 قضايا

عمر الكون ومعضلة الزمن (8)

جواد بشارةمن خصائص الزمن، على الأرض، وفي مجرتنا درب التبانة في الفضاء البعيد ما بين المجري، يمكننا التعاطي مع الزمن كفاعل حقيقي ضمن النسيج الزمكاني الذي تحدثت عنه النسبية العامة لآينشتين. فهذه النظرية قالت بإمكانية السفر نحو المستقبل ولم تمنع إمكانية العودة إلى الماضي لكن ذلك يبدو مستحيلاً في الوقت الحاضر . وهذا الموضوع ألهب خيال المبدعين والفنانين والكتاب خاصة كتاب الخيال العلمي. ففي سنة 1895 نشر ه ج ويلز رواية آلة الزمن la machine à explorer le temps، قبل سنوات من إنتهاء فترة حكم الملكة فيكتوريا والتي سبقت ببضع سنوات هيمنة الفيزياء النيوتنية التي دامت قرون طويلة. فلقد نشر آينشتين في بداية القرن العشرين، وتحديداً سنة 1905 نظريته في النسبية الخاصة التي زعزعت أركان مفهوم المكان والزمان الذي ورثناه من غاليله ونيوتن، ومن فهمنا لهذه النظرية بدا ممكناً السفر عبر الزمن، وعلى وجه التحديد الذهاب نحو المستقبل... فالزمن هو نفسه بالنسبة للجميع حسب المفهوم الغاليلي في حين أنه، في نظرية آينشتين مرتبط بالمدة المقاسة أو المحسوبة من قبل مراقبين يكونان في حالة حركة، وسرعة تلك الحركة، ما يعني أن الزمن ليس مطلقاً وثابتاً بل نسبي . ولقد اثبت العلماء لاحقاً صحة هذا المبدأ الآينشتيني: " تباطؤ الزمن مع السرعة"، فكلما كان الجسم المتحرك سريعاً في حركته تباطأ الزمن بالنسبة له عما هو عليه في المكان الساكن، وهو المبدأ الذي عرف فيما بعد بمفارقة التوأمين. ويمكن لمس الفارق الزمني وتأثيرات " الرحلة نحو المستقبل" فقط في حالة السرعة العالية جداً وقطع مسافات بعيدة جداً، أي المسافات مابين المجرية وبسرعة تقرب من سرعة الضوء دون أن تبلغها بالطبع لأنه لايوجد شيء في الكون يمكنه أن يسري بسرعة أكبر من سرعة الضوء حسب آينشتين. فلو تخيلنا رائد فضاء على متن مركبة فضائية متطورة وسريعة جداً ينطلق سنة 2019 نحو نجمة بتيلغوس Bételgueuse التي تبعد عن الأرض مسافة 500 سنة ضوئية وبسرعة 99.995% من سرعة الضوء، فعند عودته سيشيخ رائد الفضاء هذا عشر سنوات بالكاد لكنه سيجد الأرض وهي في المستقبل سنة 3019 أي سينقضي 1000 عام على الأرض، وهذا يعني أن رائد الفضاء الأرضي سافر نحو مستقبل الأرض. والمسالة ليست سوى مسألة وقت وإمكانيات تكنولوجية كما يقول أستاذ الفيزياء في جامعة برينستون، ريشار غوت . أما السفر نحو ماضي الأرض فهذا مستحيل مهما كانت الإمكانيات ومهما بذلنا من جهد ووقت فبوسع الزمن أن يتقلص أو يتمدد ولكن لايمكن أن ينعكس أو يرتد كما تنص النسبية الخاصة الآينشتينية، إلا أن النسبية العامة الآينشتينية قالت بإمكانية ذلك نظرياً بعدما أدخل عامل الثقالة أو الجاذبية الكونية وتأثيرها على نسيج الزمكان . فمعادلات النسبية العامة تسمح بعدة حلول تتوافق كل واحدة منها مع حالة مختلفة عن الأخرى لذلك يكون الجواب معقداً على سؤال كيف يمكن أن نسافر عبر الزمن إلى الماضي، البعض من تلك الحلول تصف أكوان متعددة موازية يكون السفر فيها نحو الماضي ممكناً فيجب أولاً الخروج من كوننا المرئي والذهاب إلى كون آخر، عبر ثقوب دودية، ومن ثم العودة إلى كوننا المرئي (إن كان ذلك ممكناً وهو ما لم يثبت حتى نظرياً) عندها يمكن أن تكون العودة نحو حقبة زمنية من ماضي الكون المرئي، والعلماء يجهلون كل شيء تقريباً عن هذه الفرضية العلمية والمسألة مفتوحة للدراسة والبحث فهناك طريقة ما للذهاب إلى الماضي من الناحية النظرية ولكن هناك استحالة من الناحية العملية إلا إذا تقبلنا فكرة تعدد الأكوان وتفاعلها فيما بينها فهناك مفارقة من يسبق من؟ فلو غادر أحدنا نحو ماضيه وقتل جده أو والده قبل ولادته فكيف يكون قد ولد وسافر ليقتل جده أو والده بنفسه؟ فالكون المرئي بقوانينه الجوهرية المعروفة يمنع حصول مثل هذا الخرق، خاصة وإننا لانعرف شيئاً كثيراً حتى عن كوننا المرئي نفسه فمابالك عن الأكوان الأخرى الموازية وعن طبيعة وحقيقة وماهية كوننا وباقي الأكوان خارج نطاق نظامنا الشمسي ومجرتنا؟ درس آينشتين في نسبيته الخاصة ما ينطوي على مثل هذا التساؤل، هل يمكننا أن نسافر إلى الماضي وطرح فرضيتين جوهريتين: الأولى تقول أن القوانين الفيزيائية ينبغي أن تكون هي ذاتها بالنسبة لجميع المراقبين، ثانياً، أن سرعة الضوء في الفراغ هي ذاتها في كوننا المرئي وبالتالي فهي أحد الثوابت الكونية ولها نفس القيمة بالنسبة لجميع المراقبين أياً كانت حركاتهم النسبية. ما يعني أنه إذا كان هناك مراقبين في حالة حركة نسبية ويقيسان المدة التي تفصل بين حدثين فلن يحصلا على نفس النتيجة، ونفس الشيء بالنسبة للمسافات، وبتعبير آخر لو كانت هناك ساعتان، واحدة في حالة حركة يحملها مراقب ستشير إلى زمن أبطأ مما في ساعة لدى مراقب ساكن على الأرض وكذلك المسافات تتقلص حسب الحركة والسرعة، وليس فقط الزمن. بيد أن ذلك لم يساعدنا على فهم كيفية السفر نحو الماضي وهل هو ممكن أم لا. عالم الرياضيات النمساوي الشهير وصديق آينشتين وهو كورت غوديل Kurt Godel اقترح طريقة من خلال النسبية العامة. ولقد اشتهر غوديل بنظريته عن اللاتكامل théorème de l’incomplétude في الرياضايات والتي أثبتت حدود ما يمكن أن يذهب إليه ويثبته الرياضيون أو علماء الرياضيات لكنه اكتشف في نهاية أربعينيات القرن الماضي وجود حل مثير للفضول لمعادلات النسبية العامة تصف كوناً في حالة دوران ذاتي حول نفسه وقدم هذا الحل كهدية عيد ميلاد لآينشتين بمناسبة بلوغه العام 70 من عمره ولم يكن العالم الحكيم في برينستون سعيداً بهذا الحل لأنه يعني بالنسبة له ضرورة مراجعة نظريته والشك بصلاحيتها كلياً . فالكون الذي درسه غوديل بواسطة نسبية آينشتين العامة غريب ومثير للفضول حقاً لأنه كون متسق متجانس وكل نقاطه متساوية لكنه ليس إيزوتروب isotrop فلديه اتجاه مفضل يمكننا اعتباره بمثابة محور للدوران الذاتي ولذلك عندما نبتعد عن ذلك المحور نشعر وكأننا نعاني من قوة من نوع من مركز للجذب الثقالي أو قوة الطرد المركزي force centrifuge، وهي التي تمنع المادة من أن تنهار ما يمنح الكون المرئي ظاهره المستقر الذي يعتبره آينشتين ضرورياً لأي نموذج من النماذج الكونية المقترحة. ولكن مايترتب على ذلك هو الذي أزعج وأحرج آينشتين لأن السفر نحو الماضي باتت ممكناً في حالة وجود الدوران الذاتي فلتحقيق ذلك ينبغي القيام بحركة منحنية دورانية زمكانية مغلقة ما يعني بتعبير الفيزيائيين إنحناء مغلق من نوع زمني، أي مسار يجلب المسافر إلى نقطة ما من الزمكان متموضعة في ماضيه. يمكن مقارنتها بحركة دائرية مغلقة حول سطح كروي عندما نفترض الزاوية المقاسة حول محور الكرة . وهكذا فإن إنحناءة زمنية مغلقة هي بمثابة حلقة داخل الزمكان . وفي الكون الدوراني الذي اقترحه غوديل فإن مثل هذه الإنحناءة تحيط بالكون كله كالخط الموازي الذي يحيط بالكرة الأرضية . ما دفع العلماء لبحث ودراسة سلسلة من الحلقات الزمكانية، وكل واحدة منها تتيح، من الناحية النظرية على الأقل، إمكانية السفر نحو الماضي .

فبالنسبة للنظرة التقليدية التي لدينا عن السفر عبر الزمن، فإن قطع مسافة، أو السفر عبر إحدى تلك الحلقات سيكون مخيباً للآمال، لأن الزمن سيمر على نحو اعتيادي كما نعهده، ومن خلال نوافذ مركبته الفضائية سوف يرى المسافر النجوم والكواكب في العمق المعهود للفضاء وإن عقارب ساعته مستمرة في الدوران باتجاهها المألوف ومع ذلك سوف ينتهي المسافر إلى أن يبلغ نقطة في الزمكان سبق وأن وجدت في ماضيه.

في عام 1914 تيقن آينشتين أن نظريتيه تتضمن إمكانية وجود حلقات زمكانية مغلقة ولم يعجبه ذلك وقد صرح بهذا الصدد قائلاً :" إن حدسي يعارض بشدة مثل هذه الفكرة " فوجود هذه الحلقات الزمكانية يخلق صراعات مع مبدأ السببية الذي يقول أن لكل سبب نتيجة وتأثير أو كل سبب يسبق نتائجه وتأثيراته. ولو قررنا تطبيق مبدأ السببية على كون غوديل برمته فسوف نستنتج أن كل رحلة حول حلقة زمكانية مغلقة من شأنها أن تضع المسافر في وضع يمكنه أن يغير ماضيه ... وهذا مبدأ علمي. وهنا نعود إلى مفارقة مقتل الجد على يد الحفيد الذي يعود إلى الماضي قبل ولادته ليقتل جده حيث ينبغي أن يمنع ذلك ولادته ووجوده فكيف إذن وجد وعاد للماضي ليقتل جده؟ من حسن حظ دعاة وداعمي مبدأ السببية أن الباحثين لم يكتشفوا آثاراً لصالح الكون الدوار على نفسه ولقد حاول غوديل نفسه البحث عن ذلك من خلال تفحصه لكتالوغ المجرات، لذلك بقي نموذجه غير واقعي وغير قابل للتطبيق فهو يشير فقط نظرياً إلى أن الحلقات الزمكانية المغلقة هي إمكانية في النسبية العامة للسفر داخل الزمن، للماضي أو المستقبل.

وفي العقود القليلة الماضية انكب علماء الكونيات على وصف منحنيات زمكانية مغلقة عديدة، فلقد تخيلوا، مثلاً، أن الزمكان يمكن أن يتشوه أو ينبعج في جزء من الكون المرئي فقط. ففي البنية العامة، إن الزمكان هو الذي يملي على المادة كيفية الحركة والمادة تملي على الزمكان كيفية الإنحناء والتحدب، كما قال عالم الفيزياء الحاصل على جائزة نوبل للفيزياء جون ويلير John Wheeler، بعبارة أخرى، إن الكواكب والنجوم والمجرات، تشوه هيكيلية وبنية الزمكان في حين إن هندسة الزمكان هي التي تحدد حركات الأجسام الموجودة في حيز زمكاني ما. وفي بعض الحالات يكون التحدب الزمكاني قوياً بمكان بحيث يمكنه أن يفتح طريقاً للاتجاه من الحاضر نحو الماضي وبالتالي اقترح الفيزيائيون بعض الآليات الغريبة التي بموجبها تنبثق تلك الطرق. ففي عام 1991 أثبت العالم ريشار غوت في مقال له أن " الأوتار الكونية، وهي أجسام افتراضية في غاية الطول والنحافة، بل أنحف من قطر ذرة (وهي ليست كالأوتار في نظرية الأوتار الفائقة) الأمر الذي يجعل من الممكن، عند تفاعلها وتشابكها، خلق وتشكيل منحنيات وتحدبات زمكانية مغلقة عملاقة " وفي عام 1983 بدأ العالم كيب ثورن من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا ـ كالتيك Caltech ـ بدراسة " الثقوب الدودية، لكي يصف ــ نظرياً ــ نوعاً من الإنحناء الزمكاني المغلق القادر على الربط والتوصيل بين منطقتين مختلفتين من الزمكان أو بين كونين منفصلين كما لو إننا نعبر من خلال نفق . وحسب قوانين النسبية العامة، مثلما يمكن الربط بين منطقتين مختلفتين في الفضاء، من الممكن الربط بين منطقتين أو حقبتين مختلفتين من الزمن، حسب تعليق شين كارول من معهد كالتيك أيضاً .

صار بوسع علماء الفيزياء والكونيات صياغة معادلات رياضياتية لوصف الثقب الدودي وغيره من التحدبات والإنحناءات الزمكانية المغلقة . لكن الأمر توقف عند حدود الرياضيات فحسب, فالدخول في ثقب دودي يمكن تخيله كروي الشكل كما شاهدنا ذلك في فيلم الخيال العلمي البديع انترستيلير Interstellar، مابين النجوم ــ الذي أخرجه كريستوفر نولان سنة 2014 حيث تم خلق مدخل ثلاثي الأبعاد داخل نفق رباعي الأبعاد في الزمكان، كما هي حالة الترحال على مديات جميع المنحنيات والتحدبات الزمكانية المغلقة، فإن المرور من خلال ثقب دودي من شأنه أن يتشابه مع كافة الدروب التي تتكون عبر الزمكان فمهما عمل المسافر عبر الثقب الدودي فإن زمنه يمر ويتدفق نحو الأمام، المشكلة هي في تعريف مفهوم" نحو الأمام" وماذا يقصد به حيث سيكون عديم التزامن مع بقية الكون المرئي أو المنظور. وحتى لو توصل العلماء إلى المعادلات الرياضياتية بخصوص الثقوب الدودية إلا أن النماذج المقترحة تعاني من مشاكل مهمة. فلأجل تشكيل ثقب دودي يجب توفر " طاقة سالبة " هائلة. حسب شين كارول. ولكي تظهر الطاقة السالبة يتوجب أن تتأرجح وتتقلب الطاقة الموجبة الموجودة في حجم معين من الكون إلى أن تصل إلى قيم سالبة لذلك لايمكن تصور فتح نفق رباعي الأبعاد لثقب دودي إلا بتوفر ما يكفي من الطاقة السالبة ولكن من الصعب الإبقاء على ثقب دودي مفتوحاً، إن لم يكن مستحيلاً، فقط بالاعتماد على الطاقة السالبة، فالطاقة السالبة مقترنة بالكثير من الإشكاليات العويصة التي يصعب السيطرة عليها . فحتى لو عثرنا على الطاقة السالبة اللازمة والضرورية لفتح ثقب دودي، فإن الجسيمات الأولية سوف تنتقل قاطعة حلقة زمكانية بعدد لانهائي من المرات ما يعني أن علينا توفير كمية لامحدودة من الطاقة السالبة وهذا مستحيل. وكما إن وجود الطاقة في مكان ما يشوه الزمكان، فإن الثقب الدودي سينهار برمته في نقطة لانهائية الكثافة داخل الزمكان أي يتحول إلى ثقب أسود . والحال أن العلماء ليسوا واثقون بإمكانية حدوث ذلك في الواقع الكوني، ما يعني أن الكون نفسه يمنعنا من بناء آلة يمكنها السفر عبر الزمن والرجوع إلى الماضي، لأن الطريق الدودي الذي ستسلكه المركبة سوف يتحول إلى ثقب أسود وعلى عكس الثقوب السوداء، التي هي أجسام كونية فضائية، فإن الثقوب الدودية والمنحنيات الزمكانية المغلقة ليست سوى بنيات وهيكيليات افتراضية مبتكرة لمعرفة الحدود القصوى للنظرية . ففي النسبية العامة، من الصعب تفادي الثقوب السوداء، في حين يمكن تفادي حدوث ثقوب دودية أو منحنيات زمكانية مغلقة . ولكن حتى لو كانت الثقوب الدودية صعبة الإدراك والتصور لكن مجرد التفكير بها في النسبية العامة يعد أمراً مهماً . فمن غير المنطقي أن تكون لدى البشر مقاربة للسفر داخل الزمن و لا يذهبون إلى الحدود القصوى لتلك الفرضية . فبالإصرار على مثل هذه الممارسات والتجارب يتحسن فهم العلماء للكون المرئي ويتطور استيعابهم له ويمكن ألا يوجد الكون نفسه لو سمحت خصائصه بإمكانية السفر والعودة نحو الماضي لمعرفة كيفية تكونه.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4553 المصادف: 2019-02-22 02:32:19