 قضايا

الإنسان.. ماله وما عليه في الكون المرئي (2)

جواد بشارةالسماء تبدو مظلمة ومعتمة رغم ما تحتويه من مليارات النجوم والمجرات والسدم والكوازارات. ومنذ عقود طويلة يسعى علماء الفيزياء والفلك والكونيات إلى فهم مم يتكون الفضاء العميق الكائن بين النجوم والمجرات ولماذا هو مظلم وأسود أو معتم، والأغرب من كل ذلك هو أن كل ما هو موجود ومرئي في الكون المنظور لا يشكل سوى 5% من محتويات الكون والباقي، أي الــ 95% ليست سوى مادة سوداء أو مظلمة وطاقة سوداء أو معتمة أو مظلمة والتي يجهلون كل شيء عنهما تقريباً فلا أحد يعرف طبيعة وماهية وخصائص هذين المكونين فهما لايصدران أي نوع من الإشعاعات وبالتالي مايزالان مجهولين، رغم مايمتلكه العلماء من تكنولوجيا حديثة ومتطورة وكمبيوترات عملاقة وتلسكوبات متقدمة  جداً فضائية وأرضية وأدوات رصد وقياس ونظريات معاصرة. بين الفينة والأخرى تظهر أفكار وفرضيات جديدة للإيقاع بتلك المادة اللغزية الغريبة المسماة المادة السوداء أو المظلمة. أو نظرية جديدة تتطلب إعادة النظر ومراجعة ضرورية لوسائل الحساب والرصد والتقصي. إلا أن المهمة عسيرة فليس لدى العلماء سوى أجهزة وأدوات تقيس وترصد كل ما يصدر ضوءاً أو إشعاعاً سواء من نوع الطيف الضوئي المرئي أو الأشعة الحمراء أو فوق البنفسجية أو أشعة إكس . والحال أن هناك تقديرات تقول أن نسبة المادة السوداء أو المظلمة الغامضة تقدر بــ 25%، والتي بدونها تفقد المجرات نجومها وتتمزق ركامات السدم وعناقيد المجرات وتتشتت ولن يعد بوسعنا معرفة أو دراسة وشرح وتفسير البنية الهندسية والتركيبة الهيكيلية للكون المرئي . كما يوجد هناك 68% من الطاقة السوداء أو المعتمة أو المظلمة التي تتسبب بتمدد الكون المرئي وتوسعه وتشوه الزمكان فيه وتباعد بين المجرات  والسدم  والتي يجب أخذها بالحسيان عندما نريد حساب أو قياس المسافات في الكون المرئي. هذا هو الواقع  المعروف للطبيعة  والكون المرئي، إلا إذا كان هناك واقع آخر مجهول وخفي مختلف تماماً نجهله في الوقت الحاضر. بعض العلماء والباحثين قدموا نظريات افتراضية ونماذج كونية  مبنية على مبدأ الاستغناء عن هذين المكونين الغامضين  فنحن نسبح فيما يمكن أن نسميه اللامتناهي في السواد والظلمة الكالحة والمعتمة التي تطغي على الكون المرئي برمته.

لنأخذ أولاً المادة السوداء أو المظلمة وندرس المعطيات التي وفرها لنا التلسكوب الفضائي الأوروبي  غيا Gaia، المكرس لمطاردة ورصد هذه المادة الغريبة المجهولة الماهية. فهذا التلسكوب الذي يراقب ويستكشف مجرتنا درب التبانة من على بعد أو مسافة 1.5 مليون كلم عن الأرض، منذ العام 2013، نجح في رصد سيل من النجوم غير منتظر أو غير متوقع، أطلق عليه تسمية أس آي SI، ويتنقل بسرعة 300 كلم/ساعة عبر مجرة درب التبانة في مناطق قريبة من منظومتنا الشمسية، وهو سيل أو تيار كثيف يسرق أولوية شمسنا ويتقدم بالضد من اتجاهها ولقد رصد العلماء مصدر هذا السيل النجمي وعرفوا أنه قادم من مجرة مجاورة في طريقها للتمدد والتشتت بسبب قوة جذب المجال أو الحقل الثقالي لمجرتنا درب بالتبانة، وتنبع أهمية هذا السيل بأنه غني ببضاعة ثمينة هي المادة الغريبة المسماة المادة السوداء أو المظلمة. وفي إطار نموذجهم الكوسمولوجي، يقدر العلماء أنه إذا لم يتفكك هذا السيل النجمي فذلك لأنه يحتوي على مادة سوداء أو مظلمة أكثر مما يحتويه من نجوم، بتعبير آخر  يوجد نوع من الإعصار من هذه المادة الغامضة والغريبة، كما جاء في دراسة نشرتها مجلة آستروفيزيك Astrophysique  أي الفيزياء الفلكية في ديسمبر 2018. ويتمنى العلماء ويعتقدون بأنهم سيتمكنون من اصطياد كينونة أو عينة من هذه المادة أسموها ويمب Wimp – weakly interactive massive paricle، بعبارة أخرى، الحصول على جسيم ذو كتلة مرتفعة نسبياً مع بقائه غير قابل للرصد تقريباً لأنه لا يضئ أو يبث أو يعكس إشعاعاً و لا يتفاعل تقريباً مع أي جسيم مادي طبيعي أو عادي، والحال أن ويمب Wimp هو الجسيم المرشح الأكثر لفتاً للانتباه لتفسير المادة السوداء أو المظلمة لذلك هناك نشاط محموم للبحث عنه أو لاكتشافه ورصده واصطياده، ولم ينجح أحد في ذلك لغاية اليوم.

في أواسط سبعينات القرن الماضي تمكنت العالمة الأمريكية فيرا روبين Vera Rubin من حساب حركة النجوم التي تدور حول مراكز مجراتها أثناء دراستها لسرعة دوران النجوم والغازات والأغبرة في أطراف المجرات ولاحظت أن النجوم والسحب والأغبرة والغازات التي تقع على أطراف المجرة تدور بسرعة أكبر مما تنبأت به النظريات الكوسمولوجية عكس ما قال به إسحق نيوتن في قانون الجاذبية أنه كلما كانت النجوم أبعد عن مركز المجرة كلما كانت سرعة دورانها أبطأ أو ضعيفة مقارنة بتلك التي تتواجد بالقرب من مركز المجرة لكن فيرا روبن لاحظت عكس ذلك وإن النجوم على أطراف المجرة تدور بسرعة كبيرة لدرجة أنها كان يجب أن تفلت وتغادر مجرتها وإذا لم تفعل ذلك فهذا يعني أن هناك مادة غير مرئية تعطيها كتلة إضافية تجعلها باقية في مداراتها وتحافظ على اتساقها، وهي كتلة غير مرئية يفترض أنها تتواجد بالقرب منها أو حولها في الهالة المجرية، ومنذ ذلك التاريخ ولد لغز المادة السوداء أو المظلمة وفيما بعد لاحظ علماء الفلك والكونيات أن تلك الظاهرة موجودة في عناقيد المجرات  وحشود المجرات  وهكذا حتى نصل إلى التركيبات المجرية القصوى الأكبر حجماً وأنها ساهمت بكل ثقلها وكتلتها منذ اللحظات الأولى للكون لكي تقوم بتشكل النجوم والمجرات والسدم وأكداس أو عناقيد المجرات والحشود المجرية التي تملأ اليوم الفضاء الكوني. وبرغم كل ذلك فإن نسبتها لا تتعدى الــ 5%،  من كمية المادة الواجب توفرها في الكون ففي أي شكل أو هيئة توجد الــ 95% الباقية وكيف نعمل لكي نرصدها ؟ كان ذلك هو هاجس العلماء إبان سنوات الثمانينات من القرن الماضي.

كان أو تساؤل طرحه العلماء على أنفسهم : ماهو شكل أو هيئة  هذه المادة الغريبة وما هي ماهيتها الحقيقية؟ قبل أن يحصل شبه توافق حول المرشح الأكثر حظاً للمكون الأولي أي الجسيم الأصغر المكون للمادة السوداء أو المظلمة ألا وهو الويمب Wimp وقاموا باستبعاد عدد كبير من العناصر المرشحة خاصة الأجسام المظلمة  أو الداكنة أو المعتمة الافتراضية. وكانت هيئة علمية فرنسية هي التي  نفذت مشروع  إيروس Eros لتبحث على مدى إثني عشر عاماً من خلال التجارب المتنوعة، عن الأجسام الأولية السوداء أو المظلمة التي افترض أنها المكون الأولي أو الأساسي للمادة وقامت بمسح الهالة المحيطة بمجرة درب التبانة بحثاً عن الأجرام السوداء أو المعتمة، ومن بينها النجوم المعروفة باسم الأقزام البنية les naines brunes، وهي نجوم لا تملك ما يكفي من الكتلة لإشعال  التفاعلات النووية التي هي مصدر الضوء في النجوم العادية، وكان التركيز على تلك النجوم القاصرة أو الضعيفة الكتلة حصراً، إلا أن النتيجة تكرست عام 2004 والتي حسمت الموقف وقالت أن المادة العادية المألوفة، الموجودة في الكواكب والنجوم، لايمكنها أن تفسر سر الكتلة الخفية للكون المرئي والتي تسمى أيضاً الكتلة المفقودة . فكل شيء يشير إلى أن هذه المادة السوداء أو المظلمة موجودة على هيئة أكثر غرابة مما كنا نظن. . من هنا برزت فرضية جسيم الومب  الخالي من الكتلة تقريباً ويتصرف على نحو سري كتوم . هناك فرضية أخرى تقول بوجود نسيج من الثقوب السوداء الأولية المجهرية والتي ظهرت في اللحظات الأولى من طفولة الكون المرئي، وهي كذلك لاتبعث ضوءاً وقامت بترتيب بنية المكان الكوني منتجة فائضاً من الجذب الثقالي، في حين يقدم علماء آخرون فرضية أن ما يفسر المادة السوداء أو المظلمة هو نوع جديد من النيترينوات العقيمة stérile، أو نوع من الآكسيونات axions، وهي جسيمات أخف من الومب، و لا يستبعد أن تكون الطبيعة أكثر غرابة وغموضاً ولغزية مما نعتقد تجعل المادة المظلمة مكون من مزيج من هذه المكونات الافتراضية مطعمة بتحوير أو تعديل طفيف للثقالة . في الوقت الحاضر يبذل العلماء جهودهم للبحث عن ومطاردة جسيم الومب وذلك بطريقتين : إما على نحو غير مباشر من خلال تفكك الومب في المسرعات والمصادمات الكبرى للجسيمات أثناء تصادمها في LHC مصادم الجسيمات الكبير في سيرن تحت الحدود السويسرية الفرنسية، وإما على نحو مباشر كما هو الحال عندما يخترق جسيم أولي جهاز الكشف على غرار غزينون ت Xenon T في مختبر غران ساسو GrannSasso في إيطاليا والذي انتهت آخر عمليات التأهيل له سنة 2018 ولكن لم يفلح أي من المنهجين في اصطياد هذا العنصر النادر المسمى ومب، ولقد استبعدت العديد من الفرضيات والنظريات في هذا المجال . ثم يأتي كشف تيار الأس إي SI من قبل التلسكوب الفضائي غيا Gaia الذي قلب المعطيات السابقة على عقب.

علماء كثيرون ومنظرون اقترحوا، منذ سنوات الثمانينات، التحرر من قبضة هذه المادة الافتراضية الغريبة  والمجهولة الماهية المعروفة باسم المادة السوداء أو المظلمة وذلك بتعديلهم لقوانين الثقالة  أو الجاذبية التي جاء بها إسحق نيوتن  والتي التصقت بحركة النجوم. هناك خرق أو شذوذ ما نتج عند تحليل وتطبيق قانون الجاذبية أو الثقالة الكونية النيوتني، هو الذي دفع العلماء لاقتراح فرضية وجود مادة سوداء أو مظلمة، وهو القانون الذي ينص على أن سرعة تنقل النجوم تقل  أو تنخفض كلما ابتعدت النجوم عن مركز المجرات في حين أن المشاهدات وعمليات الرصد أظهرت عكس ذلك، من هنا كان لزاماً على العلماء افتراض وجود هذه المادة الغريبة  والمجهولة التي لم يتم إثبات وجودها مختبرياً . من هنا أيضاً قام بعض العلماء بصياغة نظرية بديلة سميت نظرية موند MOND – modified newtonian، أي الديناميكيات النيوتنية المعدلة، وتنص على أن التعديل على قانون نيوتن يتم عند حدود عتبة محددة، عندما يكون التسارع قوياً  ـــ  كما هو الحال في مركز المجرات ـــ وفيما يتعدى تلك الحدود يحدث التعديل على قانون الجاذبية الكونية ولكن علينا أن نفهم ونتعرف على " تلك الحدود أو العتبة  المشار إليها، علاوة على أن نظرية موند لا تفسر  حركة الأجرام في المستويات القصوى الكبيرة جداً والتي تتجاوز نطاقات المجرات كالسدم والعناقيد والحشود والأكداس المجرية و لا تعير اعتباراً لعدم الاتساق والتجانس في الخلفية الإشعاعية المكروية الكونية المنتشرة التي تحتوي المكونات الأساسية وتمثل البذور الأولى لتكون المجرات المستقبلية والموجود في الأحفوريات الأولية لأول ضوء صدر بعد ولادة الكون المرئي عندما كان عمر الكون لا يتجاوز 380000 سنة، وكذلك لم تسهم هذه النظرية في توضيح سر وماهية وجوهر الطاقة السوداء أو المظلمة أو المعتمة التي سنتحدث عنها في الحلقة القادمة .

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4562 المصادف: 2019-03-03 02:05:00