 قضايا

انتحار الشباب

قاسم حسين صالحمهداة لمن يفكر ببناء اسيجة على جسور بغداد

من بين أكثر الموضوعات إثارة للدهشة، أن يقدم الإنسان على "نحر" نفسه! فنحن نندهش من تلك القدرة الغريبة التي تمتلك الإنسان، فتولد لديه الإصرار على أن ينهي حياته بقتلها !. والأغرب ما في هذه القدرة لحظة تنفيذ هذا الإصرار. إنها - في اجتهادي - أفضع مأساة تراجيدية تمثّل فعلاً على مسرح الحياة البشرية، يكون فيها "البطل" هو القاتل والقتيل معاً!. ونتساءل: لماذا يقتل الإنسان نفسه؟ هل يكفي أن يفقد الإنسان الأمل في الحياة ليغادر هذه الحياة؟ وهل إذا حلّت به آلام "فرتر" أو "سيزيف " أو "روميو" أو "جوليت" فأنه لا خلاص له منها إلا بقتل النفس؟!

وحتى لو حسبنا الحياة على ما يرى أبن الرومي حين قال:

(فلا تحسب الدنيا إذا ما سكنتها       قراراً فما دنياك غير طريق)

أو ليس من الأجدى أن نسير في هذا الطريق على مهل لا أن ننطلق إلى نهايته مثل رصاصة ؟!

الانتحار .. قديماً وحديثاً:

يرتبط الانتحار بالموت، وللمجتمعات والمدنيات القديمة فلسفاتها في الموت. فالفيثاغورسية تؤمن بالتناسخ والخلود،  حتى أن فيثاغورس نفسه ادعى في زمانه بأنه متجسد حينذاك للمرة الخامسة ! والبوذية تعتقد بان المثل الأسمى الذي يمكن أن يصبو أليه الفرد هو الوصول إلى حالة " النرفانا " أو " العدم العام " أي فناء الذات واتصالها بعالم الحقيقة. فالوجود شرّ على الإنسان.فيما ينظر البابليون إلى الموت على انه مخيف. ولم يبدو على السومريين والاكديين انهم فكروا بأن الموتى يحيون، بل يبقون موتى إلا الحكّام فهم الذين يعيشون حياة أخرى، ولذلك يدفن معهم مرافقوهم وزوجاتهم وحاشيتهم وحرسهم وعدتهم.

وقد حرّمت الأديان  قتل النفس، وإن تباينت في توكيد التحريم. فالمسيحية أصدرت قرارات بتحريم الانتحار عام (639م)، وقبلها وبعدها جاء في بعض موادها : " إن الانتحار جريمة وخطيئة "، فيما يعدّ الدين الإسلامي اشدّها توكيداً بتحريم قتل النفس، بآيات قرآنية صريحة بذلك : " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً " سورة النساء (86).وعن جابر بن سمرة قال: اخبرني النبي (ص) برجل قتل نفسه فقال: " لا اصلّي عليه " (أخرجه أبو داود 81)، ما يعني أن المنتحر، من وجهة نظر الإسلام، جزاؤه النار ولا عذر له مهما كانت مبرراته. والمفارقة العراقية أن حالات الأنتحار تضاعفت في زمن حكم أحزاب الأسلام السياسي فيما يفترض حصول العكس!

وسيكولوجيا، هنالك اربعة منظورات تختلف في تشخيص أسباب الانتحارهي:التحليل النفسي، السلوكي، الأجتماعي الحضاري، والوجودي، وفلسفات حديثة (الوجودية بشكل خاص) ناقشت مسائل أساسية في معنى الوجود والحرية والالتزام والحياة والموت في الوقت المناسب!..لا مجال لذكرها.

الانتحار..عالميا و..عراقيا:

- هناك ما بين 800 ألف إلى مليون شخص ينتحرون كل عام، أي بمعدل شخص كل 40 ثانية، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.

- يعدّ الإنتحار ثاني أهم سبب للوفاة بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما على الصعيد العالمي عام 2015.

- تستأثر البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بنحو 78% من حالات الإنتحار في العالم.

- معدلات الإنتحار أعلى في الرجال عنه في النساء،  بمقدار ثلاث الر أربع مرات.

- وفقا لمنظمة الصحة العالمية لقائمة الدول حسب نسب الانتحار، احتلت اليابان الترتيب التاسع (36%ذكور، 13%اناث لعام 2004).وسويسرا- افضل دول العالم لعام 2018، الترتيب 22(24%ذكور، 11%اناث لعام 2004).وجاءت الكويت بالترتيب (89)، سوريا(98)، مصر (100) ولم يرد اسم العراق(ويكيبديا).

الأنتحار .. عراقيا.. شواهد:

- شهد المجتمع العراقي ارتفاعاً بنسب الانتحار، خصوصاً بين الشباب والمراهقين (الحياة،  كانون الثاني 2016)

- حصلت وزارة حقوق الإنسان على معلومات مؤكدة بزيادة حالات الانتحار بمحافظة كربلاء غالبيتها من الشباب والفتيات، وسجّل أحد الباحثين في دراسة  لمدة 11 شهراً أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار، (الناطق باسم وزارة حقوق الانسان ).

- كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار أن حصيلة حالات الانتحار المسجلة لدى الشرطة منذ مطلع العام 2013 ولنهاية آيار بلغت 17 حالة لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن  25 سنة (السومرية نيوز، ايار 2013)

- نشرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في مارس/آذار 2014،  إحصائية، كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار، في مقدمتها ذي قار بـ(199) حالة في2013 (القدس العربي).وفي تصريح أحدث للقضاء العراقي:تصدرت بغداد وكربلاء وذي قار حالات الانتحار للعام(2016) بواقع 22، 23، 38 حالة على التوالي(الحرة عراق، 5/7/2017).

- اثارتزايد حالات الانتحار بين الشباب والفتيات بمحافظة ذي قار المزيد من القلق بين الأوساط الشعبية، داعين الجهات المعنية التدخل لمعالجة أسباب ودوافع الانتحار والحد من هذه الظاهرة الآخذة بالتزايد) المدى ).

- حالة من القلق والخوف تشوب الشارع الشعبي البصري بعد تزايد حالات الإنتحار في المحافظة ووصولها درجات مقلقة تقترب من الظاهرة(غوغل).

- اعلنت مفوضية حقوق الانسان ان عدد حالات الانتحار في الربع الاول من عام 2019 بلغ 132 حالة ( RT).

دوافع الأنتحار

في قراءتنا للادبيات والتحقيقات الصحفية، تتلخص اسبابه بثلاثة:

- البطالة في قطاع الشباب،

- تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية،

- عادات وتقاليد اجتماعية متخلفة.

تلك هي الاسباب التقليدية للانتحار، والذي حصل بعد التغيير، تزايد شدة وحدة الاسباب التقليدية هذه، اذ اشارت التقارير الى ان نسبة البطالة بمحافظة ذي قار بلغت (34%)، فيما تعدى عدد من هم دون مستوى خط الفقر سبعة ملايين عراقي، وزاد عليها ظهور أسباب عراقية جديدةّ! للأنتحار نوجزها بالآتي:

- توالي الخيبات. صبر العراقي خمس سنوات بعد (2003) ثم خمسا، ثم خمسا..ولأن للصبر حدود، وقدرة على التحمل، فان البعض من الذين نفد صبرهم عمد الى الانتحار بوصفه الحل الأخير لمشكلته.

- الشعور بالحيف والندم.تجري لدى بعض الشباب مقارنة بين شخصه وقدراته وقيمه وبين آخرين يحتلون مناصب بمؤسسات الدولة يقلّون عنه خبرة وكفاءة وقيما، مصحوبا بشعور الندم على اضاعة الفرصة..فيعاقب نفسه بقتلها.

- الاكتئاب واليأس والوصول الى حالة العجز. حين يجد الفرد أن الواقع لا يقدم له حلّا لمشكلته، ويصل مرحلة اليأس والعجز، فانه يلجأ لانهاء حياته.وهنالك اكثر من حادثة بينها انتحار ست نساء في النجف قبل سبعة أعوام جاءت بسبب وضع اطفالهن الصعب، ولأنهن لم يستطعن اعالتهم فإنهن اخترن الانتحار بشكل جماعي.

- فشل السلطة واستفرادها بالثروة. تعرّف السياسة بأنها فن ادارة شؤون الناس، وما حصل في العراق ان الطبقة السياسية عزلت نفسها مكانيا ونفسيا في عشرة كيلومتر مربع لتعيش حياة مرفهة وتركت الناس يعيشون حياة الجحيم، ولم تستجب لمطالبهم وتظاهراتهم من شباط (2011) والى الآن.

- اشاعة الأحباط.يعمد الأعلام ووسائل الاتصال الاجتماعي الى اشاعة الاحباط، بمواصلة العدّ التنازلي للأمل، لاسيما في تغريدات عبر الفيسبوك من قبيل:

- شعب سلبي رافض لكل فعل باتجاه خلاصه.

- تغيير الحال بالعراق..حلم ابليس بالجنة.

- مع ان اغلب الفاسدين يعترفون بانهم سرقوا الشعب..فانه سيعيد انتخابهم.

وبتزامن هذه الأفكار (القاتلة) مع مشاهد القتل اليومي والفواجع، فان الانتحار يكون نهاية محسومة لدى من تصل لديه الحال..درجة الصفر.

وهنالك أسباب أخرى لا نريد الأستطراد بها.

جمهور الفيسبوك

كنت استطلعت رأيهم عبر هذه الأصبوحة:

(مجلس محافظة بغداد يأمر ببناء أسيجة للجسور لمنع الشباب من الانتحار.بم تصف من "أبدع هذا الأبتكار"، ومن أوصل الشباب لهذا القرار- 22 نيسان 2019).

بلغ عدد من اطلع على هذا المنشور (3765) وعدد التعليقات(102) معظمها تسخر من هذا الأجراء بالطريقة العراقية!، اخترنا ما يمثل رأي أكاديميين ومثقفين:

- عندما يوكل الأمر لغير أهله فلا تعجب من القرارات.ومع ان هذا القرار في العاصمة وهي تضم آلاف من اصحاب الأختصاص، فكان يفترض بمجلس المحافظة التشاور معهم لأيجاد حلول جذرية وليست ترقيعية(د.آسو)

- هذا هو ما يسمى بذر الرماد في العيون، ويذكرني بمقولة لعادل امام:اذا تبرعت للفقراء قالوا عنك انسان خير ومؤمن، ولكن اذا سألت عن سبب الفقر قالوا عنك كافر وشيوعي (عبد العزيز ججو-السويد).

- الاهتمام بالقشور نتيجة منطقية للسطحية وانعدام الكفاءة وعدم الاستعانة بالمختصين (باسل الخطيب).

- هذا هو الغباء بعينه.فبدلا من معالجة المشكلة التي اوصلت الشباب لهذا الحال،  يريدون تكبيل بغداد بقيود أخرى (قحطان جاسم جواد).

- لا تحولوا جسورنا الى اقفاص.اجراؤكم هذا لن يقلل من حالات الأنتحار(ناشطون)

- كل منتحر يقفز من الجسر يريد ايصال رسالة احتجاج لسلطة الفساد الحاكمة على ظلمها وتحطيم مستقبل شبابنا وانهيار معظم المعايير الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع السليم (علاء الخزرجي)

- طبعا  ابتكار جديد ويستحقون عليه براءة اختراع لأنه  تفنن جديد بعقود سترسي على المتعهدين والمقاولين التابعين لأحزابهم (طاهر البطوطي).

- لقد اكتشف رئيس مجلس محافظة بغداد سرّا خطيرا لم تعرفه الانسانيه على مر العصور حين توصل الى ان طريقة الانتحار تتم بواسطة الجسور ووجد العلاج المناسب. شكرا مجلس محافظة بغداد على هذا الانجاز العظيم (فؤاد بندر).

- شرّ البلية ما يضحك!(غسان الرشيد)

نكتفي بذلك ..ونختتم بتوجيه اقتراح الى الحكومة العراقية والبرلمان ومجلس محافظة بغداد نلخصه بالآتي:

توحيد جهود المؤسسات المعنية بالصحة النفسية، والجمعية العراقية للبحوث والدراسات الطبية في البصرة، وجمعية الأطباء النفسيين العراقيين، والجمعية النفسية العراقية، بوضع خطة علمية تستهدف الحد من ظاهرة الانتحار في العراق.ودعوة اقسام علم النفس والارشاد التربوي والنفسي وعلم الاجتماع في الجامعات العراقية الى التنسيق فيما بينها للتعامل مع ظاهرة الانتحار في الاوساط الجامعية بشكل خاص.وعقد ندوة تدعو الكتّاب والمثقفين ووسائل الأعلام الى التوقف عن اشاعة ثقافة التيئيس، ونشر الثقافة التي تشيع التفاؤل والتعلّق بالحياة، وتقديم برامج تخصصية تستهدف حل المشكلات برؤية سيكولوجية وكيفية التعامل مع الضغوط النفسية على غرار البرنامج الدرامي (حذار من اليأس) الذي كنّا نقدمه من اذاعة بغداد على مدى سبع عشرة سنة وما يزال العراقيون يتذكرونه.

مع وافر التقدير والأحترام لمن يستمع النصيحة ويأخذ بها.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4616 المصادف: 2019-04-26 02:29:17