياق يمكن القول بأن الاتفاقيات الثقافية السبعة التي عقدتها اليونسكو تعد طاقة وأداة للتنمية المستدامة. وتهدف جميع الاتفاقيات السبع لليونسكو إلى حماية مختلف الجوانب الحضارية والابداعية في الثقافات المحلية التي تتعلق بالتراث الإنساني المادي والمعنوي ولا سيما فيما يتعلق بتنوع أشكال التعبير الثقافي وتعدد الصناعات الإبداعية الذكية، ومن ثم إلى مكافحة الاتجار غير المشروع بالبشر والسلع الثقافية.

وترتكز هذه الاتفاقيات الثقافية بصورة واضحة على مبادئ حقوق الإنسان والأمم، كما تعتمد مجموعة من آليات التمويل والتعاون الحكومية والدولية، فضلا عن أدوات الرصد والتقييم. وهي في النهاية تعزز برامج بناء القدرات وغيرها من المبادرات الرامية إلى حماية الثقافة (بما في ذلك التراث الطبيعي) وإدماجها في استراتيجيات التنمية الوطنية والمحلية.

ومن الأمثلة على الكيفية التي تساهم بها الاتفاقيات الثقافية لليونيسكو في التنمية يمكن الإشارة إلى ما يقرب من 1000 من ممتلكات التراث العالمي، وأكثر من 500 من المحميات الحيوية، التي توفر مختبرات مثالية لاختبار النهج المبتكرة القائمة على التراث الثقافي للتنمية المستدامة.

 وفي إطار الدعم الذي يقمه الصندوق الدولي للتنوع الثقافي وآليات التمويل الأخرى، التي أنشئت في إطار اتفاقية اليونسكو لعام 2005، بشأن حماية أشكال التعبير الثقافي وتعزيز تنوعها، يقدم هذا الصندوق الدعم إلى البلدان النامية من خلال المشاريع الثقافية، وبعثات المساعدة التقنية التي تعزز التنمية الاجتماعية والاقتصادية عبر سياسات ثقافية جديدة.

ومن خلال هذا الصندوق، تم تنفيذ ثمانية عشر برنامجا مشتركا للثقافة والتنمية في جميع أنحاء العالم بمبلغ إجمالي قدره 95 مليون دولار أمريكي، ووصلت فوائده إلى ما يقرب من مليون شخص مباشر وسبعة ملايين مستفيد غير مباشر، وهو يستهدف بوجه خاص السكان الأصليين والنساء والشباب.

وتعطي هذه البرامج دليلا واضحا على أن الثقافة قطاع اقتصادي يولد الدخول وفرص العمل، مما يسهم في القضاء على الفقر (الهدف الإنمائي الأول)؛ كما أن محتوى المناهج الدراسية المكيّف ثقافيا يسمح بتحسين نوعية التعليم وبناء المواطنة (الهدف 2). وبالتالي فأن الأنشطة الموجهة نحو الثقافة مثل تنظيم المشاريع الحرفية هي مصدر لتمكين المساواة بين الجنسين (الهدف 3 من الأهداف الإنمائية للألفية)؛ ومن المؤكد أن هذا يتضمن منهجيات التوعية الصحية (الأهداف 4 و5 و6 من الأهداف الإنمائية للألفية)؛ وأن المعرفة الثقافية والتقليدية هي موارد لا تنضب من أجل البيئة المستدامة وسبل العيش (الهدف 7 من الأهداف الإنمائية للألفية). كما عززت برامج الأهداف الإنمائية للألفية التعاون بين الشركاء على الصعيدين الوطني والدولي، مما أسهم في مع بناء ملكية وطنية قوية من خلال عمليات تشاركية عالية.

ويتمثل أحد التحديات التي تواجه دور الثقافة في التنمية الصعوبة البالغة في قياس أثر الثقافة في العملية التنموية. ومن أجل تذليل هذه الصعوبات تولت اليونسكو قيادة مبادرتين هامتين تقدمان صورة قائمة على الأدلة لدور الثقافة في التنمية. ويشمل ذلك وضع إطار للمؤشرات الثقافية التي تركز على الوزن الاقتصادي لقطاع الثقافة ودوره في التنمية، وتشمل هذه المؤشرات التماسك الاجتماعي، والمشاركة الثقافية، والحريات الفردية، والتعليم، والحكم، أو الوصول إلى وسائل الاتصال من بين أمور أخرى. وتوفر هذه المؤشرات معا صورة واضحة عن الواقع الإنمائي لمجتمع ما ودور الثقافة في العملية التنموية الشاملة.

وتوضح مجموعة المؤشرات الكمية التي اعتمدتها اليونسكو من أجل قياس الفعالية التنموية دور الثقافة في التنمية المستدامة على المستوى الوطني، وتشكل هذه المؤشرات دليلا عمليا كميا على دور الثقافة وأهميتها في تعزيز الاقتصادات الوطنية والنهوض بالسياسات الإنمائية الأخرى. ففي الإكوادور على سبيل المثال، بلغت مساهمة الأنشطة الثقافية الرسمية والخاصة في الناتج المحلي الإجمالي 4.76 في المائة في عام 2010.

 

د. علي اسعد وطفة

جامعة الكويت – كلية التربية

 

محمود محمد علي

نعود لمقالنا السابع والأخير وننهي حديثنا عن التأويلات المختلفة لتفسير أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث نقول: نجحت مجموعة المحافظين الجدد إلي حد كبير في وضع مسألة الحرب علي الإرهاب في مقدمة قضايا التعاون مع كافة الدول العربية، بحيث إن جميع هذه الدول تعاونت بدرجة أو بأخري مع الولايات المتحدة في المجالات الأمنية، سواء في التنسيق الأمني أو تبادل المعلومات الاستخباراتية، وذلك في إطار التأكيدات الرسمية الأمريكية والغربية، علي أنه لا يجب الخلط بين الإسلام والإرهاب، أو بين المسلمين والعرب وبين الإرهابين، فإنها لم تكن إلا تأكيدات ذات طابع تكتيكي تحركها دوافع عدة منها، أنها كانت تمثل مخرجاً لبعض الدول العربية والإسلامية التي كان لابد من تعبئة مشاركتها في التحالف الدولي لتوفير غطاء شرعي عربي وإسلامي .

لكن الأهم من كل ذلك أن أحداث 11 سبتمبر 2001م، قد أفرزت للولايات المتحدة المبرر للتدخل في مناطق عديدة من العالم، بذريعة محاربة العدو؛ إذ إن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد ما يسمى (بالإرهاب) لا تقيم أي اعتبار لمبدأ السيادة وسلامة أراضي الغير، فالكرة الأرضية كانت بمجملها هي بمثابة مسرح للعمليات العسكرية الأمريكية، والتي وضعت نفسها حينها في حالة الاستعداد للتدخل العسكري في أي مكان، وفى أي زمان، لمواجهة عدوها الجديد (الإرهاب).

وعلى المنوال نفسه تمكنت مجموعة المحافظين الجدد من توظيف نفوذها للحصول على حلفاء لسياستها تجاه قضية مكافحة (الإرهاب)، لكون التحالف الدولي الجديد ضد الإرهاب، قد أصبح ضرورياً للولايات المتحدة لإدامة هيمنتها على النظام الدولي وتأثيرها على مجري العلاقات الدولية، كما أن تحالفاً قائماً على قاعدة ( محاربة الإرهاب) سوف يتيح للولايات المتحدة هامشا أكبر للحركة ضد جميع الدول والمنظمات المعارضة للهيمنة الأمريكية من حيث الدوافع والمضمون والأهداف؛ فرفع شعار (محاربة الإرهاب) وحقها في الدفاع عن نفسها، سوف يتيح لها استخدام قوتها العسكرية بشكل مكثف ضد أبرز التهديدات التي تواجه الهيمنة الأمريكية أو تعيقها .

وانطلاقاً من ذلك فإن مجموعة المحافظين الجدد لم تفرط بسهولة في هذا المفتاح الفعال، مفتاح التدخل عبر أحداث 11 سبتمبر 2001م، بل عملت على خلق ثقافة عامة مضادة للإرهاب، وربما قد روعت العالم بأعمال إرهابية متقنة دبرتها وكالاتها السرية، لتوسيع قاعدة الثقافة الجديدة، ودحر الأصوات الداعية للتعقل في التعامل مع هذه القضية العالمية المقلقة، ففي غمرة أحداث 11 سبتمبر انطلقت الآلة السياسية والإعلامية الأمريكية؛ حيث أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن آنذاك قيام (حملة صلبية ) لا هوادة فيها ضد الإرهاب، كما أعلن بكل وضوح أن (من ليس معنا فهو ضدنا)، وطالب الدول بتحديد موقفها بكل دقة بالتحالف مع أمريكا ضد الإرهاب، أو اختيار الاصطفاف فيما أطلق عليه فيما بعد دول (محور الشر) الذي ضم مبدئياً (إيران، والعراق، وكوريا الشمالية)، وهى دول يمكن الإضافة إليها لاحقاً لتشمل كل دولة يعن لها معارضة السياسة    الأمريكية .

ومثلما فعل الساسة، فعلت وسائل الإعلام الأمريكية؛ حيث بدأت بشن حملة لا تخلو من الديماجوجية، ووصل بها الأمر إلى حد الدعوة لإعادة الاستعمار من جديد دون أي خجل أو حياء، فعلى سبيل المثال فقد نشرت (الوول ستريت جورنال) بتاريخ 6/10/2001 مقالاً مهما تحت عنوان (حل مشكلة الإرهاب : الاستعمار) قالت فيه : ( لا يوجد بديل أمام الغرب إلي أن يشن حرباً ضد الدول التي دأبت على دعم الإرهابيين، لقد حذر الرئيس بوش من أن هذه الحرب ستكون طويلة، ولكنه لم يدرك أن هذا قد يتطلب التزامات سياسية أمريكية طويلة المدى، وكذلك الحال بالنسبة لحلفائها، وأقرب حالة تاريخية مماثلة لما يحدث الآن هي الحرب ضد القرصنة في القرن التاسع عشر؛ إذ كانت عاملاً مهماً في توسيع الاستعمار. وقد يكون الوقت الآن قريباً جداً لظهور نوع جديد من الاستعمار وهو وضع " دول إرهابية سابقة تحت إدارة الغرب "، وكما كان الحل في القرن التاسع عشر هو استعمار دول ( القرصنة ) فإن الحل في القرن الحادي والعشرين هو إعادة الاستعمار ! .

علاوة على أن أهداف الحرب الأمريكية علي الإرهاب، تتجسد منذ إعلان الرئيس بوش الابن ضد الإرهاب بعد هجمات سبتمبر 2001م، من خلال خطاباته وتصريحاته، بمثابة إنذار أقرب إلي التهديد، فقد استغلت إدارة بوش جسامة الأحداث لشن هجوم سياسي حاد علي المخالفين لسياستها وحصارهم سياسياً، من أجل فرض إرادتها عليهم، فقد قسم الرئيس بوش العالم الي معسكرين معسكر الديمقراطية والتحضر بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومعسكر الإرهاب بقيادة المنظمات المتطرفة، وعلي رأسها تنظيم القاعدة والدول التي تحمي أو تؤيد الإرهاب .

وافق هذا التقسيم الثنائي هجوماً مكثفاً سياسياً وإعلامياً، علي القوي والدول المستهدفة في الحملة الامريكية والمصنفة كدول شر أو دول مارقة، وأن أهم أهداف الإرهاب طبقاً للرؤية الامريكية، هو تأكيد الذات بقوة السلاح والاستعراض المفرط للقوة، لتحقيق الكثير من الأهداف، لعل أهمها رفع الروح المعنوية للشعب الأمريكي، وتجاوز أحداث سبتمبر 2001م، والتأكيد علي أن الولايات المتحدة قادرة علي الانتصار علي أي عدو مهما كانت قدراته، وأهدافه وكذا نقل حدود الخط الأقصى للدفاع عن الولايات المتحدة من حدود الشواطئ البعيدة للمحيطات حول القارة الأمريكية إلي داخل الدول التي تري الولايات المتحدة أن الإرهاب من وجهة النظر الأمريكية ينمو علي أرضها، وحتي لا يتمكن الإرهابيون من تنفيذ هجمات أخري ضد الولايات المتحدة أو مصالحها في الخارج، كما أن محاولة التخلص من أنظمة دول شكلت في الماضي تعويقا للسياسة الأمريكية وهيمنتها علي العالم، وإدارة الكثير من الأزمات في أماكن متفرقة، ولكي تتخلص من منظمات اعتبرتها إرهابية، وفي سعي الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها من الحرب ضد الإرهاب، فقد اعتمدت في حربها علي عدد من الآليات التي اعتمدت عدة خطوات منها:-

1- الآلية العسكرية: والتي عملت من خلالها الولايات المتحدة علي:

-شن الحرب علي أفغانستان في السابع من أكتوبر 2001م، والعراق في الثاني والعشرين من مارس 2003م، وإسقاط النظم الحاكمة فيهما واحتلالهما.

- القيام بشن ضربات محدودة ضد أهداف، تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية أهدافاً إرهابية علي نمط ما حدث في اليمن في أغسطس 2003م.

- دعم العديد من الدول وتشجعيها علي القيام بعمليات عسكرية، للتخلص من العناصر الارهابية علي أرضها علي نمط ما حدث في اليمن، والفلبين، وإندونيسيا، وباكستان.

- الحصار العسكري للبعض الدول لعدم وصول إرهابيين فارين إليها، مثلما حدث للصومال أثناء الحرب علي أفغانستان.

2- الآلية الاقتصادية :

- تجفيف منابع تمويل الإرهابيين علي مستوي العالم من خلال تجميد إيداعات من يشتبه في تورطهم في هذا العمل، سواء كانت هذه الإيداعات لأفراد، أو منظمات، أو جمعيات خيرية، ومصادرة الأموال، أو المواد العينية المشبوهة.

- الحصار الاقتصادي للدول المناوئة التي تتهم من قبل الولايات المتحدة بمعاونة الإرهاب .

- تقيد تبادل ومراقبة السلع الاستراتيجية التي تستخدم لأغراض الإرهاب.

3-الآلية السياسية والدبلوماسية:

جعلت الولايات المتحدة الحرب ضد الإرهاب، هي المحور الرئيسي للسياسة الخارجية الأمريكية، فإن ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، كان في نظر إدارة الرئيس بوش الابن، يمثل لحظة اختيار صعب وحاسم بالنسبة للجميع، اختيار أن تكون مع أمريكا أو ضدها هكذا قالها بوش في خطابه أمام الكونجرس، وهي أكثر من ذلك، هي لحظة تدشين لمرحلة تقسيم جديدة للعالم، وهناك بعض الدول التي أعلنت أوضاعها لأنه لا سبيل أمامها لاختيار لأن التحالف مفروض عليها أرادت أم لم ترد، ولذلك لا عجب أن اجتهدت بعض الدول – وهي إسلامية- لإيجاد مبررات لإضفاء شرعية علي اختياراتها، وعلي رأس هذه المبررات ضرورة الالتزام بالمتطلبات التعاون الدولي ضد الإرهاب وفقاً لمقررات الشرعية الدولية متناسية أنه تعاون في مواجهة دول وشعوب إسلامية ستتعرض لضربات عسكرية بقيادة أمريكا وليس ما يسمي الشرعية الدولية .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة، وهى أن إدارة الرئيس بوش الابن اعتبرت الترويج للديمقراطية عنصراً جوهرياً في ظل الحرب الأمريكية علي الإرهاب، فانعدام الحرية السياسية في بعض البلدان، ولاسيما في الشرق الأوسط، يشجع التطرف السياسي والإرهاب المعادي للغرب وتعزيز الديمقراطية في هذه الأماكن، يمكن أن يساعد علي اقتلاع جذور الإرهاب، وأكد الرئيس بوش الابن أن السير نحو عالم ديمقراطي لن يساعد علي نشر القيم الأمريكية فحسب، بل إنه سيحسن من وضع الولايات المتحدة وكلما نمت الديمقراطية في العالم العربي تتوقف المنطقة عن إنتاج الإرهاب المناهض للولايات المتحدة، ومن هنا فإن الترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط، ليس متلائماً مع الأهداف الامنية للولايات المتحدة فقط، بل إنه ضروري لإنجاز تلك الأهداف واتخذت إدارة بوش من الترويج الديمقراطية حلاً طويل المدي للفوز في الحرب علي الإرهاب، وقد تبني الرئيس بوش الترويج للديمقراطية كجزء من حملة واسعة، وثابتة لحماية الولايات المتحدة، واستأصل شر الإرهاب فاستراتيجية حفظ السلام علي المدي الطويل تكمن في المساعدة علي تغير الظروف التي ساعدت علي ظهور التطرف التي ساعدت علي ظهور التطرف،خصوصاً في الشرق الأوسط الكبير .

لم تكن قضية الديمقراطية في الوطن العربي ضمن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية في مرحلة ما قبل أحداث 11 سبتمبر، بل إن السياسة الأمريكية بنيت علي أساس دعم أنظمة حكم تسلطية استبدادية تتفق مع أهدافها، ومصالحها، وخاصة فيما يتعلق بمحاربة المد الشيوعي، وضمان استمرار تدفق النفط لها، ولحلفائها بأسعار مناسبة، علاوة علي إنشاء القواعد وتقديم التسهيلات العسكرية لها في المنطقة، وبهذا ظلت واشنطن حريصة علي ضمان استمرار هذه الأنظمة، وسلامتها، والتغاضي عن ممارستها للديمقراطية مع قناعتها، بأن أي عملية تحول ديمقراطي حقيقي، قد تؤدي إلي حدوث حالة من عدم الاستقرار تضر بالمصالح الأمريكية، أو حتي يمكن أن تفسح الفرصة للوصول الإسلاميين إلي قواعد السلطة، وأثر هجمات 11 سبتمبر حدث تغير في نظرة واشنطن حول موضوع الديمقراطية في المنطقة، باعتبارها المنبع الرئيسي لتجفيف منابع التطرف، والإرهاب الذي أصبح يشكل تهديداً للولايات المتحدة .

وعقب أحداث 11 سبتمبر أضحت قضية الديمقراطية علي أولويات الأجندة الأمريكية، وذلك انطلاقاً من قناعة مفادها أن الأوضاع السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي تتمتع بها دول منطقة الشرق الأوسط، هي السبب الرئيسي في الأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة، والتي أوضحت الخطر الجسيم للإرهاب والجماعات الإرهابية وربط الرئيس بوش في خطابته المتعددة بعد 11 سبتمبر بين غياب الأنظمة الديمقراطية في المنطقة، وتنامي ظاهرة الفقر والقهر، التي وفقاً له قادت الي التطرف والإرهاب، والذي تسبب بدوره في اعتداءات 11 سبتمبر 2001 م، وأكد أن بلاده سوف تعمل علي إحداث تغيير نحو الديمقراطية في الشرق الأوسط، واعتبر أن غياب الديمقراطية يمثل تحدياً كبيراً للولايات المتحدة، وأن غياب الحرية والتمثيل الديمقراطي في المنطقة، أدي إلي نتائج وخيمة للمنطقة والعالم، وأدي إلي غياب حقوق المرأة، وفرق بوش بين ما أطلق عليه “التحديث والتغريب” ؛ حيث أشار إلي أن حكومات وشعوب المنطقة لن تكون مضطرة لاتباع الثقافة الغربية في سبيل تحقيق الديمقراطية، وذلك في الوقت الذي كانت تستعد فيه الولايات لحربها ضد النظام العراقي علي الصعيدين العسكري والسياسي خلال عام 2002م، وبرزت فجأة قضية الديمقراطية ضمن أجندة السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، حيث تزايدت تصريحات وخطب بعض المسئولين الأمريكيين التي راحت تؤكد علي حرص الإدارة الأمريكية علي تحرير العالمين العربي والإسلامي من الأنظمة الديكتاتورية ونشر الديمقراطية والحرية فيهما، وذلك من أجل تغير نظم ومناهج وبرامج التعليم، وبخاصة التعليم الديني، والإعلام، والثقافة، بما يسمح بنشر قيم وثقافة الديمقراطية، والمشاركة، واحترام حقوق الإنسان؛ فضلاً عن تعزيز قوي ومنظمات المجتمع المدني والمساعدة من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث نبعت مبادرات الشرق الأوسط من إطار فكري تبلورت ملامحه في الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر .

يتحدد مضمون هذا الإطار في أن هناك مصدراً جديداً للتهديدات للولايات المتحدة، وهو ما يعرف بالتهديدات الناتجة من التفاعلات داخل ما يسمي “بالدول الضعيفة والفاشلة”، وأنه في حالة غياب سلطة مسئولة داخل حدود الدول، فإن التهديدات التي يمكن احتوائها داخل حدود الدولة، يمكن أن تمتد للعالم وتؤدي إلي حالة من الفوضى الدولية، وعن طريق هذه الدول يسهل انتشار حركة الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل .

وعلي ذلك تري الولايات المتحدة أن الشرق الأوسط، هو مثلث فاسد الأضلاع ويتكون من:

أ- استبداد سياسي: حيث إن العديد من شعوب الشرق الأوسط، ما تزال تعيش في إطار أنظمة سياسية مغلقة، وكثير من الحكومات تكافح مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها تهديداً، وأن لغة الكراهية، والاستبعاد، والتحريض علي العنف لا تزال هي اللغة السائدة، فالدول العربية، هي دول ديكتاتورية استبدادية .

ب - تخلف اقتصادي : الفقر متأصل في كثير من دول الشرق الأوسط، وهذا التخلف يتمثل في عدم وجود وظائف، فالاقتصادات العربية لا تولد ما يكفي من الوظائف، كذلك هذه الدول غائبة إلي حد كبير عن الأسواق العالمية، فهذا التخلف الاقتصادي يعزز الإحباط الذي يولده الاستبداد السياسي.

جـ - التطرف التعليمي : فبجانب أن عدد كبير من أطفال المنطقة يفتقر إلي التعليم، إلا أن نظم وطرق التعليم نفسها تحوي قدراً كبيراً من الأفكار المتطرفة العدائية، كذلك هناك عجز عن الإلحاق بالثورة التكنولوجية التي تجتاح العالم، وهناك تهميش للمرأة في كثير من دول الشرق الاوسط .

تؤكد الولايات المتحدة أن هذا المثلث يجعل من شبابها مزرعة من إرهابيين، ولا يمكن أن تقبل الولايات المتحدة الأوضاع الراهنة بالمنطقة، وخاصة مع انتشار أسلحة الدمار الشامل، التي يمكن أن تلحق الكوارث بالولايات المتحدة وحلفائها، ولذا فلا بد من حل هذه المعضلة، وذلك عن طريق استبدال هذا المثلث بآخر؛ يتكون من ديمقراطية، وحكم صالح، وازدهار اقتصادي، وتعليم متطور، وقد سعت إدارة بوش إلي ترجمة هذه الأهداف إلي برامج وسياسات محددة، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وذلك في إطار ما أطلقت عليه مبادرات الشرق الأوسط .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

زهير الخويلدي"الحجر الساقط من علِ كلما كان موضع بدء هبوطه أعلى كلما كانت شدة وقعه أقسى..."

ولد أبو البركات ابن ملكا البغدادي في البصرة سنة 1087 ميلادي وتوفي في بغداد سنة1165 ميلادي ولُقِّبَ بفيلسوف العراقيين وأوحد الزمان وعرفه عام الناس باسم البلدي وذلك لتخصصه المعمق في الفلسفة ومبالغته في الاهتمام بالعلوم التطبيقية والطب النفسي وبراعته في الابتكار في الفيزياء والميكانيكا والفلك.

تتلمذ في الطب على يد كبير الأطباء في زمانه الحسن سعيد ابن الحسين وكان واسع الاطلاع على مؤلفات جالينوس وطرقه في العلاج ولكنه سار في الطبيعيات وما عدها على منهج أرسطو وابن سينا والفارابي.

لقد ترك لنا البغدادي مجموعة من المؤلفات الفلسفية وعدد من الرسائل العلمية يمكن إدراجها في باب الفلك مثل مقال في سبب ظهور الكواكب ليلا واختفائها نهارا وفي باب الطب مثل اختصار التشريح من كلام جالينوس وكتاب الأقرباذين ومقالة في الدواء الذي ألفه برشعثا ومقالة أمين الأرواح، وفي باب الفلسفة مثل رسالة في العقل وماهيته وكتاب النفس وكتاب التفسير وكتاب "المعتبر في الحكمة" الذي يعد الأكثر شهرة ويتكون من عدة أجزاء ويتناول فيه ظواهر الطبيعة مثل النبات والحيوان والإنسان والطبيعيات والإلهيات.

تميزت العمليات الطبية التي أجراها ابن ملكا البغدادي بالدقة في التشخيص والجرأة في المداواة والنجاعة في معالجة الأمور الوهمية بالطريقة النفسية واعتمد منهج جالينوس في مواضع وخالفه في مواضع كثيرة.

لقد تفجرت عبقرية ابن ملكا في العلوم الطبيعية التي أعلى من قيمتها بعد تعرضه للمنطق والماورائيات  وتأكيده على أن "الطبيعيات هي الأشياء الواقعة تحت الحواس من أحوالها وما يصدر عنها من حركاتها وأفعالها وما يفعل ذلك فيها من قوى وذوات غير محسوسة" وإقراره بأن " العلوم الطبيعية هي العلوم الناظرة في هذه الأمور الطبيعية ، فهي الناظرة في كل متحرك وساكن"، وبالتالي يعتبر "العلم الطبيعي المنسوب إلى الطبيعة، الذي يساير المحسوسات من الحركات والتحركات والمتحركات" وجملة آثارها.

 

لقد تفطن أبو البركات البغدادي إلى أن تأثير الجاذبية الأرضية في حركة الأجسام والكواكب في الفضاء وأدرك بلغة عصر قوانين الحركة التي صاغها فيما بعد كل من غاليلي وديكارت ونيوتن بصورة وضاحة وهي مسألة السقوط الحر للجسم ومسألة السرعة والتسارع ومسألة الجذب والدفع ومسألة التأثير والتأثر.

لقد ربط ابن ملكا البغدادي بين علم الطبيعة وعلم الحركة ولكنه أضاف إلى النظر العقلي والاستدلال المنطقي اعتماد التجارب العينية والحساب الرياضي والهندسة وأسس بشكل مستقل علم الميكانيكا الذي يهتم بالسرعة في الزمن والتسارع في المكان وبالقوة من الجسم وكميتها من جهة الممانعة والاحتكاك.

لقد ميز ابن ملكا بين الحركة الطبيعية التي تكون تحت تأثير قوى الجاذبية الأرضية حيث يسعى كل جسم في طلب وضعه الطبيعي عند مركز الأرض والحركة القسرية التي تحدث نتيجة تعرض الجسم لمحرك خارجي يجبره على تغيير مكانه أو وضعه، كما يميز في الحركة الطبيعية بين المناسب والمباين ويشير إلى وجود خاصية في الجسم الطبيعي تجعله يدافع على بقائه على حاله ويحافظ على موضعه الأصلي.

بعد ذلك يتطرق إلى ظاهرة التساقط الحر للأجسام ويشير إلى أن حركة الجسم تتزايد في السرعة كلما أمعن الجسم في هبوطه الحر بحيث أن تأثيره يشتد مع طول المسافة المقطوعة وينقص لما تكون المسافة قصيرة ويستخلص أن كمية الحركة  تزداد في شدة تأثيرها بازدياد المسافة المقطوعة وتنقص بقصرها. اللافت للنظر أن ابن ملكا تحدث عن الهواء بوصفه الحيز الطبيعي وانتبه إلى السقوط في خط مستقيم ومقاومة الهواء لحركة الأجسام ونقض بذلك قول أرسطو حول تناسب سرعة سقوط الأجسام مع أثقالها.

يصرح في هذا السياق:" لو تحركت الأجسام في الخلاء لتساوت حركة الثقيل والخفيف والكبير والصغير، والمخروط المتحرك على رأسه الحاد والمخروط المتحرك على قاعدته الواسعة، في السرعة والبطء..."

بعد ذلك درس ابن ملكا علاقة الحركة بالزمان ورأى أنه كلما اشتدت القوة ازدادت السرعة وقصر الزمان واستنتج من ذلك إمكانية سلب الزمان في السرعة وليس في سلب الزمان أثناء قطع المسافة وبالتالي يكون قد قال بتناسب القوة مع تغير السرعة بالنسبة إلى الزمان واقترب من قانون تناسب القوة مع التسارع.   لقد أدى اهتمامه بقانون السرعة التي تساوي المسافة مقسومة على الزمن إلى تناول بالتحليل ظاهرة سير العجلة واستنتج أن التسارع يساوى السرعة مقسومة على الزمن أي معدل تغير السرعة بالنسبة للزمان.

في مستوى ثالث تفطن ابن ملكا بشكل واضح لا لبس فيه الى أن لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه ويبرهن على ذلك بوجود جسم في حالة توازن تحت تأثير قوتين متساويتين مقدارا متعاكستين اتجاها ويقدم مثال الحلقة المتجاذبة بين مصارعين بقوله:" إن الحلقة المتجاذبة بين المصارعين لكل واحد من المتجاذبين في جذبهما قوة مقاومة لقوة الآخر، وليس إذا غلب فجذبها نحوه يكون قد خلت من قوة جذب الآخر، بل تلك القوة موجودة مقهورة، ولولاها لما احتاج الآخر إلى كل ذلك الجذب...".  لقد حقق أبو البركات سبقا معرفيا في مجال الميكانيكا حينما وصف حركة الأجسام تحت تأثير الجاذبية ووضع نفسه ضمن عباقرة العالم في المجال الفيزيائي وأسهم بذلك دون أن يعي في قيام الثورة العلمية.

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

......................

المرجع:

أبو البركات البغدادي، المعتبر في الحكمة الإلهية، دار ومكتبة بيبليون، طبعة 2011، 1038 صفحة.