 قضايا

الازمةُ العالَمِيَّةُ ازمةٌ اخلاقيَّةٌ (1)

هل ازمةُ العالَمِ -اليومَ- هي ازمةُ نفطٍ، ام ازمةُ طاقةٍ، ام ازمةُ سياسةٍ تختنقُ بها انظمةُ الحكمِ، ام أَنَّها أزمةٌ عسكريةٌ تثيرُها الدولُ الكبرى، باحتلالها لاراضي الاخرين، وقمع شعوبِهم ؟؟

الازمةُ ليست مشكلةً عارضةً، كسائر المشكلات التي تنشأ لظروفٍ مُحَدَدَةٍ، وتنتهي بانتهائها ... الازمةُ اعمقُ من ذلك . جاء في قواميس اللغة أَنَّ من معاني الازمةِ، الشدة والضيق .. اذن : الازمةُ تعبيرٌ عن اشكاليَّةٍ بنيويةٍ حادةٍ، وتهديدٍ وجوديٍّ لبنيةِ المجتمع الذي يعيشُ الازمة.

مشكلةُ التضخم التي تواجه اغلب المجتمعاتِ الرأسماليَّةِ، هي مشكلةٌ ظرفيَّةٌ، هناك اليات في النظام الراسمالي تساهم في تجاوز المشكلة . مشكلة الانتخابات، وتشويه سمعةِ المتنافسين من قبل بعضهم البعض، وتزوير الانتخابات. والحروب التي تبيد الملايين من البشر، لتحقيق شهوات القابضين على السلطة، وتجار الحروب . ومايسمونه بالقتل الرحيم، والاجهاض، وقتل الاطفال الرضع في المهد، وفوضى العلاقات الجنسيِّة، كلها مشكلات تعبِّر عن مظاهر واعراض لازمةٍ حادةٍ هي: (الازمة الاخلاقية) .

المكيافيليَّةُ تحكمُ اغلبَ انظمة الحكمِ في عالَمِ اليوم، تقوم على اساس قاعدة (الغايةُ تبررُ الواسطة) . هذه ليست ازمة في انطمةِ الحكمِ اليوم، وانما هي في العمق: ازمة اخلاقية، واساليب الحكم المذكورة، هي اعراض، ومظاهر للازمةِ الاخلاقيَّةِ الحادة.

واطنانُ المَوادِّ الغذائيةُ التي ترميها الدول التي يسمونها متقدمة في البحر في الوقت الذي يموت فقراءُ العالم وجياعُهُ، من اجل الحفاظ على الاسعار.. هذا ليست قضيةً اقتصاديّةٌ وان بدت لنا كذلك . انها في عمقها ازمةٌ اخلاقيةٌ حادةٌ، يعيشُها القابِضونَ على السلطةِ والثروةِ في عالَمِ اليوم.

الحروب المُدَمِّرَةُ التي لاتُبقي ولاتّذر، والتي تبيد الاطفال والنساء، وتحصد المدنيين الابرياء ... ماذا يعني ذلك ؟ هل هذه ازمة عسكرية يعيشها العالَم، ام انها مظهر لازمة عميقةٍ، هي الازمة الاخلاقية.

الاجهاض، ومايسمى بالقتل الرحيم، وقتل الاطفال الرضع، وتفكك الاسر، وفوضى العلاقات الجنسيّة، ومحاصرة الشعوب، والوقوف مع الظالمين والمستكبرين ضد الشعوب المقهورة ... كل ذلك مظاهر واعراض لازمة حقيقية، هي الازمة الاخلاقية.

ويأتي في هذا السياقِ، اعتراف الرئيس الامريكي ترامب بان الجولان ارض اسرائيلية، وليست ارضاً سوريةً محتلةً، خلافاً لكل القوانين الدوليَّة، هل هذه مسألةٌ سياسية تحكُمها السياسة، وقواعد اللعبة السياسيّة، ام انها ازمة اخلاقيّة؟

بعضُ المفكرين والفلاسفة الذينّ نَظَّرُوا للاخلاقِ، كانت تنظيراتُهم وكتاباتهم انعكاساً لهذه الازمة الاخلاقيّةِ . فبعضهم اختزل الاخلاقَ كُلَّها في اللّذة، حتى عَبَّرَ ابيقور عن اللَّذةِ بانها : (الخيرُ الاعظم)، وجاء بنثام وجون ستيوارت مل بمذهب المنفعة، ونظّرَ البراغماتيون للمنفعة . هل هذه فلسفات تعكس رؤيةً فلسفيَّةً ؛ ام انها انعكاسٌ لازمةٍ اخلاقيَّةٍ؟ فلسفات اللّذة والمنفعة حكمت على الفعلِ الاخلاقيِّ من خلالِ نتائجه واثاره، ولاتحكم على الفعل الاخلاقي في ذاته . هذه الفلسفات لم تعجب الفيلسوف الالماني (كانط) الذي اسس الاخلاق على اسس اخرى . اسس الاخلاق على اساس العقل، وجاء بنظرية الواجب، فالفعل الاخلاقيُّ عند كانط محكومٌ وفق قواعد العقل العملي، ومحكوم بالارادة المنسجمة مع العقل.

القران الكريم تحَدَثَ عن الاخلاق، وعن اساسها الفطري، فالقران يرى ان الاخلاقَ مركوزةٌ في اعماقِ النفسِ الانسانيّةِ، والارادة الانسانية تخرجها من مكامنها، الارادة الانسانية تقوم بفعل التزكية او التدسية . يقول الله تعالى :

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)) (الشمس : الايات : (7،8،9،10).

فالانسان في اعماقه بوصلة اخلاقية، وضمير اخلاقي سماه القران بالنفس اللوامة، حتى لولو تكن هناك مؤثرات اجتماعيَّة، فقابيل ارتكب جريمة قتل اخيه هابيل، وهابيل رفض فكرة القتل، رغم عدم وجود مؤثرات مجتمعية، اذ لامجتمع موجود ؛ اذ لم يتشكل بعد مجتمعٌ، وكلاهما عاشَ في اسرة واحدة، ابوهما ادم النبي عليه السلام، الذي مارس دوره في تربيتهما ؛ وعلى هذا الاساس نقول ان اساس الاخلاق فطري، وليس ناشئا من الاعراف والعوائد . العقل العملي يمكن ان يكون مصدرا للاداب لامصدرا للاخلاق . الاداب هي المتغيرة، وهي النسبية، امّا الاخلاق فهي ثابتة . يقول الله تعالى في نبأ ابني ادم :(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) ) المائدة : الايات: (27،28) .

هذه مقولة لخصتُ فيها ازمةَ العالمِ والتي هي ازمة اخلاق، ومانراه من مشكلات سياسية واقتصادية، وحروب، واضطرابات اجتماعيّة، هي اعراض لازمة حادةٍ عميقةٍ هي الازمة الاخلاقية.

 

زعيم الخيرالله

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4592 المصادف: 2019-04-02 02:22:20