منى زيتونتُنسب للإمام علي بن أبي طالب عبارة شهيرة، ربما توضح سبب العذاب العاطفي الذي يلاقيه كثير من بني آدم، يقول فيها: "زهدك في راغب فيك نقصان حظ، ورغبتك في زاهد فيك مذلة نفس". وهناك أشخاص رائعون نقابلهم في حياتنا، ليس من بينهم رجل يتلهى بمشاعر البنات، ولا بنت تتبذل من أجل أن تحظى بزوج، لكنهم مع ذلك يعانون لأجل الوصول إلى الشريك المثالي، وتكوين أسرة معه ترضيهم وتسعدهم. ولكن، كيف السبيل للحب الحقيقي؟

الحب الحقيقي يزيد الثقة بالنفس. يجعلك تحب ذاتك، ليس هو الذي يجعلك تستعظم عيوبك وتكره ذاتك؛ ربما كان أكثر من يفهم ذلك ويستشعره من تكون لغتهم للحب هي اللغة الأولى (كلمات التقدير والتشجيع)، ويستحيل أن تبقى علاقة ناجحة مع استمرار النقد من جانب أحد طرفي العلاقة، ومداومته على إثبات تقصير الطرف الآخر. في العلاقات الناجحة عندما يخطئ أي من طرفي العلاقة يعترف ويطلب الصفح طالما يريد للعلاقة أن تستمر؛ فالمحب الحقيقي لا يتوقف عند الأخطاء التي تبدر من شريكه في رحلة الحياة، ولا يراكمها ليعيد تذكيره بها، طالما اعتذر عنها.

لكن الأمر أكبر من ذلك. الحب الحقيقي ليس تغافلًا عن أخطاء الحبيب، بل هو نظرة إلى الحبيب تقترب من رؤيته كاملًا!

هل الحب أعمى أم بصير؟!

تقول إحدى أساطير الإغريق إن الآلهة قد تعاركت، وفقأ إله الجنون عيني إله الحب، فحكم زيوس كبير الآلهة على إله الجنون أن يقود إله الحب طوال عمره؛ ولأجل ذلك يقولون: الحب أعمى، ومن يُسيِّره مجنون!

لكن، هل الحب الحقيقي بالفعل أعمى؟

أنا أقول: بل الحب الناضج الحقيقي يتفهم العيوب. الحب الحقيقي هو حب يشترك فيه العقل والقلب والروح؛ لذا فإن الإدعاء أنك تحب شخصًا وأنت غير معجب بصفاته ادعاء كاذب، بل وعلى قدر درجة إعجابك بصفاته يكون حبك له. لكن أحيانًا لا يتفهم الإنسان نفسه، فيتصور أن هناك صفة تزعجه في إنسان وأنه يحبه بالرغم منها، والحقيقة إنه قد يكون يحبه لأجلها! أو على الأقل يحبه بمجمل صفاته كما هو، ومنها هذه الصفة.

قد تعرف شخصًا صراحته جارحة، وتتصور أنك تحبه بالرغم من هذه الصفة، والحقيقة أنك ترى ما وراء هذا العيب ميزة فيه هي صدقه العميق وعدم نفاقه، فأنت تحب هذه الصراحة التي قد تصل حد الوقاحة في نظر آخرين. أنت بالفعل تحبها، وربما لو لم تكن فيه هذه الصفة ما أحببته!

كمثال آخر: من يعتدّون بكرامتهم قد يبلغ بهم الأمر في كثير من المواقف مبلغ العناد، ومع ذلك لا يعدمون من يحبهم، وقد يكون عنادهم في مسائل الحق والكرامة ليس عيبًا في نظر من يحبونهم، بل هو من أشد ما يكبرونهم عليه!

لكن أغلب الناس تتصور أنها تتحمل عيوب أحبتها، وليس كل الناس لديها درجة من الوعي الكافي لتدرك أنهم قد يكونون يحبونهم كما هم، ولو لم يكونوا بهذه الصفات ما أحبوهم. ربما أيضًا أن المسألة ليست فقط مسألة وعي، بل إن الحب الحقيقي الذي يبلغ هذه الدرجة نادر وقليل.

الحب الحقيقي يعني أن ترى إنسانًا لا يضاهيه أحد ولا يماثله في نظرك أحد، لا تملك أن تفكر في غيره، ولا تشعر بغيره، ولا يؤثر فيك غيره. تحبه إجمالًا لا تجزئة. أما من يحب صفات ويكره أخرى فلم يبلغ مبلغ الحب الحقيقي، وهذا حال أغلب الناس؛ يحبون بعض المزايا وتعجبهم، ويتذمرون من صفات أخرى يرونها عيوبًا. والأدهى من ذلك عندما يكون ما يتذمرون منه هو صلب شخصية الشريك، فيشعرونه دومًا أنه معيب، ويبدأ الشعور بعدم التوافق.

الإشكالية إذًا ليست في الحب، لكن فيمن يدّعون الحب. كثيرًا ما تكون الصفات التي تتسبب في عدم التوافق واضحة تمامًا في فترة التعارف والخطبة، لكن كلا الطرفين قد يتغاضى عنها لأجل إتمام الزواج. وبعد الزواج، البنت تدعي المفاجأة بالصفات التي لا تعجبها في الرجل، وتبدأ الشكوى، والرجل يكون أكثر وضوحًا فيسعى لتغييرها في شريكته، وقد يعترف بأنه كان يرى العيوب قبل الزواج ولكنه كان واثقًا أن شريكته ستتغير من أجله! فهناك صنف متسلط وفاقد الثقة في نفسه في آن واحد، يريد أن يتزوج بشخصية ذات مزايا عديدة، ولا يرضيه أي عيوب يراها على قلتها، فيسعى أن يجري عليها بعض التعديلات ربما ساعده ذلك التسلط على تأكيد ذاته واكتساب مزيد من الثقة في نفسه، ويبدو أنه لا يفرق بين أن يتزوج إنسانًا/إنسانة ذا/ذات كيان واعتبار وبين أن يشتري سيارة بحاجة إلى تعديلات لتكون أفضل!

كما أن هناك صنف شاعري رومانسي للغاية لا يدرك معنى الحب الحقيقي وأهمية التوافق العقلي كجزء لا يُجتزأ منه، يسيء إلى نفسه بالانسياق وراء مشاعره تمامًا، ويمكن أن يضيع عمره سدى من أجل من لا يستحق. وقد يفكر في هذا الحب الحالم على أنه حب العمر الذي لا ولن يُنسى، ويصل حد التماهي معه والتلذذ بتعذيب النفس فيه، دون مبالاة بالكرامة أحيانًا.

شريك حياتك المثالي ينبغي أن يحبك كما تحبك أمك. يحبك بأخطائك وعيوبك قبل حسناتك ومزاياك. يقول نجيب محفوظ: "أقصى درجات السعادة هو أن نجد من يحبنا فعلاً. يحبنا على ما نحن عليه، أو بمعنى أدق يحبنا برغم ما نحن عليه".

يذكرني هذا بقصيدة كتبها أخي المهندس فداء الجندي في زوجته ورفيقة حياته يقول فيها:

أحبك مثلما أنتِ *** أحبكِ كيفما كنتِ

ومهما كان، مهما صار *** أنتِ حبيبتي أنتِ

وأنا أقول عندما تجد شخصًا يدعي محبتك ورغبته فيك، ولا يكف عن محاولة تغييرك اعلم أنه شخص مستبد لا يحبك بل يرغب في امتلاكك. من يحبك لا يُغيِّرك شكلًا ولا موضوعًا. من يحبك يريدك كما أنت، ويتقبلك كما أنت.

لا تجعل رغبتك في التكيف لمسايرة المحيطين بك تغيرك جذريًا بحيث تشكل ضغطًا عليك. في النهاية لن تكون سعيدًا إلا عندما تكون نفسك، لا بد أن تعيش الحياة التي تريدها وأن تشعر أن من حولك يتقبلونك كما أنت دون محاولات لتعديلك.

مزايا وعيوب

بالرغم من أن الحب الحقيقي لا يستشعر العيوب ولا يكاد يركز عليها، فإن لكل منا بالفعل مزاياه وعيوبه، وتفهم طباع شريك الحياة ومحاولة التكيف معها أساس رئيسي من أسس السعادة. ضع في اعتبارك أنه لن يمكنك أن تجد إنسانًا تتفق معه بنسبة 100% وإن وجدته لن تكون سعيدًا، فمساحة الاختلاف هامة لتشعرك أن هناك حياة.

والمزايا والعيوب تعني أن لكل صفة ما يناقضها، كما أنه كثيرًا ما تترتب الصفات بعضها على بعض، أو لنقل إن العيوب ما هي إلا درجة متطرفة من إحدى الصفات، وكل صفة إيجابية في البشر قد تتحول إلى سلبية فيهم إن تم الإفراط فيها.

ويمكن القول أيضًا إن أغلب صفات البشر هي صفات متصلة على تدريج، وليست صفات منفصلة، وهناك حدان للصفة ونقيضها؛ فالخير والشر ليسا صفتين منفصلتين بل هما حدا تدريج، لا يصل أي بشر منا إليه، فلسنا خير مطلق ولا شر مطلق، ودرجة الخير في داخل كل منا تحدد مكاننا على التدريج المتصل.

وينبغي التنبه لذلك التطرف في الصفات المسمى بالعيوب، وعدم إنكاره، وإلا فسيستمر كل منا في اعتبار نفسه كاملًا، ويرى النقص في الآخر فقط. ينبغي أن نزيد وعينا بأنفسنا، وليس فقط أن نديم تركيزنا على الآخرين لنرى القشة في أعينهم، ونتعامى عن لوح خشب في أعيننا.

ولنتذكر أن نجاح أي علاقة في حرص كلا الطرفين على المحافظة عليها، وليس لأنهما مثاليان بالنسبة لبعضهما، والعقلاء لا يهدمون علاقاتهم إلا لأسباب قوية. يقول الشاعر:

تمسك إن ظفرتَ بودِ حرٍ *** فإن الحرَ في الدنيا قليلُ

ومن أمثلة تطرف الصفة الإيجابية لتصير عيبًا:

- العاطفية والحنان والتفهم الزائد مزايا قد يتطرف الإنسان ليصل درجة أن يعيش في الخيال ويهرب من الواقع، وقد تصبح إرادته ضعيفة.

- التفاؤل أمر جيد لكنه أيضًا قد يصير معيقًا في كثير من الأوقات لإدراك الواقع.

- قوة الشخصية قد تؤدي إلى التصلب في الرأي، والصلابة قد تؤدي إلى العناد!

- القيادة المميزة قد تصل حد التسلط والإحساس بالعظمة.

- الإفراط في التنظيم والترتيب ومحبة الكمال ميزات، لكن كثيرًا ممن يملكونها لا يتقبلون النقد بتاتًا.

- الطموح وتحمل المسئولية والاجتهاد والمثابرة مزايا، لكن الإفراط فيهم يؤدي للبرود وقسوة القلب والتشاؤم والبحث عن المصلحة!

- الاستقلالية والاعتماد على الذات من الصفات العظيمة، لكن قد يعزلان الإنسان عن محيطه.

- الحماسة والجرأة والشجاعة في مواجهة المواقف قد يتطورون في الشخصية إلى سرعة انفعال وعنف ورغبة في الانتقام.

- الانتباه للتفاصيل والدقة أمر جيد، سواء في العمل أو الدراسة، وأحيانًا عند التعامل مع الناس، لكن قد يؤدي ذلك للقلق الشديد المعيق أو الشك في الآخرين أو الوسوسة.

- التفكير المتأني قد يتطرف ليصير ترددًا وعدم قدرة على الحسم، بينما سرعة الحسم قد تتطرف وتؤدي إلى اتخاذ قرارات غير مدروسة، فتصبح عجلة تجلب الندامة.

- حب العمل قد يصل حد الإرهاق وإهمال الحياة الشخصية.

- الحب أجمل ما في الوجود لكنه قد يتطرف ويصل حد الغيرة المفرطة وحب التملك.

- الإخلاص للجماعة التي ينتمي إليها الفرد أيًا كان نوعها قد يتطرف ويصل حد التعصب.

- الصراحة قد تصل إلى درجة الوقاحة.

- التمسك بالعادات والتقاليد الاجتماعية الحسنة شيء عظيم، لكن قد يتطرف بعض الناس لدرجة الرجعية والتمسك بتقاليد بالية، لا أصل لها في الدين، ولا قيمة حقيقية لها في المجتمع.

- حب الحياة قد يصل إلى الانهماك في الملذات، وربما حب الضوضاء، وربما أيضًا ضرر الصحة.

- ربما يكون حب الطبيعة المفرط سببًا في اعتزال الناس.

- الانفتاح على الآخرين وحب استكشاف العالم والمغامرة قد يصل حد المخاطرة.

- حب المنزل والعائلة الزائد قد يؤدي إلى فقدان فرص كثيرة في الحياة المهنية.

- الرضا يمكن أن يتطرف فيصير لا مبالاة!

- الكرم الزائد قد يصل حد الإسراف والتبذير.

 

شخصيتك تحدد نوعية الشخصية التي تكرهها

ينبغي التنبه أيضًا إلى الصفة السِمة؛ أي الصفة التي تغلف الشخصية، وتعتبر أظهر ما فيها؛ لأن ليست كل صفاتنا تكون بالدرجة المؤثرة نفسها في انطباع الآخرين عنا.

ويعتبر ارتباط شخصيتين ذاتا سِمتين ظاهرتين متعاكستين من أهم عوامل الفشل الذي يكون من الصعب تداركه أو تجاوزه وعدم الالتفات له، لذلك فإن تجنبه من البداية يجعلك لا تتكبد عناء تجربة ستكون على الأغلب فاشلة.

من أمثلة ذلك:

- الشخص الذي يكره القيود ومحاولة فرض السيطرة لا بد أن يبتعد عن الشخصيات التي تكثر الطلبات، لأنها شخصيات خانقة بالنسبة له.

- الشخص الذي يبحث عن الدعم وتنمية ثقته بنفسه وقدراته يكره الشخصيات كثيرة الانتقاد.

- الشخص العملي الطموح يكره الشخصيات المحبطة.

- الشخص المسالم الذي يحب الحياة الوادعة يكره الشخصية التي تعكر راحة باله وتخلق المشاكل حوله.

- الشخص العاطفي للغاية يكره الشخصيات الباردة.

- الشخص الواضح الصريح يكره الشخصيات الشكاكة التي تتمهل في تصديقه بلا سبب!

- الشخص الحساس يكره الشخصيات الوقحة.

- الشخص الذي يحب الخصوصية يكره الشخصيات المتطفلة.

- الشخص الرومانسي الحالم يكره الشخصيات الواقعية.

- الشخص المتحمس الذي يشتعل نشاطًا يكره الشخصيات البطيئة.

- الشخص المعتز برأيه يكره الشخصية المجادلة.

- الشخص الحيوي محب التغيير يكره الشخصية الروتينية الثابتة على المألوف في كل نواحي حياتها.

- الشخص المتزن لا يحب الشخصية الخفيفة التي تغير رأيها كل لحظة بلا سبب.

وأكرر أنه ينبغي إن أردنا إنجاح العلاقة أن نقر بالعيوب والأخطاء، ثم نحاول تلافيها، لا أن نصر عليها ونكررها، كما يُفضَّل من البداية الابتعاد عن أصحاب الشخصيات التي سِمتها الأساسية تناقض السِمة الرئيسية في شخصياتنا مهما كانت المزايا التي نراها فيهم.

الكِبر جذر كل الشرور

كثيرًا ما تنصلح العلاقة بين شخصين، ثم لا تلبث أن تسوء بعدها بفترة قصيرة. فما هي الأسباب التي تقف وراء ذلك؟

أحيانًا يرجع السبب إلى تمسك كل طرف من طرفي العلاقة أو أحدهما بالسمات الشخصية المعيبة لكل منهما، التي ينشأ ويتجدد عنها الخلاف.

في حالات أخرى، يقع الخطأ في المشكلة الأولى التي تنشب بين الطرفين على أحدهما دون الآخر، ويرجع سبب تجدد المشاكل إلى تألم الشخص المخطئ من رد فعل الطرف الآخر الذي لم يتقبل خطأه ولم يمرره دون حساب، وبمجرد أن ينصلح الحال نجد المخطئ يترصد أي تصرف للطرف الثاني ليلومه عليه باعتباره المخطئ هذه المرة! وتستمر حالة الترصد من كلا الطرفين لتنشأ سلسلة تكاد لا تنتهي من الخلافات، تتمرر بسببها العلاقة، ويتبعها بالضرورة قطع نهائي لها، أو الإبقاء عليها صوريًا إن كانت رابطة دم.

ولو دققنا سنجد أن جذر المشكلة يكمن في الحالة الأولى في رفض تغيير السمات المعيبة والسلوكيات الخاطئة سبب نشوء وتجدد المشاكل، وفي الحالة الثانية يكون جذرها هو رفض الإقرار بالخطأ من قِبل الطرف الأول، لمجرد انجراح صاحبه وتألمه من رد الفعل الذي قُوبل به، واعتباره رد فعل الطرف الثاني الذي سبب له الألم خطأ يستحق أن يبحث للطرف الثاني عن تلكيكة يرد بها عليه لينتقم ويرتاح باله!

وأتساءل، لماذا ننسى دائمًا أن الكِبر هو جذر كل الشرور، وأن الإقرار بالخطأ ومحاولة تهذيب النفس أهم سمات المؤمنين؟

 

د. منى زيتون

 

 

محمد ممدوحفى لقاءات عدة فكرية ووعظية حاولت أن أقدم للناس وجهة نظر الإسلام الحقيقية في ضوء جوهر مقاصده التى تختصرها آية (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام162)  أى أن الإسلام يتدخل في كل شئ من أصغره إلى أكبره، من حقيره إلى عظيمه، من جزئه إلى كله، وهو إذ ينظم ذلك فإنما يقصد إلى اتمام نعمة الحق على الخلق إذا اتبعوا منهجه، وشقاؤهم إذا أعرضوا عن منهج الله سبحانه، كما يقصد إقامة الواحدية المطلقة لله الواحد الأحد، فالصلاة خالصه لله، والذبح خالص لله، والحياة كلها خالصة له سبحانه، والممات له حبًا فيه وإقبالاً عليه وشوقًا إليه أو ذودًا عن دينه ودفاعًا عن العقيدة عبر الجهاد والشهادة، ثم في الأخير لا يخلُ شئ من هذه الأمور من دين الله الصحيح، فالصلاة تكون بعلم، والحياة من معاملات وسلوكيات تكون وفق منهج الله وضوابطه، والممات وما يتبعه من مآتم وأحزان يكون وفق المنهج العام لله، بلا ابتداع ولا مغالاة، أما إذا تم شئ من هذه الجوانب كافة على غير منهج الإسلام فهو دعوة صريحة إلى الجاهلية الأولى، خاصة إذا كان معنى الجاهلية كل ما يبتعد عن جوهر الإسلام أو يعاديه أو يُضاده.

أقول هذا والواقع يشهد على مدى ما وصل إليه هذا الدين من عبثية ورجس ما أنزل الله بهما من سلطان، فاعتدينا على شريعة الله ومنهجه، وابتدعنا دينًا غير الدين باسم الدين، وأوجدنا إلهًا غير الله باسم الله، واخترعنا شريعة غير الشريعة باسم الإسلام، ويكفى للدلالة على هذا الألم ما يُحدثه الناس في مآتمهم من بدع.. قرى بأكملها لا تقبل إلا بقارئ معين من الإذاعة يتحصل في الليلة الواحدة على مبلغ ثلاثين ألف جنيه .. وقرى أخرى تتباهى بمآتمها، بحجم الإضاءة، وعدد الكراسى الفاخرة الوثيرة، وعدد ما يُنصب من زينة وخيام وسجاد، وعدد المعزين، وأجر القارئ، كل هذه الأكاذيب والخيلاء الكاذبة من مداعى الفخر والتباهى والتعالى بين الناس، وينظر الفقير إليهم ولا يجد لميته ثمن الكفن ولكن يدين نفسه لأجل إتمام عمليات المنظرة الكاذبة والفارغة خوفًا من نظرات الناس المشمئزة ومصمصة الشفاة.

وقرى أخرى تقيم العزاء ثلاثة أيام، كل يوم بقارئ مختلف، وإضاءة كبرى، وصوانٌ كبير، وقرى تقيم ما يسمونه " الأربعين" و "الذكرى السنوية " أيضًا بذات التكاليف وذات العنجهية والجاهلية والمنظرة.

مئات المشاهد والعادات التى ينتحر العقل أمامها !!

وما جدوى هذه التكاليف؟ وما فائدة هذا البذخ؟ وماذا ينال الميت منه؟! لا شئ أبدًا يناله من هذا العُهر، فلا ينفع الميت إلا الصدقة أو العلم أو الولد الذى يدعو له أو أثره الطيب الذى يبقى بعد مماته من زرع يأكله إنسان أو طير أو حيوان، أو علمٌ ينفع به الناس أو أى أثر تُحمد عاقبته، أما غير ذلك فلا جدوى منه ولا خير يٌرجى من ورائه.

وما مبرر أولئك الذين يرتكبون هذه الحماقات؟! لا شئ غير تقليد الآباء ووجود معايير مغلوطة للشرف.

والقرآن يذم المقلدين للآباء في غير موضع (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (المائدة104) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) (لقمان21) (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) (الزخرف22) حتى عبادة الأصنام، لم يعرضوها على عقولهم، وإنما تأثروا بالعادة والتقليد فقالوا (قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) (الأنبياء53) (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)(الشعراء74)، حتى الفواحش يفعلونها ويعترفون بها، ولا مبرر لهم غير عبادة السلف من دون الله، من دون الإرتكاز إلى العقل (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا) (الأعراف28) منطق اللامنطق، العهر بعينه، لا عقلانية ولا قبول للحوار العقلانى، هذه قناعات لا سبيل إلى تغييرها في فكرهم، هذا ما يُصرون دومًا عليه، وكأن ما يفعله الآباء قد حاز درجة المقدس الذى لا فكاك منه ولا نقاش فيه.

وأمثال هؤلاء في حاجة إلى إعادة ترتيب أفكارهم وتدريبهم وتثقيفهم من جديد بعد هدم ونقض ما حوته عقولهم من سموم، وتعويدهم احترام العقل واللجوء إليه والقبول بموضوعيته وتجرده، وإلا فلن يكون إلى إقناعهم من سبيل.

وطائفة أخرى تنظر إلى موضوع المآتم والبذخ فيها على أنها قضية شرف، فدومًا تجد على ألسنتهم عبارات " نفعل ما يليق باسمنا أو بعائلتنا "، أو " لابد من مأتم تتحاكى به الناس " أو "لابد من مأتم يليق بالحاج فلان أو بفلان " ومثل هذه التعبيرات قد غزت قطاعات كبرى من مجتمعاتنا، من أبناء الدين الخاتم، أبناء العقل، أبناء المستوى الرفيع للإنسانية، وهى عبارات لا تمت إلى الإسلام بصلة بقدر ما قد استُعيرت من الجاهلية الأولى.

وما دخل الشرف بالفشخرة والمغالاة في المآتم؟! الشرف الحقيقى في طاعة الله سبحانه، في إقامة سنة نبيه () وليس في معاداتهما معًا، ليس في المنظرة التى لا تُغنى ولا تُسمن من جوع، التى لا تفيد أمة في قنطير ولا قطمير.

الشرف الحقيقى في التزام سنة رسول الله ()، في الإحسان إلى الفقراء والمعوزين بدلاً من هذه النفقات الطائشة التى لا تفيد حيًا ولا تنفع ميتًا، فالصدقة الجارية أولى، وإطعام البائسين أولى وكسوة العراة أولى، وأبواب الخير أولى، كل ما يقدم من نفع للإنسانية أولى من بذخ لا مردود له غير الفشخرة والتباهى والكبر، والثلاثة حاربهم الإسلام ووقفت لهم الإنسانية بالمرصاد، الإنسانية القيمية لا البشرية، الإنسانية الباحثة عن الإنسان لا المضادة لوجوده.

والنبى الكريم () يخبرنا بأن هذا كله رجس من عمل الشيطان، لا قيمة له، بل ضرره أكبر من نفعه حال تكالب الناس على هذه العادات وتباهيهم بها وجعلها معيارًا للشرف أو عادة الآباء التى لا سبيل إلى قطعها، والميت لا ينفعه من ذلك شئ، بل هو كله للأحياء فشخرة وتعالى، والله يكره التعالى (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) (القصص4) (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) (القصص83) أما ما ينفع الميت فقد حدده الرسول الأكرم () : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له "(1) .. هذه هى الثلاثة النافعات بعد الموت، لم يأت ضمنهم العزاء، ولا كبار القراء، ولا المشاعل و المباخر، فقط إما صدقة، وإما علم، وإما ولد صالح يدعو لوالديه بالرحمة ..

أما ما يعتاده الناس من مآتم كبرى، يطوف فيها ولدان بصنوف المشروبات، فهذا يمثل المنظرة ويدل على التباهى والتكبر برزق الله وعطائه، وأن تصير هذه العادات ضمن مئات العادات الأخرى الباطلة واللامنطقية راسخة إلى حدّ ظن المنطقية والعقلانية فيها، فتلك مصيبة أعظم، وأن يُصر عليها المتعلمون وأرباب الشهادات العلمية الرفيعة فتلك أعظم من سابقتها، لأنهم – وهم أهل العقل – يُنحون العقل جانبًا ويقدمون عبادة الأسلاف والآباء، والمعايير الباطلة للشرف على ما يقتضيه العقل وتراه الحكمة.

إن هذه المنظرة ليست من الدين في شئ، ولن نصنع أبدًا بتلك الأهواء مستقبلاً تحترمه الأمم، ولن نخطو خطوة واحدة للأمام ونحن باحثون عن الشكل لا المضمون، العرض دون الجوهر، فتلك هى الآفة التى طالما حاربها الدين (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (المائدة15) (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الجاثية18) (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (الفرقان23) وواجب الأمة بأسرها أن تحتكم إلى العقل في كل عاداتها وتقاليدها فما كان حسنًا قبلناه، وما كان سيئًا رفضناه، وهذه من العادات السيئة التى تعمق الجاهلية الأولى في البذخ والإسراف والتباهى بلا أدنى مردود دينى أو دنيوى، بل هو التبذير والتعالى لا أكثر ..

 على العلماء الحقيقيين الذين يرجون الله واليوم الآخر أن ينظروا بعين بصيرة ناقدة إلى تلك العادات المرذولة، أن ينظروا إلى النبى () وكيف كان يتعامل في مثل هذه المناسبات .." اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد شغلهم أمر صاحبكم "(2) .. لم يكن يدعو قراء القرآن وهم كُثر حينئذ، ولم يكن يصنع صوانًا أو إضاءة أو أيٍ من تلك المراسم، بل كان أهل الميت يتلقون العزاء لمدة ثلاثة أيام لا غير، لا قارئ، ولا صوان، ولا إسراف .. على العلماء أن يوجهوا الناس نحو فقه الأولويات، وفقه الواقع، وفقه المقاصد، فالإنفاق على أبواب العجز والعوز أولى من المنظرة والفشخرة، والميت ينتفع بالصدقة الجارية لا بالقارئ ذى الثلاثين ألفاً، وإلا فلن تعالج مشكلات أمتنا ما دمنا نرى الباطل وندير له ظهورنا، ونرى الحق ونغمض عنه أعيننا ولنا في كل حياتنا الأسوة برسول الله () (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب27) (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر7) . أما من أصر على عبادة السلف أو قلب معايير الشرف بتلك الصورة فهو يهدم الدين، يثور ضد العقل، وكلاهما إثمٌ كبير، وشر عظيم، وفى هذا بلاغ وحجة على العالمين.

 

د. محمد ممدوح

...................

  1- سبق تخريجه

  2- رواه ابن ماجه والترمذى برقم 3132

 

يعرف الزواج شرعا وقانونا على انه رباط مقدس بين الرجل والمراة وفق شروط وضوابط محددة يتفق عليها الطرفان من اجل اقامة مؤسسة اجتماعية (الاسرة) تنسجم انسجاما وثيقا مع الدين والقانون لتكون منظومة  قوامها التكافؤ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي التي تضمن الحقوق والواجبات للطرفين.

وهذه المؤسسة الصغيرة التي على اساسها يقوم المجتمع الغاية منها الاستقرار النفسي واستمرار النسل البشري الذي تربطه علاقات سليمة قوامها المودة والرحمة،قال تعالى(ومن اياته خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليهاوجعل بينكم مودة ورحمة.. الروم 21) اي ان تكون لكل زوج زوجة تناظره من حيث المستوى الخلقي والاخلاقي يتعايشان بكل مودة ورحمة ولتسكنوا هنا تعني السكن والسكينة.

والزواج لغةً هو الارتباط والاقتران بين اثنين بعد ان كانا منفصلان.

اما الزواج اصطلاحا فهو عقد بين الرجل والمراة يتيح لكل منهما الاستمتاع بالاخر وفق ضوابط وشروط لتكوين الاسرة، ولكي يكتمل الزواج  ويقام على اسس متينة يجب ان يتحقق فيه الشرطين الشرعي والقانوني.

ان الزواج خارج المحكمة والذي يسمى بالعامية (عقد المومن) يكون مستوفٍ من الناحية الشرعية ويقوم به عادة شيخ مختص بامور الزواج والطلاق،لكنه يفتقر الى التوثيق بالمحكمة مما ينجم عنه تبعات لاتحمد عقباها..

ان من يقدم على الزواج خارج المحكمة اما ان يكون بسبب عدم استحصال الموافقة من الاهل او انه متزوج ويريد الزواج من اخرى بالسر او ان الزوجة قاصرا غير مؤهلة للزواج او انه مصمم اصلا على الاستمتاع وسلب حقوق الزوجة التي ترضى بهذا الوضع مرغمة اما لعوامل اقتصادية وهي اهم العوامل اذ تضطر بعض الاسر لتزويج بناتها لفقر حالهم اولافتقارهم للثقافة والادراك بجسامة هذا الامر خصوصا ان عقد الزواج الرسمي يترتب عليه تسجيل الزوجة والاولاد في سجل النفوس وهذا يترتب عليه اعتراف الزوج/الاب رسميا بمسؤوليته عن هذه الاسرة والانفاق عليها في كل الاحوال ان كان الزوج موجودا او في حالة الطلاق لاسامح الله،هذه المسؤولية التي توفر الحصانة لهذه الاسرة من كل الظروف.

في السابق كان هذا الزواج مقتصرا على المناطق الريفية ،فقد اعتاد سكان الريف تزويج بناتهم بسن مبكرة لعدة اسباب ،منها لاسباب اقتصادية تتعلق بالعمل المضني الذي تقوم به المراة من زراعة واعتناء بالحيوانات حالها حال الرجل ومنها لزيادة النسل لنفس السبب ومنها عشائريا وغير ذلك،فقدكان هذا الزواج شائعا  ولازال،اما الان فقد انتشرت هذه الظاهرة بل وغزت مجتمع المدينة وصار من المسلّمات وهذا طبيعي نتيجة الحروب والاثار الوخيمة التي تخلفها الحروب، بوجود كم هائل من الارامل والايتام ،فصارهذا الزواج يجري على قدمٍ وساق لسهولته وتملص الزوج من مسؤولياته وبالمقابل تفشت حالات الطلاق السريع التي تخلي هذا الزوج من التزاماته خصوصا النفقة وباتت الزوجة المتضرر الوحيد من هذه الصفقة الغير عادلة اجتماعيا واقتصاديا فتجدها تلاقي الامرّين في سبيل استحصال الجنسية او شهادة الجنسبة لتسجيل اطفالها في المدارس وكانما قد انجبتهم لوحدها! اضف الى ذلك حرمانها من النفقة لتجد نفسها كريشة في مهب الريح لاساند ولاسند،وتفضل الف مرة ان تبقى من غير زواج على ان تكون ام وحيدة مع عدد من الاطفال بلا معيل ولانفقة.

هذ الموضوع يجب ان يحمل بمحمل الجد للحد منه عن طريق توعية الاهل بكل وسيلة من وسائل الاعلام المتاحة واقامة الندوات التثقيفية لما له من خطورة على الاسرة والمجتمع ،كما يجب  ان يخضع الى قوانين صارمة للحد منه وان وجدت تلك القوانين التي بدا مفعولها غير سارٍ في ظل الفوضى العارمة التي يعاني منها  المجتمع الان.

 

مريم لطفي

 

نايف عبوشلاشك أن الحضارة العربية الإسلامية، قدمت للإنسانية، إبان عصور ازدهارها، الكثير من الإنجازات في كل مجالات المعرفة. فكانت بتلك الإنجازات الكبيرة، قد وضعت الأساس، للنهوض الحضاري الإنساني المعاصر، واوقدت مشاعل التنوير في العالم المعاصر، بارهاصات تأثيراتها الإيجابية.

وعندما غابت الأمة عن ساحة العطاء والإبداع بتأثير تداعيات الانحطاط الحضاري اللاحق، تليف العقل العربي المسلم ،وتوقف عن العطاء، وعجز عن مسايرة التمدن، وصناعة التقدم على قاعدة( وقل رب زدني علما )، حتى حاصرته مخرجات الحداثة المعولمة الراهنة بتسارع تواليها المدهش ، بما تمتلكه من عناصر التأثير، في فضاء عصري مفتوح في كل الاتجاهات،وعندها ركن المسلم المعاصر، بتداعيات تلك الظروف، إلى  الدعة، والاقتيات على ذاكرة الماضي ، وراح الكثير من أبناء الأمة يتغنون بامجاد، وابداعات الماضي، على نحو فارغ، ودون مساهمة تذكر في صنع الحاضر بالصورة البهية المطلوبة، التي تستكمل إشراقة الماضي المتألق ، وتتواصل مع عراقة وهجه بجدارة .

ولأن البلدان العربية والإسلامية في مسيرة نهوضها المعاصر، لا تزال متلقية للعلوم، والتقنيات، ومستلزمات التطور ، حيث يتسم الحال الراهن لها - كما معروف - بالتخلف ، والاعتماد على الخارج حتى في رغيف الخبز، والدواء، في الوقت الذي تتسارع فيه إيقاعات التطور في البلدان الصناعية بوتائر متصاعدة، مما فاقم فجوة التطور في كل المجالات، بشكل لافت للنظر، فإنه لم يعد ممكنا اليوم، النهوض بمجرد التغني بالامجاد، والاقتيات على مجرد ما ابدعته الحضارة الإسلامية في ماضيها المشرق، وحسب.

 لذلك، وفي الوقت الذي يتطلب فيه الأمر التواصل بإجلال مع ما ابدعه الأسلاف من إنجازات ،فإنه لابد من الحرص، في الوقت نفسه، على السعي الجاد، والعزم المتواصل، على غذ السير نحو تحقيق التقدم اللائق بمكانة الأمة، بصيغة الخطوة إلى الأمام، على قاعدة( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وذلك من خلال تنشيط حس المساهمة الإبداعية في تحقيق منجزات علمية، ومعرفية، وتقنية، ترفد واقع الحال العربي الراهن، بمقومات النهوض، بردم فجوة التخلف ، واللحاق الجاد، بركب الحضارة المعاصرة دون تباطؤ .

ولاضير عندئذ من التواصل مع الموروث الحضاري، والاستلهام الحي له، عند الشروع بمعالجة إشكالات الحاضر، والتفاعل الإيجابي، في ذات الوقت، مع المعطيات الإيجابية للعصرنة من دون تردد ، وإهمال ما هو سلبي، وضار منها ، وذلك من خلال الشروع في عملية تنمية شاملة، تأخذ كل أبعاد المشكلة بنظر الاعتبار، حيث ليس من الصواب الاكتفاء بمعالجة بُعْدٍ واحد منها فقط،وبعكسه فإن البقاء على الحال مأزوما، ومنهكا حضاريا، يعني تفاقم التخلف، واتساع هوة التأخر التي يفترض ردمها، وتجاوزها على عجل.

 

نايف عبوش

 

 

معراج احمد الندويإن مفهوم العدالة الاجتماعية هو استحقاق أساسي للإنسان نابع من كونه له الحق فى التمتع بمجموعة من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بإعتبارها حقوقا أساسية من حقوق الإنسان وجزءا لا يتجزأ منها.  العدالة الاجتماعية هي من أسمي القيم التي يحرص عليها العالم المتحضر. تنادي العدالة الاجتماعية بالمساواة وعدم التمايز. وفي العصر الحاضر، العدالة الاجتماعية، فهي نظام اجتماعي اقتصادي مركب يهدف إلى إحداث العدل بين طبقات المجتمع. وأما عن توزيع الثروات، فهو النسق الذي تختاره المجتمعات العادلة في معاملة أفرادها فيما يتعلق بتوزيع الموارد وتوفير حصة تشاركية لكل مواطن. تقوم العدالة الاجتماعية على عدة عناصر ومقوّمات، من أبرزها: المحبّة والكرامة الإنسانيّة والمساوة والتضامن بين جميع أفراد المجتمع.

إن العدالة الاجتماعية في الإسلام هي عدالة إنسانية شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية. العدالة الاجتماعية في الإسلام، فلا يمكن إدراكها إلا ضمن التصور العام للإسلام حول الكون والحياة والإنسان والمجتمع، باعتبار أن الإسلام يمثل تصورا شاملا ومتكاملا يعالج مختلف مجالات الحياة. العدالة الاجتماعية بحسب الرؤية القرآنية هي رعاية الحقوق العامة للمجتمع والأفراد، وإعطاء كل فرد من أفراد المجتمع ما يستحقه من حقوق واستحقاقات والتوزيع العادل للثروات بين الناس والمساواة في الفرص وتوفير الحاجات الرئيسة بشكل عادل واحترام حقوق الإنسان المعنوية والمادية.

ولقد جاء الإسلام ليعلي من قيمة الإنسان بغض النظرعن عقيدته أو جنسه أو لونه. "كلكم لآدم وآدم من تراب". الإسلام هو أول من ساوى بين البشر جميعا بغض النظر عن الفروق الدينية أو اللونية أو العرقية أو الطبقية. فلا يميزالإسلام بين البشر في كل هذه الأمور. فالناس مستوون كأسنان المشط ليس لأحد على أحد فضل إلا بتقوى الله. لقد اهتم القرآن الكريم كثيراً على أهمية تطبيق العدالة في المجتمع لقداحتوى القرآن الكريم على ست عشرة آية تختص بالعدالة الاجتماعية، منها ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعراج 24). قد حظيت بأكثر من نصف الآيات التي أشارت إلى العدل والمساواة في الناس.

مفهوم المساواة في الإسلام: المساواة من المفاهيم المكملة لمفهوم العدل ظاهرياً، فالمساواة مشروطةٌ بوقوع العدل، وهي إن تحققت في المجتمع ضمنت توزيع الحقوق لجميع أفراد المجتمع بشكلٍ متساوٍ في الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية وما شابه، دون التمييز بين الأفراد سواءً في العرق أو الجنس أو اللون، والمساواة بين الناس والتي تعدّ من أهم مكونات وأسس بناء العدالة الاجتماعية تعني المساواة أمام الشرع والقانون، والمساواة في الفرص، والمساواة في تقلد المناصب العامة، والمساواة في الحصول على المكاسب والامتيازات، والمساواة في الحقوق والواجبات. فالمساواة بين الناس تعطي حيوية للمجتمع، ومن أجلى مصاديقها المساواة في تكافؤ الفرص. والمساواة في توزيع الثروات مع تساوي الحقوق والاستحقاقات، فلا يفضل في الوظيفة نفسها وبالمؤهلات نفسها موظف على آخر، لأي سبب كان، كاللغة أو اللون أو المذهب أو العرق أو القبيلة أو ما أشبه ذلك من اعتبارات لا وزن لها في الدين. ولا تسود العدالة الاجتماعية إلاّ باحترام حقوق الإنسان فإن احترام الإنسان كإنسان وتكريمه هو من أجلى مصاديق تطبيق العدالة.

مفهوم العدل في الإسلام: العدالة الاجتماعية هي من أهم مكونات ومرتكزات العدل في الإسلام. العدل هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه ووضع الأمور في أماكنها الصحيحة. العدالة الاجتماعية في الإسلام ليست مطلوبة للإنسان فرديا واجتماعيا فحسب، بل هي أمر إلهي، بقول الله تعالى: {﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى}﴾ (النحل 90) جعل الإسلام العدل من القيم الإنسانية الأساس، التي جاء بها الإسلام، كما جعلها من مقومات الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية، حتى جعل القرآن إقامة القسط أي العدل بين الناس. يعد العدل من القيم الأساس التي حث عليها القرآن، وكررها في العديد من الآيات، ولقد فرض الله العدل على المسلمين ليشمل كل شيء في حياتهم، ابتداء من العدل في الحكم، إلى الشهادة ومعاملة الأسرة والزوجة وجميع الناس، حتى مع الأعداء والخصوم، فلقد قال الله تعالى:﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ (النساء 58)، وأيضا قال الله تعالى:﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (المائدة 8) يحاول الإسلام مع صميم المشكلة الاجتماعية ويهدف إزالة أسباب الفقر والحرمان، واقتلاع جذور الفساد الاقتصادي، ذلك لأنه لا يمكن تحقيق العدالة في عديد من أنواعها دون وجود العدالة الاجتماعية، فهي التي توجد الأجواء المناسبة والأرضية الصالحة لتطبيق مبدإ العدل والعدالة في الأبعاد الأخرى. العدالة الاجتماعية في الإسلام يقوم على العدل الذي هو قاعدة من قواعد النظام العام الإسلامي، واتساقاً مع ذلك اعتبر المنظور الاقتصادي الإسلامي العدالة الاجتماعية، فإن من أسس العدالة الاجتماعية في المنظور الاقتصادي الإسلامي إقرار هذا المنظور للكثير من حقوق العمال بالتوازي مع إقراره لواجباتهم والتي يجب أن يسعى المجتمع المسلم كله، إلى توفيرها وحمايتها، ومن هذه الحقوق: الحق في الأجر العادل، وهو ما يستدل عليه من ربط القرآن والسنة بين العمل والأجر، كما في قوله تعالى: ﴿قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت﴾ (القصص: 25)

إن الهدف الأساسي من العدالة الاجتماعية لا بد أن يركز على البنية الأساسية للمجتمع، أو بشكل أكثر دقة " الطريقة التي تقوم المؤسسات الاجتماعية الكبرى من خلالها بتوزيع الحقوق والمسؤوليات الأساسية، وتحديد كيفية تقسيم الامتيازات من خلال التعاون الاجتماعي. وفي الإسلام تختلط كلمة المساواة بمكلمة العدل. ومن عظمة الإسلام أنه يَمزُج بين العدل والمساواة؛ فالحق أنه لا حرية ولا مساواة بلا عدلٍ ، فلأول مرة في تاريخ الإنسانية شريعة وتعاليم توجه للإنسانية كلها، وتعتبر كل إنسان على ظهر البسيطة أهلًا لتقبل الحقوق والالتزام بالواجبات كأي إنسان آخر، وإن كلًا من الأصل والجنس واللون لا يمكن أن يفرق بين إنسان وآخر أمام القانون. إن تحقيق العدالة الاجتماعية من الأسس الثابتة للعدل حيث يتم من خلاله التساوي بين البشر وذلك بتعزيز مفهوم المساواة في الفرص والحقوق والواجبات، وذلك يسهم في سد المنافذ والنزاعات القائمة وتعميم العدالة الاجتماعية في سبيل الحياة السعيدة على وجه الأرض. فالإسلام أول من جعل العدالة الاجتماعية ويفترض بالمسلم أن يكون عادلاً اجتماعياً في سلوكه وحياته وممارساته لينعم هو وباقي أفراد المجتمع بالأمن والسلام.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا -الهند

 

صادق السامرائيالطغيان في اللغة من طغى يطغى طغيا ويطغو طغيانا، أي جاوز القدر وارتفع وعلا في الكُفر.

وأطغاه المال: جعله طاغيا.

وطغى الماء: إرتفع وعلا على كل شيئ فاخترقه.

وطغى السيل: جاء بماءٍ كثير.

وطغى البحر: هاجت أمواجه.

والطغيان والطُّغوان لغة.

وعندما نعرّف الطغيان بالمفردات النفسية والسلوكية، فأنه يعني الفعل الظالم الناجم عن فقدان الأمان.

فالطاغية يكون في موقف محكوم بخيارين، فأما المواجهة أو الفرار، وتتغلب فيه حالة المواجهة على الفرار، لأن نتيجة الفرار قاسية وصعبة وخالية من الحوافز والمسوغات ولا تحقق الرغبات.

فالمواجهة رغم صعوباتها، لكنها ذات محفزات ومعززات لا محدودة، تدفع بالطاغية إلى الإمعان بسلوكه الإستبدادي حتى النهاية.

وكأنه في سباق نحو الهاوية، وكل ما يقوم به ويفكر به ويقرره، إنما من أجل إطالة مسافة السباق وحسب.

فالطاغية ليس غبيا أو جاهلا، وإنما يتمتع بقدر متميز من الذكاء، الذي يسخره لمشروع إطالة مسافة سباقه وصراعه مع الآخرين، الذين يمنحهم المواصفات والمسميات التي تبرر محقهم والفتك الفظيع بهم.

ومنبع السلوك الطغياني هو فقدان الأمان الداخلي، ومعظم الطغاة هم الذين فقدوا هذا الشعور في طفولتهم، وصار الشك والتوجس والخوف والظن بالسوء معيار سلوكهم.

فإن كانوا في عائلة فأن سلوكهم الطُّغواني يتكشف، وإن كانوا في دائرة أو منصب حكومي أو سياسي فيكون تعبيرهم أوضح.

وكلما إمتلك هذا الشخص قوة أكبر، كلما إنطلقت آلياته الدفاعية المنبثقة من بركة عدم الشعور بالأمان المتأسنة في أعماقه.

وتبدو حالة عدم الشعور بالأمان كالدملة المملوءة بالأقياح، والتي تريد الإنفجار وإطلاق ما فيها من الصديد.

وبعض العلماء والباحثين يرى أن العلاقة قوية ما بين الشخصية السادية والطغيان البشري، وآخرون يحسبونه تعبيرا عن المشاعر الشريرة الدونية الغابية الكامنة، وغيرهم يرى أنه من إنتاج النرجسية الفاعلة في السلوك، والتي تسببت فيها الطفولة المحرومة من الأمومة والشفقة وتقدير المشاعر والأحاسيس، أو الطفولة المهملة والمنبوذة.

وفي واقع السلوك الإستبدادي،  أنه إستجابات لمنبهات خارجية تدركها آليات الشك والخوف والحذر، وتمعن في رد فعلها العنيف عليها، حتى أن بعضهم يتملكه الشعور بأنه يعرف أعداءه من نظراتهم وملامح وجوههم، وفي هذا إمعان بالشك والبرانويا الوهمية، التي تدفع إلى إجراءات تعسفية قاسية ومرعبة.

ولهذا فأن الطغاة يفتكون بأقرب الناس إليهم، ولا يوجد في عرفهم وفاء أو صداقة، وإنما كل الآخرين أعداء وأعداء، ويتحينون الفرصة للفتك بالطاغية، ولهذا فعليه أن يتغدى بهم قبل أن يكون على مائدة عشائهم.

ومن رؤى الطغيان وتفسيرات سلوكه، أن البشر إذا وُضِع في مجاميع تتنافس على مصادر قليلة، فأن التفاعل فيما بينها سيكون فتاكا ومبررا للفظائع والمجازر والجرائم المرعبة.

وفي واقع ما يدور هو إستحضار آليات الغاب وتأكيدها، والعمل بموجبها للوصول إلى ذروة الوحشية والإفتراس الشرس للآخرين.

وما يقوم به الطغاة المعروفون من أفعال لا يمكن تصديقها، إذا حسبناهم من البشر، ولا بد من وضعهم في خانة أخرى، ونتصور بأنهم يظهرون كالبشر.

إن سلوك الطغاة لا يمت بصلة إلى آدميتهم أو بشريتهم، وكأنهم مخلوقات أخرى بهيأة آدمية، فالتصرفات الوحشية الإفتراسية، التي يقوم بها الطغاة العتاة، لا يمكن للخيال أن يتصورها، ولا يتمكن عقل إنساني من إستيعابها والتصديق بها، والتأريخ يزدحم بشواهدهم المروعة.

ترى مَن يُطعم الطغيان ويمده بقوته وعنفوان سلوكه؟!!

فهل أن الضعفاء يلدون الطغاة؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

ميثم الجنابيملاحظة وتقديم: لقد كتبت هذا المقال قبل أكثر من عشر سنوات ولم اطبعه آنذاك. وقد كنت اسعى آنذاك للمساهمة في إرساء اسس الرؤية الواقعية والعقلانية في الفكرة السياسية العملية العراقية. غير أن الأحداث والوقائع كانت تكشف عن طبيعة ومستوى الهوة العميقة بين الرؤية الفلسفية العلمية وثقل التقاليد الأيديولوجية الدينية والدنيوية التي لا تسمع ولا ترى ولا يمكنها تأمل أي شيئ خارج ما اعتادته وتعودت عليه. وهذا الأخير لا يعدو من حيث الجوهر غير كمية بلاغية من الجهل والغباء وانعدام الرؤية المستقبلية. إضافة إلى بطون جائعة وأفواه لا تمتلئ،  أي كل ما اطلقت عليه بعض شخصيات الورع والتصوف عبارة "اكياس خراء". وبالتالي، فإن هذا المقال لتنوير الرؤية العقلية ولا علاقة له بالأكياس!

***

من مفارقات فكرة المرجعية في التاريخ العراقي الحديث والمعاصر اقترانها بالمؤسسة الدينية. وهو اقتران لغوي ومؤسساتي لا علاقة له بالفكرة كما هي. فمن الناحية النظرية تتعدى ماهية المرجعية كل الأشكال الواقعية. وذلك لأن حقيقة المرجعية مثال متسامي. وبالتالي لا يعني حصرها بالمؤسسة الدينية سوى تحجيم وتقييد مضمونها الحقيقي.

فحقيقة المرجعية، بالمعنى الفلسفي، تتطابق مع فكرة الاحتمال الواقعية والعقلانية. بمعنى أن الجوهري فيها للفكرة المجردة، أما تحقيقها العملي فهو نماذجها الملموسة. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية الحديث عن مرجعيات عديدة هي جزء من صيرورة الوعي النقدي والبحث عن البدائل، أي كل ما يتراكم في تجارب الأمم بوصفه مرجعيات متسامية. وهي الرؤية الوحيدة القادرة على تحرير الوعي من ثقل القيم والمفاهيم التقليدية باعتبارها بقايا قابلة للعيش وليس للإبداع. فالقيم والمفاهيم التقليدية تبقى، في أفضل الأحوال، جزء من بقايا البنية التقليدية للوعي والوجود الاجتماعي. ذلك يعني أنها تعيش في الأغلب بمعايير الزمن وليس التاريخ. وهي الحالة التي يمكن تحسس كل طابعها المأساوي في تاريخ العراق الحديث، الذي جعل من "البديل الديني" نفيا "للايدولوجيا العلمانية" (الدنيوية). وهو نفي مزيف، تماما بقدر زيف الأيديولوجية "العلمانية" للعراق الحديث.

إذ لم تكن "الأيديولوجية العلمانية" الأكثر انتشار وسيادة في تاريخ العراق الحديث سوى صيغ متناقضة في وحدتها للهامشية الاجتماعية والعرقية والمذهبية، أي لأشد أنواع الصيغ الأيديولوجية تخلفا وتخريبا، كما هو جلي على مثال الشيوعية والبعثية. فقد كانت الشيوعية والبعثية "العراقية" تعبيرا نموذجيا عن سيادة الحثالة والهامشية. وهو سرّ انحطاطهما المعرفي والأخلاقي والسياسي. وبالتالي لم تكن البدائل المصاغة بمعايير النفي المباشر سوى الصيغة المكملة لهما. وهو واقع جلي في صعود التيارات السلفية الدينية المتنوعة، وبالأخص في نماذجها الطائفية. ويبرهن هذا الصعود بحد ذاته على افتقاد تأسيسها لمعنى "المرجعية" من قيمتها ومعناها الحقيقي بوصفها مثالا متساميا. الأمر الذي يجعل من إعادة النظر بإشكالية الديني والدنيوي في العراق، إحدى أهم القضايا النظرية والعملية التي يتوقف على كيفية حلها مهمة التأسيس الواقعي والعقلاني لمرحلة الانتقال صوب التحرر الفعلي للفرد والجماعة والمجتمع والفكر، أي كل ما يؤدي إلى بناء الدولة والمجتمع والثقافة بوصفها منظومة الحرية الشاملة. وتفترض هذه النتيجة بدورها تحليل خصوصيتها الباطنية، أي البحث في إشكالية الدين والسياسة بوصفها إشكالية التاريخ الثقافي والسياسي للعالم العربي والعراق بشكل خاص.

فإذا كانت الكلمة تاريخ، أصواتها ولسانها في الثقافة، فإن كلمة التيار الإسلامي في العراق هي الأخرى صوت من أصوات الثقافة العربية الإسلامية ولسانها في العراق. لاسيما وانه التيار الذي يعكس في خصوصيته ظهور وتبلور أحد نماذج ما ادعوه بالظاهرة الإسلامية المعاصرة. والظاهرة الإسلامية ليست فرضية أيديولوجية مجردة، كما أنها ليست مجرد "تسييس" للإسلام. فالجدل المتمحور حول ما يسمى "بتسييس" الإسلام هو من بقايا التحزب الأيديولوجي النابع من انعدام أو ضعف إدراكه للحقيقة القائلة، بان "الظاهرة الإسلامية" هي إحدى أهم واعقد الإشكاليات الثقافية السياسية بالنسبة للعالم الإسلامي. من هنا تنوعها وخصوصيتها.

فمن الناحية الظاهرية تبدو كما لو أنها مجرد إشكالية الدين والسياسة. بينما هي في الواقع إشكالية الوجود التاريخي والكينونة السياسية والثقافية لعالم الإسلام. وذلك لأن حصر هذه الإشكالية في ثنائية الدين والسياسة يعني إرجاع مضمونها التاريخي والثقافي إلى مجرد تكرار ونسخة باهتة لإشكالية الدولة والكنيسة، التي واجهها الغرب الأوربي وحلها بطريقته الخاصة. وهو حل ساهم في بناء الحضارة الأوربية (الغربية) المعاصرة وصروح القومية والمجتمع المدني والديمقراطيات الرأسمالية.

أما في عالم الإسلام فإن لها مقدماتها الخاصة. فقد برزت ظاهريا أول الأمر كما لو أنها شكلا من أشكال التحدي، بعد أن تحسس العالم الإسلامي للمرة الأولى انهياره شبه التام أمام الغزو الأوربي. حينذاك بدأت تطفو إلى سطح وجوده الاجتماعي والسياسي ردود الفعل المتنوعة، التي جرى تصويرها بعبارات التحدي واليقظة والنهضة والانبعاث والثورة وغيرها. وتعكس هذه الأوصاف لحد ما بعض جوانب الظاهرة الإسلامية لا حقيقتها.

من هنا، فإن الاجتهادات النظرية المتنوعة في مساعيها كشف علاقة الإسلام بالسياسة انطلاقا من تحسس هذه المواجهة أو التحدي للهجوم الأوربي الغربي تهدف في نهاية المطاف إلى بناء صرح تأويلي يؤيد أو يعارض هذه العلاقة لا إلى تأسيسها العلمي والعملي بمعايير الحاجة التاريخية والانتماء الثقافي. بينما ينبغي البحث عن جذور هذه الظاهرة أولا وقبل كل شيء في كيفية الانقطاع الذي حدث تاريخيا بين المرجعيات الثقافية والواقع المعاصر للإسلام في هذه المنطقة أو تلك. ومن هنا عالمية الظاهرة الإسلامية، باعتبارها بحثا عن المرجعيات الثقافية الذاتية.

وإذا كان تأثير الغرب الأوربي جليا وعميقا في إبراز الظاهرة الإسلامية إلى حيز المواجهة، فلأنها كانت تتراكم في الواقع باعتبارها جزء من تاريخ الثقافة الذاتية. الأمر الذي يفسر سبب الزوال التدريجي والاندثار الهائل لكمية ونوعية التأثيرات الغربية الأوربية في العالم الإسلامي في مجرى القرنين التاسع عشر والعشرين، بعد أن استثارت في عالم الإسلام الظاهرة الإسلامية نفسها من سباتها الطويل تحت عروش الاستبداد. من هنا، فإن صعود الظاهرة الإسلامية نفسها لم يكن رد فعل على الهيمنة الأوربية(المادية والمعنوية)، بقدر ما كان رد فعل على الذات.

واتخذت هذه المركزية الإسلامية في مجرى تطور العالم الإسلامي صيغا وأبعادا سياسية متنوعة ومختلفة، عبّرت بمجموعها عن حوافز المواجهة والتحدي واستثارة الإرادة، أي كل ما كشف سياسيا وثقافيا عن نزوع الإسلام للتعبير عن المصالح الجوهرية للعالم الإسلامي من خلال تحوله إلى "مشكاة" المواجهة الثقافية مع الغرب(الأوربي) آنذاك. فقد سعت المركزية الإسلامية، من الناحية التاريخية، إلى وضع أسس الرؤية النقدية تجاه التجربة الأوربية وتطبيقاتها السياسية والاجتماعية والأخلاقية في العالم الإسلامي. أنها أرست بصورة تدريجية معالم الوحدة الضرورية بين الوعي السياسي والاجتماعي المعاصر وبين تاريخ الأمم الإسلامية. وحاولت استعادة اللحمة المنفرطة بأثر الغزو الكولونيالي، بين التاريخ والوعي، بين الرؤية الواقعية ومرجعيات الثقافة الخاصة، بين البدائل ومصادر الوعي التاريخي والثقافي. ومن ثم إعادة ترتيب الأحجار الضرورية لبناء صرح التلقائية الفكرية في العلم والعمل. إلا انه كان صعبا عليها أن تتخذ في بادئ الأمر توجها سياسيا – دينيا صرفا، لأنها لم تتحدد بآلية النظام الثقافي المستقل. فهي لا تشبه بشيء آلية الإبداع الثقافي الإسلامي في  عصور الخلافة المزدهرة، رغم الاستقلال النسبي للعالم الإسلامي، بما في ذلك في أواخر مرحلة الدولة العثمانية. لهذا عانت الحركة الأولى للتلقائية الثقافية الإسلامية من انفصام حاد عن مصادر وعيها التاريخي، ومن ضغط الثقافة الأوربية. مما كان يعّرضها على الدوام لعواصف التغيرات المفاجئة والطارئة. من هنا سرعة انحلال التراكم الفكري والروحي والاجتماعي الأولى في أواخر الدولة العثمانية الذي ساهم في بلورة تيارات سياسية وفكرية جديدة ونشطة مع سقوط السلطنة وتجزئة العالم الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص. ورافق ذلك شرذمة القوى الاجتماعية والفكرية والسياسية. وكسر هذا التحول المفاجئ والطارئ تقاليد الرؤية المتراكمة في غضون قرن من الزمن. مما أضطر الوعي الاجتماعي إلى أن يقع من جديد في نفس آلية ما أسميته بالحركة الأولى للتلقائية الثقافية الإسلامية، ولكن ضمن شروط جديدة  تجسدت بسيادة الرؤية الدنيوية (العلمانية) وحركاتها السياسية (من ليبرالية وقومية واشتراكية وشيوعية وغيرها). وتعرض هذا التراكم بدوره في مرحلة النضال من اجل الاستقلال الوطني وما تبعها من الانقلابات العسكرية وصعود الدكتاتوريات الحزبية والفردية والعائلية والقبلية إلى كسر وهدم جديدين.

كشف هذا الانقطاع عن وجود هوة عميقة بين التاريخ الإسلامي وبين الواقع المعاصر، وكشفت في الوقت نفسه عن غياب الرؤية العقلانية والثقافية، وبالأخص عند الحركات السياسية، تجاه الإشكاليات الواقعية الكبرى. غير أن هذه الانقطاعات المفاجئة أدت أيضا إلى تعميق وترسيخ التوجه العام القائل بضرورة التأسيس الذاتي(الثقافي) للرؤية التاريخية تجاه الماضي والحاضر والمستقبل، باعتباره إحدى المرجعيات الفكرية الكبرى. وعليها أيضا ظهر التحسس الأولى لأهمية البديل الثقافي – السياسي. بمعنى تنامي براعم الرؤية التاريخية والسياسية عن ضرورة  التحّصن الثقافي، وما يترتب عليه من استقلالية حضارية في العالم المعاصر. وهو أمر جعل من التفعيل السياسي للإسلام جزءا من البحث عن البديل الشامل في حوار الحضارات وصراعاتها في العالم المعاصر.

لقد تحول الإسلام في تياراته المتنوعة واستقطابه المتنامي لمختلف القوى الفكرية والسياسية، إلى ميدان التحرير الثقافي للنفس. ومن ثم استعادة المركزية الثقافية الإسلامية على أسس جديدة قادرة في المدى القريب على إبداع نظما معقولة ومقبولة في العالم المعاصر، أي أننا نقف أمام إجماع خفي متراكم في الوعي الاجتماعي والسياسي المعاصر في العالم الإسلامي على ضرورة تأسيس نظم للحياة تستمد مرجعياتها الفكرية والروحية من التاريخ الثقافي للحضارة الإسلامية وأممها المتنوعة. ومن ثم تحول جهادها واجتهادها في مختلف الميادين إلى "قطب" روحي فعال في الصراع الحضاري، مع ما يترتب على ذلك بالضرورة من تفعيل سياسي لمكوناته الثقافية. فهي المرحلة الضرورية التي ينبغي أن تقطع أمم العالم الإسلامي ودوله أشواطها من اجل تكاملها المادي والروحي في نظم حكومية وسياسية وثقافية على المستوى القومي والإسلامي والعالمي.

غير أن هذا التكامل مرهون بخصوصية الظاهرة الإسلامية في هذا البلد أو ذاك. الأمر الذي يدفع إلى الأمام هذا الجانب أو ذاك باعتباره القضية الجوهرية لما أسميته بأشواط التكامل المادي والروحي في نظم حكومية وسياسية وثقافية. ولا تشذ الظاهرة الإسلامية في العراق عن ذلك.

ففي العراق تندفع إلى الأمام قضية الدين والدنيا، وعلاقة الديني بالدنيوي إلى الأمام باعتبارها القضية النظرية والعملية الأساسية لبناء النظم الحكومية والسياسية والثقافية في العراق. بمعنى كيفية حل هذه الإشكالية من وجهة نظر المشاركة البناءة للحركات الإسلامية في إعادة تعمير العراق على كافة المستويات، وبما يضمن بناء دولته العصرية ومجتمعه المدني ونظامه الديمقراطي والحقوقي الشامل. ولا يمكن حل هذه المهمة على المستويين النظري والعملي بصورة متجانسة دون إعادة تأسيس هذه الثنائية بصورة واقعية تأخذ بنظر الاعتبار ما ادعوه بمعاصرة المستقبل. وذلك لأن علاقة الديني بالدنيوي هي علاقة متغيرة ومتنوعة المستويات. إذ تختلف هذه المهمة من الناحية النظرية بالنسبة للتيار السنّي والشيعي بشكل عام، وفي العراق بشكل خاص.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن كل ما أضعه هنا من أفكار حول "التيار السنّي" في العراق هو مجرد رؤية محتملة لما يمكن أن تكون عليه الحركة الإسلامية السياسية المتبعة لتقاليد الحركات السنيّة. ذلك يعني أنها حركة كامنة في العراق أكثر مما هي واقعية، وواقعية أكثر مما هي احتمال. بمعنى أنها جزء عضوي من الظاهرة الإسلامية بشكل عام وفي العالم العربي والعراق بشكل خاص.

ولعل أهم ما يخصه بهذا الصدد في العراق هو ضرورة الاهتمام بثلاث قضايا جوهرية وهي: أولا قضية إعادة تأسيس فكرة "الفرقة الناجية" صوب الاهتمام بفكرة جوهرية الحق وأولويته على الرجال، وثانيا قضية إعادة تأسيس "السنة النبوية" التقليدية ضمن الرؤية الواقعية لسنّة التطور التاريخي، وأخيرا تحويل الفقه الثابت ومدارسه التقليدية إلى فكرة ثبات القانون والاجتهاد فيه حسب متطلبات التطور الاجتماعي والسياسي الديمقراطي والمجتمع المدني.

وفيما يتعلق بالقضية الأولى ("الفرقة الناجية")، فإن ذلك يفترض العمل من اجل إلغاء فكرة الفرقة بمعناها النفسي والعقائدي والتنظيمي. بمعنى تحرير فكرة "الفرقة الناجية" من الفرقة والإبقاء على جوهرية النجاة فيها، عبر تحويلها إلى فكرة سياسية. وهو تحويل ممكن من خلال ربط مضمون الفكرة السياسية للنجاة بالعمل النظري والعملي على حل الإشكاليات الواقعية الكبرى بعد إدراكها بمعايير معاصرة المستقبل بشكل عام وفي العراق بشكل خاص. مما يستلزم بدوره العمل من اجل ربط الجانب السياسي للفكرة بأبعادها الحقوقية. كما انه ممكن من خلال تأسيس الأبعاد السياسية للنجاة بمعايير الحقوق. مما يستلزم بدوره نفي حق الحديث باسم "الفرقة الناجية" و"أهل السنّة"، والعمل بصفة حركة اجتماعية أو سياسية أو كلاهما. بمعنى العمل والمشاركة بمعايير الرؤية السياسية والحقوقية شأن كل الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية. فهي المقدمة الضرورية لتذليل التوتاليتارية الدينية ونفسية التقديس الأيديولوجية. إذ يؤدي هذا التحرير والتحويل في مضمون الفكرة إلى نقل اهتمام الحزب السياسي الإسلامي وحركاته الاجتماعية صوب المستقبل وليس صوب الماضي. بمعنى تحويل كل الرموز الكبرى مثل النبي والصحابة والتابعون وأئمة الفقه والكلام وغيرهم إلى مصادر ثقافية تساهم في تعميق وترسيخ الرؤية السياسية والحقوقية.

إن إعلاء شأن "المصدر الثقافي" في الرؤية السياسية والحقوقية للحركة الاجتماعية والأحزاب السياسية يساهم بصورة فعالة وغير مباشرة في تذليل فكرة ونفسية "الأصول" اللاهوتية. بمعنى المساهمة على جعل معنى ومضمون الاجتهاد فعلا واقعيا ومستقبليا. ولا يعني ذلك إزالة أو تذليل فكرة الأصول بحد ذاتها، بقدر ما يعني أن "الأصول" هي ليست كيانا مستقلا بحد ذاته مقدسا بهيئة "نصوصا" لا تقبل التغير والتبدل. فالنصوص أيا كانت هي "أبدية" ولا "تقبل التغير والتبدل". إلا أن قيمتها "الأبدية" الفعلية تقوم في قدرتها على أن تكون جزءا من "المعاصرة"، أي جزء من معترك تربية العقل النقدي ومساهماته الواقعية في حل الإشكاليات الجوهري الكبرى للتطور الاجتماعي. بعبارة أخرى، إن النصوص لا تقدم حلولا، بل رؤية. وأن معيارها "المقدس" هو بقاءها ضمن إطار الرؤية الثقافية، التي يستحيل تأسيسها في العالم المعاصر دون إيجاد الصيغة المناسبة لحل إشكالية الديني والدنيوي.

وفي واقع العراق المعاصر، فإنها ممكنة من خلال حل أربعة حلقات في سلسلة "الدنيوية العراقية"، وهي أولا تذليل سيطرة الديني على الدنيوي، أي أولوية الإيمان والعقائد الجاهزة على الرؤية السياسية والاجتماعية الضرورية، وثانيا تأسيس فكرة الدنيوية المعتدلة بقيم الانتماء الثقافي الذاتي، وثالثا ربط فكرة وقواعد الدنيوية بفكرة الحق والحقوق، وأخيرا تجسيد الدنيوية بوصفها منظومة حقوقية سياسية اجتماعية اقتصادية وثقافية. فهو التأسيس الذي يمكنه أن يكون أسلوبا للتطور المتجانس في العراق، ومقدمة لدمج فكرة "السنة النبوية" فيما ادعوه بمعاصرة المستقبل في العراق.

وفيما يخص القضية الثانية ("السنّة النبوية")، وإعادة تأسيسها ضمن الرؤية الواقعية لسنّة التطور التاريخي، فإن ذلك يفترض العمل من اجل عقلنة ماهيتها التاريخية والمجردة. وهي ليست مهمة تأويل صرف، بقدر ما أنها تنبع من حقيقة السنة النبوية، بوصفها نموذجا تاريخيا ومتساميا للثقافة الإسلامية. وهي حقيقة تجعل من "السنّة النبوية" كيانا محدودا من الناحية الثقافية، بمعنى انحصار قيمتها العملية المباشر في حدود العالم الإسلامي، مع أنها تحتوي شأن كل ما هو متسام في الفكر والتاريخ على قيم أوسع من حدوده الزمنية والجغرافية.

إلا أن القيمة الكبرى للفكرة تقوم أولا وقبل كل شيء في أبعادها الثقافية الخاصة. الأمر الذي يعطي لها أثرا ماديا وروحيا بالنسبة لتاريخ ووجود الأمم نفسها وكيانها المتميز. و"السنّة النبوية" هي من بين هذه الأفكار المتسامية. فقد مرت شأن كل فكرة متسامية بمراحل ثلاث هي مرحلة الصيرورة والتكون ومرحلة الكينونة التاريخية ومرحلة الكيان المجرد. ويمكن التعبير عن هذه المراحل  بمرحلة البداية والوسط والنهاية، أو الولادة والحياة والموت، أو العمل والفكر والاغتراب. والتعبير الأخير هو الأكثر دقة بالنسبة لرؤية الظاهرة من حيث كونها تيار تاريخي – ثقافي. بمعنى انه ظهر في ظروف تاريخية معينة وأثر في مجراها لاحقا واغترب عنها عندما تحول إلى كيان ميتافيزيقي (ماورائي).

فقد كانت "السنة النبوية" فعلا وقولا تاريخيا للنبي، أي أنها وثيقة الارتباط بوجوده وشخصه الكريم. من هنا كان القول فيها عملا والعمل قولا، بمعنى وحدتهما التامة. وفي وحدتهما شكلا الصيغة التاريخية والفعلية لوجوده الشخصي. ومن ثم لم يكن فيها آنذاك اثر للتقديس والتعالي بالمعنى الوجودي والديني. لكن حالما تحولت لاحقا إلى مصدر من مصادر العقيدة الإسلامية وأصلا من أصول الإسلام والدين والفقه، واختلط فيها الصحيح بالموضوع والكاذب بالحسن والمقبول بالضعيف وما شابه ذلك من التقييمات الدقيقة، فإنها تحولت في الواقع إلى جزء من تاريخ الثقافة. وهي حالة طبيعية بالنسبة لتطور الحضارات، بحيث تجعل من الرجوع إلى ما يبدو "سليما" و"صحيحا" و"حقا" مقارنة بما هو موجود، فعلا وقولا مندرجا ضمن الاجتهاد التاريخي للثقافة نفسها. ولم تتخلص السنّة النبوية من تأثير هذا القانون التاريخي للثقافة. أما المحاولات اللاحقة لجعلها كيانا خارج التاريخ وفوقه وتجميدها الكمي والنوعي وتقديسها الشامل، فانه قد أدى إلى اغترابها الفعلي عن مجرى التاريخ الفعلي وإشكالاته الواقعية. بعبارة أخرى إن دمج مراحلها الثلاث في مكونة واحد، أي دمج مضمونها الأولي والتاريخي والمجرد، بوصفها مكونات مختلفة، في كل واحد أدى إلى تقييد كل شيء فيها، وبالتالي إلى "تقديسها".

ولم يعن تقديسها من الناحية الفعلية سوى اغترابها التام عن إشكاليات التاريخ والواقع. من هنا أثرها الكبير، على الأقل من الناحية الفكرية في تجميد وتكلس الإسلام تاريخيا وثقافيا. فقد كان هذا النوع من "السنة النبوية" أحد مصادر وأصول التأخر التاريخي للإسلام والعالم الإسلامي. إذ لم يعن تحويلها إلى أصل أولي وجوهري ومرجعية حياتية شاملة، سوى فرض صيغتها الشكلية المقيدة للإنسان والمجتمع والثقافة. بمعنى وضعها بالضد من مصادر وأصول التطور والتغير. بينما المهمة الآن تقوم في إعطائها موقعها الضروري في الرؤية الإسلامية الواقعية من خلال تحويلها إلى نموذج معقول يساهم في قبول سنة التطور غير المحدود وغير المحدد، بمعنى تحويلها إلى نموذج للرؤية العملية الباحثة عن حلول وبدائل. وهو تحويل ممكن في حال الإقرار المنهجي بنظرية الاحتمال الدائم ومعاصرة المستقبل. مما يفترض بدوره "رمي النصوص" والتعلم من محتواها التاريخي – الثقافي. بمعنى جعل السنّة النبوية أحد النماذج التاريخية والثقافية الكبرى للعقل النظري والعملي المعاصر والنظر فيها بمعايير المستقبل. بمعنى تقديم صيغة عقلانية جديدة للرؤية الإسلامية عن سنّة التطور، لاسيما وأنها الرؤية التي تتمتع بتاريخ عريق وعميق في مختلف صنوف وعلوم الفكر الإسلامي. وهي صيغة ممكنة في العالم المعاصر من خلال ربط فكرة "السنّة" أو القانون الكوني للتطور والتغير والتبدل بفكرة الأصول العقلية. وهو ربط يمكنه أن يحرر "الأصول" الإسلامية التقليدية من مرجعيتها كما هي. وفي هذا تكمن إحدى مقدمات تذليل ذهنية ونفسية "الأصولية" "السلفية" وغيرها من نماذج التحجر الفكري والمذهبي. كما أنها تتضمن في أعماقها إمكانية جعل فكرة الأصول مرجعية. بعبارة أخرى إن المهمة تقوم في جعل فكرة الأصول مرجعية ثقافية لا الأصول التقليدية كما هي. وعلى هذا الغرار وبأثره تصبح فكرة السنة النبوية مرجعية ثقافية مهمة لتأسيس فكرة وضرورة التطور والتغير والتبدل بالشكل الذي يستجيب لمعاصرة المستقبل.

أما بالنسبة للقضية الثالثة المتعلقة بتحويل الفقه الثابت ومدارسه التقليدية إلى فكرة ثبات القانون والاجتهاد فيه حسب متطلبات التطور الاجتماعي والسياسي الديمقراطي والمجتمع المدني، فإنها تفترض في البدء صياغة تحديد جديد لماهية الفقه الإسلامي. وينبغي أن يتركز هذا التحديد حول الفكرة القائلة، بأن حقيقة الفقه تفنن في اكتشاف وإدراك وتحقيق المعنى في النصوص والأحداث والوقائع والمستقبل. فهو التحديد الذي يحرر الفقه من تكرار النصوص والخوض في غمار مياه آسنة أو جدول صغير يعتقد السائرون فيه أنهم يغوصون في أعماق البحر. ويعيد التكرار الممل في حفظ المتون وأمهات الكتب إنتاج هذا الوهم عوضا عن أن تكون مجرد تمارين ذهنية للتعامل مع إشكاليات الواقع بروح المعاصرة. وليس المقصود بالتحرر هنا سوى التحرر من أحكامه القديمة، وإعادة النظر بتقاليد الرؤية الفقهية نفسها. فهي تقاليد مازالت أسيرة الفلسفة القديمة عن الأصول، بينما تفترض الرؤية الفقهية الجديدة صياغة فلسفة جديدة للأصول تعنى بإعادة بناء الكيان النظري للفقه الإسلامي من خلال إعادة ترتيب الأولويات في رؤيته للأصول نفسها. وهي إعادة ينبغي أن تستند إلى مرجعية فكرة الأصول.

وهذا بدوره يفترض جعل الفقه فلسفة الحق الإسلامي وبناءه على أسس منهجها العام هو البحث عن علل الأشياء وأسلوبها العملي هو الظن العقلي. مما يستلزم بالضرورة تأسيس فكرة إلغاء ذهنية ونفسية التحريم فيه. والأسلوب النظري والعملي لذلك يقوم في تحويل جهود الفقه النظري والعلمية صوب الاهتمام الدائم بقضايا الرؤية العقلية الحقوقية. وبالتالي جعل الفقه في مختلف اجتهاداته جهادا من اجل الحق والحقيقة. وهي مهمة يمكن إنجازها فقط من خلال تحويل قواه الذاتية صوب المباحث الاجتماعية السياسية. بمعنى العمل من اجل بناء منظومة من فقه حقوق الإنسان المدنية، ومنظومة من فقه الدولة الشرعية، ومنظومة من فقه الحكم الديمقراطي (نظام الشورى العصري)، ومنظومة من فقه الحقوق الاقتصادية وغيرها من جوانب حياة الفرد والمجتمع والدولة.

أما التيار الشيعي، فإنه التيار الفعلي والواقعي للظاهرة الإسلامية في العراق. بل انه يتعدى ذلك من حيث اندماجه العضوي في نسيج الصيرورة التاريخية والكينونة الثقافية والروحية للعراق. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إليه، باعتباره الحامل الفعلي لفكرة البدائل الإسلامية في العراق. لاسيما وانه كان على امتداد كل تاريخه المعاصر ممثل روح التمرد والدعوة للحرية والنظام الاجتماعي والعدالة. وهو تاريخ يضع أمامه في الظروف الحالية أكثر من أي اتجاه إسلامي آخر مهمة المساهمة النظرية والعملية في صياغة وتجسيد الرؤية العقلانية والواقعية لآفاق البدائل السياسية الثقافية في العراق.

إن الأثر التاريخي للتيار الشيعي وآفاقه يفترضان مساهمته الفعالة في حل إشكالية الديني والدنيوي انطلاقا من ظروف العراق الحالية. وهي مساهمة تفترض إعادة النظر، استنادا إلى فكرة ومعايير معاصرة المستقبل، بثلاث قضايا وتأسيسها الجديد. وهي أولا قضية "ولاية الفقيه" وذلك عبر تحويلها إلى فكرة ولاية قانون الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني، وثانيا قضية تحويل فكرة المرجعية إلى اجتهاد اجتماعي وسياسي يهدف إلى إشراك المجتمع في بناء الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني، وأخيرا قضية تحويل عقيدة "الإمام المنتظر" إلى نظرية البحث عن بدائل المستقبل الواقعي والعقلاني استنادا إلى جوهرية العدل في التراث الشيعي.

ومع أن فكرة "ولاية الفقيه" ليست جديدة في الفكر الشيعي، إلا أن أبعادها السياسية المعاصرة لم تعد اجترارا أو إعادة مباشرة لفكرة "الإمام" و"الناطق" و"الشيعي الكامل". كما أنها لم تعد، بأثر التحولات الكبرى التي جسدتها الثورة الإسلامية في إيران ونتائجها العملية فيما يخص بنية الدولة والنظام السياسي والثقافي، مجرد فكرة عامة وتجريدا نظريا.

فقد كانت "ولاية الفقيه"، بما في ذلك في صيغتها التي بلورها وجسدها الإمام الخميني، رؤية أولية تحاور بعض قواعد العقيدة الشيعية المتعلقة بمسألة "الغيبة" و"الإمام المنتظر" ودور علماء الدين في التعامل مع إشكاليات الواقع. وهي رؤية كانت تهدف أساسا إلى إشراك علماء الدين الشيعة في السياسة. بمعنى تفعيل الدور السياسي لفكرة الانتظار، التي كانت تعني واقعيا نقل فكرة وممارسة التقية إلى ميدان المسئولية الفردية والتاريخية لعلماء الدين الشيعة. وقد احتوت بهذا المعنى على تقاطع سياسي مع تقاليد "التقية" الشيعية، إلا أنها كانت تعيد إمكانية تمحورها المحافظ، وذك لأنها كانت محصورة بالأطر اللاهوتية لفكرة "الولاية". بعبارة أخرى، انها كانت تعيد إنتاج التشيع التقليدي ولكن بصورة فعالة، عبر توجيه شحنة الوجدان ونفسية التمرد على الظلم والجور، دون كسر منظومته بصورة جذرية، أي دون تقديم رؤية بديلة تستند إلى معاصرة المستقبل. لهذا كانت من الناحية الظاهرية تمثل تجسيدا للفكرة التثويرية، لكنها كانت تحتوي في أعماقها على نقيض لها. الأمر الذي أعطى للثورة الإسلامية في إيران طابعا محافظا. لقد كانت الثورة الإسلامية في إيران "ثورة محافظة". وهي مفارقة كانت تكمن في عدم حل الرؤية الأولية لفكرة "ولاية الفقيه" إشكالية الديني والدنيوي بالطريقة التي تذلل بصورة جذرية إمكانية إعادة إنتاج الرؤية التوتاليتارية نفسها. وذلك لان مهمتها لم تكن العمل من اجل اشتراك "المؤمنين" في السياسية وعلماء الدين في الحركة الاجتماعية السياسية، بل في "بنائها" بالطريقة "الإسلامية".

أما في العراق، فإن تكونه التاريخي المعاصر وتركيبته الثقافية قد جعل من التأسيس النظري لعلاقة الديني بالدنيوي اكثر انفتاحا وعقلانية عند أهل الفكر والنظر من التيار الشيعي العام. والقضية هنا ليس فقط في أن التيار الشيعي العراقي كان يتصف على الدوام بانفتاح واسع على مختلف التيارات الفكرية العالمية والعربية والعراقية، بل ولتحرره الكبير من تقاليد المذهبية المغلقة في موضوعاتها. ومن الممكن الإشارة هنا إلى الإبداع النظري لمحمد باقر الصدر. إذ نعثر في كتبه الشهيرة "فلسفتنا" و"اقتصادنا" (وما يقال عن احتمال "سياستنا") عن بطانة ماركسية مقلوبة. والقضية هنا ليس فقط في أن أسماء وموضوعات الكتب هي نسخ وموازاة للمكونات الثلاث الكبرى للماركسية، أي الفلسفة والاقتصاد والسياسة، بل وفي ردودها البديلة. وبغض النظر عن مستوى النقد الفكري فيها لمكونات الماركسية التقليدية، غير أن مجرد الاهتمام بها كان يعكس مستوى وطبيعة الاندماج الفعال في قضايا الفكر والواقع السياسي والفكري العراقي، أي أن موضوعاتها لم تكن اجترارا وتكرارا لما في "أمهات الكتب" و"متون الأئمة" وما شابه ذلك، بل محاولة ذهنية للمشاركة في إشكاليات المعاصرة آنذاك. وبهذا المعنى يمكن النظر إليها باعتبارها إحدى البدائل النظرية والعملية السياسية الشيعية المهمة في تاريخ العراق المعاصر. وذلك لأنها حاولت الخروج على الواقع مع البقاء ضمن بعض مرجعياته التاريخية والثقافية الكبرى – التشيع. وفي هذا تكمن قيمته التاريخية وأهميته بالنسبة  لمعاصرة المستقبل من جانب التيار الشيعي فيما يتعلق بإمكانية الحل النظري والعملي لمسالة "ولاية الفقيه". فهي القضية التي تشكل مضمون ولب الرؤية النظرية لمشروع النظام السياسي البديل في العراق. ويتوقف الحل الإيجابي لهذه القضية على كيفية تحويل فكرة "ولاية الفقيه" إلى فكرة ولاية قانون الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني، بمعنى التأسيس لفكرة الاجتهاد السياسي وليس العقائدي.

وهي المقدمة الضرورية التي يستتبعها حل القضية الثانية في سلسلة حل إشكاليات علاقة الديني بالدنيوي ضمن التقاليد المميزة للتيار الشيعي في العراق، ألا وهي قضية المرجعية والمرجعة. مما يفترض في البدء إعادة تأسيس فكرة المرجعية والمرجع الديني في التيار الشيعي المعاصر، بالشكل الذي يحولها إلى جزء من منظومة المرجعيات الثقافية.

فالمرجعية في التشيع هي مؤسسة لها أسسها المذهبية والعقائدية وكيانها التاريخي وأبعادها الروحية، أما المرجع الديني فهم أشخاص ورموز. بينما يفترض البديل أن تكون المرجعية فكرة منظومية تقر بمبادئ الاحتمال والتنوع وتحتوي عليها، وأن يكون المرجع منظومة مبادئ. فهي الصيغة التي يمكنها أن تعيد إنتاج الثبات التاريخي والمؤسسي للمرجعية الشيعية ولكن على أسس ثقافية جديدة مقترنة بمعاصرة المستقبل. وذلك لأنها الصيغة القادرة على أن تستعيض عن المؤسسة التقليدية بالمنظومة، وعن الأشخاص والرموز بالمبادئ  سوف تعطي للثبات أبعادا حركية. فمضمون الثبات فيها يتطابق مع المنظومة المؤسسة والداعمة لقيم التغير والتبدل والتطور والواقعية والعقلانية والنزوع الإنساني والديمقراطي. كما انه يضمن إمكانية إحكام مفاهيم وقيم التغير والتبدل والتطور بأوزان داخلية، هي أوزان الانتماء الذاتي والرؤية الثقافية. لاسيما وأنها أوزان لها تاريخها العريق ونماذجها المتنوعة.

فمن الناحية الظاهرية والعامة استطاع التشيع أن يكشف عن قدر هائل من الثبات في وجه كل الضغوط العنيفة التي مورست ضده تاريخيا من جانب مختلف القوى. ولعل التاريخ الحديث للعراق هو أحد اصدق وأعمق الصفحات الكبرى للتدليل على الاستعداد الهائل للتشيع في مواجهة التحديات الكبرى والبقاء ضمن حيز الانتماء الذاتي. بمعنى البقاء ضمن تقاليد الانتماء للمدارس الشيعية والتفاعل مع التغيرات الكبرى في مختلف الميادين. وهو بقاء وثيق الارتباط بمؤسسة المرجعية نفسها. ذلك يعني أن قيمة التشيع وقدرته على الثبات التاريخي، بما في ذلك قدرته على المحافظة على القيم الإنسانية وتمثلها الوجداني، قد ارتبط أساسا بمؤسسة المرجعية. غير أن هذا الارتباط الضروري المحكوم عليه بعنف الخارج لم يعد ضروريا في ظل الانفتاح المعاصر في العراق. وهو تغير وتحول ينبغي أن يجد طريقه إلى تحول وتغير في فكرة المرجعية نفسها. وهي مهمة ينبغي للتيار الإسلامي الشيعي أن يأخذ على عاتقه جهود تأسيسها العملي والعملي.

وإذا كانت الجذور العقائدية للارتباط المذكور أعلاه تكمن في فكرة وتاريخ "الغيبة"، فإن المهمة الأولية للفكر النظري ينبغي أن تسير في اتجاه فك هذا الرباط اللاهوتي وإعادة شده بطريقة تجعل منه رابطا وجدانيا بالتراث لا غير. بمعنى التأسيس للقيمة الوجدانية والتراثية للمرجعية في تاريخ "الغيبة" من خلال إعلاء شأنها الروحي باعتبارها رمزا ثقافيا خاصا لمعارضة الظلم والجور والطغيان والاستبداد.

فهي الرؤية التي يمكنها أن تكشف عن طبيعة الأبعاد التاريخية للمرجعية، أي النظر إليها باعتبارها كيانا تاريخيا له حدوده الثقافية. كما ينبغي توسيع مدى هذه الحدود من خلال جعلها جزء من معاصرة المستقبل. ويترتب على ذلك حل القضايا الفكرية المتعلقة بنموذج الممارسة السياسية وأسلوبها المنهجي، واقصد بذلك ثنائيات الخواص – العوام، والظاهر – الباطن من خلال إدراجهما ضمن معايير ومقاييس الممارسة السياسية العلنية والنظام الديمقراطي. وهي نتيجة ترتبط ارتباطا عضويا بتحويل مؤسسة المرجعية إلى فكرة متسامية، وترقيتها إلى مستوى المرجعية الثقافية. آنذاك يحصل التواصل النوعي الجديد بين التاريخ والمعاصرة، كما يحصل التكامل التاريخي – الروحي بين "الغيبة" و"المستقبل"، أي بين الأبعاد الروحية للمرجعية والوظيفة السياسية الجديدة لها عبر النشاط  النظري والسياسي للتيار الشيعي المعاصر.

ويمكن تجسيد هذا التواصل على المستوى النظري والعملي من خلال التأسيس السياسي الفعال لخمس قضايا أساسية كبرى بهذا الصدد وهي قضايا الهوية العراقية، والمجتمع المدني، ودولة الحقوق، والتعددية السياسية، والانفتاح الفكري. فهي القضايا المحورية بالنسبة للعلم والعمل المتعلق بإمكانية تفعيل المرجعية والمرجع بمعايير معاصرة المستقبل، وبالأخص إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن للتيار الشيعي في العراق تاريخ متميز فيها. إذ للهوية العراقية في التشيع قيم محلية ووجوه شعبية ومثقفة، دينية ودنيوية، مؤمنة وغير مؤمنة. ونعثر في مراقد الأئمة وتاريخ الحسينيات والعزاء، أي في الأفراح والمآسي على نماذج لتجمعات وتآزر المجتمع المدني. بينما تمثل التقاليد العلوية  – الإمامية أنموذجا أعلى لفكرة الحق الإسلامي، بمعنى احتواءها على صيغة وجدانية وحقوقية وتاريخية لجوهرية الحق بوصفه عدلا. كما نجد في تنوع وتباين واختلاف الحركات الاجتماعية والسياسية الشيعية واشتراكها في المبادئ المرجعية نموذجا معقولا للتعددية السياسية. وفيه تكمن أجنة الانفتاح على النفس والآخرين، بوصفه الضمانة المادية والمعنوية للخروج على المذهبية الضيقة وتقاليدها.

إن هذا التحول صوب معاصرة المستقبل يضع بالضرورة مهمة استكمال الحل المنطقي لعلاقة الديني بالدنيوي في التيار الشيعي العراقي من خلال الرجوع إلى نقطة البداية، أي قضية المهدي. فالمهدي هو ليس "نهاية التاريخ" بل بدايته الرمزية. وتمثل هذه الصيغة المعادلة المتكونة من التاريخ والعقيدة الإيمانية. وإذا كانت هذه المعادلة إحدى الصيغ الواقعية التي حفظت للشيعة وحدتهم المادية والمعنوية من خلال الدور الذي لعبته المرجعية بوصفها مؤسسة ورجالها باعتبارهم رموز شخصية وتاريخية، فإن معاصرة المستقبل تفترض تحويل عقيدة "الإمام المنتظر" إلى نظرية البحث عن بدائل المستقبل الواقعي والعقلاني. وذلك من خلال التأسيس السياسي والحقوقي لجوهرية العدل في التراث الشيعي. فالمهدي ليس من الهداية فقط، بل والمكون الجوهري لفكرة الانتظار، أي المستقبل. ومعاصرة المستقبل تفترض أن يكون الحاضر محور الاهتمام العلمي والعملي للحركة الاجتماعية والسياسية الشيعية من اجل توليف الأبعاد الروحية والعقائدية لفكرة "المهدي المنتظر"، بمعنى تحويل راهنيتها العقائدية إلى راهنية سياسية وثقافية. مما ينبغي نفيه بصورة عقلانية من خلال تحويل "انتظار الأشخاص" إلى "انتظار البدائل"، أي نقل الوعي الاجتماعي من انتظار المعجزات إلى تحقيقها في الفعل الاجتماعي – السياسي. فالبدائل لا تحتمل الانتظار، لأنها تستلزم بالضرورة العمل من اجلها. وذلك لأن فكرة البدائل نفسها هي اجتهاد دائم ضمن حيز الاحتمال والإمكان، أي ضمن حدود الرؤية العقلية وإشكاليات الواقع. وبالتالي فان تحرير الانتظار من الأبعاد اللاهوتية والعقائدية والمذهبية يتضمن في أعماقه تحريره من نفسية العوام وذهنية التقليد. حينذاك يمكن تحقيق "المهدي المنتظر" في مشاريع متعددة غايتها العليا هي فكرة الحق. فالمهدي هو الحق، والحق هو الواقع والمستقبل والهداية.

وفي تحقيق التيار الإسلامي بشقيه السنّي والشيعي في العراق للمهمات النظرية والعملية الكبرى المطروحة تكمن أيضا مقدمة اندماجهما التاريخي في حركة اجتماعية سياسية ثقافية في العراق، يمكنها أن تكون نموذجا لما ادعوه بالإسلام الثقافي، أي الإسلام القادر على حل إشكالية الديني والدنيوي في العالم المعاصر بما يضمن للعراق إمكانية الازدهار والتقدم والإبداع الإنساني الأصيل في مختلف المجالات. فهو الإسلام الوحيد القادر على الإسهام بصورة فعالة في معترك البدائل السياسية الثقافية ليس على النطاق العراقي والعربي والإسلامي فحسب، بل والعالمي أيضا. وذلك من خلال المساهمة في إرساء الأسس الواقعية لنقل إشكالية الديني والدنيوي من نماذج وتصورات واحتراب العقائد القديمة إلى جهاد المعاصرة والاجتهاد في دروبه الواقعية والعقلانية. أما الحلول الجوهرية والمستقبلية الكبرى، فهي تلك التي تتراكم من تجارب الأمم الواقعية. وهي تجارب تنفي مع كل خطوة حقيقية في ميدان الحرية والنظام، تصورات وأحكام وعقائد الماضي أيا كان نوعها وشكلها وحجمها. ومن ثم تفتح طريق الحرية الفعلية للحداثة بوصفه طريق الاحتمال العقلاني والإمكان الإنساني، أي طريق الدنيوية العقلانية الثقافية. وما عداها مجرد اجترار للزمن وتجارب ميتة سرعان ما تتلاشى وتندثر.

***

ا. د. ميثم الجنابي

  

حسن العاصيالقرن العشرين شهد تغيرات عميقة على مستويات الفلسفة والنقد النظري، تبدلت خلاله المفاهيم النظرية، التيارات الفلسفية، المدارس النقدية بصورة لافتة، وانعكس ذلك على الفكر بشكل عام. فهل نحن مقبلون على مرحلة ما بعديات، ما بعد الحرب الباردة، ما بعد الماركسية، ما بعد الحداثة، ما بعد العولمة، ما بعد الاستعمار؟ هي مجرد مصطلحات أم هي توصيفاً لمرحلة من عصر سريع التحول ولا يستقر على حال؟ أم أنها مؤشر على فترة انسداد ونكوص فكري؟

مازال النقاش متواصلاً في أوساط المفكرين والمثقفين وراسمي السياسات الاستراتيجية في العالم منذ أكثر من ربع قرن، حول نظرية المفكرين الأمريكيين "فرانسيس فوكويوما" عن النظام العالمي الجديد، ونظرية "صامويل هنتنغتون" عن صراع الحضارات.

والآن بتنا نسمع من بعض المفكرين عصر "ما بعديات" للدلالة على مرحلة ما بعد العولمة التي ارتبطت بكل ما هو أمريكي النمط والثقافة والمفهوم والصناعة. السؤال الكبير هنا هل تمكنت العولمة فعلياً من حذف الهويات القومية، وأسست عالماً إنسانياً خالياً من الحدود؟ أم أن العالم يتهيأ لمرحلة ما بعد العولمة، ذلك أن مشروع الأسواق المفتوحة والاقتصاد الموحد ينهار، ربما خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مؤشر على ذلك، وربما يتبعها آخرون لاحقاً.

يبدو أن حتى أمريكا نفسها خلال ولاية "ترامب" تحاول الفكاك من العولمة التي كانت لفترة قصيرة مضت رائدة لها. وإلا كيف نفسر سعي الإدارة الأمريكية الحالية التحرر من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، والتخلص من التزاماتها تجاه المجتمع الدولي، والانغلاق على نفسها والانكفاء نحو شعار "أمريكا أولاً" الذي كان شعار حملة ترامب الانتخابية. يترافق الطلاق الأمريكي مع القارة الأوروبية الفضاء الأقرب للولايات المتحدة جغرافياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، مع تصاعد الميول القومية والأفكار اليمينية حد الشوفينية والعنصرية في أوروبا، وتصاعد التمييز العنصري والكراهية ضد المهاجرين والأجانب الذي يعكس وجودهم في جانب منه وجهاً من وجوه العولمة.

في القرن العشرين

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات من القرن العشرين اختفت مفاهيم وقيم ونظم، وحلّت مكانها أخرى جديدة، فغاب عن المشهد مصطلحات مثل الصراع الأيديولوجي، النظام الاشتراكي والشيوعية، الحرب الباردة. وظهرت أفكار جديدة وتعابير وكلمات جديدة، مثل العولمة والحداثة، واعتبر بعض المفكرون الغربيون أن الاشتراكية قد تمت هزيمتها للأبد، وأن الرأسمالية قد انتصرت، وبهذا فإن التاريخ أوشك على نهايته كما قال المفكر الأمريكي المحافظ من أصل ياباني "فرانسيس فوكوياما" في كتابه "نهاية التاريخ" الذي ألفه عام 1992 بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، رغم أنه تراجع لاحقاً عن كثير من الأفكار التي وردت في كتابه، إلا أنه يمكن اعتباره نموذجاً للمقاربة، يعبر عن العديد من المفكرين الغربيين الذين روجوا لأفكار ما بعد الحرب الباردة. عالم القطب الأوحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية القوة الاقتصادية والعسكرية والتقنية الأضخم.

دخل العالم مرحلة جديدة بعد الثورة المعلوماتية والتطور الهائل في وسائل الاتصالات، والتمدد الواسع للشركات متعددة الجنسيات وتقدم آليات الاقتصاد الرأسمالي. أدى هذا إلى تراجع دور الدولة بالمفهوم التقليدي، وضعف الثوابت السياسية كالسيادة والوطنية والدولة القومية.

عقب أحداث أيلول/سبتمبر 2001 أقدمت الولايات المتحدة على احتلال أفغانستان والعراق، وأصبحت القوة الوحيدة المتسلطة على العالم، وفرضت إرادتها ومفاهيمها وأسلوبها على بقية الدول، بحيث تحول البيت الأبيض مركزاً للعلاقات الدولية. وقامت أمريكا بتنصيب نفسها قاض على العلاقات الدولية والثنائية والإقليمية والمحلية. كما سعت إلى إخضاع معظم الدول وغالبية الحكام الذين تحولوا إلى موظفين في الإدارة الأمريكية. وهيمنت الولايات المتحدة على مجلس الأمن وبقية المنظمات والهيئات الدولية وعلى منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد والبنك الدولي، وسيطرت على نظام الاتصال وشبكة المعلومات العالمية وعلى أهم الوسائل الإعلامية والأقمار الصناعية. بدا وكأن أمريكا سيطرت على العالم أجمع، وأن هذا الكون قدر له أن يتأمرك.

عصر ما بعد الحرب الباردة

بدأت مرحلة جديدة استبشرت البشرية معها قدوم حقبة مختلفة، تتراجع فيها أصوات التهديدات النووية وصراع الأيديولوجيات وانقسام العالم، نحو مرحلة من الهدوء واستثمار أموال سباق التسلح في تحقيق الرخاء والرفاه الاجتماعي للشعوب. وهذا يتطلب اتباع استراتيجيات سياسية واقتصادية وفكرية جديدة تعتمدها الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة التي تربعت على عرش العالم كدولة عظمى وحيدة.

ولكن هذا لم يحصل من سوء طالع الشعوب، ولم يصبح العالم أكثر أمناً ولا استقراراً من ذي قبل، بل على العكس تماماً، تفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم بكل عنجهية وغطرسة نحو المزيد من الحروب والقتل، وبذلك اضاعت أمريكا فرصة نهاية الحرب الباردة لصياغة استراتيجية مختلفة لجعل العالم اقل اضطراباً.

الأزمة المالية

كثير من المفكرين اعتبروا أن الأزمة المالية التي أصابت البنوك والشركات الأمريكية الكبرى في العام 2008 بمثابة مؤشر مهم على احتمال انتهاء عصر العولمة، ومرحلة السطوة الأمريكية باعتبارها تعكس مركزية رأس المال المالي. حيث يعتبر البعض أن الأزمة كانت اقتصادية وليست فقط مالية، وأدت في النهاية إلى سقوط السياسة الليبرالية الجديدة التي اعتمدت العولمة للهيمنة على اقتصاديات العالم. وقد شكل ربما تدخل إدارة الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" وضخ حوالي 600 مليار دولار لإنقاذ البنوك والشركات الأمريكية التي كانت قد أعلنت إفلاسها وانهارت، سقوط النموذج الرأسمالي، لأن الرأسمالية في الأصل تقوم على حرية السوق الذي يوازن نفسه دون تدخل الدولة.

إن حرية الحركة للبضائع والبشر، وارتفاع مستويات التجارة العابرة للقارات، وظهور الاتحادات التجارية الدولية، كل هذا أسهم في تسريع وتيرة النمو الاقتصادي العالمي بمعدلات غير مسبوقة، لكن الأزمة المالية عام 2008 بددت هذه الإنجازات، ووضعت العولمة على حافة السقوط.

فإن سألنا كيف ذلك، نقول إنه بدلاً عن حدوث طفرة اقتصادية كما هو الحال عقب خروج الاقتصاد من أية أزمة مالية، ما حصل هو العكس حيث تقلص النمو الاقتصادي العالمي بنسبة حوالي خمسين في المئة بعد الأزمة. هذا الانكماش الاقتصادي كان على حساب توزيع الثروة بصورة عادلة. أقدمت البنوك على رفع معدلات الإقراض والاستثمار في البورصة والعقارات، بدلاً من ضخ واستثمار الأموال في اقتصاد حقيقي يخدم الطبقات الوسطى والمتدنية.

عولمة العالم

العولمة التي بدأت في ثمانينيات القرن العشرين نتيجة تطور النظام الرأسمالي العالمي، والآفاق التي أحدثتها ثورة الاتصالات والمعلومات، وظهور البث الفضائي، ثم شبكة الانترنت التي أزالت الحدود السياسية والاقتصادية والثقافية بين الدول والشعوب، ومنحتهم فرصة التواصل فيما بينهم والتفاعل خارج قيود السلطة، ثم ظهر البريد الالكتروني، ومنصات التواصل الاجتماعي لاحقاً، التي أصبحت صوت القوى المقموعة في الأنظمة الاستبدادية، ومنبراً لخطابها السياسي والفكري.

العولمة هي امتداد وتطور طبيعي للرأسمالية، وتجاوز لعصر الحداثة، وهي بمثابة تحقق نبوءة المفكر الأمريكي "آلفن توفلر" وتجسيد للتطورات الهائلة التي ظهرت في مرحلة الموجة الثالثة على الأصعدة الفكرية والعلمية والتقنية، وهي أفكار روج لها توفلر وتوقع أن يتم المساس بسيادة الدول واختراق الهويات الثقافية للأمم الضعيفة، التي تعيش على هامش دول المركز الرأسمالي الصناعي المتطور.

وكان المفكر الأمريكي "توفلر" قد أصدر كتاب "صدمة المستقبل" العم 1970، وكتاب "الموجة الثالثة" العام 1980. وقد استعمل تعبير صدمة المستقبل للدلالة على التغيرات الاجتماعية المستقبلية التي توقعها، في دول العالم وخاصة الدول المتقدمة، ومنها القلق المتزايد الناجم عن تسارع وتيرة الحياة. وفي كتاب الموجة الثالثة ذكر ثلاث أنواع من الموجات، وكل واحدة منها تدفع نحو تشكل نمط محدد من ثقافة المجتمعات، وحين تتوفر إمكانية ولادة موجة فإنها تزيح الثقافة التي قبلها. فالموجة الأولى كانت بالمجتمعات الزراعية وامتدت حتى القرن السابع عشر ميلادي، وكانت هذه الموجة قد أزاحت المجتمعات التي كانت تعتمد على الصيد ولديها ثقافة بدائية.

واعتبر "توفلر" أن الموجة الثانية بدأت مع الثورة الصناعية في أواخر القرن السابع عشر لغاية منتصف القرن العشرين، ومن أبرز معالمها النظام التعليمي الموجه، وظهور الشركات بهيئتها الحديثة، واعتمدت هذه الموجة على التضخيم. تضخيم الإنتاج حتى يلبي احتياجات الجميع، وتضخيم التوزيع كي يتضخم الاستهلاك. تضخيم التعليم ليواكب الطفرة الصناعية والتقنية، ولإيجاد متخصصين والاستفادة من تعليم الجميع. جرى أيضاً تضخيم وسائل الإعلام كي تقوم بدورها في غسل عقول البشر، ونشر المفاهيم التي تخدم مصلحة القوى الصناعية، وتعميم ثقافتها على الشعوب والدول النامية. تضخيم صناعة الأسلحة كي تكون قوة ردع لاي تمرد وخروج عن الهيمنة الرأسمالية.

ثم ظهرت الموجة الثالثة منذ خمسينيات القرن العشرين، ومازالت متواصلة، وهي مرحلة ما بعد الصناعة. هي إيجاد مجتمع يعتمد على المعرفة والمعلومات كمورد رئيسي، نطلق عليه عصر الثورة المعلوماتية، عصر الفضاء، عصر القرية العالمية، عصر العولمة. هذا العصر يركز على الجودة والتنوع والإنتاج المعرفي، والمقدرة على التجاوب مع المتغيرات المتسارعة. وهو عصر يتوفر على طيف واسع من أنماط الحياة ووجود ثقافات فرعية، وسعي الشركات نحو التخصص. ويمكن للمعلومات أن تكون بديلاً عن الموارد المادية للأمم والشعوب. إن الطبقة العاملة قد تم استبدالها بطبقة أخرى تتكون من طبقة العقول العاملة، فهل نحن مقبلون على الموجة الرابعة من المسيرة التاريخية للرأسمالية؟

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

هل يشير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى انهيار فكرة السوق المفتوحة والاقتصاد الواحد؟ وهل نحن مقبلون على عصر ما بعد العولمة؟ وهل استيقظت أوروبا من صدمة خروج الشريك القوي؟ وماهي إمكانية انتقال العدوى إلى دول أوروبية أخرى، ومن هي الدولة المرشحة أكثر من غيرها؟ جميعها وغيرها أسئلة تشغل تفكير مراكز الأبحاث الأوروبية التي يسعى الباحثون فيها لمعرفة هل خروج بريطانيا أحد أعراض الأزمة المالية التي أصابت الاقتصاد العالمي في العام 2008، أم أنه فيروس معدي سيتنقل لمرشح آخر.

الأزمة المالية تسببت بتقليص حجم النمو الاقتصادي العالمي، وعمقت من مبدأ عدم المساواة وتفشي ظاهرة رفض الحدود المفتوحة، وكذلك النقمة على القادة السياسيين التقليديين. ويلاحظ أن نسبة حصول الأحزاب التقليدية الأوروبية في الدول الأعرق ديمقراطياُ، قد تقلصت انتخابياً إلى نحو ثلث الأصوات بعد أن كانت تحصل على ثلثي الأصوات قبل الأزمة المالية. كما يلاحظ تنامي الغضب الشعبي على القادة والزعماء الأوروبيين الذين انتخبهم الناس للتخفيف من سطوة الأزمة ولم يفعلوا شيئاً. هذا الغضب الشعبي الذي اعتبر أن نظام العولمة قد تركهم يواجهون مصائرهم وحدهم، تستغله الأحزاب اليمينية والقوى الشعبوية، التي توظف مشاعر الناخب الأوروبي التي تثقله الأزمات الاقتصادية، وتستثيره رؤية المهاجرين الذين يتوافدون على القارة الأوروبية، ويعتبر أنهم يسرقون الوظائف وينافسون على مصادر الرزق.

إن الثلاث عقود الأخيرة قبل الأزمة المالية شهدت نمواً في الاقتصاد العالمي، ساهمت فيه حرية الحركة والتجارة عابرة الحدود والتطور في التقنيات الحديثة والثورة الرقمية، وهو تطور أسهم في تحسين المستوى المعيشي للشرائح والعائلات الأوروبية، لكنه في ذات الوقت أدى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي لهذه الدول. وما بعد الأزمة لم تتعدى نسبة النمو الاقتصادي 2 في المئة وهو أقل مؤشر للتعافي الاقتصادي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ومن نتائج الأزمة المالية عام 2008 أن رفعت البنوك من معدلات الإقراض، وارتفعت الاستثمارات في البورصة والسندات المالية والعقارات، وهي قطاعات لا يستثمر فيها إلا الأغنياء، بدلاً عن أن يجري الاستثمار في قطاعات اقتصادية تسهم في خلق وظائف جديدة تخفف من حدة الأزمة. وهو أمر يؤدي إلى عدم العدالة الاقتصادية بين الدول وفي الدولة الواحدة. فبحسب دراسة لبنك سويسرا نجد أن من بين أكبر 46 اقتصاداً عالمياً، كان هناك 12 دولة تعاني من عدم العدالة في العام 2007، بينما بلغ العدد 35 دولة في العام 2017، مما يؤكد بوضوح اتساع ظاهرة عدم العدالة في توزيع الثروات.

قيام عالم آخر

إن كانت العولمة مجرد مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية، فإننا مقبلون على مرحلة جديدة في مسيرة النظام الرأسمالي، وظهور اتجاهات أو عولمات أخرى جديدة. سيرورة الحياة بالمعنى التاريخي لا يمكن اختزال أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في نمط واحد، أو عولمة واحدة وثقافة واحدة بات الجميع يتضرر منها حتى في معقلها.

من الطبيعي والحال هذا أن تتسع دائرة الرفض لهذا الغول المتوحش، ولهذا النظام الذي يتسبب في زيادة الأثرياء غنىً والفقراء إفلاساً، فظهر "التحالف ضد العولمة" الذي يضم ملايين المناهضين في العالم، وتم تأسيس "المنتدى الاجتماعي العالمي" في العام 2001 الذي يعقد اجتماعاً سنوياً بهدف تنسيق الحملات التي يقوم بها أعضاء الحركة العمالية لمناهضة العولمة، وتبادل وتطوير المعلومات حول خطط العمل. وهذا المنتدى بمثابة رداً على منتديات النخبة القوية من الدول التي تعطي نفسها الحق في وضع الاستراتيجيات الاقتصادية العالمية مثل "مؤتمر دافوس" الشهير.

في البرازيل ظهر "المنتدى العالمي للبدائل" أيضاً في العام 2001 بجهود قوى سياسية واجتماعية ومدنية معارضة للعولمة، بعيداً عن المواجهات التي كانت قد شهدتها كلاً من جنيف وبراغ وسياتل، لتبادل التجارب والأفكار والمقترحات حول البدائل المتاحة للعولمة في شكلها الحالي، ويستقطب سنوياً آلاف المشاركين من خمس قارات، ويحضره برلمانيون غربيون.

هل هناك إمكانية قيام عالم آخر؟

العولمة الراهنة ليست سوى شكلاً من أشكال الهيمنة الأمريكية، التي قسّمت العالم إلى أثرياء وفقراء، وهو ما يتطلب إحداث انقلاب في السيرورة التاريخية للبشرية. إن العالم الذي نعرفه لم يعد محكوماً من الأحزاب السياسية ولا من رجال السياسة، بل تحكمه الاتحادات الاقتصادية الدولية الكبرى مثل البنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية، والتجمعات الاقتصادية العملاقة لكبريات الشركات عابرة القارات.

لقد بات منطق حسابات الأسواق الحرة هو السائد والمقرر للسياسات العالمية، وليس البرلمانات الغربية التي تضم بين جدرانها مندوبي الشعوب المنتخبون. وانتقلت السلطة من السياسيين ليقبض عليها رجال الاقتصاد المسيطرين على وسائل الإعلام والاتصال، ويمتلكون المعلوماتية وتقنياتها الحديثة. بل لقد وصل الأمر إلى حد محاولة رأس المال المالي إحكام قبضته على قوت البشر واحتكار الغذاء في العالم.

من هنا تبرز أهمية إجراء المقاربات الفكرية لتقديم أفكار وحلول لتحقيق العدالة في توزيع الثروات، وعدم الاكتفاء بالاحتجاجات والاعتراضات. حلول تضمن نمو اقتصادي مستدام للاقتصاد العالمي، وتطوير الحياة الديمقراطية، ومنح منظمات المجتمع المدني دوراً أكبر في المشاركة بوضع السياسات العامة، ثم رفع فاعلية المؤسسات الدولية ومنها الهيئات التابعة للأمم المتحدة. ربما أيضاً العمل الجماعي من قبل المتضررين دولاً وشعوباً، بهدف جعل نظام العولمة أو ما بعده نظاماً أكثر إنسانية اجتماعياً.

هل يمكن بالفعل تخفيف وحشية العولمة الراهنة التي تضع الجميع في ميزان الربح والخسارة بسوق البيع والشراء؟ هل تستطيع الأفكار البديلة رسم وجه آدمي للرأسمالية الأسحم؟ وهل تتمكن المنتديات والمؤتمرات البديلة من صياغة مستقبل للبشرية، مختلف عن المستقبل الذي ينتظرنا، أم أن المشاركين فيها ليسوا سوى يساريين متقاعدين من الحرس القديم الذين لم يستطيعوا التأقلم مع التحولات الوقائع الجديدة؟

بديل العولمة

حسناً، ما هو بديل العولمة؟ يبدو أنه عالم يتألف من قوميات بحدود مغلقة ويشهد صراعاً بين الحضارات. وربما أننا سنشهد عالماً مختلفاً لم نعهده بعد ولا نعرف ملامحه.

صاحب كتاب "رأس المال في القرن الواحد والعشرين" عالم الاقتصاد الفرنسي توماس بيكتي ، الذي صدر في العام 2013 حذر من أن معدل العوائد في رأس المال على هيئة الأسهم والفوائد والايجارات واستثمارات طويلة الأمد، هو أعلى من معدل النمو الاقتصادي على شكل الناتج القومي والدخل الفردي، هو أمر من شأنه مراكمة ثروة الأغنياء، إذ أنها تنمو بصورة أعلى من الناتج وأجور العمل، وبهذا يتضخم رأس المال المالي على حساب رأس المال البشري، فينال الأثرياء الحصة الأضخم على حساب بقية قطاعات المجتمع، والنتيجة عدم عدالة تصاعدي في توزيع الثروة، وتآكل تدريجي في الطبقة الوسطى بالمجتمعات.

على الدوام كانت الطبقة الوسطى بمثابة قلعة النظام السياسي الليبرالي الغربي، وتقلصها يهدد الأنظمة الديمقراطية. في فترة قبل عام 2008 كانت نسبة الحكومات الغربية تحظى بتأييد شعبي نحو الثلثين، لكن الآن انخفضت هذه النسبة إلى نحو الثلث.

هذا الاستياء الشعبي من الحكومات والعولمة استغله قادة الأحزاب اليمينية الشعبوية، أمثال ترامب في الولايات المتحدة وماري لوبن في فرنسا ومثل الذين قادوا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو انسحاب يعكس الغضب الاجتماعي الذي يلقي باللائمة على الأنظمة الحالية وعلى حرية التجارة وتنقل الأفراد والمهاجرين الذين يسرقون الوظائف.

في أعقاب أزمة 2008 انتعشت الأحزاب اليمينية الشعبوية العنصرية، ولاقت افكارها القومية المتطرفة قبولاً لدى قطاعات واسعة من الناس، بعكس ما توقع بعض المفكرين بأن تزدهر الأحزاب اليسارية بعد الأزمة. وهذا يعود في جانب مهم منه إلى فشل الأحزاب اليسارية والليبرالية الغربية في تقديم حلول للإشكاليات التي واجهتها الدول الغربية، وعجز اليسار على تقديم أية أفكار أو مشاريع جاذبة للجماهير، وكذلك عدم تمكن المفكرين والمثقفين اليساريين الغربيين من وضع منهاجية واضحة. هذا الضعف في قوى اليسار وانحسار دورهم أدى إلى تنامي فكر اليمين المتشدد.

فيما سبق توافق اليسار الأوروبي الضعيف مع الاشتراكيين الصينيين والرأسماليين الأمريكان على لغة العولمة، حين شجعوا فكرة التجارة الحرة، ووافقوا على مبدأ عدم المساواة في مقابل معدلات نمو اقتصادية سريعة ومتصاعدة. لكن في السنوات الأخيرة بدأ يعلو صوت الاحتجاجات الوطنية تدافع عن مصالحها ووظائفها ومصادر رزقها، ثم باشرت بعض الدول في اتخاذ إجراءات ضد العولمة. الإشكالية الحقيقية أن هذه التدابير تحمي الاقتصاد الوطني على المدى القصير، لكنها سوف تؤدي إلى عزلته وإضعافه لاحقاً، مما ينتج ركوداً ثم بطالة متزايدة ثم تضخم فأزمة اقتصادية جديدة.

بينما يتضح أن الطبقة المتوسطة هي المتضرر الأكبر، فإن المعركة الحقيقية بينها وبين نظام العولمة، ويبدو أن الموجة الرابعة سوف تشهد صراعاً طبقياً معاصراً، بين الطبقة المتوسطة ونظام العولمة، وليست بين التجارة الحرة والإنتاج المحلي، ولا بين اليسار واليمين. ما تحتاجه البشرية هو أيديولوجية تكفل العدالة الاجتماعية وتعادل الفرص، وإعادة توزيع الثروة بشكل منصف يسهم في نمو الطبقة الوسطى من جديد، وانتصارها على وحش الحداثة.

ماذا يفعل العرب؟

النخب العربية من مثقفين ومفكرين وسياسيين واقتصاديين وعلماء اجتماع، لم يتمكنوا من تجديد لا فكرهم ولا خطابهم ولا أدواتهم ولا منهجهم، كي يتكيفوا مع المتغيرات الكونية الكبيرة التي لم تدع شيئاً على حاله، ولم يتمكنوا من فهم منطق العولمة الكامن. إن المنهج التاريخي المقارن لم يعد صالحاً لفهم الظواهر الكونية المعقدة وتفسيرها، فلا بد من الانخراط البحثي المعرفي لاستنباط مناهج مختلفة لقراءة ومقاربة فترة ما بعد الامبريالية، ما بعد الحداثة.

أم أن العرب قبلوا أن يعيشوا على هامش المجتمع الدولي، وهل هم فعلاً جزء من ثقافة العالم؟ إن ثقافة أي أمة هي ما يحدد وجودها والمساحة التي تحوز عليها، وأسلوبها في رؤية الكون، وطريقتها في التحليل والتخطيط وترتيب الأشياء.

فإذا كان تجاوب العرب مع العولمة يواجه صعوبات جمة، إذ يعاني الاقتصاد العربي من هبوط في مستويات النمو، وفشل في سياسات التوافق بين التعليم وأسواق العمل، كما يعاني العرب من ارتفاع نسبة الولادات ، وعدم وجود نظم وطنية للعلم والتكنولوجيا والمعلوماتية، فإن مرحلة ما بعد العولمة، أو عصر الموجة الرابعة سوف تضاعف هذه التحديات في العالم العربي بوصفه يضم دولاً نامية تخضع لضغوط اقتصادية داخلية وخارجية، ولا يستطيع التكيف مع المستويات الفائقة من التطور والكفاءة والمهارات التي تفتقد لها الاقتصاديات العربية، وبهذا قد لا يكون أمام هذه النظم إلا التفكك لضعفها وعدم توفر إمكانية المقاومة لديها، أو ربما يحمل العصر الجديد الحافز لدي العرب إثارة روح التحدي، للقيام بتحولات اقتصادية ثقافية جذرية تسهم من خلال تفعيل العمل العربي المشترك في أن يكون العرب موجودين لا قوماً مندثرين.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

الحسين اخدوشسرّع ظهور مفهوم الإنسان على مسرح الفكر النظري للقرنين الثامن التاسع عشر الحديثين بانبثاق مشكلات نظرية جديدة في الثقافة الغربية، نجمت عن التأسيس المنهجي للإنسان (من منظور فلسفة التاريخ وبعض علوم الإنسان)، بالتالي ظهور مشكلة القيّم المشتركة وبروز مشكلة البحث عن كيفية فهم وتأويل الثقافة والروح الإنسانية بشقيها الداخلي والخارجي.

شكلّت كلّ هذه المستجدات الفكرية تحفيزا نظريا للبحث عن فهم جديد يستجيب للطابع "الكوسموبوليتي" (=العالمي) للإنساني كما أسّست له التصورات الإنسية للأنوار ضدّا عن تلك التصورات ذات النزوع  "الإثنومركزي"«Ethnocentrisme»، التي كانت قد خيّمت بظلالها على الدراسات التاريخية والثقافية منذ الاكتشافات الجغرافية الكبرى إلى قيام الحركات الاستعمارية أواخر القرن التاسع عشر.

والواقع انّه لم يكن بالأمر اليسير أن تُفْهم القيّم والمعايير الإنسانية على أنَّها كونية لو لا أنّ تَشَبّع الإرث الأنواري بالفهم الكوني للثقافة الإنسانية، وبالأخصّ لدى الذين نظّروا لفكرة التقدّم الإنساني وعلى رأسهم "كانط" «Kant» المفكّر الفرنسي "كوندورسي" «Condorcet» الذي آمن أشدّ الإيمان بوحدة مصير البشرية وقدرتها على تحقيق تقدّمها العقلي غير النهائي.

مهّدت الحداثة الفلسفية الغربية الطريق نحو ظهور مركزية إنسِية مكان المركزية اللاهوتية المطرودة من على مسرح الفكر النظري العقلي، فتحوّل بذلك النقاش الفكري (الذي كان في ما مضى جدالا بين الديني والعقلي) ليصبح في الفترة الحديثة حوار العقل واللاعقل. بذلك تبدّل النقاش في المسائل المعنوية والروحية لحياة الإنسان الحديث، حتى تلوّنت تلك القضايا بنماذج معيارية أخرى جديدة: قيمية وأخلاقية، تحتّل فيها الإنسية المُعَلْمَنة صدارة التشريع والتأسيس للقيّم الأرضية، ضدّا عن أية إمكانية للارتداد من جديد إلى القيم الدينية المتعالية؛ محقّقة بذلك إحدى تنبؤات الفيلسوف نيتشه عن إنسانية متحررة من كل أوهام الدين والمثالية السالبة للحياة الأرضية.

لكن الإحراج الذي تنطوي عليه هذه النظرة الجديدة من حيث هي تسويغ لكونية "القيّم الإنسانية" المُعَلْمَنَة، هو أنّ التحوّل الذي وقع بعد الانتقال من "النموذج التقليدي للمجتمع" إلى نمط جديد للحياة الاجتماعية والسياسية يوصف بكونه حديث ومعاصر، قد جعل هذه العلمنة أيديولوجيا تنصّب نفسها نوعا جديدا من اللاهوت باسم الناسوت الكوني الذي اقترح نفسه ديانة جديد للعصور الحديثة. 

إنّ النقاش حول مسألة العلمنة لم يكن أبدا مفصولا عن صراع قوى النظام القديم المتمثلة في الإقطاع المدعوم كنسيا مع القوى الاجتماعية الصاعدة المتمثّلة في البورجوازية الناشئة. لقد كان ذلك النزاع في عمقه السبب الاجتماعي والسياسي لمحاولة كبح تسلّط الفئات الأرستقراطية المتحالفة مع رجال الدين، فكان الحديث عن مدى قدرة الأديان على الاستجابة للتقدم النظري للإنسان إفرازا مباشرا لهذا الصدام الذي سينتهي بتحييد سلطة الكنيسة عن الفضاء العام.

أفضى النقاش حول هذه المسألة إلى طرح التساؤل: هل يمكن تحقيق تقدّم إنساني حقيقي باعتماد النظرة الدينية التقليدية للأمور؟ ألم تفقد الأديان التقليدية الكثير من جدواها الروحية المعنوية في غمرة التطور الهائل الذي تحققه البشرية في مسيرتها نحو اكتمالها التاريخي؟ وهل يلغي المنظور الكوني للإنسان التعدّد الخلاّق والاختلاف المبدع الذي ساد الثقافات البشرية على مرّ تاريخها؟

قد تكون الرّيادة الثقافية والصلاحية العقلانية للحداثة لا تحول دون نقدها من طرف دعاة الخصوصية القيمية والثقافية، الذين يستثمرون نقط ضعفها المنهجية المتمثلة في عدم تركيزها للنظر على وجود تفاوت واختلاف قيمي حتى من داخل الكونية نفسها. وتدعم هذا الرأي حجج كثيرة، تأتي على رأسها حجة انهيار المعايير الإبستيمولوجية والميتافيزيقية لليقينيات الكلاسيكية التي قامت عليها الحداثة العلمية التي تشكّل سند العلمنة نفسها.

غير أنّه لمّا عرَف أنموذج الذاتية، والذي تمحورت حوله الحداثة الغربية، نوعا من الاندحار والانحسار الفلسفيين وذلك منذ مطلع القرن العشرين، حيث تكشّفَت أزمة العلوم الأوربية مع "هوسرل" وظهر انسداد أفق النزعة الإنسنية مع "هيدغر"؛ فقد ظهر أنّه لم يعد بإمكان "بارديغم الذات" المؤسّس للعلمنة أن يصمد أمام صعود أنموذج نظري جديد تحتل اللغة صلبه.

الواقع أنّ لمفهوم العلمنة  (la sécularisation)أهميته في الفكر الغربي الحديث، نظرا لما أثاره من خلافات وتباينات فكرية في غاية من الأهمية، خصوصا ما يتعلق بعلاقته بالتراث الديني وبالحداثة. وقد شكل كتاب هانس بلومنبورغ «مشروعية الأزمنة الحديثة»  ترجمة للنقاش الدائر حول دور العلمنة في نقل الشعوب الغربية من الوقوع تحت هيمنة الكنيسة ورجالاتها إلى لحظة تحرّرية شملت كل مناحي الحياة الأساسية للناس. بيّن هذا الكتاب، بشكل أركيولوجي عميق، سبب نشأة الحداثة، وكيف أطاحت التأويلات العلمية لعقلانية العصر الحديث بالعصور الوسطى اللاهوتية المسيحية.

الظاهر أنّ النزاع الفكري حول مفهوم العلمنة قد بدأ يطفو من جديد على سطح النقاش الفلسفي المعاصر. ويبدو أنّ لانتقاد بعض نظار الفكر الغربي المعاصر لمحدودية أفق الحداثة دوره في استعادة مختلف الجوانب الروحية المنسية من طرف أيديولوجيا الأنوار الحديثة. لذلك، اعتبر "هانس بلومنبورغ" علمنة العصور الحديثة مفهوما جيّدا يُسعفنا في فهم كيفية تطور وتغير النسق الفكري للحداثة الغربية التي تشكّلت في سياق النزاع الطويل ضد التقليد التراثي الغالب على ثقافات الشعوب الأوربية للقرون الوسطى.

لئن كانت فلسفة الأنوار مع "كانط"، مثلا، قد دعت إلى تحرير الفرد من طغيان التقليد والأفكار الموروثة، بالتالي الحكم على الوقائع والأمور من خلال معايير العقل الممكنة وحدها؛ فإنّ ذلك كان يجد ما يبرّره في محاولة عصر الأنوار نقد ورفض كلّ وصاية وتسلط تريد التحكّم في إرادة الناس. من هنا كان ولابد من العمل على تحييد قوى التقليد التي تبرّر ذلك التسلط؛ وذلك لن يتأتى، بحسب أطروحة الأنوار، إلاّ بعلمنة المجتمع بالإعلاء من قيمة العقل والدعوة للحرية والمساواة وتحقيق تعاقد سياسي حقيقي يعكس مجموع الإرادات الفردية.

يظهر أنّ مشروع الحداثة الغربية الذي كان بمثابة علمنة شاملة للحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية ما كان له أن يتحقّق لولا تضافر العوامل الفكرية (العلم والفلسفة) مع بعض العوامل السياسية والثقافية الاجتماعية. غير أنّ هذه الحداثة نفسها سرعان ما ستظهر تناقضاتها وتبرز محدوديتها رغم كلّ ما وعدت به من تفاؤل؛ فهي، بالنهاية، لم تعكس كل أفعالها تلك الأقوال والدعاوي التي ادعتها أيديولوجيتها الأنوارية، بل ظلّت الغلبة والسيطرة ومنطق القوة طاغية على مناحي الحياة السياسية.

لقد أظهرت الأحداث الكبرى للقرن العشرين اندحار قيم الحداثة أمام سيادة منطق رأسمال، وقيام الحركات الاستعمارية مع ظهور الامبريالية والصهيونية التوسعيتين على حساب الدول والشعوب الضعيفة. ولعلّ في هذا الأمر ما يكفي ليكتشف المتأمل في أيديولوجيا الحداثة محدوديتها بمحدودية الدعاوي المؤسّسة لها.

 

الحسين أخدوش

 

سارة طالب السهيلحقا اننا نعيش معطيات  مجتمع ما بعد الحداثة عبر فضاء تكنولوجي واسع الافاق وثورة اتصالات غيرت كثير من المفاهيم الاجتماعية والثقافية وجمعت بين ثقافات الشرق والغرب في لحظة كونية ممتدة عبر الاثير، فبضغطت زر واحدة على هاتفك المحمول قد تتواصل مع العديد من الاشخاص في العالم ومن مختلف الثقافات لكي تتبادل الرؤى وكل ماهو مشترك انساني.

ورغم هذه الحقيقة، فان ذواتنا الحضارية والمخزون الثقافي لكل واحد منا قد يطل برأسه في هذه اللقاءات الالكترونية، فالانسان عبارة عن مخزن للمعارف والعلوم والثقافة المتوراثة خاصة الثقافة الشعبية وعلى رأسها الامثال الشعبية التي نتشربها من أهالينا ومن مجتمعنا كما نشرب كأس الحليب كل صباح، خاصة وانها وسيلة لتعليم دروس فن الحياة بشكل حكيم وايضا مرح، وكما تتنازع مضامين الامثال بين الحث على الفضيلة ونبذ الرذيلة، فانها تسخدم اساليب متنوعة بين الجد والسخرية لتوصيل هذه المضامين لمتلقيها.

ولاغرابة ان نجدنا مصبوغين ومختومين بختم الامثال الشعبية لانها ببساطة تجري منا مجرى الدم في العروق عبر تداولها عبر الاجيال والحقب الزمنية باعتبارها مرآة تعكس عاداتنا وتقاليدنا وافكارنا وقيمنا الاخلاقية والدينية ورؤانا الاقتصادية والسياسية والفكرية والفنية، على ذلك يمكن اعتبار المثل فلسفة شعبية لمنظومة حياتنا. 

فالأمثال الشعبية تمثل خلاصة خبرات الشعوب وحضاراتها وثقافتها ومنجزات عقلها الجمعي قديما وحديثا ايضا بما تحتويه من حكمة الايام والخبرات الانسانية طوال عقود، ولعل ما يبقيها على قيد الحياة هو ما تملكه من خصائص فنيه كالايجاز والايقاع الموسيقي مما يسهل حفظها وتناقلها، ولذلك قال ابن المقفع: "إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق وآنق للسمع وأوسع لشعوب".

المثل لغة واصطلاحا

المثل  في اللغة هو النظير والشبيه، كما تقول شَبهه، وشِبهه. واصطلاحا، فان  الأمثال هي العبارة الفنية السائرة الموجزة التي تضاع لتصوير موقفا أو حادثة ولتستخلص خبرة إنسانية يمكن استعادتها في حلة أخرى مشابهة لها مثل:" رب ساع لقاعد" و " ورجع بخفي حنين" و"الكلام لك واسمعي يا جارة".

كما يعرف المثل بأنه جملة قيلت في مناسبة خاصة، ثم صارت - لما فيها من حكمة - تذكر في كل مناسبة مشابهة، ويشترط  فيها الإيجاز وحسن التشبيه وإصابة المعنى وحسن الكناية.

وتنطلق الامثال الشعبية  من بيئة وفكر الجماعة الانسانية في اي مجتمع من المجتمعات البشرية لتعكس ببساطة موجزة وموحية نظرتهم للحياة، وهي نظرة مستقاة من واقع خبرتهم بها ومعايشتهم لها كواقع يومي مجرب مما يضفي عليها طابع الحكمة والديمومة، ولان خبرات الناس تنبع من واقع حياتهم وبيئاتهم، فان امثالهم تعكس طبيعة هذه البيئات المتنوعة، فأبناء البيئة الساحلية تصطبغ بصبغة بحياة البحر من مد وجزر وصيد وسفن وامواج عتية وسماء صافية ومعاني الاغتراب خلال رحلة البحث عن الرزق.

وتعكس الامثال الشعبية المستقاة من البيئة الزراعية قيم الاستقرار والتعاون ومن ثم التفاؤل بالمستقبل حينما يأتي وقت الحصاد بالخير الوفير "من زرع حصد "، بينما تعبر الامثال الصادرة عن البيئة الصحراوية قيم ومعاني الترحال بحثا عن العشب والماء وما يستتبعه من حاجة ملحة للصبر والتحمل.

خصوصية المثل

يتمتع المثل الشعبي  بالعفوية عبر استخدام لغة العامة السنة العامة وينفرد بابتعاده عن الرقابة وعدم معرفة قائله، كما ان ينطلق من تجربة وقصةانسانية فردية لكن مع تكرارها مع افراد أخرين يحولها لتجربة جمعية يشترك الكثير من الناس في معايشتها بحلوها ومرها مما يضفي عليها طابع انساني مشترك مثل "الحب اعمي".

ويستسيغ الناس المثل بكل سهولة لما يحتويه من بلاغة نافذة عبر عنها أبو اسحق النظام بقوله: " يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكتابة، فهو نهاية البلاغة.

الحكمة والمثل

تتشابه المثل والحكمة في كثير من الاحيان بسبب التقائهما في السرد والايجاز والسهولة والخبرة الانسانية، ومع ذلك فانهما يختلفان في الهدف والمصدر كما يقول الباحثون المتخصصون.

فالحكمة تعبر عن تجربة خاصّة يولّدها العقل بعد تحليلها؛ ليصل بعدد التحليل لحكمة يستفيد بها في حياته ويفيد غيره من خبرته، وقد عبر الخالق العظيم عن الحكمة بقوله تعالى "ومن اوتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا" فالحكمة ليست متاحة لأي شخص الا اذا كان عقلانيا حكيما. وقد عرفت الانسانية الكثير من الحكماء والحكم ومن امثلتها حكمة صينية لا انساها ما حييت وهي " من يعرف اكثر يغفر أكثر "، وفي عالمنا العربي جرت الحكمة مصبوغة بالشعر كما في أبيات المتنبّي: "إذا غامرت في شرفٍ مروم فلا تقنع بما دون النّجومِ.. فطعم الموت في أمرٍ حقير كطعم الموت في أمرٍ عظيم.

أما المثل فيكون نتاج لموقفٍ لحظيّ يُقال فيه قولاً فيصبح مثلاً، ولكنه قد يتقارب مع الحكمة إذا نتج عن تجربة مثل " لكل حيٍّ أجل، بعضُ الحُلُمِ ذلُ، يد واحدة لا تحمل بطّيختين، لن يصغي إليك أحدٌ حتّى تقول شيئاً خاطئاً ".

التقاء الامثال عالميا

من متابعتي لبعض الامثال العالمية وجدت ان الكثير منها يتشابه في  مضمونه وخبراته الانسانية بالامثال العربية، وهو ما يؤكد حقيقة ان الخبرة الانسانية المشتركة تتواصل بين الشعوب وتتجاوز حواجز المكان. وهناك الكثير من الامثال التي خرجت من البيئات الشرقية والغربية لكنها تعبر محتوى انساني  جلعها تنتشر في مكل مكان من ارض المعمورة، ومنها مجموعة الأمثال العالمية التي تدعو لاغتنام الفرصة مثل: (اطرق الحديد وهو ساخن)، و(اصنع كوخك والشمس ساطعة) وغيرها.

وكذلك تتشابك الامثال في المنطقة العربية، وتبعد عن القطرية بانتشارها الجغرافي في الميحط العربي كله مما يصبغ عليه صبغة انسانية مشتركة ومن ذلك العديد من الامثلة التي خرجت من البيئة الشعبية اللبنانية ولكنها عرفت طريقها لكل الشعوب العربية فصارت ملكا للجميع ومن ذلك: " آخر الطحين كركعة " ، "الحائط الواطيء كل واحد بيقفز عليه" ، و" ضربني وبكى وسبقني واشتكى " ، " اليد الواحدة لا تصفق... وغيرها.

ومن نماذج الامثلة الاجتماعية التي تعكس الخبرة البشرية المثل السويسري " من هز بيت جاره.. سقط بيته " وقد يقترب معها في المعنى المثل الشعبي العربي "اللي بيته من ازاز ما يحدفش الناس بالطوب " ، والمثل الايطالي " قناعتك نصف سعادتك " يلتقي في مضمونة بالمثل " القناعة كنز لا يفني ".

وكذلك المثل البولندي " فعل الخير مع ناكر الجميل مثل إلقاء ماء الورد في البحر" تقابلها بيت زهير بن أبي سلمى حكيم شعراء العرب " ومن يصنع المعروف في غيره اهله يكن حمده ذما عليه ويندم ".

اما المثل الفرنسي " إذا أردت أن تعرف رقي أمة فانظر إلى نسائها " يقابلها أمثولة الشاعر حافظ ابراهيم " الأم مدرسة ان أعددتها أعدت شعب طيب الاعراق"، والمثل الامريكي " كثيرا ما نرى الاشياء على غير حقيقتها لأننا نكتفي بقراءة العنوان"، والمثل الصيني " سلح عقلك بالعلم خير من أن تزين جسدك بالجواهر" ، والمثل الروسي أخطاء الاخرين دائما أكثر لمعانا من أخطائنا، والمثل الانجليزي " كل امرئ يصنع قدره بنفسه"، والاسباني "الإعجاب بالنفس وليد الجهل"، والايرلندي " اعط حبك لأمرأتك، وسرك لوالدتك "، والمثل الهندي "عامل ابنك كأمير طوال خمس سنوات، وكعبد خلال عشر سنين، وكصديق بعد ذلك"، والمثل التشيكوسلوفاكي " علمني أهلي الكلام، وعلمني الناس الصمت "، والمثل البرتغالي "على الذين يعطون أن لا يتحدثوا عن عطائهم، أما الذين يأخذون فليذكروا ذلك "، كل هذه الامثال تتقارب على اختلاف جغرافيتها وحضارتها من كل انسان على ارض البسيطة. 

امتزاج الأنا والاخر

علاقة الأنا  بالاخر في ثقافتنا الشعبية  تبدو في بعض الاحيان علاقة امتزاج او تكامل او تقارب في ثقافتنا الشعبية التي تجسدها الامثال بشكل واضح، ولذلك كانت هذه العلاقات المتشابكة محل العديد من الدراسات المتخصصة في هذا المجال ومنها دراسة للباحث  سيد إسماعيل  في كتابه "الآخر.. في الثقافة الشعبية"  لاحظ فيها أن الشعوب التي كانت تعيش ضمن الدولة العثمانية لديها قدر من الأمثال المشتركة أو المتشابهة، كما هو الأمر لدى الأتراك والعرب والأكراد والألبان، وذلك نتيجة  الحياة المشتركة بينهم التي امتدت 400-500 سنة، ضمن الدولة الواحدة والثقافة الواحدة (الإسلامية)، ويبدو في الأمثال أو الحكم المنسوبة إلى (نصر الدين خوجة) أو (جحا).

وقد وجد بين الأمثال الشعبية الفارسية والألبانية ما هو متطابق أيضا مع الأمثال الشعبية العربية مثل: (بيخاف من خياله) و(اللي بيطلع الحمار لفوق بينزله)... ومن الأمثال المتشابهة بين الأمثال الشعبية الفارسية والألبانية (النجاة في نهاية الفنجان) و(اللص الماهر يطفئ المصباح أولا).

وهناك أمثالا متشابهة في المعنى ومختلفة في التعبير مثل المثل الفارسي "أحرق لحيته بنفسه"، والمثل الألباني "ذهب الجدي بنفسه إلى القصاب"، والمثل الفارسي "الإنسان يحتاج إلى العقل لا إلى القوة"، والمثل الألباني " ماذا يفيدك المال والقطيع إذا ليس لديك عقل؟"،  والمثل الشعبي الفارسي" القرد لا يصلح للحفر على الخشب" يقابله في الألبانية " لا تدع الذئب يحمي الغنم"... وغيره.

وتم رصد التشابه والتطابق في الامثال العربية والالبانية  في أول كتاب جامع للفولكلور الألباني (النحلة الألبانية- 1878م) الذي وضعه الباحث والشاعر ثيمي ميتكو (1820-1890) ثم صدر لاحقا "أمواج البحر- 1908م"  للباحث والشاعر سبيرو دينه (1848-1922).

وفي هذين المصدرين، وجدت بعض الأمثال الشعبية العربية والألبانية المتطابقة أو المتشابهة مثل: " ما تزرع تحصد"، و"زلة القدم ولا زلة اللسان" ، " لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد "،  و" العمل يدل على الإنسان"، و" لقت الطنجرة غطاها"،  و"الصديق الصالح يدل على الطريق الصالح"، و" يرى الشعرة في عين غيره ولا يرى الحطبة في عينه"، وعكست مثل هذه الامثال  دلالات ثقافية واجتماعية وسياسية.

ضرورة الفرز

ورغم أهمية الامثال في حياتنا باعتبارها خبرةانسانية ضرورية للتواصل والاندماج الاجتماعي، الا ان بعضها يعبر عن مضامين تبعث على التشاؤوم او الانهزامية لدى بعض الشعوب التي وقعت تحت براثن الاحتلال، واخرى يدعو للتكاسل ويقلل من شأن الطموح والتطلع، وهو ما يتطلب منا ان نكون اكثر وعيا عند تلقي الامثال ويكون لدينا القدرة على فرز الغث من السمين منها.

ومن النماذج السلبية لهذه الامثال: "  اللي يباوع لفوق يتعب" و" اللي يبص لفوق توجعه رقبته"،  و"رايح فين يا زعلوك بين الملوك". فهذه النماذج اطلقت من قبل فئة اجتماعية عليا تحاول الحفاظ علي مكتسباتها وسلطاتها من ان تحاول الطبقات الدينا التطلع اليها والحلم بها.

وهذه النماذج السلبية للامثال الشعبية لابد وان نفرزها ونتخطاها ونأخذ بما ينفعنا ويبث فينا الامل للمستقبل ويدفعنا للعمل والنجاح والسلام والتعاون والرحمة.

 

سارة السهيل

 

سامي فارسالتعليم هو المرتكز الأساسي في عملية النهوض الحضاري للأمم وهو العمود الفقري في عملية التنمية والبناء والأعمار، وعندما ينحرف التعليم عن مساره الصحيح نتيجة العديد من الأسباب والمشاكل والمعوقات وطرق الفساد المتعددة يصبح التعليم عبئاً ثقيلاً على المواطن والدولة

الشعوب الحية هي التي تحترم المفكرين والمبدعين والمعلمين الذين يعملون على بناء الإنسان، هي التي لاتستسلم للفساد والتخلف والجهل بل تستلهم من التراث الفكري والحضاري وتستفيد من تجربتها الخاصة ومن التجارب العالمية المتشابهة لتغيير واقعها نحو الأفضل وتأمين  مستقبل ابنائها فتستمد العزم بالأعتماد على ثرواتها البشرية وتسخير طاقات وقدرات الشباب وخبرات الكفاءات وتشجيع رؤوس الأموال من " القطاع الخاص " ليكون سنداً وداعماً في عمليات الإعمار والبناء والتنمية المستدامة فيكون للقطاع الخاص الدور الفعال في تغيير الواقع فيساهم مساهمة جادة في التنمية والأعمار والأستثمار الأمثل بالتعليم

وأيجاد الحلول المناسبة والمعالجات فيعمل على أنشاء مؤسسات تعليمية لها مكانة عالمية تحقق مخرجات تعليمية ذات مستوى وجودة عالية  لتحقق  تعليماً ينافس التصنيف العالمي واقتصاداً تنموياً يسهم في عملية بناء الإنسان ومؤسسات الدولة

تجربة التعليم الأهلي بالعراق لم تكن حديثة العهد كما يظن البعض بل قامت العديد من المؤسسات التعليمية الأهلية والمتمثلة بالمدارس والمعاهد في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة التي اعتمدت على التعليم الأهلي في بداية نشأتها ولكن الظروف السياسية خلال الحكومات المتعاقبة التي عملت على محاربة وتهميش التعليم الأهلي وعدم أعطائه الدعم الكافي لينمو ، كما هي سياستها في محاربة وتحجيم القطاع الخاص في كافة المجالات فلم يحصل  على الدعم الكافي لينمو ويأخذ دوره الحقيقي في دعم الأقتصاد العراقي

وتلك السياسة جعلت من المواطن العراقي وخلال عقود طويلة مضت يعتمد على الدولة في توفير كل احتياجاته مقابل أمتلاك الحكومة السيطرة على الثروات البشرية والمعدنية  للبلاد وتقوم هي بتوزيعها حسب سياساتها الخاصة مما خلق العديد من المشاكل الإقتصادية المعقدة والتي من نتائجها البطالة والركود الأقتصادي في العديد من المجالات الحيوية في الصناعة والزراعة بشكل مأساوي وعدم مواكبتها للتطور العالمي وهذه السياسة ونتيجة عدم توفر البنية التحتية لايزال القطاع الخاص الى يومنا هذا يعاني من محاربة العديد من الفئات في المجتمع ويعامل على انه حالة غير صحيحة وذلك نتيجة الثقافة المتخلفة التي زرعتها الحكومات المتعاقبة في معاداتها للقطاع الخاص  ولأسباب سياسية وأقتصادية معروفة للجميع

بعد عام 2003 ونتيجة تغيير العديد من القوانين والتي تنص على دعم القطاع الخاص والأستثمار المحلي ومنها في مجال التعليم " الأهلي الخاص " أنشئت العديد من المؤسسات التعليمية من رياض الأطفال والمدارس والجامعات

حصل ذلك  نتيجة العديد من الأسباب منها تردي واقع التعليم العام في العراق وعدم قدرته على توفير العديد من المستلزمات الأساسية للعملية التربوية  والتعليمية وكذلك للظروف القاسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة والتي خلقت العديد من المعوقات والمشاكل المستعصية نتيجة الفساد الإداري والمحاصصة التي جعلت التعليم العام دون المستوى المطلوب وفي جميع المراحل دون استثناء من التعليم الأبتدائي الى التعليم الجامعي

وايضاً تلبية حاجة طبيعية نتيجة لمسايرة العولمة  والأنفجار المعلوماتي الهائل الذي يشهده العالم وتلبية الرغبة في التعليم بأعتباره حق مشروع لكل فرد في المجتمع مما أعطى الحافز الى انشاء العديد من المؤسسات التعليمية الأهلية لتوفر ما عجز عنه التعليم العام فأخذ التعليم الأهلي او الخاص يستقطب أعداداً كبيرة من الطلبة وعمل على أمتلاك هيئات تدريسية مؤهلة ذات كفاءات وخبرات أستمدها من التعليم العام خلال عقود مضت وأمتلكت بعض المؤسسات الأهلية  بنايات ذات مواصفات أكاديمية حديثة مزودة بوسائل تعليم تتناسب مع التطور الحاصل في وسائل التعليم العالمية فأنتشرت العديد من المؤسسات التعليمية الأهلية في العراق وتلك حالة إيجابية تجعل حالة التنافس فيما بينها لجذب الطلبة ، واختلفت هذه المؤسسات في حجمها وذلك حسب إمكانية المستثمر المادية والكفاءة وقدرته على توفير الأفضل والأحسن وهنالك العديد من المشاريع الصغيرة أصبحت أشبه بالدكاكين كما يطلق عليها  بعضها تحمل أسماء براقة همها الربح السريع في المقابل هنالك مؤسسات رصينة من المرحلة الأبتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعات والقائمون عليها هدفهم دعم التعليم في العراق والأرتقاء به ، وتلك حالة إيجابية سليمة من خلال الأستثمار الصحيح في التعليم ليكون رديفاً وطنياً وداعماً الى التعليم العام مما يستوجب على الدولة توفير جميع أنواع الدعم والوسائل المتيسرة لديها لينهض التعليم الأهلي بالعملية التعليمية ويأخذ دوره الطبيعي في عملية التنمية المستدامة ويعمل على سد الفراغ الحاصل في التعليم العام من خلال امتلاكه المرونة وقدرته على التغيير والتطوير

ان ماتوصلنا اليه جاء نتيجة دراسة مستفيضة وزيارات ميدانية في العراق الى الجامعات والمدارس الأهلية والتعليم العام وأطلعنا على تجربة مدارس المتميزين والموهوبين في بغداد والمحافظات ، وقمنا بمتابعة الحالات الإيجابية وتشخيص الحالات السلبية وذلك بالتعاون مع مراكز بحوث في جامعات عراقية وتوصلنا الى نتائج أهمها أن دعم التعليم الأهلي من قبل الدولة وتوفير له كل مستلزمات النجاح والتطور والنمو هو احد الحلول السليمة التي تعمل على إنقاذ العملية التعليمية

فلابد من تذليل الصعوبات والمعوقات وتوفير فرص التواصل مع المؤسسات التعليمية الأهلية العالمية  والأستفادة من الخبرات المتوفرة لديها في مجال المناهج والهيئات التعليمية والإدارية على ان تكون مخرجات التعليم الأهلي توازي المؤسسات العالمية في الجودة والكفاءة

قمنا كذلك بالتواصل مع الجامعات والمؤسسات البريطانية ومع المهتمين بالتعليم من البريطانيين  وتوصلنا الى مايلي

من اجل تحقيق الجودة العالية في التعليم لابد من تحقيق برنامج التطوير المهني والإداري للهيئات التعليمية والإدارية للمدارس الإهلية العراقية بالتعاون والتؤامة مع المؤسسات التدريبية البريطانية التي تتمتع بخبرات وتجارب تعليمية ثرية وذلك للإرتقاء بالتعليم الإهلي ليكون بمصاف التعليم في الدول المتقدمة .

لذلك نقترح تحقيق برنامج التطوير المهني النوعي للمؤسسات التعليمية من خلال الشراكات العالمية مع مؤسسات علمية وتدريبية

يستهدف برنامج التطوير المهني التعليمي الممارسات المهنية للهيئات التعليمية والإدارية ، والمشرفين التربويين، في إطار معايير عالمية، ووفق المتطلبات الأساسية والواقع المهني للفئات المستهدفة، واحتياجات التطوير والتغيير ، ويتم تنفيذ هذا البرنامج في إطار شراكة دولية تتمتع بخبرات وتجارب تعليمية ثرية ومتميزة.

ويقوم البرنامج بإعطاء المعلمين فرصة معايشة واقع التدريس في دول متقدمة، ضمن بيئة تعليمية متطورة، ونقلها الى العراق من خلال ورش عمل تطويرية وتأهيلية .وفق خطط سنوية تستوعب أعداداً من المتدربين القادرين على سد النقص الحاصل في التدريب في كافة مجالات التربية والتعليم والعمل على تإسيس برنامج رصين لوضع مناهج تعليمية تواكب التطور في مجال التعليم

لذلك نقترح ان يعقد مؤتمراً متخصصاً لتعليم في لندن من أجل الإطلاع على المؤسسات التعليمية البريطانية عن كثب وكذلك يحضره من المتخصصين بالتعليم في المؤسسات التعليمية العالمية مما يفتح الأفاق أمام التعاون مع المؤسسات العراقية يعقب المؤتمر ورش عمل ينفذ فيها برنامج التطوير المهني في التعليم بشكل عام وكذلك يشارك في المؤتمر من العراق ممثلي التعليم العام والتعليم الأهلي من المؤسسات الرصينة

ان توفير سبل نجاح ودعم التعليم الأهلي في العراق من قبل الدولة يفرض بالتالي استحداث قوانين وضوابط يكون بموجبها التعليم الأهلي يجب أن يكون ذو مكانة متقدمة في التصنيف العالمي للتعليم

وكذلك ان يكون داعماً وشريكاً حفيقياً للتعليم العام في العراق .

أن دعم الدولة للقطاع الخاص للأستثمار في التعليم هو ايضاً من التجارب العالمية التي عملت فيها الدول على دعم مؤسسات تعليمية عالمية ثم جعلت من القطاع الخاص راعياً لها وبالتالي تلك المؤسسات أصبحت ذَا مكانة عالمية متقدمة في التعليم في العالم

ومن الحلول لأنقاذ التعليم أيضاً  تشجيع الهجرة العكسية للأكاديميين العراقيين والتربويين من ذوي الخبرة والكفاءة

وتوفير الفرص المناسبة لهم لإدارة المؤسسات التعليمية في العراق في القطاع العام والأهلي وكذلك تشجيع الأستثمار الأجنبي الأكاديمي في بناء مؤسسات تعليمية ذات جودة عالية في العراق .

 

سامي فارس

الأمين العام لجمعية المدارس العربية التكميلية في المملكة المتحدة

..........................

ورقة عمل ملخص لدراسة عن واقع التعليم في العراق وكيف الأرتقاء به

 

 

عامر عبدزيد الوائليرهان الفلسفة: الفيلسوف لهذه القضايا ولتلك المشكلات عادة ما تكون أكثر عمقاً وأبعد غوراً من نظرة الآخرين لها. فهو عادة لا يكتفي برصد ما يظهر على السطح، بل يتجاوز هذه الظواهر الظاهرة إلى ما ورائها، إنه لا يبحث فيها إلا باعتبارها نتائج لأسباب أعمق يكشف هو عنها فتكون بمثابة الحفر وراء تلك الظواهر وتحتها، وتكون بمثابة الجذور لشجرة ذات جذع وفروع وثمار. أما الناس فلا يهمهم في حياتهم إلا تلك الثمار وبالطبع فإن كانت الثمار ناضجة وجميلة فهم آكليها وسعداء بها. أما إن كانت الثمار فاسدة فهم يأنفون منها ويبتعدون عنها دون أن يشغلهم السؤال عن مسببات هذا الفساد. وإن بحثوا فهم يتوقفون عادة عند السبب المباشر دون أن يخوضوا في جذور هذا السبب ومسبباته هو أيضاً .. إلخ ..()

الفرق بين الفيلسوف والانسان العادي من قضايا مجتمعه:

إن الفرق إذن بين نظرة الفيلسوف ونظرة الإنسان العادي، هو الفرق بين ما لا يندهش لما يصيب مجتمعه من أمراض وبلايا وإن اكتوى بنارها، وبين من تؤرقه هذه الأمراض فيظل يبحث ويبحث ويتأمل ويفكر حتى يصل إلى معرفة العلل البعيدة المسببة لهذه الأمراض. وبين نظرة الفيلسوف ونظرة الإنسان العادي توجد نظرة العالم الذي يندهش لهذه الأمراض فيكتفي – كما يحدث لدى علماء الاقتصاد والاجتماع والسياسة وغيرهم – برصدها ومحاولة علاجها بعد معرفة علتها أو سببها المباشر. والحقيقة التي لا ينبغي أن يفوتنا هنا التنبيه إليها هي أن التوقف عند السبب المباشر لأي مشكلة أو مرض يعاني منه المجتمع اقتصادياً كان أو اجتماعياً أو سياسياً – رغم أهمية ذلك – إنما يجعل الحل أو العلاج للمشكلة علاجاً وقتياً لأنه لم ينظر لهذه المشكلة أو لتلك الظاهرة المرضية نظرة شاملة قادرة على حل هذه المشكلة وما يرتبط بها وما يترتب عليها وما يتقاطع معها .. إلخ. إن هذه النظرة الشاملة لا يملكها بالقطع إلا الفلاسفة أو أولئك العلماء الذين درسوا الفلسفة أو لديهم سعة أفق الفيلسوف وعقله المبدع الخلاق.166

الاطروحة والاطروحه المضادة:

تستحضر معالجته بشكل غير مباشر الخطابات الغربية التي استلهمة التاريخ وفلسفته في تقديم صوره صراعية بين الحضارات تلك الصورة التي جعلت من المركزية الغربية ونظرية الاعراق الموجه الرئيس لها اذ جعلت من الغرب القطب الاوحد الذي يتخذ من الاستشراق وفلسفة التاريخ ونظرية العراق الموجه في نظرته الى الاخر وهو يؤرخ للمسيرة الفكر في ظل خطاب كونيال استعماري متمركز حول ذاته وصولا الى نظرية صراع الحضارات التي جاءت في ظل صراع كوني يغلفه نفس عنصري اصولي في النظرة الى الاخر المسلم بوصفه ارهابي كانت هذه هي الاطروحة المضادة التي تعمل النص على ايجاد معادل بل اطروحه اكثر انسانية منها انها اطروحة تقوم كما اشار لها الدكتور النشار بقوله:"علاقة الانا بالاخر جدلية الحوار والتعايش الحضاري " لانه عرف الحضارة انطلاقا من هذه الاطروحة بوصفها:" إن الحضارة هي التقدم الروحي والمادي للأفراد والجماهير على السواء"

مقومات الحضارة:

ان الحضارة الإنسانية نتاج التفكير العقلي للإنسان، وهي ناتج سيطرة الإنسان بعمله على قوى الطبيعة أولاً، وسيطرة الإرادة العقلية للإنسان على أهوائه ونزعاته ثانياً.

فهذه الاطروحه اكثر انصاف في التعامل مع الاخر بوصفه شريك وليس تابع واكثر تمدن في التعامل مع البيئة التي جاءت الحداثة برغبه كاسحة من اجل الهيمنة عليها وجعلها تخصع الى حاجات الانسان الغربي وهوائة الاستعمارية ونظرته الاستهلاكية بحجة اهليته وتفوقه العرقي والعقلي الذي كان يقوده شعور بالتفوق وهو يرفع شعار ازالة الاسطرة من العالم كان يساهم في الهيمنة علية واخضاعة وهو يتمركز حول ذاته الغربية،هذه الاطروحة رسمة مسار صعب اد الى تشيئ العالم والهيمنة عليه وتهديد السلم العالمي الذي كان كانط يرسم له رؤية اكثر تنويرية الا ان الكونيالية احدثت خراب وقادت الى تاويلات مختلفة وزيفت بها فلسفة التاريخ .

لكن اطروحة النشار كانت ترصد الاثار السلبية برؤية فلسفية عميقه فقد رسمت مسار مختلف للحضارة الانسانية بقوله: "إن الحضارة الإنسانية فيما أرى أشبه بنهر كبير تتعدد منابعه وتفريعاته لكنه يسير نحو مصبه بالكثير من الخيرات لبني البشر. كل ما هنالك أن مصدر حياة النهر ومنابعه طبيعية، بينما البشر هم من يصنعون نهر حضارتهم بأيديهم وبتوجيه من عقولهم المبدعة."

هنا برؤية استشرافية يرئ مسيرة الحضارات القديمة منها، والحديثة وصولا الى الاستنتاج الاتي:"وقد تطورت الحضارة الإنسانية عبر التقدم الذي أحرزه الغربيون منذ القرن السابع عشر وحتى الآن تطورًا هائلاً في كل مجالات الحياة وقد استفاد الغربيون بالطبع طوال هذه القرون بمشاركات وإبداع البشر في كل قارات العالم وقادوا ذلك بنجاح أحيانًا وبفشل أحيانًا أخرى".

رغم انه ياخذ من الفكر المركزية في فلسفة التاريخ الحداثي أي فكرة (التقدم) الا انه يمنحها في سياق اطروحته دينامية اكثر انفتاح وانسانية عندما يجعلها خارج التشيئ الحداثي، وتدخل في تناص مع تونبي ومنهجه في الحضارات يقول النشار:" أن التقدم الحضاري للإنسان تقوده أفكاره؛ فالحضارة في كل دورة من دوراتها إنما تبدأ بفكرة يبتدعها البشر الذين يقودون هذه الدورة الحضارية أو تلك".

الا انه يتجاوز الافق الغربي بالتاكيد على عامل جوهري في هذه الاطروحه وهو عامل كاد ينتفي في الاطروحة المظاده انه (العامل الاخلاقي)، بقوله:" إن الحضارة الإنسانية تقوم على دعائم أهمها: الفلسفة، والعلم، والأخلاق. وأي أمة تنجح في بلورة فلسفة جديدة أي تملك الرؤية الفكرية الجديدة المبدعة والخلاقة، ستكون لها من خلال ذلك فنونها وآدابها الأصيلة، كما ستكون قادرة على إبداع العلوم الجديدة، وفي ذات الوقت ستكون قادرة على تربية أبنائها وفق هذه الرؤية الجديدة متسلحة بلا شك بعقيدة دينية معينة سواء ابتدعتها أم استندت فيها على شريعة سماوية استلهمتها وأمنت بها" .

وهو يرى ان هذا العامل الذي كان المحرك في دينامية الحضارة الاسلامية بكل تجلياته هو الدين فهو الفكرة المركزية في الحضارة الاسلامية وهو الكامن وراء انجازاتها العلمية والعسكرية والسياسية انه الدين بقوله:" فقد كان المؤرخ الإسلامي يعي تماماً أن الدافع الأكبر لهذه البطولات العسكرية كان الدين وكان إنكار الذات. إنهم حتى حينما كانوا يؤرخون لسيرة الرسول × كانوا يؤرخون له بوصفه نبياً رسولاً وليس بوصفه بطلاً سياسيًا أو قائدًا عسكريًا" .ص34.

راهنية هذه الاطروحة:

الرهانية تكمن في اهمية الفلسوف وهو يتناول الواقع وما فيه من مشاكل بشكل نقدي يسبر الاغوار ويتعمق في البحث عن الظاهر واللامفكر فيه او المسكوت عنه وهنا ياتي الرهان أي الموضوعات المهمة التي تجذب الفيلسوف وتدفعه الى التامل النقدي ومن الرهانات المهمه ياتي رهانان مهما لهما كبير العلاقة بحياتنا هما: رهان العلاقة بالآخر، رهان الانا وما تعاني من تخلف وتراجع فكري .

رهان العلاقة بالاخر: (جدل "الأنا" و"الآخر")

لذا كانت لهذه الظاهرة أسباب كثيرة شكلت بطانة نفسية خلقت حول الأخر صور Imageنمطيه Stereotypeوتمثيل Mirepresent له قوالبه الجاهزة مما يجعله موضوع يتسم بالثبات "نجد أن عملية التنميط بوصفه تعميما مبالغا فيه حول سلوك أو سمات لأعضاء جماعات خاصة .فالتنميط العرقي racial والاثني Ethnic يمكن أن يكون ايجابيا أو سلبيا وعلى الرغم من انه كثيرا ما يكون سلبيا .ونجد أن العمليات التنميطية تتكون من عمليات تصنيف للجماعة المختلفة عن الذات، وتبسيط لصفاتها بشكل مبالغ فيه وتعميم ثابت نسبيا وملئ بإحكام القيمة ويرتبط بالفئة كعلاقة ملاصقة لها ودالة عليها "() والتنميط يؤدي كما تشير الباحثة إلى اختراع Othering بوصف العملية بجملتها لا تعدو كونها؛ إما موقف دفاعي عن النفس أو محاولة تحجيم الآخر لكن تبقى العملية ذات ثنائية بنيوية الذاتSubject / الآخرOther ومن هنا جاء مصطلحOtherness الآخرية إذ تشير إلى:التميز الذي يقوم به الإنسان ليفرق بين نفسه والآخر من حيث الاختلافات العقلية،والاثنية Ethnicوالجنسية Sexual.()، فقد تم التحول في خطاب الحداثة من خطاب التنوير الذي جاءت به الثورة الفرنسية إلى الخطاب الكونيالي القائم على الاستعمار والهيمنة من اجل البحث عن الأسواق والمواد الأولية والعبيد من هنا تم وضع أو بوادر الاستشراق من اجل معرفة الأخر حتى يتم السيطرة علية بعد الاستكشافات الجغرافية حيث خلفت تلك الأوضاع انقساما إذ لا ينقسم العالم فقط إلى غرب وشرق فهذا تقسيم تاريخي أساسه عقائدي وسببه النزاعات والحروب التي اندلعت على مر العصور والتي كونت الأحلاف والاستقطاب؛ ولكنه أيضا ينقسم إلى شمال وجنوب وهذا تقسيم جغرافي أساسه اقتصادي يكون فيه الشمال هو الغني المزدهر والمتطور والجنوب هو الفقير النامي والمستضعف ولذلك تكونت العقد والصور المزيفة وتكاثرت الانتقادات باحتقار ومخادعة دول المركز الموجودة في الشمال وخاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية وشمال آسيا ممثلة في الاتحاد الروسي واليابان لدول الأطراف ومناطق الظل الموجودة في الجنوب وخاصة في إفريقيا وأمريكا الوسطى واللاتينية وجنوب آسيا وشرق أوروبا وجنوبها.

نحو بناء معرفة مشتركة، وقد كانت البداية في معالجة هذا الامر من - الدكتور النشار - من خلال تقديم الاسؤال الاتي: ما الأنا والآخر ؟ وقد جاءت الاجابة بالشكل الاتي: " الأنا ":" المقصود بالأنا هو الأنا المصري – العربي – الإسلامي – الشرقي، بهذا الترتيب التصاعدي نحو الدائرة الأكبر انطلاقاً من الدائرة الوطنية – القومية الأصغر". وهي بنظره تتمثل بكونها هي "أنا" حضارية بنت أول الحضارات البشرية على أرض مصر القديمة وصاحبها حضارات الشرق القديم الخمس الكبرى؛ الحضارة الآشورية – البابلية الحضارة الهندية، الحضارة الفارسية والحضارة الصينية. فهذا التاكيد الذي يقدمه النشار يقوم على تحديد صفات الهوية الحضارية وهي بالتاكيد لي عرقية بل حضارية تبدء من الشرق القديم الا انها توقف عند ممهماز مهمه هو التوحيد " بين البناء الحضاري المدني – التقني – المادي وبين البناء الأخلاقي – الديني، فلم تفصل بين العقيدة الدينية الأخلاقية وبين السياسة بل كانت في المقام الأول حضارات أخلاقية تقوم في بنيتها الأصيلة على احترام الآخر بقدر احترام الذات أعني أنها قامت على أساس عدم التمييز بين البشر كافة واحترمت وجودهم وقدرت إنجازاتهم".

ان الفيلسوف النشار يؤكد على معياران مفقودان في الحضارة الغربية هما: الاخلاق واحترام الآخر، وهي معاير مهمه في تناول النشار وهو يعمل على الحفر في المتن الحضاري الشرقي الحكيم الاخلاقي المتسامح، يحاول ان يؤسس الى مايتجاوز الاحتباس الذي تعيشه علاقة الانا بالاخر وما تعانية من تخلف وهيمنة الفاقة وثقافة العنف التكفيري . رغم انه يؤكد ان هذه الرؤية لم يغب عنها البعد الصراعي التي عاشته تلك الحضارات القديمة من حروب ؛ الا انه يؤكد ايضا:" إلا أن هذه الحروب لم يسفر عنها مطلقًا استعباد الآخر أو النظر إليه نظرة استعلائية دونية، ولم تكن بأي حال حضارات عنصرية تمجد الذات وتنفي الآخر أو تحتقره. كما أنها لم تكن أبدًا بادئة بالعدوان، بل كانت دومًا حريصة على حسن الجوار، وعلى التعاون الإيجابي الخلاق مع جميع البشر وجميع الدول، ففي مصر القديمة تم عقد أول معاهدة في التاريخ بين رمسيس وخاتوسيل، وفيها مدت مصر بحضاراتها الرائدة وإمكانياتها التقنية العالية يدها لكل من أراد أن يتعلم منها وأن يستفيد فكانت تستقبل الأجانب من كل صوب وحدب، ومن المعروف أن معظم علماء الحضارة اليونانية وفلاسفتها قد تتلمذوا على الحضارة المصرية القديمة " وهو امر يظهر في نظرتها الى الاخر وتقبلها له في مدنيتها .

ثم انه يقف عند مفهوم مقابل الانا هو " الآخـر" فيقدم له توصيف يتفق مع تلك المقدمات التي تستحضر نقيض ما جاءت به الكونيالية من عنف واقصى فيعرف بالقول: " أما "الآخر" فهو الإنسان الغربي بداية من صانع الحضارة اليونانية القديمة حتى صانع المدنية الأوروبية والأمريكية في عالم اليوم" .

ويبدو انه يتقبل الفهم الذي قدمه الغرب الحديث والمعاصر بوصفه بنية متجانسة وهو وريث الحضارة اليونانية والمسيحية في حين هذا الكلام فيه نقود كثيرة فالحضارة اليوناني اكثر قرب من الحضارات الشرقية القديمة والاسلام منها من الغرب المسيحي ؛ لكن النشار هنا يقدم الى هذا الغرب نقد من خلال تقويم مسيرته في علاقته بالذات فيقول فيه:" إنه ذلك الإنسان الذي زرع "العنصرية" منذ فجر حضارته حينما استولى على الإنجاز الحضاري لحضارات الشرق القديم وبلورها في علوم وفلسفات ذات طابع نظري عقلاني في بلاد اليونان القديمة ثم تناسى ذلك فادعى كاتبوه – باستثناء قلة من المنصفين القدامى – أنهم نقطة البدء في الفلسفة والعلوم، فهم أول من أطلقوا لفظة Philo Sophia وهم أول من صاغوا نظرية هندسية على يد فيثاغورس، وهم من وضعوا أول صورة لمنطق التفكير الإنساني على يد أرسطو، كما كانوا أول من صنع أسس الفكر المثالي وأول نظريات فلسفية متكاملة على يد أفلاطون وأول من قاموا بفصل العلوم عن الفلسفة بدء من انفصال علم الرياضيات على يد اقليدس "

هنا يقدم الى نقد التمركز الغربي حول نفسه ويعمل حذف وتناسي الجهد الشرقي في تكوين او التمهيد للمنجز اليوناني طبعا هنا النشار لايفصل بين التصورات اليونانية والتصورات التي جاءت بها المركزية الاوربية بكل امتداداتها العنصرية التي اعتمدت على نظرية الاعراق

بقوله:" إذا كان ذلك كذلك في الزمن القديم، فهو لم يختلف مع بداية عصر النهضة الغربية الحديثة حيث اقتبسوا كل المنجزات الحضارية للعالم الإسلامي خصوصاً والشرقي عموماً وبدأوا منها عصر نهضتهم، فأصبح جاليليو وكبلر ونيوتن هم مؤسسو علم الطبيعة الحديث وليس العلماء المسلمون. وأصبح فيكو وليس ابن خلدون هو مؤسس علم وفلسفة التاريخ، وأصبح المنهج العلمي التجريبي هو نتاج أفكار بيكون ولوك وميل من فلاسفة الغرب المحدثين وليس نتيجة للتقدم العلمي الذي أحرزه العلماء العرب بفضل استخدام جابر بن حيان وأبو بكر الرازي والحسن بن الهيثم وغيرهم لهذا المنهج العلمي بكل مسلماته وخطواته ومراعاة الدقة في نتائجه! كما أصبح المنهج العقلي الاستنباطي هو نتاج عبقرية أبو الفلسفة الحديثة ديكارت وتناسوا تأثره بالفكر العقلاني الإسلامي ونقله لعبارة الغزالي "الشك أول مراتب اليقين"!"

فهو هنا يبين المنجز الشرقي القديم منه والاسلامي ودوره في تحقيق التحورت الحضارية المهمه والذي تعرض الى الحذف والتناسي من قبل الآخر الغربي هنا النشار ينطلق من اجل تقويم تلك العلاقة بين الغرب والشرق على اساس الاعلان العالمي لحقوق الانسان بالاتي:"لما كان الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم، ومن حقوق متساوية وثابتة يشكل أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، ولما كان تجاهل حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال أثارت بربريتها الضمير الإنساني. وكان البشر قد نادوا ببزوغ عالم يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة والتحرر من الخوف والفاقة كأسمى ما ترنو إليه نفوسهم ولما كان من الجوهري العمل على تنمية علاقات ودية بين الأمم، ولما كان من الأساس أن تتمتع حقوق الإنسان بحماية النظام القانوني إذا أريد للبشر ألا يضطروا آخر الأمر إلى اللياذ بالتمرد على الطغيان والاضطهاد، ولما كانت شعوب الأمم المتحدة قد أعادت في الميثاق تأكيد إيمانها بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الإنسان وقدره وبتساوي الرجال والنساء في الحق، وحزمت أمرها على النهوض بالتقدم الاجتماعي وبتحسين مستويات الحياة في جو من الحرية أفسح، ولما كانت الدول الأعضاء قد تعهدت بالعمل بالتعاون مع الأمم المتحدة على ضمان تعزيز الاحترام والمراعاة العالميين لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ولما كان التقاء الجميع على فهم مشترك لهذه الحقوق والحريات أمراً بالغ الضرورة لتمام الوفاء بهذا التعهد فإن الجمعية العامة تنشر على الملأ هذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بوصفه المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب وكافة الأمم، كما يسعى جميع أفراد المجتمع وهيئاته واضعين هذا الإعلان نصب أعينهم على الدوام، ومن خلال التعليم والتربية إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات وكيما يكفلوا بالتدابير المطردة الوطنية والدولية الاعتراف العالمي بها ومراعاتها الفعلية فيما بين شعوب الدول الأعضاء ذاتها وفيما بين شعوب الأقاليم الموضوعة تحت ولايتها على السواء (*).

فإن الفيلسوف النشار ينطلق من هذه الديباجه فيقول:" ولست أريد من "الآخر" الغربي سوى أن يعاملني وفق هذه الوثيقة الدولية بكل شفافية وبكل إخلاص" . ().وانطلاقا من تلك الوثيقة، فانه يقدم رؤية جديد تستنبت تلك الوثيقه وتعمل على تاصيلها من خلال تقديم البديل عن العنف الذي اقامه الغرب بحق الاخر الشرقي فجاءت رؤيته البديله تقوم على البحث في " أسس بناء المعرفة المشتركة للحضارة الإنسانية" أي البحث عن قواسم مشتركه ممكن تكون قاده من اجل بناء رؤية تقوم على المساواة بعيدا عن الخطابات العرقية القائمة على التمركز الاوربي كما جاء في نظرية الاعراق وتجلت في الخطاب الاستشراقي وفلسفة التاريخ، وهذه الاسس تتمثل:

(أ) الأصل الواحد للبشر: هنا ياتي التصور البديل على الميراث المشترك بين الاديان التوحيدية بوصفها كلها تعود آدم فيقول: " لا شك أنه من الضروري أن يتذكر الإنسان في كل وقت وفي أي مكان أنه لم يخلق وحده في هذا العالم، كما أنه لم يُخلق مميزًا عن غيره من بني البشر؛ فالبشر جميعاً لآدم وآدم من تراب" الا انه يعمل على التجذير الى ماهو ابعد من هذا عندما يعود الى فهمه للهوية الحضارية يحاول الجمع بين الفهم التوحيد والفهم المصري عن الحضارة العالمية فيقول " فقد أدرك البشر منذ إخناتون الملك والفيلسوف المصري القديم إمكان أن يتحد البشر في دولة عالمية واحدة وأن يخضعوا لقانون عالمي واحد وأن يؤمنوا بإله واحد وكان هذا هو حلمه الأكبر الذي حلم به وعمل على تحقيقه".

فانها يبحث عن اصول هذه الرؤية التي تمظهرت باشكال متنوعه ولعل اخرها في ما جاء به كانت حول السلم وتجلى في قانون عند جون رولز ()، وما جاءت به افكار العولمه من تصورات عن العولمة ؛ الا ان النشار يحفر في تاريخ الافكار فيجد انها تمظهرت في دعوات منها:" كانت دعوة الكلبيين من تلاميذ سقراط، كما كانت فكرة فلاسفة الرواق عن الأخوة العالمية والمساواة بين البشر وحلمهم بدولة عالمية واحدة يسود فيها المساواة بين البشر وتتوحد أهدافهم ومصالحهم في ظل قانون عالمي واحد هو القانون الطبيعي ذا الأصل الإلهي.ولا يخفي علينا أن الديانتين السماويتين الكبيرتين في العالم وهما "الإسلام" و"المسيحية" وكذلك الديانات الأخرى كالبوذية والكونفوشية بها نفس الدعوة إلى المساواة بين البشر. ونفس الدعوة توصل إليها الفلاسفة المحدثون منذ عصر التنوير، وهي التي تضمنها بلا شك الميثاق العالمي لحقوق الإنسان سواء في ديباجته أو في بنوده كما أشرنا فيما سبق" .من هنا فانه يحاول اكتشاف اصول متنوعه كلها تبين هذه الرؤية التي تتمثل بالعودة إلى إحياء الاعتقاد بالأصل الواحد للبشر فهو يراها مسألة ضرورية.

اما القاعد الثانية التي يقدمها فهي تقول على الاعتراف بالاختلاف بوصفه وليد البئية التمظهرت تلك الثقافة فيها:" اختلاف الهويات الثقافية باختلاف البيئات والمعتقدات" فهذه النقطه تعزز السابق ولا تنفيها فالإيمان المطلق بالمساواة بين البشر، كنتيجة طبيعية للأصل المشترك والواحد لهم لا ينفي أن كل مجموعة منهم قد التقت ونشأت في بيئة جغرافية مختلفة ومن ثم فقد تفاهموا بلغة معينة وتوصلوا إلى عقيدة معينة حول الوجود وتعايشوا معاً بعادات وتقاليد معينة.

فالعالمية كما تطرحها العولمة تتمثل بدمج والحاق ثقافات العالم بالثقافة الغربية وعلى وجه الخصوص تلك الثقافة الاستهلاكية والتي يراد لها ان تكون مقياس التحديث والكونية فهذا الامر غير مبرر فان البديل الذي نجده في فكر النشار يقوم على احترام الخصوصيات الحضارية ؛ لانها بنظره " عميقة الجذور لدى كل شعوب العالم، وأن هذه الهوية الثقافية لا يتنازل عنها أصحابها بسهولة خاصة إن كانت عناصر هذه الهوية لها عمق تاريخي طويل وتتعلق بمعتقدات دينية وأخلاقية مختلفة ومتمايزة. ومن ثم فإن علينا أن نؤمن جميعاً "الأنا" و"الآخر" بالتنوع الثقافي الذي يميز الحضارة البشرية عبر عصورها المختلفة. وأن ذلك التنوع هو مصدر ثراء هذه الحضارة ولم يكن أبداً مصدراً للقلق أو سبباً للاضطراب أو للصراع" .فهذه معالجه تقف مقابل ثقافة التشيئ والاستهلاك .ويكمل هذه النقطة بالنقطة الثالثة وهي تحق التوازن وتحارب التهميش والاقصاء الذي تمارسه العولمة وتقدم بديل انها:" التكافؤ الثقافي والحضاري" فهي مكمله لماسبق وتحقق انشاء فضاء عمومي عالمي يقوم على التواصل والتشاور لكن ضمن قواعد متوازنه وهو يقول عنها:" في اعتقادي أن أهم أسس بناء المعرفة المشتركة بين "الأنا" و"الآخر" الإيمان بأن لدى كل مجموعة من البشر كما قلنا ثقافة متميزة وروح حضارية مختلفة، وأن هذه الثقافة المتميزة والروح الحضارية المختلفة لدى أي شعب أو أي أمة تتكافئ مع ما لدى الشعوب أو الأمم أو الجماعات البشرية الأخرى، تتكافئ معها في القيمة بالمعنى المنطقي والعقلي، وكذلك بالمعنى الأخلاقي والاجتماعي والسياسي" .

اما النقطة الرابعه فهي " شيوع خطاب "الوحدة" الحضارية وإلغاء التصنيفات العنصرية" هذه النقطة هي تكثيف الى النقاط السابقه وبها تكتمل غايته في الحقيقة الوحدة الحضارية وفعالية التطور التي اسس لها منذ البداية فيقول:" فالحقيقة أن بشر الشمال لا يختلفون عن بشر الجنوب إلا في الظروف الطبيعية أو البيئية التي نشأوا فيها. وهذه الظروف بما تعنيه من مناخ طبيعي مختلف ومقدرات مادية متباينة لا تعني مطلقاً أن أولئك يتميزون عن هؤلاء أو أن هؤلاء أفضل أو أكثر ذكاء من أولئك" .

حتى يكتمل خطابه في ارساء تلك الوحدة الكونية الجامعة والتي يبدو معها " ان تلك المعرفة التي تزيح أي فواصل بين "الأنا والآخر" وتجعل من الممكن إذا خلصت النوايا وصدقتها الأقوال والأفعال إقامة حضارة مشتركة هدفها رخاء الإنسان، أي إنسان أيًّا كان موضعه أو لونه أو دينه" .

بهذا يكون تناول قضية من القضايا الراهنه وقدم توصيف لها مبين العوائق التي تواجها واقترح لحلول لها في تصويب العلاقة بين الذات والاخر .

رهان الانا وما تعاني من تخلف وتراجع فكري

بعد ان تناول علاقتنا بالاخر فانه يتوجه الى الشطر الاخر من الجدلية أي الذات وهي الرهان المهم في احداث التحول المطلوب كما اسماه هو "امراض المجتمع المصري ".

في مجال بحثه عن العوائق، فما يفعله ازاء هذا الحال انه هو ذاته مافعله ازاء علاقتنا بالاخر من خلال تشخيص الاخطأ، فانه يجد ان هذه الارض عطشى الى العدالة وهي ما كانت موجوده في مصر منذ فجر التاريخ " بكلمة واحدة هي الماعت Maat، تلك الكلمة السحرية التي كانت سر أسرار الاستقرار والإبداع الحضاري لدى المصريين القدماء، فقد تحلقت حولها أفعالهم وأقوالهم وطموحاتهم في آن معاً، كانت هي مطلب الشعب وعهد الساسة والحكام وأنشودة الحكماء والمفكرين. إن الماعت تعني في آن واحد العدالة والنظام، ولتلاحظ معي أيها المصري المعاصر أسبقية العدالة على النظام وشمول الكلمة ". فهذه العدالة سمة مهمه في فلسفة الحقوق،لهذا فان غيابها يعني هدم لهذا النظام والنشق العمي في الوعي الجمعي ومن اهم نتائج هذا الغياب هو هدم تلك القيمة العليا في نظام الحقوق والتي شخصها الدكتور النشار في الاسباب الاتية:

الوجع الأول: غياب العدالة والنظام (الماعت):الهيروغليفية للمعنيين معاً بهذا الترتيب، فالعدالة إذا تحققت بين الجميع وارتضى بها كل فئات المجتمع وطوائفه واطمئنوا إلى أنه لا فرق هناك بين حاكم ومحكوم في تطبيق القانون والالتزام به كان من الطبيعي أن ينتظم الجميع في أداء أعمالهم والأدوار الموكولة إليهم وأن يتناغم الأداء فيتحقق الانضباط والجدية ويعم الخير على الجميع وتنظم حركة المجتمع متجهة وجهه واحدة تنشد الخير للجميع.إن غياب النظام إذن وشيوع الفوضى إنما هو نتيجة طبيعية لعدم احترام القانون من كبار القوم قبل صغارهم، من الأثرياء قبل الفقراء، من السادة قبل الخدم، من الأقوياء قبل الضعفاء.()

الوجع الثاني: انهيار سلم القيم التقليدي:من المعروف أن المجتمع المصري طوال تاريخه من المجتمعات التي بنت حضارتها على الأخلاق والانضباط الأخلاقي المعتدل، فقد اكتشف المصريون معنى الأخلاق، ومعنى الضمير الإنساني وأدركوا أن حياتهم الاجتماعية والسياسية أساسها السلوك المعتدل القويم والتحلي بكل الفضائل، لكن المجتمع المصري اليوم قد اضحى مشغولاً وملتحفاً بقيم استهلاكية تميل إلى الإشباع الشهواني – الجسدي وليس إلى إشباع العقول. إن ذلك اللهاث وراء هذه الإشباعات المادية جعل القيم الأخلاقية الإيجابية تنزوي بعيداً، فالقيم الأخلاقية كما يقول علماء الاجتماع ما هي إلا انعكاس للأسلوب الذي يفكر به الناس في سياق ثقافي معين وفي فترة زمنية محددة ().

الوجع الثالث: غياب الثقافة العلمية وشيوع ثقافة التخلف: إن مجتمعنا يئن الآن تحت وطأة شيوع ثقافة التخلف بكل قيمها السلبية، فأفراده في معظمهم يعيشون صباح – مساء ثقافة "الأنا مالية" واللامبالاة، الوصولية والمحسوبية، الرشاوي والفساد المالي والإداري بكل صوره. وهذه القيم السلبية هي نتيجة طبيعية لمجتمع غاب عن أفراده عناصر الثقافة العلمية التي هي أساس ما أسميه دائماً "ثقافة التقدم" ؛ فهذا هو إخناتون الملك المصري الذي حكم مصر في حوالي القرن الرابع عشر قبل الميلاد يقول في بردياته التي اكتشفت في تل العمارنة: "إن العلم هو أول أركان الإيمان بالخالق، لقنه الله للإنسان بالخط والقلم، وعن طريق المعرفة بالقراءة والكتابة يتفتح عقل الإنسان لتقبل علوم المعرفة المقدسة وينفتح قلبه للإيمان بالخالق كما يقول أيضاً: "إذا أردت أن تورث ابنك ميراثاً لا يفني فورثه العلم، فالعلم هو الثروة التي تزداد كلما أخذت منها، ولا تورثه المال، فالمال هو الثروة التي تنقص كلما أخذ منها". ()

الوجع الرابع: إهدار طاقات الشباب وعرقلة حركة الأجيال: إن شرطاً ضرورياً يعلمه الجميع هو الأهم في صنع تقدم الأمم وتطور فعلها الحضاري هو الاستثمار الأمثل لطاقات شبابها والحرص على الاستفادة من كل إمكانيات هؤلاء الشباب الجسمانية والعقلية. إن الحقيقة التي ينبغي أن يدركها كل من يعنيه أمر تقدم مجتمعه أو نهضته من كبوته هي أنه لا نهوض ولا تقدم إلا بالشباب، وبث الثقة في نفوس هؤلاء الشباب والثقة في إمكاناتهم المبدعة وقدراتهم العقلية الابتكارية.()

الوجع الخامس: تناقض الأقوال مع الأفعال:إن من أبرز أوجاع مجتمعنا المعاصر هو غلبة الأقوال على الأفعال في أحيان كثيرة؛ إذ يكثر بين المصريين في كافة طبقاتهم ومستوياتهم الاجتماعية وفئاتهم الوعود القولية وخطاب التطمين والإجادة والإتقان، والحب والتعاون، والارتقاء في الأداء سواء كان في مجال الزراعة أو الصناعة أو حتى في مجالات البحث العلمي. مجتمعنا يعيش على الكلام و"كله تمام" على صعيد الخطاب النظري في مجالات الحياة! وكم كان نزار قباني شاعر العربية المعاصر الشهير بليغاً في التعبير عن هذا المرض الموجع في المجتمعات العربية حينما قال "مقتلنا يكمن في لساننا – فكم دفعنا غالياً ضريبة الكلام" وكم كان بليغاً حينما عبّر عن حالة الانفصال بين الأقوال والأفعال: "إذا خسرنا الحرب .. لا غرابة. لأننا ندخلها بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة .. بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة. لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة ..".()

الخاتمة: لقد كانت نقودة تلك تشخيص الى جانب مهم من جوانب العطب في الواقع المصري والعربي فهو كان يضع يده الى عوائق مادية ومعنوية في طريق التنمية المادي والمعنوي فهو يربط بشكل جدلي بين المادي والمعنوي بين الحضارة والثقافة، ويعطي الى الجانب المادي اهمية مثلما يعطي للجانب المعننوي بوصفه راسمال رمزي في احداث التحول مع ربطه القديم بالحديث ضمن رؤية حضارية، وهي رؤية متفائله تعتمد طاقيات التفكير الابداعية والاستراتيجية معا لهذا نجدالنشار بعد هذا يطرح السؤال المهم الاتي: ماذا لو أصبح الحاضر ابناً للمستقبل ؟

طبعا سؤال دينامي فاعل ان نبتعد عن المثالية وان نبدء بنقد الحاضر من اجل التمهيد لمستقبل الشرق: ذلك المكان الذي يمثل بالنسبة للغرب، بلاد السحر والفن، ومسكن الروح، منبع الخيرات، بلدان الشرق، بلدان الثراء والكنوز، متمثلة بآثاره، لا سيما آثار بلاد الرافدين وبلاد النيل. إذن الشرق يمثل في ذهن الغربي تلك الأرض التي تحتاج إلى مستثمر، ولا يوجد مستثمر غيره، فهو من يمتلك العقل والتقنية متمثلة بالعلم، بينما الشرق جاهل يعيش عوالم السحر والشعوذة، ولا بد من معين يعينه على أن يعي أهمية المكان الذي يعيش فيه، ولتنشيط هذا الوعي مقابل، هذا المقابل هو استثمار الأرض واستغلال البشر. وهذا لا يتم الا عن طريق الاستعمار، تلك الكلمة التي تحمل دلالة الاستغلال وفي الوقت نفسه دلالة الأعمار."()

تتضمن هذه الشبكة الرمزية القواعد والتعريفات و ما شابه ذلك من أمور تفسير ما هو متوقع من المرء أن يفعله، بيد أنها تشتمل أيضا على طائفة من المفاهيم الرمزية ثاوية عادة داخل الأساطير، وتفسر لماذا يتعين على المرء أن يأتي الفعل المتوقع منه.

 

 د. عامر عبد زيد الوائلي

 

جواد بشارةهناك عبارة شهيرة للعالم الفرنسي باسكال تقول: " البشر يحتلون الوسط ما بين اللاشيء وكل شيء"، ويعمل العلم على تقنين الحدود  لذلك الوسط أي بين 10-18 من المتر و 1026  متر هو الحجم التقريبي المنظور أو المرصود للكون المرئي، وكانت هذه النتيجة الحسابية ثمرة جهود ثلاثة قرون من البحث والتقدم العلمي . فالعلماء يؤمنون بموضوعية وحيادية الطبيعة وقد شيدت العلوم على حجر أساس يتمثل بقانون السبب والنتيجة أو التأثير والمعروف فلسفياً بالعلة والمعلول، حيث ينبغي على التجارب العملية والمختبرية والرصدية أن تثبت صحة التنبؤات والتوقعات والفرضيات النظرية. والحال إن هناك بعض المصادفات الرقمية تبدو شديدة التخصصية ولا تتماشى بالضرورة مع إحساسنا بالمتقبل والمحتمل، أي فكرة إن ما يتم إنجازه وتحققه  ليس فيها ما هو غير محتمل على نحو خاص. إن هذا التشخيص يحث على إتخاذ وجهة من التفكير تحطم القوالب الجامدة والسيرورة المتشددة، وهو ما يعرف بالمبدأ الأنثروبي، أي إن الأشياء تحققت بموجب ظهورنا على مسرح الوجود وفق مشيئة عليا.

نشأ الإنسان على كوكب ملائم لاحتضانه، وقهرت الحياة، بكل مراحلها، العديد من العقبات الكأداء لكي تتمكن في النهاية من التشبث وغرس جذورها في هذا الكوكب لتستمر وتتطور. فهناك شمس بحجم متوسط وأبعاد جيدة وملائمة، وتبعث طاقة كافية  وعمرها مناسب فلا هي قديمة جداً و لا حديثة جداً، وعلى مسافة  ملائمة أيضاً من الأرض . كما إن حجم الأرض  تكيف مع المسافة التي تفصله عن الشمس ويتناغم معها في خلق مدار مناسب . أما طبيعتها الصخرية فقد ساهمت في إيجاد غلاف جوي يحميها وضروري لها لمنع حدوث الاحتباس الحراري ويحافظ على درجة حرارة رحيمة ومعتدلة وهناك قمر تابع للأرض يؤمن مهمة المد والجزر وهي عملية أساسية ومصدر  للتفاعلات الكيميائية الضرورية للحياة، باختصار نحن نعيش على الأرض لأن هناك ظروف ملائمة اجتمعت من أجل ذلك، ولكن هل الأرض وحدها في الكون المرئي هي التي تتوفر على مثل هذه الظروف  المناسبة لنشأة الحياة؟

هل  يمكننا أن نفكر ونعتقد بأننا ثمرة صدفة غير محتملة الوقوع أم نتيجة تصميم عظيم  وذكي ؟ و لابد من التفكير جدياً أن كوننا المرئي يضم عدداً هائلاً من الكواكب بأشكال وأحجام وخصائص متنوعة منها مشابهة لأرضنا كأنها التوأم لكوكبنا مما يدفعنا للاعتقاد أن إحتمالية ظهور الحياة فوق تلك الكواكب أمر شبه بديهي على غرار سيرورة ما حدث على الأرض من قوانين التفاعل والتطور الكيميائي والبيولوجي .

أما الكون المرئي فيحتوي من 100 إلى 300 مليار مجرة  وهناك سدم وأكداس وحشود وتجمعات وعناقيد مجرية لا تعد و لا تحصى في الكون المرئي، وفي كل مجرة هناك ما لا يقل عن 200 مليار نجمة كحد أدنى، لذلك فإن نسبة العثور على كوكب ملائم للحياة مثل الأرض باتت كبيرة، فالاحتمالية باتت ممكنة والمبدأ الأنثروبي غدا قديماً وعفا عليه الزمن.

إلا أن " الذريعة الكوكبية أعلاه" لا تستجيب، كتفسير، لدقة الثوابت الفيزيائية التي توسم كوننا المرئي، فهذا الأخير، بعد التمعن به ودراسته بعمق، يبدو متجانساً على نحو مدهش فالخصائص والمعايير التي تملي على المادة سلوكها وتصرفها تبدو دقيقة للغاية ولديها القيم الضرورية اللازمة لذلك، وبالتالي هناك الكثير من الأمثلة على ذلك.

فلو كان الاختلاف في الكتلة بين النيوترون والبروتون، أصغر قليلاً، فسوف يكون النيوترون أكثر استقراراً ولانفجرت النجوم بسن مبكرة، ولأصبح تكون الحياة أمراً مستحيلاً . ولو كان الاختلاف أكبر قليلاً، فسوف يكون عمره أقصر وسوف يقلل من قيمة العلاقة بين كميات النيوترونات والبروتونات، ولتطور الانفجار العظيم على نحو مختلف تماماً، أي لأختلف جذرياً عما نعرفه الآن. ونفس الشيء بخصوص العلاقة بين كتل البروتونات  والإلكترونات، ولقيمة ثابت البنية أو الهيكلية الدقيقة  أو لسرعة التوسع الكوني. فلو تضاعف حجم الكون على نحو أسرع لما صار بوسع النجوم أن تتشكل، أما التطور الأبطأ فسوف يكثف المادة في بنية مضغوطة للغاية على غرار الثقوب السوداء فأي تغيير في القيم مهما صغر أ و كبر، سوف يقلب رأساً على عقب التطور الكوني ولن نكون هنا لنتحدث ونناقش ذلك. فالتفاصيل الصغير في التركيبة الكيميائية يمكنها أن تحدد الظروف الأساسية اللازمة . وهذا يتعارض مع المعقولية، باستثناء استدعاء تبرير أو حجة إحصائية جديدة.

تستند وجهة النظر الأنثروبية على الصعوبة الإحصائية لتفسير تلك المصادفات ولا ننسى أن المعايير والخصائص المدروسة لديها نفس القيمة في كل مكان من الكون المرئي. فنحن لا نعيش في جزيرة محظوظة وذات حظوة  ومفضلة داخل الفضاء الكوني، ومن الناحية العملية فإن المقاربة تعترض على الاكتفاء بعلة الصدفة لوجودنا وتشجع على عملية تفكير وتأمل حول إمكانية وجود تصميم مسبق ذكي وعاقل " تصميم عظيم" ولكن يجب التعامل مع هذه الفرضية  بحذر شديد  لأنها يمكن أن تقودنا للبحث عن غاية ما ورائية أو غيبية، وفق المبدأ الأنثروبي  الذي تبنته الأديان.

المبدأ الأنثروبي، بصيغته الأكثر مقبولية، يفرض قوانين طبيعية تتسق وتتوافق مع وجودنا، وكأنها بديهية تقريباً بيد أن التفكير بذلك يمكن أن يكون مقيداً أو تقييدي فالمبدأ يسمح بانتقاء حيز ضيق من القيم المسموح بها لسرعة التوسع الكوني . إن هذه الشروحات المستقاة من المبدأ الأنثروبي لا معنى لها إلا في حالة غياب مبررات  وذرائع أخرى . ولكن  مالم نكتشف " نظرية كل شيء" بعد، فإن اختيار الثوابت الفيزيائية لقيمها الحالية يظل لغزاً غامضاً. فلا توجد لحد الآن نظرية شمولية كاملة وجامعة أو قصوى يمكنها تغيير الثوابت الجوهرية للمبادىء الكبرى في الكون المرئي. فالعلماء مازالوا يبحثون عن الكأس المقدسة ولكن يبدو أن القيم في الوقت الحاضر تم تحققها على نحو عشوائي وأن هناك مجال " للصدفة" فلو لم تتطور الحياة إلى الوضع المتقدم الذي هي عليه اليوم، لما كان هناك من يبالي بذلك أو يقلق، لكننا موجودون وعلينا أن نبحث في سر أو لغز: هل هناك خطة خارجة عنا تختبيء وراء هذا الوجود؟

وعلى ذكر الوجود، فإنه أكبر من الكون المرئي وسابق عليه في أعماق اللانهاية الزمنية أزلياً وأبدياً وسرمدياً ويضم في فنائه عدد لامتناهي من الأكوان du Multivers التي تجعل المبدأ الأنثروبي يتردد ويترنح . فبعد الانفجار العظيم ولد كوننا المرئي، وربما معه عدد كبير من الأكوان الأخرى، ومما لاشك فيه أنه ولد مع كون توأم له مكون من المادة المضادة المنعدمة تقريباً في كوننا المرئي، ثم بدأ الكون المرئي بالتوسع، وفجأة تعرض لحالة من التضخم الفجائي الهائل بأسرع من الضوء لكي يبلغ حجمه الحالي وفي فترة زمنية لامتناهية في القصر، وهذه الفرضية قدمت لتوضيح وشرح الإيزوتروبي expliquer l’isotropie أي تفسير حالة التماثل والتساوي والاتساق البادية في الكون المرئي . ولو كان كوننا المرئي قد ولد بهذه الطريقة بالفعل، فلا يوجد هناك سبب يمنع حدوث ترددات وتقلبات كمومية مماثلة ومتوازية، ما يعني انبثاق عدد لامتناهي من الأكوان لأن الفراغ الكوني المتهيج يقود إلى ولادة كونية ويستمر باقي الفضاء الكوني اللامتناهي بالتوسع والتمدد وفي داخله تتشكل فقاعات كونية متجاورة ومتداخلة ومتوازية ومتباعدة في آن واحد، وكل فقاعة هي عبارة عن كون يشبه أو يختلف كلياً عن كوننا المرئي، وله قوانينه وثوابته ومكوناته المتشابهة أو المختلفة عما يوجد ويسير كوننا المرئي. بل يعتقد الكثير من العلماء أن هناك عدد لامحدود من الانفجارات العظيمة حدثت وتحدث باستمرار دون توقف وبدون انقطاع، يفصل بينها مساحات واسعة ومتمددة دوماً بفعل حركة الوجود . ولا توجد هناك بالضرورة اتصالات أو تفاعلات بين تلك الأكوان المتعددة . ويمكن للتضخم الكوني أن يحدث بطرق مختلفة ومتنوعة لكل انفجار عظيم يحدث من أجل خلق أو ولادة كون جديد. وهذا يعني عدم وجود مبدأ أعلى متسامي لعملية الخلق، أي عدم وجود خالق بالمعنى الديني  للمفهوم.

لقد كرست نظرية الأوتار الفائقة هذه الرؤية، انطلاقاً من صرح النموذج المعياري للجسيمات الأولية اللامتناهية في الصغر، وتطمح هذه النظرية للجمع بين، أو توحيد القوى الكونية الجوهرية الأربعة أي الثقالة أو الجاذبية والكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية الشديدة التي تدير العالم مادون الذري. ويبلغ العدد التقريبي، وفق الحسابات الرياضياتية في الحواسيب أو الكومبيوترات العملاقة 10500  حسب نسبة الإمكانيات  الإحصائية  الممكنة الحدوث إثر  تعدد الأبعاد المكانية  وتنوع البعد الزمني  واعتباره من المتغيرات  في إطار نسيج الزمكان d’espace-temps، بيد أن ذلك محض تصور نظري افتراضي لحد الآن، وغير قابل للتدقيق التجريبي والمختبري أو الرصد  والمشاهدة في الوقت الحاضر. الفيزياء المعاصرة تدرس كوننا المادي الملوس والمنظور لكنها لا تستبعد البنية الكلية الشاملة الممكنة الوجود وإن كانت تقبع الآن في نطاق الميتافيزياء، فمن المؤكد أننا نعيش في أحد تلك الأكوان المناسب لظهورنا في داخله، ربما مع أقوام وحضارات وكائنات أخرى كثيرة، نظراً للعدد اللانهائي للفقاعات الكونية التي أثمرتها نظرية الأوتار الفائقة من الناحية التنظيرية فقط. ولقد سبق للفيلسوف الإغريقي أبيقور أن قال:" ليس فقط عدد الذرات فحسب، بل وكذلك عدد العوالم في الكون، لامحدود " وهذا طرح واضح وصريح وموجود منذ آلاف السنين.

من الناحية الإحصائية، لم يعد مستحيلاً، بل ممكناً جداً، وجود أكوان أخرى على غرار كوننا المرئي تضم حيوات وحضارات، ما يعني انهيار الذريعة الأنثروبية، وهذا يعطي فكرة جلية عن تفاهة وجودنا وعدم أهميته مقارنة بما هو موجود، حتى في نطاق كوننا المرئي وحده، فما بالك بالنسبة إلى عدد لامتناهي من الأكوان؟ الكوسمولوجيا المعاصرة تصيب الدارس بالدوار وتقوده إلى الجنون. فنحن بالكاد بدأنا نعرف القليل جداً عن كوننا المرئي فكيف يمكننا تصور وإدراك الكون الكلي؟ وحتى تكون هناك إمكانية عادية وبديهية لظهور الحياة  يتوجب علينا تقبل فرضية تعدد الأكوان المختلفة والمتشابهة . فالرؤية السابقة للكون تفترض وجود خالق  وتصميم عظيم مسبق أدى إلى خلق الكون، إلا أن نظرية تعدد الأكوان تلقي بنا في خضم فوضى عقلية وإدراكية عملاقة وهائلة un gigantesque chaos، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل هل هناك فائدة أو جدوى من الاعتقاد بوجود إله خالق؟ وما هو هذا الإله وما هي ماهيته وصفاته ؟ وللتهرب من هذا المأزق الفكري صرح آينشتين بأنه يؤمن بإله سبينوزا وهو إله يغمر الكون المرئي برمته وقد وضع له قوانينه وثوابته وحركته وسيرورته مرة وإلى الأبد ولم يعد يتدخل في شؤونه، حيث تحدد وتقرر كل شيء انطلاقاً من لحظة بدئية تأسيسية، ولكن في حالة وجود عدد لامتناهي من الأكوان فهل لكل كون إله خاص به على غرار إله سبينوزا؟  وهل هناك إله فائق أو مطلق " الله الواحد الأحد" كما تقول النصوص الدينية الذي يتسامى ويتعالى على كافة " الآلهة الكونية الأخرى؟" هذه مشكلة ثيولوجية بامتياز لا يرغب العلم الخوض فيها في الوقت الحاضر نظراً لنقص أدواته البحثية وأجهزته التقنية والتكنولوجية اللازمة للرد على ما يصدر عن هذه الرؤية من تساؤلات .

يتبع

 

 د. جواد بشارة

 

 

قاسم جمعةكل ما تكتبه يسقط امام سطوة رب التعليم، فطالما تلتقطك الكاميرا وانت تُحاصر الطلبة، كأيام البعث الغبي، وتلقي عليهم اكاذيب المعرفة السطحية والهوس الطاحن للغة الفراغ؛ فأنت توجد كينونة ترفع مناسيب معرفتك الورقية وترضي اربابك المسلوبي الإرادة، لارتهانهم لهذا السوق الحميري للقطيع الأكاديمي ..

بروفايل محشو بالتفاهات وكراريس مسروقة وطلبة أكلهم العفن من تكديسهم في قاعات، ونقلهم الى غيرها، وهكذا اسال نفسي مرات..

ما فائدة الجامعات لماذا لا تلغى؟..مادام الجميع ينجح والراسخون في العلم لا حول لهم الا الركون للراسخين في وحل الجهل؟.

هذا ما قاله لي احدهم، لان ما أريده أنا يختلف عما يرغبه، فهو متذمر وناقم على من حوله ولا يرضى بالمرفوض الجميل ..!

صادفني في الطريق في خضم تلك التأملات الصامتة حينئذ، صديق الطفولة والذي انتهت به الحياة الى ان يعيش على ماكسبته أيديه عندما افترش زوايا احد الأماكن ليبيع (حاجة بربع) بعدما كان يحفظ ديكارت. ويضع تحت وسادته رسالة اللاهوت والسياسة لاسبينوزا. وكنا نتسابق على قراءة الكتب الفلسفية لكي نذهب في صباح اليوم التالي لنتباهى بما عرفنا قدر إمكانيتنا من تحليل وتركيب وحفظ لمقاطع مثيرة من نص لهذا المفكر او ذاك الأديب لماركس لو لغوته او بارمنيدس ...الخ ولكي نقرأ لمدني صالح والألوسي وأميمة وغيرهم من اساتذة فلسفة الفرض الأكاديمي لا المرفوض !!..

لقد انتهت به الاقدار ليكون بائع للوهم لكي يطعم أولاده ويشري بما يرزق ترياقا لامه العليلة..

لقد كنّا نمتلك كتبا كثيرة واذكر مرة ضحك علي كثيرا لا تشفيا، بل منافسا لانه استطاع ان يشري كتابا وبقيت أنا أتأمل بنطالي الجديد، كنت قد اشتريته فقررت بيعه .لكي لا اشعر بالحيف الثقافي، تجاه صديقي المثقف، الذي صادفته كما قلت..فوجدته كافرا بالفلسفة ومرتدا للدين اذا جاز القول،، .

سالته ضمن الأسئلة الممطرة التي هطلت ساعتها هل لاتزال تعشق الفلسفة وعالمها الخلاب ؟..

ضحك كثيرا وأخذ ينادي حاجة بربع يا ولد ! .. بكيت كثيرا ومع نفسي تسللت الأسئلة .. ربما سياتي اليوم الذي نبيع فيه ثقافتنا وهوياتنا وربما باقل من الربع !..

لقد تحولت الدنيا فصار من كنّا لا تعيره اهتماما ثقافيا ومعرفيا، نجماثقافيا للوسط الإعلامي وبات من يأكل الكتب ويهضمها ويزينها جمالا على جمال

يتوسل الحمار الأكاديمي والمثقف السارق ..لكي يتحصل على وثيقه تخرجه المحروقة بسبب النهب المسعور!.

والفلسفة تزول عندما تكون او تدعي الأكاديمية الفجّة وترفض ما ينبغي فرضه وتفرض ماينبغي رفضه .. لقد تحول همنا من ان نكتب الى ان نكذب! هكذا يقول هذا الصديق البائع .

كتاباتنا يشوبها الكذب وأقلامنا معروضة في سوق الانتظار للبيع ..

شهاداتنا معلقة كصورة جدي الوهمي!.. الذي لطالما اعتقدت انه جدي بعدها تبين انه احد السادة الذين كانت أمي تقدسه بفطرتها النقية.. وكنا لا نسال عنه لان صورته معلقة ومحل مباركة لأركان بيوتاتنا المسكونة بالهموم والجري اللاهث وراء السرابات المملوءة بالحقيقة والتي كانت تشفي وتغني كل مريض ..لأنهم اكلوا وتعلموا الطيبة من الاله بمعزل عن منابر الكره وآلهة الفسق . كنّا لانرغب بالانتصار ولكن نسعى للكف عن الاذى ..

الفلسفة تتسابق عليها الأكاديميات المرفوضة فتحولت الى كراريس وعلامات تجارية مشهورة للفشل هكذا أجابني بائع الحاجة بربع .

.فانتهت بها الحال من رفض لما يفرض عليها الى ساحة للرقابات وصراع البروفايلات الصورية ..تركني هذا المتحاور وراح يدخل حاجياته وأغراضه في صندوق محكم حديدي وقال اني ذاهب للصلاة فهل تأتي معي ! قلت سوف اذهب لأشتري كتابا لان معرض الكتاب بدأ اليوم وعلي الأسراع.. فغادرنا وكل منا يحمل هم أسئلته الى مخابئ القدر المرفوض والمفروض القادمين ...

 

د. قاسم جمعة

 

محمد عرفات حجازيرغم وجود نساء فيلسوفات فاعلات منذ قرون، إلاّ أنّ تطوير منظور فلسفي نسويّ لم يحدث إلّا في الآونة الأخيرة؛ لعدّة أسباب، منها: عديد المناظرات التي عمّت نطاقات أوسع حول علم السياسة الجنسي في السنوات الأخيرة؛ أيضًا بسبب التغيّرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على وضع المرأة.

يخوض علم الأخلاق النسويّ في الفلسفة الاجتماعية؛ لفهم العلاقات بين الجنسين، بحيث يمكن ويتعيّن عليها أن تتغيّر.

ويضمّ علم الأخلاق النسويّ عددًا من المواضيع، كالأسئلة المُتعلّقة بما يقوم به الناس وبما يتوجّب عليهم عزو قيمة له، وذلك من خلال إشارة خاصة إلى الجنس والعلاقات الجنسية، وعبر توجّه معياري لتحرير المرأة من الإجحاف الجنسي. فضلًا عن ذلك، أثار الفلاسفة النسويّون مسائل علاقة بين النظرية والتطبيق أو الخبرة المُعاشة: إلى أيّ حدّ تُناظر نظريات الشخصية، المساواة وعلم الأخلاق، تنوّع سُبل العيش في العالم المعاصر؟، أيضًا ثمّة قضايا من قبيل الأدب الإباحي، والاغتصاب، وعلم الأخلاق الطبي (كتقنيات التناسل)، تندرج تحت علم الأخلاق النسويّ وأعمال النسويّين الفلسفية.

يُجادل النسويّون أنّ المفاهيم الأخلاقية المُهيمنة الخاصة بالمساواة والعدالة والحقوق والتحرّر والاستقلالية إلخ... ليست مُحايدة جنسيًّا، بل صُقلت بدرجة أو بأخرى لصورة ذكوريّة على نحو خاص.

وربّما كان استبعاد النساء ضمنًا أو صراحةً؛ بسبب تحديد مواضيع أو اهتمامات مُهيمنة ذات قيمة ذكورية، مثل: سُبل النظر في النفس، العقل، والأخلاق التي يبدو أنّها تُعزّز قيمًا ذكورية قد تستبعد أو تُثبط عزيمة النساء، إمّا عبر تضمين أنّهن أقلّ قُدرة، أو بتقويم أعمالهنّ في مواضيع بديلة على أنّها أقلّ فلسفية، ما أدى إلى استبعاد النساء ضمن الفلسفة، ضمنًا أو صراحةً.

إنّ إحدى المسائل الرئيسية عند أشياع النسوية تتمثّل في تحديد مدى مٌحاباة الفلسفة للمنظور الذكوري؛ حيث كان أغلب مُمارسي الفلسفة في الماضي من الرجال. وربما كان هذا الارتباط مُجرّد صُدفة تاريخية، وهنا يُشير النسويّون إلى أنّ الطريقة التي يبحث بها الفلاسفة في تمييزات العقل ـ الجسم، النظام ـ الفوضى، هي تمييزات تعكس أو تفترض غالبًا الاختلاف الجنسي، بحيث تربط بين الذكورة والعقل والنظام.

وقد جادل البعض في الماضي بأن الجنس (البيولوجيا) يخلق أو يُشكّل الجنس الثقافي أو(مفاهيم الاختلاف الثقافية). وهناك مَن يعترض على هذا المذهب إذا كان يستلزم تصوّرًا حتميًّا للهوية لا يُتيح فرص تغيير إدراك الاختلاف، أو يعزو سُبلًا في التفكير إلى الرجال والنساء. ولا يُشكّل الاختلاف إشكالية بالضرورة، بيد أنّه قد يمنح قيمة غير متساوية بحيث يعتبر النساء "الجنس الأضعف". وثمّة صيغة أكثر اعتدالًا لهذه المُحاجّة، اقترحها مفكّرون أمثال مل ودي بوفوار، تسمح بإسهام الاختلاف البيولوجي في إدراك الاختلاف دون أن تجعل منه العامل الوحيد، ما يحول دون كونه حتميًّا.

بحسب الاتجاه النسوي، تتطلّب المساواة الجنسية مثلًا: مفهومًا في "المساواة" يدعم واقع الفروق الجنسية ـ "العمى ـ الجنسي"، بوصفه كامنًا في بعض سياسات المساواة في الفرص ـ ليس ملائمًا. لذا، يتوجّب إعادة فهم فكرة "الاستقلالية" بحيث تأخذ في الاعتبار ارتباطنا بعضًا ببعض.

عمومًا، تفترض الفلسفة النسويّة، بوجه عام، أنّ مسألة الاختلاف الجنسي مسألة فلسفية على أحد المستويات، ووفق نقطة الانطلاق، تنتج سُبلًا مختلفة في التنظير بخصوص هذه المسألة. ورغم أنّ النساء ينزعن إلى الانشغال بهذا الأمر، إلا أنّه ليست كلّ الفيلسوفات أشياعًا للفلسفة النسويّة ـ رغم أنّ أعمالهن قد تشتمل على تضمينات نسويّة.

ويقترح نسويّون آخرون، من أمثال كارول جيليجان، أنّ الاختلاف مهمّ كونه يُفضي إلى خبرات مختلفة تمامًا بالعالم. فخبرة النساء تتّسم أساسًا بالرعاية، الحضانة، والأمومة في الماضي. وهكذا اقترحوا أنّه بمقدورها أن تُشكّل قاعدة لنموذج مختلف في العلاقات الأخلاقية "علم أخلاق الرعاية".

كما حاول نسويّون آخرون إعادة تقويم الاختلاف دون تعزيز ارتباطات الجنس ـ الجنس الثقافي، حيث جادلوا بأنّ الفروق الرمزية والخبراتية الموجودة أصلًا قد تُوظّف في إثراء مفاهيم راهنة في الشخصية أو الهوية، علم الأخلاق، والابستمولوجيا. كما ركن النسويّون الفرنسيون إلى البنيوية والتحليل النفسي بوصفها مصادر لطرح تصوّرات في الجنسية، الهوية، والاختلاف. وعبر هذا النهج، يمكن للاختلاف أن يُفضي إلى التعدّدية دون خسارة في التجسيد أو في خصوصية المرأة.

وهنا، نكون قد وصلنا إلى وجوب إجراء مُفاوضات دقيقة ومُركّبة، كما في فروع أخرى من الفلسفة النسوية. أولًا: يُمكن إعادة تقويم ما يُميّز حياة المرأة، ويُشوّه سمعتها. مثلًا: عادةً ما تُعتبر القدرة على الرعاية، أو النزوع شطر تقديم حبّ لا شروط له، خارج نطاق الحياة الأخلاقية الحقّة. ثانيًا: ترقب النسويّة، بطريقة نقدية، العمليات الاجتماعية التي جعلت قدرات اجتماعية مثل الرعاية ترتبط بجنس أكثر من ارتباطها بآخر، ما يعني أنه يتوجّب تأسيس منظور نُحدّد وفقه "السجايا النسويّة" التي يتعيّن استبعادها، وتلك التي يتعيّن إعادة تقويمها.

وأخيرًا، تجب مواجهة مسألة ما إذا كنّا نتطلّع إلى مستقبل توجد فيه مجموعة مشتركة من المفاهيم الأخلاقية، تسري دون اختلاف على الرجال والنساء، أو إلى مستقبل قد تزدهر فيه الفروق الأخلاقية ـ عبر مسارات جنسية واجتماعية أخرى..

 

محمد عرفات حجازي/ باحث من مصر

.....................

مراجع

- تد هوندرتش، دليل أكسفورد للفلسفة، ت/ نجيب الحصادي، المكتب الوطني للبحث والتطوير، طرابلس، ليبيا، ط1، 2005م.

 

المصلحةُ في اللُغَةِ هي: المنفعةُ ومافيهِ صلاحُ الشيءِ. وعند المالِكِيَة اصل من الاصولِ التي بنى عليها الامام مالك اكثرَ فقهِهِ. وقد اشتهر الفقهُ المالكيُّ بانَّهُ فقهٌ واقعيٌّ يبتني على مقاصدِ الشريعةِ، ويستوحي روحَها.

الاحكام تابعةٌ للملاكاتِ والمصالحِ والمفاسد

ولكنَّ فقهاءَ الاماميّة ايضاً قالوا: (أنَّ الاحكامَ تابعةٌ لملاكاتٍ ومصالحَ ومفاسد)، وهذه القاعدةُ مستندَةٌ على اصلٍ كلاميٍّ وهو: (ان افعالَ الله تعالى معَلَلَةٌ بالاغراض؛ لانه حكيمٌ وافعالُهُ منزَهَةٌ عن العبَثِ واللَغوِ، ولكنَّ الغرضَ لايعودُ اليه جلَّ وعزَّ بل يعود الى العباد). ومن الامثلةِ على كونِ الاحكام تابعة لملاكات ومصالح ومفاسد واقعيّة، بيعُ الدمِ، في السابق كان ملاكُ حرمةِ بيعِ الدم هو عدمُ وجودِ منفعةٍ عُقَلائيّةٍ لهُ. امّا اليوم، وبعدَ اكتشافِ وجودِ منفعةٍ محللةٍ له وهي انقاذُ حياةِ المرضى والجرحى، وحازَالدمُ بذلكَ على ملاك اخر؛ فجازَ بيعُهُ وشراؤُهُ.

وهذا المعنى من تبعيّةِ الاحكام لمصالح واقعيّة، ومن تقسيم المصالح الى ضروريةٍ وحاجيّةٍ وتتميميّة، اشارَ اليهِ الشهيدُ الاول رضوان الله عليه، وهو من اكابر فقهاء الاماميّة الذين تحدثوا عن مقاصد الشريعة، وانَّ الاحكامَ مبنِيَّةٌ على ملاكات ومصالح واقعيّةٍ. يقول الشهيد الاول: (الشرعُ معللٌ بالمصالحِ فهيَ امّا في محلِ الضرورةِ او محلِّ الحاجةِ، او التتمّة، او مستغنىً عنها امّا لقيامِ غيرِها مقامَها وامّا لظهورِ غيرها مقامَها وامّا لظهورِ اعتبارِها). (المظفر،اصول الفقه). وقد اختلف في كون المصلحة التي هي ملاك الاحكام، هل هي علةُ الحكمِ ام حكمتُهُ ؟.

والشهيد الاول تحدثَّ كذلك عى ان الاحكام شرعت لجلب المنفعة اولدفع ضررٍ، والنفع والضرر يمكن ان يكونا دنيويينِ او اخرويينِ، ويمكن ان يكون المقصود مقصوداً اصليّاً او مقصُوداً تَبَعّيّاً. (الشهيد الاول، القواعد والفوائد، ج1، ص35، قاعدة 6).

وما قاله الشهيد الاول هو نفسُ ماقالهُ الشاطِبِيُّ في المُوافَقات، فالشاطبيُّ يقول: (المعلومُ منَ الشريعةِ أَنَّها شُرِعَت لمصالِحِ العباد، فالتكليفُ كُلُّهُ، امّا لدَرءِ مفسَدَةٍ، وامّا لِجَلبِ مصلَحَةٍ، أو لَهُما معاً) المُوافَقات: ج1، ص 199.

تقسيمات مالك للمصلحة

قَسَّمَ الامام مالك المصلحة الى ثلاثةِ اقسامٍ هي:

1- المصلحةُ المعتَبَرَةُ: وهيَ المصلحةُ التي دَلَّ الدليلُ على اعتبارها.

2- المصلحةُ المُلغاة: وهي المصلحةُ التي دَلَّ الدليلُ على الغائها.

3- المصلحة المُرسَلَة: وهي التي لم يَدُّلُّ الدليل على اعتبارها ولاعلى الغائها فهي مرسلة اي: مطلقة. والمصلحة المعتبرة هي اشبه بالظن المعتبر عند اصوليّي الاماميّة، والمصلحة المرسلة اشبه بالظن المطلق، الذي قام دليل الانسداد الكبير على اعتباره.

الشيخ الانصاري والمصلَحّة السلوكيّة

ذهبَ الشيخُ الانصاريُّ الى فرضِ المصلحةِ السلوكيّةِ في الامارات لتصحيح جعلها. (فرائد الاصول،ج1، ص42). والشيخ ذهب الى فرض المصلحة السلوكيّة؛ لانه لايتبنّى القول بتصحيح جعل الامارة على نحو الطريقيّة المحضة، ولايقبل كذلك تصحيح جعل الامارة على نحو السببيّة؛ لانّهُ يستلزمُ القولَ بالتصويب.

ولتوضيح مسلك الشيخ الانصاري بالمصلحة السلوكيّة اقول: ان السَبَبِيَّةَ يمكنُ تصورُها على ثلاثةِ اقسامٍ وهي:

1- السَبَبِيَّةُ الاثباتِيَّة: وهي ان الامارةّ سببٌ في اثبات الحكم الواقعي ؛ لان الله ليس له احكام واقعيّة، وانما الامارة هي التي تثبت حكما. وهذا هوَ قولُ الاشاعرة.

2- السَبَبِيَّةُ الانقلابيِّة: وهي التي تعترفُ بوجود احكام واقعيّة لله تعالى، ولكنها ترى ان الامارةَ تقلب هذه الاحكام الواقعيّة بما يتطابق مع الامارة، فهي لاتثبت حكما، وانما تقلب حكما بما ينسجم مع مؤدى الامارة. وهذا القول قال به المعتزلة.

3- السَبَبِيَّةُ التداركيّة: وهي السببية التي لاتثبت احكاما؛ لانها تؤمن بوجود احكام واقعيّة، ولاتقلب هذه الاحكام بما يتوافق مع الامارة، وانما هي سببية تداركية، يُتَداركُ بها مصالح الواقع الفائتة عند خطأ الامارة في ادراك الواقع. وهذا قول الشيخ الانصاري، قاله حتى لايقع في التصويب الذي لايقبله الاماميّة.

مصالح الدول وفقه المصلحة

وفقا لفقه المصلحة الذي قال به الامامُ مالك، اين نضع مصالح الدول؟ فالولايات المتحدة تقول انَّ لها مصالح في منطقتنا، والدول الاوربية تدعي ان لها مصالح في افريقيا. والدول الاخرى تدّعي ان لها مصالح، وبالتأكيد أنَّ هذهِ المصالح، لاتدخل في المصالح المعتبرة التي اعتبرها الشارع، فهل تدخل في المصالح المرسلة ؟ بالتأكيد انَّ مثلَ هذهِ المصالح لاتدخل تحت عنوان المصالح المرسلة؛ لانَّ المصالحَ المرسلةَ لها ضوابط في الفقه المالكي، وهي ان تكون المصلحةُ مصلحةً واقعيّةً، لامصلحةً موهومةً. وينبغي ان تكون المصلحة منسجمة مع مقاصد الشريعة، ولاتؤدي الى ظلمٍ وفسادٍ.

فلاقيمة لمصلحة فرنسا في احتلال الجزائر، فهذهِ مصلحةٌ ملغاةٌ، بل المصلحة بوجود مقاومة جزائرية تطرد المحتل، وتحرر الارض من دنس الاحتلال. واحتلال الصهاينة لارض فلسطين بلحاظ مصلحة اليهود بايجاد وطن قومي لهم، هذه مصلحة ملغاة، لانها تتعارضُ مع مقاصدِ الشريعةِ، ومع مصلحة الشعب الفلسطيني بالبقاء على ارضه. ونضال الفلسطينين ضد الصهاينة مصلحة حقيقية لهم، في تحرير ارضهم ومقدساتهم، وطرد المحتليّن. هذا هو فقه المصلحة، ليس فقها تبريريا ؛ وانما هو فقه واقعي.

وفي الختام، لايمكن لاية قوةٍ غاشمةٍ ان تتوكأ على فقه المصلحة، لتبرير احتلالها وقمعها للشعوب الاخرى.

 

زعيم الخيرالله

 

المهدي بسطيلي"نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديموقراطية برلمانية واجتماعية.يقوم النظام الدستوري للملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديموقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الاسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديموقراطي"

المصدر الفصل الأول من الدستور 'أحكام عامة'

لا يمكن لأحد أن ينكر أن المغرب منحدر من القبيلة، بل إن القوة العلمية التي لازالت تحظى بها العديد من الأبحاث العلمية، من هذا الباب في شق منها تأكيد على أن المغرب، هو اتحادية قبائل، مستدلين على ذلك بظهور مقومات القبيلة، واستمرارية تواجدها على مستويات عدة، خاصة منها المستوى السياسي. وقد ظلت أغلب الدراسات التي قاربت المسألة القبلية في المغرب، في نسق التاريخ والأنثروبولوجيا بشكل خاص، تحاول تفسير التحولات التي عاشها المجتمع المغربي، وما مدى صحة القول، باستمرارية البنية التقليدية أو تفككها، ونحيل هنا على رواد الطرح الإنقسامي، حيث شكلت الانقسامية كنظرية لقراءة الحياة السياسية بالمغرب .

وانطلاقا من التعريف الذي يضعونه للقبيلة، بأنها " نسق من التنظيم الاجتماعي يتضمن عدة جماعات محلية مثل البدنات والعشائر والمداشر تقطن إقليم معين يكثنفها شعور قوي بالتظامن الالي والوحدة"، ويمكن اعتبار التجديد الذي وضعه "افنس برتشارد" تلميذ مالينوفسكي للقبيلة، اقرب تعبير عن خصائص القبيلة الإفريقية التي استخلصه في دراسته لقبائل النوير بالسودان.

والقبيلة عند برتشارد هي الفاعل في النسق السياسي التي تحدد ملامحه الظروف الايكولوجية، والمعاشية هي التي تحدد أشكال العلاقات وأنواعها، ويرتكز هذا النسق على القرية كوحدة صغرى، يتم النفود السياسي داخلها حسب شبكة المصاهرات وهذه الشبكات تنقسم الى فروع قبلية، أولية، ثانوية، أما العلاقات بين مكونات النظام القبلي، فتقوم على الانصهار والانشطار.[1]وقد تم توظيف ملامح هذا التعريف، من طرف "ايلنست غيلنر" على قبائل الاطلس الكبير بالمغرب، ليجيب على سؤال، علاقة القبيلة كمؤسسة اجتماعية بالحياة السياسية .لقد وجد غيلنر أن النظام السياسي والاجتماعي لهذه القبائل، نظام يسوده الإنقسام، ويعني ذلك أن كل قبيلة تنقسم إلى فروع، تنقسم بدورها الى أجزاء، إلى أن تصل الى مستوى الوحدات العائلية، يدير شؤونها أمغار يتم انتخابه بالانتداب بين القبائل، كل سنة وآخر يدعى أمغار وينظر في جرائم الدم، والشرف، له هالة تحول دون التفكير في عزله من منصبه .[2]

إن تطبيق هذه النظرية، وخاصة على الحياة السياسية بالمغرب من طرف الباحث الأمريكي "جون واتربوري" في الفترة الحرجة من تاريخ المغرب، في أطروحته الشهيرة "أمير المؤمنين الملكية والنخبة السياسية بالمغرب"، والتي عمل من خلاله على تأكيد استمرارية النمط الانقسامي في البنية السياسية للدولة المغربية، يزكي توظيفنا لمفهوم القبيلة في هذا السياق بالذات، لنطرح السؤال هنا، هل يمكن الحديث عن الدولة المغربية في منهى عن القبيلة ؟

آخذين بعين الاعتبار التعريف الذي يقدمه جون واتربوري أن" المغرب تحول الى اتحادية قبائل، تتحكم فيه أجزاء يحكمها الانصهار والانشطار ضمن إطار اللعبة السياسية خاضعة لأمير المؤمنين، الذي يعرف كيف يحدث انقساماتها بذكاء."

ينطلق رواد التصور الأنجلوسكسوني من اعتبار مفاده أن المجتمع المغربي منحدر من القبيلة، وذلك بسبب حضور الخصائص القبلية التي تحددها النظرية الإنقسامية، لكن ما علاقة المجتمعات القبلية بالسلطة السياسية؟

هو نفسه السؤال الذي وضعه 'النست غيلنر' على قبائل احنصال بالأطلس الكبير [3].وما يميز النظرية الانقسامية هو قابليتها للتمدد على يد الباحثين، حيث شكلت العين التي درس بها "جون واتروري" اللعبة السياسية بالمغرب، والتي توجت بأطروحته "الملكية والنخبة السياسية بالمغرب "حيث شكلت مرجعا إن لم نقل مصدرا أساسيا للباحثين المغاربة بمختلف تخصصاتهم في مجال الفكر السياسي والسوسيولوجيا السياسية [4].ركز واتربوري على النخبة السياسية المغربية، باعتبارها الفئة التي تتدخل في عملية توزيع منافع الدولة والمشاركة في القرارات، وقد حدد مكونات هذه النخبة من الأحزاب السياسية سواء أحزاب اليمين وأحزاب اليسار ثم الأسر الكبرى والقبائل والضباط والعلماء والشرفاء وغالبا ما يكون قادتها الموظفون السامون من الحكومة، وأكد أن أسلوب هذه النخبة ذا أساس انقسامي شبيه بالأسلوب الذي تحدثه القسمات الصغرى بالنظام القبلي محكومة بالانصهار والانشطار. ولعل ذلك ما يؤكده "عبد الله ساعف" [5]بأن النخبة المغربية تعتمد مسلكيات شبيهة بمسلكيات القبائل المنظمة طبقا للمبادئ الانقسامية. في حين عمل المخزن على استدماج الممارسات السياسية التقليدية بالحديثة، وتجلى ذلك بعد خروج المعمر الفرنسي، وتبنى قانون مخزني يشتغل على الطقوس الرمزية العتيقة، بالإضافة إلى القانون الدستوري الذي فرضته الحماية، إن هذا الاستدماج التقليدي الحداثي بدسترة الّإرث المخزني جعل التاريخ المغربي مرتبطا بتاريخ المؤسسة الملكية، وجعل الدستور المغربي يتشكل من طابق علوي يمثل روح الغرب، وآخر سفلي عميق يجسد عمق الموروث والروح العميقة وهذا ما سنستفيض في ذكره لاحقا. كما عملت المؤسسة الملكية على تأكيد تموقعها بوظيفة التحكيم ولعب دور 'الأكرامن' للتعالي عن كل الانقسامات داخل اللعبة السياسية، وتعزيز السلطة من خلال بث الخلافات بين الفرقاء ، وقد أكدت المؤسسة الملكية دائما تشبثها بمفاهيم البركة والشرف كجوهر وعمق الشرعية التي تبرر تواجدها.وقد أعلنت المؤسسة الملكية لرغبتها في كسب رهان العالم القروي كخزان للمشروعية الانتخابية عبر تدجين النخب وصناعة الأعيان الجدد [6].

إن النسق السياسي المغربي يعمل من خلال مزج التقليد والحداثة من أجل تعطيل المسار التاريخي لتقوية الجهاز المخزني بالدولة المغربية وذلك على حساب مسلسل الديموقراطية التي تعلنها الدولة ظاهريا في مؤسساتها فأصبحت الحياة السياسية بالمجتمع المغربي، بين إرثين: ″إرث العادات والتقاليد في علاقتها بالسلطة وطرق تدبيرها، وإرث الاستعمار في شكل بنيات تحتية وآليات معقدة غير ملائمة في الغالب لواقع البلاد وحاجياته″، ونتيجة لهذا ″الإرث المزدوج″، تحاول التوفيق بين المؤسسات التقليدية (الزوايا، القبائل، النظام المخزني، ...)، وبين القواعد الجديدة التي أصبحت تفرضها المؤسسات العصرية والنظام الاقتصادي الحديث وآليات التدبير الجديدة للأحزاب والنقابات .... دون المساس بما أسماه واتربوري ب ″الشخصية المغربية″.ترتبط الحياة السياسية بالمغرب اذن بثوابت ووظائف هي:

وظيفة سياسية تتجلى في التحكيم كوظيفة قديمة موقرة موجودة قبل الحماية، حيث إن "الشريف أو الوالي" هو الذي يمارس دور الحكم على العموم (التقديس) ، لكن نقلت وظيفة التحكيم للملك ولجان التحكيم التي تتدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب السياسية (خصوصا بعد انقسام الحركة الوطنية سنة 1937، والصراعات الداخلية التي عاشها حزب الاستقلال في الفترة ما بين 1956 و1958، والتي أفضت إلى انشقاقه سنة 1958)، [7]

دور سياسي يضطلع به زعيم: لا يمكن ضمان التوازن بالمجتمع المغربي ولا تغير موازين القوى، إلا بالانضمام لزعيم والالتفاف حول عقيدة، وهذا هو حال الأسلوب السياسي بالمغرب (مثال علال الفاسي بحزب الاستقلال، والمهدي بن بركة بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية، رغم رفضه لهذا الأمر في البداية، لكنه استجاب في الأخير لذلك نزولا عند رغبة أتباعه) .

يتجلى الأمر إذن، في حرص الزعيم السياسي على تبني وممارسة مجموعة من العادات والتقاليد للمحافظة على أتباعه (النسب، الانتماء للقبيلة، المصاهرة، ...)

ولعل الأمر الغريب هو استمرارية محققة لهذه اللعبة السياسية، ألم تتحالف الأحزاب السياسية بشكل جماعي ضد حزب العدالة والتنمية لإضعافه حينما تقوى؟هو نفسه أسلوب القسمات القبلية الذي تحدثنا عنه سلفا، بالإضافة لاستمرارية العلاقة بين الشخص والمريد في أحزابنا السياسية لكل زعيم أتباع يناصرونه...

إن النسق السياسي المغربي ارتبط بشكل قوي بمحددات وثوابت لم يقطع معها وكأنها قوالب جاهزة لابد أن يلجها كل من دخل الحياة السياسة بالمغرب، وربما هذا هو المفسر الأساس لفشل الأحزاب السياسية المغربية، وارتباط وجودها بالحياة السياسية المغربية بشكل موسمي (الانتخابات) وتفقد نجاعتها على المدى البعيد...

نضع هذه الورقة كمحاولة للفهم وتحليل بسيط للنسق السياسي المغربي، ونتساءل من خلالها عن استمرارية النسق التقليدي وأسباب ذلك، سعيا لتقويم النموذج الديمقراطي بهذا الوطن العزيز وعقلنه الحياة السياسية .

"لابد من القطع مع كل أشكال التقليد"

 

بقلم: الهدي بسطيلي

طالب باحث سلك الماستر- المغرب

.........................

[1] Salah éden Med. Maroc. Tribus. makhzen et colons Ed l’ harmattan; paris ;1986

 [2] لأنتربولوجيا والتاريخ- حالة المغرب العربي مقال ليليا بنسالم -، عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق. دار توبقال، الدرا البيضاء، ¹1988

[3] التحليل الانقسامي للبنيات الاجتماعية في المغرب /حصيلة نقدية/ المستقبل العربي/ع75بتاريخ 1985

[4] سوسيولوجيا المغرب احمد الشراك /مرجع سابق

[5] D ; abdallah saaf /images politique du maroc/ed okadLrabat 1988P79

[6]المخزن في الثقافة السياسية المغربية /هند عروب /وجهة نظر 2003

[7] واتربوري، جون. أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية، ترجمة عبد الغني أبو العزم، عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق. مؤسسة الغني للنشر، الرباط، 2013 (الطبعة الثالثة) اسلوب النخبة

 

نايف عبوشلاشك أن أجهزة الاتصال الذكية، قد مكنت الناس من التواصل فيما بينهم بشكل سهل وسريع. ويقينا فأن تلك الميزة تحسب من الايجابيات الرفيعة لتلك الأجهزة، وتقنياتها المتطورة في هذا العصر. إلا أنه لابد من الإشارة في نفس الوقت، الى أنها وسائل ذات تأثير سلبي، بما أفرزته من ظاهرة الانغماس الشديد لمختلف شرائح المستخدمين في واقعها الافتراضي، الذي افرزته طبيعة استخدام تقنيات تلك الأجهزة، كبديل للواقع الحقيقي، ومن بينها بالطبع شريحة الأطفال، والصبيان، الأمر الذي ساعد على إتاحة استخدامها بينهم بسهولة، وبلا قيود، ناهيك عما تتضمنه تطبيقاتها من إمكانيات الدخول إلى مواقع غير مرغوب فيها، وبكل ما يحمله مثل هذا الاستخدام غير الرشيد لها عندئذ، من تداعيات ضارة على الأطفال، والصبيان، بالدرجة الأولى.

وبالطبع فإن فقدان الأطفال لآصرة الترابط الاجتماعي، يأتي في مقدمة سلبيات الاستخدام غير المنضبط، حيث يؤدي انشغال الطفل بالجهاز اللوحي، أو الهاتف النقال الذكي، طوال الوقت، وإفراطه في استخدامه، إلى انفصاله عن مجتمع اهله وزملائه، ليخسر بالتالي، فرصة تكوين علاقات حية مباشرة معهم، مما قد يؤدي إلى إحداث فجوة كبيرة في العلاقات العاطفية بينه وبينهم، وبين والديه وأفراد أسرته، وبذلك قد يصبح الطفل انطوائيا، وغير قادر على الاندماج، والتواصل المباشر بالمجتمع، والعالم الخارجي.

على أن إدمان الطفل على استخدام هذه الأجهزة، وانغماسه في بيئتها، يؤدي إلى هدر وقته، وخموله بما يعتريه من إرهاق بدني، ومن ثم تشتيت تركيزه، ، وهو ما قد يؤدي بالمحصلة، إلى إضعاف حماسه للتحصيل الدراسي، وربما يفضي به الأمر إلى الفشل في الدراسة، وتسربه منها .

كما ينبغي الإنتباه إلى أن إدمان الطفل على ممارسة الألعاب الإلكترونية، باستخدام تلك الأجهزة دون مراقبة الوالدين، قد يؤدي إلى اكتسابه عادات عدوانية، من خلال تأثره بمشاهد القتل والتدمير في هذه الألعاب، ومحاكاتها، وجنوحه لتقليدها .

واذا كان من المتعذر منع الأطفال، والصبيان، من استخدام تلك الأجهزة، بما هي وسائل استخدام تفرضها طبيعة العصر، وحيث قد لا يتاح للآباء أحياناً حجب المواقع الضارة فيها، ضمن نطاق مكاني محدد، من الناحية الفعلية كما يبدو، فانه ليس هناك من خيار في هذه الحالة، سوى الحرص على توعية الجيل، وتوضيح خطورة الأمر لهم، والعمل على ترشيد طريقة استخدامهم لهذه التقنيات، وذلك من خلال الإرتقاء بوعيهم، ورفع وازع حسهم الأخلاقي، بأسلوب يتناسب مع درجة وعيهم وسنهم، وبالشكل الذي يضمن الاطمئنان على سلامة الاستخدام، وتفادي حالات الجنوح، من دون إثارة حفيظتهم، لكي لا يشعروا أن منعهم من استخدامها المفرط، أو مراقبتهم الجادة، إنما تستهدف حرمانهم، او الحد من حريتهم في الاستخدام .

ولا ريب إن ترك الحبل على الغارب، والتقاعس في ترشيد استخدام الأطفال، والصبية، لهذه الأجهزة، سيعني إهمال الإهتمام المطلوب بسلامة البناء الحضاري اللائق للناشئة، وما يترتب على ذلك الإهمال من ضياع يتقاطع مع عادات، وتقاليد المجتمع الحميدة .

 

نايف عبوش

 

عبد الجبار الرفاعييميز الشيخُ أمين الخولي بوضوح بين التجديد في مفهوم القدماء ومفهومه المختلف للتجديد، فالتجديد في مفهومهم هو ضرب من الإحياء لما كان مندرسًا، والتذكر والاستئناف لما كان منسيًا، بينما التجديد في مفهومه هو ضرب من التطور، وليس إحياء لما هو مندرس، أو تذكرًا لما كان منسيًا، أو استئنافًا للقديم وإحضاره كما هو. ويرسم الخولي رؤيته هذه بقوله: "من وصف القدماء لعمل المجدد حينًا أنه إحياء ما اندرس، ومعنى هذا أن شيئًا من المعالم الدينية الاعتقادية أو العبادية، فرضًا أو سُنة، قد أهُمل ونُسى على مر الزمن، فيعمل المجدد على إعادة العناية به، والتزامه بالصورة القديمة الأولى التى كان عليها. وهذا الفهم المتبادر القريب من جملة كلامهم لا ينتهى إلى شيء من معنى التطور، الذى هو تغير الحياة أثناء سيرها إلى مستقبلها، فإذا ما كان المجدد مُطورًا للحياة فمعنى ذلك أنه يقدر تغيرها فى سيرها إلى غدها، ويعمل على جعل الدين مسايرًا لها فى هذا السير، موائمًا لحاجتها فيه، فالتجديد الذى هو تطور ليس إعادة قديم كان، وإنما هو اهتداء إلى جديد، بعد أن لم يكن عن طريق الاجتهاد"[1]. وبذلك تجاوز الشيخُ أمين الخولي وجهةَ الإحياء والإصلاح التي بدأت مع الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي في القرن التاسع عشر، وتواصلت فيما بعد مع جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، ومن تلاهما، ممن تمحورت جهودهم على الدعوة لإحياء ماضي الأمة واستئناف أمجادها، بالاعتماد على الأصول والمبادئ الموروثة في فهم الدين وتفسير نصوصه. لكن الشيخ الخولي استطاع أن يشتقَّ نهجاً يتلمس في ضوئه دربًا مغايرًا لما عرفناه من أصول ومبادئ موروثة في فهم الدين وتفسير نصوصه.

ظلّ الخولي مسكونًا بفكرة التطوّر، واستبدّت به هذه الفكرة إلى الحدّ الذي استند فيه إليها بوصفها مرجعيةً لإعادة بناء المعارف الدينية، وآداب وعلوم اللغة العربية، فمع الخولي، وللمرة الأولى، يتصدّع جدارُ الدرس اللغوي والبلاغي التقليدي، كما تنفتح الفلسفةُ الأخلاقيةُ في التعليم الأزهري على أفق جديد. لم يتردّد الشيخ الخولي في الدفاع عن نظرية التطوّر الدارونية في الأحياء، وأصرّ على منحها مشروعيةً، في ضوء ما يحاكيها ويقاربها من إشاراتٍ في "رسائل اخوان الصفا"[2]، وآثارِ ابن مسكويه، وابن سينا، وابن الطفيل، ممن ألمحوا أو صرّحوا بتصنيف الموجودات في سُلّم تراتبي، يحتلّ فيه الإنسانُ الذروةَ في تكامله، فيما يليه الحيوانُ، فالنباتُ، إلى أدنى مرتبة وهو الجماد. وشغف الخولي بالتجديد إلى الحدّ الذي كان برأيه هو الثورةُ الكبرى في كلّ قرن، إذ يقول: "إن ذلك التجديد على رأس القرون هو ذلك العمل الثوري الكبير الذي تحتاجه الأمة، كأنما هو ثورة اجتماعية دورية"[3].

توسّع الخولي في تطبيق فكرة التطوّر على علم الكلام والفقه واللغة، بل تعميمها لتشمل أبعادَ الوجود البشري المعنويةَ والفكريةَ والاجتماعيةَ والأخلاقيةَ كافة. وأصرَّ على أن التطوّرَ هو الناموسُ الشاملُ في الخلق والحياة، وليس ناموسًا خاصًا بعلم الأحياء فقط. يكتب الخولي: "صار كل باحث يتصدى لدرس شيء من ذلك إنما يتقدم إليه مسلّمًا بعمل ناموس النشوء فيه، فيما مضى وفيما هو آت، ولم يعد الباحثون يقبلون القول بظهور كائن كامل الوجود دفعة واحدة، فكرةً كان أو لغةً أو فنًّا أو حضارة... إن ظهور الفكرة الجيدة يشبه في تطور الحي ظهور صفات جديدة في نوع من الأحياء تخالف الصفات القديمة، وقوة يقين أصحاب الفكرة الجديدة بصحتها وصلاحيتها تقابل درجة قوة الصفات الجديدة في الحي على البقاء. وإن صلاح البيئة الاجتماعية لحياة الفكرة الجديدة ومعاكستها لحياة الفكرة القديمة، تقابل حال البيئة الطبيعية بالنسبة لصفات الكائن الحي الجديدة. وإن قوة اقتناع أصحاب الفكرة الجديدة بها، وترسيخهم لها، في أذهان الناس، تشبه قوة الحي على إفناء منافسه وإبادته. واقتناع الناس رويدًا بالفكرة الجديدة وانسلاخهم من الفكرة القديمة يشبه موت الأفراد الضعاف في التناحر المادي. وإنّ تأصّل الفكرة وثباتها في نفوس مقتنعيها يشبه تأصّل صفات الحي الجديدة في نسله ورسوخها"[4].

تبدو حالةُ التفهّم لقيمة معطيات العلوم والمعارف الحديثة واضحةً في توكؤ الخولي على نظرية التطور الدارونية، والاستنادِ إليها بوصفها مرجعيةً شاملة في تسويغِ ضرورة تطوير اللغة وآدابها، وتجديدِ معارف وعلوم الدين. وهي سمة طبعت تفكيرَ بعض رجال الدين والمثقفين في ذلك العصر، ممن تعرّفوا على العلوم الحديثة، واكتشفوا التقدّمَ الغربي، واستند غيرُ واحد منهم إلى نظرية التطوّر لتسويغ تجديد التفكير الديني. كما تمادى بعضُهم وأسرف في توظيف فرضيات ونظريات وقوانين العلم الجديدة في تفسير القرآن، مشدّداً على التوأمة بين العلم والقرآن الكريم، إلى الحدّ الذي أضحى معه النصُّ القرآني بمثابة كتاب لا مضمونَ له، ولا يكتسب مضمونَه إلا بإسقاط معطيات العلم الحديث ونظرياته واكتشافاته[5].

يتّسع قانونُ التطوّر في منظار الخولي ليشمل اللغةَ أيضًا، مثلما يشمل الظواهرَ الأخرى في الاجتماع البشري كافة. فهو يرفض المواقفَ اللاعقلانية في التعاطي مع العربية، بوصفها استثناءً من لغات العالم، لذلك لم يقبل ما يقال عن: " فضل العربية .. وكمال العربية .. وانتهاء العربية إلى ما لاشيء بعده"[6]. وشدّد على أن العربيةَ ليست استثناءً من اللغات البشرية، فكلُّ لغة كائنٌ اجتماعي حيّ، يحيا ويتطوّر تبعا لسنن الحياة وتطوّرها، وأن اللغةَ بطبيعتها أكثرُ حيويةً ومرونةً وإمكاناتِ تحديث من سواها، ففيها على الدوام كلماتٌ تموت وتندثر، وأخرى تتوالد، أو تنحت، لتثري معجمَها، وتعزّز رصيدَها التداولي. وذلك ما يوضحه الخولي بقوله: "فاللغة من أشد المظاهر الحيوية لينًا، وأقلها تصلبًا وتحجرًا، وأطوعها للتطور، وقدماؤنا يدركون هذا واضحًا، حين يتحدثون عن تهذيبِ اللغة وعواملِه، وحين يقرّرون أن الاستعمالَ يحيي ويميت، ويقبح ويحسن، وحين يصفون تداخلَ اللغات، وما إلى ذلك من دلائل الشعور بتأثر اللغة بالحياة تأثرًا قويًا"[7].

وفي لفتةٍ بالغةِ الدلالة يتحدّث الخولي عن مأزقِ الفصحى، والازدواجِ اللغوي بين الفصحى والعامية، وكيف أننا نتحدّث بلغةٍ غيرِ تلك التي نفكّر ونكتب ونقرأ فيها، فسعى للكشف عن الجذور التاريخية لذلك، وكيف أن المنهجَ الذي اعتمده المعجميون الأوائل في جمع اللغة تبنّى لغةَ البدو في الصحراء العربية خاصة، إذ استبعدوا كلَّ كلمة تدلّ على ما هو شائعٌ في المدينة والحواضر المعروفة؛ لذلك اغتنت العربيةُ بكلمات البادية، وما يدلّ على الظواهر الطبيعية والحيوانات والنباتات والعادات والتقاليد والأدوات والأشياء والصور والحاجات السائدة في نمط الاجتماع القبلي، في حين افتقرت الى ما هو معروفٌ ومتداوَل في المدن. وكأنه هنا يلمح الى أن العربيةَ مازالت مرآةً لحياة البداوة، وأنها مشبعةٌ بنمط ثقافتها، فرؤيتُها للعالم ضيقةُ الأفق، وإيقاعُ التحوّل والتغيير فيها بطيء، خلافاً للغة المدينة التي تغتني بالكثير من الألفاظ الدالة على ما يسود حياةَ الحواضر المدينية من أشياء وأفكار. من هنا ضاقت عربيةُ القبائل البدوية في العصر العباسي عن استيعاب ما تفشّى في الاجتماع الإسلامي من أشياء وأفكار لم تعرفها الباديةُ من قبل، فعوّضت ذلك بالاستيرادِ من غيرها، واشتقاقِ وتوليدِ ألفاظ جديدة. 

 

د. عبد الجبار الرفاعي

.......................

[1] الخولي، أمين. المجددون في الاسلام. ص 45.

[2] وردت في الرسالة الثامنة من الجسمانيات الطبيعية في رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء أشارات لنظرية التطور. بيروت: دار صادر، ١٩٥٧ ، ج2: ص ١٧٨ وما بعدها.

[3] الخولي، أمين. المجددون في الاسلام. ص 17.

[4] الخولي، أمين. كتاب الخير. ص ٥٧، 66.

[5] أسرف في تطبيق هذا المنهج الشيخ طنطاوي جوهري ( 1870 – 1940)  في تفسيره:  الجواهر في تفسير القرآن الكريم، كما تحدثنا عن ذلك في فصل 6 في الطبعة الثانية من كتابنا: الدين والاغتراب الميتافيزيقي.

[6] الخولي، د. يمنى طريف. أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد. ص 42، عن: . 56 د. حامد شعبان، أمين الخولي والبحث اللغوي، ص 16.

[7] الخولي، أمين. مناهج تجديد. ص 17.

 

 

حسين سرمك حسنقتلت أكثر من (300) مليون إنسان في العالم الثالث!!

أكملتُ قبل مدّة موسوعة عن الإبادت الغربية (الأمريكية البريطانية والفرنسية والبلجيكية بشكل خاص) وفيها معلومات مثيرة وخطيرة تُكشف لأول مرّة للقارىء العربي. فأغلب القرّاء في عالمنا العربي لا يقرأون، وللأسف، بلغة أخرى غير لغتهم الأم وخصوصا باللغة الانجليزية – ولهذا فهم لا يطلعون على ما يُكشف من وثائق خطيرة تنشرها الحكومات الغربية المعنية بفعل التقادم الزمني أو بفعل طلبات قوانبن حرية الحصول على المعلومات أو يسرّبها مواطنون غربيون شجعان آمنوا بأن الحقيقة ومصائر الشعوب أعلى من مصالح الفئات الاستغلالية المتحكمة في بلدانهم او يحصل عليها باحثون وكتّاب وصحفيون استقصائيون ملتزمون بشرف الكلمة. والأفراد البواسل من الفئتين الأخيرتين تحمّلوا الكثير من التضحيات في سبيل مبادئهم ولعل أفضل الأمثلة على ذلك ما حصل للصحفي غاري ويب (أنتج عن قضيته فيلم مهم هو "اقتل الرسول kill the messenger) وعبقري الكمبيوتر آرون شوارتز (الخالق الرائع لموقع رديت Reddit ولـ  أر إس إس RSS) وراي غريكار وكارول كاسير وعضوة مجلس الشيوخ الأمريكي "نانسي شايفر" والجندي الأمريكي برادلي ماننغ والمتعاقد الأمني إدوارد سنودن والصحفيان الشهيران الأمريكي سيمور هيرش والبريطاني روبرت فيسك وغيرهم الكثير من "أبطال الحقيقة" فإليهم منّا آيات الاحترام والتقدير.

في هذه الموسوعة (1916 صفحة) سوف يتم تصحيح التصوّر الخطير الخاطىء الذي يسيطر على عقول الكثيرين وهو أن هناك (محرقة) أو (هولوكوست) كبير في تاريخ العالم الحديث هو المحرقة اليهودية أو الهولوكوست النازي ضد اليهود والذي تدور حوله الكثير من الشبهات ويتم تغيير عدد الضحايا بين وقت وآخر حينما تتكشف حقائق جديدة (منها عدم وجود غرف غاز نازية في معسكرات الاعتقال وظهور سجلات الصليب الأحمرالدولي التي كانت متسترا عليها سابقا) تثبت بما لا يقبل الشك أن العدد الحقيقي لضحايا الهولوكوست هو أقل بكثير مما تروج له الدعاية الصهيونية.

ما سيثبت في هذه الموسوعة هو أن هناك محارق وهولوكوستات غربية (أمريكية وبريطانية وفرنسية وبلجيكية بشكل خاص) أغرب من الخيال بأعداد ضحاياها وبأساليبها الوحشية. إبادات جماعية لا يمكن أن يصدقها العقل ومن المستحيل أن يقترفها إنسان يحمل مشاعر وعواطف بشرية سليمة وصحّية. هذه الإبادات (الهولوكوستات، المحارق) تفوق بمئات المرّات الهولوكوست اليهودي من حيث وحشية الأساليب وعدد الضحايا المُرعب.

وخذ بعضاً من هذه الأرقام:

- الولايات المتحدة الأمريكية (بعض – وأؤكد على "بعض" - من إبادات أمريكا الجماعية):

هولوكوست المواطنين الأصليين (الذين يُسمّون خطأً بالهنود الحمر بسبب خطأ كولومبس في أنه وصل إلى الهند عن طريق آخر ولم يعرف أنه وصل العالم الجديد!!): قتل بين 67 - 112 مليون مواطن!!

هولوكوست إبادة الأفارقة الأحرار (9 ملايين قتيل خلال 13 عاماً فقط)

الهولوكوست الفلبيني (إبادة الشعب الفلبيني): إبادة مليون مدني و16 ألف جندي فلبيني

الهولوكوست الألماني بعد الحرب قادته الولايات المتحدة الأميركية فأبادت 9-15 مليون مواطن ألماني

محرقة أسرى الحرب الألمانيين على يد إيزنهاور أدت إلى مقتل مليون أسير ألماني

الهولوكوست الإندوتيسي: أكثر من مليون قتيل حسب منظمة العفو الدولية

الهولوكوست الفيتنامي (إبادة الشعب الفيتنامي): أمريكا قتلت 4 ملايين فيتنامي من أجل الديمقراطية !!

مذبحة ماي لاي: الجنود الأمريكيون قتلوا وأحرقوا 504 مدنيين فيتناميين (منهم 182 امرأة- 17 منهن حوامل- و 173 طفلا، من بينهم 56 رضيعا) 

680 سرمك 1

(بعض من ضحايا مذبحة ماي لاي الذين قتلهم الجنود الأمريكان- لاحظ الضحايا من النساء والأطفال)

الهولوكوست الأمريكي الكيمياوي في فيتنام:

وفقا لما ذكره الصليب الأحمر الفيتنامى، فقد تأثر حوالى مليون من الفيتناميين بالعامل البرتقالي، من بينهم 150 الف طفل يعانون من عيوب خلقية، وفقا لما ذكرته شبكة سى ان ان الاخبارية. 

680 سرمك 2

(طفلان فيتناميان مشوّهان)

680 سرمك 3

(أطفال فيتناميين مشوهين بفعل العامل البرتقالي الأمريكي)

الهولوكوست البنغلاديشي: أسقطت أمريكا التجربة الديمقراطية في بنغلاديش (1/2 مليون – 3 مليون قتيل)

- بريطانيا- وهذا أحد أرقام ضحايا الإبادات الجماعية البريطانية:

الهولوكوست البريطاني في الهند: قتلت المجاعات البريطانية 55 مليون مواطن هندي 

680 سرمك 4

(جثث الهنود من ضحايا المجاعات البريطانية متروكة في الشوارع ولاحظ العقبان وهي تأكل الجثث المتفسخة وكيف تنتشر على الأرض وعلى السطوح)

- فرنسا- وهذه بعض – وأؤكد على "بعض" - من إبادات فرنسا الجماعية:

فرنسا سبقت داعش في قطع الرؤوس وأبادت 10 ملايين جزائري (الجزائر بلد العشرة ملايين وليس المليون شهيد)

كيف رمت الشرطة الفرنسية بالمتظاهرين الجزائريين في نهر السين مربوطي الأيدي؟ - مذبحة 17 أكتوبر 1961 ضد الجالية الجزائرية بفرنسا: 300 قتيل جزائري و 400 في عداد المفقودين وما يقارب من 9260 معتقل 

680 سرمك 5

(جنديان فرنسيان يستعرضان بفخر رأسين مقطوعين لمواطنين جزائريين)

- بلجيكا- وهذه بعض أرقام المحارق البلجيكية ضد المواطنين الأفارقة في الكونغو:

الهولوكوست البلجيكي في الكونغو: قتل الاستعمار البلجيكي 10 ملايين مواطن كونغولي – وقطع أيدي الملايين 

680 سرمك 6

(ضحايا مدنيين مقطوعي الأيدي في ظل الاستعمار البلجيكي) 

680 سرمك 7

(مُبشّر يشير إلى اليد المقطوعة لقروي كونغولي. كانت الأيدي المقطوعة "الرمز الأكثر قوة للوحشية الاستعمارية البلجيكية" في الكونغو). 

680 سرمك 8

(أب يحدق في يد وقدم ابنته البالغة من العمر خمس سنوات، مقطوعةً كعقاب لأنها حصدت القليل جدا من المطاط)

 - وهل انتهت السادية الغربية في القرن الحادي والعشرين؟

هذه بشاعة لا تُصدّق: جنود بليجيكون يشوون طفلا صومالياً حيّاً ثمّ عفت عنهم المحكمة!!!- جنود إيطاليون اغتصبوا امرأة صومالية بقنبلة يدوية مدهونة بالمربّى! – قال الجنود: قادتنا أمرونا بعدم معاملة الصوماليين كبشر وقتل النساء والأطفال!- وعفت عنهم المحكمة أيضاً 

680 سرمك 9

(الجنديان البلجيكيان اللذان قاما بشوي الطفل الصومالي حُكم عليهما بغرامة 200 جنيه والسجن شهر واحد!!)

- الإستعمار حالة إيجابية !!!

والكارثة الكبرى الآن تتمثل في إصرار الدول الغربية على أن هذه الإبادات هي خسائر ضرورية لكي تقوم الدول الاستعمارية الغربية بـ "تحضير" وتطوير وتحديث شعوب تلك البلدان المظلومة!!:

في عام 2005 فرنسا "المتحضّرة" تُصدر قانون تمجيد الاستعمار !!- إبادة الشعوب ليست شرّاً بل "تبادل ثقافات"!!- ويجب إدخال مدح الاستعمار في المناهج الدراسية

جرائم منظمة الجيش الفرنسي السري - تدشين نصب تذكاري يُمجد منظمة الجيش الفرنسي السري التي قتلت الآلاف من الجزائريين- وقانون فرنسي لتكريم الخونة والسفّاحين الذين تعاونوا مع المُحتل خلال الثورة الجزائرية

فرنسا: مزاد علني لبيع أدوات إعدام وتعذيب مجاهدي الجزائر ضد الاستعمار

هولوكوست المسلمين: الولايات المتحدة قتلت 6 – 8 ملايين مسلم لمكافحة الإرهاب! فهل قتل الإرهابيون مثل هذا العدد؟

وبالمناسبة فإن عدد ضحايا الإرهاب الفعليين الذين يُـتهم بقتلهم المسلمون هو (5) آلاف وبضمنهم ضحايا هجمات 11 أيلول "المفبركة" على أبراج التجارة في نيويورك والذين يبلغ عددهم (3) آلاف ضحية بينهم يهودي واحد – بسبب تبليغ الموظفين اليهود بعدم الدوام في يوم الهجمات مثلما بلفوا المواطنين اليهود الفرنسيين في باريس بعدم الخروج يوم الجمعة الذي وقعت فيه هجمات باريس الإرهابية الشهيرة - .

ويهمني القول بأنّ هذا الجهد الذي بذلتُه في تقديم هذه الموسوعة عن الإبادات البشرية الغربية التي يقترفها الغرب بحق الإنسانية خصوصا في العالم الثالث قد حفزني عليه عدد من العوامل في مقدمتها عاملان، الأوّل هو استمرار هذه المذابح ضد الإنسانية يقترفها الغرب كل لحظة وخصوصا تحت غطاء ذرائع مواجهة "الإرهاب الإسلامي" الذي خلقته وموّلته ودرّبت مقاتليه الدوائر الاستخبارية الغربية، والثاني هو اطلاعي على السلسلة المهمة (ثلاثة كتب) للمؤرخ الأستاذ "منير العكش" عن أمريكا والإبادات الجماعية والجنسية والثقافية. فله منّي التحية والتقدير.

عنوان الحلقة المقبلة هو:

صدّق أو لا تُصدّق:

يحتفظ متحف الإنسان الفرنسي بـ 18 ألف جمجمة من الشعوب المحتلة قطعوا رؤوس أصحابها؟- تم التعرّف على 32 منها لقادة جزائريين قُطعت رؤوسهم! – المحتلون الفرنسيون يقطعون رؤوس الجزائريين ويحتفظون بها في المتحف الفرنسي؟

 

الدكتور حسين سرمك حسن

14 – شباط / فبراير - 2019