 قضايا

حَدِيثُ الفِرقةِ الناجِيَةِ بينَ المَجالَينِ الدُنيَوي والأُخرَوي

اهتمَّ كثيرٌ منَ الباحِثينَ بحديثِ الفِرقةِ الناجيَةِ، وَأَولَوهُ عنايةً خاصةً، في اشباعِهِ مناقشةٍ، سَنَداً ودِلالةً .وانا لايعنيني ان أُناقشَ هذهِ المسأَلةَ، ولاأرى أن يجعلَ الباحثينَ هذه المسأَلةَ من اولى أَولَوياتهم .

حديثُ الفِرقةِ الناجيَةِ، رواهُ ابوداود، ورواه الحاكم وصححَهُ، وَحَسَّنَهُ ابنُ حَجَر . وضَعَفَّ الشوكانيُّ زيادةَ (كُلُّها في النارِ الا واحدة)، وقالَ ابنُ حزمٍ عن الزيادةِ المذكورةِ: (انها موضوعة) . وصَحَحَ الالبانيُّ هذهِ الزيادةَ، وَرُوِيَ الحديثُ بروايةٍ اخرى: (كُلُها في الجَنَّةِ الا واحدة)، والحديثُ من طرقِ الاماميّةِ، رواهُ الكُلَينِيُّ، والصدوقُ، والشيخ المفيدُ.

كُلُّ هذا الكلام لايعنيني، ومااريدُ ان اقولَهُ في هذا المقالِ المُختَصَرِ، هو التفريق بينَ مَجالَينِ، ارى التفريقَ بينهما ضرورياً.

المَجالُ الأُخروي للحديث

حَدِيثُ الفِرقةِ الناجيَةِ مَجالُهُ أُخروي وليس مجالُهُ دُنيوياً، الحديثُ يتحدثُ عن ثُنائِيَةِ (النجاة- الهلاك)، وهذه الثُنائِيَةُ مجالُها الاخرة لا الدنيا، والقران الكريم في اياته تحدث عن هذهِ الثُنائِيَةِ الأُخروية .

العقلُ التَكفيريُّ الاقصائيُّ، نَقَلَ حديثَ الفِرقَةِ الناجِيَةِ من مجالِهِ الأُخروي الى المجال الدُنيَويِّ، والأَزمةُ تكمنُ هنا ؛ ولذلك ليس مطلوباً من الباحثينَ ان تكونَ أُولى اولَوِياتِهم مُنصَبَّةً على هذا الحديثِ ؛ فهُم ليسوا مُحَدِّثين، ولامخَرِّجي أَحاديث . أُولى اولوياتهم ينبغي ان تكون مُنصَبّةً على التفريقِ بينَ المجالَينِ الدنيوي والأُخروي، واعداد وتأهيل العقلِ المسلمِ للتفريقِ بينهما .

في المجال الدنيوي لاتوجد ثُنائِيَةُ (النجاة - الهلاك) ؛ فهذا مجال أُخرويٌّ، المجالُ الدنيوي محكومٌ بفكرةِ التعايُش . وهذه الفكرةُ تحكمُ كل المجتَمعاتِ البشريّةِ، سواء أَكانت هذه المجتمعات تؤمن بالاخرة ام مجتمعات دنيويّة لاتعرف الاخرةَ.

القران الكريم وتمييزه بين المجالين

مَيَّزَ القرانُ الكريمُ بين المجالَينِ الأُخروي والدُنيَويِّ في كَثيرٍ من اياتِهِ ؛ فقد تحدثَ القرآنُ الكريمُ عن الفوزِ في الآخرةِ والنَّجاةِ من النارِ، وهذا في المجالِ الأُخروي، امّا في المَجالِ الدُنيَويِّ ؛ فقد حَثَّ القُرآنُ على التَعايُشِ، والتَسامُحِ، وقبولِ الاخرِ المختَلِف . ومن الايات التي تحدثت عن المجالِ الأُخروي، قولُهُ تعالى:

(لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ). الحشر: الاية: 20 . وهذه الاية تتحدثُ عن المجالِ الأُخروي في عدم الاستواءِ، وفي الهلاك والخسرانِ، والفوز والنجاة، والا فيمكن ان يكونوا سواء في المجالِ الدُنيَوِيِّ المحكومِ بقانون التعايش . وقوله تعالى:

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55)) . القمر: الاية: (54-55) .ومجال الفوزِ هذا مجالٌ أُخرَوِيٌّ.

(يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)). الشعراء: الاية: (88-89). وقوله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا). النساء: الاية: (168-169).

(إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ۚ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا).الجن: الاية: 23.وهذه الاية مجالها أُخروي ؛ لانَّ الرسولَ (ص)، لم يأمربقتلِ احدٍ من المنافقين .

المَجالُ الدُنيَوِيُّ

المَجالُ الدُنيَوِيُّ يقومُ على فكرةِ التَعايُشِ، والتَسامُحِ، والرَّحمةِ في العلاقات ِ الانسانيَةِ، وهذا ماأوضَحَتهُ الاياتُ القُرآنِيَةُ، يقولُ اللهُ تعالى:

(لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). الممتحنة: الاية: 8.

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) .الحج: الاية: 17.

والاية الكريمة ميّزَت بين الفصل الالهي بينهم، ومجالُهُ أُخرَوِيُّ، والمَجال الدُنيويِّ الذي يقوم على اساس التعايش بين كل هؤلاء المُختَلِفينَ.

والعدل قيمة في المجالِ الدُنيَويِّ، ينبغي ان نُخضعَ لها العدوَّوالصديقَ على حدٍ سواءٍ، يقولُ اللهُ تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). المائدة: الاية: 8

والودُّ مجال دنيوي تظهر فيه محبَّةُ الناسِ للذين امنوا وعملوا الصالحات، يقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا). مريم: الاية: 96.

والتعارف قيمة مجالُها دُنيوي، تظهر تحت مظلة التعايُش، يقول الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). الحجرات: الاية: 13.

والعلاقات الانسانيّة التي مجالها الحياة الدنيا تتطلب دفع العداوة بالتي هي احسن، حتى يتُمُّ تقديم افضل صورة للتعايُشِ بينَ بني الانسان، يقولُ اللهُ تعالى:

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ). فصّلت: الاية: 34.

وخلاصةُ القَولِ: انّ الازمة ليست في الاعتقاد أنَّ هناك فرقةً ناجيةً في الواقع ونفس الامر ؛ لانَّ هذا الاعتقاد مجالُهُ الاخرة، ولاعلاقةَ لهُ بالحياة الدنيا التي مجالها يقوم على اساس التعايُشِ بين المختلفينَ؛ فلابدَّ من التفرقة بين المجالينِ الدُنيوي والاخروي.

 

زعيم الخيرالله

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4575 المصادف: 2019-03-16 02:09:29