ميثم الجنابيالعراق نقد الواقع وتأسيس البدائل (12)

لقد كان (قانون إدارة الدولة) مكتوبا بلغة أجنبية ومترجما ترجمة ركيكة. وحتى في حال افتراض كتابته بالعربية الجيدة، فإنه يبقى في نهاية المطاف قانونا طارئا وعابرا، أي لا قانونا من حيث قدرته على تأسيس نفسية وفكرة التراكم الضرورية في الحقوق والدولة والفكرة الوطنية. ولا يعني قبول "القوى العراقية" به بهذه الطريقة سوى خلوها من هاجس الوطنية واعترافا بالعجز وقبولا ذليلا بالمهانة الوطنية. وليس مصادفة أن تتفاخر به القوى القومية الكردية أكثر من غيرها، وذلك لضعف أو انعدام الحس الوطني العراقي عندها. فقد شعرت هي للمرة الأولى في تاريخ العراق المعاصر بأنها ليست دمية تحركها الأيدي الخارجية، بل تتحرك بنفسها. أما في الواقع فإنها كانت دمية يحركها ثقل داخلي، هو «الثقة» بالمحتل الجديد والخضوع التام له.

أما في الحصيلة، فقد كان (قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية) خطوة أتعس من سابقاتها بصدد تأسيس الفكرة الوطنية، أو علامة إضافة على انحطاطها الأشد، لأنه لم يكن نتاجا لمعاناة القوى السياسية والمجتمع بل من معاناة "القوى المحتلة". وهي قوى مزدوجة (عراقية وأمريكية) محكومة بنفسية الغنيمة والصعود الطارئ إلى السلطة وضعف المناعة الاجتماعية. من هنا غرابة المادة المتعلقة بالهوية الوطنية للعراق، عندما جرى تصويرها في المادة السابعة في الفقرة (ب) من أن «العراق بلد متعدد القوميات والشعب العربي فيه جزء لا يتجزأ من الأمة العربية». بينما تفترض الرؤية الحقوقية رجوع الجزء إلى الكل أو الفرع إلى الأصل. فالوطنية أيضا منطق. لهذا كان من الضروري القول على سبيل المثال "العراق بلد عربي متعدد القوميات" مع إضافة صيغ تؤكد احترام حقوق الجميع في كافة المجالات القومية والثقافية والدينية وغيرها، أو أن يقال "العراق العربي بلد متعدد القوميات" انطلاقا من أن العراق عربي بحكم الصيرورة والكينونة. فعندما يجري الحديث عن العرب في العراق على أنهم جزء من أمة أخرى، فهي عبارة توحي بأقليتهم فيه. بينما كان يمكن قولها عن الأقليات القومية الأخرى جميعا باستثناء العرب.

غير أن هذا "الدهاء" السياسي كان النتاج المباشر وغير المباشر للنفسية العرقية الجديدة للقوى القومية الكردية المستفحلة بقوة الاحتلال. من هنا شعور الانتصار والرغبة العارمة في الحصول على أكبر قدر من المغانم، مثلما نراه في المواد المتعلقة بتحديد "إقليم كردستان" وفكرة "الإقليم" و"المحافظات الثلاث" و"الأراضي المتنازع عليها" و"كركوك"، باختصار كل ما له علاقة "بالأرض" في العراق. إذ تعكس هذه الصيغ غياب أو انعدام الفكرة الوطنية، أو اغترابها وعدوانيتها المختبئة وراء سياسة التخريب الانفصالية. من هنا امتلاء «قانون إدارة الدولة» بالمواد المتناقضة وغير الواضحة في مجال «الأرض». فعلى سبيل المثال نعثر في الفقرة (ج) المتعلقة بفكرة الإقليم ما يلي «يحق لمجموعة من المحافظات خارج إقليم كردستان لا تتجاوز الثلاث، فيما عدا بغداد وكركوك، تشكيل أقاليم فيما بينها». وفي فقرة لاحقة نقرأ ما يلي: "تؤجل التسوية النهائية للأراضي المتنازع عليها، ومن ضمنها كركوك، إلى حين استكمال الإجراءات أعلاه، وإجراء إحصاء سكاني عادل وشفاف وإلى حين المصادقة على الدستور الدائم. يجب أن تتم هذه التسوية بشكل يتفق مع مبادئ العدالة، آخذاً بنظر الاعتبار إرادة سكان تلك الأراضي"!! وفي فقرة أخرى نقرأ ما يلي:"لقد تلاعب النظام السابق أيضا بالحدود الإدارية وغيرها بغية تحقيق أهداف سياسية. على الرئاسة والحكومة العراقية الانتقالية تقديم التوصيات إلى الجمعية الوطنية وذلك لمعالجة تلك التغييرات غير العادلة. وفي حالة عدم تمكن الرئاسة الموافقة بالإجماع على مجموعة من التوصيات، فعلى مجلس الرئاسة القيام بتعيين محكم محايد وبالإجماع لغرض دراسة الموضوع وتقديم التوصيات. وفي حالة عدم قدرة مجلس الرئاسة على الموافقة على محكم، فعلى مجلس الرئاسة أن يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة تعيين شخصية دولية مرمـوقة للقيام بالتحكيم المطلوب". وشكلت هذه الفقرات مضمون ما يسمى بالمادة الثامنة والخمسين من (قانون إدارة الدولة)، والتي جعلت منها القوى القومية الكردية المادة الوحيدة "للصراع" بما في ذلك إدخالها في مشروع "الدستور الدائم" للعراق!!

إن الإصرار على هذه الجوانب من جانب الحركات القومية الكردية والموافقة عليها من جانب القوى الإسلامية (الطائفية) في عراق ما بعد الصدامية يعني من حيث رمزيته البقاء في مرحلة ما قبل الدولة العصرية، ومن الناحية الروحية الانحراف عن فكرة الوطنية العراقية. وفي مسار التاريخ السياسي للدولة هو السقوط في هاوية الخديعة الكامنة في الاعتقاد المزيف عن إمكانية أن يكون الدهاء السياسي قانونا!! إذ تدفع هذه الممارسات ومن يقوم وراءها للاختباء أكثر فأكثر وراء الفكرة القومية المتطرفة أو العرقية الانفصالية أو الطائفية الدموية. فعندما نتفحص مضمون "المواد" المتعلقة بالأرض في (قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية)، فإننا لا نعثر فيها على رؤية وطنية بقدر ما نعثر فيها على صيغة «بارعة» للانحطاط الوطني. فهو نموذج لغلبة النزعة العرقية ومختلف أصناف اللاعقلانية كالأرض والدم وأشباهها. فقد كانت هذه الصيغة (وما تزال) تميز رؤية القوى القومية الكردية. ومن ثم لا يعني رفع الرؤية العرقية لأقلية أطرافية صغيرة سوى النكوص بالضرورة في مضمار الرؤية الوطنية. لاسيما وأنها رؤية قديمة نسبيا نعثر عليها بوضوح في مشاريع الدستور التي قدمتها الأحزاب القومية الكردية قبل ذلك بفترة طويلة نسبيا. فعندما ننظر إلى مواد «قانون إدارة الدولة» وما هو موجود في "مشاريع" الحركات القومية الكردية، فإننا نعثر على تشابه تام، أو أننا نستطيع رؤية باعثها ومؤسسها الأولي. فهي ليس مواد حاملة للفكرة العرقية فحسب، بل ومليئة بأفكار عنصرية لا عقلانية مثل فكرة "سكان الأرض الأصليين" و"الأراضي المتنازع عليها" ومن ثم محاولة "تدويل" "الحدود" و"الأرض" وما شابه ذلك داخل العراق!! إذ تدل جميع هذه العبارات على رؤية قومية ضيقة تفتقد لأية أبعاد وطنية عراقية عامة. وهذه بدورها ليست إلا نفسية القوم الدخيل. فهي لا تفعل في نهاية المطاف إلا على إثارة النزوع القومي المتطرف عند الجميع. إضافة إلى إثارة قضايا لا تحصى حول التاريخ المعاصر للحركات القومية الكردية ومعنى سلوكها في ظل المرحلة السابقة واتفاقاتها مع الطغمة الدكتاتورية وشرعية ما كانت تقوم به، إضافة إلى مستوى شرعية وطبيعة المواقف والاتفاقات التي أبرمت سابقا من وجهة نظر الحركات القومية العربية والوطنية العراقية. ثم من هم "السكان الأصليين" في العراق؟! وما معنى شمال العراق أو «كردستان» العراق من وجهة النظر التاريخية والثقافية العراقية القديمة (أي الأصلية) للآشوريين وأحفادهم. فهم ليسوا "هنودا حمر" ولا "سكان استراليا الأصليين"، وما معنى العراق العربي والعراق العجمي في الرؤية التاريخية العربية الإسلامية، وأين محل "أهل الجبل" أو "الأكراد" منهما بالمعنى التاريخي والثقافي والجغرافي والقومي. إضافة إلى المئات من القضايا الأخرى. ذلك يعني، إننا نقف أمام قوى ليست عراقية في العراق، همهَّا الأول والأخير الحصول على «غنيمة الأرض» بعد سقوط الدكتاتورية. بعبارة أخرى، إن همومها السياسية ليست هموما وطنية اجتماعية متعلقة بإقامة بدائل ديمقراطية اجتماعية إنسانية وطنية، بل إعادة النظر في "الحدود" و"الأراضي المتنازع عليها" وتحديد "السكان الأصليين" وما شابه ذلك من مفاهيم لا يمكنها أن تصنع في ظروف العراق الحالية والمستقبلية غير ثقافة التطرف والغلو القومي. ومن ثم إمكانية الاحتراب القومي. والنتيجة لا تحتاج إلى عناء كبير من اجل معرفة مسارها ونتائجها.

إلا أنها حالة ظلت سارية المفعول بما في ذلك في مجرى التحضير والإعداد لكتابة الدستور الجديد. وتشير هذه الحالة إلى استمرار الخلل الجوهري في الفكرة الوطنية، بمعنى عجزه عن تأسيسها في قانون دائم. إذ نقف أمام قوى عاجزة عن تعميم تجارب العراق المأساوية من اجل تذليل الخلل الجوهري القائم حاليا في الفكرة الوطنية بشكل عام وعلاقتها بالفكرة القومية. ويلازم هذا الخلل استحالة التوفيق بين قانون دائم ونخبة مؤقتة. وفي استحالة التوفيق بين قانون دائم ونخبة مؤقتة يكمن سر انعدام التوفيق في إرساء أسس الوطنية العراقية الحقيقية. وليست هذه الاستحالة سوى النتاج المميز لضعف أو انعدام الفكرة الوطنية عند النخب والأحزاب السياسية. غير أن هذه الظاهرة ليست طارئة كما أنها لا تخص واقع العراق الحالي أو تاريخه المعاصر. فاستقراء تاريخ الأمم، وتجارب النخب السياسية تكشف عن أن الذكاء الفعلي للنخب السياسية يمكن قياسه الفعلي زمن الانعطافات الحادة والتحولات المفاجئة والأوقات العصبية واللحظات «المصيرية». ففيها تظهر بجلاء حقيقة مكوناتها و"معدنها" ومستوى ثباتها الذاتي. فهو الزمن الذي يكشف عن الحقيقة القائلة، بأن الذكاء الفعلي للنخب السياسية يقوم في ثباتها الوطني والاجتماعي والأخلاقي، وليس في مغامراتها الجزئية. بمعنى وضعها أمام محك ما إذا كانت هي قادرة فعلا على الارتقاء إلى مصاف المكون الضروري لتاريخ الأمة أم البقاء ضمن زمن المغامرات السياسية. وهو زمن عرضة للانحلال والتفسخ شأن كل ما لا يندرج ضمن تراكم التجارب الذاتية للأمم. لاسيما وأن التجارب الذاتية للأمم هي الوحيدة التي تعطي للأفراد والجماعات والأحزاب قيمتها، بوصفها عناصر في كينونتها الوطنية والقومية أو حلقات في سلسلة مسارها التاريخي.

وحالما نضع هذه الفكرة العامة على محك قضية الدستور بشكل خاص، فإن الحصيلة تبدو زهيدة جدا. فالمعدن المزيف للنخبة السياسية الحالية في العراق ليس إلا الصيغة الأكثر تشوها لتشوه فكرتها الوطنية. مما جعل ويجعل من ممارساتها بهذا الصدد مجرد اجترار لزمن المغامرات الجزئية المميزة للوعي الحزبي. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام قوى حزبية وليست سياسية. وهو السبب الذي يفسر غياب الأبعاد الاجتماعية في الموقف من قضية الدستور بوصفه «عاصم» الوحدة الوطنية والدولة الشرعية وفكرة الحق وسيادة القانون.

فمن الناحية المجردة ليس الدستور سوى "الوثيقة" الأكثر تجريدا وتعميما للمبادئ والقواعد التي تحكم بها الأمة نفسها بنفسها، والدولة بمؤسساتها حسب القانون. الأمر الذي يعطي له مقدرة على توحيد كمية ونوعية الوعي الحقوقي. وذلك لأن الدستور هو الصيغة الأكثر رقيا في تمثل تقاليد الرؤية القانونية، أي العيش حسب قواعد عامة يمكن تخصيصها بقوانين جزئية بوصفها معاملة قانونية متجددة مع مستجدات الحياة، أي تعميم تجاربها بالشكل الذي يجعلها خاضعة للحدود (من عقاب أو ثواب). وبهذا المعنى يمكن النظر إلى الدستور على انه ليس مجرد «وثيقة»، بقدر ما انه معيار لرقي الأمم في مدارج القانون والثقافة الحقوقية، أي مستوى تمثلها لمستوى الحق والحقيقة. أما بلوغ مستوى الحق والحقيقة في الرؤية القانونية بشكل عام والدستورية بشكل خاص، فإنه يفترض كحد أدنى الارتقاء إلى مصاف «العام». فهو الوحيد القادر على تقديم مواد قادرة على التوسع والتعمق القانوني، ومن ثم ترسخ وانتشار الفكرة الشرعية بوصفها جزءا جوهريا من منظومة اجتماعية وسياسية عامة. ذلك يعني أن كتابة القانون هي ليست «كتابة» عادية، أو «كتابة» مواد «دستورية» بقدر ما هي تعميم التجارب الخاصة والعالمية بالشكل الذي يجعل من فكرة العام والشرعي في كافة نواحي الحياة حقيقته الفعلية.

إن كتابة الدستور هي ليست مهمة حزبية وليست سياسية، بل مهمة وطنية عامة لكي يتحول الدستور إلى "وثيقة وطنية" وليس إلى "وثائق حزبية" أو "محاصصة" متنوعة الهويات. وذلك لأن بقاءه ضمن معايير الرؤية الحزبية يجعل منه مجرد أسلوب عاجز عن صنع أي إجماع وطني. بل يمكن توكيد العكس، بمعنى تحوله إلى مكمن الخلاف الباطني، ومن ثم التنازع والصراع والاحتراب. وبصفته هذه لا يفعل إلا على تخريب فكرة القانون والشرعية، وماهية الدستور بوصفه «وثيقة وطنية وقانونية عامة». مع ما يترتب عليه من تخريب للفكرة الوطنية.

وعندما نطبق ذلك على أوضاع العراق الحالية، وبالأخص تجاه كيفية "كتابة" الدستور والخلاف العلني والمستتر حولها والقوى القائمة وراء ذلك، فإننا نقف أمام اضمحلال للهوية الوطنية العامة عند النخب الحزبية الأكثر تأثيرا وقوة في مرحلة "الانتقال إلى الديمقراطية". فقد كشفت هذه القوى في غضون سنوات قليلة ما بعد سقوط الدكتاتورية عن حقيقة معدنها بوصفها قوى عرقية وطائفية. وهو واقع جلي كان يمكن رؤية طبيعته في الصراع الدائر حول "كتابة" الدستور. إذ لم يكن صراعا من اجل تعميق فكرة الشرعية والحق والحرية والنظام بوصفها المكونات الضرورية للوحدة الوطنية، بل حول كيفية إدماج وإدراج "المطالب السياسية"، أي الحزبية في الدستور. وهي ممارسة لا يمكنها أن تصنع في أفضل الأحوال غير ما يمكن دعوته بدستور الوفاق الحزبي والمحاصصة الطائفية والعرقية.

إن دستور الوفاق الحزبي والمحاصصة الطائفية والعرقية لا يمكنه أن يصنع هوية وطنية عامة، أي هوية عراقية. وهو سبب كاف لوحده لإفقاد الدستور من كل قيمة ومعنى وأثر ايجابي محتمل في بناء "العراق الجديد". على العكس، انه سوف لن يفعل إلا على إعادة العراق إلى الخلف. وليس مصادفة أن يقف العراق بعد مرور قرن من الزمن على ظهوره «الحديث» أمام نفس الحالة التي وصفها الرصافي في أحد أبياته الشعرية الناقدة لأوضاع العراق حينذاك عندما قال "علم ودستور ومجلس أمة، كلّ عن المعنى الصحيح محرّف". ويمكن فهم باعث هذا النقد بمعايير الحماسة الشعرية والرغبة المعتملة في قلب كبير من اجل عراق أكبر، إلا انه يبقى مع ذلك أكثر انطباقا على أوضاع العراق الحالية. فقد كان دستور العراق وعلمه ومجلس أمته آنذاك في مرحلة تكون ونشوء، بينما مجلس الأمة وأعلامه واختلاف القوى حول «كتابة الدستور» الذي يجري بعد قرن من الزمن يبدو أشد تخلفاً. فالأول أفضل من الثاني في اغلب مكوناته ومستوى تأسيسه. وهو أمر يشير إلى أن تاريخ العراق الحديث بهذا الصدد كان زمنا لا غير. ذلك يعني أن حياة ونشاط النخب الحزبية الحالية هو جزء من زمن ضائع، لأن جهودهم الكبرى والصغرى، الخاصة والعامة، تهدف إلى إرساء قواعد المغامرة ولعبة المصالح الضيقة وليس منظومة الحقوق الضرورية لبناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. وذلك لأن المتحكم فيها هو فكرة الوفاق والمحاصصة. بينما يتعارض الوفاق مع فكرة الديمومة، كما تتعارض المحاصصة الطائفية مع فكرة الكلية، أما المحاصصة العرقية فإنها تتعارض مع العراقية. بعبارة أخرى، إن فكرة الوفاق الحزبية لا يمكنها أن تصنع منظومة الثبات الضرورية للدولة والمجتمع بوصفها قاعدة تطوره الديناميكي، التي يشكل الدستور منظمها القانوني. بينما لا يمكن للمحاصصة الطائفية أن تصنع رؤية كلية جامعة للأطياف العراقية، في حين أن المحاصصة العرقية لا يمكنها أن تصنع وحدة وطنية. أما النتيجة الحتمية فهو إفلاس فكرة الثبات والديمومة والجمعية والشرعية، مع ما يترتب عليه من سقوط وانحطاط للفكرة الوطنية العراقية في المبادئ والغايات.(يتبع....).

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيالعراق نقد الواقع وتأسيس البدائل (11)

لقد حاولت البرهنة في المقالات السابقة على أن تاريخ العراق السياسي الحديث كان وما يزال محكوما بهيمنة الراديكالية السياسية وطابعها المغامر، بوصفه احد المصادر الفعلية للاستبداد السياسي. ومن خلاله جرى تحطيم فكرة الإصلاح وتخريبه لقيمة ومعنى التراكم الضروري في بنية الدولة والمجتمع والثقافة. وليس مصادفة أن يتحول «المؤقت» إلى مظهر الثبات الوحيد في بنية السلطة والدولة، وبالتالي في كل مقومات الحياة ونظام الوجود. ولا يعني ذلك من الناحية العملية سوى تخريب كل نظام ووجود، باستثناء آلية الفوضى وإعادة تنشيطها من خلال العنف الأهوج. وهي الحالة التي وضع انقلاب الرابع عشر من تموز ثغرتها الأولى في أسس الدولة الفتية. بينما جرى لاحقا توسيعها بقوة أشد واعنف. من هنا اشتراك جميع دساتير الجمهوريات الثلاث (1958، 1964، 1968) في كونها دساتير مؤقتة.

وبغض النظر عن اختلاف المقدمات السياسية والنيات الفردية والحزبية وراء «المؤقت» في الدستور، إلا أنهم اشتركوا في النتيجة. وهو اشتراك كانت تحدده من حيث الجوهر طبيعة النفسية الراديكالية وذهنيتها المغامرة.

ففي دستور 1958 نقرأ ما يلي:"رغبة في تثبيت قواعد الحكم وتنظيم الحقوق والواجبات لجميع المواطنين نعلن الدستور المؤقت هذا للعمل بأحكامه في فترة الانتقال إلى أن يتم تشريع الدستور".

وفي دستور 1964 نقرأ ما يلي:"نعلن هذا الدستور المؤقت الذي ثبتت فيه قواعد الحكم ونظمت به علاقة الدولة بالفرد والمجتمع ليعمل به مدة فترة الانتقال، التي نرجو ألا يطول أمدها حيث يوضع دستور البلاد الدائم الذي تكون الكلمة الأخيرة فيه للشعب".

وفي دستور 1968 نقرأ ما يلي:"نعلن هذا الدستور المؤقت الذي ثبتت فيه قواعد الحكم ونظمت به علاقة الدولة بالفرد والمجتمع وليعمل به حتى يوضع دستور البلاد الدائم الذي ستكون فيه الكلمة الأخيرة للشعب". وتعكس هذه الصيغ نوعية وحجم الانغماس في مغامرة المؤقت من خلال تحويله إلى صيغة لا يمكن حدها. بحيث تحول المؤقت إلى دائم! فالمؤقت يفترض التحديد، لأنه مؤقت، بينما نلاحظ تمديده بالعبارة بطريقة ميعت حتى فكرة الزمن.

ففي دستور 1958 جرى وضع المؤقت بعبارة "في فترة الانتقال"، وفي دستور 1964 بعبارة "مدة فترة الانتقال"، وفي دستور 1968 بعبارة "حتى يوضع دستور دائم". إننا نرى هنا ازدياد كلمة "مدة" وهي من المديد والامتداد، بينما بلغت ذروتها في الصيغة الأخيرة "حتى". وحتى غير متناهية. وبغض النظر عن التلاعب الممكن في الكلمات، فإن التجربة اللاحقة تبرهن بصورة قاطعة على بقاء الدستور مؤقتا حتى سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية.

لقد كشفت هذه التجارب المريرة عن حقيقة واحدة بهذا الصدد وهي أن الدستور لم يكن بالنسبة للقوى السياسية ونفسيتها الراديكالية أكثر من ورقة مقامرة ومغامرة في لعبة مصالحها الضيقة. وهي لعبة فعلا، لأنها لم تكن تتمتع بأية رؤية واقعية وعقلانية وطنية حقيقية. أنها لم تكن أكثر من ممارسات حزبية هي خليط من مؤامرات وانقلابات ومغامرات معجونة بذهنية الهامشية والحثالة الاجتماعية. أما النتيجة فتقوم في تحول الدستور إلى وثيقة صنع المؤقت في كل شيء بما في ذلك في الهوية الوطنية. وليس غريبا أن تنهار الدولة أمام أول هجوم خارجي، كما انه لم يعد مستغربا أن تقف «القوى الوطنية» إلى جانب محتل كان للامس القريب هو «عدوها اللدود» الفكري والعقائدي والسياسي والروحي والعسكري!! بحيث يصبح عدوها المطلق حليفها المطلق!! وهي حالة لا يحسد عليها المرء أيا كان، لكنها كانت النتيجة المتراكمة من إفراغ فكرة الحق والحقوق، ومن ثم المواطنة والوطنية، التي جعلت من السلطة دولة، ومن الدولة وطنا، ومن الوطن مستعمرة صغيرة لطغمة اصغر! وهو انقلاب معكوس للفكر والواقع على السواء أدى إلى أن يكون الوطن دولة والدولة سلطة والسلطة حفنة صادرت الوطنية والهوية والعراق من خلال جعل نفسها، كما سجلته في دستورها الذي قدمتها على انه قانون العراق، وضعته «فئة بارة من أبناء هذا الشعب مؤمنة بربها»!! بينما كشفت الأحداث التاريخية عن أن هذا الرب لم يكن أكثر من شيطان مارد أثار في نهاية المطاف زوبعة المآسي الدموية وكللها بعروس «الحكم المؤقت» المحمولة على حراب القوى الأجنبية!

لقد كانت هذه النتيجة الثمرة المرة للخروج على فكرة الحق والحقوق وجوهرية الدستور بالنسبة للفكرة الوطنية وهوية الانتماء. وما زال مفعول هذه الثمرة الخبيثة ساريا في التجربة الدستورية الأخيرة. وسوف تبقى كذلك ما لم يتحرر العراق فعلا من تأثير الغزو الأجنبي ورذيلة الراديكالية السياسية وانحطاط النخبة والأحزاب السياسية. وهي عملية غاية في التعقيد بسبب ثقل الإرث الخرب للماضي وثقل الخراب الكامن في النخب السياسية الحالية في العراق ومستوى الحثالة الاجتماعية فيه.

فقد كان (مجلس الحكم المؤقت) وكيفية صعوده إلى السلطة ونسخ روحه في مؤسسات الدولة الناشئة فضيحة سياسية سوف يضعها التاريخ اللاحق في موقعها المناسب. لكننا حالما ننظر إليها بمعايير العلم السياسي وبالأخص من وجهة نظر دراسة أهمية وأثر الفكرة الحقوقية بالنسبة للهوية الوطنية، فإن الاشتراك الفعال للأحزاب والقوى السياسية في (مجلس الحكم الانتقالي) كان محكوما بنوازع الغنيمة والاستحواذ على الثروة والقرب من إدارة المحتل. من هنا قبولها الخنوع والذليل لكل القرارات والإجراءات والقوانين واللوائح مهما كان نوعها وحجمها. بمعنى افتقادها إلى الحد الأدنى من الاعتزاز بالنفس. وليس المقصود بذلك العزة الشخصية، بل العزة السياسية، أي تلك التي تستمد مقوماتها من الإدراك الواقعي للمصلحة الوطنية. حينذاك يمكن للانحناء والانكسار والتقهقر والإقرار بالهزيمة أن تكون بطولة أيضا. وذلك لأنها تهدف إلى تجميع القوى وتركيز الطاقة الاجتماعية بالشكل الذي يجعلها قادرة على تحدي نفسها أولا والمشاكل الفعلية الكبرى والصغرى ثانيا. ومن ثم تصبح مقدمة الانطلاق الوطني الديناميكي. بينما لم نر سوى ملامح الفرح المغرور بالنفس والابتسامات العريضة الباهتة والتزلف غير المتناهي للوقوف أمام عدسات التصوير والإسهاب والإطناب الفارغ في الكلام عن كل شيء. وهي صفات أو مظاهر أصبحت "العلامة الفارقة" للقوى السياسية "الجديدة"، التي كانت الوقائع والعينيات اليومية الصغيرة بما في ذلك في أتفه وأدق أشكالها ومظاهرها العادية، ترمز إلى شيء واحد فيها وهو أنها قوى مرهون فعلها ووجودها بقوة الاحتلال. بعبارة أخرى، أنها لم تتعامل مع قوى الاحتلال بمقاييس الواقعية العقلانية للمصلحة الوطنية، بل بغريزة حب الجاه والثروة. وهو أمر يشير إلى فقرها المادي والروحي والمعنوي. وهو فقر كان يصعب معه توقع شيء يحكم سلوكها غير نفسية الغنيمة والاستحواذ. لقد كان الهمّ الوطني آخر همومها. وفي حال افتراض وجوده فانه لا يتعدى «وطن الغنيمة» فقط! أي جغرافيا المصالح الأنانية. وكشفت هذه النتيجة عن نفسها بصورة نموذجية في كيفية مناقشة وقبول ما يسمى بقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية.

فقدا كان هذا "القانون" الصيغة الأولى في انتهاك معنى القانون بشكل عام ومضمون الفكرة الوطنية العراقية بشكل خاص. وهو انتهاك مركب للفكرة الحقوقية والفكرة الوطنية. من هنا دوره التخريبي الهائل في هذا المجال. أما التطور اللاحق، الذي يبدو في بعض مظاهره تحسينا للوضع الحقوقي وتثبيتا لأسس الدولة، فإنه ليس النتاج الطبيعي «لقانون إدارة الدولة»، بقدر ما هو النتاج النهائي لإرهاصات الصراع الاجتماعي والسياسي. وهي إرهاصات سوف تعيد النظر بكل محتوياته من اجل إعادة بناء الهوية الوطنية العراقية بمضمونها التاريخي التلقائي.

فالفكرة الوطنية لا يمكنها أن تكون نتاجا لقانون أجنبي مهما كان متكاملا وجيدا في مواده وفقراته. و«قانون إدارة الدولة» يحتوي دون شك على قدر كبير من الفكرة الحقوقية، لكنه ليس قانونا بمحتواه التاريخي والأخلاقي، بقدر ما هو قواعد إدارة المؤسسات المفككة للدولة العراقية من اجل تمديد حالة الاحتلال وإحكام السيطرة البعيدة المدى على القوى والأحزاب المشتركة في «العملية السياسية». فالقانون القادر على صنع الهوية الوطنية هو منظومة تحدد بشكل ديناميكي أولويات المصالح الوطنية العليا وآلية تحقيقها الفعلي. ولم تدخل هذه المهمة في هواجس أو نيات «قانون إدارة الدولة»، كما انه لم يكن نتاجا، وهنا جوهر القضية، لمعاناة العراقيين أنفسهم في إرساء أسس الشرعية بوصفها قاعدة الفكرة الوطنية. وبهذا المعنى يمكننا القول بأن المضمون السياسي والتاريخي والأخلاقي لما يسمى «بقانون إدارة الدولة» كان يناهض ويخرب الفكرة الوطنية. فقد كان يمثل من حيث صيرورته وكينونته انتهاكا فظا لفكرة الحق والحقوق من حيث كونها تعبير عن معاناة الأمم في بلوغ ما يوافق ارتقاءها الذاتي. فالحق والحقوق هي الثمرة الأكثر رقيا للتفكير العقلاني والروح الأخلاقي. وعندما يجري صياغته من قوى أجنبية، مهما كانت نوازعها وغايتها، ومهما كان مستوى تأسيسها لفكرة الحق والعدالة، فإنه دليل أما على ضعف ذاتي للأمة أو تبعيتها الذليلة. وفي كلتا الحالتين يصعب تحقيق فكرة العدل والحقوق بوصفهما منظومة في بنية الدولة والمجتمع والفكر.

من هنا كانت تجارب العراق الدستورية، بما في ذلك أكثرها خرابا وتخريبا جزء من وعيه القانوني. وذلك لطابعها التأسيسي، بما في ذلك في محاولاتها الراديكالية الفجة. إضافة إلى ما فيها من نزوع تجريبي بوصفها تجارب أولية. وهو وعي لم يتكامل بعد في ما يتعلق بالفكرة الوطنية. في حين لم يكن «قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية» سوى تأسيس جديد بقوى أجنبية لفكرة المؤقت التي شكلت عصب الانحلال التدريجي للفكرة الوطنية والهوية العراقية. فقد أعاد هذا القانون نفسية وذهنية التجزئة الحزبية من خلال إدخال عنصر العرقية والقومية الضيقة للأقليات، والكردية منها بشكل خاص. بمعنى انه ادخل جرثومة التآمر السياسي لإحدى القوى القومية الأشد تخلفا في ميدان الفكرة الاجتماعية والحقوقية. فقد كانت الحركة القومية الكردية منذ نشوئها ولحد الآن تجسيدا نموذجيا لنفسية المؤامرة والمغامرة. أنها تشبه في نفسيتها وذهنيتها الحركة القومية العربية كما جسدها حزب البعث في العراق ولكن بفارق جوهري وهو أن البعث كان له شيئا من التاريخ والدولة بينما القوى الكردية لا تمتلك سوى الاستعداد للمراوغة والخيانة. لقد كان إدخال هذا العنصر السيئ في "العملية السياسية العراقية" يحتوي على قدر هائل من المغامرة السياسية للفكرة الوطنية بوصفها منظومة حقوقية. بعبارة أخرى، كان ينبغي الإبقاء على الحركة القومية الكردية خارج إطار «اللعبة السياسية» الجديدة بعد سقوط صدام لكي يتسنى ترتيب الوضع العراقي. وبعدها فقط يمكن إيجاد الصيغة الواقعية والنسبة المعقولة لكيفية إشراك الأكراد في الشئون العراقية من اجل اندماجهم التدريجي فيه أو إخراجهم منه.

غير أن الأحداث السياسية قد جرت هنا من خلال المعادلة السياسية الأمريكية المتحكمة بضعف القوى السياسية العراقية التي كانت بدورها نتاجا للانحراف الشامل عن الفكرة الحقوقية للهوية الوطنية كما جسدتها الدكتاتورية الصدامية. أما النتيجة فقد كانت سلسلة من التكتيكات العلنية والسرية التي تهدف في مراوغتها إلى «إشراك» الجميع بالشكل الذي يجعل منهم قوى تتحرك في صراعاتها الداخلية واتفاقاتها برؤية المحتل. وقد تتفق هذه الرؤية وقد تختلف مع المصالح الوطنية العراقية العامة، إلا أنها تبقى مغتربة في نهاية المطاف عن ضرورة الطابع التلقائي لتراكم الفكرة الوطنية. لاسيما وأنها الضرورة الملازمة لأسلوب تحقيقها الفعلي.

وفي هذا يكمن سر تحول فكرة الحقوق إلى جزء من الصراع السياسي الحزبي والمصالح الضيقة. وهو صراع لم يكن محكوما بالفكرة الوطنية لأنها لم تشغل من حيث الجوهري وعي أي من الأحزاب السياسية. وهو واقع يمكن العثور عليه من خلال تأمل برامج الأحزاب السياسية جميعا.

فقد كانت الفكرة الوطنية جزء من مشاريعها السياسية الحزبية. من هنا استعدادها للخيانة الوطنية والاجتماعية عبر التحالف مع أي كان من اجل بلوغ مآربها الخاصة. مما أدى إلى سحب البساط مسبقا من إمكانية تأسيس الفكرة الوطنية على أسس حقوقية. وهو ضعف ساهمت به جميع القوى "المؤتلفة" آنذاك في (مجلس الحكم الانتقالي). وسبب ذلك يقوم في أنها جميعا كانت محكومة بقوتين تكمل إحداهما الأخرى وهي كل من الوصاية الأجنبية ونفسية الاستحواذ والغنيمة. وكلاهما كان يعمل على إفراغ معنى وحقيقة الفكرة الوطنية والهوية العراقية من مضمونها الذاتي. وهو إفراغ كشف عن نفسه في تحول "الائتلاف" المتراكم في "الصراع ضد صدّام" إلى صدام دفين وعميق من اجل الحصول على غنيمة السلطة أو الأرض أو الثروة أو جميعهم. وهي الصفة التي كانت أكثر بروزا بين ممثلي الحركة القومية الكردية بسبب بنيتها التقليدية ونفستها المغلقة وضعف اندماجها الوطني العراقي. في حين كان الهمَّ الفاعل في سياسة القوى الأخرى محكوما في الأغلب بكيفية اغتنام السلطة أو تثبيت أزلامها فيها. وليس مصادفة أن تجتمع وتأتلف قوى لا يجمعها شيء غير الكراهية للسلطة السابقة. وهي صفة مشتركة لا تصنع اشتراكا، لأنها بحد ذاتها مصدر للشقاق. غير أن المصالح السياسية الآنية قد تجعل المحبة كراهية والكراهية محبة والنفاق فضيلة والإخلاص رذيلة. من هنا تحول الشيوعي إلى شيعي، والشيعي إلى حليف للأمريكيين، والقومي إلى نفعي يصعب تحديد ماهيته، والليبرالي إلى متاجر مغامر، والوطني إلى عدمي، والملكي إلى جمهوري، والجمهوري إلى ملكي، والجبلي الى مدني، والاقطاعي الى ديمقراطي! وهو خلاف ظاهري يعكس مستوى التمثيل البياني للانحطاط السياسي في الفكرة الوطنية. فقد كانت القوى «المؤتلفة» في مجلس الحكم الانتقالي مجرد مواد أو مكونات حصان طروادة «المدني». وهي هيئة قد لم تفكر بها أو لم تردها هذه القوى نفسها، إلا أن مجرد اندماجها التام في خطة الاحتلال عوضا عن الابتعاد عنها أو وضع أسس وطنية فعلية في التعامل معها، جعل منها بالضرورة قوى ضعيفة ومفككة. من هنا انحصار محاولاتها "الجريئة" في حمية الحصول على الجاه والثروة والسلطة. وهي عملية بدأ التنافس الشديد حولها مع أول سقوط للسلطة من خلال الاستيلاء على الأموال العامة والبنوك وسرقة كل ما يمكن سرقته.

وبغض النظر عما إذا كان ذلك مقصودا من جانب قوى الاحتلال لمعرفة معدن القوى السياسية الفعلي أو لإشراكها في جرائم يمكن ابتزازها بها في وقت لاحق، أو لكليهما، إلا أن جوهر القضية هنا يقوم في أن الانهماك في السرقة أو المشاركة المبطنة بها أو إظهار اللامبالاة الكئيبة في أفضل الأحوال بما في ذلك تجاه سرقة الكنوز التاريخية الأثرية للعراق وإحراق أو تلف كل ما يعترض أنظار المخربين والمتطفلين، كان يعكس الوجه الحقيقي لفقدان أو ضعف الفكرة الوطنية العراقية. من هنا لم يكن صراع هذه القوى اللاحق وتغير التحالفات والولاء من طرف إلى آخر، إضافة إلى التمسك «بشرعية» الاتفاقات المعقودة بينها بصدد العراق دون حصولها على أي تخويل شرعي أو شعبي أو طني، هو العبير الواقعي عن طبيعة وحجم الانحطاط الحقوقي في الموقف من الفكرة الوطنية.

وقد حدد ذلك بدوره طبيعة "الصراع" حول (قانون إدارة الدولة)، الذي كان في أعماقه انتكاسة عميقة، من حيث مضمونها التاريخي، في الفكرة الوطنية. فقد كانت كل نواقص «القانون» من نقص القوى المكونة لمجلس الحكم الانتقالي. وفي نهاية المطاف لم يكن القبول به أو "الرفض" أو الاعتراض اللاحق سوى جزء من مهاترات الابتذال السياسي. ويعكس هذا الابتذال ابتذال الفكرة الوطنية في الأفعال السياسية لتلك القوى. فقد كان همها الأساسي هو الحصول على "وفاق" يضمن مصالحها، أي أن الهمّ الوطني المرفوع إلى مصاف همّ الدولة كان معدوما. بينما هو الضمانة الوحيدة للرؤية الوطنية. في حين أن ما جرى قبل وإثناء وبعد ظهور (قانون إدارة الدولة) فهو تعبير نموذجي عن مستوى الانحطاط في الفكرة الوطنية بين القوى التي عملت على إخراجه. ومهما كانت صيغة إخراجه إلى حيز الوجود، فإنه كان يعني من الناحية التاريخية «مساومة سياسية» مع الضمير الوطني لا إخلاص فيها لغير التمتع بأوهام مؤقتة. ولعل اشد هذه الأوهام هو الاعتقاد بأن ما يمكن الاتفاق عليه وتسجيله في "قانون"، يمكنه أن يكون قانونا فعلا في حال خلوه من فكرة الشرعية. بينما لا إمكانية للشرعية في ظل الاحتلال والتحكم المباشر في كل شيء بما في ذلك في كتابة "القانون"!!(يتبع....).

 

ميثم الجنابي

 

علي محمد اليوسف(دراسة اللغة بأعتبارها نسقا للعلامات كانت فتحا جديدا للنوع الانساني ) روزاليند كوارد .

من المهم الاقرارالمسبق بالحقيقة الانثروبولوجية التي تعتبر أختراع اللغة خاصية نوعية في الانسان منذ وجوده البدائي في ملازمة محاولته ورغبته أختراع وسيلة التعبير التواصلية بغيره من نوعه لغويا بالصوت والكلام عوضا عن أو بالتكامل مع الحركات والايماءات الجسدية التي كانت تلقى أستقبالا غير محدد في توصيل المعنى المراد والمطلوب للاخر المعني,, أن أول ماعرفه الانسان كما يذهب له علم الانثروبولوجيا وتؤكده الفلسفة البنيوية الحديثة هو الكلام الشفاهي الذي يعتبره البنيويون أصل الكتابة ومن بعدها اللغة ووالكلام سابق على أختراعهما..الكلام الشفاهي سابق على الكتاب كنقوش تصويرية وسابق أيضا على اللغة بمفهومها التواصلي قبل أختراع اللغة السومرية 2500 ق.م.

ولم يكن الكلام قبل أختراع الكتابة لغة تداولية بالمعنى المعروف كون الكلام أصوات ليست عشوائية في المطلق التعميمي لكنها لا تفي بالغرض التواصلي المطلوب الذي حققه تطور اللغة لاحقا.... بأن اللغة هي مجموع أفصاحات الكلام الصوتية التي يلازمها حفر صور الاشياء والكتابة معا التي أستقرت في رمزية الحروف والمقاطع المنطوقة الصائتة والمكتوبة..

وكان الكلام الشفاهي قبل أختراع اللغة بالمعنى التواصلي مجتمعيا هو أشارات رمزية وحركات جسدية ترافقها هذاءات صوتية تواصلية غير مفهومة في مصاحبتها أيماءات حركية تعبيرية ترتسم على الوجه وحركات اليدين تحاول تقريب توصيل المعنى للآخر, وقد تزامن الكلام الصوتي الشفاهي مع البدايات التصويرية للكتابة في أشكال لا ترقى الى مستوى أعتبارها الكتابة المعروفة التي قوامها الحروف والمقاطع بدلالاتها الصوتية التواصلية... والتي وجدت رسوماتها البدائية على جدران الكهوف في العصور الحجرية الاولى, وهذه النقوشات الصورية البسيطة لا يمكن أعتبارها كتابة رمزية تمتلك أحرفا ومقاطع لها اصوات معبرّة عنها تحقق هدفا تواصليا كلغة كما هو الحال اليوم...

كما وصل حال تطور اللغة في نهايات عصر الزراعة سبعة الاف سنة قبل الميلاد وبداية تشكيل المدن في العصر النحاسي أو البرونزي ألاول عند السومريين مع أختراع أبجدية الكتابة المسمارية في بلاد الرافدين حوالي 2500 ق. م لتعقبها بالتزامن اللغة الهيروغليفية الفرعونية في مصر الفين وخمسمائة قبل الميلاد وربما كانت السنسكريتية لاحقة لكليهما أو مزامنة لهما معا..

والمسمارية والهيروغليفية تعتبران لغتان تجمعان كتابة الحرف والمقطع على شكل صورة رمزية صامتة لاشياء تعبّر عن معنى شيء ولا صوت لها حتى مع ملازمة الدلالة الرمزية والاشارية للصورة المقطعية.. وبقيت تلك الكتابة على أنها لغة تواصل تداولي تفي بالغرض من وجود اللغة المتطورة في حياة الانسان وأهميتها في تلك العصوروما تلاها أي قبل أختراع الانسان أبجدية الكتابة واللغة بمفهومها المتطور الحديث..

أذن اللغة منذ بدايات تكوّنها وتطورها وقبل أختراعها بشكلها الحديث لم تأخذ صفة الفتح الجديد للنوع الانساني حصرا مع بزوغ فجر علم الدراسات الالسنية واللغوية في بدايات القرن العشرين, بمعنى بقي منجز أنسنة اللغة النوعي تحصيل حاصل التطور الانثروبولوجي للانسان في بناء الحضارة وتحديدا في العصر الزراعي, ولا تضيف فتوحات الدراسات اللغوية الحديثة آفاقا معرفية أنسانية تتعالق باللغة لم يكن تطور اللغة عبر التاريخ يعرف بعضها متحققة في حياة الانسان...فاللغة هي الوجه الاخر لتطور انثروبولوجيا الانسان, والتعالق بينهما غير منظور من وجهة نظر تاريخية تحاول فصل اللغة عن انثروبولوجيا التطور الانساني..

وهنا تظهر أمامنا حقيقة لا يمكن عبورها ولا تجاهلها أن تطور اللغة هو تطور الانسان أنثروبولوجيا ...بمعنى أيضا أننا لا نضيف جديدا مخترعا أو مكتشفا لغويا وصلته الدراسات اللغوية الحديثة والمعاصرة بعد أن اصبحت اللغة نسقا علاماتيا أضفى على لغة الانسان بعدا آخر جعلت من وجوده الانثروبولوجي خاصية نوعية جديدة متقدمة لتوكيد خاصية أضافية أعمق مكتسبة فيه لم يكن الانسان يعرفها ويعيشها في بعضها على الاقل .. ..بمعنى آخر بمقدار ما كان الانسان عبر العصور كائنا انثروبولوجيا متطورا بمقدار ما كانت اللغة تجسيدا ملازما حيا لهذه الانتقالات الالانثروبولوجية النوعية في حياة الانسان..

مسألة توكيد الوجود النوعي للانسان في تطور اللغة قديما أو حديثا هو تحصيل حاصل تطوره الانثروبولوجي, وهو نفسه يمنحنا الاقرار بحقيقة أن تطور اللغة في النسق العلاماتي الجديد المكتشف بالدراسات الانسانية الحديثة على أنه فتح آفاقا أمام الانسان كنوع في لغة يحتازها الانسان دون غيره من الكائنات الحيّة..لم تكن جديدة على التطور الانثروبولوجي – اللغوي للانسان في مختلف مراحل حياته عبر التاريخ.

وتطوراللغة النوعي في نسق علاماتي جديد تقوم عليه الدراسات الالسنية الحديثة والمعاصرة تؤكد خاصية الانسان النوعية أنثروبولوجيا التي هي خاصية أختراع القدرات النوعية التوليدية في اللغة.. وفي جميع مراحل التاريخ الانثروبولوجي للانسان لم تكن اللغة غير لغة أنسانوية مؤنسنة بنوع الانسان ككائن ناطق تنم عن أقتدار فريد متطورخلاّق دائما يتسّم به الانسان كنوع وحده منفردا..الشيء المذهل حقا في اللغة أن الانسان أخترع مئات الالوف من اللغات واللهجات المحلية بتنوع وثراء يغطي كافة دول العالم اليوم في توكيد أن الانسان كائن نوعي باللغة وليس كائنا نوعيا في خروجه المستحيل منها أذا صح التعبير..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

ميثم الجنابيالعراق نقد الواقع وتأسيس البدائل (10)

إن اختيار قضية الدستور باعتبارها موشور الرؤية الوطنية يستمد مقوماته من قيمته الجوهرية بالنسبة لبلورة وتأسيس الهوية الوطنية. كما إننا نعثر فيه على مستوى ارتقاء الرؤية الحقوقية للهوية الوطنية. وحالما يتحول الدستور إلى «قضية» فإن ذلك دليل على وجود خلل في فكرة وماهية الهوية الوطنية نفسها. وعادة ما يرافق هذا التعارض نشوء فكرة الدستور أو محاولة تحقيقها في بنية الدولة الجديدة. لكن العراق ليس دولة جديدة. والقضية هنا لا تقوم فقط في تاريخه العريق وتقاليد المدارس الحقوقية السارية في وعيه الثقافي، بما في ذلك في ابسط مظاهر السلوك الاجتماعي واللغوي للناس، بل وبتقاليد الفكرة الدستورية العصرية أيضا.

فمن المعلوم، إن العراق عرف مجموعة من الدساتير هي كل من دستور عام 1925 (الملكي) ودستور 1958 (المؤقت) ثم دستور 1964 (المؤقت) ودستور عام 1986 (المؤقت)، إضافة إلى تعديلات عديدة وقوانين إضافية. وبمجوعها تعبر عن مسار الدولة، بمعنى صعودها وانحرافها وسقوطها، الذي توج بظهور «قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية»، بوصفه «الصيغة القانونية» لانعدام تاريخ القانون وفكرة الحق والحقوق العراقية المؤسسة. إذ لم يكن «قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية» من وجهة نظر الفكرة الوطنية سوى نكوصا مريعا وانحرافا مخزيا عنها ولها. وهو تقييم لا علاقة له بمضمون «القانون» كما هو، وذلك لأنه يبقى في نهاية المطاف جزء من لعبة القانون والسياسة، أي انه لم يكن نتاجا لتطور الوعي الوطني العراقي بإدارة شئونه الذاتية. وهي نتيجة تعكس مسار الخلل الذي تعرضت له فكرة الوطنية والعراقية والعراقي في مجرى النصف الثاني من القرن العشرين.

ففي دستور 1925 نقرأ في المادة الثانية ما يلي:«العراق دولة ذات سيادة مستقلة حرة. ملكها لا يتجزأ، ولا يتنازل عن شيء منه». ونقرأ في المادة السادسة:"لا فرق بين العراقيين في الحقوق أمام القانون، وإن اختلفوا في القومية، والدين، واللغة". وفي المادة السادسة عشرة نقرأ "للطوائف المختلفة حق تأسيس المدارس لتعليم أفرادها بلغاتها الخاصة، والاحتفاظ بها على أن يكون ذلك موافقا للمناهج العامة التي تعين قانونا". وفي المادة السابعة عشرة نقرأ "العربية هي اللغة الرسمية سوى ما ينص عليه بقانون خاص". والمادة التاسعة عشرة تقول "سيادة المملكة العراقية الدستورية للأمة". وتشترط المادة الثلاثون المتعلقة بأعضاء "مجلس الأعيان أو مجلس النواب" في فقرتها الأولى أن يكون عراقيا. أما المادة الثامنة والأربعون فتقول:"يعتبر العضو في مجلس النواب ممثلاً لعموم البلاد العراقية وليس لمنطقته التمثيلية". إن الحصيلة العامة لهذه المواد المتعلقة بتحديد ماهية ووظيفة العراقي والعراقية والوطنية تصب في اتجاه ترسيخ وتعميق وتأسيس فكرة الحق والمواطنة الدستورية. بمعنى أنها تبني فكرة المواطنة وحقوقها على أسس قانونية خالصة. فالمفاصل الجوهرية فيها تشكل منظومة الرؤية الحقوقية للمواطنة والعراقية، أي للهوية الوطنية العراقية. فهي منظومة متوحدة في رؤيتها الحقوقية، لأنها تنطلق من العام إلى الأمور الأشد تخصصا في تحديد ماهية الوطن والمواطنة ووظائفها على كافة المستويات المدنية والحكومية. إنها تنطلق من أن العراق وحدة واحدة لا تتجزأ. كما أنها وحدة مبنية على أساس أولوية وجوهرية القانون، تحكم بدورها فكرة المواطنة. وتعطي هذه الفكرة له حق تمثيل الدولة والعمل بموجب مصالحها الموحدة الكبرى. وذلك لأن العراقي حسب مواد الدستور هو الوحيد الذي يحق له أن يكون عضوا في مؤسسات الدولة وسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية. ومن ثم فهو ممثل الدولة والبلاد ككل، وليس منطقة أو فئة لحالها. وتستند هذه الفكرة بدورها إلى الأمة (العراقية) هي مصدر السيادة. ولا تتعارض هذه الأفكار مع ضمان حقوق مختلف الأقوام الصغيرة في ممارسة حقوقها الثقافية كما ضمنها الدستور في مجال اللغة والشعائر وغيرها من الجوانب. إلا انه كفل وحدتها الثقافية والإدارية والتعليمية وغيرها بوحدة اللغة الرسمية (العربية). مما سبق نستطيع القول، بأن دستور 1925 كان دستورا تأسيسيا متجانسا في إرساء أسس الوطنية العراقية. ومن ثم تأسيس فكرة الهوية العراقية (الوطنية) من خلال رفعها إلى مصاف "الأمة". وفضيلته التاريخية الكبرى على كل ما تبعه من دساتير، تقوم في انه أرسى فكرة الهوية الوطنية على أسس قانونية بحتة ومحكومة بفكرة الحق والحقوق المدنية والدولتية.

بينما نعثر في دستور 1958 على أول انحراف كبير وجوهري في ما يتعلق بفكرة الهوية الوطنية العراقية. وهو انحراف حددته نفسية القطع الراديكالي مع تجارب الفكرة الحقوقية في التاريخ السياسي العراقي الحديث. وهو قطع نعثر عليه في (ديباجة) الدستور، التي تعلن "باسم الشعب" "سقوط القانون الأساسي العراقي وتعديلاته كافة منذ 14 تموز سنة 1958"، والمقصود بذلك بدء من الرابع عشر من تموز 1958 أو كل التعديلات التي أجريت على الدستور قبل يوم الرابع عشر من تموز 1958. وتعكس هذه الصيغة في خللها المعنوي لا اللغوي عمق الخراب الكامن فيها. فقد كانت تتمثل أتعس أنواع القطع الراديكالي الذي رمى تجربة أربعة عقود من الصيرورة التأسيسية للدولة، التي هي بمثابة تاريخ الحكمة الفعلية للفكرة القانونية والسياسية للعراق الحديث، في مهب المغامرة الرعناء والتهور الطائش للنفس العسكرية. ووجد هذا التهور تعبيره في الموقف من الهوية الوطنية العراقية، التي تحولت من ميدان التأسيس الحقوقي إلى فضاء التلويح السياسي ومهاترات التمرد الأيديولوجي.

ففي المادية الثانية من الدستور يجري اعتبار "العراق جزء من الأمة العربية". كما تتحدث المادة الثالثة عن "الكيان العراقي"، باعتباره الكيان الذي يقوم «على أساس من التعاون بين المواطنين كافة باحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم ويعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية»، أما المادة التاسعة فتتحدث عن المواطنة بالعبارة التالية:"المواطنون سواسية أمام القانون في الحقوق والواجبات العامة ولا يجوز التمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة". فمن الناحية الشكلية والظاهرية نقف أمام "انجاز" كبير في إبراز الهوية العربية للعراق وماهيته الوطنية الخاصة من خلال إيجاد الصلة المعقولة بين انتماءه القومي العام وخصوصية مكوناته القومية الأخرى. بحيث وجدت انعكاسها أيضا في الشعار الجديد للعراق المأخوذ من مسلة النصر للملك الاكدي نرام سين حوالي 2100 ق. م. إشارة منه إلى شعار العدل والعراق في الدولة الاكدية (2300 ق.م.). أما الرؤوس الثمانية للنجمة العربية فهي إشارة إلى أن العراق جزء من الأمة العربية. في حين كان يرمز السيف العربي والخنجر الكردي إلى الوحدة الوطنية العراقية المدعومة برموز الجيش والزراعة ودجلة والفرات والمكتوبة بالخط الكوفي.

 فقد تمثلت هذه الفكرة بقدر لا يخلو من الاعتدال العقلاني وحدة الأبعاد الوطنية والقومية، إلا أنها كانت تحتوي في أعماقها على كمون الإثارة الراديكالية للجماهير المتحمسة بوجدانها المخمور بارتعاشه العسكر المتأججة بحب الزعامة وصخب الخطب الرنانة. فقد كانت الجماهير تصاب بالجذبة الصوفية وتتمايل أعطافها ويتواجد وجدانها شأن الطاولات العتيقة المهزوزة الأرجل وهي تتمايل مع خطب الزعيم عبد الكريم المدوية بأعلى درجات الاستهلاك الممكن لبطاريات الراديو (الترانزيستور) وهو يتوسط في شموخ غريب أمام أفواه الجماهير المفتوحة على رنين الكلمات، وآذانها المغلقة على ما في هذه الكلمات من معنى. فقد جعلت هذه الحالة من البصر بصيرة، وبما أن العين لا ترى غير ما تسمع، وما تسمعه هو دغدغة للوجدان المسحور بحبور لا يدرك كنهه، من هنا كان قبول الكلمات أو رفضها جزء من لعبة اللامعقول. وهي الحالة التي جعلت أيضا من الممكن قبول أي دستور مهما كانت كلماته لأنها تبقى في نهاية المطاف جزء من رنين المرحلة وليس عقلها. إذ لا عقل سياسي بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. أما العقلانية فقد تبخرت في هوس الجماهير المحتشدة والمتضاربة والمندفعة للانتقام والتشفي والثأر، دون أن تدرك بأن "الثورة" التي دفعتها إلى حرق الملكية ورجالها ورموزها وعائلاتها لم تكن سوى البداية التي أخذت تحرق رموز الفكرة الحقوقية.

طبعا كان من الصعب آنذاك بالنسبة للأغلبية المطلقة من الناس التفريق بين الفكرة الحقوقية ورموز السلطة «البائدة». وذلك بفعل تكهرب الجماهير بالحماس المفرط للجيش وتقليدها المباشر للأحزاب التي رمت بين ليلة وضحاها كل تاريخها السياسي في زمن المغامرات الكبرى والمؤامرات الصغيرة. الأمر الذي وجد انعكاسه في السرعة المدهشة لكتابة الدستور وعدد المشتركين فيه ومواده الثلاثين! فقد كان دستور 1958 نموذجا لتقاليد الارتجال المميزة للشعر العامي والأهازيج الريفية. من هنا غلبة النفسية السياسية فيه على الفكرة القانونية. وميزت هذه الحالة كثرة تناقضاته الداخلية وكمون الخراب الهائل فيه بالنسبة للفكرة الوطنية، مع انه كان يبدو في ظاهره ونيات القائمين وراء كتابته وإعلانه تجسيدا حيا لها. أما في الواقع فقد كانت الذهنية الراديكالية المتحكمة في مواده السياسية وضعف لغته القانونية وإدخال الجيش في تأسيس فكرة الحقوق وتطبيقها، المقدمة التي نهشت وسوست فكرة الوطنية الحقيقية والهوية العراقية. فقد رفع هذه الدستور للمرة الأولى في تاريخ العراق فكرة الإسقاط الراديكالية والإلغاء التام لتجارب الفكرة الحقوقية إلى مصاف «القانون الجديد» للدولة. ومن الناحية الفعلية كان ذلك يعني رفع فكرة اللاشرعية إلى مصاف القانون، أو جعلها «مرجعية» معقولة ومقبولة لكل من تحلو له مهمة الحديث«باسم الشعب». وهي «مرجعية» تحلو للنفس المتآمرة، كما أنها تتمتع بتناقضات تتلذذ بها الذهنية المغامرة. أما النتيجة المترتبة عليها فهي تحويل الفكرة الوطنية والحديث باسم الوطن وتمثيل مصالحه إلى جزء من مغامرة اللعبة السياسية وليس نتاجا لفكرة الحق ومنظومة الحقوق الدستورية. من هنا لم يكن إدخال مكونات «العربية» القومية وتجزئة العراق قوميا سوى الصيغة الأولية للاحتراب الداخلي. فقد كانت فكرة وعبارة الشراكة القومية في الوطن عبارة سياسية، وذلك لأن الشراكة الوحيدة الممكنة في الوطن هي الوطنية، أما القومية فهي جزء مكمل لها بمعايير الحقوق الثقافية.

وهو التناقض الذي استغلته القوى القومية العربية في غلوها السياسي. فقد كان غلوها السياسي القائم على تغليب القومي على الوطني اقرب ما يكون إلى متاجرة رخيصة في مزاد شعبي. ولا ضرورة هنا للاستفاضة في حيثيات وتاريخ المرحلة، لأن النتائج خير دليل وبرهان على أن ما قامت به هذه القوى لم يتعد في كليته وجزئياته سوى تخريب الفكرة القومية وإفشال مشروع النهضة العربية والوحدة القومية وتوسيع مدى الانحطاط والتخلف إلى أبعاد مرعبة، بحيث جعلت كل أخطاء وهفوات ورذائل الجمهورية الأولى في ميدان الفكرة الوطنية صوابا وحكمة وفضيلة! وهي الحالة التي كان يتضمنها دستور عام 1964، بوصفه النموذج الأكثر تطرفا في مصادرة إرادة المجتمع ورغباته! ونعثر على هذه العبارة في ديباجة الدستور نفسه، الذي يقول "إجابة إلى رغبة الشعب والقوات المسلحة التي زحفت طلائعها في الثامن عشر من شهر تشرين الثاني سنة 1963 لإنقاذ البلاد من شرور الانحراف والتسلط الحزبي، وتحقيقاً لروحية ثورة ذلك اليوم المجيد التي تهدف إلى إيجاد الاستقرار والطمأنينة وتهيئة الفرص الكافية لمختلف أبناء الشعب دون تمييز بسبب الجنس أو الأصل أو الدين، للانصراف إلى العمل المثمر، وتصحيح الأوضاع الاجتماعية وبناء المجتمع الفاضل، الذي ينعم بالرفاه والثقافة والعلم والصحة ويعمل على تنشئة الأجيال الصاعدة على الروح العربية الإسلامية وحب الوطن والوحدة الشاملة".

لقد استكملت الراديكالية القومية المتطرفة هنا صيغتها الأولية في ما يتعلق بتخريب الأبعاد الحقوقية للفكرة الوطنية. إذ جمعت بين أمور يصعب حدها بمعايير الفكر السياسي العلمي والقانوني الحقوقي. ففي المادة الأولى نقرأ ما يلي:"الجمهورية العراقية دولة ديمقراطية اشتراكية تستمد أصول ديمقراطيتها واشتراكيتها من التراث العربي وروح الإسلام". وفي ما يتعلق بالشعب العراقي، فان المادة تحده بالعبارة التالية:"الشعب العراقي جزء من الأمة العربية هدفه الوحدة العربية الشاملة وتلتزم الحكومة بالعمل على تحقيقها في أقرب وقت ممكن مبتدئة بالوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة". أما فكرة المواطنة كما وردت في المادة التاسعة عشرة فتقول:"العراقيون متساوون في الحقوق والواجبات العامة بلا تمييز بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو أي سبب آخر، ويقر هذا الدستور الحقوق القومية للأكراد ضمن الشعب العراقي في وحدة وطنية متآخية". أما المادة الحادية والأربعون فتشترط في رئيس الجمهورية "أن يكون عراقياً مسلماً من أبوين عراقيين متمتعاً بالحقوق المدنية وممن قدموا للوطن والأمة خدمات مشهودة". في حين تضمنت المادة الثانية والأربعين المتعلقة بأداء اليمين الجمهوري العبارة التالية "أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً لديني ووطني وأمتي وأن أحافظ على النظام الجمهوري واحترام الدستور والقانون وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة وأن أحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه". وهو نفس اليمين الذي ينبغي أن يقدمه أعضاء الحكومة أمام رئيس الجمهورية قبل مباشرتهم مهام وظائفهم حسبما نصت عليه المادة الثالثة والسبعين.

وعندما نضع كمون الطاقة الراديكالية في دستور عام 1964 في مسارها المتراكم ما بعد الرابع عشر من تموز 1958، فإننا نقف أمام دورة جديدة اشد عنفا في تخريب الأبعاد الوطنية للهوية العراقية. وهو تخريب كان يكمن في إعلاء فكرة وممارسة "الشرعية السياسية" (الثورية) على فكرة وممارسة الشرعية والقانون. من هنا مصادرته الفرحة لإرادة الشعب والجيش ورفعها إلى مصاف "الروحانية" و"المقدس" كما نعثر عليها في ديباجة الدستور المذكورة أعلاه، وبالأخص في العبارات القائلة بإنقاذ البلاد من شرور الانحراف والتسلط الحزبي، وتحقيقاً لروحية الثورة وتحقيق الاستقرار والطمأنينة لمختلف أبناء الشعب وتصحيح الأوضاع الاجتماعية وبناء المجتمع الفاضل، وتطوير الثقافة والعلم والصحة وتنشئة الأجيال الصاعدة على الروح العربية الإسلامية وحب الوطن والوحدة الشاملة. وقد احتوت هذه العبارات في أعماقها على استهزاء هائل بفكرة الرغبة والإرادة الشعبية والروحية والاستقرار والطمأنينة والمساواة والرفاهية والتربية السليمة بمعايير الروح العربية الإسلامية. فقد كانت "ثورة ذلك اليوم المجيد" انقلابا تافها بكافة المعايير، ولا روحية فيه لغير نفسية المؤامرة والمغامرة. أما نتائجها المباشرة آنذاك فقد كانت القتل الكيفي والتعذيب والاغتصاب وفقدان الأمن وانتهاك ابسط الحقوق المدنية والإنسانية وتخريب العلم والمعرفة وتشويها شاملا "للروح العربية الإسلامية". وهي روح يصعب حدها بمعايير السياسة دع عنك بمقاييس القانون والحقوق. لكنها كانت "مقبولة" بمعايير الرؤية الراديكالية للهامشية السياسية والاجتماعية. من هنا خليط الرياء والغش والافتعال والدجل السياسي والأثرة والإرهاب والاستبداد المنظم، مع ما ترتب عليه من تشويه في الرؤية القانونية وحقوق المواطنة التي تخلط بين القومي والديني في «إيديولوجية علمانية» غير واضحة المعالم!

لقد كان إدخال عبارة أو فكرة "الروحاني" و"المقدس" على نفسية وذهنية المؤامرة والمغامرة وجعلها أسلوبا لبناء شعب واحد بروح عربية إسلامية هو المقدمة الفعلية لتخريب الاثنين، أي الدولة والأمة. مع ما فيهما من تناقضات في صريح العبارة وكمونها الذاتي. كما هو جلي في الخليط غير المتكافئ وانعدام الأولويات في الرؤية بين العراقي العربي والإسلامي والعلماني والديمقراطي والاشتراكي، كما هو جلي في المواد المتناثرة واليمين الدستوري. وتستمد هذا التناقضات ديمومتها وفاعليتها من انعدام الرؤية الواضحة لقيمة القانون وجوهرية الشرعية في الدولة. وهذه بدورها ليست إلا النتاج المترتب على سيادة النفسية الراديكالية ومفاهيمها الأيديولوجية، التي استكملها انقلاب السابع عشر من تموز 1968 ودستوره المؤقت.

ففي دستور عام 1968 نعثر على نفس بواعث وهواجس وغايات الدستور السابق، لأنهما من طينة واحدة، هي طينة الراديكالية الهامشية المتشبعة بنفسية وذهنية المؤامرة والمغامرة والمحتقرة لفكرة القانون ومبادئ الحقوق والحق الاجتماعي والوطني. ففيه نعثر على نفس نغم الديباجة السابقة بعد تحويلها مصادرة إرادة الجماهير ورغباتها إلى مستوى الإيمان! إذ نقرأ فيها العبارات التالية:"إيمانا بحق هذا الشعب في الحياة الحرة الكريمة وثقته بقدرته على مواجهة الصعاب وإرادته التي لا تقهر وبعد الاتكال على الله وعلى المخلصين من أبناء الشعب والقوات المسلحة قامت فئة بارة من أبناء الشعب مؤمنة بربها وبأهداف الأمة العربية بتفجير ثورة السابع عشر من تموز 1968 وإنهاء الأوضاع الشاذة واستلام مقاليد الأمور بغية تأمين سيادة القانون وإيجاد تكافؤ الفرص للمواطنين والعمل على تحقيق الوحدة الوطنية والقضاء على أسباب التمزق الداخلي وتحرير المواطن من الاستغلال والخوف والجهل والنعرات الطائفية والعنصرية والقبلية وكافة مظاهر الاستعباد، وإقامة مجتمع تسوده الأخوة والمحبة والتآلف والشعور بالمسؤولية إزاء الأحداث المصيرية وذلك عن طريق توفير الحياة الديمقراطية للمواطنين". وهي الديباجة «الوطنية» التي وجدت صيغتها الدستورية في المادة الأولى التي تعتبر «الجمهورية العراقية دولة ديمقراطية شعبية تستمد أصول ديمقراطيتها وشعبيتها من التراث العربي وروح الإسلام"، والتي تقرر في الوقت نفسه، بأن "الشعب العراقي جزء من الأمة العربية هدفه الوحدة العربية الشاملة وتلتزم الحكومة بالعمل على تحقيقها". أما المادة الرابعة، فإنها تعتبر «الإسلام دين الدولة والقاعدة الأساسية لدستورها واللغة العربية لغتها الرسمية». في حين تقرر المادة الحادية والعشرين ماهية المواطنة العراقية من خلال مساواة الجميع "في الحقوق والواجبات أمام القانون لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو العرق أو اللغة أو الدين ويتعاونون في الحفاظ على كيان الوطن بما فيهم العرب والأكراد ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية". في حين تردد المادة السابعة والستون والسابعة والسبعون نفس اليمين الدستوري السابق بالنسبة لرئيس الجمهورية.

إننا نقف أمام نفس الكمون الداخلي في مصير الدستور السابق. فدستور عام 1964 هو قاعدة دستور 1968 من حيث قواه وأشخاصه وأفراده ونوازعه وأيديولوجيته. بل إننا نرى الشبه التام في اغلب مواده المفصلية. والخلاف فقط في تعميق النفس الراديكالية، أي سحق اللغة القانونية وفكرة الحقوق. مع ما يترتب عليها من تدمير للفكرة الوطنية والهوية العراقية التي جرت مصادرتها من قبل حفنة من المغامرين جعلت من فعلها "إيمانا"، ومن نفسها "فئة بارة من أبناء الشعب مؤمنة بربها وبأهداف الأمة العربية"!! وهي عبارة أيديولوجية فضفاضة. والقضية ليست فقط في إننا لا نستطيع معرفة حقيقة "رب" هذه "الفئة البارة"، بل ولخطورة دمج إيمانها (السياسي الخاص) بالإيمان الإلهي. وتكمن هذه الخطورة في قدرتها على تزييف الأفعال والوسائل والغايات، واقتراف أشنع الجرائم باسم "أهداف الأمة العربية". وليس مصادفة أن تكون اغلب مواد الدستور مجرد قواعد عمل للأجهزة الأمنية والقمعية والعسكرية، بحيث تحول الدستور إلى صحيفة مرشدة لكيفية تفريغه من فكرة الحقوق والشرعية. أما الأهداف المعلنة، التي تسعى لصنع وحدة وطنية متينة ومتماسكة عبر «إنهاء الأوضاع الشاذة واستلام مقاليد الأمور بغية تأمين سيادة القانون وإيجاد تكافؤ الفرص للمواطنين والعمل على تحقيق الوحدة الوطنية والقضاء على أسباب التمزق الداخلي وتحرير المواطن من الاستغلال والخوف والجهل والنعرات الطائفية والعنصرية والقبلية وكافة مظاهر الاستعباد، وإقامة مجتمع تسوده الأخوة والمحبة والتآلف والشعور بالمسؤولية إزاء الأحداث المصيرية وذلك عن طريق توفير الحياة الديمقراطية للمواطنين»، فان حصيلة تطبيقها في مجرى خمس وثلاثين سنة هو استفحال الأوضاع الشاذة في كافة نواحي الحياة، وانعدام القانون وفكرة الحق والحقوق والشرعية، وتلاشي الفرص للمواطنين بما يكفل لهم إمكانية العيش بأدنى درجات الكفاف!! وتمزق النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية واستعباد الكائنات المنتشرة في العراق لأنه لا مواطنة فيه ولا مواطن، واستعباده بالخوف والجهل وتعاظم النعرات الطائفية والعنصرية والقبلية وكافة مظاهر الاستعباد، وخلو المجتمع من قيم الأخوة والمحبة والتآلف، وانعدام المسؤولية إزاء الأحداث المصيرية وانعدام مطلق للحياة الديمقراطية. باختصار أن النتيجة هي نقيض تام مائة بالمائة لما جرى الإعلان عنه زائد احتلال أجنبي!!

إن استقراء التجارب الدستورية في العراق وأثرها بالنسبة للفكرة الوطنية والهوية العراقية تبرهن على ما يمكن دعوته بتعمق وتوسع التخريب الفعلي في هذا المجال. إذ يمكننا القول، بأن كل دستور جديد هو خطوة إلى الوراء في ميدان فكرة الحق ومن ثم الحقوق المدنية للمواطن. مع ما يترتب عليه بالضرورة من انتهاك وتخريب لفكرة الوطنية وهوية الانتماء إليها. بحيث تحول الدستور في نهاية المطاف إلى جزء من لعبة القوى السياسية المغامرة وتصفية حساباتها مع الآخرين. وجعلت هذه التصفية من الزمن أسلوبا لتحطيم فكرة التاريخ في الدولة، ومن ثم تدمير آلية التراكم الضروري في الفكرة الوطنية. فالهوية العراقية أو الفكرة الوطنية وطبيعة ومستوى الانتماء إليها ليست إلا الصيغة الوجدانية لفكرة الحق والحقوق. وعلى قدر الحق والحقوق تتراكم فكرة الوطنية وهوية الانتماء. فالاستبداد لا يصنع هوية وطنية، وعادة ما يشكل احد المصادر الكبرى للخيانة الفردية والاجتماعية والوطنية. باختصار انه مصدر الشرور الكبرى. (يتبع....).

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

إن العواطف الإنسانية تُجسِّد العلاقةَ المركزية بين هُوية الإنسان وتاريخه الشخصي. وهذه العلاقة لا تنفصل عن مسار البُنى الاجتماعية، لأن الإنسان كيان فكري اجتماعي قائم بذاته، حتى لو كان مُنعزلًا عن الآخرين، فالعُزلةُ فلسفة اجتماعية وموقف فكري من عناصر الوجود، وأحد أشكال البُنى العقلية المعرفية. والعُزلةُ لا تعني أن الإنسان صارَ وحشًا بلا قيم إنسانية أو فلسفة اجتماعية، وإنما تعني أن القيم الإنسانية الجَمْعية تَمَّ اختزالها في قيمة فردية مُحاطة بشَرنقة، تَمنع العَالَمَ الخارجي من الوصول إلى عوالم الإنسان الداخلية. وما دامَ الإنسانُ على قَيْد الحياة، فهو يَملِك بالضرورة شُروطَ المعنى الإنساني، وحتميةَ الوجود الاجتماعي. والمنظومةُ الفكرية المُتَكَوِّنة من المعنى والوجود تُمثِّل الأساسَ الفلسفي للفِكر الاجتماعي، الذي لا تقوم له قائمة، إلا إذا عَرَفَ الإنسانُ مَعنى إنسانيته ومارسها قَوْلًا وفِعْلًا، وأدركَ تفاصيلَ وُجوده في الخيال والواقع معًا. وكُل إنسان يتحرَّك في الوجود أُفقيًّا وعموديًّا، استنادًا إلى المعنى الإنساني المُسْبَق. والوجودُ الأُفقي هو التَّحرك في المسارات الحياتية الواقعية، والوجود العمودي هو التَّحرك في عوالم الخيال والأحلام. وينبغي على الإنسان إيجاد صيغة منطقية عقلانية محسوبة بِدِقَّة، لحفظ توازنه المعنوي والماديِّ، بعيدًا عن المُقامرة بمصيره، واللعبِ على الأضداد والتناقضات، وتعريض معنى حياته للخطر. والإنسانُ العاقلُ الذي يَملِك شُروط الوَعْي والوعي المُضاد، لا يُحاول تقليدَ لاعب السيرك الذي يَمشي على الحَبْل بدون شبكة أمان،لأنه مُعرَّض للسقوط في أيَّة لحظة، وخسارة حياته. والخطأ الأول هو الخطأ الأخير، ولا مجال للتعويض، ولا الحصول على فرصة ثانية. والحَلُّ هو المشي على أرض صلبة، وتأسيس الفكر العقلاني على قاعدة اجتماعية مُتماسكة، مع فتح جميع النوافذ على المعنى الإنساني، والحياةِ الأخلاقية الفاضلة، من أجل حراسة الإنسان مِن الوحشية والتَّوَحُّش، وحمايته من الغرق في النُّظم الاستهلاكية المُوحِشة. وعمليةُ فتح النوافذ على الحياة بكل تفاصيلها ضرورية للغاية، لأنها تضمن وجود خيارات كثيرة أمام الإنسان، وإذا أُغْلِقَت نافذة سيجد نوافذ أُخرى، ولن يقف حائرًا مكتوفَ الأيدي. وإذا وَصَلَ إلى طريق مَسدود، سيرجع، ويَبحث عن طريق آخَر، وخيار جديد. ولن يَقف عاجزًا يعضُّ أصابعه من الندم. والعاقلُ لا يَضع كُلَّ البَيض في سَلَّة واحدة، ولا يَستثمر جميعَ أمواله في مجال واحد. كما أن الدولة الناجحة تُعدِّد مصادرَ الدَّخْل، ولا تعتمد على مَصدر واحد.

2

المعنى الإنساني كجِلْد الإنسان، لا يَستطيع أن يَخْلعه، حتى لو أراد ذلك. والفِكرُ الاجتماعي كبصمة إصبع الإنسان، لا يُمكن أن يتحايل عليها، حتى لو أراد ذلك. وهذا الأمرُ يَدفع باتجاه حتمية مُواجهة المشكلات، وعدم الهروب مِنها، ولا ترحيلها إلى الأجيال القادمة. والوقتُ الذي يَقضيه الإنسانُ لتبرير أخطائه وشَرْعنتها، يَكفي لإصلاحها وتعديل المسار. والوقتُ الذي يَقضيه الإنسانُ في دفن النار تحت الرماد، يَكفي لإطفائها، والتخلص مِن شَرِّها.

3

إذا اندمجَ المعنى الإنساني الداخلي بالسلوك الاجتماعي الخارجي، وَصَلَ الإنسانُ إلى حالة التوازن الذاتي بين الأفكار العقلانية والغرائز الجسدية، وتصالحَ معَ نفْسه، وعَقَدَ هُدنة دائمة بين مصلحته الشخصية ومصلحة الجماعة التي ينتمي إليها. وكما أن الحق لا يتصادم مع الحق، في البيئة المبنية على قواعد المنهج العِلْمي السليم، الذي يقوم على ثنائية (العقل الصريح والنقل الصحيح)، كذلك مصلحة الفرد لا تتصادم مع مصلحة الجماعة، في المجتمع القائم على العقلانية المؤمنة والفِطرة النَّقِيَّة، لأن منهجية الاعتدال والتوازن مُؤسَّسة على نظام الحقوق والواجبات، وتبادُلِ المنافع المشروعة، وهذا يَحفظ مصالح جميع الأطراف.

4

ينبغي على كل صاحب منظومة فكرية أن يُحيطها ببالونات اختبار، تتلقى الضربات، ويتم التضحية بها، من أجل حماية أساس المنظومة الفكرية وجذورها، وكُل ضربة يُمكن امتصاصها وتجاوزها بشرط أن لا تصل إلى الأساس، لأن الأساس إذا ضُرِبَ انهارَ البناء، والعمود الفقري إذا تعرَّض لضربة قد يُصاب الجسم بالشلل، وإذا تَلَوَّثَ منبعُ النهر، فإن النهر سيصبح فاسدًا بشكل كامل. وهذه المعاني تعكس أهميةَ ترتيب الأولويات. وإذا كانت التضحيةُ حتمية ولازمة، ولا مفر مِنها، فيجب التضحية بالعناصر الرخيصة لحماية العناصر الثمينة. والأمرُ يُشبه قيام الطبيب بقطع أحد أعضاء الإنسان من أجل الحفاظ على حياته. وهذا هو الحَل الأخير، بعد استنفاد جميع الحُلول المُمكنة. وكما يُقال: آخِر الدواء الكَي. ولا يمكن أن تتكرَّس هذه المبادئ كنظام فكري، إلا بعد معرفة الأولويات، وترتيب العناصر حَسَب درجة أهميتها. والذكاءُ لا يتجلَّى في تمييز الأبيض من الأسود، فهذا أمر معروف وسهل، ولكن الذكاء يتجلَّى في تمييز الأسود من الأسود، أي : تمييز درجات السَّواد والخطر، ودَفْع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر، والتضحية بالرخيص من أجل الغالي.

5

أحيانًا، تكون أنصافُ الحُلول قاتلةً، والمنطقة الرمادية مرفوضة، والحِياد غير مَقبول، ولا بُد من المُواجهة حتى النهاية، وعلى الإنسان ضرب رَأسَ الأفعى، وعدا ذلك، سيكون ضحيةً للأفعى. وهناك جوانب كثيرة من الحياة تُشبِه لُعبة الشِّطْرَنج، إمَّا أن تكسب كُلَّ شيء وتنتصر، أو تخسر كُلَّ شيء وتنهزم.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

ميثم الجنابيالعراق نقد الواقع وتأسيس البدائل (9)

إن إحدى المفارقات الكبرى للتاريخ العراقي الحديث تقوم في تحول الهوية الوطنية إلى إشكالية مثيرة للجدل النظري والعملي. مع ما يرافق ذلك بالضرورة من شكوك بأكثر وأشد الأمور يقينا. وتجد هذه المفارقة تعبيرها في تحول المرجعية الروحية، المتجسدة تاريخيا وثقافيا في الأفكار والقيم والمشاعر المتعلقة بقضايا الانتماء الوطني والهوية والتاريخ، إلى مصادر تفرقة واختلاف. أما الواقع الفعلي لهذه المفارقة في الظروف الراهنة فيقوم في أن الدولة الأكثر عراقة في التاريخ المدني والحضاري تقف أمام إشكاليات تشير إلى ضعفها الشامل وخللها البنيوي التام. بحيث تضع المرء أمام إمكانية الاعتقاد بوقوفه أمام كيان يظهر للمرة الأولى على حلبة التاريخ. وهي أوصاف تشير إلى واقع، أكثر مما تعبّر عن حقيقة. بمعنى أن العراق المعاصر يعاني من خلل بنيوي وأزمة شاملة وخوار هائل في المكونات الجوهرية لوجوده السياسي والاجتماعي. إذ تجعل هذه الحالة من التاريخ السالف أمرا اقرب إلى الذكريات. ومن ثم تعطي للمرء إمكانية الحكم على انه "كيان هش"، و"تركيبة مصطنعة" وما شابه ذلك. وهو اتهام أكثر مما هو تصوير أو نقد للواقع. لكنه اتهام يرتقي من حيث محصلته الواقعية الظاهرية إلى مستوى اليقين! ولكنه يقين أيديولوجي، بمعنى أن خشونته في قدرته على جعل الوهم شيئا مرئيا، شأن السراب في صحراء القيظ. فما يبدو للباصر فيها هو عين فقدانه للبصيرة. إذ لا سراب في الطبيعة غير سراب الرؤية الباحثة عن أمل ينقذها من وهج الشمس وإرواء الظمأ. وهي عبارة أدبية تعكس مستوى الانحدار الأدبي في الفكر السياسي المتناثر بين أشلاء القوى الطائفية والعرقية والمسحوقة، التي تعتقد بأن خلاصها الفعلي يقوم في الخلاص من العراق!

ونتجت هذه الأشلاء عن التجزئة الفعلية للعراق نتيجة السياسة اللاعقلانية التي ميزت كل النصف الثاني من القرن العشرين حتى سقوط الصدامية المخزي، وانهيار العراق تحت الاحتلال. وتعكس هذه النتيجة طبيعة الترابط العضوي بين الخروج على منطق الدولة العصرية (الشرعية الديمقراطية والمؤسسات) وبين الانهيار، الذي يمثل الاحتلال الخارجي صيغته الأكثر فجاجة.

فقد كانت الصدامية احد النماذج المريعة للاحتلال الداخلي. ومنه وفيه تراكمت كمية الأشلاء المتناثرة في الدولة والمجتمع والفكر والأخلاق، بحيث جعل من الممكن ظهور العبارة القائلة، بأن العراق هو «فسيفساء» لمختلف الأقوام والأعراق والأديان والطوائف والمذاهب. بمعنى الإقرار بالتنوع والتعدد ولكن من خلال رفعه إلى مصاف التجزئة. وهو رفع له أرضيته الواقعية. ومن ثم نصيب من الصحة تماما بالقدر الذي يمكننا القول، بأن العراق ليس تجمع أعراق. وذلك لأنها عبارة تشير إلى واقع التجزئة السياسية الحالية، لا إلى حقيقة كينونته التاريخية والثقافية. ونعثر في هذه الحالة على صدى التاريخ السياسي المعاصر، الذي هز كيانه الثقافي وهويته الوطنية، أكثر مما نعثر على حقائق تاريخه الكلي. الأمر الذي يجعل من التساؤل والاعتراض والشكوك المتعلقة بأغلب جوانب وجوده التاريخي والدولتي ومقوماته الجوهرية، قضايا سياسية ملتهبة لها أبعاد عملية هائلة وحساسة بالنسبة لفكرة البدائل المفترضة. وهي أيضا حالة صحية ما لم تتحول إلى أسلوب للتعامل مع مشاريع البدائل المتعلقة بآفاقه المستقبلية.

فقد كان الاهتزاز الهائل للهوية الوطنية للعراق نتاجا "طبيعيا" للتوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، التي أدت سياستها للتوحيد الشامل في كل شيء إلى تجزئة شاملة في كل شيء. ويمكن ملاحظة هذه النتيجة بوضوح على حالة القضية القومية والهوية الوطنية. فالتجزئة والانفصال والانفصام والتعصب الضيق والخصام والاختلاف والاحتراب والتنافر وعدم الثقة المتبادلة وغيرها من المظاهر السلبية هي النتاج الطبيعي للذهنية التوتاليتارية والسياسة الدكتاتورية، التي حاولت أن تجعل من نفسها بؤرة الوحدة الصلبة للعراق، بينما لم تؤد في الواقع إلا إلى تدمير حقيقة الوحدة بوصفها كينونة مرنة للقوى الحية والفاعلة في تشكيلها وإعادة هيكلتها وتطويرها الدائم.

وجرى استعادة هذه الحالة بطريقة وأسلوب آخر بعد انهيار السلطة الصدامية عندما أصبح الحديث باسم العراق ليس تماهيا مع الوطنية العامة والجامعة، بقدر ما أصبح مصادرة لها. بمعنى افتقاد دعوى تمثيلها إلى أسس ذاتية عراقية عامة. ومن ثم افتقاد هذه الدعاوي لأي قدر عقلاني بتمثل الفكرة الوطنية العامة استنادا إلى فلسفة واقعية ذات أهداف وقواعد عملية واضحة المعالم ومتجردة عن ارث التوتاليتارية الخرب. كما يمكننا رؤية ملامح هذه الحالة "العملية" في كمية المعارك الطاحنة، التي مازالت تظهر بين الحين والآخر في حروب المدن والأرياف والاغتيالات والتفجير والإرهاب العشوائي والاتهام المتبادل الذي لا تقيده حدود ولا قواعد، أي في كل المظاهر المؤشرة على ضعف أو انعدام وعي الذات بمعايير الوطنية العراقية العامة.

إن كل هذه المظاهر العنيفة لانحطاط الفكرة الوطنية العراقية تفعل بمقدار ما فيها من «مكر إلهي» في توحيد العراق على المدى البعيد، إلا انه توحيد يجري بالضد منها وليس بفعل تأثيرها الواعي. فمعارك النجف وكربلاء والبصرة والعمارة والفلوجة وسامراء والقائم وتلعفر والموصل وتكريت وكركوك وما سيتبعها لاحقا هي مجرد سلسلة في كسر الوعي السياسي الوطني رغم شعاراتها المعلنة. فهي تشترك في التجزئة والابتعاد و«حق التمثيل» لوطنية مأزومة.

 فقد كشفت هذه المعارك عن كمية ونوعية القوى الراديكالية وتنافر بواعثها الداخلية. وكشفت بدورها عن أن الصراخ باسم الوطن لا يصنع وطنية. وذلك لأن فكرة الوطنية العراقية وثيقة الارتباط من حيث إمكانية تنشيطها العملي في الظروف الحالية والمستقبلية بفلسفة ايجابية واضحة المعالم في ما يتعلق بالخروج من مأزق التوتاليتارية. وهو خروج يستحيل تحقيقه دون الخروج من نفسية المعارك الكبرى والصغرى عبر تحويل الطاقة الاجتماعية صوب ترسيخ وتنشيط المرجعيات الثقافية السياسية الكبرى للدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني، بوصفها أسس الوطنية الجديدة.

فعندما ننظر إلى تاريخ العراق بعد سنوات من سقوط الصدامية، ونتأمل كمية ونوعية المعارك الهائلة والدامية التي سقت دماءها كل جزيئة من أراضيه، فإن حصيلتها العامة تشير إلى أنها مجرد الجولة الأولى في معاركه اللاحقة. وهي حالة تشير إلى كمية ونوعية الخراب العميق فيه. فقد تركت الصدامية إرثا لا عقلانيا نادرا ما نعثر عليه في تاريخ الدول والأمم. وهو إرث شوه بصورة لا مثيل له كيان العراق وكينونته الوطنية، وذلك بسبب "ارتقاء" الخراب فيه إلى مصاف المنظومة. بعبارة أخرى، إن تخريب الهوية الوطنية العرقية قد أصبح جزء عضويا وفاعلا في منظومة الخراب والانحطاط الشامل. الأمر الذي جعل وسوف يجعل من مختلف معاركه الدموية والسلمية، وصراعاته الظاهرة والمستترة في مختلف الميادين مجرد مظاهرا لكيفية الخروج من مأزقه التاريخي الحالي. ذلك يعني أن "معارك المدن" والأرياف والأحزاب والمنطقة الخضراء والاهوار والجبال والصحارى ليست إلا المظاهر العامة لمعركته التاريخية الكبرى، إي لمنازلته الوطنية الحقيقة من اجل إعادة امتلاك النفس والعمل بمعاييرها.

إن بقاء واستمرار هذه المعارك ليس نتاجا للوعي الوطني العميق بقيمة التحرر من الاحتلال، أي انه ليس نتاجا للوعي الوطني العقلاني الذي يجمع بين هوية الدولة الشرعية والهوية القومية، بقدر ما هو النتاج الأهوج لشراسة الهمجية السياسية التي صنعها زمن الانحطاط والاستبداد. من هنا استحالة انتهاءها السريع، كما أن طبيعتها ومسارها يبقيان في نهاية المطاف رهينة التطور اللاحق للحركة السياسية والفكرية من جهة، ولكيفية استكمال بناء الدولة والنظام السياسي والمجتمع المدني، من جهة أخرى. وهي المفارقة الأشد إحراجا للعقلانية والواقعية في الفكر والممارسة السياسية العراقية في ما يتعلق بالفكرة الوطنية.

فالفكرة الوطنية من حيث كونها اتفاق وعقد عقلاني يستمد مقوماته وغاياته من إدراك أهمية الماضي والمستقبل، تفترض ألا تكون "رهينة" القوى السياسية المتصارعة و"الغيب" الكامن في نواياها. على العكس أنها تفترض الارتقاء في فكر النخبة المبدعة والقوى السياسية إلى مصاف الحس الوطني، وقواعد العقل السياسي الرزين، وتأملات الحدس الأخلاقي المتسامي، أي المستوى الذي يحررها من أن تكون رهينة لأي شيء. وهو ارتقاء ممكن فقط في حال إدراك وحدة التاريخ الكلي وأهميته العملية بالنسبة لأولويات المصالح "المصيرية" المعاصرة بالنسبة للدولة والمجتمع والقومية.

 فالفكرة الوطنية العامة هي الصيغة الأكثر تجريدا لمنظومة الدولة والمجتمع والقومية، أي لمنظومة الحرية والنظام. ومن ثم لا يمكنها الفعل إلا حالما تصبح مرجعية متغلغلة في إحساس وعقل ووجدان النخبة والقوى السياسية. حينذاك فقط يمكنها أن تصنع حالا قادرا على تحريرها، من حيث كونها فكرة، من الارتهان إلى نزوات النخبة ومتاجرة الأحزاب وابتذال الحثالة الاجتماعية. وعندها فقط يمكن أن تصبح "مرشدا" للعمل و"نذيرا" حقيقيا في تنفيذ مشاريعها الكبرى. إلا أن تجربة السنوات العديدة ما بعد الصدامية ولحد اليوم تشير إلى أن القوى السياسية التقليدية لم ترتق بعد إلى مصاف الإدراك الواقعي لقيمة الفكرة الوطنية العراقية، لأن أي منها لم يقترب بعد من حال تمثيلها الفعلي.

فقد كشفت المعارك الدموية المستمرة في العراق عن طبيعة الأزمة السياسية والاجتماعية والفكرية والأخلاقية للقوى السياسية بشكل عام، ومستوى الخلل البنيوي الهائل في الدولة بشكل خاص. وهو ليس خلل ضعف فقط بل وخلل الهوية الوطنية العراقية عند الأطراف جميعا! بمعنى عدم إدراك حقيقتها بمعايير العقلانية السياسية والواقعية الوطنية. من هنا استحالة تجسيدها في برنامج سياسي واضح المعالم وقادر على صنع إجماع وطني في مرحلة غاية في الخطورة بالنسبة للوطن والدولة.

وعلى العكس من ذلك نقف أمام حالة تشير إلى فقدان أغلب القوى السياسية الفاعلة مسئولية التمسك بمرجعيات عملية قادرة على تجسيد الأفكار القائلة، بأن حقيقة الهوية الوطنية العراقية ينبغي أن تكون أيضا نمط حياة عام يضمن بقاء وديمومة الهوية التاريخية الثقافية للعراق. لاسيما وأن الخروج عليها يعادل الرجوع إلى العرقية والطائفية ومختلف أشكال البنية التقليدية التي تتعارض تعارضا كليا مع مفهوم وحقيقة الدولة العصرية والحداثة. مع ما يترتب عليه من خروج على منطق الهوية الثقافية للعراق والعراقية وعلى مكونات وجودهما الجوهرية. وبالتالي فهو خروج على الحكمة الثقافية والسياسية لتاريخ العراق.

في حين كشفت وتكشف أحداث الصراع الدامي والمستمر في العراق عن ضحالة القوى السياسية القائمة وراءها. وهي ضحالة مرتبطة بدورها بطبيعة وحجم التقاليد الراديكالية المحكومة بوجدان عارم لا يحكمه عقل واقعي ولا رؤية تاريخية. وليس مصادفة أن تحاصر هذه الراديكالية مضمون الهوية الوطنية العراقية في أماكنها «المقدسة»، بحيث جعلت منها المكان النموذجي الوحيد و«العظيم» للمقاومة الوطنية والمواجهة المسلحة ضد الاحتلال والتحدي الشامل للدولة العراقية الجديدة. رغم أن حقيقة الهوية الوطنية وأساليب مواجهتها للاحتلال، والتحدي الممكن للخروق المحتملة من جانب الدولة الجديدة لا يمكن حصره بمكان معين، بقدر ما هي مبادئ وقواعد للعمل السياسي والحقوقي والأخلاقي تسعى لتثبيت مرجعيات تتسامى عن مصالح القوى المتصارعة. إضافة لذلك أنها المبادئ والقواعد التي تكفل إمكانية عمل الجميع بمعايير الشرعية والسياسة العلنية والاجتماعية المقيدة بالدستور وقواعد القانون.

بعبارة أخرى، إن إشكالية الهوية الوطنية لا تنحصر، ومن ثم لا ينبغي محاصرتها في «مكان»، لان الأمكنة قابلة «للاحتلال» والقوى الفاعلة فيها قابلة للانكسار، بينما حقيقة الهوية الوطنية لا تتحطم في مكان. وتستند هذه الفكرة إلى حقيقة تقول بأنه ليس هناك من مكان مقدس بحد ذاته. وبالتالي فإن حقيقة الهوية الوطنية هي الكيان الذي ينبغي أن يتسامى عن كل ما يمكن محاصرته في شرط أو ظرف أو مكان أو قوة عابرة. والقضية هنا ليست فقط في كون الهوية (الوطنية) ليست أسيرة مكان ما معين في العراق، كما أنها اكبر وأوسع وأعمق وأعرق من أي مكان فيه، بل ولأنها الفكرة التي ينبغي تحقيقها في النفس والجسد العراقيين على كافة المستويات (الحقوقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقومية والثقافية).

وتحقيق الهوية الوطنية العراقية في هذه المستويات ليس ادعاء أيديولوجي، بقدر ما هو تجسيد لها في مبادئ عملية واضحة المعالم وملزمة للجميع مثل القول، بأن العراق ليس تجمع أعراق، وانه هوية ثقافية سياسية معقولة ومقبولة عبر وحدة مكوناته الرافدينية – العربية - الإسلامية بوصفها جوهرا ثقافيا. بمعنى الانقياد لجملة مبادئ تشكل من حيث قدرتها الفعلية أساسا واقعيا وعقلانيا لضمان بقاء الجميع ضمن الهوية التاريخية الثقافية للعراق والاحتفاظ بالأصول القومية الذاتية له. وبهذا يمكن تحويل مضمون المبادئ العملية إلى ما يمكنه أن يشكل الحد الأدنى الضروري والعام للوحدة الوطنية. وبدونها يستحيل إرساء أسس الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. وذلك لأن هذا الثالوث الضروري للدولة العصرية يفترض على الدوام سريان جملة من المرجعيات الكبرى فيه. ولعل مرجعية الهوية الوطنية هي من بين أهمها، خصوصا في مراحل الانتقال العاصفة وضياع البوصلة الواقعية لتوجيه مسار الحركة الاجتماعية والسياسية. بينما كانت وما تزال معارك المدن العراقية غير قادرة على صنع هوية عراقية موحدة. على العكس أنها تتوزعه وتتقاسمه ومن ثم تسهم في تفتيت وحدته وبالتالي هويته الخاصة.

ففي معارك المدن يبرز من حيث الجوهر الضعف البنيوي المميز للوعي السياسي العراقي المتعلق بإدراك خصوصية ومعنى الهوية الوطنية. طبعا إن ذلك لا يخلو من الأثر الهائل للتخريب والتدمير الذي خلّفته التوتاليتارية في العراق، إلا أن ذلك لا يبرر الانسياق وراء ردود الفعل المباشر عليها. والقضية هنا ليست فقط في الخطورة الكامنة وراء فكرة حصر ومحاصرة فكرة الوطنية في مكان معين أو مصادرتها من قبل تيار ما أي كان مصدره وتاريخه ومستوى تمثيله لشرائح اجتماعية أو قومية أو طائفية أو مذهبية عراقية، بل وفي تناقضها الشامل مع حقيقة الفكرة الوطنية.

فالهوية العراقية ليست ملكا لأحد، ولا يمكن لأية قوة سياسية مهما كان تاريخها النضالي ضد الدكتاتورية والتوتاليتارية حق احتكار أو مصادرة تمثيلها. والقضية ليست فقط في أن الجميع لا يمكنهم ادعاء حق القول لأنفسهم فقط بهذه الفضيلة، بل ولأن مجرد الهواجس الخفية وراء هذا الادعاء سوف يضع الحركة السياسية نفسها في تناقض جوهري مع حقيقة الهوية الوطنية العراقية الحالية. وذلك لأن الهوية الوطنية العراقية الحالية هي مجرد مشروع لم يرتق لحد الآن إلى مستوى البرنامج الاستراتيجي عند القوى السياسية والاجتماعية العراقية المعاصرة. بمعنى عدم بلوغ هذه القوى الحد الضروري لما يمكن دعوته بالحكمة الثقافية والسياسية لتاريخ العراق بشكل عام وتاريخه الحديث بشكل خاص. فهي قوى مازالت بعيدة عن الانخراط الفعال في تأسيس حقيقة الهوية العراقية بالشكل الذي يجعلها مرجعية تاريخية ثقافية مندمجة في نسيج الوعي السياسي والاجتماعي للإفراد والجماعات والحركات والأحزاب.

 ويمكن تلمس هذه الحالة في أحداث المعارك الدامية المستمرة في مختلف مدن العراق. إذ تعكس في جوهرها ضعف الهوية الوطنية العراقية عند القوى جميعا. كما أنها تكشف عن إدراك مشوه للهوية الوطنية واستخفاف تام بمقومات الوطنية ومتطلبات العقلانية السياسية. بمعنى انحدار الراديكاليات المتنوعة والمختلفة من جهة، والسلطة من جهة أخرى في خندق الحرب مع النفس وليس مواجهتها بمعايير إدراك الضرورة التاريخية للوحدة الوطنية. ولا يعني ذلك في ظروف العراق الحالية سوى العمل بدون وعي على إحياء تراث الفرقة والافتراق. وفي أفضل الأحوال لا تعمل إلا على ترسيخ تقاليد القمع السافر والمبطن. بمعنى العمل على إحياء كل القوى التي ساهمت تاريخيا في تخريب العراق وتدمير هويته الخاصة.

إن هذا الانحطاط المادي والمعنوي للفكرة الوطنية في ميدان المواجهة المباشرة والصراع العسكري ليس إلا المظهر الأكثر إثارة للأعماق المتفرقة والمتصارعة لمكونات العراق الحالية. وجرى تفتيت هذه المكونات بطريقة عنيفة في مجرى العقود الخمسة لسيادة النزعة الراديكالية. واتخذت صيغة الصعود المتجزئ والمتحزب والمتحارب لها بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية. إذ نقف الآن أمام ظهور مختلف نماذج ومستويات البحث عن موقع في العراق عوضا عن البحث عن قواسم مشتركة للفكرة الوطنية. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة الأنانية لدعوى تمثيل العراق والوطنية العراقية من جانب القوى الراديكالية والمتطرفة. إلا أنها خلافا للأخيرة تتمتع بقدر معقول من «الشرعية» بوصفها ظاهرة جديدة للتمثل الجزئي. وبهذا المعنى فقط يمكن النظر إليها بوصفها ظاهرة صحية.

فقد تعرضت الفكرة القومية والهوية الوطنية في العراق إلى صدع شديد في غضون العقود الأربعة الأخيرة. مما أدى إلى تراكم متنوع المستويات من ردود الفعل، اتخذت بعد سقوط السلطة الصدامية، مظاهر وصيغا ومستويات فكرية وسياسية وعملية متنوعة ومختلفة ومتناقضة ومتضادة. وسوف تتعمق هذه الظاهرة نسبيا وتتطرف في الكثير من جوانبها، وقد تؤدي إلى مواجهات وصراعات حادة ومتنوعة الأشكال والمظاهر، يتوقف مسارها ونتائجها على حدود الرؤية القومية المفترضة في العراق، وحدود الفكرة الوطنية العراقية وهويته العامة.

إننا نرى ظهورا متزايدا ومتنوعا لمختلف الحركات السياسية والاجتماعية القومية غير العربية في العراق مثل الكردية والتركمانية والكلداآشورية، إضافة إلى أجزائها المكونة والمتناثرة من شذرات التاريخ العراقي العرقي والقومي والطائفي والديني مثل الفيلية واليزيدية والصابئة والشبك والأرمن واليهود. ويرافق ذلك تبلور متنام في مواقفها الفكرية وبرامجها السياسية تجاه مختلف القضايا بما في ذلك القضية القومية والهوية الوطنية للعراق. وهي ظاهرة تشير إلى تراكم أولي جدي وفعلي في مسار التطور التلقائي للمجتمع المدني والفكرة السياسية الاجتماعية التي جرى الضغط عليهما عقودا طويلة من الزمن.

وسوف يؤدي هذا التراكم الجديد في مجرى التطور التلقائي للفكرة السياسية والاجتماعية بالضرورة إلى الخصام والاختلاف والمواجهات الحادة أحيانا بسبب غياب تقاليد الديمقراطية السياسية ومؤسسات الدولة الشرعية، وكذلك بسبب حجم الخراب الهائل في البنية الذهنية الثقافية والسياسية والقومية لمكونات العراق جميعا. إلا أنها اختلافات ومواجهات سوف تعمل في حال توجيهها العقلاني والواقعي، إلى ترسيخ منظومة القيم الديمقراطية والمدنية في الموقف من الفكرة القومية. وذلك لأن تنافس القوى جميعا في البحث عن موقع «تحت الشمس» سوف يجبرهم على إدراك الحقيقة البسطة القائلة، بأن العراق يكفي الجميع وهو قادر على احتواء ما هو أكثر في ظل رؤية عقلانية، وتوجه واقعي صوب الحرية والنظام في مواجهة المشاكل الفعلية والإشكاليات الكبرى لمعاصرة المستقبل فيه. إضافة إلى مكونه الرافيديني والعربي والإسلامي بوصفه العمود الفقري للهوية العراقية. وسوف يحدد هذا الإدراك في الأغلب مستوى تكامل المجريات العامة لبناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. وتتوقف الكثير من جوانب هذا التكامل على كيفية حل المسألة القومية. كما أن حل المسألة القومية يتوقف في نهاية المطاف على تحديد ماهية الوطنية العراقية.

وقبل أن يصل الجميع إلى إدراك الحقيقة القائلة بأن حل المسألة القومية يتوقف في نهاية المطاف على تحديد ماهية الوطنية العراقية، فإن الفكرة القومية في العراق وهويته الوطنية سوف تثير الكثير من المواقف المتباينة والمختلفة والجدل الحامي. وهي ظاهرة أخذت تبرز ملامحها الأولى في ظل تبلور متنام ومتصارع يترامى ما بين الرؤية الأسطورية والواقعية العقلانية. وفي هذه الظاهرة يمكن أيضا رؤية حالة الخروج من سجن الدكتاتورية والوحدة المفتعلة إلى فضاء الديمقراطية والتعددية الطبيعية لوجود الأشياء. ولكن قبل أن يبلغ الجميع إدراك قيمة التنوع في الوحدة، أي القومية الجزئية في الوطنية العراقية، فإن ذلك يستلزم المرور بدروب الآلام الكبرى لوعي الذات القومي والسياسي. وهي دروب ليست مأمونة بالضرورة لكنها تبقى في نهاية المطاف جزء من معركة لم تحسم بعد عن ماهية الهوية الوطنية العراقية.

فعندما نتناول الوعي الذاتي القومي بالتشريح، فإننا نقف أمام علامات تدل بمجموعها على ضعفه العام وخلل الكثير من مقوماته، وبالأخص ما يتعلق منه بمستوى ارتقائه من حضيض الرؤية العرقية والقومية الضيقة والطائفية إلى مصاف الرؤية الثقافية. وهو خلل وضعف بنيوي يجد انعكاسه الآن في المواقف النظرية والعملية تجاه الإشكاليات الكبرى التي يواجهها العراق. مما يضعف بالتالي بلورة الفكرة العملية عن الهوية العراقية. ومن الممكن تطبيق ذلك على قضية «الدستور» لما لها من خصوصية واثر بالنسبة لآفاق الهوية الوطنية العراقية. (يتبع....).

***

ميثم الجنابي

 

 

في هذا المقال أردت أن أجلو به سريعا عن إشكالية استراتيجية ما قامت عليه الترجمة والاخلاق في البيئة الثقافية، وأن أحاول أن اتتبع خطى تسرف في إطار أستراتيجي ما هو محدد، الذي تقتضيه تحقيق الأهداف امانة المعنى وعمقها بالموضوع. وقد حرصنا على الجانب العام الوصفي والمآخذ الكاشفة عن التجربة العوامل التي أثرت في متابعة وجود هذه العلاقة، التي حددت "الكمال" نشاط متقنيها، وعمق مسالك الالتزام المتمم الاخلاقي في نقاوة زينة دواعي الوعي بها، جود اشتقاق بديعها المهني، نهضة الذوق المدهش في الفكرة المميزة وهدف عمق الدرس فيهما. وعليه أثرنا ملاحقتها بأختصار في محدد هدف النشاط وعمق المسلك الاستراتيجي. مؤكدين عن الترجمة إلتزام المترجم، لا بد من رسوخ الكمال الخلقي أولا، ثم يتلو ذلك الاحتجاج عن الإجازة والمنع، العضوية التشغيلية في المشروع لها أن الأخلاق ثبت راسخ في الترجمة، و لابد أن يكون المعطى الأول الذي يكون منه الأنطلاق، ولهذا يمكننا القول إلى المترجم بصوت صريح وواضح: الهدف الاستراتيجي يحصن بتأخلقه لأتعقل الحقيقة.

اما بعد

الترجمة وفعل الكمال الأخلاقي عند اقتدار الأنتقال، هو إمكانية تحول النص من الحالة الكمونية الخاملة إلى مكانة الإنسان/الآخر بالتفاعل، داخل حدود كل ترجمة، ومحيطها، متحدثها بإدراك ثاقب النظرة، تحت تعريف مشترك بالتأثير، ذلك أن الترجمة تأخذ النص عن الإنسان حامل سعة الفعل؛ من السعة والتنوع والعدد، بحيث يتمكن من استمرارية الوفاء بتجنب العجز، واللزوم بتحديده، أن له غابات متعددة جدا.، من حيث الممكن هو منهجها الفلسفي، ويكون موضوعها هو، وضع القول في ماهية النقل، وتربع الفعل كمال أخلاقي إلى تمييز وجود مخاطبه الإنساني من وجود سائر المخلوقات في مناطق وعي الثقافة والوجود إقامة تفاعلها في ميدان أنتقالها، كذلك يمكن إيجاد تموضعها الانتقال التي تتعلق بتناوله على نحو يصبح معرفة تتعلق بالإنسان وأن تكون إرادة تحقيقها موضوعها في تحديد مكانته في بذل المجهود لتكوين تطلعات متجددة حقة. أن الترجمة كما عرفت سبيل وسائطية نقلها تشمل النظر في أحوال الترجمة، (الشفهية/الصواتية) أو (التحريرية / الصوامتية) هي نقل في احوال الإنسان الصوتية ـ النفسية والثقافية ـ النفسية والااجتماعية، وهي بذلك، مرتبطة بعلم النفس، وتحليل النفس، وتربية وأجناس حضارات وأنماط النظرات الثقافية في العالم ..وغيرها في وقت واحد معا.

وهذا أمر يختلف بالعادة ما لا تثيره (الترجمة الصواتية الشفهية) بنوعيها التتبعية والفورية سواء من حيث المضمون، ومن حيث وضع المسائل، والتأسيس، والغرض من العرض وشكل التعبير. ولن يؤدي مثل النظر الشامل إلا إلى التشويش والفوضى أحيانا ـ نقاشا كبيرا، أو تحفظا ملحوظا، على الرغم من الروح الذاتية تأثيرها المباشر وأدراجها في داخل فلسفة التصور التاريخي أو فلسفته في مستمعيها الذين يفيدون منها رأي في الواقع الإنساني بوجه عام، في الحين، أثناء المؤتمرات أو أبان مشاهدتهم حوارات أو خطابات على التلفزيون، أو إنصاتهم إليها في الراديو، أو ظروف غيرها من أستعراض هذه الموضوعات وهي تتناول مزيجا من علم النفس وعلم الطباع الثقافي والاجتماع الجنساني وثقافات الشعوب.

ولا يخفى أنها تؤثر بالذي يسري احتماله الكمالي بالملموس في اللغة المتداولة أيضا، بسب إدراج مزاولتها في لغة الاستقبال وما يجذبه من نظر ـ في الأختيار ـ إلى كلمات جديدة بالنجاة، وصيغا مميزة فريدة الفهم، وعبارات طريفة السجل والوجد، تسند عليه الآفاق الرحبة بالمعنى، وبديع الرؤية بكل العيون، وفتح أنحصارها من ضيق النزعة في دعوة إلى الإرادة، و شيوع تحسين التجربة الحية. ولكونها لا توثق كتابيا، غير انها لا تعلو عليه، لأن التفسير في أصول الثقافات في الترجمة الصوتية، يعني إفساح النكف والتسليم بالسذاجة، فلابد أن نعاني على باب بلاغة الابداع ثباته قبل أن نشبه مما نترجم، ولنسلم دراستنا تيارا فسيحا للحياة، وثقافة مما بلغت اليوميات الخاصة، ويعني بتحسين وجوه الكلام وتزيينه بمثل اخلاقيات القول الرزين، والمبدع عنا الذي يخلق بلاغتها؛ خلق أشياء موحدة بها كثير من البديع اللفظي؛ في ذاته أو صفاته أو أفعاله الحسنى، ومعناه بالانتقال والتغيير؛ في خضم الدعوة إلى تنزيل العاطفة وبدائع التجربة الحية لا النزعة الذاتية العارضة، وما كان اسنباط حصره وأحداثها في حبس فردي بعد الإكمال، فهي لا تنتقد بالحدة نفسها التي تتعرض لها (الترجمة ـ الصوامت ـ التحريرية)، الشيء الذي يكون حدث الحفر فيها أولا، عند التأكد من أصول الاشياء والكلمات عن بناء جذورها، وعظيم المتوكل بسر من رأى زق جديدها، ليبدع للخطاب من معنى ماليس فيه واستحداثه، فالنكث هنا أعزل، والابداع فيه مر. بمعنى، تصبح المعاناة مشروعة في أتي "معرفة الأصول معانيها، وطبيعة الأصول أنشأها على غير مثال سابق، كلها أسرار، ومبدأ كل حياة لنص مترجم فرديا أو جماعيا هو ناتج إثار الحسن والعود على العقل والمنطق، وهو سر فيه نزعة فنية تبرز الصفاء الأخلاقي الابداعي والتعبير لفعل الكمال/التمامية، أعني حيال أساليبها وهي تتميز بالخروج على القدماء باستحداث أساليب استنباط تعرف بالنجاعة والفحص المستكمل بالإتيان بنموذج المستحدث عن منهج أو شكل. أي جذور الأصول، شيئا لا معقولا ولا يقبل تفسيره ولا تعريفه ألا من حمل تعقله آتباع المعني٫ أتى يدعو افساحه للشعور بالراحة والتفسير القائم لاستمرار سريته، استحداث منهج في ابتداع الوقاية من الضعف والغارات. علما أن مفعول (الترجمة) الشفهية الصواتية ينتقل سريعا إلى (الترجمة الصوامتية/ التحريرية).

ومن الجلي أن الترجمة الشفهية لها الفضل في تمييز الفضيلة، والقصد في الحكم والإستمكان في السجية الأخلاقية على الوفاق في وئام السير الطيب للكمال والازدهار. وهي أقدم وجودا وممارسة من نظيرتها التحريرية لمراعاة العدل الاخلاقي فيها من حيث ضبط ووضوح الأفعال في السعي للبيان الأعم، وتوطين جهد حسن حركة الأنتماء اللفظي وتوسيع الطمأنينة ودائرة اهتمامات المتابعة من الأنا.، وأنها اليقظة في منطق الاعتدال والتصديق الملزم على القدرة في معرفة أنطباعات المفردات في خلق التصديق الاعتباري احقيته ونبذ باطله، وآيضا الانتباه للحظة المعالجات المستقصية للأحكام، وحجج اصطناعات الواقع الحالي من أفساد في الترجمة إن تلخصت بالعيوب، وتمحيص الانطباعات الراغبة والأفعال والوعي التام الإشارة، كمال استحكامه من إسقطات الشكوك، حيال التعليق في خبره، والتقتصر على الاستجابة الفورية التي يقتضيها الأتصال المباشر، فتضمن التفاعل في ترويض عين المكان والتدرب على امتلاك قيادة النظر في المصاعب والمشاكل بين الحاضرين والمحاضرين بوصفها على معرفة الذات وامتلاك التدريب والتمرين لضبط الرغبة؛ الالتزام والقناعة، والعيش في انسجام مع قواعد توصيل الآخر بشجاعة ارتكازها الاخلاق الحقة، ميزان الشجاعة والثقة في الضبط، وتكون آثارها سريعة وفعالة، على خلاف الترجمة التحريرية التي تستند في عملها إلى نص مكتوب تسهر على نقله أو تحويله أو إعادة كتابته أو تأويله في نص آخر ينتمي إلى ثقافة أخرى تضيفه، وأنها تنحو إلى الوصل بين الأمم، أي بين الثقافات، ولا يكون ذلك إلا بترك أثر مكتوب تحفظه الأوراق، لكي يتجسد في الممارسات والأذواق والأخلاق من فتنوا بها. وعادة ما ترتكز تلخيص الضعة إلى هذا حمولته، عند تلخيص ما يسقط فيها المشككون الإجازة والمنع في خبر التعليق، في:

ـ إنكار وإفساد الوفاء المحدد في أساليب المنهج.

ـ إنكار وإسقاط الوفاء في القياس والاستدلال. و

ـ اهمال الأحكام وجهل العناء بمنزلة المراجع والمصادر.

غير أن المعايير التي تأخذ اللبس في أعتمادها، على عدم الالتزام، ما يجعل الفساد في الترجمة أخلاقيا، أو اعتبارها ثانوية الاعتماد، ونفي الخير القادم منها والمثبت "لتعليق الكمال " اعتمادا اخلاقيا على تصوير ما يقدمه وإن جاءت متاخر عند مؤلف النص المتقدم، أو، ظن مورده، أنه يكفي مبينا لوجهة نظره، من الزاوية التي كان يعتقد منها النظر إالى النص (صائت مسموع/صامت مكتوب= شفهي/تحريدي)، والمنهج السليم؛ يقضي بالانتماء إلى متممات القيم الاخلاقية للفرد مباشرة إلى اصل الوفاد. في تبنيه لنقل المقولات، واعتماده على النقل في بناء جمال أحكام الخلق عن ثبت، خطؤه فيها، بذل مشقة، دعوة بالرجوع إلى عمق الثقافة للمترجم في الأصل.

والترجمة ـ في نظر البعض ـ هو التحرر من الأنا الحسي الخالص، والمشاركة في حياة الكل. مهما ميزوه أحيانا، المترجم يشعر في كل أعمال ترجماته إن توحد صحيح الكمال فيها، أعمال حياته الخيرة، يمكن أن تكون تناولها تمييزه، ما جعلت إليه تحديد مكانته الإنسانية في أي تعريف عن الوفاء المتمم، بتحديد أخلاقه، مكانة الإنسان في الكون والخلق المعرفي التواصلي، بأن هناك كائنا مطلقا يعلو عليه. اثناء أعمال الترجمة، ذلك هو الإيمان بالكمال الأخلاقي، فعل الانتقال بالنص الى نفسه بالخير والنجاة.

وجهد المترجم الأدبي على أن يكون ملما بمكانة الفعل للأشياء، مكانة ترفع لكلمات التكوين وسعة سفرها، مطلعا بتنوع وتعدد مشترك أو مفترق؛ على شتى أشكال المعارف والعلوم والقضايا التي تعرف موضوعها الحياة، وذا كفاءة قرائية الفعل وقوة تأويلية عالية في سياق موجود ما، ويشترط عليه الكمال كثيرا بالاقتدار في مرونة الانتقال في الدليل، وتصور ما ينتج، وتبدو عليه جديته القوية عن تحقيق فعل ما من منظري الترجمة وناقديها، بأن يكون من الممكن أن يكون ملهما، بمعنى أن يكون أديبا يحكم تميز صنعة الكلام إلى جانب أن له غايات متعددة في مراس نتائج تحقق ميزة الميدان وقوة مكانته تحت تعريف مشترك، ليتمكن من ابتعاث صورة نص أدبي يضاهي نص الانطلاق،  بأسم تحقيق الفعل الأول، أو يتفوق عليه المعنى لها "الفعل الثاني"، ليقلب الآية فيصير النص الأصل هو الـ"هيولي" للنص الفرع، أي مكانة المترجم، حسب تحديد مكانته عن الوفاء بتحديده، ليكون عمله يعد الماهية العليا المجردة عن الهيولي. المتمثل صوغ قول ثان على قول أول في لغة وثقافة أخرين، والمترجمون العرب الزوائل ـ[في القرن الثالث الهجري يستعملون صفة "البديعية / التمامية"] وما شيع عنها بالاستكمال ـ الاشباع والإرواء للنفس بها في إيضاح مراجعة حدود معنى الشيئ ببديعه ولمعان الحياة فيها ــ إبداعا ثانيا في استكمال الشيء الطبيعي ذي حياة بقوة الإرادة،  ونجاة  النفس منها كمال فعل تخلقا موازيا بعيدا عن كل إسقاط آلي، مثلما يتصور من لا دراية لهم بالعملية الترجمية، وتمامية شياعها في استعمال الكمال كتداول بين الألسن والعقول عن الشيء حال مراجعة حدود الكلمات والأشياء عن وفاء الترجمة وعفة محددها حركة فعل الشيئ في الاستكمال من جهة المعنى الذي هو بأقتدار الإرادة وقوة النجاة عن أختيار المعجم الماهوي الأعلى المجرد من هيوليته.. ويعرف النفس الإنسانية بأن للكلمة المترجمة كمال لجسم الشيء من جهة ما يفعل الأفعال الكائنة بالأختيار الواعي، بالأختيار الفكري والأستنباط بالرأي عن بديع مصفاة بلاغته، ومن جهة ما يدرك المعنى الأمور الكلية عنه، أو النجاة فيها.

 وأخيرا تقوم هذه الحجة على أساس أن لدى كل مترجم معرفة عن موجود "نص/كلام" عن فاعل عاقل، لا يمكن أن يتصور موجود أكمل منه ينتج  بواسطته الشيء الذي هو مانح لوجود العلاقة بفضل الآخر، والعلاقة المزدوجة بين كليهما لا تلد نفسها بنفسها، بل هي موجودة بين شخصين حقيقين كل واحد قائم بذاته، شاهد عن نقله. وهذه الحقيقة أخلاقية يقدمها لنا النقل، الأيمان بمنتج ما يوجد، لكن علينا إيضاح ما نثبت هذه الفكرة الموجودة في الذهن أيضا في الواقع. والمترجم الذي لا يمكن أن يتصور هناك أكمل منه، فإنه يفهم ما عليه تعقلها، ومعنى هطا أن مثل هذا المترجم موجود تأخلقه في ذهنه ـ الضمير ـ زن لم يكن موجودا في الخارج الواقعي كمؤسسة قانونية أيضا. ونحن نعتقد باستطاعتنا ان نتصوره موجودا في الوعي الإنساني فحسب، دون أن نتصوره موجودا  في الخارج الواقعي أيضا، لكن إذا حقق المعنى بنقلها الكمالي التام محققة في الخارج فإنه يعلم أن لذهنه وعي أخلاقي متصور في رسم حقائقها: وجودا ذهنيا، وآخرى مكتسبة. فإن جاز قولنا عن التأخلق للمترجم أنه موجود في الخارج إلى جانب وجوده في الذهن أو الضمير، فإن القول هذا يضيف إلى المترجم صفة كمال أكبر بمضيه نحو سعة أفهوم لأتعقل.

 

إشبيليا الجبوري

 

عدنان عويدWhat is Neoliberalism?

by Elizabeth Martinez and Arnoldo Garcia

ترجمة: د. عدنان عويّد

"الليبرالية الجديدة"، هي مجموعة من الخطط الاقتصادية التي أصبحت واسعة الانتشار مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث بدأ المهتمون يتلمسون نتائجها وتأثيراتها هنا، من خلال تلك الظاهرة الاجتماعية المرعبة، وهي زيادة غنى الغني  وفقر الفقير،  رغم أن العالم قليلا ما سمع عن الولايات المتحدة الأمريكية في تلك الفترة. هذا وأن الليبرالية الجديدة استطاعت أن تعبر أيضا في تطبيقاتها العملية والفكرية إضافة إلى المسائل الاقتصادية، عن المسائل السياسية والدينية أيضا، ففي الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت الليبرالية السياسية، موقفا استراتيجيا قائما بذاته في منع الصراعات الطبقية/الاجتماعية، وهي تحاول أن تقدم في مشروعها الفكري النظري الفقراء والطبقة العاملة، كمعادل تقدمي تجاه التيار اليميني المحافظ، بينما نجد في الممارسة غير ذلك. أما الحرية الاقتصادية، فموقف السياسيين الليبراليين المحافظين تجاهها هو موقف مختلف، على اعتبار أن لا مشكلة لديهم مع الليبرالية الاقتصادية وخاصة في شكلها الليبرالي الجديد، الذي يعمل على قطع العلاقة نهائيا ما بين السوق والدولة،  والحد كثيرا من الطموحات الايجابية لدى الليبرالية (الاقتصادية)، وخاصة في موقفها من تدخل الدولة في فترة ما بين الحربين، وأثناء الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن العشرين، تجاه مساندة أفراد المجتمع والتخفيف من مشاكلهم بشكل عام .

إن  الليبرالية (الاقتصادية) في الحقيقة أصبحت  أكثر شهرة، منذ بداية طرحها في بريطانيا، مع الاقتصادي المشهور "آدم سميث"وبعض من ناصروا عدم تدخل الدولة في الأوضاع الاقتصادية، ورفض وضع القيود على المانيفاكتورات، أو الحواجز وفرض الضرائب على التجارة من قبلها. حيث  يعبر عن هذا التوجه آدم سميث بقوله: (إن التجارة الحرة كانت الطريق الأفضل لتقدم اقتصاد الأمة، وأن تطبيق الفردية شجع المشروع الحر، والمنافسة الحرة... التي جاءت أصلا بهدف حرية الطبقة البرجوازية من أجل تحقيق منافع كثيرة لهم ووفقا لما يريدون هم.).

أما في أمريكا فقد راحت الليبرالية الاقتصادية تسود منذ القرن الثامن عشر حتى أواخر النصف الأول  من القرن العشرين، غير أن أزمة عام/1929/أدت إلى ارتفاع بعض الأصوات التي راحت تطالب بضرورة مواجهة الليبرالية الاقتصادية من أجل الحفاظ على النظام البرجوازي والطبقة البرجوازية ذاتها، ومن بين هذه الأصوات كان صوت الاقتصادي المشهور"جان ماينارد كينز"(John Maynard Keynes ) الذي طرح نظريته المشهورة بـ (الكنزية)، وهي نظرية أريد منها مواجهة تلك الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم آنذاك وأدت إلى قيام الحرب العالمية الثانية كما هو معروف، حيث يشير"كينز في هذه النظرية قائلا: في الجوهر، من أجل أن تنمو الرأسمالية،وتستطيع أن تنجز مهامها، من الضروري أن تتدخل الحكومات والبنوك المركزية في دعم الاقتصاد الوطني، وتأمين العمالة، وهذا ماتم فعلا، حيث حققت هذه الأفكار تأثيرا واضحا على الرئيس الأمريكي"روزفلت"، وشرعت أمريكا والعديد من الدول الأوربية التي أصبحت بسبب الحرب العالمية الأولى وأزمة/1929/ منهكة، وبذلك استطاعت أن تعيد التوازن والثقة للطبقة الرأسمالية ونظامها مع تحسين واضح لحياة العديد من الناس.

إن الاعتقاد الذي يقول، بأن الحكومة قادرة على تقديم الأشياء الجيدة للمجتمع، أصبح مقبولا آنذاك بشكل واسع. ولكن مع توالي الأزمات الاقتصادية وخاصة بعد حرب تشرين وارتفاع أسعار النفط، ثم أزمة الثمانينيات من القرن ذاته وما تلا هذه الأزمات من انكماشات في الإنتاج، وتقلص في نسب الأرباح، أثار لدى النخبة الرأسمالية المتضامنة الرغبة في إنعاش الليبرالية الاقتصادية، التي راحت بدورها ترتقي شيئا فشيئا إلى ليبرالية جديدة على السِلّم العالمي، وبخاصة مع تلك التحولات ذات الصبغة العالمية السريعة والعميقة التي انتابت الاقتصاد الرأسمالي، ومنحته صفة العولمة تحت ظل النظام العالمي الجديد.

سمات وخصائص الليبرالية الجديدة:

أولا: التأكيد على دور السوق الحرة: حيث تعتبر الليبرالية الجديدة أن تحرير أي مشروع مفروض من قبل الدولة، ليس مشكلة، مهما تكن  طبيعة الأذى الذي يمكن أن تتركه عملية التحرير هذه على المجتمع، كما تعتبر أيضا، أن الانفتاح الكبير على التجارة العالمية والتوظيفات، كما الحال في/نافتا/، سيساعد على تخفيف الأجور، ويضعف وحدة أو تحالف العمال، وإلغاء حقوقهم  التي ربحوها عبر سنين طويلة من النضال، ثم لا تعود الأسعار موجهة ومدروسة كثيرا، أو بتعبير آخر، الكل في الكل، هو الحرية الكاملة للتيار الرأسمالي، هذا ويؤكدون أن عفوية السوق هي أفضل وسيلة لزيادة النمو الاقتصادي التي سوف تخدم بشكل مطلق كل فرد من أفراد المجتمع.. ولكن بطريقة لن يعطي فيها الغنى كثيرا من خيراته للفقراء كما سيبدو لنا.

ثانيا: إلغاء النفقات العامة من أجل المجتمع:

1- الخدمات: وتمثل هنا، التربية، العناية الصحية، شبكة الأمان للفقراء، صيانة الطرق والجسور، التزود بالمياه ... الخ، فالليبرالية الجديدة تقف ضد دور الحكومة في تقديم المعونات في مجال هذه الخدمات للمواطنين، بينما هي لا تمانع أن تقوم الحكومة في تقديم المعونات للصناعات البرجوازية من فوائد الضرائب وغيرها.

2-  تحرير التجارة: هي تطالب بأن تكون التجارة حرة من أي قيد يمكن أن يفرض عليها من قبل الحكومة،  كما تدعو الحكومة إلى تخفيف أو إلغاء أي إجراء من قبلها يساعد على إضعاف الأرباح، حتى لو كان الأمر يتعلق بحماية البيئة، أو العمالة.

3- الخصخصة: هي تطالب ببيع المشاريع الكبيرة والهامة التابعة للدولة، من مصانع، ومشاريع خدمية  وغيرها، للقطاع الخاص، وهذه المشاريع تتضمن، الصناعات الرئيسة، البنوك، السكك الحديدية، ضريبة الطرق الرئيسة، الكهرباء، المدارس، المستشفيات، وحتى المياه النقية.. الخ، وتأتي كل هذه المطالب عادة تحت أسم  من أجل تحقيق الكفاءة العالية التي غالبا ما تكون ضرورية بالنسبة لها في طبيعة الحال. هذا وأن الخصخصة حققت بالدرجة الأولى تركيز الثروة في أيدي القلة، التي راحت بدورها تعمل على تحديد أجور العمالة وفقا لمصالحها.

4-  إلغاء مفهوم الجمهور أو العامة: تسعى الليبرالية الجديدة إلى تمييع أي دور لمسؤولية الكتل الاجتماعية،  ومحاولة مركزة المسؤولية  في الفرد كسمة عامة لنشاط وطموح المجتمع، لذلك كثيرا ما يمارسون الضغط على الناس الفقراء من أجل أن يقوموا هم أنفسهم في البحث عن الوسائل أو الطرق التي تساعدهم على تأمين حاجاتهم الصحية والتعليمية وأمانهم الاجتماعي، ثم توجيه كل اللوم لهم في حال عجزوا عن تحقيق ذلك، ووصفهم بالكسالى.

إن أهم ما يميز سمات الليبرالية الجيدة هو، تبنيها من قبل مؤسسات مالية قوية مثل صندوقي النقد الدولي (imf)، وصندوق البنك الدولي للإعمار والتنمية، ومنظمة الجات العالمي .. الخ، ومحاولة نشر وتسييد أنموذجها عالميا من خلال هذه المؤسسات المالية، هذا وقد كانت أمريكا اللاتينية أول ضحايا هذه الليبرالية الجديدة، حيث اعتبرت (تشيلي) الدولة الأسبق في هذا الاتجاه، والشكر يعود طبعا لمن سيّد هذا الأنموذج، وهم جامعة شيكاغو، والاقتصادي"ميلتون فريدمان"، والمخابرات المركزية الأمريكية التي كانت وراء الانقلاب الذي أطاح بالنظام السياسي لـحكومة "الليندي"المنتخب من الشعب عام/1973/، ثم تلت الشيلي فيما بعد الكثير من الانقلابات في  العديد من دول أمريكا اللاتينية، إلا أن التأثير الأكثر سوءاً لليبرالية الجديدة  كان في دولة"المكسيك"، حيث راحت الأجور تنحدر إلى ما بين 40% و 50%، في العام الأول من نشاط منظمة التجارة العالمية،/نافتا/، بينما تكاليف الحياة ارتفعت حتى 80%، يضاف إلى ذلك أن ما يقارب/20000/مشروع صغير ومتوسط قد فشلت وتوقف نشاطها، وأكثر من/1000/مشروع خاص بملكية الدولة (قطاع عام)، قد خصص في هذه الدولة، ونتيجة لهذا الانحدار المخزي راح يعلق أحد الباحثين حول ذلك قائلا: إن (الليبرالية الجديدة) هي وسائل للاستعمار الجديد، تهدف إلى استعمار أمريكا اللاتينية).

أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد استطاعت الليبرالية الجديدة أن تحطم برامج"دولة الرفاه"، ومهاجمة حقوق العمال بما فيها حقوق العمال المهاجرين، وكذلك استطاعت تخفيض البرامج الاجتماعية، وبخاصة ما يتعلق منها بحماية الأطفال والشباب والنساء، بل الكوكب نفسه الذي نعيش عليه.. كما يحاول دعاتها خداعنا لنقبل بالقول إن كل ما تقوم به الليبرالية الجديدة  سوف يبعد الحكومة عن كاهلنا.

عموما نقول: إن الليبرالية الجديدة، لن تحقق الفوائد إلا للقلة القليلة في هذا العالم، بينما هي سببت كل الدمار والعذاب للأغلبية الساحقة من شعوب العالم.

 

كاتب وباحث من سورية.

 

 

حاتم حميد محسنبعد ان فقد الاقتصاد الياباني زخمه، تنبأ الاقتصاديون والمدراء التنفيذيون بتهديد جديد يتمثل بنمو اقتصاديات العالم الثالث. في هذا المقال يرى بول كروغمان الاقتصادي في جامعة ستانفورد ان الخوف من تأثير منافسة العالم الثالث هو عرضة للتساؤل النظري ويواجه رفضا صريحا امام البيانات العملية.

يوضح كروغمن حججه بفحص نماذج الاجور والانتاجية في سلسلة من النماذج الاقتصادية. في النموذج الاول، يعرض سلعة واحدة تُنتج باستعمال عنصر انتاجي واحد وهو العمل. في النموذج الثاني تُنتج ثلاثة انواع من السلع في عالم منقسم الى منطقتين تسودهما قدرات انتاجية مختلفة. النموذج الثالث هو عالم فيه يتطلب الانتاج كل من العمل ورأس المال، وفي النموذج الرابع يُستخدم العمل من كلا النوعين الماهر وغير الماهر.

بعد اختبار نتائج التحسينات المنعزلة للانتاجية في هذه النماذج المتزايدة الواقعية، يستنتج كروغمن بان الزيادة في انتاجية عمل العالم الثالث تعني زيادة في مخرجات العالم. والزيادة في مخرجات العالم تتضح في اجور عالية لعمال العالم الثالث وليس انخفاضا في مستوى معيشة العالم الاول.

غير ان كروغمن لايزال يخشى من الاسوأ. اذا كان الغرب يستجيب للخوف المتزايد من نجاحات اقتصاديات العالم الثالث عبر بناء حواجز كمركية لحماية مستويات المعيشة الغربية، فان التأثيرات ستكون سيئة جدا لأي أمل في مستوى معيشة لائق لمئات الملايين من الناس في العالم النامي.

حتى وقت قصير، كان كتّاب الاعمال المؤثرين يحذرون من ان التهديد الاكبر لإزدهار الولايات المتحدة هو المنافسة من دول متطورة اخرى. يحتاج المرء فقط النظر الى اشهر كتاب عام 1992 (وجه لوجه: المعركة الاقتصادية القادمة بين اليابان، اوربا، امريكا للكاتب ليسر ثورو).

 ولكن في السنوات الاخيرة بدا الأعداء الاقتصاديون اقل قدرة على الانتصار حيث ان كل من الاقتصاد الياباني والالماني علقا في ركود يصعب السيطرة عليه، صادراتهما كُبحت بعملات ذات قيمة عالية بينما تتآكل مؤسسات سوق العمل فيهما تحت تاثير الضغوط الاقتصادية. مقابل ذلك نرى الاقتصاد الامريكي مع انه ليس براقا لكنه يبدو صحيا.

غير ان العديد من الاقتصاديين والمدراء التنفيذيين الذين فقدوا الاهتمام بالمعركة بين اليابانيين والامريكيين، ينظرون الى معركة جديدة تلوح بالافق بين الاقتصاديات المتقدمة والاقتصادات النامية في العالم الثالث. هناك تباين مدهش بين الاخفاقات في آداء الدول المتقدمة خلال العشرين سنة الماضية ونجاحات الأعداد المتزايدة للدول النامية. النمو الاقتصادي السريع الذي بدأ اولا في الستينات في دول اسيوية صغيرة، انتشر الان عبر نطاق واسع في شرق اسيا ليس فقط في ماليزيا وتايلند وانما في دولتين فقيرتين ذات كثافة سكانية عالية كالصين واندونيسيا. هناك علامات لنمو سريع ايضا في شيلي ومكسيكو  وحتى في الهند.

وبدلا من القناعة بتنمية اقتصادية عالمية، اعتبر الكثير من الناس في الغرب ان النمو في العالم الثالث يشكل تهديدا لهم. فهم حسب اعتقادهم ان العالم منقسم الى دول غنية ذات انتاجية عالية واجور عالية ودول فقيرة ذات انتاجية قليلة واجور عمل قليلة. ولكن يُلاحظ الان ان بعض الدول تجمع بين انتاجية عالية واجور منخفضة. تزايد أعداد هذه الدول في اسواق العالم يقود حسب زعمهم الى إعادة توظيف هائل للاصول الانتاجية، والذي يجعل من المستحيل للدول المتقدمة المحافظة على مستوى معيشتها. بكلمة اخرى، المنافسة من جانب الاقتصاديات الناشئة في العالم الثالث اصبحت تشكل تهديدا لاقتصاديات العالم الاول.

هذه الرؤية اقل شيوعا في الولايات المتحدة .على الرغم من ميول ادارة كلنتون السابقة لتعريف المشاكل الاقتصادية بعبارات من المنافسة لكنها لم تضع نفسها في مواجهة ضد اليابان، الواردات من العالم الثالث لم تشكل ضغطا واسعا على سوق العمل الامريكي .

لكن الحقيقة هي ان الخوف من التأثيرات الاقتصادية لمنافسة العالم الثالث هو غير مبرر كليا. التاثيرات الحقيقة لذلك ضعيفة جدا . نظريا، هناك بعض الأسباب للخوف من احتمال تأثير منافسة العالم الثالث على توزيع الدخل في الغرب مع عدم وجود تبريرات لهذا الخوف في ارض الواقع.

كيف يمكن لأناس متخصصين وحرفيين ان يكونوا خاطئين؟ وكيف نتأكد من انهم على خطأ؟ لكي يصبح هناك معنى للتهديد المزعوم من العالم الثالث، من الضروري البدء بنقاش مختصر عن صورة الاقتصاد العالمي.

صورة عن الاقتصاد العالمي

فكرة ان منافسة العالم الثالث تهدد مستوى المعيشة في الدول المتقدمة بدت صريحة. افرض ان شخص ما تعلّم القيام بمهنتي الخاصة، هو ربما ليس بنفس الكفاءة التي اتمتع بها لكنه يرغب العمل باجور اقل مما اتقاضاه من اجور. أليس من الواضح انا اما اضطر للقبول بمستوى معيشة اقل او اخرج من العمل؟ تلك هي فكرة اولئك الخائفين من ان نسبة الاجور في الغرب يجب ان تهبط كلما تطور العالم الثالث.

لكن هذه القصة هي خاطئة تماما. عندما ترتفع انتاجية العالم فان متوسط مستوى معيشة العالم يجب ان يرتفع ايضا لأن المخرجات الاضافية ستذهب الى مكان ما. هذا بذاته يفترض ان انتاجية العالم الثالث المرتفعة سوف تنعكس باجور عالية في العالم الثالث، ولاتقلل الدخول في العالم الاول. ومن زاوية اخرى، على مستوى الدخل القومي، المنتجون والمستهلكون هم نفس الناس، المنافسون الاجانب الذين يخفضون الاسعار قد يخفضون الاجور التي أستلمها، لكنهم ايضا يرفعون القوة الشرائية لما استلم من دخل. لا سبب هناك لنتوقع استمرارية التأثير السلبي.

الاقتصاد العالمي هو نظام – شبكة معقدة من علاقات التغذية العكسية – وليس سلسلة بسيطة من تأثيرات باتجاه واحد. في هذا النظام الاقتصادي العالمي، الاجور، الاسعار، التجارة، والاستثمار المتدفق هي محصلات وليست معطيات. السيناريوهات المعقولة المرتكزة على تجارب الاعمال اليومية يمكن ان تسيء فهم ما يحدث لهذا النظام عندما تتغير العوامل الاساسية، سواء كانت عوامل تتعلق بسياسات الحكومة كالرسوم والضرائب او عوامل اكثر التباسا مثل انتاجية العمل الصيني.

كما يعلم كل من درس النظام المعقد، سواء كان طقس عالمي، نماذج الضرائب في لوس انجلس، او تدفق المواد خلال عمليات التصنيع، من الضروري بناء نموذج لفهم كيفية عمل النموذج. الاجراء المألوف هو ان نبدأ بنموذج مبسط جدا ثم باستمرار نجعله اكثر واقعية، وهي عملية يصل فيها المرء الى فهم اكثر تعقيدا لنظام واقعي.

سوف نبيّن تأثير الاقتصاديات الناشئة على الاجور والوظائف في العالم المتطور. سنبدأ بصورة مبسطة وغير واقعية للاقتصاد العالمي ومن ثم تدريجيا نضيف اشياء واقعية. في كل مرحلة سوف نجلب بعض البيانات. وبالنهاية، نأمل ان نجعل من الواضح ان ما يبدو من نظرة معقدة بان العالم الثالث يخلق مشاكل للعالم الاول هي عرضة للتساؤل على مستوى المفاهيم وغير معقولة كليا على مستوى البيانات.

نموذج1: عالم بسلعة واحدة وعامل انتاجي واحد

تصوّر عالما بدون تعقيدية الاقتصاد العالمي. في هذا العالم، تُنتج سلعة واحدة تفي بكل الأغراض – لنفترض هي شرائح الجبس مستخدمين في انتاجها فقط العمل. كل الدول تنتج جبس لكن العمل اكثر انتاجية في بعض الدول قياسا بالاخرى. في تصوّر لمثل هكذا عالم، نحن نتجاهل حقيقتين اساسيتين حول الاقتصاد العالمي الحقيقي:انه ينتج مئات الالاف من السلع والخدمات المختلفة، وهو يقوم بهذا مستخدما عدة عوامل انتاج بما فيها رأس المال الفيزيقي ورأس المال البشري الناتج من التعليم.

ما الذي يقرر الاجور ومستويات المعيشة في هذا العالم المبسط؟ في غياب رأس المال او الاختلاف بين العمل الماهر وغير الماهر، العمال سيستلمون ما ينتجون. اي، الاجور الحقيقية السنوية بالنسبة للجبس في كل دولة سوف تساوي كمية الجبس التي ينتجها كل عامل سنويا – انتاجيته.وطالما الجبس هو السلعة الوحيدة المستهلكة والسلعة الوحيدة المنتجة ايضا، فان مؤشر سعر المستهلك سوف لا يحتوي على اي شيء عدا الجبس. نسبة الاجور الحقيقية في كل دولة سوف تساوي ايضا انتاجية العمل في كل بلد.

ماذا عن الاجور النسبية؟ ان امكانية الاستفادة من فروق الاسعار في تصدير السلع الى اي مكان فيه السعر مرتفع، ستُبقي اسعار الجبس كما هي في كل الدول.وهكذا فان نسبة اجور العمال الذين ينتجون عشرة الاف جبس سنويا ستكون عشرة مرات اجور العمال الذين ينتجون الف وحدة جبس، حتى عندما يكون اولئك العمال في بلدان مختلفة. نسبة الاجور بين اي دولتين سوف تساوي نسبة انتاجية عمالهما.

ماذا يحدث لو ان الدول التي كانت سابقا ذات انتاجية منخفضة واجور منخفضة مارست زيادة كبيرة في الانتاجية؟هذه الاقتصاديات الناشئة سوف ترى نسبة اجورها للجبس ترتفع. سوف لن يكون هناك اي تاثير سلبي او ايجابي على نسبة الاجور الحقيقية لدى الاخر، وهو، الدول العالية الاجور. في كل دولة، نسبة الاجور الحقيقية تساوي الانتاجية المحلية بالنسبة للجبس، ذلك يبقى صحيحا بصرف النظر عما يحدث في مكان آخر.

ما هي المشكلة في هذا النموذج؟ انه شديد التبسيط، المشكلة انه لايترك مجال للتجارة الدولية: اذا كان كل شخص ينتج جبسا، فلايوجد سبب للاستيراد والتصدير. هذه القضية لاتبدو تزعج منظري المنافسة. الافتراض المركزي انه بسبب ان الدول المتقدمة تنتج نفس الاشياء فذلك يقود الى زيادة حدة المنافسة، ولكن اذا كانت الدول المتقدمة تنتج نفس الاشياء فلماذا هي تبيع الكثير الى الدول الاخرى؟.

مع حقيقة ان متاجرة الدول مع غيرها يعني ان نموذجنا المبسط غير حقيقي، لكن هذا النموذج حقا يعرض سؤال حول مدى كثافة التبادل الحقيقي بين الدول المتقدمة والعالم الثالث. لقد تبيّن انه صغير جدا رغم تأكيدات المنظرين حول التجارة مع العالم الثالث. في عام 1990 أنفقت الدول الصناعية المتطورة فقط 1.2% من ناتجها الاجمالي المحلي على المستوردات من السلع المصنعة في الاقتصاديات الجديدة.

مشكلة اخرى في النموذج هو انه بدون رأس مال لا يمكن ان يكون هناك استثمار دولي. تجدر الملاحظة ان في الاقتصاد الامريكي 70% من دخله القومي يعود للعمل وأقل من 30% يعود لرأس المال. هذه النسبة كانت ثابتة في العقود الماضية. العمل ليس المدخل الانتاجي الوحيد في انتاج السلع، لكن الادّعاء بان متوسط الاجور الحقيقية تتحرك جنبا لجنب مع مخرجات كل عامل، وان ما هو جيد للولايات المتحدة هو جيد للعمال الامريكيين وبالعكس يبدو صحيح تقريبا.

هناك ادّعاء واحد وأخير ربما يزعج بعض القرّاء وهو ان الاجور ترتفع اوتوماتيكيا مع الانتاجية. فهل هذا واقعي؟ نعم . التاريخ الاقتصادي لا يقدم مثالا لدولة مارست نموا انتاجيا طويل الامد بدون زيادة متساوية في الاجور الحقيقية.في الخمسينات، عندما كانت الانتاجية الاوربية اقل من نصف انتاجية الولايات المتحدة، كانت كذلك الاجور الاوربية، متوسط التعويض حاليا مقاس بالدولار هو نفس الشيء. وعندما تسلقت اليابان سلّم الانتاجية في الثلاثين سنة الماضية، ارتفعت اجورها ايضا من 10% الى 110% من المستوى الامريكي. اجور جنوب كوريا ايضا ارتفعت دراماتيكيا بمرور الزمن. في الحقيقة، العديد من الاقتصاديين الكوريين قلقون من ان الاجور ربما ارتفعت كثيرا. العمل الكوري يبدو ثمين جدا للمنافسة في السلع منخفضة التكنلوجيا مع الداخلين الجدد كالصين واندونيسيا وثمين جدا للتعويض عن قلة الانتاجية ونوعية السلعة في مثل هذه الصناعات مثل السيارات.

الفكرة بان القواعد القديمة لم تعد قابلة للتطبيق وان داخلين جدد في مرحلة الاقتصاد العالمي سيدفعون دائما اجور قليلة حتى عندما ترتفع انتاجيتهم لنفس مستوى الدول المتقدمة، ليس لها اساس في التجربة الحقيقية. (بعض الكتاب الاقتصاديين يحاولون دحض هذه الفرضية بالاشارة الى ان صناعات معينة فيها الاجور النسبية لم تجاري الانتاجية النسبية. فمثلا، صانعو القميص في بنغلاديش الذين انتاجيتهم تقريبا نصف انتاجية صناع القميص في الولايات المتحدة، يستلمون اقل من نصف نسبة الاجور الامريكية. ولكن عندما ندخل نموذج السلع المتعددة، فان ذلك هو بالضبط المستوى الذي تتنبأ به النظرية الاقتصادية).

نموذجنا المتكون من سلعة واحدة ومدخل انتاجي واحد قد يبدو سطحيا لكنه يجبرنا لملاحظة نقطتين هامتين. اولا، الزيادة في انتاجية عمل العالم الثالث تعني زيادة في مخرجات العالم، والزيادة في مخرجات العالم يجب ان تبيّن زيادة في دخل شخص ما. وبالفعل : انها تبين اجور عالية لعمال العالم الثالث. ثانيا، مهما نستنتج بالنهاية حول تأثير انتاجية العالم الثالث العالية على اقتصاديات العالم الاول، ذلك سوف لن يكون بالضرورة سلبيا. الموديل المبسط يقترح ان لا وجود لتأثير ابدا.

نموذج 2: عدة سلع، عامل انتاجي واحد

في العالم الواقعي، بالطبع، الدول تتخصص في انتاج عدد محدود من السلع، التجارة الدولية هي سبب ونتيجة في آن واحد لذلك التخصص. وبالذات، التجارة في سلع مصنعة بين العالمين الاول والثالث هي تبادل كبير لسلع معقدة تكنلوجيا مثل الطائرات والمايكروبروسيسر مقابل سلع كثيفة العمل مثل الملابس. في عالم فيه دول تنتج مختلف السلع، تكون الانتاجية المكتسبة في جزء من العالم اما تساعد او تضر بقية العالم.

هذه ليست شيئا جديدا. بين الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية، شهدت عدة دول سلسلة من صعوبات تمثلت في عجز المدفوعات التي قادت الى تصور "نقص دولار" عالمي. في نفس الوقت، العديد من الاوربيين اعتقدوا ان مشكلتهم الحقيقية كانت المنافسة الساحقة من جانب الاقتصاد الامريكي عالي الانتاجية. لكن هل حقا كان الاقتصاد الامريكي يضر بقية العالم؟ وبعمومية اكبر هل نمو انتاجية بلد معين يرفع او يقلل الدخل الحقيقي في دول اخرى؟ بعد عمل نظري وميداني مكثف تم الاستنتاج بأن تأثير نمو الانتاجية في الخارج على الرفاهية المحلية يمكن ان يكون اما ايجابي او سلبي اعتمادا على تفضيل ذلك النمو في الانتاجية – بمعنى اعتمادا على القطاعات التي يحدث بها ذلك النمو.

آرثر لويس الذي ربح جائزة نوبل لعام 1979 في الاقتصاد لعمله في التنمية الاقتصادية، عرض توضيحا ذكيا بيّن كيف ان تأثير نمو الانتاجية في الدول النامية على الاجور الحقيقية في الدول المتقدمة يمكن ان يحصل بأي طريقة. في نموذج لويس، العالم منقسم الى منطقتين شمال وجنوب. الاقتصاد العالمي ينتج ليس سلعة واحدة وانما ثلاثة انواع من السلع: سلع عالية التكنلوجيا، متوسطة التكنلوجيا، قليلة التكنلوجيا. كما في نموذجنا الاول، العمل لايزال العنصر الوحيد في الانتاج. العمل الشمالي اكثر انتاجية من العمل الجنوبي في جميع السلع الثلاث، لكن مزايا الانتاجية هي عالية في السلعة العالية التكنلوجيا، ومعتدلة في السلع متوسطة التكنلوجيا، وقليلة في السلع المنخفضة التكنلوجيا. كيف سيكون شكل الاجور والانتاج في عالم كهذا؟الحصيلة المحتملة هي ان السلع العالية التكنلوجيا سيتم انتاجها فقط في الشمال، والسلع المنخفضة التكنلوجيا فقط في الجنوب، وكلا المنطقتين سوف ينتجان على الاقل بعض السلع المتوسطة التكنلوجيا.(اذا كان الطلب العالمي للسلع العالية التكنلوجيا عاليا فان الشمال سينتج فقط تلك السلع، واذا كان الطلب على السلع منخفضة التكنلوجيا عاليا فان الجنوب سيتخصص بانتاجها ايضا. ولكن سيكون هناك نطاق واسع من الحالات فيها كلا المنطقتين ينتجان سلع متوسطة التكنلوجيا).

المنافسة سوف تضمن ان نسبة اجور الشمال الى اجور الجنوب سوف تساوي نسبة انتاجية الشمال الى انتاجية الجنوب. في هذه الحالة، عمال الشمال سوف لن يكونوا منافسين في السلع القليلة التكنلوجيا رغم انتاجيتهم العالية لأن نسبة اجورهم عالية جدا. وبالعكس، نسبة اجور الجنوب القليلة ليست كافية لتعويض الانتاجية المنخفضة بتكنلوجيا عالية.

مثال توضيحي على ذلك افرض ان انتاجية عمل الشمال تعادل عشرة مرات انتاجية عمل الجنوب في التكنلوجيا العالية، وخمس مرات الانتاجية في التكنلوجيا المتوسطة، ولكن فقط مرتان في التكنلوجيا القليلة. اذا كانت كلا الدولتين تنتجان سلع متوسطة التكنلوجيا فان الاجور في الشمال يجب ان تكون أعلى خمس مرات مما في الجنوب. في ضوء نسبة اجور العمل هذه فان كلفة العمل في الجنوب للسلع القليلة التكنلوجيا ستكون فقط خمسي كلفة العمل في الشمال لهذا القطاع حتى عندما يكون عمل الشمال اكثر انتاجية. بالمقابل، في السلع العالية التكنلوجيا، ستكون كلفة العمل أعلى مرتين في الجنوب.

كما يتضح في المثال ان عمال الجنوب القليلي التكنلوجيا يستلمون فقط خمس اجور الشمال حتى عندما تكون انتاجيتهم حوالي نصف انتاجية عمال الشمال في نفس الصناعة. العديد من الناس بمن فيهم الخبراء في التجارة الدولية يعتقدون ان ذلك النوع من الفجوة يبين ان نماذج الاقتصاد التقليدية غير تطبيقية. في الحقيقة، هي بالضبط ما تتنبأ به النماذج التقليدية: اذا كانت الدول القليلة الاجور ليس لديها كلفة عمل قليلة للوحدة الواحدة في صناعاتها التصديرية قياسا بالدول العالية الاجور فانها لن تستطيع التصدير.

لنفرض الآن ان هناك زيادة في انتاجية الجنوب. كيف سيكون تاثيرها؟ذلك يعتمد على اي قطاع شهد زيادة الانتاجية. اذا كانت زيادة الانتاجية حدثت في مخرجات منخفضة التكنلوجيا، القطاع الذي لاينافس عمل الشمال، فلن يكون هناك سبب لتغيير في نسبة اجور الشمال الى الجنوب. عمل الجنوب سوف ينتج سلع قليلة التكنلوجيا بكلفة اقل، والهبوط في اسعار تلك السلع سوف يرفع الاجور الحقيقية في الشمال. ولكن اذا كانت انتاجية الجنوب ترتفع في قطاع تنافسي متوسط التكنلوجيا فان الاجور النسبية للجنوب سوف ترتفع. طالما الانتاجية لم ترتفع في السلع قليلة التكنلوجيا فان اسعار سلع التكنلوجيا القليلة سوف ترتفع وتقلل الاجور الحقيقية في الشمال. اما في حالة زيادة انتاجية الجنوب بنسبة متساوية في التكنلوجيا القليلة والمتوسطة فان الاجور النسبية سوف ترتفع ولكن سيُعوض عنها بزيادة الانتاجية. اسعار السلع قليلة التكنلوجيا بالنسبة لعمل الشمال سوف لن تتغير، وهكذا سوف لن تتغير ايضا الاجور الحقيقية لعمال الشمال.

يبدو ان تاثير النمو في العالم الثالث على العالم الاول، الذي لم يكن له اي تأثير في نموذجنا المبسط يصبح غير متنبأ به حالما نجعل النموذج اكثر واقعية.هنا مسألتان هامتان يجب ملاحظتهما.

اولا، ان الطريقة التي يؤثر بها النمو في العالم الثالث على العالم الاول تختلف كثيرا عن الطريقة التي وصفها المنظّرون.النمو في العالم الثالث لايؤذي العالم الاول ليس بسبب ان الاجور في العالم الثالث تبقى واطئة وانما لأنها ترتفع ومن ثم تضغط صعودا على اسعار صادرات الدول المتقدمة. الولايات المتحدة يمكن ان تشعر بالتهديد عندما تصبح كوريا الجنوبية افضل في انتاج السيارات ليس بسبب ان الولايات المتحدة تفقد سوق السيارات وانما بسبب الاجور العالية في كوريا الجنوبية تعني ان المستهلكين في الولايات المتحدة يدفعون الكثير للالعاب والسلع الاخرى التي كانوا يشترونها سلفا من جنوب كوريا.

ثانيا، هذا التأثير السلبي المحتمل يتضح بسهولة بالقياسات الاحصائية الاقتصادية مثل سعر الصادرات الى سعر الواردات. فمثلا، لو اُجبرت الشركات الامريكية على بيع سلع بسعر رخيص في الاسواق العالمية بسبب المنافسة الاجنبية او انها اُجبرت لدفع الكثير للاستيرادات بسبب المنافسة في المواد الخام او الدولار المخفّض القيمة، فان الدخل الحقيقي في الولايات المتحدة سيهبط. بما ان الصادرات والواردات حوالي 10% من الدخل القومي الاجمالي، فان كل 10% انخفاض في الميزان التجاري الامريكي يقلل الدخل القومي الامريكي الحقيقي بمقدار 1%. الضرر المحتمل للاقتصاديات المتقدمة من نمو العالم الثالث يعتمد على امكانية الهبوط في الميزان التجاري للدول المتقدمة لكن ذلك لم يحدث. بين عامي 1982 و 1992، كان الميزان التجاري للاقتصاديات المتطورة قد تحسن بمقدار 12% كنتيجة لهبوط اسعار البترول. باختصار، النموذج المتعدد السلع يعرض اكثر امكانات من النموذج البسيط ذو السلعة الواحدة، لكنه يقود الى نفس الاستنتاج وهو ان نمو الانتاجية في العالم الثالث يقود الى اجور عالية فيه.

نموذج 3: رأس المال والاستثمار الدولي

سنقترب الآن خطوة اكثر الى الواقع ونضيف عامل انتاجي آخر الى نموذجنا. ماذا يحدث لو تصورنا الان عالما يتطلب فيه الانتاج كل من رأس المال والعمل؟ من وجهة النظر العالمية هناك فرق كبير بين العمل ورأس المال. رغم ان الهجرة الدولية الكبيرة كانت القوة الرئيسية في الاقتصاد العالمي قبل عام 1920، لكن منذ ذلك الحين جميع الدول المتقدمة بنت حواجز قانونية عالية للهجرة المتحفزة اقتصاديا. هناك تدفق محدود للناس الماهرين من الجنوب الى الشمال ونوع ما تدفق كبير للمهاجرين غير الشرعيين. لكن اكثرية العمل لاينتقل عالميا. بالمقابل، الاستثمار الدولي مرئي جدا وله تأثير متزايد على الاقتصاد العالمي. في اواخر السبعينات أقرضت العديد من المصارف في الدول المتقدمة مبالغ نقدية الى دول العالم الثالث. هذا التدفق انحسر في الثمانينات وهوعقد ازمة الديون، لكن تدفق حجم رأس مال لا بأس به استمر مع طفرة الاسواق الناشئة بعد التسعينات.

الكثير من الخوف حول نمو العالم الثالث ركز على تدفق رأس المال بدلا من التجارة. السياسيون وخاصة وزير العمل الامريكي السابق روبرت ريتش وفي مؤتمر الوظائف عام 1994 اعتبر مشاكل التوظيف في الاقتصادات الغربية تعود الى حركة رأس المال. وبالنتيجة، هو يزعم ان راس مال العالم الاول يخلق الان وظائف فقط للعالم الثالث. فهل هذه المخاوف مبررة؟

الجواب المختصر نعم من حيث المبدأ وكلا في التطبيق. نظريا، التدفق الدولي لراس المال من الشمال الى الجنوب قد يخفض اجور الشمال. التدفق الحقيقي الذي حدث منذ 1990 هو صغير جدا لدرجة لايمكنه احداث الضرر الكبير الذي يتصوره الناس. لنرى كم حجم راس المال المصدّر من الدول المتقدمة الى الدول النامية؟ خلال الثمانينات، لم يكن هناك صافي من استثمار شمال جنوب، في الحقيقة، الفائدة ومدفوعات الديون كانت اكبر من الاستثمار الجديد. كل الافعال حدثت منذ 1990. في عام 1993 والتي كانت ذروة استثمار الاسواق الناشئة، كان تدفق راس المال من جميع الدول المتقدمة لجميع الدول الحديثة التصنيع بلغ 100 بليون دولار.

قد يبدو ذلك كبيرا، ولكن بالمقارنة مع اقتصاد العالم الاول فهو ليس كذلك. في عام 1993بلغ الناتج القومي الاجمالي لامريكا الشمالية واوربا الغربية واليابان حوالي 3.5 ترليون دولار، راس مالهم مجتمعين بلغ 60 ترليون دولار. تدفق راس المال لعام 1993 نقل فقط 3% من استثمارات العالم الاول بعيدا عن الاستعمال المحلي وخفّض النمو في راس المال فقط بأقل من 0.2%. طفرة الاستثمار في كل الاسواق النامية منذ 1990 قلّلت رأس مال العالم المتقدم فقط بـ 5% .

لكن ما مقدار الضغط الذي وضعه ذلك على اجور الدول المتقدمة؟ تقليل راس المال بـ 1% يقلل الانتاجية باقل من 1% . التقديرات تقترح ان تدفق راس المال للعالم الثالث منذ عام 1990 قلل الاجور الحقيقية في العالم المتقدم بـ 0.15%.

نموذج 4 :توزيع الدخل

حتى الان يبدو اننا استنتجنا ان النمو في العالم الثالث ليس له اي تأثير سلبي على العالم الاول. لكن هناك لاتزال قضية واحدة بحاجة للعلاج وهي تأثير نمو العالم الثالث على توزيع الدخل بين العمال الماهرين وغير الماهرين في الدول المتقدمة. عند اضافة توزيع الدخل يصبح نموذجنا في شكله النهائي. لنفرض هناك نوعان من العمل، ماهر وغير ماهر، وان نسبة العمال غير الماهرين الى العمال الماهرين أعلى في الجنوب قياسا بالشمال. في مثل هذا الموقف يتوقع المرء ان نسبة اجور الماهرين الى اجور غير الماهرين أقل في الشمال قياسا في الجنوب. وبالتالي يتوقع المرء ان الشمال يصدر بضائع وخدمات عالية المهارة، اي انه يستخدم نسبة عالية من العمال الماهرين الى غير الماهرين في الانتاج، بينما الجنوب يصدر بضائع يتم انتاجها بعمالة غير ماهرة.

ما تاثير هذا على الاجور في الشمال؟ عندما تتبادل دولتان سلع ذات مهارة عالية بسلع ذات مهارة قليلة فهما انما يتبادلان بشكل غير مباشر عمالة ماهرة بعمالة غير ماهرة، السلع التي يرسلها الشمال الى الجنوب تنطوي على عمل ذو مهارة اكثر من السلع التي يستلمها الشمال بالمقابل. انها كما لو ان عامل ماهر من الشمال هاجر الى الجنوب. ونفس الشيء، عندما يستورد الشمال سلع كثيفة العمالة هو ايضا شكل غير مباشر من الهجرة قليلة المهارة. التجارة مع الجنوب بالنتيجة تجعل عمل الشمال الماهر نادرا، فترفع الاجور بينما تجعل العمل غير الماهر اكثر وفرة بما يقلل الاجور. اذاً، زيادة التجارة مع العالم الثالث مع انها ذات تأثير قليل على المستوى العام للاجور في العالم الاول، لكنها من حيث المبدأ تقود الى زيادة في اللامساواة في تلك الاجور مع زيادة كبيرة للمهارة. وبنفس المقدار، يجب ان تكون هناك نزعة نحو "مساواة سعر عامل الانتاج"مع هبوط اجور العمال قليلي المهارة في الشمال باتجاه مستويات الجنوب.

طالما التجارة مع الدول قليلة الاجور هي اقل من 1% من الناتج القومي الاجمالي، فان صافي التدفق من العمل المتضمن في تلك التجارة هو قليل جدا مقارنة بالحجم الكلي لقوة العمل.المزيد من البحث قد يقود الى تقديرات اكبر لتأثير التجارة بين الشمال والجنوب على توزيع الاجور، ولكن حتى الآن الدليل المتوفر لايدعم فكرة ان التجارة مع العالم الثالث تشكل جزءا هاما من قصة عدم المساواة في الاجور.

 

حاتم حميد محسن

....................

من ورقة بحثية بعنوان (هل نمو العالم الثالث يؤثر على ازدهار العالم الاول) للاقتصادي الامريكي بول كروغمان الحائز على جائزة نوبل عام 2008، الناشر Harvard Business Review، تموز/اب 1994.

 

ميثم الجنابيالعراق - نقد الواقع وتأسيس البدائل (8)

إن المفارقة الكبرى التي عادة ما تلف الأمم الكبرى تقوم في صعوبة نهضتها بالمعنى المادي والمعنوي. وهي مفارقة لها أسبابها الخاصة في ثقل الماضي الذي عادة ما يجثم على رؤية العقل والضمير في استصغاره للكبائر. لكنه استصغار محكوم بدوره بحجم التاريخ الهائل وضغط مكوناته المتنوعة على بلورة معالم الرؤية العصرية. فالمعاصرة تفترض في حالات عديدة التحرر النسبي من ثقل الماضي. وهو تحرر أكثر ما يلوّع العقل والضمير التاريخيين للأمم الكبرى. لأنهما يعانيان دوما من ثقل المراجع والأعلام والأحداث التي يتغلغل كل منها في مسام الذاكرة، بحيث يصعب تجردهما من العيش بمعايير المعاصرة الخشنة.

ويمكن ملاحظة هذا التأثير الفاحش لهذه المفارقة على مصادر المبادرة التاريخية للثقافة العالمية الأوسطية، واقصد بذلك ثقافة أسلافنا العراقيين – السوريين - المصريين، والثقافة الإغريقية. وإذا استطاعت الكينونة العربية أن تصهر أسلافها في بوتقة الخلافة وتبدع على مثالها نموذجا هو الأكثر رقيا بالنسبة للقومية العربية، بمعنى نقلها من حضيض العرقية إلى مصاف القومية الثقافية (غير العرقية)، فإن الإغريقية ذابت في دهاليز الأوربية القروسطية والحديثة. الأمر الذي يفسر في بعض جوانبه سبب الإنهاك التاريخي الذي تعرضت له الثقافة العربية الإسلامية والإغريقية. وفي هذه المفارقة أيضا يكمن أثرهما التاريخي العالمي وواقعهما المزري نسبيا في العالم الحديث، أي الأكثر تخلفا في العالم المتوسطي، اللذين وضعا أسسه ومقومات وجوده المادي والروحي. فكلاهما تعرض لمحرقة التخلف العثماني، الذي سحق اغلب مكونات كينونتهما الثقافية. لكن «القرون المظلمة» التي لازمت السيطرة العثمانية، شأن كل مراحل الانحطاط التاريخي، لم يكن بإمكانها أن تقضي على مصادر المرجعيات الثقافية، التي وجدت صيغتها العملية الحديثة بالنسبة للعرب في المحاولات الحثيثة لاستعادة قوته من تحت ثقل الأنقاض الثقيلة التي جثمت على كيانه وكينونته قرونا عديدة من الزمن.

وقد ظهرت هذه المحاولات في ما نطلق عليه اليوم مفهوم النهضة العربية الحديثة. وهي نهضة كانت تعاني من ضعف بنيوي هائل بسبب غياب تاريخها السياسي والدولتي الخاص. مما جعل اغلب معاناتها جزء من تاريخ الدولة العثمانية وليس عنصرا مكونا من عناصر وعي الذات التاريخي والقومي. لكنها نجحت في استثارة الوعي القومي، ومن ثم إعادة انتباه العرب إلى أصولهم الثقافية الخاصة. وتتمتع هذه الأصول بقدر هائل قد يكون الأوسع والأعمق في التاريخ الثقافي للأمم. وفي هذه المفارقة كانت وما تزال تكمن معاناة الرؤية القومية العربية، أي كل ما جعل منها مولودا كبيرا منذ البدء. لكنه كبر كان يعاني من عقدة نقص هائلة أمام تفوق الأوربيين، تلامذتنا في الماضي القريب.

كان التأثر العربي الناهض بالثقافة الأوربية الحديثة يحتوي في أعماقه على معالم الرغبة والرهبة. وتركت هذه الحالة بصماتها العلنية والمستترة في انشقاق وشقاق العقل والوجدان. وإذا كانت النخبة المتفتحة لم تجد في التلمذة سوى فضيلة التعلم المميزة للعلماء والأدباء، فإن الغالبية العظمى كان يصعب عليها قبول «الاغيار» بسبب تباين التطور الاجتماعي والثقافي من جهة، والانحطاط شبه الشامل للعالم العربي آنذاك، من جهة أخرى. لقد كانت النخبة مستعدة لقبول وتجسيد الفكرة التي قال بها العرب المسلمون الأوائل عندما واجهوا بقايا الثقافة الإغريقية بعبارة «ما كان منا ردّ إلينا». وتفصح هذه العبارة العميقة والبليغة عن موقف ثقافي قادر على تمثل نتاج الثقافة الإنسانية والعمل بمعايير التجربة الفردية. بينما لا تجارب فردية في العالم العربي زمن بداية «النهضة». بل هو مجرد زمن لم يرتق بعد إلى مصاف التاريخ. من هنا كان الاستنساخ هو الطريقة البدائية والأولية لتعلم كيفية النسخ. ومن بعده كان بالإمكان إتقان آلية الناسخ والمنسوخ. بمعنى الانتقال من التشبه إلى المحاكاة ومنهما إلى النظرة المستقلة، أي المتراكمة بمعايير التجربة الفردية وأذواقها.

إلا أن زمن المحاكاة العربية للثقافة الأوربية ضلّ في توجهه العام، وظل حبيسا لما أسميته بشقاق وانشقاق العقل والوجدان، بما في ذلك في مجال الرؤية القومية وتأسيس أصولها. بمعنى أن تأسيسه لأصول الفكرة القومية لم يكن معاناة فعلية على لهيب الرؤية النقدية ومرجعية المنظومة الفلسفية. من هنا كانت معاييرها تحتوي على أوزان متباينة ومختلفة. كما كان يصعب عليها التراكم في منظومة قادرة على مواجهة منظومة التخلف والانحطاط. وفي هذه الظاهرة التاريخية التي لفت في غبارها الأجساد والأرواح، كان يصعب السير بخطى واثقة، كما كان يصعب الرؤية بعيون فاحصة. من هنا كانت عباءة الستر هي الستارة التي تعيق تأمل خطى الجسد العربي في بحثه عن موقعه الذاتي. وهي مفارقة غريبة! فالعالم الذي بقى لقرون عديدة مصدر الإبداع التاريخي للأمم جميعا بدء من العراقيين والمصريين والسوريين القدماء، أي أسلافنا الذين صهروا لاحقا في بوتقة الثقافة العربية الإسلامية، أصبح بين ليلة وضحاها تائها في البحث عن هويته الجديدة! ولم تكن هذه المفارقة سهلة الهضم بالنسبة لمن عاصرها. بمعنى إمكانية إثارتها للانسحاق المفاجئ أو الانغلاق. وفي كلتا الحالتين كانت الآفاق المهملة تقوم في صعود الرؤية الراديكالية المميزة لكل تاريخ القوميات المهزومة والمسحوقة. بمعنى البحث عن هوية ميتافيزيقية تتجاهل التاريخ من اجل الرجوع إليه، وتنفي الخيال لأنها تبحث عن واقع يمكنها الاعتماد عليه، وتحتقر المستقبل لأنها تبحث عن عروة يمكن الإمساك بها. وهو السبب القائم وراء البحث عن «مهمة تاريخية» أو «رسالة عالمية» وما شابه ذلك من صيغ أيديولوجية تعقلن ما يبدو لها منافيا للعقل، وما ينبغي «للأمة» أن تجسّده. مع أن عصب القضية يطفو على سطح وجودها التاريخي، والقائم في عجز أو شلل الأمة عن تنفيذ مهمتها التاريخية ورسالتها لنفسها. بمعنى عدم بلوغها حالة التكامل الذاتي الذي يستجيب لما فيها وفي تاريخها ورغبتها من «تحد» و«مواجهة» لواقع أو عقبات لا تستطيع تذليلها. من هنا تصبح الرؤية الأيديولوجية والأسطورية تعويضا سهلا عن خشونة الواقع. مع ما يترتب عليه من ضياع أو اضمحلال للرؤية الواقعية والعقلانية. وكلما يكون الواقع أكثر انحطاطا واشد تخلفا كلما تكون الرؤية الأيديولوجية اشد تطرفا وأكثر غلوا في تصورها للبدائل. ووجدت هذه الحالة تعبيرها النموذجي في العراق.

فقد كان واقع العراق قبل ظهوره الجديد على خارطة العالم السياسية كيانا هامشيا بالمعنى السياسي والاقتصادي والثقافي. بحيث انسحب من موقعه القديم بوصفه مركز العالم الثقافي لآلاف السنين إلى أطرافه الأكثر هشاشة وخرابا. والشيء الوحيد الذي كان يحتويه هو مكوناته التاريخية الثقافية الكبرى المترامية بين البصرة والموصل مرورا ببغداد، أي عوالم السومريين والبابليين والآشوريين القدماء. مما يشير بدوره إلى انه وحدة لها كينونتها التي لم تفعل قرون الانحطاط العديدة في ظل السيطرة التركية العثمانية إلا على طمسها فقط. لكنها سرعان ما ظهرت ملامحها المختبئة وراء تجاعيد الزمن بعد أول محاولة لإظهاره من طي التاريخ إلى حيز الجغرافيا السياسية. وما بين هذين المكونين الفاعلين في ظهوره الجديد، كانت تكمن عناصر التخريب المحتملة للفكرة القومية.

فقد كان تاريخ العراق الثقافي، القوة التي لم يضعفها الزمن وذلك بسبب ذوبانه أيضا في تاريخ الأمم والثقافات جميعا. فقد كانت هذه القوة وما تزال وسوف تبقى شديدة الفاعلية في بلورة وعيه السياسي النظري والعملي. وذلك لأن أية رؤية قومية عربية سوف تقف بالضرورة أمام مهمة تأمل أو استلهام أو توظيف إرثه الثقافي الهائل. ولا يمكن لهذا الإرث أن يفعل خارج أو بدون بؤرته العربية الإسلامية. فهي البؤرة التي امتصت وتمثلت بطرق ومستويات متنوعة ومختلفة أرثه الرافيديني.

وليس مصادفة أن تتحول فكرة النهضة تدريجيا صوب العروبة الإسلامية بأنماطها المتنوعة من سلفية جامدة حتى ليبرالية مبتورة. وهو أمر طبيعي في ظل عملية لم تتكامل في وجود قومي موحد على مستوى الدولة والثقافة والهموم. من هنا تجزئة هذه المكونات الضرورية للوحدة القومية، التي لم يفعل ظهور الدول العربية الحديثة، بما فيها العراق، إلا على استثارتها في العقل والضمير من خلال تعميق وتوسيع شدة الخلاف وعدم الارتياح والقلق الدفين تجاه تضارب الكينونة التاريخية الثقافية القديمة والوجود الجغرافي السياسي الجديد. ولم تستطع الفكرة القومية العربية الحديثة حل هذا الخلاف بطريقة واقعية وعقلانية. من هنا نمو الأبعاد الطوباوية فيها واللاعقلانية.

لقد كان نمو الأبعاد الطوباوية واللاعقلانية في الفكرة القومية العربية الحديثة وثيق الارتباط بحالة الانحلال والانحطاط التي خرج منها العالم العربي من رحم العثمانية. واتخذ نمو هذه الأبعاد في ظروف العراق الخاصة طابعا مميزا ارتبطت بكونه لم يكن آنذاك سوى نكرة على خلفية إرثه التاريخي الثقافي العظيم. بمعنى هبوطه إلى حضيض التجزئة المروعة، في الوقت الذي كان، من حيث الكينونة والتأثير، مصدر الوحدة الروحية والثقافية والسياسية للعالم العربي (والإسلامي). من هنا لم يكن بمقدور أية قوة سياسية قومية ناشئة ألا تصاب بدوار الرأس من هذا الضغط العنيف الذي يفرضه على المرء والجماعة والحركة ما أسميته بتضارب الكينونة التاريخية الثقافية القديمة والوجود الجغرافي السياسي الجديد. إذ لم يكن في العراق انتماء وطنيا ولا قوميا بالمعنى الدقيق والمعاصر لهذه الكلمات. من هنا لم يكن بإمكان أي تصنيع سريع لهذا الانتماء الوطني والقومي أن يجري خارج أغراء وإغواء الرؤية الراديكالية بوصفها الملجأ الوحيد والفعال للأوهام السياسية الملازمة للفكرة القومية أول نشوءها. فالتجارب التاريخية للأمم عموما وتجارب العراق خصوصا تبرهن على استحالة تأسيس هذا الانتماء الوطني والقومي بمعزل عن البناء العقلاني والتدريجي لمؤسسات الدولة الحديثة

وفي هذا الواقع المشار إليه أعلاه كان يكمن سرّ انتشار الراديكالية في العراق والقومية منها بشكل خاص. وحالما تحولت الفكرة القومية الراديكالية كما تجسدت في فكرة البعث إلى أيديولوجيا «القفزات» السريعة، فإنها أدت إلى صنع مختلف أنماط وأشكال ومستويات المؤامرة والمغامرة ومن ثم التخريب الدائم والعشوائي الشامل لفكرة الدولة والحق والمجتمع. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار طبيعة الارتباط التاريخي بين الهامشية الاجتماعية والمذهبية (السنيّة) وبين الفكرة القومية العربية الجديدة والبعثية منها بالأخص. مما أدى إلى مصادرة الفكرة القومية العربية ورهنها بأيد قوى هامشية بالمعنى الاجتماعي والثقافي والجغرافي أيضا! وجعل هذا الارتباط من الفكرة القومية العربية بصيغتها البعثية (السورية الأصل) أكثر غلوا واشد ابتعادا عن جذورها (اللاعقلانية أساسا). بمعنى تهميشها السياسي التام، ومن ثم دورها الأشد فاعلية في التهميش السياسي للمجتمع والدولة. وفي هذا يكمن سبب تغلغل النزعة الطائفية والجهوية الضيقة للأيديولوجية البعثية (القومية) التي تحولت لاحقا إلى صدامية، بوصفها الصيغة الأكثر تطرفا واستظهارا لمضمون الفكرة القومية البعثية.

فقد كانت الصدامية الصيغة الأكثر راديكالية وهامشية وهمجية للفكرة القومية العربية. حيث جسدت بذاتها وفي ممارستها العملية على امتداد ثلاثة عقود الصيغة «الكلاسيكية» لنفسية وذهنية الانحطاط الشامل. إذ  دمرت هذه النفسية والذهنية بصورة مريعة مضمون الفكرة القومية العربية. بحيث أرجعتها إلى كتلة من الأفعال المخربة للدولة والمجتمع والحق والعدل والعقل والضمير، باختصار أنها لم تبق على شيء ما لم تمسه بأنفاسها القذرة. ولم «تنجح» إلا في تشذيب وشحذ القهر والاستبداد وجميع أشكال الرذيلة. وفي مجال القومية لم يؤد ذلك إلا إلى أن تصبح الفكرة القومية رداء للجهوية والتقليدية، أي الصيغة المركبة لتخلف الأيديولوجيا وانحطاطها العقلاني. من هنا افتقادها التام للرؤية الواقعية. وبالمقابل استفحلت سيادة النزعة الإرادية المنحطة والهمجية المتفاقمة. أما النتيجة فهي التصنيع الدائم للتخلف والانحطاط. وفي هذا كان يكمن شرط سقوطها التاريخي. لكنه كان أولا وقبل كل شيء سقوط احد الأنماط اللاعقلانية للأيديولوجية العربية القومية.

غير أن المهزلة التاريخية الكبرى للفكرة القومية العربية، وقد تكون تلك التضحية الضرورية الجديدة من اجل المرور بما يمكن دعوته بالتطهير الذاتي، هو تحول الفكرة القومية العربية إلى محل استهجان وتجريم. وهو تجريم عرضة للزوال السريع بفضل حقيقة العراق وكينونته التاريخية والثقافية. إلا أننا نعثر في هذه الظاهرة على انتهاك فض وتجاوز لا يمكن القبول به من الناحية الأخلاقية والوجودية. لاسيما وانه انتهاك يعكس أولا وقبل كل شيء طبيعة النمو المطرد لنفسية «الأقوام الصغيرة» التي أخذت تتجسد في ما يمكن تسميته بالطائفية الشيعية الفارسية، أي التيار الطائفي السياسي للقيادات الشيعية الفارسية الهوى والتربية. ولا علاقة عضوية لهذه "القيادات" بالعراق. بمعنى أنها انتزعت عن ذاتها مضمون الفكرة القومية العربية أو أولويتها بما في ذلك بالنسبة لفكرة التشيع السياسي. مما جعل منها قوى مستعدة للالتفاف على فكرة القومية العربية باسم الوطنية العراقية والدين الإسلامي لكنه التفاف قادر على الالتقاء والتفاهم والمساومة مع قوى قومية غير عربية!! أي مع قوى ناصبت ولا تزال تناصب في أعماقها العرب عموما والفكرة القومية العربية خصوصا بعداء قومي وعنصري عنيفين. واغرب ما في هذه الظاهرة مصارعتها العراق على ما فيه، بمعنى مصارعة العراق من قبل قوى لا تتمتع بعلاقة عضوية به. وهو خطأ وخطيئة شاركت فيهما القومية الجوهرية للعراق (العربية) في الماضي القريب وتنهمك فيهما الآن القيادات الدينية والدنيوية الشيعية والسنيّة من خلال جر العرب إلى حضيض الطائفية الدينية والسياسية.

إننا نعثر في هذه الحالة على انحدار مستمر وانحطاط شبه شامل للقومية العربية من حيث كونها فكرة وعمل. وهو انحطاط جرأ الكثيرين، بما في ذلك أكثر القوى تخلفا من الناحية الاجتماعية والسياسية على الشك في عروبة العراق. والقضية هنا ليس فقط في أن الشك في عروبة العراق هو نفي لحقيقته التاريخية والثقافية، بل وفي الاستعاضة عنها بمرجعية الطائفية السياسية والنزعة العرقية!! وتعكس هذه الحالة واقع ومضمون وأبعاد الانحطاط الفعلي للقومية العربية فيه. وفي هذا الانحطاط المادي والمعنوي نعثر على مؤشر خطير عن مستوى الخراب الثقافي والسياسي العربي في العراق، مع ما يترتب عليه من استعادة لجاهلية طائفية وعرقية باسم الإسلام والقومية! وكلاهما وجهان لظاهرة واحدة وهي الانحطاط التاريخي للأمة وروحها المعنوي.

***

ميثم الجنابي

 

الاستنتاج والخاتمة

اما عن الاستنتاج والخاتمة، عنهما نقول: وأخيرا، فإن الرؤية عند المفكر العراقي الزاهد هي رؤية برزخية، لأنها تمنح من ثقافة التنوع والأختلاف والأختيار، كثقافة متصلة ـ حوارية تؤمن بالمنظومة القيميية المعرفية والوجودية للأختلاف على تنوعها (لا) الإخلال بأختيارها، إذ بموجبها ينظر إلى ثقافة الفضيلة بأعتبارها أفلاك وكواكب تحيط مركزها "الذات"؛ أي "فيوضات" ذاتية متعددة في الأبعاد وجوهرها وهويتها. فهي مدرك عقل أو لا عقل أو تخيال، يستخرج منها شيء ينتفع به، النفيس الذي تتخذ منه الفصوص نحوها الحر، ملكة حكم التجاوزي المتعالي، كما أنها نفس لها أهواؤها وأشواقها وأنفعالاتها، آمالها و ألامها، وأيضا جسد له فطرة قرائحه وسجية غرائزه. هذا إضافة إلى أنها جوهر ذات لها ماض وحاضر ومستقبل، فردية أحادية وجماعية مشاركة. ومن هنا يعتبر المفكر العلوي، في هذه الرؤية، بأن حل أزمة ثقافة الفضيلة في الذات العربية المعاصرة، ثقافة عضوية فاضلة، كأزمة متعززة السمات ومتعددة الأوجه، لا يمكن أن يكون إلا حلا "تجاوزا متساميا" عمادته، جنب أختزال الذات، أو، إخلال فاعلية أفلاكها في بعد من أبعادها المختلفة والمتعددة عن حمولاتها المتنوعة، وذلك بالنظر إليها نظرة قوامها بينية، بموجبها يصبح وجودها قائما على تخوم كل من فاعلية العقل وسكينة القلب وأنفعالات المخيال، ومحتوى الروح وإطار الجسد، وتفاصيل قوة الأنا، وتحديات فرص الآخر، والاستفراغ والأستكمال، والاجادة والأستمكان، والتراث والحداثة وما بعدها. وهذا من شأنه أن يضفي على هذه الذات مزيد أفلاك وكواكب وفيوضات ثقافية فاضلة لها من الرشاقة والإرادة التي بموجبها لا تتعدد أبعادها وتتصارع إلا لتتوحد مهامها وتتساكن غاياتها، والعكس. وهذه الرشاقة، السمة التي تؤمن ضمان سعة حريتها وتنوع وأختلاف وأختيار فعاليتها المتصلة والمتعددة في أبعادها وجوهرها وهويتها.  

هكذا إذن، يمكننا الأن أن نترشق ونخلص أيضا مما سبق عن ما ورد في جميع الحلقات الماضية، إلى أننا أمام منهج الباحث العراقي الزاهد هادي العلوي، شكل قفزة نوعية في الفلسفة العضوية الزاهدة ثقافة فضيلة تؤطر منهجية عمله. حيث ذلك لها فوائض قيمية، عنها أوجزنا مستخلصا بالنقاط التالية:

أولا: فائض قيميي يتجلى في كوننا أمام رؤية لمنهج قد أنتقل بموجبه ـ صاحبنا ـ إلى تنقيب ونظر موضوعات ظلت في كتابات سابقة متشابكة، عويصة بتداخلاتها مع الإنشغالات النظرية، بل ومتسترة بزويها خلف هذه النشغالات، ألا وهي قضية العقل الثقافي الوظيفي وأهمية تشغيل عضوية ثقافته العملية، وما يحيل عليهما من رد الأعتبار لما كان يطلق عليه اليسار العربي بـ"حضور الغائب الضروري"، بما هو بحث في مهام ثقافة المجتمع والسياسة والأخلاق، وبالتالى في مهام ثقافة الفضيلة كأفلاك وكواكب جوهرها الذات في علاقتها بالمدينة الحاضرة. وهو رد أعتبار ملزم ارتباطه لدى مفكرنا العلوي، بإعادة النظر في مفهوم الدلالة الغنية والمهمة على العقل النظري/الاستقرائي، فهذه الأخيرة لا تتطوق ولا تضيق هنا فيما هو استقرائي، بل تتجاوز ذلك إلى ما هو ثقافة فضيلة وظيفية سياسيا واجتماعيا وعلمية عامة التشغيل في مشروعها الاحترافي. لذلك لم ينظر المفكر هادي العلوي، في مناقب قراءته هنا للفكر العربي الإسلامي، إلى مهمته في أنها تنطوي مقيدة حصرها في تحويل وتغيير الموجودات إلى مدركات معقولة، أو في التوظيف بتلقينات أو تقويلات يكسو عليها غطاء التجريد، بل ينظر ويتبئر إليها بكونها تتجاوز ذلك إلى تحويل هذه المدركات عن المعقولات أوالتقاويل (= الأخبار) إلى موجودات، كتحويل وتغيير بمثابة عتبة لمداخل  نزوع هؤلاء إلى الإنغماس في تأثر معاني الوجود والتأثير العضوي الوظيفي فيه ثقافة سياسية وأجتماعية وأخلاقية عن طبيعة التحول والانتقال والتغيير.

ثانيا: فائض قيمي يتفتح في الأنتقال بمفكري التراث العربي الإسلامي إلى مفكروا الشرق ـ الفلسفة التاوية ـ من كونهم مجرد هوامش فكرية، أو مجرد مهتمين بأمور نظرية، إلى مفكرين ينجز توحدهم منطق "جدلي" في وظائفهم العملية في غوص عمقهم بقضايا متجددة عملياتيا هي مدارات وأفلاك ثقافة الفضيلة في الذات الإنسانية، من حيث تظافر جهودهم في حوامل حيطتها بمختلف أبعاد أفلاك وكواكب ثقافة الفضيلة وأبعاد مركزها ـ الذات ـ بآدوات وأساليب منهجية تمهد لتحررها وإثبات نجاعة فاعليتها وفق هذا النمط أو ذاك درجة.

ثالثا: فائض قيمي يستشرف مزيدا من الوضوح والشمولية على فكرة كثيرا ما أشار إليها المفكر الأستاذ العلوي في كتاباته الثقافية/اليسارية النقدية، وتتجلى في مساهمة مفكري التراث في الحداثة، وخاصة في بعدها الثقافي العضوي العملي؛ أي في آفاق ثقافة الفضيلة وآفاق عضوية ذاتها في المشاركة، ابان الحداثة وبعد تحولاتها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وهي مشاركة لا ترقى إلى مستوى الرضى والقناعة في قيمة هذا التراث، أكثر مما تنحدر فيه إلى مستوى الأستضعاف والتهاون من قيمة ثقافته، والأستخاف من فضائل عطاءات جوهر ذاته.

رابعا: الفائض القيمي الرابع هو أننا أمام رؤية ومنهج يكشف بمزيد من التبئر والحرص بأن ـ صاحبنا ـ ملتزم بذلك العمق وشائج المتن الذي يربط تدخل الفلسفة بصنعة الحداثة، فالتدخل الفلسفي في رؤيته قد كشفت الزواء والتخفي أكثر عن كون مفكرنا العراقي المبدع لا يعتبرها مجرد تزين فكري مترف، بل إنها تاريخ وحاضر ومستقبل فلسفي إسلامي (مشترك عمقه عربيا)، فلسفيا عبر تاريخها، مازالت تكافح، رابطة جأشها عزوم ألتزام ضخامة تراثيها الثري شكيمة بالدفاع عن حداثة ثقافة فضيلة هذه الذات، والتي لن نجد إنجازات تتحققها مستكملة إلا في بيئة ثقافة فضائل عضويتها مدنية الدولة، وتنوع وتعدد واختلاف وآختيار أساوب تماسك منهجها الناجع.

وهنا، استتمنا أختتام جميع حلقات المقال، استتب وأنتهى. وعن ذلك كله أتحكم بالقول الحكيم، مراد به المعاودة للتنبه والتذكر في رفع الاشتباه والزلل والتردد في تحصيل أندفاع تعطل وضعف مقام جزمه، أذ أرجح في هذا المقام حل قول يستقيم فيه من يحكم مجد العقل مشاورته في ".. قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب.." .

        

 

ميثم الجنابيالعراق  نقد الواقع وتأسيس البدائل (7)

إن الظاهرة الصدرية لا تستنفذ صور ونماذج الراديكالية السياسية العراقية الحالية، بقدر ما أنها تعبر عن احد أشكالها النموذجية. فالراديكالية متنوعة الأشكال والمحتوى شأن كل ظاهرة تاريخية عريقة. فالراديكالية ليست شرا بحد ذاتها، كما أنها تظهر دوما بوصفها تيارا ملازما للحركات التاريخية الكبرى. بل يمكننا القول، بأنها تظهر بوصفها التيار الملازم لوعي الانتقال أو الانتقام. بمعنى أنها تتحسس أو تدرك في أولويات رؤيتها العملية قيمة أو ضرورة التغيير.

فالراديكالية هي الصيغة الأكثر فعالية لسيادة الرؤية النفسية والوجدان العاطفي، أو للحراك الشرس لترهل التقاليد أو جمودها المحاصر بقيود الغيرة وحمية الإيمان. الأمر الذي يجعلها دوما في «طليعة» المواجهة والتحدي، وفي مقدمة العازمين على الفعل، شأنها شأن كل طاقة مغرمة بما تعتقده صحيحا ومقدسا. من هنا ملازمتها لمراحل الانتقال الكبرى والعاصفة في تاريخ الأفراد والجماعات والأمم. وذلك لأن من الصعب تحلي الأفراد والجماعات والأمم بقواعد السلوك العقلاني في مراحل الانتقال العاصفة والتحولات العنيفة المتوقعة منها والمفاجئة. إذ عادة ما تلف هذه الأحداث الجميع في أفلاكها وتثير فيهم كوامن الغريزة وعنفوان الجسد بالشكل الذي يعطل في الأغلب تأملات العقل وصدق الحدس ويرميهما في سلة الانتماء والمواجهة. وهي الحالة التي تجعل من عقلانية الرؤية وواقعيتها أمرا غاية في التعقيد والندرة.

كل ذلك يشير إلى الحقيقة القائلة، بأن الانقلاب العنيف والمفاجئ عادة ما يذهل المرء، ويجبره على الغيبوبة مهلة من الزمن لكي يكون بإمكانه تأمل مقدمات الأحداث ونتائجها الممكنة. وهي حالة معقدة بالنسبة للفئات الاجتماعية والقومية، واشد تعقيدا ودرامية في الظروف التي يعيشها العراق حاليا. مما جعل ويجعل منها حالة فريدة من حيث قواها الاجتماعية والسياسية وسندها الأخلاقي، خلافا لحالات الانتقال التي لم يخل منها تاريخ كثير من الأمم والدول. إذ يقف العراق أمام انتقال جرى بمعزل عن إرادته الخاصة، وفي ظل ضعف شبه شامل لقواه الاجتماعية والسياسية، وهشاشة البنية الاقتصادية للدولة واندثار سندها الأخلاقي والمعنوي. وفي ظل هكذا ظروف، يصعب توقع أن تكون ردود الأفعال متسمة بالقدر الضروري الذي تفترضه الحكمة السياسية والتاريخية للمجتمع وقواه السياسية والفكرية. وعادة ما يفرز هذا الواقع اشد الصور والنماذج تطرفا وراديكالية في التعامل مع النفس والآخرين. كما أنها الحالة التي تجعل من الفكر جزء من الأهواء السياسية. مع ما يترتب عليه من تلاشي الأبعاد الاجتماعية في السياسة نفسها. أما تكامل الفكر والاجتماع والسياسة في وحدة مربوطة ومعقولة بفكرة الدولة والهوية الوطنية، فإنه يتطلب على الأقل حدا أدنى لتذليل حالة الانتقال ونفسية المؤقت في سلوك وشخصية الأفراد والجماعات والأحزاب السياسية. وهو أمر ممكن فقط من خلال ترسيخ بنية الدولة الشرعية ومؤسساتها المحترفة، بوصفه الأسلوب القادر على صنع النظام الضروري للحرية الفردية والاجتماعية ومن ثم تأهيل الجميع لرؤية الحد الفاصل بين المفاهيم والقيم. حينذاك يصبح من الممكن رؤية الأبعاد الضرورية في مفاهيم وقيم المجتمع المدني والديمقراطية والعدالة والحق والنضال والجهاد والمقدس وغيرها.

وإذا كانت كلمة الجهاد والمقدس أكثر الكلمات إثارة في مجال الوعي الاجتماعي والسياسي والأخلاقي في ظروف العراق الحالية، فلأنه يعاني من شحة مضمونها الحقيقي. فقد ابتذلت الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية كل المعاني الإيجابية الممكنة في فكرة الجهاد والمقدس. وجعلت منهما مجرد كلمات مثيرة للتقزز وذلك بسبب وضعها كل الأصناف المتخيلة للإرهاب تحت شعارات «الجهاد المقدس». بعبارة أخرى، أنها اختزلت الجهاد والمقدس في أفعال تتعارض بصورة مطلقة مع المضمون المتراكم فيهما تاريخيا بدء من عصر الخليقة وانتهاء بالعثور على صدام في مخبئ الفئران! وتعبر هذه الصورة من الناحية التاريخية عن الضعف الفعلي في بنية الدولة والمجتمع وعدم قدرتهما على تجاوز مرحلة الأسطورة إلى مصاف المنطق في التعامل مع الإشكاليات الواقعية التي تواجهها الدولة والمجتمع. حينذاك يصبح «المقدس» الشعار الذي ينبغي أن يستقطب القوى الكامنة في الأفراد والجماعات والأمة في قبضة واحدة قادرة على التلويح والمواجهة والعراك. حينذاك يصبح المقدس فعلا سياسيا له معناه وقيمته الفعلية. أما في ظل افتقاد الأفراد والجماعات والأمة إلى دولة قادرة على تقديم نفسها باعتبارها حاضنة وجودهم التاريخي وهويتهم الوطنية، فإن الكلمات المعلنة والشعارات المدوية في سماء الإعلام تصبح مجرد أصوات مثيرة للسماع فقط. مما يجعل منها صخبا مزعجا ويفقد الكلمات بريقها المغري ومعناها المثير للعقل والوجدان. وتؤدي هذه الحالة بالضرورة إلى إثارة أفعال مضادة لما في أصول الكلمات. ولعل كلمة الجهاد والمقدس من بين أكثرها نموذجية بهذا الصدد في ظروف العراق الحالية.

فكلمة المقدس من بين أكثر الكلمات تعقيدا بالنسبة للتفسير العقلاني والتأويل الوجداني وذلك بسبب صعوبة حصر مضمونها بأمور هي نفسها عرضة للزوال. والجهاد نفسه يفترض تحديد الأبعاد الضرورية لما دعته تقاليد الإسلام الفقهية والفلسفية بفكرة الفرض والواجب. في حين إن كل ما هو حولنا من مظاهر الوجود دلائل على أنها عرضة للتغير والتبدل. ومن ثم فإن كل القيم التي تبدو في مظهرها شديدة الثبات تنحل كما لو أنها من مخلفات الماضي وبقاياه الميتة. وهي حالة تجعل من الضروري أيضا إعادة النظر النقدية بفكرة المقدس وتأويلها الوجداني بالشكل الذي يجعلها حية وإنسانية من حيث دوافعها وغاياتها. لاسيما وإن الكثير من الأعمال الإجرامية التي جرى ويجري اقترافها في العراق حاليا عادة ما تؤطر وتقدم على أنها جزء من تاريخ «مقدس» و«جهاد» من اجله. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى مظاهر الإرهاب والتخريب الحالية في العراق على أنها جزء من تقديس العنف المميز لزمن التوتاليتارية والدكتاتورية. بعبارة أخرى، إن ما جرى ويجري من إرهاب هو التعبير النموذجي عما يمكن دعوته بالاستظهار السياسي العابر للأمراض المزمنة الموروثة من بقايا وتقاليد الاستبداد. إذ نعثر فيها ليس فقط على محاولة إثارة الفتنة الطائفية، بل واستمرار لها.

ذلك يعني أن هذا النوع من «الجهاد» ما هو في الواقع سوى الصيغة الأكثر تطرفا للخروج على إمكانية الإجماع العراقي حول مبادئ وقيم يمكنها أن تعيد إنتاج المعنى الحقيقي لفكرة المقدس بوصفه كل ما لا يمكن ابتذاله، ولفكرة الجهاد بوصفه أسلوبا للمساهمة العقلانية في بناء الذات العراقية. وتفترض هذه الاستعادة الانطلاق من تحديد طبيعة الصراع الحالي وآفاقه. انه يفترض الإقرار بأن جوهر الصراع القائم في العراق اليوم يقوم بين ممثلي تقاليد الاستبداد والتوتاليتارية والتقليدية من جهة، وقوى الديمقراطية والدولة الشرعية والمجتمع المدني من جهة أخرى. وإذا كانت القوى البعثية - الصدامية التي كانت تمثل تاريخ الاستبداد والتوتاليتارية والتقليد قد تعرضت إلى هزيمة سياسية ساحقة، فإن رصيدها الأيديولوجي والاجتماعي مازال يتمتع بقوة نسبية في العراق. وهو رصيد له موارده القوية على الصعيد المحلي والعربي والإسلامي المتمثل بالقوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية التي ارتبطت به سياسيا وتاريخيا طوال وجوده في سدة الحكم. وليست هذه القوى في الواقع سوى السبيكة الجديدة من التطرف والإرهاب التي يشكل الغلاة الجدد في العراق نواتها الفاعلة. فهي القوى التي تحاول استلهام فكرة المقدس المزيفة والجهاد المقلوب من اجل تحويلهما إلى غطاء سياسي لاستعادة البنية التقليدية وتراث الاستبداد والتوتاليتارية المنحلة.

فهي قوى لا تدرك لحد الآن الحقيقة البسيطة القائلة، بأن الاستبداد مصيره الزوال. إلا أننا نعرف في الوقت نفسه، بأن زواله عادة ما يثير كميات هائلة من المشاكل والمعضلات التي تقع على الأجيال اللاحقة مهمة حلها. وليس ما يجرى في العراق حاليا سوى الاستمرار «الخفي» لتقاليد الاستبداد، التي جرى إعادة إنتاجها من خلال ملابسات تاريخية هائلة، مرتبطة بطبيعة الاحتلال الكولونيالي للعالم العربي وتجزئته، وبعثرة التراكم الفكري والاجتماعي والمؤسساتي فيه من خلال الانقلابات العسكرية، وصعود الهامشية إلى السلطة، وسيادة النزعة الراديكالية. وبمجموعه أدى ذلك إلى صنع توتاليتاريات دنيوية ودينية، ليس الغلاة الجدد سوى الصيغة الأكثر همجية لها. بمعنى أنها الحالة التي تشير إلى تزاوج وتوليف التقاليد التوتاليتارية الدينية والدنيوية. ويمكن فهم آلية نشوء هذه الظاهرة وفعلها إذا أخذنا بنظر الاعتبار كون العراق البعثي الصدامي كان «العتبة المقدسة» لهؤلاء الغلاة الجدد، الذين اخذوا يتحسسون سقوطها التاريخي، باعتبارها خيانة تاريخية «لمقدساتهم». وليس مصادفة أن تكون ردود فعلهم عنيفة للدرجة التي تتطابق من حيث الوسيلة والغاية مع أكثر مظاهر العنف الهمجي، تماما كما تغيب صورتهم الفعلية وراء ملامح الملثمين والمقنعين، أي المختبئين وراء أغشية تمثل في رمزيتها غطاء الغيلة والغدر.

فمن المعلوم والمعروف عن التاريخ الفعلي للراديكاليات «المتنورة» و«اليسارية» هو وضع نفسها وإعلاناتها السياسية في صف واحد يرتقي إلى مصاف الاستعداد المباشر والعلني للتضحية الفردية، باعتباره أسلوب تأييدها وتوكيدها وتحقيقها للفكرة العامة. في حين يمثل الغلاة الجدد في أساليبهم احد أكثر نماذج السقوط السياسي، كما يظهر ذلك في هذا الكم الهائل من التفجيرات القاتلة في مختلف مدن العراق. وتشير هذه الممارسة أولا وقبل كل شيء إلى طبيعة الفراغ الذي صنعه زمن طويل من نفسية الاستبداد والقتل الجماعي الملازم له. وإذا كانت مختلف أساليب القتل الجماعي للمدنيين العراقيين تستهدف أساسا «الشيعة» وأماكنهم «المقدسة»، فإن ذلك يشير أما إلى فقدان فكرة المقدس عند فاعليها أو تأكيدها العكسي. بمعنى اعتبار هذه الأفعال أعمالا تستمد «قدسيتها» من حيث كونها موجهة أساسا ضد الشيعة. وهي نفسية ليست غريبة على تقاليد التسنن السلفي منذ أن أطلقت للمرة الأولى تسمية الروافض، ومنذ أن أصبح شتم الإمام علي من على المنابر جزءا من تقاليد الصلاة الأموية (السنية)! وهي الحالة التي أكثر ما يمثلها تيار «القاعدة» أو «الجهاد في بلاد الرافدين» وأخيرها لحد الآن داعش!

وهي حالة ونموذج سوف تطرحان في وقت لاحق مهمة تحليل الأبعاد الأخلاقية في الفكر والممارسة السياسية العراقية الحالية، إلا أنها تبقى من حيث كونها ظاهرة سياسية حادة جزء من قضايا الحاضر، وبالتالي جزء من حالة الانحطاط السياسي والروحي الذي عادة ما يثير في مراحل الانعطاف الكبرى نفسية الراديكالية المتنوعة. وليست ظاهرة الغلاة الجدد في الواقع سوى النموذج الذي يمثل حالة ما أسميته بالحراك الشرس لترهل التقاليد أو جمودها المحاصر بقيود الغيرة وحمية الإيمان المزيف.

إننا نعرف جيدا بأن الأحداث الدموية لا تنشأ عن فراغ. بل يمكننا القول، بأنها التعبير النموذجي عن خلل هائل أما في بنية الدولة أو العلاقات الاجتماعية أو الأخلاق أو الفكر أو في جميعهم. وإذا كانت الطبيعة لا تحب الفراغ، فإن الفراغ الذي صنعه التسنن السلفي على امتداد قرون عديدة يشير إلى طبيعة الخلل الهائل في بنية الفكرة الإسلامية السنيّة وتقاليدها ككل. وهي تقاليد برزت بكامل قوتها التخريبية في العقود الأخيرة، بعد أن تمازجت مختلف تياراتها الراديكالية في سبيكة يصعب تحديدها بشكل دقيق، إلا أنها تتميز بصعود متنام لنفسية الإرهاب والعداء الشامل لكل ما لا يستجيب لتصوراتها وأحكامها، أي لعقائدها الخاصة.

فالعناصر الجزئية للعقلانية والليبرالية التي تراكمت في مجرى القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين في الحركات الإسلامية السنيّة قد أخذت بالاندثار شبه الشامل والتام مع صعود السلفيات السياسية المتشددة. ولعل من أهم مفارقات هذه «السلفية» هو فقدانها للأصول بالمعنى الفلسفي والفقهي والسياسي. الأمر الذي جعل من تصوراتها في الأغلب نسيجا خشنا من العقائد والأحكام الفقهية المرتبطة بعقائد الإيمان الرتيب والسلوك المناسب له.

لقد كانت هذه السلفيات المتشددة ردا مباشرا على هزيمة السلفيات الدنيوية (التوتاليتارية) واستكمالا لها. وفي هذا الواقع نستطيع العثور على استعادة حية للفكرة التي بلورها ابن خلدون قبل ألف عام عن خصوصية الانتقال من البداوة إلى التمدن. إلا أن هذه الخصوصية تكشف لنا في الوقت نفسه عن بعد آخر لم يتطرق إليه، ألا وهو طبيعة الارتباط العضوي بين البداوة والتسنّن السلفي الذي عادة ما يؤدي إلى إعادة إنتاج نفسية الاستبداد وفكرته السياسية في «الدولة». وهي حقيقة يمكن تأملها على أمثلة التاريخ الإسلامي ككل. فقد كانت جميع مراحل انحطاطه الثقافي مرتبطة بصعود التيار السنّي السلفي. وليس اعتباطا ألا ينتج التسنّن السلفي أية منظومات فكرية فلسفية. كما انه ليس اعتباطا أن يناهض الفلسفة العقلانية والتصوف والتشيع ومختلف المدارس الإنسانية الإسلامية الكبرى من خوارج ومعتزلة وغيرهم. بمعنى سلوكه التاريخي المتأصل في العداء لإبداع العقل الرفيع والروح المتسامي والوجدان الخالص. وليس اعتباطا ألا تتعدى التصورات والأحكام العقائدية المميزة للسلفيات المتشددة القديمة والمعاصرة أكثر من اجترار جزئي لمجموعة من الآيات القرآنية والأحاديث الموضوعة (الكاذبة). إضافة إلى أن اغلبها لا علاقة له بالحياة ومتطلباتها. إذ لا يتعدى أقصى اهتمامها متطلبات الجسد والماورائيات الغارقة بزبد التمنيات والعجائب. وهي صفات يمكن فهمها على أنها النتاج الملازم لنفسية البداوة والاستبداد.

ويشكل تاريخ السلطة في العراق الحديث نموذجا ناصعا لهذه النفسية. والقضية هنا ليست فقط في أن مرتع السنّة في العراق هو منطقة البداوة التاريخية، بل وفي اندماج تاريخ البداوة وبنيتها التقليدية بالسلطة. وليس اعتباطا أن تعارض هذه النفسية وترفض رفضا قاطعا فكرة ومبدأ الانتخاب والاختيار تحت حجج وذرائع شتى. أما في الواقع فإنها الصيغة الماكرة لنفسية البداوة والاستبداد، التي تعتقد بأن الشيخ يولد ليسود.

وفي ظل هذا التاريخ الخاص لنفسية البداوة والاستبداد، أصبح التسنّن في العراق المعاصر أحد المصادر الكبرى للاستبداد وتبرير الإرهاب. وإذا كان هذا الانطباع العام والجلي في الوقت نفسه في كل مناطق العالم الإسلامي والعالم ككل، فإن خصوصيته في العراق تقوم في انه اخذ يشعر للمرة الأولى بفقدان زمام «المبادرة» وانحساره التاريخي إلى حدوده الطبيعية. بمعنى إرجاعه إلى تخوم البادية. إذ لم يصنع التسنّن المتشدد والسلفي في العراق سوى صحراء قاحلة. ومن ثم لا يمكنه مع كل هبة ريح أن يجلب غير الرمال والرماد وبقايا عالم لا حياة فيه. والأحداث الدموية المتكررة في مختلف مدن العراق ليست إلا الصيغة الفعلية لهذه الرياح الرملية. إنها يمكن أن تصنع كثبانا من القتلى والجرحى، لكنها لا تستطيع حبس جريان الأنهار.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا التيار الجديد في الحركة السياسية العراقية والإسلامية وتقاليد المقاومة يكشف عن افتقاده لأبسط مقومات العيش والنجاح. وهو تيار لا يمكنه الاكتمال والظهور سياسيا وفكريا بسبب ضعفه مقارنة حتى بأكثر الأشكال تخلفا كما هو الحال في الوهابية المعاصرة وحركة طالبان. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية الحكم بزواله السريع مقارنة بأمثاله لأنه يجمع بين قوى متناقضة لا يوحدها سوى العداء العلني والمستتر لفكرة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني، أي ضد التيار الكاسح للتقدم والحرية. والقضية هنا ليست فقط في أن الالتفاف برداء «المقدس» لا يقدس المرء، بل ويلزمه بالضرورة الارتقاء إلى مصاف البدائل الأجمل. بينما لا توجد في كل حيثيات الغلاة الجدد العلنية والمستترة ما يوحي باقترابها من ابسط مقومات ومبادئ الاعتدال المميزة لتقاليد الإسلام الحقيقية وتاريخ الحركات السياسية المعتدلة والإنسانية القديمة والحديثة. إذ ليس في أقوال وأعمال الغلاة الجدد ما يمكنه أن يوحي ولو عن بعد بإدراك أدنى مستويات المقدس وحقيقة الجهاد. إذ لا يتعدى «مقدسهم» أكثر من كونه الصيغة الأيديولوجية للتعصب والانعزال الثقافي شبه التام، والاغتراب عن قيم الحضارة الإنسانية وتاريخها الموحد، والانهماك الفرج بالهمجية والعيش بقيمها المدمرة. وهو غلو يقف من حيث الجوهر على هامش الحركة العامة للظاهرة الإسلامية الكبرى بوصفها مركزية إسلامية عالمية. وليس ذلك بسبب تمثيله لمصالح لا علاقة لها بالعراق وواقعه الحالي وآفاق تطوره فحسب، بل ولاغترابه الشامل والتام عن حقيقة الإسلام. فحقيقة الإسلام ليس في السنّة والتسنن، بل بمبادئه الكبرى. أما في ميدان الحياة السياسية فإنه يقف ضد التيار العام للتحرر والديمقراطية والنظام الشرعي.

***   ***  ***

ا. د. ميثم الجنابي

 

مجدي ابراهيملمّا نشرتُ عن "التوحيد" شذرة لأحد العارفين تقول إنه: "استقامة القلب مع إثبات مُفارقة التعطيل"، تساءل أحد الزملاء.. ما معنى مُفارقة التعطيل؟ وقال متابعاً: هل هو مصطلح صوفي متفق عليه ومعروف لديكم.. أم أنه بلاغة فى استخدام اللغة، أم كلاهما؟ ما الذي يُراد بمفارقة التعطيل؟ صعوبة النّص الصوفي تبدو لي بسبب أن ألفاظه معظمها تميل الى التجريد.

من ناحيتي أنا، أجبتُ عليه في حينه، ولمّا عاودتُ النظر في مفارقة التعطيل وجدتُ أنّ الإحاطة بالمعنى الحرفي لم تكن كافية، فلزم التنويه إلى التوسّع في هذا المعنى إضافةً إلى ما ورد.

أما المعنى الرمزي أو العقلي، فلم أزد فيه شيئاً على ما ذكرته، فأبقيتُه كما هو، لا زيادة عليه لمستزيد.

يلزمني من باب الأمانة العلميّة أن أعرض لما ورد:

للمفارقة دلالتان، إحداهما قريبة، وهى الدلالة اللغوية، والثانية بعيدة، وهى الدلالة الفلسفيّة، فاللغويّة تعني: اجتماع نقيضين في المعنى، وباجتماعهما تكون المفارقة .. خذ مثلاً: طلب الإصلاح في زمن الإرهاب.

لو السؤال هكذا: كيف يتمُّ الإصلاح في زمن القهر والتسلط والعنف والإرهاب؟!

الإصلاح فكرة تسيطر عليها القوى الروحيّة. والإرهاب واقع دامي تسيطر عليه القوى الماديّة. فلو جاء السؤال عن طلب الإصلاح في زمن الإرهاب؛ لتبادرُ إلى الذهن من الوهلة الأولى اجتماع النقيضين في عبارة واحدة .. فتكون إذْ ذَاَكَ مفارقة.

ويجتمع النقيضان في هذا البيت من الشعر:

(متى يبلغ البنيانُ تمامه إذا .... كنت ما تبنيه غيرُك يهدمُ)

لاحظ تمام البنيان وهدمه في ذات الوقت، هنا تكون المفارقة. ويجتمع النقيضان في عبارة "المطار السّري" فكيف يكون سرياً وهو مطار يعرفه الجميع ومشهود للجميع؟ فهنالك تصبح مفارقة.

ويجتمع النقيضان في اصطلاح (التقليديّة الجديدة)، كيف تكون تقليدية، وتكون جديدة في نفس الوقت؟ وهكذا دواليك! فالمفارقة هى اجتماع النقيضين في جملة واحدة.

أما الدلالة الفلسفية؛ فتأتي المفارقة فيها بمعنى التعالي والابتعاد التام عن الواقع المحسوس، هنالك العقول المُفارقة؛ أي التي لا تتلبّس بمادة، ولا تحلّ في مادة، ولا يمكن أن يكون لها اتصال بمادة .. المُفارقة من الجهة الفلسفية تعني أن لا وجود لهذه العقول في الكون المادي. وما دامت هناك عقول مُفارِقة، فلابد أن تصدر عنها علوم، تسمّى أيضاً بالعلوم المُفارقِة، التي هى الميتافيزيقا أو العلوم الإلهية.

وزيادة على هذا، نأتي إلى مُفارقة التعطيل، ليجيء المعنى الحرفي كونه لا يتضمّن هنا الدلالة اللغوية، ولا يشمل الدلالة الفلسفية، ولكن يشي فقط بمعاني البعد والتنائي والعزوف والإعراض.

فارق التعطيل؛ أي أبتعد عنه، وانأى، واعزف واعرض، فلا هو داخل في الدلالة اللغوية للمُفارقة ولا في الدلالة الفلسفية، إذ أن استخدام المتصوفة للدلالات إنما هو استخدام مرموز. ومن هنا، تجئ الصعوبة في اللغة الصوفيّة، كما يكون التجريد في المعنى مما من شأنه أن يوحي بالتباس الدلالة.

الصعوبة في إثباتها: إثبات مُفارقة التعطيل .. لكن معناها حرقيّاً ورمزيّاً، يتلخّص في الآتيً:

(١) المعنى الحرفي: تعطيل الحكم الإيماني إزاء العقيدة، كأن تؤمن بعقيدة القضاء والقدر مثلاً من طريق النظر مع تعطيلها على مستوى الفعل والمباشرة. فالمطلوب إثبات مفارقة التعطيل من العقل أو من الشعور.

المفارقة هنا، بمعنى الترك والهجر والبعد عن التعطيل، ثم لا تكتفي بذلك، بل تثبت بالفعل مفارقتك التعطيل، وعزوفك عنه، ونأيك وإعراضك. هذا ما يبدو من حرفيّة المعنى.

(٢) المعنى العقلي: تجريد الذهن في استنباط الدلالة، فلن يكون التوحيد سالماً من العلل ما لم يستقم القلب على إثبات مفارقة التعطيل، أي خلوص الإيمان من شوائب الشرك والزندقة والتعطيل، ووقوف القلب خالصاً في مواجهة الرّب، ولا يمكن من هذه الجهة التعبير عن التوحيد بالعبارة العادية واللفظ المعتاد؛ حتى إذا قلتَ: أنا مؤمن بالله، أو تحدّثت عن توحيدك لله، فقد أشركت به من حيث لا تدري! لماذا؟

لأن العبارة عن التوحيد نفسها شرك؛ لأنها غير الله، وبالتالي التعبير عن التوحيد نفسه شرك؛ إذْ لا يخلو تعبيرك عن الله من عبارة عاديّة ومن لفظ معتاد .. والعبارة واللفظ حُجُب، وكل محجوب مشرك بوجه من الوجوه، وما دمت جعلت مع الله (غيره) فقد أشركت به غيراً. ولهم في هذا الموطن: "ما دُمتَ تشير فلست بموحد". بمعنى أنه ما دمت تشير دوماً إلى الله؛ فلست بموحد حتى تفنى المشير والإشارة؛ لأن الملاحظ أن المشير والمشار إليه والمشار به، يتعقل أنه مشير والحق مشار إليه به، وأن ما صدر عنه هو إشارة، فهذا لا يكون موحداً ما لم يَفْنِ عن نفسه، وما لم يخرج عن دائرة حسه.

ولكون العارف مجموعاً في مقام الجمع لا يرى لنفسه عبارة ولا إشارة؛ فقد نصّ ابن عطاء الله السكندري في حكمة بالغة من حِكَمه على هذا المعنى حيث قال:" ما العارف مَنْ إذا أشَار وَجَدَ الحق أقرب إليه من إشارته، بل العارف مَنْ لا إشارة له؛ لفنائه في وجوده وانطوائه في شهوده". فالعارف على التحقيق لا إشارة له إذ تبدو العظمة والجلال عليه فتنسيه الدنيا والآخرة والدرجات والأحوال والمقامات والأذكار، وتفنيه عن كل شيء: عن عقله، وعن نفسه، وعن إرادته، وعن فنائه عن الأشياء، وعن فنايه عن الفناء؛ فيغرق في بحار التعظيم.

إذْ ذَاَكَ يستحق أن يُسمى عارفاً.

هذا هو معنى مفارقة التعطيل.

قل لي بربّك: ما قيمة هذا الكلام في زمن لا يعترف قيد أنمُلة بعالم غير عالم الحسّ أو عالم الواقع ممّا من شأنه أن يكون العلم التجريبي وحده هو القائد، يتعيّن الإقرار به وإنكار غيره؟

أقول لك حقاً من يستشعر لهذا الكلام خطره، يأخذه من جهة النفس لا من جهة الواقع أو جهة الحسّ. مكمن الخطر إذا هو جاء من باطن الإنسان، ومسّ شغاف قلبه، فلا نجاة له بعلوم العقل ومخترعات العلم والصناعة، وإنما تكون نجاته بعلم من عالم الروح تنتفع به الضمائر وتنصلح عليه العقول، إنما تكون نجاته بالدين وبالإيمان الديني والعقيدة الإلهية .. ولا نجاة له مطلقاً في غير هذا الطريق.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

عدي عدنان البلداويان وجودنا في اجواء مشحونة بأفكار المواجهة والتحدي، بالقدر الكبير الذي نعيشه اليوم، يضعنا في مواقف حرجة ومربكة الى حدّ ما، فمن الناحية الأمنية  نحن مطالبون بمواجهة الإرهاب والخطر .. ومن الناحية السياسية نحن مطالبون بمواجهة الإخفاقات والفشل والتصدي لهما .. ومن الناحية الصحية مطالبون بمواجهة ومحاربة الأوبئة والتلوث وكثرة الأمراض التي تظهر لأول مرّة وأمراض الحروب ومخلفات الأسلحة التي استخدمت .. ومن الناحية التربوية مطالبون بمواجهة الإخفاق الذي بدا واضحاً في عمل مؤسسات الدولة في رعاية ابناء البلد وتعليمهم وتربيتهم .. ومن الناحية الثقافية مطالبون بمواجهة الإنحرافات الفكرية والتيارات الثقافية المبطنة ..

ان وجودنا في هذه الأجواء بشكل متواصل جعل فكرة المواجهة والحرب والتحدي تصطبغ بصبغة اعتيادية مألوفة في المجتمع، وهذا يجعلنا ندمن حدّة المواجهة حتى في الحوارات التي ينبغي فيها ان يسمع صوت العقل، واذا بالأيدي تتحرك وتشمّر عالياً، والأصوات تعلو ويحتدم النقاش ليتحول الى الأيدي والألسن في مواجهة عضلية أمام الكاميرات في كثير من القنوات الفضائية ..

واخذت هذه الظاهرة تحتل مكانها في نفوس الناس، فما ان يثار احدهم حتى يتنمر سلوكه ويصبح خطراً حقيقياً قد لا يمكن تداركه كما في حالات الشجارات التي تنتهي في المستشفى أحياناً، او في مراكز الشرطة أحياناً اخرى، وامتد هذا الخطر ليصبح سمة جماعية توصف بها هذه العشيرة او تلك، فترى جمعاً من الرجال والشباب يحملون السلاح ويطلقون النار لأمور تجعل المشاهد منذهلاً لما وصل اليه حال القوم ..

ولا ننسى دور العالم الافتراضي في فتح اجواء العنف والتوتر عبر العاب رقمية كـ(البوبجي) التي القت بضلالها على حياة الناس واستقرار الأسرة وخصوصيتها فوقعت مشاكل كثيرة كان ضحيتها الشخصية الانسانية ..

الانسان حريص على ما منع ..

ان تركيز الاهتمام على الممنوعات والمحرمات والمحضورات ودعوة مقاومتها، وترك تركيز الاهتمام بالواجبات والمتطلبات، هو شكل من اشكال العبث الفكري أو المجهود الذي لا جدوى حقيقة منه، فكم حذرت اجهزة الدولة  ومنعت بيع الخمور، واغلقت محال بيعها، والملاهي التي تقدم المشروبات الكحولية، وكم هي منتشرة اليوم .. وكم حاربت اجهزة الدولة بيوت البغاء، وطاردت العاملين في هذا النشاط اللاخلاقي، وهي لا تزال موجودة ولعلها ازدادت وتنوعت متسترة بلباس لا يجلب الشك والريبة ..

وعلى الصعيد السياسي نلاحظ عبر الإعلام، تهكم هذا المسؤول على ذاك، وتركيز هذه الجهة على سقطات تلك الجهة، مبتعدين تماماً عن فكرة المشروع الذي ينبغي العمل عليه والذي ينبغي ان يقوم النقد على اساس الإخلال بذلك المشروع لما يعنيه من أهمية للمجتمع، ومن الطبيعي ان لا يلمس المواطن اي تحسن في الأداء الحكومي ..

ان مناهضة الفشل قد لا تحقق النجاح  بالقدر الذي تحققه مساندة النجاح .. فلكي ننجح علينا ان ندعم النجاح اكثر من وقوفنا بوجه الفشل، و الفارق بين الفكرتين أن مناهضة الفشل تركز على الفشل وقد يضيع قدر كبير من النجاح  جراء هذا التركيز، بينما يركز دعم النجاح على النجاح وحده، وفي هذا التركيز  سينتهي الفشل ..

ومناهضة العنف قد لا تصنع سلاماً بقدر ما تشتغل على توفير امكانات مواجهة العنف وتحديده والقضاء عليه، فمناهضة الفاشلين قد لا تأتي بالناجحين، مثلما هو تركيز الإهتمام بالنجاح ومواصفات الشخصية الإجتماعية الناجحة في مجالات الثقافة والسياسة والتربية وغيرها..

لو اهتمت اجهزة الدولة وركّزت اهتمامها على السلام والخير وعملت على تحفيز الناس للقيام بأعمال وانشطة سلمية ايجابية، فإن ذلك له أثره في انحسار السلبيات، وقد نلاحظ هنا وهناك انشطة من هذا القبيل لأشخاص بجهود فردية أو جماعية محدودة ينتهي ذكرها واثرها بالثناء، أو تسليط الضوء عليها لدقائق عبر احدى القنوات الفضائية، أو كتاب شكر وشهادة تقديرية من احدى الجهات أو الأشخاص ..

في التاريخ  شواهد كثيرة، وفي الواقع شواهد كثيرة ايضاً، فقد رأينا كيف واجه النبي ابراهيم جهل قومه وانصياعهم لأفكار كانت مألوفة لديهم لا مجال لإنتقادها وإعادة التفكير بها، وهيأ لهم الأجواء التي تمكنهم من تغيير طريقة تفكيرهم ..

ورأينا كيف تمكن نبي الرحمة محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من مواجهة عصبية قومه حتى تمرنت عقولهم ونفوسهم لاستيعاب المعنى والهدف ..

كان الخطاب القرآني يقوم على التربية وتدريب النفس، ففي سياق الحديث عن سلوكيات النبي، كان بعض المسلمين يقولون في حديثهم مع النبي (يا محمد) و ( ياابن عبدالله) حتى نزل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تجعلوا دعاء النبي بينكم كدعاء بعضكم بعضاً..) فقد دعاهم بالمؤمنين ثم طلب منهم مغادرة هذا النمط السلوكي في مقام النبي وان كانوا يعتادونه بينهم ..

وورث اهل بيت النبي أفكاره صلى الله عليه وآله، فهذا التاريخ يخبرنا عن رجل من اهل الشام اعترض الإمام محمد الباقر عليه السلام في المدينة فسأله: أأنت من يسمونه البقرة !

ردّ عليه الإمام دون توتر بل يسمونني باقر العلم ..

فقال له الرجل: افأنت ابن الطباخة ؟ فردّه الإمام ما يعيبها ذلك .. وتمادى الرجل اكثر فقال له : اذن انت ابن البذية، ردّه الإمام قائلاً: ان كنت صادقاً غفر الله لها، وان كنت كاذباً غفر الله لك ..

ترك هذا النمط من التعامل مع الآخر وقعه واثره، فقد تغيرت طريقة تفكير ذلك الرجل بعد ان وجد النتيجة على غير ما كان يتوقعه، كما حصل مع  رجل  أخذ يسب ويشتم اهل بيت النبي على مسمع من الإمام الصادق عليه السلام، فتقدم اليه الإمام وكان برفقته بعض شباب بني هاشم، فبادره بالقول تبدو غريباً عن الديار، الك حاجة فنقضيها لك، استغرب الرجل ردّة فعل الإمام قائلاً له كان بوسع الفتية الذين معك ان يوسعوني ضرباً على ما قلت بحقك، واذا بك تسألني قضاء حاجتي ..

وقد رأينا في سياق الحياة الاعتيادية لأشخاص، لم تتهيأ لهم مناخات النبوّة والوحي، مثلما تهيأت لهم مناخات الوعي، فقد واجه غاندي الاحتلال البريطاني لبلاده وهو لا يملك عدّة وامكانات الجيش البريطاني، فاختار السلم مقابل العنف،  ما اضطرهم في النهاية الى الانسحاب من الهند ..

في احدى ولايات أمريكا كانت كاميرات المراقبة تسجل خروقات كثيرة للسيارات المارّة في احدى الطرق الخارجية السريعة بحيث لا تتمكن كاميرات المراقبة من رصد رقم السيارة لشدّة سرعتها، فكانت حوادث كثيرة تقع جرّاء ذلك، فدعت الجهات المسؤولة الى ايجاد حل لهذه المشكلة، وكانت الفكرة ان يصار الى لافتة الكترونية  ضوئية كبيرة على جانب الطريق تخبر سائق السيارة انه لو مرّ بقرب الكاميرا  وظهرت علامة الدولار الخضراء على اللوحة الالكترونية، فهذا يعني دخول رقم  سيارته الى القرعة الأسبوعية للفوز بمئة دولار، وفعلاً تم العمل بهذه الفكرة حتى سجلت كاميرات المراقبة انخفاضاً كبيراً في عدد الخروقات ..

لكي نحارب العنف علينا ان نركز اهتمامنا على السلام والامان اكثر من تركيزنا على ملاحقة المجرمين وتكريس كل الجهد والوقت لذلك، لأن اقتصار الجهد على محاربة العنف جعل مساحة الأمان تصغر في قلوب الناس ونفوسهم، وانكمشت فكرة العفو نوعاً ما، واخذ السلام موضع اللفظ في حياة الناس، وما حالات العنف الأسري المعلن عنها، وغير المعلن عنها وهي اكثر، ما هي الا مؤشرات تلزمنا الوقوف عندها لحدّها ومعالجتها ..

لماذا تعتني اجهزة الدولة بنشر ملصقات وارشادات واعلانات تدعو المواطنين  فيها الى التبليغ عن الحالات المشبوهة، اكثر من نشرها لملصقات وارشادات تحثّ على السلام والأمان، الأمر الذي أصّل في الناس مفاهيم التحدّي وجهوزية المواجهة ..  احدى القصص المنشورة على صفحات التواصل تروي خلافاً وقع بين اثنين، تأزم ليصل الى خلاف العائلتين، وتأزم اكثر ليصل الى خلاف العشيرتين، واستنزف الأمر كثيراً من الجهود والإمكانات لإحتوائه..

وامتد هذا النوع من التفكير الى الأوساط السياسية، كما رأينا في تأزم خلاف شخصي بين نائبين في البرلمان تبادلا السباب والتشهير والتصريحات المهينة والسيئة  ما دفع بعشيرة احدهما الى دعوة الأخرى الى الفصل العشائري  ..

لأن تفكيرنا انحصر في حدود مشاعر الغضب والانفعال إزاء ما لايرضينا، فإن أحدنا يلجأ مباشرة الى ضرب ابنه اذا ارتكب خطأً ما، ويعاقبه بحرمانه من المصروف اليومي، او الذهاب في نزهة، أو.. أو..

لقد شغل موضوع العنف الأسري كثيرين في العالم، مؤسسات وافراد .. واقيمت لهذا الأمر محاضرات ومؤتمرات ومحافل وورش عمل ووضعت قوانين، ففي الغرب تعرض شاشات العالم الافتراضي والقنوات الفضائية ومواقع التواصل وشبكة الانترنت عناوين وارقام هواتف تدعو المرأة الى الاتصال اذا عنفها زوجها، وتدعو الطفل الى الاتصال اذا تعرض الى الضرب او سوء المعاملة من قبل ابويه .. اذا كان هذا ما تستطيعه الانظمة الحاكمة، فإن البناء الأسري وحماية الجو الأسري من التلوث هو ما ينبغي ان يترتب على ابناء المجتمع والمؤسسات الثقافية ..

في تقريرها الذي رفعته احدى المسؤولات عن الأقسام الداخلية للبنات في احدى الجامعات الى رئاسة الجامعة، قالت انها سجلت ملاحظتها على بعض البنات  يتصرفن خلاف الطريقة التي يأتين بها من بيوتهن، فهي تأتي من بيت اهلها الى القسم الداخلي محجبة، بينما لا تضع الحجاب حين تذهب الى الكلية ..

وذكر احد الأساتذة موقفاً غريباً لطالبة طردها من المحاضرة بسبب ملابسها الفاضحة، حين ردّت عليه بأنها خرجت بهذا الشكل أمام انظار ابيها ..

ان اقتصار التركيز على فشل الحكومة  في ادارة البلاد، قد لا يسهم في تقديم العون الى الناس بقدر ما يسهم في تلبس الناس بالفشل في حياتهم .. الأولى بالناس ان يركزوا على الأمور الإيجابية  في حياتهم كي لا يفقدوا حلاوة الدنيا في قول الرسول الذي اشرنا اليه اول الحديث، ولكي ينفتح المجال أمامهم لوعي المرحلة القادمة من اعمارهم، وتجنب عثرات المرحلة التي يعيشونها..

يأتي تقاعس البعض وركونهم الى الجانب البارد، من تفكيرهم  بأن التغيير يحتاج الى قوة كبيرة من الخارج تنقذ المجتمع مما هو فيه ومما ابتلي به، لكن اذا تغير التفكير الى قوة الداخل الموجودة في الإنسان الواعي، فإنه سيشعر انه يستطيع ان يحتوي العالم في داخله، كما اخبر الإمام في قوله (وتزعم انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر) ..

بالوعي ندرك ان الخير الذي نقدّمه للآخرين ليس كرماً منّا، وليس بذخاً، كما انه ليس امتناناً بقدر ما هو انعكاس طبيعي للنفس الواعية،  فالخير نتاج وعي ومعرفة في طريق الحق، والشر نتاج فهم محدود موجّه .. (ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)، مثقال ذرة في كلا الحالين،  يمكن ان يكون خيراً، ويمكن ان يكون شراً، يحدد ذلك الفكرة الجيدة، او النية السليمة، أو الوعي .. 

ان تحديد الانسان في اطار الكائن البشري الحي فقط، يحدده، واذا تحدد نقصت طاقته الايجابية، واذا نقصت طاقته الايجابية، قلّ وعيه، واذا قلّ وعيه، فُسح المجال للطاقة السلبية لتشغل حيزاً في نفسه، واذا سيطرت الطاقة السلبية على النفس، انخفضت فاعلية الرحمة والخير، واذا وقع ذلك تلوثت اجواء التفكير بالسوء، واذا اصيب التفكير بالسوء، اضطربت الشخصية، واضطرب توازنها، واذا اضطرب توازن الشخصية، صعُب على الانسان ان يتعرف عليها، واذا صعُب على الانسان التعرف الى شخصيته، تعثر في اكتشاف ذاته، واذا لم يفلح في اكتشاف ذاته تساوت عنده الأيام، و(من تساوى يوماه فهو مغبون) ..

ان في قوله سبحانه وتعالى (وكرمنا بني آدم).. (وخلقنا الانسان في احسن تقويم) , تصريح الهي للانسان ليصنع وعيه، ويصنع عالمه،  ويتعرف الى ىشخصيته، ويكتشف ذاته ..  

 

البلداوي

 

محمود محمد علياستغلال الأقليات الدينية

نعود وننهي حديثنا في هذ المقال عن الكيفية التي جعلت إسرائيل تثير النعرات الطائفية في الوطن العربي من خلال استغلال الأقليات الدينية، وفي هذا يمكن القول : وترتكز نظرية شد الأطراف على عدة عناصر ذات أبعاد عرقية، كما ذكر " موشى فرجي " Mousi Faraji في كتابه "إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان نقطة البداية ومرحلة الانطلاق " الصادر عن "مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا"، التابع لجامعة تل أبيب .

أهمية الكتاب تكمن في أمرين، أولهما أنه يشرح بالتفصيل الدور الكبير الذي قامت به المخابرات "الإسرائيلية" في مساندة حركة تحرير الجنوب، سواء على صعيد الإمداد بالسلاح والخبراء والمال، أو على صعيد حشد التأييد الدبلوماسي والسياسي لمصلحتها. الأمر الثاني الذي لا يقل أهمية أو خطورة أنه يشرح على وجه الخصوص بالتفصيل أيضاً استراتيجية "إسرائيل" لإضعاف العالم العربي بوجه عام، وإضعاف مصر على وجه الخصوص. وكيف أن تلك الجهود الحثيثة استمرت حتى بعد توقيع مصر اتفاقية السلام مع "إسرائيل" في عام 1979م .

أفاض المؤلف في شرح نظرية "شد الأطراف" التي هي محور الكتاب وموضوعه الأساس. فذكر أنها ترتكز على عدة عناصر ذات أبعاد عرقية وعسكرية وسياسية، وعرض لكل واحد من تلك العناصر على النحو التالي:

من الزاوية العرقية كانت الفكرة بمثابة دعوة لخلق تجمع اثني يضم دولاً وجماعات غير عربية في إطار من العمل والتعاون لمواجهة المد القومي العربي، باعتبار أن ذلك المد يهدد تلك الدول والجماعات. وقد ركز الخطاب "الإسرائيلي" في هذا الصدد على أن خطر ذلك التهديد يجب أن يدفع تلك الأطراف إلى الاحتشاد في خندق واحد. وهذه الرسالة نقلها بصراحة ووضوح "بن جوريون " إلى كل من "عدنان مندريس" Adnan Menderes رئيس وزراء تركيا في أواخر الخمسينات، وشاه إيران والامبراطور هيلاسلاسي. وهذا هو المعنى الذي عبر عنه "مائير عميت" Meir Amit رئيس الموساد حين ألقى في عام 59 محاضرة على دفعة جديدة من عناصر الموساد قال فيها: إن التهديد بالخطر العربي الذي جسدته حركة المد القومي، كان لا بد أن ينجح في إثارة النوازع النفسية لدى الجماعات غير العربية داخل الدول العربية، وخاصة في العراق وسوريا ولبنان والسودان.. كما إن الوجود الاثني المتمثل في شعوب مثل الشعب "الإسرائيلي" والتركي والإيراني والإثيوبي، الذي يتناقض مع العنصر العربي المهيمن على المنطقة، شكل أساساً لقيام علاقة تحالفية بين "إسرائيل" والدول التي تمثل تلك الشعوب.

استخدمت "إسرائيل" سلاح التخويف من هيمنة العرب المعززين بالقوة النفطية، لكي تحث الدول والجماعات غير العربية إلى الاحتشاد والتحالف لدرء ذلك "الخطر". وقد عبرت عن ذلك جولدا مائير وزيرة الخارجية في مؤتمر لحزب العمال عام 1960، حين قالت: لقد نجحنا في إقناع الدول المحيطة بالدول العربية لإقامة "حلف الدائرة"، ليشكل سوراً من حول تلك الدول، يدرأ الخطر ويقي هذه الدول ويصونها من حركة القومية العربية .

فكرة التخويف من الخطر العربي استثمرت عسكرياً إلى أبعد مدى. فقد ركزت "إسرائيل" على أنه لا سبيل إلى صد ذلك الخطر إلا بإقامة تعاون عسكري وثيق بين "إسرائيل" وبين دول الجوار، وجندت لتلك المهمة أبرز الشخصيات العسكرية والسياسية. في هذا السياق عقد أول لقاء بين رئيس الموساد "رؤوفين شيلواه" Reuven Shiloah وبين وفد عسكري تركي في روسيا عام 1957، وتتابعت تلك اللقاءات في إيطاليا ودول أخرى. وكان التعاون العسكري والأمني لصد خطر المد العربي، هو الموضوع الرئيسي لكل تلك الاجتماعات. وما حدث مع تركيا تكرر مع إيران وإثيوبيا، حيث ركز بن جوريون في خطابه الموجه إلى تلك الدول على أن العرب يزعمون أن الشرق الأوسط هو شرق عربي، ومن الضروري أن تشكل الدول الأخرى غير العربية في المنطقة كتلة واحدة، لدحض تلك المقولة، وللدفاع عن وجودها واستقلاله .

هذا الجهد "الإسرائيلي" أثمر تعاوناً أمنياً وثيقاً مع الدول الثلاث (تركيا، إيران، إثيوبيا). وأدى إلى تنظيم لقاءات سرية عدة بين رؤساء الأركان في الدول الأربع، عقدت في كل من أنقرة وطهران عام 1958، وفي سياق ذلك التعاون أرسلت "إسرائيل" أكثر من عشرة آلاف خبير عسكري وأمني إلى تركيا وإيران وإثيوبيا. وتطور هذا الرقم في السنوات اللاحقة، حتى وصل عدد الخبراء العسكريين "الإسرائيليين" في إيران وحدها عامي 77 و 78 إلى أكثر من 20 ألف شخص. كما زودت "إسرائيل" كلاً من تركيا وإيران بأسلحة من صنعها، مثل صواريخ بر - بر (جبريال) ومدافع هاون وأجهزة رادار وبنادق ورشاشات من نوع عوزي.

إزاء النجاح الذي حققته "إسرائيل" على ذلك الصعيد، فإنها أصبحت مطمئنة إلى أن تلك الدول أصبحت تمثل قوى احتياطية لها في مواجهة العرب، وإن اختلف الموقف بالنسبة لإيران بعد قيام الثورة الإسلامية في عام 1979 .

في ذات الوقت اعتمدت "إسرائيل" الرؤية الاستراتيجية الشاملة لنظرية شد الأطراف على ضرورة خلق اصطفاف سياسي متجانس ومترابط ومتحالف مع الغرب. وحرصت "إسرائيل" على أن تقدم نفسها بحسبانها دولة تمثل امتداداً للغرب وعمقاً استراتيجياً له. واعتبرت ذلك يشكل قاسماً مشتركاً لها مع تركيا، كما تعاملت مع إيران وإثيوبيا على أنهما دولتان تدينان بالولاء للغرب. وفي سعيها لإبراز عوامل التشابه أو التطابق بينها وبين دول الجوار، فإن "إسرائيل" أرادت أن تكسر جدار العزلة السياسية التي فرضت من حولها، لأن تعاملها مع دول الجوار غير العربية من شأنه أن يوفر لها إمكانية التحرك إقليميا ودولياً باعتبارها دولة معادية في المنطقة. وفي هذه النقطة نبه المؤلف إلى أن تحقيق "إسرائيل" غاياتها السياسية في استراتيجية شد الأطراف لم يكن يتأتى لولا مساعدة القوى الغربية التي وجدت أن مصالحها تتوافق مع إقامة هذه الشبكة من التحالفات. ولذلك فإن جميع اتفاقات التعاون في مختلف المجالات بين "إسرائيل" والدول الثلاث لقيت دعماً غير محدود من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا بوجه أخص .

خلاصة القول إن نظرية شد الأطراف وجذبها ثم بترها التي استخدمتها الولايات المتحدة ومعها إسرائيل نجحت في مهمتها ؛ حيث وجدنا الولايات المتحدة الأمريكية في عهد أوباما تستخدم موضـوع الأقليات الدينية في المنطقة العربية كوسيلة للوصول إلى أهداف استراتيجية، فالأهمية التي يحتلهـا الدين في حياة المجتمعات في العالم عموماً، وفي المجتمعات العربية خصوصاً، دفعت الولايات المتحدة الامريكية إلى استخدام هذا الجانب المهم في التلاعب بالمجتمعات العربية، للوصول إلـى النسيج الاجتماعي العربي في أدق مفاصل الحياة العربية.

ويعد الدين دافعاً مهـماً لتنظـيم الحياة الاجتماعية في ممارسـة الطقوس الدينيـة، ويذهب إلى أبعد من ذلك، حيث ينظم السلوك اليومي والحياة الاجتماعية، لذا فإنه يمكن تصنيف الإنسان على أساس دينه، وخصوصاً بعد تعدد الطوائف الدينية إلى أكثر من طائفـة داخل الدين الواحد، وبذلك يمكن تصنيف المجتمعات على أساس ديني طائفي ليسهل التعامل معها كوحدات مجتمعية ضعيفة .

إن عدم التجانس بين المجتمعات الاثنية بسبب اختلاف المستوى الفكـري والعقائدي، أدى إلى ازدياد الأقليات الدينية، والمذهبية، والطائفية في داخل الدين الواحد. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أصبح الدين الاسلامي نتيجة الاختلاف الفقهي ينقسم إلى عدة طوائف ومذاهب، وكذلك الحال ينطبق على الدين المسيحي .

ويعد لويس التاسع ملك فرنسا وقائد الحرب الصليبية على بلاد العرب، الـذي انهزم في معركته مـع مسلمي مصر 1249-1250،هو أقدم من وصى لضرب المسلمين في نص وصيته التالية "إذا أردتم أن تهزموا المسلمين فلا تقـاتلوهم بالسلاح وحده، فقد هزمتم أمامهم في معركة السلاح، ولكن حاربوهم في عقيدتهم فهي مكمن القوة فيهم" .

فظهرت الحرب على المسلمين عن طريق ضربهم في عقيدتهم وشريعتهم الإسـلامية، وذلـك بإشاعة الصراعات الطائفية والمذهبية، لإضعافهم مـن جهة، وإثارة الحروب الأهلية من جهة أخرى. وبعد صعود اليمـين المسيحي المتطرف في انتخابات عام 2000 فـي الولايات المتحدة من جهة، وتفجيرات 11 سبتمبر 2001 الأمريكية، والتي نتج عنها فوز بوش الابن (المتطرف دينياً) التي نتج عنهـا إعلان الحرب على الإرهاب المتمثل بالعرب والمسلمين من جهة أخرى، فقد استغلت الولايات المتحدة الأمريكية وضع المنطقة العربية الذي يتنوع بالأقليات الدينية، والتي تعاني بعضها من الاضطهاد، لذلك سعت الإدارة الأمريكية في عهد باراك أوباما إلى تفتيت المجتمع العربي عن طريـق استغلال هـذه الاقليات للتدخل في شؤون المنطقة. ومع اختلاف من نادى في كيفية استيعاب الأقليات الدينية، إلا أنهم اتفقوا في استثمار هذه الأقليات لزعزعة استقرار المجتمعات العربية، حاملين بمعيتهم، المنظرين الأمريكيين، شعارات كالديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحرية، واحترام الأديان، والتي تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية إحدى مهامهـا الأكثر إنسانية.

ومن أهم الذين اهتموا ونادوا لاستغلال الأقليات الدينية في المنطقة العربية، عن طريق تفتيتها للسيطرة على تلك المجتمعات:

1- زبجنيو برجنسكي :

قــدم برجنسكي عـدداً من الأفكـار من خلال مؤلفاتـه، التي نادت بتقسيم الـدول العربيـة والسـيطرة عليهم مـن دون الحاجـة إلى اسـتخدام قوات عسكرية، فقد نظم "برجنسـكي" خطـطاً استراتيجية ترمي إلى تفتيت الدول العربية من داخل بنائهـا الاجتماعي، وفي مقدمـة الوسائل التي نادى لها هي دعم كل الأقليـات الدينية، والمذاهب، والطوائف داخـل المنطقـة على غـرار مـا قام بـه سابقاً، خـلال الحـرب الباردة، بتنظيم ما يسمى (بالجهـاديين)، والتي نتج عنها تنظـيم طالبـان، فـي أفغانستان لمحاربة السوفييت، لخدمة المصالح الأمريكية. كما ذكر برجنسكي بخصوص وحـدة مصر وسـوريا أمراً مستحيلاً، لكون مصر ذات أصول وأعراق غيـر عربية، بينما سوريا ذات أصول عربية، لذلك أمر وحدتهما غير ممكن. وبالتالي يمكن أن تكون هنـاك دويلات على أساس الـدين أو العـرق لتتكون دويلات صـغيرة لا يمكنها مواجهة المخاطر لوحـدها مما سيؤول الأمر إلي تكـوين اتحاد كونفدرالي مـع انضمام إسرائيل لهذا الاتحاد، لا بل وقيادة هذا الاتحاد، الأمر الذي يسهل تفوق الهيمنة الأمريكية عليه.

إذ قدم برجنسكي خلال منصبه كمستشار للأمن القـومي فـي عهد الـرئيس "جيمي كارتر"، وما بعد منصبه، عدة مشاريع ونظريات لخرق الصف العربي من خلال التركيز على الأقليات الدينيـة والعرقية، وعلى سبيل المثال، عندما حث على اسـتخدام استراتيجية "الطرق على الجدران من الأسفل" من خلال " قوس الأزمات" The Arc of Crises لينتج عنها تجزئـة المجزء، فضلا ً عـن كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى"، الذي وضح فيـه كيفيـة تقسيم وتجزئة الدول العربية على أساس ديني وطائفي ومذهبي وعرقي.

اعتمد برجنسكي في هذه الأفكار ببعض الشواهد، منها شواهد سياسية، التي من جملتها الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، وما نتج عنها من صراع على أساس ديني، والتي خلفت أحزاباً ذات صفة انعزالية تدعو إلى إقامة كانتونات مستقلة لتمتلك قدراً من الحرية في علاقاته.

ومنها شواهد ديموغرافية، والتي تمثلت بوجود جسم غريب داخل الجسم العربي وهي العمالـة الوافدة، حيث مثلت تلك العمالة أقلية قابلـة للزيادة، وخاصة في بلدان الخليج العربي، والتي تمثل أدوات ضغط على البلدان العربية في الحفاظ على حقوقها وتشريع قوانين تحفظ وجودها على الأرض العربية. والأخرى هي شواهد الثورة العلمية في مجال الاتصالات، فعلى الرغم من أن هذه النظرية صيغت في نهاية السبعينات، ولكن كانت هناك بوادر تطور علمي في مجال الاتصالات وهو ما سيؤدي بدوره إلى تواصل الأقليات الدينية وانغلاقها على نفسها لتحمي ذاتها وكيانهـا من أفكار الأقليات الاخرى.

2- برنارد لويس:

تعـد أفكار لويس هي استكمال لاستراتيجيات نظريـة (قـوس الازمـات لبرجنسـكي)، والتـي يدعو فيها إلى تجزئة الدول العربية لما تحويه من أقليات دينية وعرقية. وجـاءت بنـود هـذه الأفكـار على ثلاث نقاط:

الاولي: هي استغلال الأقليات الدينية، والقومية، والمذهبية فـي منطقـة قـوس الأزمات، والتي تمتد مـن الجناح الجنوبي للاتحاد السوفيتي سابقاً مروراً بإيران، وتركيـا، والعـراق، ودول شـبه الجزيرة العربية، حتى الشمال الإفريقي، ومن هذه الأقليات هي (الأقباط فـي مصر، الطوائـف الدينية في السودان، الأكراد، والدروز، والبلوش، والموارنة، والأذرين، والعلويين في سوريا) وغيرها من الأقليات، التي ستؤدي الى خلق فوضى وعدم استقرار ومن ثم تجزئة الدول العربية .

الثانية: استغلال مسألة الحدود التي رسمها الاستعمار البريطاني والفرنسـي للـدول العربيـة، التـي لـم تضـع بعـين الاعتبـار أهمية لوضع القوميات أو المـذاهب الدينيـة، ممـا يثيـر الجـدل حـول ضرورة إعادة رسم حدود الدول، لإعطاء حق للأقليات العرقية، والاثنية، والدينية في إنشاء دول خاصة بهم .

الثالـثة: الاعتمـاد علـى الكـره الـذي يوجـد بـين أغلـب الأقليـات مـع الدولـة المتواجـدين فيهـا، والعمـل على تشجيع عصيان قوانين الحكومة والتمرد على نظامها لتفتيت هذه الدولة، لذلك يمكـن للولايـات المتحدة الأمريكية الوقوف مع هذه الاقليات لاستغلالها في تحقيق أهدافها، وبذلك يرى لويس ضرورة اعتماد رؤية برجنسكي في اتخاذ هذه المنطقة كمنطقة نفوذ مهمة، عن طريق تفتيت بعض مراكز القوة فيها.

من كل ما سبق يمكن إجمال الأهداف الأمريكية-الصهيونية تجاه الوطن العربي بما يأتي :

1- تجزئة الوطن العربي من جديد وتفتيت كياناته السياسية. والغاية من هذا تقليص دور الدول العربية المحورية، مثل مصر، والعراق، وسورية، وذلك كي لا تؤدي هذه الدول دور القيادة لحركة القومية العربية وحركات التحرر الوطني والمقاومة. وإن هذا التقسيم الجديد المقترح، إنما يهدف إلى تشتيت العناصر الأساسية المكونة للقومية العربية، ومن ثَم إلى صعوبة تحقيق أي هدف عربي وحدوي ولو بأدنى درجاته، وهي حالة التضامن العربي، وبهذه اللعبة تتهدم أعمدة النظام العربي السياسية والاقتصادية والأمنية.

2-يحاول هذا المشروع تحويل "إسرائيل" إلى قطب إقليمي رئيس في المنطقة، وذلك عن طريق كسر طوق المقاطعة العربية لإسرائيل اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، وبذلك تغدو "إسرائيل"-وبدعم من الولايات المتحدة- دولة لها مكوناتها الإقليمية المحورية في المنطقة، نظراً إلى ما تملكه من قوة عسكرية، وقوة مالية وتجارية وقوة تقنية، فضلاً عن أذرعها الأخطبوطية المتصلة بصنَّاع القرار كلّهم في العالم، مستفيدة من الدعم الممكن كلّه.

3- إن الخطر الأكبر من هذا المشروع هو محاولته إلغاء الثقافة العربية، والثقافة الإسلامية وإلغاء العادات والتقاليد والسلوكيات الناتجة عنها كلّها، بغية خلق جيل جديد لديه هوية جديدة مخالفة لهويته الأصلية. وهنا تسقط منه روح الالتزام الوطني والقومي. ويتحقق الهدف من المشروع وهو تحطيم سلطة الدولة، وسلطة المؤسسات وسلطة العقل، والثقافة والإنتاج والإبداع. وهنا مكمن الخطورة، أي حين يتحول المجتمع عن رابطة العقد الاجتماعي وعن تراثه وتاريخه وهويته.

4- يضع المشروع الصهيو-أمريكي العرب أمام خيارات صعبة ومحددة، فهم إما أن يدخلوا في هذا المشروع وبغض النظر عن حقوقهم وأراضيهم وثرواتهم، أو أن الخيار الآخر هو الحرب الوقائية الاستباقية، والعراق وأفغانستان أكبر دليل على ذلك.

5- إضعاف الدولة القومية بشكلها الحالي، وهو ما يسهل عملية الاختراق للدول التي ترفض التدخلات الخارجية في شؤونها، أو التي ترفض التغيير على الطريقة الأمريكية.

6- ضمان عدم التحام الأقليات والطوائف والأعراق، وضمان عدم ذوبانها أو على الأقل انسجامها مع الأغلبية في أي بلد من بلدان الشرق الأوسط في إطار جامع على الشكل الذي كانت فيه منذ قرون، لضمان أنها ستكون بحاجة إلى مساعدة خارجية، ومن ثَم ستكون الولايات المتحدة جاهزة للتدخل في أي مكان تراه مناسباً في أي بلد من هذه البلدان إذا رأت ذلك لمصلحتها، وبحجة الحماية.

7- إن الهدف من ورقة الأقليات هو تسويغ وجود "إسرائيل"، وتوسيع رقعة النزاعات الإقليمية الداخلية العرقية والقومية، لإشغال العالم العربي والإسلامي وشعوب هذه الدول بالمشكلات الداخلية المستجدة لديها، والمخاطر التي تتهدد بلدانها المعرضة للتفتيت والتقسيم، بمعنى تقسيم المقسم أصلاً وتجزئة المجزأ.

8- إفساح المجال أمام "إسرائيل" للدخول والتغلغل في هذه الدول عبر الأقليات، سواء القومية أم الطائفية أم العرقية، ولنا في أكراد العراق مثال على ذلك.

يمكن أن نلحظ أن هذه الأهداف تصب في مصلحة الدول الاستعمارية الغربية والأمريكية والصهيونية العالمية أولاً وآخراً، بعكس ما تروج له تلك الدول، بأنها تريد نشر الديمقراطية والحريات بين شعوب المنطقة، وتخليصها من الديكتاتوريات والظلم والعنف، ومن ثَم بناء دول حضارية وديمقراطية ومدنية. ما نراه هو خراب دول المنطقة ودمارها وتفتيتها وتقسيمها بما يخدم تلك الأهداف الصهيو- أمريكية والغربية الإمبريالية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ميثم الجنابيالظاهرة الصدرية.. الراديكالية الشيعية المعاصرة (2-2)

يمكننا في الإطار العام القول، بأن «التيار الصدري» بوصفه ظاهرة راديكالية يبرهن من جديد على أن الحثالة الاجتماعية ليست مستعدة على بلورة رؤية سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيم الحثالة وتصوراتها وأحكامها لما جرى ويجري. ومن ثم فإن ممارساتها ككل لا تفعل إلا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد والانحطاط والتخلف والاستبداد. وهو أمر يشير بدوره إلى طبيعة الضعف التاريخي والثقافي للظاهرة الراديكالية في العراق. ومن الممكن رسم الملامح العملية لهذا الضعف وأثره اللاحق على مجرى العملية السياسية في الموقف من قضيتين، شكلتا بعد سقوط السلطة الصدامية عام 2003 «مفاصلا» يمكن من خلالها إدراك حدود الظاهرة الصدرية، والمقصود بذلك ما يسمى «بمعركة النجف» و«مفتاح الصحن العلوي»، اللتين لعبتا دورا كبيرا في تاريخ التيار الصدري من حيث كونه ظاهرة راديكالية.

فقد كانت «معركة النجف» الميدان الذي جرى فيه للمرة الأولى اختبار القوى السياسية العراقية بشكل عام والراديكالية منها بشكل خاص. إذ كشفت من حيث مقدماتها ونتائجها عن طبيعة وحجم القوى السياسية المشتركة فيها، وكذلك بنية وغاية كل منها. كما أنها أظهرت حجم ودور الراديكالية السياسية في ظروف العراق الحالية والمستقبلية. وهي معادلة كشف الزمن اللاحق، وخصوصا قبل وبعد الاستفتاء على مشروع الدستور الدائم (نهاية 2005) عن أثرها ومحتواها الفعلي.

فمن المعلوم، إن قيمة الأحداث التاريخية تدرك بمستوى وكيفية حسمها للإشكاليات الكبرى التي تواجهها الدولة والأمة. وبغض النظر عن المجرى السريع لحسم «معركة النجف» التي دارت رحاها في أيام معدودة بين رجال مهلهلي الثياب بأسلحتهم الخفيفة وقوة تكنولوجية عسكرية هائلة مدعومة بقوات حكومية وتأييد سياسي رسمي ومجافاة شعبية لا تخلو من استياء وشماتة من «السوقية»، أي حثالة المدن والأرياف العراقية. لكنه حسم كان يحتوي في أعماقه على أبعاد لا علاقة لها بالصراع الدامي بين قوات «عقلانية» وأخرى محكومة بتقاليد الاستعداد المتحمس «للمهدي». وحالما التقت الجيوش الأمريكية وجيش المهدي في الأزقة الخربة، فإن عجاجها وضجيجها أنتج تلك «الصحوة» المفاجئة بالخروج من مدينة لم تحاصر إلا بقوة التوتر وثقل المرجعيات الواقعية والوهمية لرجال الدين والدنيا. وعندما نترك هذه المقارنة للزمن لكي يكشف عن أبعادها التاريخية الفعلية، فإن مما لا شك فيه هو أثرها الكبير والمهم بالنسبة لآفاق وإمكانية الراديكالية السياسية العراقية الجديدة كما مثلها التيار الصدري. وذلك لما في مقدماتها ونتائجها التي جرت عام 2004 من أهمية بالنسبة لجميع القوى التي كانت وما تزال تمثل الطيف العام للصراع السياسي في العراق.

فقد كانت «معركة النجف» من حيث مقدماتها مرتبطة ارتباطا وثيقا بصراع القوى الاجتماعية والسياسية العراقية من اجل «حسم» موقعها في السلطة الجديدة. كما أنها كانت المعركة التاريخية الأولية الكبرى للراديكالية العراقية التي نشأت من تراكم الأحداث الداخلية. فهي القوة السياسية العراقية الكبرى، وقد تكون الوحيدة، التي نشأت من تلقائية التراكم الذاتي السياسي والاجتماعي والاقتصادي العراقي. مما أعطى لها زخما راديكاليا كبيرا أيضا من حيث تمثلها وتمثيلها لآمال وأماني وأحاسيس الشرائح الاجتماعية العريضة والمهمشة، أي الأغلبية العراقية التي أخذت تعي نفسها بنفسها بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية، وتطالب بحقوقها وشرعية تمثيلها للمصالح الوطنية.

فالوطن العراقي الفعلي كان (وما يزال لحد ما) كمية من الشرائح الاجتماعية المنهكة في حروب الصدامية واضطهادها الرهيب للفرد والجماعة والمجتمع، وانتهاكها المريع لكينونة العراق والعراقيين. ووراء هذا الواقع كانت تختفي مغامرات القوى السياسية العراقية «الخارجية»، التي كان دخولها للعراق اقرب ما يكون إلى هجوم من اجل الاستيلاء عليه. وشأن كل قوى سياسية مغتربة ومتغربة لفترة طويلة لم تكن راغبة تماما به، حالما تبين لها بأن الوطن الذي تواجهه ليس الذي كانت تصبو إليه، وإن الوطن هو ليس عراق الماضي والأحلام، بل عراق السخام والأسقام، أي كل هذا الكم الهائل من الشرائح الرثة. مما جعلها تتراوح بين الامتعاض والانزواء. وفي كلتا الحالتين كانت السلطة فقط (مجلس الحكم الانتقالي) ميدان سباقها المحموم بما في ذلك في تمرير السياسية المغامرة من اجل حسم المعارك الجديدة. وبهذا المعنى كانت معركة النجف من حيث مقدماتها وغاياتها الفعلية معركة بين القوى السياسية «الخارجية» و«الداخلية»، أكثر مما هي معركة بين القوى الوطنية العراقية والأمريكية الغازية. فقد استدرجت قوات «الخارج» (المعارضة السابقة) قوات الداخل (التيار الصدري) إلى معركة خاسرة. وجرت من جانب «القوى الخارجية» بحكم موقعها المناوئ للسلطة الصدامية وضعف قدرتها الذاتية على إدارة الصراع السياسي والاجتماعي، بينما جرت من جانب «القوى الداخلية» بفعل سكرتها الشديدة من نبيذ الراديكالية الرخيص. أما النتيجة فهي «كسر أنف» التيار الصدري. إلا أن مفارقة هذه الظاهرة تقوم في كونها المعركة التي جعلت من التيار الصدري ملاكما جيدا بعد أن فقد شموخ الأنف العظمي ليكسب مرونة المعارك اللاحقة. تماما بالقدر الذي أدت إلى جعله قادرا على تمثل بعض مكونات وعناصر الضمير الوطني العراقي المنافي والمتعالي عن نزوع الطائفية السياسية التي أصبحت البضاعة الأكثر رواجا لقوات الخارج «الديمقراطية»!!

ذلك يعني انه إذا كان من الممكن الحديث عن فضيلة وفائدة تخدم مشروع إعادة بناء الهوية الوطنية العراقية في مجرى الأحداث الدامية لمعركة النجف وبعدها، فإنها تقوم في مساهمتها الموضوعية على تذليل تقاليد الراديكالية السياسية والتوتاليتارية في العراق. فقد قيل قديما بأن الآلهة قد تخطأ، لكنها لا تظلم. وهي معادلة كانت وستبقى حية أثناء الحرب والسلام والفشل والنجاح في حال النظر إليها، باعتبارها مرجعية مجردة في سموها الأخلاقي. ويمكن وضع هذه الفكرة بعبارة اقرب إلى فهم الذهنية المعاصرة، والقائلة بأن المساعي الأخلاقية والروحية الكبرى قد تتعرض إلى فشل ومآس، إلا أنها لا تفعل في نهاية المطاف إلا على شحذ ذهنية الأفراد والجماعات والأمم بالشكل الذي يجعلها قادرة على مواجهة ذاتها بمعايير الحق والحقيقة.

فقد كانت مختلف مظاهر «معركة النجف» مجرد أشكالا متنوعة لما يمكن دعوته بمعركة النجف الكبرى، أي معركة الرجوع إلى حقيقة الهوية الوطنية العراقية التي لعبت النجف دورا تاريخيا هائلا في بلورة وصياغة عناصرها الثقافية الكبرى. ذلك يعني أنها إحدى الظواهر والمراحل التي لابد منها من اجل شحذ ذهنية ونفسية الأفراد والجماعات العراقية من اجل تكاملهم لاحقا في هوية واحدة تعي ذاتها بمعايير الحق والحقيقة. فقد كان آنذاك من السهل النظر إليها بمعايير الطائفية والجهوية والحزبية الضيقة وما شابه ذلك، لكن حقيقة مداها ومدارها أوسع من جميع الأحكام الجزئية المذكورة. والقضية هنا ليست في أن النجف «مدينة مقدسة»، بل على العكس تماما! إذ لا قدسية في المدن والأماكن والتواريخ والأحداث. وذلك لأن حقيقة المقدس تقوم في ما لا يمكن ابتذاله، أي انه شيء لا كالأشياء، مثل الحقيقة والجميل. ومن ثم لم تكن «معركة النجف» سوى إعادة إجلاء جديدة لحقيقتها التاريخية باعتبارها مركزا من مراكز صيرورة الوعي القومي والوطني والثقافي العربي والإسلامي.

طبعا ليس في هذا الحكم من جبرية ترتقي إلى مصاف الإقرار بالقضاء والقدر، إلا أن مما لا شك فيه أن «معركة النجف» التي هزت الضمير العراقي آنذاك كانت تشير إلى طبيعة وحجم الخلل الكبير الكامن في بنية الدولة العراقية الحالية والسلطة والمجتمع والوعي السياسي للأحزاب والحركات. والمقصود بذلك ضعف القوى الاجتماعية والسياسية جميعا وانتشار وسيادة ما يمكن دعوته بنفسية المؤامرة فيها. فهي النفسية التي كانت تتركز فيها ومن خلالها أحزمة الخلل المشار إليه أعلاه.

فمن الناحية الظاهرية يمكن النظر الآن إلى «معركة النجف» على أنها خاطئة من حيث قواها ووسائلها ونيتها وغايتها. لكنه نظر لا معنى له بمعايير الرؤية التاريخية الدقيقة. وذلك لأنها جزء من مستقبل مجهول، أو ما كانت تطلق عليه تقاليد الفلسفة الإسلامية مصطلح «سر الغيب». وهو الغيب الذي بدأت ملامحه تتضح الآن بغض النظر عن مآسيها آنذاك. فالمآسي عرضة للزوال والنسيان، و"معركة النجف" باقية من حيث كونها مرجعية اجتماعية سياسية، أي تجربة ومدرسة كبرى بالنسبة للوعي السياسي، وليس لمرجعية البنية التقليدية التي لا يضفي عليها الزمن شيئا غير غبار التبجيل المتطاير من أنفاس العوام المتعبة وذهنيتهم المتهيبة من كل ما هو عتيق! بعبارة أخرى، إن "معركة النجف" ومآسيها المباشرة لم تظلم العراق من حيث محتواها الباطني! وذلك بفعل "دورها" التاريخي في تذليل النقص الجوهري الذي لازم وما يزال يلازم بناء الهوية الوطنية العراقية والإشكاليات التي تواجهها. والشيء نفسه يمكن قوله عن قضية ما يسمى بمفتاح المرقد العلوي، التي كانت في مظهرها الصيغة الرمزية لمعركة النجف، أو مفتاحها الأول والأخير! فقد كشفت هذه القضية برمزيتها السياسية عن المصير التاريخي للراديكالية الجديدة كما مثلها التيار الصدري.

إن الأمم تصنع في مجرى تاريخها رموزها الخاصة، بوصفها الصيغة الأكثر كثافة لتجاربها المتنوعة في مختلف ميادين الحياة. وعلى قدر وعمق تجاربها تتراكم وتنفعل رموزها التاريخية في سبيكة وعيها الاجتماعي. من هنا فاعلية الرمز التاريخي في الرؤية الوجدانية والسلوك العملي خصوصا في مراحل الانعطافات الحادة والدامية. فالأفراد والجماعات والأمم لا تستطيع العيش والتأمل والالتفات إلى الماضي وتأمل المستقبل دون رموز تعطي لها حق الصراخ والصمت، والحزن والفرح، والعصيان والاطمئنان، والسكينة والهيجان. إذ تعطي الرموز للمرء والجماعات والأمم حق الالتفات إلى الماضي والنظر بعيونهم الباكية فرحا أو حزنا إلى ما ينبغي القيام به من اجل السير نحو مستقبل مجهول بوجدان يقترن بيقين الماضي. فقد أطلقت الثقافة الإسلامية على هذه الحالة عبارة "عالم الغيب والشهادة"، أي الاقتران المحير والمدهش للعقل والضمير في تأمل المشهود والغائب في الكون والوجود والأنا. وهي حالة وقف أمامها العراق المعاصر متحيرا ومذهولا، عندما تحوّل مرقد الإمام علي و«مفاتيح» الدخول إليه إلى إحدى قضاياه السياسية الكبرى والدامية في الوقت نفسه.

فمن الناحية التاريخية ليست هناك من شخصية كبرى في تاريخ الإسلام استطاعت أن تستثير خفايا الوعي والضمير وتضارب المشارب والتقييمات كشخصية الإمام علي بن أبي طالب. ففي مجمل كيانه الواقعي يبدو لغزاً، وفي مجمل صورته التاريخية كياناً من الصعب احتوائه. فهو من الشخصيات، التي لا يلزم بالضرورة التعامل معها في مقولات الأحكام المجردة ومنطق السياسة المعاصرة وهمّ المصالح العابرة. فالتاريخ في شخصياته النبيلة أوسع وأعمق من أن يخضع لميزان تناقضاته المباشرة. واستطاع الإمام علي أن يجسد في ذاته أحد مبادئ الوجود الكبرى القائمة في فكرة الحق والعدل الإنساني. مما جعل منه أحد الرموز الكبرى التي لا يعقل ولا يقبل تاريخ العراق بدونها. فهو الرمز الذي يقبع عميقا في صراخ العراقيين وصمتهم وأفراحهم وأحزانهم وعصيانهم واطمئنانهم وسكينتهم وهيجانهم. وفيه يمكن تفهم سرّ «الصراع» من اجل الاستحواذ على «مفاتيح» الدخول إليه، وهو الذي كانت أبوابه مشرعة على الدوام للجميع!

فمن الناحية «المادية» ليست مفاتيح الصحن العلوي أكثر من مفتاح عادي لفتح أبوابه، وبمعناها «الاقتصادي» هي وسيلة الدخول على الهدايا المقدمة إليه أو سرقتها! ولعل المفارقة الروحية القائمة وراء اعتبارات «المادة» و«الاقتصاد» تقوم في تحول الإمام علي نفسه إلى ميدان للحراسة والسرقة المحتملة من جانب أولئك الذين يدعون الانتماء إليه وتمثيل ما كان يسعى إليه. وتعبّر هذه الحالة عن مستوى الانحطاط الفعلي في العراق بشكل عام، وفي الحركة الشيعية العراقية بشكل خاص. إذ تشير هذه الحالة في الواقع إلى مستوى تهشم القيم الأخلاقية والمعنوية للتيار الراديكالي الذي جسّده «التيار الصدري». مع انه كان يحتوي في أعمق أعماقه على تمثل «الحق العلوي» الداعي للعدالة من خلال مصادرة ما تمتعت به العائلات «العلوية» الارستقراطية على امتداد قرون من الاستحواذ شبه التام على الثروات المتكدسة من عرق ودماء الجماهير الشيعية. وهي ظاهرة يمكن رؤيتها بالعين المجردة في تناقض بيوتهم وبيوت المحلات النجفية، أو قذارة المدينة ونمطها المتهرئ على خلفية الصحن العلوي المليء بالذهب والمجوهرات، أو بين ما تمتلكه هذه العائلات «العلوية» الارستقراطية من ثروة وثراء فاحش وافتقار المدينة لأبسط مقومات الحياة المدنية المعاصرة. وليس مصادفة أن يجعل التيار الصدري من نفسه «مسئولا» عن المرقد العلوي والصحن الشريف بعد أن «صادره» بطريقة مميزة لنفسية وذهنية الحثالة الاجتماعية. إذ وجد في «المفتاح» الأسلوب السحري للاستحواذ على القوة الروحية للمرقد. لكنها لم تكن في الواقع أكثر من «مصادرة ثورية» أو سرقة عادية. ومن ثم لم تكن حماقات التيار الصدري في السرقة سوى الوجه الآخر، أو المعارض لرزانة الارستقراطية التقليدية في السرقة.

والقضية هنا ليست فقط في أنها فسحت المجال أمام الحثالة الاجتماعية «للسيطرة» على «ثروات» هائلة، بل وفي انتهاكها لتقاليد «الأمانة» التاريخية المتعلقة بنقل المفاتيح بوصفها الصيغة الرمزية للأمانة المعنوية المتنقلة في الأجيال. لاسيما وانه الأسلوب الضروري لتراكم الثقة وتقاليدها الرمزية التي تفقد الثروة المادية بدونه قيمتها الروحية والمعنوية. إذ ليس المرقد العلوي في الواقع سوى توليف نموذجي لوحدة المادي والروحي المتراكمة في مجرى معاناة العراقيين من اجل تحقيق المبادئ المتسامية التي مثّل الإمام علي في كينونته الكلية أحد نماذجها الرفيعة. الأمر الذي كان يجعل من فتح أبوابه والدخول عليه والمثول بين يديه أحد الرموز الأكثر أهمية بالنسبة للوعي العراقي في الاقتراب من المنهل المتسامي لتمثيل ما يسعون إليه. وهو فعل لا غرابة فيه بالنسبة للأفراد والجماعات والأمم جميعا.

فالجميع تبحث عن «مفتاح» لحل مشاكلها! وليس مصادفة ألا يستطيع الإنسان أن يعيش بدون «مفتاح» بوصفه الجزء العضوي لعيشه المدني. كما انه ليس غريبا أن يرتقي المفتاح إلى مستوى الماوراطبيعي، بحيث جرى ربط «مفاتيح الأمور» بيد الله، أو أن يتحول الله نفسه إلى حامل مفاتيح الغيب والمجهول. وكان يمكن ملاحظة اغلب أبعاد هذه الصيغة النفسية في الصراع الذي كان يدور في الخفاء والعلن بين مختلف تيارات الشيعة من اجل الإقرار «بمرجعية» مقبولة وشرعية لمسك مفاتيح المرقد العلوي. ويعبّر هذا الصراع "الطبيعي" عن ظاهرة هبوط المقدس إلى مصاف الحياة الواقعية. كما انه صراع يكشف مرة أخرى عن أن المصالح الواقعية هي المصدر الحاسم في تغير مضمون المقدس، خصوصا حالما يصبح ممكنا وزن أي شيء بميزان المصالح العابرة. وهي الصيغة الأقرب والأكثر التحاما بجسد الراديكاليات السياسية وأرواحها. وقد قدم "التيار الصدري" في صراعه المرير ضد "المرجعية الشيعية" من اجل أبعادها عن «الصحن الشريف» عبر الاستيلاء على مفاتيحه نموذجا «حيا» عن النفسية الراديكالية وذهنيتها السياسية. إذ لم يكن الدفاع عن «قدسية» الصحن الشريف والمرقد العلوي و"حرمة الإسلام" و"المبادئ" سوى الأسلوب الدعائي لمصادرة الموارد التقليدية التي يجتذبها "المكان المقدس". فقد غاب "المفتاح" بعد مقتل حامله الرفيعي ليظهر مع ظهور أفواج "جيش المهدي" فيه! وهي حالة فجة للغيبة والظهور، كما بلور تاريخ التشيع صيغتها المجردة في مجرى معاناته الفكرية والروحية والوجدانية والسياسية على امتداد قرون. فعوضا عن غيبة الإمام وظهوره من اجل إحقاق العدل بعد أن ملئت الدنيا ظلما وجورا، والتي سعت المرجعية التقليدية لتمثلها وتمثيلها دينيا ودنيويا، نرى غياب المفتاح وظهوره بأيدي «جيش المهدي» الممتلئ بحثالة المدن والأرياف. وتحول الدفاع عن المقدس إلى أسلوب لسرقة قدرته على اجتذاب أضحية الناس المادية!

وترمز هذه الحالة إلى واقع الانحطاط الشامل للراديكالية السياسية الشيعية، التي لم تتعظ بعد من تجارب العراق المعاصر، بحيث نراها تعيد وتستعيد بحمية مفرطة كل أخطاء الراديكاليات السياسية. ومن الممكن البحث عن سببها غير المباشر في طبيعة الخراب الشامل الذي أحدثته التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية من جهة، وفي تاريخ المرجعية «الرسمية» التقليدية من جهة أخرى. إلا أن ذلك لا يغير من واقع استخفاف "التيار الصدري" من قيمة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي والمجتمع المدني. وهو استخفاف ناتج من خفة "التيار الصدري" وطبيعة مكوناته الاجتماعية ومستوى التأهيل المعرفي والمهني الذي لا يصعب قياسه بأي ميزان مهما كان ضعيفا ومتخلفا من مقاييس المعاصرة والحداثة. وهو السبب القائم وراء جهله التام بقيمة العمل السياسي والديمقراطي والحقوقي. بحيث تحول منطق السلاح إلى سلاح المنطق الوحيد في التعامل مع النفس والآخرين. وهو سلاح خشبي سرعان ما تكسر في أول مواجهة جدية. وبغض النظر عن الآلية التي جرى بمساعدتها جر "التيار الصدري" إلى معركة خاسرة منذ البدء، فإن طبيعة التيار نفسها كانت تجبره في الواقع على خوض غمارها باعتباره امتحانه الأول. وهو امتحان كانت النخب السياسية العراقية المغامرة، التي ملئت آنذاك (مجلس الحكم الانتقالي) تهدف من خلالها إلى رميه في الهاوية. وحالما وقع فيها أدرك بصورة أولية الحقيقة القائلة، بأن مفتاح الأمور الكبرى لا ينبغي سرقته من اجل الاستحواذ على "المقدس"، بل ينبغي صنع نموذجه العقلاني من اجل الدخول إلى عالم العراق المعاصر ومواجهة إشكالاته الواقعية.

وهو درس لم يتعلمه "التيار الصدري" آنذاك بصورة جيدة. لقد اعتقد بأن الخروج الذي يمكنه أن يحفظ ماء الوجه يقوم في إرجاع المفتاح إلى "المرجعية الموقرة". بينما كان ذلك مجرد خروجا فرديا يرمز إلى حقيقة تقول، بأن المرجعية الشيعية «الرسمية» قادرة على أن تكون صمام الأمان المقبول في مواجهة الإشكاليات التي تثيرها زوبعة الراديكالية السياسية. بمعنى تحولها إلى الكيان الذي يتحمل أخطاء الرعونة الراديكالية من خلال رمزية حمايتها للمرقد العلوي، الذي مازالت آمال العراقيين ترقد فيه بسكينة تنتظر «مهديا» جديدا بلا «جيش» من حثالة المدن والأرياف! أما الدرس السياسي الأكبر الذي كان ينبغي أن يتعلمه "التيار الصدري" والحركات الراديكالية الموجودة والقابلة للنشوء في ظروف العراق الحالية فيقوم في ضرورة إرجاع مفاتيح الأمور المادية والمعنوية إلى مرجعية الرؤية العقلانية والواقعية الهادفة إلى بناء الهوية الوطنية العراقية على أسس جديدة تتجاوز تقاليد وميراث الراديكالية السياسية. ولا يعني ذلك في ظروف العراق الحالية والمستقبلية سوى ضرورة إرجاع مفاتيح الأمور والمستقبل إلى المؤسسة الشرعية، أي إلى الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني. (يتبع....)

***

ميثم الجنابي

 

مجدي ابراهيمنتابع آراء ابن رشد متابعة نقدية، ولمَ لا؟ وهو الذي سَنَّ النقد وأسس للمنهجية النقدية وَوَضَعَ لها المعالم البارزة والسّمات الواضحة، نتابعه حول مقالة العقل في الإسلام، لنراه يرفض الأقاويل الخطابية والأقاويل الجدلية ويأخذ بالبرهان فقط ثم يمضي به إلى أعلى منازل الوصول نحو طلب الحقيقة الإلهية. ولا شك في أنه يعتقد في دين يُنسب إلى العقل أكثر مما هو منسوب إلى الوحي. يقول في شرح ما بعد الطبيعة: "فإنّ الشريعة الخاصّة بالحكماء هى الفحص عن جميع الموجودات، إذ كان الخالق لا يُعبد بعبادة أشرف من معرفة مصنوعاته التي تؤدي إلى معرفة ذاته سبحانه على الحقيقة، الذي هو أشرف الأعمال عنده وأحظاها لديه، جعلنا الله وإياكم ممن استعمله بهذه العبادة التي هى أشرف العبادات واستخدمه بهذه الطاعة التي هى أجلّ الطاعات.

فلئن كانت طاعة الله بالفكر والتأمل طاعة شريفة بغير خلاف، فلا مناص من أن يكون الدين الذي يقوم عليها هو دين العقل. ولو كان للعقل في ذاته دينٌ لاستغنى الناس عن الوحي.

لا جَرَمَ هذا دين لا يتعدى شرف المعرفة بمصنوعات الله، وهو دين يجعل العقل مقدّماً على الشّرع، إذْ الشريعة بما هى شريعة جاءت للناس كافة، وليس في طاقة الناس كافة أن يحتملوا ما لا يطاق من دين العقل. والعقل نفسه يستلزم فارقاً لا بد منه - فيما يشير العقاد - بين تمثيل الحقيقة للبحث والتفكير، وتمثل هذه الحقيقة بعينها للتدين والاعتقاد. فالحقيقة الاعتقادية لا بد أن تمتزج بتصوّر المؤمنين بها؛ لأن الخطاب فيها مُوجّه إلى ملايين من البشر منهم العارف والجاهل، ومنهم الذكي والغبي، ومنهم كبير النفس وصغيرها، وعظيم الحسّ ووضعيه، ومنهم من يطلب الكمال ومن لا يعرف كمالاً يطمح إليه. (الفلسفة القرآنية، بيروت، د/ ت ص 181).

أمّا هذا الدّين الذي يدعو إليه ابن رشد من بحث عقلي بحت، ومن إيمان بسلطان العلم؛ فمن الطبيعي ألا تكون ثمرته متصلة بالدين من حيث هو دين، ولا بالتجربة الدينية التي يتعطل فيها العقل في نهاية المطاف؛ ليتقدَّم الذوق والوجدان، وليرتفع لواء البصيرة على خطاب العقل والبديهة. وهذا هو السبب الذي جعله لم يستطع أن يفصل مقالاً حقيقياً بين الحكمة والشريعة من الاتصال، بل فصل اتصالاً فيما بينهما.

وهذا هو السبب أيضاً في هجومه على التجربة الدينية والروحية. واعتراضه عليها هو اعتراض على المعرفة الخالصة، في حين يؤثر ابن رشد العلم. مطالب الصوفية مطالب روحانية. ومطلب ابن رشد مطلب عقلي في أول وآخر مقام. ولعلّ هذا هو السبب الذي جعل من ابن رشد أيضاً يوغل بالمعقولات إيغالاً ربما يخرجها عن المقصود الذي تتصل أسبابه مباشرة بأرسطو تقليداً ومتابعة، وتكاد لا تجعل التوفيق بينه وبين العقائد الإسلامية أو الجوانب الإشراقية متوافراً ملحوظاً أو شبه ملحوظ.

وفي مقدمة الدكتور أحمد الأهواني ينقل أيضاً نصّاً عن ابن رشد جاء فيه:" وبالجملة فيظهر ظهوراً أولياً أن بين هذه الكليات وخيالات أشخاصها الجزئية وإضافة ما بها صارت الكليات موجودة . وإذ كان الكلي إنما الوجود له من حيث هو كلي بما هو جزئي .." (تلخيص كتاب النفس: ص80، ومقدّمة الأهواني: ص57).

وهذا النّص قاطع الدلالة في أن ابن رشد يؤثر الطريق الذي يُوصّل إلى المعقولات معتمداً على المحسوسات الخارجية، لا ذلك الطريق الذي يذهب إلى أن للكليات وجوداً خارجياً حقيقياً، وعنه تفيض إلى النفس، وهو ما ذهب إلى مثله ابن سينا وغيره ممن يقول بالفيض والإشراق.

ويعبّر ابن رشد عن هذا تأكيداً من جانبه على تأسيس العلم القائم على التجربة الحسية ثم صعوداً من المحسوس إلى المعقول بقوله:" ومن البين أن هذه الكليات ليس لها وجود خارج النفس مما قلناه. وأن الموجود منها خارج النفس إنما هو أشخاصها فقط ". وأن الكليات تستند في وجودها الذهني إلى خيالات أشخاصها، لذلك تكثرت المعقولات بتكثرها، واختلفت باختلاف العقليين لها ... إلى أن قال:" وبالجملة فمن هذه الجهة يلحق المعقولات الأمور التي نرى بها أنها هيولانية، لا المخالطة التي يزعم ثامسطيوس وغيره ممن يقول بوجودها فعلاً دائماً (تلخيص كتاب النفس: ص81).

وددتُ التأكيد على هذه النقطة، أعنى متابعة ابن رشد لأرسطو متابعة تامة، ثم فشل محاولات التوفيق بين فلسفته من جهة والعقائد الإسلامية من جهة أخرى؛ بسبب إيغاله في العقل كمصدر فلسفي خالص يستقي روافده من الفلسفة الأرسطية؛ ثم إقحامه على المباحث الإلهية المنعزلة عن أذواق النّص المقدّس. هذه واحدة.

أما النقطة الثانية: فهى الفرق الفارق بين المنازع العقلية الخالصة لديه، وبين التّوجُّهات الصوفية التي يقطع برفضها على الجملة فضلاً عن التفصيل. فلئن كان قد رفض الأخذ بالفيض والإشراق، وهذا حقه بطبيعة الحال، ورفض أن يكون للكليات وجودٌ خارجي حقيقي، وآثر أن يعتمد على المحسوسات الخارجية ومنها يصعد في طريقه إلى المعقولات: طريقُ أرسطو الذي يؤثره على الدوام؛ فهو من جانب آخر أنكر بموجب اتجاهه العقلاني الموغل في التطرف كل ما ينقض لديه طريق البرهان أو يتصوّر أنه ينقضه بوجه من الوجوه.

وليس لقائل أن يقول: إنك لتحمل على ابن رشد حملة جائرة؛ لأنه أختار طريقه العقلاني ورفض بمقتضاه طريق الصوفية؛ وهذه حملة في غاية الجور. ولكن الحقيقة أننا لا نحمل على ابن رشد من أجل هذا الغرض غير العلمي بالمرة.. كيف وهو الفيلسوف المسلم المستنير؟ بل نفرّق تفرقة ظاهرة بين العقل المطلق الذي لا يعرف له حدوداً يتوقف عندها وهو الذي تبنّاه ابن رشد وعمل لأجله وفق ما أنتهى إليه، وبين العقل المُرَوَّض على الإحالة في المطالب الغيبة العويصة، وهو عقل لا يقبله ابن رشد ولا يسيغ فيه مظنّة القبول.

وبالمقارنة بينه وبين نظرائه لم يكن ابن رشد يدين للولاء إلا لمثل هذه النزعة العقلية الخالصة ممثلة في الرفض الدجماطيقي القاطع. فلئن كان أنكر الخوارق والعجائب والكرامات، ورفض كل ما يأتي به الصوفية في هذه الأمور، وانتصر للعقل في الإيمان بضرورة العلاقة بين الأسباب والمسببات، وذهب إلى أن من يلغي الأسباب ولا يؤكد على وجودها، يلغي في الوقت نفسه صناعة العقل الذي يدلنا على أسباب الموجودات؛ إذ أن العقل ليس شيئا أكثر من إدراك الموجودات بأسبابها ومن رفع الأسباب فقد رفع بضاعة العقل.

أقول؛ إذا كان ابن رشد أنكر الخوارق والعجائب على الصوفية، واعتقد العلاقة الضرورية بين الأسباب والمسببات، فإننا نجد في هذا الباب فيلسوفاً مشرقياً كابن سينا في "الإشارات والتنبيهات" فعل ما لا يفعله ابن رشد رغم نزعته العقلية، مما يوحي بالدلالة على محدودية العقل عنده، وأنّ ثمة طور يدق فوق إدراك العقول السليمة هو بلا شك طور البصيرة، حتى إذا ما بَلَغَنَا عن أحد العارفين أخباراً تكاد تأتي بقلب العادة فليس لنا أن نبادره بالتكذيب؛ فابن سينا لا ينكر كرامات الأولياء لمجرد أنه فيلسوف عقلاني بل أفرد في "الإشارات والتنبيهات" فصولاً ناصعة رائعة تحدّث فيها عن أحوال العارفين وحركاتهم ودرجاتهم وصفاتهم مما يرفضه ابن رشد ولا يقر بوجوده أصلاً، الأمر الذي يكشف عن مساحة المعقول لدى كل منهما، وما يحرك هذه المساحة من مصادر خارجية تستند إليها، وتشي بنسبة كل فيلسوف إليها بفروق في الدرجات.

وإنا لنلتفت فنجد مفكراً آخر كابن خلدون يحدثنا عن "بهاليل الصوفية" الذين يأتون بالخوارق والعجائب، وعنده أن هذا  فضلاً الله يؤتيه من يشاء، فهؤلاء البهاليل - كما يقول ابن خلدون- قومٌ أشبه بالمجانين من العقلاء، وهم مع ذلك قد صحت لهم مقامات الولاية وأحوال الصديقين، وعلم ذلك من أحوالهم من يفهم عنهم من أهل الذوق، مع أنهم غير كلفين. ويقع لهم من الأخبار عن المغيبات عجائب؛ لأنهم لا يتقيدون بشيء فيطلقون كلامهم في ذلك ويأتون منه بالعجائب. وربما ينكر "الفقهاء"؛ هكذا يتكلم ابن خلدون، أنهم على شيء من المقامات لما يرون من سقوط التكليف عنهم، والولاية لا تحصل إلا بالعبادة. وهو غلط عنده؛ فإنّ فضل الله يؤتيه من يشاء، ولا يتوقف حصول الولاية على العبادة ولا على غيرها (را: مقدمة ابن خلدون، القاهرة 1979م، ط3، جـ1 ص 425).

ولما كان ابن رشد قد اجتمعت لديه الصفتين معاً: صفة الفقيه، وصفة الفيلسوف العقلاني، فلا تنتظر منه أن يقبل عجائب الصوفية، بهاليل كانوا أو غير بهاليل، أو يسيغ النظر في خوارق أفعالهم، بل نرجح أن هجومه على التصوف ورجاله، كانت بذرته الأولى من جرثومة الفقه نابتة. ثم لما أستن له طريقاً عقلياً بعد اطلاعه على فلسفة أرسطو، وبعد تبينه وتبدّيه لها، قويت شوكة هذه الجرثومة فرفض التصوف بإطلاق!

وقد سبقت الإشارة إلى أننا لاحظنا أن ابن رشد أراد بالقياس العقلي أن يجيء على غرار القياس الفقهي، وقلنا أن قياس الأول على الثاني من ناحية المسكوت عنه من الأحكام فيه فرقٌ، وفرقٌ كبير ( را: فصل المقال:ص 25 وما بعدها)، إذْ يبدو لنا أن القياس الفقهي قد استخدم في الصدر الأول وما بعده لحاجة عملية، ومعظم الأجوبة التي أجاب بها الرسول صلوات الله عليه، وصحابته والتابعين، فيها ضرب من القياس الفقهي بوجه من الوجوه.  أما القياس العقلي، فهو أمر لا تعرفه الثقافة الإسلامية في الصدر الأول خاصّة. إذْ العلم به علم بالتأويل، والعلم بالتأويل مُتفرّع عن البرهان بالحالة التي يريدها ابن رشد.

وابن رشد نفسه لا ينكر هذا حين يقول:" فإنّ الصدر الأول، إنما صار إلى الفضيلة الكاملة والتقوى، باستعمال هذه الأقاويل دون تأويلات فيها، ومن كان منهم وقف على تأويل لم يُر أن يصرح به. أمّا من أتى بعدهم، فأنهم لما استعملوا التأويل قلّ تقواهم، وكثر اختلافهم، وارتفعت محبتهم، وتفرقوا فِرَقاً (فصل المقال: ص 65).  والملاحظ أنه يقول بالتأويل (فصل المقال: ص32 - 34) ثم يمنع التأويل بعد جوازه، وينكره على الفرق الإسلامية (فصل المقال: ص 62،35 وما بعدها) ثم يطالب به أهل البرهان (فصل المقال: ص 37،38،66) كما يلاحظ أن التأويل عنده يجئ كما لو كان توفيقاً كما فعل مع فكرة قدم العالم بين الفلاسفة والمتكلمين (ص43- 41 من فصل المقال)، وذلك حين وفق بين ما بدا له من تعارض في وجهات النظر. وقد حذر ابن رشد من كل تحريف يقع للطرق المشتركة المذكورة في القرآن، فمن حرفها بتأويل لا يكون ظاهراً بنفسه، فقد أبطل حكمتها، وأبطل بعد ذلك فعلها المقصود في إفادة السعادة الإنسانية (فصل المقال: ص65).

ونحن نسأل .. كيف يقرُّ هنا التأويل وكيف ينفيه بعد أن كان قد قرره، ثم ينفيه إلا إذا كان ظاهراً بنفسه، ظهوراً مشتركاً للجميع؟ أيكون قد وضع في اعتباره منهج النقد للأشاعرة وللفرق الإسلامية الأخرى؟ ولماذا أتكئ في البداية على وجوب التأويل ثم أشترط ها هنا في تقريره - بعد أن نفاه عن الفرق - على التقاط الاستدلالات الموجودة في أشياء، كان الشرع كلفنا اعتقادها، وجميعها معتمد في الكتاب العزيز؟

فإذا ما أخذ من أراد لنفسه أن يرفع عن الشريعة لواحق البدع في نظره إلى مجمل الآيات بما أمكنه من غير أن يتأوَّل من ذلك شيئاً؛ إذا اجتهد من أراد لنفسه ذلك من غير أن يتأوَّل منه شيئاً ألا يكون التأويل ظاهراً بنفسه ظهوراً مشتركا للجميع، فلا بد أن يكون من أهل البرهان. هكذا يقول ابن رشد في فصل المقال

(ص56) . فإذا عرفنا هذا عنه، قلنا إنه لا يلزم ذلك؛ فالتأويل في ذاته ممتنع إلا على الراسخين في العلم، وهم أهل البرهان دون غيرهم في نظر ابن رشد. ولما كانت التأويلات التي خصّ الله العلماء بها لا يمكن أن يتقرر فيها إجماع مستفيض بنصّ ابن رشد (فصل المقال: ص 36- 38)، صارت الحقيقة الإيمانية لا يمكن الوصول إليها بالبرهان؛ لأن عين هذه الحقيقة غير عين تلك، أعني عين الحقيقة البرهانية غير عين الحقيقة الإيمانية.

ولننظر في قول لابن رشد كهذا القول الذي يعتمد فيه على الآية القرآنية الكريمة:"أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هى أحسن" (الآية 125 من سورة النحل)، وإنه ليعني بالحكمة (البرهان). وبالموعظة الحسنة (الأقاويل الخطابية). وبالمجادلة بالتي هى أحسن (الأقاويل الجدلية). وهذه هى طرق الدعوة إلى الله كما يتصورها ابن رشد (ص31،30 فصل المقال) .

ونحن نسأل مرة تلو الأخرى: لماذا لا تكون الحكمة هنا حكمة أعلى من حكمة البرهان العقلي أو حكمة النظر الفلسفي؟ وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قد خَصَّ بالبعث إلى الأحمر والأسود، فلا لأن شريعته تتضمن طرق الدعاء إلى الله، وأعلاها وأرفعها عند ابن رشد البرهان وكفى، ولكن لأن الحكمة هنا هى حكمة "وحي" جاء ليدب في أنفاس الخلائق كلمات الحق، فإذا هم أعزة حكماء بقدر ما عرفوا من الكتاب والحكمة، وبقدر ما تزكت فيهم العقول والأرواح، وترقت الأفئدة والضمائر على ما قال تعالى:" ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم"(البقرة: الآية 129).

وعليه؛ فتعلُّم الكتاب والحكمة مقرونٌ بالتزكية غير مفصول عنها حتى إذا نشأت العلوم عن الكتاب والحكمة، فلا بدّ من علوم تنشأ كذلك عن التزكية، فلا الحكمة وحدها بكافية دالة على المقصود ما لم تكن التزكية متممة لها في طريق الصعود إلى الهدف الأسمى من التعليم.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

ميثم الجنابيالراديكالية الشيعية المعاصرة (1-2)

لقد أشرت في المقال السابق عن الظاهرة الراديكالية في العراق إلى أن سبب اختيار التيار الصدري بالنسبة لتحليل ودراسة الظاهرة الراديكالية يقوم في كونه التيار الأكثر نموذجية من بين التيارات الراديكالية السياسية العراقية الحالية. وإلا فإن أغلب الحركات السياسية الأخرى تحتوي على أقدار مختلفة من النزعة الراديكالية. بل من الممكن القول، بأن الغالبية المطلقة للأحزاب والحركات السياسية المؤثرة في الحياة العراقية الحالية تنتمي إلى التيار الراديكالي بمختلف أصنافه. وذلك لما فيها جميعا من عناصر الغلو والتطرف ونزعة الإرادة الفجة وسيادة الوجدان وضعف العقلانية والواقعية وغيرها من الصفات المميزة للراديكالية. كما يمكن أن تكون هذه العناصر مكونات مبطنة للهدوء الظاهري والانتماء المفتعل أو المبجل لتقاليد السلف وأصولهم الميتة، كما نراه في التيارات السلفية بمختلف أصنافها. وإذا كان النموذج الديني (الإسلامي) هو الأكثر بروزا الآن، فلأنه النتاج الطبيعي لانحطاط الفكرة الدنيوية القومية. الأمر الذي يجعل من الراديكالية الدينية الصيغة الأكثر تخلفا لزمن الانحطاط السياسي.

فقد استطاع الكبت العنيف والتخريب الشامل من جانب الدكتاتورية الصدامية «عقلنة» الأحزاب والحركات السياسية الدينية والدنيوية. بمعنى «اجبرها» على البحث عن قيم التوازن والاعتدال والشرعية والديمقراطية. وهو تحول يمكن رؤيته في انتقال اغلب الأحزاب السياسية الإسلامية الكبرى مثل الدعوة والمجلس الأعلى وكثير غيرها إلى صوب «الارتقاء» النسبي في مضمار الرؤية الواقعية والنفعية. كما نراه أيضا في تحول الشيوعيين من أيديولوجية الرؤية الكونية والتحزب الطبقي إلى مضمار الموافقة الشاملة والانصياع التام للأعداء الطبقيين بما في ذلك في أتفه الأمور، وفي أكثرها إشكالية. بينما تحولت الحركات والأحزاب القومية الكردية إلى طائع مطيع لإملاء «القوى الإمبريالية» السابقة ونابذة لكل فكرة تمس «حق تقرير المصير» ومصيرها ليس بيدها! والشيء نفسه يمكن قوله عن اندفاع القوى الليبرالية والوطنية والقومية العراقية إلى صف المشارك والمؤيد والمدافع للغزو الأجنبي دون أية ضوابط أو قواعد أو اتفاقات تحفظ الحد الأدنى من إمكانية توسيع الأبعاد اللبرالية والوطنية والقومية في الصراع الاجتماعي والسياسي اللاحق في العراق.

وتجعل هذه المفارقة من الرؤية المنطقية مضحكة «العقل الرزين». شأنها شأن الحكم الذي يجمع بين اليقين واللامعقول كما هو الحال على سبيل المثال في رؤيتنا لخيانة النخب السياسية «الوطنية» للمصالح الوطنية العليا. الأمر الذي يجعل من النخب السياسية في ظروف العراق الحالية كيانات محيرة للعقل والمنطق. فالرؤية المنطقية واضحة المعالم بهذا الصدد، لأنها تنطلق من مقدمات واقعية من اجل الوصول إلى استنتاج مجرد مهمته إدراك أسباب ظهور الوقائع ونتائجها الملازمة. إلا أن مفارقة الظاهرة في ظروف العراق الحالية تقوم في أن الحيرة التي نواجهها بهذا الصدد هي حيرة الانحطاط لا حيرة المعرفة. بحيث جعل ويجعل من العقل الرزين مضحكة، بمعنى جعله كل محاولة ترمي إلى تأسيس البدائل العقلانية محلا لاستهزاء النخب العابرة ومصالحها الأنانية الضيقة. وهي ظاهرة مميزة للراديكالية التي عادة ما تتخذ مشاعرها الوجدانية الأولية صيغة الاندفاع الهائج صوب الغنائم الصغيرة مع أول انتصار سياسي.

 فالمواقف السياسية التي حكمت السلوك النظري والعملي العام والخاص للأحزاب والحركات السياسية في العراق في كل مجرى النصف الثاني من القرن العشرين، كانت مرهونة بنفسية العداء بين الاتجاه الوطني والقومي والإسلامي من جهة وبين معسكر القوى الامبريالية من جهة أخرى. فقد كان هذا المعسكر يحتوي بالدرجة الأولى على كل من الولايات المتحدة وبريطانيا (والدول الشيوعية بالنسبة للإسلاميين). إذ كان هذا الاتفاق الضمني يحكم نفسية وأيديولوجية القوى السياسية في العراق جميعا، رغم خلافاتها الداخلية العميقة والعريقة أيضا. غير أن الإجماع على العداء للامبريالية قد تحول في نهاية القرن العشرين وبداية الحادي والعشرين إلى إجماع عليها بوصفها «منقذة» العراق وحاملة لواء البديل الديمقراطي. بل وتحولت الولايات المتحدة وبريطانيا بالذات إلى الحلفاء الاستراتيجيين في هذه الرؤية. وهو تحول يفترض فهم مقدماته ونتائجه ضمن سياق تحليل الظاهرة الراديكالية العراقية الجديدة، والإجابة على الأقل على أربعة أسئلة تتعلق فيما إذا كان هذا التحول هو نتاج رؤية واقعية؟ وما هي الحدود العقلانية لهذه الرؤية؟ وما هي أسسها الفلسفية والسياسية؟ وهل يعني ذلك أنها تحولت من تقاليد العداء والراديكالية إلى تقاليد الشرعية والرؤية الاجتماعية؟ وهي أسئلة تتناول صلب الموضوع لأنها تحاول طرح الأسئلة المتعلقة بخصوصية الظاهرة الراديكالية العراقية الجديدة من خلال الإجابة على «مبررات» هذا الانتقال وأسبابه الفعلية، وأثر كل ذلك على تحديد مسار النزوع الجديد لهذه الراديكالية.

إن دراسة مقدمات وشروط «الانتقال التاريخي» في مواقف الأحزاب الدينية والدنيوية، الوطنية والقومية، الاشتراكية والشيوعية، الملكية والديمقراطية، المدنية والتقليدية من العداء المتأصل للامبريالية إلى حليف لها يحتوي على قدر من التغير في الأحكام السياسية النظرية والعملية التي تعطي لنا إمكانية القول، بأن تغيرا قد جرى فيها. ويحتوي هذا التغير على قدر من الرؤية الواقعية. بمعنى إدراكها جميعا، بأن إعادة إنتاج وتأصيل العداء للمراكز الإمبريالية هو جزء من تراث أيديولوجي لا يمكنه أن يؤدي إلى نتيجة مفيدة وبالأخص، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي. وهي خطوة إلى الأمام فيما يتعلق بمرونة المواقف السياسية مما جرى من أحداث عالمية مؤثرة على آفاق العملية السياسية في كل مكان بما في ذلك في العراق، الذي كان يشكل (وما يزال) بؤرة ساخنة من بؤر الصراع العالمي الجديد. لكنها واقعية مبتورة، لأنها تفتقد لأي تأصيل عقلاني. بمعنى أنها واقعية بلا إستراتيجية واضحة المعالم في ما يتعلق برؤية المصالح الجوهرية للعراق ومعاصرة المستقبل فيه. من هنا خلوها لأسس فكرية وسياسية خاصة بها. بمعنى إننا لا نعثر في البرامج السياسية والمشاريع النظرية لهذه الحركات والأحزاب والنخب على ما يمكنه أن يكون تأسيسا نظريا يعطي لهذا التحول والانقلاب بعدا عقلانيا يؤكد واقعيته الضرورية. بل على العكس، إن كتابات وبرامج هذه الحركات ما زالت متحجرة بمفاهيمها القديمة، الإسلامي بإسلاميته السلفية أو مذهبيته الضيقة، والقومي بقوميته الجامدة أو صيغتها العرقية، والاشتراكي باشتراكيته المجهولة، والشيوعي بشيوعيته المعلومة. وهكذا الحال بالنسبة للبقية الباقية.

إننا نقف أمام حالة محيرة للعقل النقدي في محاولته فهم سرّ الانتقال المسرور من «جنان» الإسلام والقومية والوطنية والاشتراكية والشيوعية إلى «جحيم» القوى الاستعمارية القديمة والجديدة ونزوعها الامبريالي. وهي حالة انتقال فعلية ترتسم ملامحها السعيدة على محيا القوى والأحزاب والنخب السياسية، بينما مازال فؤادها الأيديولوجي مليئا بمفاهيم العداء والاستعداء للحلفاء الجدد، أعداء الأمس! كما يلازم هذه الحالة بالضرورة انفصاما بالشخصية السياسية. وفي هذا يكمن تناقض، ولحد ما زيف الشعارات المعلنة عن الدولة الشرعية والديمقراطية والعدالة والمساواة والقيم الأخلاقية. ومن ثم استحالة تراكم الرؤية الواقعية العقلانية باعتبارها فلسفة متماسكة في ميدان بناء الدولة والمجتمع والاقتصاد والعلم والثقافة.

فالفلسفة الواقعية العقلانية للنظام الديمقراطي الفعلي هي أولا وقبل كل شيء منظومة متكاملة ومتوحدة في الظاهر والباطن، ومنسجمة في مواقفها النظرية والعملية. في حين أن ما نعثر عليه هو مجرد تأقلم ونزوع نفعي جزئي، يفصل القوى السياسية عن تاريخها وتاريخ الدولة والمجتمع والثقافة. وذلك لأن انتقال هذه القوى والنخب السياسية من العداء للامبريالية إلى «حليف إستراتيجي» لم يكن تحولا مبنيا على إدراك فلسفي تاريخي متراكم واقعي وعقلاني لضرورة البدائل التي يحتاجها العراق في العالم المعاصر، بقدر ما كان انقلابا وتبدلا. والأتعس مما فيه أيضا هو أن هذا الانتقال لم يكن أكثر من هرولة وركض وراء أعداء الأمس من اجل استرضاءهم لكي يكونوا حليفا إستراتيجيا، بدون إستراتيجية جديدة. والشيء الوحيد الواضح المعالم في هذه العلاقة هو الاستعداد للرضوخ والخضوع غير المشروط!! وقد أثر هذا التناقض ويؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في إعادة إنتاج واستثارة الراديكالية العراقية الجديدة التي يشكل "التيار الصدري" احد نماذجها الكلاسيكية.

إن مبررات هذا الانتقال وأسبابه الفعلية لا تتمتع بقدر من المصداقية قادرا على تأسيس البدائل العقلانية وروح الاعتدال. من هنا استثارته القوية والمدهشة للراديكالية العراقية الجديدة عوضا عن تحييدها بطريقة تجعلها جزء ضروريا من خميرة الوعي السياسي الفعال. ومن ثم وأد نماذجها الأكثر تطرفا وغلوا. وهي نتيجة تشير إلى عدم الاتعاظ الكلي والدقيق من تجربة الصدامية. ومن عدم تذليل بقاياها المنتشرة في كل مسام الوجود العراقي. وفي هذا يكمن دون شك إعادة إنتاج صداميات جديدة متناثرة مجزأة قد لا تقل تخريبا عما سبقها، لكنها تؤشر في الوقت نفسه على اندثار وحدتها الصلدة. ومن ثم تلاشي قدرتها الفعلية على مواجهة موجة التحدي العميقة في تذليل زمن الراديكالية.

ومن حصيلة هذه العملية المتناقضة المشار إليها أعلاه ظهر التيار الصدري بهذه الصورة المفاجئة. بمعنى أن ظهوره «الاجتماعي» و«الوطني» و«المعادي للاحتلال» و«المدافع عن المقدسات» وما شابه ذلك، هو الوجه الآخر لتقاليد الماضي في منافستها للقوى الدينية والدنيوية التي جاءت مع قوى الاحتلال وبمؤازرته في تسلم زمام السلطة، والمشاركة الوهمية والواقعية فيها. بمعنى أن الظهور المفاجئ والعنيف للتيار الصدري يحمل في أعماقه بقايا وثقل التوتاليتارية والدكتاتورية.

فقد كان «التيار الصدري» الراديكالي الجديد صنيعة الماضي التوتاليتاري والدكتاتوري، سواء من حيث «تاريخه» السياسي في شخصية الصدر (الأب) وهيبتها الروحية التي لم تكن معزولة عن محاولات السلطة الصدامية صنع بدائل «عربية» للمرجعية الشيعية التقليدية، أي المجردة عن «القومية». ومن ثم كانت مهمتها السياسية هي إضعاف المرجعية المذهبية «الخالصة»، أي المناوئة أو التي تحمل في أعمق أعماقها نفسية المعارضة وروح الاغتراب الشامل عن السلطة. وهي خطة عادية بمعايير الدكتاتورية الصدامية لكنها غير عادية بإمكانياتها الداخلية على خلفية التهميش الاجتماعي الهائل الذي تعرض له العراق بشكل عام ومناطق الشيعة بشكل خاص.

فقد كان العراق قبيل وبعد سقوط الصدامية كتلة هائلة مهمشة، أي كيان من الحثالة الاجتماعية الرثة في حياتها ومظهرها ونفسيتها وذهنيتها وعلاقاتها الخاصة والعامة وفكرتها عن الحرية، باختصار في كل شيء! وفي ظل حالة من هذا القبيل كان المزاج الاجتماعي مستعدا لقبول أي شكل جديد للراديكالية المناهضة. لاسيما وأن المزاج الاجتماعي كان محكوما بتراث يتلذذ للنزعة التوتاليتارية. لهذا حالما انهارت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، فإن الرصيد المكبوت للثأر الراديكالي بين هذه الأحزاب والحركات، الذي لم يبدده ارتباطها بقوى الاحتلال، سرعان ما اخذ يتراكم في حركة شعبية عريضة ومباشرة تلقفها واستحوذ عليها «التيار الصدري». وهو استحواذ لم يخطر على قلب عراقي وباله في حال عدم «إرتقاء» الحركات الدينية والدنيوية صوب التعامل المباشر مع «أعداء الأمس» التقليدين.

ذلك يعني، إن الظهور المفاجئ للتيار الصدري وقدرته الملفتة للنظر على استقطاب «الشارع العراقي» بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية، لم يكن في الواقع سوى الوجه الآخر لتراكم الشحنة الراديكالية المقلوبة في المزاج الاجتماعي. وتراكمت هذه الشحنة بصورة لا مثيل لها في تاريخ العراق المعاصر، وبالأخص في مجرى الحروب الهمجية التي انتهت صورتها المباشرة بسقوط الدكتاتورية عام 2003.

بعبارة أخرى، إن الصعود المفاجئ والسريع والعنيف للراديكالية الصدرية هو الوجه الآخر للسقوط المفاجئ والسريع والعنيف للدكتاتورية الصدامية، بوصفها الصيغة الكلاسيكية للراديكالية العراقية. وهو أمر يعطي لنا إمكانية القول بأنهما كلاهما ينتميان من حيث المقدمات إلى ظاهرة واحدة. وهي ظاهرة نعثر عليها عند جميع الحركات الراديكالية السياسية في العراق المعاصر. وإذا كان التيار البعثي الصدامي قد جسدها بصورة «نموذجية» على مستوى الدولة في غضون عقود، فإن التيار الصدري قد جسدها في غضون أشهر في المناطق التي استطاع «الاستيلاء» عليها أو مصادرتها. وقد كانت الأساليب والنتائج هي هي ذاتها! إذ نرى نفس العبارة تجاه «العدو الخارجي» و«المحتل»، كما نرى نفس العبارة المتشدقة بكلمات «الوطنية» الممزوجة بالدفاع عن «المقدسات» و«الإسلام». والشيء نفسه يمكن قوله عن السلطة والدولة. إذ لا تعني السلطة سوى سلطة الفرد الجاهل أو نصف المتعلم. أما الدولة فهي «الأنا» المتلبسة مرة بصدام وأخرى بالصدر! أما المجتمع فهو كتلة لا تتمتع بغير حق الانصياع وتنفيذ كل ما تريده القيادة والإمامة بأساليب القوة والعنف. إذ لا مجال ولا معنى للثقافة والعقل!

مما سبق يتضح، بأننا نقف من جديد أمام الصعود الخطر للنزعة الراديكالية في العراق، التي شكلت مصدر مأساته المعاصرة. فالتجربة التاريخية للعراق المعاصر تبرهن بصورة قاطعة على أن خطورة الراديكالية تقوم في رفعها قطع العلاقة بالتاريخ والتقاليد إلى مصاف العقيدة المقدسة. بينما يفترض المقدس هوية الثبات. لكننا نلاحظ ممارسة الراديكالية لهذا الفرض بحمية بالغة عبر مطابقته مع التجريب الخشن المبني على احتقار الشكوك والاعتراض. كما أنها تطابق بين فكرة الثابت المقدس ويقينها الخاص عن أن الفعل التجريبي هو المطلق الوحيد. مما يجعل منها في الأغلب قوة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف سوى الخراب والتوغل الدائم فيه. وكشفت هذه النتيجة ممارسات «التيار الصدري» في بداية أمره، كما سيكشف عنه الزمن اللاحق ضمن التيارات السياسية عموما والإسلامية خصوصا.

«فالتيار الصدري» هو الحركة التي تمثلت في ظروف العراق الحالية مضمون الراديكالية بأكثر أشكالها تخريبا وتدميرا. وسبب ذلك يقوم في كونها لم تستفد من تجارب الاضطهاد التاريخي الهائل الذي تعرض له الشيعة، بوصفهم "المكون" الأساسي والرئيسي والأكبر للعراق. كما أن ممارستها التي ترافقت مع ظهورها السريع على خلفية زوال البعثية الصدامية تشابهت بصورة شبه تامة مع ممارسات التوتاليتارية والدكتاتورية. ومن ثم وضعت نفسها بالضد من المجرى العام للتيار الشيعي والوطني والاجتماعي العراقي. أما الحصيلة فهو الانحدار الدائم صوب الانصهار مع الغلاة الجدد من مختلف التيارات السلفية.

ولعل أهم ما يميزها بهذا الصدد هو نظرتها الضيقة المقيدة بنفسية ومزاح أو هوى الحثالة الاجتماعية. مما كان يحد من إمكانية نموها العقلاني، كما يجعلها بالضرورة أسيرة الحدود الضيقة في رؤيتها لآفاق تطوير الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة. إذ أننا لا نرى ولا نسمع ولا نعثر على برنامج «صدري» له علاقة بمكونات الدولة المعاصرة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة البديلة للتوتاليتارية والدكتاتورية. ويشير هذا الواقع إلى افتقاد الرؤية السياسية الإستراتيجية وفقدان المشروع السياسي وانعدام الرؤية الواقعية والعقلانية عن طبيعة التغيرات التي جرت في العراق. وليست العبارات العامة عن «الدولة الإسلامية» و«المجتمع المسلم» و«الثقافة الإسلامية» وما شابه ذلك سوى كلمات لا معنى لها في حال انعدام تحديدها الدقيق بمعايير الرؤية السياسية والاجتماعية والثقافية، أي في حال عدم وجود برنامج نظري وعملي يحدد بصورة دقيقة الغايات الكبرى ووسائل تنفيذها. أما العبارات التي نسمعها بين الحين والآخر فهي ليست أكثر من صياغة «إسلامية» لأغلب مضامين التوتاليتارية والدكتاتورية.

إننا نعثر في «التيار الصدري» على إدراك ضعيف ومشوه لطبيعة التحولات الجارية في العراق. وقد وجد ذلك انعكاسه المباشر في بادئ الأمر بالتناقض الحاد بين الاشتراك الجماهيري الفعال والعنيف في السياسة، ورفض الاشتراك «الرسمي» فيها. ولم يعن ذلك من حيث المضمون لا من حيث الشكل سوى محاربة الانخراط الفعال في الحياة السياسية الاجتماعية. من هنا بقاءه وبقاء خطابه السياسي ضمن عبارات لا تتعدى في أفضل الأحوال لغة الشعار السياسي المهيج لنفسية الفئات الرثة. وهو توجه لابد وأن يقلّص مع مرور الزمن قاعدته الاجتماعية ويجعلها قوة مناهضة لأبسط مفاهيم الحرية والتقدم الاجتماعي. وهي عملية بدأت ملامحها الأولية في ظاهرة تزايد وتوسع وتعمق الشرخ السياسي والفكري والمعنوي بينه وبين المجتمع. إذ يمكن ملاحظته في الشرخ الهائل بين المؤيدين والمعارضين له في المدينة والريف، بحيث تحولت الظاهرة الصدرية إلى جزر متناثرة لا يربطها سوى الاستعداد للعنف. وهي عملية مستنفذة بالضرورة لأنها غير قادرة على مواجهة العنف الفعلي القائم في ظاهرة التهميش التي تعرضت لها فئات هائلة من المجتمع العراقي بشكل عام والشيعة بشكل خاص. كما نرى ذلك في الهوة السياسية القائمة بين «التيار الصدري» والحركات السياسية العراقية عموما، بما في ذلك الشيعية. بل أن ما كان يميز «التيار الصدري» قبل تعرضه للضربة القاضية في جولته الأولى ضد القوات الأمريكية والعراقية الرسمية، هو استعداءه للحركات والتيارات والأحزاب الشيعية وخذل زعماؤها التقليديين. وهي ظاهرة تعكس الطابع الراديكالي للتيار الصدري، بغض النظر عن نفسية المؤامرة والمغامرة التي كانت القوى المتزاحمة في «مجلس الحكم» والشيعية منها بالأخص تستدرجه لخوض «معركة الشرف» الخاسرة. وفي هذه العملية كانت تتبين مستوى وحدود وديناميكية الاغتراب السريع بين الظاهرة الصدرية وبين المجتمع.

وفي الإطار العام يمكن القول، بأن الظاهرة الصدرية بوصفها ظاهرة راديكالية تبرهن من جديد على أن الحثالة الاجتماعية ليست مستعدة على بلورة رؤية سياسية أخلاقية قادرة على تجاوز مفاهيم الحثالة وتصوراتها وأحكامها لما جرى ويجري. ومن ثم فإن ممارساتها ككل لا تفعل إلا على إعادة إنتاج مختلف مظاهر الإفساد والانحطاط والتخلف والاستبداد. الأمر الذي يشير بدوره إلى الحقيقة التي ينبغي تحويلها إلى بديهة عملية بالنسبة للوعي السياسي المعاصر في العراق، والقائلة بأن مهمة إنقاذ المظلومين بوصفها فلسفة للحرية الفعلية لا تتبلور بينهم، بل بين أولئك الذين استطاعوا تجاوز حالة الظلم، بمعنى ممن هو قادر على رؤية حدود الظلم من موقع البدائل العقلانية. وهي حقيقة تنطبق بقدر واحد على الظاهرة الراديكالية الاجتماعية والقومية والدينية.

فقد استطاع «التيار الصدري» أن يستقطب من حيث قواه الاجتماعية كمية الحثالة الاجتماعية الهائلة في العراق المعاصر، مما جعل منه التيار الأكثر نموذجية لتمركز وفعالية القوى الرثة. وهي قوى اجتماعية عراقية معبرة عن حالة عراقية فعلية. أما في وسائله، فإنه التجسيد الأكثر تخلفا لكيفية إدارة الصراع الاجتماعي والسياسي، وذلك لأن «منطقه» الوحيد هو منطق السلاح لا سلاح المنطق. وهي أيضا وسيلة معبرة عن حالة عراقية فعلية. أما في نيته فقد كان يسعى للهيمنة، وهي أيضا نية معبرة عن حالة عراقية فعلية. بينما لم تكن غايته المعلنة عن طرد الاحتلال وغايته الباطنة عن إحلال النظام الإسلامي، سوى وجهان مكملان للرؤية الراديكالية التي لا ترى ولا تسمع ولا تتذوق حقيقة ما يجري في العراق وحوله والعالم.(يتبع....).

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

مجدي ابراهيمانتهينا في اللقاء السابق عند نقطة "العقل الكلي" الذي لا تغيُّر فيه، بل ثبات هو العقل الفعال الذي لا يلحقه فساد ولا يناله زوال، وفي هذا المقال نأتي على رأي ابن رشد في العقل والنفس. وخلاصة مسألة العقول كما اشتهرت في الفلسفة الإسلامية أن الله سبحانه وتعالى تعقل ذاته، فكان العقل الأول. وأن العقل الأول يحرك ما دونه حتى تنتهي العقول إلى العقل الفعال وهو الذي يمدُّ العقل الهيولاني الذي يقتبس منه الإنسان تفكيره، ويسمى بالهيولاني تشبيهاً له بالهيولي التي تقبل الصور، ولم يذكر العقل الهيولاني قبل الأفروديسي.

على أن القفطي يحدّثنا في "إخبار العلماء بأخبار الحكماء" عن آراء أرسطو في النفس، ومع أن حديثه هذا لا يخلو من سذاجة إلا أنه يصيب كبد الحقيقة، حين يقول واصفاً ما انتهت إليه أبحاث أرسطو الميتافيزيقية:" ثم إن أرسطو طاليس رأى كلام شيخه أفلاطون وشيخ شيخه سقراط، فوجد كلام شيخه مدخول الحجج متزلزل القواعد، غير محكم البنية في الرد والمنبع، فهذبه ورتبه وحققه ونمقه وأسقط ما ضعف منه وأتى في الجواب بالأقوى، وسلك في كل ذلك سبيل المجاهدة والتقوى؛ فجاء كلامه أفصح كلام وأسدّ كلام وأحكم كلام. غير أنه لما جال في هذا البحر برأيه غير مستند إلى كتاب مُنزل، ولا إلى قول نبي مرسل ضَلَّ في الطريق، وفاتته أمور لم يصل عقله إليها حالة التحقيق"...

والسؤال الآن: هل ابن رشد كان يتابع أرسطو في مسائل ما بعد الطبيعة وبحوث النفس والعقل، وهو على هذا الوصف الذي رأيناه عند القفطي؟ وكيف تنسى له التوفيق بين مذهب أرسطو وشراحه وشروحه، وبين عقيدة الإسلام في خلود النفس والثواب والعقاب والنبوة والوحى إلى آخر المعتقدات الإسلامية؟!

عندي أنه لا تخلو محاولات ابن رشد التوفيقية من آراء تحالف في جوهرها معتقدات الإسلام إذا هو كان تابع أرسطو بغير نقد إلى منتهاه؛ فكان لابد أن تقوم على نظريته في النفس والعقل بعض المآخذ والثغرات: يتحدّث عن جوهرية النفس دون توضيح لمعنى الجوهر. قد يقصد أنها ليست عرضاً لجسم وإنما لها وجود متميز وبالتالي من طبيعة غير مادية. واضح أن هذا التصور للنفس تصور أفلاطوني. نجد ثانياً تناقضاً بين قوله إن العقل الهيولاني استعداد لتلقي أفكار من العقل بالملكة، وقوله إن العقل ليس به شيء بالقوة. نجد أخيراً أن ابن رشد وإن رأى العقل الفعال جزءً من الإنسان وليس خارجاً عنه، فإنه لم يفهمه عقلاً فردياً لكل إنسان وإنما النوع الإنساني كله. وإذن لم ينجح في محاولته الدفاع عن عقيدة الإسلام في خلود النفس كما يقول الدكتور محمود زيدان في (نظرية ابن رشد في النفس والعقل: ص48).

ومن جانب آخر نرى الإمام محمد عبده في هذه النقطة الأخيرة يقول: إن ابن رشد يقول بخلود النفس وسعادتها وشقائها وعذابها ونعيمها، وأن عقل الإنسانية العام لا وجود له لا عند أرسطو ولا عند ابن رشد، فإن أرسطو وابن رشد لا يقولان بعقل يسمى عقل الإنسانية العام، بل كان ذلك من مزاعم أفلاطون التي عنى أرسطو بإبطالها وتبعه ابن رشد وغيره في نفيها.

ولقد دارَ صراعٌ طويلٌ بين فرح أفندي أنطون صاحب مجلة الجامعة والإمام محمد عبده حول هذه المسائل، إذْ ينفي الإمام محمد عبده في ردوده على الأستاذ الأديب فرح أنطون صاحب مجلة "الجامعة"، وفي صدد المساجلات الطويلة التي دارت بينهما، أن يكون اتصال النفس بالعقل الفعال معناه الفناء فيه أو الإندغام كما عرفته الجامعة مما جرى به رأي فرح أنطون. وعنده أن العقل الفعال هو العقل العاشر المصرف للمادة العنصرية لا عقل الإنسانية العام كما تقول الجامعة. وينفي الأستاذ الإمام عن أرسطو وعن ابن رشد مظنة القول بعقل يسمى كما قلنا بعقل الإنسانية العام. فالعقل الفعال هو الذي يخرج النفس من العقل الهيولاني إلى العقل بالملكة، ومن العقل بالملكة إلى العقل المستفاد، ومنه إلى العقل بالفعل. أما نفوسنا؛ فهى عقول بالقوة، ولكنها تستعد استعداداً خاصّاً للاتصال بذلك العقل أي بالإقبال عليه وتوجيهه وجهتها نحوه مما ارتسم منه فيها بالصور العقلية الخاصّة بذلك الاستعداد الخاص.

والعقل الأول كما يراه محمد عبده، ليس هو كما يقول صاحب الجامعة فرح أفندي أنطون؛ فإنّ العقل الأول - كما يروى العقاد عن الشيخ محمد عبده، هو جوهر مجرد عن المادة، وهو أول صادر عن الواجب، وقد صدر عنه الفلك التاسع المسمى عندهم بالفلك الأطلس، ونفس ذلك الفلك تدبر حركاته الجزئية، وعقلُ آخر هو العقل الثاني، وعن هذا العقل الثاني صدر الفلك الثامن المسمى عندهم بالعقل الفعال أو العقل الفياض، وعن العقل صدرت المادة العنصرية وإليه يرجع ما يحدث في عالمها.

على أننا إذا نحن رجعنا إلى أقوال ثامسطيوس، فيما يتعلق بالفقرة الأولى من اعتراض الأستاذ الإمام؛ لوجدنا أن فكرة العقل العام كانت موجودة في أقوال ثامسطيوس، وكذلك في آراء الاسكندر الأفروديسي. فأما ثامسطيوس فهو يقول:" .. أما عن ماهيتي التي هى في نفس الوقت الماهية المشتركة لجميع الناس، ماهية النوع الإنساني؛ فإنها تتكون من الصورة أي صورة النفس الإنسانية، من العقل بالفعل.

ولذلك لا نقول مع الاسكندر الأفروديسي إنّ العقل الفعال إلهي، بل هو ما يميز النوع الإنساني. العقل الفعال هو نحن جميعاً، ففكرة العقل العام موجودة إذن عند شراح أرسطو - وإنْ كان ثامسطيوس رَجَعَ فيها إلى أفلوطين في نظرية اتصال النوع بالأفراد، إذ إن فكرة الاتصال أو الاستمرار بين مختلف مراحل الوجود هى فكرة ينزع فيها أفلوطين إلى نوع من الوحدة الصوفية مع المبدأ الأول، وذلك يقتضي إزالة التعارض بين المراتب المختلفة للوجود. فإن "المثل" التي قال بها أفلاطون، والتي هى قوام العقل ومحتواه، تكون عند أفلوطين مبدأ ثانياً صادراً عن المبدأ الأول (را: التساعية الرابعة لأفلوطين في النفس: ص 48).

وقد سبق لنا ملاحظة أن أفلوطين يذكر أن نفوسنا كلها واحدة ولكن الاختلافات الفردية ترجع إلى العنصر الجسمي الذي فيها، وكذلك الحال في فكرة "الإنسان" أو "فكرة الإنسانية" فهى فكرة واحدة فينا جميعاً، ولكنها قد تكون متحركة في شخص وساكنة في آخر تبعاً لحالة كل منهما؛ فكل منا "إنسان" ولكن لا يعني هذا أن شعورنا واحد. أما الاسكندر الأفروديسي، ففضلاً عن كونه تلميذاً لأفلوطين فهو الذي قال بوحدة العقل المنفعل في كل الأشخاص، على ما ذكر ماسينيون فيما تقدّم، وقال إنها هدم لنظرية الأبدية وللثواب والعقاب. وأما بالنسبة للمساجلة الطويلة التي دارت بين الأستاذ الإمام وفرح أفندي أنطون، فإنّ الفصل فيها يرجع، كما وضح الأستاذ العقاد في كتابه عن ابن رشد، إلى اختلاف المصادر، فكل ما يذكره الشيخ الإمام محمد عبده عن العقل الأول، صحيح بالنسبة إلى فلاسفة الإسلام في المشرق، ولكن ابن رشد كان يعتمد على شرح أرسطو مباشرة ويفسره برأيه لا بآراء الفلاسفة المشرقيين ... أما الأستاذ فرح أنطون، فكان جل اعتماده على تخريجات رينان، ولم يتوسّع في الاطلاع على كتاب التهافت وغيره توسع استقصاء. وقد صرح بذلك حين قال " .. لا مناص للكاتب العربي اليوم من أخذ تلك الفلسفة عن الإفرنج أنفسهم، فأخذنا كتاباً للمستر مولر عنوانه: فلسفة ابن رشد ومبادئه الدينية، وكتاباً عنوانه: "ابن رشد وفلسفته" وهو للفيلسوف رينان المشهور.

لقد كانت المصادر إذن مختلفة، وكان أكثرها مروياً عن صاحبه، مأخوذاً من خلاصة كلامه، ولو توحدت المصادر مع حُسن النية لما تباعدت بين المتناظرين في هذه المسألة، ولا في غيرها، شُقة الخلاف.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

رائد جبار كاظمواقع الحال أن ما يجري في العراق من تظاهرات وأحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول 2019، وأستمرارها الى يومنا هذا من شهر تشرين الثاني، انما هي لغرض المطالبة بالحقوق والخدمات واصلاح الحال ومحاربة ومكافحة الفساد السياسي والاداري في كافة مفاصل ومؤسسات الدولة العراقية وتغيير الوضع الاجتماعي والمعيشي المزري للشعب العراقي، ومحاولة الحد من هيمنة وفساد السلطة السياسية الحاكمة وأستأثارها بمقدرات الشعب وبالامتيازات والمخصصات لوحدها ومن برفقتها من الاحزاب والكتل السياسية في أدارة الدولة، أما الشعب فهو في حال مأساوي يرثى له، من حيث مستوى الخدمات وفرص العمل والسكن والوضع الصحي والاقتصادي والثقافي والتربوي والتعليمي، فما تحقق من تغيير منذ 2003 الى اليوم هو ليس بمستوى الطموح ولا يناسب حجم ما تعرض له العراق من كوارث ومحن طوال الفترات السابقة، ليتم تعويضه من قبل النظام السياسي الديمقراطي الجديد بما فقده من سنوات المر والجمر من سنوات حكم الدكتاتور وغطرسته المفرطة تجاه الشعب العراقي المظلوم.

التظاهرات والاحتجاجات الشعبية الواسعة التي خرجت في محافظات ومدن العراق انما هي عفوية صادقة، نابعة من مظلومية واقعية ونقص حاد في جميع الحقوق والخدمات، وخاصة ضمن فئة عمرية شابة جديدة لم تذق طعم الحرية الجديدة ولم تحصل على حقوقها بصورة صحيحة وسليمة، جيل شبابي مظلوم ولد مع مطلع نهاية الدكتاتور وبداية حقبة سياسية جديدة محملة بالاعباء والاثقال والاوحال السياسية القادمة من منافي ومطابخ سياسية عالمية متعددة لا نعرف أهدافها ونواياها سوى أنها عراقية اللسان ومختلفة الاهواء والاجندات والبيان، كيانات وأحزاب سياسية تنفست هواء الخارج والدول التي وهبتها جنسيات أخرى ليس لسواد عيونهم وانما لسواد عيون العراق ونهب ثروات أرض السواد مستقبلاً أو من خلال تلك الجنسيات المؤدلجة، التي تعبر عن أهواء وهواء تلك الدول المهيمنة والحاكمة على أرض العراق وسياسته، وتعدد تلك الدول المهيمنة على العراق لا تتعلق بدول الجوار وانما تعدى ذلك الى دول أجنبية أخرى، ينتمى لها هؤلاء الساسة والحكام.

أزدوادج الجنسيات للكثير من الساسة وقادة الاحزاب جعلهم يمرون بحالة من الازدواجية في السلوك السياسي والاجتماعي، وغياب حالة التوازن والحس الوطني عن أي ممارسة مع الشعب، ولم يلمس الناس أي عمل فيه مصلحة البلد وشعبه، بل لمسوا حالة من التواطىء مع الدول والساسة التي ينتمي لها هولاء القادة والاحزاب التي جاءت من خارج الحدود، وقد أصيب بتلك العدوى والفايروس حتى الاحزاب العراقية التي تأسست ما بعد 2003 في الداخل، حين أقتربت من تلك الخارجية التي أتت بعد احتلال العراق وغزوه من قبل الولايات المتحدة الاميريكية.

الواقع العراقي واقع معقد جداً، وهناك من يعيش على حالة الفوضى والاضطراب التي يتعرض لها العراق، ويجني من وراء ذلك الخيرات الحسان، فالعراق في أوقات الخير وفي أوقات الشدة يدر خيراً ومالاً وفيراً على أهله ومن يحكمه، وهناك من يصنع الازمات ويعتاش عليها، فتجار الحروب والفتن يملأون الأرض، والعراق محاط بهؤلاء من كل جانب، سواء في الداخل أو الخارج، ودائماً الأمور تصب في صالح الاغنياء والتجار وليس في صالح الفقراء والمعوزين والثوار والمتمردين على الواقع، فهؤلاء قد يكونوا وقوداً للحروب والثورات والتظاهرات، ولكن من يقودها ويوقدها له الخبرة في الخروج منها وتوجيهها كيفما يشاء وفق مخططات معدة سلفاً، وهناك من يمول تلك الازمات من الداخل والخارج ليجني ثماراً يانعة ليس لها مثيل، أما الشعب والفقراء بنظرهم فليذهبوا الى الجحيم، ما داموا هم يغطوا بنعيم أبدي دائم.

أستطاع الكثير من السياسيين وأصحاب الاجندات والارادات أن يؤظف التظاهرات الوجهة التي يريد، رغم كونها لم تخرج تحت زعامة قائد أو حزب أو مكون معين، ولكن هؤلاء يفكرون بشكل مختلف عما يفكر به الكثير من المتظاهرين والمحتجين السلميين، فالامور دائماً ما تدور وتدور وتعود لهم مرة أخر ليجنوا ثمارها، وهذا ما فطن له الشعب خلال تلك السنوات العجاف، والقادة والساسة يريدون أن يجعلوا من التظاهرات والاحتجاجات (حصان طروادة) ليتخفوا فيه، لا ليقاتلوا أعداء الشعب بل ليمزقوا ويحطموا ذلك الحصان والشعب من باطنه، الشعب الخارج للاصلاح والتغيير، وهناك أجندات متعددة تريد ركوب الموجة وتحقق رغبة أسيادها وزعمائها من الداخل والخارج، وتعددت السيناروهات وأختلفت الارادات والاجندات التي تحرك الاحزاب والكتل السياسية من جهة والشعب من جهة أخرى، ويعمل الكثير على حرف وتشويه مسار تلك التظاهرات والاحتجاجات السلمية من خلال تغذية وامداد المتظاهرين بأفكار مختلفة، غايتها قتل هؤلاء المحتجين والركوب على ظهورهم لتحقيق مآرب كبرى لا يعلم بها الا الله والراسخون في الفهم والعلم والسياسة.

ومما يؤسف له أن العراق على مر التاريخ واقع تحت تأثير كبير من قبل سياسات وأجندات وولاءات خارجية مختلفة، وكل جهة تريد تحريك مكوناتها ورعايها الاثنية في داخل العراق لتحقيق هدفها وغايتها الكبرى، والعراق محاط بدول جوار قوية ومرعبة ومن ساندها من ذوي السلطان الأكبر من العرب والعجم والبربر، لذلك فحالة الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العراق معدومة بسبب هيمنة تلك الدول وقوتها على مر التاريخ، هذا بالاضافة الى وجود عامل مهم جداً وهو فقدان الحس والشعور الوطني لكل من يحكم العراق، والعمل الدائم على تحقيق مصلحته وحزبه وجماعته التي ينتمي لها، أما البلد والشعب فهم في رعب دائم وحالة تشظي وأنقسام مستمر.

مما يلاحظ على الموقف الغربي عامة والامريكي خاصة من التظاهرات في العراق هو طابع الجمود والبرود والشرود، وعدم التدخل لحل تلك الأزمة السياسية التي يعاني منها الواقع العراقي اليوم، بل أن الطرف الغربي والامريكي تحديداً يدفع بأتجاه تصفية الحسابات مع أيران، وجعل العراق ساحة حرب لتحقيق مصالحها، ولم يكفي أمريكا وبعض دول الخليج وتجار الحروب أن يكون العراق ضحية حرب أستمرت لثمان سنوات مع أيران في القرن العشرين، حرقت الأخضر واليابس بين البلدين الجارين، بل جاءت اليوم لتعيد نفس السيناريو لتجعل العراق ساحة حرب وتؤجج الفتنة بين البلدين مرة أخرى، من خلال زجّ الشعب والمتظاهرين في تلك الحرب الضروس، ليتحول مسار التظاهرات والاحتجاجات في العراق من الجانب السلمي الى الجانب العدواني والحربي بين طرفين أو أكثر، فأمريكا تخطط ودول الخليج تمول والعراقيون ينفذون، ذلك هو السيناريو الشيطاني المخطط له، والذي من خلاله يفقد العراق الكثير، حقوقه وتظاهراته وشبابه، أما خيراته وثرواته فتذهب في جيوب مخططي الحرب وساسة الفساد والخراب، ومما يؤسف له أن يذهب الشباب والناس وقوداً للحرب ولمخططات عدوانية تأكل الأخضر واليابس، ونلاحظ أيضاً مدى مستوى الشيطنة والمكر لكل من يخطط لتلك الفتنة ويركب موجتها، فدول الخليج وتركيا وبعض الدول العربية والاجنبية الأخرى كانت قد عملت على ابادة العراق وأهله من خلال سلسلة الأرهاب والتفجيرات والحركات التكفيرية التي دمرت العراق، وقد تم غض النظر عنها وتجاوزها والسكوت عنها دولياً وعالمياً، ولكن من الواضح أنها تريد جر العراق وشعبه لحرب جديدة بين العراق وأيران، وضرب بلدين جارين من خلال ركوب موجة التظاهرات وحرف مسار شبابها والمطالبين بحقوقهم المسلوبة، وعند ذلك سنكون بين فكي كماشة، فبين حرب خارجية من جهة وبين فساد وأرهاب سياسي من جهة أخرى، وهذا سيناريو واحد من بين سيناروهات عدة تروج لها الاحزاب والتيارات السياسية في العراق، من خلال قولهم بالتآمر على العملية السياسية في العراق والعمل على أطاحتها، وعودة المتضررين من حزب البعث الى السلطة من جديد، وتحذير الشعب من تلك المؤامرات الداخلية والخارجية، ويعمل الساسة على تخويف الجميع من تلك المؤامرات والمخططات، ويرهبوهم ويرعبوهم من عودة عقارب الساعة الى الوراء، فالشعب العراقي واقع بين خيارين كما يقول الساسة، فاما هذا الحكم واما عودة البعث والفوضى، ولكن الشعب يبقى رهين المؤامرة والمتآمرين عليه، و(ضاعت لحانة بين حانة ومانة) كما يقول المثل الشعبي، ولكن الشعب والمتظاهرين السلمين قد وعوا اللعبة وعرفوا كل المخططات ولم تنطلي عليهم تلك السيناريوهات السياسية والمؤامرات المقيتة، فالشباب خرجوا (يريدون وطن) فيه كرامة وعزة وشرف، والشعب لديه خيار واحد ليس الا وهو (اما يكون أو يكون)، فقد ملّ الجميع الخطابات العدمية والشعارات الحزبية الزائفة التي يسرق فيها الشعب في وضح النهار، ولا أحد يكمم تلك الأصوات الصادحة في ساحات التظاهر للمطالبة بالحقوق والخدمات والعيش بكرامة في وطن غني يستوعب الجميع بكل أطيافه ومكوناته الجميلة. وعلى الاحزاب وقادتها الخروج من أبراجهم العاجية ويحطموا الاسوار المبنية بينهم وبين الشعب ويقفوا معه في محنته ومظلوميته وينتصروا له ويزيدوا من تقديره وأحترامه بدلاً من الاستهانة به أو أذلاله، فكلنا في مركب واحد، وعلينا أن نتجاوز المحنة بسلام كي لا يقع السقف على رؤوسنا وتنهار دولتنا وتباد بسبب ذلك الصمت السياسي الرهيب للاحزاب والبرلمان والحكومة، وعندها لا ينفع الندم ولا عظ الظالم على يديه. 

 

د. رائد جبار كاظم