 قضايا

الحضارة الغربية.. ملاك وشيطان!

سليم مطر(عقدة تفوقهم) و(عقد نقصنا)!

طيلة تاريخ البشرية، من اولى ميزات الحضارات الصاعدة، ايمانها الكبير بـ(تفوقها الاخلاقي وامتلاكها عقيدة الحق) مع قدرتها الساحقة على اشعار الشعوب المستضعفة بـ(النقص) إزاء تفوقهم الثقافي والاخلاقي وانهم ملائكة منقذين!

جميع الحضارات والامبراطوريات والاديان ما تمكنت من الانتشار الّا عبر ايمانها الذاتي بتفوقها العقائدي والاخلاقي، وقدرتها على إقناع الشعوب الاخرى بانها ناقصة: وحشية، كافرة، متخلفة، دكتاتورية.. الخ.. وهي ايضا مثل جميع الحضارات، فيها الجنّة وجهنّم، وشعوبها ملائكة وشياطين.

قبل الاسهاب بالتنظير، هاكم هذا المثال البسيط، لتوضيح كيف تلعب(عقدة التفوق والاستعلاء) دورا سحريا بتعمية ضمائر اشد الناس ملائكية ودفاعا عن المستضعفين:

قبل اكثرمن عام حدثت في فرنسا ضجة كبيرة في جميع الاوساط لمحاكمة الرئيس السابق (ساركوزي) بتهمة استلامه قبل اعوام رشوة من (القذافي) لدعم حملته الانتخابية.

لكن الغريب والعجيب، ان لا احد من اليمين واليسار والمثقفين ورجال الفلسفة والاخلاق والدين، طرح السؤال التالي: انتم تحاكمون هذا الرئيس لانه قبض رشوة. ولكنكم تسكتون تماما عن جريمة اكبر بملايين المرّات ارتكبها بحق شعب ووطن، عندما ارسل اساطيل فرنسا لشن حرب على ليبيا وتركها للدمار حتى الآن؟! بل هذه الجريمة لم تكن ضد ليبيا وحدها، بل ضد افريقيا بكاملها التي كانت تستفيد من ثرواتها.

نعم ان هذه الثقافة التفوقية التي تبرر النفاق وتدمير الآخر، تمارس بصورة دائمة وحتى بشكل غير واع ولا مقصود. خذوا مثال الجيش الامريكي الذي احتل العراق ودمر دولته وشعبه ونشر فيه الفساد والارهاب. كل هذا لم يحرك كثيرا ضمائرهم، لكنهم فجأة ثارت ثائرتهم لمرأى صورة أحد معتقلي سجن (ابو غريب)!!

نفس الحال عندما يسكتون ويشجعون سياسة إسرائيل بأذلال وقتل وحصار ملايين الفلسطينيين، ولكنه يصفقون لـ(ديمقراطية إسرائيل) عندما تحاكم جندي صفع فلسطيني، او وزير اختلس بضعة دولارات!!!

نعم هنالك الكثيرون في الغرب من الطيبين والملائكة، لكنهم في غالب الاحيان دون ان يدركوا، يخضعون لـ (عقدة التفوق الشيطانية) دون ان يدركوا: قبل سنوات احتجت النجمة الفرنسية السابقة (بريجت باردو) ضد المسلمين واليهود لانهم يذبحون المواشي ليكون لحمها حلال. وطالبت بفرض الطريقة الاوربية (المتحضرة جدا جدا!!)، أي بقتل المواشي بضرب الرأس بالمطرقة او الصعقة الكهربائية!!!

نعم ان الحضارة الغربية هي مثل جميع الحضارات المهيمنة في التاريخ، تعميها شعاراتها الداعية لـ(نشر عقيدة الحق) وانها مكلفة من قبل (الله) او (التاريخ) لانقاذ الشعوب المسكينة من (خطايا التخلف والتعصب والدكتاتورية)! بل هي افضع حضارة مهووسة بهذا الشعور بالتفوق والاحتقار للشعوب الاخرى، لأنها إمتلكت وسائل جبارة، مخابراتية وحربية واقتصادية واعلامية وثقافية واتصالية، مع تقنيات نفسية شيطانية لنشر ثقافتها الاستعلائية، وتشجيع (عقدة النقص) لدى الشعوب المستضعفة. وآخر واخطر وسائلها، شراء ذمم النّخب الفاعلة من خلال المال والشهرة، ونشر الثقافة الاستهلاكية والخلاعية بين الشعوب.

اساس الحضارة الاوربية الحديثة!

ان اولى تجليات (عقدة التفوق) في اوربا الغربية، ظهرت بقوة للبدء بالحملات الاستعمارية والفتوحات منذ القرن الخامس عشر. بررت فلسفاتهم التقدمية والانسانية جدا جدا (بما فيهم الكنيسة، وحتى مفكر ثوري مثل ماركس)، غزو العالم من اجل انقاذه من الوحشية والتخلف ونشر الحضارة الانسانية الاوربية! باسم هذا الشعار والشعور التفوقي، أبادوا شعوب كاملة في امريكا واستراليا. بل ان هذه الحضارة هي الاولى في تاريخ البشرية، مارست بصورة منظّمة خلال قرون (سياسة ابادة الشعوب بدنيا) من اجل الاستيلاء على اراضيها، مثل هنود امريكا الشمالية وفي استراليا وجنوب افريقيا، وأخيرا اسرائيل.

خلال قرنين قاموا بنقل اكثر من مئة مليون افريقي كعبيد الى امريكا الشمالية والجنوبية، مع رمي نصفهم في البحر لانهم ضعفوا وهبط ثمنهم! بل الاكثر هولا انهم عند اكتشاف امريكا راحوا يتحدثون عن (عالم جديد) كأنه لم يكن موجودا ولا مسكونا ببشر قبل مجيئهم! واطلقوا على افريقيا (القارة العذراء) تشبيها بالمرأة العذراء التي اتى الفحل الاوربي كي يضاجعها ويجعلها مأهولة بالبشر!

دون رحمة وتحت شعارات التحضير والتنوير شرعت جيوشهم المستعمرة بنهب الخيرات وتحطيم الثقافات والعقائد واللغات المحلية، وفرض حضارتهم المتفوقة. بل بلغ نفاقهم انهم حتى الدين المسيحي الذي يحاربونه في بلدانهم، راحوا يستخدمونه في مستعمراتهم كوسيلة سحرية للسيطرة الروحية على الشعوب. تحت رعاية الجيوش الفاتحة، قام المبشرين بنشر المسيحية في افريقيا وآسيا وامريكا.

ديمومة عقدتي التفوق والنقص!

رغم جميع التطورات الفكرية والسياسية بعد نهاية الاستعمار، الا ان (عقدة التفوق والاستعلاء الحضاري الغربي) لا زالت مهيمنة على الشعوب الغربية. وتتغذى على (عقدة النقص لدى الشعوب المستضعفة) التي تصرخ بتقديس كل ما هو غربي بما فيه ازبالهم وسمومهم الصناعية والطبية.

لهذا فأن من أكبر واصعب مهمات النخب المدنية والدينية في البلدان المستضعفة، الانتباه لهذه الحالة، وتمييز ايجابيات وفوائد الحضارة الغربية، مع فضح نفاقها وأخاديعها العقائدية والضميرية. وبنفس الوقت مكافحة(عقد النقص) لدى شعوبنا من خلال احياء وإعلاء (ثقافة الهوية الوطنية) والتنبيه الى قيمة التراث الادبي والفني والحياتي، والتخلص من (الروح الاستهلاكية) واللهاث والهوس بكل ماهو جديد وغربي! خصصوصا خصوصا التخلص من هذا الاعتقاد الساذج والعذري والطفولي بأن الغربيين متفوقين علينا اخلاقيا. كلا ثم كلا ثم كلا: انهم رغم تفوقهم التقني والاقتصادي، إلا إنهم زالوا بشرا مثلنا، فيهم ملائكة وشياطين. وأوطانهم مثلا اوطاننا، فيها جحيم وجنّان.

 

سليم مطر ـ جنيف

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4551 المصادف: 2019-02-20 14:59:55