 قضايا

المدرسة السريالية

عدنان عويدالسوريالية (Surrealism): لغةً، تعني "فوق الواقع"، أما مجازاً، فهي حركة ثقافية في الفن والأدب والفكر الحديث، تهدف إلى التعبير عن العقل الباطن الذي يشتغل على اللاشعور وعلى الآلية العقلية التلقائية، أو التلقائية النفسية بشكل مطلق، ولذلك هي خارجة عن النظام والمنطق، كما يقول عنها مؤسسها أو مُنظرها "أندريه بريتون". ومن خلالها يمكن التعبير عن واقع ما والاشتغال عليه فكرياً أو شفويا أو كتابيا أو بأي طريقة أخرى.

إذن إن السوريالية في آلية عملها بتعبير آخر، تعتمد بشكل أساسي على نظريات فرويد في التحليل الأدبي النفسي، حيث أن جميع الأعمال الفنية والأدبية في هذه الحركة مستوحاة من الجانب اللاواعي لدى الفنانين والأدباء. وبالتالي هي ليست أكثر من قواعد إملائية للفكر، مركبة وبعيدة كل البعد عن أي تحكم خارجي أو مراقبة تمارس من طرف العقل النقدي، وخارجة عن نطاق أي انشغال جمالي أو أخلاقي، وقد اعتمد السرياليون في أدبهم وفنونهم على الأشياء الواقعية، بعد تحويلها إلى رموز للتعبير عن أحلامهم، ولارتقاء بالأشكال الطبيعية إلى ما فوق الواقع المرئي.

معتقدات المدرسة السريالية:

1-  الحد من تدخل العقلانية أو الوعي البشري في أعمال الأدباء والفنانين السورياليين، على اعتبار العقل عندهم يعمل على ضغط وتحجيم خيال الإنسان، مما يجعله عاجزاً عن الإبداع والتعبير دون حدود.

2- اعتبار الأحلام والجزء اللاواعي من عقل الإنسان وخاصة أحاسيسه، تمثل كلها قوة التخيل والقدرة على الإبداع، كونها هي وحدها القادرة أن تعبر عن رغبات المرء الحقيقة المدفونة في داخله.

3- وتأسيساً على ما جئنا إليه، تأتي التلقائية في تعاملها مع الأشياء من أهم وأفضل أدوات العمل الفني والأدبي، كونها تطبق الأفكار الأولية دون معالجتها بالمنطق، والعمل على تحرير اللغة والأفكار والمعتقدات من كل القيود التي يفرضها عليها هذا المنطق.

4- اعتماد الكتابة التلقائية الصادرة عن اللاوعي، والبعيدة عن رقابة العقل، أسلوباً في التعبير عن القضايا المراد الاشتغال عليها، بدعوى أن الكلمات في اللاوعي لا تمارس دور الشرطي في رقابته على الأفكار، ولهذا تنطلق هذه الأفكار نشيطة جديدة.

5- لقد تأثرت السوريالية بآراء فرويد عالم النفس في تحليله للنفس الإنسانية وخاصة تلك التي تتحدث عن اللاشعور والأحلام، والكبت، ودعوته إلى تحرير الغرائز الإنسانية والرغبات المكبوتة في النفس البشرية، وإشباع الغرائز والرغبات إشباعاً حراً حتى لا تصاب بالأمراض النفسية كما يدَّعي. وهذه الآراء تتلاءم مع دعوتهم إلى التحلل من القيم الأخلاقية المعيارية في المجتمع البشري.

كما تأثرت السوريالية أيضاً بحركة سبقتها تُدعى (الدادية) التي ولدت في زيورخ بسويسرا سنة 1916م. وهي حركة فوضوية تكفر بالقيم السائدة والمعتقدات والتقاليد الاجتماعية وتدعو إلى العودة إلى البداية. لذك من هذا المنطلق  أهملت السوريالية المعتقدات والأديان والقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع

6- التركيز على الجانب السياسي، والبحث عن برنامج وضعي (مادي ومحسوس) يصلح لتطوير المفاهيم الاجتماعية، لذلك غالباً ما يتودد السرياليون لليسار، ويبذلوا جهدواً كبيرة من أجل توسيع مجال تطبيق المادية الجدلية الماركسية. علماً ان الماركسية منهجاً وتطبيقاً تختلف معها كلياً، فالماركسية منهجاً ترفض في قوانين جدلها ومقولاتها رفضاً قطعياً الركون إلى الخيال والحدس واللاشعور والعبث واللامعقول في التعامل مع قضايا الإنسان. فالمنهج الماركسي منهج يقوم على العقل النقدي، ويعتبر الإنسان جوهر الحياة، وهذا الجوهر لا يمكن أن يتطور وينموا ويعود إلى مرجعيته العقلانية إلا من خلال التمسك بالعقلانية النقدية.

على العموم إن السورياليين قد تزيوا بأزياء مختلفة، فتارة يظهرون كمجموعة من السحرة، وتارة يبدون كعصابة من قطاع الطرق، وتارة أخرى يظهرون كأعضاء في خلية ثورية.. لقد كانت السريالية في حقيقة أمرها حركة سريّة هدفها تقويض الوضع القائم آنذاك. فمثلما لف الغموض بعدها السياسي، لف هذا الغموض أيضاً بعدها الأدبي والفني والفكري.

تأسيس الحركة:

نشأت المدرسة السوريالية الفنية في فرنسا كمدرسة في الفن والأدب والفكر عام 1892، على يد  أندريه بريتون".  وازدهرت في فترة ما بين الحربين، فكان من أبرز دوافع قيامها ما خلفته الحرب العالمية الاولى من دمار وإزهاق للأرواح بلا حساب. الأمر الذي أصاب الإنسان الأوروبي بصدمة هزت النفوس وأربكت الأفهام، فنشأت نزعة جارفة للتحلل من القيم الأخلاقية، تقوم قبل كل شيء على تحرير الغرائز والرغبات المكبوتة في النفس البشرية، حيث اتخذت هذه النزعة من الفن والأدب والفكر مضماراً لعملها، فكان من أبرز اتجاهات هذه النزعة، السوريالية هو الاشتغال على المضمار النفسي أولاً، ثم الدخول إلى مجالات الأدب والاجتماع والاقتصاد والفن ثانياً.

أثناء الحرب العالمية الثانية تفتتت الحركة السوريالية لتعود وتلتئم من جديد في مدينة مرسيليا في نهاية 1940، ولكن عدداً كبيراً من فنانيها قد هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لتنطلق هناك مدارس عديدة اعتبرت كاستمرار للسوريالية مثل تيار «الفن السوريالي جداً»، و«مدرسة المحيط الهادئ»، وتيار «التصوير الحركي الارتجالي» وغيرها. بيد أن الجمهور بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم يُظهر أي اكتراث بالفنانين السورياليين، ويمكن إرجاع هذا الموقف تجاه رفض السوريالية هو الانصياع إلى الذائقة العامة الوليدة بعيد الحرب، بسبب طرحها موضوعات مصطنعة لا تتلاءم مع نفسية شعوب خارجة من الحرب. وقد كان هذا الموقف فاتحة لتفتت الحركة السوريالية الفنية وتشظيها في اتجاهات ومسارات ومدارس متناقضة تماماً، لا يجمع بينها أي جامع سوى الرغبة في أن تكون وريثة لتلك الحركة الثقافية التي جعلت من حرية الفكر أساساً لكل إبداع.

ملاك القول: إن السوريالية مدرسة فلسفية في نهاية المطاف، نظر دعاتها إلى واقع مكبوت في داخل النفس البشرية، ولا بد من تحرير هذا الواقع وإطلاق مكبوته وتسجيله في الأدب والفن. وهي تسعى إلى إدخال علاقات جديدة ومضامين غير مستقاة من الواقع التقليدي في الأعمال الأدبية. وهذه المضامين تستمد من الأحلام؛ سواء في اليقظة أو المنام، ومن تداعي الخواطر الذي لا يخضع لمنطق السبب والنتيجة، ومن هواجس عالم الوعي واللاوعي على السواء، بحيث تتجسد هذه الأحلام والخواطر والهواجس المجردة في أعمال أدبية. وهكذا تعتبر السوريالية اتجاهاً يهدف إلى إبراز التناقض في حياتنا أكثر من اهتمامه بالتأليف.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

..............................

المراجع:

1- السريالية أو الفوق واقعيّة  (ويكبيديا – الموسوعة الحرة.

2- السريالية - موسوعة ويزي ويزي.

3- السريالية - موقع المعرفة

4- الســريالية - إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي -  موقع صيد الفوائد.

5- السريالية: كيف وصل العالم إلى هذا الحد من الجنون؟ - هند مسعد محمد 25 سبتمبر 2015 - موقع مصر العربية.

6- السريالية... فلسفة الحرية - هاشم صالح -  جريدة الشرق الوسط -  الثلاثاء - 19 سبتمبر 2017 مـ -  رقم العدد  (145175) .

7-  السريالية في «مغامرتها الكونية» تأثيرها أبعد من مصيرها -     محمد مظلوم -  جريدة الحياة -/ 19/ يناير 2017 /

8- موجز تاريخ الفلسفة – مجموعة من المؤلفين – إصدار دار الفكر – دمشق – 1978- ص967 وما بعد.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4589 المصادف: 2019-03-30 11:18:58