 قضايا

الفلسفة بين الأكاديمية المرفوضة والاكاديمية المفروضة

قاسم جمعةكل ما تكتبه يسقط امام سطوة رب التعليم، فطالما تلتقطك الكاميرا وانت تُحاصر الطلبة، كأيام البعث الغبي، وتلقي عليهم اكاذيب المعرفة السطحية والهوس الطاحن للغة الفراغ؛ فأنت توجد كينونة ترفع مناسيب معرفتك الورقية وترضي اربابك المسلوبي الإرادة، لارتهانهم لهذا السوق الحميري للقطيع الأكاديمي ..

بروفايل محشو بالتفاهات وكراريس مسروقة وطلبة أكلهم العفن من تكديسهم في قاعات، ونقلهم الى غيرها، وهكذا اسال نفسي مرات..

ما فائدة الجامعات لماذا لا تلغى؟..مادام الجميع ينجح والراسخون في العلم لا حول لهم الا الركون للراسخين في وحل الجهل؟.

هذا ما قاله لي احدهم، لان ما أريده أنا يختلف عما يرغبه، فهو متذمر وناقم على من حوله ولا يرضى بالمرفوض الجميل ..!

صادفني في الطريق في خضم تلك التأملات الصامتة حينئذ، صديق الطفولة والذي انتهت به الحياة الى ان يعيش على ماكسبته أيديه عندما افترش زوايا احد الأماكن ليبيع (حاجة بربع) بعدما كان يحفظ ديكارت. ويضع تحت وسادته رسالة اللاهوت والسياسة لاسبينوزا. وكنا نتسابق على قراءة الكتب الفلسفية لكي نذهب في صباح اليوم التالي لنتباهى بما عرفنا قدر إمكانيتنا من تحليل وتركيب وحفظ لمقاطع مثيرة من نص لهذا المفكر او ذاك الأديب لماركس لو لغوته او بارمنيدس ...الخ ولكي نقرأ لمدني صالح والألوسي وأميمة وغيرهم من اساتذة فلسفة الفرض الأكاديمي لا المرفوض !!..

لقد انتهت به الاقدار ليكون بائع للوهم لكي يطعم أولاده ويشري بما يرزق ترياقا لامه العليلة..

لقد كنّا نمتلك كتبا كثيرة واذكر مرة ضحك علي كثيرا لا تشفيا، بل منافسا لانه استطاع ان يشري كتابا وبقيت أنا أتأمل بنطالي الجديد، كنت قد اشتريته فقررت بيعه .لكي لا اشعر بالحيف الثقافي، تجاه صديقي المثقف، الذي صادفته كما قلت..فوجدته كافرا بالفلسفة ومرتدا للدين اذا جاز القول،، .

سالته ضمن الأسئلة الممطرة التي هطلت ساعتها هل لاتزال تعشق الفلسفة وعالمها الخلاب ؟..

ضحك كثيرا وأخذ ينادي حاجة بربع يا ولد ! .. بكيت كثيرا ومع نفسي تسللت الأسئلة .. ربما سياتي اليوم الذي نبيع فيه ثقافتنا وهوياتنا وربما باقل من الربع !..

لقد تحولت الدنيا فصار من كنّا لا تعيره اهتماما ثقافيا ومعرفيا، نجماثقافيا للوسط الإعلامي وبات من يأكل الكتب ويهضمها ويزينها جمالا على جمال

يتوسل الحمار الأكاديمي والمثقف السارق ..لكي يتحصل على وثيقه تخرجه المحروقة بسبب النهب المسعور!.

والفلسفة تزول عندما تكون او تدعي الأكاديمية الفجّة وترفض ما ينبغي فرضه وتفرض ماينبغي رفضه .. لقد تحول همنا من ان نكتب الى ان نكذب! هكذا يقول هذا الصديق البائع .

كتاباتنا يشوبها الكذب وأقلامنا معروضة في سوق الانتظار للبيع ..

شهاداتنا معلقة كصورة جدي الوهمي!.. الذي لطالما اعتقدت انه جدي بعدها تبين انه احد السادة الذين كانت أمي تقدسه بفطرتها النقية.. وكنا لا نسال عنه لان صورته معلقة ومحل مباركة لأركان بيوتاتنا المسكونة بالهموم والجري اللاهث وراء السرابات المملوءة بالحقيقة والتي كانت تشفي وتغني كل مريض ..لأنهم اكلوا وتعلموا الطيبة من الاله بمعزل عن منابر الكره وآلهة الفسق . كنّا لانرغب بالانتصار ولكن نسعى للكف عن الاذى ..

الفلسفة تتسابق عليها الأكاديميات المرفوضة فتحولت الى كراريس وعلامات تجارية مشهورة للفشل هكذا أجابني بائع الحاجة بربع .

.فانتهت بها الحال من رفض لما يفرض عليها الى ساحة للرقابات وصراع البروفايلات الصورية ..تركني هذا المتحاور وراح يدخل حاجياته وأغراضه في صندوق محكم حديدي وقال اني ذاهب للصلاة فهل تأتي معي ! قلت سوف اذهب لأشتري كتابا لان معرض الكتاب بدأ اليوم وعلي الأسراع.. فغادرنا وكل منا يحمل هم أسئلته الى مخابئ القدر المرفوض والمفروض القادمين ...

 

د. قاسم جمعة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4547 المصادف: 2019-02-16 00:37:03