 قضايا

هيكل سليمان في القدس بين التلفيق والتصديق (3)

علي ثوينيالهيكل والنسيج العمراني للقدس: تشير المصادر التوراتية الى موقع الهيكل وتصف بإسهاب القدس القديمة، وجبل صهيون، وجبل الهيكل، وعين جيحون، ورابية أوفل، وجميعها متلازمة وناعتة لمكان الهيكل. ويقع كل ذلك على الطرف الجنوبي للتلال الجنوبية الشرقية من جبال القدس. وقبل القدس وعهد داود، قامت في نفس المكان حول العين مدينتا (مجدل ابيداس) و (يبوس) الكنعانيتان، والغرض منهما الحصول على الماء، الذي أشيد على تخومه الهيكل. وتؤكد (المزامير) أن الهيكل لا بد أن يزود بمياه النبع في حبكته التصميمية والوظيفية، لأن النبع يعد (ماء الخلاص)، ويوظف لأغراض العماد وتتويج الملوك.. الخ. فكان هنا على عين جيحون، واسم هذه العين جاء نعتا عن كيفية تدفق الماء منها. ووردت شهادة من (اريستيساس) و (تاسيتوس) بأن لهيكل القدس نبعاً لا ينضب، وصار بديهيا أن عين جيحون هي النبع الوحيد في القدس كما تؤكد الكتابات المقدسة. أما منطقة (الحرم الشريف) فأنها تقع على (جبل المريا)، ولا توجد به أية ينابيع سابقاً أم لاحقا (24).

ويجدر الإشارة الى أن موقع الحرم القدسي، كان خالياً في تلك الحقب، وهو أعلى تضاريسيا من موقع القدس القديمة، ولم يكن صالحاً لإقامة مدينة وأسواق ومعبد لانعدام ماءه. وكان الأجدى بإنشاء الهيكل في الموقع الاوطأ الأكثر خصبا وخضرة، والمتواشج مع خطة المدينة ونسيجها العمراني. وهو يقع إلى الجنوب الشرقي من موقع الحرم بما لا يقل عن 350م. ويؤكد ذلك الأمر (هيكاتيوس ابديرا) في زمن معاصر لعهد الإسكندر اليوناني، ويؤكد أن الهيكل كان في وسط المدينة. وجاء مثل هذا التأكيد: (في ديار الرب مقابل شعبه في وسطك يا أورشليم) (25). وفي وصف موقعه دلائل حيث ورد في الكـــتابات المقدســة أنه بنى على (أرض البيدر)، والبيدر لايكون على صخرة ناتئة أو سفح جبل مائل، والأجدى والأقرب للصواب أنه كان على أرص مسطحة. كل ذلك يوحى بان الهيكل وجبل صهيون والقدس القديمة كانت على المرتفعات الجنوبية الشرقية للقدس، وكانت هي موضع بناء الهيكل، وليس (جبل المريا).

وفي العهد الروماني، بنا الحاكم هيرودس، على ذلك الجبل قلعة في الشمال الغربي من القدس لتكون مقراً للفيلق الروماني العاشر، سميت (قلعة انطونيا). ولعدم وجود مصدر مائي فيها، بُني عام 37 م حوض تجمع فيها مياه الأمطار تكفي لحاجات الحامية. وقد صمدت هذه القلعة أمام الحروب الرومانية اليهودية، وأمام الزمان، وبقيت حتى أيامنا هذه وهي في حقيقتها منصة الحرم الشريف. وقد استعرض (يوسيفوس) وضع الهيكل في عز عظمته بأطواله وأبعاده وحجمه، وخلص إلى انه لو كان موضعه فوق الصخرة المعراجية لبدا كناطحة سحاب ذات أربعين طابقاً. أما لو وضع في موضعه الصحيح "جيحون واوفل والتلال الجنوبية الشرقية والقدس القديمة"، لاستقامت له أمور التطاول وبدا متجانسا بصريا.

وثمة أوصاف للموقع وردت في مدونات الحجاج المسيحيين الذين زاروا الموقع على امتداد الحقب، ولاسيما قبيل الفتح الإسلامي. ونجد من تلك المدونات ما ورد (عام 333م) كتبها (حاج بوردو) أنه رأى في القدس آثار هيكل قائم مع مبان متراصة، كان قد بناها اليهود حديثا في عهد قسطنطين. ويذكر التاريخ إنهم حاولوا إعادة بنائه لمرة أخرى في عهد جوليان (الحاجد) عام (363م)على التلال الجنوبية الشرقية للقدس، في موقعه الصحيح. وفي عهد جوستنيان (القرن السادس الميلادي). ثم نجد شهادة أخرى لـ (حاج بياسينزا)، عن (كنيسة الحكمة المقدسة)، التي بنتها القديسة هيلانة آم الملك قسطنطين ملكة بيزنطه في بواكيرالقرن الرابع الميلادي، في مقر الحـــرس الأمبراطورى (قلعه انطو نيا)السابق لبيلاطس على الصخرة المعراجية تحديدا (26).

وفي العصور الإسلامية كان الخليفة الراشد عمر (رض) قد رفض الصلاة في كنيسة القيامة عندما دخل القدس عام 636 م، تحاشيا لأن يؤموه المسلمين بعده، وهو ما يؤكد ممارسة نفس الخشية في موقع الأقصى والصخرة كونها لم تكن مأهولة ولا تحوي أي أثر ظاهر أو باطن لبناء سليمان، والتي أمر ببناء المسجد عليها. ونجد حادث فحواه أن قدم للخليفة الراشد عمر جماعة من يهود طبريا، وطلبوا إذنه في أن يحضروا للإقامة قرب خرائب هيكلهم (في الجنوب الشرقي لتلال القدس)، فإذن لـ72 عائلة، فحضروا ومكثوا، وأمسى ربعا تابعا لنسيج المدينة العمراني. وهنا نشير الى أن الأثاري "مازار" اكتشف مستوطنة كبيرة للأمويين جنوبي موقع الحرم الشريف (27).

وثمة معلومة أوردها المسعودي (346 ه‍ 957 م) جاء فيها: (وابتدأ سليمان ببنيان بيت المقدس، وهو المسجد الأقصى الذي بارك اللّه عزوجل حَوْلَه، فلما استتم بناءه بنى لنفسه بيتاً، وهو الموضع الذي يسمى في وقتنا هذا كنيسة القيأمة، وهي الكنيسة العظمى ببيت المقدس عند النصارى، ولهم كنائس غيرها معظمة ببيت المقدس، منها كنيسة صَهْيُون، وقد ذكرها داود عليه السلام، والكنيسة المعروفة بالجسمانية ويزعمون أن فيها قبر داود عليه السلام) (28). وهكذا نجد أن أخبار "الهيكل" لم يعد لها يقين قاطع في القرن العاشر الميلادي ونجد أن المسعودي يذكر موضع آخر بأن اليهود السامريين في وقته (332هـ) الذين مكث منهم نفر في الرملة وطبرية، أعتبروا أن مدينة نابلس هي (بيت المقدس) كونها مدينة النبي يعقوب (29) وفيها مرعاه ومعالمه. ويمكن رصد أن حركة التمصير الإسلامي مكثت أمينة على البنية الأساسية لمدينة القدس، ولم يحرف بها كثيرا، كما كان قد عوملت به كل المدن المفتوحة، والتي تحتفظ بأرث قديم، على مبدأ احترام (الثابت الثقافي) ولاسيما ما يخص العمارة للشعوب المفتوحة.                 

 بيد أننا نجد في أخبار عام 1033م، أن زلزالا كبير دمر الجدر واخرج عين جيحون خارج الأسوار وجعل البلد عرضة لغزوات قبائل عديدة. وبدءاً من ذلك العام، وحتى عام 1077م، دب الخراب في عين جيحون، وأصبحت آسنة، ولم تعد تجذب السكان لجوارها، ورحل اليهود المتبقين الى دمشق. لكن حدث بعد (22)سنه أن أحتل الصليبيون فلسطين، ومنعوا اليهود خلال الخمسين عام من دخول القدس، أي حتى منتصف القرن الثاني عشر.

وإبان تلك الحقبة حدثت المغالطة التاريخية وانطلت على اليهود، مثلما انطلت على كثير من المؤرخين الغربيين. حيث أطلق الصليبيون على الحرم الذي استعملوه كأصطبل ردحا، اسم (سولومونوس تمبلم Templum Salomonis)اللاتيني، أي معبد سليمان،. وتلقفتها الأفواه والأجيال، وأمست من أقانيم اليهود، كما الكثير منها التي لاتمت للحقيقة بصلة. وقد زار القدس تاجر يهودي عام 1165 م يدعي (بنيامين توديلا)، ودون في عرض رحلته ما كان يقال من أن مكان الهيكل هو الحرم، وأضاف انه سمع عن اكتشاف مقابر ملوك يهودا وقبر داود على التلال الجنوبية الغربية قبل وصوله بـ15عاماً (30).

بيد أن هذه الروايات وجدت معارضة واضحة من موسى بن ميمون فيلسوف الأندلس الذي تشرب بروح إسلامية، وأعلن (عام 1160 م) حينما زارها، بان هيكل القدس مازال خربا تماماً وخاليا، في حين كان الحرم الشريف عامر، بل أكثر مناطق البلد عمرانا. وشارك في هذا اليقين (الربي ديفيد كمحي)، الحجة اليهودي البارز، الذي ظهر عام (1235 م)، بعد موسى بن ميمون وأعلن : (إن الهيكل ما زال خربا ًوانه لم تقم أية ابنيه مسيحية أو إسلامية في الموقع الذي كانت تقوم عليه الهياكل). وهذا يؤكد أن لم يقم أي بناء مكان الهيكل في فترة ستمائة عام، أي فترة الحكم الإسلامي والصليبي على فلسطين. وظهرت الحقيقة ثانية بعد ستة قرون، اثر الدراسات القيمة التي قام بها الإنكليزي (و. برش)، بين أعوام (1875-1885)، حيث حسمت مقالاته حينئذ الجدل الدائر بشأن موضع القدس القديمة وجبل صهيون والهيكل، وأكد أن ذلك كله على التلال الجنوبية الشرقية.

ويقول بهذا الصدد جوناثان طاب رئيس قسم آثار الشرق الأدنى في المتحف البريطاني : (ان البقايا الأثرية التي تنسب عادة إلى سليمان، عبارة عن (مجموعة من البنايات الأثرية، بنايات عامة أو قصور في مجدّو، أبرزها أربع بوابات ضخمة مدعمة تتبعها أسوار محصنة للمدينة، عثر عليها في مجدّو وحازورة وجيزر. ولمجرد أن هذه الآثار حدّد لها تاريخ في القرن العاشر، اعتبرت كما لو كانت شاهداً على برنامج سليمان الواسع في البناء.. وعندما تمت أعمال الكشف في تل جزريل الذي قامت به جامعة تل أبيب والمدرسة البريطانية لعلم الآثار في القدس في تسعينات القرن العشرين، أخرج هذا الموقع الذي شيدته عائلة عمري خلال القرن التاسع عشر.. فخاراً مماثلاً للفخار الذي عثر عليه في المستويات السليمانية في مجدّو وحازورة.. مما أدى في السنوات الأخيرة، إلى إعادة فحص ما يسمى بالمعمار السليماني). ويقول توماس تومسون استاذ دراسات العهد القديم بجامعة كوبنهاغن الدنماركية، ان الاعتقاد الذي كان سائداً حتى القرن التاسع عشر، ذهب إلى اعتبار أن القصص التوراتية تمثل أحداثاً تاريخية حقيقية، ثم تغير الآن، بعدما أظهرت نتائج الاكتشافات الأثرية عدم وجود أي أدلة تؤيد ما جاء في هذه القصص من أحداث وتواريخ «فليس هناك دليل من الآثار على وجود مملكة إسرائيلية متحدة أيام شاؤول وداود وسليمان، كما لم ترد أية إشارة لهؤلاء الملوك في المصادر التاريخية». ويعتقد تومسون أن «قصص التوراة تضمنت أحداثاً تاريخية قديمة لشعوب وممالك أخرى في الشرق الأوسط، وجرى اقتباس تلك التواريخ لتكون جزءاً من تاريخ مملكة بني إسرائيل). بل انه يذهب إلى أن دولة يهودا التوراتية لم تظهر إلا منذ القرن الخامس قبل الميلاد، في زمن الحكم الفارسي، ولم يكن لهذه الدولة أية علاقة بدولة إسرائيل التي قامت حول السامرة قبل ذلك بأربعة قرون ودمرها الآشوريون عام 722 ق. م، ونقلوا سكانها إلى مناطق أخرى، وأحلوا أقواماً عربية مكانهم (31).

 ونذكر هنا ما يحاكي نفس الأحداث في تاريخ مصر أيام الملك أمنحتب الثالث والد اخناتون قبل ذلك بأربعة قرون. ويبدو أن كتبة الرواية التوراتية استعاروا بعض القصص المتعلقة بالإمبراطورية المصرية بين النيل والفرات "قبل عصر سليمان بخمسة قرون" ونسبوها إلى ملكهم، مثلما أقتبسوا الكثير من قصص الرافدين وضموها للتوراة، كما قصة الطوفان من ملحمة كلكامش و (أوتونابشتم) الذي يقابل نوح، وكذلك قصة موسى المحاكية لقصة سركون الأكدي.

وفي سياق المحاكاة مع الأصل المصري لقصة (النيل والفرات)، فقد سيطر أمنحتب الثالث على معظم أجزاء العالم المعروف في زمانه، وامتدت حدوده شمالاً عبر نهر الفرات، وجنوباً عند شلال النيل الرابع وسط السودان، رغم أنه لم يخض معركة حربية واحدة في حياته، لأن أجداده من ملوك الأسرة الثامنة عشر أسسوا تلك الامبراطورية. وعندما توفي تحتمس الرابع، والد أمنحتب الثالث، كانت الأمور قد استقرت للملك الصغير الذي تولى الحكم وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، فلجأ إلى الديبلوماسية في علاقاته مع ملوك الامبراطورية. وعمد أمنحتب الثالث إلى الزواج من أميرات ممالك الامبراطورية وتبادل الهدايا مع الملوك مثلما هي قصة سليمان تماما. وأستخدم أمنحتب الثالث، الثراء والذهب الوارد من أفريقا في البناء والمعمار سواء في مصر أو في بلاد سورية وكنعان، حيث شيد المعابد والقصور والمدن المحصنة، وكان لوجود عدد كبير من أسرى الحروب في ذلك الزمان أثر فعال في ازدياد القوى العاملة التي استخدمت في أعمال قطع الحجارة والبناء.

 

د. علي ثويني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4620 المصادف: 2019-04-30 02:26:53