 قضايا

مفهوم العدالة الإجتماعية في الإسلام

معراج احمد الندويإن مفهوم العدالة الاجتماعية هو استحقاق أساسي للإنسان نابع من كونه له الحق فى التمتع بمجموعة من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بإعتبارها حقوقا أساسية من حقوق الإنسان وجزءا لا يتجزأ منها.  العدالة الاجتماعية هي من أسمي القيم التي يحرص عليها العالم المتحضر. تنادي العدالة الاجتماعية بالمساواة وعدم التمايز. وفي العصر الحاضر، العدالة الاجتماعية، فهي نظام اجتماعي اقتصادي مركب يهدف إلى إحداث العدل بين طبقات المجتمع. وأما عن توزيع الثروات، فهو النسق الذي تختاره المجتمعات العادلة في معاملة أفرادها فيما يتعلق بتوزيع الموارد وتوفير حصة تشاركية لكل مواطن. تقوم العدالة الاجتماعية على عدة عناصر ومقوّمات، من أبرزها: المحبّة والكرامة الإنسانيّة والمساوة والتضامن بين جميع أفراد المجتمع.

إن العدالة الاجتماعية في الإسلام هي عدالة إنسانية شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية. العدالة الاجتماعية في الإسلام، فلا يمكن إدراكها إلا ضمن التصور العام للإسلام حول الكون والحياة والإنسان والمجتمع، باعتبار أن الإسلام يمثل تصورا شاملا ومتكاملا يعالج مختلف مجالات الحياة. العدالة الاجتماعية بحسب الرؤية القرآنية هي رعاية الحقوق العامة للمجتمع والأفراد، وإعطاء كل فرد من أفراد المجتمع ما يستحقه من حقوق واستحقاقات والتوزيع العادل للثروات بين الناس والمساواة في الفرص وتوفير الحاجات الرئيسة بشكل عادل واحترام حقوق الإنسان المعنوية والمادية.

ولقد جاء الإسلام ليعلي من قيمة الإنسان بغض النظرعن عقيدته أو جنسه أو لونه. "كلكم لآدم وآدم من تراب". الإسلام هو أول من ساوى بين البشر جميعا بغض النظر عن الفروق الدينية أو اللونية أو العرقية أو الطبقية. فلا يميزالإسلام بين البشر في كل هذه الأمور. فالناس مستوون كأسنان المشط ليس لأحد على أحد فضل إلا بتقوى الله. لقد اهتم القرآن الكريم كثيراً على أهمية تطبيق العدالة في المجتمع لقداحتوى القرآن الكريم على ست عشرة آية تختص بالعدالة الاجتماعية، منها ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (المعراج 24). قد حظيت بأكثر من نصف الآيات التي أشارت إلى العدل والمساواة في الناس.

مفهوم المساواة في الإسلام: المساواة من المفاهيم المكملة لمفهوم العدل ظاهرياً، فالمساواة مشروطةٌ بوقوع العدل، وهي إن تحققت في المجتمع ضمنت توزيع الحقوق لجميع أفراد المجتمع بشكلٍ متساوٍ في الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية وما شابه، دون التمييز بين الأفراد سواءً في العرق أو الجنس أو اللون، والمساواة بين الناس والتي تعدّ من أهم مكونات وأسس بناء العدالة الاجتماعية تعني المساواة أمام الشرع والقانون، والمساواة في الفرص، والمساواة في تقلد المناصب العامة، والمساواة في الحصول على المكاسب والامتيازات، والمساواة في الحقوق والواجبات. فالمساواة بين الناس تعطي حيوية للمجتمع، ومن أجلى مصاديقها المساواة في تكافؤ الفرص. والمساواة في توزيع الثروات مع تساوي الحقوق والاستحقاقات، فلا يفضل في الوظيفة نفسها وبالمؤهلات نفسها موظف على آخر، لأي سبب كان، كاللغة أو اللون أو المذهب أو العرق أو القبيلة أو ما أشبه ذلك من اعتبارات لا وزن لها في الدين. ولا تسود العدالة الاجتماعية إلاّ باحترام حقوق الإنسان فإن احترام الإنسان كإنسان وتكريمه هو من أجلى مصاديق تطبيق العدالة.

مفهوم العدل في الإسلام: العدالة الاجتماعية هي من أهم مكونات ومرتكزات العدل في الإسلام. العدل هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه ووضع الأمور في أماكنها الصحيحة. العدالة الاجتماعية في الإسلام ليست مطلوبة للإنسان فرديا واجتماعيا فحسب، بل هي أمر إلهي، بقول الله تعالى: {﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى}﴾ (النحل 90) جعل الإسلام العدل من القيم الإنسانية الأساس، التي جاء بها الإسلام، كما جعلها من مقومات الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية، حتى جعل القرآن إقامة القسط أي العدل بين الناس. يعد العدل من القيم الأساس التي حث عليها القرآن، وكررها في العديد من الآيات، ولقد فرض الله العدل على المسلمين ليشمل كل شيء في حياتهم، ابتداء من العدل في الحكم، إلى الشهادة ومعاملة الأسرة والزوجة وجميع الناس، حتى مع الأعداء والخصوم، فلقد قال الله تعالى:﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ (النساء 58)، وأيضا قال الله تعالى:﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (المائدة 8) يحاول الإسلام مع صميم المشكلة الاجتماعية ويهدف إزالة أسباب الفقر والحرمان، واقتلاع جذور الفساد الاقتصادي، ذلك لأنه لا يمكن تحقيق العدالة في عديد من أنواعها دون وجود العدالة الاجتماعية، فهي التي توجد الأجواء المناسبة والأرضية الصالحة لتطبيق مبدإ العدل والعدالة في الأبعاد الأخرى. العدالة الاجتماعية في الإسلام يقوم على العدل الذي هو قاعدة من قواعد النظام العام الإسلامي، واتساقاً مع ذلك اعتبر المنظور الاقتصادي الإسلامي العدالة الاجتماعية، فإن من أسس العدالة الاجتماعية في المنظور الاقتصادي الإسلامي إقرار هذا المنظور للكثير من حقوق العمال بالتوازي مع إقراره لواجباتهم والتي يجب أن يسعى المجتمع المسلم كله، إلى توفيرها وحمايتها، ومن هذه الحقوق: الحق في الأجر العادل، وهو ما يستدل عليه من ربط القرآن والسنة بين العمل والأجر، كما في قوله تعالى: ﴿قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت﴾ (القصص: 25)

إن الهدف الأساسي من العدالة الاجتماعية لا بد أن يركز على البنية الأساسية للمجتمع، أو بشكل أكثر دقة " الطريقة التي تقوم المؤسسات الاجتماعية الكبرى من خلالها بتوزيع الحقوق والمسؤوليات الأساسية، وتحديد كيفية تقسيم الامتيازات من خلال التعاون الاجتماعي. وفي الإسلام تختلط كلمة المساواة بمكلمة العدل. ومن عظمة الإسلام أنه يَمزُج بين العدل والمساواة؛ فالحق أنه لا حرية ولا مساواة بلا عدلٍ ، فلأول مرة في تاريخ الإنسانية شريعة وتعاليم توجه للإنسانية كلها، وتعتبر كل إنسان على ظهر البسيطة أهلًا لتقبل الحقوق والالتزام بالواجبات كأي إنسان آخر، وإن كلًا من الأصل والجنس واللون لا يمكن أن يفرق بين إنسان وآخر أمام القانون. إن تحقيق العدالة الاجتماعية من الأسس الثابتة للعدل حيث يتم من خلاله التساوي بين البشر وذلك بتعزيز مفهوم المساواة في الفرص والحقوق والواجبات، وذلك يسهم في سد المنافذ والنزاعات القائمة وتعميم العدالة الاجتماعية في سبيل الحياة السعيدة على وجه الأرض. فالإسلام أول من جعل العدالة الاجتماعية ويفترض بالمسلم أن يكون عادلاً اجتماعياً في سلوكه وحياته وممارساته لينعم هو وباقي أفراد المجتمع بالأمن والسلام.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا -الهند

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4550 المصادف: 2019-02-19 03:48:17