جواد بشارةفي فجر الكون المرئي، وفي الجزء الأول من مليار من الثانية الأولى بعد الانفجار العظيم وتحت درجة حرارة تجاوزت العشرة آلاف مليار درجة مئوية، حيث تنبث وتتبخر الكواركات التي ستشكل فيما بعد الذرات الأولية للمادة، وبالتوافق مع التقلبات والتخلخلات والتموجات الكمومية أو الكوانتية للبلازما المكهربة أو المشحونة كهربائياً، بلغت الكثافة طاقوياً قيماً تكاد تكون لانهائية إلى درجة جعلت الفضاء أو المكان المتولد حديثاً ينهار على نفسه ويفضي إلى تشكل " ثقوب سوداء أولية بدئية منها ماهو مجهري ومنها لا يتجاوز قطرها بضعة عشرات الكيلومترات وبكتل تقارب كتلة شمسنا وفي كل مكان في الكون الوليد في كل 10000 كلم . وكانت هناك موجات ناجمة عن التصادمات ذات قوة عنف مهولة انتشرت بسرعة الضوء في الحساء الطاقوي الساخن وقامت ببلورة المادة cristallisent la matière، بالتزامن مع تمدد الكون وانخفاض حرارته أو برودته. بعض العلماء اليوم يعتقدون أن هذه الحالة هي الأصل لما نعرفه اليوم بالمادة المظلمة أو السوداء، أي الثقوب السوداء البدئية ألأولية التي خرجت سالمة من سعير الغليان البلازمي الأصلي، وانتشرت فيما بعد في الفضاءات ما بين المجرية وداخل المجرات نفسها بين النجوم، حتى أن مجرتنا درب التبانة تحتوي على 10000 مليار ثقب أسود بدئي أولي، أي أكثر عشر مرات من عدد النجوم التي تحتويها مجرتنا، حسب تقديرات العالم الذي افترض وجودها العبقري البريطاني الراحل ستيفن هوكينغ سنة 1971. ولقد فشلت حملتان لرصدها وهما ماشو MACHO  سنة 1998 و إيروس EROS سنة 2006 أو العثور على آثار لمثل تلك الثقوب السوداء البدئية الأولية . لكنها عادت للواجهة بقوة نتيجة اكتشاف ورصد الموجات الثقالية ondes gravitationnelles  منذ العام 2015 إذ أ، بعض تلك الموجات نجم عن تصادم ثقوب سوداء تبلغ كتلتها 30 مرة كتلة الشمس وهي كتلة خفيفة غير قادرة على خلق  ثقب أسود فائق الكتلة كذلك الموجود في مركز مجرتنا، ومن جهة أخرى هي كتلة كبيرة بالنسبة لثقوب سوداء نجمية، أي تلك النجوم التي تنهار على نفسها في أواخر حياتها، الأمر الذي أدى إلى إنعاش فرضية ستيفن هوكينغ حيث أعيد تحليل ودراسة وإعادة النظر في نتائج تجربتي ماشو وإيروس. الفرضية  أنيقة وملخصها يقول أن المادة السوداء هي في الحقيقة عبارة عن نجوم بدئية صغير وأجسام فضائية غير مرئية تنتشر كالنمل في الكون وتمارس في كل مكان جذبها الثقالي وهي فرضية قابلة للتدقيق حيث يمكن رصد مثل هذه المكونات يوماً ما وهي عرضة لحملات رصد ومراقبة مكثفة من قبل فرق علمية جادة متخصصة في هذا المجال. التلسكوب البولوني OGLEالذي يبحث في قلب مجرة درب التبانة منذ سنة 2001، رصد ثمانية ثقوب سوداء من هذا النوع كتلها تتراواح بين ضعف  وخمسة أضعاف كتلة الشمس أي تتطابق مع تقديرات كتل الثقوب السوداء النجمية البدئية والأولية كواشف الموجات الثقالية ليغو LIGO و فيرغو VIRGO ترصد وتبحث هي الأخرى بدورها هذا النوع من الثقوب السوداء البدئية الأولية trous noirs primordiaux،وتم رصد عشرات التلاحمات والتصادمات والاندماجات بين مثل هذه الثقوب السوداء. فلو كان وزن بعض الثقبوب السوداء أقل من خمسة أضعاف كتلة الشمس أو أكثر من ثلاثين مرة كتلة الشمس، وهي القيم المحددة الموضوعة لنظرية الثقوب السوداء النجمية، مع البقاء أدنى من 1000، وهي الحد الأدنى للثقوب السوداء المجرية العملاقة، عندئذ يمكننا اعتبارها ثقوب سوداء بدائية أولية أو بدئية ولدت مع ولادة الكون المرئي ونفس الشيء لو كان دورانها يقرب من الصفر.

بالرغم من أن الثقوب السوداء نفسها ليست مصدراً للإشعاعات والضوء إلا أن قرص التراكم المكون من الأغبرة  والغازات التي تحيط به، هو الأصل لإنبعاث أشعة كهرومغناطيسية قوية، خليط من الضوء المرئي وأشعة إكس وأشعة غاما  والأشعة الراديوية الخ، من المحيط المباشر  لثقب أسود هو الذي يبعث الضوء وهو أمر نادر فلقد رصد فريق من علماء الفيزياء الفلكية ثقباً أسود مجري يحتوي على دورة إشعاعية ومضية كل تسع ساعات وهو الأول من نوعه الذي يبعث على نحو سريع ومنتظم إشعاعاً قابلاً للرصد والمراقبة أو المشاهدة التلسكوبية في حين لا يعرف العلماء سبباً ذلك لحد الآن. فكل تسع ساعات يقوم ثقب أسود يوجد في مركز مجرة GSN 069، التي تقع على بعد حوالي 250 مليون  سنة ضوئية عن الأرض، ببث دفق ضوئي منتظم. وهو ثقب أسود نشط في عملية التراكم حيث تسخن المادة وتبث إشعاعاً كهرومغناطيسياً عندما تسقط نحو أفق الأحدث vers l’horizon des événements. ولقد لاحظ العلماء المتابعون والمراقبون لنشاط الثقب الأسود المشار إليه والذي يستخدمون تلسكوب XMM-Newton التابع لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، بين ديسمبر 2018 و شباط 2019، أنه في كل مرة في قمة الدفق الإشعاعي، كل تسع ساعات، يحدث ذلك، ربما بسبب سرعة دوران الثقب،  حيث يكبر إشعاع أو ضوء الثقب الأسود GSN 069 100 مرة أكثر و أقوى سطوعاً، ضمن إشعاعات إكس . فبالعادة تكون الإشعاعات الناجمة عن ثقوب سوداء فائقة عملاقة تقارن بضوء شمعة، في حين كان الأمر مختلفاً تماماً مع  الثقب الأسود GSN 069. هناك فرضيات لهذا الشذوذ تعزى، إما لإضطراب وخلل في قرص التراكم المحيط بالثقب الأسود، أو بسبب وجود ثقب أسود آخر غير مرئي بالقرب يتسبب بعملية الإضطراب في القرص على نحو دوري منتظم، أو بسبب حدوث بعض الظواهر الكمومية أو الكوانتية الغريبة في الفضاء المجاور والتي تم رصدها مؤخراً وراء هذا النوع من الخلل والتميز والشذوذ. وهناك احتمال افتراضي يتعلق بإمكانية تشكل غيمة من الإلكترونات بالقرب من هذا الثقب الأسود، والجدير بالذكر أن الثقب الأسود الفائق العملاق القابع في مركز مجرتنا درب التبانة أصبح فجأة أكثر سطوعاً بقوة 75 مرة أكبر من العادة لأسباب لا تزال مجهولة لدى العلماء.

ماذا يحدث فعلاً داخل الثقب الأسود؟

لم يذهب أحد إلى ثقب أسود وعاد إلينا ليخبرنا لأنه لايمكن لأي شيء أن يخرج من الثقب الأسود وليس أمامنا من خيار سوى أن نصدق ونعتقد بما تقوله لنا " النظرية" وهذه الأخيرة تم التحقق من صحتها عدة مرات، والمقصود بها نظرية النسبية العامة التي ثبتت صحتها بالمشاهدة والرياضيات. تخبرنا النسبية العامة بأن من المستحيل البقاء ساكنين إذا كنا بالقرب من ثقب أسود فسوف نسقط حتمياً في داخله ونتجه نحو مركزه حتى لو كنا داخل مركبة فضائية سريعة فلن تستطيع الإفلات من جاذبية الثقب الأسود الهائلة. وأفضل شيء هو ألا نفعل شيء ونحن بداخله. تقول لنا النظرية أننا لا نشعر بشيء عندما نتخطى حدود أفق الأحداث لكن ذلك لايعني أن الولوج داخل ثقب أسود خالي من المخاطر فهناك أولاً تأثير المد والجزر على الجسد الذي يتعرض للتمدد إلى أن يتعرض للتقطع فالأقدام تسحب بقوة قبل سحب الرأس وتقوم الجاذبية بتمزيق الجسد ويمكن أن يحدث ذلك في بداية دخولنا للثقب أو  في داخله تماماً حسب حجم الثقب الأسود فالثقوب السوداء الصغيرة هي الأخطر من الثقوب السوداء العملاقة فعملية تمزيق وتفريق أجزاء الجسد قد تحدث متأخرة في حالة سقوطنا داخل ثقب أسود فائق عملاق، وذلك بسبب تعرضنا لحالات إنحناء وتحدب الزمكان بقوة شديدة داخل الثقب الأسود.  خاصة في الثقب الأسود الأعلى trou noir toupie الذي يدور حول نفسه، كباقي الأجسام في الكون، النجوم والكواكب والمجرات التي تدور حول نفسها، فهذه هي الحالة السائدة والطبيعية في الكون، عدا حالات شاذة و نادرة، ولكن مع الثقب الأسود الذي يدور حول نفسه الأمر مختلف كلياً والذي وصفه العالم الفيزيائي  كيرKerr بدقة رياضياتاً وصار يقرن بإسمه والحال أن كل الثقوب السوداء هي من هذا النوع الذي يدور ولكن بسرعات مختلفة ومتنوعة. فعندما يدور الثقب الأسود يسحب معه في حركته المكان أو الفضاء الذي يتواجد فيه. فحتى من يتواجد خارجه سيكون مجبوراً على أن يدور مثله لأن الفضاء أو المكان المحيط كله يدور. النظرية تقول أن مركز الثقب الأسود ليس نقط مركزية بل حلقة أو خاتم يمكن المرور خلاله. فلو كان المركز نقطة تعرف بالفرادة فسوف يسقط الداخل للثقب عليها، ولكن لو كان حلقة مجوفة فيمكن المرور خلالها وربما الخروج من الجهة الأخرى نحو عالم آخر أو نحو منطقة أخرى في الكون بعيدة جداً، أي  طريق مختصرة،  أو تأخذنا نحو كون آخر، وعندها يمكن وصفها بالثقب الدودي. ومن الناحية النظرية يمكننا استخدام واستغلال الطاقة الهائلة داخل الثقب الأسود والمسماة بتأثير بينروزeffet Penrose، العالم البريطاني الذي افترضها. وهي موجودة نظرياً ورياضياتياً ولكن فيزيائياً من غير المحتمل أن نعثر عليها بتكنولجيتنا البدائية لأن هناك احتمال أن ينغلق الثقب الدودي ويمنع المادة من  المرور خلاله والخروج منه من الجهة الثانية. 

اكتشف ستيفن هوكينغ، وهو من أشهر المتخصصين بالثقوب السوداء، أن هذه الأخيرة تمتلك انتروبيا  عملاقة هائلة gigantesque entropie، أي اللا انتظام الكبير، فأحد قوانين الطبيعة يقول أن الأشياء تتطور عفوياً وذاتياً وعشوائياً مما يجعل اللانظام  le désordere يكبر، والأنتروبيا هي اللانظام. ولقد استنتج هوكينغ أن الثقوب السوداء تتضمن فوضى ولانظام كبير . والثقب الأسود إن هو إلا كرة هندسية باستطالة اسطوانية مفترضة غير مرئية والعلماء يعملون ما وسعهم رياضياتياً ويحسبون ويجربون ليعرفوا حقيقة ونوع الفوضى واللانظام داخل الثقب الأسود الذي تحدث عنه ستيفن هاوكينغ. لكن الدليل الأقوى الذي توفر لدى البشر عن الثقوب السوداء هو موجاتها الثقالية، وبالطبع الصورة التي تمكن العلماء من تحقيقها قبل أشهر حيث نجحوا في تصوير ثقب أسود فوتوغرافياً وعلى نحو فعلي وحقيقي وليس افتراضي بطريقة المحاكاة الكومبيوترية كما كان الحال في السابق.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

"هذا العالم عبارة عن جبال.. وأعمالنا صرخات فيه.. وعن الجبال دوما ألينا.. ترتد صدى صرخاتنا!! "

القضايا البيئية وفي العديد من دول العالم تعتبر ذات أهمية قصوى، ولذلك تعد كأنها وظيفة مستقلة للدولة لأن توفير حماية البيئة والاستخدام الرشيد واستنساخ الموارد الطبيعية أمر مهم لبقاء المجتمع بقدر أهمية حماية سيادة القانون، وهذا مهم بشكل خاص بالنسبة للمنطقة العربية فهي دول ذات مواد خام وطاقة كبيرة لابد من توظيفها للسيطرة والتحكم في تطوير التنمية الاقتصادية، غير إننا لابد إن ندرك أولا ماهية الأشكال والإضرار والإعراض الجانبية والرئيسة لتأثير استخراج المواد الخام والطاقة على البيئة، والتي نجدها بشكل كبير في تلوث الغلاف الجوي عبر التأثير الحراري وانبعاث الغازات والغبار في الغلاف الجوي وتلوث الغلاف المائي عبر التلوثات الحرارية للأجسام المائية وانبعاثات الغازات الملوثة وتلوث الغلاف الصخري أثناء نقل الطاقة والتخلص من النفايات في إنتاج الطاقة والتلوث بالنفايات البيئية المشعة والسامة والتغيير في النظام الهيدرولوجي للأنهار بسبب محطات الطاقة الكهرومائية، ونتيجة لذلك التلوث في منطقة المجرى المائي كان لابد من إنشاء مجالات كهرومغناطيسية حول خطوط الطاقة واستخراج واستخدام الموارد غير المتجددة بتشكيل مقالب نفايات كبيرة الحجم أدت إلى تغيرات خطيرة في المناظر الطبيعية وابادت الكثير من الحيوانات والنباتات في مناطق بأكملها، كما أدت إلى تشكيل الأخاديد والفراغات والتغيرات في النظام الهيدرولوجي مما إزال شبه الغابات واوجد الظروف المسبقة للحوادث الصناعية والكوارث الطبيعية.

كما إن النمو السريع للإنتاج الصناعي والأنشطة البشرية والنمو السكاني يتسبب بنقصا متزايدا في المياه العذبة والتي تنتمي أيضا إلى الموارد الطبيعية غير المتجددة ونحن في عصر نفتقر فيه إلى المياه في العديد من مناطق العالم، وفي الوقت ذاته فإن أحد أسباب النقص المتزايد في المياه العذبة هو إهدارها واستخدامها بصورة غير عقلانية، إضافة إلى إن نوعية الهواء تتدهور أيضا بشكل كبير وجرائها يتعرض الحوض الجوي للأرض لضغط من صنع الإنسان عبر اطلاق مليارات من اطنان غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو سنويًا، مما يفاقم الوضع بسبب اختفاء الغابات وتصحر مساحات شاسعة من الأرض

حسب بعض التقديرات فإن 15٪ من كتلة الأرض في العالم قد تدهورت بالفعل بسبب التدخل البشري وزاد تآكل المياه والرياح في التربة وتغير المناخ وتضاعف تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي ولاستكمال قائمة جوانب الأزمة البيئية هذه فلابد إن نذكر أيضا مشاكل استنفاد طبقة الأوزون في الغلاف الجوي وخطر تغير المناخ على الكوكب واختفاء بعض الأنواع النباتية والحيوانية والموارد البيولوجية المائية، وما إلى ذلك من كوارث بيئية والتي بالتالي هي وبقوة تؤدي إلى تحولات هجرة كبيرة تهدد الأمن الدولي وتحدد مستوى صحة وعمر الشخص مما تؤثر بشكل مباشر على الأمن الديموغرافي وتؤدي إلى تهديد الأمن الروحي والأخلاقي للجميع عبر السير بغير حذر نحو الوقوع بكوارث بيئية.

البيئة ليست فئة طبيعية فحسب بل هي أيضًا فئة روحانية تعكس موقف الأنسان تجاه العالم فيه ومن حوله وتعكس احتياجاته وكلما زاد تذبذب الشخص قلت به الأنانية وتسبب في ضرر أقل للأشخاص الآخرين والطبيعة بشكل عام في الوعي الحديث فيتم تشويه الصورة الحقيقية لأسباب الكوارث البيئية من خلال معلومات حول الاكتظاظ السكاني وثقب الأوزون والاحتباس الحراري وما إلى ذلك، لكن المشكلة البيئية الحقيقية والفعلية تكمن في التدهور الأخلاقي للإنسان الحديث وإن الأسباب الرئيسة لجميع الكوارث البيئية ليست التقلبات والتغيرات الطبيعية وليس "القوانين الصارمة للتقدم العلمي والتكنولوجي" وليس الاكتظاظ السكاني على كوكب الأرض والافتقار إلى الموارد الطبيعية، وتكمن أيضا في التوزيع غير العادل للموارد والثروات والخيرات العالمية واستخدامها بصور تبجحية وغير إنسانية وغير فعالة مما يعكس موقف الفرد الإنساني وبأشكال سلبية تجاه البيئة والطبيعة وتجاه العالم من حوله.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

حسيب الياس حديدتهدف الحكومات من سياساتها للاقتصاد الكلي الى  تحقيق هدفين رئيسيين لكي تضمن ان متغيرات الاقتصاد الكلي (مثل النمو الاقتصادي والتضخم) تكون عند مستويات مقبولة. العمل على خلق بيئة اقتصادية مستقرة  تستطيع من خلالها تحقيق ازدهاراً واضحاً وحقيقياً وبعبارة أخرى تقليل التقلبات في النشاط الاقتصادي .

وفي هذا المبحث نعمل على تشخيص  المتغيرات الرئيسة في الاقتصاد الكلي وكيفية عملهم  وسوف يتم التطرق  الى الكيفية التي بوساطتها تتمكن الدولة من التأثير على هذه المتغيرات لخلق بيئة افضل للأعمال .

اهداف الاقتصاد الكلي

هنالك متغيرات عديدة تبحث عنها الحكومات من اجل السيطرة والرقابة الا انه بالإمكان تصنيفها الى أربعة محاور:

النمو الاقتصادي

تعمل الحكومات جاهدة من اجل تحقيق اعلى نسب فائدة من النمو الاقتصادي وعلى الاجل الطويل، وبعبارة أخرى النمو الذي يمكن استدامته لسنوات طويلة بحيث  لا يعد ظاهرة وقتية ولهذا الهدف تسعى الحكومات الى تحقيق اقتصاد مستقر وتعمل على ان تتجنب الركود الاقتصادي والنمو الاقتصادي السريع والفائض عن الحاجة قصير الأمد والذي لا يمكن استدامته.

البطالة

تهدف الحكومات ضمان انخفاض معدلات البطالة ليس فقط من اجل العاطلين عن العمل وانما بسبب ان البطالة تمثل هدرا للموارد البشرية واستنزافا لموارد الدولة.

التضخم

نعني بالتضخم ارتفاع في الأسعار من خلال الاقتصاد لذلك يتوجب على الحكومات ان تجعل  التضخم منخفضاً ومستقراً . وان احد الأسباب المهمة هو المساعدة في إجراءات صنع القرار. وعلى سبيل المثال سوف تكون الاعمال قادرة على وضع أسعار معينة ونسبة أجور محددة  واتخاذ قرارات خاصة بالاستثمار وبثقة عالية . ففي الوقت الحاضر هناك تضخم تبلغ نسبته بين 2% او 3 $ ولكن ليس بعيدا اذا كانت الأرقام والنسب في الدول الأكثر تقدما اعلى من ذلك بكثير . ففي عام 1991 بلغ معدل التضخم في المملكة المتحدة 11%وفي عام  1975 بلغ المعدل نسبة 24%

ميزان المدفوعات:

تهدف الحكومات الى تقديم بيئة من شأنها ان تزيد من الصادرات بحيث تتجاوز نسبتها نسبة الواردات . كما تحاول ان تجعل الاقتصاد اكثر جديا مع تشجيع الاستثمارات الداخلية . وبعبارة أخرى تعتمد الحكومات على خلق مناخ يجعل عائدات الدولة من العملات الصعبة تعادل الطلب عليها ان لم  تفوقها وبهذا تبحث الدول عادة عن ميزان مدفوعات مفضل.

وبغية بلوغ هذه الأهداف تحاول الحكومات البحث عن عدة " خيارات او متغيرات متوسطة  " ويشمل ذلك سعر الفائدة وعرض الأموال والضرائب والانفاق  الحكومي . وعلى سبيل المثال، يعتمد تحقيق افضل ميزان مدفوعات جزئياً على حقيقة فيما اذا كانت سعر الصرف يسمح لسلع الدولة وخدماتها ان  تحافظ على منافسة سعرية (واسعار تنافسية) (باليورو او بالجنيه إسترليني) وسوف يعمل ذلك على زيادة صادرات  الدولة لذلك تبحث الدولة عن استخدام سعر الصرف لتجعله مفضلا.

التمييز بين النمو الحقيقي والنمو الاحتمالي

يعني النمو الحقيقي نسبة الزيادة السنوية في المخرجات او GDP (اجمالي الإنتاج الداخلي)، وبعبارة أخرى، نسبة النمو في المخرجات الواقعية .

ويعني النمو الاحتمالي (المتوقع) السرعة التي يستطيع فيها الاقتصاد ان يحقق النمو المطلوب.  اي نسبة الزيادة السنوية في قدرة الاقتصاد في الإنتاج ونسبة النمو في المخرجات الاحتمالية وتمثل المخرجات سقفا لمخرجات البلاد .

فاذا زادت نسبة النمو الاحتمالي  على نسبة النمو الحقيقي سوف تكون هناك زيادة في القدرة الإضافية وزيادة في البطالة وسوف تكون هناك هوة متزايدة بين المخرجات الحقيقية المحتملة . ولسد هذه الهوة ينبغي على نسبة النمو الواقعية ان تزيد وبصورة وقتية على نسبة النمو الاحتمالي وعلى المدى البعيد سوف تتجدد نسبة النمو الحقيقي الى نسبة النمو الاحتمالي . هنالك مسألتان   جوهريتان تتعلقان بالنمو الاقتصادي  الاولى مسألة ضمان جعل النمو الحقيقي الذي  يعمل على الحفاظ على المخرجات الحقيقية القريبة من المخرجات الاحتمالية وتكون هذه  المسالة على المدى القصير . اما على المدى البعيد فهي مسألة  تحديد نسبة النمو الاقتصادي الاحتمالي.

النمو الاقتصادي ودورة الاعمال:

وعلى الرغم من ان المخرجات المحتملة تختلف الى حد ما عبر السنين بالاعتماد على نسبة تقدم التكنلوجيا  يعمد مستوى الاستثمار واكتشاف مواد اوليه أخرى الى ان يتصف بثبات اكثر من النمو في المخرجات الحقيقية .

ويميل النمو الحقيقي الى التذبذب . وفي بعض السنوات  نلاحظ نسبة عالية في النمو الاقتصادي في حين انه في سنوات أخرى نجد ان النمو منخفض حتى انه سلبي وفي هذه الحالة تواجه البلاد حالة من الركود، وتعرف هذه الظاهرة بدورة الاعمال (حلقة الاعمال) او الحلقة التجارية او الدورة التجارية .

وهناك أربع مراحل  لهذه الدورة:

1- الارتفاع  في هذه الحالة يبدأ الاقتصاد بالنمو والزيادة.

2- نجد  في هذه المرحلة نمواً اقتصادياً سريعاً وهنا نجد ان الاقتصاد في حالة ازدهار وفي هذه الحالة تصبح  الهوة الموجودة بين المخرجات الحقيقية والمحتملة ضيقة .

3- الانخفاض: في هذه المرحلة  يميل النمو الى الانخفاض او انه حتى  في بعض الأحيان يتوقف .

4- الركود: في هذه المرحلة هنالك نمو قبل اوانه لا يوجد نمو اقتصادي اصلاً وحتى ان نلاحظ  تدهوراً في المخرجات .

فجوات المخرجات

اذا ما تحقق النمو الاقتصادي  ثمة سؤال  يطرح نفسه:  ماهي السرعة التي سوف يتم فيها النمو الاقتصادي وماهي المدة قبل ان تظهر المشكلات الخاصة بالتضخم؟ وما هو مستوى النمو والى أي حد سوف يكون مستديماً على المدى الطويل؟

للإجابة عن هذا السؤال قام المتخصصون في الاقتصاد بتطوير مفهوم "فجوات المخرجات". ويمكن ان نعرف الهوة بانها الفرق بين المخرج الواقعي والحقيقي والمخرج المستديم . فالمخرج المستديم هو مستوى المخرجات المرتبطة بالتضخم المستقر .

قياس النمو:

تتمثل ابسط طريقة لحساب هوة المخرجات في قياس معدل النمو للاقتصاد ثم معرفة الى أي مدى يختلف المخرج الحقيقي عن اتجاه المخرج.  وهنا  نلاحظ ان المستوى المستديم للمخرجات ينمو بثبات . وتعد هذه النقطة من نقاط الضعف الرئيسة لهذه الطريقة . فالتقديم التكنلوجي يأتي على شكل موجات تؤدي الى حدوث  تأثير قوي على الاقتصاد وعلى المخرجات . اما معدلات التجديد فإنها تعتمد على مرونة الاقتصاد والى أي مدى تسمح تلك المرونة  بالتكيف للتكنلوجيات الحديثة  وحجم الاستثمارات التي سوف تحدث .

حسومات الاعمال:

هناك طريقة أخرى لقياس الهوة الموجودة في المخرجات وهي الطلب من الاعمال  والشركات بصورة مباشرة اذ تقوم (CBI) بالطلب من المصنعين ويمكن توجيه السؤال الاتي: هل ان مستوى المخرجات الحالية اقل من القدرة؟ وبدورها توجّه غرف التجارة البريطانية أسئلة مماثلة. ويمكن ان تقدم هذه المسوحات معلومات ومؤشرات حول نسب قدرة الاستعمال. كما تركز بعض المسوحات  على قطاعات خاصة والتي من الممكن ان تشير الى موقف القدرة او كفاءة الاقتصاد ككل . ونجد ان  بعض الشركات تتمتع  بمستوى اعلى من القدرة الاعتيادية (وذلك عن طريق العمل الإضافي) وربما يكون ذلك في قطاع معين في حين نجد في شركات أخرى تتمتع بخصائص قدرة في قطاع اخر .

دورة  (حلقة الاعمال) في المجال التطبيقي

من الناحية العلمية  تكون حلقات الاعمال غير منتظمة بطريقتين:

طول المراحل: تكون بعض مراحل الازدهار قصيرة حيث انها تستغرق عدة اشهر فقط  في حين ان الاخرى  تستغرق وقتا أطول وربما تستغرق فترة قد تصل الى ثلاث سنوات او ربما في بعض الأحيان الى اربع سنوات . وفي هذه الحالة  نلاحظ حالات الركود قصيرة في حين ان الأخرى تكون طويلة .

حجم المراحل

في بعض الأحيان تكون نسبة  النمو الاقتصادي عالية  وربما تبلغ في  المرحلة الثانية  هذه النسبة (5%) سنويا او اكثر من ذلك . وفي مناسبات أخرى تشهد المرحلة الثانية تقدما اكثر. وفي بعض الأحيان يظهر الركود في المرحلة الرابعة  مع وجود انهيار او انخفاض في المخرجات (كما هو الحال في أوائل الثمانينات واوائل التسعينيات) وفي بعض الأحيان او المناسبات نجد ان المرحلة الرابعة تشكل " توقفا " مع بطؤ بسيط في النمو .الا انه على الرغم من عدم انتظام التقلبات يمكن فهم الحلقات  خاصة عندما نخطط النمو على محور عمودي اكثر مما نخطط على مستوى المخرجات.

أسباب التقلبات في النمو الحقيقي

تمثل التغييرات والاختلافات في نمو الطلب الإجمالي الأسباب الرئيسة للتغييرات في نسية النمو الحقيقي على المدى القصير:

الطلب الإجمالي

يمثل ذلك الانفاق او النفقات الاجمالية على السلع والخدمات في الدولة. وتتضمن عادة أربعة عناصر: مصروفات المستهلك (C) ونفقات الاستثمار من قبل الشركات (i)، الانفاق الحكومي (G) وأخيرا النفقات من قبل المقيمين الأجانب في مجال السلع والخدمات (أي مشترياتهم من صادراتها واستثماراتهم في الدولة) (X) . ومن هذه العناصر لابد من طرح النفقات التي ذهبت الى الاستيرادات (M) وطالما ان هذه نفقات قد " تسربت " الى الخارج فانه لم يتم انفاقها على السلع الداخلية وكذلك الخدمات الداخلية لذلك فان:

AD=C+I+G+X-M

الطلب الإجمالي = مصروفات المستهلك + نفقات الاستثمار من قبل الشركات + الانفاق الحكومي + النفقات من قبل المقيمين الأجانب – الاستيرادات

أسباب النمو الاحتمالي

هنالك محددان اثنان للمخرج الاحتمالي:

(e) مبلغ الموارد المتوفرة

(c) انتاجيتها .

زيادات في كمية الموارد

رأس المال: يعتمد مخرج الدولة على اسهم رأس المال (k) وتعمل  الزيادة في رأس المال على زيادة المخرجات فاذا ما تجاهلنا مشكلة المكائن التي تصبح خارج العمل والتي تحتاج الى تبديل فان رأس المال سوف يزداد وذلك عن طريق مبلغ الاستثمار . وتعتمد  زيادة المخرجات على إنتاجية رأس المال .

كما لاحظنا  آنفا تعتمد نسبة النمو على نسبة هامش راس المال / المخرجات (K) وهذا هو مبلغ فائض راس المال (ΔK) مقسم بمبلغ المخرجات السنوية الإضافية التي تنتجها (ΔY) وكلما كانت قيمة (K) منخفضة كلما كانت إنتاجية راس المال اعلى . كما تعتمد نسب نمو المخرجات الاحتمالية على نسبة الدخل القومي الذي تم استثماره (i) مفترضين انه تم استثمار كل المدخرات التي سوف تكون مساوية لنسبة الدخل القومي الذي تم ادخاره (ٍS).

ماهو الشيء الذي يحدد الاستثمار ؟ هناك عوامل عديدة تحدد الاستثمار منها ثقة رجال الاعمال حول مستقبل الطلب على انتاجهم وربحية الاعمال ونظام الضرائب ونسبة النمو في الاقتصاد وسعر الفائدة.

وعلى المدى الطويل اذا كان هناك زيادة في الاستثمار يجب ان تزيد المدخرات  من اجل تمويل الاستثمار . وبعبارة أخرى ينبغي على الناس الإمساك بمبلغ معين من الاستهلاك للسماح بتحويل الموارد الى سلع راس مال إنتاجية مثل المعامل والمكائن .. الخ (يتبع)

 

ترجمة: الدكتور حسيب الياس حديد

 

محمود محمد عليقبل أن نشرع في عرض نظرية الوجود المقلوب عند الدكتور وهبة طلعت أبو العلا، نود في هذه المقالة أن نعرض أولا للسيرة الذاتية وفلسفة الدكتور وهبة، وفي هذا نقول:  قليلون هم الرجال الذين يتركون بصماتهم على وجه الحياة ابداعًا وآثارًا تتذكرها الاجيال، رجال حفروا في الصخر وقاوموا المستحيل من أجل أن يكونوا ضمن هؤلاء الرجال؛ ويعد وهبة طلعت أبو العلا (أستاذ الفلسفة بكلية الآداب – جامعة المنيا بجمهورية مصر العربية) من ذلك النوع من المفكرين الذين يمكن أن يطلق عليهم الفكر الفلسفي المزدوج ؛ فإنتاج وهبه طلعت الفلسفي يغلب عليه الطابع الفكري الوسطي "، مصداقا (كما يقول نفسه في سيرته الذاتية) لقوله تعالى في سورة البقرة آية 143: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا..." صدق "الله" العظيم ؛ ولعل الولع بالفكر "الوسطي" نفسه هو الذي ربما يفسر السر أيضاً في محبة وهبة طلعت "للقاضي عبد الجبار"، وفي عدم كراهيته "لمحيي الدين بن عربي"، رغما عن أنه لم يطابق نفسه فكرياً مع أي واحد منهما في أي وقت من الأوقات. فمحبته للفكر "الوسطي"، ربما هي التي حالت دون ذلك، باعتبار أن أولاهما كان له علاقة بالموقف العقلي، وكان الآخر يميل كثيراً إلى الاتجاه العاطفي؛ وهو في هذا يقول بصريح العبارة " ولعل الولع بالفكر "الوسطي" نفسه هو الذي ربما يفسر السر أيضاً في محبتي للإنسانيات بما تنطوي عليه من روحانيات وأخلاق وفن وتاريخ وسياسة وغيرها، وهو نفسه الذي ربما يبرر السر في عدم  كراهيتي "للعلم" في أي يوم من الأيام. هذا يبرر السبب في كتابتي لأعمال لها علاقة بالدين والأخلاق والفن وفلسفة التاريخ وفلسفة السياسة، من ناحية، وفي ترجمتي لأعمال كثيرة تخص فلسفة العلم، من ناحية أخرى."

ويستطرد وهبة طلعت فيقول " وربما يكون لذلك علاقة بمحبتي للفلسفة منذ وقت مبكر وتفضيلها على أي فرع آخر. فالفلسفة تمكن صاحبها من الاهتمام بالإنسانيات من ناحية، ومن الاهتمام بالعلم أو على الأقل بفلسفة العلم، من ناحية أخرى. حقا، لقد كانت درجاتي في الثانوية العامة تؤهلني دوما، كغيرها من الدرجات التي حصلت عليها عبر مراحل تعليمية مختلفة، لاحتلال مراكز متقدمة، إن لم تكن تؤهلني لاحتلال مراكز في الصدارة. فكنت في الابتدائية ضمن فريق أوائل الطلبة في قريتنا الصغيرة وحققنا أنا وزملائي مراكز متقدمة، على مستوى مركز أبو قرقاص، مكنتنا من الحصول على جوائز تشجيعية".

ومن هنا يمكن القول بأن وهبه طلعت يأتي في السياق الفكري العربي المعاصر في مكانة مركزية بين بين السابقين عليه والمعاصرين له والتاليين عليه، ليس في ميدان الترجمة فقط، بل في مجال البحث والتأليف والكتابة، فقد توزعت اهتماماته الفكرية وتنوعت في جوانب شتي من الفلسفة المعاصر ؛ وبالذات الفلسفة الوجودية، سواء في الميتافيزيقا أو الانطولوجيا أو الأخلاق، أو الدين عند رودلف بولطمان وبول تيلش وروجر تريج ووليم كارتر وريتشارد شاخت، وإن كان بول تيلش قد حظي النصيب الأوفر من بحث، ترجم له وكتب عنه.

ولد الدكتور وهبة طلعت أبو العلا في الثاني من إبريل عام 1954م، وذلك بقرية "بني حسن الشروق، التابعة لمركز أبو قرقاص، محافظة المنيا، جمهورية مصر العربية،  وعرفت هذه القرية (كما يقول) بأنها تنقسم إلى نصفين؛ أحدهما غربي ويقع، بحكم موقع النصف الآخر منها، على الجانب الشرقي للنيل، والآخر شرقي، ويكمن في حضن الجبل.. وهذا الانقسام ترك بصمه لا تنمحي على تفكيره؛ حيث تعلم منذ البداية (كما يقول) كيفية "التنقل" العقلاني بين الطرفين، بين "الغرب" مسقط رأسه، وبين "الشرق" الذي يتوق إليه لأسباب كثيرة ومختلفة، منها العاطفي ومنها العقلاني!!.

وهكذا تعلم وهبة طلعت منذ البداية كيفية "التنقل" بين الجليل، وبين العميق، بين الجبل المطل بشموخه على أحد الطرفين، وبين النهر الذي يتدفق بغزارته وبعمقه أسفل الطرف الآخر. ولعل غرامه (كما يقول) بممارسة لعبة الكرة الطائرة، التي تجبرك على أن تنظر إلى "أعلى"، من ناحية، وبكرة القدم، التي تتيح لك فرصة النظر إلى "أسفل"، من ناحية أخرى، كان له علاقة بهذا "التنقل".

وعندما بدأ وهبة طلعت يشب عن الطوق انتقل، في سن الثالثة عشرة، إلى حيث المدينة، التي تقع غرب النيل، من أجل التمكن من مواصلة تعليمي في المدرسة الإعدادية والثانوية، وعندما دخل جامعة المنيا والتحق بقسم الفلسفة عام 1972م بدأ ينتقل فكرياً وبصورة أكثر شغفا وربما أكثر وعياً عما مضى بين المعارف "الشرقية"، وبين الفلسفات "الغربية". وهذا ربما أدى إلى أن يتسع عنده معنى "التنقل" تدريجياً حتى أصبح كونه "تنقلا" فكرياً بين "الشرق"، وبين "الغرب"، بين "العاطفة" الشرقية الدافئة، وبين "العقلانية" الغربية الباردة.

وفي عام 1976م، تم تكليفه معيدا بقسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة المنيا، والتي ظل بها إلي أن توفاه الله في 2011، وعقب تعيينه بفترة أتيحت له فرصة السفر إلي انجلترا بجامعة Warwick بمدينة Coventry CV4 7AL بإنجلترا، للحصول على درجة الماجستير والتي اجتازها في عام 1982م، وتم تعيينه عام 1991 في درجة مدرساً مساعداً في ذات الكلية، ولم يكمل وهبه طلعت دراساته في الدكتوراه بإنجلترا بسبب تجربة فكرية مريره ؛ حيث قال عنها :" لا شك فيه أن هذه التجربة بكل ما شابها من توتر كان لها تأثيرها العميق على اتساع تفكيري وبلوغه إلى حيث معانقة "العالم" بأكمله، وذلك من خلال وجودي الفردي المحدود. وبالرغم من أن هذه التجربة كانت، كغيرها من التجارب، مريرة أحياناً، ورائعة في معظم الأحيان، إلا أن متطلبات مبدأ التسامح الذي يعد من أهم سمات التوجه العقلاني الوسطي، تجعلني أفضل عدم الحديث عنها بشكل مفصل، حتى وإن كنت سوف أكتفي بالتنويه عنها في الموضع الذي خصص لها. ولعلك تفهم عزيزي القارئ مغزى الحكمة المأثورة التي تقول: "ما لا يقتلني يجعلني أقوى!!" حقاً ليس المهم أن "تحترق" بفعل فاعل!! وإنما الأهم أن تبزغ منتصراً في كل مرة رغم من كل ما يحدث!!".

عاد الدكتور وهبة طلعت للوطن وبدأ يستعد للتسجيل لدرجة الدكتوراه في مصر علي يد الدكتور" محمود رجب" (والذي كان من كبار المفكرين بجامعة القاهرة، الذين تفتخر بهم مصر في دراساته الرائعة في فلسفة الفينومنولوجيا وفلسفة المرآة وفلسفة الاغتراب)، وقد حصل وهبة عليها عام 1993، ثم حصوله علي درجة أستاذ مساعد عام 2000، وأخيراً  حصوله علي الأستاذية عام 2010.

وللدكتور وهبة طلعت العديد من الكتب والبحوث نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : أخلاق الفضيلة بين النظرية وبين التطبيق: مايكل سلوت نموذجا (بحث)، أخلاق الفضيلة بين النظرية وبين التطبيق: مايكل سلوت نموذجا- بحث مكون من أربعة فصول يناقش الفصل الثاني منها الجوانب الأخلاقية عند هذا الفيلسوف، والفن التعبيري-الديني عند بول تلش (بحث)، والتفسير الوجودي للاهوت عند بولطمان: حالة القديس بولس وهو كتاب يتناول في مجمله الفارق بين الوجود الخير وبين الوجود غير الخير تحت مسمى الفارق بين الوجود الأصيل وبين الوجود غير الأصيل بلغة هيدجر. وغنى عن البيان أن البحث يحتوي في مجمله على مسحة أخلاقية، والعقل الإنساني ومشكلاته: رحلة في أعماق بول تلش، ومعيار الطبيعة الإنسانية بين روجر تريج وبول تلش: رؤية تحليلية مقارنة (بحث)، والفلسفة الوجودية بين الرومانسية والواقعية: رؤية تحليلية نقدية (بحث)، وتحديث المجتمع والمعضلة الراهنة (بحث)، ومشكلة الحرية بين الطرح التقليدي والوعي المعاصر: قراءة في فكر بول تلش (بحث)، وجذور إلحادية في مذاهب لاهوتية، الكتاب الأول: "بول تلش"، وجذور إلحادية في مذاهب لاهوتية، الكتاب الثاني: ردولف بولطمان، والوجود المقلوب: رؤية فلسفية معاصرة (بحث)، "في طبيعة القرآن الكريم وخواطر أخرى (كتاب)... الخ.

وأما عن ترجماته فنذكر منها : أنطوني أو'هير، الفلسفة في قرن جديد، وروجر تريج، أفكار في الطبيعة الإنسانية: مدخل تاريخي، وجيني تكمان وكاترين إيفانز، مدخل إلى الفلسفة، ووليم كارتر، عناصر الميتافيزيقا، وبول تلش، تاريخ للفكر المسيحي، الجزء الأول، وريتشارد شاخت، مستقبل الاغتراب.

ويمكن من خلال تلك البحوث والكتب المؤلفة والمترجمة أن نبرز تطور تفكيره الوسطي الذي دعا إليه، ونبدأ بأول دراسة قام بها عقب حصوله علي الدكتوراه وهو بحثه الذي الذي يحمل عنوان: "الوجود المقلوب: رؤية فلسفية معاصرة"، وهذا البحث يمكن تفسيره في ضوء نفس التفكير الوسطي للمؤلف، رغماً عن أن وهبة طلعت أعترف بأن الوسطية؛ كمفهوم عقلي  واضح المعالم، لم تكن قد اتضحت بعد في أثناء كتابته لهذا الكتاب. إن ذلك هكذا لأن الكتاب يعج في تفسيره الشمولي لطبيعة العالم المعاصر منذ عام 1945م بمصطلحات من قبيل التأرجح بين جدل السلب ـ الإيجاب، الهدم ـ البناء. كما أن تفسيره لسجن التاريخ الذي جاء في هذا الكتاب يتأرجح بين السجن المطلق في الدائرة التي سجن فيها العالم وإلى الأبد، والتي يخضع فيها كل شيء وبطريقة مقصودة لجدل السلب ـ الإيجاب، وبين التقدم المطرد الذي يخص أولئك الذين يقفون وحدهم خارج الدائرة، أعني أولئك الذين أطلق عليهم  وهبة طلعت اسم: "حراس العالم".

وحتى تفسير وهبة طلعت لمعنى العولمة الذي جاء في هذا الكتاب المبكر، ربما قبل أن يطفو المصطلح نفسه على السطح كمفهوم واسع قابل للتفسير والتطبيق بطرق مختلفة تختلف جميعها حسب طريقة فهمه لطبيعة المستجدات، هذا التفسير يقوم هو الآخر على فكرة التعددية أو على الوحدة رغما عن الاختلاف، أو unity in difference، كما يقولون؛ ففي لحظة من لحظات التاريخ اتجه العالم إلى التوحيد بعد  التفريق، حتى وإن كان التوحيد يقوم على قبول حق الاختلاف أو على قبول حق التعدد.

وهذا يمكن أن يصدق أيضاً على كتابه الذي يفضل أن ينعته وهبة طلعت "بالأول"، أعني "جذور إلحادية في مذاهب لاهوتية، الكتاب الأول، بول تلش"، الصادر عن نفس دار النشر السابقة، في طبعة ثانية عام 1997م، والموجود ضمن مقتنيات مكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والذي حصل وهبة طلعت بمقتضاه على درجة الدكتوراه من جامعة المنيا عام 1993 حتى وإن كان ذلك الكتاب يحمل في الأصل، وبدون تغيير اللهم إلا في العنوان، عنوان: "الموقف الوجودي عند بول تلش: دراسة نقدية في علاقة مفهوم الاغتراب بفكره ككل"، يقول وهبة طلعت:" على الرغم من كل هذا، إلا أنني اعتبر هذا الكتاب أكثر أعمالي أصالة ويباري في ذلك "الوجود المقلوب"، رغما عن أن العمل الأخير يحمل خلاصة خبراتي الشخصية بأكملها، وحتى إذا كان من الممكن تفسير كتابي "الأول"، وكما يزعم البعض ضمنا، بأنه عبارة   عن عملية إسقاط قام المؤلف ـ "وهبة طلعت أبو العلا" ـ من خلالها بإسقاط توجهه الفكري الشخصي القبلي على موقف "بول تلش" موضوع الدراسة. فهم يقولون: نظرا لأن "بول تلش" لم يطرح موقفه بالشكل الذي تم تفسيره بصورة علنية على الإطلاق، فإن هذا يعني: لولا هذا التوجه  الفكري القبلي من جانب لما أمكنني تفسير "بول تلش" بالشكل الذي قدمه الكتاب "الأول"!! "

كما أن كتابه الذي ينعته بـ "الثاني"، أعني "جذور إلحادية في مذاهب لاهوتية، الكتاب الثاني، رودلف بولطمان"، الصادر عن مكتبة مدبولي بالقاهرة في طبعة أولى عام 1996م، هذا الكتاب يمكن تفسيره هو الآخر بأنه تعبير عن التوجه الفكري "الوسطي" للمؤلف ـ "وهبة طلعت أبو العلا" ـ رغماً عن أن البعض يمكنهم أن يوجهوا له نفس الزعم الذي تم توجيهه ضمنا إلى كتابه "الأول"، بمعنى أنهم يعتقدون أن التفكير القبلي الذي كان يراود وهبة طلعت هو الذي يفسر في رأيهم السر في تفسيره لـ "رودلف بولطمان" على هذا النحو، نظرا لأن "بولطمان" نفسه لم يطرح هذا التفسير بصورة علنية في أي موضع من المواضع!!

وما يصدق على هذه الأعمال يصدق أيضاً على كتاب وهبة طلعت الذي يحمل عنوان "مشكلة الحرية بين الطرح التقليدي والوعي المعاصر: قراءة في فكر بول تلش"، الصادر عن منشأة المعارف بالإسكندرية في طبعة ثانية عام 2001م. فهذا العمل يمكن أن يفسر في ضوء توجهه الفكري "الوسطي" القبلي، بمعنى أن السمة "البينية" الوسطية ذاتها تلقي بظلالها على الكتاب، حتى وإن كان التفسير ينحاز في النهاية إلى المعاصر على حساب التقليدي؛ الذي لم أصبح واعيا بضرورته إلا في وقت لاحق على هذا التفسير.

كما أن ما يصدق على هذه الأعمال يصدق أيضاً على سائر الأعمال الأخرى سواء المؤلفة أو المترجمة إلى العربية، ولك أن تنظر عزيزي القارئ، على سبيل المثال، أولا، إلى مقال وهبة طلعت المطول الذي يحمل عنوان "الفلسفة الوجودية بين الرومانسية والواقعية: رؤية تحليلية نقدية"، الذي نشر لأول مرة في مجلة كلية الآداب، جامعة المنيا، في عدد يناير 2005م، وهي مجلة علمية محكمة تعنى بالآداب والعلوم والدراسات الإنسانية، ثم أعيد نشره ضمن طبعة خاصة لكتاب "دراسات وتراجم في الفلسفة المعاصرة"، تأليف وترجمة وهبة طلعت عام 2005م، وأنظر، ثانيا، إلى مقاله أيضا المطول الثاني الذي يحمل عنوان "المشروع الفلسفي عند ريتشارد شاخت: دراسة في مستقبل الاغتراب"، الذي نشر لأول مرة في صدر ترجمة وهبة طلعت العربية لكتاب "ريتشارد شاخت" الذي يحمل عنوان "مستقبل الاغتراب"، والذي نشر في منشأة المعارف بالإسكندرية في طبعة ثانية عام 2002م، والذي يعد تتمة لكتاب "شاخت" الذي يحمل عنوان "الاغتراب"، الذي كان قد ترجمه من قبل إلى العربية الأستاذ "كامل يوسف حسين"، وأنظر، ثالثا، إلى مقال وهبة طلعت الذي يحمل عنوان "تحديث المجتمع والمعضلة الراهنة"، الذي ألقاه لأول مرة في مؤتمر بعنوان "العلوم الإنسانية وتحديث المجتمع المصري"، عقد بكلية الآداب، جامعة المنيا عام 2002/2003م، ثم نشر في مجلة الكلية المذكورة سابقا في عدد أبريل عام 2003م، وأعيد نشره أكثر من مرة كان آخرها ضمن خواطر كتابه الذي يحمل عنوان "في طبيعة القرآن الكريم وخواطر أخرى"، إنما يرجع إلى أن هذا المقال يعد تتمة لكتاب وهبة طلعت "الوجود المقلوب"، الأمر الذي جعل يقوم بنشره في أكثر من عمل حتى يصل لأكبر كم ممكن من القراء، وأنظر، رابعاً وأخيراً، إلى مقال وهبة طلعت المطول الذي يحمل عنوان "معيار الطبيعة الإنسانية بين روجر تريج وبول تلش ونبيل عبد اللطيف: رؤية تحليلية مقارنة"، الذي نشر لأول مرة في مجلة كلية الآداب سابقة الذكر عدد يناير 2005م، ثم أعيد نشره في كتابه الذي يحمل عنوان "في طبيعة القرآن الكريم وخواطر أخرى، أقول للقارئ الكريم أنظر إلى هذه الأعمال لوهبة طلعت وحدها وسوف تجد أن ما كتبه الرجل، إنما كتبه في مجمله  بقصد عرض التوجه الفكري الوسطي له بصورة مقصودة في بعض الأحيان، وبدون قصد في أحيان أخرى. فالمقالة الأولى يفوح من عنوانها التوسط الفكري بين الرومانسية وبين الواقعية، حتى وإن كان يصحح وهبة طلعت في نهايتها خطأ المثالية وخطأ الواقعية معا دون أن يختزل إحداهما في  الأخرى. والمقالة الثانية تشير إلى الموقف البراجماتي النسبي لوهبة طلعت وهو موقف يشير، من الناحية الفكرية، إلى التعدد، وليس إلى الواحدية، أما المقالة الثالثة فتتأرجح، من الناحية الفكرية، بين التحديث كإمكانية، وبين التحديث كمعضلة، أما المقالة الأخيرة فتقارن بين ثلاثة معايير ممكنة للطبيعة الإنسانية وتنتهي إلى التأكيد على أن وهبة طلعت يصل في كل حالة إلى موقف متشابه، حتى وإن كان قد حاول أن يبرر كيف أن التشابه القائم بينها رغما عن تعددها لا يجب أن يطمس حقيقة أن الموقف الإسلامي أكثرها أصالة. كل هذا تحقق وهو لا يستطيع أن يجزم إذا ما كان حدوثه يرجع إلى الصدفة، أم أن له علاقة بالتوجه الفكري الوسطي القبلي له! وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

حسن خليل حسن

تسبب قرار مجلس الامن المجحف ذي الرقم 833 في  العام 1993  بتداعيات سلبية على حدود العراق البحرية مع الكويت، وترك جرحاً غائراً في ملف الحدود بين البلدين، اذ لم يأخذ ذلك القرار المنحاز بنظر الاعتبار مسارات خط الثالوك في ترسيم الحدود البحرية لخور عبد الله (النقاط الاعمق في المجرى الملاحي المشترك بين البلدين) بل اعتمد على تنصيف القناة ضمن التقسيم الحدودي للجزء الشمالي الغربي من خور عبدالله لغاية الدعامة (162)، الشكل (1)، حدث ذلك بغياب المفاوض العراقي الذي انسحب معترضاً في حينها، وكان من مفارقات اللجنة المسؤولة انها شددت في مقرراتها النهائية على ان (مدخل خور عبدالله من عرض البحر يقع في مكان يحدث فيه تغير هام في اتجاه الخطوط الساحلية للدولتين) بينما اغفلت هذه الحقيقة في حيثيات قرارها في النهاية، اذ حصل تجاهل القرار اكثر العوامل الطبيعية المؤثرة سلباً على مياهنا الاقليمية وهي ظروف التعرية والترسيب التي رسمت وترسم باستمرار النقاط الصالحة للملاحة وفق حركة واتجاه التيارات البحرية وفيزيائية الترسيب للحمولات الترسيبية التي تميز خور عبدالله وتحتل منه مساحات اوسع كثيرا من المساحات المائية التي تصلح للإبحار وخصوصا للبواخر ذات الغاطس الكبير، وهذه الملايين من الاطنان من الترسبات تعمل باستمرار على احداث تغيير هام في مواقع النقاط الحدودية، وهذا ما حدث فعلاً حين زحفت القناة الصالحة للأبحار لتقع ضمن اراضي الكويت.

وعلى ما يبدو ان الكويت ادركت محنة العراق الكبرى بسبب هذا القرار (الحربي) الذي خرج عن كل اشكال القرارات الحدودية الطبيعية، حينما اوكل الى لجان من مجلس الامن لوضع حدود بحرية (احترازية) لمنع التعديات الحربية على الكويت من قبل النظام السابق،  ومن يراقب امتداد الحدود البحرية بين الدولتين يُدرك حجم المعضلة التي تواجه العراق في هذا الملف المصيري، فبين دولة تمتلك 499 كيلومتر من الواجهات البحرية ذات الخصائص الاوقيانوغرافية المُهيئة لجميع اشكال الاستثمارات الساحلية على الخليج العربي، ترزح موانئ العراق في نطاق ما يشبه الشلال الرسوبي الدائم الذي يضخ اطيانه على ساحل بحري لا يتجاوز امتداده المتعرج سوى 64 كيلومتر يطل العراق من خلاله على خور عبدالله والخليج العربي بين الفاو وام قصر، وهو جميع ما يمتلكه العراق لمختلف الانشطة الساحلية المتاحة، وهذه الحقيقة جعلت جيرانه يدأبون على سياسة حرب حدودية ناعمة في ظل حكومات مقصّرة في حماية مستقبل البحر العراقي.

1134 خور عبدالله 1

الشكل (1) الحدود المرسّمة وغير المرسّمة في خور عبدالله

واصدق مثال على حقيقة ما نقول مشكلة تنمية الجزر الضحضاحية للكويت وهي جزر عشوائية تبتعد او تقترب من ساحل جزيرة بوبيان على خور عبدالله في الجانب الكويتي، وقد اكدنا في دراسة سابقة (العلي وجماعته، 2012) حدوث عمليات تعرية وتراجع خط الصفر في  الساحل العراقي عند مدخل خور عبد الله بحدود 284متر خلال 46 سنة أي بحدود 6.17 متر/سنة تبعا" لطبيعة تربة الساحل ذات النسجات الناعمة والسرع العالية لتيارات الجزر، كما تصل عمليات التعرية في الجانب العراقي عند خور شيطانه قُبالة جزيرة وربة الكويتية إلى 370 متر أي بمعدل 8.04 متر/سنة لان سرع التيارات اكبر في هذه المنطقة.

1134 خور عبدالله 2

الشكل (2) تأثيرات الظروف الطبيعية والتدخل البشري في مدخل خور عبدالله

وعلى ما يبدو ان الكويت بدأت مؤخراً بمحاولة تنمية حجم هذه الجزر والتدخل من اجل زيادة امتدادها واعادة تشكيلها لتلتصق بالساحل الكويتي، لتكون اساساً لخطوط ترسيم الحدود المنصّفة لخور عبدالله مع العراق، الشكل(2)، وهذا الامر ليس جديداً وقد نوهنا عليه قبل اكثر من 7 سنوات في بحث مفصل حول المساحات المتغيرة خلال مقارنة لفترات زمنية، كما عرضنا في مقالة تفصيلية بعنوان(خور عبدالله ام الفتنة الكبرى) في العام 2017 وبعدها سلسلة مقالات عرضت حال السواحل

العراقية في ظل نهم الجانب الكويتي بتوسعة الاستثمارات في ساحل بوبيان المقابل للعراق لا لضرورة او جدوى سوى محاولة لتعطيل اي جهد عراقي لتطوير ساحل طيني محدود ومنسي لما يقرب من 40 عام مضت من الحروب والمآسي السياسية. ولسهولة تحري الموضوع بواسطة الخرائط يلاحظ من الشكل (3) تظافر التأثيرات الطبيعية مع التدخلات البشرية في كسب نقاط خط الاساس في خور عبدالله باتجاه العراق، وهذا يحصل قبل الاتفاق على وضع هذه الحدود بشكل نهائي، اذ لم تتضمن الاتفاقات السابقة بين البلدين على المناطق في مدخل خور عبدالله الجنوبي (المناطق الواقعة جنوب شرق الدعامة (162) اذ كانت هذه الدعامة  آخر نقطة في خور عبدالله جرى الاتفاق عليها في العام 1993 ، ومن المؤكد ان التدخلات البشرية والتأثيرات الترسيبية سوف ترسم امتداد حدودي بحري لصالح الكويت باتجاه العراق مستقبلاً بشكل تدريجي، اذ سيشكل التدخل الاصطناعي في جزيرة فيشت العيج (Fasht al Ayk Island) حاجزاً لاصطياد وتجمع الرسوبيات امامها وخلفها وسوف تتشكل كتلة ارضية واسعة متقدمة باتجاه البر العراقي في خور عبدالله بعد ان تتكون جزيرة رسوبية متسعة امام جزيرة بوبيان، وهذا سيكون من مصلحة الكويت لانها سوف تسعى بكل قدراتها لجعل اساس ترسيم الحدود البحرية يبدأ من النقاط الجديدة، وقد اثبتت دراسة عراقية نُشرت في العام 2012 ان هنالك فرقاً يصل الى نصف المقطع العرضي في خور عبدالله فيما لو تم اعتماد خط اساس الترسيم من هذه الجزيرة المصطنعة، وهنا من المهم الاشارة نقطة حساسة لها علاقة وثيقة بهذا الاهتمام بمدخل خور عبدالله، اذ تجري الكويت منذ العام 2013 او قبل هذا التاريخ ااستعدادات على قدم وساق لإنجاز اكبر مشروع استثماري عالمي في الشرق الاوسط في هذه المنطقة، اذ انها خصصت اراضي واسعة استعداداً للعب دور محوري بعد وضع خطط متكاملة لإقامة (المنطقة الشمالية للصناعات الصينية في الكويت) واختارت خمس جزر تقع قبالة الساحل الشرقي للكويت (بوبيان، وربة، فيلكا، مسكان، عوهة لإقامة منطقة متحررة وبنى تحتية جاذبة، وخططت لإقامة مدينة استثمارية كاملة تخص المشروع اطلقت عليها (مدينة الحرير)، وحجزت مساحة واسعة في الطرف الشمالي الشرقي من اراضيها ضمن خطة (الامل – العمل) التي انطلقت ضمن استراتيجية وطنية للفترة 2010-2035  لمدة 25 عام، وكانت الكويت أول دولة عربية خليجية توقيع مذكرة تفاهم للتعاون مع الصين في إطار المبادرة الصينية (طريق الحرير الجديد) او ( الحزام - الطريق) على مستوى اعلى سلطة في الكويت، وبهذا فتحت افاق خطة تطويرية انطلقت في بدايات اعلان المشروع ليس فقط لتحقيق دور في مرور طريق الحرير عبر الكويت، ولتكون بؤرة انطلاق هذا المشروع في الشرق الاوسط وجنوب غرب اسيا وقد اطلقت لطموحها العنان ليكون الاستثمار في هو البديل الرئيس لمدخلاتها القومية المتأتية من عوائد تصدير النفط(البناء بعيداً عن النفط، وكانت البداية من تأهيل جزيرة بوبيان الكويتية لتكون مدينة استثمارية انموذجية، وتهدف الكويت من هذه الاجراءات لإنشاء استثمارات بقيمة 600 مليار دولار بأرباح متوقعة تبلغ 35 مليار. وبهذا فقد وضعت الكويت بدائل استراتيجية للتنافس مع القناة الجافة التي خطط العراق لربطها مع ميناء الفاو الكبير كظهير ارضي للربط السككي حيث تنوي الكويت استخدام اراضي العراق لنفس الغرض بعد تشغيل ميناء المبارك الكبير، ووضعت بدائل استراتيجية للربط السككي عبر دول الخليج وبالاخص عبر الاراضي السعودية كبديل في حال رفض العراق فتح اراضيه للمعبر المفترض، وهذه المنافسة تحاول اقصاء مشروع  العراق البحري – البري عن طريق نقل البضائع من  ميناء بوبيان (مبارك) من الخليج الى الكويت ثم العراق او السعودية ثم الاردن ثم تركيا الى اوربا، بينما لا توجد جدوى اقتصادية من هذا المشروع في طرف الخليج الشمالي وهو الاقرب الى البر العراقي سوى التنافس مع العراق وضرب المصالح الاقتصادية للموانئ واجهاض مشروع الفاو الكبير، ولهذا اقدمت الكويت على وضع التصاميم الخاصة بميناء مبارك الكبير بعد سنة واحدة من وضع تصاميم ميناء الفاو الكبير، وهذه التقارب في التوقيت يُظهر حجم التنافس المحموم، وبنفس الطريقة واجهت الكويت اعلان العراق عن اتمام كاسر الامواج الشرقي والغربي في ميناء الفاو الكبير المزمع انجازه بعد عشرين عاماً.!  والاعلان في البدء ببناء قاعدة بحرية عراقية في احد اطراف الميناء لحماية موانئها النفطية والتجارية في رأس الخليج، وقد قامت قيامة الدولة الجارة وارادت ان تنغص على العراقيين توقيت حلمهم البحري الذي طال انتظاره فمعدت الى تخطي العرف البحري واستحداث جزيرة مصطنعة في مياه غير مرسمة لحد الان، وقد تناست الكويت ان العراق يعمل في حدود بحره الاقليمي المحدود المواجه للخليج(البحر المفتوح) ولم يجري تحركاته في المقطع الطولي لخور عبدالله تلافياً للاحتكاك مع دول الجوار، بينما تنوي الكويت العكس عن طريق تطوير موانئها المنافسة وتدريعها ببعض الجزر المغمورة لتحولها الى نقاط ارضية جديدة في وسط خور عبدالله ذي المقطع الضيق بين الدولتين، وبهذه وتلك يستمر مسلسل منافسة الحقوق البحرية للعراق بتغيير واقع موانئه الحبيسة بإدخال بذور المشكلات الحدودية مرة وبتدخلات مباشرة بتحريك الشخصيات القلقلة في مواقع القرار العراقي تارةً اخرى.

1134 خور عبدالله 3

الشكل (3) تغير موقع الحدود البحرية للعراق مع الكويت في خور عبدالله

يشار الى جزيرة بوبيان عبارة عن جزيرة طينية موحلة قريبة الى مستوى سطح البحر تغرق اجزاء منها عند أعلى مد، وهي منطقة هامشية فارغة لم تسكن من قبل، اضافة الى مناخها الحارة الرطب، ولأجل استثمارها وجعلها صالحة للإنشاءات والسكن وشق الطرق ومدها بالماء والكهرباء والاتصالات تحتاج الى ما يقارب 10مليار دولار لبعدها وصعوبة الوصول للجزيرة من اليابسة وتحتاج الى فترات زمنية طويلة لتحقيق ذلك.  ومن اجل مواجهة هذه الكارثة المرتقبة في الحدود البحرية في خور عبدالله، ومواجهة طرق مصادرة البحر الاقليمي للعراق من قبل دول الجوار، من المهم اتباع التوصيات التالية:

1- الاسراع بتشكيل فريق بحثي من الاختصاصين في الجانب البحري (الطبيعي والقانوني) لدراسة ابعاد الخطوات الكويتية ومدى تأثيرها على مستقبل الحدود في خور عبدالله، وانشاء دراسة متكاملة مدعمّة بالخرائط التفصيلية والادلة التاريخية للطعن بأي محاولة لادخال متغيرات جديدة في الحدود البحرية في خور عبدالله لصالح الكويت.

2- يجب الغاء جميع الاتفاقات الاولية حول الربط الشبكي مع جميع دول الجوار وبالاخص (الكويت وايران) والرفض بشكل حتمي للربط السككي مع الكويت، لان هذا الربط سيوجه ضربة قاصمة لاقتصاد الموانئ العراقية وبالأخص الجدوى الاقتصادية لميناء الفاو الكبير، وسوف يشجع على مصادرة مياهنا البحرية بشكل مباشر او غير مباشر.

3-  يجب ان تؤخذ طبيعة الترسيب في خور عبدالله بنظر الاعتبار في اي اتفاق حدودي بحري فضلاً عن ضرورة وضع بنود اتفاق حول ضرورة معالج الرواسب مناصفة مع الدول المتشاطئة بشكل مستمر.

4- اعادة النظر بالقرار 833 بعد دراسة الفقرتين(2 و 3) من المادة (16) اذ انهما تتيحان امكانية رفض الاتفاقية او تعديل بنودها من قبل الطرفين بما لا يضر مصلحة اي منهما.

5- وضع خطط طويلة الامد لتطوير البيئات الساحلية العراقية ترتكز على نظرة استراتيجية تأخذ بنظر الاعتبار المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية الاقليمية والعالمية، على ان تضع تلك الخطط في اولى حساباتها الاندماج مع مشروع طريق الحرير الصيني

6- توسعة الدراسات الاكاديمية والمنشورات الثقافية في مجال السواحل البحرية واهمية مشاريع الادارة الساحلية كجزء من نظام وطني لحفظ الاقتصاد القومي وحفظ تاريخ الوطن، ومن المهم تثقيف الرأي العام والجماهير العراقية بجغرافية البحر العراقي واهميته والتحديات التي تواجه ملف الحدود البحرية.

7- اطلاق برنامج بحري عراقي للمنافسة المينائية مع دول الجوار لمواجهة المشاريع التي تهدف الى تضعيف او الغاء دور الملاحة البحرية للعراق .

8- تسريع العمل بالمراحل المتبقية من مشروع ميناء الفاو الكبير، والعمل مع مزاوجة العمل بالمقتربات البحرية(Offshore) مع العمل بالمنشآت الساحلية  (Onshore)، واعتبار انجاز العمل في هذا المعلم الاقتصادي جزء من دواعي الامن القومي العراقي واعادة تفعيل خطط مشروع القناة الجافة المنسي وتنفيذها لربط ميناء الفاو بأوربا لإكمال الحلقة المفقودة في خطة عبور مشروع الحرير الصيني عبر العراق وهذا سيوفر مردود مالي هائل للبلد وسوف يوفر فرص عمل لآلاف العاطلين في جنوبي العراق.

9ـ فتح آفاق الاستثمارات الاجنبية في قطاع تطوير الموانئ العراقية وطرح المشاريع الكبرى للقطاع الخاص العراقي.

10- تعميق الصلات البحثية والاستشارية بين قطاعات الجامعات ووزارة النقل والهيئات العاملة في مجال الاستثمار البحري والساحلي.

11- تعزيز دور القرار البصري في الاستثمارات الساحلية والبحرية كونه الاجدر باتخاذ ومتابعة تلك القرارات.

 

ا. د. حسن خليل حسن

جامعة البصرة- مركز علوم البحار

.........................

الهوامش:

- العلي، جميل طارش المحمود، حسن خليل حسن وحمود، عدي ادريس(2012) دراسة التغيرات  الطوبوغرافية والملاحية لقناة خور عبدالله ، مجلة ابحاث البصرة/العلميات العدد(38).المجلد (4) B .

- المحمود، حسن خليل حسن(2017) تحليل اوقيانوغرافي لخور عبد الله جنوبي العراق، المؤتمر العلمي الدولي الخامس- جامعة بغداد- كلية التربية ابن رشد.

- مطشر، وسام رزاق (2005) دراسة التاريخ التكتوني والترسيبي لمناطق الاهوار (جنوب العراق)، وقائع المؤتمر الأول لإنماء الاهوار، مركز علوم البحار-جامعة البصرة.

- المحمود، حسن خليل حسن(2018) سواحلنا البحرية وطريق الحرير الجديد..!!، موقع النور- صحيفة المثقف.

- المحمود، حسن خليل حسن(2018)مقالة ميناء الفاو الكبير اوله العثرة واخره الحسرة- مقالة منشورة في موقع صوت العراق- صحيفة المثقف – كتابات في الميزان 25-11-2018..

- جعفر، محمد راضي (2013) الآثار الاقتصادية لإنشاء ميناء مبارك الكويتي على الموانئ العراقية، مجلة الاقتصادي الخليجي العدد24،         26 ص.

 

عامر صالحأحتفل العالم في يوم 8 سبتمبر، باليوم العالمى لمحو الأمية، وهو اليوم الذى حددته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، للاحتفال به سنويا للتوعية بأهمية محو الأميّة كمسألة تتعلق بالكرامة الإنسانيّة، واحترام حقوق الإنسان، والوصول إلى مجتمعات أكثر إلماماً بمهارات القراءة والكتابة. وقالت الأمم المتحدة، أن هذا اليوم يُعد فرصة للحكومات ومنظمات المجتمع المدنى وأصحاب المصلحة لإبراز التحسينات التى طرأت على معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، وللتفكير فى بقية تحديات محو الأمية الماثلة أمام العالم. وأشارت إلى أن قضية محو الأمية، هى عنصر جوهرى فى أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة وجدول أعمال الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة، وتعزز أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة التى اعتمدتها المنظمة فى سبتمبر 2015، بهدف الحصول على التعليم الجيد وفرص التعلم فى أى المراحل العمرية، كما أن غاية من غايات الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة هى ضمان تعلم الشباب المهارات اللازمة فى القراءة والكتابة والحساب، وإتاحة فرصة اكتسابها أمام البالغين ممن يفتقدون إليها. 

وأعلنت اليونسكو عبر موقعها، أن احتفال هذا العام أن سيقام فى العاصمة الفرنسية "باريس"، تحت شعار "محو الأمية وتعدد اللغات"، ليكون فرصة للتعبير عن التضامن مع احتفالات 2019 بوصفها السنة الدولية للغات الشعوب الأصلية والذكرى السنوية الخامسة والعشرين للمؤتمر العالمى بشأن تعليم ذوى الاحتياجات الخاصة، الذى أُعتمد فيه بينان سالاانكا بشأن التعليم الشامل. ويركز اليوم العالمى لمحو الأمية لعام 2019 على مسألة "محو الأمية وتعدد اللغات"، فعلى الرغم من التقدم المحرز، إلا أنه توجد تحديات ماثلة للعيان فى ما يتصل بمحو الأمية وتفاوتها بين البلدان وسكانها. ويُعد تبنى التعدد اللغوى فى تطوير التعليم ومحو الأمية مسألة أساسية فى مواجهة تحديات محو الأمية وتحقيق أهداف السنة المستدامة. 

 في العراق فأن مشكلة الأمية تتصل بعدم كفاية التعليم وعجزه عن استيعاب الأعداد الهائلة من التلاميذ من هم في سن التعليم الإلزامي، الى جانب عدم الاستقرار السياسي،  رغم أن جهود العراق لحقبة من الزمن قطفت ثمارها فقد حاز العراق عام 1979 على جائزة منظمة اليونسكو في القضاء على الأمية والذي جرى ضمن حملة وطنية شاملة من عمر15-45 سنه، ولكن استمر التعليم بالمعاناة بسبب ما تعرض له العراق من حروب وحصار جائر، وكان أيضا من أسبابها تسييس العملية التربوية من ناحية المناهج والكوادر أو الإفراد وبعد عام 1991 كان المستوى التعليمي في تراجع، مما أدى إلى ارتفاع نسبة الأمية بين أفراد الشعب العراقي،  رغم أن بداية هذا التراجع كانت في عام 1984  بعد أربع سنوات من بداية الحرب بين العراق وإيران، ففي عام 1997 عاد العراق ليسجل نسب مرتفعة في عدد ألاميين حيث وصلت النسبة بين البالغين إلى 42% ونسبة الأطفال الذين لا يصلون إلى الصف الخامس الابتدائي 28%  بذلك أصبحت ظاهرة خطيرة تهدد كيان المجتمع العراقي. وعقبة كبيرة من العقبات التي ستحول دون إمكانيَّة خروج البلد مما هو فيه وإعادة اعماره؛ نتيجة لما أحدثه الحروب إضافة إلى الأوضاع الأمنية المتدهورة وتهجير ملايين العراقيين مما أدى إلى ارتفاع نسبة الأمية بين أفراد الشعب العراقي، إذ تشير الإحصائيات في 2003 إلى إن نسبة الأمية قد ارتفعت ولاسيما بين الأعمار(15-25) بحدود 65% وقد قامت وزارة التربية بإعداد الخطط الشاملة لمواجهة الأمية في العراق، بعد إصدار قانون محو الأمية رقم 23 لسنة 2011 وبموجبه تأسست الهيأة العليا لمحو الأمية ، والجهاز التنفيذي، وأقسام محو الأمية في المديريات العامة للتربية، ومجالس محو الأمية في المحافظات، وكان يفترض ان تبدأ الحملة الوطنية لمحو الأمية كما كان مقررا رسميا بكل المحافظات وبتاريخ 2012ـ09ـ11 . 

ولكن سنوات ما بعد احتلال أمريكا للعراق (2003 ـ 2018 ) هي سنوات أقتتال داخلي وعدم استقرار سياسي وغياب منظومة حكم قائم على اساس المصالح الوطنية وسنوات انتعاش للأرهاب وخاصة الداعشي منه حيث احتلاله لأكثر من 30بالمائة من الاراضي العراقية في عام 2014 الى جانب الصراعات الأثنوطائفية سياسية بين الاحزاب التي تدير دفة الحكم، الى جانب ما استشرى في البلاد من فساد اداري ومالي وسرقة للمال العام استنزفت موارد البلاد ومنعته من أي نهضة اقتصادية واحتماعية، ويصل اهدار المال العام حسب بعض التقديرات منذ 2004 الى اليوم ما يقارب الألف مليارد دولار، مما ادى كل ذلك الى تدمير البنية التحتية المجتمعية والاقتصادية والى فساد شرس في كل قطاعات الدولة ولا يوجد في الأفق ما يشير الى وضع حد له او معالجته، وما جاء بعد الخلاص من داعش الارهابي من نتائج ديمغرافية تمثلت في النزوح السكاني لملايين من السكان بسبب العمليات الحربية ضد داعش، وينتظر سكان هذه المناطق عودة آمنة الى اراضيهم، الى جانب الخراب شبه الكامل للكثير من مناطق الصراع مع داعش، كل هذا وجد انعكاساته الخطيره على قطاع التربية والتعليم وعلى العملية التربوية والتعليمية على نطاق المجتمع كله، ناهيك عن الخراب في البنية التحتية والمؤسساتية لقطاع التربية والتعليم الى جانب عشعشة الفساد الاداري والمالي فيه.  

ففي الوقت الذي تسلم فيه العراق عام 1979، 5 جوائز من منظمة الأمم المتحدة، للتربية والعلم والثقافة، اليونسكو، بعد أن استطاع خفض نسبة الأمية دون 10%. أما اليوم، فآخر إحصائية نشرتها وزارة التخطيط، الجهاز المركزي للإحصاء، بيّنت أن نسبة الأمية بين الشباب للفئة العمرية بين 15 و 29 سنة خلال عام 2017 بلغت 8.3%، كانت حصة الذكور منها 6.5% فيما شكلت حصة الإناث منها 10.2%، ولفتت الإحصائية الى أن نسبة 32.5% من الشباب من الفئة العمرية 15 إلى 29 سنة ملتحقون بالتعليم حالياً، وشكلت نسبة الالتحاق من الذكور 35.9%، مقابل 28.8% من الإناث. من جانبها حذرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان من اتساع الأمية بين الشباب، وسط تحذيرات من اتساع ظاهرة الأمية عموما.ًوأكدت المفوضية، أن الأمية تركزت في مناطق النزوح والمحافظات المحررة حديثًاً من داعش الإرهابي، حيث تشهد تلك المناطق تسرب الطلاب من المدارس بشكل ملحوظ للعمل وتوفير لقمة العيش. ووفقا لدراسة سابقة اجرتها وزارة الشباب والرياضة اكدت ان هناك 9 ملايين شاب في الاعمار مابين 15 و 29 عاما، ثلاثة ملايين منهم لايعرفون القراءة والكتابة. رغم ان الهيئة العليا للجهاز التنفيذي لمحو الأمية تؤكد انه ومنذ عام 2012 تم تخريج دفعات من الدارسين في مراكز محو الامية تجاوز عددهم 1.5 مليون. واذا اردنا ان نضيف اعداد المتسربين من مختلف المراحل الدراسية والتاركين للدراسة الابتدائية قبل اكمالها وكذلك من لم يصلهم المسح والاحصاء، فأن النسب تبدو كارثية. وهناك احصائيات تؤكد ان نسبة الأمية في العراق على عموم السكان قد تصل الى ربع السكان.

ولعل أبرز المهمات الملحة والتي لا تقبل التأجيل والتي تسهم في مكافحة الأمية هي:

ـ محاربة الفساد في المنظومة التربوية والتعليمية أسوة بمحاربته في كل القطاعات الاجتماعية والحكومية، فمحاربة الفساد هو من يعطي بارقة أمل مفادها ان كل ما ينفق على التعليم والتربية ممكن التأكد منه ومن مخرجاته.

ـ وضع ملامح سياسية تربوية وتعليمية واضحة تستند الى معطيات الفلسفة الانسانية التي تؤكد ان الدارس هو محور العملية التربوية، ومن أجله تصاغ المناهج الدراسية المتطورة بعيدا عن عناصر التربية الطائفية والاثنية الشوفينية الكريهة.

ـ التوعية الشاملة بفوائد برامج محو الامية على المستوى الفردي والمجتمعي.

ـ وضع منهاج شامل لمحو الامية بحيث يكون مناسبا للفئات المستهدفة من المستفيدين ومرتبطا بنطام التعليم الرسمي. 

ـ توفير التمويل الكافي لوضع برامج محو الامية.

ـ التنسيق بين كافة الاطراف الرسمية وغير الرسمية من الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والحكومي.

ـ وضع هيكلية واضحة على المستوى الاتحادي والمحافظات والمجتمع المحلي لوضع المبادرات الملموسة لمحو الأمية.

ـ تفعيل ستراتيجية وطنية شاملة وقانون يحكم مسألة محو الأمية ويوفر القدرة المؤسسية في جمع البيانات الدقيقة لرسم استرايجيات وخطط شاملة. 

ـ دراسة احتياجات الدارسين لوضع برامج مناسبة ومبتكرة تستجيب لعموم حاجات المتعلمين.

ـ التدريب المستمر على افضل المبتكرات ووسائل التعليم الحديثة لمحو الأمية.

ـ ابعاد مراكز محو الأمية عن النشاطات الحزبية والطائفية ومنع تحويل مراكز محو الامية الى مراكز دعاية لتلك الاحزاب.

ـ الاستفادة الحية من تجارب الشعوب المختلفة في محو الأمية.

بالتأكيد ان افضل الامنيات والمقترحات لمحو الامية في العراق تبقى حبر على ورق مالم تعالج جذور الازمة السياسية التي عصفت في البلاد منذ عقد ونصف من الزمن والتي افرزت مختلف الظواهر المرضية، والتي تشكل الأمية احداها. أن البحث عن فلسفة واضحة للتربية والتعليم في العراق يكمن في وضوح هوية النظام السياسي القائم واهدافه في بناء الانسان العراقي والتي يترجمها بمفردات السياسة التعليمية، فعسى ان يكون اليوم العالمي لمحو الأمية حافزا لكل من له ضمير صادق ومخلص للعراق.

 

د. عامر صالح  

 

زهير الخويلدي"ليس المهم أن نرى بل الأهم أن نبصر فيما نراه" -  مارتن هيدجر

إذا اعتمدنا على الرأي السائد والحس المشترك وما يتم تداوله في الحياة اليومية من عبارات وما تتفوه به الألسن من كلمات فإننا نقع في الخلط بين مفردات بمنزلة النظرة والرؤية والإبصار والمشاهدة والفرجة.

غير أن الفلسفة قد ميزت بين مفاهيم النظرة والرؤية وبين المشاهدة والإبصار وبين الفرجة والتحديق، فالنظرة هي حركة الأعين واتجاهها نحو موضوع خارجي أو نحو ذاتها. بيد أن النظرة في معناها الفلسفي هي القدرة الذهنية التي يمتلكها الفرد للتعامل مع الوضعية التي يوجد فيها بحيث تتحول لدعامة مهمة في عملية التواصل بين الأفراد وأداة للاتصال والإعلام بين الحيوانات التي تحوز على أعين أو أجهزة للنظر.

زد على ذلك تم إضافة دلالة نفسية للنظرة تخص العالم غير السوي الذي يعيشه الإنسان ودلالة اجتماعية تتعلق بالفوارق بين الأنواع والأجناس وبين المجموعات على أساس العرق والدين واللون والجنس واللغة.

بهذا المعنى تتغير نظرة الإنسان إلى نفسه والى غيره حسب تغير هذه المعطيات وتتأثر بنظرة الآخرين له وتختلف أحوالها باختلاف هيئاتها وعناصرها المكونة والشروط اللازمة لتحققها في الأفراد والمجموعات.

هكذا تتحول النظرة إلى مصدر للمعلومة ووسيلة للمعرفة من ناحية وعنصر للتواصل غير الشفوي من ناحية أخرى وأيضا عملية تشخصية ضمن الحقل العيادي تتفحص الأمراض وتستشرف المعالجة والشفاء.

أما التحليل الفنومينولوجي فقد جعلها ضمن الحقل الإدراكي واعتبرها صخرة تتحطم عندها نرجسية الذات وسبب ردها إلى مرتبة الموضوع وأفرغها من تحاملها وافترض تخلصها من حكم الآخرين لتدرك العالم[1].

على هذا النحو تتحرك النظرة ضمن مجال الرغبة والفضاء الصوتي وتشتغل على الصور التي تمنحها الذاكرة وتذهب أبعد من ذلك إلى المخيال الاجتماعي ونحو الرمزية الثقافية وتتكثف ضمن قصدية بيذاتية.

لقد سبق للثعالبي في "فقه اللغة وسر العربية" أن توقف عند كيفية النظر وهيئاته في اختلاف أحواله ووضع عدة تعريفات مثل الرمق واللحظ واللمح والتبصر والحدج والشفن والرشق والشزر والتعلق والتوضح والتثبت والاستشراف والاستشفاف واللوح والنفض والتصفح والتحديق والتشخيص والتحدج وصرح ما يلي: "اذا نظر الانسان الى الشيء بمجامع عينه قيل: رمقه. فإن نظر اليه من جانب أذنه قيل: لحظه. فإن نظر اليه بعجلة قيل: لمحه. فإن رماه ببصره مع حدة نظر قيل: حدجه...فإن نظر اليه بشدة وحدة قيل: أرشقه وأسف النظر إليه...فإن نظر إليه نظر المتعجب منه والكاره له والمبغض إياه قيل: شفنه... فإن نظر الى جميع ما في المكان حتى يعرفه قيل: نفضه نفضا. فإن نظر في كتاب أو حساب ليهذبه أو ليستكشف صحته أو سقمه قيل: تصفحه. فإن فتح جميع عينيه لشدة النظر قيل: حدق"2[2]. لكن كيف يمكن التمييز بين نظرة سطحية ونظرة عميقة؟ ومتى نتخلى عن النظرة القصيرة ونستطيع تجربة النظرة طويلة المدى؟ وألا يجدر بنا أن نكف عن النظرة المتحاملة المتسرعة وندرك من خلال النظرة المنصفة؟ ولماذا لا ندعم نظرتنا الحسية برؤيتنا الوجودية للعالم وتبصرنا المعرفي بالحق؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...........................

المراجع:

جان بول سارتر، الوجود والعدم، بحث في الأنطولوجيا الظاهراتية، ترجمة عبد الرحمان بدوي، دار الآداب، بيروت، طبعة أولى، 1966.

2- أبو منصور الثعالبي، فقه اللغة وسر العربية، تحقيق أحمد شوقي أبو خليل، المكتبة التوفيقية، القاهرة 2012، صفحات 124-125-126

 

 

علي رسول الربيعيتناول كانط في كتابه "السلام الدائم" في عام 1796، فكرة كيف يمكن للدول أن تعمل معًا. رأى أن فكرة وجود دولة عالمية واحدة لن تنجح، لأسباب ليس أقلها الانقسامات الطبيعية بين الأشخاص الذين سيتألفون منها، وعدم وجود أي هيئة خارجية يمكن اللجوء اليها في حالة تحول هذه الدولة العالمية إلى طاغية. دافع،بدلاً من ذلك، عن اتحاد دول، مرتبطة باتفاقيات لحل أي خلافات أو نزاعات عن طريق التفاوض بدلاً من الحرب.

ورأى أن تكون جميع الدول التي تنظم إلى مثل هذه الهيئة جمهورية، وتُلغى أن الجيوش، بحيث يكون من المستحيل على دولة أن تهاجم دولة أخرى. إنه، في الواقع، أراد اتفاقًا لا ينبغي أن تكون فيه أي دولة قادرة على الستيلاء على دولة أخرى، أو التدخل في شؤونها الداخلية.

ظن كانط أن الجمهورية سوف تكون هي الشكل الصحيح للحكومة إذا أراد المرء تحقيق سلام دائم، على أساس أن الجمهورية يحكمها الشعب، وسيكون لديهم الكثير من مايخسرونه في حالة اندلاع الحرب. لذلك، من المرجح أن تكون الجمهورية اقل أحتمالا على أن توافق على خوض، مقارنةً بالملكية،التي يمكن أن تنظر للحرب طبقاً لمصلحة الملك التي تتجاوز مصلحة الشعب.

رأى كانط أن لدى الناس العاديين الكثير من المكاسب التي يحصلون عليها من السلام الدائم، وبالتالي لديهم مصلحة حقيقية في الوضع السلمي الدولي، ولكن هذا لا يعني أنهم يمكن أن ينسوا التزامهم أزاء أمتهم. رأى، في الواقع، كانط أنه لا يمكن أن يكون هناك مبرر للإطاحة بالدولة، وأنه ينبغي القضاء على أولئك الذين حاولوا القيام بذلك باعتبارهم من الخارجين عن القانون.

لقد أدرك أن تحالف الدول لن يكون سهلاً، لكنه اعتقد أن التجارة الدولية سوف تساعدعلى أن يصبح احتمالًا أكثر واقعية. بمعنى آخر، كلما زادت الأسباب التي تربط بين الدول تبعا لمصالحهم المتبادلة،سيكون من المرجح أنهم يسيرون بأتجاه إقامة تحالف للأمن المتبادل.

هناك طريقتان لاحتمال السلام الدولي بالطريقة التي يطمح لها كانط:

- ينبغي أن يكون هناك منظمة عالمية شاملة لها سلطة على الدول القومية الفردية التي تتكون منها هذه المنظمة. وهذا هو النهج "العالمي".

- صياغة مجموعات من القواعد التي تحكم العلاقة بين الدول القومية. بمعنى آخر، تظل السلطة السياسية الرئيسية في حوزة الولايات، لكن تتفق الولايات (على أساس المصلحة الذاتية المستنيرة) على التعامل مع بعضها البعض بطريقة عادلة.

سوف تظهر مشكلات من بينها أولاً: أن المجموعة الواسعة من الأشخاص الذين ينتمون إلى مثل هذه المنظمة سوف يعرضون هذه الخصائص ويكشفون عن طموحاتهم الخاصة والمختلفة بحيث يكون من الصعب للغاية الاتفاق على أي شيء - فالمصالح المحلية ستهدد استقرارها باستمرار. وثانيا: أنه لا يمكن بسهولة أن تصبح محصنة ضد ميل الدول الأكثر قوة إلى الانسحاب من التزاماتها عندما يناسبها ومحاولة فرض إرادتها على الدول الأخرى.

يعيش 60 في المائة من سكان العالم في دول ديمقراطية اسمية على الأقل. يتم التصويت للسياسيين من قبل الناخبين في بلدهم، وعندما يتعلق الأمر بالأزمة، سيعملون بالتالي على مصلحتهم الذاتية الخاصة بأمتهم، حيث تتزامن هذه المصلحة الذاتية مع مصلحة المجتمع الدولي؛ في حالة تعارضها، تنشأ توترات، وسيكون من المغري لأيً سياسي منتخب هو الذهاب للوقوف مع المصلحة الوطنية وليس المصلحة الدولية. ولكن في بيئة دولية، تتطلب العمل الفعال والسريع أن يكون هناك قوى تم تأسيسها بالفعل والاتفاق عليها. المناقشات والقرارات طويلة الأجل غير فعالة في التعامل مع الأزمات العاجلة. وبالتالي، فإن المعضلة الأساسية التي تكمن في صميم جميع الهيئات الدولية هي الصراع بين الحاجة إلى عمل سريع وفعال، وعملية إضفاء الشرعية عن طريق الموافقة. كلاهما ضروري، لكن كل منهما يقيد الآخر.

دول ذات سيادة

متى، من أي وقت مضى، هل من الصواب أن تتدخل دولة ذات سيادة في سياسة دولة أخرى؟

النظرية هي أن الدول القومية لها سيادة. إنهم يسيطرون على مصيرهم، والمطلب الأساسي للدولة هو أنها تحافظ على الأمن الداخلي والخارجي. له حدود ثابتة ويمكنه وضع قواعد حول من يدخل ويترك ويصلح الضرائب والقوانين الخاصة به.

لكن الدول تتدخل دائمًا مع بعضها البعض، سواء من خلال عصا الحرب أو العقوبات الاقتصادية أو جزرة التجارة التفضيلية أو توريد الأسلحة أو توفير الأفراد لتدريب الجيش أو تقديم المشورة بشأن التنمية وما إلى ذلك.

بشكل عام، لا تطالب الدول بسيادتها إلا عندما يهددها نفوذ غير مرحب به. وهكذا، على سبيل المثال، مع إدراك أن تركيا ليست لديها نية لانتهاك العراق نفسه، ولكن فقط لملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني الأكراد الذين شنوا هجمات. حدودها، ما زال العراق يعتبر أن أي محاولة لعبور الحدود من قبل القوات التركية ستشكل انتهاكًا لسيادته.

يلزم النظر في أمرين فيما يتعلق بانتهاك سيادة الدولة:

- على أي أساس يمكن تبريره؟

- على أي سلطة ينبغي تنفيذها؟

قد يكون أول هذه الأسباب هي ما يدعى بالحرب العادل، خاصة في حالة الدفاع عن النفس إذا ما هددت  الدولة. ولكن هل يحق للدولة أن تكون الدولة استباقية في توقع التهديد ومواجهته، أم ما إذا كان ينبغي لها الرد فقط بمجرد أن يصبح التهديد حقيقة.

إذا كانت إحدى الدول تهدد دولة أخرى بشكل مباشر، فقد تبدو القضية واضحة. لكن هل من المبرر غزو دولة ذات سيادة لأغراض الدفاع عن سكانها ضد تصرفات حكومة تلك الدولة؟ وكيف يمكنك أن تقرر، من بين جميع الدول التي تعامل شعبها بوحشية، والتي تستحق الغزو من أجل تجنيب معاناة شعبها؟ والثاني من هذين السؤالين الأساسيين يمس مسألة سلطة المنظمات الدولية. هل الأمم المتحدة هي الهيئة المناسبة الوحيدة لفرض عقوبات على دولة ذات سيادة، أم أنها مناسبة كذلك لاتخاذ هذا الإجراء من جانب دولة واحدة أو أكثر تعمل وفقًا لسلطتها الخاصة؟

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

جواد بشارةمنذ الثورة العلمية التي بدأت في القرن السابع عشر وإلى اليوم، كانت النظريات الفيزيائية العلمية تهتم بأجزاء محددة من الكون كالأرض أو الشمس أو المنظومة الشمسية أو مجرة أو بضعة مجرات أو خلية بشرية أو دماغ الإنسان أو إشعاع ما أو جسم فضائي ما الخ.. ولكن عندما نصف "جزء من الكون" فإننا نترك خارج" النظام المدروس" أجهزة قياساتنا بل وأنفسنا نحن، ونضع جانباً دورنا كجهة اختيار وتحضير للنظام الذي نقوم بدراسته، كما نضع جانباً المرجعيات التي استخدمت لتكشف لنا أين ومتى وجد هذا النظام وما يطرأ عليه من تغيرات، خاصة عامل الزمن. فتوسيع رقعة الفيزياء لتشمل علم الكونيات ترتب عليها تحديات كثيرة تتطلب تفكيراً جديداً ومقاربات جديدة. والحال أنه لا يمكن لنظرية كونية علمية حقيقية أن تركن جانباً أي شيء، ولكي تكون كاملة وشاملة، عليها أن تأخذ كل شيء بالاعتبار والحسبان في هذا الكون المدروس باعتباره " نظام"، بما فيه نحن الدارسون باعتبارنا مراقبون، وأجهزتنا وأدواتنا الحسابية والرصدية كذلك . فمن المستحيل الخروج " من النظام" الذي ندرسه خصوصاً عندما يكون ذلك النظام هو الكون برمته. وكل نظرية كونية يعتد بها وتستحق هذه التسمية عليها أن تكون قابلة للفحص والتحقيق وتأكيد صحة المشاهدات والتوقعات والتنبؤات من خلال التجارب العلمية والمختبرية المتكررة، لذا من المستحيل أن نقوم بذلك ونطبقه على الكون المرئي كله، لذلك نكتفي بالجزيئات والعينات الكونية. وبرغم هذا التحدي يعمل العلماء على إيجاد علم كونيات يستند على الفيزياء المعاصرة ويتعاطى مع النظريات السائدة التي أثبتت جدارتها كالنسبية العامة وميكانيك الكموم أو الكوانتوم والنظرية المعيارية للجسيمات الأولية، والتي بنيت على دراسة وملاحظة عينات وأجزاء مقتطعة من الكون ومن ثم تعميمها على الكون المرئي برمته. البعض من العلماء، في تعاطيه مع حياة وتطور الكون المرئي، اقترحوا مقاربات وآليات تحدثت عن " تطور قوانين الكون الجوهرية"، على غرار قوانين التطور البيولوجي وتخيلوا أن للكون المرئي جينات وراثية على غرار الكائنات الحية وإنه يقوم بإنتاج أكوان وليدة " بيبي – كون، وأجيال متعاقبة من الأكوان المتعددة، تتغير وتتطور فيها القوانين من جيل كوني إلى آخر مثلما تحدثت في ذلك نظرية الأوتار الفائقة. فكل كون يختار القوانين التي تناسبه وتلائمه والتي عليه الخضوع لمقتضياتها وشروطها شريطة أن يكون الزمن المرتبط بها واقعياً وحقيقياً وليس افتراضياً أو ظرفياً، وأن تكون القوانين تطورية .

بعبارة أخرى ينبغي ألا تفرض القوانين على الكون من خارجه، فلا وجود لأية كينونة خارجية، حتى لو كانت إلهية أو رياضياتية، تقوم مقدماً بتحديد ما يجب أن تكون عليه قوانين الطبيعة . فقوانين الطبيعة لا تنتظر بصمت، خارج الزمن، أن ينبثق الكون أو ينطلق، بل هي تنبثق من داخله وتتطور على مر الزمن مع تطوره عندما تقوم بوصفه وإدارته. بل ومن الممكن أيضاً، على غرار ما يحصل في البيولوجيا، أن تنبثق قوانين جديدة باعتبارها عناصر تسوية وتعديل وتنظيم لظواهر جديدة قد تظهر وتنبثق خلال تاريخ ومسيرة الكون .

هذه المقاربة ليست جديدة، فلقد قال بها أول فيلسوف في العلم منذ بدايات الثورة العلمية والذي تساءل بجدية كيف يمكننا إنتاج نظرية علمية عن الكون بعيداً عن الخرافات والشعوذات والخزعبلات، وهو غوتفريد فلهيلم ليبنيز Gottfried Wilhelm Leibniz، الذي كان منافساً لإسحق نيوتن في مبارزة فكرية وعلمية شهيرة فيما يتعلق بالأب الحقيقي لحساب التفاضل والتكامل اللانهائي. وكان ليبنيز يتميز بالألمعية وهو أول من قال بالمنطق الحديث والمعاصر وطور نظاماً للأعداد المزدوجة أو الأرقام الثنائية nombres binaires، وغيرها من الأفكار العلمية الثورية التجديدية المتطورة. وكان أحد الأفراد الأكثر ذكاءاً وأعلمية في زمنه ولقد صاغ مبدأ يؤطر النظريات الكوسمولوجية وهو " مبدأ السبب الكافي le principe de raison suffisante" والذي يقول بضرورة وجود سبب عقلاني وراء أي اختيار ظاهري مرئي وواضح للبناء الكوني. فيجب أن يكون هناك جواب على أي تساؤل شكلي من قبيل" لماذا يكون الكون على هذه الهيئة بدلاً من تلك؟" ولو كان هناك إله صنع الكون أو خلق العالم فسوف لن يكون لديه خيار آخر على طاولة تصميمه سوى الخيار الذي نراه ". وكان لمبدأ ليبنيز تأثير كبير على تطور الفيزياء ومايزال يؤثر في علماء الفيزياء الكونية الكوسمولوجيين ورؤيتهم للكون وسعيهم لصياغة نظرية كوسمولوجية متكاملة.

رؤية ليبنيز للعالم هي أن كل شيء موجود، ليس في المكان، بل ضمن شبكة علاقات متشابكة على هيئة زخرفية تشجيرية أو شبكية، من العلاقات المترابطة، وهذه الأخيرة هي التي تحدد الفضاء أو المكان وليس العكس. وهي فكرة انتشرت اليوم وتقول أن الكون مكون من كينونات وكيانات مترابطة ومتداخلة تربطها علاقات زخرفية متصلة ببعضها البعض متفاعلة، وهي فكرة باتت متجذرة في الفيزياء المعاصرة، وكذلك في البيولوجيا وفي عالم المعلومة الحاسوبية l'informatique، حيث العلاقات تسبق المكان . ففي عالم تفاعلي علاقاتي لا وجود لمكان أو فضاء بدون كينونات أو كيانات، فلا وجود لفضاء أو مكان مطلق مستقل أو بمعزل عن الأشياء كما كان يعتقد نيوتن. وحيث يتم تحديد الذرات من خلال موقعها في المكان الذي لا يتأثر بحركة الذرات فلا وجود لما يسمى بانعدام التناظرات أو التماثلات asymétriesفي عالم العلاقات والترابطات، فالأشياء تتحدد بعلاقاتها مع بعضها البعض . الأفراد موجودون ويتمتعون باستقلالية جزئية إلا أن الإمكانيات المحيطة بهم تتحدد وتتحكم بها شبكة العلاقات الكونية والشبكات تكون ديناميكية وتتطور باستمرار. من هنا يعتقد ليبنيز أنه لا يوجد " زمن مطلق" مستقل عن الأشياء ويجري بمعزل عما يحدث في العالم. فالزمن هو نتيجة أو نتاج للتغيير، فبدون التغيرات التي تحدث في العالم لا وجود للزمن، فالزمن هنا أيضاً " علاقاتي relationnel، وهو يمثل مظهر من مظاهر العلاقات، كالسببية على سبيل المثال، التي تحكم التغيير، وبالتالي يجب أن يكون المكان أيضاً علاقاتي، بما أن الإثنين مرتبطين بنسيج واحد هو الزمكان وفق نسبية آينشتين العامة. فأية خاصية لشيء في الطبيعة يجب أن تكون انعكاساً لعلاقات ديناميكية بين الشيء والأشياء الأخرى في العالم، وهذا يكون بالضد من الأفكار الجوهرية التي تضمنتها الفيزياء النيوتنية . وكان آينشتين من أوائل من تلقف أفكار ليبنيز وتبنى إرثه واستخدم مبادئه لتفكيك الفيزياء النيوتنية واستبدالها بالنسبية الخاصة والنسبية العامة وهي نظرية عن المكان والزمان مندمجين في نسيج الزمكان، كما استخدمت أفكار ليبنيز ومبادئه في الثورة الكوانتية أو الكمومية الموازية للنسبية، حيث إن ثورة العلم في القرن العشرين والواحد والعشرين هي ثورة علاقاتية تشابكية ترابطية.

الثوابت والمتغيرات:

هناك الكثير من الثوابت والقيم في الكون المرئي لكنها صالحة إلى أمد ما وقابلة للتغير،والزمن من هذه الثوابت المتغيرة. وهناك مكونات غامضة تربض على أنفاس الكون وتحتل ما يربو على 85% من كتلته، مثل المادة المظلمة أو السوداء وجسيماتها الأولية المراوغة، والتي تعتبر أحد أعقد وأصعب ألغاز الكون، إلى جانب الثقوب السوداء الأولية البدئية التي نشأت مع ولادة الكون إثر البغ بانغ الانفجار العظيم في نفس الفترة الزمنية، والطاقة المظلمة أو السوداء، التي تقوم بتوسع الكون، والمادة المضادة، والكتل السالبة Masses Négatives والحلقات ذات الأبعاد المتعددة خارج الجسم الكوني الظاهر Boucles extradimensionelles، ما يخلق مناخاً من الأزمة وزعزعة الثقة بالنفس لدى علماء الفيزياء والكوسمولوجيا أي علم الكونيات. غرق علماء الفيزياء والكونيات وفيزياء الجسيمات الأولية والمختصين بميكانيك الكموم في بحر من الشك والاعتقاد بصحة أطروحاتهم العلمية، وأحد أسباب ذلك هو عجزهم عن فك ألغاز الثقوب السوداء كلياً خاصة ما يحدث في داخلها، والتوصل إلى طبيعة وماهية المادة المظلمة أو السوداء، فمن المهول عليهم الاعتراف بأنهم يجهلون ما نسبته 85% من مادة الكون لتأسيسية.

منذ سنوات الثلاثينات من القرن المنصرم، القرن العشرين، تيقن العلماء أن القارات أو الجزر المضيئة في عمق السماء هي عبارة عن مجرات وأكداس أو حشود وعناقيد مجرية، وكل مايشاهدوه ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد الكوني كما يقول المثل والذي قدروا حجمه وكتلته خمس مرات أكبر من الأرقام التي كانت بحوزتهم عن كتلة الكون . وهذه الكينونة الكونية الغامضة وغير المرئية مكونة من مادة تمارس تأثيراً ثقالياً على المادة العادية المرئية للكون لكنها لاتتفاعل معها كهرومغناطيسياً وهي لا تصدر أي ضوء لذلك أسموها المادة السوداء. ولحل الإشكال النظري الفيزيائي الناجم عن ذلك علقوا الآمال على وجود جسيم أولي تخيله العالم الحائز على جائزة نوبل للفيزياء ستيفن وينبيرغ وأسماه الويمب WIMP، وهو يمكن أن يكون سراباً أو معجزة حقيقية لو تم العثور عليه . فمن خصائصه أنه يمتلك كتلة كبيرة مقارنة بكتلة البروتون في الذرة حيث تزيدها ببضعة مئات من المرات، وهو جسيم لا يتأثر بالضوء، وعند زرقه في مخاض الانفجار العظيم البغ بانغ يتشكل ذاتياً بكمية تزيد خمس أضعاف على جسيمات المادة العادية، أي بالنسبة المطابقة تماماً للدور الذي يجب أن تلعبه المادة السوداء أو المظلمة. وتحمس العلماء لهذه الفرضية وأسموها معجزة الويمب WIMP- particule massive interagissant faiblement، ومعناه الجسيم الكتلوي الذي يتفاعل على نحو ضعيف أو واهن. لكن المعجزة النظرية لم تتحقق عملياً و لا مختبرياً و لا تجريبياً حيث لم تستطع الكواشف المتطورة المدفونة تحت الأرض كشفه أو رصده منذ تسعينات القرن الماضي وإلى اليوم. وبعد ذلك اتجهت الأنظار إلى الفضاء حيث تحاول التلسكوبات الفضائية الرصد والمشاهدة الدؤوبة بحثاً عن وميض أو بصيص ضوء ناجم عن تصادم جسيمين من الويمب يفنيان بعضهما البعض لكنها لم تعثر على شيء يذكر.

وعاد العلماء إلى الأرض وتركزت آمالهم على ما يمكن أن يفعله مصادم الجسيمات الأولية الكبير LHC التابع لوكالة الفضاء الأوروبية سيرن، وذلك منذ منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين 2010، وكانت خيبة الأمل كبيرة فلقد رفع مسرع ومصادم الجسيمات إلى 1000 مرة كتلة أحد البروتونات دون أن ينتج ذلك أي جسيم منشود يمكن أن يعتبر جسيم أولي للمادة السوداء . وتردد التساؤل ماذا لو كان جسيم المادة السوداء أو المظلمة مجرد سراب ووهم؟ فقد لا يكون موجوداً، فلايمكن البحث عنه إلى ما لا نهاية، ولكن عدم العثور عليه لايعني عدم وجوده الأمر فقط في غاية الصعوبة والتكنولوجيا الحالية لاتتيح إمكانية العثور عليه. فقد يكون أثقل 2000 مرة أو أكثر بكثير من البروتون، وقد يكون بوسع تلسكوبات أشعة غاما تحسس وجوده من خلال آثار إبادته لنفسه إثر تصادمه مع جسيم مثيل له في الفضاء. وقد يكون أخف بكثير من البروتون، فالبحث جاري عن المادة المظلمة أو السوداء " الخفيفة" وهناك تجارب عديدة تجري في عدة مختبرات في جميع أنحاء العالم حالياً مثل سنسي وفيرميلاب وداميك - أم ومودان الخ.. وهي مسألة وقت وصبر بانتظار تصادمه مع إحدى ذرات الكواشف المتربصة . فالوميب لم يمت وغياب الدليل ليس دليلاً الغياب أي على عدمه. والكل بانتظار الجيل الجديد من مسرعات ومصادمات الجسيمات الأولية التي ستخلف LHC، فاليابانيون عازمون على تشييد مسرع ومصادم للجسيمات بمبلغ 7.5 مليار دولار . ووكالة الفضاء الأوروبية سيرن كشفت عن مشروع تشييد المصادم والمسرع المستقبلي الدائري FCCفي نفق طوله 100كلم بكلفة 20 مليار دولار والصين تفكر ببناء مصادمها الخاص وبسرية تامة. وانقسم مجال الأبحاث والطرق والمنهجيات والمقاربات إلى عدة مشاريع متباينة ومتنوعة وكلها تبحث في نفس المجال ألا وهو العثور على " المادة السوداء أو المظلمة". التي اتخذت مسميات أخرى مختلفة وسيناريوهات متنوعة بنيت على فرضيات متباينة . فهي تارة عدد من الثقوب السوداء البدئية الأولية المجهرية ومادون المجهرية، وأخرى تقول بأنها مادة مضادة تمتلك كتل سالبة تحلق بين سدم وأكداس المجرات أو مجرد تأثير غائم لثقالة كمومية أو تجلي لأبعاد مكانية إضافية، أو هي تعويض عن الكتلة المفقودة في الكون وأخيرا هي بوابة عبور جديدة نحو فهم أعمق وأكثر جوهرية لبنية الكون، ووسيلة جديدة أو فرصة جديدة سانحة لدراسة نماذج نظرية كونية كوسمولوجية جديدة بذريعة الكشف عن المادة المفقودة والمسماة المادة المظلمة أو السوداء .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

لطالما استعملت العامة ولا تزال لفظ "مدني" بمعنى "غير عسكري" ولم تستخدمه يوما ليعني "غير ديني". كما يحلو للبعض استخدامه اليوم اعتمادا على المعنى القاموسي كترجمة لكلمة civil.

إن تعبير "المدنية" بلفظه ومدلوله العربي مشتق من "المدينة" وبهذا المعنى فإن المدني هو ابن المدينة تعارضا مع ابن الريف. وفي حقيقة الأمر فإن المسالة بمنظورها العام لا تتعلق بالمكان بشكله المطلق أي "ريف" و"ومدينة" بل بمسألتين: الأولى هي المهنة حيث أن ابن الريف يمارس مهنة الزراعة والتي ينظر إليها ابن المدينة على أنها أدنى قيمة من المهن التي تمارسها المدينة كمهنة التجارة أو الصناعة الحرفية أو أي مهنة أخرى هي من اختصاص المدينة، والمسألة الثانية تتعلق بالمنظومة القيمية التي يحملها كل منهما وهنا أيضا فإن ابن المدينة ينظر لقيم الريف على أنها بمجملها متخلفة حتى ولو كان بعضها يحمل مغزى عاما مفيدا للمجتمع كالنخوة والإجارة والعون وغيرها من قيم العشيرة التي عادة ما تسود في المجتمع الريفي.

ويمكن أن نضيف إلى ذلك عاملا آخر يعد من أسباب "استعلاء" المدينة على الريف هو أن العمل الفكري والإبداعي هو بمجمله من نتاج أهل المدينة وما الريف إلا مستهلك لهذا العمل الفكري والإبداعي ومنه طبعا أساليب هندسة وتطوير الزراعة على سبيل المثال ووسائل المعرفة النظرية الأخرى فابن المدينة يملك من وسائل المعرفة ما لا يملكه ابن الريف. ذلك لا يعني أن ابن الريف لا يملك معارف مبنية على التجربة العملية خاصة في حقل الزراعة غير أن العمل الفكري كحقل من حقول النشاط الإنساني يكاد يكون محتكرا من قبل ابن المدينة. ونرى انتقال المعرفة من المدينة إلى الريف على يد ابن المدينة أو ابن الريف الذي علمته المدينة ومع هذه المعرفة بالطبع تنتقل بعض عادات وتقاليد المدينة. ومع التطور (التصنيع ومكننة الزراعة) تميل الفوارق بينهما إلى التضاؤل كما يحدث في البلدان الغربية المتطورة.

والعقائد بمجملها بما في ذلك العقائد التي تؤمن بالعالم الآخر هي من نتاج الفكر الذي هو حقل من حقول نشاط ابن المدينة كما أسلفت وبالتالي فإنه نتاج المدينة والمدنية. وابتداء من الحضارات الشرقأوسطية القديمة كالسومرية والبابلية والآشورية والفرعونية والكنعانية حيث الأشكال الأولية للعبادة فوق البشرية وانتهاء بالديانات التوحيدية الكبرى كاليهودية والمسيحية والإسلام فإن جميعها قد ظهرت ونمت في المدن وبرز الكهنة ورعاة الأماكن المقدسة ورجال الدين ووالأنبياء من صلب المدينة ومن بين أبناءها الذين كانوا يمثلون النخب الفكرية لذلك الزمان كالأنبياء موسى والمسيح عليهما السلام، الأول بين حواضر فلسطين ومصر والثاني من حاضرة بيت لحم الفلسطينية والنبي محمد (ص) من مكة التي كانت تمثل مركزا تجاريا دوليا فكل هؤلاء هم أبناء المدينة ومن صفوتها. وكما لاحظنا في الدين الإسلامي فإن أوائل من اعتنقوه هم تجار المدينة الكبار مثل أبي بكر الصديق وعثمان ابن عفان وزوجة الرسول خديجة (رض) ومعهم "مفكرو" ذلك العصر ونخبه مثل ورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وعبد الله ابن أبي سرح والعديد ممن كانوا على معرفة بالديانات التوحيدية التي سبقت الإسلام.

وعمل الدين الإسلامي، بقيمه التي تمثل قطيعة مع قيم البادية حيث الثأر والإغارة وغيرها، على نقل قيم المدينة إلى البادية أي قيم الجماعة بمفهوم الأمة كبديل لمفهوم العصبية الفردية والقبلية واستطاع الانتشار بسرعة بفضل قوة هذه القيم المدينية التي وجدت ما ينسجم معها ويتقبلها في حواضر الشرق الكبرى كالعراق والشام ومصر. واستوعب هذا الدين أبان حكم الخلفاء الأمويين وبشكل أقوى خلال فترة حكم الخلفاء العباسيين وبيسر، قيم وتقاليد المدينة المأخوذة من الحضارات الكبرى الأخرى التي كانت سائدة في ذلك الزمن ومنها الحضارة الفارسية. وفي ظل مراكز المدن الإسلامية الكبرى تم الاطلاع على ومعرفة الانجازات الفكرية الكبرى للشعوب الأخرى بما فيها المنجز الفكري للثقافة اليونانية والتي استخدمها المسلمون العرب ونخبهم الفكرية كالمعتزلة وأخوان الصفا في جدلهم والدفاع عن أطروحاتهم المتعلقة بمجملها بالإمامة أي الحكم والحاكم وبذلك يكون مفكرو الإسلام الأوائل، إذا صح وصفهم بذلك، قد دخلوا حقل السياسية منذ ذلك الزمن. وتحت راية الدين بنى بنو أمية في الأندلس واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية ولم يكن هؤلاء أبناء بادية بل أبناء المدينة وذرية تجارها الكبار من أبناء مكة والمدينة والطائف.

بالمقابل فإن مظاهر العصيان والارتداد عن الدين كانت تخرج من البادية وكان دور المدينة أن حافظت على الدين وتمثل حروب الردة في زمن الخليفة ابي بكر من أوائل الأمثلة على ذلك. وكان الدين يدب فيه الضعف وتعم الصراعات كلما ضعفت الحواضر والذي عادة ما يبدأ بضعف مركز الخليفة وما ينتج عنه من تدهور التجارة والصناعات والحرف والذي ينعكس بدوره على الإنتاج الفكري الذي يشهد هو بدوره تدهورا. حينذاك نجد أن قيم البادية تطل برأسها من جديد وتزيد الوضع خرابا.

وإذا نظرنا إلى تاريخ الفكر والمفكرين في العالم العربي والإسلامي المعاصر فإن صفوة المثقفين والمفكرين قد نشأت من عائلات دينية وأنتجت المراكز الدينية في العراق ككربلاء والنجف وسامراء ومدينة الأعظمية وآلوس والكاظمية..إلخ خيرة مفكري ومثقفي العراق من بينهم حملة راية الحداثة وكذلك الحال مع الأدباء والشعراء الكبار فكثير من هؤلاء كانوا من عائلات دينية مدينية والعملاق الجواهري واحد منهم.

بمعنى آخر أن الدين والمدينة كانوا لصيقين وكانا بمثابة الأم والأب للنتاج الحضاري والثقافي للأمة العربية والإسلامية لذلك فإن من يسعى اليوم تحت راية "المدنية" ليصور المدنية كنقيض للدين لا يملك فهم ديالكتيكيا للعلاقة التاريخية بينهما ولا للتاريخ العربي الإسلامي الذي لا أدعي معرفة عميقة به.

وقد سبق وقلت في مقالة سابقة أن رواد التغيير والتفكير الثوري في العالم العربي جاءوا من صلب العائلات الدينية الكبيرة كجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبدة ورشيد رضا في وقت لم يكن لمفهوم العلمانية الغربي ناهيك عن الماركسية أي وجود في المنطقة ونحن نتحدث عن فترة نهاية القرن التاسع عشر حيث ظهر هؤلاء الرواد. وترك مفكرون إسلاميون أثرا عميقا في الناس وبذلوا جهدا فكريا كبيرا للإجابة على العديد من المسائل الملحة التي تتعلق بأسباب تأخر العالم العربي والإسلامي عن الركب الحضاري وشخصوا المشكلة بشكل صحيح وأكدوا أنها تتعلق بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم وأنه ليس هناك تفويض لحاكم باسم الدين والتفويض يأتي من الشعب. وقد أكد المفكر الإسلامي علي عبد الرازق (1888-1966) في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" (صدر في 1925) أنه ليس هناك في الشرع ما يثبت وجود شكل محدد للحكم في الإسلام وأن المسلمين أحرار في اختيار شكل الحكم الذي يناسبهم. لقد قوض هؤلاء المفكرون الإسلاميون أساس التبرير الديني التقليدي الذي يقوم عليه الاستبداد ولم نر في ذلك الزمن مفكرا علمانيا واحدا ترك أثرا كالذي تركه هؤلاء في تصورات الناس السياسية واقتصر تأثيرهم على مجاميع من المثقفين. ويمكن للمرء أن يلاحظ متسائلا كيف أن الأنظمة العربية الملكية التي كانت سائدة في منتصف القرن العشرين، ومنها العراق، كانت تحجب كتابات المفكرين الإسلاميين عن الشارع وعن المدرسة لأنها كانت ثورية ليس بمعيار زمنها فحسب بل وأصبحت ثورية بمعيار اليوم (مع الأسف) حيث تحاول أطراف عربية رجعية معروفة أن تروج لنسخة إسلامية تكفيرية.

أما "مفكرو" العراق من ماركسيي الأمس و"مدنيي" اليوم فلا أثر لأي انجاز فكري فلسفي أو اقتصادي أو اجتماعي قدموه للعراقيين. وإذا أردنا النزول بالنقاش إلى مستوى أدنى من ذلك نسأل: ما هي الأطروحات الفكرية لمثال الالوسي وفائق الشيخ علي وشروق العبايجي حول مفهوم المدنية والدولة المدنية وهلي يقترحون صيغة حكم مختلفة عن الصيغة البرلمانية الحالية القائمة على تعدد السلطات واستقلالية كل منهما والتي هي صيغة غربية تمثل بنظري قمة نتاج المدنية الغربية؟ ثم لماذا لا يبينون للناس أين يكمن خلافهم الفكري مع الأحزاب الدينية؟ هم لا يستطيعون الإجابة على هذه الأسئلة لأنهم غير مؤهلين معرفيا للإجابة عليها.

في مقابلة له نشرت في مجلة "الثقافة الجديدة" (عدد 397 لسنة 2018) يخاطب الباحث العراقي الراحل الدكتور فالح عبد الجبار محاوره بالقول: "فأنتم أيها اليسار الجديد تقولون أن هذه الدولة مدنية، طيب حللوا لنا ما هي الدولة المدنية، حللوا لنا ما هي الطائفية، حللوا لنا التجارب العالمية أو إطلعوا على تحليلاتها بعدها تتوصلون إلى استنتاجات تسترشدون بها...". وإني أسأل مسترشدا بأسئلة عبد الجبار:هل عكف من اشرت إليهم بالأسماء فيما سبق على تحليل الواقع العراقي الحالي من حيث هو نتاج الظروف التاريخية  التي مر بها العراق (على الأقل منذ 1968) وتوصلوا إلى استنتاجات معينة قبل تقديم طبق المدنية الغربي الجاهز على أنه علاج لأزمة النظام السياسي؟. إن أبرز ما يمكن أن يلاحظه المرء في السباق الانتخابي في تونس حيث يتنافس 26 مرشحا على منصب الرئيس هو أن العديد من المرشحين قد نبه إلى أن تجربة "الشراكة" مع أوربا لم تحل مشاكل البلد بل فاقمتها وبأن العالم قد تغير وأن مستقبل هذا العالم سوف يرسمه دول الشرق الكبرى كالصين وروسيا والهند وغيرها من دول آسيا مع ملاحظة أن تونس كانت علمانية (على الطريقة الغربية) طوال تاريخها الحديث.

في منتدى الشرق الذي عقدته روسيا مؤخرا والذي حضره إلى جانب الرئيس الروسي رئيس وزراء الهند واليابان وماليزيا قال بوتين "إن زمن هيمنة الغرب على العالم قد انتهى". وليس الشرقيون لوحدهم هم من يقولون ذلك بل ويعتقد العديد من مفكري الغرب أن الحضارة الرأسمالية الغربية في طريقها إلى الأفول. لماذا؟ لأنهم يشاهدون بأعينهم ما يجري في العالم من تحولات ليست اقتصادية وحسب بل وثقافية حيث الثقافة الشرقية تدخل في وضح النهار إلى المجتمعات الغربية التي بنيت على تمجيد الفردية باسم الحرية والتي تتهاوى الآن بفعل ما نراه من حركات اجتماعية جديدة في أوربا ومنا حركة "الستر الصفراء" في فرنسا. إن الأساس الذي تقوم عليه هذه الحركة هي تحدي النظام السياسي القائم على تحالف الرأسمال والأحزاب السياسية الحاكمة وإخضاع مصالح بلدانهم الوطنية لمصالح الرأسمال العالمي الذي تتزعمه الولايات المتحدة وهذه المسألة ظاهرة من إجبار الولايات المتحدة "حلفائها" الغربيين على تأييد حتى السياسات الأمريكية الطائشة وأبرزها حاليا ما يسمى بالملف النووي الإيراني. أن ما نراه أحيانا من تململ بعض حكومات الغرب كما الفرنسية ليست بنظري أكثر من محاولة إلهاء لشعوبهم ذلك أن تهديدات الرئيس ترامب بفرض عقوبات قد طالت حتى حلفاءه ايضا فقد هدد بفرض ضرائب على صناعة النبيذ والأجبان الفرنسية وكان أول من استخدم هذا التهديد هو الرئيس جورج بوش الأب عشية غزو العراق بسبب رفض فرنسا في زمن شيراك الانضمام للحلف الذي شكله قبل الغزو.

والآن، كيف يقرأ "مفكرو" العلمانية والمدنية العراقيون ما يجري من تحولات في هذا العالم؟ هل خطت الصين هذه الخطوات الجبارة في زمن وجيز ومعها الهند وروسيا وغيرها من بلدان آسيا باتباعها نظاما سياسيا قائما على شعارات المدنية والعلمانية؟ وإذا كان هناك من يقول "ولكن ليس لديهم أحزاب دينية" فهل درس القائل المفترض تاثير العقيدة السائدة في هذه البلدان وكيف استخدمتها الطبقة الحاكمة في تحقيق وحدة الهدف والمصير لدى شعوبها؟ لقد أحيا بوتين تقاليد الكنيسة الروسية الأرثذوكسية بعد أن شهدت قمعا طوال العهد الشيوعي وأعتبر دورها عاملا مهما في توحيد الشعب الروسي ولا ينفك يلتقي بالزعماء الكنسيين الروس في كل مناسبة تتطلب ذلك.

إن واحدة من أهم أسباب ما رأيناه بعد 2003 من فوضى في كل مرافق الحياة هو الإرث الاجتماعي الذي تركه النظام الساابق والذي تمثل ب "ترييف" المدينة من خلال تحالفه مع شيوخ عشائر معينة (حتى هذه بعضها انقلب عليه فتحالف مع أخرى) ثم وفي مرحلة لاحقة لبس لبوسا إسلاميا تمثل في ما سمي ب "الحملة الإيمانية". لماذا فعل ذلك؟ لأن القاعدة الحزبية العريضة التي كان يستند إليها النظام والتي ساعدته على إحكام السيطرة على البلد قد أنهكت وتآكلت بسبب الحروب والصراعات التي خاضها النظام على الأصعدة المختلفة ثم جاء الحصار الاقتصادي ليجهز على ما تبقى منها حيث تحولت علاقتها (أي القاعدة الحزبية) بالجماهير من علاقة سيطرة إلى علاقة مساواة في المعاناة فهيمنت علاقة المنفعة والمصالح ولم يتبق من ينعم بالثروة غير دائرة ضيقة من كبارالمسؤولين وبعض الأثرياء الجدد الذين أنتجهم الحصار. لذلك راح النظام يبحث عن قاعدة جديدة لاسناده فوجد في بعض شيوخ العشائر هذا الاسناد قبل أن يتحول نحو الدين. هذا "التحالف" مع شيوخ العشائر لا بد وان يكون له أدواته وبكلمة مجازية "ديكوره" المناسب فكان أن ساد لدى الصفوة الحزبية عادة لبس "العقال" وإقامة المضايف فكان بداية إحياء تقاليد العشيرة الذي لم يضرب الريف وحسب (وقد كان قد تحرر إلى حد كبير منها بسبب انتشار التعليم) بل وضرب المدينة. ويتذكر من زار العراق بعد 2003 فإن أبرز ما يلاحظة المرء هو انتشار لبس العقال بين أناس لم يكن يتوقع منهم ذلك ومنهم شيوعيين قدماء.

وإنصافا للعشيرة لا بد من التأكيد أن هدف السلطة في ذلك الوقت من هذا التحالف ليس إشاعة القيم النبيلة للعشيرة بل إستحداث أساليب جديدة للبقاء وذلك من خلال البحث عن مصادر جديدة للولاء تؤمن السيطرة : الشيخ يسيطر على عشيرته ويسيطر "القائد" على الشيوخ بواسطة الجمع بين التخويف والعطاء. هنا نحن أزاء عودة إلى الوراء في مسألة الانتظام الاجتماعي أي من حالة الحزب والنقابة والمهنة كأساس للتنظيم الاجتماعي إلى العشيرة كوحدة أساسية لهذا الانتظام. وقد رأينا كيف أن "القائد" قد ألغى نقابات العمال كشكل من أشكال الانتظام الاجتماعي العليا لأنها ترمز إلى الانتماء إلى فكرة التضامن والتعاون والولاء لمجموعة وقيادتها المنتخبة وليس الولاء لحزب حاكم. وبما أن النقابات المهنية هي من مكونات المجتمع المدني فإنه بحل هذه النقابات يكون قد وجه ضربة قاتلة للمجتمع المدني. وبالطبع مع صعود نجم العشيرة أو بالأحرى شيخها يعاد إحياء تقاليد العشيرة بما في ذلك تقليد الثأر والفصل على سبيل المثال.

ويسيئ مروجو العملانية والمدنية إلى مغزى هذين المفهومين عندما يمارسون عملية إسقاط ميكانيكية للظروف التاريخية في الغرب والتي انتجت هذين المفهومين على الظرف العراقي الحالي الذي لا يشبه بشئ. فهم من أجل ذلك يستخدمون مفهوم العلمانية القائل بفصل الدين عن الدولة ليعني أنه لا يجب أن تكون هناك أحزاب دينية. وهذا تضليل لأن العملانية تعني فصل سلطة الدولة ومؤسساتها عن تأثير السلطة الدينية ومؤسساتها وأن القوانين والقرارات التي تصدر عن المؤسسة السياسية لا يجب أن تخضع لتأثير الدين وأن الدولة تعامل مواطنيها عل قدم المساواة بغض النظر عن عقيدتهم بما في ذلك من لا يؤمن بعقيدة دينية.

وإذا نظرنا إلى الواقع العراقي بناء على ذلك يبرز السؤال: هل هناك مؤسسة دينية في العراق تملك سلطة على ما تقرره الدولة ومؤسساتها؟ في حقيقة الأمر ليس هناك مؤسسة دينية في العراق بالمعنى المعروف في القرون الوسطى في أوربا حين كان للكنيسة دور مقرر في اختيار من يحكم. وإذا كان هناك من يعتبر المرجعية الدينية الشيعية مؤسسة فهي لا تملك سلطة ملزمة على مؤسسات الدولة وقراراتها ويقتصر عملها على النصح والإرشاد. إن سلطتها روحية بالدرجة الأولى وهذه أيضا ليست ملزمة إلا بمن يدين بالولاء لها ذلك أن الإلزام يعني القدرة على إنزال القصاص بمن يخالف.هل رأينا المرجعية اقتصت من أحد تحت ذريعة مخالفة تعليماتها؟في الغرب كانت الكنيسة تقصي المخالفين لتعلمياتها وتعتبرهم هراطقة وتكفرهم وتحلل إعدامهم. ويمكننا هنا أن نلاحظ أن الشيوعيين تعرضوا لحملات تشهير بأنهم "كفرة" أبان الحكم الملكي العلماني بينما لم نسمع حزب أو رجل دين في هذا الزمن "كفرهم" غير النسخة الداعشية ذات العقيدة المعروفة القادمة من بلد مجاور. وقد رأينا كيف أن جميع القرارات الحكومية والقوانين البرلمانية تمرر دون أن تعرض على أية سلطة دينية من أجل الموافقة عليها بينما كان نظام مبارك الذي يصنف علمانيا ( كان يمنع نشاط الأحزاب الدينية)  يعرض الكثير من القوانين على الأزهر طلبا للموافقة بل كان الأزهر ولا يزال يتدخل في الموافقة أو الرفض لبعض المؤلفات وحتى أفلام السينما ويمنع نشرها أو انتاجها. بالطبع نحن هنا أزاء مثال على تجيير نظام علماني لمؤسسة دينية لصالحه وهو بالطبع ما ترفضه العملانية الغربية لأنها تعني أيضا حماية الدين من استغلال السلطة السياسية له.

أما بالنسبة لمفهوم "المدنية" كنظام سياسي فإن مروجيه يفهمونه فهما "قاموسيا" على أنه مضاد لسلطة العسكر أوسلطة رجال الدين بينما هو يعني، بمفهومه المعاصر، وجود مجموعات (منظمات) تمارس نشاطا لفائدة المجتمع مستقلا عن السلطة السياسية أو سلطة الشركات (رأس المال). وتدخل المنظمات غير الحكومية ضمن هذ التعريف. ويكتسب هذا المفهوم بعدا آخر في الزمن الحاضر على ضوء حقيقة أن السلطة السياسية في العالم الرأسمالي الغربي هي ممثلة الرأسمال والمدافعة عن مصالحه وهذا ما أشرت إليه ضمنا عندما تحدثت عن "السترات الصفر". أي أن المجتمع المدني يدافع عن مصالح المجتمع عندما تتعرض للتهديد من طرف السلطة السياسية أو سلطة الرأسمال وهذا يظهر، على سبيل المثال، في نشاط منظمات المجتمع المدني المدافعة عن البيئة وضد المنتجات الزراعية المحورة جينيا واستخدام المبيدات السامة وغيرها كثير من القضايا التي هي حقل من حقول نشاط الرأسمال الباحث عن الربح.

 لذلك كله فإن إغراق الوعي العادي بصراع ثانوي اسمه ديني لا ديني سوف لن ينجر عنه سوى خلق حالة تضاد موهومة وهنا مكمن الخطر لأن ذلك هو المكان الذي يلعب فيه الجهل لعبته التخريبية ذلك إن خلق التضاد هو لعبة استعمارية بامتياز وكلنا نتذكر ما ساد العراق من صراع يساري قومي أغرق البلد بالدماء وعطل تطوره وهو ما يعمل البعض على إحياءه بصورة جديدة ويوهم الناس العاديين به مستغلا تذمرهم. ومن الغريب في الأمر هو أننا لا زلنا قد خرجنا للتو منتصرين على محاولة شقنا على اساس مذهبي فتبرز لنا هذه الشعارات المفرقة.

غير أن الذي يبعث على الاطمئنان هو أن الأحزاب الدينية، ليس في العراق وحسب، لم تسمح لنفسها بالانجرار نحو معركة مفتعلة رغم ما تتعرض له من هجوم لا ينقطع. قال أحد زعماء حركة النهضة التونسية (حركة إسلامية) في مقابلة تلفزيونية جمعته مع "علمانيين" و"مدنيين" معروفين بتهجماتهم اليومية عليها:

 لو كانت "النهضة" غير موجودة في الحياة السياسية لجلس أكثر من 80 بالمائة ممن يمتهنون السياسة ومن المحللين السياسيين في منازلهم لأنهم سوف لن يجدوا شيئا يتحدثون عنه.

 

ثامر حميد

 

عدنان عويدالتنوير لغة: جاء التنوير من الفعل (أنار). ونقول: أنار الغرفة، أي أزال ظلمتها وأبان ما فيها).

التنوير مجازاً أو اصطلاحا:

فهو ينصرف هنا إلى ضرورة اعتبار أن يكون العقل الإنساني، وحرية الإرادة الإنسانية،  هما المنطلق أو المصدر الرئيس لكل النشاط الفكري والعملي القائم في حياة الفرد والمجتمع.

الإرهاصات الأولية للتنوير:

ابتدأت مع بدء تاريخ وعي الإنسان لنفسه والبحث عن سر وجوده وأمنه واستقراه وبقائه.

فهذا جلجامش في الألف الثالث قبل الميلاد يبحث عن سر الخلود . وعند فشله في الحصول على النبتة التي تمنحه هذا السر، يعود للحكيم أنا تبشم ليقول له الحكيم:

متى بنينا بيتاً دام إلى الأبد؟.

متى ختمنا ختماً دام للأبد؟.

لم يكن هناك خلود ودوام منذ الأبد!.

أما لدى اليونان، فهذا هيراقليطس في القرن السادس قبل الميلاد يقول: (كما أنك لا تستطيع أن تستحم في مياه النهر مرتين فكذلك هي الحياة) .

التنوير والحرية:

في الفكر الوضعي: جاء عند سبينوزا وهيجل وماركس: إن الحرية هي وعي الضرورة، أو الضرورة الواعية.

أي إن حرية الإنسان تقوم على (وعي وإدرارك ومعرفة) القوانين الموضوعية التي تتحكم بآلية عمل الطبيعة والمجتمع، وبالتالي التسلح بها وتسخيرها لمصلحة الإنسان.

في الدين: جاءت حرية الإنسان وتأكيد شخصيته مرتبطتان بالمعرفة والتعلم. ففي القرآن: أول آية نزلت هي (إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم).

الأدوات المعرفية للتنوير:

1- العقل و مدركات حواسه. (البصر – السمع – الشم – اللمس.. الخ).

2- التجربة الحسية للبشرية في علاقات الناس بالطبيعة والمجتمع، وتقوم على:

العلاقة الجدلية بين الإنسان ومحيطه: ( من المشاهدة الحية إلى التفكير المجرد إلى الممارسة) .

يقول محمد عبده : (نعم إن الإنسان إنسان بفكره وعقائده، إلا أن ما ينعكس إلى مزايا عقله من مشاهد نظره ومدركات حواسه يؤثر فيه أشد التأثير، فكل شهود يحدث فكراً، وكل فكر يكون له أثر في داعية، وعن كل داعية ينشأ عمل، ثم يعود من العمل إلى الفكر، ولا ينقطع الفعل والانفعال بين العمل والأفكار ما دامت الأرواح في الأجساد، وكل قبيل هو للآخر عماد).

منهج التنوير:

ويقوم على الإيمان:

- بالحركة والتطور والتبدل (سبحان الذي لا يحول ولا يزول)

- وبالعلاقة الجدلية بين الداخل والخارج (فالإنسان ابن بيئته (من عاشر القوم أربعين يوماً صار منهم)

- وبين الجزء والكل (حديث الرسول: المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص..)

- وبين الشكل والمضمون (المكتوب يعرف من عنوانه)

- والقول بنسبية الحقيقة (الكمال لله)

- وأخيراً على الشك  القائم على رفض الأسطورة والامتثال والاستسلام للجبر المطلق. (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ).البقرة 260

جوهر وأهداف التنوير:

الإنسان وتنميته المستدامة أولاً. وهذه تتضمن بالضرورة:  الحرية، العدالة، المساواة، التعليم، والصحية الخ. وثانياً المواطنة وما يقوم عليها من حقوق وواجبات، وتعليم وحرية المرآة، واحترام الرأي والرأي الاخر.. ثالثاً، تنوير الناس ومحاربة من يعمل على تجهيلهم خدمة لمصالح سياسية أو طبقية محددة.

هذا ويمكن القول  بشكل آخر:

1- على المستوى السياسي: تحقيق دولة القانون والمؤسسات، أو ما يسمى الدولة المدنية.

2- على المستوى الاقتصادي: تحقيق العدالة في تقاسم الثروة الوطنية.

3- على المستوى الاجتماعي: تحقيق المواطنة، وتجاوز المرجعيات التقليدية من عشرة وقبيلة وطائفة ومذهب.

4- على المستوى الثقافي: الاشتغال على الجانب العقلاني والأنسي الذي يبرز دور ومكانة الإنسان كخليفة على الأرض.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

 

 

"إن الفشل في التمدن... مرض فكري مقيت... ينتج سوء الفهم وتخبط الرؤى والعزل النفسي والتناقض الحاد والمرير.. جرائه تتسرب للشعوب مشاعر بالقنوط والغضب والقرف والعدائية... وإلقاء اللوم على الأخر وتبادل النفور وزهق كل نهج للسلام تماما !!!"

 علينا أن نعترف إن لا سلام على الأرض، فهشاشة نظام الأمن الدولي جراء الفوضى الاصطناعية في العلاقات الدولية المترافقة مع إضعاف قدرة المنظمات الدولية للتأثير على الوضع والإجراءات غير المسؤولة من بعض القادة السياسيين على النحو الذي يحدده التهديد المتزايد للصراعات العسكرية الدولية والصراعات بين الجماعات المسلحة لإثارة الفوضى، كل ذلك واكثر يتم استخدامه بمهارة في تفعيل الخاصية الحرجية العالمية للتخبطات الامنية والنزاعات التناوبية والمتداخلة. نشهد حاليا تغيرا كبيرا في دروس فلسفات الحروب والتي يجري تحويلا حقيقيا في قوانينها، فالعلوم العسكرية لا زالت في مرحلة مبكرة من فهم العمليات المعقدة والمتناقضة لتطور الصراعات العسكرية الحديثة ولذا هي تحاول إيجاد سبل لتفسير نظرية وواقع الممارسة للكشف عن القوانين الداخلية لأستراتيجية الحرب الهجينة والتنبؤ العلمي والتخطيط لاستخدام مختلف المكونات التهديدات المختلطة والتي تحتل مكانا هاما لاستخدام فئات منطقية من العامة والخاصة والأفراد مما يساعد على الكشف عن القوانين الداخلية الحرب الهجينة الكامنة ويسمح في الحصول على المعرفة الأكثر دقة لفهم أفضل للجوهر والحس والغرض وبعض السمات الأخرى للنزاعات واستخدام قوتها ونقاط الضعف بشكل مقصود. وإن دراسة نظامها وتنظيم العناصر الهيكلية للحرب الهجينة على مستوى عام يعطي فرصة لتشكيل رؤية مشتركة للموضوع وجوهرها في وحدة الأجزاء والكل، وأقرب إلى فهم قوانين الحرب باعتبارها ملازمة الهجين في هذا النوع من الصراع والهدف من التواصل المستدام فلذا ينبغي إيلاء اهتمام خاص لدراسة الخصائص الكامنة في الحرب الهجينة بأعتبارها عدوانا فريدا مقترنا نسبة فئاته بكمية ونوعية الصراعات الحديثة، فضلا عن دراسة ملامح عوامل العرض من الاحتكاك وارتداء، وفتح آليات الاتصال الموضوعية المستدامة في إطار استراتيجية صراعات اليوم، والإجابة الصحيحة لهذه العوامل وغيرها لا يتوقع سوى من تطوير قياسات عالية الجودة للصراع واستباق تحول الخصائص الكمية. فيتم إجراء دراسة مفصلة لأجزاء من الكل وهي الظروف المعادية والنوايا التي تشكل استراتيجية حرب هجينة ويولى اهتمام خاص للتهديدات التي يتعرض لها الأمن العسكري للدولة التي تتعلق بإمكانية إشراك مجموعات كبيرة من القوات المسلحة واستخدام الوسائل الحديثة للنضال المسلح بهدف مجابهة العدو وتدميره.

 كدرس ودروس تستخدم تركيبات تهديدات الحروب الهجينة بأشكال هادفة في ظل العقوبات الاقتصادية والحرب المعلوماتية والحرب الإلكترونية والسيناريوهات المنخفضة الحدة غير المتماثلة بصراعات القوة العسكرية فضلا عن التهديدات التي تشكلها أعمال الإرهاب الدولي والقرصنة البحرية والتلاعبات بتدﻓﻘﺎت اﻟﻬﺠﺮة ﻏﻴﺮ اﻟﻤﺸﺮوﻋﺔ واﻟﻔﺴﺎد وإﺛﺎرة اﻟﺼﺮاﻋﺎت اﻟﻌﺮﻗﻴﺔ واﻟﺪﻳﻨﻴﺔ واﻟﺠﺮﻳﻤﺔ اﻟﻤﻨﻈﻤﺔ واﻧﺘﺸﺎر اﻷﺳﻠﺤﺔ المدمرة، ولذلك فأن الهدف من التحقيق في جوهرها عبر مجال العلاقات القانونية كعلاقة موضوعية مستقرة تجعل من الممكن فهم آلية العوامل المادية والروحية التي تتفاعل في نزاع عسكري وتعكس جوهر القوانين الأساسية والاتجاهات العامة للحرب وتترك جانبا الخاص. وآثار دروس التغيرات تتنشط في تأثيراتها الاجتماعية والسياسية لتغيير النظام العالمي قابلة للمقارنة مع نتائج الحروب العالمية والتي تسبب اليوم مصلحة في التجربة والقوانين والأشكال والأساليب بخوضها وفي استخدام التكنولوجيا "الناعمة" و "الثابتة" السلطة، ويعتقد أن قوانين الحرب الضرورية تتمحور في الاتصالات والعلاقات الأساسية المتكررة بين مختلف الأطراف وعناصر الحرب كعملية تساهم في تشكيل وتشغيل وتطوير والنتيجة، كما هناك العديد من الخطط النظرية لبناء تلك القوانين فتشمل أحداها قانون التأثير المحدد لارتباط القوى ووحدة العمل في الكفاح المسلح ومطابقة القوى والوسائل للأهداف المحددة وتحديد تأثير الإستراتيجية على الفن التكتيكي، ومع كل تنوع في الخطط المتقدمة من القوانين فأنها لا تغطي المجموعة الكاملة من الصراعات العسكرية الحديثة. إذ يواجه العالم أنواع وأنواع جديدة من الصراعات العسكرية المبنية على رفض وإلغاء القوانين الحربية التي صاغها الأسلاف، وإن أشكال تجسيد القوانين التي لا تتطابق مع حروب العصور السابقة والصراعات العسكرية من مختلف الأنواع والأنواع في القرن الحادي والعشرين تغيرت لاسيما اثر تشكيل عالم أحادي القطب والذي سمح للولايات المتحدة من التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وفيه انخفضت قدرة المنظمات الدولية على التأثير على الوضع العالمي بشكل ملحوظ.

والدرس الاخر المتحدد بتغيير قوانين الحرب وهو التنوع في البيئات التي كانت المواجهة تتطور فيها مما يؤدي إلى تعدد وتنوع الصراعات التي تتشكل نتيجة لمزيج من المعلومات والأثر العسكري والمالي والاقتصادي والدبلوماسي على العدو في الوقت الحقيقي وعلى العديد من أنظمة وقوانين الحرب والتي وضع جرائها عددا من المنظرين العسكرية نظريات ومقترحات لتجاوز كوارثها والتي تطمس التمييز بينها وبين الحرب التقليدية البحتة وغير النظامية، وإن البعد الجديد لها هو الاستخدام الواسع لتقنيات الفوضى الغير خاضعة لأي مستوى من مستويات الرقابة، فيتمثل الاختلاف الرئيس بين الحروب المختلطة والصراعات التقليدية في تعدد الأشكال والوسائل والأساليب والطرق العسكرية وغير العسكرية في الجزء غير المتعلق بالسطوة مما يجعل من الممكن حرمان الجانب الآخر من السيادة الفعلية دون الاستيلاء على أراضيه بالقوة العسكرية. فتظهر عبر دروس الحرب إن ظاهرة الاحتكاك الحربي تتفاعل بشكل مختلف ومختلط، وإن تلك الدروس وعواملها لا تلغي بأي حال الدور الحاسم للقوة في النزاعات العسكرية الحديثة فلا تزال وسائل وأساليب القوة العسكرية هي الهيكل الداعم للصراع العسكري إذ تكون "التكنولوجيات الوراثية" المختلفة متدرجة في شكل نوع من البناء الفوقي. وفي عملية تصعيد النزاع من كثافة منخفضة نسبيا إلى استخدام على نطاق واسع للقوة حسب منطق الحرب الهجينة عبر استخدام التهديدات المختلطة المعقدة مما يتيح الجمع بين استخدامات غير نظامية وتدمير متقن ومستمر لاقتصاد العدو لتمزيق وحدة البلاد و تشويه صورة زعاماته من خلال العمليات في الفضاء الإلكتروني مع الحفاظ على تهديد القوة العسكرية، مما تفرز مناخ من عدم اليقين ومجالا للمناورة محدود إلى حد كبير تشل إرادة المقاومة مما يخلق الظروف الملائمة لاعتراض المبادرات الإستراتيجية والاستسلام النهائي لإرادة الضحية المعتدى عليه. وهكذا تراهن القوى العظمى على استخدام الحرب الهجينة القادرة على إدارة تصاعد المواجهة بشكل متكيف في الانتقال من أشكال النضال غير العنيفة إلى صراع عسكري واسع النطاق حتى إلى الصراع العالمي.

ودروس تلك الحروب تنتمي لمكان هام في تطوير خطط لحرب هجينة وبتشكيل مجموعة من التهديدات الهجينة ومفهومها يجمع مجموعة واسعة من الظروف والنوايا العدوانية كالعقوبات الاقتصادية والحرب المعلوماتية والحرب الإلكترونية والسيناريوهات الكثيفة والمنخفضة غير المتماثلة بصراعات القوة العسكرية والإرهاب العالمي والقرصنة والهجرة غير الشرعية والفساد والصراعات العرقية والدينية والموارد الأمنية والتحديات الديمغرافية والجريمة المنظمة ومشاكل العولمة وانتشار أسلحة الدمار الشامل، ومن ذلك كله يتم تعريف وثائق التهديدات التي يشكلها العدو لتكون قادرة على التكيف باستخدام الوسائل التقليدية وغير التقليدية لتحقيق الأهداف الموضوعة. ويمتاز مجمع التهديدات الهجينة بعدد من الخصائص التي تضمن تطبيقها الفعال وله قوة تدميرية أكبر بكثير من التهديدات المتداولة فيتم توفير "الأثر التراكمي" عبر تنفيذ نظام من الأنشطة التحضيرية والتنفيذية المعقدة والمترابطة ذات الصلة بتنسيق أنشطة عدد كبير من المشاركين في إقليم البلد المستهدف وما بعده ليتم الاستخدام الناجح والماهر للعوامل التي تحدد الديناميكية العالية لتطور الوضع وتعطي العمليات الاتجاه الضروري باستخدام كل من الحلول غير العسكرية والعسكرية، وكثير من تلك التهديدات ليست جديدة لكنها اكتسبت سرعة غير مسبوقة تحت نطاق وشدة التأثير. ويمكن أن تكون مصادر التهديدات للحالة المستهدفة داخلية وخارجية وتنشأ التهديدات الداخلية بسبب عدم قدرة الدولة على التعامل بفعالية مع القضايا والمهام الملحة في المجتمع وضمان الأمن فضلاً عن التطور السلبي المادي والفكري والفساد في فروع الحكومة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية الناقصة والغير عادلة والتناقضات على أساس عرقي وديني وعدم وجود وطنية موحدة لفكرة الدولة وضعف القوات المسلحة وخيبة وكالات إنفاذ القانون وعدم كفاية الرقابة على الحدود، إضافة إلى ظاهرة "القوة الناعمة" التي تحدد جاذبية الدولة لسكانها وشعوب الدول الأخرى وإن النداء الضعيف للبلد يحولها إلى هدف للتوسع الثقافي والأيديولوجي للقوى المعادية ويسهم في إضعاف روابط الحلفاء والشراكة ويقوض الوحدة الداخلية للمجتمع.

هناك مجموعة كبيرة من الدروس والوظائف ترجع إلى حقيقة أن الفوضى هي غياب النظام بشكل عام، وهي مزيج من العديد من العناصر دون اتصال منطقي بينهما وإن الحساب على الدور الخلاق للفوضى في وضع إستراتيجية الحرب الهجينة أن يكون على درجة عالية من المسؤولية، لأن الإستراتيجية لا تسمح برهان الفرصة لذلك ولتحقيق النجاح يجب توفير إستراتيجية الحرب الهجينة كوصلة مستقرة بين التهديدات الهجينة وعواقب تنفيذها، وتنظيم الإجراءات والمدى لكل تهديد ينتمي إلى حساب فئة الفلسفية السببية مما يدل على علاقة ضرورية بين الظواهر، والنتائج والآثار. ولمعرفة الأسباب الكاملة والمحددة لتبسيط عملية تتيح تشكيل التهديدات المختلطة المعقدة للحد من تأثير عامل العشوائية عبر الكشف عن تبعيات السببية الرئيسية واحتمالية التنبؤ بداية التحقيق النهائي المطلوب، أي تحقيق النصر ففي هذه الحالة فأن إنشاء الأسباب الكاملة لا يمكن تحقيقها إلا في حالات بسيطة نسبيا، وعبر وضع إستراتيجية واستخدام التهديدات التي تجمع بين مكونات الأسباب الكاملة، وان قياس الصراع الرأسي هو نظام لتوزيع التهديدات الهجينة وتوزيعها وفقًا لمستويات تطبيقها، وحين يتم تحقيق القصد الاستراتيجي للصراع العسكري المختلط يتم تحديد حدود قدرات الأطراف ومهمة تحليل مسار الحرب على المستوى الاستراتيجي للتعريف الدقيق لتتويج النجاح وبعد ذلك قد يأخذ مسار الصراع العسكري المختلط الاتجاه المعاكس للجانب الفائز ويؤدي في النهاية إلى هزيمته، ويرتبط مثل هذا "التحول" في الأحداث بزيادة مقاومة من يتعرض لهجوم هجيني واستعادة وتوسيع إمكاناته المنتهكة من قبل العقوبات الاقتصادية والهجمات السيبرانية والتحويلات الأيديولوجية والثورات الملونة والعمليات العسكرية، وإن منطق الحرب العالمية الهجينة ضدنا واضح تماما عبر زيادة الضغط علينا اقتصاديا وتركيعنا سياسيا وفكريا وثقافيا لتقسيم الصفوف وربطها بسلسلة لا نهاية لها من الصراعات الداخلية والحدودية، ومن الضروري إن نتعلم الدروس ونبادر بحماية بلادنا من جميع أشكال الضغوط والاعتداءات الخارجية القائمة والقادمة والمحتملة.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

سليم مطرلكل بيئة خصوصيتها ومصاعبها ومباهجها: (جبال، سهول، أدغال، بحار، بوادي، ثلوج.. الخ). وسكان كل بيئة لهم نقاط قوتهم ونقاط ضعفهم الناتجة عن بيئتهم. هنا محاولة لتحديد جوهر العلاقة التاريخية بين العراق وايران من خلال تحديد الفروق بين الشخصية العراقية والشخصية الايرانية. لأن سياسية اية دولة، في تكرارها وديمومتها التاريخية، لا بد ان تكون نتاج الخصوصية العقلية المستمرة لمجتمعها وبيئتها:

ـ الشخصية الايرانية: الميزة الاولى والكبرى لكيان ايران: انها هضبة عالية، بارتفاع يقارب(1000م) شبه منبسطة تشكل نصف مساحة ايران، وتتخلها جبال شامخة واثنتان من اكثر صحارى العالم جفافا وقحلا: (لوط، وكور). وتحيط هذه الهضبة المثلثة، ثلاث من اكبر السلاسل الجبلية: زاغاروس وبورز وجبال باكستان وافغانستان (لاحظ صور الخرائط المرفقة) (1).

1130 سليم مطر 1

ان البيئة الجبلية عموما تتميز بالمخاطر الدائمة المحيطة: تساقط الصخور وكتل الثلوج، واحتمالات العزلة السريعة بسبب انقطاع الدروب لتساقط الثلوج والجذوع والصخور. ثم ان السير عادة يكون في دروب ضيقة قد تكون محاذية لحفر ووديان، واية عثرة قد تسبب سقطة مميتة. كذلك هنالك احتمالات وجود اعداء فوقك مختبئون خلف الصخور. لهذا فأن انسان الجبال يجب ان يكون حاضرا منتبها حوله والى دربه المليئ بالاحجار والعثرات والمخاطر. وان يتحلى بمقدرة كافية على التحمل البدني والنفسي، ويتمتع بذكاء عملي واقعي يتجنب بطر الخيال والثرثرة.(2)

ولكن هذه البيئة تخلق عيوبها الخاصة. ففي الجبال عموما يكون الافق محدودا لأن مد البصر يواجه بجدران الجبال المحيطة. لهذا يكون انسان الجبال ضيق الافق يصعب عليه الخيال والتحليل، ويأخذ الامور مباشرة وبدرجة من السذاجة. ثم ان عزلته الجبلية ومحدودية الاتصالات تمنحه قدرة على تحمل العزلة وعدم  الميل الى الكلام والحوار وروح الفرفشة والنكتة والحيلة. ان روحه العملية الواقعية الملتزمة المنتظمة لا تسمح له بتفضيل المتع واللعب والتفكير.  باختصار ان الشخصية الجبلية جادة وباطنية ومنتظمة وصبورة، كذلك عنيدة وضيقة الافق ولا تحتمل الجدل والخلاف وذكائها عملي.

وكل هذا ينطبق على الشخصية الايرانية. وكما يصفها بصورة معبّرة ومكثفة الباحث (عبد الجبار الرفاعي) الذي عايشها ودرسها: (الشخصية الايرانية متدينة بطبيعتها.. باطنية، مركبة، طقوسية، مسكونة بالأسرار، تغرق بالتأمل، وتعشق التجارب الروحية، وتدمن الارتياض، وتتسم بالصبر والجلد، والمثابرة. وربما تعيش في حياتها العملية نمطا مدنيا حديثا، اي بعيدا عن المدونة الفقهية، لكنها في المجال الشخصي الخاص تنشد الزيارات، والمواجيد، والدعاء..)(3)

1130 سليم مطر 2

ـ اما شخصية الانسان العراقي، فهي مناقضة تماما للشخصية الايرانية، بمحاسنها وعيوبها. لأن بيئة العراق (بلاد النهرين)، سهلية ومائية (انهار ومستنقعات) ومفتوحة، بآفاق لا محدودة مثل آفاق البحار والبوادي. ليس هناك مخاطر طبيعية قد تفاجئه بكل لحظة، بل هي مخاطر طبيعية شبه معلومة تتمثل خصوصا بالفيضان والجفاف. ثم انه عموما يسير في دروب عريضة منبسطة متربة لا تتطلب الكثير من الانتباه، وتسمح له بالنظر الى الافاق وتأمل السماء والانسراح في الخيال. اضافة الى انها طبيعة دافئة معظم السنة، فتعود النوم تحت النجوم والغرق في تأملها وحسابها، وتمضية ساعات السمر في عراء الليالي الدافئة.

هذه البيئة السهلية النهرية الدافئة، خلقت ايضا شخصية سهلة دافئة منفتحة على آفاق عقل وجنون. روح حساسة للجمال وقدرة عجيبة على التخيل والتحليل والابداع. تميل الى الحوار والتفكير وحُب المتعة والغناء واشباع ملذات البدن، من طبخ وطعام وجنس وحياة اجتماعية.

ثم ان علاقة العراقي الدائمة مع السماء بنجومها ومجاهليها المحيرة، جعلت ديانته القديمة (سومر وبابل وآشور) تقوم على (عبادة النجوم) وعلم الفلك والتنجيم و(الابراج الاثنى عشر).(4)

وهي تماما عكس ديانة الايراني، (المجوسية) الارضية القائمة على عبادة الطبيعة بأحيائها وظلامها ونارها.

كل هذا جعل العراق طيلة تاريخه يمتلك هذه القدرة العجيبة على الابداع الثقافي المنفتح والمتنوع والخصب، وتشييد الحضارات الزاهية الاصيلة الغير مقتبسة في اعظم حواضره العالمية: اور وبابل ونينوى، ثم بغداد والبصرة والكوفة.

العراقي حضارة، والايراني دولة!

من يلقي نظرة على تاريخ العالم وحضاراته، يلاحظ ان جميع الحضارات الكبرى بما فيها الحضارة الغربية الحالية اقيمت في السهول. يكفي معرفة ارتفاعات العواصم الحضارية المعروفة: مصر، العراق، الصين، اليونان، روما، الهند، وصولا الى انكلترا وفرنسا والمانيا. جميعها حضارات سهلية وعواصمها في السهول التي لا ترتفع عن مستوى سطح البحر. اما الجزر والجبال وبوادي الرمال أو الثلوج، بسبب العزلة وصعوبة التواصل، لا تسمح، لا بانبثاق دولة قوية ولا حضارة زاهية. (مثال: جبال كردستان، وصحراء نجد وتركستان وثلوج سيبيريا، وجزر اندونيسيا وجنوب آسيا.. الخ..). لكن الهضاب الجبلية العالية والواسعة، مثل الاناضول وايران، بالعكس تسمح بتأسيس دول قوية محمية بالجبال. بل انها تصبح قلاعا حصينة تتوسع نحو البلدان المحيطة بها لتشكل امبراطوريات كبرى، آخرها الصفوية الايرانية والعثمانية التركية. ولكن بنفس الوقت، كما ذكرنا، ان طبيعتها الجدية العملية، تمنعها من تكون حضارات ثقافية متميزة، واقصى ما تستبطعه ان تسبها من الآخرين (سنفصل موضوع ايران والحضارة).

هنا بالضبط يتجلى التناقض بين الشخصيتين العراقية والايرانية ويبلغ اقصى درجاته في اخطر موضوع بجانب موضوع (الحضارة)، الا وهو موضوع (السياسة)، أي طبيعة العلاقة التاريخية مع (الدولة). ويمكن وصف هذا التناقض كالتالي:

ـ من ناحية تمتع ايران بشرط جغرافي مهم جدا لتكوين دولتها، فهي هضبة واسعة وعالية محاطة بالجبال المنيعة الشامخة من كل ناحية، اشبه بالقلعة الجبارة المسورة. وهذا ساعد دائما على تكوين دولة صلبة محمية وقادرة بسهولة على فرض هيمنتها وتوحيد شعوب الهضبة الايرانية رغم اختلافاتهم القبائلية والقومية. اكبر مثال على مدى قوة الطبيعية التوحيدية للدولة الايرانية، ان اعظم دولتين وطنيتين وحدتا ايران خلال القرون الاخيرة، الصفوية ثم القاجارية، لم يحكمهما الفرس، بل سلالة آذربيجانية ناطقة بالتركية! بل حتى (رضا شاه) مؤسس ايران الحديثة له اصول قفقاسية تركية. اخيرا لا ننسى ان الكثير من قيادات الدولة الايرانية الحالية، هم (سادة علويين) أي اصول عربية، مثل الخميني وخاتمي والخامئني.  كل هذا لكي نبين كيف ان (قوة وديمومة الدولة الايرانية) ظلت اقوى من الاصول القومية، وهي صانعة الهوية الوطنية المشتركة.

اما العراق، فمن سوء حظه، رغم سهوله ونهريه وقدراته الفائقة العقلية والحضارية، ظل دائما ارضا مفتوحة سهلة الاجتياح، لعدم وجود اية موانع طبيعية تحميه: لا جبال ولا صحارى قاحلة ولا بحار شاسعة. انه وادي خصيب سهلي تشرف عليه اعتى الهضاب العالية الجبارة: هضبة ايران وهضبة الاناضول، بالاضافة الى البوادي الشاسعة من الغرب والجنوب. وهذا الوضع ادى خصوصا بعد ظهور الدول في هضبتي الاناضول ثم ايران، منذ اواسط 2000 ق.م ، الى كثرة اجتياحات القبائل الجبلية القادمة من جبال زاغاروس المجاورة وكذلك من هضبتي ايران والاناضول: حوريون وميديون.. ثم بدأت الاحتلال الفعلي الايراني، منذ الاخمينيين الذين اسقطوا بابل (539ق.م)، حتى الخامئنيين في الوقت الحالي!

سبب هوس ايران باحتلال العراق!

ان هذا الاندفاع الجنوني الايراني للسيطرة على بلاد النهرين، نابع من الوضع التالي:

ان ايران طيلة تاريخها ظلت تعاني من عدم وجود السهول الواسعة المنفتحة. فالسهل الوحيد المتوفر لديها هو شاطئ بحر قزوين، لكنه ضيق يترواح بين 2 كلم واقصاه 50 كلم. ثم هذا البحر بالحقيقة هو بحيرة كبيرة مغلقة لا تمنح أية آفاق اقتصادية او حضارية، كما هو حال البحر المتوسط مثلا. ثم ان جميع البلدان المحيطة بأيران، هي مثلها، ايضا هضاب وجبال عصية: الاناضول والقفقاس وافغانستان ثم الهند (باكستان فيما بعد). اما (تركمانستان) المجاورة فهي سهلية لكنها عمومة صحراوية. اما ساحل الخليج، فهو ضيق جدا وتطل عليه جبال زاغاروس مباشرة. فمثلا ان موانئها على الخليج مثل (بندر عباس وبوشهر) تستفيد من جزر محاذية. (بالمقارنة مع بلاد الاناضول مثلا، اي تركيا، رغم الهضبة والجبال، فانها تتمتع بسهول بحرية كبيرة على سواحل المتوسط والاسود والفسفور. يكفي القول ان العاصمة اسطنبول سهلية ساحلية). إذن ليس امام ايران كي تنبسط وتتنفس هواء السهول والبحار، غير هذا الوادي النهري الخصيب والمنفتح والواقع مباشرة تحت جبالها (زاغاروس)على اطول حدود لها التي (1458 كلم، عدى الاحواز). والذي يثير الشهوة اكثر، ان هذا الوادي النهري ليس مليئا بالخيرات الزراعية فحسب، بل فيه الخيرات الحضارية والابداعية المذهلة، التي طالما خلبت لبّ الايرانيين المحرومين من هذه الروح الابداعية الفنطازية. ثم انه احتلال العراق يعني بلوغ شواطئ البحر المتوسط الواعدة، حيث سواحل الشام، ثم مصر.

هكذا تمكنت ايران طيلة التاريخ من استثمار تفوقها الجغرافي وصرامة شعبها الجبلي، لتفرض احتلالها للعراق السهل والممتع ارضا وشعبا. استمروا خلال قرون طويلة منذ احتلالهم بابل في القرن السادس ق.م حتى القرن السابع ب.م حيث حرره العرب المسلمون (633م). ثم عاودت ايران محاولاتها الاحتلالية مع الدولة الصفوية ولكنها فشلت عموما امام قوة العثمانيين.  وليس صدفة انها اصّرت على احتلال الاحواز العربية العراقية، لانها السهل الوحيد حاليا لايران، بالاضافة الى اهمية موانئ الاحواز على الخليج، ثم ثروتها النفطية الهائلة التي تعتاش عليها ايران. (ناهيك عن اغتصاب تاريخ الاحواز القديم وحضارته العيلامية التي هي جزء من حضارة النهرين، وشقيقة للحضارة السومرية)!

ومن عجائب التاريخ الايراني، والدليل على مدى هوسها بالعراق، انها دائما جعلت عاصمتها في العراق: بابل، ثم سوسة (الاحواز) و(المدائن) قرب بغداد الحالية. ودائما تبنت الحضارة العراقية: البابلية ثم الآرامية، بل حتى المسيحية العراقية (النسطورية) تغلبت على المجوسية في ايران نفسها. ثم تبنت الاسلام العربي العراقي، واخيرا التشيع العراقي. (سنفصل هذا الموضوع في دراسة قادمة).

تأثير ضعف الدولة على شخصية العراقي!

ان هذا الضعف التاريخي الطبيعي (للدولة العراقية) والاحتلالات الايرانية والاجنبية (العثمانية ثم الانكليزية واخيرا الامريكية) المستمرة، قد عمق عيوب الشخصية العراقية.  إذ تعودت مع مر القرون وفقدان الدولة الوطنية القوية التي تمثلها وتمنحها الامن والكرامة، الى الميل للتراخي والحلل وصعوبة الالتزام والتنظيم والادارة الذاتية. لأنها بحاجة دائمة الى (إدارة عليا) تراقبها وتوجهها وتبث العزيمة فيها: (الدولة خصوصا، كذلك الحزب والعشيرة والمرجع.. الخ). دون هذه (الادارة العليا) يكون العراقي اشبه بمركب بلا ملاح، فاقدا لارادته، فرديا كسولا عبثيا، يمضي وقته بالمتعة والطعام والجنس، ثم عندما يتعب ويصحو، يلجأ الى التشاؤم والتبكي والتشكي من ظلم الدولة والخالق.

الامر الذي يجلب الانتباه طيلة التاريخ العراقي، أن جميع الحقب التي بلغ فيها العراقيون اوجهم الابداعي الثقافي والحضاري، (مثل حقب الحضارة القديمة، ثم العباسية، بل حتى بعض فترات الحقبة الملكية والجمهورية)، كانت قد توفرت لهم دولة مركزية فرضت عليهم القانون وضمنت لهم نوعا من الامن والاستقرار.  وليس هي صدفة ابدا، ان اعظم انجاز حضاري هي (شريعة حمورابي 1800 ق.م) التي هي اقدم قانون في التاريخ، وتعبير عن حاجتهم الى الانضباط والانتظام. وليس صدفة ايضا، دور العراقيين الحاسم في تأسيس مدارس الفقه الاسلامي، أي القواعد والقوانين الشرعية.

الخطير في هذا الوضع، ان احتياج العراقي، فرديا وجماعيا، لادراة عليا، جعلته عموما، مع غياب او ضعف الدولة الوطنية، يقبل بأية دولة او إدارة تهتم به وتمنحه بعض الامان، حتى لو كانت اجنبية معادية للوطن. لهذا ظل يسود العراقيين هذا الانقسام العجيب في التبعية للخارج لمن هب ودب من الدول. بل الانكى من هذا، ان مخياله منحه السهولة بابتداع الحجج العقائدية والحزبية التي تبرر تبعيته: باسم العروبة تبع سوريا ومصر وليبيا.. باسم الاسلام والسنة تبع تركيا والسعودية وقطر..باسم الشيعة تبع ايران.. باسم الشيوعية تبع روسيا وغيرها.. باسم المعارضة للبعث تبع البرزاني.. باسم الديمقراطية تبع انكلترا امريكا!! وليس صدفة ابدا انه حتى الآن ورغم جميع الكوارث، لا زالت جميع النخب العراقية عاجزة عن خلق تيار وطني عراقي توحيدي لا يتبع اية قوة خارجية، بل فقط العراق وشعبه ومصالحه!

يتوجب التوضيح، ان هذا ضعف الجغرافي العراقي، من الناحية الفعلية حاليا فقد اهميته بسبب القوانين الدولية وكذلك تطور التقنيات العسكرية. لكن المشكلة ان الميراث النفسي لهذه العلاقة الاشكالية، طيلة آلاف الاعوام، لا زال عميقا وفعالا في العقل الباطني، الايراني والعراقي.

وان الحل الوحيد امام العراقيين للتخلص منه هذا الميراث، يكمن في الاحياء الثقافي والسياسي للهوية الوطنية الجامعة، التي تربي العراقيين وخصوصا النخب الثقافية والسياسية والدينية، على تحريم التبعية للقوى الخارجية مهما كانت، وبالذات ايران.

 

سليم مطر ـ جنيف

.....................

بعض المصادر:

1- (راجع مثلا، وكيبيديا: جغرافيا ايران).

2- (مثال عن مخاطر الجبال:

https://sgs.org.sa/Arabic/GeologicalRisk/Pages/MountainCliffs.aspx

3ـ دراسة عبد الجبار الرفاعي:

http://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-09/18310-----1979-1800----

4 - (طالع مثلا، ويكيبديا: علم الفلك البابلي)،

 

 

 

ياسين كارديديمنذ أن يعي الإنسان وجوده وهو يسعى في سبيل معرفة حقيقة هذا الوجود فيسأل أسئلة من قبيل: لماذا أوجد؟ ومن الذي أوجدني؟ فإما أن تخطفه سلطة النص فتسقطه في الإطلاق ليتحول من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن الحق قياسا إلى اليقين المطلق، وإما أن يهتدي إلى دوامة من الأسئلة توقفه على واقع النسبية فيسلك سبيل الشك باحثا لكل حركة في الوجود عن معنى، فيَحكم أسئلته كلها بسؤال المعنى، وبين "يقين النص" و"شك العقل السائل" تبنى الإجابات والمعتقدات والأحكام التي بمقتضاها يُفسر أصل الوجود وحركته ومصيره، واستنادا إلى هذا التفسير يُحكم على الفعل فنصير أمام عملية انتخاب للأفعال تخدم تصورات للوجود، هذا كله في سبيل عَالًم المعنى وبين تصور وآخر يبرز سؤال المشروعية" مشروعية الأفعال" الذي مرده إلى اختلاف التصورات وبالتالي التعدد، ووسط هذا التعدد تضيع الحقيقة ويطفوا إلى السطح مبدأ الأحقية بالحق، والناظر في تاريخ البشرية يفهم أنه لا شيء أخطر على الوجود من هذا المبدأ. لهذا نستطيع أن نتفهم هَم الفيلسوف المبثوث في تساؤلاته وكتاباته الفلسفية، و هَم رجل الدين حين يخطب في الأتباع وفي العالمين، ونرد الهَمين إلى الانتصار للتحرر الكفيل بحفظ وحدة الإنسانية.

دائما ما يقول المُتهممون بقضايا الإنسانية أنه لا يمكن أن تغير أو تصلح ما تقرر في الأذهان والوجدان وحتى في الواقع ما دمت لم تفكر وتتساءل ومقتضى هذا التفكير والتساؤل أن تحاول أن تفهم البنية أولا، وهو ما لا يكون إلا بالتحرر من كل المسلمات والمصادقات السائدة التي يصادق عليها الجميع تقريبا و التساؤل عن مدى صحتها.

- لماذا الأمر على هذا النحو وليس على هذا؟

- لماذا تتحرك الأمور في هذا الاتجاه وليس في هذا؟

- لماذا كل الناس يصادقون على هذا الواقع ؟

- لماذا كل الناس تصادق على هذه الفكرة وأنا أرى أن فيها خللا؟

- لماذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟ ...

أسئلة لا متناهية تبدأ بلماذا؟ تحاول البحث عن مبرر لواقع حاصل نراه يدفع نحو تقرير أفكار سقيمة تجعل من الناس إمعة، كما يقود لكتابة تاريخ مزيف نحاول أن نقنع أنفسنا أنه أفضل ما يمكن أن نعيشه، قد تبدوا أسئلتك هذه غريبة خاصة عندما تطرحها على من تشاركهم المحيط من تقاسمهم الهموم بعد أن استقرت في وجدانك وصرت لا تفكر إلا فيها حتى أنها ورثتك هما ثقيلا بحيث لا تكاد تجيب عن إحداها حتى تفضي بك هذه الإجابة الجزئية إلى أسئلة أخرى أعمق وأعمق.

هي أسئلة انعكست على خطاباتك ونقاشاتك وتفكيرك كله، نعم هكذا يكون من يسكنه هم الوجود وأسئلته الوجودية ومن يريد أن يجعل لوجوده معنى. أسئلة قد تظهرك غريبا نعم كن على يقين أنك ستبدوا غريبا، أتدري ماذا قال أحدهم لأمثالك الغريبين بأسئلتهم التي تناقض السائد، قال:" اخدموا غرابتكم"، لا تترك أصحاب عقلية السائد يضلوك عن سبيل التساؤل عن الحق والحقيقة مهما حاولوا أن يقنعوك أن ما عليه الناس هو الحق وعين الحقيقة، تساءل لتبني إجاباتك وربما إجابات الآخرين لا تتوقف عن التساؤل فتحرم الناس والعَالَم من حولك من تصور تقودك إليه أسئلتك قد يكون سليما ويقود الإنسانية إلى عالم متحرر.

لذلك تأتي هذه السلسلة للتساؤل بخصوص مجموعة من الأفكار والأحكام السائدة_ التي قد يظن البعض أن النقاش حولها قد حُسم، خاصة في قضايا الإيمان والسياسة والأخلاق، والإنسان في علاقته بالعَالم والإله_ تساؤل الباحث عن الحق والحقيقة لا تساؤل المنتصر لرأي أو تصور أو جواب معين.

 

ياسين كارديدي، باحث في الفكر الإسلامي والفلسفة، جامعة عبد المالك السعدي/ تطوان المغرب

 

محمد عبد الكريم يوسففي عام 1985 اجتمع الفلاسفة من شتى العصور في دمشق العروبة وتقاطروا من كل فج عميق ومن أقاصي الأرض في مؤتمرهم الأول. كانت الرحلة قاسية على بعض الفلاسفة فقد كان عليهم الحضور من عصر الإغريق وبعضهم من العصر الروماني الأول وبعضهم من الصين القديمة وبعضهم من اليابان القديمة وبعضهم من أوروبا الظلام وأمريكا العتيقة . لقد أراد الفلاسفة إصدار بيان فلسفي من دمشق عاصمة الحياة يصحح ما اعوج من فكر. وقد دون محضر الاجتماع الأستاذ ابراهيم فاضل في كتابه " لقاءات الفلاسفة " وأصدرته وزارة الثقافة والإرشاد القومي في كتاب جميل في عام 1988 بعد أن اطلع عليه ونقحه الفيلسوف السوري أنطوان مقدسي.

أراد الفلاسفة أن يلتهب الخاطر فكرا ويجتمع متجاوزا دخان السياسة بعد بلوغها سن الرشد وكما تعلمون فإن الفلاسفة يتلذذون بأداء كل ما يوكل إليهم من أعمال. دمشق هي دمشق المحطة الأبدية واليوم يجتمع فيها أصحاب الرأي قديمه وحديثه. وكان الاجتماع مهيئا للنجاح بلا قيد أو شروط مسبقة فالردهات معدة لتريح الفلاسفة والعلماء ودمشق تثق بهم وبحكمتهم وأهدافهم. لا ندري لماذا تغيب حكماء الكلدان وكنعان وبابل ممن عملوا في الذرة والفلك والرياضيات والطبيعة وفي ردهة من ردهات القاعة بدأ أفلاطون بمهاجمة النظرية الذرية الكلدانية لاعتقادها بأن القمر والشمس والكواكب الأخرى ما هي إلا حجارة وأتربة في حين أنه يعتقد أن هذه الكواكب ما هي إلا آلهة تعتني بالبشر وتحدد مسار حياتهم وتضع لكل إنسان برجا يحرك مصيره في مدار دقيق مصمم مسبقا. ثم تقتنع الفلسفة المثالية العالمية بإلوهية الكواكب  والشمس والقمر ويحكم أفلاطون على الذريين  الكلدانيين بالإعدام في خطأ فادح يعرقل مسيرة الدماغ البشري وتطوره.

كم هو صعب أن تدون محضر مجلس الفلاسفة من الشرق والغرب في رحلة تصحيح وتصويب لمسار الفلسفة وتنقيته من الشوائب الأهواء والمصالح والمشافهة. كانت القاعة رحبة الصدر فارهة القد تتسع للحب بأبعاده وأنواعه وكانت الأبواب كثيرة تستوعب ضيوف دمشق على كثرتهم. فمن الباب الشرقي دخل رواد الفكر الذري القديم وعلى رأسهم لايسين وأحشورش الاخميني ولوقيب وديموقريط يتبعهم جابر بن حيان. ومن الباب الشمالي دلف هرقليط صاحب النار وفيثاغورس المحتار بين أهله الإغريق ومعلميه المصريين والبابليين وحماته الإيطاليين  وضاع أرسطو بين سكون زينون الايلي وحركية هرقليط فبسط له أستاذه أفلاطون سجادة الوجود واللا وجود على مقعد مثالي هزاز يليق به. ومن باب الإسكندرية يدخل أفلوطين فيتعثر برصيف صور الذي لو لم يتمسك بكرسي روما وأستاذه أمونيوس سكاس لما استقرت له صوفيته. أما الحلاج الفرنسي ديكارت والحلاج الهولندي اسبينوزا فكانا يميسان بين الكون في خلقه والجوهر في ذاته. ثم وضع كانت منظار الميتفيزيك على عيني العقل المحض  بينما حمل فيخته معه تناقض المقولات الاستدلالية وطرح هيغل كينونته وجلس الأخوان ماركس وانجلز على كرسي الوجود المحقق بالمعرفة والفكر والقائم على التناقض الجدلي. أما نيوتن واينشتاين فقد احتلا مقعدي الشرف. أما شبلي شميل فقد جلس في الخلف يراقب نيوتن واينشتاين يتهامسان عن ملكوت الجاذبية والأصول والرياضيات في فلسفة الطبيعة في حين بدأ اينشتاين يبشره بالبعد الرابع ومقاومة المادة للتغيرات وحركة الذرات الدائمة وتطورات النظرية النسبية. وجلس طالي يتأمل المادية الكنعانية الجدلية وكيف سيبسط الأشياء لأترابه وصفن أفلاطون كيف سيدافع عن خيالاته ويعتذر عن أخطائه الفادحة أحيانا. وتأمل شاعر القصيدة اليتمية دوقلة المنبجي كيف سيظهر لهذا الحشد العظيم جمال صراع الأضداد في قصيدته العصماء عن "دعد" وكيف سيبسط جدلية الطبيعة وجمال الاختلاف ورحمته. أما زينون الايلي فقد تنحنح من مكانه وهو يبحث عن طريقة لإقناع الناس بأن الحركة سكون والسكون حركة وكيف سيشرح أفكار أستاذه بارمينداس زعيم المدرسة الإيلية وبعد لحظة حدث ما نسميه في الفلسفة " الصمت المفكر " و " الحديث الصامت" وتكاد تسمع رنين صوت الإبرة لو سقطت في قاعة تضم في جنباتها آلاف المفكرين من كل العصور. كان أرسطو التواب يجلس واجما يتطلع إلى " أفلاطون" حينا فتتحرك التوبة في أساريره ويتذكر " كانت " فيحتمي بعقله المحض. لقد أوحى إليه أفلاطون بالوهم فقبله وحمل "كانت" عنه إدمان العقل فشط عن الصواب. الندم صك براءة يأخذه الإنسان للتفكير في أخطائه  فكيف يمكن أن تصل كف أرسطو إلى هذا الصك وهو بعيد مسافة 2500 سنة عنا. وتذكر كيف انسحبت الجيوش الفارسية أمام المد الإغريقي المقدوني بقيادة الإسكندر وكيف كتب له " سر الأسرار" موجها وضابطا لسلوك تلميذه. وعندما مات الإسكندر توزع ملكه بين قادته وكانت دمشق من نصيب سلوقس والقاهرة من نصيب بطليموس. وشاركه في التأمل بنفس الأفكار والسياق إقليدس الذي ولد في صور واخترع الهندسة وتذكر إقليدس كيف طلب منه بطليموس أن يعلمه الهندسة وكيف أجابه بأن " لا طريق هناك للملوك إلى علم الهندسة ". وجلس رواد الأفلاطونية الجديدة مع بعضهم يتأملون المطلق والعبودية الجديدة وتسلط الحكام والتفنن في محبة الإله بجمال وتفرد لم يفهمه أحد وكان الحسين بن منصور الحلاج وجابر بن حيان  ومحمد ابن زكريا الرازي وأبي حاتم الرازي والحسن ابن الهيثم والكندي وابن طفيل وابن رشد والفارابي وابن سينا والكرماني  على قائمة رواد الأفلاطونية الجديدة وكانت السيوف مجلوة على رقابهم تطلب منهم الموافقة على الأخطاء المقدسة. تنحنح أبو العلاء من مقعده وهمس قائلا : " الناس على دين ملوكهم." ثم تمتم قائلا : " إذا قلت المحال رفعت صوتي وإن قلت الصحيح أطلت همسي  "  وتتجول العدسة بين الحاضرين لتركز على رجل يجلس بمحاذاة أبي العلاء المعري. إنه أبو الطيب المتنبي ونستغرب لماذا لا نجده في قاموس الفلسفة. ربما كان السبب هو الغباء أم انحياز بناة المعاجم. المتنبي فيلسوف وعالم نفس وعالم اجتماع أيضا. دخل مختبرات عديدة حموضها وأسسها الناس جميعا على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ومفاهيمهم وطرقهم وألوانهم فهو من سمى موسيقى الحرب ضجيج والخيول المدلهمة تصهال والسيوف العربية صليل والكهول السمر رندحات. في هذه اللحظات أشارت اللوحة الالكترونية إلى عام 625م حيث سيف الدولة الحمداني وأبو فراس لتكتمل الصورة بين قائد ووزير إعلام وفقيه لا يشق له غبار. خاف أحد الحضور خيانة عينيه فهو يرى المتنبي ببصره وبصيرته  وتذكره حين قال :" وإذا خفيت عن الجهول فعاذر ألا تراني مقلة عمياء " وهمس قائلا : " ألا ترى ما أرى يا بيكون ؟ الصوفية العقلية كلها بجوارك. " وابتسم فرنسيس بيكون قائلا :" هو من قال : كأن بجسمي نحولا أنني رجل..لولا مخاطبتي إياك لم ترني." ثم تابع قائلا هو من صاغ اللطائف الفلسفية شعرا جميلا وترك دويا يتردد صداه عبر العصور حين قال :" وتركك الدنيا دويا كأنما تداول سمع المرء أنمله العشر." والدوي الداخلي أقسى من الدوي الخارجي فإذا تداول المرء أذنيه بأصابعه العشر سمع دويا  ناتجا عن كيانه وليس من خارج جسده فلا صوت بلا حركة ولا حركة بلا صوت. وقد لا نسمع حركة الأرض ونحن عليها وهذا ما تصبو إليها موسيقى النجوم في التناغم القديم.

ثم بدأ الاجتماع لمدة ثلاثة أيام في ضيافة دمشق العروبة وكانت نتائج اللقاء الفلسفي الأولى القرارات التالية:

- يا فلاسفة العالم توحدوا بي.

- تحديد تقويم فلسفي يبدأ بتاريخ 5 آب 1985 يسمى " التقويم الفلسفي الدمشقي".

- المطلوب منكم اختيار أسماء جديدة تناسب روح العصر الحالي والتكنولوجيا والنظرية الكمية واقتصاد المعرفة.

- إلغاء المبادئ التي فرقت الناس شيعا وأحزابا وجماعات متشاحنة متقاتلة حيث الموت والدمار.  

- تصنيف وتبويب الخطأ والصواب عبر لجنة مشكلة منكم رغم اختلاف العصور والأزمنة.

- الأسس التي فرقت الناس هي

أسس المادية التي تقول:

- تسبق المادة الوعي وتنشئه.

- الكون أبدي لا أول له ولا أخر.

- الكون واحد لا ثنائي "أعلى وأدنى".

- يمكن للإنسان أن يعرف أسرار الكون.

- تدرك المعرفة بالجد والجهد والتخطيط لا بالتأمل.

أسس الجدلية التي تقول:

- لا توجد حقائق ثابتة داخل الوعي أو خارجه وتتغير هذه الحقائق مع المتغيرات الدالة على حركة الكون.

- الفكر والمعرفة يساويان الوجود.

- الوجود يساوي الأشياء وظواهرها ويحدد صيرورتها.

- يتم التطور الصيروري بالانتقال من الكم إلى الكيف.

- نفي اللحظة المبدئية في التطور ونفي الطفرات.

- يبنى التطور على ارتباطات الأضداد بين المطلق والنسبي والثابت والمتغير والنفي ونفي النفي.

- قد يحدث التحول من مكان إلى مكان ألطف.

أسس المثالية التي تقول:

- الروح تسبق المادة.

- الروح لا مادية.

- للكون بداية ونهاية.

- الكون ثنائي أدنى وأعلى.

- لا يمكن للإنسان معرفة الكون.

 

فروع المثالية:

- الفرع التأسيسي وصاحبه أفلاطون وجدده هيغل وشالنغ باسم "المثالية الموضوعية".

- الفرع الثاني  اخترعه أفلوطين وطعمه بالصوفية والوجد والتأمل ولقبه "الأفلاطونية الجديدة ".

- الفرع الثالث طوره اللاهوتيون والفرديون واللغويون والصوفيون وسموه " الغوث الأعظم".

- الفرع الرابع خطط له ونفذه البرجوازية الأوروبية وقد أسسه ديكارت وبيركلي وكانت وفيخته وماخ وسموه " المثالية الذاتية".

- الفرع الخامس روج له النفعيون وسموه " الوجودية" و"الوضعية الجديدة" و"التوماوية الجديدة".

- الفرع السادس بنته الامبريالية العالمية بعد أن صاهرت جميع الفروع السابقة وأنتجت "المادية الجدلية المعاصرة ".

- الفرع السابع اخترعه الفيزيائيون والرياضيون وبدلوا العالم العلوي بعالم الرياضيات المجرد المستقل عن الواقع وسموه "المثالية الفيزيائية الرياضية".

- الفرع الثامن آمن به الأطباء وعلى رأسهم يوهانز موللر الذي اعتبر أن الحواس رمز للعالم الواقعي الموضوعي  وسموه " المثالية التشريحية "

- الفرع التاسع أسسه النظريون بزعامة كانت وحملوا الميتافيزيق مسؤولية أن تفسر حقائق الكون وسماه "المثالية النقدية ".

وقد اتفق علماء الفلسفة على تجديد اللقاء في دمشق كلما سنحت الظروف.

تمر سورية حاليا في مرحلة صراع النظريات الفلسفية على أرضها ونأمل أن يتم عقد اللقاء الثاني قريبا بعد انتصارها على أعدائها لتتكلم الفلسفة عن نفسها وعما حدث.

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

...............................

المرجع

ابراهيم فاضل ، لقاءات الفلاسفة ، وزارة الثقافة ، دمشق 1988

 

جواد بشارةيبدو أن الكون المرئي والكون اللامرئي متشحان بالسواد والعتمة. ففي الكون المرئي نجد أن الطاغي عليه هي مكونات مظلمة سوداء كالطاقة المظلمة أو السوداء والمادة المظلمة أو السوداء والثقوب السوداء، فيما يتميز الكون اللامرئي بأنه مكون من مادة لا نعرفها قد تكون المادة المضادة المختفية من الكون المرئي والتي نشأت منذ ولادة الكون في لحظة الانفجار العظيم بكميات تكاد تساوي المادة العادية المكونة لكوننا المرئي حيث يعتقد العديد من العلماء أنها تشكل أكواناً موازية لكنها خفية لامرئية لكوننا لأنها لا تتفاعل معه إلا عبر الجاذبية أو الثقالة الكونية. العلماء مصابون بالذهول والحيرة ولقد بلغوا الحد الأقصى من الفهم والاستيعاب والإدراك بيد أنهم يتمتعون بمخيلة لامحدودة. يخشى الكثير من العلماء أننا قد نعيش في دوامة من أفلاك التدوير السوداء أو الحلقات السوداء épicycles noirs، للتعبير عن التشاؤم بخصوص مستقبل المنهجية العلمية المتبعة اليوم. فالنموذج الهندسي للكون الذي وضعه الفيلسوف والعالم الإغريقي بطليموس هو نموذج مركزية الأرض géocentrique ودوران الشمس والأفلاك الأخرى حولها والذي ساد لغاية القرن السابع عشر. وتعرض للكثير من الإضافات والتعديلات على شكل حلقات ثانوية وأخرى أدنى منها تدور حول الأرض على طريقة الـ épicycles، للاستمرار بالاعتقاد بشأن ثبات حركة الكواكب المرصودة في الفضاء القريب من الأرض في مجموعتنا الشمسية أو في نظامنا الشمسي. وبقي هذا الحال إلى أن نسفه العالم كوبرنيكوس أو كوبرنيك، بنموذجه الشمسي المركزي héliocentrique، القائل بمركزية الشمس ودوران الكواكب حولها، وكان ذلك النموذج أبسط وأكثر أناقة.

ألف سنة من أفلاك التدوير الحلقية السوداء قد تمرقبل أن نتمكن من إحداث ثورة معرفية، وهو مايخشاه العلماء بخصوص نماذج المادة السوداء الكونية . لقد قرر بعض العلماء المختصين بالمادة السوداء افتراض أن المكون الأولي والأساسي لها هي جسيمات الويمبس wimps والتي قد تكون لديها كتلة أكبر مما كانوا يعتقدون لتفسير سبب عدم رصدها وكشفها، على أمل ظهور كوبرنيكوس جديد معاصر لإجلاء الغموض وتبسيط هذا لتعقيد أو الردب العلمي من خلال مبادرة علمية تحريرية لأن الأزمة قائمة. وبسبب عدم التوصل إلى وجود جسيمات المادة السوداء الأولية مختبرياً من خلال التجارب التي أجريت على مدى عدة عقود، فقد العلماء البوصلة التي تقودهم للوصول إلى المادة السوداء وكشف ماهيتها . من بين النظريات التي تبناها العلماء لهذا الغرض هي نظرية التناظر أو التماثل الفائق supersymétrie حيث الويمبس wimps هو إحدى أركانها . وهي نظرية جميلة وأنيقة مبنية على التناظر والتماثل الفائق بين الجسيمات الأولية للمادة وتفاعلاتها لكن العقبة تكمن في عدم اكتشاف أو رصد الجسيمات الأولية للتناظر والتماثل particules supersymétriques في التجارب التي أجريت في مصادم ومسرع الجسيمات الأولية LHC على الحدود الفرنسية السويسرية القريب من جنيف، ومن ثم انهيار فرضية جسيمات الويمبس ما دفع العلماء للبحث عن بدائل أو كينونات دون مجهرية غريبة كالجسيمات الفائقة الخفة particules ultralégeres، أو الويمبسات الأكثر ثقلاً ووزناً وكتلة وحجماً ومع ذلك لم يعثر عليها أحد، وكذلك افتراض شبكات من البايتات الكمومية أو الكوانتية bits quantiques تقوم بنسج الزمكان، أو افتراض وجود أبعاد مكانية إضافية غير مرئية لصغرها، منطوية على نفسها وموازية للأبعاد المكانية الثلاثة المعروفة والبعد الزمني الملموس كما تقول نظرية الأوتار الفائقة، أو اللجوء إلى فرضية الكتلة السالبة Masses négatives. كل هذه البدائل وغيرها تمتلك جوانب أنيقة ومغرية ولها جماليتها الخاصة وتعقيدها بل وجنونها. خاصة عندما يحاول العلماء بجدية إقناعنا بأن نفكر بأننا نعيش في كون يخفي عنا أبعاد مكانية إضافية غير مرئية أو عالم غامض غير مرئي متداخل مع عالمنا المرئي وواقعنا الملموس لكننا لا نراه ولا نشعر به . أو بوجود واقع آخر خفي غير مرئي مليء بالآكسيونات Axions والنيوترينوات العقيمة neutrinos stériles، يكون هو المصدر غير المرئي لجسيمات المادة المظلمة أو السوداء الأولية.

للتفكير بالمادة السوداء لا بد للفيزيائيين المنظرين أو التنظيريين القيام بعملية اختيار لصياغة التطورات النظرية في هذا المجال. ولا بد من أن يدخلوا في مساعيهم الدلائل التجريبية المختبرية والرصد المباشر، بل وحتى لو كان ذلك من خلال عملية الرصد غير المباشر. فالنظرية العلمية هي في واقع الأمر معادلات رياضياتية زائد تأكيدات تجريبية مختبرية عبر التجارب العلمية حيث يمكن التحقق من صحة وصواب النظرية. هناك نظريات قابلة للتجريب مبدئياً لكنها عصية على التجارب في الواقع حالياً. خاصة في حالة اختلاف لعلماء الذين يجرون تلك التجارب في استنتاجاتهم وحسم مواقفهم من النتائج المختبرية الناجمة عن تجاربهم. والأنكى من ذلك عندما ترفض الطبيعة الانصياع والتحدث إلينا بلغة العلم لتأكيد صحة توقعاتنا النظرية وتبقى صامتة إزاء العديد من المعضلات والألغاز والأسرار والظواهر والتحديات.

تطلب الأمر مرور ربع قرن بين التنبؤ بوجود النيوترينو واكتشافه ورصده مختبرياً، ونصف قرن بين افتراض وجود جسيمات هيغز وتأكيد وجودها مختبرياً، وقرن من الزمن بين افتراض وجود الموجات الثقالية ورصدها مختبرياً . فالزمن الذي يحتاجه العلماء لاكتشاف جسيمات المادة السوداء قد يتجاوز أعمار جيل أو جيلين منهم .

الطريقة والمنهج:

هناك العديد من الطرق والمناهج البحثية العلمية التي يلجأ إليها العلماء للبحث في طبيعة وماهية المادة المظلمة أو السوداء والطاقة المظلمة أو السوداء والثقوب السوداء وما يجري في داخلها، وفي صحة وصلاحية نظرية الأوتار الفائقة، والتوصل إلى نظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية الخ.. . فهناك معيار الأناقة والجمال والبساطة، وهناك أهمية الجانب التجريبي الذي يحدد للعلماء اختياراتهم وتحبيذهم لهذه النظرية على تلك. إلى جانب قوة ومتانة وصلادة التركيبات والبنيات والمعادلات الرياضياتية وحلولها. هناك الكثير من النماذج النظرية لكن الطبيعة لا تساعد على حسم اختيار الأصح والأكفأ من بينها مما جعل بعض العلماء يشعر أنه وقع في فخ يقبع في أسس الفيزياء لأنهم قد يكونوا قد بلغوا نهاية الإرب أو الحدود القصوى لما يمكن للكائن البشري أن يقيسه ويفهمه أو يدركه مما تحمله شجرة المعرفة من ثمار . وقد يكون قد حان الأوان لتسليم الراية لمن هو أكفأ من الإنسان ألا وهو الذكاء الاصطناعي وسبر أغوار لغة علمية جديدة لا قدرة للبشر على استخدامها حالياً وبمساعدة الذكاء الاصطناعي التوغل بعيداً في دراسة تعقيدات وآفاق وإمكانيات الدماغ البشري الكامنة ومساعدة البشر على صياغة نظريات فيزيائية أكمل وأوسع وأشمل مما أنتجه البشر في الوقت الحاضر.

ولكن ماذا لو استعصى أمر اكتشاف ومعرفة ماهية وحقيقة المادة السوداء والطاقة السوداء وأعماق الثقوب السوداء ؟ هل ستتخلى الفيزياء عن مهمة معرفة طبيعة العالم وجوهره وحقيقة الواقع وأسراره؟ . هناك عدة فرضيات عن أصل وماهية المادة المظلمة أو السوداء matière noire، إحداها تقول أن الجسيمات الأولية للمادة السوداء غير قابلة للرصد على الإطلاق ولن يمكن كشفها لأنها لا تتفاعل مع المادة الطبيعية العادية التي نعرفها بأية طريقة أخرى غير الجاذبية أو الثقالة gravitation، وبما أن هذه الأخيرة مهملة ولا قيمة لها في النطاق الميكروسكوبي فإنها، أي جسيمات المادة السوداء الأولية، ربما ستفلت دائماً من مصيدة كشافاتنا المختبرية الحالية وبالتالي لن يمكننا فيزيائياً معرفة طبيعتها وجوهرها وماهيتها إذ قد يكون ذلك من المستحيلات، ومع ذلك هناك أمل بتحقيق تقدم تكنولوجي مهم يساعد على كشف تفاعلات جسيمات المادة السوداء الأولية ربما بطرق أخرى غير الثقالة أو الجاذبية . فلو كانت هذه المادة موجودة حقاً فلا بد أنها ظهرت في بواكير عملية ولادة الكون، والحال أنه لا بد من عملية تفاعل جوهري في الطبيعة بين مختلف المكونات الأولية لتوليد جسيمات أولية من الحساء البدئي للطاقة الأساسية للكون الوليد. ولو تمكن العلماء من الفرز بين فيزياء الكون المادي وفيزياء القطاع المظلم أو الأسود secteur noir، فلن يعد هناك سبب لمقارنة كميات نوعي المادة، الطبيعية والسوداء، فالنسبة التقديرية بينهما هي 1- 5 وليس فرقاً يقاس بمليار المليار، ما يعني أن هناك فيزياء ضمنية كامنة بهذا الخصوص تربط بين آليات إنتاج جسيمات المادة السوداء الأولية مع جسيمات المادة العادية الأولية. قد تكون كثافة أو شدة التفاعلات المنشودة بين نوعي الجسيمات الأولية للمادتين ضعيفة بحيث سيكون من الصعب جداً على البشر في الوقت الحاضر امتلاك المعرفة الفيزيائية الضرورية واللازمة لكشف مثل تلك التفاعلات. خاصة وإن هناك إفراط في النماذج النظرية التي تتنبأ بمثل هذه التفاعلات، ولو كانت إحداها صحيحة فسوف نعرف منها ما إذا كانت المادة السوداء باردة وإنها موجودة حقاً وعلى نحو ملموس ومكونة من نوع معين من الجسيمات الأولية ولكن من الصعب حسم اختيار الأصلح من بين تلك النماذج النظرية. تاريخ العلم يخبرنا أننا مررنا بمثل هذا الوضع كثيراً وغالبا ما انتهينا إلى العثور على ما كنا نبحث عنه مختبرياً وكان في الماضي في موقع المستحيل كما هو الحال مع النيوترينو الذي تنبأ به بول فولفغانغ سنة 1930 وتم العثور عليه بعد مرور 26 سنة، وبوزون هيغز تنبأ به هيغز سنة 64 وتم العثور عليه سنة 2014 أي بعد مرور 50 عاماً، فالأمل لا يموت أبداً .

 يتبع

 

د. جواد بشارة

 

عبد الجبار الرفاعي

عمليةُ بناءِ الإنسان هي البدايةُ الحقيقيةُ لكلِّ عمليةِ بناءٍ خلّاقة، وما تنشدُه أيةُ تنميةٍ شاملة. رأسُ المالِ البشري هو ما يتكفلُ بناءَ دولة مواطنة حديثة. رأسُ المالِ البشري أثمنُ من كلِّ رأسمال، فمهما امتلكنا من بترولٍ وغيره من مصادر الثروة المادية لن نتفوقَ على من يمتلكُ رأسَ المالِ البشري. الإنسانُ أثمن من كلِّ شيءٍ، لا شيءَ يفوقُ الإنسانَ في قيمته في عالَمنا الذي نعيشُ فيه. الاستثمارُ في الإنسان أهمُ من كلِّ استثمار. تخلفُ البلدان ينشأُ من الفشل في بناء الإنسان، وادمانِ الكسل. اليابانُ مثلًا تفتقرُ للموارد الطبيعية، لكنها بارعةٌ في بناء الإنسان، تقدّمت اليابانُ بسبب تفوق انسانها بتكوينه التربوي والقيمي والتعليمي، وتراكم خبراته المهنية، ومثابرتِه على العمل، وارتفاعِ معدل إِنْتاجيَّته كمًا وكيفًا. سنغافوة أيضًا تفتقر للثروات المادية، لكنها تفوقت على غيرها من البلدان، وقفزت لمعدلات باهرة في التنمية، بسبب أنها وضعت تكوين رأس المال البشري أولويةً في برامجها للتنمية، واعتمدت في ذلك على مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، وما أنجزه العقلُ والخبرة البشرية من مكاسبَ مهمة في التربية والتعليم.

التربيةُ والتعليم وبناءُ القيم وترسيخها هي حجرُ الزاوية في كل عملية تنمية خلّاقة، النجاحُ فيها علامةُ كلِّ نجاح، والاخفاقُ فيها علامةُ كلِّ اخفاق. تتشكلُ معادلةُ التربيةِ والتعليم من ثلاثة عناصر، هي: المعلّم، التلميذ، المقرر الدراسي. ولا تنجز هذه المعادلةُ وعودَها ولا يمكن قطف ثمارها من دون اعادة بناء متوازية لكل عناصرها، وان أيَّ اختلال في أحد عناصر هذا المثلث يفضي إلى اختلال كل المعادلة. التربيةُ والتعليم وبناءُ القيم هي مأزق التنمية في أوطاننا، ذلك هو السببُ العميق لكلِّ فشل واخفاق في أية عملية للتنمية الشاملة.

الأميةُ الثقافيةُ والأكاديميةُ

تتفشى الأميةُ الثقافيةُ والأكاديميةُ بين أعضاء هيئات التدريس في الجامعات العربية بشكل مخيف، فقلّما ترى من يلاحق ما هو جديدٌ في تخصّصه الأكاديمي، وأقل منه من يهتم بمواكبة الإنتاج الفكري بالعربية فضلًا عن غيرِها من اللغات، أو يتعرّف على الأعمال الجادّة في مختلف الحقول.

منصاتُ التواصل الحديثة وتطبيقاتُها المتعدّدةُ والمتنوعةُ تجاوزت دورَ الكتاب التقليدي في التربية والتعليم والتكوين المعرفي، وتغلّبت على مركزيته في البناء الثقافي. غير أن كثيرًا من التدريسيين من الجيل القديم لا يحضر على منصات التواصل الحديثة، ولا يعرف شيئًا عن معظم تطبيقاتها، وإن حضرَ لا يتخطّى حضورُه الإسهامَ في العلاقات العامة والمناسبات الاجتماعية، ونادرًا ما نعثر على مشاركات نوعية لتدريسيين تعكس ثقافتَهم وتكوينَهم الأكاديمي.

كما يجهل أغلبُ التدريسيين من الجيل القديم الابتكاراتِ المدهشة للذكاء الاصطناعي، وما يعدُ به من مكاسب عظمى، تتغيرُ بتأثيرها أنماطُ العمل والانتاج والتسويق، وتختفي مهنٌ مختلفة وتحل محلها مهنٌ بديلة، ويحدث تحولٌ نوعي في وسائل تلقي العلوم والمعارف والثقافة، وتتبدل طرائقُ التدريس ووسائلُ وأساليبُ التعليم، ويطال التغييرُ مختلف مجالات الحياة، فـ "عندما نتحدث عن حضور الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليوميّة، فنحن عمليًّا نتحدث عن كل شيء. يشمل ذلك ظهور كومبيوتر قادر على قراءة وثائق مكتوبة بخط اليد، وروبوت يُجري بنفسه عمليات جراحيّة معقدّة وبصورة مستقلة عن التدخّل البشري، وصُنع قاعدة بيانات مكثّفة تتضمن الصفات والسلوكيّات والسجايا الشخصيّة لكل فرد منا، استنادًا إلى كل ما نقرأه أو نكتبه على الإنترنت... ومع التعمّق في تحسين أداء الذكاء الاصطناعي، ينكشف أمام أعيننا أنه لن يكتفي بمجرد الحلول بدلًا من البشر، بل يستطيع التفكيرَ بطرق يعجز الإنسان عنها. ثمة خوارزميات متطوّرة تستطيع التعامل مع كميّات هائلة من المعلومات، وتتوصّل إلى استنتاج الأنماط الموجودة فيها، ما يجعلها (= الخوارزميات) على أهبة الاستعداد لتغيير المجتمع"[2].

الذكاءُ الصناعي معنى جديد لرأسِ المالِ يختلفُ عن المعنى الكلاسيكي لرأسِ المالِ، إنه أثمنُ ثروةٍ يمتلكها الإنسانُ في عالَمنا اليوم، مَنْ يمتلكها يمتلكُ حاضرَ العالَم ويتمكن من التحكم بمصائره، ومَنْ يفتقدها يفتقدُ القدرةَ على الحضور في العالَم، مثلما يفتقدُ القدرةَ على التحكم بمصائره. مهما كانت قيمةُ الثرواتِ المادية فإنها لا تساوي القيمةَ الحقيقيةَ للذكاءِ الصناعي، وما يمكن أن ينتجَه من سلعٍ وخدماتٍ ومعطياتٍ معرفيةٍ وماديةٍ متنوعةٍ في مجالاتِ الحياة البشرية المختلفة.

إن الأميةَ بأجلى تمظهراتها اليوم تعني الجهلَ بالذكاء الاصطناعي وما ينجزه اليوم ويعد به غدًا، والجهلَ بتوظيفِ منصات التواصل وتطبيقاتها المتنوعة، والعجز عن الإفادةِ من ذلك في التكوين المعرفي والثقافي، وعدم استثماره في التنمية العلمية والأكاديمية، والغفلة عن أن مصادرَ المعرفة وطرائقَ تلقيها لم تعد كما كانت أمس، ولا أساليب التعليم هي ذاتها. منصاتُ التواصل وتطبيقاتها المتنوعة كسرت احتكارَ الكتاب الورقي، وكلَّ الطرق التقليدية للتكوين المعرفي والثقافي، وتغلبت على وسائل تداولها ونشرها المتعارفة، بل أضحت موازيةً لعملية التكوين الأكاديمي في الجامعات المتوارثة منذ ما يزيد على تسعة قرون[3]، وأراها ستتفوق عليها بعد مدة ليست بعيدة.

ابتكر الذكاءُ الاصطناعي ومنصاتُ التواصل وتطبيقاتُها المتنوعة طرائقَ تدريس بديلةً تعبّر عن هوية عالَمها الوجودية، فصارت من خلالها أدقُّ المباحث وأشدُّها تعقيدًا واضحةً تُفهَم بيسر وسهولة، بأساليب بصرية وسمعية ليست رتيبة أو مملة. أزاحت الأساليبُ الجديدةُ طرائقَ تدريس ميكانيكية توارثتها عدةُ أجيال، وأقعدت معلمين متمرسين فيها عن مهنتهم، لأنها لم تعد مستساغةً للجيل الجديد.

من يحرص على التكوين المعرفي والثقافي واللغوي المستمر في أيّ مجال يرغب، يمكنه الظفرُ بمعلمين محترفين متطوعين في مختلف العلوم والمعارف واللغات، ولمختلف المستويات. فمثلًا لا يحتاج من يريد تعلّمَ لغة أخرى إلى حضور منتظم في المعاهد المعروفة لتعليم اللغات، لأن بإمكانه العودةَ إلى مواقع متخصّصة في اليوتيوب وغيرِه، تقدّم له تعليمًا ممتازًا مجانيًا وهو في بيته، ومن دون أن يتحمّل عناءَ الذهاب إلى مكان آخر، وبلا أن ينفق شيئًا من ماله، ويبدّد وقتَه.

لقد بلغ حجمُ الكمية المتدفّقة من البيانات، في مختلف العلوم والمعارف والفنون والآداب، حدًا يفوق قدرةَ الإنسان على مواكبته فضلًا عن استيعابه، لذلك لايستطيع المتخصّصون أو الهواة الاطلاعَ إلا على مساحةٍ محدودةٍ جدًا منه. إذ "ستتجاوز كمية البيانات الرقمية المنتجة خلال السنوات الثماني المقبلة 40 زيتا بايت، وهو ما يعادل 5200 جيجا بايت من البيانات لكلّ رجل وامرأة وطفل على وجه الأرض. ولوضع الأمور في نصابها 40 زيتا بايت هو 40 تريليون جيجابايت. وتشير التقديرات إلى أن هذه الكمية تبلغ 57 ضعفَ عدد كل حبات الرمال على جميع الشواطئ على وجه الأرض. ومن المتوقّع أن تتضاعف جميع البيانات كلّ عامين حتى عام 2020م"[4].

النمطُ الجديدُ للحياة أضحى فيه الإنسانُ في صيرورة أبدية، لا تكفّ عن التحوّل، ولا تتوانى عن العبور، ولا تتوقف في محطة إلّا لتلتقط أنفاسَها فتواصل الرحيل. لم يعد الإنسانُ كما عرفته أكثرُ الفلسفات القديمة؛ كائنًا عاقلًا يلبث حيث هو، لا يكون جزءًا من شيء أو يكون جزءًا لشيء، بل صار الإنسانُ في المفهوم الحديث كأنه جزءٌ من كلّ، هو محصّلةٌ لما حوله، أي إنه في "حالة المابين"، كأن الإنسانَ مسافرٌ أبدي، لا ينفكّ عن الترحال، لا يمكث بمحلٍّ إلّا ليغادرَه الى محلٍّ غيره، تبعًا لنمطِ الوجود السيّار المتحرّك لكلّ ما هو حوله، فكلّ ما حوله يسير به، ويسير معه. إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي، يتلقّي مختلفَ الثقافات في الآنِ نفسِه، من دون أن يغادرَ موطنَه. إنه يعيش جغرافيا جديدة، تضاريسُها هلاميةٌ، حدودُها واهيةٌ، أمكنتُها متداخلةٌ، ثقافتُها ملوّنةٌ، هويتُها تركيبيةٌ. شكلُ حياته هو الأشدُّ غرابة منذ فجر التاريخ[5].

أسبابٌ ونتائج

الأميةُ الثقافية والأكاديمية ليست خاصةً بكثيرٍ من التدريسيين في الجامعات العربية، بل إنها تغطي أكثرَ الجامعات التي أعرفها في المحيط الإقليمي خارج فضاء التعليم العالي العربي، كما تشير بعضُ البيانات والتقييمات في جامعات شرقية وغربية إلى أنها تعاني الأزمةَ نفسَها. ويعود ذلك إلى فقدان الرؤية الاستراتيجية لبناء التربية والتعليم والثقافة، والافتقار للارادة الحازمة لتنفيذها، حتى إن كانت موجودةً في بعض البلدان فإنها غيرُ صبورةٍ وهشةٍ، وعدم الحماس لذلك لدى القيادات، وعدمِ توفر الخبراء المؤهلين تأهيلًا جادًا لانجازها، وضعف البنية التحتية المادية والتكنولوجية اللازمة لولادتها.

نحاول هنا أن نتعرفَ على أسس العملية التعليمية، والكيفيةِ التي يتوالدُ فيها اغترابُ الأستاذ عن التلميذ، واغترابُ التلميذ عن الأستاذ، وأثر ذلك على التكوين الأكاديمي، وما ينتهي إليه هذا الاغتراب من أميةٍ معرفية وثقافية، ونوجزها بالآتي:

1- إن زمانَ التلميذ يختلف عن زمانِ الأستاذ، وأعنى الزمانَ بمعناه التربوي والتعليمي والثقافي.كلُّ زمانٍ مشتقٌّ من نمطِ وجودٍ يختلف عن زمانٍ مشتقٍّ من نمطِ وجودٍ آخر. نمطُ وجودِ التلميذ في العالَم هو راهنُ العالَم، ونمطُ وجودِ كثيرٍ من الأساتذة في العالَم هو ماضي العالَم. أغلبُ الأساتذةِ يعيشون اغترابًا عن حاضرهم، فينحازون بثقةٍ مفرطة للماضي، وكأن ذلك الماضي على صواب أبدي. القليلُ من الأساتذة من جيل الآباء استطاعَ حضورَ راهن العالَم، ومواكبةَ الذكاء الاصطناعي وما تقدّمه له منصاتُ الاتصال وتطبيقاتُها المتنوعة من جديد العلوم والمعارف والثقافة كل يوم.

2- كلُّ نمطِ وجودٍ يفرض نظامَه التربوي والتعليمي والثقافي المشتقَّ منه والمتناغمَ معه، وذلك النظامُ يفكّر بمنطقِ عقلانيةِ نمطِ ذلك الوجود، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه المتفرّدة. الجيلُ الجديد من الشباب اكتشف ذاتَه الفردية مبكرًا، وادرك أن نسيانَ الذات ضربٌ من الضياع في أوهام لا تنتمي للواقع، وذلك ما كرّس النزعةَ الفرديةَ في وعيِه وشعورِه وشخصيتِه، فأصبح عصيًا على استعبادِ الأصنام بمختلف صورها. لذلك يخفقُ التعليمُ اليومَ عندما ينشد إنتاجَ كائناتٍ بشرية متماثلة،كأنها آلاتٌ مادية تتشابه بكلِّ شيء، وتُلغى فيها فرادةُ الشخص البشري واختلافاتُه الذاتية عن كلِّ أحدٍ في الأرض، تلك الاختلافاتُ الذاتية التي هي منجمُ الإبداعِ والقدرةِ الفذة على الخلقِ والابتكار[6].

3- النظامُ التعليمي الذي يعبّر عن المتطلبات التعليمية للتلميذ غيرُ النظام التعليمي الذي يعرفه الأستاذُ ويتعلّمه التلميذ،كلٌّ منهما يفكّر بمنطق عقلانية العالَم الذي ينتمي إليه، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه الخاصة. اللغةُ ليست أداةً محايدة، اللغةُ تنتمي إلى منطقِ عقلانية العصر وثقافته، وذلك يعني أن الأستاذَ يفتقر لمعرفة لغة التلميذ، والتلميذ يفتقر لمعرفة لغة الأستاذ، فيكون الحوارُ بينهما بمثابة حوار الطرشان.

4- العمليةُ التعليمية عمليةٌ ديالكتيكية وليست ميكانيكية، التلميذُ فيها يُعلِّم الأستاذَ، مثلما يُعلِّم الأستاذُ التلميذَ،كلٌّ منهما مُلهِم للآخر، ومكوّنٌ لعقله، ومولِّدٌ لوعيه، ومحفزٌ لذهنه بطرح الأسئلة وابتكار الأجوبة.

5- عندما تكون العمليةُ التعليمية ميكانيكيةً تكفُّ عن أن تكون تعليمية، وتفشل في أن تظل مُلهِمةً للتلميذ والأستاذ، وتضمحل فاعليةُ الأثر والتأثير المتبادَل فيها، وغالبًا ما يصاب ذهنُ كلٍّ من المعلم والتلميذ بالوهن، ويشعران بالملل والإحباط، الذي ربما ينتهي لدى البعض لشعور بالقرف وحتى الغثيان.

6- تكرارُ الأستاذ المملُّ لكلامٍ لا يفقه أسرارَ اللغة التي ينجذب إليها التلميذُ، ولا يدرك طبيعةَ انفعالاته ومشاعره، لا يمكن أن يمنح التلميذَ علمًا ومعرفة ووعيًا بالعالم الذي يعيش فيه، ولن يؤثر في تكوين أسئلته ومتخيّله وأحلامه وهمومه المعرفية، ولا صلةَ له ببناءِ منظومةِ قيمه، وتقاليدِه الثقافية. وينتهي ذلك إلى أن يتعاطى كلٌّ من التلميذ والأستاذ مع العملية التعلمية بوصفها فرضًا، كلٌّ منهما ملزَمٌ بتأديته على شاكلته، الأستاذُ تلزمه ضروراتٌ معيشية، والتلميذُ تلزمه ضروراتٌ يفرضها تقليدٌ مكرَّسٌ لتعليمه، بغضّ النظر عن ثمراته ومآلاته.

7- الجيلُ الجديدُ يتلقى المعرفةَ والثقافةَ والقيمَ من وسائلِ الاتصال وتطبيقاتِها الكثيرة، وما تقدّمه مجانًا من موضوعاتٍ متجدّدة فاتنة جذابة، متنوعةٍ بتنوّع مراحل العمر، ومتناغمةٍ مع مختلف مستويات الإدراك والفهم والاستيعاب. تتنوع الموادُ التي تنتجها وتسوقها وسائلُ الاتصال لكلِّ مرحلةٍ عمرية حسب مستوى إدراكها وتذوقها. سما بنت ابني ابراهيم، بعمر سنتين، تمضي ساعاتٍ طويلةً كلَّ يوم تشاهد أفلامّا مخصّصةً لمرحلتها العمرية، يبثها اليوتيوب، ولفرط تذوقها لها وتفاعلها معها، تصرخ فزعةً لحظةَ يمنعها أحدُ الأبوين طالبًا منها الكفَّ عن إدمان ذلك.

8- مأزقُ أعضاء هيئة التدريس أنهم يعيشون في عالَم جديد لا يشبه عالَمَهم أمس، عالَمٌ يمضي بسرعةٍ فائقةٍ إلى الأمام، لذلك ينسى هذا العالَمُ من لم يتكيَّف معه، بل سرعان ما يمسي حضورَه عبئًا عليه فيحذفه. أكثرُ الأساتذة عجزوا عن التكيّف مع هذا العالَم، لأنهم يفتقرون للوعي العميق به، فيعجزون عن الاستجابةِ لمتطلباته ووسائله ورموزه ولغته. وأغلبُهم لا يمتلك إرادةَ التمرّد على ماضٍ شديدِ الحضورِ في أذهانهم، والسطوةِ على مشاعرهم، ولأنه مكوّنٌ عميقٌ للاوعيهم، مازال عالقًا فيهم ومازالوا عالقين فيه. إن إيقاعَ التحولات أسرعُ من استجابة النظام التعليمي لاحتياجات الأبناء، ذلك أن وتيرةَ التبدّل في كيفية عمل الذهن أسرعُ من القدرة على مواكبتِه والانتقالِ بما يستجيب له ويتناغم معه في أنظمة التربية والتعليم، من هنا ستتسع الفجوةُ بالتدريج بين هذه الأنظمة وطبيعةِ احتياجات الجيل الجديد، التي قد يعجز عن تلبيتها حتى النظامُ التعليمي في البلدان المتقدمة[7].

وكما تتطلب كلُّ الأجهزة التي تعمل على وفق أنظمة الذكاء الصناعي تحديثًا مستمرًا يرتقي بكفاءة ادائها، كذلك هو النظام التعليمي، فما لم يتم تحديثُه تنتهي صلاحيتُه ويخرج من التداول.

9- لا غرابةَ ألا يحرص أعضاءُ هيئة التدريس على التكوين المعرفي والثقافي المستمر في عالَم لا يشبههم، وأكثرُهم فشلوا في التكيّف معه. ذلك أن طرائقَ ووسائلَ وأداواتِ التكوين المعرفي والثقافي في العالَم الجديد تختلف عن تلك التي عرفوها وتمرّسوا بها وأدمنوا عليها أمس حتى صارت مكوّنًا لهويتهم المعرفية، لذلك نجد أكثرَهم يفتقدون أيَّ حافزٍ لامتلاك ما هو جديد.

10- يُصاب الأستاذُ بالملل عندما تنضب منابعُ الإلهام لديه، ويفتقر للطاقة المُلهِمة للاستجابة الفاعلة، فيفتقد الحوافزَ العميقةَ للتكوين المعرفي والثقافي المستمر ولتعلم ما هو جديد، وربما يُصاب الأستاذ بالقرف وهو يكرّر كلامًا لا ينتج علمًا لدى المتلقي ولا يكوّن معرفةً، ولا يؤثّر في بناء وعي التلميذ ومتخيّله وأحلامه وهمومه المعرفية.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

..............................

1- كتبت هذه المقالة جوابًا لسؤال وجهه لي الصديق الدكتورعلي أسعد وطفة "أستاذ علم الاجتماع التربوي في كلية التربية بجامعة الكويت حاليًا وجامعة دمشق سابقًا"، الذي يعد بحثًا ميدانيًا عن الأمية الأكاديمية في الجامعات العربية. [1]

2- المطيري، غادة، "الذكاء الاصطناعي"، اندبندت عربية 11 يونيو 2019.[2]

3- تأسست جامعة بوبونيا في ايطاليا سنة 1088م، ويقال انها أول جامعة للتعليم العالي في الغرب، ومازالت مفتوحة إلى اليوم. وتأسست جامعة أوكسفورد في بريطانيا سنة 1167م ومازالت مفتوحة إلى اليوم.[3]

4- البيانات الضخمة.. خصائصها وفرصها وقوتها، الفيصل العلمية، الصادرة بتاريخ 28-11-2017.  أحمد، د. أبو بكر سلطان،[4]

5- الرفاعي، د. عبدالجبار، "الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار التنوير، الطبعة الثانية، 2019، ص 65.[5]

6- الرفاعي، د. عبدالجبار، "ثناء على الجيل الجديد"، مقالة منشورة في صحيفة ثقافات الألكترونية 30-1-2018.[6]

7- المصدر السابق.[7]

 

 

الحسين اخدوشتفرض بعض الوقائع الثقافية والدينية في سياق مجتمعاتنا الإسلامية معاودة طرح السؤال: لماذا أصبح الديني يحفّز على انتشار العنف والكراهية؟

نطرح هذا السؤال لأنّ التشدّد غدا لدى البعض نهجا في النظر والسلوك معا. والواقع أنّ تصورا من هذا القبيل لا يعمل سوى على جعل الدين في أفق العنف والنزاع (تشجيع الصراع الديني وتأجيجه)، بدلا من الدفع بالفهم المتسامح لأن يصبح في أفق الحوار والتفاهم والتعايش بين الناس، إيمانا بقدسية الحياة والحب الإنسانية. ولقد برز هذا المشكل فيما ينعت بالحروب الدينية والطائفية في سواء في التاريخ القديم أو حتى في الزمن الراهن. وقد أفضت العديد من النزاعات السياسية والجيوــــ استراتيجية إلى هذه الظاهرة: "العنف الديني". غير أنّه لئن كان بعض المحلّلين يربطون مختلف أشكال الحروب الدائرة في الدول العربية والإسلامية بانتشار ظاهرة التطرف الديني (Le fanatisme religieux)، إلاّ أنّ بعضها يغالي في ربط العلاقة السببية بين انتشار العنف وتمدّده والمعطى الديني. فهل، فعلا، يبرّر الديني كلّ هذا العنف المؤجّج في عصرنا الراهن؟ وقبل الشروع في الجواب عن التساؤل السابق، نقترح تحديد بعض المفاهيم المرتبطة بتحليل ظاهرة العنف باسم الديني (العنف، التطرف، العنف الديني..) فما معنى العنف؟ وماذا يعني التطرّف الديني؟ وهل يشجّع التطرّف الديني على ممارسة العنف وانتشاره؟

يكشف العنف في بعده الغريزي عن طابع العدوانية المتأصّلة في الإنسان؛ إذ غالبا ما يستمتع الكائن البشري بممارسة العدوان على غيره. لكن أن يتحوّل سلوك هذا الكائن إلى ثقافة رائجة بين بني جنسه وفي تمثّله للعالم من حوله، وعبر العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية التي تحكم وجود الناس؛ فذلك ما يجعل سلوك العنف ظاهرة خطيرة وبأبعاد عميقة غير محسوبة العواقب. لكن لماذا يكشف العنف البشري عن كلّ هذه الخطورة في مملكة الطبيعة؟

الظاهر أنّ الدوافع الطبيعية القابعة بداخلنا، والمتمثّلة في غرائزنا الحيوية، هي ما يدفعنا إلى إنتاج السلوك العدائي تجاه الآخرين من بني جنسنا. لكن، هل الغرائز وحدها ما يبرّر الحجم الكبير للعنف الموجود في تاريخنا البشري؟ الواقع أنّه متى أضيفت إلى الدوافع الطبيعية كل تلك التمثّلات الاجتماعية (Les stéréotypes sociaux)، وكذا مختلف الصور النمطية الموجودة لدى البشر عن أنفوسهم وعن غيرهم، التي تعمل على صياغة أفكارهم حول ذواتهم وغيرهن وكذا العالم من حولهم؛ فإنّ كلّ ذلك ما يفضي إلى المزيد من إنتاج العنف وممارسته بمبرّرات وأسباب مختلفة: الدين، السياسة، الاقتصاد، الخ.

للعنف، إذاً، مصادر أخرى مختلفة غير الغريزة،[1] خاصّة الثقافة والمعتقدات الدينية ومختلف الأيديولوجيات السياسية والاجتماعية، وهي التي يمكن أن تكون عنصر تأجيجه أكثرة في مجتمعات مختلّة ومفكّكة كالتي نعيش فيها الآن. وقد تبيّن من تاريخ النوع البشري أنّ العنصر الثقافي - الاجتماعي هو ما يشكّل المصدر غير الطبيعي لظاهرة العنف البشري. لذا، لو صرفنا النظر عن البعد الغريزي للعنف المشترك مع الحيوان، لوجدنا أنّ الأسباب الثقافية والعوامل الاجتماعية هي أكثرها إنتاجا للعنف ومساعدة عليه. أمّا إذا عمّقنا البحث أكثر في كيفية مساهمة العنصر الثقافي للعنف، فلسوف نجد أنّ السبب الرمزي والديني على رأس العوامل المؤجّجة للظاهرة، نظرا لخصوصيتها اللاشعورية وطابعها الرمزي والقدسي الذي عادة ما يلتصق بممارسته في حضن الجماعات الإنسانية. فالعنصر الثقافي، في مختلف أبعاده، يعدّ سببا مهمّا لتحليل سلوك العنف وبخاصة منه ما يتصل بالمشروعية الرمزية والدينية لممارسته وتشريعه، بالنظر إلى الزّخم الرمزي والروحي الذي تضفيه هذه المشروعية الرمزية على تعنيف الآخرين المختلفين، واستباحة دمّهم وعرضهم باسم المقدّس والدين كما يحدث عادة عندما يتحكّم بهذه المشروعية ضعاف العقل وعوام الناس.[2]

الظاهر من ذلك أنّ العنف في إطاره الطبيعي يكون فرديا كلّما كان الإنسان في حال من الانفعال الشديد من مثل: وضعية الدفاع عن النفس، أو حين المنافسة الشديدة والكبرياء وكذا باقي الحالات الطبيعية للعدوان. تصبح خطورة العنف في مثل هذه الحالات محكومة بمحدودية مقدار القوّة التي يمتلكها الفرد. غير أنّه متى تحوّل وأصبح جماعيا، عند ذلك تعظم خطورته فتزداد حدّة، ويتحوّل ليكبر حجمه ويشتدّ ثم يصبح جماعيا وثقافيا مغلّفا بمختلفة أشكال المشروعية: السياسية، والدينية، والأيديولوجية، الخ.

تبرز المقارنة البسيطة بين الشكلين السابقين أنّ العنف الفردي محصور في الزمان والمكان، من حيث يرتبط بدوافع طبيعية فردية ذات نطاق أصغر يسهل تطويقها بالردع والقوانين. أمّا العنف الجماعي فغالبا ما يتخذ أبعادا كبيرة (حروب، إبادة جماعية، ثورات، احتلال، قمع جماعي، تمرّد جماعي، تجويع جماعي ..) يشمل تأثيرها عددا كبيرا من الأفراد، حيث يمارسه عدد كبير من الأفراد ويصبح ضحاياه جمهور غفير من الناس، وتفاقمه النعرة القبلية والعقلية الطائفية والفكرة الأيديولوجية والمصلحة السياسية والاقتصادية. وقد شهد تاريخ الإنسانية مختلف أنواع العنف: الفردي الطبيعي والجماعي والثقافي؛ غير أنّ أخطرها على الإطلاق، يتمثّل في العنف الممارس بدوافع أيديولوجية ودينية رمزية مقدّسة (الحروب الدينية والطائفية)، أو بدافع إرادة الهيمنة السياسية والمنافسة الاقتصادية (الحروب الكبرى بين الدول والإمبراطوريات). أمّا فيما يتصل بالعنف الديني الطائفي، فنودّ الإشارة إلى أنّ خطورة هذا النوع تكمن في كونه يتغذى على النزعة التكفيرية أو الطائفية القائمة على التبرير الرمزي ذي المشروعية المقدّسة واللاهوتية.

يكمن وجه خطورة العنف الديني في الحالات الجماعية والطائفية في فرز الناس إلى أخيار وشريرين، مؤمن وكافر، فئة ناجية وفئة ضالة.. الخ وهكذا، تصبح قطعة قماش متسخة أكرم من إنسان لمجرد أن هذه القطعة ترمز لمقدّس الجماعة ورمزها الديني. ينتقل العنف في وضعية كهذه ليصبح وقودا حقيقيا لانتهاك حقوق الإنسان وبشكل جماعي؛ فيشرّع لقتل الآخرين بدون رحمة، وذلك بعد الإفتاء بتكفيرهم، ويصادر حقهم في الحياة، ويرفض اختلافهم وعدم التسامح معهم.[3]

هكذا، تَعْدِم ممارسة العنف باسم بالديني إمكانية الحوار والتفاهم والتعايش السلمي كلّما أساء الأتباع فهم الدين، أو عندما يؤوّله المتطرّفون منهم في اتجاهات متنطّعة ومتزمّتة. لا يقف الدين فقط بأن يكون مبرّرا للممارسات العنيفة كلّما أحسّ أتباعه باضطهاد ما أو احتقار أو ازدراء معيّن من المعارضين أو المخالفين، بل أخطر من ذلك يسمح بتقديس العنف الذي يمكّنه من قهر من يناوئه من الرافضين له. يلبس العنف الديني هنا ثوب المقدّس باسم الإله المعبود، وتنتفي كلّ المحرّمات، ويتحوّل قتل الآخر إلى حرب مقدّسة يتقرّب من خلاها الناس إلى الإله، ويصبح الآخر مرتّدا، كافرا، مشركا وجب قتله وسبي غنائمه.[4]

يترك الحماس الديني في مثل هذه الحالات العنان للخيال والوجدان ليشتغل. تنقل العاطفة الدينية مُمَارس العنف من واقع الصراع، حول بعض المصالح الآنية والنزاعات الإقليمية بين الإرادات الجماعية، إلى بطل خيالي مجاهد يناصر الخير ضدّ الشرّ. هنا يتحوّل الصراع من مجرّد النزاع على المصالح إلى فكرة الصراع بين الخير والشّر، بالتالي شرعية إبادة الآخرين بأبشع الطرق ما أمكن، وذلك حتى يُظهر العنف الممارس باسم الديني قدرا كبيرا من سفك الدماء تطهيرا للعالم من شرّ هذا الآخر المخالف.

تعتبر الغزوات والمعارك الطائفية بين المجموعات الدينية، عبر التاريخ العام للبشرية، أبرز الأمثلة الشاهدة على العنف الناجم عن الحرب المقدّسة باسم الديني.[5] غالبا ما نجد أنصار الأديان والأساطير القديمة يخلّدون لتاريخهم بهذا النوع من المعارك الكبرى، وعادة ما تتحوّل في مخيّلة الأتباع وأنصار الطوائف إلى نموذج الصراع الأزلي بين الحقّ والباطل، الشّر والخير. توجد في الحروب القديمة أمثلة كثيرة تشهد على ذلك، فحروب الزعماء الدينيين وأباطرة الإمبراطوريات والحروب الصليبية وغزوات الأحبار والباباوات والقدّيسين والمجاهدين، تلك كلّها كانت حروبا دينية غلّفت بالمقدّس الديني لتشكّل لحظات فارقة في تاريخ الشعوب والأمم.

لقد جعل تبرير الحرب بالمقدّس الديني ممارسة العنف عملا مشروعا ومقبولا، بل واجبا على الإتباع القيام به في سبيل الشهادة الرمزية. لذلك، لا يجد بعض زعماء الحروب أيّ حرج في أن يستثمروا التبريرات الدينية لإشعال النزاعات والحروب، وجعل أكبر عدد ممكن من الناس ينخرطون فيها بحماس. يعتبر الدين بهذا المعنى وقودا فعّالا لتأجيج العنف والصراع، وهو بذلك يعدّ اخطر العناصر الثقافية تبريرا له. يلزم المؤمن الفطن، إذاً، أن يتحرى الحقيقة قدر الإمكان في ما إذا كان تديّنه عنصر تأجيج للعنف حتى يتفادى السقوط في براثن التطرف؛ بالتالي الابتعاد ما أمكن عن إقحام إيمانه الديني في الصراعات الظرفية التي تنشب بين الفينة والأخرى.

يُستشفّ من هذا الأمر أنّ تبرير العنف بالديني بالنهاية يجعل الإيمان في أفق الموت عوضا عن أن يكون أفقا للحياة.[6] والواقع أنّه مهما كانت أسباب النزاع والعنف، فإنّه ينبغي للديني أن يتعالى عليها، خاصة في الحالة الإسلامية المشوبة بالكثير من سوء الفهم.[7] لذلك، فكيفما كانت أسباب الصراع بين الإرادات الإنسانية، فإنّ إقحام العنصر الديني أو الطائفي المذهبي فيها يعدّ ضربًا من ضروب العبث مادام أنّ الأصل في الدين أن يكون رحمة للناس كافّة. وحاصل الكلام في هذا الأمر أنّ اللجوء إلى العنف باسم الديني يعدّ رذيلة أخلاقية من شأنها إيقاظ أخطر أشكال العنف بدائية المتمثّلة في الحروب المقدّسة وتمجيد القتل باسم المقدّسات والرموز الدينية. يشكّل هذا الأمر خطرا حقيقيا بالنسبة للمجتمعات المعاصرة المتسمة بالاختلاط نظرا لحساسية الشعور الديني فيها. يهدّد العنف باسم الديني أركان الاجتماع البشري بما من شأنه أن يفكّكه إلى طوائف وهويات مغلقة في تعارض واضح مع ما يمثّل صميم الديني نفسه: السماحة والحرية.[8]

 

الحسين أخدوش / باحث من المغرب

...........................

هوامش المقال:

[1] إن الإنسان بطبعه يستمتع بإظهار تفوقه على غيره ويتلذذ بفرض سلطانه على الآخرين وينتشي بتأكيد قوته على البشر. وقد تبنى توماس هوبز هذه الأطروحة في بداية العصر الحديث، وقد استند إلى هذه الفكرة عند تحليله للطبيعة البشرية بناء على تحليل الدوافع الطبيعية والأهواء التي تدفع البشر في حالة الطبيعة إلى الدخول في حالة حرب الكلّ ضد الكلّ، محمّلا هذه الدوافع الغريزية مسؤولية اللجوء إلى العنف لحسم الصراعات والمنافسات التي تنشب بين البشر باعتبارهم كائنات طبيعية محكومة بسلوك العدوان والعنف. أنظر بهذا الخصوص كتاب هوبز: اللفياتان، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، الطبعة الأولى، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة، سنة 2011. ص 131

[2] - لعلّ أهمّ النظريات السوسيولوجية والثقافية التي تربط العنف بالديني، نذكر نظرية رونييه جيرار التي ضمّنها في كتاب له بعنوان "العنف والمقدّس"، حيث يبسّط كيف يعمل المقدّس على صهر تناقضات الوجود البشري، مضفيا نوعا من المشروعية الروحية والرمزية على العنف، جاعلا منه أداة استرجاع السلام وانقاد البشر، وتارة عنصر التدمير المطلق لكلّ ما تم بنائه. والعنف بهذا الشكل كامن في تلك الرغبة الطبيعية في التدمير التي تخترق حياة الإنسان، وما الدين سوى تلبيس هذه الرغبة أقنعة رمزية للاعتراف به وتبريره تبريرا رمزيا غير مشعور. إنّ الإنسان غير بريء في طبيعته البشرية من ظاهرة العنف، هذه هي الخلاصة التي يريد هذا الكتاب تأكيدها. أنظر الترجمة العربية للكتاب الصادرة عن المنظّمة العربية للترجمة، وهي من انجاز سميرة رشا، عن مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، سنة 2009. ص 416 و 417

[3] - أنظر بهذا الخصوص عبد الرازق عيد: ذهنية التحريم أم ثقافة الفتنة، الطبعة الأولى، نشرة رؤية، 2009، ص 260

[4] - جاسر عودة: بين الشريعة والسياسة، الطبعة الأولى، الطبعة الأولى، الشبكة العربية للأبحاث للنشر، بيروت، سنة 2012، ص 59.

[5] - نشير بهذا الخصوص إلى أهمية مفهوم الحرب المقدّسة في تحليل وفهم ظاهرة العنف الديني. وقد اهتم بهذا المفهوم الباحث الألماني هانس كونغ (H. Küng) في دراساته حول طبيعة تأثير الأديان التوحيدية في نشوب الحروب والصراعات حول العالم. أنظر بذا الخصوص مقاله حول: "الدين والعنف والحروب المقدّسة"، ترجمة سمية المحفوظي ويوسف إدريس، عن قسم الدين وقضايا المجتمع الراهنة، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للأبحاث والدراسات، 26 يوليو، سنة 2017.

[6] - الظاهر أنّه مهما بلغ حجم النزاعات والصراعات، فإنّها لا تستحق أن تبرّر دينيا: إن ملّيا، أو طائفيا، أو مذهبيا؛ ما دام الإيمان والاعتقاد الديني ذاته يعتبر من صلب الاختيار الحر للإنسان، كما دلّ على ذلك القران الكريم: "لا إكراه في الدين، قد تبيّن الرشد من الغيّ" (آية كريمة). فضلا عن كلّ ذلك، لم يعد ممكنا في عالم اليوم تعنيف الناس أو التمييز بينهم على أسس دينية أو رمزية طائفية أو عصبية، مادامت الثقافة المعاصرة قد أقامت المواطنة الكاملة لأفراد المجتمع الواحد على أسس قانونية وضعية تعترف بكونية حقوق الإنسان غير القابلة للتجزيء، بل وتمنع التمييز على أسس الدين واللون والجنس واللغة التي كانت فيما مضى من القرون أسباب انتشار الكراهية والحروب ومختلف أشكال العنف.

[7] - يتهم بعض الغربيين الإسلام بكونه مجرّد عقيدة سياسية تشجّع على العنف، وقد روّج لهذه الأطروحة بعض الدوائر السياسية خاصّة منها اليمينية سواء في أوربا أو أمريكا. والحال أنّ هذا الحكم ظالم وغير منصف، لأنّه إذا كان الإسلاميون، أو بعضهم بالأحرى، يتبنون هذا الطرح؛ فإنّ الديانة الإسلامية أكبر من يمثّلها هؤلاء أو أيّ تيار فكري وسياسي من المسلمين. لذا يرفض المسلمون توصيف العنف الإسلامي لأنّه يستبطن حكم مسبق على الدين الإسلامي، بينما يمكن أن يكون توصيف تطرّف الإسلاميين الجهاديين أقرب إلى الواقع مادام العديد من معتقدي الديانة الإسلامية ليسوا كلّهم من أنصار الإسلام المسيّس، أو بالأحرى لا يتبنون أيديولوجيا الإسلام السياسي كما هي معروفة في سياقنا الثقافي الإسلامي. أنظر بهذا الخصوص: مقال لدانيل بيرك، وهو محلّل الشؤون الدينية لدى المؤسّسة الأمريكية CNN، حول (بين "إرهاب إسلامي" و"إسلاميين متطرّفين".. ترامب يناور لإرضاء الجميع)، موقع: https://arabic.cnn.com/middle-east/2017/05/22/trump-bergen-oped

[8] - نصر حامد أبو زيد: التفكير في زمن التكفير، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، المغرب، سنة 2014، ص 65.

 

سامي محمود ابراهيميبدو أن الإنسان منذ أن انفصل عن الطبيعة وشعر بذلك الانفصال، راح يعمل بشتى الوسائل للعودة إلى صدر الأم والتناغم مع حركة العالم. لقد خلق كونا صغيرا ازرق اللون لا يمت بصلة الى الكون الارضي الكبير. ولقد جعله هذا الانفصال النسبي دائم الحنين إلى الجنة الضائعة، الجنة التي اغترب عنها بصنعه أدوات ووسائل أبعدته عنها، فصار يتصل بها بالأدوات بعد أن كان يحيا فيها ويتحسسها بحواسه...بعد ان كان قريبا من الشمس والقمر.

لقد ألف جسده الحنين لوقع قطرات المطر طوال آلاف السنين الماضية، وكانت له مع الليل ونجومه حكايات وأساطير، وكانت له أفراح وامنيات، ثم ها هو ذا ينفصل عن أسرار الليل بالنور الاصطناعي ، وينفصل عن العالم الواقعي بالعالم الافتراضي. لقد انتقل من عالم الحوار والانسجام والتناغم الى عالم الرفض والتوجس والوهم إلى عالم صنعه عقله فتلاشت منه الظلال الموحيه بغربة الحياة والتوحد في عالم الذات وهدر الاخر. وكم في العالم من أشياء وهمها أجمل من حقيقتها كالانا الغارقة في الضمير المستتر الذي لا يقبل حوار العقل ولا الايمان.

نعم، الاختلاف معضلة واشكالية كانت ولا تزال ترافق البشر في مشروع بناء الحضارة الانسانية، فالكثير من المشاكل والخلافات والأزمات والحروب كان أحد أسبابها عدم وجود ثقافة الحوار وقبول الرأي الاخر.

ورغم ان عملية الإثراء الثقافي والعلمي ومقياس تطور المجتمعات والشعوب، تقوم على ثقافة اختلاف الرأي، إلا ان انغلاق العقول جعل من الاختلاف خلاف أضعف المجتمع.

ديننا الإسلامي عمل بهذه الثقافة، فالإسلام له دور كبير في تعزيزها ، وهذا بين في قوله تعالى: "وشاورهم في الأمر"، في إشارة الى أهمية احترام الرأي والاختلاف للتوصل الى حقيقة المشروع الانساني في الارض.

إذا السؤال هو: لماذا لا نملك هذه الثقافة ؟ ولماذا لا نهتم بها؟

في الحقيقة هناك سببين: الأول الموروث الاجتماعي السلبي، مثل بعض العادات والتقاليد العصبية العشائرية البدوية. والثاني عدم وجود توجيه وإرشاد ينمي هذه الثقافة في العملية التربوية وكذا التعليمية، كما لا يتم توجيه وسائل الإعلام لنشر هذه الثقافة وتعزيزها من خلال البرامج والطروحات، واستيراد أفكار وتجارب تفعيل هذه الثقافة من الدول الأخرى، إضافة الى تقديم الندوات والمؤتمرات وورش التوعية والحلقات الحوارية وإعطاء الفرصة للآخر وتعلمه كيفية السيطرة على انفعالاته، ليتغلب على الموروث الاجتماعي السلبي، فتنمية هذه الثقافة تحتاج الى عمل يستمر سنوات يرافق الأجيال في كل مستوى من دراستهم وحياتهم بل حتى على مستوى وجودهم .

من هنا تبدأ مرحلة التغيير، حيث تنتشر ثقافة احترام الرأي والاختلاف من العائلة  والمدرسة الى أعلى الهرم.. عندها إذا شعر المواطن بأن الحكومة تدعم هذه الثقافة يزداد إيمانه وعمله بها، ليحل التسامح والترابط بين مكونات المجتمع.

من ناحية اخرى نجد ان الانطلاق نحو الخروج من أزماتنا وبناء وتدعيم البديل الحضاري العالمي تكمن في فهم الحالة الراهنة للإنسانية جمعاء؛ بحيث ندرس مآسيها وأزماتها التي تزداد كثافة وظلاما عبر الزمن. وهذا الذي أدى إلى تقاطعات وخلافات خطيرة سرعان ما تحولت إلى صراعات فكرية مذهبية وطائفية دينية بين حملة الأديان المختلفة، وانقسامات داخل الذين يدينون بالدين الواحد، وانشطارات داخل الفرق والطوائف .

ولذلك ولذلك صار واجب على المفكرين والباحثون والعلماء من المسلمين وغيرهم، الاهتمام بموضوع التعايش والتقارب؛ نظرا لتعلق الموضوع بحياة الناس وتعاملاتهم في شتى جوانب الحياة؛ ونظرا لكثرة الشبهات المثارة حول الموضوع نتيجة للظرفية الخاصة والحرجة التي تمر بها المجتمعات العربية والغربية على حد سواء . وهذا بدوره يستوجب التاكيد على أن الأصل الشرعي في العلاقات الإنسانية السلم لا الحرب . والرفق لا العنف، واللين لا الشدة، والرقة لا الغلظة، لأن الإسلام دين ينبعث عن مفهوم إلهي كوني، كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً داعِياً، وَلَمْ يَبْعَثْهُ جَابِياً" . أي أن نبي الرحمة بعث مبشر وهاديا وميسرا، وداعيا إلى الله على أسس وقيم ثابتة وجامعة، كالإحسان والتسامح والحرية والمساواة، بل إن الإسلام احتضن كل القيم الإنسانية العليا التي تنظم المجتمع الإنساني على أساس التعاون والتضامن والسلم والأمان والمحبة والاستقرار، وضبط هذا السلوك الإنساني بكل ما يكفل كرامة الإنسان وينمي وشائج الاتصال بين الجميع ، والرسول محمد عليه الصلاة والسلام عمل على اقتلاع جذور التعصب، وسد كل منافذها ، حينما قال: "لَيْسَ مِنّا مَنْ دَعا إِلى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنّا مَنْ قَاتَلَ عَلى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنّا مَنْ ماتَ عَلى عَصَبِيَّةٍ" ، وحرم حمية الجاهلية فقال: "دَعُوها فإِنَّهَا مُنْتِنَة" . فلا شدة ولا عسر ولا تعصب ولا بغض ولا حقد، بل الرحمة واليسر والسماحة والعطف والمحبة والتعايش.

لهذا ليس التعايش أمر صعب إذا ما تصرفنا بمطق العقل والدين ونظرنا الى إنسانيتنا وزرعنا الحب في نفوسنا، عندها سنجد مجالا واسعا للعيش والتعايش بسلام.

في المقابل ومع ما تقدم ذكره تسعى الآلية الثقافية الغربية المسيسة والمؤدلجة إلى تخريب وازاحة قيم الآخر بتضخيم سلبياته ونواقصه عمدا، ومنها إقصاء الدين ورموزه وقيمه ومعانيه من الحياة.

إن الفوقية والتمركز والسعي إلى إقصاء ثقافة الآخر والسخرية من جنسه أو لونه أو دينه، لا ينبغي أن تدفع المسلمين إلى سلوك مماثل تجاه الثقافات والأديان والشعوب الأخرى. لا ينبغي ولا يصح الوقوع في فخ التمركز وإلغاء الآخر، كما لا يكون بالمطابقة والتماثل مع الغرب ومسايرته بالتفكير والشعور والعيش.. وإنما بممارسة الاختلاف من موقع الحوار والتواصل وإظهار القدوة الحسنة التي تنتج في حياة المسلم سلوكا وحركة في الحياة، راقية مثمرة، ومشاركة في صنع الحضارة الإنسانية.

ثم إن أي كلام عن التعايش وحوار الحضارات لا يمكن أن يتم أو يتحقق في هذه الأجواء الثقافية والسياسية السلبية المليئة بأمراض الانا والاستكبار والتعالي. اذ ليس من شعار براق مغري تطلقه السياسة الغربية، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلا عناوين لمشاريع سياسية لا تنتمي الى ما تدعي.

في المقابل نجد ان الاختلاف العرقي وفق الرؤية الاسلامية الانسانية هو اختلاف في إطار الأمة الواحدة، يحتم احترام الآخر كما هو على الصورة التي خلقه الله عليها. ذلك ان احترام الآخر كما هو لونا ولسانا وعقيدة ومذهبا بل وفكرا، يشكل قاعدة من قواعد السلوك الديني في الإسلام، فكان من طبيعة رحمة الله تعالى اختلاف الشرائع والمناهج والالسن والالوان وطرائق التفكير، قال تعالى: " وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون " المائدة، 48 .  وقوله تعالى: " و ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين" هود، 118 . كما ركز القرآن على مبدا السلام ، نجد ذلك بين في قوله تعالى : " ولا تقولوا لمن ألقي إليكم السلام لست مؤمنا"؛ ومن أجل هذا فإن الله أمرنا أن نبذل ما نستطيع لننعم بهذه النعمة، فقال تعالى: "ادخلوا في السلم كافة" في هذه الاية أمر بالسلام العالمي .

الى هذا الحد نجد ان الحوار سنة إلهية وفطرة انسانية، لكن عدم استنفاد الوسع في حل المشكلات بالحوار واللجوء قبل ذلك إلى القوة والتعصب، كما حدث ولا يزال يحدث في هذا العالم المليء بالصراع، الخاوي من ثقافة الحوار والتسامح في كثير من صراعاته وخلافاته المتزايدة ، خاصة مع تعقد المصالح وتشابكها وزيادة القوة الفتاكة في أيدي الناس، وهي أخطار تهدد البشرية جمعاء.

وهكذا قام المنهج الحواري في القران الكريم على فرضية أن الأصل في الوجود الإنساني هو الحوار والتعايش، كما ان الأصل في الحوار هو الاختلاف، فلا يمكن الكلام إلا بوجود طرفين يشكلان حالة الاختلاف والتضاد، قد يكونا فردين أو فريقين أو قومين أو أمتين.

وهذا ما اكد عليه فيما بعد أساطين الفلسفة التداولية المعاصرة، حيث قرروا أن الحجاج الفلسفي التداولي هو فعالية استدلالية خطابية مبناها على عرض رأي أو الاعتراض عليه، وغرضه إقناع الغير بصواب الرأي المعروض، أو بيان بطلان الرأي المعترض عليه، الأمر الذي يجعل الحجاج الفلسفي التداولي بناء مثنويا تقابليا يتواجه فيه عارض ومعترض، إذ يتوجه فيه كل منهما بآليات إقناعية خاصة، وحقوق وواجبات محددة؛ هذه المقابلة المثتوية من شأنها تغيير تصديقات أو اعتقادات المتقابلين.لهذا تعتبر الفلسفة التداولية من أكثر الفلسفات تمسكا بمقتضيات العقلانية الصحيحة لما تحققه من شروط وضوابط ومعايير، لاعتمادها على آليات معلولة للمجال التداولي، وخاضعة لمحك النظر الاجتماعي، فالمناظرة الحوارية تساعد على فهم وتصور الواقع الاجتماعي الذي يقر بالمبادرة الفردية وبالنزعة الجماعية، وتطالب بإشراك جميع أفراد المجتمع في البحث عن حلول للمشاكل والأوضاع المختلفة، وتقبل وتشجيع عمليات التنقيح والتغيير.

ولا شك أننا نحن المسلمين أحوج ما نكون اليوم إلى دراسة دراسة هذا النوع من الفلسفات كاستثمار عقلاني يفعل الحوار الداخلي بين مكونات الانسان ذاته، والحوار الخارجي مع العالم المحيط بنا. خاصة في إطار ظروف التقهقر الحضاري الراهن.

 

د. سامي محمود ابراهيم

ا. سالم خلف احمد

 

لهذا المصطلح تاريخ قديم اذ تعود جذوره الأولى عند نشأت البشرية حين قام قابيل بقتل أخوه هابيل، فالعنف مرتبط بالإنسان منذ نشأته حيث نرى الحرب والإبادة والغزو والاستعمار واقامة الامبرطوريات، والثورة، والتمثيل  بالجثث وغيرها من الاعمال ذات النزعة العنفية مرتبطة بالوجود الإنساني .وهناك من يبرر هذه النزعة بحجة أن الأمم تبنى عليه، فمنذ القدم كان العنف مسؤول في إنتاج السكان إذ إن الإنسان في بدياته كان يعيش على جمع القوت ومن ثم الزراعة، فإذا لم يحصل عليه كان يلجأ الى استعمال العنف والإغارة على غيره لمواصلة الحياة . ويرى أغلب علماء النفس أن التعنيف ليس مجرد دافع للتدمير أو لعاقب الآخر، بل هو طاقة تلعب دوراً هاماً في الصراع العقلي وبدرجة تماثل الدافع النفسي وما يثيره هذا الدافع من اضطرابات وصراعات تخرج من الأنا وتقصي الآخر. وحين جاءت الديانات السماوية زاد العنف على الرغم حثها الى التهذيب الخلقي، وإذا عدنا الى سفر الخروج باعتباره نصوص سردية نلحظ أنها قامت على فلسفة إقصاء الآخر فحين ترك بنو اسرائيل مصر (على قدر المشقة) بقيادة موسى الذي يرشده الإله التوحيدي، ويصل مع بني اسرائيل إلى أرض كنعان التي وعدهم الله بأنها ستكون موطنهم الجديد وهي أرض سيغزونها بتشجيع وعون من الله، ويرتكبون فيها جرائم إبادة شرسة خاضوها ضد شعوب سكانها الأصلين الذين كانوا هناك . اذن التوراة قامت بتثبيت جذورها عن طريق العنف وترى أن هذا ما يدعوه الإله، واذا انتقلنا إلى الاصحاح نرى نصوصه السردية تبيح القتل والصلب والتمثيل بالجسد ولا سيما حين اتهموا يسوع بأنه يدعي الملك على اليهود، اذ قاموا بتعريته من ثيابه وهزأوا به كمللك فألبسوه ثوب الارجوان وضعوا له اكليلاً من الشوك على رأسه، وهذه الحادثة التي رويت في الاصحاح وغيرها تشير إلى عنف الاديان التي تمارسه بكلِّ مشروعية وترى الأحقية في ذلك ولا تثبت دائم الدين الّا عن طريق العنف . وذا قرأنا بعض النصوص الإسلامية نجد ثيمة العنف قد غزتها، فكانت سياسية نشر الدين الجديد قائمة على القتل والبطش والغزو كما نجد وجوب فرض القتال في حالات معينة عند نشر الاسلام " كتب عليكم القتال "، " وقاتلوا في سبيل الله". اذن السرديات الدينية لم تخلُ من اعمال تعذيب البشر وتخريب الأرض وهذا ما سمح للكثير من الحكام أن يمارسوا  ابشع الجرائم مستندين بهذه النصوص واحقيتهم بالتطهير العرقي وتصفية الشعوب الذين يصوَّرون أعداءً . واذا انتقلنا الى السرد في عصرنا الحالي وتحديداً الروايات على اعتبار أنها نتاج لتجربة ذاتية عاصرت المجتمع السياسي بكل تقلباته، فنرى أن ثيمتها الاساسية كانت تدور حول  العنف بشتى أنوعه حيث صور الروائي نصوصه على شكل مشاهد مرئية لتكون شاهدة على تاريخ السلطة وتظهر وجهة نظر الكاتب أن أعمال العنف كانت مقتصرة على الحكومة والسياسية القمعية التي استعانت بها ضد شعوبها وعدم إعطائهم الحربة الكافية ؛ خوفاً من تمرد الشعب والانقلاب وهذا ما نجده في الروايات السردية العراقية التي جسدت العنف في جميع مراحل العراق السياسية ولا سيما قبل سقوط نظام صدام حسين . كما أن بعض الكاتب في سردياتهم قد مجدوا العنف، وهذا جاء من منطلق ايديولوجي الذي دعا اليه ماركس وسارتر . فعند مقدمة كتاب معذبو الارض لفرانز فانون التي قدمها سارتر يشير أن العنف لا يمكن قهره لأنه جوهر الإنسان اذ يعيد خلق نفسه بنفسه، وأن معذبو الأرض لا يمكنهم أن يصبحوا بشراً الّا عن طريق الجنون القاتل . العنف سببه التنافس من أجل البقاء، فمصدره السياسة التي تحاول فرض هيمنتها وليس كما ادعى فرويد بإنها طاقة عقلية وغزيرة انسانية .

 

موج يوسف