 قضايا

النازح والمانح.. أزمة قيمية بين الاستثمار والايثار

رائد عبيسلم تكن ظاهرة النزوح ظاهرة جديدة، فلها تاريخ طويل، بتاريخ الصراعات والحروب التي مرت على البشرية، فتاريخ الشعوب والاقوام والجماعات يتضمن تنوعا هوياتياً مختلفا، من لغة مختلفة بينهم أو ثقافة أو دين أو فكر، فعندما يحدث أي صراع بين هذه الجماعات وتطغى اي منهما على الأخرى، سيكون ثمن هذا الصراع أما الإبادة، أو القتل، أو الاعتقالات، والسجن، أو الاستعباد، أو التهجير، او النفي، يحدث النزوح بعد وجود تهديد كل من ما تقدم أو وقوعه بالفعل.

والنزوح نوعان، اما نزوح داخلي او نزوح خارجي، ولكل منهما تعريفه الخاص، وعوامله، وأسبابه، وتداعياته على النازح واختلاف تجربته على الرغم من ما يتشابهان به. لا نريد أن نتحدث عن تاريخ تجربة النزوح التي مرت على البشرية عامة، بل نتحدث عن تجربة النزوح التي مرت على الشعب العراقي والتي قد تتشابه مع تجارب الأقوام الأخرى في العالم.

اتذكر جيدا تهجير أو نزوح الكرد الى جنوب العراق والفرات الاوسط في السبعينيات والثمانينات، واتذكر جيدا نزوح العرب والكرد معا الى جنوب ووسط العراق في التسعينيات، واتذكر ايضا هجرة العراقيين ونزوحهم الى خارج العراق بعد احتلال العراق للكويت، وقمع ما يسمى بالانتفاضة. وبعد هذا النموذج من النزوح الذي يرتبط بعوامل أمنية وسياسية، شهدنا في التسعينيات نموذج آخر من النزوح، وهو نزوح المجاعة والبحث عن الرغيف بعد فرض الحصار الاقتصادي على وطننا الغالي العراق، الذي أخذ صور مختلفة كالهجرة من المدينة إلى الريف أو العكس بحثا عن عمل يسد مجاعة الحصار.

وهنا قد نرادف بين فعل الهجرة وبين النزوح مع معرفتنا بالفارق بينهما، ولكن نؤكد بهذا الترادف على المشترك في المضمون بينهما.

بعد ٢٠٠٣ تغير حال المتنعم بالاستقرار والأمان بموالاته للنظام،وحال من كان غير مكترث لحال البلد، جاء هذا التغيير بأنماط مختلفة،ابرزها البعد الطائفي والارهابي الذي اقترن به. والذي تمثل بنزوح أو هجرة سكنة الاحياء المشتركة بين المسلمين أنفسهم، أو هجرة ونزوح سكنة الاحياء المشتركة بين المسيح والمسلمين بعد أن بدأ يهدد أحدهم الآخر. تحقق النزوح بعد هذا التهديد الذي مورس بشكل قتل، وخطف،  واعتقال، واتاوات وغيرها. ونزح اغلب من هددوا الى احياء غير مختلطة أو اللجوء إلى جنوب العراق أو وسطه. كان هذا في بغداد أما في الموصل وديالى وتكريت والانبار فالأمر اخطر بكثير،  والنزوح به يحدث بشكل يومي وبقي الأمر كذلك حتى صار النزوح جماعي بعد دخول داعش في ٩/٦/٢٠١٤.

حتى بلغ ملايين النازحين بحسب تقارير الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة ومنظمة،ocha ووزارة حقوق الإنسان العراقية ووزارة الهجرة والمهجرين العراقية. وغيرها من المنظمات الإنسانية والخيرية والإعلامية والبحثية التي اهتمت بتعداد النازحين وتقديم الخدمات لهم ودراسة حالتهم التي انتهوا إليها.هذه الحالة التي انتهوا إليها وهي حالة مأساوية بكل تأكيد وكارثية على كل المستويات الأخلاقية والانسانية، وعلى الرغم من ذلك كانت محط تفكير استثماري عند ضعاف النفوس وعديمي المسؤولية والأخلاق من السياسيين والمتنفذين في القرار العراقي اتجاه قضية النازحين، فقد كانت هناك حالات نهب الأموال المخصصة لهم، والمواد الغذائية والمساعدات،بكل أشكالها تعرضت للسرقة من قبل من فكر باستثمار هذه الأوضاع المزرية للناس،  والاستفادة منها على حساب القيم الأخلاقية والوطنية التي من المفترض أن يكون فيها الاحساس بالمسؤولية عالي جدا. فتجار الحروب والصراعات كانوا يبحثون عن هذه الفرص بل والمساعدة على ايجادها ومحاولة ديمومتها،فانعدام القيم الوطنية والأخلاقية إزاء أزمات الناس والكوارث التي تحل بهم،بات أمر معتاد عليه عند من فقد كل أخلاقه ووطنيته، فملايين الناس تشردت، وقتلت، وسبيت، واطفال ماتت جوع والم، ونساء تعرضن لحالات الاجهاض وغيرها من التفاصيل، وهذه الاحداث جاءت بفعل أزمة أخلاقية ووطنية عند من كان يدعي أنه يمثل هؤلاء الناس في الحكم والدولة، لم يعوا الناس تلك الأزمة القيمية الا عندما احتاجوا الى اخلاق التعاطف، والإنسانية، والرحمة اتجاه وضعهم القائم، فقساوة تجربة النزوح خلفت وكشفت الأزمة الأخلاقية والقيمية التي كانت سائدة ولكن الجميع يجهل عواقبها والتفريط بها، والأمر لم يكن داخليا فقط - والذي هو من يعبر عن شدة الكارثة القيمية التي تسببت بالنزوح وديمومته بالعمل على عدم الموافقة حتى على رجعة النازحين إلى ديارهم ومناطق سكناهم-  بل خارجيا ايضا فقد كان لدول الجوار ودول أخرى من غير الجوار سبب رئيسي في تصدير هذه الأزمة القيمية الى العراق عبر تجربة داعش ومشكلة النزوح وما تبعها من عمليات عسكرية أو عمليات تحرير والتي كشفت هذه البلدان عن انيابها وحقدها وانعدام قيمها وانسانيتها عندما دعمت داعش على حساب ملايين الناس وحقوقهم، فقد ذهبوا بحقوق الإنسان عبر هذا الدعم  إلى الحضيض، واستثمرت هذه الحالة، والظاهرة، والطارئة بأبشع ما يمكن من سرقات، وبيع بشر، والاتجار بالحاجات الأساسية لهم ومنع عنهم أبسط حقوقهم لابتزازهم وخداعهم، فقد كانت بالفعل تجربة وأزمة قيمية كبيرة، رافقت تجربة النزوح الداخلي والخارجي على السواء. حتى أن الدول المانحة للمساعدات باتت تخاف ولا تؤمن على وصول الأموال والمساعدات العينية من غذائية وملابس وافرشه الى النازحين، بسبب مستثمري الحروب، وبسببهم لم يعد يؤمن لا على أموال الدولة التي تخصصها لهم، وحتى المساعدات الدولية والإقليمية لم يطمئن عليها منهم، فهؤلاء الفاسدون باتوا متجردين من كل قيم الإنسانية والأخلاقية فنشأة الى جانب أزمة النزوح ازمة قيمية كبيرة شابت بسببها مفاهيم حقوق الإنسان الشك والزيف.

ولكن هناك وجهة اخر لهذه التجربة برزت بها قيم مضادة ومناقضة لتلك الممارسات المشينة،كانت قد انطلقت من اخلاق إنسانية عالية وقيمية جميلة ودينية معتدلة وملتزمة،انها قيم الايثار، والتفاني،  والإخلاص،  والتسامح،  والرحمة التي تجسدت بمن آثرهم على نفسه وماله وأهله، بسكن،  أو طعام، أو مال، أو ثياب، أو مأوى، أو علاج، ومعالجة، أو بعمل، أو حتى بأجرة سيارة التكسي، وهذا ما شاهدناه من تراحم بين النازحين والمحتضنين لهم في مدن المأوى والسكن البديل والذي وجدوا فيها ما لم يجدوه في مدنهم طيلة سنوات طوال، مما شجع منهم على البقاء والاستقرار وعدم الرجوع مرة ثانية إلى المدن التي نزحوا منها، وربما بالمدن البديلة نسوا جزء كبير من جراحهم وآلامهم وفضلوا البقاء لأجل العيش بتجربة جديدة، بعيدا عن المضايقات الطائفية أو غيرها من الممارسات التي تقلق وجودهم. فالأخلاق وتوفرها يعزز السلام والاستقرار في نفوس الناس والمجتمع، وهذا ما يطمح له كثير من أفراد المجتمع الذين ينأون بأنفسهم عن أماكن جربوا بها قسوة الطائفية والعنصرية. وعندما يزداد اعداد الذين يقررون البقاء في مدنهم الجديدة، يعني ذلك أن قيم التراحم تنتصر على قيم الاستثمار التي انتهت بانتهاء الأزمة وعودة غالبية الناس إلى مساكنهم وقراهم على الأقل بهذا المستوى، وهذا جاء بفضل اخلاق المانحين بدون منه أو مقابل بكل روح وطنية وإنسانية قدموا ما يتمكنون منه لتعزيز روح التأخي والسلام ونبذ العنصرية وغيرها من الممارسات، وهذا ما سمح بعيش الملايين وعشرات الآلاف من الناس في مدن نزوحهم ومكنهم من الاندماج بالمجتمع، فالمانح الناصح والفالح بكل معاني الاخاء، أوضح فرق كبير بين من يمنحك بكل سخاء، وبين من يمنحك بكل منة وإهانة وذل ومن ثم يسرقك لأنه يراك لا تستحق العيش بدون حكمه، فالنزوح اوضح جدلية القيم وأزمتها في أوساطنا العراقية سياسياً واجتماعياً ودينياً.

 

دكتور رائد عبيس

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

كل التقدير والاحترام لك
استاذ رائد عبيس...

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4576 المصادف: 2019-03-17 02:28:52