 قضايا

الأكوان الموازية (5)

جواد بشارة

les univers parallèles

ما هي تداعيات إثبات صحة نظرية تعدد العوالم والأكوان المتعددة على البشر ومنظومتهم الأخلاقية والعقيدية أو الدينية ؟ من المفترض أن لايمر هذا الأمر مرور الكرام. فالاعتقاد بصحة وجود أكوان موازية سيكون له حتماً تأثير ديني. فمن المريح والمطمئن للبشر معرفة أن كل مايمكن أن يحدث سوف يحدث حقاً وإن الحياة ليست حظوة وفرصة وحيدة أو حظ فريد للكائنات الحية مقترن ومحصور بالأرض . فالمرء الذي يعيش تجرية تعيسة أو يعاني من نكد الحياة في عالمه الذي يعيش فيه، قد يعيش قرينه أو نسخته حياة أفضل وأكثر بهجة وسعادة. فما لم يستطع تحقيقه في هذا الكون قد ينجح في تحقيقه في الكون الموازي. فكل الفرص التي أضعناها يمكن أن نحققها في أكوان أخرى وعوالم أخرى يعيش فيها نسخ منا، فمن أنا؟ ومن نحن؟ وكم نسخة مني، ومنا، توجد في هذا الوجود أو الكون المتعدد المطلق؟ ما هي الصفات والمزايا الشخصية التي تكون مشتركة بين النسخ؟ وماهي الاختلافات؟ إنه أمر يثير الحيرة والاضطراب فما معنى أن أكون أنا والآخر الذي هو أنا؟ يبدو أننا نفقد حريتنا في العوالم والأكوان المتعددة فكل ما يمكن أن نفعله أو نرغب في فعله سوف نفعله طالما هو في حدود الممكن وليس المستحيل . كيف لنا أن نفتخر بإنجاز دون آخر ونحن نعرف أن كل شيء قد أنجز بالفعل، وكيف لنا أن نشعر بالذنب حيال أية مسألة كان يمكن تفاديها وتمنت نسخ عنا تفاديها؟ الميكانيك الكمومي أو الكوانتي يقدم لنا الكثير من الحلول والأجوبة

في هذه المقاربة الفنطازية تطرح أسئلة عديدة ذات طابع ثيولوجي وأخلاقي بشري من قبيل : هل الكون المرئي الذي نعيش فيه ونعرفه مخلوق أم أزلي ؟ وإذا كان مخلوقاً، فمن الذي خلقه ولماذا؟ ومن الذي خلق ذلك الخالق للكون المرئي؟ وهل هو داخل الكون المرئي الذي خلقه أم خارجه؟ وإن كان خارجه فأين إذن يمكن أن يتواجد؟ هل في كون آخر؟ ومن خلق ذلك الكون الآخر؟ هل هو الله نفسه الذي خلق الكون الآخر ليعيش فيه؟ وهل هناك كون واحد آخر أم عدد لامتناهي من الأكوان كما تقول النظريات العلمية الحديثة؟ ومن خلق تلك الأكوان اللانهائية العدد؟ هل خلقها إله واحد هو الذي تتحدث عنه الأديان السماوية ويسميه المسلمون "الله" أم أن هناك إله خاص لكل كون؟ الثيولوجيون لديهم إشكالية مع مفهوم الصدفة ولا يوجد لديهم جواب على سؤال لماذا يوجد العالم على هذا الشكل وهذه الهيئة وليس على نحو آخر، سوى هذا الجواب الساذج وهو إن الله هو الذي خلقه هكذا بإرادته بطريقة كن فيكون، لكنهم لايستطيعون الإجابة على سؤال لماذا خلق الله العالم هكذا بهذه الصورة؟ الفيلسوف الألماني في القرن الثامن عشر غوتفريد فلهيلم ليبنز Gotfried Wilhelm Leibniz قدم تفسيراً أعتبر منطقياً من قبل الكثير من الفلاسفة آنذاك يقول: إن الله، كلي العلم وكلي القدرة، والخير على نحو لانهائي، لا يمكن أن يكون خالقاً سوى لما هو الأفضل لجميع العوالم الممكنة،إما هذا أو لاشيء، وإلا لن يكون الله كلي العلم وكلي القدرة ولانهائي في الخير ". فكر ليبنز كثيراً وبعمق لكي يثبت أنه، بالرغم من كل الحروب والمآسي والكوارث والشرور والمجاعات والأوبئة، فإن عالمنا هو الأفضل من بين جميع العوالم الأخرى الممكنة الوجود. فالشر ضروري ولا بد منه لإنجاز وتحقيق الخير . وبالتالي فالله بالنسبة له هو الأفضل والأكثر حكمة من بين جميع الساعاتيين أو صانعي الساعات الكونية أو خالقي الأكوان الأخرى. فلو أعاد الله تركيب آلية ساعته الكونية، كما يؤكد نيوتن، فإن خلقه لن يكون مثالياً أو يتمتع بصفة الكمال . تسلح الثيولوجيون بمثل هذا الرد الفلسفي لزمن طويل لكي يثبتوا لعامة الناس قدرتهم على الإجابة على تساؤلات العامة حول الكون وبأنهم الوحيدين الكفوئين المعدين للتصدي للرد على مثل هذه التساؤلات الوجودية . استمر هذا الحال طيلة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلا أن القرن العشرين سمح للعلماء بالإنطلاق والبحث بثقة في هذا المجال الذي كان حكراً على الثيولوجيين ورجال الدين والمؤسسات الدينية والبحث في المسائل الجوهرية . فآينشتين علق ذات مرة قائلاً بهذا الصدد: إن ما يهمني هو معرفة ما إذا كان لدى الله الخيار أثناء خلقه للعالم". وفي سنة 1973 صدم العالم البريطاني براندون كارتر زملائه عندما أكد أن تساؤل آينشتين يحمل في طياته جوابه". فالكون هو ماهو عليه لأننا موجودون فيه ولو كان على نحو آخر لما وجدنا لنتحدث عن ذلك ونطرح هذه الأسئلة، وأطلق على هذه المقاربة مصطلح " المبدأ الأثنروبي أو الآنسني le principe anthropique " وهو المفهوم الذي قلب على عقب التاريخ الكوسمولوجي. فكارتر قدم رؤيته هذه في مؤتمر لتكريم العالم كوبرنيكوس الذي سبق للمؤسسات الدينية الكنسية تكفيره ووصمه بالحرمان لأنه تجرأ على حرمان البشرية من موقع مركزية الكون، وربما سيكون " للمبدأ الأنثروبي" في المستقبل موقعاً رئيسياً في كوسمولوجيا المستقبل، كما يتمنى البعض، أو يسقط في بئر النسيان، كما يتوقع له هذا المصير البعض الآخر من العلماء. ويبقى السؤال لماذا صار كوننا قابلا لاحتضان الحياة ولوجودنا، مجرد مسألة إيمان، ومن لا يدري بماذا يمكن أن يعتقد فأمامه أربعة سيناريوهات:

- أن لدى البشر حظ هائل بتوافق وتوفر المعطيات والإعدادات والعوامل الموائمة في الكون المرئي لكي يكون قابلاً لاحتضاننا وكان يمكن أن يمتلك قيماً أخرى مختلفة ويكون فارغاً ومظلماً لاحياة فيه.

- ليس المقصود هنا مسألة حظ بل ضرورة، وإن نظرية كل شيء القادمة سوف تحد من هامش مناورة ودور الثوابت الكونية الفيزيائية بطريقة تجعل إمكانية ظهور عالم واحد فقط هو القابل للحياة .

- لسنا بحاجة للحظ، فهناك عدد لانهائي من الأكوان المختلفة ومن بينها عدد كبير من الأكوان القابلة لاحتضان الحياة فيها ونحن بالضرورة نعيش في أحدها فالمبدأ الأنثروبي اختار لنا ماهو ملائم لنا لكي نوجد.

- إنها الصدفة. فهناك كائن علوي خلق العالم على ماهو عليه وبالصورة التي هو فيها . ويمكن أن يكون عالمنا مجرد نتاج مختبري لحضارة كونية راقية ومتقدمة ومتطور جداً من الناحية العلمية والتكنولوجية، وربما ثمرة إرادة إلهية وآثر رباني مخلوق .

هل علينا أن نختار بين الله والتعدد الكوني؟ فالتعدد الكوني والله يغذيان الصراع المتأجج بين مختلف الثيولوجيين والعلماء الكوسمولوجيين إلا أن البعض لا يجد غضاضة في أن يتقبل مقاربة الإثنين معاً ويعتقد بهما . فالآلهة القديمة صنعت وفككت وأعادة تركيب ونظمت آلية الساعة الكونية . والآلهة التي أعقبتها قاموا فقط بخلق الساعة وإعادة تركيبها على نحو أكثر اتقاناً . ولكن في مفهوم الأكوان المتعددة، يمكن أن يكون للإله إنشغالات ووظائف أخرى،فهو خالق وصانع، وبالتالي هناك دوماً مكان ما لــ " الله" كما يؤكد العالم بول شتاينهارد " فلابد أن يكون هناك شيء ما أعد ووضع مجمل هذا التنظيم الكوني " وأضاف لايجب أن يؤخذ كلامي هذا على أنني متفق مع رجال الدين والمؤسسات الدينية في طروحاتهم فلا يجب للدين أن يقحم نفسه بالشؤون العلمية و لا للعلم أن يقحم نفسه بالقضايا والشؤون الدينية، يرد رجال الدين أن "الله" ليس شرطاً هامشياً أو فرضية ما للكون فلا يمكن للعلم أن يدحض وجود الله بواسطة قوانين ومعادلات ومفاهيم وآليات الفيزياء الكمومية أو الكوانتية، وحدها، كما لايمكنه إثبات وجوده بواسطتها. فالعلم محايد نسبة لاستنتاجات وخواتم المتدينين والثولوجيين والفلاسفة . فلا يمكن للعالم أن يطرح على نفسه سؤال هل ظهر المسيح في كواكب أخرى مأهولة بالحياة أو سوف يتم في يوم ما تعميد كائنات فضائية لا أرضية وغير بشرية . فنظرية تعدد الأكوان لا تتعامل فقط مع الانفجار العظيم الذي أوجد كوننا المرئي فحسب، بل وكذلك تنظر إلى ماهو ابعد من ذلك فلا تتوقع وجود لحظة بدئية كما قدمها أو تصورها ليبنز أو بابا الكنسية الكاثوليكية، لذلك نجد معظم رجال الدين في الأديان السماوية لايحبذون فكرة وجود أكوان متعدد على نحو لانهائية ولكن لا يمكنهم أن يرفضون ذلك وهم يؤمنون بوجود ملائكة وجن وعفاريت وشياطين ليسوا بشراً، خلقهم الله، ويتواجدون خارج الأرض في مكان ما في الكون المرئي أو ربما في أكوان أخرى خارج كوننا المرئي. يتبع

 

د. جواد بشارة

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

موضوع يستحقّ المتابعة \ تحيّة د. جواد بشارة.

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4580 المصادف: 2019-03-21 11:42:08