 قضايا

الكوزمولوجيا الفضائية غير البشرية.. الأوميين نموذجاً (5)

جواد بشارةمن الصعب الولوج إلى عمق تلافيف النصوص الأومية ولكن بعض العلماء بذل جهداً كبيراً لاستخلاص أفكار واضحة ومفيدة من خلال قراءة وتمحيص الرسائل الكثيرة  والمتنوعة للأوميين. من هؤلاء العالم الفرنسي جون بيير بتي فلقد كرس وقته سنة 1976 لقراءة الرسائل التي تسلمها سيسما من الأوميين سنة 1962 والتي اشتراها منه فاريول وأعطاها لجون بيير بتي قبل أن يتلقى هذا الأخير رسائله المرسلة إليه مباشرة من الأوميين. ومن تلك الرسائل استشف نظريته الكوسمولوجية الخاصة  التي أسماها جانوس وبتعبير ونص الأوميين كما ورد استحصل المعلومة التالية:" لا يوجد فقط كون واحد، وهو كوننا الذي تعرفونه، بل عدد لانهائي من الأزواج الكونية،  فالثنائية  موجودة أيضاً في التركيبة الكونية. الاختلاف بين العالمين هو أنه في كل واحد من الزوج الكوني هناك استناد على تراكيب ذرية أو نووية مختلفة تختلف عن التراكيب النووية  للآخر، والاختلاف هو في علامة  الشحنة الكهربائية، وهو الأمر الذي سماه البشر المادة والمادة المضادة. لذلك نؤكد لكم وجود كون توأم لكوننا المرئي ولكن:1 ـــ  في ذرات  الكون التوأم تكون الإلكترونات في النواة الذرية موجبة وليست سالبة كما في كوننا المرئي، وهي التي تسمونها ( البوزيترونات) وتبقيها في مداراتها حول النواة الذرية البروتونات المضادة ذات الشحنة الكهربائية المضادة أو المعاكسة. 2 ـــ لايمكن للكونين التوأمين أن يتصلا ببعضهما البعض لأنه اتصالهما يفنيهما معاً، وبالتالي لامعنى للتفكير بإمكانية إلتقاء بينهما وذلك لأنه لاتوجد بينهما علاقات مكانية وزمانية أو زمكانية، ولاتوجد بينهما أبعاد تفصل بينهما فلا معنى أن تفكروا بوجود سنوات ضوئية تفصل بينهما أو أن وجودهما متزامن أو متشابه زمنياً فلا زمن بينهما كالزمن الذي نعرفه. 3 ــ لدى الكونين التوأمين نفس الكتلة ونفس القطر  لتشكيل كروي ذو انحناء سلبي . 4  ــ  ويتمتع الكونان بــ " فرادة" خاصة متميزة الواحدة عن الأخرى. ما يعني أنه لايوجد نفس عدد المجرات  ولا نفس التركيبة المادية لدى كل منهما فلا وجود لأرض أخرى ولا لكوكب أومو توأم كما يمكن أن يتخيل البعض وهذه المعلومة ليست افتراضية بل حقيقية وسوف نقدم الدليل العلمي عليها لاحقاً . 5 ــ نشأ الزوج الكوني، كوننا المرئي وتوأمه، في نفس الوقت بعد الانفجار العظيم، إلا أن إتجاه سهمي الزمن لهما لا يسيران بنفس  الاتجاه فلكل واحد منهما اتجاه زمني مغاير، وبالتالي من الخطأ التفكير أنهما موجودان في نفس الزمن أو هناك نفس مفاهيم الــ " قبل " والــ " بعد " أو أن أحدهما موجود قبل أو بعد الآخر، يحق لنا القول فقط أنهما موجودان فحسب. ولا يحق لنا القول أنهما موجودان " الآن" أو قبل أو بعد، ولكن في سياق تطوري هما متوازيان  ومتكافئان وهذا ينطبق على كافة العدد اللانهائي من الأزواج الكونية التوائم الموجودة والمرصودة من قبلنا في التعدد الكوني pluricosmos .

ويمكننا أن نرى صورة تختلف عما رصده البشر عن جزء ضئيل من الكون المرئي وعمموا رؤيتهم ففي هذا الكون المرئي تتنقل المجرات كما لو كانت جزر تطوف في محيط كوني إلا أن هذا المحيط هو عبارة عن كرة بأبعاد متعددة multiple dimensions حيث يمكننا الحديث عن مسافات مابين المجرية  وغازات وسحب كونية تملأ الفضاءات مابين النجمية ومابين المجرية ولكن يصعب عليكم أنتم البشر تصور أو تخيل أو تكوين صورة عن التعدد الكوني لأن الأزواج الكونية ستبدو لكم كما لو إنها غاطسة في العدم فلا معنى أن تتخيلوا وجود مسافات أو أن المسافات معدومة فمثل هكذا تصور لن يكون سوى وهم وتخيل، هناك توازي وتداخل وتدافع وتسارع وانفجارات عظيمة لاتعد و لا تحصى وفي كل لحظة في الكون المطلق الذي يضم الأزواج الكونية التوائم. ولكن من المؤكد لنا ومثبت علمياً أن الكون التوأم لكوننا يمارس تأثيراً على كوننا حتى لو لم يرتبط الكوننان بأية علاقات زمكانية بينهما وبتحليلنا لهذا التأثير اكتشفنا كوننا التوأم."  هذا النص يثير الغرابة والفضول في آن واحد كيف لنا أن نتصور نحن البشر أن هناك اتجاه معكوس للزمن؟ وماهي طبيعة وماهية المكان ومفهوم الفضاء ؟

في رسائل أخرى مبعثرة يوجد شرح وتوضيح للصفحات الكونية feuillets d’univers كما لو أنها إنعكاس أحدهما للآخر في مرآة كونية هائلة ويطلق عليها النص الأومي الــ énantionomorphes أو الكون المرآة، ولكل كون وانعكاسه في المرآة الكونية زمنه الخاص به واتجاهه الخاص به والمعاكس لكل منهما . وهو الموضوع الذي عمل عليه العالم السوفياتي أندريه زاخاروف وحصل على جائزة نوبل  ولقد نشر بحثه كاملاً باللغة الفرنسية سنة 1984 وكان قد قدمه سنة 1967  لكن الظروف السياسية آنذاك حالت دون انتشاره في الغرب. وبقي مفهوم الأكوان التوأم  univers gémellaires محدودا ومحصوراً بين  قلة قليلة من العلماء لسنوات عديدة ما عدا بعض الاهتمام والفضول الذي أبداه بعض العلماء في الغرب لنتاج أنديه زاخاروف الحاصل على جائزة نوبل وذهولهم من أطروحته عن الأكوان المتوازية والأكوان التوائم بسهمي زمن متعاكسين وإشارته لغياب المادة المضادة التي تقف وراء تكون الكون التوأم  إلا أن زاخاروف نشر بحثه بإسمه ولم يذكر مصدر  معلوماته المختلف كلياً عما كان معروفاً وسائداً في الوسط العلمي الفيزيائي آنذاك بيد أن رسائل أخرى للأوميين كشفت أنهم أرسلوا له ولعدد مع العلماء السوفيت رسائل علمية وإن زاخاروف نشرها بإسمه دون أن يشير للأوميين ورسائلهم التي تضمنت هذه المعلومة الكونية المهمة. ولكن في خطابه عند تسلمه جائزة نوبل والذي قرأته بالنيابة عنه في ستوكهولم هيلينا بونير سنة 1975 قال زاخاروف:" قبل آلاف السنين كانت المجموعات البشرية محرومة  في سعيها للحصول على الكلأ  والغذاء ومع ذلك كان من المهم، ليس فقط الحصول على الغذاء بل والتفكير والتأمل على نحو ذكي وواعي وإقامة العلاقات بين المجموعات البشرية المنتشرة والموزعة في أرجاء الأرض لإقامة التعاون بينها، واليوم تواجه البشرية اختباراً مماثلاً يتمثل بوجود حضارات كونية عديدة منتشرة في الفضاء اللانهائي، وفي بعضها توجد مجتمعات عاقلة ومتطورة ومتقدمة، أكثر حكمة وأكثر تطوراً واتقاناً وأداءاً performantes plus منا. وأنا أؤيد الفرضية الكوسمولوجية القائلة  بأن تطور الكون يتكرر بأعداد لامتناهية وفق مقاييس وظروف وخصائص جوهرية معينة فهناك حضارات فضائية أخرى أكثر أداءاً وتطوراً من الناحية العلمية والتكنولوجية، وهي موجودة بعدد لانهائي في سجل التطور الكوني وعلى الصفحات السابقة أو اللاحقة لكتاب الكون" . وأشار زاخاروف إلى إمكانية وجود اتصالات بحضارات فضائية كونية لابشرية .

ولقد ذهب الأوميون إلى أبعد من ذلك في الميتافيزياء عندما تحدثوا عن إمكانية أن يكون الشيء موجوداً وغير موجود في آن واحد أو أن يكون الشيء حقيقياً ومزيفاً في نفس الوقت ويؤكدون إمكانية أن تكون ظاهرة ما، ذات كينونة وجودية ومعدومة الكينونة تزامنياً وهذا التمييز الأنطولوجي يصعب إدراكه من قبل البشر في الحياة اليومية  لكنه كان مطروقاً  من قبل حكماء وفلاسفة بشر قدماء لا سيما النتاج الأفلاطوني، وكذلك في النصوص التأسيسية للفلسفة البوذية. ففي منطقنا  الثنوي binaire   البشري فإن الأشياء تنتمي، إما  لمجموعة أ من الأشياء الموجودة  والحقيقية الملموسة من ناحية المنطق، وإما للمجموعة ب من الأشياء غير الموجودة  أو المزيفة من ناحية المنطق أيضاً، وهذين المجموعتين منفصلتين عن بعضهما و لا يوجد بينهما أي عنصر مشترك و لا توجد أية إمكانية أخرى بديلة في نطاق منطقنا الزوجي أو الثنائي  البشري  وهو ما يدحضه الأوميون من خلال تجاربهم العلمية والمختبرية في مجال الميتافيزياء  حيث اكتشفوا منطقة رمادية ثالثة بين الموجود وغير الموجود،بين الحقيقي والمزيف، بين الواقعي والخيالي، الأمر الذي يراه البشر من خلال منطقهم بأنه متناقض  في حين أن هذا التناقض بالنسبة للأوميين ومنطقهم فاقد للمعنى ومن منطلق المنطق الرباعي التكافؤ tétravalente فإن هذا التمثل أو التعبير  يمثل ثلاث إمكانيات ممكنة : 1 ــ مجموع أو كل فارغ الذي هو ردب أو نهج مغلق من ناحية المنطق وهذا بدوره يضع نهاية للمفهوم الذي يستكشفه التفكير العقلي . 2 ــ  شكل من أشكال الوجود intriquée معقد أو كامن لكنه خاضع لــ  اللآحتمية من النوع الكمومي أو الكوانتي، على سبيل المثال،  فتلك الكيانات في حالتها المعقدة، أو بسلوكها اللاحتمي جزئياً، هي جزء من مجموع من العناصر المشتركة بــ أ و بــ ب من هنا يقال عنها أنها " موجودة" و " غير موجودة" في نفس الوقت مثل قطة شرودينغر الحية الميتة في نفس الوقت في التجربة الكمومية أو الكوانتية الشهيرة. ولكن بوسعها، على مدى زمني، أن تتجسد فعلياً في هذه الحالة أو، الموجودة أو اللاموجودة. 3 ــ والاحتمال الثالث هو وجود لافيزيائي يتحدد بعناصر لاتنتمي لا للمجموعة أ و لا للمجموعة ب وهذه الكيانات تقع خارج إطار أي تحقق وتدقيق فيزيائي لأنها ميتافيزيائية لأننا يمكننا أن نحسب و نقيس تأثيراتها التي تسمح لنا بأن نستنتج معلومات عن بعض الخواص أو الخصائص الخاصة بتلك الكينونات كالأفكار والمشاعر والتي هي جزء من المجموع الكلي للموجودات . لا يمكننا رؤيتها و لا وزنها  لكنها موجودة.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

استاذ جواد بشارة المحترم
ودّاً ودّا
اتابع سلسلة مقالاتك بشغف ومتعة يا استاذ جواد , شكراً على جهدك الرائع .
الأسئلة التي تثيرها هذه المقالات أكثر من الأجوبة ,
كأن البشر في النهاية نتاج مخيّلتهم وكلما اتسعت المخيلة انكشفت أعماق واتسعت تخوم الحقيقة ,
يبدو لي ان المطلق ليس إصطلاحاً رياضياً فقط بل هو مطلقات وليس مطلقاً واحداً وعلى رأس
تلك المطلقات جميعاً مطلق المخيلة البشرية كأن المخيلة البشرية محيط المحيطات هذا إذا أخذنا
بالحسبان ان المعلومات الواردة عن الأوميين هي أيضاً نتاج المخيلة البشرية واندياحها فليست هذه
المعلومات المنقولة عن أشخاص كبار ترقى الى رتبة الحقائق المبرهن عليها الثابتة وإنما هي
اجتهادات عقول كبيرة بالضبط كما يخبرنا بوذا عن النرفانا دون أن يصل هذا الإدعاء الى اليقين
العام وقد يكون
هو الحقيقة ولكن العقول البشرية الطبيعية لا تدرك ذلك بيقين شامل يحيل تلك المعارف الى بداهة لا
خلاف عليها .
بالمخيّلة المعزّزة بقدرات أخرى يسبح البشر في المطلق أو شيء من هذا القبيل .
دمت في أحسن حال يا استاذ جواد

جمال مصطفى
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4515 المصادف: 2019-01-15 01:57:18