 قضايا

سؤال قديم وسيبقى إلى الأبد هل نحن وحيدون في هذا الكون؟ (1)

جواد بشارةقبل الإجابة على هذا السؤال  دعنا نفكر بعقولنا وفق المنطق  والعلم  والفلسفة، بل وحتى الدين، ونستجوب عقولنا حول حقيقة تحتاج إلى برهان:" هل من المعقول أن هذا الكون المرئي الهائل بكل ما فيه من محتويات (غازات وأغبرة وسحب وسدم وتجمعات وحشود وأكداس مجرية ومجرات وكواكب وأقمار الخ..) خالي من الحياة إلا في ركن لامتناهي في صغره ولا قيمة له، هو الأرض، وحدها التي تحتضن الحياة  العاقلة والذكية؟ هل الكون  أو خالقه، إذا كان له خالق، من العبثية بمكان، أن يوجد كل هذه المكونات والمحتويات التي يستحيل تخيلها بما فيها من مسافات ومساحات، لتكون فقط أكسسوارات لكوكب يكاد يكون غير موجود على خارطة الكون، أن يغدو الوحيد الذي يحتضن الحياة فيه؟ من العبث الاعتقاد بذلك فالكون ليس عبثياً  لكيتفي بحياة على الأرض فقط .

عالم الفيزياء الفرنسي ــ الأمريكي، من أصل فيتنامي، وهو تران كسوان ثيوان، صاحب الكتب العديدة عن الكون،  قال في كتابه " قاموس العشق المصور للسماء والنجوم" : من غير المحتمل أن نكون وحيدين في هذا الكون". وفي معرض شرحه وتفسيره وعرضه للكون المرئي، ليس فقط من خلال الكتابة فحسب، بل وكذلك من خلال الصور الرائعة للكون المرئي، التي تكشف عن أسرار وألغاز الكون، وولادة النجوم .

تحدث هذا العالم عن أقدم نجم في الكون المرئي، وهو 2MASS J18082002-5104378  الذي ولد قبل 13.5 مليار سنة، أي قبل  ظهور الأرض للوجود بما يزيد على الثمانية مليار سنة، وهناك ما هو أقدم منها كثير لكننا لم نرصد وجودها بعد أو لم يجد الضوء الصادر منها الوقت الكافي لكي يصل إلينا بعد. هناك اعتقاد سائد بين العلماء أن النجوم الأولى انبثقت في الكون المرئي بعد مرور بضعة مئات الملايين من السنين بعد الإنفجار العظيم البغ  بانغ، وهي التي تشكل أصلنا وأسلافنا لأننا جميعاً ثمرة أغبرة النجوم، أو بتعبير آخر نحن جميعاً أبناء النجوم، كما جاء في عنوان كتاب العالم الفرنسي أندريه براهيك  : أبناء الشمس" وهي إحدى نجوم مجرتنا درب التبانة وقلب  نظامنا الشمسي وأرضنا جزء منها. فالنجوم وتفاعلاتها النووية هي التي تصنع الكيمياء الذرية  وتتعامل مع العناصر التي نجمت عن الإنفجار العظيم وهي الهيدروجين والهليوم وكميات قليلة من الديوتريوم والليثيوم  وإنتاج عناصر أخرى أثقل وكلها موجودة في أجسامنا ومكوناتنا  البيولوجية والكيميائية. فهذه العناصر الكيميائية للطبيعة تنشأ جراء التفاعلات النووية في قلب النجوم الضخمة وإثر موتها وانفجارها في عمليات عرفت بإسم المستعرات الكبرى السوبرنوفا التي تقذف تلك العناصر في الأوساط ما بين المجرية ومابين النجمية . . فهذا النجم القديم لا يحتوي على عناصر ثقيلة إلا القليل جداً منها لأنها تشكلت بعد مرور زمن قصير في أعقاب الانفجار العظيم أي بعد 300 مليون سنة من ولادة الكون المرئي. وهناك جيل آخر من النجوم ممن ولد قبل نجم 2MASS J18082002-5104378  فشمسنا احتاجت لخمسين مليون سنة لتتشكل من غبار وغازات منهارة على نفسها بفعل ثقالتها  الجاذبة في حين أن نجمة أصغر منها بعشر مرات  والتي تكون ثقالتها الجاذبة أضعف عشر مرات من ثقالة وجاذبية شمسنا، تحتاج لمليار سنة لكي تنهار ثقالياً قبل أن تبلغ حرارتها المركزية وسحبها الغازية، درجة الحرارة الحرجة  وهي 10 ملايين درجة الضرورية لإحداث الإندماج النووي la fusion nucléaire  النجوم تنبثق عن سحب جزيئية  ما بين نجمية لكنها لاتولد على نحو انفرادي ومنعزلة بل دائماً على هيئة مجموعات نجمية وكانت شمسنا جرماً وحيداً قذفته سحابته الغازية الأصلية من خلال تفاعل ثقالي مع نجم آخر أو سحابة جزيئية غازية أخرى.

وبالرغم من الكم الهائل من المعلومات العلمية المتوفرة لدينا عن الكون المرئي إلا أننا في حقيقة الأمر  نجهل 95% من مكوناته فهناك المادة العادية والمادة المضادة التي نجهل عنها كل شيء تقريباً، وهناك 27% من المادة السوداء أو المظلمة أو المعتمة، و 68% من الطاقة السوداء أو المظلمة أو المعتمة واللتين نجهل كلياً ماهيتهما وطبيعتهما . ففي تسعينات القرن الماضي سعت فرق علمية بحثية دولية لقياس وحساب معدل تباطؤ التوسع والتمدد الكوني، لأنهم اعتقدوا أن ذلك يجب أن يحدث بفعل جاذبية الثقالة الكونية التي تتولد عن المجرات والنجوم والكواكب  الخ.. مما سيعمل على كبح قوة الدفع الأساسية الناجمة عن الإنفجار العظيم. ولكن في سنة 1998، بعد سنوات من الجهد والتجارب والحسابات المضنية توصل فريقان من الباحثين إلى نتائج مذهلة وهي أن الكون شهد بالفعل فترة وجيزة من التباطؤ في توسعه وتمدده خلال المليارات السبعة الأولى ولكن ابتداءاً من المليار الثامن حصل سلوك مغاير ومناقض أو معاكس تماماً وصار الكون في حالة تسارع في توسعه وتمدده وهو تسارع مفاجيء وسريع وهذا أمر غير ممكن إذا أخذنا بالاعتبار فقط مادته الطبيعية المرئية لأن ذلك يعني أنه كان يجب أن يستمر في التباطؤ في توسعه وليس العكس، وبالتالي تطلب الأمر اللجوء إلى تفسير آخر وافتراض وجود شيء آخر مارس قوة مضادة للجاذبية force anti-gravité تكون طاردة ونافرة أو نابذة répulsive تدفع بالاتجاه المعاكس بدلا أن تجذب وقد يكون ذلك جراء حقل أو مجال  طاقة تغمر الكون برمته وتمارس جاذبية مضادة طاردة أو نابذة تفوق قوة الثقالة الجاذبة للمادة العادية . وقد لوحظ ذلك منذ العام 1933 واعتبر العلماء أن  الجزء الأكبر من مادة الكون معتمة أو سوداء أو داكنة  أو مظلمة وغريبة بالمقارنة مع خصائص المادة العادية المرئية المؤلفة من البروتونات  والنيترونات والإلكترونات، التي تشكل كل شيء موجود وملموس ومادي في الكون المرئي بما فيه نحن البشر والكائنات الحية برمتها والنجوم والكواكب والمجرات، وفي نفس الوقت تكونت قناعة لدى العلماء أن الكون بأكمله، والفضاء والكواكب والنجوم والمجرات تسبح في محيط من الطاقة السوداء أو الداكنة أو المعتمة أو المظلمة حيث سيكون اكتشافنا لطبيعتها وماهيتها حدثاً من أهم  الأحداث والاكتشافات في الفيزياء الجوهرية . ولكن لماذا ظهرت بعد مرور 7 مليار سنة ؟ في الحقيقة كانت موجودة منذ البداية لأن الكون المرئي كان اصغر حجماً وأكثر كثافة وكانت قوة الثقالة الجاذبة أقوى ولكن بتوسع الكون وتمدده تباعدت المجرات عن بعضها البعض مما أضعف القوة الجاذبة في الثقالة وباتت القوة الدافعة أو الطاردة للطاقة السوداء أو المظلمة أقوى وهي المهيمنة، 

عندما دقت ساعة الكون في  المليار الثامن من عمره . وفي حركته وتفاعلاته تضخم الكون وازداد عدد مكوناته، فمجرتنا درب التبانة تضم ما بين 200  إلى 300 مليار نجمة من بينها شمسنا، وهناك 300 مليار مجرة تم إحصاؤها ورصدها  مع اكتشاف كواكب أخرى جديدة في أنظمة شمسية مماثلة لنظامنا الشمسي ومنها كواكب قابلة لاحتضان الحياة كأرضنا ويعتقد أن نجم من بين نجمين  يمتلك كواكب تدور في فلكه ما يجعل عدد الكواكب التقديري في مجرتنا وحدها حوالي  100 مليار كوكب ما يعني  مجموع 100 مليار  كوكب  مضروبة بــ 300 مليار مجرة هو عدد الكواكب في الكون المرئي، فهل من المعقول أن تنحصر الحياة في كوكب  واحد لا يتميز بأية خصوصية منفردة عن غيره من الكواكب المماثلة التي لا تعد و لاتحصى؟ وأن الحياة غير موجود في كواكب أخرى، سواء داخل درب التبانة أو في المجرات الأخرى؟ أمام هذه الأرقام المهولة لايمكن التفكير بعبثية الوجود واقتصاره على كائن عاقل وحيد هو الإنسان فالحياة لا بد أن تكون موجودة في أماكن أخرى فمن غير المحتمل على الإطلاق أن نكون نحن البشر الكائنات العاقلة الوحيدة في هذا الكون المترامي الأطراف وهذه الفكرة ليست وليدة اليوم، فمنذ العصر الإغريقي في 610 – 546 قبل الميلاد، تحدث الفيلسوف الإغريقي آناكسيماندر عن التعدد الكوني pluralité cosmique، وأن عددها كبير جداً وربما لانهائي وفيها عدد لامتناهي من الكواكب المأهولة وهي الحقيقة التي أكدها تلسكوب كبلر واكتشف عدد كبير يعد بالآلاف للكواكب الواقعة في المنطقة القابلة لظهور الحياة على غرار الأرض . وفي سنة 1600 حكمت الكنيسة الكاثوليكية على الراهب المفكر الدومنيكاني  جيوردانو برونو بالإعدام حرقاً وهو حي لأنه تجرأ على القول أن الكون لامتناهي ومسكون بعدد لانهائي من العوالم والحضارات والكواكب المأهولة بالسكان وبالمجتمعات العاقلة والذكية والمتطورة . البشر يفكرون بأن الكائنات الأخرى، إن وجدت لابد أن تكون على صورتهم وحسب شروط عيشهم ومعاييرهم وهي تلك التي نعرفها  و لانعرف غيرها. ولكن لاشيء يقول لنا أن الحياة لايمكن أن توجد بأشكال أخرى لا تخطر على بالنا و لا تستطيع مخيلتنا تصورها لقد أرسل البشر رسائل لمجموعة تقدر بعدة مئات الآلاف  من النجوم المرتبطة ببعضها بالجاذبية وتبعد عنا بمسافة 23000 سنة ضوئية  وبالتالي لم تصل إشارتنا ورسالتنا إليها بعد فما بالك بالجواب عليها الذي سيستغرق نفس المدة الزمنية، فيما يعتقد قلة من علماء البيولوجيا أن الحياة ظهرت بالصدفة مرة واحدة فقط على الأرض على نحو إعجازي، وإننا النموذج الوحيدة للحياة العاقلة في الكون.

نحن نتحدث هنا عن كوننا المرئي  أو المنظور  و لا نعرف ماذا يوجد خارجه أو ماورائه فهناك فرضيات ونظريات كثيرة عن تعدد الأكوان des multivers . وهي تتحدث عن عدد لانهائي من الأكوان المتوازية أو المتداخلة أو المجاورة أو البعيدة جداً عن كوننا . ومن بينهم عالم الفيزياء الروسي الأصل أندريه ليند الذي قدم نظرية تقول كل واحدة من التقلبات fluctuations الكمومية أو الكوانتيه في الرغوة الكمومية الكونية الأصلية الأولية la mousse quantique originelle (وهو الفضاء أو المكان على المستوى ما دون الذري أو النطاق المجهري حيث يوجد رغوة غير واضحة المعالم وفي حركة دائمة ومتغيرة دوماً) هي التي تؤدي إلى ولادة ما يعرف بالفقاعة الكونية  أو الفقاعة – الكون une bulle-univers، من خلال سيرورة  التضخم للفضاء الكوني وتمدد أسي مع الزمن، ما يعني أن كوننا المرئي ليس سوى فقاعة صغيرة جداً لامتناهية في الصغر من بين عدد لامتناهي من الأكوان الفقاعات داخل هذه الرغوة الكونية المطلقة وقبل ليند تجرأ عبقري آخر هو عالم الفيزياء الأمريكي هيوغ إيفريت Hugh Everettالذي عرض نظريته في أطروحة دكتوراه  فصل فيها أركان نظريته وقال بأن الكون ينقسم أو نشطر إلى شطرين في كل مرة يكون هناك خيار ما أو قرار يتخذ وهي عملية انقسام دائمة وثابتة تقودنا إلى وجود عدد لامتناهي من الأكوان المتوازية  التي تحدث عنها عالم الفيزياء السوفياتي أندريه زاخاروف أيضاً . السيناريو الثالث جاءت به تطرية الأوتار الفائقة التي بنيت على فكرة أن الجسيمات الأولية ليس كينونات نقطية في الفضاء بل ناتج لذبذبات أوتار في غاية الصغر 10-33 من السنتمتر وهو ما يعرف بطول بلانك . وهي نظرية تطمح إلى الجمع بين وتوحيد النسبية العامة والفيزياء الكمومية وهي الهدف الأقصى الذي ترنو إليه الفيزياء الجوهرية المعاصرة وهي الغاية التي لم ينجح العلماء والفيزيائيين بلوغها بعد أكثر من نصف قرن من البحث والتجريب . وتتحدث النظرية عن وجود 11 بعداً عشرة منها مكانية وواحد زمني ما يقودنا إلى التنبؤ بوجود عدد يصعب تصوره وهو 10500 من الأكوان المتعددة المتجاورة والمتداخلة والمتوازية بيد أنها نظرية لايمكن في الوقت الحاضر اثباتها مختبرياً وإخضاعها للتجربة أو التحقق منها رصدياً فلا قدرة لتلسكوباتنا الحالية ــ وهي شبه بدائية ــ مقارنة بتكنولوجيا الحضارات الكونية المتطورة والمتقدمة علينا علمياً، على رؤية أو رصد كون آخر خارج ما تراه وترصده من جزء ضئيل من كوننا المرئي نفسه .

لنتوقف إذن عن طرح السؤال بهذه الصيغة " هل نحن وحيدون في هذا الكون" ونتقبل هذه البدبهبة بأننا قطعاً لسنا وحيدين ولكن مالعمل الآن وكيف سنتصرف في حالة ثبت لنا وجود حضارات عاقلة ومتطورة ومتفوقة علينا؟  فلو اقتنع سكان الأرض أننا لسنا وحيدين في هذا الكون وإن هذه من البديهيات فإن تداعيات  هذا الاعتقاد الثقافية والفكرية واجتماعية والأخلاقية ستكون كبيرة في مجتمعاتنا البشرية. فلو تيقنا أننا لسنا سوى شكل من أشكال الحياة من بين أشكال أخرى متعددة، قد يؤدي ذلك إلى تقارب البشر والتخلص من الخرافات والمؤسسات الدينية والمعتقدات البالية التي خدثتنا عن الخطيئة الأولى وعن العقاب والثواب والجنة والنار، وفهم أعمق وعلمي للواقع الذي نعيش فيه وحقيقة الكون وما فيه .

 

يتبع

د. جواد بشارة

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك يادكتور على هذا الجهد وعلى هذه السلسلة العلمية المثمرة التي اتحفتنا بها .

ابو سجاد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4529 المصادف: 2019-01-29 02:33:26