 قضايا

العلمانميتافيزيقة.. بحث فلسفي في أواصرهما المشوهة عملياً

رائد عبيسيجمع هذا المصطلح بين كلمة العلمانية والميتافيزيقية والذي فضلنا إن نكتبه بهذه الصيغة المركبة إلا وهي" العلمانميتافيزيقة "وذلك لما ينبعث منه من مدلولات و طروحات جديدة، يتحدث عن طبيعة العلاقة بين العلمانية والميتافيزيقا أو بين العلماني والميتافيزيقي، وهذا الحديث لا يمكن أن يتجاوز عدد التساؤلات عن طبيعة هذه الفكرة، فكيف نربط بين العلمانية والميتافيزيقيا؟ وهل هناك علاقة بين العلماني والميتافيزيقي؟ وهل كل ميتافيزيقي مناوئ للعلمانية؟ وهل كل علماني مناوئ للميتافيزيقي؟ وهنا يجب أن نحد مفهوم العلماني بناءً على مكنونه في التجارب التاريخية، أو في المعنى الحديث والمعاصر. فهل كل متنور علماني؟ وهل كل علماني حداثوي؟

 في قبال تساؤل الميتافيزيقي عن هوية العلماني وكيفية الفصل بين ازدواجيات الخطاب بين العلمانية التنويرية العقلانية وبين الميتافيزيقة والميتافيزيقة الدوغمائية؟ المسألة هنا تأخذ بعداً سياسياً ومعرفياً أو اصطلاحياً. وليست هي مجرد بحث في هذه التساؤلات ولا هو ربط بين مفاهيم ومصطلحات، ربما يصعب الفرز فيما بينها ولاسيما في أفق ثقافتنا العربية وحداثتنا المزعومة التي دار عنها الحديث في القرن التاسع عشر والعشرين.

أمّا إفراز هذه الفكرة وهذه التساؤلات والإشكاليات، فهي بسبب التناقضات السياسية، والخطاب المزدوج والأفكار المشوهة التي يطرحها قادة وزعماء وأصحاب تيارات فكرية وثقافية، في حديث عن مفاهيم مثل الليبرالية، والعلمانية، والقومية، والوطنية، والمجتمع المدني ... وغيرها من الأفكار، والموجهات، والإصطلاحات التي تعبر أحياناً عن استقلالها المرجعي عن مفهوم الميتافيزيقا، ولكن ما نجده في الأصل وما نكتشفه بعد سماع خطابات خطباء التنوير والحداثة والعلمانية، خلاف ذلك . فضلاً عن أصحاب التفكير الميتافيزيقي الذي جعلنا "ما ورائيين بمعنى التبعية " وراء أصحاب القرار و أصاحب التكنولوجيا التقنية، وأصحاب الإمكانيات العالية في التفكير، والسياسة والجيش والمؤسسة العسكرية . ربما هذه ما أرهبتنا وجعلتنا نناغم بإزدواجية عالية بين قوى ثقافية علمانية أو حداثوية، وبين قوى دينية. هذه الإزدواجية التي أفقدتنا مقومات الديمومة على وفق مسلمات ومحددات و راهنية التعاطي مع حجم الوعي الذي يجب أن يتناسب ومهمة الإنسان، إذ أن المهمة المناط بها الإنسان في حقب تاريخية معينة من حيث الاعتقاد والثقافة، تختلف عن طبيعة تلك المهمة في حقب تاريخية أخرى.

فـ "الميتا - فيزيقة" لم تعد لتلك السابقة اليونانية أو التراتبية في مؤلفات أرسطو كما كان سابقاً. ولم تعد تفهم بمعنى المقابلة مع مفهوم "الفيزيقا "بل أصحبت نسقاً ثقافياً، يدور الحديث فيها عن مفاهيم، ربما تترجم بأبعاد، لا يمكن حصرها، بذلك الفهم الكلاسيكي بمعنى الماورائية فحسب.

بل أصحبت ثقافتاً وتخصصاً وتوجهاً وشعاراً صريحاً أو مظمراً بما وروائيات النص ومعاني الكلم، فأصحبت بهذا الشعار المبطن تمارس سياسة مزدوجة، وتحمل تأويلات مختلفة، وتخاطب عقولاً متفاوتة، يراعى بها الوعي المتناقض،  والمزدوج،  والمواقف المتباينة لدى أغلبية الناس بين السياسي العلماني وبين المذاهب والتيارات الدينية . هذا في حالة وجود تيارات متقابلة مصرح بها علناً، من علمانية ودينية بشكل مستقل ومفرز لدى المجتمع.

في بيئتنا الثقافية هناك خطابان مزدوجان : الأول يقوم المتدين أو مدعي التدين من أصحاب التيارات الدينية والذي يدَّعي التنوير بتقدم نفسه على إنه متنوَّر من أجل استقطاب غير المتدينين، وخلق مساحة حوار بين أطراف أخرى مناوئة أو مخالفة لهذا الفهم الميتافيزيقي، لتمرير المشاريع الإصلاحية والتنويرية للجميع عبر هذا الخطاب هذا من جهة، ومن جهة أخرى نجد خطاب تنويري عقلاني متحرر من مفاهيم الميتافيزيقا الإيديولوجية ذات البعد الدوغمائي أو التطرفي، بما يوحي بثقافة منفتحة ومؤمنة بقيم مدنية وإنسانية، تشجع الآخر على الحوار وتوهم بفتح آفاق للتسامح و الاستيعاب.

الثاني: هو لأصحاب التوجه العلماني أو المدني وخطابه، وهم أكثر الأطراف إدعَّاءَ للحداثة والعقلانية والفهم الجديد للحياة، تبعاً لمتطلباتها وتطلعاتها، فيقدمون خطابهم على هذا الإساس أيضاً، للإحاطة بوعي الفئة المتوجهة صوب الحداثة والتنوير والمدنية . لكن عندما نتفحص خطاباتها وتحليل نصوصها نجد أن الأمر ينطوي على عملية خداع كبيرة، وتدليس، ولعب بعقول الناس بصيغ خطابية مختلفة، وأفكار مضمنة بنصوص ميتافيزيقية تكتنفها العتمة والتظليل، فهي تحاول أن تجد لنفسها شرعية مع المتغير حتى لا تتهم بالتقوقع أو بالقطيعة. وهذا النوع من التعامل نجده مع الحالة السياسية، والثقافية، والاجتماعية، والتوعوية وهذا ما يجعلها تقع في مفارقة كبيرة لا تستطيع أن تخرج منها بنتيجة إيجابية تبعاً لتلك الإزدواجية العميقة التي تخلق حالة من النفرة والنبذ و الاستهجان لكل تيار عن الآخر؛ لأنهما يكتشفان نفسيهما مستبطنان كل مهم في نقيضه. وهذا عمق المفارقة مثلا نجد حزب يساري يتحول تبعا لمصالح الى حزب يميني رادكالي متطرف، او العكس.

وعندها يحدث فراغ في خطابها يجعلهما يحملان سمة وصفة إيديولوجية منحرفة مُتعنصرة، لا تؤمن بالمشاركة بسبب انكفاء الأنا على الأنا. وهذا الكلام يعني أوساطنا الثقافية و السياسية العربية بالدرجة الأساس ولو ترجم ميدانياً لتحدثت عنه شواهد دون أن يطلب منها الكلام مثلما تبني على سبيل المثال حزب البعث وهو حزب يميني متطرف الحملة الإيمانية!

فــــ "العلمانميتافيزيقة " هي تعبير عن تلك الآصرة المشوهة بين العلمانية وثقافتها والميتافيزيقا الذي كثيراً ما يعبر عنهما بإزدواجية واضحة، وتمظهر يذهب ضحيتها أولئك السذج الذين يعجبهم الخطاب دون إدراك تناقضه و إزدواجيته، وهو يحمل معنى المصطلحين معا؛ لأنه يتضمن عبارات جميلة أو أسلوب خطابي مقنع . وهذا ما يمثل غسل الأدمغة و سياسة التجهيل، وهنا يكون ميدان التلاعب بوعي العامة من الناس، ومدارك الفئة المثقفة التي تقع هي الأخرى ضحية لتلك الإزدواجيات ؛بسبب طموحات كامنة في أنفسهم لا تريد أن تضيع أحد تلك الخيارات على حساب الأخرى، إلا وهي الوعي التنويري والوعي الميتافيزيفي، هذه الثنائية خلقت ديناميكية مرضية متناقضة، تعبر عن مفارقات صارمة تكشف عن فراغ الميتافيزيقا وخواء الحداثة، والسبب هو أننا نلعب على كل الحبلين، دون أن نجد أنفسنا مع أحدهما . أو لا نعطي لأنفسنا الخيار بين هذه و تلك، فهذا المصطلح وأقصد "العلمانميتافيزيقة " الذي قدمناه على وفق تلك الإشكاليات المعرفية و الفهمية لإمتداد ثقافة العلمانية مع ثقافة الميتافيزيقا على السواء،  والتآصر بين المصطلحين أنجبا إشكاليات سياسية عميقة، لأننا لم نفهم طبيعة كل منها وبعد المساحة التي تأخذها الأولى من الثانية .فأصبح هناك تآصر أزمة وأزمة تآصر، لها إمتدادها الجدلي الذي يساعد على فك كثير من الفهم الدوغمائي، إلى وحدات ثقافية تصبح أكثر إنجاباً لوحدات ثقافية جديدة تستطيع أن تأخذ بمدياتها على الساحة الثقافية . فــــ (العلمانميتافيزيقة) تعبر عن حالة ثقافية مشوهة بين مفهوم العلمانية والميتافيزيقا، عند مدعي الثقافة الحداثوية ومتبنين الخطاب الميتافيزيقي فمرة نجد الميتافيزيقي علماني ومرة أخرى العلماني ميتافيزيقي، وهناك أيضا من يريد أن يجمع بينهما بهدف تشويه فحوى كل منهما بخطاب مؤدلج ومغرضن، يحاول من خلاله ربط الوعي الإنساني البيئي بأفق مشترك من الخطابين المنطويين على ما يكمن فيه من تناقض وإزدواجية في بعد "علمانميتافيزيقة".

العلمانميتافيزيقة: مصطلح يبحث في العلاقة المشوهة بين العلمانية والميتافيزيقا، بسبب تراكمات الفهم العقيم لكل المصطلحين في وعي العامة من الناس والنخبة الذين يجمعون بينهما بطريقة مباشرة إزدواجية أو بطريقة غير مباشرة في حالة خلط وصعوبة فرز ونهاية خيار بين أحدهما، وهذا ما يخلف خطاب مشوه عن مرحلة فكرية وتاريخية محددة، تقدم فيها تنوعات في الفكر والخطاب على فق الصيغ الإعلامية للبعد الإيديولوجي والسياسي والنسقي .

 

الدكتور رائد عبيس

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

تفكيك مهم لحالة اختلاط المفاهيم وتشوه ممارستها وغياب الفهم لأبعادها وتحمل من رؤية . شكرا لحضرتك دكتور على هذا الجهد الفكري المهم. تقديري ومحبتي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4585 المصادف: 2019-03-26 01:44:22