 قضايا

رأيت الله

محمد ممدوحتجلى الله سبحانه لخلقه فلم يغب عنهم قط، لم يغب عن أبصارهم حتى وإن كان (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام103) ولم يغب عن أذهانهم حتى وإن كان (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى11) ولم يغب عن قلوبهم قط، بل ما خلق الخلق إلا لأجل أن يسكن تلك القلوب " ما وسعتنى أرضى ولا سمائى ووسعنى قلب عبدى المؤمن " (1) .. المؤمن بأنه الواحد الأحد، بأنه القوى الأقوى، بأنه الكبير الأكبر، بأن أمر كل شئ إليه، وبين يديه، ويصير كل شئ إليه، بأمره وبحكمته وقدرته يكون أو لا يكون كل شئ، وأى شئ، ملوك الأرض إلى جبروت مملكته كذرة في فلاة، وقوة الأرض مجتمعة، بمظالمها وجبروتها وعنجهيتها إلى قوته سبحانه كذرة في فلاة، كلٌ خاضع له، قائم ٌ به، مدرك لوجوده سبحانه، لا يغيب العقل عن إدراك تلك الحقائق أبدًا ولا الوجدان، كلٌ آمن بالله الواحد الذى ليس له شبيه ولا يدرك كنهه مخلوق.

لم يغب الله عن كونه وجودًا وتأثيرًا فاعلاً، لم تغب قوته المغناطيسية عن التدخل لتغيير مسار الكون كلما اقتضت إرادته، كما لم يمهل المعربدين فسادًا وإفسادًا إلا لحكمته وإرادته، ليسير قانون الدفع إلى منتهاه (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) (الحج40) ثم ليسجل سبحانه في كشوف غيبه وغياهب لوحه ما يكون من المخلوق الذى ارتضاه خليفة في أرضه، ليميز الخبيث من الطيب بقانون الدفع، ثم ليقيم الموازين القسط لديه يوم تخشع الأصوات له بقانون العدل، فكان سبحانه هو صاحب هذه الحكمة المطلقة التى يجود علينا الواقع كل يوم بقبسٍ من مآثرها، أو ومضة من نورها، كل ذلك مما يدركه العقل المستقيم الذى لا عوج له ولا هوى، ليستقيم في القلب والعقل معًا أن الله هو كل شئ، وصاحب كل شئ، ومدبر كل شئ، وموجود في أرضه وسماواته، يراه المبصرون، بل وحتى أولئك الذين لا يبصرون، يسمعه المنصتون، بل وحتى أولئك الذين لا يسمعون، يعقله العاقلون، بل وحتى أولئك الذين لا يعقلون، إن كلٌ إلا يسبح بحمده، ولكن لتسبيحهم لا يفقه الكثيرون.

نرى الله بجوارحنا لا بعقولنا فقط، بأبصارنا لا ببصيرتنا فقط، بأجسادنا لا بأرواحنا فقط، نعم، نراه رؤية حسية لا كشفية، مادية لا روحية، ولكن أكثر الرائون لا يعقلون، ولا يتدبرون، ولا يجيدون قراءة اللوحة، أو تدبر المشهد ..

في ذاك الزمان السحيق، يسبح الكون بحمد بارئه، تركع الملائكة وتسجد، تزغرد الطير في جوف السماء ما يمسكهن إلا الله، يخرج أحد أبناء آدم ثائرًا على الفطرة، يقاتل أخاه، يتوعده بشر مصير، ولكن أخيه يمتطى حسن الخلق، يستدعى ملائكية السماء، تلك التى تتحول إلى إنسانية عندما تختلط بالبشرية، يجيب في غير ضجر، وفى غير سخط (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) (المائدة28) .. يرى الله المشهد، يرى النفوس في جلاء شفافها، يعلم القلوب على ضياء صفحات مائها، ينظر إلى الآثم الذى تطوع له نفسه قتل الوجود في محراب قدسه الأقدس، في ذات الوقت الذى ينظر سبحانه إكبارًا وإجلالاً إلى ذاك القلب النقى الذى آثر الله على الدنيا، آثر منهج الوجود على كل عاقبة حتى ولو كانت القتل، يتطلع إلى المشهد، ولكنه لم يتدخل .. كان يمكنه أن يهدى الظالم ويصبغ قلبه بنور الإيمان، أو على الأقل ينصر الخير على الشر، أو يلهم آباهم الحكمة الكافية لحل النزاع، أو في الأخير ينزع من قلبيهما أسباب التنازع، ولكن حكمته أبت إلا أن يسير كل شئ وفق تقدير حكيم، وقضاء عزيز عليم، ليمدح موقف المظلوم ويظل مادحًا له إلى الأبد، ويتوعد الظالم ويظل وعيده إلى الأبد (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة32)

هنا رأيت الله، رأيته متجليًا بلا حجاب، لا مرية في سبحات قدسه الأطهر، يسكن الوجود، تخر السموات والأرض هدًا، يخشع الكون كله هيبة وجلالاً وإجلالاً .. الله يلقى على الأرض أول الدروس، الله عدل، حتى وإن لم يتدخل لنصرته، الله ضد الظلم حتى وإن لم يتدخل لقمعه .. الله حياة، حتى وإن ترك الثائرين عليها يحطمون وجودها .. الله ضد الموت، حتى وإن ترك سياطه تنهش في أرواح عياله.

هكذا رأيت الله، رأيت حنانًا ذا فيض لا انقطاع له، ورحمة لا حدّ لها، وشفقة لا نهاية لها .. رأيته في قانونه الأول، الله مع الحياة ضد القتل، الله مع العدل ضد الظلم، أما حال انتصار القتل على الحياة، وقفز الظلم فوق العدل، فهذا كله مما يرجئه سبحانه إلى يوم الحساب، ليحكم الكون قانون الدفع في الدنيا، وليحكم قانون العدل يوم الفصل (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء47)

ولم يستوعب الكثيرون الدرس، لا لأنهم لم يروا ما رأيت، ولا لأن الله لم يتجلى لهم، ولكن فقط لأنهم عموا وصموا عن دلائل الرؤية وعمق المشاهد، أو ربما حجبتهم كثافة المادة عن متابعة أثير الروح، فغاب الله عنهم، بقدر ما غابوا هم عنه. 

رأيت الله في مشهد جليل، عجز العقل أمامه، ولكن وجود شهوده مكثت في فؤد الفؤاد، وتربعت فى قُليب القلب ..

مكان مجهول، لا يعلمه أحد، حتى ولا الملائكة، يخرج منه صوت موجوع.. يبتهل إلى الله في خشوع .. ينادى وقد فقد الأمل من كل موجود سوى القادر الذى لا يحيط بقدرته علم ولا يحدها حدّ، يخرج الصوت متهدجًا من شدة الإعياء ( لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء87) .. لم يميز أحد هذا الصوت، ولا الملائكة، ولكن الله يميزه، فلا يشغله صوت عن صوت، ولا تختلط عليها الأصوات وإن كانت لامعدودة، نعم، إنه صوت يونس، إذ خرج مغاضبًا، فقط أعطيه درسًا أن كل شئ بيدى، فقط أعلمه أنى قادر على كل شئ، وأنا الآن أعلم مكانه، وأرى جزعه، وأرى نياط عروق الحوت الذى يحمله..

ويخشع الكون كله لهيبة الموقف، الملائكة تتضرّع، والحوت يتوجس خيفة، ينتظر ماذا سيكون من أمرٍ تال، ليقطع الله هذا السكون بأمره إلى الحوت أن يلفظ عبده يونس إلى اليم دون أن يمد إليه يدًا بالسوء..

هكذا تختلط الأرض بالسماء، تنسكب دمعات الأرض تحت عرش الرحمن، فوق السماوات السبع، هنا نرى الله بلا رتوش، نراه برحمته، بحكمته، بعدله، بقيوميته، وما يعلم جنود ربك إلا هو، ولكن أكثر العقلانيين لا يعقلون، ولا يعتبرون، ولا يفقهون.

ملايين المشاهد التى رأيت فيها الله كالشمس ليس دونها سحاب تحاصرنى، فليس الله بمجهول لكونه أو خلقه، وليس بخافى على سمائه أو أرضه، ليس سبحانه ببعيد، بل هو أقرب مما يدرك العقل (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة186) .. ليس سبحانه بمجهول، بل إن آياته التى تكسو الكون والوجود أعظم من العدّ وأكبر من الحصر، وما يعقلها إلا العالمون.

أنظر إلى غياهب الشفق، أترنم سر الأسرار، كون بديع ورب أبدع ما خلق، أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، تطوف الذاكرة لتلتقط ذاك المشهد .. صوت موجوع يمزق حجب السماء، يقطع السنوات الضوئية متجهًا إلى العرش .. إلهى .. ولدى لا يعلم مكانه سواك .. وأنا متضرع إليك منقطع أملى من كل أحدٍ سواك .. أشكو بثى وحزنى إليك .. فأنت أكرم من يُسأل وأجدر من يجيب وأحق من يُدعى..

خرجت تلك الكلمات من قلب ممزق ألمّ به الشتات، إنه قلب نبى الله يعقوب .. يعتصر قلبه همًا وكمدًا وألمًا على فراق ولده.. ويوسف فى مصر لا يقل لوعةً عن لوعة أبيه فى أرض الشام، وتتدخل إرادة الله ليقدر اللقاء للكريمين، لقاء تخللته التدابير، تدخل القدر عبر مناسبات عدة خلال تلك السنوات، يهيئ الله الأسباب، يشق غياهب الأرض بحُجُب السماء، يفتش للناس بعضًا من أسراره، يضخ لهم الأمل عبر أنابيب اليأس، يسوق إليهم الفرج عبر قناطير الضيق .. هكذا بدا الله للعيان، ليراه الجميع، مبصرون وغير مبصرين، يتطلعون إلى المشاهد التى جمعت التناقضات كلها .. فراق ولقاء .. عمى وبصر .. ضيق وفرج .. عسر ويُسر .. سجن وملك .. فرح وحزن .. تجتمع تلك التناقضات كافة بتهيئة من الفاعل الرئيس لها، والمدبر الحكيم والأوحد لسُبحات قدسها .. بدا الله عبرها رحيمًا، حكيمًا عليمًا.. بدت رحمته من عمق المأساة .. وبدا عطاؤه من جوهر المنع، وبدا تدبيره من معين حكمته .. وبدا لطفه من خفى تدبيره .. ليُخرج لنا لوحة قدرية مبدعة لو اجتمع لها أهل الأرض والسماء على أن يصبغوها بتلك القدسية وبألوان الجلال والكمال تلك ما نالوا منها إلا شذرًا لا يُغنى ولا يُسمن من جوع، ولعادوا إلى أنفسهم ملتمسين كمال الجلال من ذى الجلال وحده.

ذات القدر من وضوح الرؤية، وذات القدر من البلاء أيضًا، وذات الدعوات الشاكيات نسمع نبر حزنها فى مكان آخر، وفى ظرفٍ آخر، حيث يمكث نبى الله أيوب طريحًا، طال عليه البلاء، قلّ حوله الأعوان .. دون أن يفت ذلك فى عضُد إيمانه، ودون أن يوقف ذلك عن التسبيح لسانه، ودون أن يسرى اليأس.. أدنى اليأس، إلى قلبه .. يخرج صوته منهكًا من قلة العافية وضآلة الجسد .. (وأيوب إذ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (الأنبياء 83) .. وما كان للسماء أبدًا أن تتخلى عن الأرض، وما كان لله أبدًا أن يتخلى عمن دعاه، أو يغفل عمن ناجاه، ما كان له إلا العطاء بلا حدود .. فالله عطاء .. الله حياة .. الله وجود، الله رحمة .. (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) (ص42) هكذا عمق الرحمة فى خفى التدابير، الأمر أيسر مما يفكر فيه العقل، لأنه متعلق بإله مطلق القدرة، إله مطلق الأمر، مطلق التدبير، كل شئ يخضع له بذلة دون أن يعجزه شئ، وكل شئ ينكسر لإرادته دون أن يكبُر عليه شئ، وكل شئ يُذل لعظمته حبًا أو كرهًا دون أن يعانده شئ (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت11) .. طائعين لا مرغمين، وما كان لشئ أن يشذ عن أمر الله، وما كان لأحدٍ، أى أحد، وكل أحد، أن يمتنع عن قدر الله، أو ينجو من قضاء الله إلا بإرادة الله، ولكن حتى تلك الدروس البسيطة لا يعيها كثير من المتنطعين، وما يعلمها إلا المبصرون.. ما الفارق بين دعوة يعقوب (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (يوسف86) ودعوة أيوب (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) (الأنبياء84) .. كلاهما دعوات خرجت من الاستعانة بالأرض للإستعانة بالسماء، كلاهما خرجا من قلبين موجوعين، كلاهما يستغيثان الله ربهما، الفارق الوحيد أن الحدث مختلف شكلاً دون المضمون .. أحدهما فقد ولده، والآخر فقد نفسه .. يا له من تشابه عجيب، اتحدت فيه الدعوات، وصعدت لله الدعوات، واتفقت فيه النهايات.

يعقوب يعود بصيرًا ويرتمى في حضن ولده يوسف ليمزق ما تركه الشتات من أسى ولوعة، وليكسر ما تيبس من حزن وكمد على بساط وجه اللقاء .. وأيوب يرتد لعافيته ليمزق الهواء بيديه، ويصعد بالدعوات الشاكرات .. والله من فوقهما يتبدى للمبصرين بآياته الباهرات، بقدرته المعجزة للعقول والأفهام، يتبدى برحماته وواسع فضله، بحكمته ورحيم إحسانه، بعدله وقسط ميزانه..

هكذا بدا الله، وهكذا يبدو نورًا يضئ للسالكين ..

إنه ذات النور الذى شق حجُبه صراخ ذاك الطفل الرضيع، في مكان لا نبض فيه ولا حياة .. لم تصعد منه دعوات، ولكن الله لديه علمٌ بحاله .. لديه العلم بالسر والعلانية، يضرب الصغير الأرض بقدميه يأسًا وعجزًا وضجرًا .. يُفجر الله له الماء من تحت قدمه، وكأنه يلقن إسماعيل الصغير درسًا في الصغر .. " إن ضربات بأسك وضجرك، لن يقابلها إلا رحمات منا وفرج " .. يا لها من رسالة موجزة .. رسالة تخاطب القلوب والعقول، لا يأس أبدًا من روح الله، لا يأس من تغيير الواقع أو تفريج الهموم أو وضع حدٍ للظلم، فقط مجرد صبر، فقط مجرد يقين في الله سبحانه، مجرد استسلام لأمره حتى ولو بلا دعاء، فالله يعلم ما في القلب وإن لم يتحدث اللسان، الله يعلم مكنونات الصدور حتى وإن أخفت الأعين أو خرست الألسنة..

كان الله باديًا لكل ذى عينين في ذاك المشهد، وكان أكثر بدوًا عندما بلغ هذا الصغير السعى مع أبيه، ويمضى أمر الله بالذبح .. يتوقف الكون كله لهيبة الموقف، تطير القلوب فزعًا، وتنخلع الأفئدة حزنًا وتطير الأرواح هلعًا .. الله الذى يحمى الحياة هو ذاته من يقضى عليها ؟! أيصدر أمرًا بالقتل من إلهٍ ضد القتل ؟ كيف يأمر الله بما لا يقبله ؟! إنها لمعضلة كبرى في الأفهام لا في القضاء، معضلة يتدخل الله بحلها في اللحظة الأخيرة، حيث كان النزع قاب قوسين أو أدنى (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (الصافات107) .. ذبح من الغنم فداءً لذبح من الإنس، ليكون الإنسان سيدًا فوق كل شئ، حياته مقدمة على حياة كل شئ، بل إن الحيوات الأخرى ما كانت إلا لحياته، وما كانت إلا لفدائه، وما كانت إلا لبقائه ولوازم وجوده..

هكذا تقرأ المشهد .. نقرئه فى (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ونقرئه في (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه46) ونقرئه في (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران134) ونقرئه في (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة83) ونقرئه في (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)) (الضحى9-11) .. تلك بعضًا من المشاهد التى نرى فيها الله بوضوح، نراه بجلاله، وبتمام كماله، وبعظمة هيبته وعمق حكمته وروعة تدابيره .. نرى الله في كل لحظة، حركة أو سكون، فناء أو بقاء، منع أو عطاء، وأعظم ما في هذه التناقضات كافة، أنها جميعًا تؤكد حقيقة واحدة مؤداها : الله موجود.

نعم .. الله موجود، مطلع على كونه، أرضه وسمائه، يعلم خائنة الأعين وما أخفته الصدور .. الله موجود في كل كائنةٍ، تقف حكمته خلف قدره، وتقف رحمته خلف تدبيره .. وتقف عظمته خلف قضائه..

كان الله ولم يزل، كان في عالم الغيب بذات القدر الذى بدا في عالم الشهادة وبدا في عالم الشهادة بذات القدر الذى ستر به حُجبات غيبه، بدا في أرضه وسماواته، في خلقه وشئونه، في تدبيره وتصريفه، في كل كائنة يرتسم اسمه، وفى كل خافية تحتجب حكمته، وفى كل قدرٍ تتشكل عظمته .. ليس كمثله شئ، هذا حق، ولا تدركه الأبصار، هذا عين اليقين وحقه، ولكن تدركه القلوب والأفهام، تدركه الأفئدة والبصائر، تدركه العقول ويستوعبه أولوا النهى ..

رأيت الله ليس فقط في تدابيره وخفى ألطافه وبديع صنعه وعمق رحمته وواسع حكمته، فهذا مما يدركه كل أولى العقول والأبصار، ولكنى رأيت الله من زاوية أخرى، من موقف مغاير، رأيته سبحانه في عمق قلبى حاضرًا، رأيته في فؤادى مستويًا ومتربعًا، حدّثته طويلا ومرارًا، سمعت صوته بآذان روحى لا بآذان جسدى، وسمعت حكمته بمعين فؤادى، عاينت الأزل، وما بعد الأزل، شققت حجب الغيب، وما بعد الغيب، وما كان هناك شئ غير الذى يسكن كوننا، الله في غيبه هو الله في شهوده، هو الحياة، الوجود، الإنسانية، الرحمة، العطاء، اللطف، التدبير الخفى لصالح الإنسان دومًا، الله لا يخطئ، لا ينسى، لا يظلم (لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) (طه52) (وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء47) الله عالم لا يعزب عن علمه شئ في الأرض ولا في السماء، مدبر لا يتفلت من حكمته شئ في الأرض ولا في السماء، رحيم لا تسع لرحمته الأرض ولا السماء، هكذا رأيت الله، وبذا عرفت الله، وهذا يقينى في الله، غيبه يوافق لدىّ شهوده، وشهوده يُصدّق لدىّ غيبه، ويتجلى سبحانه بذاته لمن يصطفى من خلقه، أولئك هم الأخيار، الذين تجردوا وتزودوا، فأخلصوا وخلصوا، فاختارهم الله ليبدو لهم، ومن أجمل من الله، وما أعظم مثوبة من رؤيته.  

 

د. محمد ممدوح

من حجرة مولانا الإمام الحسين بن على

غرة المحرم 1439هـ

.................

 1) المقاصد الحسنة فيما اشتُهر على الألسنة، حديث رقم 944

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور محمد ممدوح
ان ترى الله او لا تراه، ان يراك او لا يراك هي أمور متعلقة بالعقائد والإيمان والعقل. ولكل منها معناه وقيمته الفردية والاجتماعية.
ان مهمة المثقف هي اولا وقبل كل شيء التزام عقلي وعلمي تجاه اشكاليات الوجود والإنسان والمجتمع، لكي لا يكون (المثقف) مسرحا لمناجاة الآلهة والانبياء والقديسين والأولياء وما شابه، اي لكي يكون منفذا لكل ما لا يخطر على عقل وبال!
الذي ارغب بسماعه والاستفادة منه هو مايلي: ما هي القيمة الاجتماعية او السياسية او الثقافية او العلمية لهذه الروية وانعكاسها على المواقف من حياة المجتمع والامة والدولة والنظام السياسي، اي كل ما مهم بما في ذلك بالنسبة لله.
تحياتي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4506 المصادف: 2019-01-06 01:00:40