 قضايا

الكون المرئي والكون المظلم

جواد بشارةالمادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المظلمة، هل هما شيء واحد؟ وهل هما موجودان حقاً؟ وهل يمكننا الاستغناء عنهما في تصوراتنا الكوسمولوجية؟ هل توجد نظرية كوسمولوجية جديدة توحد بين المكونين المهيمنين على الكون المرئي بنسبة 95% من مكونات الكون؟

تم رصد دفقات غامضة من مادة مجهولة تضرب نظامنا الشمسي حسب علماء فيزياء رصدوا تدفقات من الأغبرة التي هبت على النظام الشمسي وهي بقايا من تصادم مجري قديم قد تكون متضمنة لكمية من المادة السوداء أو المظلمة المفترضة ما سيساعد أخيراً على رصدها في كوننا المرئي. ورغم غرابتها وكونها غير مرئية وغير قابلة للرصد والمشاهدة من قبل مختبراتنا وتلسكوباتنا، فإن علماء الفيزياء الفلكيين يأملون في الكشف عنها لأن المنظرين منهم يعتقدون أن وجودها، رغم لغزيتها وغموضها، يفسر حركة النجوم والمجرات في الكون المرئي. ما يعني إمكانية وجود " نجوم ومجرات سوداء أو مظلمة في الكون.

في سنة 2018 رصد التلسكوب الفضائي الأوروبي غيا Gaia الذي يدور في مدار حول الشمس في أقرب نقطة ممكنة، بالتنسيق مع دوران الأرض حول الشمس، تدفقات من الغازات والأغبرة الكونية التي مسحت وتغلغلت في نظامنا الشمسي، وهي بقايا لمجرة صغيرة قديمة سبق أن دخلت في تصادم مع مجرتنا درب التبانة قبل بضعة مليارات من السنين وقد تحمل معها كميات من مادة مجهولة الماهية إلى الأرض وهي التي يسميها العلماء المادة السوداء أو المظلمة. وبسبب عدم نجاح العلماء في الإمساك بهذه المادة الغامضة السوداء أو المظلمة وغير المرئية، قرر بعض العلماء إعادة النظر ومراجعة العديد من النظريات والفرضيات التي احتضنت فرضية وجود المادة السوداء أو المظلمة . فبعد مضي أكثر من نصف قرن على سعي علماء الفيزياء للبحث عن هذه المادة الغريبة بلا جدوى، ونفس الشيء ينطبق على الجهود الخاصة بالعثور على الطاقة السوداء أو المظلمة أو المعتمة التي ظهرت كفرضية قبل أكثر من عقدين من الزمن، والتي لا تقل غرابة وغموضاً ولغزية عن صنوها المادي. شعر بعض علماء الفيزياء الفلكي أنهم أخطأوا في طرق ومناهج بحثهم، لذلك ارتأى بعضهم البحث عن نظرية جديدة موحدة بين المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المظلمة أو إلغاء وجودهما والبحث عن تفسير علمي آخر للظواهر الكونية المرتبطة بهما افتراضياً . ففي النموذج الكوسمولوجي المعياري المعروف باسم Lambda-CDM فإن المادة السوداء أو المظلمة تتيح تفسير منحنيات دوران المجرات، وكذلك تشكل الهيكيليات والبنيات الكبرى على المستوى أو النطاق العالي أو الكبير جداً في حين عزيت للطاقة السوداء أو المظلمة مهمة تفسير التسارع في التوسع الكوني. والحال أن هذين " المكونين" الافتراضيين لم يثبت وجودهما علمياً ومختبرياً، لذا قام عالم من جامعة اكسفورد، هو جامي فارنيس Jamie Farnes باقتراح نظرية جديدة تتيح إمكانية توحيد أو الدمج بين المكونين أو العنصرين فهما وجهان لعملة واحدة على غرار المادة والطاقة العاديتين المرئيتين، وهي محاولة قد تعتبر، لو تأكدت صحتها، أكبر إنجاز لحل أكثر المسائل العويصة والمستعصية في الفيزياء المعاصرة، وذلك في دراسة أو بحث علمي نشر مؤخراً قام بتوحيد المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المظلمة في إطار ظاهر كونية واحدة تقول بوجود سائل،أو مركب fluide يمتلك كتلة سالبة masse négative. وبوسع هذا الاقتراح تأكيد تنبؤ لآينشتين قال بها قبل قرن من الآن . وقد علق جامي فارنيس على ذلك قائلاً: " نعتقد الآن أن المادة السوداء أو المظلمة، والطاقة السوداء أو المظلمة، هما عبارة عن مركب أولي واحد يمتلك نوع من الثقالة أو الجاذبية السالبة gravité négative تدفع وتطرد كل ما يحيط بها وبالرغم من غرابة هذا الطرح وعدم معرفتنا الدقيقة بماهية وطبيعة هذين العنصرين،فإن توحيدهما سوف يوحي لنا بأن كوننا متناظر ومتماثل symétrique سواء في خصائصه الموجبة أو السالبة . فلقد سبق استبعاد وجود مادة سالبة لأن العلماء اعتقدوا أنها ستغدو أقل كثافة بالتناسب مع معدل تمدد الكون، وذلك بالضد من نتائج الرصد والمراقبة التي أشارت إلى أن الطاقة السوداء أو المظلمة تحتفظ بكثافتها رغم مرور الزمن . والحال أن أبحاث جامي فارنيس تطبق وتنطوي على وجود " موتر خلق " يسمح بخلق مادة سالبة باستمرار، يرفد بها الزمكان الكوني. فكلما إنتاج كتل سالبة بدون انقطاع أو توقف، فإنها هذا الدفق من الكتلة السالبة لن يذوب خلال توسع الكون، ويبدو هذا الدفق مشابه للطاقة السوداء أو المظلمة التي تحتوي وتتغلغل داخل الكون برمته. وقد قدمت نظرية جامي فارنيس أولى النبوؤات الصحيحة حول سلوكيات هالات المادة السوداء أو المظلمة حول المجرات فمنحنيات دورات المجرات يشير إلى أن هناك كتلة خفية غير مرئية يجب أن تكون موجودة إلى جانب الكتلة المرئية المضيئة العادية المعروفة. ولقد قام العلماء استناداً إلى هذه النظرية الجديدة، بعملية محاكاة حاسوبية أو كومبيورتية بشأن خصائص الكتلة السالبة التي تتنبأ بتشكل هالات المادة السوداء أو المظلمة المشار إليها أعلاه، على غرار تلك الناجمة عن عمليات المراقبة والرصد التي أجريت بواسطة التلسكوبات الراديوية الحديثة والمتطورة. ولقد سبق لآينشتين أن قدم بعبقريته الخارقة، تصوراً أولياً عن " الكون الأسود أو المظلم" قبل قرن من الآن، عندما أكتشف في معادلاته عامل سماه " الثابت الكوني constant cosmologique " الذي ربط العلماء بينه وبين الطاقة السوداء أو المظلمة اليوم. بالرغم من تنكر آينشتين لمقترحه حيث اعتبر الثابت الكوني أحد أكبر أخطائه العلمية شناعة، واليوم تثبت جل عمليات الرصد الكوسمولوجية أنه ظاهرة حقيقية موجودة ففي ملاحظة دونها آينشتين سنة 1918 واصفاً ثابته الكوني بالفظيع، بأنه آن الأوان لأجراء تعديل ضروري على نظريته ، على نحو يجعل الفراغ الكوني أو فراغ الفضاء هو الذي يلعب دور المادة السالبة وتكون موزعة بين الفضاءات ما بين المجرية . ما يعني أن آينشتين كان يعرف بحدسه المتقدم جداً أنه هناك كتلة سالبة تملأ الكون. المقاربات السابقة للجمع بين المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المظلمة تمت أثناء محاولات تعديل النسبية العامة نزولاً عند طلب آينشتين نفسه، وهو الأمر الذي بدا بالغ الصعوبة. إن هذه المقاربة الجديدة تأخذ بالاعتبار فكرتين قديمتين كانتا متوافقتين مع نظرية آينشتين وهما: الكتلة السالبة وخلق المادة. والجمع بينهما حسب جامي فارنيس يعطينا نتيجة أنيقة وهي أنه يمكن الجمع بين وتوحيد المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المظلمة في مكون جوهري كوني واحد ويمكن تفسير الأثرين على اعتبارهما مادة وكتلة موجبة تسبح في محيط من الكتل السالبة. سوف تخضع نظرية فارنيس للاختبارات بواسطة تلسكوب راديوي Square Kilometer Array-SKA، وهو عبارة عن مشروع هائل لبناء تلسكوب راديوي ضخم هو الأكبر في العالم تشارك فيه جامعة أكسفورد ولكن لا تزال هناك العديد من العقبات والمعوقات والصعوبات والمشاكل النظرية التي تحتاج للحل عن طريق المحاكاة الكومبيوترية وإن هذا النموذج النظري Lambda-CDM متقدم على زمنه بنحو 30 سنة إذ بوسعه أن يعطي تفسيراً جمالياً أنيقاً لنسبة الــ 95% من المكون الخفي غير المرئي في الكون المرئي.

وكما قلنا، فإن المادة السوداء أو المظلمة هي مكون افتراضي ألحق بالنموذج الكوسمولوجي المعياري في محاولة لتفسير إنحناء أو تحدب ودوران المجرات وتشكل الهيكليات والبنى الكبرى وتقلبات الكثافة المرصودة في طيف الإشعاع الكوني الخلفي الأحفوري الميكروي المنتشر، بالرغم من عدم توفر دليل قاطع ونهائي عن هذه المادة الغريبة بالرغم من بعض المؤشران الإيجابية عن وجودها في حين أن تجربة COSINE 100 تدحض على نحو جدي التجارب السابقة التي ألمحت إلى حقيقة وجودها. فالحسابات الكوسمولوجدية تشير إلى وجود كمية كبيرة من المادة السوداء أو المظلمة ولكن على نحو نظري محض، ولكن لا توجد إشارة جدية ودقيقة علمياً عن وجودها الفعلي بالرغم من العديد من محاولات الرصد والمراقبة واقتراح العديد من المرشحين كجسيمات أولية لهذه المادة الغريبة مثل النيوترولينات neutralinos والنيوترونوات العقيمة neutrinos stériles إلا أن كافة المحاولات باءت بالفشل وإن الأمر يحتاج لعقود طويلة أخرى لإثبات أو دحض وجود المادة السوداء أو المظلمة .

 

د. جواد بشارة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4585 المصادف: 2019-03-26 01:35:22