 قضايا

المدرسة الواقعية

عدنان عويدفي المفهوم: تعتبر الواقعية إحدى المدارس الفنية التي تركز في اهتمامها على كل ما هو واقعي وحقيقي وموجود في الطبيعة والمجتمع، وقد توازى  ظهور الواقعية مع المدرستين الاتباعية والرومانسية، ففي أعماق الرومانسية بذور حية تنادي بتحرير الإنسان من واقع مؤلم، وفي الاتباعية كثير من الرؤى العظيمة التي تتجه إلى الواقع بغية إصلاحه وتطويره. هذا وتعمل المدرسة الواقعية ساعية عبر فنانيها وأدبائها إلى تجسيد مشاهداتهم في الواقع على شكل أعمال فنية وتصويرها بصورة طبق الأصل، وذلك من خلال رصد كافة الظروف المهمة على أرض الواقع, سواء الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية, وكذلك الشؤون الدينية المختلفة، وتظهر في هذا الفن أو الأدب الواقعي مشاعر وانفعالات الفنان أو الأديب في كافة الأعمال التي ينتجها، الموضوعية والملاحظة الدقيقة، والثورة على شرور الحياة، والثقة بقدرة العلم على حل مشكلات الإنسانية من خلال الخلق الأدبي أو الفني، مما أتاح المجال لوجود نوعين من المدارس الواقعية وهما الواقعية الرمزية، والواقعية التعبيرية.

بيد أن التمذهب في إطار الفلسفة الواقعية, لم تتحدد نظرياته الدقيقة إلا على يد جماعة الشعراء وكتاب القصة والمسرحية الذين آمنوا بقدرة الكلمة على الكفاح  والهجوم على الواقع الفاسد لتدميره تدميرًا شاملا بغية إعادة بنائه. متخذين أبعادًا حضارية إنسانية.

أسباب ظهورها وأهدافها:

ظهرت الواقعية على شكل اتجاه أدبي في القرن التاسع عشر، والعشرين تحت تأثير مزدوج لنهوض العلم والعقلانية الفلسفية.

لقد رافق ظهور تلك المدرسة, انتقال العالم بشكل جذري من الحياة الزراعية إلى الحياة الصناعية المتطورة، والتي أضحى فيها الواقع الملموس أساساً متيناً تبنى عليه الأشياء، حيث ركزت الثورة العلمية والتقنية على تقديم تفسيرات وتعليل للكثير من الظواهر على الأرض. لقد فجرت البورجوازية الزاحفة إلى السلطة والمنتصرة في القرن التاسع عشر, نمط الحياة التقليدي المبني على الانتماءات التقليدية وعلى التوازنات الاجتماعية وعلى المقولات اليقينية, فكان هناك في الحقيقة سعي دائم لتفسير كافة أسباب الوجود، ومن هنا اقتبس الفن التشكيلي على سبيل المثال هذا المجال ليجسد, تلك المرحلة، وتوثيقها لمجمل الشخصيات التي كان لها وزنها الاجتماعي والسياسي والديني، ومنها تندرج كثير من أعمال الكلاسيكيين التي تهتم بالطبيعة والبورتريه ورسم المزهريات والطبيعة الصامتة. وهذه ما حققه العلم أيضاً في الوصول إلى نجاحات مماثلة على مستوى العلوم الفيزيائية والكيميائية والميكانيكية وغيرها، ومن هنا ظهرت الواقعية على أنها  ليست حكراً على الرسم والنحت والسينما والموسيقى والثقافة بصفة عامة فحسب, بل هي ملتقي جملة من الابداعات العلمية والفكرية كذلك.

إن الواقعيين يختارون مادة تجاربهم من مشكلات العصر الاجتماعية، وشخصياتهم الأدبية تؤخذ من الطبقة الوسطى (البورجوازية) لتنتقد آفاتها التي تهدد المجتمع بالانحلال، أو من طبقة العمال لتصور ما يعانونه من جور وظلم، فالمجتمع موضوع الفن، والفن تعبير عن المجتمع من أجل المجتمع.

فعلى الروائي، قبل كل شيء، أن يدرس مظهر الأشخاص، ويسألهم ويمحص أجوبتهم، ويدرس مساكنهم، ويستجوب الجيران، ثم يدون حججه واضعا حدا لتدخل الكاتب إلى أقصى درجة ممكنة فيكون المثال الأعلى نوعاً من اختزال مقاصد الأشخاص، وسلسلة من الصور لمظاهرهم المتنوعة. إن الملاحظة الدقيقة هي عمل الروائيين الأساس. فلقد زال الهوى والوهم. إن الواقعية تهدف إلى أن تصبح التعبير عن مفردات الحياة اليومية أو محاكاتها, بيد أن هذه المحاكاة ليست تسجيلا فوتوغرافيا ولا نقلا آليا لزخم الحياة بإيجابيات وسلبياته، بل هي عملية ابتداع للواقع وصياغته صياغة واعية تقوم على المتخيل والتصوير والتشكيل والنمذجة.

إن الكتابة الواقعية عملية إبداعية تستند إلى الواقع تستوعبه وتتمثله أو تستلهمه، ثم تصبه في معمارية فنية تقوم على التماسك والانسجام والتآلف الجدلي. لقد  عزف الواقعيون عن التعقيد وعن الزخرفة اللفظية المعروفة لدى الكلاسيكيين وعن لغة الطبقات الأرستقراطية وتبنوا لغة الشرائح الاجتماعية الشعبية بعيدا عن كل تملق طبقي وعن كل روح غرائبية. فالإخلاص هو القيمة الوحيدة التي يريدها في الفن، ثم أعرب عن رغبته في الشعر .

خصائصها:

خصائص المدرسة الواقعية بما أن المدرسة الواقعية ظهرت في فترة التطور الصناعي، فقد كان هناك:

1-  إهمال كبير للذات بهدف حشد الجهود للتركيز على القضايا المادية والملموسة، أي أنها أهملت الذات من أجل الموضوع، ومن هنا جاءت خاصية إهمال إحساس الفنان من أجل التركيز على الواقع. لقد ركز الفنان أو الأديب أو المفكر الواقعي كافة اهتماماته وتصويره على ما هو معاصر, وتناول الأحداث الصحيحة أو الممكنة , ووصف الأشخاص والبيئات والزمان والمكان وتصوير كل ذلك تصويرا يحاكي الواقع المشاهد, ومع العناية باللفظ والصيغة والصورة. أي تناول كل  ما هو حقيقي ويحاكي المنطق والعقل، والابتعاد بشكل تام عن الأحلام والأوهام والخيال، وبالتالي أهمال كل ما هو تقليدي وأسطوري أو ذاتي.

2-  لقد ابتعدت الواقعية في الرسم عن تكوير الأجسام من خلال التظليل وذلك بهدف الإيهام بما يسمى البعد الثالث، حيث لجأت الواقعية لاستخدام الألوان في صورة مساحات، واعتمدت في ذلك على أنواع الألوان ودرجاتها.

3- اكتشاف القوانين التي تتحكم في المجتمع والعلاقات الاجتماعية، وآمنت بأن الإنسان خاضع لنواميس وسنن صارمة. سماها  "أوغيست كونت" بـ "الفيزياء" الاجتماعية .

4 - الضوء ليس مسلطاً على العازف من مصدر خارجي، ولكن ينبع من جسمه ومن تباين المساحات ودرجات الألوان.

اتجاهات الواقعية:

أ- الواقعية الانتقادية: وقد شملت الانتقادية الواقعية جزءًا كبيرًا من إنتاج الواقعيين، حيث كانوا يناضلون بسلاح النقد إزاء أمراض المجتمع.

وهي الشكل الذي أخذته الواقعية في القرن التاسع. أي أن الواقعية ولدت وهي نقدية، لأن أوضاع المجتمع الصناعي الأوروبي في منتصف القرن التاسع عشر، كانت تحول دون تبلور فكر ثوري جماهيري مؤثر في الفنون والآداب. فاكتفت الواقعية وقتها برصد التناقضات الاجتماعية والكشف عن خبايا الأزمات الكبرى التي كانت تعصف بأوروبا. وقد تحرى الأديب الواقعي النقدي الصدق في وصفه لحركة التطور الاجتماعي. ويعد هذا الموقف وقتها موقفا إيجابيا، لأن  الأديب أو الفنان الواقعي رفض الصمت والانصياع للإيديولوجيا البورجوازية, وآثر تعرية الواقع ووصفه كما هو بكل موضوعية وبكل جرأة. ولكون يفتقر إلى النضج السياسي، وإلى الوعي الإيديولوجي, وإلى الرؤية الجدلية وإلى الشمولية، لم يستطع تفكيك الواقع وإعادة بنائه وفق نظرية ثورية بهدف تغييره وتحويله والقضاء عليه، وبعبارة أخرى نستطيع أن نقول إن الواقعية النقدية تمثل الطرف الثاني من الجدلية (أي نقيض الأطروحة كما طرحها هيجل)، التي لم تتوج ولم تكتمل بالتجاوز إلى نفي النفي .

ب - الواقعية الطبيعية: وهي شكل آخر من أشكال الواقعية، يلتصق بالمادي والعلموي, وهذه المدرسة هي أقرب إلى علماء الاجتماع, أو التصاقًا بهم، رغم أنها جاءت رد فعل على تفلت مذهب (الفن للفن) والرومانسية من مضمون الحياة والمجتمع، لذلك عمل الواقعيون الطبيعيون على توثيق صلة الأدب بالحياة، واستعانوا بالعلوم التجريبية.

ج - الواقعية الجديدة (الاشتراكية): إن الجمالية الأساسية لواقعية الاشتراكية تتمثل فيما يلي:

1- الوفاء للإيديولوجية الشعبية، ووضع النشاط الإنساني في خدمة الشعب وروح الحزب، والارتباط العضوي بنضال الجماهير الكادحة.

2- هي نزعة إنسانية اشتراكية وأممية، ذات تفاؤل كبير بالتاريخي.

3- لقد رفضت الشكلانية والذاتية, وكذلك  الذاتية الطبيعية. وهي حصيلة النظرة الماركسية إلى الفن والأدب، والموقف المشترك للكتابة هو الالتزام بأهداف الطبقة العاملة، والنضال في سبيل تحقيق الاشتراكية.

4-  وكان الواقعيون الاشتراكيون يدينون ميوعة الأدب الحديث في المجتمعات الرأسمالية وخاصة المدارس التي تنطلق من الذاتية والتخيل والاحساسات الذاتية, مثل الرمزية والانطباعية والسريالية والرومانسية والوجودية.. وغيرها ، مثلما هاجموا الواقعية الانتقادية لأنها تتظاهر بتحليل المجتمع، لكن لا تفضح البورجوازية وطبيعة استغلالها للمجتمع والدولة.

5- تمثل الواقعية الاشتراكية بالنسبة للواقعيين الاشتراكيين الطموح من  أجل وضع الأسس لمجتمع اشتراكي مثالي ونموذجي، ولروح ملحمية جديدة تؤسس للبطل الاشتراكي، صانع التاريخ ومستقبل الإنسانية.

أهداف الواقعية لدى الأدباء والفنانين العرب:

لقد احتفى الواقعيون العرب بالمبادئ الوطنية والقومية والإنسانية، فكانوا عبر أعمالهم الفنية والأدبية, يطالبون بتحرر الأوطان من المستعمر ووحدتها, وتحرر الشعوب من التخلف الحضاري المزري، ونهضتها إلى مستوى تطور العصر. فبعضهم يرى الاشتراكية المنصف الوحيد من الفقر، وفريق يرى التمسك بالشرعية الإسلامية وتطبيقها هو ما تنشده الإنسانية من قيم حضارية متقدمة.

وقد نشأت فكرة الالتزام نتيجة احتكاك الأديب بمشكلات الحياة التي يعيشها، وكانت قضية الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية وقضايا التحرر العالمية هي أهم القضايا التي تبناها الأدباء والفنانون العرب، فصارت مهمتهم النقد والمعارضة والتنبؤ، بيد أن هذا (الالتزام) صار سجنًا وقيدًا لفكر الكاتب أو الفنان أو الباحث, فهو الذي حرر نفسه من إسار المواقف، نراه قد عاد ليقيد مواهبه في محراب الكلمة والمذهب والنمذجة، وهذا سجن أشد حصرًا للموهبة.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

..........................

المراجع:

للاستزادة في هذا الموضوع راجع التالي:

1- المدرسة الواقعية - رزان صلاح -  موقع موضوع - ٧ فبراير ٢٠١٦.

2-  الواقعية في الأدب - أ. د/ الطيب بودربالة. و د/ السعيد جابا الله -  مجلة العلوم الإنسانية- جامعة محمد خيضر بسكرة العدد السابع - 2005

3- المدرسة الواقعية في الفن التشكيلي - عويم بن ساعدة  - منتدى متوسطة .

4- المدرسة الواقعية - شبكة الفصيح.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقال ممتاز و يضع النقاط على الحروف. و اضيف لقائمة المراجع الادب و الثورة لتروتيكي. فهو رسول الواقعية الاشتراكية. ثم المصائر التاريخية للواقعية لبوريس يوتشكوف. و هو معتدل و مطور للمعنى الاشتراكي لتجربة الفن. و يقدم تمييزا ممتازا بين واقعية هادفة وواقعية طبيعية.

This comment was minimized by the moderator on the site

لا اود ان الح و لكن احب ان اضيف ان سوء فهم الواقعية الاشتراكية كمدرسة انسانية هدفها تصويب انحرافات المجتمع و توسيع العدالة و انسنتها و تنزيلها من مجال للبروباغاندا الى فضاء للابداع ادى الى توظيفها و تقييدها.
و الوظيفة هنا بمعنى الدخول في المزاودة و الشعارات. و الانشائيات غير الفنية.
هذا الخطاب هو خطاب تعمية و ليس طريقة للتنوير و التصحيح.
و هذه مشكلة المشاكل في نظام موظفوه يقرأونه بشكل خاطئ.
الفرق بين غوركي و جدانوف مثل الفرق بين الابداع و كتابة خطاب للمناسبات. او للاحتفالات الشعبوية المسؤولة عن ظاهرة داعش و اخواتها. او عودة الفاشية الى اوروبا.
و شكرا جزيلا.
موضوع ذو شؤون

This comment was minimized by the moderator on the site

اشكر الأخ العزيز ياسر الرزوق على مروره الكريم في قراءته المتبصرة لدراسة او بحث المدرسة الواقعية وإشادته له. كما أشكره أيضا لاضافتخ بعض المصادر ولتعقيبه وتعليقه على المدرسة الواقعية الاشتراكية حيث أغنى الفكرة ...لك كل الشكر والتقدير

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4553 المصادف: 2019-02-22 02:47:03