قاسم حسين صالحتحليل سيكوبولتك

 يعدّ (فشل العملية السياسية في العراق) هي السبب في كلّ ما اصاب العراقيين من فواجع وما حلّ بالوطن من خراب، وان من واجب الأكاديميين تشخيص اسبابها، ليس بمقالات تميل الى الذاتية وان كانت رصينة، بل بدراسات تستوفي شروط المنهج العلمي من حيث الصدق والموضوعية.

تناولت الحلقة الأولى تحليلا لنتائج دراستين (2016 و 2020).. ونخصص هذه الحلقة لمناقشة النتائج والتوصيات التي تهم حكومة السيد مصطفى الكاظمي والمعنيين بالشأن السياسي بهدف دعم عملية الأصلاح وتأمين نجاحها.

مناقشة النتائج

 احتل (التعصب او عدم النضج السياسي) المرتبة الاولى في اسباب فشل العملية السياسية في العراق، وهو تشخيص صائب.ولفهم ذلك نوضح ان المعنى العلمي للتعصب يعني (النظرة المتدنية لجماعة او خفض قيمتها او قدرتها او سلوكها او صفاتها ليس له اساس منطقي).

وما حصل بعد 2003 ان العملية السياسية صنفت العراقيين الى (نحن - الشيعة) التي تبالغ وتعظّم ايجابياتها وتغمض عينها عن سلبياتها، و(هم – السنّة ) الذين يضخمون سلبياتها ويغمضون عيونهم عن ايجابياتها.. وتبادل الأدوار بينهما على مدى سبعة عشر عاما.

 ومع ان الغالبية المطلقة من السياسيين العراقيين مصابون بهذه (العلّة)، فانها متضخمة اكثر عند السياسيين من الطائفتين السنية والشيعية.وبهذ المعنى فأننا نصف السياسي العراقي، سيكولوجيا، بانه (احول عقل).. وهو خلل ادراكي يؤدي الى استقطابات تعصبية تعمل على اشاعة الكراهية بين افراد الجماعات الطائفية والقومية على صعيد الناس، وخلق الازمات على صعيد السياسة، وتغليب مصالح الطائفة او الجماعة على صعيد الثروة الوطنية.

 واحتل (عدم او ضعف الشعور بالانتماء الى العراق من قبل المسؤولين الذين يحملون جنسيات اجنبية) المرتبة الثانية. وسيكولوجيا، يتفق علماء النفس على ان الشعور بالانتماء حاجة اساسية لدى الانسان، لأنها تمنحه الأمان والحماية وتجنبه الشعور بالاغتراب النفسي والاجتماعي والسياسي.ويترتب على (الانتماء) التزام متبادل هو ولاء الفرد للجهة التي ينتمي لها(أسرة، طائفة، دولة.. .) مقابل حماية تلك الجهة له.ويكون الولاء هنا مرتبطا بالهوية المصحوب بنوعين من الشعور:التباهي، حين تكون الجهة متمتعة بالهيبة والقوة والاعتبار، وبنقيضه.. التباهي العصابي حين تكون تلك الجهة ضعيفة.وطبيعي أن الانتماء لجهتين في آن واحد يكون اقوى للجهة التي تتمتع بالاعتبار والتباهي بهويتها، واقوى للجهة التي تؤمن له حاجته الى البقاء.

 هذا يعني ان معظم السياسيين العراقيين من مزدوجي الجنسية، لاسيما امريكا، بريطانيا، كندا، السويد، يكون ولاؤهم للعراق ضعيفا، مقارنة بسياسي عراقي وطني ليس لديه انتماءان، او جنسيتان. فضلا عن ان المستجيبين اشاروا الى ان السياسيين يعانون من (عقدة الدونية لانهم عاشوا على الرعاية الاجنبية والعيش على فتات موائد اسيادهم)، وانهم (ما ان حدثت الازمة الحالية فان معظم النواب ذهبوا الى اوطانهم البديلة).

 في المرتبتين الرابعة والخامسة جاء السببان:

 - اشخاص يأتمرون بتعليمات دول قوية (امريكا وبريطانيا) واخرى اقليمية، و

- قضية اشخاص اضطهدهم النظام الدكتاتوري ويرون ان من حقهم الاستفراد بالسلطة والثروة.

 السبب الأول يفيد بان السياسي العر اقي لا يمتلك ارادته الوطنية، بل هو يعمل او يخضع او ينفذ توجيهات دولة خارجية يرتبط بها سياسيا او مذهبيا او قوميا او مصلحيا.ويتفق المحللون السياسيون على ان اقوى ثلاثة دول كان لها دور رئيس في العملية السياسية العراقية هي اميركا وايران والسعودية.واذا استثنينا اميركا بوصفها دولة محتلة تهمها مصالحها والموقع الاستراتيجي للعراق بوصفه الدولة الاولى التي سيبدأ منها تغيير خارطة الشرق الأوسط، وانها هي التي جاءت بهم ولا تهمها هوية السياسي العراقي، فان ايران والسعودية يذكيان الصراع الطائفي بين السنة والشيعة في العراق، وان السياسي العراقي اضطر الى ان يسند ظهره الى الدولة التي تحميه في اوقات الازمات.ويعني هذا ان غياب الارادة السياسية الوطنية السيادية كانت احد اهم اسباب فشل العملية السياسية في العراق، والسبب الرئيس في اعادة انتاجها للأزمات.

 اما السبب الثاني فهو سيكولوجي خالص، اذ يرى السياسيون الذين كانوا في المنافي زمن النظام الدكتاتوري، ان من حقهم الاستفراد بالسلطة والثروة تعويضا لهم عن التضحيات التي قدموها سواء كانت تصفيات جسدية لأقرباء او اعضاء في تكتل او حزب معارض ينتمون اليه، او مادية ترتب عليها معاناة حياتية قاسية.

 وفي هذا خطئان كبيران، الأول: انهم ينظرون الى الناس الآخرين انهم كانوا من الخانعين او الراضين على النظام السابق الذين لا يحق لهم المطالبة بما سكتوا عنه من ظلم وهدر كرامة وحياة قاسية.والثاني:ان تفكيرهم هذا يقودهم الى ما يؤمن لهم البقاء في السلطة ويضمن لهم مصالحهم الاقتصادية والاعتبارية.. وهذا يفسر احد اسباب فشل الحكومة في ادارة شؤون الدولة.

 التوصيات

 في ضوء النتائج اعلاه، نوصي بالآتي:

 أولا: للمعنيين بالشأنين السياسي والأعلامي:

- اصدار تشريع او قانون يرتّب عقوبات مادية ومعنوية، بما فيها السجن ضد كل سياسي تتضمن خطاباته تحريضا طائفيا او تعصبا عنصريا او عشائريا.

- قيام وسائل الاعلام ورجال الدين والمؤسسات التربوية ومنظمات المجتمع المدني باشاعة ثقافة المواطنة والتسامح والسلام بين مكونات المجتمع العراقي.

- اجراء استفتاء بشأن اصدار قانون ملزم لا يسمح فيه لمن يحمل جنسيتين الترشيح لعضوية مجلس النواب، او تولي مسؤولية حكومية بمنصب مدير عام فما فوق، بدءا من الأنتخابات القادمة.

- اشاعة الوعي الانتخابي بين الناس وافهامهم بأنهم كانوا أحد الأسباب في توالي الخيبات والحياة البائسة التي عاشوها لأنهم جاءوا باشخاص اتفق الجميع على ان غالبيتهم فاسدين، وان الطريق لحياة كريمة يكون باعتمادهم معايير الكفاءة والنزاهة والولاء للعراق في الانتخابات القادمة.

- قيام القوى العلمانية والوطنية وشباب التظاهرات بتوحيد صفوفها على وفق استراتيجية سياسية واضحة منطلقة من حقيقة ان قوة السلطة الحاكمة تكمن في فرقة هذه القوى، وان توحدّها يشكّل ضغطا على سلطة فاشلة سياسيا لأنها مؤلفة من احزاب لا تملك استراتيجية لبناء دولة.

- اقامة دورات ثقافية لأعضاء مجلس النواب تتضمن موضوعات في سيكولوجيا التعامل مع الازمات واخرى في الصحة النفسية.

ثانيا:خاصة بحكومة السيد الكاظمي:

 - فرض سلطة الدولة بما يؤمن امتلاكها الأرادة الوطنية وقرارها السياسي واعادة الهيبة للعراق.

- اعتماد الحكمة في التعامل مع مرحلة حرجة وخطيرة مفتوحة على كل الاحتمالات بما فيها مواجهة مع قوى خارجية واحتراب طائفي سياسي.

- دعوة السيد الكاظمي الى احاطة نفسه بمستشارين في الاختصاصات كافة، يقولون له الحقيقة لا ما يحب ان يسمعه.. كسابقيه!

- تأمين انتخابات نزيهة وشفافة باشرف الأمم المتحدة والأتحاد الأوربي ومنظمات حقوق الانسان، بوصفها هي طريق الخلاص من الازمات وتوالي الخيبات.

- و.. القيام باصلاحات تزيل التشكيك وتولد اليقين لدى العراقيين، بما فيها تشكيل محكمة من قضاة مستقلين لمحاكمة الفاسدين الذين وصفتهم المرجعية بـ(الحيتان)، واسترجاع المليارات التي نهبوها، وتأمين حياة كريمة في وطن يمتلك كل المقومات لأن يعيش أهله برفاهية. 

 شكر وامتنان:

يتقدم الباحث بجزيل الشكر والامتنان لكل الذين شاركوا في الاجابة على هذا الاستطلاع في عاميه (2016 و2020).. فبدونهم ما كانت هذه الدراسة.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

كُل إنسان يعيش حَيَاتَيْن معًا: حياة في داخل جِسمه، وحياة في داخل جِسم المجتمع. وسعادةُ الإنسان مُتوقفة على العلاقة بين الحَيَاتَيْن، فإن كانت هذه العلاقة متوازنة، وقائمة على التصالح مع الذات، والوئام مع أفراد المجتمع، شَعَرَ الإنسانُ بالسلام الداخلي، الذي ينعكس بصورة إيجابية على عناصر الطبيعة وتفاصيل العلاقات الاجتماعية. وإن كانت هذه العلاقة مُضطربة، وقائمة على الصراع مع الذات، والصِّدام مع أفراد المجتمع، شَعَرَ الإنسانُ بالتمزُّق الداخلي، الذي يتحوَّل معَ مُرور الوقت إلى انهيار للحقائق والمشاعر، مِمَّا يَجعل الإنسان لُعبةً هامشية في مسرح للدُّمى، وبدلًا مِن أن يكون الإنسانُ هو صانع الأحداث، واللاعب الأساسي في مركز الحضارة، يُصبح مَلعوبًا به، وشيئًا مِن الأشياء، ودُميةً تُحرِّكها الأصابعُ الخفية مِن وراء الستار . وهذا المصيرُ الكابوسي يجعل الإنسانَ فاقدًا للثقة بِنَفْسه، وعاجزًا عن بناء ذاته، والمُساهمة في نهضة مُجتمعه . وبالتالي، لا يَستطيع الإنسانُ قيادةَ الأحداث، وتَوجيه دَفَّة الوقائع، لأنَّه ببساطة لا يَملِك عناصر القُوَّة التي تَفْرِض على الآخرين احترامَه وتقديره والاستماع إليه . وكُل إنسان لا يَقْدِر أن يَكون مَتبوعًا، سيكون تابعًا، وإذا كان عاجزًا عن إنتاج الفِعْل، سَوْفَ يتلقَّى أفعالَ الآخرين، ويُصبح رَدَّةَ فِعْل . وهذا الأمرُ في مُنتهى الخُطورة، لأنَّه يُفْقِد الإنسانَ صَوته الخاص، فيصير رَجْعَ صدى، ويتحوَّل الأصلُ إلى نُسخة مُزوَّرة، وتَؤُول الهُوِيَّةُ الإنسانية الإبداعية إلى هاوية سحيقة بلا تاريخ ولا جُغرافيا. والمشكلةُ المُنتشرة في الأنساق الاجتماعية هي أن يَعتقد الإنسانُ أنَّه يُدافع عن وُجوده الشخصي . وفي حقيقة الأمر، هو يُدافع عن وجود الآخرين المُسيطر على هُويته ومشاعره ومصالحه. لذلك، يجب أن يَسأل كُلُّ إنسان نَفْسَه، بدون تحايُل عليها: هل صَوتي المُسيطر على كياني هو صَوتي الخاص أَم مُجرَّد صدى لأصوات الآخرين؟. وهل أنا اللاعب أَم المَلعوب به؟. وهل أنا حجر على رُقعة الشِّطْرَنج أم اليد التي تُحرِّك الحجر وترسم خطواته؟. والعاقلُ قد يَخدع الآخرين، ولكنَّه لا يَخدَع نَفْسَه .

إنَّ الصِّراع على احتكار البناء الإنساني الحضاري عملية صعبة وخطرة، لأنَّها لُعبة صِفرية، لا مَجال فيها للتعادل، ولا تَقْبَل اللونَ الرمادي. والإنسانُ أمام خِيَارَيْن لا ثالث لهما: إمَّا أن يَكون سَيِّدًا مالكًا لأمره وسِيادته، وقادرًا على إطعام نَفْسِه وحمايتها مِن الأخطار، وإمَّا أن يكون خادمًا لغَيره، يمدُّ يَدَه للآخرين، لأنَّه لا يَمْلِك مِن أمره شيئًا، ولا يَستطيع تَوفير مُتطلباته اليومية، وحاجاته الأساسية . وهذا المنظورُ الشخصي هو الأساس السياسي الحاكم على العلاقات بين الدُّوَل، والدُّوَلُ مُنخرطة في محرقة حقيقية وحروب مُستمرة ذات أشكال متعددة، لإثبات الوجود، وفرض الهيمنة، والوصول إلى أسواق جديدة، والاستحواذ على مناطق نفوذ مُؤثِّرة، وصناعة وُكَلاء وأدوات، لأنَّ الدُّوَل (اللاعبين الأساسيين والرؤوس الكبيرة) لا تُقَاتِل بِنَفْسها، وإنما تُقاتِل بأدواتها، وتستخدم أذرعها، وتبتز بأوراق الضغط، ولا يُوجد لاعب يَرمي الجوكر في أوَّل اللعبة. وأصعب الحُرُوب هي التي لا يُطلَق فيها الرصاص، لأنَّها تستهدف قتل الرُّوح، أمَّا الحروب التقليدية فتهدف إلى قتل الجسد . وقَتلُ الرُّوح أسوأ بكثير من قتل الجسد .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

وتُسَمى أيضاً عائلة اللغات الكارتفيليَّة أو الإيبيريَّة

تتكَوَّن هذه العائلة اللغوية من أربعة لغات متواجدة جميعها في جمهورية جورجيا هي: اللغة الجورجيَّة، اللغات السانِيَّة بفرعيها اللازيَّة والمنغريليَّة واللغة السوانيَّة

يتكلم بلغات هذه العائلة قرابة ال 5,5 مليون إنسان كما هو موضح أدناه.

يعتقد علماء اللغات بأنَّ أصل لغات هذه العائلة يعود إلى لغة قديمة اسمها اللغة الكارتفيليَّة تطوَّرَت منها العديد من اللهجات وتباعدت المجاميع السكّانيَّة التي تتكلم بها عن بعضها البعض حتى تبلورت منها مجموعة اللغات المشار إليها أعلاه، فإستقلت في البدأ اللغة السوانيَّة التي تطورت بشكل بعيد جداً عن تطور بقيَّة اللغات الكارتفيليَّة، ثم تبلورت ومع مرور الزمن اللغة السانيَّة التي إنقسمت لاحقاً إلى لغتين مستقلتين هما اللغة اللازيَّة واللغة المنغريليَّة، وبقيت اللغة الجورجيَّة كإمتداد للغة الكارتفيليَّة. ورغم هذه التطورات بقيت الكثير من الخصائص والمواصفات المتشابهة فيما بينها والتي تشير إلى الجذور المشتركة لهذه المجموعة اللغويَّة.

اللغة الجورجيَّة

اللغة الجورجيَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الجنوبيَّة/

التي تسمى أيضاً عائلة اللغات الإيبيريَّة أو عائلة اللغات الكارتفيليَّة/

ومنها اللغة الجورجيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: الجورجيون يسمون لغتهم الكارتفيليَّة (Kartvelisch) ويرغبون أيضاً في إطلاق هذه التسمية على بقية اللغات القوقازِيَّة الجنوبيَّة لإعتقادهم بأنَّ هذه اللغات إنطلقت من رحم اللغة الجورجيَّة القديمة (الكارتفيليَّة)، وبنفس الوقت يُستَخدَم مصطلح اللغة الكارتوليَّة (Kartuli) كمرادف لمصطلح اللغة الجورجيَّة.

إنتشر أيضاً مصطلح الغروزينِيين واللغة الغروزينِيَّة (Grusinisch) على الجورجيين ولغتهم، وهذه التسميَّة أطلقها الروس عليهم.

تأريخها نشوئها وتطورها:

للجورجيين تأريخ عريق يمتد إلى آلاف السنين ق.م..  تَعَرَّضَ الجورجيين في النصف الثاني من القرن الأخير قبل الميلاد إلى غزو الإمبراطوريَّة الرومانيَّة وخضعوا لسيادتها قروناً طويلة وإعتنقوا عن طريقها الديانة المسيحيَّة بعد إنْ أصبحت هذه الديانة الدين الرسمي للإمبراطوريَّة. وتَعَرَّضوا كغيرهم من شعوب القوقاز في الأعوام 642/643 و 654/655 و735/736 من القرن السابع الميلادي إلى الغزو العربي الإسلامي وتبعه الغزو الفارسي ومن ثم الغزو العثماني وترتب على ذلك هجرة مجاميع كبيرة منهم صوب الغرب وإنعكس هذا التباعد بظهور إختلافات واضحة في تطور لغتهم عكسته التباينات الظاهرة في لهجاتهم.

بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر وقعت جورجيا تحت تأثير الغزو التتاري الذي رافقته حالة شبه إنعدام لإستخدام اللغة الجورجيَّة وترتب عليه  حالة ضعف وتدهور شديدين في اللغة. في القرن الخامس عشر تعرَّضوا مجدداً إلى الغزو العثماني وفي القرن السابع عشر إلى الغزو الفارسي وفي القرن التاسع عشر كانوا تحت رحمة القيصريَّة الروسيَّة.

تأثرت اللغة الجورجيَّة قديماً باللغتين العربية واليونانيَّة بفعل علاقات جورجيا التجاريَّة مع هذه الدول وكان لهذا التأثير آثاره الواضحة على ثروتها اللغويَّة، كما تأثرث لاحقاً باللغة الفارسية بفعل الغزو الذي إعتمدته الإمبراطوريَّة الفارسيَّة لمناطق القوقاز، إلا أنَّ التأثير الأكبر حصل في القرن العشرين تحت سطوة اللغة الروسية، اللغة الرسميَّة للإتحاد السوفيتي، الذي كانت جورجيا واحدة من مجموعة جمهوريّاته سابقاً. بالإضافة إلى ذلك فإنَّ التواجد الكثير للأقليّات القوميَّة في جورجيا وإنتشار الكثير من اللغات التي تنتمي إلى مجاميع أو عوائل لغويَّة غير قوقازيَّة يشكل عدد الناطقين بها 16% من مجموع السكان مثل اللغة الأذريَّة 6.5 %  واللغة الأرمنيَّة 5.5% واللغة الروسيَّة 1.5% وأقلِّيات أخرى 2.5% يشكل عامل ضعف على تطور اللغة الجورجيَّة.

رغم كل هذه التأثيرات الخارجيَّة فقد تَطَوَّرت اللغة الجورجيَّة بشكل متسارع، والتطور الأهم الذي طرأ عليها كان في القرنين الأخيرين. وبشكل عام يمكن القول بأن هذه اللغة مَرَّت بثلاث مراحل تطور مختلفة هي:

ــ الأولى من القرن الرابع حتى القرن الحادي عشر. تم الإتفاق على تسمية اللغة الجورجيَّة في هذه المرحلة باللغة الجورجيَّة القديمة. مع بدايات القرن الثامن وإرتباطاً بتحول المناطق الجنوبيَّة الغربيَّة من جورجيا إلى مركز إقتصادي وثقافي مهم تطورت معه ظاهرة نمو مدن مثل آرتانودشي وكوتايسي أصبحت لاحقاً مراكز مهمة لتطور اللغة الجورجيَّة. أتت هذه الفترة ثمارها مع بدايات القرن الحادي عشر.

ــ الثانية من القرن الحادي عشر حتى القرن الثامن عشر حيث ظهرت ملامح جديدة لتطور اللغة الجورجيَّة عكستها بعض المخطوطات الأثريَّة التي تم العثور عليها لهذه الفترة، وتسمى لغة  هذه المرحلة باللغة الجورجيَّة في المرحلة الوسطى.

ــ الثالثة وهي الأهم من القرن التاسع عشر حتى الوقت الحاضر، حيث تطوَّرَت اللغة الجورجيَّة وتكاملت ملامحها بشكل واضح، وصار يطلق عليها اسم اللغة الجورجيَّة الحديثة. وكما تَطَوَّرت اللغة تَطَوَّرت معها أيضاً أبجديتها وأشكال كتابتها.

مخطوطاتها الأثريَّة:

تم العثور على الكثير من اللقط الأثريَّة للغة الجورجيَّة تعود إلى القرنين الرابع والخامس للميلاد. أهم آثارها اللغوية يعود إلى عام 494 م. تم العثور عليه جنوب العاصمة تبليسي، والأثر الأكثر أهميَّة هو نسخة دستور جورجيا المسيحيَّة الذي كُتِبَ عام 897 م. ورواية *الرجل في فروة النمر* للأديب الجورجي شوتا روستافيلي في القرن الثاني عشر وترجمة الكتاب المقدس *الإنجيل* من اللاتينيَّة إلى الجورجيَّة، الذي أنجز عام 1213 في زمن الملكة تامارا، أوَّل ملكة لمملكة جورجيا.

أماكن إنتشارها:

تنتشر اللغة الجورجيَّة في موطنها الأصلي جمهورية جورجيا، وفي جمهوريَّة روسيا الفدراليَّة في مناطق قيصلار ومُصدُق، وتركيا في مقاطعة شافشيتي أمرشيفي، وأذربيجان في منطقة ساينغيلو، وإيران في منطقة فِيرِيدان، وبين الأقليات الجورجيَّة في جمهوريات كازاخستان وأوزبيكستان وأرمينيا واليونان ودول أخرى.

عدد الناطقين بها:

تأتي اللغة الجورجية في مقدمة اللغات القوقازِيَّة من حيث عدد الناطقين حيث يتكلم بها أكثر من 4.2  مليون مواطن أغلبهم في جمهوريَّة جورجيا وهم يتركزون في العاصمة تبليسي والآخرون ينتشرون في الدول التالية: 150 ألف في روسيا، 50 ألف شمال شرق تركيا، 13 ألف شمال أذربيجان، 10 ألف في كازاخستان ، 5 ألف في أوزبيكستان ، 5 ألف في إيران، 2 ألف في أرمينيا و غيرهم في شمال اليونان ودول أوروبيَّة أخرى. يتكلم باللغة الجورجيَّة كافة أبناء الأقليات الأخرى المتواجدة في جورجيا ويتعاملون معها كلغة أُم بقوة القانون ويتعلمونها في المدارس ويستخدمونها في حياتهم اليوميَّة ويدونون بها آدابهم وتراثهم.

لهجاتها:

للغة الجورجيَّة الكثير من اللهجات منها:

1- مجموعة اللهجات الغربيَّة وهي:

ــ اللهجة الإِميريَّة (imerische) في القسم الشرقي من محافظة كوتايس

وكذلك في مناطق باطوم وآرتويين، و

ــ اللهجة الراتشيَّة (Ratschisch) و

ــ اللهجة اللَيتشخوميَّة (letschchumischer) و

ــ اللهجة الغروزيَّة (Gurisch) و

ــ اللهجة الأتشاريَّة (Atscharisch) و

ــ اللهجة الإمرشيفشيَّة (imerchewischer) في تركيا وغيرها.

2- مجموعة اللهجات الشرقيَّة وهي:

ــ اللهجة المثيوليَّة (Mthiulisch) في منطقة غوري، و

ــ اللهجة الكارتليَّة (Kartlich) و

ــ اللهجة الكاشِيَّة (Kachisch) في مقاطعة كاشيشن و

ــ اللهجة الإنجليلوِشيَّة (Ingliloisch) شرق العاصمة تيبليسي، و

ــ اللهجة الفيرايدانِيَّة (Fereidanisch) في أصفهان في إيران، و

ــ اللهجة الشفزوريَّة (Chewsurisch) و

ــ اللهجة البشافيَّة (Pschavisch)  و

ــ اللهجة التوشيَّة (Thuschisch) و

ــ اللهجة الآخاريَّة (Achrisch) وغيرها.

3- مجموعة اللهجات الجنوبيَّة وهي:

ــ اللهجة المسكهيَّة (Meskhisch) و

ــ اللهجة الدشاواشيَّة (Dshawachisch) بالإضافة إلى

ــ اللهجة التوشيَّة (Thuschisch) في المناطق الجبليَّة. وهناك أيضاً

ــ اللهجة الموخَوِيَّة (Mochewisch) و

ــ اللهجة الأتشاريَّة (Atscharisch) و

ــ اللهجة الغوريَّة (Gurisch) وغيرها.

يذهب المؤرخون إلى أنَّ هذه اللهجات ما هي إلا نتيجة لإنصهار الكثير من الأقليّات القوميّة التي كانت تتواجد في محيط العاصمة تبليسي والتي كانت لها لغاتها الخاصة بها، إلا أنهم تعايشوا مع الجورجيين وإنصهروا داخل الأكثريَّة الجورجيَّة و تعلمت أجيالهم المتعاقبة اللغة الجورجيَّة وأصبحت لغاتهم في تعداد اللغات المنقرضة، وهذه القوميّات هي الأميريين والمثييوليين والشفروزيين والبشافيين والتوشيين والإنجليلوشيين وغيرهم ومن هنا جاء هذا السيل من اللهجات.

مكتوبة أم غير مكتوبة:

اللغة الجورجيَّة هي أولى اللغات القوقازيَّة التي تم تدوينها. يختلف علماء اللغات بخصوص الفترة الزمنيَّة التي كُتِبَت بها اللغة الجورجيَّة كما أنهم يختلفون في أصل الخط الذي كتبت به هذه اللغة إلا أنهم يتفقون على أنَّ هذه اللغة كُتِبَت  منذ وقت مبكر وبأشكال مختلفة يرجع البعض منها إلى ما قبل الميلاد. في القرن الخامس الميلادي كُتِبَت بأبجديَّة وُضِعَت  خصْصيِصاً لها بالإعتماد على الأبجديَّة الآرامِيَّة التي إعتمدت بدورها على الأبجديَّة الأوغريتِيَّة  وتم تصميم حروف هذه الأبجديَّة بشكل يشابه حروف الأبجديَّة اليونانيَّة. يضن البعض الآخر بأن هذه الأبجديَّة وُضِعَت بالإعتماد على الأبجديَّة اليونانِيَّة. تَطَوَّرت هذه الأبجديَّة وتمت إضافة العديد من الحروف إليها لتستوعب الأصوات الإضافيَّة المتواجدة في اللغة الجورجيَّة. إستمرت عمليَّة التطور لتُرافق التَطَوَّرات التي حصلت على اللغة الجورجيَّة ذاتها ومَرَّت أيضاً بثلاث مراحل:

ــ المرحلة الأولى، بدأً بتأريخ وضعها في القرن الخامس الميلادي وإستمر إستخدامها حتى القرن التاسع. كانت الأبجديَّة تسمى في هذه المرحلة أبجدية آسومتافرولي (Asomtawruli) أو مرغفلوفاني (Mrgwlowani)، وتسمى أيضاً أبجدية الحروف المدوَّرة. يذهب البعض إلى أنَّ هذه الأبجدية وُضِعَت قبل هذا التأريخ.

ــ المرحلة الثانية من القرن التاسع حتى القرن الحادي عشر، حيث تم تطوير الأبجديَّة القديمة وكذا نوع الكتابة لتصبح حروفها حادة ومستقيمة، أطلق عليها اسم أبجديَّة نُسخوري (Nuskhuri) أو كوتخوفاني (Kutchowani).

ــ المرحلة الثالثة منذ القرن الحادي عشر وحتى الآن. تم تطوير الكتابة الجورجيَّة بعد محاولات دمج النوعين السابقين للكتابة مع بعضهما البعض للتوصل إلى نموذج جديد أطلق عليه في البدأ مصطلح خُوزوري (Chuzuri) تمت فية العودة إلى الأشكال المقوَّسة للحروف وتطويرها وألغيت الفروقات بين الحروف الكبيرة والصغيرة.

أطلِق على هذا النوع الجديد من الأبجَدِيَّة لاحقاً اسم أبجدِيَّة مخدرولي (Mchedruli) وتسمى أيضاً "الأبجدية الكارتفيليَّة" إرتباطاً بالإسم القديم للغة الجورجيَّة وهي الأبجدية المستخدمة في الوقت الحاضر وتتكون من 33 حرفاً يُعَبِّرُ كل حرف فيها عن صوت بعينه. تعتبر أبجديَّة مخدرولي نموذجيَّة حيث أنَّ من ينطق الكلمة بشكل صحيح يتمكن من كتابتها بشكل صحيح أيضاَ.  إنحسر إستخدام النوعان الأول والثاني من الكتابة في القرون الأخيرة في المجال الكنسي فقط لتدوين النصوص الدينية.

تُسْتَخْدَم أبجدية مخدرولي لكتابة اللغة الجورجيَّة وتُكْتَب بها أيضاً اللغات السانيَّة بفرعيها المينغريليَّة واللازِيَّة في جورجيا، بالإضافة إلى اللغة الأبخازِيَّة منذ عام 1938 وحتى عام 1954، كما كُتِبَت بها أيضاً اللغة الأوسيتِيَّة (Ossetisch) للفترة من عام 1937 وحتى عام 1954، واللغة الأوسيتِيَّة تُصَنَّف ضمن مجموعة اللغات الإيرانِيَّة الشماليَّة الشرقِيَّة، أي ضمن عائلة اللغات الهنديَّة الأوربيَّة وهي اللغة الرسميَّة للإقليم المسمى "شمال أوسيتيا ـ آلانيا" (شبة جمهوريَّة مستقلة في جمهورية روسيا الإتحاديَّة) المتاخم للحدود الشماليَّة لجورجيا، بالإضافة إلى منطقة أوسيتيا الجنوبية الواقعة شمال جورجيا.

لغة رسمية أم غير رسميَّة:

اللغة الجورجيَّة هي اللغة الرسميَّة في جمهورية جورجيا ويتكلم بها أكثر من 80% من مواطني هذا البلد، وكذلك اللغة الرسميَّة لجمهوريَّة  "شمال أوسيتيا ـ آلانيا" كما أنها اللغة الرسميَّة لمنطقة أوسيتيا الجنوبية الواقعة شمال جمهورية جورجيا.

معاصرة أم منقرضة:

اللغة الجورجيَّة لغة معاصرة محكِيَّة ومكتوبة.

معزولة أم غير معزولة:

اللغة الجورجيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات أخرى ضمن عائلتها اللغويَّة.

محليَّة أم واسعة الإنتشار:

اللغة الجورجيَّة لغة تنتشر في أكثر من بلد كما مشار إليه أعلاه.

الكود الدولي للغة الجورجيَّة:

ISO 639-1: ka, ISO 639-2: geo/ kat , ISO 639- 3: kat

 

اللغات السانِيَّة

وتضم كل من اللغتين المنغريليَّة واللازيَّة

اللغة المينغريليَّة

اللغة المنغريليَّة: إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الجنوبيَّة/

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الإيبيريَّة أو عائلة اللغات الكارتفيليَّة/

اللغات السانِيَّة/ ومنها اللغة المنغريليَّة.

التسميَّة باللغة الأم:

تُسَمى اللغة المنغريليَّة عند الناطقين بها مارغالوري نينا (მარგალური ნინა margaluri nina)  وكانت تسمى سابقاً الإيفريَّة أو الإغريسيَّة.

تأريخها، نشوئها وتطورها:

اللغة المنغريليَّة هي لغة المنغريلييون المتواجدون في مناطق أوديشي وغورين الواقعة غرب جمهوريَّة جورجيا إلى الشمال من نهر ريوني وإلى الغرب من نهر زقالي وفي مدينة أوتشامشيرا عند البحر الأسود جنوب شرق أبخازيا. خضعت هذه المناطق تحت سيطرة الجورجييون منذ نهاية القرن الحادي عشر للميلاد.

في سنوات 1928 حتى 1938، أي في بدايات تشكيل الإتحاد السوفيتي، إنتعشت اللغة المنغريليَّة وظهرت بعض الصحف والمطبوعات الخاصة بها التي كُتِبَت بالإبجديَّة الجورجيَّة وذلك بعد إن حصل المنغريلييون على حكم ذاتي في مناطق تواجدهم. اللغة المنغريليَّة شديدة الشبه باللغة اللازِيَّة حيث تطورت كلتا اللغتان من اللغة السانيَّة أو كما تسمى أيضاً اللغة الكولشيَّة المنبثقة من اللغة الإيبيريَّة.

مخطوطاتها الأثريَّة:

لا توجد آثار لغويَّة تذكر للغة المنغريليَّة لكونها كانت إلى عهد قريب لغة غير مكتوبة.

أماكن إنتشارها:

تنتشر اللغة المنغريليَّة في المناطق الشمالية من نهر ريوني وفي الوديان العميقة شمال غرب جمهوريَّة جورجيا، أي في مناطق زغديدي، خوبي، سيناكي، آباشا، مارتويلي، تشخوروسكو، زالندشيشا، غالي، أوتشامشيري، غولريبشي و سوخومي على سواحل البحر الأسود.

عدد الناطقين بها:

يتكلم باللغة المنغريليَّة  أكثر من 800 ألف مواطن من المنغريليين في غرب جورجيا وبالتحديد في منطقة منغريليا على السواحل الشرقيَّة للبحر الأسود.

لهجاتها:

هناك ثلاث لهجات مميزة للغة المنغريليَّة هي:

ــ اللهجة السيناكيَّة (Senakisch) في الجنوب الغربي، و

ـ لهجة سامورساقان (Samurzaqanisch) في شرق أبخازيا و

ــ لهجة زغيد سيمورزاقان (zugidisimurzaqanisi) في الشمال الغربي

ويطلق عليها أيضاً لهجة سامورساقان.

مكتوبة/ غير مكتوبة:

اللغة المنغريليَّة لغة غير مكتوبة ولا توجد أبجدية خاصة بها وتُكتب في الوقت الحاضر كغيرها من اللغات الكارتفيليَّة بالأبجديَّة الجورجيَّة.

رسمية/ غير رسميَّة:

 

اللغة المنغريليَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها.

معاصرة/  منقرضة:

اللغة المنغريليَّة لغة معاصرة إلا أنها مهددة بالإنقراض بفعل هيمنة اللغة الجورجيَّة في مناطق تواجدها. لم تحضى هذه اللغة بالإعتراف من قبل الحكومات المختلفة في جورجيا، ومن جهة أخرى يجري التعامل معها وكأنها إحدى لهجات اللغة الجورجيَّة.

معزولة/ غير معزولة:

اللغة المنغريليَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات أخرى ضمن عائلتها اللغويَّة.

محليَّة أم واسعة الإنتشار:

المنغريليَّة لغة محلِّيَّة تتواجد في المناطق الشمالية الغربيَّة من جورجيا في محافظة كوتايس حتى منطقة باطوم.

الكود الدولي للغة المنغريليَّة:

ISO 639-1: --, ISO 639-2: cau , ISO 639- 3: xmf

اللغة اللازِيَّة

اللغة اللازِيَّة:

اللغة اللازِيَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الجنوبيَّة/ وتسمى أيضاً

عائلة اللغات الإيبيريَّة أو عائلة اللغات الكارتفيليَّة/

اللغات السانِيَّة/ ومنها اللغة اللازِيَّة.

التسميَّة باللغة الأم:

تسمى اللغة اللازيَّة عند الناطقين بها باسم *لازوري  نينا* (ლაზური ნენა lazuri nena)، وتسمى أيضاً اللغة التشانيَّة (Tschanisch) أو اللغة الكولخيَّة (kolchisch)، وغالباً ما يستخدم هذا المصطلح للتعبير عن اللغات السانيَّة (المنغريليَّة واللازِيَّة) بالإضافة إلى اللغة السوانيَّة لتمييز هذه اللغات عن اللغة الجورجيَّة.

تأريخها، نشوئها وتطورها:

ترجع المعلومات التأريخيَّة التي تم الحصول عليها بخصوص اللازيين إلى بدايات القرن الخامس للميلاد أي في فترة قيام المملكة اللازيَّة. خضعت هذه المملكة للسيطرة العثمانيَّة في القرن السادس للميلاد وفي القرن العاشر تم إلحاق مناطقهم بالمملكة الجورجيَّة. تطورت اللغة اللازِيَّة من رحم اللغة السانِيَّة في القرن السادس كما تطورت شقيقتها اللغة المنغريليَّة أيضاً. اللغة اللازِيَّة شديدة الشبه باللغة المنغريليَّة فقد تطورتا من لغة واحدة. تتضمن اللازيَّة الكثير من المفردات اليونانيَّة والتركيَّة وتتميز بغنى منظومتها الصوتِيَّة. اللغة اللازِيَّة واقعة تحت تأثير اللغة الجورجِيَّة، ولسيادة اللغة الجورجِيَّة كونها اللغة الرسميَّة في جورجيا ولغة الثقافة والسياسة والتعليم فإنَّ اللغة اللازِيَّة معرَّضة لخطر الإنقراض. يتواجد معظم اللازييون في جمهوريَّة جورجيا ويتكلمون اللغة الجورجيَّة كما تتواجد أعداد منهم في تركيا، وتتعرض اللغة اللازِيَّة في تركيا لنفس المخاطر التي تواجهها في جورجيا وذلك بفعل سيادة اللغة التركيَّة هناك.

مخطوطاتها الأثريَّة:

لا توجد آثار لغويَّة تذكر للغة اللازِيَّة.

أماكن إنتشارها:

تنتشر اللغة اللازِيَّة شمال غرب جمهوريَّة جورجيا في محافظة آرتويني على الضفاف الجنوبيَّة الشرقِيَّة للبحر الأسود وفي أقصى الشمال الشرقي لتركيا في محافظة ريسا.

عدد الناطقين بها:

يتكلم  باللغة اللازِيَّة  قرابة 250 ألف إنسان من اللازيين في جنوب غرب جورجيا وشمال شرق تركيا.

لهجاتها:

تتواجد في اللغة اللازِيَّة الكثير من اللهجات وخاصة في تركيا ومنها لهجة شوبا (Chopa) ولهجة آتينا (Atina) ولهجة آرشافي (Vice-Archavi).

مكتوبة/ غير مكتوبة:

تكتب اللغة اللازِيَّة في جورجيا بالأبجديَّة الجورجيَّة، أما في تركيا فإنها تُكتب حديثاً بالأبجديَّة اللاتينيَّة بالإعتماد على الأبجديَّة التركيَّة.

رسمية/ غير رسميَّة:

اللغة اللازِيَّة لغة غير رسميَّة وغير معترف بها لا في جورجيا ولا في تركيا، وتبعاً لذلك فإنَّ الأطفال اللازييون يتعلمون في المدارس إمّا اللغة التركية أو اللغة الجورجِيَّة إرتباطاً ببلدان تواجدهم.

معاصرة/ منقرضة:

اللغة اللازِيَّة لغة معاصرة إلا أنها مهددة بالإنقراض بفعل هيمنة اللغتين الجورجيَّة والتركيَّة في مناطق تواجدها.

معزولة/ غير معزولة:

اللغة اللازِيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات أخرى ضمن عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار:

اللغة اللازِيَّة لغة محلِّيَّة يتكلم بها اللازييون في منطقة أدشاريو شمال غرب جورجيا على الضفاف الشرقيَّة للبحر الأسود وشمال شرق تركيا. لم يعترف الأتراك باللازيين كونهم أقليَّة قوميَّة ويتعاملون مع لغتهم كونها واحدة من لهجات اللغة التركيَّة.

الكود الدولي للغة اللازِيَّة:

ISO 639-1: --, ISO 639-2: cau , ISO 639- 3: izz

اللغة السوانيَّة أو السوانتِيَّة

اللغة السوانيَّة: إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الجنوبيَّة/ التي تسمى أيضاً

عائلة اللغات الإيبيريَّة أو عائلة اللغات الكارتفيليَّة/ ومنها اللغة السوانيَّة.

التسميَّة باللغة الأم:

تسمى اللغة السوانية عند الناطقين بها *لوشنو نين ლუშნუ ნინ lušnu nin*.

تأريخها، نشوئها وتطورها:

يمتد تأريخ اللغة السوانيَّة إلى ما قبل التأريخ وقد تمت الإشارة إلى السوانيين في كُتُب اليونان في القرن الأول للميلاد كونهم شعب يتمتع بثقافة وإنضباط خلاف ما كانوا عليه  في قرون قبل الميلاد، حيث كانوا يوصفون كومهم رعاة متوحشين وقُطّاع طرق.  ينتشر السوانيون في منطقة مستيا على ضفاف نهري إنغوري ولنتوشي وعلى ضفاف نهر تشنيش ـ زقالي في منطقة سوانيتيا ويمتهنون تربية المواشي وقد تمكنوا من الحفاظ على لغتهم بفعل تمكنهم من الحفاظ على إستقلاليتهم ودفاعهم عن مناطق تواجدهم رغم تعرضهم للغزوات المتكررة من قبل العرب والفرس والأتراك، ولعدم إختلاطهم بالأقوام المجاورة لهم. أنَّ ما تم العثور عليه من بعض الآثار المتعلقة بالسوانيين يمتد تأريخها إلى بدايات القرن العاشر للميلاد فقط. يتواجد السوانيون عند السلاسل الجبلية في جمهوريَّة جورجيا في قرى متنائية وعلى مرتفعات شاهقة. بعد عام 1924 تم إلحاق القسم الأكبر من مناطق تواجدهم بجمهوريَّة جورجيا ومنذ ذلك الحين أصبحت لغتهم تحت تأثير اللغة الجورجيَّة وهي مهددة بالإنقراض نتيجة لذلك. تشتهر اللغة السوانِيَّة بغزارة مفرداتها مقارنة ببقية لغات القوقاز.

هناك صعوبة في التفاهم بين السوانييون والجورجييون بسبب التطورات الواسعة التي طرأت على هاتين اللغتين وما ترتب عليها من إختلافات بنيويَّة جوهريَّة كبيرة. كما تختلف اللغة السوانيَّة عن اللغتين المنغريليَّة واللازِيَّة وهناك صعوبات في التفاهم بين الناطقين بهذه اللغات لذلك يلجؤون إلى اللغة الجورجيَّة كونها لغة تفاهم مشتركة فيما بينهم. يتعلم السوانيون اللغة الجورجيَّة في المدارس ويتعاملون معها كلغة أم. كان السوانييون في فترة الأتحاد السوفيتي يتعلمون أيضاً اللغة الروسيَّة كلغة أم بالإضافة إلى اللغة الجورجيَّة.

مخطوطاتها الأثريَّة:

لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة السوانيَّة لأنها لغة غير مكتوبة.

أماكن إنتشارها:

تنتشر اللغة السوانيَّة في وديان منطقة سوانيتيا ومنطقة تشنيزقالي شمال جورجيا في الشمال الغربي للمرتفعات الجنوبيَّة للقوقاز وفي مناطق ألبروس ومستيا على الضفاف العليا لنهري أنغوري ولنشي.

عدد الناطقين بها:

يتكلم باللغة السوانيَّة قرابة ال 40.000 مواطن من السوانيين.

لهجاتها:

تعددت لهجات السوانين لآسباب تتعلق بتباعدهم عن بعضهم البعض وبفعل تقسيم مناطق تواجدهم في القرن الأخير بين دول الجوار المختلفة. أهم هذه اللهجات هي:

* اللهجات السوانيَّة العليا وهي: ــ بالِش العليا (Oberbalisch) و

ــ بالش السفلى (Niederbalisch) في سهل أنغوري، و

* اللهجات السوانيَّة السفلى وهي: ــ اللنتيشيَّة (Lentechisch) و

ــ اللاشيَّة (Laschchisch) في سهل تشنيزقالي

بالإضافة إلى اللهجة التشولوريَّة في الجنوب.

مكتوبة/ غير مكتوبة:

اللغة السوانيَّة لغة غير مكتوبة، ولا توجد أبجدية خاصة بها، وهناك محاولات لكتابتها بالأبجديَّة الجورجيَّة. يستخدم السوانيون كغيرهم من الناطقين باللغات الكارتفيليَّة اللغة الجورجيَّة لتوثيق لغتهم.

رسمية/ غير رسميَّة:

اللغة السوانيَّة هي لغة غير رسميَّة وغير معترف بها لا في جورجيا ولا في تركيا.

معاصرة/  منقرضة:

اللغة السوانيَّة لغة معاصرة ومحكِيَّة فقط.

معزولة/ غير معزولة:

اللغة السوانيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات أخرى ضمن عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار:

اللغة السوانيَّة لغة محليَّة مهددة بالإنقراض لهيمنة اللغة الجورجيَّة في مناطق تواجدها. يعتبر الجورجييون اللغة السوانيَّة إحدى لهجات اللغة الجورجيَّة وليس كلغة مستقلَّة، ويضن السوانييون بأنَّ لغتهم أعرق من اللغة الجورجيَّة وأنها ذات تراث عريق يمتد إلى الألف الأوَّل ق.م. وإنَّ ثروتها اللغويَّة غنيَّة بمفرداتها التأريخيَّة.

الكود الدولي للغة السوانيَّة:

ISO 639-1: --, ISO 639-2: cau , ISO 639- 3: sva

 

د. محمد شطب

 

محمود محمد عليعندما قام الدكتور فهمي جدعان حقيقة بدراسة قضية خلق القرآن دراسة نوعية، استطاع حقيقة أن يفكك كثيراً من الصور النمطية والنماذج النمطية التي تسود حول هذه المرحلة التاريخية  والقضايا المحيطة بها، ولا سيما في حقيقة في عصر رواجان روايات تاريخية ودينية معينة ذات منظور ديني خاص، واتجاه ديني معين.

كان جدعان يري أن المعتزلة هم المتهمون حقيقة بهذه المحنة، وكانوا في تواطؤ مع السلطة، وهنا نجد جدعان يقول: لقد رد البحث المعاصر إلي المعتزلة قدراً عظيما  من " الاعتبار" الذي يليق بهم . لا بل إن بعض الكتاب المفعمين بروح " العقلانية"  قد أسرفوا في إسباغ الثناء والمديح عليهم حتي لقد تصور بعضهم ان النكبة  التي لحقت بهم قريبا من منتصف القرن الثالث الهجري، وبعد ذلك، إنما كانت نكبة للإسلام نفسه آذنت بأفول العصر الذهبي له ..

وأنا أؤيد ما قاله فهمي جدعان؛ لا سيما وأن للمعتزلة لهم أصول خمسة، وهي التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. فأصل التوحيد لا شئ يشبه الله، فالله لا نظير له وهو الواحد الأحد بلا نظير ولا شريك..  والذين يقولون إن القرآن قديم  والقرآن غير مخلوق .. هذا يعني أن القرآن يشترك مع الله في صفة معينة، وهي صفة القدم، فعندما تقول إن القرآن قديم، فقد أشركت بالله، والإشراك بالله عند المعتزلة معناه الكفر؛ وهنا نجد فهمي جدعان يقول:" ومن الثابت أن القول بالقرآن مخلوق يرجع إلي عهد بعيد جدا عن مبدأ "الامتحان" الذي شهره المأمون في عام 218 هـ، وأن القضية في مبدئها قضية " جهمية"، تجد أصداء قوية لها في بعض الأقوال المنسوبة إلي الإمام الشيعي  جعفر الصادق (ت 148/765م) الذي يعزي إليه أنه أجاب عن السؤال: القرآن خالق أم مخلوق؟ بالقول ليس خالقا ولا مخلوقا، يل هو كلام الله .

إذن المعتزلة لم يكونوا أول من قال بقضية خلق القرآن ولم يكونوا وحدهم، هنا حقيقة اتجاهات ومذاهب وأشخاص كان لهم حضور قالوا بأن القرآن مخلوق، فالمعتزلة هم جزء من مجموعة ومنظومة قالت بذلك، ولكن المعتزلة حقيقة هي التي قدمت الاستدلالات والحجج المتينة القوية والجدالات لتأسيس هذه القضية، مقارنة بالمذاهب أو الاتجاهات الأخري التي كانت تتعرض للتضييق والمحاربة ؛ وهنا يقول الدكتور عبد الكريم الوريكات (الأستاذ بقسم أصول الدين بالجامعة الأردنية): إن فهمي جدعان يحاول ما استطاع أن يبعد هذه النهمة عن المعتزلة، لكن للأسف الشديد المحنة أكبر دليل علي قول المعتزلة وتبني المعتزلة  وتأصيل المعتزلة بل وممارسة المعتزلة لهذه العقيدة بالقول والفعل؛ كما يقول حسن حنفي: إن قضية خلق القرآن ليس رأي المعتزلة وحدهم ولكنه رأي جميع فرق المعارضة حتي تسمح لنفسها بأن تعارض وأن تفسر وأن تفهم وأن تواجه السلطان بعلماء السلطان ومن ثم فهو رأي سياسي بالأصالة ...

وهنا نجد فهمي جدعان يقول:" وحياة المأمون ملحمة من الملاحم مبدؤها الصراع علي الملك الذي كان بينه وبين أخيه محمد الأمين، وقد تفجر هذا الصراع حين أقدم المأمون وهو بخرسان علي خلع الأمين والدعوة إلي نفسه في عام 195هـ . ونجح طاهر بن الحسين ذو اليمنيين، في قتل الأمين ـ وحمل رأسه إلي أخيه بخراسان ، فبايعه الناس بالخلافة وتم ذلك في سنة 198هـ .

من الملاحظ هنا جعل فهمي جدعان  القسم الثاني من الفصل الأول مختصاً بتفسير العلاقة بين المعتزلة والخلفاء العباسيين الثلاثة المأمون والمعتصم والواثق. والمعتزلة الذين ثبت اتصالهم بهؤلاء الخلفاء أو بالمأمون على وجه التخصيص هم أهل الطبقة السادسة والسابعة من المعتزلة يأتي علي رأس هؤلاء ثمامة بن الأشرس (ت 213 هـ) ويليه أبو الهذيل محمد العلاف (ت 235 هـ) ثم أبو أسحق إبراهيم بن سيار النظام (ت 231 هـ) وأبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم (ت 225 هـ) وكذلك أبو موسى عيسى بن صبيح المردار راهب المعتزلة ت (226 هـ) وأستاذ الجعفرين:جعفر بن حرب وجعفر بن مبشر ولاستكمال صورة الروابط بين المعتزلة والمأمون لا بد من الإشارة إلى صلة هذا الخليفة بثلاثة رجال ينسبون كلهم،أو بعضهم إلى المعتزلة هم الجاحظ (ت 255 هـ) وبشر المريسي (ت 218 هـ) وأحمد بن أبي دؤاد (ت 240 هـ) وكتاب طبقات المعتزلة جعل أحمد بن دؤاد والجاحظ من الطبقتين السادسة والسابعة باستثناء بشر المريسي فلا علاقة له بالمعتزلة يقينا مع أن الدكتور جدعان لم يشر إلى ذلك . وكتاب المحنة يبين علاقة هؤلاء بالتفصيل مع المأمون من (ص 65- ص 98) من خلال العرض يتبين وخاصة العرض من خلال علاقة ثمامة والمأمون أن المأمون ليس معتزليا وهذا ما أكده الكتاب انظر (ص 65 – 69) وذلك حسب قول أمين نايف ذياب .

أما القسم الثالث من الفصل الأول وهو آخر قسم في هذا الفصل فأنه مكرس لفحص علاقة أحمد بن أبي دؤاد في المحنة فأحمد بن داؤد متقلدٌ أسمى مناصب الدولة منصب قاضي القضاة ومهام قاضي القضاة جسيمة أولها اختيار القضاة وعزلهم وبالتالي الإشراف على عملية فصل الخصومة سواء بين طرفين مشخصين أو بين طرف مشخص وآخر هو حق الطاعة أو حق الإسلام أو حق الأمة الإسلامية ولا بد من أن ينهض بأعباء وظيفة ولهذا كان لا بد من أن يكون المرجع في الامتحان، وإذ يقوم بذلك فإنما يقوم به حسب مذهبه.

ويذهب الدكتور جدعان إلى أن ابن أبي دؤاد لم يكن متعطشاً للدم والسلطة والقسر، ولا شك انه كان ذا عرق نبيل أبي النفس كريماً، وليس أدل على ذلك من موقفه من أهل الكرخ حين رقق المعتصم حتى أطلق له مالاً قسمه على الناس، فضلاً عن مال عنده،ويخرج الدكتور جدعان في كتابه المحنة قائلاً " والمدقق في وقائع المحنة يتبين بوضوح أن أحمد بن أبي دؤاد كان يحاول دوماً التخفيف من حدتها والبحث عن الوسائل المجدية من أجل ذلك " وينفي الدكتور جدعان أية علاقة لأبي جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي (ت 240 هـ) والذي أعجب به المعتصم إعجابا شديداً فقدمه وأوسع عليه، ومع هذا فلا علاقة له بالمحنة ومع رحيل المعتصم سنة (227 هـ) وتولي الواثق (227- 232 هـ) لا يشك الدكتور جدعان أن علاقة احمد بن أبي دؤاد بالواثق هي نفس علاقته بالمعتصم أي علاقة الوظيفة لا غير، فلماذا يتحمل المعتزلة ولم يكونوا خلفاء الدولة، بل أن أكثرهم على عدم ولاء للدولة إلى حد القطيعة، والذين اتصلوا بخلفاء الدولة إنما اتصلوا بحكم الوظيفة، أو بحكم الإعجاب بهم . أو بحكم حضور جلسات الجدال في أيام المأمون، ولم يكن ما أصاب ابن أبي دؤاد وأهله من محن على يدي المتوكل، راجع إلا لأنهم كلهم سواء بالاهتمام بالحفاظ على سلطتهم السياسية وفي سبيلها ولا جلها يكون ما يظهر من مواقف عقدية، وذلك حسب قول أمين نايف ذياب ..

ويعنون فهمي جدعان الفصل الثاني ويستغرق الصفحات من (111- 187) وهو هنا يؤرخ للمحن كواقع تاريخي (المقصود بالمحنة امتحان الفقهاء والقضاء وأهل الحديث بل والشهود بمقولتهم في القرآن) ومن تعرض لمثل هذا الامتحان من الكثرة منهم من يذكر التاريخ ومنهم من لا يذكره فعلام ارتباط المحنة بأحمد بن حنبل دون غيره ؟ مع أن المصادر التاريخية تجمع على أنه لم يجلد أكثر من (68) سوطاً على ثلاث فترات لقد استطاع الأعلام الحنبلي الميكا فيلي أن يضخم صورة تلك المحنة بحيث ارتبطت بأحمد بن حنبل، والقارئ للمحنة (كما جمعها ابن عمه وتلميذة حنبل بن اسحق) يدرك الفجوات الواضحة والكثير في سياق هذه المحنة، وهذا وحده كاف كدعوة للدخول إلى دراسة دواعي المحنة ورجالها الفصل الثالث في كتاب المحنة الذي يستغرق الصفحات من (187 – 263) وهي دراسة تركز على رسائل المأمون في محاولة لاكتشاف الدواعي من خلال الوعي على المعطى التي تقدمه تلك الرسائل ولاكتمال الصورة، وجه الكتاب النظر إلى الممتْحَنين من حيثُ واقعهم العقدي وواقعهم العملي، ولقد ركز المأمون في رسائله على بيان الصور القاتمة في واقعهم العملي، وقد بلغ عدد من توجهت الدراسة إليهم أربعون شخصاً يتوزعون على العراق والشام ومصر ويتوزعون من ناحية أخرى على أهل الحديث وأهل الرأي والفقهاء وواحد منهم هو عم الخليفة المدعو إبراهيم بن المهدي ليس من هؤلاء .

وفي آخر الفصل الثالث يحاول الكتاب بناء صورة لفكر المأمون وعقيدته مع أن المادة المتيسرة لمثل هذه الدراسة قليلة ولا تفي بالغرض، ويتعرض من خلال الهامش ص (233- 235) لنظريات تفسر الدواعي التي أدت إلى قيام المأمون بجعل الإمام الثامن للشيعة الاثنا عشرية وليا لعهده، ويخرج الكتاب بصورة عقدية وفكرية وواقعية تخالف ما استقر في الأذهان عن المأمون وليس من وجاهة نقل صورة عن الممتحنين من مصادر تعد في موقع التحيز لهم .

أما الفصل الرابع وهو أهم فصول الكتاب بل تعتبر الفصول السابقة مقدمة له والذي يعنونه الدكتور باسم تسويات لحساب التاريخ ص (267 – 290) فهو يكشف عن واقع دور المعتزلة في المحنة، معلناً أن لا علاقة للمعتزلة في هذه المحنة، ويكشف حقيقة أهل الحديث ـ وخاصة أبو مسهر الدمشقي وأحمد بن حنبل ـ وقيام سلطة لهم من خلال العامة موازية للسلطة، بل والتهديد الفعلي لها، وأنهم أصحاب هوى أموي، وقد شارك أبو مسهر بالذات في الثورة مع السفياني (195- 198 هـ) ورغم القضاء على ثورة السفياني ومرور عقدين عليها إلا أن المأمون يكشف عام (217 هـ) أثناء زيارة لدمشق استمرار الهوى الأموي فيها مما جعله يدرك الخطر، خطر أهل الحديث إدراكاً واقعياً ويشعر قارئ هذا الفصل بمقدار كبير من الإثارة، وذلك حسب قول أمين نايف ذياب .

ويختم الكتاب في الفصل الخامس بعنوان جدلية الديني والسياسي ص (293 – 359) ليرى أن قضية المحنة محكومة بالصراع على سلطة، وهي هنا بالتأكيد الصراع بين الديني والسياسي، ولكن الدكتور لا يبين لنا الفروق الواضحة بين ما هو سياسي وبين ما هو ديني، وهل من الحكمة أن تتكون حدوداً فاصلة بين ما هو ديني وبين ما هو سياسي؟! ؛ وذلك حسب قول أمين نايف ذياب .

إذ لا شك أن أحدهما يؤثر في الآخر على وجه ما، وإذا كانت غاية الديني الآخرة من خلال الالتزام بالدين، فإن غاية السياسي الإسلامي السلطوي الآخرة من خلال إحسان العمل السياسي، طبعا المقصود السياسي الراشد، لقد نقلنا الدكتور في كتابه القيم ضمن رحلة شيقة في التاريخ من خلال المراجعة للمحنة ومحاولة الوصول للأسباب المختفية وراءها وهذا ما يحاول الكتاب إبرازه وبيانه جلياً واضحاً لحساب التاريخ كما قرر الدكتور في مدخله والكتاب بعد ذلك ملئ بالحوادث المتشابكة والمعقدة ويحوي قائمة طويلة من أسماء الإعلام بلغت (718) اسماً منها ما يذكر عشرات المرات، أما المراجع العربية فقد بلغت 164 مرجعا وبلغت المراجع غير العربية 27 مرجعا وقام بفهرسة لأسماء الفرق وأهل المقالات والمذاهب الإسلامية أو غير إسلامية وبلغت (45) فرقة منها ما ذكر عشرات المرات ولم يفهرس للاماكن وللآيات والأحاديث والأشعار .

والفكرة المحورية التي أرادها فهمي جدعان في دراسته القيمة هذه هي بيان صراع السلطة السياسية مع سلطة موازية تعتمد على العامة هي سلطة الديني أي سلطة أهل الحديث خاصة. فهما أي السلطة السياسية والسلطة الدينية طرفاً المحنة ومع الإشارة للعلاقة ما بين ثورة السفياني (195- 198) وسلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للوقوف أمام الفوضى في بغداد أثناء صراع الخليفتين الأمين والمأمون، وإذ تتوجت أعمال أهل الحديث بثورة أحمد بن نصر الخزاعي ومقتله بيد الواثق على تلك الصورة سنة (231 هـ) انتهي خطر أهل الحديث، ولهذا أصبحت الأجواء مهيأة لإعلان الانقلاب والعودة لرأي أهل الحديث في المسائل العقدية التي آثارها المعتزلة وخاصة مسألة خلق القرآن ولهذا ما أن توفي الواثق حتى أعلن أخوه المتوكل قراره بمنع المناقشة والمجادلة في تلك المسألة وغيرها، مع إبقاء أحمد بن حنبل وهو من أهم مراكز الخطر على الدولة العباسية في حالة سجن شرف في سامراء دون تمكينه من العودة لتحديث العامة تلك التي شكلت قلقا دائماً للمأمون .

والختام اللائق بهذا العرض القاصر عبارة أوردها الدكتور جدعان في بداية مدخله للكتاب إذ قال " وليس يخفى على أحد أن مسألة محنة خلق القرآن قد احتلت مكاناً فسيحاً في مصادرنا العربية وفي حياتنا الثقافية الاتباعية والحقيقة أن الذي بتابع الوقائع وينظر إليها من أجل الفهم فإن عليه أن يعد نفسه لحالة من الإعياء الشديدة.

وأخيراً هل في فتح هذه المسألة من جدوى أو نفع لأحد والجواب؟ إن الضرورة تحتم فتح هذه المسألة ليس لإشكاليتها العقدية في موضوع العدل، ولأهميتها في موضوع التوحيد وليس لحساب التاريخ أيضاً بل لضرورتها كمشكلة لا تزال تثير الشقاق بين الفرق الإسلامية المتواجدة والموزعة على العالم العربي ولقد كانت هذه المشكلة محوراً من محاور التكفير للإباضية في رسالة من ابن باز لطالب عربي يدرس في الولايات المتحدة مما حدا بالشيخ أحمد الخليلي أن يقوم بإصدار كتاب يعالج المسائل الثلاث: الرؤية وخلق القرآن وخلود العصاة من زاوية خلافية.

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

المراجع

1- أمين نايف ذياب: قراءة عجلى في كتاب المحنة " للدكتور فهمي جدعان " (مقال).

2- محمد يسري: محنة "خلق القرآن"... الخلاف العقائدي الذي استغله العباسيون لتعزيز سلطتهم (مقال).

3- محمد العبدالكريم: جدلية الديني والسياسي (مقال).

 

هاني عبدالفتاح شورةتراثنا فى فقه الخطاب الدعوى تراث أصيل ، ضارب بجذوره فى عمق الثقافة الاسلامية، وقد تم التأسيس لهذا الخطاب بقوله تعالى (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى احسن ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيل وهو اعلم بالمهتدين) ولو لم يكن هناك مرجع فى الخطاب الدينى سوى هذه الأية لكانت كافية فى بيان ماهية الخطاب الدينى المتوازن ولكانت ايضا فاضحة لواقع كثير من الخطباء الذين يعتلون المنابر او يطلون على شاشات التلفاز او تأتينا أصوتهم عبر أثير المذياع أو من يكتبون فى الصحف والدوريات فى وقت اصبح فيه الخطاب الدعوي خطابا ميكافيلليا لا يعبء بحال المخاطبين بقدر ما يعبء بالحصول على اعجاب الجماهير . بالعودة الى قوله تعالى من سورة النحل "ادع الى سبيل ربك ....." نجد ثمة اجماع بين جمهور المفسرين انها نزلت على النبى –صلى الله عليه وسلم-  بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمر الله –عز وجل- له أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، اذا فهذه الاية انما نزلت لتوجيه المسلمين الى صيغة وطبيعة الخطاب مع غير المسلمين وان كان الامر كذلك فانها بين المسلم والمسلم أولى .

نلحظ فى هذه الاية ايضا ان الضابط الاصيل فى الخطاب الدعوى ركيزته "الحكمة" ويكفينا ان نقف عند معناها اللغوى فهو كفيل بتقريب الصورة الى الاذهان فالحكمة – بكسر الحاء والكاف – مأخوذة من كلمة الحكمة – بفتح الحاء والكاف- وهى الحلقة التى توضع فى فم الدابة فتمنعها من العبث اثناء سيرها، وقياسا لهذا المعنى اللغوى على حال الخطباء او العاملين فى حقل الدعوة بشكل عام معناه ان يكون لدى الداعيه بصيرة نافذه تجعله يحدد الاولويات قبل الخوض فى اطروحته، ثم يحدد الاسلوب الذى يتناسب مع حال المخاطبين وخلفياتهم الثقافية حتى لا يتحول خطابه الى مجرد جعجعة لا طائل من ورائها ولا فائدة.

على مدار اعوام طويلة مضت كدنا ان نصاب بحالة من الغثيان وذلك لانحراف الخطاب الدينى عن مساره الصحيح اما الى تشدد بغيض يتنافى مع الطبيعة السمحة للاسلام  وينم عن سوء فهم للنصوص، واما الى ميوعة لا يرجى من ورائها سوى اتباع الهوى، والاسلام برىء من هذين النوعين الذين لا يقل احدهما خطورة عن الاخر، مما جعل تنقية التراث ضرورة ملحة للتخلص من حالة التشويش التى لا ينجو منها المثقف او العامى، ولا يخفى ان تجاهل هذا المطلب قد يعطى ذريعة للمتطرفين لارتكاب أعمال تتنافى مع روح الاسلام بدعوى موافقة ما يرتكبون لاحداث او اخبار اوردتها كتب التراث كما هو الحال عندما احرقت داعش – دولة الخلافة الاسلامية –(المزعومة)!! فى العراق والشام – الطيار الاردنى معاذ الكساسبة حيا بدعوى ان ابا بكر الصديق تعامل بذات المنطق مع المرتدين بشاهد احراقه للفجاءة السلمى الذى اتى اليه يطلب سلاحا ورجالا لمحاربة المرتدين فجهز الصديق معه جيشا فراح يحارب المسلمين والمرتدين معا ويسلب اموالهم، فأرسل الصديق من خلفه جيشا فأوقعه فى الاسر ثم أمر باحراقه حيا  وهذا الرواية لا تصح على الاطلاق لان ما جاء فيها يتنافى اولا مع السمات الشخصية لابى بكر الصديق الذى كان يوصف بأنه رجل رقيق لا يميل الى العنف والشاهد فى ذلك ان النبى صلى الله عليه وسلم  استشاره فى غزوة بدر فى أمر الاسرى فما كان منه الا ان قال  "يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا" ثم ان رواية احراقه للفجاءة السلمى هى رواية باطله مدار سندها -كما يقول علماء الحديث- على "علوان بن دَاوُدَ البجلي" وهو رجل مطعون في روايته، قال الحافظ بن حجر في لسان الميزان: "قال البخاري: علوان بن داود- ويقال بن صالح- منكر الحديث". كما علق الحافظ نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد على هذه الرواية بقوله: "رواه الطبراني وفيه علوان بن دَاوُدَ البجلي وهو ضعيف وهذا الأثر مما أُنكر عليه". وروى العقيلي في "الضعفاء الكبير" عن يحيى بن عثمان أنه سمع سعيد بن عفير يقول: "كان علوان بن داود زاقولي من الزواقيل" والزواقيل هم اللصوص، اذا فهذه الرواية مدسوسة على كتب التراث ولعل من دسها كان يقصد الصاق هذه التهمة بابى بكر الصديق لحاجة فى نفسه، وعلى الرغم من ذلك اعتبر الدواعش هذه الرواية من المسلمات حتى يبرروا فعلتهم التى لا يقبلها عقل ولا يتلقاها قلب سليم، مما يجعل تنقية التراث من اولى اولويات اصلاح الخطاب الدعوى ولا خلاف ان المنوط بالقيام بهذا الواجب هو الازهر الشريف وذلك لانه هو المؤسسة الرسمية وايضا لانه يمتلك اليات الوسطية التى تمكنه من القيام بعمله على اكمل وجه وذلك بنص القانون الذى يقرر فى مادته رقم 103 لسنة 1961م بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التى يشملها نصوصه، ألزم مجمع البحوث الإسلامية وحده بهذه المهمة، حيث أصبح «مجمع البحوث الإسلامية هو الهيئة العليا للبحوث الإسلامية التى تقوم بالدراسة فى كل ما يتصل بهذه البحوث، وتعمل على تجديد الثقافة الإسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب وآثار التعصب السياسى والمذهبى، وتجليتها فى جوهرها الأصيل والخالص، وتوسيع نطاق العلم بها لكل مستوى وفى كل بيئة، وبيان الرأى فيما يجد من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتعلق بالعقيدة، وحمل تبعة الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة".

واختيار الازهر للقيام بهذه المهمة ليس اختيارا عشوائيا، وانما هو اختيار دقيق لما هو ثابت من تمسك الازهر بمبدأ الوسطية التى هى جوهر هذا الدين، والتى كان من اسوأ نتائج تجاهلها افراز فريقين متصارعين كلاهما يريد ان يجر الازهر الشريف الى دائرة الصراع ويستميله الى جانبه حتى يضفى على مشروعه شيئا من الشرعية، يتفق هذان الفريقان فى شىء ويختلفان فى اشياء، وربما كان القاسم المشترك بينهما هو الخلط بين المقدس والتاريخى مع وجود حالة من التشويش فيما يخص مصطلح "التجديد"   وتحديد اولوياته، الفريق الاول هو فريق المحافظين او ان شئت فقل الأصوليين الذين يرون التراث مقدسا على الجملة لا يصح التخلى عن شىء منه، بل يتأولون للضعيف حتى يصير قويا، ويساندون المعوج حتى يبدو للعيان مستقيما، ويبدو ان توجه الاصوليين نابع من تلك الحالة النفسية التى تنتاب البشر فى تعلقهم بماضيهم وحنينهم واشتياقهم اليه الى درجة عدم قبولهم بالتخلى عن اى من اجزائه مهما كان قاسيا او مخالفا! فكل انسان ينظر الى ماضيه متندرا عليه مكنا له الاجلال والاحترام الذى قد يتحول مع الوقت الى تقديس لا يقبل المفارقة او التخلى، وقد اوهم هذا الفريق قطاعا عريضا من الناس ان ثمة عداوة بين الدنيا والاخره وبين الدين والعقل، وقد كان من نتائج هذه الحالة الشعورية لدى الاصوليين النظر الى مقولة التجديد على انها مقولة سيئة السمعه، وان ما خفى من مضامينها اسوأ بكثير مما يبدو للعيان، مع ان التجديد هو سنة الحياة، وقد شاءت ارادة الله عز وجل للبشر ان يدركوا هذه السنه دون عناء، فالشمس حين تنشر شعاعها كل صباح لتغمر الكون بالنشاط والحركة، وحين يتمطى القمر كل ليلة ليعلن حالة السكون والاسترخاء، وبقليل من التامل لجريان النهر الذى لا ينزله المرء مرتين لهو أقوى دليل على أن التجديد هو قانون الوجود، وبالبحث فى جذور هذا الاتجاه ومنطلقاته الفكرية اضافة الى مبرراته وجدنا كلاما نفيسا لوزير الاوقاف الاسبق الدكتور حمدى زقزوق -رحمه الله- حين أرجع منطلقات هذا التيار الى الظروف التى عاشتها الامة الاسلامية بعد أفول شمس الحضارة فى الاندلس اضافة الى الاطماع الاستعمارية فى العالم الاسلامى وفى ثرواته، ومن شدة خشية التيار المحافظ على الدين من الضياع تمسك بالقديم وعض عليه بالنواجذ، واغلق الابواب والعقول حتى لا تستقبل أى جديد ثقافى وافد قد يزعزع اركان العقيدة ويتسبب فى ضياع تراث الامة، ويعمل على محو شخصيتها، وقد كان لهذه العزلة الثقافية وهذا الانغلاق الحضارى اثار سلبية عمقت الانغلاق الفكرى والتخلف الحضارى وتجلى ذلك بوضوح فى العديد من المظاهر التى تعبر جميعها عن مدى تخلف الفكر الدينى فى محيطنا الاسلامى الى يومنا هذا.

وقد كان من ابرز مظاهر هذه الحالة اغلاق باب الاجتهاد وتعطيل العقل،ولا يخفى ما للاجتهاد من منافع فى تجديد حركة الحياة ووصل الحاضر بالماضى، والعمدة فى الدلالة على هذا المعنى ما صح ان النبى صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ بن جبل الى اليمن قاضيا سأله يريد ان يطمان الى سلامة العقل المسلم فى التعامل مع النصوص فقال " بماذا تقضى اذا عرض لك قضاء؟ قال: بكتاب الله قال : فان لم تجد فى كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله قال فان لم تجد؟ قال أجتهد رأيي ولا آلو. والسؤال : ما هو الحال اذا عرضت للامة الان مسألة لم يأت بيانها تفصيلا  فى كتاب الله أو فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل المطلوب الاخذ باجتهاد معاذ بن جبل رضى الله عنه! ام الاخذ باجتهادات اهل الزمان من العلماء الراسخين فى العلم، مع مراعاة طبيعة الزمان والمكان!

من مظاهر هذه الحالة ايضا اختزال الاسلام فى الشعائر التعبدية مع المبالغة فى الحديث عن الغيبيات والمبالغة فى التبديع ايضا، اضافة الى التقليد الاعمى للسابقين مع ان الاسلام كما يقول الاستاذ محمد عبده " أنحى علي التقليد، وحمل عليه حملة لم يردها عنه القدر، فبددت فيالقه المتغلبة على التفوس، واقتلعت اصوله الراسخة فى المدارك، ونسفت ما كان له من دعائم واركان فى عقائد الامم، صاح بالعقل صيحة ازعجته من سباته، وهبت به من نومة طال عليه الغيب فيها، وجهر بأن الانسان لم يخلق ليقاد بالزمام، ولكنه فطر على ان يهتدى بالعلم والاعلام، أعلام الكون ودلائل الحوادث.

وفى ذلك اضرب مثالا لقضية اخذت من جهد المسلمين اكثر مما اعطت وانشغل الناس بها عما هو اسمى فى ادارة حركة الحياة وعجلة الانتاج، وكانت محل خلاف كبير يذدرى الناس بعضهم بعضا بشانها وهى قضية اسبال الثياب، وهى من القضايا الفرعية التى ما كان ينبغى الانشغال بها والاستغراق فى استقصائها، وانا هنا اذكر تعليقا لثلاثة من اقطاب الاصولية فى العصر الحديث فى مؤلف لهم يشرحون أحاديث رياض الصالحين للنووى (رحمه الله)، وهم يعلقون على بعض احاديث النبى (صلى الله عليه وسلم) التى جاءت فى شأنها، فأوردوا فى هذه المسالة جملة من الاحاديث اذكر منها :

- ما رواه ابو هريرة (رضى الله عنه) عن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال ما اسفل من الكعبين من الازار ففى النار. رواه البخارى

- ما رواه  ابو ذر (رضى الله عنه) عن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر اليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم قال: فقراها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثلاث مرات قال ابو ذر خابو وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. رواه مسلم.

 - ما رواه ابو هريرة (رضى الله عنه) ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لا ينظر الله يوم القيامة الى من جر ازاره بطرا .متفق عليه.

- ما رواه ابن عمر (رضى الله عنه) ان النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله اليه يوم القيامة فقال ابو بكر الصديق يا رسول الله ان ازارى يسترخى الا ان اتعاهده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انك لست ممن يفعله خيلاء. رواه البخارى

- ما رواه ابو هريرة قال بينما رجل يصلى مسبل ازاره قال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ ثم جاء فقال اذهب فتوضا فقال له رجل يا رسول الله مالك امرته ان يتوضأ ثم سكت عنه؟ قال انه كان يصلى وهو مسبل ازاره وان الله لا يقبل صلاة رجل مسبل. اخرجه ابو داوود وهو ضعيف.

وحديثا ابن عمر وابى هريره كانا كافيان تماما لانهاء المسالة واغلاق بابها وذلك لوضوح علة النهى فى الحديث وهى الخيلاء و البطر ومع ذلك ففى شرحهم لهذه الاحاديث تم المرور سريعا على حديث ابى بكر، مع الاكتفاء بتضعيف قول النووى رحمه الله بتحريم الاسبال خيلاء وكراهيته لغير الخيلاء، ولم يتم الالتفات الى رواية ابى هريرة على الاطلاق، ثم جاء التعليق الصادم وانا انقله هنا نصا كما جاء فى الجزء الثانى من الكتاب ص 562 الفقره الخامسه " والصحيح انه حرام – اى الاسبال- سواء كان لخيلاء ام لغير خيلاء، بل الصحيح انه من كبائر الذنوب لان كبائر الذنوب : كل ذنب جعل الله عليه عقوبة خاصة به وهذا عليه عقوبة خاصه، ففيه الوعيد بالنار اذا كان لغير الخيلاء، وفيه وعيد بالعقوبات الاربع اذا كان خيلاء، لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر اليه، لولا يزكيه، وله عذاب اليم" ثم جاء التعليق على الرواية الثانية لابى هريرة وهى رواية المسبل فى الصلاة ومع القطع بضعفها، الا ان الشارحين الثلاثة افردوا لها صفحة ونصف، ليختموا حديثهم فيها بحالة من الحسرة على ضعف هذا الحديث بقولهم " وهذا الحديث لو صح لكان فاصلا فى النزاع، لكنه ضعيف....!

فهل هذا من الاسلام الذى اتى بالتيسير على الناس ورفع الحرج عنهم؟ وهل هذه هى الصورة التى نريد ان ننقلها عن هذا الدين، انه دين يتوعد اتباعه يوم القيامة بالعذاب الاليم لاى سبب سواء من باب العبادات او العادات ! لا شك ان مثل هذه الاطروحات تسىء الى هذا الدين العظيم، وهى لا شك كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذب فى اختلاق النصوص وكذب تحميل النص الصحيح ما لا يحتمل.

العجيب فى الامر ايضا ان بعض المعاصرين يحاول أن يقصر فهم وتدبر القران على سلف الامة (رضى الله عنهم) دون غيرهم، مع تعطيل لحركة التفسير وقصرها على تلك المؤلفة فى القرون الاولى بحجة ان السابقين قد استقصوا القران ومعارفه ولطائفه، ولم ينقصوا منها شيئا!! وقد أطلق هؤلاء قولا،جعلوه قاعدة عامة وهو قولهم: ما ترك الاول للاخر" مع ان هذا يتعارض مع كون العقول تتفاوت فى تلقيها وادراكها وتحليلها والنبى (صلى الله عليه وسلم) يقول "من يرد الله به خيرا يفقه فى الدين وانما انا قاسم والله يعطى ولن تزال هذه الامة قائمة على امر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتى امر الله" صحيح البخارى،  كما أن تلك الدعاوى من شأنها ان تجمد القران الكريم عند زمان محدد ووقت محدد وهذا يتعارض مع طبيعة التطور المكانى والزمانى الذى يتطلب تفسيرات بل وحلول لكثير من المشكلات المعاصره .

اما الفريق الثانى فهو الذى يمثل تيار الحداثة، وهذا التيار تكون فى ثلاث حقب متباعدة:  الحقبة الاولى تزعم لوائها جلال الدين السيوطى وهو من أبرز معالم الحركة العلمية والدينية والأدبية في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري وله أرجوزة مشهورة سماها "تحفة المهتدين بأخبار المجددين" بين فيها أسماء المجددين من القرن الأول إلى القرن التاسع الهجري وغيره كثيرون واما الحقبة الثانية فمثلها جلال الدين الافغانى وتلميذه محمد عبده والشيخ شلتوت والفليسوف الجزائرى مالك بن نبى وهو يستحق التوقف عنده قليلا فقد كانت جهوده في بناء الفكر الإسلامي الحديث وفي دراسة المشكلات الحضارية عموما متميزة، سواء من حيث المواضيع التي تناولها أو من حيث المناهج التي اعتمدها في ذلك،وهو أول باحث يحاول أن يحدد أبعاد المشكلة، ويحدد العناصر الأساسية في الإصلاح، ويبعد في البحث عن العوارض، وكان كذلك أول من أودع منهجا محددا في بحث مشكلة المسلمين على أساس من علم النفس والاجتماع وسنة التاريخ.

 لهؤلاء المجددين -السالف ذكرهم- فى شأن التجديد جهد عظيم يستحق الرجوع اليه والاهتداء به، واما من اتى من بعدهم وهم الذين يمثلون الحقبة الثالثة فجهودهم اقل من أن تذكر فى هذا الموضع ومحاولاتهم محاولات هزيلة وخبيثة فى كثير من الاحيان ولا تستحق الالتفات اليها او الوقوف عندها، اضافة الى ان هذا التيار يلقى مقاومة ورفضا على نطاق واسع، فالسواد الاعظم منه من غير ذوى الاختصاص، ويكفى فى العزوف عن اطروحاتهم اعتقادهم انه ما من سبيل لتصحيح المفاهيم الا باضرام النيران فى كتب السنة بل فى كتب التراث جميعا بلا استثناء، وان نجعل القران هو الحكم الوحيد فى ادارة عجلة الحياة، وهذا لا شك اجتراء كبير، وسوء فهم لوظيفة السنة النبوية المطهرة فى تقريب البعيد وتوضيح الغامض، وحجتهم فى هدم التراث المقارنة بين مجتمعات مسلمة مازالت فى طور النمو ومجتمعات غربية اخترقت الفضاء دون الحاجة الى صحيح البخارى ومسلم، ولا يعنيها الفارق بين الوضوء التيمم، وهذه المقارنات هى مقارنات جائرة لا اظن الغاية من ورائها المقارنة بين مجتمعين بقدر ما هى مقارنة بين ايمان والحاد، وبين تحرر مطلق وقيود مشروعه، والدليل فى ذلك ان هذه المجتمعات المتهمة بالتخلف والرجعية هى ذاتها التى وضعت اول لبنة فى طور التنمية البشرية، وان هذه المجتمعات المسلمة هى التى انجبت الخوارزمى الذى لولاه لما استطاع من يدعى ذلك كتابة او طباعة الورقة التى يقرأ منها عن تخلف المسلمين ورجعيتهم.

ختاما فان التراث هو بالأساس منتج بشرى قد يخضع فى كثير من الاحيان للانطباعات الشخصية أو الانفعالات الداخلية او لطبيعة العصر الذى أنتج فيه، ونحن لا ننكر أن فى تراثنا سواء التفسيرى او الحديثى أو الفقهى أو حتى التاريخى كثير مما يجب العناية بمراجعته وتنقيته مما علق به خاصة بعد القرون الثلاثة الاولى نتيجة لحركة الصراع المذهبى والفكرى التى انهكت قوى المسلمين وشغلتهم عن حركة التطور والعمران لقرون متعاقبة، وكان نتيجة لذلك هذا الكم الهائل من المرويات الضعيفة والموضوعة والمكذوبة التى لا تقل شانا عن النفايات الخطرة التى يجب التخلص منها واهالة التراب عليها. والتراث في نظر الإسلام غير مقدس، فالفقه والتفسير، وكذلك العلوم المتعلقة بالقرآن والسنة، كل ذلك ليس بمقدس؛ لأنّه من فعل البشر. ومن هنا فكل ما هو تراث قابل للمراجعة وغير متسم بالعصمة، على خلاف النّص القرآني الكريم، والسنة الشريفة، ونفى القداسة عن التراث لا يعني الاستهانة والاستخفاف به، او ان نطرحه جانبا، بل ان الواجب هو العناية به وتنقيته مما علق به، ولا نخفى ان محاولات فردية كثيرة جرت فى هذا المضمار تاليفا وشرحا وتحقيقا، لكن يبقى العمل المؤسسى هو الحل الناجع من خلال تشكيل هيئة مستقلة من العلماء الربانيين الذين يتميزون بروح التجديد المنبثقة عن أصالة في الفكر والانتماء. تضم هذه الهيئة كافة التخصصات الشرعية والادبية والمدنية تحت مظلة الازهر الشريف، يكون دورها التوسع فى حركة التحقيق والمراجعة، واصدار الموسوعات العلمية، وان تكون الخطط البحثية لجميع الاقسام بالكليات الشرعية والادبية –للعشر سنوات المقبلة على الاقل- هى شرح وتحقيق التراث وتنقيته مما علق به، مع تحقيق للوقائع التاريخية، وتشخيصها، وتوصيفها، ومناقشتها، وربط الحاضر بالماضى بغية خلق حالة من الوعى لدى الانسان تمنحه القدرة على التحرر من سلبيات التاريخ وتساعده في التمييز بين ما هو تاريخي وما هو مقدس.

 

دكتور/ هانى عبد الفتاح شوره

أكاديمى مصرى

مدرس بكلية التربية

 

علي اسعد وطفةتوطين المعرفة وتأصيلها خليجيا عربيا؟

تكمن قوة أمة ما في قدرتها الإبداعية وهذا قول لا يختلف عليه مفكران في العالم المتحضر، فعندما تباشر أمة من الأمم فعلها الإبداعي ستكون قادرة بالضرورة على تسنم مركب الحضارة في أرقى تجلياتها. أما التقليد فهو انتحار كما يقول مارفا كولنز. فالأمم التي اعتمدت الابتكار منهجا هي الأمم التي تسود عالم اليوم، وتفرض هيمنتها الحضارية فيه، ويقابل ذلك أن الأمم التي تعتمد التقليد الجامد للغرب، والاستهلاك السلبي للمعرفة العلمية، ما زالت حتى اليوم تتخبط في الدرك الأسفل من الحضارة الإنسانية. فلم يعد المال تلك القوة التي تفرض الحضارة كما تؤكد كل الدراسات والبحوث العلمية ولم يعد العنصر الحاسم في التحضر والتقدم إذ تنحى وترك مكانه للإبداع والابتكار والإنجاز في العلم والمعرفة العلمية والتكنولوجيا. ولم يعد يكفي اليوم نقل المعرفة والتكنولوجيا لتشكيل الحضارة بل أصبح توطين المعرفة بالإبداع والتجربة هو السبيل الأعظم للنهضة الحضارية والقوة الاقتصادية. فالدول التي تمتلك الثروات الاقتصادية الخام لم تحقق ثراء وقوة اقتصادية مثل أغلب الدول النامية المنتجة للنفط والذهب والغاز، وبالمقابل فإن الدول التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية هي الدول التي انتفضت وسادت وتطورت بفضل العلم والمعرفة والابداع في البحث العلمي مثل سنغافورة وماليزيا وفنلندة والسويد واليابان وهونغ كونغ والصين.

هذه الدول التي حققت مجدها الاقتصادي ونهضتها الحضارية هي الدول التي استفادت من تجارب الغرب فتعلمت منه وأضافت إلى المعرفة بالمعرفة الإبداعية واعتمدت الابتكار منهجا وطريقة إلى المجد الحضاري. وهذا هو الفارق بين الدول التي تقدمت وبين الدول العربية التي تخلفت لأنها لم تعتمد العلم والابتكار وتوطين المعرفة منهجا حضاريا. ونجد هذه المعادلة واضحة في فلسفة مالك بني نبي عندما يحاول تفسير الفرق بين نهضة اليابان وسقوط العرب في المستنقع الحضاري بقوله: « إن اليابان وقفت من الحضارة الغربية موقف التلميذ ووقفنا نحن العرب والمسلمين موقف الزبون، واليابان استوردت من الحضارة الغربية المعارف بوجه خاص واستوردنا نحن منها البضائع الاستهلاكية". ففي التقليد مقتل الأمم ومصرع الحضارات لأن التقليد يشكل حضارة المستنقعات بينا يؤدي الإبداع وتوطين المعرفة إلى تفجير الطاقات والينابيع الثرة للحضارة لأنه وكما يقال في الإبداع تكمن حياة الأمم وتسطر أمجادها وفي التقليد يرتسم موتها وفناؤها.

إن أحد أهم وأخطر عوامل تخلف المجتمعات العربية يكمن في مجافاة العلم ونبذ الإبداع ورفض العمل على توطين المعرفة العلمية. فالعرب يستوردون المعرفة، يستجلبون الحضارة، ينقلون التكنولوجيا، ويستهلكون العلم بصورة سلبية وهم في ذلك يمتلكون قصب السبق، ولكنهم قلما ينتجون المعرفة، أو يبدعون العلم، أو يبتكرون التكنولوجيا، أو يوطنون المعرفة، وقد اعتمدوا بدلا من ذلك التقليد الأعمى والاستنساخ الجاهل لمعطيات العلم والمعرفة ضمن أطر ضيقة تفرضها الحاجة رفضا لتوطين المعرفة وتشكيلها وإبداعها. فالعالم المتقدم كان قد ارتهن بالمعرفة توطينا وإبداعا وخلقا وابتكارا. نعم قامت الدول التي تقدمت مثل اليابان وكوريا وسنغافورة والصين بنقل المعرفة ثم بتوطينها ثم بإبداعها وابتكارها وتطويرها وعملوا الليل وصلا بالنهار على مدى سنين في ميدان الابتكار والإبداع فاستطاعوا أن يرسموا مجد حضارتهم وقوتهم المعاصرة. أما نحن العرب فقد استوردنا واستهلكنا معطيات المعرفة والتكنولوجيا بصورة سلبية حتى أصبنا بالثمالة العدمية، فسقطنا في مستنقعات الاجترار العلمي والاستهلاك العدمي للحضارة. وهنا يكمن سر من أسرار تخلفنا الكثيرة التي تترابط وتتماسك ويشد بعضها بعضا لتشكل حصنا حصينا للتخلف الوجودي والسبات الحضاري.

العالم العربي مع الأسف لم يتفاعل مع العلم والتكنولوجية على نحو يؤدي إلى توطينهما أو تطويرهما. " وعلى الرغم من توفر الفرص الحيوية للاستثمار في المعرفة والإبداع في العلم والتقانة فضل العرب خيار الاستهلاك ثم الاستهلاك حتى النخاع وما أتقنوه هو فن الشراء و الاستهلاك السلبي ومنهج التقليد والاستنساخ الساذج لكل ما هو قادم من الغرب وقد أدى ذلك بالضرورة إلى تهميش خيار التصنيع من أجل الشراء الأفضل، وقد أدى ذلك بمقتضى الحال إلى توليد فجوة معرفية رقمية حضارية هائلة تفصل العالم العريب عن العالم المتقدم " ومثل هذه الفجوة الحضارية ليس من السهل ردمها، و ليس من الممكن تجاهلها، فوجود هذه الفجوة يحتم العمل الجاد و المؤسس من أجل التجاوز وفق خطط استراتيجية واضحة "[1].

فاستيراد التكنولوجيا والمعرفة العلمية لم يؤدي إلى توطين المعرفة وتطوير البحث العلمي، وهناك أسباب عدة لذلك كما ورد في تقرير التنمية الإنسانية العربية منها: "الاعتقاد الخاطئ بإمكانية بناء مجتمـع المعرفـة من خلال استيراد نتائج العلم دون الاستثمار في إنتاج المعرفة محلياً والاعتمـاد فـي تكـوين الكوادر العلمية على التعاون مع الجامعات ومراكز البحث في البلدان المتقدمـة معرفيـاً دون خلق التقاليد العلمية المؤيدة لاكتساب المعرفة عربياً .[2]

لقد دفعت بنا النزعة الاستهلاكية المتمثلة في النقل الجامد للمعرفة والتكنولوجيا إلى نوع من التبعية المخيفة للغرب والدول المتقدمة فوقعت الدول العربية في مدارات الهيمنة التي تفرضها الشركات «الاستشارية» العالمية التي تفكر وتدرس وتستشرف بالنيابة عنا، " وتكلفنا أضعاف ما يمكن أن نحققه من دعم مراكز الفكر الوطنية ومنظومة البحث العلمي وتطويرها، وأيا كان الوضع فيما يتعلق بمستويات الإنفاق الراهن على الأبحاث والتطوير لدينا وما يراه متخذو القرار، فإن المؤكد حاليا أن العالم المتقدم اتخذ قرارا دائما بزيادة إنفاقه في هذا المجال الحيوي، ليس لأسباب ترفيهية وإنما باعتبار هذا التوجه هو قاطرته ليس فقط إلى التنمية المستدامة بل إلى السيادة الاقتصادية " [3].

لقد أصبح استهلاك المعرفة العلمية سلبيا، ونقلها دون توطينها، وجلب التكنولوجيا دون إبداعها، واستنساخ التجارب الغربية دون نقدها منهجا وطريقة في دول الخليج العربي كما هو الحال في العالم العربي. لقد أضعفت سياسات الدولة الخليجية التنموية المجافية للمعرفة العلمية وتيرة تطوُّر البحث العلمي المحلي في مجتمعاتها؛ وذلك عندما "اندفعت إلى الاعتماد على أعداد هائلة من الشركات الأجنبية الوافدة في تنفيذ مشروعاتها الخدمية والعمرانية والترفيهية، وعندما منحت تلك الشركات ما تسمى (مشاريع امتلاك المفتاح)، أي منح الشركات كامل المشروع من البحث إلى التخطيط فالتنفيذ ومن ثم الصيانة" [4]. وكان حريا بهذه السياسيات أن تعتمد على مؤسسات البحث المحلية ومشاركتها في البحث والتطوير كي تحقق التراكم المعرفي المطلوب ولتكون قادرة على تطوير خبراتها وإمكاناتها، وبالنتيجة فإن حرمان مؤسسات البحث الوطنية فرص البحث والمشاركة إعلانا بالقضاء على مختلف المحاولات الوطنية في تحقيق التراكم العلمي المطلوب والتوطين المعرفي المرغوب وبدلا من التوجه نحو الإبداع والـأصيل والتوطين توجهت هذه المؤسسات البحثية والباحثين نحو تمثل الخبرات الأجنبية لتنفيذ مشروعاتها الخدمية والعمرانية والترفيهية. [5]

ومع الأهمية الكبيرة لما سجلته دول الخليج العربية الخليجية من تطور في مجال التنمية الاقتصادية والصناعية حيث يربو عدد المنشآت الصناعية في دول المجلس على 7300 مصنعا يتجاوز حجم الاستثمار فيها 80 مليار دولار وتستخدم أحدث التقنيات وتطرح منتجات بمواصفات وجودة عالية، " وعلى الرغم من وجود العديد من مراكز البحث العلمي في دول المجلس في مقدمتها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، ومعهد الكويت للأبحاث العلمية، ومعهد البحوث في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن والعديد من الجامعات الخليجية الأخرى، إلا أن دول الخليج العربية لا تزال تعتمد على استيراد الخدمات التكنولوجية المعظم الصناعات القائمة والمشاريع الجديدة" [6].

فالباحثون في دول مجلس التعاون الخليجي – كما هو الحال في العالم العربي - يواجهون تحديات كبيرة تتمثل في تهميش دورهم العلمي وعدم الثقة بأبحاثهم ومنشآتهم البحثية، "وتتمثل هذه المشكلة في انعدام الثقة بهم وعدم الاستفادة من أبحاثهم وتوصياتهم التي بنيت على أسس علمية. فالحكومات الخليجية غالبا ما تلجأ إلى الخبراء الأجانب والمؤسسات العلمية في البلدان الغربية وتقدم لها الأموال الطائلة في من أجل الحصول على الدراسات والبيانات دون أن تعير اهتماما كبيرا للباحثين المحلين ودون أن تعطيهم فرصة للعمل العلمي والنشاط الفكري الذي يشكل بدوره تجربة تراكمية تصب في مصلحة الدولة الوطنية. وقد أدى هذا الأمر إلى حالة من الركود العلمي والتراجع المعرفي وتردي البحث العلمي في دولنا الخليجية إلى الحضيض، وما يلفت الانتباه في هذا السياق " أن هؤلاء الخبراء الأجانب في نهاية المطاف يلجؤون إلى الباحثين والمتخصصين في الجامعات الخليجية وذلك لعلمهم اليقين بدراية هؤلاء الباحثين بأمور المنطقة وقربهم من المتغيرات التي تحدث في المنطقة[7].

ويرى اليوم كثير من الباحثين أن الاعتماد على استيراد كل مظاهر الحياة، ابتداء من الإبرة إلى الصاروخ، ومن الرغيف إلى الماء المعلب، هو أحد أسباب تخلف العرب وتهالك التنمية في مجتمعاتهم". وفي هذا يقول عبد العزيز المقالح: " بأن الواجب يدعونا إلى أن نكون على درجة عالية من الصراحة، وأن نواجه أنفسنا بالحقائق، وإن كانت مؤلمة ومريرة، وإذا أردنا البدء في التغيير ينبغي أن لا نغضب أو نثور إذا قيل عنا إننا أمة مكوّنة من مجموعات من الكسالى والعجزة، نريد أن ننام في دعة ونصحو، فنرى كل شيء في انتظارنا من السيارة اليابانية إلى الثلاجة البريطانية، ومن الجبنة الهولندية إلى الثوم الصيني"! [8].

فهناك مؤسسات علمية وجامعات أجنبية نشطة في دول الخليج العريب، وهي تسعى إلى تحقيق الربح بالدرجة الأولى، ومثال ذلك المعهد الفرنسي للبترول الذي قام بإنجاز 156 عقدا بحثيا للتطوير العلمي، ونشر أكثر من 500 بحث علمي، ونظم العشرات من الحلقات والدورات التدريبية لأكثر من 8000 مشارك، وقد وصلت أرباح هذا المعهد بنشاطاته داخل الخليج أن يحقق أرباحا وصلت إلى 18 مليار فرنك فرنسي[9]. وهذه الدخول الجبارة والمبالغ الضخمة التي تجنيها الشركات الأجنبية في مجال الاستثمار العلمي كان يمكن أن توظف لصالح التنمية باعتماد مؤسسات علمية عربية لتقوم بمثل هذه الأبحاث أو على الأقل بالتعاون مع المؤسسات العلمية الغربية لتحقيق ما يسمى بالتراكم المعرفي المحلي أو الوطني الذي يشكل بذاته طاقة تنموية ضرورية للمجتمعات المحلية.

وتشير بعض الدراسات إلى أن مؤسسات الدولة، ومؤسسات القطاع الخاص، في معظم البلدان العربية، تتوجه في تلبية حاجاتها، من المعارف والتقنيات في ميادين الإنتاج والخدمات، إلى جهات أجنبية دون أن تأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المحلية ودون أن تعنى بالمؤسسات العلمية الوطنية ودون أن تستأنس بالجامعات التي يمكنها أن تؤدي دورها الفعال في مختلف ميادين الحياة الاقتصادية والخدمية[10].

ويقوم اليوم الباحثون العرب بإثارة هذه الظاهرة الاستهلاكية ويقدمون كثيرا من المقترحات والتوصيات الكفيلة بمعالجتها، وهم يركزون اليوم على التعاون والتنسيق بين القطاعين الحكومي والخاص، والإنفاق بشكل أكبر على عملية البحث العلمي، "وإنشاء المزيد من مراكز البحوث، ودعم القائم منها، وبخاصة فيما يتعلق بتسويق مخرجاتها من نتائج البحث لكي تجد طريقها إلى التنفيذ العلمي، وإيجاد آلية مناسبة للتنسيق والتعاون سواء بين مراكز البحوث الخليجية نفسها، أو بين هذه المراكز والمنشآت الصناعية لضمان عملية النقل الفعلي لنتائج البحوث إلى الصناعة، وتوفير البيئة المناسبة من التشريعات المنظمة للبحوث والحوافز للاستفادة منها" [11].

وأخيرا وليس آخرا فإن توطين المعرفة العلمية في دول الخليج العربي وفي الدول العربية بعامة يتطلب تجاوز النظرة التي لا ترى في العلم والتكنولوجيا أكثر من سلعة تستورد وتشترى وتستجلب، وهذا الأمر يتطلب نقلة حضارية في النظرة إلى العلم والبحث العلمي بوصفهما نابضا حضاريا، كما يتطلب العمل على بلورة استراتيجية فعالة ونشطة في مجال البحث العلمي والتطوير؛ وهذا يعني بالضرورة إعادة تشكيل الرؤية الجديدة إلى الإبداع العلمي وتوطينه وتأصيله بوصفه القوة الجبارة التي تنهض بها الأمم وتتقدم على مدارج الحضارة الإنسانية.

 

د. علي أسعد وطفة

جامعة الكويت – كلية التربية

.....................................

هوامش المقالة:

[1] - فؤاد محمد عيس السني، أين نحن العرب من اقتصاديات المعرفة، مجلة الأسواق، العدد 120، جدة، المملكة العربية. السعودية، 2005، ص 29.

[2] - برنامج الأمم المتحدة، تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003م، نحو إقامة مجتمع المعرفة،  عمان : المكتب الإقليمي للدول العربية، المطبعة الوطنية، 2003.

[3] - خالد عباس طاشكندي، مستقبل الإنفاق على البحث العلمي!، العربية الجمعة 13 نوفمبر 2015. http://bitly.ws/8GLw

[4] - رسول محمد رسول، إشكالية البحث العلمي في منطقة الخليج العربي: من سلطة التوظيف الأيديولوجي إلى نخبويَّة تداول المعرفة، مجلة آراء حول الخليج، مركز الخليج للأبحاث، العدد 36، سبتمبر 2007، (صص 30-31) ص 31.

[5] - رسول محمد رسول، إشكالية البحث العلمي في منطقة الخليج العربي: من سلطة التوظيف الأيديولوجي إلى نخبويَّة تداول المعرفة، مجلة آراء حول الخليج، مركز الخليج للأبحاث، العدد 36، سبتمبر 2007، (صص 30-31) ص 31.

[6] - نبيل علي صالح، البحث العلمي في دول الخليج العربي :الواقع والآفاق، مركز الخليج مركز الخليج للأبحاث، العدد 36، سبتمبر، 2007، (صص 32-37) ص 36 .

[7] - أحمد علي مراد، هموم البحث العلمي في دول مجلس التعاون الخليجي، آراء حول الخليج، العدد 36، سبتمبر 2007 (صص 50-52) ص 51.

[8] - عبد العزيز المقالح، واقع البحث العلمي في الجامعات العربية، مركز الجزيرة للدراسات 9 نوفمبر 2009، شوهد 16/2/2020.

http://studies.aljazeera.net/ar/issues/2009/201172224912109548.html#1

[9] - أحمد السيد تركي، البحث العلمي في دول الخليج بين الأفاق والتحديات، آراء حول الخليج، العدد 36، سبتمبر 2009، (صص 97-99)، ص 99.

[10] - عبدالله عبد الدائم،  استراتيجية تطوير التربية العربية. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس 1995م، ص138.

[11] - أحمد السيد تركي، البحث العلمي في دول الخليج بين الأفاق والتحديات، آراء حول الخليج، العدد 36، سبتمبر 2009، (صص 97-99)، ص 99.

 

 

محمود محمد عليلا شك في أن الحديث عن المفكر والمبدع فهمي جدعان متشعب جداً، فهو واحداً من المفكرين العرب الليبراليين الذين تعاملوا مع الفلسفة بروح تجديدية منفتحة، وهو من الباحثين الجادين الذين لا يثيرون الجدل بكتاباتهم بقدر ما يثيرون الإعجاب ويدفعون إلي التأمل، حيث يمتلك القدرة علي النفاذ إلي بواطن الأمور، وهو رائد من رواد التنوير وعملاق من عمالقة الثقافة العربية.

قال عنه الأستاذ جمال الدين فالح الكيلاني:" يربط المفكر العربي الدكتور فهمي جدعان الأفكار والتمثّلات الفلسفيّة في مشاغله كافة بمعين الوجدان، ونهر الحياة، وقوة الأمل، فهذه في نظره من المحدّدات التي يعوّل عليها من أجل تعبيد السبيل أمام الأجيال القادمة، والحيلولة دون إنتاج المزيد من الآفاق المسدودة. ويعتقد جدعان أنّ المثقف يحتاج، كي يفهم الواقع ويحلّله ويوجهه، إلى المفكر وأدواته العلميّة والفلسفيّة المنضبطة والضابطة؛ لأنّ التعويل يكون على «قول» المفكر، لا على «رغبة» المثقف. ويدافع جدعان، عن حتميّة البرمجة الوجدانيّة «الصحيّة»، النبيلة، النّزيهة لأبنائنا، اليوم وغدًا، ففي نظره أنّ غياب هذه القيم والمبادئ، التي ينبغي أن تقترن بها التربية الوجدانيّة المبكّرة، هو الذي يفسّر التدلّي والتخلف والعقم الذي يغلّف ويتلبّس هذه الأجيال المتأخرة من شعوبنا العربيّة".

وفهمي جدعان ( مع حفظ الألقاب) هو  مفكر أردني من أصول فلسطينية، من مواليد سنة 1940م، في بلدة عين غزال الفلسطينية، درس الفلسفة في جامعة السوربون وحصل منها على شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام سنة 1968م، عمل أستاذا للفلسفة والفكر الإسلامي في جامعة الكويت والجامعات الأردنية، وشغل منصب عميد البحث العلمي بالجامعة الأردنية، ونال عضوية مجلس إدارة معهد العالم العربي في باريس بالفترة من 1980 حتى 1984، له آراء جدلية حول الإسلام السياسي  حاصل على جوائز عديدة، كما تم اختياره لعنوان الشخصية الفكرية لعام 2013 من قبل بعض المؤسسات الثقافية في بلده.

من أهم إنجازاته وأعماله : أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، والمحنة – بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام، والطريق إلى المستقبل: أفكار – قوى للأزمنة العربية المنظورة، والماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات ومسالك التجربة الفكرية العربية، ورياح العصر: قضايا مركزية وحوارات كاشفة، وفي الخلاص النهائي: مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين، والمقدّس والحرية، وخارج السِّرب – بحث في النِسْوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية.

علاوة علي بحوثه الكثيرة نذكر منها : الكتاب والحكمة، والطريق الملك، ومعنى السلفية، والعالم بين حدين، ونظريات الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، والمعطيات المباشرة للإشكالية الإسلامية المعاصرة، ونظرة طائر": بانوراما الفلسفة العربية، والفارابي: مدخل إلى تجربة العلم والفعل عنده، وهوميروس عند العرب، والمرْكَب والمجاز، ونظر في التراث، وفكرة التقدم عند المفكرين العرب في القرن التاسع عشر، وابن خلدون في الفكر العربي الحديث، والإسلام وأوروبا: الثقة المفقودة، والإسلام وتحولات الحداثة، والمستقبل العربي في ضوء قيمة التواصل، وهواجس الأزمة وأحكام الفعل، والثقافة الكونية والنظم الثقافية العربية، والحضارة المعاصرة ومُشْكِل البدائل، والديمقراطية من منظور تنويري، وفي العدالة والشورى والديمقراطية، والسلفية: حدودها وتحولاتها، والطاعة والاختلاف بين الواجب وبين الحق في الإسلام، وأسئلة المستقبل، والحركات الإسلامية المعاصرة.. الخ..

وفي هذا المقال نود أن نناقش موقف فهمي جدعان من المسائل الخطيرة التى وقعت فى التاريخ الإسلامي ما سمى بقضية "خلق القرآن"، والتي كان ضحيتها عدد من رجال المجتمع فى العصر العباسي؛ خاصة فى عصر الخليفة المأمون، على رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، وهذا ما يناقشه كتابه "المحنة: بحث فى جدلية الدينى والسياسي فى الإسلام" والصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر في مايو 1989م.

ويبدو أن محاولة عرض كتاب ما " لا يمكن أن تقوم مقام قراءته " ولهذا غالباً ما يكون عرض كتاب يشكل صعوبة لا يسهل تذليلها، وإذ قمت بقراءة كتاب المحنة للمرة الثانية للقيام بمهمة عرضه، والإشارة إلى مواضيعه، فإنني أعترف صراحة: أنَّ عرض كتاب المحنة يكاد يكون مستحيلاً، لتماسك مادته، وشدة كثافتها، وما تثيره مادة الكتاب من طلب للبحث والاستقصاء خارج الكتاب، فهذه القراءة هي مجرد محاولة للدخول إلى الكتاب.

فبعد أربع سنوات من البحث، قدم فهمي جدعان دراسته التي حملت عنوان المحنة".. بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام، حيث صدرت عن دار الشروق بعمان – الأردن، ويقع كتاب المحنة  في أربعمائة وثماني وأربعين صفحة ، أتت من القطع المتوسط، قسمه المؤلف علي مقدمة ومدخل وخمسة فصول، عرض فيها وقائع محنة خلق القرآن في إطارها الزمني وتصاعدها حتي انتهائها علي يد الخلفة المتوكل ليثير البحث نقاشاً واسعاًً بين المهتمين بالتاريخ الإسلامي ومحنة خلق القرآن والتي اُعتبرت إحدى أهم الجدليات في تراث المسلمين ؛ حيث يقول فهمي جدعان في حقها :" وأنا إذ أُعاود النظر في هذه القضية المعقدة، أُدرك منذ البداية أنني أخوض معركة البداهات هي خصمي الألد فيها، وأنني أسير تماما في الاتجاه المعاكس لمجري التيار، وذلك عند  أمرين أثنين علي الأقل : الأول : أنني أري أن أنأي بالمعتزلة نأياً يشبه أن يكون تاماً عن عملية " الامتحان" التي نسبت إليهم، وأن أرد الأمور إلي نصابها في هذا الشأن لحساب التاريخ "... الثاني : وهو الأخطر والأجل، أنني أريد أن أنظر في مسألة المحنة لا بما هي قضية كلامية أو اعتقادية خالصة، وإنما بما هي حالة أبين إبانة بينة عما يمكن أن تكون عليه صيغة العلاقة بين السلطان أو الأمر من وجه، وبين الطاعة أو الإجابة من وجه آخر.

ولذلك يرى فهمي جدعان أن قضية "محنة خلق القرآن" هي واحدة قضايا الفكر الإسلامي التاريخي القابعة في كهف الغرابة والليل الطويل، وأن النظر السديد يقضي بإزاحة الستار عن وجهها وبتجريد دلالتها البعيدة لا في إطارها العقيدي والتاريخي المعاصر لها فحسب، وإنما أيضاً في حدود بنية الفكر الديني والسياسي الذي يمد جذوره في عصور الإسلام الأولى وينشر فروعه في أعصرنا العربية والإسلامية الحديثة والمعاصرة. فكان ذلك مشروع هذا البحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام.

لقد بدت للباحث أن الأمور مختلفة كل الاختلاف عن كل ما قيل في مسألة خلق القرآن، وهو يزعم أن مجموعة من الأخطاء قد وقعت، وأن النظر ينبغي أن يرجع من جديد في دلالة الواقعة برمتها. وهو في هذا الكتاب يعاود النظر في هذه القضية المعقدة، مدركاً منذ البداية أنه يخوض معركة "البداهات" هي خصمه الألد فيها، وأنه يسير تماماً في الاتجاه المعاكس لمجرى التيار، وذلك عند أمرين اثنين على الأقل: الأول، أنه رأى أنه ينأى بالمعتزلة نأياً يشبه أن يكون تاماً عن عملية "الامتحان" الذي نسبق إليهم، وأن يرد الأمور إلى نصابها في هذا الشأن "لحساب التاريخ". الثاني: وهو الأخطر والأصل، أنه أراد أن ينظر في مسألة المحنة لا بما هي قضية كلامية أو اعتقادية خالصة، وإنما بما هي "حالة" تبين إبانة بينة عما يمكن أن تكون عليه صيغة العلاقة بين السلطة أو الأمر من وجه، وبين الطاعة أو "الإجابة" من وجه آخر، في دولة هي "دولة الخلافة"، لا شيء يحول دون اعتبارها أكمل ممثل تاريخي لما وصل إليه "الملك" في الإسلام، بتعبير آخر أراد أن يرفع الغطاء عن المعقولة السياسية لما يسمى بـ"بمحنة القرآن".

لم يأت الكتاب ليؤرخ للمحنة أو ليعالج الوجه الكلامي الخالص أي ليجيب على مسألة خلق القرآن بالنفي أو الإثبات وإنما جاء الكتاب ليزيح الستارة عن وجه المحنة ويوجه الأنظار لدلالاتها السياسية ومن هنا أستمد موضوع الكتاب قيمته إذ يتجاوز البدا هات الخاطئة التي استقرت في الأذهان من مجرد نطق اسم أحمد بن حنبل أو المعتزلة أو خلق القرآن، إذ ما أن ينطق بها أيُ من الناس حتى تستدعي صورة حدث تاريخي درامي صورة احمد بن حنبل المحدث فقط وقد قطع حجة خصومة المشهورين بقوة الجدل والحجاج ولم يجْد هؤلاء الخصوم إلا أن يتحولوا إلى جلاوزة يمسكون السوط يلهبون جلد احمد بن حنبل وتشبع السياط من جلده دون أن يتزحزح عن موقفه قيد أنمله إذ هو ثابت كالطود الأشم ! . ويعلن الدكتور فهمي منذ البداية في المدخل (ص 12) أنه يسير تماماً في الاتجاه المعاكس لمجرى التيار وذلك عند أمرين اثنين على الأقل.

الأول : أنه نأى بالمعتزلة نأياً يشبه أن يكون تاماً عن عملية الامتحان التي نسبت إليهم وأنه يَرُدُّ الأمور إلى نصابها في هذا الشأن لحساب التاريخ، والثاني أنه يريد أن ينظر في مسألة المحنة كحالة تبين إبانة بينة عما يمكن أن تكون عليه صيغة العلاقة بين السلطة أو الأمر من وجه وبين الطاعة من وجه آخر في دولة هي دولة الخلافة لا شيء يحول اعتبارها أكمل ممثل تاريخي لما وصل إليه الملك في الإسلام. ويقتضي التاريخ التحفظ على المحور الثاني وخاصة اعتبار الخلافة المركزية الممثل التاريخي لما وصل إليه الملك في الإسلام إذ تتضمن هذه العبارة إسقاط المحور التاريخي المتمثل في العديد في المحاولات لإزاحة هذا الملك العضوض ومع أن الكتاب في فصله الثالث " الدواعي والرجال " يشير إلى بعض من هذه المحاولات ولكنه لا يربط هذه المحاولات في الأسس الفكرية التي يستند عليها. ومع أن الدكتور جدعان أعلن بداية انه غير معني ببحث الوجه العقدي في قضية خلق القرآن إلا أنه اضطر في المدخل الذي استغرق الصفحات من (11- 44) أن يتعرض للأقوال المتعددة في مسألة خلق القرآن متعرضاً للرأيين اللذين يستحيل التوفيق بينهما على وجه ما وعرض أربعة آراء أخرى تشكل مواقف متوسطة أساسية متوقفاً عند حدود العرض مما يجعل القارئ محتاراً لا يدري بعد أن ادخله الكتاب إلى صميم هذه المسألة ما رأي الدكتور في تلك المسألة، ولقصور حيثيات المسائل المعروضة يبقى القارئ في حالة من الفراغ حول هذه المسألة، إلاَّ القارئ الذي له موقف مسبق في هذه المسألة .

وهنا يذكر الدكتور نارت قاخون (الباحث في التاريخ الإسلامي) : كتاب المحنة للدكتور فهمي جدعان هو نتاج سنوات من البحث في تجلية مسألة مهمة جدا مرتبطة بتاريخنا الإسلامي، وعنوانها " المحنة "، وقد صدر في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي ، وتُلقي بقبول حسن عند جمهرة من الباحثين ولا سيما المختصين في الشأن الفكري .

وقد هاجم الكتاب الدكتور عطا الله المعايطة ( أستاذ العقيدة والمذاهب والأديان بالجامعة الأردنية) حيث  قال : من القضايا التي نتعجب منها أن هؤلاء الذين يكتبون بهذه الطريقة من أمثال جدعان في هذا الكتاب أنهم يناصرون المتناقضات، وإذا جاءوا عند علماء السلف وقفوا لهم بالعداء، وهذه الطريقة لاشك أنها طريقة انتقائية ظالمة ليس لها ميزان عادل وهذا مع الأسف الشديد ما رأيته في كتاب فهمي جدعان"...

ويقول الدكتور إبراهيم عوض (أستاذ النقد بجامعة عين شمس): كتاب الدكتور فهمي جدعان بالمناسبة هو محاولة لتبرئة أهل الاعتزال من تحمل هذه التبعة، ومن الممكن أن يكون كلامه صحيحا، لكننا نعرف أن عددا من أهل الاعتزال كتبوا في خلق القرآن كتباً يدافعون بها عن هذه الفكرة وعلي رأسها طبعا الجاحظ"...

طرحت الدراسة أفكارا جديدة  تنسق السائد والمتداولة حول محنة خلق القرآن وتقلب الطاولة علي ما شاع في الحقل العلمي حول تلك المحنة من روايات رآها فهمي جدعان ضعيفة، اعتمدها الباحثون كنوع من الكسل العقلي والركون إلي السهل والمتداول ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

......................

المراجع

1- فهمي جدعان : المحنة؛ بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام (كتاب)

2-قناة الجزيرة: خارج النص- "المحنة".. بحث في جدلية الديني والسياسي (يوتيوب).

3- أحمد إبراهيم الشريف: قرأت لك.. المحنة.. لماذا اشتعلت فتنة خلق القرآن؟  (مقال) باليوم السابع المصري.

 

 

عصمت نصارأمّا عن مدراس التجديد المنشودة، فيحدثنا عبد المتعال الصعيدي أنه ينبغي ألا يقتصر جهدها على التغني بفضائل الإسلام وعظمة حضارته وورع رجاله وعدلهم، بل يجب تخطى ذلك كله إلى دراسة متأنية لواقع المسلمين للكشف عن علة جمودهم ومعوقات نهوضهم، ووضع برنامج إصلاحي للتغلب على هذه المعوقات متخذًا من الأصول الشرعية سبيلًا للتغلب عليها، موضحًا أن الثورة والقوة التي يجب أن تتحلي بها مدرسة الإصلاح لا تعني التغيير المفاجئ أو الوثوب على السلطة لفرض الرأي، بل هي روح النضال التي لا تهادن الرجعية ولا تمالئ أصحاب السلطة، الأمر الذي يشير إلى نقضه لمشروع الإخوان المسلمين.

أما القوة المرجوة، فتتمثل في كثرة الأنصار الذين يعملون على تطبيق خطة الإصلاح، وذلك لن يتحقق إلا بالخطاب المستنير الذي يرشد الجماهير ويوعيهم ويجيّشهم لخدمة غاياته، ويعمل على إقناع الرأي العام القائد بحسن نواياه والمنفعة العامة التي سوف تعود على المجتمع باسره من تطبيق مساعيه.

ونجده على الرغم من تسليمه بأنه لا كهانة ولا عرافة في الإسلام، إلا أنه يؤكد على ضرورة وجود صفوة من علماء المسلمين يقومون على عقائده وشريعته ليجددوها ويبصروا بها الناس، مستشهدًا بقوله تعالى "وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون" (التوبة :122)، وقد كان الصعيدي من أوائل دعاة إنشاء مجمع البحوث الإسلامية والمجلس الأعلى لحكماء الإسلام واتحاد علماء المسلمين أيضًا. ويشترط الصعيدي ألا تنحصر هذه السلطة في طائفة أو جماعة بعينها، وألا يكون لهم سلطان أو سطوة إلا النصيحة والإرشاد.

وهو يعيب في ذلك على "خالد محمد خالد" ( 1920م - 1996 ) تلميحاته التي وصف بها بعض الجامدين والمتعصبين في الإسلام بأنهم كالكهنة.

ويكره في الوقت نفسه من الشيخ "محمد الغزالي (1917م-1996م)" إدانته "لخالد محمد خالد" والتشكيك في نواياه تجاه الإسلام، مؤكدًا على ضرورة تحلي المجددين بالاعتدال في نقداتهم ومساجلاتهم والعزوف عن آفة التعصب في التصريح بآرائهم وذلك لإتاحة الفرصة للحوار بينهم وبين خصومهم، وهو يتفق في ذلك تمام الاتفاق مع محمد فريد وجدي     (1878م – 1954م) الذي سوف نتناول مشروعه لاحقًا باعتباره أحد المجددين في معيّة المحافظين - مبينًا أن التجديد مثل قارب النجاة، دفته الإصلاح ومجدافيه التسامح والتعقل، ويقول "إن للإسلام رجال دين علماء لا كهنوت، وأنه يجب أن يكون لهم حق إبداء الرأي في كل ما يتعلق بالدين، وأن الذي يجب أن يُصلح ويُقَوم فيهم هو جمودهم لأنه هو الموجود الآن فيهم لا الكهانة" .

ويمكننا أن نلاحظ من العرض السابق لحديث "الشيخ الصعيدي" عن معنى التجديد وسمات المجدد، وحكمه على المجددين العديد من الأمور منها، ما هو خاص بمنهجيته في معالجة هذه القضية وبعضها يعكس تأثره ببعض معاصريه، والبعض الأخر يكشف لنا عن علة موقفه من بعض قضايا التجديد الأخرى. فأولها : يبيّن أن "الصعيدي" كان أقرب إلى الاتجاه العقلي الانتقائي أو إن شئت قل (الاتجاه المحافظ المستنير) منه إلى الاتجاه السلفي المعاصر، وذلك في تحديده معنى التجديد، وصفات المجدد، وتجويزه ظهور المجددين في أمة الدعوة شأن أمة الاستجابة، ذلك فضلًا عن حرصه على مقارنة حال المسلمين ومجدديهم وحال غيرهم من الأمم المعاصرة لهم وذلك خلال تقييّمه لأعمال المجددين في كل جيل.

فذهب إلى أن حال المسلمين في القرن الثاني عشر الهجري كان يسير من السيئ إلى الأسوأ، وذلك على أثر استدانة "آل عثمان"، وإهمالهم شئون الخلافة، وانحطاط نظم التعليم في الولايات، وترّدي القيّم والمبادئ الأخلاقية والروحية، وتفكك الروابط الاجتماعية وظهور الحركات الانفصالية والمليّة، التي ضاقت بعنصرية الاتراك واعياها تعصبهم واستبداد حكامها الأمر الذي انعكس على طبيعة التجديد والإصلاح في هذا القرن، فلم يظهر سوى دعاة إصلاح ديني أقرب إلى السلفية منهم إلى التحديث.

في حين كان المجتمع الغربي على النقيض من ذلك الجمود والتشرذم تمامًا، حيث التقدم على الصعيدين العلمي والفلسفي والثراء الاقتصادي والثقافي، وظهور النهضوّيين والتنويرييّن الذين أعادوا صياغة العقلية الأوروبية، أضف إلى ذلك دعوة فلاسفة هذه الحقبة إلى الثورة على الاستبداد وتحقيق العدالة والمساواة والسلام بين الشعوب، وحرية الفكر والاعتقاد.

وخلص من هذه المقابلة إلى أن أمة الإسلام كانت أحوج إلى تجديد "إسحاق نيوتن 1643-1727م"، و"مونتسكيو 1689-1755م"، و"فولتير 1694-1778م"، و"روسو 1712-1778م"، و"ديدرو 1713-1784م" بعد تهذيب آرائهم ونقدها وغربلتها وتطهيرها ممّا يتعارض مع الثوابت الشرعية. وبيّن أن ذلك أفضل من مسايرة جمود الفقهاء السلفيين الذين مكنوا الأوروبيين - بجمودهم وجهلهم بأصول الحضارة الحديثة - من الانقضاض على البلاد الإسلامية والاستيلاء على ثرواتها، وظهور في الوقت نفسه الجماعات الجامحة والفرق الجانحة والفلول الماجنة، ذلك فضلاً عن تساؤل جمهور المثقفين عن علة تأخر المسلمين وتقدم غيرهم وكيفية اللحاق بالأمم الراقية وإحياء مجد الحضارة الإسلامية التليد. ويقول: " كان المسلمون في هذا القرن أيضًا ينتظرون مجدده من بين الفقهاء الذين لا يعرفون شيئاَ سوى الفقه وما إليه من العلوم، فعاشوا بين تقليب أوراقه، يجهلون دنياهم الجديدة، وما فيها وتجهلهم هذه الدنيا، لأنهم يعيشون في دنيا قبلها مع إنهم كانوا يحتاجون في هذا القرن إلى مجدد يعرف دنياه الجديدة، ويعرف ما جد في العصر الحديث من علوم ومعارف لينفع المسلمين بها، وينهض بهم كما نهض غيرهم في هذا القرن" .

ويضيف "الصعيدي" أن أوروبا كانت تدعو إلى الحكومات الدستورية منذ أخريات القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلادييّن، وشاغلة بالمخترعات الحديثة والأسلحة الفتاكة، وعلى النقيض من ذلك كان الخلفاء مشغولين بتثبيت عروشهم وقمع الحركات الانفصالية، وصدّ الهجمات الأوروبية وإحاكة المؤامرات ضد أحرار الفكر، وصياغة الفتاوي التي تحرّم العلوم والفلسفات الغربية، وتبرر في الوقت نفسه انتحال بعض النظم العسكرية والقضائية الأوروبية الحديثة. كما بيّن الصعيدي أن المجددين في القرن الثالث عشر الهجري لم ينجحوا أيضًا في النهوض بالأمة الإسلامية، وذلك لأن بعضهم عُنيّ بالتجديد في الأمور المدنية وأهمل الشئون الدينية، (ويقصد هنا مشروع رفاعة (1801-1873م) وعلي مبارك (1823-1893م) في مصر وجماعة الاتحاد والترقي في تركيا)، والبعض الأخر جنح عن الأصول الشرعية والمبادئ العقلية وأضحى عاملًا من عوامل التبديد وليس التجديد (ويقصد هنا الفرقة البابية والفرقة البهائية وعبدة الشيطان وجل التيارات العلمانية المتأثرة بالفلسفات المادية والأيدولوجيات الإلحادية)، والقليل منهم هو الذي عرف الطريق الصحيح وراح يدعو العامة والخاصة للموازنة بين القديم والجديد والموائمة بين الدين والعلم (ويقصد هنا مدرسة الشيخ حسن العطار (1766-1835م) ثم مدرستي الأفغاني ومحمد عبده)، غير أن الرجعييّن ورعونة الحكام وجهل الجمهور حال بين أولئك المجددين وبين تحقيق رسالتهم.

وظل هذا الضعف سائدًا في القرن الرابع عشر الهجري، وزاد عليه خضوع معظم الولايات الإسلامية إلى الهيمنة والسيطرة الأوروبية، واستجاب المسلمون للنعرات القومية التي روّج لها المستعمر، ذلك فضلًا عن تفشي الطائفية والحزبية المليّة في الرأي العام، وانشغل قادة الفكر بألاعيب الساسة وانصرفوا عن رسالتهم الإصلاحية، وراحت الطرق الصوفية ترتع وسط عالم الكسالى والمتنطعين والجامدين، فزيّفت وعي الجمهور وصرفتهم عن البحث في أمور دينهم ودنياهم.

مؤاخذات الصعيدي ونقداته لمخالفيه في التجديد:

انتهى عبد المتعال الصعيدي إلى أن تمزق الأمة الإسلامية، وأفول نجم حضارتها كان أمراَ محتومًا، إذ بلغ الغرب في مطلع القرن العشرين الميلادي ذروة قوته العسكرية واستقرت فيه ثقافة الروح العلمية والفلسفية، التي تدفع المجتمع إلى النهوض والرقي، فقضت سنة الحضارات بخضوع المسلمين إلى الاستعمار الروسي في أسيا وبعض بلدان أوروبا، والاستعمار الإنجليزي والفرنسي والإيطالي في أفريقيا وشبه القارة الهندية   .

كما ذهب إلى أن مجددي ذلك القرن قد انقسموا إلى أحزاب واتجاهات عجزت جميعها عن إعادة البناء وإصلاح ما أفسده الجهل والجمود والتخلف، "فمصطفى كامل 1874-1908م"، و"قاسم أمين 1863-1908م"، و"محمد فريد وجدي 1878-1954م" قد حاولوا الإصلاح في جانب وأهملوا الجوانب الأخرى، بينما غلب على كتابات "طه حسين 1889 - 1973م " النكوص والتردد وعدم القدرة على التأليف بين الأصيل من الثوابت والحديث من المتغيرات.

الأمر الذي جعل الكثيرين من المحافظين وضعه في قفص الاتهام ونعته بالجنوح والتجديف والشطط أحيانًا. ويضيف أن معظم كتاب القرن العشرين قد أهملوا توعية الأجيال الشابة من خطر الغزو الفكري وأكاذيب المستغربين والمتشيعين للفلسفات المادية الالحادية. ويقول "ويمكننا بعد هذا أن نحكم بأن الأقرب إلى التجديد الإسلامي في هذا القرن هو من كان يجمع بين الثقافة القديمة والحديثة، وينادي بالإصلاح الشامل لأمور الدين والدنيا، وهذا لم يتوفر في واحد من هذا القرن من أوله إلى يومنا هذا كما توفر في الشيخ محمد عبده" وكبار تلاميذه.

أما المتفرنجون؛ فلم يكن شرهم أقل من الجامدين، فقد دعوا إلى تقليد الغرب دون تمحيص أو الإبقاء على الشخصية الإسلامية.

ولا غرو في أن هذه المقابلات والتحليلات التي قام بها "الصعيدي" للواقع الحضاري للمسلمين في العصر الحديث تكشف عن منهج عقلي في النقد، وثقافة موسوعية ودراية بفلسفة الحضارة، رشحته لاعتلاء منبر المستنيرين في النصف الثاني من القرن العشرين، وأفصحت عن انتمائه لمدرسة الإمام "محمد عبده" ذلك الذي وصفه بالإمام والمعلم ورائد الإصلاح والتجديد الذي يجب السيّر على سنته في إصلاح الدين والدنيا، وإنهاض المسلمين.

ولا يؤخذ على "الصعيدي" إلا عدم درجه "رفاعة الطهطاوي" ضمن المجددين وذكر إياه عرضًا، رغم مناقشة "رفاعة الطهطاوي" لقضية التجديد والمجددين من جل نواحيها - التي أشرنا إليها سلفًا - إذ تحدث باستفاضة عن "كتاب السيوطي" وحديث المائة الذي استشهد به وصفات المجدد وعدد المجددين في القرن الواحد، ذلك فضلًا على اشتراطه الاجتهاد في المجدد - وكذا تجاهله لجهود "محمد إقبال (1877-1938م)" رغم اتفاقهما في العديد من القضايا، وتوسعه في عرض فكر "الباب ميرزا على محمد (1819-1950م)"، و"البهاء ميرزا حسين على (1817-1892م)"، و"ميرزا غلام أحمد القدياني (1835-1908م)" دون تبرير إلا رغبته في فضح حقيقة هذه الاتجاهات الهدامة التي افتتن بها بعض المسلمين، ولاقت قبولًاً لدى الأمريكيين والأوروبيين، وكذا نقض الصعيدي فكرة المهدي المنتظر التي تبناها المتواكلون، ووقفوا عليها بعث مجد المسلمين ونهضتهم بعد كبوة لا يعلم مداها إلا الله.

أمّا المأخذ الثاني فيبدو في تأثره بالسابقين عليه وموافقته لبعض معاصريه، التي لم تكن على سبيل المسايرة والتقليد بل كانت وليدة نظرة تحليلية نقدية تعبر عن رؤية صاحبها الخاصة.

فلعل نقداته لبعضهم كانت وراء غضبة الأزهريين عليه والمفكرين الحداثيين أيضًا، فعلى الرغم من تصريحه بإعجابه "بجمال الدين الأفغاني" نجده يعيب عليه بعض النواحي في نهجه الثوري في الإصلاح ويخالفه في حكمه على "السيد أحمد خان (1817-1898م)"، إذ حسبه "الأفغاني" من أذيال الإنجليز وواحدًا من الذين ارتدوا عن دينهم وخلطوا بين الأديان بغية توحيدها شأن الماسونيين وحرفوا الكلم في تأويله للقرآن، ودعوا إلى مسايرة أوروبا وتبني فلسفتها المادية، في حين جعله "الصعيدي" من المجددين الذين يُؤخَذ منهم ويُرَد عليهم.

وقد خالف "الصعيدي" الإمام "محمد عبده" - الذي أكد بانضوائه تحت رايته وانتهاج ضربه - وذلك في موقفه الناقض من "محمد على باشا (1767-1849م)"، اذ كان يرى فيه - الأستاذ الامام محمد عبده - القائد التاجر والزارع والجندي الباسل والمستبد الماهر والحاكم الظالم، الذي قهر المصريين وانتهك كرامتهم، وذهب إلى أن نجاحه في العمران لم يكن سوى نجاح المستعمر الذي يعمل من أجل مصلحته، وتوطيد أركان ملكه وليس من أجل المصريين. كما أن خلفائه من بنيه لم يحسنوه معاملة المصريين، بل كانوا مثل الاتراك في جحودهم وتعاليهم.

ورغم ذلك كان "الصعيدي" يرى أن موقف "محمد على" الداعم لخطاب النهضة ومشروع التحديث قد دفع الرأي العام القائد وشجع الرأي العام التابع لنجاح حركة التجديد التي اضطلع بها "حسن العطار"، و"إبراهيم باشا" وغيرهما من المصلحين في شتى الميادين. وبرر عزوف محمد على عن إصلاح الأزهر يرجع إلى عنت شيوخه ورفضهم لمشروع حسن العطار وخوفهم من غضبتهم وتهييجهم للرأي العام. كما نجد الصعيدي يتفق مع "محمد إقبال"، و"عباس محمود العقاد" (1889-1964م) في مؤاخذاتهما على "محمد بن عبد الوهاب (1703-1792م)" ودعوته، ذلك لأن ما جاء به لم ينهض بالبلاد ولم يُحَدِث المجتمع، ولم يُخَلِص الفكر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في الجزيرة العربية من جموده.

كما يأخذ محمد إقبال والعقاد على محمد بن عبدالوهاب عزوفه عن العلوم الغربية الحديثة، وتعويله على الميراث الفقهي في التأويل وحده، وقصره باب الاجتهاد على شرح الأحكام الشرعية، واستناده على الأحاديث في الفتوى دون تمحيص لها وإهماله متطلبات الحياة العصرية. ويوافقهما في تقييمهما لحركة "السيد أحمد خان" وثورة "كمال أتاتورك". ويخالف في الوقت نفسه أحمد أمين (1886-1954م) في إدراجه الحركة الوهابية ضمن الحركات النهضوية الإسلامية.

(وللحديث بقية)

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

 

قاسم حسين صالحيعد (فشل العملية السياسية في العراق) هو السبب في كلّ ما اصاب العراقيين من فواجع وما حلّ بالوطن من خراب، وان من واجب الأكاديميين تشخيص اسبابها، ليس بمقالات تميل الى الذاتية وان كانت رصينة، بل بدراسات تستوفي شروط المنهج العلمي من حيث الصدق والموضوعية، تخرج بتوصيات تعتمدها حكومة السيد مصطفى الكاظمي والمعنيون بالشأن السياسي بهدف دعم عملية الأصلاح وتأمين نجاحها.

الدراسة الأولى

اجريت في (25 حزيران 2016) وتمثلت اداة البحث في استفتاء تضمن سبعة بدائل عن هذا السؤال:

ما الوصف الذي تراه ينطبق اكثر على العملية السياسية في العراق ومن بيدهم السلطة، هل هو:

1- لعبة اذكياء استغبوا الشعب؟

2- لعبة اقوياء استضعفوا الشعب؟

3.قضية اشخاص اضطهدهم النظام الدكتاتوري ويرون ان من حقهم الاستفراد بالسلطة والثروة؟

4- عدم او ضعف الشعور بالانتماء الى العراق من قبل المسؤولين الذين يحملون جنسيات اجنبية؟

5.اشخاص يأتمرون بتعليمات دول قوية (امريكا وبريطانيا) واخرى اقليمية؟

6- تعصب او عدم نضج سياسي او مرض نفسي مصاب به العقل السياسي العراقي؟

7- وصف آخر لك ان تحدده.

الدراسة الثانية:

اجريت بعد أربع سنوات(29/6/2020 تحديدا)وأعيد تطبيق اداة البحث نفسها.شارك في الدراسة الأولى(347)مستجيبا، بينهم مفكرون واكاديميون واطباء وحملة دكتوراه، ومدراء تحرير صحف محلية ومواقع الكترونية.وشارك في الثانية (256 ) مستجيبا .

عرض النتائج

لم تحصل اختلافات ذات دلالة في الدراستين برغم ان الزمن بينهما اربع سنوات، وفي ادناه ترتيب اسباب فشل العملية السياسية في العراق بحسب نسبها المئوية حيث تشير الأولى لعام 2016 والثانية لعام 2020:

1- تعصب او عدم نضج سياسي او مرض نفسي مصاب به العقل السياسي العراقي (26%) و(24%)

2- عدم او ضعف الشعور بالانتماء الى العراق من قبل المسؤولين الذين يحملون جنسيات اجنبية (24%) و (27%)

3- اشخاص يأتمرون بتعليمات دول قوية (امريكا وبريطانيا) واخرى اقليمية(21%) و (23%)

4- قضية اشخاص اضطهدهم النظام الدكتاتوري ويرون ان من حقهم الاستفراد بالسلطة والثروة (17%) و(18%)

5- لعبة اقوياء استضعفوا الشعب (3%) و (1%)

6- لعبة اذكياء استغبوا الشعب (2%) و(2.%)

7- وصف آخر لك ان تحدده (7%) و(5%)

تحليل النتائج

- حدد( 50% ) من افراد العينة السببين الرئيسين لفشل العملية السياسية في العراق بكل من :

- تعصب او عدم نضج سياسي او مرض نفسي مصاب به العقل السياسي العراقي، و

- عدم او ضعف الشعور بالانتماء الى العراق من قبل المسؤولين الذين يحملون جنسيات اجنبية.

- حدد (38%) منهم السببين الرئيسين لهذا الفشل بكل من:

- اشخاص يأتمرون بتعليمات دول قوية (امريكا وبريطانيا) واخرى اقليمية، و

- قضية اشخاص اضطهدهم النظام الدكتاتوري ويرون ان من حقهم الاستفراد بالسلطة والثروة.

* حدد (5%)منهم بكل من :

- لعبة اقوياء استضعفوا الشعب، و

- لعبة اذكياء استغبوا الشعب.

* حدد (6%) اسباب الفشل في الآتي:

- الشعب هو المسؤول لأنه هو الذي أتى بفاشلين،

- خلل في التكوين المهني والاجتماعي والنفسي فلا هم سياسيون يفقهون المبادىء ولاهم مهنيون يفهمون كيف تدار الدولة،

- ثقافة اجتماعية هابطة افرزت طبقة سياسية هابطة ومنحطة،

- لانهم اعراب وشيمة الاعرابي مجرم وقاتل وسفاح ونهّاب يعتبركل ما تقع عينه عليه مغنمة،

- مجتمعِ متفكك يرغب بالفوضى وطرق العيش العشوائية والتسلق على أكتاف الضعفاء، والأنجرار للميول الدينية والمذهبية والعنصرية الكاذبة،

- فكر بدوي عشائري تسلطي يتعصب طائفيا وذاتيا دون وازع وضمير.

تعليقات من الدراستين:

- اهم صفاتهم الجشع بسبب الجوع الذي عانوه. فشلوا في اول اختبار الدين والتدين فسرقوا البلد وداسوا على مباديء الاسلام من اجل المال فدمروا البلد وقتلوا الشعب ولم يتعلموا شيئا من تجربة ١٧ سنة، ولم يظهر اي رجل دولة منهم ولا من غيرهم لان قادة الدولة ومسؤوليها جلهم من طبقة الفساد.

- مجموعة أشخاص هربوا او خرجوا إلى خارج العراق التقفتهم أمريكا والغرب تحت اسم معارضة. وبدل ان يعيشوا على فتات المعونات، اليوم يجدون انفسهم وسط اكوام من المليارات يغرفون دون خوف أو حياء، وطبيعي أن هكذا حال يكون تركهم له أمرا محاااااال.

- لا يستحقون ماهم فيه او يدعونه، فاهل العراق الذين عاشوا في الداخل ذاقوا الامرّين ما بين حروب وحصار وسطوة الحاكم.اما ما يسمون انفسهم بمعارضة الخارج حينذاك فكانوا ينعمون بالعيش الرغيد.

- لصوص خرجوا من الاعدام باعجوبة واستلموا السلطة ليسرقوا كل شيء.

- اغلب الاحزاب الاسلامية التي دخلت العملية السياسية بعد سقوط النظام حاقدة على الشعب، لانهم يعتبرونه مؤيدا للنظام وليس ثائرا مثلهم، ويشعرون بالغبن لانهم لم ياخذوا حقهم من البلد فكان اول مطالبهم استحقاهم المادي وامتيازاتهم.

- هم اناس يقولون انهم خرجو جهادا في سبيل الله ولا يريدون ثمن هذا الجهاد في الآخرة بل يريدونه حالاً من بيت مال المسلمين حتى اذا اكلو حق الفقير وصفروا الخزينة.

*

 

دراسة علمية

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

مجدي ابراهيمتموت اللغة حتماً بمقدار ما يموت فينا "الوجود الروحي" الشاعر بنبض المعنى داخل هذه الأجوفة الآدمية قرائح كانت أو قلوباً، ويعزُّ علينا البيان كيف نمضي به إلى طريق سواء، إنْ في عالم الإبداع وإنْ في دنيا الخلق والتجديد والابتكار. لك أن تذهب إلى المحافل والمنتديات الثقافية إن شئت فماذا عساك تلاحظ؟ ما إن تتردد على المسامع كلمة غريبة لها وقع نابي حتى يحفظها الناس بالمشافهة، فتلوكها الألسنة لدرجة أن تعدمها قيمتها إنْ وجِدَتْ لها قيمة بين الكلمات، فترى الأشداق تتغنى بها دون أن تدرك العقول لها معنى وكأنها مفتاح الدخول إلى عالم الثقافة ودنيا المثقفين. كلمات جوفاء بغير معنى ولا مدلول؛ لا تدل إنْ دلت إلا على الفراغ العقلي والبلادة الذهنية والعقم المعرفي، ونصيبها من فقر الشعور والإحساس أضعف بكثير من حظها من الفراغ العقلي وبلادة الذهن وعقم التفكير .. تلك هى بحق لغة الكتاتيب!

عالم اللغة: ألفاظه ومعانيها أشبه بكتّاب كبير، ترى الشيوخ فيه - فضلاً عن الشباب - لا هم من المعمَّمين ولا من المطربشين، ولكنهم من حُفاة الرؤوس العارية عن معنى فقه المعنى فكرة أو كلمة، يُردّدون كلمات اخترعوها من عنايتهم لا يستقيم لها ضابط يحكمها من واقع الحياة الفكرية والثقافية ولا من فقه اللغة العربية في أصولها الأصيلة، وإنما هي مخترعة اختراعاً من واقع يعانونه ومن دنيا يعايشونها : من عادم السيارات وبلاعات المجاري الطافحة بالقاذورات، ومن زخم الزحام العنيف في الشوارع والطرقات، ومن أبخرة الفول والبصل والطعميّة المحروقة في الزيت المسموم، تغيم على العقول فتغيبها عن الوعي، فإذا هى فاقدة مفقودة معدمة الصلاحية، ومن واقع كله فقر ومرارة ينعكس بالسلب على المثقفين والمبدعين فلا يجعلهم يحسنون أقل ما يجب إحسانه من استخدام الكلمات للتعبير عمّا تضيق به صدورهم من لواعج ومنغصات، وما تزخر به أجوافهم المضطربة من تلوث فكري وثقافي فضلاً عن التلوث البيئي، يستمدون منه ألفاظهم اللغوية، وحياتهم في هذه البيئة أو تلك الطافحة بغريب القول والفعل وغريب التصرّف والعمل.

ومع ذلك؛ فهم معذرون؛ لأنهم نشأوا وتربوا في عالم مقدار التلوث فيه أكبر من مقدار الصفاء والنقاء، وهم معذورون مرة ثانية؛ لأن وسائلهم إلى تغيير هذا العالم أضعف بكثير من وسائلهم إلى مسايرته والبقاء فيه كما هو عليه. فلا تغيير؛ لأن إرادة التغيير لديهم فكرة نظرية، مجرد كلام في كلام، وليست هي بالسلوك المفضي إلى عمل إيجابي. ولا تغيير لأن إرادة التغيير يجب أن تنبعث من تحت، من هذا الواقع، من القاعدة، من الأعمال، أعني من داخل النفس البشرية، من التربية الروحيّة والفكرية، من ذلك التحول المباشر في أطوار الإدراك، وانقلاب أنماط الاستقرار النفسي الرابض على الدّعة والسلبية والاستكانة.

وعمّا قريب ستجد كلمات ما أنزل الله بها من سلطان هى السائدة والمسيطرة بقوتها وغلبتها على أذهان الناس عامتهم ومثقفيهم؛ فإذا سألت من أين جاءت؟ فلن تجد جواباً أشفى ولا أصوب من ذلك الجواب الذي يطلعك على هذا الواقع المستعر : من عادم السيارات، وبلاعات المجاري، وأبخرة التلوث، وسعر الناس في دنياهم من أجل معاشهم ومتاعهم. كلمات ما أنزل الله بها من سلطان، وأسماء كان الناس سَمّوها هم وآباؤهم، لا ترى لها أصلاً من ثقافتنا الروحيّة أو وجودنا الأخلاقي الذي ينبغي أن يتقدّم فيُوجب على كل من يؤمن بقيمه العليا وأعرافه الصائبة أن يغيّر به واقعاً طفح وطفر كما لو كان هذا الواقع الطافر الطافح هو الأصل وسائر القيم والأعراف بمثابة الفروع اللاحقة عليه؛ تكاد تقصف من أصولها إنْ وجدت لها في دنيانا أصول.

هذه الحياة المعكوسة المضطربة تفرض علينا ألا ننساق وراء ذلك الهبوط المُذل للإنسان، وهو في جوهره من الكرماء، إذا عرف حقاً فضيلة أن يتقدّم عنده وجوده الروحي، فيجعل له الأولويّة على سائر الحيوات الأخرى، تعترك سبيله عن يمين وشمال صباح مساء، وهو لا يتقدّم لديه هذا الوجود الروحاني إلا بمفتاح التفكير، ومفتاح تفكير هذا الوجود خاصّة هو اللغة القرآنية الكاملة.

ولم تكن صدفة عارضة أن يتشرط العلماء أن يكون ذوق اللغة العربية مصدراً من مصادر تفسير القرآن، حتى ولو كان هذا التفسير هو التفسير بالرأي. ومعلومٌ أن التفسير بالرأي ينقسم إلى قسمين : قسم جائز ممدوح لا غضاضة فيه. وقسم حرام مذموم. وحيث يكون التفسير بالرأي من القسم الأول؛ فلا بدّ من أن يتفق مع ما جاء في المصادر الأساسية للتفسير، ولا يخرج عنها من حيث التأصيل وهي : القرآن الكريم والسنة المطهرة، وما صحَّ من أقوال الصحابة، واللغة العربية، والتفسير بالمقتضى من كلام العرب، والمقتضب من قوة الشرع. فاللغة العربية : صحتها وتذوقها والعلم بها وتأويلها وحُسن تخريجها، ركنٌ لا غنى عنه في التفسير بوجه من الوجوه. وكل تفسير يخرج عن تلك الحدود عرضة للقدح المذموم كما أنه يندرج تحت طائلة الحرام قطعاً كما شرط العلماء (برهان الزركشي: جـ2، ص 180 وما بعدها).

وقد نقل السيوطي عن ابن تيمية (ت 728هـ) من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف (تلك الشروط) كان مخطئاً في ذلك، بل مبتدعاً، لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله". على أن هذه الفتوى المُقرّرة من ابن تيمية، إذا قصد من ورائها توقف فهم القرآن عند حدود ما ذكره، فليست ملزمة، ومناقشتها في ضوء المعارف الحديثة وتطور الأزمنة، تبطلها، غير أن هذا مجال واسع بين أخذٍ وردٍ ليس هذا موضعه الآن.

وبما أن اللغة العربية هى الحركة المفصلية للذهن بين ما هو مستقر في الباطن الخفي وما هو خارج ظاهري، فليس من شك في أن الإحاطة بها ومعرفة أسرارها وتذوق دلالاتها والارتقاء بها إنما هو مصدر من مصادر التفسير بالرأي على ديدن الذوق الوجداني واتساع الأفق العقلي؛ إذ من الواجب أن يكون للتفسير مستند لغوي، والا يتعارض مع ما يفهم من ألفاظ اللغة العربية وقواعدها حتى تقرّر أنه يجب على المُفسر الاحتراز من صرف الآية عن ظاهرها إلى معانٍ خارجة محتملة، يدل عليها القليل من كلام العرب، ويكون المتبادر خلافها، فكيف يسوغ الاستدلال بغير اللغة العربية كالفرنسية والإنجليزية والعبرية مثلاً على تفسير القرآن؟ فإنّ هذه المسألة لا تفتقر إلى دليل وحسب بل هناك دليل من القرآن ينفيها وينكرها، وهو قوله عز وجل :" ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصّلت آياته أعجمي وعربي"؛ فالله سبحانه أنكر نزول القرآن بلغتين بل هو أثبت في آيات أخرى :"قرآناً عربياً غير ذي عوج".

ولغة القرآن لا شك أسلس لغة يستقيم بها لسان أستقام على صفات الكمال أو ما يقرب إليها من قول وعمل؛ فإنّ اللفظة القرآنية تخاطب الضمير وتثوِّر الوجدان؛ لتثوِّر في جوف القارئ ثورات التغيير.

ما من قارئ يقرأ القرآن على هذه الصفة : صفة الثقافة الثورية فيه، إلا ويهتز ويطرب من داخلة بقشعريرة دافعة لإرادة التغيير من الداخل؛ لأن اللفظة تنقله من حيث يدرك لها معنى مفتوحاً ذا آفاق روحيّة عليا، إذ تشيع في باطنه وتسري في كيانه أشعة التحول من عالم إلى عالم، وسريان الانقلاب من حالة إلى حالة؛ ونظراً لأنها لفظة مفتوحة العوالم غير مقيدة ولا محصورة بأهداب الأرض وطينة المادة الصماء، فلا ريب في أن تفرض عليه لوازم التغيير تجيء من باطنه لتحرك فيه ما أعتاد على السكون والخمول. ويكفي من تعلقه بالحسِّ وتوهمه الحقيقة على أطلاله، وتشبثه بالمحسوس من ركون وتعامل وحياة وحركة، يكفي من هذا كله ركوناً ما بعده ركون واستلاباً لحقيقته الأصلية. فلولا أن رأى في تلك اللغة فضيلة اليقظة الداخلية، ما استيقظ ولا أستفاق، وعسى أن تكون في يقظته فضائل الترفع عن أوهاق المادة ليعي حركة الروح في أعمق أعماق وجدانه وفي أخلج خلجات التفكير في دنياه وأخراه.

ومَرَدُّ الأمر في تلك اليقظة الواعية أن ينظر في اللغة التي يتعامل معها فكره وضميره : أهى لغة حواس قريبة المنال أم هى لغة ترفع عنده ملكات الإدراك لما هو أرقى وأسمى من مدراك الحواس القريبة وأعلى وأبعد من المآلات الدنيوية الأرضية؟ إنْ وجد اللغة دالة على قرابة المحسوس يقع بين يديه وتحت رجليه، فهى إذ ذاك من جنس ما يريد، ومن جنس ما تدل عليه تتضع بوضاعة المحسوس الذي يقع عليه عنده على نفس الدلالة التي تقربه منه وتبعده عن سواه. وإن هو وجدها لغة أعلى وأبعد ممّا يناله محسوس ولا منظور، كانت دليلاً مباشراً على أن الخطاب الإلهي يتضمّن لغة علوية، وأن هذه اللغة لا تصلح على الإطلاق لمخاطبة الخنازير الآدمية؛ لأنها لغة من جنس ذلك المقام العلوى، تناسبه، ترتفع ما ارتفع هذا المقام عند صاحبه، وتسمو حينما تسمو المطالب الروحيّة في ذات المتلقي، وعلى هذا القياس تكون اللغة القرآنية سامية بمقدار ما تسمو في الإنسان مدركاته الروحانية.

غير أن هذا السمو الروحي هو بلا شك خاصّة ذاتية في لغة القرآن، من معطياتها، ومن أفاقها الرحبة المتسعة : ولك أن تتعمّق بالتأمل قوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ الذَّي أَتَينَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنهَا فَأَتْبَعَه الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ. وَلَو شِئنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا، وَلَكِنُّهُ أَخْلَدَ إلىَ الأرضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، فَمَثَلَهُ كَمَثَلِ الكَلبِ إنْ تَحْمِل عَلَيِه يَلْهَثْ أوْ تَترُكهُ يَلهَث، ذلِكَ مَثلُ القَومِ الذَّينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ".

من ذلك الحيوان الأعجم الذي لا يرقى برقى هذه اللغة كلما قرأ وتدبَّر ووعى ثم صعد بروحه في معارج الكمال؟ من ثم من؟ إلا أن يكون خنزيراً ينسل من بعده الخنازير.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

عبد الله الجبوريقرأ الدكتور عبدالجبار الرفاعي الدينَ بوصفه حاجةً وجوديَّة لما له دور في تخليص الإنسان من حالة «الاغتراب الميتافيزيقي» التي تتأتى عبر الاتصال الوجودي بالمطلق، الذي هو الله في الأديان الإبراهيميَّة، والإله في أديان أخرى، وأنَّ الإله يمثّل أغزرَ منبعٍ يستقي منه الكائنُ البشري مزيداً من الوجود، وهذا الوجودُ هو الذي يحدِّد كيفيَّة حضور الذات البشريَّة في العالَم، لأنَّ الكائنَ البشري يتحقّقُ فيه بمرتبةٍ أنثولوجيَّة أكمل من الوجود.

في الوقت الذي يقف فيه دعاة «الدين ذو البعد الواحد» من الجماعاتُ السلفية في وجه تحديث التفكير الديني، ويعملون على تفريغ الدين من محتواه الميتافيزيقي، وإهدار معظمَ مضامينه الروحية والأخلاقية والإنسانية، يجد الرفاعي في الدين الحلّ لمشكلة الاغتراب الميتافيزيقي، التي تتلخَص في «أن الإنسان هو الكائن الوحيد في هذا العالم الذي لا يكتفي بوجوده الخاص، فيشعر على الدوام بافتقاره إلى ما يثري وجودَه، لذلك لا يكفُّ عن الاتِّصال بمنبعٍ لا محدود للوجود يتكرَّس به وجوده الشخصي، ويظل يعمل كل حياته على توسعة وجوده وإغنائه، عبر السعي للعثور على ذلك المنبع اللامحدود للوجود، فإن عجزَ عن الاتِّصال بالمطلق عاش حالةَ ضياع واغتراب وجودي.»

1598  الرفاعي وحنفي

حسن حنفي، عبد الجبار الرفاعي، عبد الله الجبور

مؤتمر النهضة، عمان 2018م

منهجية تحديث التفكير الديني:

يفنّد الرفاعي اتهام الدين بسكونية التفكير من خلال الفلسفة التي تدلّل على الترابط بين المعارف والعلوم الإنسانية، من خلال المخترعات والمكتشفات في العلوم الطبيعية والعلوم البحتة التي تؤثّر في العلوم الإنسانية ومعارف الدين، إذ تُحدِث تحوّلات مفصلية ومنعطفاتٍ فيها. وبهذا تؤثّر النظرياتُ الفلسفية الجديدة في العلوم الطبيعية وغيرها. 

يؤكد الرفاعي على أن عملية تحديث التفكير الديني تتطلب دراسة مسارات الدين عبر التاريخ والجغرافيا والاجتماع البشري، واكتشافَ طبائع التدين وأشكاله في مختلف المجتمعات، والاهتمامَ بمقارنة الأديان ونصوصها المقدّسة وأنماط مؤسستها الدينية، والأهم من ذلك أن يكون التفكير الفلسفي أداة الفهم، يقول الرفاعي في أهمية فلسفة الدين، أن «التفكير الفلسفي ضرورةٌ لكلّ عملية تحديث فكري. وفي الفلسفة غالبًا ما تتحوّل الإجابات إلى أسئلة، وتحديثُ التفكير الديني لا يتحقق من دون توالد الاستفهامات والأسئلة اللاهوتية»، وأن فلسفة الدين، تسعى إلى اكتشاف أنظمة انتاج المعنى المقدّس، وكيف تتم عملية التلاعب بالمقدّس، فيجري تقديس غير المقدس، تبعًا لإرادة الهيمنة، ومتطلّبات الاستحواذ على السلطة والثروة، واحتياجات الإنسان المتنوّعة، وشبكات مصالحه المختلفة باختلاف الزمان والمكان، وهي محاولة فض الاشتباك بين الديني والدنيوي عبر اكتشاف المجال الخاص لكل منهما.

يشير الرفاعي إلى فلسفة الدين بأنها نافذة ضوء للخروج من قراءة النصوص الدينية بمناهج وأدوات تراثية أنتجتها سياقات زمانية ومكانية وثقافية مختلفة اختلافًا كبيرًا عن سياقات عصرنا. لذلك تعيد هذه المناهج والأدوات إنتاج النتائج ذاتها في تفسير النصوص الدينية، وفهم تحليل الظواهر الدينية في حياة الإنسان، رغم اختلاف الإنسان وتحوّلات ثقافته وطرائق عيشه.

 

بقلم: عبد الله الجبور "كاتب اردني".

....................

* راجع: كتاب الرفاعي (الدين والنزعة الإنسانيّة)

* راجع: كتاب الرفاعي (الدين والظمأ الأنطولوجي)

* راجع؟ كتاب الرفاعي (الدين والاغتراب الميتافيزيقي)

* راجع: كتاب الرفاعي (مجلة قضايا إسلاميّة معاصرة)

 

عبد الحسين شعبانزعزع صعود التيارات والأحزاب الشعبوية في الغرب "الديمقراطية" فكرة وممارسة ، وخصوصاً من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، ناهيك عن ارتقائها دست الحكم في بولونيا وهنغاريا وتشيكيا وسلوفاكيا والنمسا وتعزّز نفوذها ومواقعها في فرنسا وهولندا وألمانيا وإيطاليا وشمال أوروبا في الدول الاسكندنافية.

وتبدو الحقيقة أكثر تعقيداً حيث تتآكل الديمقراطيات الغربية بسبب أوضاعها الداخلية وصعود موجات من التعصّب والتطرّف والعنف ضد الأجانب بشكل عام وضد المهاجرين واللاجئين المسلمين والعرب بشكل خاص، وتدريجياً وعلى مدى العقود الأربعة ونيّف الماضية، ولاسيّما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وتحوّل الصراع الأيديولوجي إلى شكل جديد ، اتّخذ أبعاداً مختلفة ، اعتبر الإسلام عدواً لا بدّ من استئصال شأفته تحت عنوان " القضاء على الإرهاب "، خصوصاً وقد صوِّر الصراع بأنه "صراع تاريخي" تناحري بين الحضارات المختلفة حسب صموئيل هنتنغتون، وكان فرانسيس فوكوياما قد أطلق عليه "نهاية التاريخ".

لقد تهدّدت " الديمقراطية" بانتقال السلطة إلى مؤسسات هيمنت عليها الطبقات العليا والشركات واللوبيات المتنفّذة ووسائل الإعلام وبعض الهيئات الأكاديمية والجامعية ومراكز الأبحاث الاستراتيجية التي تعمل في خدمة الجهات والمجموعات المتنفذة، أو ما يسمّى بـ"مجمّع العقول" أو "تروست الأدمغة" والذي عمل فيه وتخرّج منه كبار المسؤولين الأمريكان مثل هنري كيسنجر وزبيغينيو بريجنسكي ومادلين أولبرايت وكونداليزا رايس وغيرهم.

إن الديمقراطيات الغربية تمرّ اليوم بتغييرات جذرية أقرب إلى الانقلاب على بعض أسس الديمقراطية، خصوصاً الاستثمار في "عولمة اليد العاملة" والاعتماد على عمال من الصين وبعض دول شرق آسيا مقابل أجور أقل بما لا يقاس بالأجور التي يتقاضاها العاملون في الغرب، الأمر الذي انعكس سلباً على أوضاع الطبقة العاملة ، إضافة إلى أوضاع الطبقة الوسطى، حيث بات سوق العمل لهاتين الطبقتين يواجه صعوبات متزايدة للحصول على فرص وظيفية تمكّنهم من تحقيق مستوى معيشي أفضل.

وقد فوجئت "الديمقراطيات الغربية" مؤخراً باندلاع انتفاضة عارمة ضد "العنصرية والتمييز العنصري" إثر حادث اغتيال جورج فلويد  الذي أشعلت استغاثته " لا استطيع أن أتنفس" الضمير الإنساني حين كان جزمة الشرطي فوق رقبته؛   وامتدت الاحتجاجات من الولايات المتحدة إلى بريطانيا وفرنسا واسبانيا والمانيا وبلجيكا وهولندا والعديد من الدول الأوروبية، حيث حطّم المحتجون تماثيل في الساحات العامة ولطخوا رموزاً اتهمت بالعنصرية وبيع الرقيق وجرائم ضد الإنسانية.

ولعلّ تراكم هذه التغييرات خلق مجتمعات جديدة ومختلفة ، خصوصاً بعد انتهاء عهد الحرب الباردة ، وتراجع دور النقابات العمالية والمؤسسات الدينية ، رغم الترويج لعدم جدارة ما سمّي بالصراع الطبقي، بصعود الأوليغارشية أو " الأقليّة الحاكمة" في ظل إثارة مخاوف وفوبيا " البيض" إزاء الهجرة والمهاجرين واللاجئين والملوّنين، مع  إثارة فوبيا الإسلام المعروفة باسم "الإسلامفوبيا" (الرهاب من الإسلام).

ويواجه بعض دعاة "النيوليبرالية" كل من يعارض أسلوبهم في إدارة الشأن العام ويعتبرونه مختلاًّ نفسياً أو عقلياً، ولا يتورع هؤلاء من إعلان نيتهم لحجز معارضيهم في المستشفيات قسرياً، بما في ذلك معارضو دونالد ترامب والمصوتون بعدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وباقي أنصار الحركة الشعبوية، وهو ما انكشف على نحو مريع خلال مداهمة وباء كورونا مؤخراً حيث بانت هشاشة النظام الصحي والضمان الاجتماعي للعديد من البلدان التي تصنف بأنها غنية ومتقدمة.

وبالطبع فإن النخب الأوليغارشية في دوائر المال والسياسة والإعلام تحاول التحكّم في أذهان الناس وعقولهم وثقافتهم بما فيها خطابها إزاء البلدان النامية، بالترويج لفكرة إن الحاضر أفضل من الماضي، والمستقبل أفضل من الحاضر ، في محاولة لإشعار الناس بالخجل تجاه تراثهم وهويّتهم ، ليكونوا مستعدين للتخلّي عنها أمام أساليب الدعاية الديماغوجية وسطوة الإعلام والصراع الآيديولوجي، ولاسيّما بهيمنتها على المؤسسات الثقافية الكبرى ومحاولة ضخّ أفكارها وأساليبها لفرض قواعد جديدة مفادها إن كل من يتصدّى للأوليغارشية، يعدّ إنساناً رجعياً ومثيراً للخجل، بل ويحمّلون هؤلاء ما يعانيه العالم من خيبات ومرارات وآلام، الأمر الذي يستوجب إنهاء المعارضة وتحقيق الإنسجام لضمان العدالة.

وتحاول النخب الأوليغارشية شن حرب ضد خصومها وضد الطبقتين العمالية والوسطى، بزعم أفكارها ورؤاها المخالفة لمصالح الحكم الأوليغارشي في إطار حرب ثقافية شاملة. وتحت هذا العنوان تتم عملية تشويه مواقف الطبقة الوسطى والبيض المنتمين إليها، باعتبارهم "معادون لحركة الحقوق المدنية والفكر التقدمي".

وقد كانت هذه الأطروحات جزءًا من حوار مستمر في الغرب، وهو عبّر عنه كتاب صدر في الغرب مؤخراً بعنوان "The New Class War" "حرب طبقية جديدة" لمؤلفه مايكل لاند، مع عنوان فرعي " إنقاذ الديمقراطية من النخبة الإدارية"، وهو أمر يحتاج إلى "تفكّر وقراءة" ليس على الصعيد الغربي فحسب، بل على صعيد العالم الثالث بشكل خاص، لاسيّما وإن الطبقة الوسطى تكاد تكون غائبة في ظل صعود شعبوية دينية وطائفية وقومية ، ذات توجهات شمولية وعنفية وبعضها إرهابية.

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

 

 

الطيب النقركان المعلم الذي تلقينا منه تأليف الجملة، وتنسيق الفكرة، وتلوين الصورة، صاحب نبل في الأخلاق، وسعة في الثقافة، وعمق في الإدراك، وبخت الرضا التي عفرتها سافيات التراب، كانت هي من تدفع عن الوطن وصمة الجهل، وعن أديمه نقيصة التخلف،

نعم لم يكن من سقاه الكرم المحض، والنبل الخالص والذي يعيش النشء الأغرار في كنفه كما يعيشون في ظلال أبويهم مثالاً للجشع الجريء، والإهمال الدنيء، والجهل العاتي، بل كان سراجاً نيراً لكل ضال، وشعاعاً متوهجاً لكل غافل.

كان التعليم الحكومي الذي امتزجت به كل شائبة، وسرت إليه كل علة، فيما مضى من عقود مثل شجرة سامقة وارفة الظلال، تؤتي أُكلُها كل حين، وترفد السودان بنوابغ يتباهى بهم في محافل الدول، ولكن هذه الدوحة الفينانة صوحت بعد بهجة، وأوحشت

بعد أُنس، بعد أن كابدت أغصانها الملدة معرة الظلم، وقاست مذلة الحرمان.

 إنّ فاجعة التعليم اليوم تدمي العيون، وترمض الجوانح، وتستدعي الدهشة، الأمر الذي يستوجب علينا العكوف لدراسة مأساته التي تتطلب أن نكون يداً واحدة، ورأياً جامعاً، وعزيمة ماضية، لانتشاله من تلك الهوة التي تردَّى فيها، فمن يدور برأسه الغرور، ويذهب بنفسه العناد، يقرُّ في خضوع أن المؤسسة التعليمية التي كانت تحفز القرائح للعمل بالعطايا والمنح، وتضمن الإجادة بالجهد الدائب، والعناء المرهق، وترتقي بالأداء بالمتابعة اللصيقة والإشراف المستمر، قد انحلت عُراها، ووهت علائقها، وأنّ المعلم الذي كان متمكناً في علوم اللغة واللسان،

ومتبحراً في ضروب الفقه والدين، صاحب الملكة في العلوم، والقريحة في الأدب، قد أضحى غاية في الغثاثة والهزال، بعد أنّ أصابته الدواهي النُكر، والبلايا المواحق، لقد أضحى ناشر العلم، وباعث الهداية، وموئل اللغة، أثراً عبث به الدهر، وتاريخاً تطرق إليه النسيان، فمن كان يصدق أن من تشخص لطلعته الأبصار، وتشرئب لمقدمه الأعناق، يتفاقم شره، ويستطير أذاه، ويغدو صاحب عقلية ضحلة خرقاء، لا هاجس لها سوى اكتناز المال، والتعلق بأهداب المادة، من كان يصدق أن المُربي الفاضل صاحب السمت الرزين، والمنطق المتئد، والأسلوب الرخيم الحواشي، يقود طالبه الى الفوضى الخلاقة، والفشل الذريع، حينما يغض الطرف عن تصرفاته الهوجاء التي يتمعر لها كل جبين، وتتنكر لها كل ناصية، ولكن أنىّ لأساتذة هذا

الزمان أن يدركوا ما تقتضيه واجبات مهنتهم السامية وهم أنصاف المتعلمين، وأرباع المثقفين، الذين تكالبوا على تلك المهنة فراراً من الفراغ المقيت، والبطالة التي تُميت، كيف لمن تعول عليهم الأسر أن يحفلوا بخلق، أويكترثوا لقيم، وهم الذين بددوا الوقت في الجامعات لتنظيم الحشود، أو حصب الجنود، من

كان يصدق أعزك الله أن المراحل التعليمية الثلاث تختزل في اثنتين ولا يُراعى الفارق المهول في السن بين طفل يرفل في معية الصبا، وآخر راهق الحلم، وشارف الإدراك، بل من كان يصدق أنّ الكتاب المدرسي الجم الفوائد، السديد المنهج،

الذي يستوعب أصول كل علم، ويحيط بفروعه، يمسي عبارة عن هلاهيل لا تشحذ ذهنًا، أو تُلهِم خاطرًا، وأنّ من هدّهم الغلول، وأعمتهم السلطة، قد زينوا الإخفاق بموشحات أنوط بالقلب، وأعلق بالذاكرة. إنّ من يدعي نهضة العلم في هذا البلد

الأبي ويضمخ ثورة التعليم المزعومة التي أتحفتنا بها الإنقاذ الحانية بعبارات الثناء والتقريظ يعوزه الدليل، ويحتاج إلى تحرير الحجة.

 

الطيب النقر

 

محمد بنيعيشأولا: العلماء والسياسة بين الدور الحقيقي والتغير الاجتماعي

قد يكثر الحديث بين الفينة والأخرى عن قرب أو بعد العلماء عموما، وعلماء الفقه والدين خصوصا، عن السلطة أو السياسة على سبيل التبعية الداعمة أو المعارضة الناعمة أو النائمة وغير المؤهلة للممارسة الرسمية، شبيها لما قد يعرف بالكومبارس في الممارسة السينمائية، حيث الحشد ودعم الدور من دون التقرير فيه أو لعب البطولة.وهذه الأحاديث قد تثير الانتباه إلى نقطتين كنا نود الوقوف عندهما إسهابا كبحث خاص ومفصل، وهما ما مظاهر الإيجابية في توظيف السلطة للعلماء بجانبها، ومن وجه آخر ما مظاهر السلبية في استغلال العلماء لدى السلطة على حساب المصلحة الدينية؟

فكما يرى ابن خلدون في المقدمة حول العلماء والسلطة، نقتبس هذه الفقرة التي تبين جانبا من الإيجابية عند السلطان في تقريبه للعلماء حسب التزامه الديني والعقدي، وهي قوله: "إنما إكرامهم من تبرعات الملوك والأمراء الشاهدة لهم بجميل الاعتقاد في الدين وتعظيم من ينتسب إليه بأي جهة انتسب".

وهذا فيه إشارة إلى أن بعض الحكام قد كانت لديهم ميولات دينية حقيقية غير أنهم ليس لديهم من العلوم الشرعية ما يكفي لأن يجعلهم على مستوى التطبيق العلمي للأحكام، أو أن وضعيتهم السياسية تستدعي منهم التدرج في تطبيق الأحكام بحسب المناخ السياسي السائد في عصرهم سواء أكان متأثرا بالضغوطات الداخلية أو الخارجية والسياسة الدولية، أم بحسب البطانة المحيطة بالحاكم ونوعية تصوراتها وتشكيلاتها العرقية والقبلية وحتى العقدية والمذهبية، إضافة إلى أطماعها وأهدافها الشخصية الضيقة.

لكن، مع ذلك فقد يأبى الحاكم إلا أن يحافظ على مظهره الديني ولو شكليا باستدعاء الفقهاء أو من يتصدرون الحديث النظري من رجال الفكر والثقافة والمشتغلين في مجال العلوم الدينية وتحليل التراث، وأيضا بعض الزعماء أو المنتمين لكثير من الطرق الصوفية وما إلى ذلك من المشتغلين في الحقل الديني وما قاربه...

ومن هنا فإن السلطة التي توظف العلماء بجانبها كباعث خيري من طرف أصحابها وتعبر عن تشبث على مستوى ما بدينها تمثل إيجابية وأملا لدى الشعوب الإسلامية المتطلعة إلى الاستقرار والاطمئنان على عقيدتها وروحها ومعاشاتها في آن واحد. لكن ولكي يتم لها الهدف من ذلك فينبغي أن تتحرى العلماء الصادقين من الزائفين، والراسخين من السطحيين، والعاملين من البطاليين، وإلا وقعت بل ساهمت في انقباض العلماء وتقوقعهم على أنفسهم، وبالتالي عدم إفادتهم للأمة أو الوطن حتى يقبض الله أرواحهم, فلا تجد من ينير الطريق للمجتمع ولا للسلطة في حد ذاتها، لأن الأمر سيصبح فيما بعد هرجا ومرجا وجهلا وتجهيلا رغم توفر التقنيات والصناعات والخيرات المادية، إذ ذلك لا يكفي في تحقيق الأمن والسلام والسعادة.

بل وفرة المال والرخاء بغير ضوابط العدل والأخلاق الشرعية قد يؤدي إلى الطغيان كما نجد وصفه من خلال قول الله تعالى: "كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى". ونجد قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" وأيضا "يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج قيل وما الهرج فقال هكذا بيده، فحرفها كأنه يريد القتل"

وهذا الإفتاء بغير علم والإضلال بسببه سيؤدي حتما إلى الفتن وإلى الاختلال سواء بين بطانة الحاكم أو داخل المجتمع ككل، بل إن الحاكم سيصبح هو المنعوت شخصيا بالكذب والجهل والإضلال بسبب تلك الشرذمة من أشباه العلماء المتسيسين والمتربصين بمجلسه ومحيطه. حتى إن خطرهم عليه سيكون أسوأ من خطر السياسيين العاديين، خاصة إذا استحكم أمرهم وأصبحت لهم اليد الطولى في الظهور والحضور الرسمي، بل العمل على تأليف وتكوين خلايا تابعة لها بدعوى أنها هي الحارسة للشريعة، نظرا لما تتوفر عليه من حرية في الحركة وغزارة في التمويل ودعم للخطابة وحشد الجماهير وإثارة انتباهه. ومن هنا فحينما يتفطن الحاكم لهذه البلية ويريد اجتثاثها تجتثه هي بذاتها ويكون الأمر حسب قول الشاعر:

وذاهب بالضرغام ليصطاد به    تصيده الضرغام فيمن تصيدا‍‍‍‍

وهذا ما يفسر لنا لماذا عرف بعض الخلفاء ماضيا سواء في الدولة الأموية أو العباسية انتكاسات بعدما أقصي العلماء الحقيقيون من النصح ووضع بدالهم مرتزقة ومداهنون متكالبون على الدنيا وحطامها ضدا على مصلحة الدين والمجتمع ككل، إذ نجد نموذجا من هذا المآل السيء الذي فات استدراكه لدى أحد الخلفاء العباسيين الإصلاحيين كما يحكى:

"لما جاء المهتدي بالله (255-256هـ) ونزع نزعته إلى الزهد استغرب منه ذلك ولم يطاوعه الناس وسئموا سيرته وأدى الأمر إلى قتله. ذلك أنه جعل مثله الذي يجب أن يحتدى عمر بن عبد العزيز، فحرم الشراب ونهى عن القيان وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر. وقرب العلماء، ورفع من منازل الفقهاء وأحسن معاملة الطالبين، وقلل من اللباس والفرش والمطعم والمشرب، وأخرج آنية الذهب والفضة من خزائن الخلفاء فكسرت، وضربت دنانير ودراهم... قال المسعودي: "فثقلت وطأته على العامة والخاصة بحمله إياهم على الطريقة الواضحة، فاستطالوا خلافته وسئموا أيامه، وعملوا الحيلة عليه حتى قتلوه".

ولما قبضوا عليه قالوا له أتريد أن تحمل الناس على سيرة عظيمة لم يعرفوها؟. فقال: أريد أن أحملهم على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته والخلفاء الراشدين!. فقيل له: إن الرسول كان مع قوم قد زهدوا في الدنيا، ورغبوا في الآخرة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وأنت إنما رجالك تركي وخزري ومغربي وغير ذلك من أنواع الأعاجم لا يعلمون ما يجب عليهم من أمر آخرتهم، وإنما غرضهم ما استعجلوه من الدنيا فكيف تحملهم على ما ذكرت من الواضحة؟!" ولم يدم في خلافته إلا أحد عشر شهرا، لأن السعي إلى تقريب العلماء الصالحين كما فعل المهتدي بالله سيكون بالطبع على حساب علماء السوء والذين هم من ضمن البطانة الفاسدة، وحيث إن الصالحين قد كانوا مقصيين من الحضور سواء على المستوى الجماهيري وكسب العامة وتوجيههم، وكذلك غير حاضرين في مجالس الدولة وقراراتها فإنهم سيبقون سلبيين على كل حال، فلا هم يمتلكون قلوب العامة لحساب السلطان الصالح ولا هم يدرءون خطر الخاصة أو رجال الدولة العميقة عن التآمر والتناور ضده وتحديد مساره وتوجهاته، بعدما كان المفروض أنه هو الذي يوجه بطانته لكي تطبق أوامره وتعليماته.

ثانيا: التوظيف النمطي للعلماء وانعكاساته السلبية على الدولة والشعب

وهذا النوع من التوظيف النمطي والمؤدلج سياسيا للعلماء سيضفي على الأنظمة المسخرة له صفة الجهل المركب رغم أن الكثير منها في الماضي وكذا الحاضر قد تتوهم بأنها تراوغ بواسطتهم الجماهير، وتستغل الدين في باب السياسة أو تستعملهم كرادع ومخدر أو مهدئ تحت قاعدة اثنين في واحد 2 × 1 = 1، أي كما يقول المثل المغربي: واحد يحلب والآخر يشد القرنين، إذ الحالب يكون هو الغالب والناهب، وذلك بواسطة الشاد والممسك بالقرنين للحيلولة دون صولة البقرة أو انفعالها بسبب شد الحلب. لكنه في كثير من الأحيان قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" "يخادعون الله وهو خادعهم" "يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون"

إذ الدين لا ينبغي أن يستعمل كوسيلة لتحقيق الظلم والباطل والإسراف والفساد في الأرض خداعا، وإنما هو على العكس من ذلك خاصيته ونوره يقتضي أن يقام به الحق والعدل والمساواة وإسناد الأمور وتوسيدها إلى أصحابها وأهلها، ومن ثم يتحقق حلم الإنسان وأمله في المدينة الفاضلة المنورة مدينة السلام والعلم، والمال والأعمال والأذواق والأخلاق...

ولئن عرف تاريخنا فيما مضى وبنسب وأزمان متفاوتة انحرافات مشتهرة لدى بعض رجال السلطة، وخاصة على أعلى مستوى شخصي ذاتي أي بحكم الانزلاق البشري العادي في باب الملذات والشهوات وكذا الضغائن النفسية والانتقامات السياسية وما إليها لكن مع ذلك بقي العلم قائما والعلماء لهم حرمتهم، بل كان هناك نقد متبادل بين المنزلقين والمتحفظين أو الورعين. فقد يُنتقد السلطان وعلماؤه وحاشيته، ومع ذلك يكتسب هؤلاء الناقدون احترامهم من الخليفة نفسه، لأنه ما زالت فيه بقية من الاحترام اتجاه العلم وأهله، و أن أحكام الشريعة في المعاملات العامة قد لا يسقطها من حساباته وأساس سلطانه، لأن الجمهور يتطلبها وهو معهم بقوة ووعي، كما أن علماءها لهم كفاءاتهم في تعليمها وتوظيفها وأيضا لديهم إدراك أخلاقي وذوقي في طريقة نصح الحاكم وصرف الفتنة عن المحكوم، واستعمال أسلوب راقي جدا فيما يمكن أن نصطلح عليه بالوعظ السياسي عند العلماء وخاصة الصوفية منهم... وهذا يعني أن البطالة الفكرية والعلمية الوظيفية لم تصب يوما ما فقهاءنا وعلماءنا في زمن الشموخ الحضاري للأمة الإسلامية وعنفوان دولتها، بل العكس من ذلك فإن الفقه لم يعرف تشعبه وقوة اجتهاداته إلا بعد التدهور السياسي وانقسام النفوذ وتوارد الأزمات والنوازل، إذ سيصبح الفقيه والعالم والعارف الصوفي هو المرجعية الرئيسية لحل الإشكالات وإبداء الرأي السليم حول مصير الأمة وكيفية الحفاظ على بيضتها، وخاصة ذلك العالم المستقل عن كل الضغوطات والإغراءات، حتى إن الكثير منهم قد كان يتعرض للمحن والبلايا من طرف السلطان المنصب آنذاك، ومع ذلك يخرج دائما منتصرا لأن الحق يعلو ولا يعلى! والعلم يؤتى إليه ولا يأتي كما يروى عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أن هارون الرشيد قال له: يا أبا عبد الله ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبياننا منك الموطأ قال: فقلت: أعز الله مولانا الأمير، إن هذا العلم منكم خرج، فإن أنتم أعززتموه عز وإن أنتم أذللتموه ذل، والعلم يؤتى ولا يأتي فقال: صدقت، اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس"

وهذا الموقف قد يعطي لنا صورة حية وراقية لمكانة العالم الشرعي، أو لنقل بالمصطلح التخصصي، الفقيه الحقيقي الذي جمع بين الورع والتقوى والتحصيل والفهم والتأويل، وبذلك نالوا الفخر والعزة ولم يصبهم ذل ولا ذم رغم تعرض الكثير منهم للمحن من أجل فتاواهم أو مخالفتهم لأهواء أو آراء السلطان في زمانهم، كما يروى عنهم نظما:

ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهـ  دى لـمـن اسـتـهـدى أدلاء

وقدر كل امـــــرئ ما كان يحــــــسنـه والـجاهلون لأهل العلم أعداء

ففز بعلم تعش حيـا بـه أبــــدا    النـاس موتى وأهل العلم أحياء

هذه شذرات من ذهب خالص ناصح وليست من قصب جارح، قد تومئ وتصبو إلى ترسيخ ما ينبغي أن يكون عليه الأمر لمن يعنيه الأمر في هذه الأمة حتى يستقيم له الأمر وينسا له في العمر ويبارك له في السعي ويتم به الصلاح والإصلاح: " إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ".

 

الدكتور محمد بنيعيش

شعبة الدراسات الإسلامية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

 

 

عصمت نصارلقد تحدّثنا في المقالات السابقة عن أهم ملامح البنية المنهجية لمشروع الشيخ عبد المتعال الصعيدي، وبينا مصادر أفكاره والسمات العامة لأسلوبه ومنهجه ونهجه في تناول المصطلحات واجتهاداته في التأليف بين المتقابلات من المفاهيم كما وضحنا ضربه في الرد على ادعاءات غلاة المستشرقين، أمّا في هذا المقال فسوف نكشف عن أحد أعمدة منهجه في التجديد المتمثل في تعويله في الاجتهاد وتفسير النصوص (القرآن والسنة) واستنباطه الأحكام الفقهية على علم المقاصد الشرعية، فهي عنده آلية التجديد التي لا غنى عنها لنقد وتقويم الفكر الموروث من جهة، والمصباح المنير الذي يمكن المجددين من الاستدلال على سبل تحديث الفكر الإسلامي وتجديد العلوم الأصولية من جهة أخرى.

فقد تناول الشيخ "عبد المتعال الصعيدي" بقلمه النقدي الموضوعات التي أثيِرَت من قبله حول مفهوم التجديد ومعوقاته وسمات المجددين؛ فذهب إلى أن التجديد في الإسلام له ثوابت تليدة مستمدة من القرآن والسنة النبوية، ومن ثم فهو بريء من التعصب والجمود والرجعية والاستبداد، وغير ذلك من التهم التي ألصقها به غلاة المستشرقين وأذنابهم، بل إن الأصول الإسلامية مرادفة للحركة والنهوض والمدنية والتسامح العقدّي وحرية الفكر، ويقول "الحمد لله الذي له كل يوم شأن، وسن بهذا سنة التجديد في خلقه، ووضع أصل الترقي في هذا العالم ليسير في طريق التجديد خطوة بعد خطوة، ومن أكمل إلى أكمل منه، دلالة على عظيم قدرته، وإنها لا تقف في الكمال عند حد محدود، ولا تنتهي فيه عند نهاية من النهايات، والصلاة والسلام على محمد خاتم المجددين من الأنبياء والرسل، وقدوة المجددين لخلفائه من بعده من أتباعه وأتباعهم، إذ بُعثَ لتجديد الشرائع بعد ما أصابها من البلى ولفتح باب الترقي فيها بترقي البشرية، فوضع أصول التجديد في شريعته وفتح طريقه لكل من يحاول بعده، وجعل من أتباعه مجددين يُبَعثًون في كل جيل، يجتهدون على نحو ما أتُي به من التجديد في الشرائع، ويسيرون على وفق ما وضعه في ذلك من الأصول".

ويتضح من الكلمات السابقة أن شيخنا الجليل يستمد بذور التجديد من الأصول الإسلامية الثابتة التي دعت للاجتهاد في أمور الدين والدنيا، ووصفت العلماء بأنهم أكثر خلائق الله خشية، موضحًاً أن أمور السياسة وليس الشرع هي التي أدانت المجددين من الفلاسفة والعلماء والمصلحين، ولذا درج شيخنا العديد من الفلاسفة والمفكرين المصلحين وبعض من أتُهمُوا بالتجديف ضمن قائمة المجددين في الإسلام، ولا يؤخذ عليه هذا الموقف لأنه عُني بتبريره فهو لا يرى غضاضة في أن نتعلم من المخالفين قبل الموافقين في الملة أو الرأي "عدو عاقل، خير من صديق جاهل"، "مالا يقتلني يزيدني قوة"، مستندًاً في موقفه هذا بما فعله الرسول (صلي الله عليه وسلم) إذ جعل فدية الأسير الكافر في غزوة بدر تعليم عشرة فتيان مسلمين (الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها).

ويقول :"وقد ذكرت فيما سبق أساس التجديد، فمن تحقق فيه فهو مجدد سواء كان سنيًا أم شيعيًا أم غيرهما من الفرق الإسلامية، ولا شك أن خلاف ذلك أثر من آثار التعصب الممقوت بين الفرق الإسلامية، وأنه يجب القضاء عليه الآن لتعود للمسلمين وحدتهم وألفتهم، على أنه لا محل لهذا التعصب في باب التجديد والمجددين، لأن فكرة التجديد أسمى من أن ينظر فيها إلى ذلك، وأكبر من أن يكون للتعصب أدنى أثر فيها، لأن المجدد يجب أن يتعالى على ذلك التعصب الممقوت فلا يصح أن يكون لمذهبه في الدين أثر في غايته من التجديد ولا فيما يرمي إليه من النهوض بالمسلمين، بل يجب أن ينظر في دعوته إلى المسلمين جميعًا، ويقصد أن ينهض بهم جميعًا، وأن يجدد فيهم جميعًا ليجمع بينهم على غايته من التجديد، ويجعل كلمتهم واحدة فيما يقصده من النهوض". ويعني ذلك أن هدفه من غربلة الآراء المطروحة من كل صوب ودرب هو البحث عن أفضل الدروب لحل مشكلات الواقع من جهة وتحقيق المقصد الشرعي من جهة أخرى.

وقد أجاب بذلك عن أحد الأسئلة المطروحة حيال قضايا التجديد ألا وهو: هل يحصر المجددون في دائرة الإسلام دون غيرها (أمة الإجابة أم أمة الدعوة؟) وقد جوّز الثانية مستندًا على عالمية الإسلام، وقد خالف بذلك سابقيه من الذين أرخوّا لحركة التجديد في الإسلام، الذين تناولوا المجددين في دائرة المجتمع الإسلامي دون غيرهم، غير آخذين بالمتغيرات الحضارية التي كانت تدور من حولهم في الأمم الأخرى، ويقول "إن المراد من الأمة فيه (الحديث الشريف) أمة الإجابة وهم المسلمون ويجَوز أن يُرَاد أمة الدعوة، وإرادة هذا ظاهرة على الأساس الذي قدمته في فهم التجديد في الإسلام، لأنه كما سبق يُرَاد منه النهوض الديني والمدني، وهو يتعدى من المسلمين إلى من يعاصرهم كما حصل في قيام النهضة الأوروبية بتأثير النهضة الإسلامية".

وتبدو ملامح الطرافة عند "عبد المتعال الصعيدي"، ليس في درجِه الفلاسفة ضمن المجددين في الإسلام فحسب، بل تخطت ذلك إلى عنايته بدراسة تطور الفكر الإنساني من علم وسياسة وفلسفة أثناء حديثه عن المجددين المسلمين عبر القرون المتتابعة، متسقًاً في ذلك مع المقدمات التي وضعها في مفهوم التجديد. فالأصولي عنده هو المستحكم والجاد والراسخ، والأصيل من الرجال هو المتمكن، والأصالة في الفكر جودته، وفي الأسلوب ابتكاره، والأصولي هو الذي يقف على مبادئ العلوم وقواعدها. أضف إلى ذلك الدلالات الإجرائية للأصول الإسلامية المستنبطة من القرآن وصحيح السنة، تلك التي أثبتها الشيخ الإمام "محمد عبده" وتلاميذه، فجميعها يبرهن على أنه ليس هناك أدنى تعارض بينها وبين الدعوة للتجديد (أي الأخذ في المتغيرات بنظم الأغيار وعلومهم وحلولهم، للكثير من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية شريطة عدم تعارضها مع قطعي الثبوت وقطعي الدلالة من الأصول الشرعية).

إذا ما انتقلنا إلى مسألة تجديد الأصول في الثقافة الإسلامية، فإننا سوف نجدها أصيلة بأصالة الإسلام، وطيعة بطبيعتها ومؤهلة في بنيتها للتطوير والتحديث. وذلك لأنها وثيقة الصلة بالمقاصد الشرعية؛ فالتجديد في اللغة : إعادة الشيء جديدًا، وفي الفكر إثبات جدّة وطرافة الأصول والثوابت بعد إحيائها وتخليصها ممّا أعاق فاعليتها وأثرها.

وينتقل "عبد المتعال الصعيدي" إلى مناقشة الأسباب التي أدّت إلى إخفاق المجددين، وحصرها في:

(1) استبداد الحكومات الإسلامية، ممّا يباعد بين الحاكم ورعيته وينَفِرهم من مساعيه ويقعدهم عن تحقيق أهدافه، وبالتالي عدم استجابة الحكام للمصلحين من الرعية, والناصحين من ذوي الرأي. ويؤكد الصعيدي أن الصراع بين أفراد الأمة أو طبقاتها يعد من أقوى معاول الهدم لأي مشروع تجديدي.

(2) عدم وجود خطة إصلاحية شاملة، بل نجد خطط جزئية تهتم بأمور دون الأخرى، مثل الدعوى الوهابية (التي عولت على النص والتراث الفقهي في فهم الدين وتوجيه المسلمين واهملت في الوقت نفسه العلوم المدنية) أو نهضة الكماليين (تلك التي ألغت نظام الخلافة وفصلت بين الدين والحياة وعولت على العلم وحده في التربية والأخلاق وتسيير أمور المعيشة، ظنًاً من دعاتها أن هذا السبيل سوف يوصلها إلى الرقي والتقدم) أو إصلاحات العلمانيين المحدثين التي اتخذت من الفلسفات المعاصرة سبيلًا لنقد الثوابت العقدية والأخلاقية باسم الحداثة وما بعدها وحرية البوح والاعتقاد واختراع دين إنساني عالمي يتغير تبعًا للحاجة والثقافة السائدة.

(3) جمود بعض علماء الدين وعجزهم عن إقناع الجمهور بسلامة موقفهم المحافظ وإصلاح أحوالهم والاستجابة لمشروعاتهم، مع عدم تقديم حلول ناجعة للقضايا المعيشة، الأمر الذي ترتب عليه فقدان الثقة من قبل الجمهور بالمنابر الدينية والسير في ركاب المحافل الماسونية، ولاسيما بعد ظهور القوى الرجعية التكفيرية والجماعات الدينية المسايسة مثل الإخوان المسلمين التي اتخذت من العنف سبيلًا للإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(4) خوف الحكام من الحركات التجديدية ومحاربتها، وذلك بإيعاز من الدوائر المحيطة بكرسي السلطان أو الحاكم بحجة أن مسايرة المألوف أسلم من دروب المجهول وغير المعروف، وأن التقليد راسخ بالعادة، أمّا التطوير والتحديث والتجديد يحتاج إلى قيادة وجهد للسيادة، وظهور أنداد وخصوم لا يؤمن شرهم ولا يرُجى منهم إفادة.

(5) تآمر الدول الغربية على الحركات التجديدية والإصلاحية الإسلامية وإضعافها والتشكيك في أغراضها. ويبدو ذلك بوضوح في عمل دوائر الاستشراق العقدي والسياسي على تشكيل جماعات من بين المسلمين لمناوئة ومعاداة والحط من شأن أرباب التجديد وتحريض الجامدين على تكفيرهم وتدعيم العلمانيين للتسفيه من خطاباتهم وتيئيسهم واضطهادهم. ذلك كله فضلاً عن تأسيسهم وتشجيعهم للفرق والجماعات الجامحة والجانحة والضالة والإرهابية لتشويه صورة الإسلام، وإجهاض الحركات الإصلاحية. بالإضافة إلى عجز أرباب الاتجاه المحافظ في ظل المناهج الأزهرية العقيمة عن الرد على أكاذيب المستشرقين ودعاة الالحاد والجماعات المتشددة الجانحة بأسلوب يقبله العقل وتؤكده المقاصد الشرعية.

وقد اتضح ذلك خلال المساجلات والمناظرات والردود التي أدلى بها أعضاء لجنة كبار العلماء بالأزهر ومن سار في ركابهم. ويقول في ذلك "وهذه هي أهم الأسباب التي كان لها أثرها في عدم وصولنا إلى التجديد الحديث في هذه القرون، فإذا أردنا أن نسير بعد هذا في التجديد عرفنا ما أعاق منها نجاحه، واتقينّا في المستقيل أخطاء الماضي لنسلك في الإصلاح وسائله الصحيحة، ونأخذ في التجديد بالأسباب الموصلة إلى النجاح، ولا يمكن هذا إلا إذا علم ملوكنا وأمرائنا وأولياء الأمر فينا أنه لا بقاء لنا ولهم إلا بالتجديد والإصلاح، وإلا إذا علم الجامدون منا أن المنادين بالتجديد مخلصون للدين مثلهم ولا يريدون إلا النهوض به بين الأمم، فإذا علم هؤلاء وأولئك ذلك خلصت النيات وأمكن الاتفاق على الوسائل التي تؤدي بنا إلى مالم نصل إليه من التجديد الحديث".

أمّا عن سمات المجدد، فقد لخصها الصعيدي في:

(1) العزوف عن الملك ومطامع الجاه والسلطان.

(2) ضرورة الابتعاد عن الادعاء بأن من يتصدى للتجديد أنه ملهم أو يأتيه الخبر من السماء - شأن أئمة الشيعة المحدثين وأرباب الفرق المحدثة -

(3) الاعتماد على العقل والنقل معًا في إصدار الفتاوي والأحكام.

(4) فتح باب الاجتهاد والاحتكام إلى الحجة والبرهان في الأمور التي لم يرد فيها نص قطعي الثبوت وقطعي الدلالة.

(5) أن يكون غرض المجدد هو الإصلاح الشامل لحال المسلمين - دينهم ودنياهم- عقائدهم وعاداتهم، وذلك لتفعيل المقاصد الشرعية.

ويقول "وطالب الإصلاح والتجديد ليس إلا عالماً من علماء المسلمين لا يملك من دنياه إلا علمه، ولا يعتمد في تأييد دعوته إلا على دليله وبرهانه، فمن آمن بدعوته كان له أجر هدايته، ومن لم يؤمن بها لم يحمل شيئًاً من وزره، ومع هذا لا يكون هناك ما يُضغِن قلبه حتى يثير بضغنه فتنة أو يقيم به حربًاً وإنما يهمه أن تنتصر دعوته بالسلم لترتفع أعلام الإصلاح وتظهر آثار التجديد، وينهض المسلمون في دينهم ودنياهم، ويكون له بهذا فضل هدايتهم وشرف الجهاد في الإصلاح والتجديد بينهم".

وانتهي "الصعيدي" إلى أن التجديد يجب أن يكون وليد ثورة عامة شاملة ضد الجمود والتبديد في الأمور الدينية والأمور المدنية سواء بسواء، على أن يقوم بها ثوار مخلصون لرسالتهم غير متفرقين في وجهتهم حتى لا تتبدد قواهم ويستحيل اجتماعهم على الإصلاح إلى فُرقة وشقاق لا يؤدي إلا للتعصب وتحزب ممقوت وتفكك في الرأي الجمعي وتقاعس الجمهور، بل وانصرافه عن الاستجابة لتوجهات المصلحين، ويؤكد أن ذلك لن يتأتى إلا بوجود تواصل فكري بين إمام المدرسة الفكرية التي تسعى للتجديد وبين أعضائها الذين يضطلعون من بعده بحمل الراية وتنفيذ الخطة الموضوعة، على أن يكون تباينهم في الآراء محصورًاً في الفروع وليس في الأصول، ويقول :" نعم على من يدعي الإصلاح بعدهما - أي "جمال الدين الأفغاني (1838-1897م) " و" محمد عبده (1849-1905م)"- أن يكون صريحًاً فيه مثلهما، وأن يترك دعوى أخذ الإصلاح بالحكمة والهدوء، فإنما يفعل هذا من يؤثر الوظيفة ومغانمها على الإصلاح ومغارمه، ويؤثر السلامة في مداراة الرجعيين على الخطر في منابذتهم، ومثل هذا التردد لا يتم به إصلاح ولا يقضى به على الجمود، وإنما هي الثورة ولا شيء غير الثورة ولا يقتصر أمر الانحراف في دعوة الإصلاح الآن على هذا التردد بل يتجاوزه إلى صميم الدعوة الإصلاحية فقد كانت عامة شاملة على عهد (جمال الدين الأفغاني) و(محمد عبده) أما الأن فقد تفرق دعاة الإصلاح فيما يدعون إليه، وصار لكل واحد منهم غاية من الإصلاح يتجه إليها وحدها ويرى أنها هي الإصلاح لا غيرها، وقد يحمله التعصب لها أن يعادي من يدعو إلى غيرها من وجوه الإصلاح وتقوم بهذا حرب بين أولئك المصلحين وقد تكون أشدّ ممّا تقوم بينهم وبين الجامدين، وقد نشأ هذا مع غيبة المصلح الثائر الذي يجمع الإصلاح كله في ثورته ويضم أنصاره كلهم تحت لوائه، فلا يسمع لغيره كلمة في الإصلاح وإنما تكون هناك زعامة واحدة, لذلك المصلح الثائر".

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

سامي عبد العالفي دائرة التداول العام، من يُعطِّكَ حبْلاً، ضَّعه (لِفه) حول رقبتهِ. تقول الأمثال الشعبية" من ذقنهِ وافتلْ له" كأحد الأساليب لكشف تناقضات المتحدث (الكاتب/ الخطاب) ونقض مبرراته وإظهار زيفها. وبخاصة إذا كانت صيغ الكلام عنيفة ولا تترك المتلقي وشأنه إنما تلاحقه بقيود غير مرئية. إنَّ أعمق ما يُفكِّك التفكير الإرهابي المؤدلج تبيان: كم هو يدمر الدين نفسه قبل أي شيء آخر. ذلك يجري تنكيساً لكاملِ البناء الايديولوجي وخلخلة أركانه التي تبتلع الاعتقاد. وهي الحركة السالبة القابلة للرصد مع عنف الجماعات الدينية وخطاباتها المتداولة. فإذا ما تتبعناها كانت كفيلةً بشق دروبٍ جديدة للفكر والاختلاف وإظهار كَون الإرهاب قتلاً لمعاني الفهم.

هل ثمة إشكالية فكريةٌ حول الكلام الديني المتنطِّع، أي المفرط والمتقعر والمتشدد؟ إنَّ العمل الناقض داخل خطابٍ كهذا يشبه عمل الفيروسات القاتلة، حين لا تهاجم أبداً الخلايا من الخارج إنَّما تسكن تكوينها الداخلي ناخرةً عبر بنيتها الأساسية حيث تنتشر وتتقوى، فتعيد توزيع أدوارها للاختراق والتجاوز. فالفيروس يصمم وجوده الطفيلي في جسم الإنسان وأنسجته، يغتذي على موارد الخلية المستهدفة. أي أنه يلتصق بآليات عملها مبرمجاً إياها وفقاً لوظائفه الحيوية الجديدة، وهذا ما يعطيه إقامة دائمة في الجسم دون أن يشعر به الإنسان.

بالنتيجة يجب تناول الاتجاهات الارهابية باستراتيجية التَّحلُّل الداخلي. أي بطريقة: أقتل نفسك بنفسك ... أو دعه ينتحر بسيفه (كيدهم في نحورهم). على ألاَّ يتم ذلك بخبط عشواء ولا بمجرد استنكار من قراءة أو تأويل. فالاعتقاد الديني دون غيره يتصلّب- إلى درجة الاستحالة- في مواجهة أي هجوم خارجي. وهو أشبه بالقنفذ التي يدخل لحمه الحي داخل أشواكه ليدمي أي عدو مفترس. لأنَّ المضاد البيولوجي anti- biological للاتجاهات الدينية العنيفة ليس العلمانية (كما يتوهم أصحابها)، بل إذا أننا أثبتنا رجعَ (الأثر السالب) لرؤاها, لكان ذلك قميناً بإضعافها وغربلة ذُراها.

في هذا السياق: من هم المتنطعون دينياً؟ جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ. قَالَهَا ثَلَاثًا) رواه مسلم. هنا لدينا فرصة ثمينة: كلام ديني عبارة عن "حديث نبوي" يقر بعدة أشياء حول خطابات التدين. وبواسطتها يصح التساؤل: كيف يعارض الدينُ نمطاً معيناً من العنف على ذاته؟! ولماذا يتهدد الدين من أقرب الخطابات إليه؟ وهل بالإمكان التبرؤ من طابع التدين باسم الدين نفسه؟ بكلمات أخرى: هل يسقط التدين متحدثاً عنه وفيه؟

هذا المعنى يظهر نقطة تقوم على مفارقة مهمة، وهي أنَّ الاعتقادات الدينية تحمل نقائضها على الدوام لدرجة الاختلال. حتى وإنْ كانت في خدمة أهداف عُلياً بالضرورة. وأنَّ تلك الاعتقادات عندما تصاغ تكتسب احتمالات تأثيرها بمآرب منحرفة وذات طابع افراطي ومغالٍ فيه. هل سيُواجه الدين وجوده السالب (أي الوجه الآخر له)؟ ينطلق هذا الحديث النبوي كأنَّه مرآة في محيط اللغة الدينية. فثمة كلام من جنس ما يقال يعتبر كلاماً كاشفاً في الكلام، أي ماهية الأساس باصطلاح مارتن هيدجر. فإذا قلنا إن الدين معتقدات وإيمان وأفكار متعالية، فتلك الذخيرة اللغوية تأخذ في إظهار مسيرتها. أي تقدم جرداً نقدياً ذاتياً أساسه التباين لما يمكن أن يحصل في مضمونها. وبذلك يمكننا القول: وشهد شاهد من أهلها... وبالتماثل أمام الارهاب المؤدلج: على نفسها جنت براقش.

وعليه يتأتى خطر العنف من ألصق الأشياء بالدين، التدين، التجربة الدينية، التعامل مع المقدس، القُوى العليا. إنها تمارس انقلاباً على ذاتها لا على أي شيء آخر. فكلام الحديث النبوي ينتمي إلى "خطاب الخطاب الأصلي" على طريقة نقد النقد. وأنه لن يوجد هناك أي كلام محصن دون ملاحقة تساؤلية. وها هو الإسلام يقدم مقترحاً جوهرياً بذلك في آفاق الديانات الإبراهيمية.

ليس ذلك الأفق إيماناً بديلاً بقدر ما سيفعل فعله داخل الانساق الدينية. فكل نسق من هذا القبيل يُبنى على لحظات لا واعية خاطفة إزاء التلقي. بالتالي ستحمل هذه اللحظات فوقها موارد الخطاب إلى أقصى نقطة ممكنة. لأنها لحظات تسرق الفهم والتحقق من المعنى المقصود. وإذا تمكنا من الوقوف على تلك المداراة – الخفية – سيكون ثمة خيط لنقض الثوب الأيديولوجي البراق. ولهذا فإن الشكل العنيف للطرح الارهابي لهو أقرب الأشكال التي تصب فيها الكلمات وتقولب المعاني.

1- يتكلم الحديث المذكور بسلطة الدين عن نهاية هؤلاء المتنطعين. وليست النهاية في الحقيقة استبعاداً، لكنها هلاك لكيانهم المادي والمعنوي. لقد قالها الكلام (ثلاثاً) بصورة قاطعة على لسان النبي. ولنا أن نتخيل كم من المرات قيلت طوال تاريخ القراءة للنصوص الدينية من المؤمنين والمتلقي للخطاب. أتصور أنها كانت إهلاكاً مستمراً على الدوام. لأنَّ اللغة تنطوي على إمكانية الإعادة والصياغة إلى دون نهاية.

2- الهلاك فعل ذاتي هذه المرة. أي أن (المتنطعين) حكموا على أنفسهم بالموت المؤكد. وبالتالي خطابهم خطاب موت كامن في كلامهم. ليس على سواهم وإن حدث بل على ذواتهم، والمعنى دقيق: حيث يقع المتنطع فيما يمارسه على الآخرين.

3- بذلك يعتبر هناك خطر التنطُّع، انحراف في عمل الدين مع أتباعه. إذن كما تنمو دلالة النصوص المقدسة في جوانب مبتغاة، كذلك تنمو في الجانب النقيض والعنيف. ولا يعد النمو النقيض طارئاً لكنه من صلب التدين. لأن إيماناً بالمعاني والمعتقدات في اتجاه واحد إنما يتزيّد رامياً نحو الافراط فيما اكتسبه. ولذلك سيكون على المؤمن ألا يلعب لعبة التنطع، لأتنها لعبة دامية.

4- التشدد الديني يمارس اكراها على كيان الدين ذاته ويكرِّه الآخرين في التسامح والحوار. ويبدو ذلك واضحاً من تكرار الهلاك بلا أفق. ويقف وراءه تأكيد أثر التنطُّع على أصحابه. وحتى لا يحسبه المتلقي من طبيعة الدين، فعلى الدين أن يلفظه، أن ينقي ثوبه من الدنس.

5- المسألة تعني النبي كصاحب رسالة بالدرجة الأولى. لأنَّ التنطع نوع من النخر الذاتي فيما يحمل الدين، وعليه سيكون هلاكهم اعترافاً بخطيئة مواقفهم. لأن الموت ولو كان معنوياً فإنما يصفي ظاهرة التنطع. كما أنه تحقير لتلك المواقف العنيفة التي اصبحت اتجاهات وجماعات ومذاهب. لأنها ربما لا تستطيع العودة ثانيةً عما فعلت بقدر ما تركت أضراراً لا بُرء منها.

6- ايراد الفعل هلك بصيغة الماضي يعني أن الحكم المتضمن فيه حكماً باتاً ونافذا ولا رجعة فيه. ويبدو الزمن مهماً بمقاييس دنيوية وأخروية على السواء. لأن الهلاك يتعدى إلى الإهلاك من الخارج هذه المرة. فالخطاب الديني الذي يمارس موتاً يحتاج إلى نقض. فالحديث دعوة لتحرير التدين من التنطع، من التعنف والتكلف.

7- التنطع لصيق بالخطابات الدينية. أي أنَّها صيغ لغوية تحت تهديد التشدد الدائم. وكأن الكلام يدلل على معالم التطرف استناداً إلى المقدس.

8- المتنطعون ملعونون فوق هلاكهم. فمنطق الحديث أنهم يسيئون فهم الكلام والفعل والعلاقة مع الإنسان. كما أنهم قد اتخذوا رؤى حدية من الحياة والمجتمع.

9- يحمل الكلام تحذيراً مستقبلاً من التنطع. ويقر بأنه سيموت لا محالة. لأن مستقبله مرهون بعدم فهم مقاصد الدين. كما أن خطورته على الايمان إجمالاً كانت سبباً في ترصده بالإهلاك.

10- التنطع في الدين يعني أن بنية التشدد سلطة ما. والسلطة قابلة للاستنساخ لمجرد أن يعلن المتنطعون قدرتهم على ممارسة الخطاب.

11- التنطع يسبب تمزقاً داخلياً للخطاب الديني. فرغم كونَّه سلبياً إلاَّ أنَّه يطرح معياراً ما. ويدفع المتلقي لاعتباره انتهاكاً غير مبرر، ويصبح طوال الوقت عرضة للنقد.

إذن لو تساءلنا: ما خطورة التنطع؟، لأتت الخطورة من أنه في صلب الدين. أي لا يذهب بعيداً بقدر ما يعرِّض ما يدافع عنه للانهيار. وربما اللغة العربية- عن قصد- لم تمس هذه القضية بحقيقتها. وتعاملت مع التنطع كسلوك انحرافي خارج دائرة الدين. لأن المعجم اللغوي لدينا لا يخرج بجذوره الاعتقادية إلاَّ نادراً. وكأن اللغة العربية تشكيل ثقافي غير محايد، تتواطأ للحفاظ على صورة التدين بمبررات عدم المساس بثوابت الأمة. فاللغة أكبر مصفاة ثقافية للدفاع الضمني عن الدين السياسي الاجتماعي.

لغة الخطابات جدار صلب يحتاج إلى حفر تحت جذوره العميقة لنعرف تاريخها وصورها المتراكمة. فأول مقابل للتنطع أنه يطلق على إلصاق الطعام في أعلى الفم. فيقال تنطّع الرجل، جعل طعامه عالقاً في الغار الأعلى من فمه، حيث موقع اللسان من الحنك. ربما كانت الإشارة مواربة خلف المعنى حينما ينصرف إلى حاجة حسية مباشرة. وربما يندفع المعجم بحيلة ثقافية لمعانٍ بعينها خوفاً من انزلاقها في طريق المحظور. وبخاصة أن لدينا خطاباً مغايراً قائماً على الحديث النبوي السابق. والمقصود هنا أنَّ كل شيء مباح في السياق الديني العام طالما يخدم القضايا الدينية، وأن ما يقال عن الضرر أمر نسبي غير واضح . إذن كلام التنطع أمر يرد بمعان وإيماءات هامشية تقلل من شأن ما يفعل. فقد يأخذ القارئ نحو أهداف أخرى.

لكن لأنَّ الهامشي يستدعي المتن بالضرورة، فالدرجة الثانية لمعاني التنطع هو التقّعُر والتفصُح. فهناك الرابط السري بين اللسان في المعنى الوارد بالأعلى (تناول الطعام) ودرجات التقعر الخطابي. وهو يتم عن طريق اللسان كذلك. لعلنا نلاحظ هذه السمة التي تميز الخطاب الديني بالتحديد بجميع أطياف التقعر البارزة. وليس ذلك تعليقاً لشيء بقدر ما يُعلِّق المتلقي في سقف الطيش اللغوي. لأن التقعر والتحذلق البلاغي يعميان المستمع ويصمان أذنيه عن التأمل الحر. إنه يربط التفكير بالتشدد في نحت الألفاظ ولي عنق الكلمات، واختيار العبارات الغريبة للإيهام بكونه يقول شيئاً مهماً. وطبعاً تبدو سمة عامة تكاد تشترك في جميع الخطابات الدينية والأيديولوجية. فالالتواء في الإلقاء والنطق والطرح بات مضموناً للخطاب الديني.

وليس بعض التنطع هذا المستوى من التكلم وحسب، بل شمل قراءة النص الأولِّ في الإسلام (القرآن). فشيوخ الجماعات الدينية يتفننون في القراءة الشفاهية المتقعرة. وذلك مدعوم بأحكام التلاوة والتجويد على ذات المنوال. وليت التلاوة الصوتية تزيد المستمع فهماً وتدبراً، إنما يقصدون منها إيقاع الرهبة والتخويف فقط. كما أن تأكيد القارئ على ألفاظ العذاب والجنة والنار قد حول الكلام من سياق الاعتقاد إلى ممارسة خطابية. أي يضاف بالتكملة إلى النص المقروء. بل يمارس وجوداً بديلاً للنص الأصلي ويحل محله. لأن مغالاة الشفاهية المتقعرة تملأ المساحة المضروبة بسلطة اللغة على إفراط المعنى المقصود ودرجاته. فجهنم الواردة في القرآن (مع القراءة الصوتية) ليست كلمة لكنها- بالنسبة للمتنطعين- حادثة في صورة حية. وكأن القارئ يريد إدخال المتلقي إليها عنوة ولا يجد مفراً من ذلك. يبدأ بتخويف المستمع من أول وهلة وما ينطبق على ذلك ينطبق على آيات العذاب والحدود التي يتحايلون صوتيا في إنزالها به.

حيث يقصد الصوت الشفاهي إلى تكريس الحضور المقوى للمعني. فلا يعرف المستمع فارقاً بين الحالة الشعورية للصوت وبين الواقع. وفي تلك اللحظة لا يستطيع أن يستفيق المتلقي إلاَّ وقد خضع تماماً. إنها سلطة الإمعان في الاستحواذ على التنوع بمبررات التماثل. وإذا تأملنا سرادقات قراءة القرآن (في المناسبات الخاصة والعامة) سنراها عزلاً شعورياً وتضخيما للمعاني بموجب الاستماع.

والتنطع في العمل يشير إلى المبالغة فيه. والخطاب الديني يستأثر بالمبالغة في وصف العصر الذهبي والأئمة وأمراء الجماعات وشيوخ الإسلام. حتى يقال إن هذا العالم أو ذاك هو حجة الإسلام وصوت الحق. لكن هل يوجد دين له حجة متمثلة في شخص كائناً من كان؟ أي أن قدرة الدين على محاججة الآخرين لا يتم إلاَّ بواسطة شيخ أيا كان. إنَّ أكبر تنطع يأتي من تلك الزاوية... فهناك ألفاظ التأله المنسوبة إلى أئمة الفرق والمذاهب والتنظيمات. حتى ليظن القارئ أنّه لا إسلام بلا شيوخ ولا نجاة دون أمير. وهو كذا في الفقه والفتوى والخطابة. ذلك يتيح مساحة كبيرة لهؤلاء الشيوخ لتحريف الدين ذاته والتلاعب به. إن الدين الاسلامي –بحكم اهتمامه بالتوحيد- لا يرتبط بأشخاص حتى وإن أسهموا اسهاماً بارزاً في تاريخه الفكري.

ثم كان التنطع في الشهوات... أي التأنق فيها والتشبع بها. وهذا المضمون يلتقي مع التنطع في الطعام من حيث كونهما يتعاملا مادياً مع الغرائز. وبالرغم من بُعد المعنيين لغوياً إلاَّ أنهما يوضحان التنطع الديني بشكل أو بآخر. لأنَّ التنطع يمثل شهوة الهيمنة لدى أصحاب الخطاب. وليست الشهوة هنا بسيطة التركيب وفق آليات ثقافية وسياسية واجتماعية فقط، إنما ترتبط- وتختلط كذلك- بشهوة التألُّه بالبصمات الإنسانية الأولية في تاريخ البشر. إن المتطرفين لا يمارسون التنطع من باب خدمة الدين. لكنه يرتبط بتأليه ذواتهم حيث يعتقدون أن رؤية الله منعكسة في وجودهم المقدس. .. هم الناطقون بلسان السماء .

والأغرب أن الأدبيات الدينية تعالج التنطع بمعايير الدين لا الفكر الحر. ويعتبرونه شاذاً بالنسبة إلى تمتين قوة الدين على تجديد نفسه بنفسه. جاء في كتاب "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير: "(هلك المتنطعون) فهم المتعمقون المغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم. والمعنى مأخوذ من النطع، وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استُعمل في كل تعمق، قولاً وفعلاً". واعتبر ابن الأثير أن هذا الأمر منهيٌّ عنه. والنهي هنا إذا ورد صراحة أم ضمناً يرُد القضية إلى بيت الدين لا غير. وذلك - بخلاف ما يعتقد ابن الأثير- سيكون نوعاً من زيادة التشدد مرة تالية. فعاجلاً أم آجلا سيهب متشددون آخرون زاعمين أنهم يفهمون مقاصد الدين بخلاف السابقين عليهم. وهكذا في النهاية سيرُد متنطعون على متنطعين آخرين دون نهاية!!

وبهذا ذكر النووي أيضاً أنَّ التنطع هو تجاوز الحدود فيما هو مسموح به أقوالاً وأفعالاً. وهذا الرأي لا يذهب أكثر من تقييد الكلام المفرط (المتنطع) بتنطع آخر. هذه الحدود الذي لا يتجاوزها الفرد. لكن ما هي الحدود؟ بالقطع: لم ولن يشير إليها النووي. ببساطة لأنه لم يُرد التخلص من المشكلة. كان ينبغي الانفتاح على التجربة الإنسانية التي تضمن عدم العودة إلى التنطع لا مجرد الرجوع إلى أصل القضية. وهو استعمال الدين للهيمنة على المجتمعات بالصوت والأيديولوجيا.

أما ابن تيمية فقد عالج القضية بشكل تكفيري إقصائي. فالتنطع يقع ضمن الابتداع في الدين ومشابهة الكفار. يقول (شيخ الإسلام) ابن تيمية في "مجموع الفتاوى: " الرهبانيات والعبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات، ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (هلك المتنطعون)، وقال: (لو مد لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم) مثل الجوع أو العطش المفرط الذي يضر العقل والجسم، ويمنع أداء واجبات أو مستحبات أنفع منه، وكذلك الاحتفاء والعري والمشي الذي يضر الإنسان بلا فائدة، مثل حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يصوم، وأن يقوم قائماً ولا يجلس، ولا يستظل، ولا يتكلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مروه فليجلس، وليستظل، وليتكلم، وليتم صومه) رواه البخاري.

هذا الكلام يضخم التنطع لا يحلله كظاهرة دينية خطابية من الأساس، بل ويرسم له كيفية الاستفحال. وليس أقرب إلى ذلك من أنَّ أغلب الجماعات الارهابية تعتبر ابن تيمية مرجعاً أساسيا لخطاباتها. وكم فرّخت تلك المرجعية في عقول الجهاديين بشتى صنوفهم أفكاراً دموية. كالوهابية والجهادية السلفية، وتنظيم داعش والقاعدة وجبهة النصرة وانصار الشريعة والجماعة الاسلامية المقاتلة... الوجوه مختلفة لكن التنطُّع واحد.

 

سامي عبد العال

 

مجدي ابراهيمإذا كانت اللغة وسيلة اتصال وتفاهم ليس إلا؛ فتجديد قوالبها - كما تقدّم في المقال السابق - ليس تجديداً للحقيقة الدينية في ذاتها بمقدار ما هو تجديد للفهم وترقية للوسيلة في رحاب هذه الحقيقة، ضمنها وفي محتواها المعرفي، لا خارجها أو خارج حقائقها الاعتقادية.

وربّما كان من أسوأ علامات الانحراف بالدين عن مقاصده الحيويّة وارتقاءاته الشعورية ونفعه الأبدي للإنسان، هو غياب العلاقات الفاعلة بينه وبين اللغة، واهتزاز وشائجها دلالةً وفهماً وحركة ومسيرة، وانفصال الروابط الجامعة بين فهم اللغة وبين المقاصد الدينية.

ولم تنشأ قوائم التطرف ولا حوادث العنف والإرهاب ولا الحروب الدينية البلهاء باسم الدين أو تحت مظلته إلا لنشوئها أولاً في اللغة والفكر؛ فالتطرف فيما لو لاحظته إنمّا هو في البداية تطرف لغوي، أحدث عوائق معرفية سبقت الفهم، وتقدّمت منذ البداية طمس الدلالة، وأبرزت هُوَّة سحيقة بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة الفعليّة، أو بين الاعتقاد النظري والمباشرة العمليّة، لكأنما حدثت فواصل بين مقتضيات الشعور الديني والحركة في إطاره. وبإمكان اللغة فيما لو قننت وحُسب لها حساب المعقول أن تكون أقدر لإزالة هذه الفجوات الكارثية، وأسلم للفهم وأصح للمعرفة وأبقى للدلالة النافعة.

مرة ثانية؛ ليس يخفى ما للغة من تأثير بالإيجاب أو بالسلب في فهم الدين ونشره. ومن أجل ذلك؛ وجبت الدعوة (أمراً) إلى سبيل الله أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا تكون بالتطرف والفظاظة أبداً، وبخاصّة حين تكون اللغة هى لغة الدين الذي نزل بها كتابه المقدس. وليس يخفى أيضاً ما في هذه الإشارة من لفتة توحي بدلالة ظاهرة؛ فقد نجد الترجمة للقرآن مثلاً تفقده روحه؛ لأن لغته مع الترجمة تتلاشى تماماً ويستبدل بها لغة أخرى؛ تكاد تفقد بريقها وعطائها الباطن، ولا تكاد تجد لا للإيقاع ولا للموسيقى مع الترجمة أثراً، ناهيك عمّا ينشأ عن اللغة من سوء فهم قد يتسبَّب من المؤكد في عوائق معرفية؛ الأمر الذي يدلُّ بالمباشرة على أن العربية لغة القرآن خاصّة ذاتية له، وأنّ لغة القرآن في إطار تلك الخصوصية الذاتية هى العربية، وأن استظهار الإبانة لا تتاح على الحقيقة بغيرها : لسانٌ عربي مبين.                      

*    *    *

من أين لنا بمعرفة خير ما يصلح للمجتمعات الإنسانية ممّا يفسدها إذا لم نكن على علم باللغة التي جاء بها النفع والصلاح؛ فإذا هى مُوجِّهة الإنسانية قاطبة إلى خير ما ينفع، زاجرة لها ناهية عمّا يضر ويفسد؟ وليس من شك في أن الأمر والنهي الإلهيين إنما هما في الأصل لغة قائمة، مجرد نصوص من كلمات جامدة تتحول مع الممارسة في أجواف القارئين إلى حقائق وحياة؛ فاللغة هنا رموز وإشارات لا قيمة لها بغير الفاعلية التطبيقية. وتلك هى بالحقيقة لغة القرآن في بساطتها وخلوّها من التعقيد الخاوي والتكلف الممقوت. ونحن لا نعلم في لغة من اللغات مدى عنايتها بالسلوك والتهذيب وإثراء الجانب الأخلاقي على الجملة فضلاً عن التفصيل كما عنيت لغة القرآن بضوابط الحركة والسلوك : انتقال الفكرة فيها إلى دائرة العمل المشروع؛ فإذا لم يتح للمتلقي أن يعمل بما وَصَل إليه من فكر في هاته الأداة المبينة، أو في اللغة التي عرفها؛ فعرف من أسرارها الشيء الكثير أو القليل على قدر استعداده؛ إذا لم يتح له في ميدان العمل أن يعمل بما عرف من فكر مؤدَّى بلغة مُبينة، كان ما عَرَفَه أنقص ممّا جهله على المستوى التطبيقي؛ لأن السلوك هنا هو بمثابة اكتمال دائرة لا تكتمل الحركة إلا به، فحركة في الذهن يصحبها عمل، وعمل نتاج حركة ذهنية، وكلما أحكم وضبط، أحكمت مراحل التوجيه وضبطت لكي تؤدي الغرض الساري منها قصداً؛ فدائرة الأخلاق ناقصة إنْ لم تكن اللغة فيها فكرة عملية قابلة للممارسة التطبيقية، وكل كمال على هذا النحو ناقص ما لم يكن الفكر فيه لغة مًوحية بالعمل مُوجبة لإرادة التنفيذ.

فما كنَّا لنستطيع أن نعرف مجمل الخصائص العقائديّة والأخلاقية، ولا سائر العبادات والآداب الإسلامية، ونحن بمعزل عن لغة القرآن. وما كنا لندرك شيئاً عن هذه اللغة، ونحن بمعزل أيضاً عن العمل بفكرتها التأسيسية، تؤديها على أكمل ما تكون تأدية الأفكار وتوصيلها إلى المؤيدين والمنكرين سواء.

ولو لم تكن اللغة في أدائها موصّلاً جيداً لما فيها من أفكار وتعاليم وايحاءات، ما كان يقرّها منكر قبل مؤيد، وما صارت قط موضع لغط كبير أو ضئيل من قبيل نفر يجيدون اللغط حتى على الثوابت الرواسخ، ولا ينفرون من إجادة اللغظ فيريدون أن يجعلوه قاعدة التجديد المبتكر والتحديث من بعد التحديث من بعد التحديث إلى غير انتهاء في مثل هذه "التحديثية" الغريبة والمنفرة، بدعوى مسايرة العصر وحداثته الفجة الكسحاء، وهو عصر كم اللغط المنفر والدردشة الفارغة فيه، أعمُّ وأشمل من كم الصدق والعمل النافع والاستقامة الخالصة.

وليس أغرب من أن تجئ هذه الدعوات على ألسنة وأقلام لأناس يمتلكون في الغالب الإحساس باللغة، ورهافة الذوق، والقدرة على التعبير، والتوظيف بكلمات ذات مساقات أصيلة، ومع ذلك يريدون أن يتقدّموا ولشعوبهم أن تكون مستنفرة تجاه اللغة على حساب التأخر والخسارة، وأن يرتفعوا على فريضة الإهمال، غاية ما هنالك أنهم يضربون اتجاه فكري باتجاه آخر حتى إذا ما أهملوا هذا أخذوا بذاك، وفرضوه على أنفسهم وعلى غيرهم، فإذا الإنسان معه يسير كما الأكتع بغير استقامة، إذ لم يكن عقلاً كله ولا علماً كله بل له من العلم والعقل جوانب تمتلئ بها مناطق ولا تزال فيه مناطق لا يملأها العلم التجريبي ولا العقل المحدود، جوانب أخرى وجودية تحتاج إلى امتلاء. وما كان التقدّم ومسايرة العصر أبداً ضرباً من خسارة القيم الروحيّة التي شكلت حضارات وقوّمت أمثلة نادرة في التاريخ الثقافي الإسلامي وغير الإسلامي على حدٍ سواء.

وما كان الارتفاع قط مطلوباً من جرّاء فريضة الإهمال لمقوم الهُويّة النشطة والفعال في حياة الفرد أو في حياة المجموع، أعني هوية العقيدة والأخلاق.

وعندي أن أخصّ ما يكون مكنون فيها هو اللغة المُعبرة عن وجود الإنسان الحق، الإنسان الإنسان لا الإنسان الحيوان، ولو شئت لقلت الإنسان الكامل. هذه اللغة، ولا ريب، أسهل مأخذاً وأبلغ قناة إنْ في ألفاظها وإنْ في معانيها أو في مساقاتها من كثير من اللغات العصرية تلك التي لا تعرف لها مؤدّى ولا مرفأ أميناً ترسو عليه.

نعم! هي لغة، ولكنها تجري على ألسنةٍ المحجوبين، وتعوج بهم بمقدار ما ينسدل عليهم حجاب الغفلة والاعوجاج، هي اللغة المفككة عن الضوابط والأحكام، المنحلة عن الأصول التي تربطها بالقيم الداخلية وأخلاق الكمال في مطمح كل إنسان شريف.

هذه اللغة من تلك الجهة تمثل عائقاً معرفيّاً كما يمثل الاعتماد فيها على العلم أو العقل هذا العائق الذي يسير فيه المرء بمقتضاه كما لو كان أكتعاً يشعر بالنقص والاعوجاج، لأنه ملأ جانباً في وجوده على حساب جانب آخر، حتى أن الفراغ المتروك يطالبه دائماً بتغذية وجوده فيه، الأمر الذي تحدث معه هزة باطنة هى المقصودة عندنا بالعوائق المعرفيّة.

وكما تكون اللغة من تلك الجهة مدعاة للعوائق المعرفية، تكون سبباً لإزالتها فيما صدق صاحبها في استخدامها، واستعمال أنشتطها في تغذية وجوده الروحي؛ فالتجرد والصفاء من علامات حسن الاستخدام للغة وإزالة العوائق المعرفية، وهما من علامات الترقي المعرفي ومن موجباته كذلك. فليس علماً على التحقيق ما كان صادراً عن حكاية أقوال الغير؛ ولتلحظ أن أقوال الغير هذه، إنْ هى إلا مجرد لغة؛ لأن أقوال الغير ليست إلا أحوالهم، فالذي يحكي عنها هو لا محالة يصف حال صاحبه وقت أن صدر عنه هذا القول أو ذاك، والأحوال تتبدل ولا تستنسخ كما تستنسخ الآلات آلاف آلاف النسخ المكررة فيما تريد استنساخه؛ فأحوال هذا ليست كأحوال ذاك، وأقوال هذا لا يمكن تبعاً لذلك أن تكون هى نفسها أقوال ذاك. فليس علماً ما كان صادراً عن حكاية أقوال الغير؛ إذ العلم بداية المعراج المعرفي، ما فوقه أسمى منه وأرقى.

أما العلم في ذاته، فليس أسمى منه في الحياة، ولكنه مع ذلك ليس هو كل ما في الحياة، لأن في الحياة ما هو أعلى من العلم وأسمى، إذ من شرط العلم النافع أن يقود إلى المعرفة، وأن يؤدي إليها بالتحقيق لا بالاستشراف. ومن شرط المعرفة أن تقود إلى شهود الفضل الإلهي ومعاينته كما يُعاين المحسوس؛ وليس هناك أفرح للقلب ولا أدعى للرحمة من ذلك الشهود على التحقيق :"قل بفضل الله وبرحمته؛ فبذلك فليفْرحوا هو خيرٌ ممَّا يجمعون". وعليه؛ يصبح العلم الذي لا يؤدي بدوره إلى مثل هذا الشهود، شهود الفضل الإلهي، ليس بنافع ولا هو أهل لآن ترقى معه حياة صاحبه إلى منازل المحققين.

إنه ليمثل عائقاً معرفيّاً في ذاته، كما تمثل اللغة فيه نوعاً من التحجير والتضييق لتصبح هى الأخرى نفسها عائقاً معرفياً يؤخر ولا يقدّم، يحصر المرء في منطقة محدودة بحدود الأفق الذي يتحرك فيه العلم المحدود والعقل المحدود. وفي المقابل لاحظ اللغة في الآية الكريمة ولاحظ المعراج الدلالي فيها، فإنّ فضل الله مدعاة للفرح، وأن فضل الله هذا مقرون بالرحمة، وهما معاً أفرح ما يفرح قلب السائر مع الشهود فليس من فرح أسمى ولا أعلى من الفرح بفضل الله وبرحمته. فاللغة هنا معراج، تجربة، والمعراج باللغة ليس لفظاً يكرر ولكنه حقيقة واقعة وحياة تعاش مع أن اللغة في عين هذا الشهود لا أثر لها على الإطلاق.

اللغة هنا ليست عائقاً معرفيّاً بل نقلة إلى ما بعد المعرفة، إلى الحقيقة مباشرة. أجواء الآية بفضل رهافة الإحساس باللغة فيها، تقضى بمثل هذا العروج إلى منازل الشهود حيث لا لغة هنالك ولا واصف ولا موصوف.

(وللحديث بقية)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم 

 

 

عبد الله الفيفيارتبط الزيُّ في المخيال الشَّعبي بدرجة الإنسان في التحضُّر والتفوُّق.  وربما عبَّر، قبولًا ورفضًا، عن عُقَد نقصٍ- حسب علم اجتماع الحضارات- يجعل اللاوعيَّ الشخصيَّ والجمعيَّ يوهِم بعضَنا أنَّ الداء في ما يُلبَس.  آية ذلك أنَّ لبس البِذلة الغربيَّة ظلَّ يُشعِر الرجل الشرقيَّ بالنشوة؛ فيخيَّل إليه أنَّ ما في رأسه قد صار كالذي في رؤوس الفِرِنْجة؛ لمجرد ارتداء تلك البذلة التي يلبسونها، ولا سيما مع ربطة العُنق، إنْ كان متطلِّعًا إلى مستوًى أرقى في السُّلَّم الاجتماعي.  هذا على حين قد يتوارى المتفرنج حياءً من لباسه الشرقي.

قلت لصاحبي المشاكس (سيف بن ذي قار)، وهو يلقي عليَّ هذا الشؤبوب النقدي :

- لا اعتراض لي إلَّا على ذال "البِذلة"، المنقوطة مع كسر الباء!

- قال: أما إنِّي على مذهب (المرتضَى الزَّبيدي، -1205هـ= 1790م).

- وما مذهبه؟

- مذهبه جاء في "تاج العروس"، حيث قال: "وقولُ العامَّة: البَدْلَة، بالفتحِ وإهمالِ الدال، للثِّياب الجُدُدِ، خَطأٌ مِن وُجوهٍ ثَلاثةٍ، والصَّواب بكسرِ المُوحَّدة وإعجامِ الذال، وأنه اسمٌ للثِّيابِ الخَلَقِ، فتأمَّلْ ذلك!"

- لكنَّك أبقيت الوجه الثالث.  وهو أن البِذلة للثياب الخَلَق، فتأملْ ذلك!

- قد تأمَّلتُه، لكن ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَك جلُّه.

- دعنا من هذا، جُلِّه وكُلِّه، وعُد بنا إلى الموضوع!

- كذلك وَقَرَ في ذهن المرأة العربيَّة المتخلِّفة- ولا أقول الشرقيَّة هنا، لأنَّ الحالة عربيَّة بنحوٍ أعوص- أنَّ سِرَّ التفوُّق يكمن في أن تَعرِض بشرتها، جلَّها، للهواء الطلق! في غفلةٍ عن أنَّ الحِجاب حِجاب العقل، كما أن العورة عورة العقل، غطَّينا الجسم أم كشفنا. والغريب أنَّ مثل هذا المنطق في حقِّ المرأة يسوَّق ممَّن لا يسأمون من ترديد اتهام الطَّرَف الآخَر بـ"الذُّكوريَّة"! وهم، بناءً على هذا الحَوَل الفكري، يرون أنَّ الزَّوج (ذُكوريٌّ)، مضطهِدٌ زوجَه، إذا أحبَّ أن يراها محتشمة، أمَّا إنْ هو رضي بعكس ذلك، فهو (متحرِّر، ويُمنَح من قِبَلهم الشهادة اللا ذكوريَّة)! هكذا تلقائيًّا.

- خير الأمور أواسطها.

- صحيح.  أ ولا ترى أيضًا أنَّ هؤلاء- وَفق حالتهم المشخَّصة آنفًا- يظلُّون صُمًّا بُكمًا عُميًا عمَّا حقَّقته المرأة في (المملكة العربيَّة السُّعوديَّة)، مثلًا، من نجاحات حقيقيَّة، تفوَّقت بها على بعض شقيقاتها العربيَّات؟ رغم الجأر المتواصل بأن المرأة هنا مضطهَدة، مهمَّشة، مُقصاة... إلى آخِر المسلسل، قياسًا إلى البلدان التي تُوصَف بأنها أكثر انفتاحًا وتخفُّفًا من القيود الاجتماعيَّة.

- أتُنكِر أن المرأة ما زالت تستحق تمكينًا أكثر وأكبر، بوصفها إنسانًا، ومواطنة؟

- كلَّا.  لا أزعم أن المرأة في المملكة قد نالت جميع حقوقها وطموحاتها.

- إذن؟

- إنما أرى أن الحملات حول المرأة في السعوديَّة- التي تعيش في إطار تقاليد، يصفها بعضهم بأنها سقيمة- لا تَسمع عادةً إلَّا ما يُطرِبها، ولا تروِّج إلَّا لما يصبُّ في اهتماماتها، ويدعم أطروحاتها.

- كيف، يا سَيف؟

- كيف.. هي لا تَذكر شيئًا عن سعوديَّات منقَّبات كثيرات من طبيبات، وأكاديميَّات، وباحثات، وعالمات، وسيِّدات أعمال، لم يُعِقهن ما اخترن من زِيٍّ عن الوصول إلى أعلى المراتب، عِلميًّا وعمليًّا، محلِّيا وعالميًّا.

- هناك في المقابل أُخريات ارتضين السُّفور، يحظين بمثل تلك المراتب.

- صحيح.  ما أعنيه أنَّ ثمَّة مَن توقَّفت هِمَمُهنَّ عند هذه النقطة.

- أيَّة نقطة؟

- نقطة الخيوط والأقمشة، والبِذَل- سواء أخذناها بمعنى الثِّياب الجُدُد أو الخَلَق- لأنْ ليس وراء ذلك شيءٌ لدَى أولئك، لا من المواهب ولا من العلوم! والمؤدلجون الذين أُشير إليهم لا يلتفتون- كعادتهم- إلى النوع الأوَّل من النساء، ولا يمكن أن يَذكروا أسماءهن، ولو استطاعوا أن يمحوا وجودهن لفعلوا؛ لأنهن يُثبِتن واقعيًّا سطحيَّة ما يروِّجون لفظيًّا، وفهاهة ما يُمنطِقون ويُقايِسون ويُنظِّرون.

- أو بالأصح يكشفن النقاب الحقيقيَّ عن أن أغراضهم لا تعدو الرغبة في أن تغدو المرأة كما يحلو لهم، حسب نمطٍ خارجيٍّ مظهريٍّ، وَقَر في عقولهم ونفوسهم أنه السبيل الأوحد، والخيار النهائيُّ الذي لم يَتوصَّل عمُّهم (كيرياكو) إلى خيرٍ منه.

- هو ذاك.  وأَعْزِزْ عَلَيَّ بما تُستلَبُ المرأة!  وكما يَستورِد المستلَبُ أشياءه يَستورِد صوره النمطيَّة أيضًا، ومفاهيمه الاجتماعيَّة، وطرائقه في القياس والتقييم.

- لكن ألا ترى- بواقعيَّة- أن مظاهر التديُّن، والأصالة، والعُروبة، ما زالت لدينا مظاهر خارجيَّة، فيما ترقَّى الأمر لدَى الآخَر- الملعون- إلى المَخْبَر لا المَظْهَر؟

- بلى، أرى.  وأزيدك من الشِّعر بيتين.  إنَّ الرؤساء الأميركيِّين أنفسهم، على سبيل النموذج، رجالُ دينٍ، وإنْ نفاقًا، ملتزمون، لكنَّ تديُّنهم له مظاهر أخرى. وهي في الغالب- إذا استثنينا الطاقيَّة اليهوديَّة، التي يجب أن يلبسوها جميعًا في بدايات عهودهم لتَثبيت إيمانهم، وولائهم الصهيوني، وحُكمهم لهنود العالَم الحُمْر والحُمُر- مظاهرُ عمليَّة، وممارساتٌ فعليَّة، تعبِّر عنها الأفعال، لا الأقوال، ويُنظَر فيها إلى ما تُخفي الصدور، لا إلى الشَّعر الطويل، أو الثوب القصير!

- كفانا الله، إذن، "تلبيس إبليس"، من كلِّ نوع ولون، بـ"هدوم أو من غير هدوم"!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

قاسم محمد الياسريالعقل قاعدة المعرفه وشاهدها وأداتها وساحتها وهوعلة الوجود والعدم في وعي الكينونه وبين اسوار الزمن الأحلام تحكي رغباتها المنسيه المكبوته فالاوعي يستعبد أحداث الماضي والأنا لم تنجزأحلامها في الزمن اللاحق فالماضي يحلم بالمستقبل ويبحث عن مصيره ومستقبله ونهايته لأن اللاوعي لا يعرف الزمن.. أسئلة عديده تطرح نفسها بين الأنا والآخر.. فمن الحالم ومن المحلوم به الأنا أم الأنا الآخر؟؟ ومالفرق بين الحالم والعالم؟ماذا لو يستمرالحلم ولم يتوقف؟ أسئلة تمنح حالتنا بعدا وجوديا أي أن الحلم واقع حال وهو مستوى آخرمن الحياة والوجود.. فالصراع بين الوجود والعدم كما بين دورة الحياة والموت فالأحلام مجنحه والطقوس مضاده وصراعات النفس بين النفي والاثبات كما بين الحاضر والغائب ورغبات التفوق تتسابق وتتداخل بكلمات ونصوص مفتوحه تفرزها مكنونات ورغبات النفس الحالمه بالحياة في صراع الإنسان مع الوجود ففي هذا الزمن سقط الإنسان وتخلى عن القاعده الأخلاقيه وإعتبرالوجود قيدا يؤلمه يسعى للتحررمنه وشرا يريد التخلص منه فاعتبرالمطلق دكتاتور طاغيه يتحكم فيه وكما نرى هذا الإنسان يسعى للإنعتاق من عبوديته للمطلق وها هو يحاول الإنتصار على وجوده بوسائله الخاصه التي تناقض المطلق فضاع الإنسان في بحر الفوضى التي خلقها وأنشأها هو وهكذا ضاعت أخلاقه وسلك في عالم مادته وإستخلص منه قوانينه المعارضه والمعاكسه لقوانين الحقيقه الأزليه المطلقه فرفض عالم الحقيقه المطلقه ألا وهو العالم الأخلاقي وعالم المثل فإبتعد وانطوى بسلوكه مع عالم مادته وقوانينها الوضعيه التي يراها من خلال ذاته المريضه ولا يحس الا بأحاسيسه الساديه ونفسيته المضطربه فركب وصاغ وحول عالم اليوم وفق مايريد هو بصفاته وسلوكه واعتبرنفسه سيدا لهذا الكون.. وتمرد على معطيات الوجود الحقه.. وها نحن بعض البشر نلجأ لأقلامنا لندون أحلامنا وآلامنا بخواطروكلمات إستهلاكيه في صراع حلمنا المستدام مع هذا الزمن الجبار.. فتتأرجح الكلمات بين الفكر واللسان وتتصارع مكبوتات النفس فنشتاق الى الشيئ المحذوف من حياتنا ونكتم الحنين بغفوة على إرجوحة الزمن.. وفي حياتنا محطات أسئله عالقه لانجد لها جوابا مريحا أهمها لايرهقنا في البحث عن جواب لها وإنما يرهقنا البحث عن صيغه مناسبه لطرحها.. فالجروح ثقيله وحقيبة القلب ماتت والجسد أعلن حداد الروح وسقف الحلم ينهار وأشجار الترقب لا تعطي شيئا من الثمار.. فكم هي يد هذا الزمن جباره لا تعرف إلا القسوة وأنا وأنت لا نعرف غيرالإستسلام كسمكة تستعرض عضلاتها كل يوم وأخيرا تستسلم لتسبح في مقلات الزمن.. زمن ضائع زمن مسروق من ذاكرة العمرالمتعبه والمثقله بهموم الرحيل والوداع مع عمود فراق يصلب عليه قلب ميت.. وبعضنا مهما بلغ من معرفة وعلم تجد فيه نقطة ضعف تعصبية أوعقده تهزمه ولم يستطع العلم والتنويرمحوها من برمجته فتهزم تعقله ويبقى بوهمه.. لأن بعضنا مصابين بداء حب الظهورينتابهم سلوك التفاخرمع تضخيم الذات بالانا وتسيد الثلاثي القاتل (أنا -لي -عندي)وحديث باسلوب مليئ بالترفع.. لقد علمتنا الحياة التي تطوى صفحاتها يوم بعد يوم بحلوها ومرها قبح الإنسان وطائرالحزن إستوطن في ليل كلماتنا التي تحلم بعودة الضوء لها.. فأيامنا تمضي وجميعنا نترقب الغد القادم ونرى صرح الحياة ينهار وأوراق شجرة العمرتتساقط الواحده بعد الاخرى وغداً كما اليوم إن لم يكن أسوأ.. ففي هذا الزمان العينان لاتغادر بكائها ولا تنقطع صناعة الأكفان ولا تنتهي جرائم الانسان وصدمات النفس لا يزنها الميزان.. فعندما يعقد قران الحقد والأنانية بتزكية ومباركة النفس الشريره سينجبان الأخلاق الحقيره وتتمزق ثياب الإخوه ونفقد الوفاء والمصداقيه.. فمن يواسي العينان في دمعها غير اليد التي أقسمت أن تجفف الوجنتين لتوقف فيضان الأحزان الطافيه في شلالات الدموع.. نحن محكومون بقلق دائم نخشى المجهول ولانملك معلومة تجعلنا نأخذ أي قرار لذا سنبقى عالقين بدائرة التردد والحيرة والقلق الوجودي.. نحن في مسرح الدنيا نضحك ولم يفهم الآخرين أن الحياة أبكتنا وبين ضحكتنا ودمعوعنا الخفية هناك رغبة تموت إن ولدت من غريزة حبنا للحياة.. فالألم لايموت والشقاء يترك ندب في الروح وتجاعيد البشره لاتخفيها الإبتسامة التي تخرج مجبرة من الفم لا من القلب.. فالإنسان الذي ينخرط مدفوعًا بالأمل والرغبة في وجود لا يفهمه ولا يستطيع أن يمتلك المعاني فيه إمتلاكا كاملًا يكتشف النقص والألم الكامن في النفس فيعادي كل ما يبدو مثاليا وكاملا ويعري في شخصيته الدوافع الخفية حتى لحظات التعاطف الإنساني مع الضعفاء قد تبدو لحظات كهذه خيرا مطلقا لكنه يكشف تحتها طبقات من التعقيد مثل الفضول للتعامل مع أشكال الحياة الأخرى أو المتعة بسلوكيات سادية في مشاهدة معاناة البشرالمعذبين أو الرغبة في الإحساس بالقوة أو بالتعالي الأخلاقي.. ومن هنا نكتشف قدرة الإنسان على تبريرخطيئتة بتلاعب وخداع سواء خداع نفسه أوالآخرين في شتى أشكال العلاقات البشرية.. فالإنسان كائنا ميتافيزيقيا دوافعه تعبرعن اللاشعورواللاوعي في العقل الباطن في لحظات ميوله الإنتحاريه حين ييأس من إيجاد معنى للحياة أوحين يعجز الدين عن العمل كمسكن فيعجز الفرد عن الإيمان بالله والنعيم الأبدي فيتجه الأفراد نحو الانتحاروالقتل كخلاص أخيرفالايمان بالله والخلود أمرظروري للحفاظ على وجود وحياة الإنسان على هذه الأرض التي تحمل مافيها من قبح ومعاناة وألم.. فرحم الله من عرف قدرنفسه واحترم منهجه والتزم حدوده وأبرز قدرته كقدوه بحكمة وإن لم يستح من الله فليفعل مايشاء فسنن الكون لن ترحمه..

 

د. قاسم محمد الياسري

 

 

ابراهيم أبراش

تبوأت المسألة الديمقراطية بمرتكزاتها الأساسية: الانتخابات وحقوق الإنسان والمواطنة والعدالة الاجتماعية، مركز الصدارة في سلم اهتمامات الشعوب ورجال الفكر والسياسة طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت الدول الغربية وعلى رأسها الولاياتالمتحدة الأمريكية تستعمل مسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان كورقة ضغط ومساومة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول كما جرى ويجري مع جمهورية الصين الشعبية وقبله الاتحاد السوفيتي، أيضاً في الشرق الأوسط من خلال طرح مشاريع مثل الشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الجديد لدمقرطة الشعوب والدفاع عن حقوق الإنسان كما تزعم .

خروج الجماهير في الولايات المتحدة الامريكية بمظاهرات منددة بالعنصرية على إثر مقتل جورج فلويد يوم 25 مايو 2020 وامتداد المظاهرات لدول غربية كشف العنصرية المتفشية وغياب العدالة الاجتماعية ووجود الملايين من السود والملونين والمهاجرين المهمشين في أكبر ديمقراطيات الغرب، بالإضافة إلى السياسة العنصرية والاستعمارية التي ينهجها رئيس أكبر الديمقراطيات. هذه المظاهرات بالإضافة إلى مشكلة اللاجئين والأزمة الاقتصادية الناتجة عن وباء الكورونا قد تكون ارهاصاً لتحولات عميقة تضع الديمقراطيات الغربية على المحك، كما أصبح الزعم بأن دول الغرب تمثل حالة مثالية للديمقراطية يحتاج لإعادة نظر، الأمر الذي يحتاج لمقاربات جديدة وتنظير لموجة خامسة من الديمقراطية.

قبل الاستطراد يجب عدم التهويل مما يجري وتصوير الأمر وكأن الولايات المتحدة على وشك الانهيار أو سيكون مصيرها الفوضى والتفكك كمصير دول الربيع العربي، ونعتقد أن فروقات كثيرة وكبيرة بين ما يجري في المدن الأمريكية وما جرى ويجري في دول فوضى الربيع العربي وأهمها: وجود ثقافة ديمقراطية تؤمن بالحوار والإصلاح المتدرج، الحرص على المصلحة الوطنية من كل الأطراف، قوة الدولة العميقة، والأكثر أهمية غياب التدخلات والأجندة الخارجية.

طوال العقود الماضية لم تكن المسألة الديمقراطية محل نقاش في الدول الغربية نفسها من منطلق أنها مهد الديمقراطية وواحة الحرية وحقوق الإنسان، وما كان يعزز هذه الصورة للغرب حالة الازدهار الاقتصادي المتسارع في النصف الثاني من القرن العشرين. إلا أن تحولات عميقة ومتسارعة في المجتمعات الغربية وضعت الديمقراطيات الغربية على المحك وأهمها:

- صعود اليمين المتطرف والنيوليبرالية المتوحشة وما أدت إليه من تزايد الفجوة بين الطبقات وعودة الاستعمار المباشر وغير المباشر وتفشي العنصرية والطائفية.

- الثورة المعلوماتية وما أدت إليه من وضع حد لمرحلة كانت العملية السياسية الرسمية محاطة بالغموض والتكتم وتجري داخل صندوق أسود، فهذه الثورة المعلوماتية وخصوصاً وسائط التواصل الاجتماعي أدت لانكشاف وإماطة اللثام عن أغلب التفاعلات التي تجري في مركز اتخاذ القرار السياسي وفي المجتمع بشكل عام، وسرعة توصيل المعلومة والخبر، وكأداة فعالة للتحريض في حالة أي انتهاك لحقوق الإنسان أو خلل في أداء النظام السياسي.

- فقدان الانتخابات العامة لبريقها وتراجع المراهنة عليها كمؤشر على وجود الديمقراطية، حيث أصبحت الماكينة الانتخابية والرأي العام وجمهور الناخبين يخضع للمال السياسي وتأثير وسائل الإعلام.

- الازمة الاقتصادية الجديدة الناتجة عن الاختلالات المتراكمة للنظام الاقتصادي العالمي وخصوص اقتصاديات الدول الغربية، وهي اختلالات فاقمها صعود الاقتصاد الصيني واقتصاديات دول أسيوية أخرى أيضا تداعيات وباء الكورونا.  

كل ذلك أدى لاستحضار مسألة الديمقراطية مجدداً وما إن كان العالم سيشهد موجة خامسة من الديمقراطية، ولكن هذه المرة لبست موجة أفقية تضيف مجتمعات جديدة إلى الفضاء الديمقراطي كما جرى مع الموجات السابقة، بل موجة من داخل الديمقراطيات الغربية نفسها هدفها دمقرطة الديمقراطية ونفض الخمول عنها ومواجهة الفاشية والعنصرية والشعبوية واليمين المتطرف وكلها ايديولوجيات تتعارض من مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان، أيضاً إسقاط هالة القداسة التي تم إضفاؤها على الديمقراطيات الغربية.

حديثنا عن موجة خامسة للديمقراطية أو دمقرطة الديمقراطية لا يخرج عن فلسفة الديمقراطية وجوهرها، فالديمقراطية ليست نظاماً مغلقاً يستلهم الديمقراطية الأثينية الأولى أو خاضعاً لبراديغمات المؤسسين الأوائل أو أن لها سقفاً تقف عنده، بل هي سيرورة تتفاعل وتتأثر بكل ما يجري من أحداث وما يُستجد من ابتكارات وتطورات، وقد سبق وأن كتب مفكرون عن التحولات التي تطرأ على مسار الديمقراطية، وكان الأمريكي صموئيل هنتنغتون أهم هؤلاء حيث أصدر في أوائل التسعينيات كتابه الموسوم بـ (موجات الديمقراطية) متحدثاً عن ثلاث موجات للديمقراطية، ومن بعده كتب آخرون وخصوصاً مايكل ماكفول عن الموجة الرابعة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وكلها موجات كما ذكرنا كانت تؤدي لتوسع أفقي وجغرافي لتطبيق الديمقراطية وتعزيزها.

كل ما سبق لا يقلل من أهمية ما انجزه الغرب في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان مقارنة بما عليه الحال في الدول الأخرى أو أن هذه الأخيرة مبرأة من تهمة العنصرية والطبقية والطائفية، ولكن الأمر يحتاج من دول العالم الأخرى أخذ عبرة مما يجري في الغرب والتحرر من عقلية التقليد الأعمى واشتقاق طريقها الخاص بها نحو الديمقراطية بما يتناسب مع ثقافتها وأوضاعها الاقتصادية.

 

إبراهيم أبراش