 قضايا

تعادليّة الجمال والجلال في شخصية المراة

الجمال والجلال في هذا الوجود هما تجلٍ من تجليات اسمي الجميل والجليل . والجمال والجلال متحدان، ومندمجان اندماجاَ محكماَ بحيث لايمكن التفكيك بينهما . فالزهرة في عالم الوجود هي تجلٍ من تجلياتِ الجمال الالهي؛ فالزهرة منظرها جميل، وملسمها رقيق جميل، وعطرها جميل اخّاذ، ولكنّها في نفس الوقت لها جلالها المستمدُّ من موقعيتها في الوجود، فهي تحتل موقعا وجوديا، وحيّزا وجوديا بين موجودات الكون الاخرى، وعلى هذا الاساس تحرّم الدول المتقدمة قطعها، والتجاوز عليها؛ وهذا يؤكّد امتلاكها لجلال بقدرها، يفرض تشريعا بحرمة التعدي عليها، وانتهاك وجودها.

والجبال الشوامخ، مظاهر يتجلّى فيها الجلال الالهي، والهيبة والقوة والعظمة، ولكنها في نفس الوقت هي مظهر من مظاهر الجمال الالهي، لانها تحتل موقعا جماليّاَ في لوحة الوجود الجميلة .

الجمال في مظاهر الوجود

لو انعمنا النظر في مظاهر الوجود، لوجدناها محكومة بالجمال حكما قسريا، لايمكنها التفلت منه، لانها تعبيرات وتجليّات للجمال الالهي .يقول الله تعالى:

(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) الكهف: الاية: 7

(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ) السجدة: الاية: 7

(إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) الصّافات: الاية: 6

(أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) النمل: الاية: 60

(وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) الحج: الاية: 5، والانعام يتجلى فيها هذا الجمال في رواحها وسراحها:

(وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) النحل: الاية: 6، وحتى الخيل والبغال والحمير فيها هذا الجمال، وتلك الزينة الاخّاذة:

(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) النحل: الاية: 8

الجمال في الصورة الانسانيّة

الانسان كائن مميّز، اختاره ليكون سيد الكون؛ ولذلك ميّزه عن سائر الكائنات حتى في الصورة وحسن القوام، يقول الله تعالى:

(اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) غافر: الاية ك 64

(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) التين: الاية: 4

جمال الخُلُق الانساني

الجمال الانساني لايقتصر على جمال الصورة، وجمال الظاهر، بل لابد ان يصحبه جمال الاخلاق، وجمال الباطن؛ ولذلك حثّ الله تعالى تعالى الانسان ان يكون في سلوكه وتصرفاته جميلا، فامره بالصبر الجميل، والصفح الجميل، والسراح الجميل، والهجر الجميل، والقول الحسن، والجدال بالتي هي احسن، والدفع بالتي هي احسن؛ لان السلوك بلاجمال سيتحول الى سلوك جاف، ينطلق من حسابات ومعادلات جافة لارحمة فيها، ولاحب ولاعاطفة . يقولالله تعالى:

(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) يوسف: الاية 83

(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) الحجر: الاية: 85

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) الاحزاب: الاية: 28

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ) البقرة: الاية: 83

(وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) العنكبوت: الاية: 46

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت: الاية: 34

الجلال في القران الكريم

الجلال باكمل مصاديقه هو جلال الله تعالى، وجلال الاشياء مستمد من جلال الله تعالى؛ ولذلك حتى الموجودات العظيمة ذات الجلال والقوة، لاتتحمل الجلال الالهي، فالجبل تلاشى حينما تجلّى الله له، يقول الله تعالى:

(فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ

صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا

أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) الاعراف: الاية: 143

والله مصدر الجلال والعظمة، والتنزه عن كل نقص، يقول الله تعالى:

(وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) الرحمن: الاية: 27، وقوله تعالى:

(وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) الرحمن: الاية: 78

الجلال والجمال يتجليان في الانسان الكامل

الجلال والجمال يتجليان في مظاهر الوجود، ولكن التجلّي الاتم لهما في الانسان الكامل . والانسان الكامل تحدث عنه الفلاسفة والعرفاء، واعتبره الفارابي رئيس المدينة الفاضلة، وعند ابن عربي هو المدينة الفاضلة، وعند الشيعة الاماميّة هو الامام، وعند ابن باجه هو انسان الهي، والجمال والجلال يتعادلان في الانسان الكامل، فهناك تعادليّة الجمال والجلال في شخصيّة الانسان الكامل؛ لان الانسان الكامل هو اعدل النشات الانسانيّة - الجسمانيّة حسب تعبير ابن عربي . (ابن عربي، التدبيرات الالهية، ص 163) .

والانسان الكامل يختزل الكون كله، كما في الشعر المنسوب الى الامام علي (ع):

اتحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر، او حسب تعبير ابن قضيب البان: (الكون كله صورة القطب) .(ابن عربي الانسان الكامل والقطب، القسم الاول، ص 13) .

تعادليّة الجمال والجلال في المرأة

الانسان الكامل لايفرق فيه بين ذكورة وانوثة؛ لان الذكورة والانوثة تنتمي الى عالم الجسد، والانسانيّة من مقولة اخرى، الروح لاانوثة ولاذكورة فيها، القيم لاانوثة ولاذكورة فيها، والانسان الكامل هو من تتجلى فيه اسماء الله وصفاته، فلافرق فيه بين ذكورة وانوثة، الزهراء (ع) ومريم (ع) تجلّى فيهما الانسان الكامل، والرسول(ص) والانبياء والمسيح وعلي تجلّى فيهم الانسان الكامل .

المرأة زينة الحياة الدنيا، كما المال والبنون، والمراة تتقدم على كل زينة دنيوية، يقول الله تعالى:(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ

وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ

الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ

الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) ال عمران: الاية: 14 .

فالمراة تجلّي الجمال الالهي اكثر من اي كائن اخر؛ ولكنّ هذا الجمال الانثوي الذي خلقه الله ليؤدي وظيفته في الحياة، لابدّ ان يعادله جلال، والاّ تحول الجمال الى قبح، ومساحيق واصباغ وتفلت من كل القيم الاخلاق .

الحضارة الغربية ركزت على الجمال الجسدي في المراة، ولذلك اهانت المراة، وانزلت من قدرها، وتحولت المراة الى وسيلة اعلان تجلب الزبائن، ابرزت الحضارة الماديّة جسد المراة، واغفلت جمال عقلها، وشفافيّة روحها، والستر في حضارتنا، ولااقول حجابا؛ لانه لايحجب المرأة، بل يستر مواطن الاثارة في جسدها من اجل تحقيق امن مجتمعي . والحجاب في حضارتنا له بعده الحضاري القيمي، انه يقول للاخرين: ان المرأة عندنا ليست جسدا فحسب، بل هي عقل وروح وقيم واخلاق، هي تجسيد للجمال والجلال الالهيين .

 

زعيم الخيرالله

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4524 المصادف: 2019-01-24 00:47:30