 قضايا

كيف كانت العلاقات الثقافية بين الشرقيين واليونانيين؟

محمود محمد عليفي الوقت الذى نبغت فيه شعوب الشرق القديم في العلوم والفنون، كانت الشعوب اليونانية، مجرد قبائل رحل يرزحون في نير الجهل والهمجية، ويعتمدون على الغزو والإغارة، وفى هذا يقول بعض المؤرخين" ... والملاحم الإغريقية تصور لنا الأول على غير علم بالحديد، صفراً نم كل معرفة بالكتاب، كما تصورهم قبل أن يؤسسوا أي مدن إغريقية في تلك البلاد التي تدل كل الدلائل على حداثة عهدهم بفتحها، فأخذوا ينتشرون جنوباً من مواطن الآريين الأصلية، وكانوا فيما يلوح قوماً من الشقر نازحين، حديثي عهد ببلاد الإغريق؛ أي حديثي العهد بأرض كان يتملكها الى ذلك الحين شعوب البحر المتوسط أو الشعوب الأيونية" .

وكان اليونانيون يطلقون على أنفسهم اسم الهلينيين Hellenes ، بينما أسماهم الرومان Graeci  وهو اسم قبيلة هيللنية نزحت من إقليم بيوتيا Boeotia  شمال شبه الجزيرة اليونانية إلى جنوب إيطاليا، وعرفوا بهذا الاسم منذ ذلك الوقت، وقد اشتق العرب منه اسم الإغريق، بينما اشتق اسم اليونان من اللغات السامية القديمة من لفظ " ياوانين" ومن اسم " ايونى" نظراً لأن المستوطنات الأيونية انتشرت في آسيا الصغرى، حيث تاخمت حدودها دول الشرق الأوسط .

وكانت جزر بحر إيجه تعد بمثابة جسر بحرى يربط آسيا بأوربا، كما أن جزيرتي قبرص وكريت كانتا أقرب الجزر الى مصر وليبيا، وتعد المعبر الجنوبي للاتصال الحضاري والتجاري بينهما .

وقد قسمت طبيعة بلاد اليونان الجبلية هذه الإقليم إلى مجموعة من الوديان والسهول المنعزلة عن بعضها مما ساعد على انتشار المدن المستقلة وقيام الحروب بينها، كما ساهمت بلاد اليونان بسبب قربها من الشرق الأوسط منبع الحضارات سواء من مصر أو الشام في أن تكون البوابة الشرقية لأوربا؛ بحيث تدفقت الحضارة إليها، وكانت جزيرة كوركيرا Korkyra  تعد البوابة الغربية لبلاد اليونان، حيث حمل التجار والمهاجرون الإغريق الحضارة إلى شبة الجزيرة الإيطالية، وهكذا استوردت بلاد اليونان حضارات الشرق وصدرتها لأوربا كلها . ونشأ في الوديان الصغيرة المنعزلة في شبه الجزيرة اليونانية نظام دويلات المدن Polis  (وجمعها Polies) وهو نظام عرفه السومريون عام 3000 ق.م، وكانوا كذلك أول من أوجد نظام مجلس الشيوخ ومجلس المحاربين؛ أي المجلس الشعبى وهو ما طبقه اليونانيون في حكمهم المسمى ديموكراسيا (أى الديمقراطية) واعتمدت كل مدينة على نفسها اقتصاديا وجاهدت لتثبيت استقلالها السياسي وحريتها .

واتجه الإغريق لفقر بلادهم إلى ركوب البحار للتجارة كوسيلة للعيش بدلاً من زراعة أرضهم الجبلية وقويت مدينة أثينا، وأصبح أسطولها عاملاً مهماً من معالم الحضارة والتجارة وارتبط اسمها بالديمقراطية الأثينية ؛ ولذلك سافر الإغريق إلى كل بلاد المنطقة حوله وعاد ببذور وأفكار حضارتها مما ساعده على تطوير حضارته .

وعن مظاهر الاتصال الثقافي بين الشرقيين واليونانيين ؛ فقد شهد كثير من المؤرخين والفلاسفة اليونانيين بفضل حضارة الشرق القديم ؛ وخاصة الحضارة المصرية، فقد أشاد الفيلسوف اليوناني " أفلاطون " بفضل الحضارة المصرية على العلم والفكر اليونانيين، وأكد أن اليونانيين إنما هم " أطفال " بالقياس إلى تلك الحضارة القديمة، وهو يصرح بهذا في محاورة " طيماوس Timios " فى حديث دار بين " سولون Solon "، وكاهن مصرى أدركته السن العالية، قال هذا الكاهن : يا سولون أنتم معشر اليونان لا تزالون أبد الدهر أطفالاً، لا وجود لشيخ يوناني، فلما سمع سولون هذا قال، ماذا تعنى بقولك هذا، فأجاب الكاهن : إن روح كل منكم شابه، إذ ليس في قلوبكم معتقد واحد قديم أو مستمد من تقليد قديم، بل ليس لديكم علم واحد عريق في القدم .

ومن ناحية أخرى فقد ذكر " أفلاطون " أن المصريين هم أول من اخترع الرياضيات فهو يقول في  محاورة فايدروس " سمعت بضواحي نواقراطس (إحدى مدن مصر وهى تقع جنوب شرق الموقع الذى أقيمت عليه مدرسة الاسكندرية فيما بعد)، أنه كان بها أحد قدماء الآلهة، يقال له " توت " وأنه هو الذى ابتدع الأعداد والهندسة والهيئة والشطرنج والنرد والكتابة .

كما أن هناك روايات تاريخية تحكى عن اتصال كبار فلاسفة اليونان وسفرهم إلى مصر وبلاد الشرق الأخرى، وإقامتهم فيها طويلاً لتلقى العلم نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

أ- قال المؤرخ اليوناني القديم (هيرودوت) فى كتابه (التاريخ العام) (فقرة 5): (جميع الشخصيات المقدسة فى اليونان تكاد تكون مأخوذة من مصر، نعم إن بحوثي الخاصة دلتني على أن هناك شخصيات مقدسة أخذتها اليونان من بلاد المتبربرة، ولكن أرى أكثر الشخصيات مأخوذة من مصر خاصة، فإنه فيما عدا " أبوزيدون، ديوسكور" اللذان أشرنا اليهما فيما مضى، وفيما عدا " هيرا وهسبتا وتميس وتبربيدا " فإن جميع الشخصيات المقدسة اليونانية موجودة في مصر" .

ثم عاد هيرودوت فأكد هذا المعنى مرة أخرى في الفقرة العاشرة قائلاً :" لقد تلقى اليونانيون من المصريين العادات التي أشرنا إليها، كما تلقوا عنهم عادات اخرى سنتكلم عنها فيما بعد .

ب- كما يقول ديودور الصقلى في الجزء الأول من كتابه " تاريخ العالم " : " جميع اليونانيين الذين اشتهروا بعلمهم وحكمتهم زاروا مصر في العصور القديمة، حتى يتعرفوا على عاداتها وينهلوا من علومها .. وأن كل الأشياء التي جلبت لهؤلاء كانت منقولة عن مصر".

ويدلل ديودور الصقلى على صدق قولة في نص آخر ؛ حيث يقول : " يؤكد الكهنة المصريون استنادا إلى كتبهم المقدسة، أنهم شاهدوا في بلادهم " أورفى"، و"مورى "، و" ميلامبيوس "، و" ديدال "،  ثم الشاعر " هرميروس"، و" ليكورج " الأسبارطى "، و"سولون الأثنى "، و"أفلاطون الفيلسوف "، ويذكر الكهنة المصريون أيضاً " فيثاغورث " من جزيرة ساموس، و" ايدوكسوس " الرياضى، و" ديمقرايطس" ابن مدينة أبادير، و" أينوبيد" ابن جزيرة صاقز.

جـ يذكر بلوتارخ في كتابه " إيزيس واوزريس " – الفقرة العاشرة :.. وهذا ما يؤكده أعظم اليونانيين المتنورين وهم سولون، وطاليس، وأفلاطون، وأيدوركس، وفيثاغورث، ويؤكد أيضاً على قول بعضهم، ليكورج نفسه . وذلك أن هؤلاء اليونانيين المتنورين كانوا قد زاروا مصر وعاشوا فيها على أوثق اتصال بكهنتها، فمن ذلك أنه يقال إن إيدوكس تلقى العلم على يد شونوفيس المفيسى Chonophis de Menphis  فى سايبس ( صا الحجر )، وأن فيثاغورث خاصة عظيم الإعجاب بالأساتذة المصريين الذين كانوا هم أيضاً يعجبون به، فحاول أن يقلد طريقتهم في كتاباتهم الرمزية وتعاليمهم السرية، فأحاط نظرياته بالألغاز، وفى الواقع أنه لا يوجد أي فارق بين النصوص الهيروغليفية المصرية والكثيرة من التعاليم الفيثاغورية.

د- يحكى لنا المؤرخ كليمان الإسكندري أن ديموقراط قال عن نفسة : لقد طفت بمعظم أرض كل ملك من الملوك في زمان باحثاً أقصى الأنحاء، ورأيت معظم الجواء والبلاد وسمعت من العلماء الكثيرين ولم يفقني أحد فيما كتبت، ولم يفقني فى بيان البراهين أحد حتى المصريون الذين يسمون" مادى الحبال" Harpedananptia  وهم الذين عشت معهم باحثاً غريبا حتى بلغت الثمانين.

هـ- يروى أريستوكسينوس التارنتى ( 2-71 ق.م ) أن الفيلسوف اليونانى "سقراط " التقى ذات يوم بحكيم هندى، وقال سأل هذا الحكيم سقراط قائلاً له :" إنك تدعو نفسك فيلسوفاً، فبماذا تشتغل فأجاب سقراط أنه يدرس الشئون البشرية ما لم يدرك الشون الإلهية أولاً ".

ويعلق العالم الأمريكي " جورج سارتون " على هذه الرواية . فيقول هذا أحد الشواهد القاطعة على بعض الاتصال الحقيقي بين فلاسفة اليونان وفلاسفة الهنود.

وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة، وهى أن الشاعر اليوناني " صوميروس " قد أورد في كتابه " الإلياذة والأوديسة" فقرات كثيرة تؤكد أن اليونانيين كانوا على اتصال بشعوب الشرق القديم، فمثلا يقول هوميروس فى كتاب " الإلياذة " هذه العبارة " .. انطلق أو ليسيز إلى " سيروس النائية "، والتي تكاد تكون منقطعة عن العالم، وقد حمل على ظهره العريض، وكاهنة القوى حقيبة كبيرة جمع فيها من كتان مصر وأصباغها، وعطورها، وحبر الشام وحريره وسموره، وتصاوير فارس وقاقمها وسنجابها (ألوان من الفرو الثمين)، ومشرقيات الهند وتحف السند، وطرف الصقلب .. ومن كل ما علا وارتفع ثمنه من أدق صناعات العالم جميعاً .. فلما كان فى حاضرة الملكة، يمم شطر قصر الملك .. وكان الوقت الصحى ضحى، ثم يصبح باللهجة السيروسية معددا أسماء السلع التى استحضرناها حديثا من مصر الجميلة المتفننة، والشام الصناع العبقري، وفارس الفتية الكروية والهند العظيمة والسند ونحن لا نبيع إلا للملوك وأبناء الملك، لأن الشعب فقير لا يقدر بضائعها، ونحن معروفون فى مصر، لا يشترى فرعون إلا منا، وفى الشام وفى فارس وفى الهند، حيث الأفيال العظام .. وأرسلت بنات الملك فأحضرت هذا التاجر المفاخر بما معه واجتمعن حوله يتفرجن ويتلهين، هذه تختار منديلاً من حرير الهند أو منطقة من خرز الشام، تلك تشترى من أصباغ مصر وعطورها وخرزها، وثالثة بتصاوير فارس فتشترى كل ما مع الرجل منها".

وهنا يتضح لنا أن اليونانيين القدماء كانوا مدينين بالكثير للسابقين من الشرقين في مجال العلم، وأنهم كانوا على أتصال فعلى وحقيقي بالشرقيين، وهذا الاتصال لم يتوقف عند تلك الرحلة، فقد طور المجتمع اليوناني ما أخذه عن مجتمعات الشرق الأدنى القديم، وزاد عليه وصاغ كل ذلك صياغة جديدة، وبخاصة خلال القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد لتكمل الدورة الحضارة بعد فتوح الإسكندر الأكبر في الشرق، حيث عاد اليونانيون من جديد يرجعون للشرق ويجوبون فارس والهند وبلاد ما بين النهرين ومصر بحثاً عن العلم عند الشرقيين .

وأكتفى في هذا الصدد بذكر مدرسة الإسكندرية التي كانت البوتقة التي انصهرت فيها كل الأجناس التي وفدت إليها ؛ بحيث انقطعت صلتها تقريبا بالمناطق التي جاءت منها، وكان سكانها يتألفون من الكهنة والعلماء المصريين الذين تمتعوا بمكانة رفيعة في نفوس الناس، وتعاونوا مع الحكام ذوى الشأن، وعدد عظيم من المواطنين المصريين وجالية كبيرة من اليهود بحكم أن فلسطين كانت جزءً من المملكة البطلمية، حتى حوالى عام 200 ق.م، وذلك فضلاً عن عدد من السوريين والعرب والهنود، وبذلك جسدت الاسكندرية بمفردها نظرية الإسكندر الأكبر في وحدة العالم التي تجمع بين الاختلافات الفكرية والعلمية والدينية في حضارة مدينة واحدة، بدلاً من النظرية اليونانية التقليدية عن المدينة الدولة، أي أن الاسكندرية لم تكن عاصمة فحسب، بل مدينة عالمية، وبذلك كانت الأولى من نوعها .

 

د. محمود محمد علي

مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4595 المصادف: 2019-04-05 01:51:53