 قضايا

جاهلية المآتم

محمد ممدوحفى لقاءات عدة فكرية ووعظية حاولت أن أقدم للناس وجهة نظر الإسلام الحقيقية في ضوء جوهر مقاصده التى تختصرها آية (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام162)  أى أن الإسلام يتدخل في كل شئ من أصغره إلى أكبره، من حقيره إلى عظيمه، من جزئه إلى كله، وهو إذ ينظم ذلك فإنما يقصد إلى اتمام نعمة الحق على الخلق إذا اتبعوا منهجه، وشقاؤهم إذا أعرضوا عن منهج الله سبحانه، كما يقصد إقامة الواحدية المطلقة لله الواحد الأحد، فالصلاة خالصه لله، والذبح خالص لله، والحياة كلها خالصة له سبحانه، والممات له حبًا فيه وإقبالاً عليه وشوقًا إليه أو ذودًا عن دينه ودفاعًا عن العقيدة عبر الجهاد والشهادة، ثم في الأخير لا يخلُ شئ من هذه الأمور من دين الله الصحيح، فالصلاة تكون بعلم، والحياة من معاملات وسلوكيات تكون وفق منهج الله وضوابطه، والممات وما يتبعه من مآتم وأحزان يكون وفق المنهج العام لله، بلا ابتداع ولا مغالاة، أما إذا تم شئ من هذه الجوانب كافة على غير منهج الإسلام فهو دعوة صريحة إلى الجاهلية الأولى، خاصة إذا كان معنى الجاهلية كل ما يبتعد عن جوهر الإسلام أو يعاديه أو يُضاده.

أقول هذا والواقع يشهد على مدى ما وصل إليه هذا الدين من عبثية ورجس ما أنزل الله بهما من سلطان، فاعتدينا على شريعة الله ومنهجه، وابتدعنا دينًا غير الدين باسم الدين، وأوجدنا إلهًا غير الله باسم الله، واخترعنا شريعة غير الشريعة باسم الإسلام، ويكفى للدلالة على هذا الألم ما يُحدثه الناس في مآتمهم من بدع.. قرى بأكملها لا تقبل إلا بقارئ معين من الإذاعة يتحصل في الليلة الواحدة على مبلغ ثلاثين ألف جنيه .. وقرى أخرى تتباهى بمآتمها، بحجم الإضاءة، وعدد الكراسى الفاخرة الوثيرة، وعدد ما يُنصب من زينة وخيام وسجاد، وعدد المعزين، وأجر القارئ، كل هذه الأكاذيب والخيلاء الكاذبة من مداعى الفخر والتباهى والتعالى بين الناس، وينظر الفقير إليهم ولا يجد لميته ثمن الكفن ولكن يدين نفسه لأجل إتمام عمليات المنظرة الكاذبة والفارغة خوفًا من نظرات الناس المشمئزة ومصمصة الشفاة.

وقرى أخرى تقيم العزاء ثلاثة أيام، كل يوم بقارئ مختلف، وإضاءة كبرى، وصوانٌ كبير، وقرى تقيم ما يسمونه " الأربعين" و "الذكرى السنوية " أيضًا بذات التكاليف وذات العنجهية والجاهلية والمنظرة.

مئات المشاهد والعادات التى ينتحر العقل أمامها !!

وما جدوى هذه التكاليف؟ وما فائدة هذا البذخ؟ وماذا ينال الميت منه؟! لا شئ أبدًا يناله من هذا العُهر، فلا ينفع الميت إلا الصدقة أو العلم أو الولد الذى يدعو له أو أثره الطيب الذى يبقى بعد مماته من زرع يأكله إنسان أو طير أو حيوان، أو علمٌ ينفع به الناس أو أى أثر تُحمد عاقبته، أما غير ذلك فلا جدوى منه ولا خير يٌرجى من ورائه.

وما مبرر أولئك الذين يرتكبون هذه الحماقات؟! لا شئ غير تقليد الآباء ووجود معايير مغلوطة للشرف.

والقرآن يذم المقلدين للآباء في غير موضع (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) (المائدة104) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) (لقمان21) (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) (الزخرف22) حتى عبادة الأصنام، لم يعرضوها على عقولهم، وإنما تأثروا بالعادة والتقليد فقالوا (قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ) (الأنبياء53) (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)(الشعراء74)، حتى الفواحش يفعلونها ويعترفون بها، ولا مبرر لهم غير عبادة السلف من دون الله، من دون الإرتكاز إلى العقل (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا) (الأعراف28) منطق اللامنطق، العهر بعينه، لا عقلانية ولا قبول للحوار العقلانى، هذه قناعات لا سبيل إلى تغييرها في فكرهم، هذا ما يُصرون دومًا عليه، وكأن ما يفعله الآباء قد حاز درجة المقدس الذى لا فكاك منه ولا نقاش فيه.

وأمثال هؤلاء في حاجة إلى إعادة ترتيب أفكارهم وتدريبهم وتثقيفهم من جديد بعد هدم ونقض ما حوته عقولهم من سموم، وتعويدهم احترام العقل واللجوء إليه والقبول بموضوعيته وتجرده، وإلا فلن يكون إلى إقناعهم من سبيل.

وطائفة أخرى تنظر إلى موضوع المآتم والبذخ فيها على أنها قضية شرف، فدومًا تجد على ألسنتهم عبارات " نفعل ما يليق باسمنا أو بعائلتنا "، أو " لابد من مأتم تتحاكى به الناس " أو "لابد من مأتم يليق بالحاج فلان أو بفلان " ومثل هذه التعبيرات قد غزت قطاعات كبرى من مجتمعاتنا، من أبناء الدين الخاتم، أبناء العقل، أبناء المستوى الرفيع للإنسانية، وهى عبارات لا تمت إلى الإسلام بصلة بقدر ما قد استُعيرت من الجاهلية الأولى.

وما دخل الشرف بالفشخرة والمغالاة في المآتم؟! الشرف الحقيقى في طاعة الله سبحانه، في إقامة سنة نبيه () وليس في معاداتهما معًا، ليس في المنظرة التى لا تُغنى ولا تُسمن من جوع، التى لا تفيد أمة في قنطير ولا قطمير.

الشرف الحقيقى في التزام سنة رسول الله ()، في الإحسان إلى الفقراء والمعوزين بدلاً من هذه النفقات الطائشة التى لا تفيد حيًا ولا تنفع ميتًا، فالصدقة الجارية أولى، وإطعام البائسين أولى وكسوة العراة أولى، وأبواب الخير أولى، كل ما يقدم من نفع للإنسانية أولى من بذخ لا مردود له غير الفشخرة والتباهى والكبر، والثلاثة حاربهم الإسلام ووقفت لهم الإنسانية بالمرصاد، الإنسانية القيمية لا البشرية، الإنسانية الباحثة عن الإنسان لا المضادة لوجوده.

والنبى الكريم () يخبرنا بأن هذا كله رجس من عمل الشيطان، لا قيمة له، بل ضرره أكبر من نفعه حال تكالب الناس على هذه العادات وتباهيهم بها وجعلها معيارًا للشرف أو عادة الآباء التى لا سبيل إلى قطعها، والميت لا ينفعه من ذلك شئ، بل هو كله للأحياء فشخرة وتعالى، والله يكره التعالى (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) (القصص4) (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) (القصص83) أما ما ينفع الميت فقد حدده الرسول الأكرم () : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له "(1) .. هذه هى الثلاثة النافعات بعد الموت، لم يأت ضمنهم العزاء، ولا كبار القراء، ولا المشاعل و المباخر، فقط إما صدقة، وإما علم، وإما ولد صالح يدعو لوالديه بالرحمة ..

أما ما يعتاده الناس من مآتم كبرى، يطوف فيها ولدان بصنوف المشروبات، فهذا يمثل المنظرة ويدل على التباهى والتكبر برزق الله وعطائه، وأن تصير هذه العادات ضمن مئات العادات الأخرى الباطلة واللامنطقية راسخة إلى حدّ ظن المنطقية والعقلانية فيها، فتلك مصيبة أعظم، وأن يُصر عليها المتعلمون وأرباب الشهادات العلمية الرفيعة فتلك أعظم من سابقتها، لأنهم – وهم أهل العقل – يُنحون العقل جانبًا ويقدمون عبادة الأسلاف والآباء، والمعايير الباطلة للشرف على ما يقتضيه العقل وتراه الحكمة.

إن هذه المنظرة ليست من الدين في شئ، ولن نصنع أبدًا بتلك الأهواء مستقبلاً تحترمه الأمم، ولن نخطو خطوة واحدة للأمام ونحن باحثون عن الشكل لا المضمون، العرض دون الجوهر، فتلك هى الآفة التى طالما حاربها الدين (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (المائدة15) (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الجاثية18) (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (الفرقان23) وواجب الأمة بأسرها أن تحتكم إلى العقل في كل عاداتها وتقاليدها فما كان حسنًا قبلناه، وما كان سيئًا رفضناه، وهذه من العادات السيئة التى تعمق الجاهلية الأولى في البذخ والإسراف والتباهى بلا أدنى مردود دينى أو دنيوى، بل هو التبذير والتعالى لا أكثر ..

 على العلماء الحقيقيين الذين يرجون الله واليوم الآخر أن ينظروا بعين بصيرة ناقدة إلى تلك العادات المرذولة، أن ينظروا إلى النبى () وكيف كان يتعامل في مثل هذه المناسبات .." اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد شغلهم أمر صاحبكم "(2) .. لم يكن يدعو قراء القرآن وهم كُثر حينئذ، ولم يكن يصنع صوانًا أو إضاءة أو أيٍ من تلك المراسم، بل كان أهل الميت يتلقون العزاء لمدة ثلاثة أيام لا غير، لا قارئ، ولا صوان، ولا إسراف .. على العلماء أن يوجهوا الناس نحو فقه الأولويات، وفقه الواقع، وفقه المقاصد، فالإنفاق على أبواب العجز والعوز أولى من المنظرة والفشخرة، والميت ينتفع بالصدقة الجارية لا بالقارئ ذى الثلاثين ألفاً، وإلا فلن تعالج مشكلات أمتنا ما دمنا نرى الباطل وندير له ظهورنا، ونرى الحق ونغمض عنه أعيننا ولنا في كل حياتنا الأسوة برسول الله () (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب27) (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر7) . أما من أصر على عبادة السلف أو قلب معايير الشرف بتلك الصورة فهو يهدم الدين، يثور ضد العقل، وكلاهما إثمٌ كبير، وشر عظيم، وفى هذا بلاغ وحجة على العالمين.

 

د. محمد ممدوح

...................

  1- سبق تخريجه

  2- رواه ابن ماجه والترمذى برقم 3132

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

فعلا أصبت كبد الحقيقة ... لكن أين من يقرأ ؟ ومن يفهم ما يقرأ ؟ ومن يعمل بما فهم ؟

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4551 المصادف: 2019-02-20 01:59:03