 قضايا

مفهوم الوطن عند حسن البنا (2)

محمود محمد علينعود هنا لنعرض الجزء الثاني من مقالنا عن مفهوم الوطن عند حسن البنا، حيث نقول بالإشارة لما ورد في رسائل حسن البنا، هناك رسالة بعنوان "غاية وطنيتنا"، حيث يقول:" هذه واحدة . والثانية أن الوطنيين فقط، جل ما يقصدون إليه تخليص بلادهم، فإذا ما عملوا لتقويتها بعد ذلك اهتموا بالنواحي المادية كما تفعل أوربا الآن، أما نحن فنعتقد أن المسلم في عنقه أمانة عليه أن يبذل نفسه ودمه وماله في سبيل أدائها تلك هداية البشر بنور الإسلام، ورفع علمه خفاقاً في كل ربوع الأرض، لا يبغي بذلك مالاً ولا جاهاً وسلطاننا على أحد ولا استعبادا لشعب، وإنما يبغي وجه الله وحده وإسعاد العالم بدينه وإعلاء كلمته، وذلك ما حدا بالسلف الصالحين رضوان الله عليهم إلى هذه الفتوح القدسية التي أدهشت الدنيا وأربت على كل ما عرف التاريخ من سرعة وعدل ونبل وفض . "

في هذا النص نجد أن حسن البنا  (يتهم) الوطنيين، بأنهم سيخلصون البلاد، ويعملون على تقويتها، وسيهتمون بالنواحي المادية، ولا نعرف ماذا يقصد بالنواحي المادية: هل تطوير المجتمع وبناء الصناعة والمدارس والمستشفيات ...الخ لتصبح الدولة متطورة كالدول الاوربية أم ماذا ؟!

علاوة علي أن حسن البنا يري من خلال النص السابق بأن الانسان عنده ليس مواطنا يعمل ويبني أسرته وبلده، بل (حسب قوله )" أن يبذل نفسه ودمه وماله في سبيل أدائها، تلك هداية البشر بنور الإسلام "؛  أي يصبح مجاهداً في أصقاع الأرض،  وهذا فعلاً ما رأيناه في السنة التي قضاها الإخوان المسلمون (من خلال حكم الرئيس مرسي في عام 2012 )، حيث تم زرع مجموعة من الجهاديين في سوريا، وفي سيناء، وربما في أماكن أخرى ليس لمحاربة مغتصبو أولى القبلتين في الإسلام وثالث الحرمين الشريفين، بل لمقاتلة غيرهم من المسلمين ؛ وهو ما عبر عنه "حسن البنا" نفسه بغرس "مبدأ البراء" ؛ حيث يذكر في رسائله- رسالة " موقفنا من الدعوات المختلفة"، حيث يقول:"  وموقفنا من الدعوات المختلفة التي طغت في هذا العصر، ففرقت القلوب، وبلبلت الأفكار أن نزنها بميزان دعوتنا، فما وافقها فمرحبا به، وما خالفها فنحن براء منه، ونحن مؤمنون بأن دعوتنا عامة محيطه لا تغادر جزءً صالحاً من أية دعوة إلا ألمت به وأشارت إليه  ".

وهنا نلاحظ من كلام البنا أن من يوافق دعوته هو براء منه، وهذا غيض من فيض من أفكار هذه الفئة الضالة والمضللة، وبهذه الافكار لن ينتجوا بناة دولة حديثة، وجل ما سينتجونه مجاهدون ليس للجهاد الحقيقي ضد أعداء الإسلام؛ بل جهاد من لم يتبع عقيدتهم، وبالتالي فمن ضمن هذه المفاهيم لن يستطيع الإخوان المسلمون بناء دولة مبنية على المواطنة، لأنهم لا يعترفون بالدولة ولا يعترفون بالمواطنة. إذن من سيحكمون؟ وماذا يحكمون؟ ولماذا ينشؤون تنظيماً سياسياً ؟ هم أنفسهم لا يعرفون ذلك!. ولكن هناك من يعرف!

إن هذه الحقائق وغيرها، تؤكد لكل منصف، أن حقوق الوطن عند الإخوان المسلمين مهدرة، لأن الوطن في حد ذاته، لا قيمة له عندهم، ولذلك لا نتعجب بعد ذلك من «نقص المناعة الوطنية» عند قيادة جماعة الإخوان المسلمين، ولا نتعجب حين نسمع عن اتهامات بتخابر مع الولايات المتحدة الأمريكية، وارتباطات أمنية ومالية مع تركيا وقطر، ولا نتعجب من التزام الرئيس "محمد مرسي" حين تعهد لحركة حماس بإعطائهم 60 كيلو متراً كمرحلة أولى لتوطين الفلسطينيين فى سيناء فى نظام مشروع توسيع نطاق مدينة غزة لمساحة ألف كيلومتر داخل أراضي سيناء المصرية .

وهنا في هذا المقال أبعث برسالتي لجماعة الإخوان المسلمين، ومعهم جماعات الإسلام السياسي في العالم شرقه وغربه فأقول لهم اسمعوا مني: إن الوطنية لاتباع ولا تشتري فهي متأصلة في النفس من الداخل، وهي شعور يخرجه الأنسان . إن الوطنية هو أن يكون لديك تضحية لوطنك وانتماء له، وهذه التضحية تكون تضحية بالدم والروح والفكر والثقافة ؛ وذلك من خلال أن تكون بلدك ودولتك مستواها يصل إلي أبعد حدود التقدم والرقي، بحيث تمثل الدرة المكنونة وسط الدول الموجودة والنجمة التي تضيئ للكل .

الوطنية ليس تخريب وتكسير وهدم وحرق، وإنما هي الاحساس بمشاكل المواطنين واحساس بالشعور الذي يشعر به المواطن البسيط، حيث إن من أبسط حقوقه أن نجعله يعيش بكرامة وعزة وبمقدرة علي الانفاق في شتي الأمور الخاصة كلها . لذلك يجب أن نحظي بقدر كبير من الاحترام لأنفسنا لأننا عرب وأن العرب يجب أن يشعروا بالفخر وبالعزة وبالكرامة، وذلك لأن الدول العربية بدأت إلي حد كبير تسترد قوتها وكرامتها وعزتها.

إن حب الوطن يفرض علينا معرفة تاريخ بلادنا كي نستخلص العبر من سير العظماء، وأن نتعلم الوفاء والعطاء والتضحية والتعاون، وأن نتعرف علي أرض بلادنا وثرواتها الطبيعية، من خلال معرفة المعالم السياحية في بلادنا، فهناك شخصيات عظيمة أدت خدمات جليلة للوطن، وأن هذه الشخصيات ترد بعض أفضال الوطن لأنهم شربوا من ماءها وعاشوا في كنفها ووجدوا فيها السكينة والأمان .

وإذا سألتموني سؤالاً: هل تحب وطنك ؟ والإجابة بكل تأكيد نعم أحب وطني، لأن وطني هو بيتي وشارعي وأهلي وجيراني، وكل مكان في الوطن ملك لي من آثار ومدارس ومستشفيات ووسائل مواصلات وغيرها كثير، ولذلك كان الوجب علي أن أحافظ علي ممتلكات الوطن وأضحي بروحي ونفسي من أجل الوطن والمواظبة والإصرار علي العمل الجاد .

إن الوطن هو المكان الذي أنتمي إليه وأعيش علي أرضه وتحت سمائه، فحق علي أن أحافظ علي وطني الذي شربت من ماءه، وعشت في كنفه، ووجدت فيه السكينة والأمان . إن حب الوطن غريزة مغروسة في النفوس وفطرة جُبلت عليها وما من إنسان مخلص إلا وهو يعتز بوطنه لأنه مهد صباه، ومدرج خطاه، ومرتع طفولته، وملجأ كهولته، ومنبع ذكرياته، وموطن آبائه وأجداده، ومأوي أبناءه وأحفاده.

فالحيوانات نفسها لا ترضي بغير وطنها بديلاً ومن أجله تضحي بكل غالي ونفيس، فالطيور تعيش في أماكنها وأوكارها لا ترضي بها بديلاً ولو وضع تحتها الحرير. وأنظر إلي الأسماك تجدها أحيانا تقطع آلاف الأميال لتعود إلي أماكنها وإلي مواقعها الأولي، بل إن بعض المخلوقات إذا تم نقلها عن موطنها الأصلي فإنها تموت، فالكل إذن يحب وطنه، والجميع يحن إلي الصبا ومراتع الشباب ولو كانت بلاده قد ينقصها شئ من حسن الطبيعة وجمال المغاني إلا أن الحب قد تعلق بهذه الأرض وبتلك الديار، ولقد صدق قول القائل:- بلادي وإن جارت علي عزيزة.. وأهلها وإن ضنو علي كرام.

وأعلموا أن مفارقة الوطن قطعة من العزيز لا يعرف هذا إلا من جربه، فحين يسافر المرء عن وطنه وعن أهله وأحبابه وأبنائه، ولو أوتي الدنيا كلها يبقي حنينه وشوقه إلي بلاده وأهله، ولذلك كان النبي صلي الله عليه وسلم شديد الشوق إلي مكة حسن غادرها إلي المدينة بعد أن أذن الله له في الهجرة وكان حبة صلي الله عليه وسلم لمكة بادياً طافحاً يعلمه كل من حوله .

وقد قال أهل الأدب إذا أردت أن تعرف الرجل فأنظر كيف تحننه إلي أوطانه وتشوقه إلي إخوانه وبكاءه علي ما مضي من زمانه، وهذا يوضح لنا بجلاء ويبين لنا أن الوطن وحب الوطن قضية لا نزاع فيها، وأنها فطرة فطر الله عليها، وشئ مغروس في داخل النفوس، وهذا يعني أن للوطن حقوق عظيمة يجب علينا أن نتعرف عليها حتي ندرك كيف يمكن لنا أن نحافظ علي الوطن وعلي ممتلكات الوطن .

إن هناك لصوصاً يتاجرون باسم الوطن نعرفهم في لحن القول يتشدقون بحب الوطن وهم يطعنون الوطن في خاصرته، هؤلاء يضربون ثوابت الدين ويستهزءون بقيم الإسلام ويحاولون أن يدمروا البلاد ويرجعوها إلي ما كانت عليه قبل الإسلام - الجاهلية الجهلاء التي لا تراعي ذمة ولا تحفظ عرضاً ولا تقوم بأمر الله كما يريد الله.

ينبغي للمواطنين القاطنين الذين يستظلون بنعمة الوطن وأمنه الوارف أن ينظروا إلي الآخر الذي افتقد هذه النعمة، وذلك بأن يعظموا هذه النعمة في نظرهم بالنظر إلي اللاجئين، وإلي المشردين، وإلي الغرباء، وإلي البعداء عن أوطانهم، والنظر إلي الفلسطيني الذي لا يستطيع أن يتحصل علي جنسية بلد ما وإلي الصومالي الذي زرع الأرض زرعاً، وإلي السوري الذي يهتف بأبيات نزار قباني من قاهرة المعز، وعمان الأردن، وجبال الأناضول، وتخوم بني غازي، وصنعاء اليمن، يهتف بما هتف به نزار سابقا: احتَضنّي .. ولا تناقش جنوني .. ذروة العقل يا حبيبي الجنونُ.. أهي مجنونةٌ بشوقي إليها .. هذه الشامُ أم أنا المجنونُ.. آه يا شام كيف أشرح ما بي .. وأنا فيك دائماً مسكون. وقال ابن الرومي: وحبَّب أوطانَ الرجالِ إليهمُ.. مآربُ قضَّاها الشبابُ هنالكا.. إذا ذكروا أوطانَهُم ذكَّرته.. عُهودَ الصبا فيها فحنّوا لذلكا.

يجب علينا أن نعرف نعمة الله عز وجل بالوطن من خلال الذين حرموا هذه النعمة، فهم يتوقون إليها وينتظرونها وينظرون إليها، ولذلك حب الوطن هو عمل بلا كلل فللأوطان كما الشاعر أحمد شوقي: في دم كل حر يد سلفت ودينا مستحق .. وللحرية الحمراء .. باب بكل يد مصرخة يدق.

إن الوطنية الحقة بناءً دؤوب، وسعي أكيد، وارتقاء بالعلم، وإحسانا في العمل ومراقبة لله في كل شئ، إن المواطنة الحقة هي انتماء لا ارتقاء، إيثار لا أثره للنفس، حماية وذود عن حياضه وبيضته . وما أجمل قول القائل: – رِجالَ الغَدِ المَأمولِ .. إِنّا بِحاجَةٍ إِلى قادَةٍ تَبني وَشَعبٍ يُعَمِّرُ.. وإِلى عالِمٍ يَدعو وَداعٍ يُذَكِّرُ … فَسُدّوا النَقصَ فينا وَشَمِّروا.. لا تَترُكوا غَداً يَمُرُّ مُرورَ الأَمسِ وَالعَيشُ أَغبَرُ .. إِنَّ بِلادَكُم تُناشِدُكُم بِاللَهِ أَن تَتَذَكَّروا.. عَلَيكُم حُقوقٌ لِلبِلادِ أَجَلُّها تَعَهُّدُ رَوضِ العِلمِ فَالرَوضُ مُقفِرُ.. قُصارى مُنى أَوطانِكُم أَن تَرى لَكُم يَداً تَبتَني مَجداً وَرَأساً يُفَكِّرُ.. فَكونوا رِجالاً عامِلينَ أَعِزَّةً وَصونوا حِمى أَوطانِكُم وَتَحَرَّروا.

إن حب الوطن قيمة أخلاقية تظهر علي السلوك، فهي ليست ادعاء ولا التواء، إن حب الوطن أكبر من قصيدة عصماء . كيف يدعي حب الوطن من لا يري منه إلا الهنات ولا يقف منه إلا علي الجروح لا تراه مثنيا علي الوطن أبدا، إنما يقف علي هناته، وعلي عوراته، وعلي عيوبه، وإن لبس مسوح الاصلاح، وإن خلع خلعة النقد الهادم .

كيف يدعي حب الوطن من لا يشده إليه إلا الدوام أو الوظيفة أو مكتسب العيش وما عدا ذلك فتراه محلقاً شرقاً أو غرباً حتي في يوم الوطن لا تكاد تراهم في الوطن، كيف يدعي حب الوطن من يجني منه خيراته ويستثمرها في الغير وهو يحلبه حلباً ولا ينتمي إليه انتماءً.

إن حب الوطن أفعال لا أقوال، انتماء لا التواء، حب الوطن علاقة خاصة تكفر بمفسدات أي علاقة وتؤمن بقضايا أهمها أن الوطن جميل وإن لم يكن كذلك، كريم وإن لم يكن كذلك، إنها قضية الحب الأعمي الذي لا يجعلك تصير إلا لمحاسنه ولا تقف إلا علي عذباته وتستعذب الأرض التي لا هواء بها ولا ماء ولكنها وطني . نعم هي علاقة خاصة تعميك عن مساوئه وتجعلك تبصر ما تكون علي محاسنه ومكارمه .

إن حب الوطن هي أن تبذل من دمك ومالك .. من أجل حرية هذا الوطن، أن تقدم روحك من أجل هذا الوطن، فالوطنية الحقيقية أن تكون غيورا على هذا البلد أن تحزن من قلبك عندما تراه يضيع يوميا أمام عينيك ..ولا تحرك ساكنا …ولا يتحرك فيك عرق ولا ينبض فيك نبض.الوطنية هي أن .. تحافظ على مكتسبات هذا الوطن من الضياع .الوطنية أن تتقن عملك وتحب أبناء بلدك بالتسامح وأن تعمل على رفعة شأن الوطن ولا تحط من قدرة، ولا تستخف بجهود العاملين بجد وإخلاص، وأن لا تكون سلبيا في حياتك، وأن لا تقل “ما يخصنيش” المهم رأسي سالم وليذهب الساسة للجحيم .. نعم كن وطنيا بحق ولا تقبل دون ذلك ولا تكن تاجرا يبيع الوطن في الليل ويدعي الوطنية في النهار …!!

واختم كلامي بتلك الكلمات التي غناها المطرب التونسي المبدع لطفي بشناق:" مواطن وحائر أنتظر منكم جواب.. منزلي في كل شارع.. كل ركن وكل باب.. وأكتفي بصمتي وصبري ثروتي حفنة تراب.. ما أخاف الفقر لكن كل خوفي من الضباب.. لا حروب ولا خراب لا مصائب لامحن.. خذو المناصب والمكاسب لكن خلولي الوطن.. خذو المناصب والمكاسب بربي خلولي الوطن.. يا وطن وأنت حبيبي وأنت عزي وتاج رأسي.. أنت يا فخر المواطن والمناضل والسياسي.. أنت أجمل وأنت أغلى وأنت أعظم من الكراسي.. ومن غياب الوعي عنكم كم أخاف من الغياب .. سادتي وأنتم حكمتم حكمكم حكم الصواب.. وثورتي كانت غنيمة وافرها الحضرة جناب.. لا يهموا لا أبالي الدنيا دائسها بمداسي.. لكن خلولي بلادي .. لكن خلولي بلادي.. لكن خلولي بلادي.. وكل ما قلتم على رأسي يا هنايا إن كان مثلي لا يهمه من ومن .. انتم أصحاب الفخامة والزعامة وأدري لن أكون يوم منكم يشهد الله والزمن.. انا حلمي بس كلمة أن يظل عندي وطن"

حفظ الله الوطن .. وحفظ الله مصر والعراق وكل دول الوطن العربي .. اللهم استجب.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4625 المصادف: 2019-05-05 01:08:57