 قضايا

الرؤية القرآنية للحوار بين الأديان

معراج احمد الندويإن فكرة الحوار بين الثقافات والحضارات وأتباع الأديان قد تبلورت اليومأكثر من أي وقت مضى، انتشرت هذه الفكرة على أوسع نطاق حتى أضحت مثار الاهتمام لدى قطاعات واسعة من المفكرين والمثقفين. إن التحديات التي تواجه الأسرة الدولية في هذه المرحلة من التاريخ والأزمات والصراعات والمشاكل التي يعرفها العالم اليوم، كل ذلك بلغ مستوى من الحدة والضراوةوالخطورة، لا سبيل إلى التعامل معها ومواجهتها، لا يمكن الآن الحلول والتسوية لهذه النزعات والصراعات إلا بالحوار الذي يفضيإلى التفاهم والتقاربوالتوافق مع الآخرين على أساس الاحترام المتبادل.

إنَّ اختلاف الناس في أديانهم وعقائدهم سنة قدرها وقضاها رب العالمين, لحكمة عظيمة وغاية جليلة. خلق الناس وجعلهم شعوبا وقبائل ايتعارفوا ويتعاونوا على البروالتقوى وعلى ما فيه خير الإنسان ومصلحة العاجلة والآجلة.قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم.﴾ (سورة الحجرات 13) وقال جل من قائل: ﴿ يا أهل الكتابتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بضنا يعضا أربابا من دون الله﴾. (أل عمران 64)وبذلك قرر الإسلام أن التعددية سمة من سمات المجتمعات البشرية، يجب التعامل معها بإيجابية ، لا تفرق بين الناس حسب أعراقهم وألوانهم، لأن أكرم الناس عند الله أتقاهم.وإن التنوع العرقي واللغوي مدعاة تعارف بين الشعوب والأقوام وليس مدعاة تنابذ، والتعارف تواصل حضاري بين الشعوب، فيه اعتراف بالآخر وتواصل معه ليقوم على البر والتقوى والكلمة السواء والمجادلةبالتي أحسن والحوار مع الأحترام المتبادل.

الحوار بفهومه العام يختلط على السامع الغاية من الحوار بين الدعوة وإقامة الحجة إلى التقريب والتعاون المشترك, أو التعايش أو الوحدة أو التوحيد بين الأديان. الحوار بين الأديان وهو وسيلة من وسائل دعوة أهل الأديان عموماً, وأهل الكتاب بشكل خاص إلى الإسلام، والدعوة إلى الله تعالى موجهةٌ لكل الناس، وإقناعهم بالحق هدف شرعي مطلوب. الحوار بين الأديان اسم عام يطلق على كل مخاطبة ومحاورة تتم بين طرفين أو أكثر من أهل الأديان والمؤمنين بها، فكلمة "حوار" كلمة عامة تشمل كل ما يقع عليه معنى التجاوب والتراجع والتخاطب. إن الحوار بين الأديان الموجودة متنوع, منه حوار الدعوة والتعايش والتقارب والوحدة والتوحيد ولكل واحد خصائصه وأحكامه.

فكرة التعايش والتسامح:

 لقد أصبحت فكرة التعايش والتسامح دعوة فكرية تحمل في طياتها مضامين فكرية وثقافية وحضارية واجتماعية, وقد تبنى هذه الفكرة ونظر لها من الطرف الإسلامي بأنها هو احترام الآخرين وحرياتهم والاعتراف بالاختلافات بين الأفراد والقبول بها, وهو تقدير التنوع الثقافي, وهو الانفتاح على الأفكار والفلسفات الأخرى في الأديان.

إن موقف الإسلام من التعايش بين أتباع الأديان بحسبان التعايش قيمة راقية من القيم الإنسانية، وباعتباره قضية بالغة الأهمية ، ولأن هدفه هو تعزيز التعايش السلمي المشترك بين البشر من أحل تحقيق الأهداف النبيلة. ولقد أكد الإسلام على الوحدة الإنسانية بالمساواة بين أجناس البشر وشعوبهم وقبائلهم بقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم.﴾ (سورة الحجرات 13)هذه الوحدة الإنسانية تتضمن الدعوة إلى التألف بالتعارف وإلى ترك التعادي بالتخالف. فإن ذلك يؤكد تأكيدا على عالمية الرسالة الإسلامية, وعالمية الإسلام تجعل الثقافة والحضارة الإسلاميتين منفتحتين على حضارات الأمم متجاوبتين مع الثاقفات الشعوب،لأن الإسلام يريد أن تكون في العالم حضارات متعددة ومتميزة ، كما يريد الإسلام هذه الحضارات المتعددة أن تتفاعل وتتساند في ما هو مشترك إنساني عام.

ومبدأ عالمية الرسالة هو من مبادئ الإسلام الراسخة، وهو الأساس الثابت الذي تقوم عليه علاقة المسلم مع أهل الأديان, ومن هذا المبدأ تنبع رؤية الإسلام إلى التعاملمع غير المسلمين، فلا تكتمل عقيدة الإسلام إلا إذا آمنبالرسل جميعا، لا يفرق بين أحد منهم ، وهذا هو البعد الإنسانيالذي يعطي للتسامح في الإسلام مساحات واسعة. فهذا التسامح لا يلغي الفارق والاختلاف، ولمنه يؤسس العلاقات الإنسانية التي يريد الإسلام أن تسود حياة الناس، فالتأكيد على الخصومات العقائدية والحضارية والثقافية، لا سبيل إلى ألغائه، ولكن الإسلام لا يريد لهذه الخصومات أن تمنع التعاؤف بي ن الأمم والشعوب والتعاون فيما بينها. إن مفهوم التعارف ذو سعة، يمكن أن يشمل كل المعاني التي تدل على التعاونوالتساكن والتعايش، ويمكن أن يستوعب التعارف قيم الحوار والجدل بالتي هي أحسن والاحترام المتبادل.

التسامح والحوار:

 إن التسامح يفتح آفاقاً جديدة في فهم حقوق الآخرين وواجباتهم تجاه غيرهم وعدم فرض قيود على الآخرين ما يتيح تحول الأفراد والمجموعات لمزيد من التمدن ويؤصل من قيمة الحرية. لا بدأن ينطلق الحوار بين الطرفين من أرضية مشتركة أولا ثم يتدرج منها إلى مواضيع الخلاف لكي تحقق الأهداف من الحوار. فقد حاور القرآن الكريم مع الآخرين بأرضية متفقة عليها، مما يدل على هذا قوله تعالى:﴿ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بضنا يعضا أربابا من دون الله. ﴾ ( أل عمران 64) لأن الإسلام في الأصل دين يتوجه بالخطاب للعالم كله، وعلى هذا الأساس الحوار والتواصل مع الآخرين ليست مسألة همشية ونما محورية لكونه دين للناس أجمعين.

 

دكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا- الهند

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4527 المصادف: 2019-01-27 02:13:45