 قضايا

الدين عاطفة واِنعطافِة.. إشكالية الاعتقاد المرتد عن العقلانية

رائد عبيسيتفق الأنبياء في قضايا الدين ورسالته، على ما نختلف عليه، فالدين عند الانبياء غيره عند الاتباع، الذين يختلفون على ما اتفق عليه وهو أن الرسالات تكمل أحدهما الأخرى، وهذا يحتم علينا أن لا نقف عند العناوين، بل لتجاوزها، فلكل قوم مسمى دين وليس لكل قوم دين(بالمعنى الحقيقي) ما أُريد للبشرية هو أن تؤمن بدين واحد، بعنوان واحد، لكوكب واحد، لخلافة واحدة، تلك هي موضوعية الدين وجوهره. اما حقيقة الدين عند أتباعه ومعتنقيه لم يبقى منها سوى مسمياتها وعاطفتها، وهذا يعني أن الأديان تعتنقه عاطفياً بسهولة ولم تعتنق معرفياً أو فكرياً كذلك، فالدين يحمل في طياته عمق بوصفه رسالة سماوية تمثل الحياة بكل مجالاتها الروحية والعلمية.

فهناك أسئلة يجب ان تطرح منها، ما المستثمر من الدين؟ وما المؤسس على المسمى؟ عادة ما يكمن عمق الإشكالية بين هاذين السؤالين، لان الدين اليوم يفهم بين أمرين عاطفة الجمهور، واستثمار السياسة، أما دين دور العبادة فهو لم يخرج منها وأن كان له طريق للخروج!!  وأما بالنسبة إلى دين السياسة فهو يكتفي بالشعارات، والمسميات، والخطابات التي تدغدغ مشاعر الجمهور وعاطفته، فالدين في حقيقته راهناً يكمن بين عاطفة الجمهور، وبين خطاب السياسي.

اما الدين في المدارس الدينية بكونه دين علم "فهو يستند إلى مقولة العلم علمان، علم الأديان وعلم الابدان" فمن لا يجيد علم الابدان يتحول الى علم الاديان، وهو مقتنع بهذه المقولة، فالمستجيب لهذا التوجيه والتمحور عليه لا يرى في باقي المعارف اي صفة علم يستحق.

فعاطفة الجمهور الدينية تعبر عن الاستجابة الفطرية للدين وتلقيه بطريقة تقليدية، وشعبية تعتمد عادات العائلة أو العشيرة أو العرف. وهذه العاطفة تقطع الطريق أمام البحث الموضوعي والعلمي أو حتى التوصيفي، فالحقائق الدينية العاطفية هي اقوى من الحقائق الدينية المعرفية أو المنطقية أو العقلانية، فالمتوارث من الدين أكثر اعتقادا وتقبلا من التجديد فيه، فالتراث الديني وتاريخه يعد دين جديد، يبتعد رويدا رويدا عن مصدر الدين وأصالته. العاطفة المتبلورة من دين الفطرة والمتنامية فيه عبر الشحن العقائدي المستمر، وبنفس البعد العاطفي سرعان ما ينتهي بمعتنقيه إلى التطرف أو الغلو، وقد شهد تاريخ الأديان حركات دينية مُغالية،  ومتطرفة، ومتشددة في اعتقاداتها.

ومصدر ذلك الزمن في احكام عقائدية جلها يرجع إلى الموروث، وهذا الموروث ترك أثره على السلف من الآباء والأجداد فلا يحركون العقل بالنقد او بالسؤال أو بالاعتراض عن السائد. فالعاطفة تخلق جمود وتسكن العقل، وتحرك الغضب صوب كل ناقد.

وإذا سألنا سؤال، هل فطرة الدين تشكل عاطفته؟ وهل تتولد العاطفة بعد المعرفة ؟ بمعنى محاكمة المعرفة الدينية التي نجد فيها العاطفة راكزة بين غرائز الإنسان وتكوينه.

هل كل اِنعطِافِة للدين ممكن أن تُرجعه الى نقاءه وأصالته؟

وهل كل انعطافة إيجابية ؟ سؤالنا عن الانعطافة ينطلق من ذاتية الدين نفسه، بمعنى هل هناك قابلية للدين تمكنه من الانعطافة بنجاح صوب اهدافه؟ هناك أديان غير قابلة للتراجع وقع عليها الإنحراف وانتهت قيمياً  لكن لا وجودياً،  هناك أديان رضيت بذلك الإنحراف وجعلته وعدته جزء من الدين نفسه، وهناك أديان تحاول أن تجدد نفسها على الدوام، لا تملك ثوابت دينية متفق عليها بل تمنح التاريخ مهمة تغييره، وفق مصلحة معتنقيه وسياساتهم.

وهناك أديان ربما فيها من شدة المحافظة ما يمكن أن تعد بالمغلقة والتي نسميها أديان غير تبشيرية، وهناك أديان تبشيرية تستشعر قيمة الدين في حيويته لا في سكونيته،  وهذا الدين يتملك زمام الانعطافة كلما ادرك بحق الخطر وكلما وجد أتباعه ضرورة الى تفعيله أو تفعيل أحكامه بناءً على مصلحة الدين نفسه، ومصلحة معتنقيه وسلامتهم العقائدية. وهذا يعني تحكيم العقل به وإعلان عقلانيته وموضوعيته تجاه احكام الحياة ومصلحة البشر.

هذا اذا كانت انعطافة إيجابية، أما إذا كانت سلبية وهو مكمن الخطورة، فالقرآن ذكر ذلك وقال (انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ) اي الانعطافة نحو الحاضنة الاولى للانحراف. والرجوع بشكل متقهقر نحو الاعقاب، والإيمان بالتاريخ بدل الدين، أو العودة إلى تراث السلف بدل القرآن، أو الحكم بالجاهلية بدل احكام الدين، أو استعارة معنى متجرد للدين لا يمثل له واقع أو متقابل، بمعنى تجريده من مفاهيمه العملية وتحويله إلى ميتافيزيقا صرفة.

أو قد نصل بالانعطاف إلى مرحلة جديدة، وهي لا تقل خطوة عن الانعطافة السلبية، وهي الانعطافة على مفاهيم وبنية الدين من الداخل، بمعنى تشويه معالمه الداخلية واضعاف قدرته على الانطافة الإيجابية، وحصره بزاوية أما أن ترده عن اصالته أو يسمح بتطويع مفاهيمه؟ وكلامها قاسيان، والإشكالية الكبيرة بين هاذين الخيارين أن أصحاب الدين نفسه يسهمون بشكل مباشر أو غير مباشر بتحقيق تلك الانعطافة المميته له. فتجربة الدين بالسير بشكل مستقيم كلفته وأتباعه كثير من التضحيات، وكل محاولات إشاعة نمط عقلانيته تنتهي إلى صراعات وحروب طائفية، بمعنى أن هذه المحاولات تذهب ادراج الرياح، وكل ما اُريد له أن يسود، قيد بما يخدم السياسية والمصالح الشخصية. وكل ما حاول أن ينعطف بشكل إيجابي هوى في وادي غير ذي زرع. وللأفكار بقيه .....

 

دكتور رائد عبيس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4580 المصادف: 2019-03-21 00:47:07