 قضايا

كيف نقرأ علم الآثار "الإسرائيلي": كتاب فنكلشتاين مثالا!

علاء اللاميارتكزت كتابات الباحثين العرب القائلين بالجغرافية التوراتية العسيرية أو اليمنية، والتي تجعل إقليم عسير أو اليمن وليس فلسطين مسرحا وحاضنة لقصة اليهود وبني إسرائيل وتوراتهم، ارتكزت ومنذ بداياتها مع د. كمال صليبي على أساس واحد هو المقابلة اللغوية التأثيلية "الإتيمولوجية" والصوتية " الفونولوجية". تقوم هذه المنهجية على تطويع أو قلب أو حذف أو تقديم أو تأخير بعض حروف المفردات في النصوص الدينية كالتوراة أو غير الدينية كالنُّصُب والألواح والبرديات القديمة للوصول الى جذر مشترك لها يجمعها بقريناتها المعاصرة في جغرافيا معنية.

بدأت هذه المنهجية مع الراحل الصليبي وبلغت ذروتها مع كتابات فرج الله ديب وفاضل الربيعي حيث أصبحت هذه المنهجية الإتيمولوجية أقرب اللعبة اللغوية التي يمكن لأي شخص لا علاقة له بعلوم التاريخ واللغة والجغرافي من أن يمارسها ليثبت مثلا أن يسوع المسيح ولد في مدينة الناصرية جنوب العراق، وليس في بيت لحم الفلسطينية. وبمقابلة اسم "الناصرية" مع لقب "الناصري"، والذي هو أحد ألقاب يسوع المسيح، مقابلة خارجة عن سياقها التاريخي وعن عمر المدينة الحقيقي، يغدو ممكنا تصديق هذه الطرفة، غير أن المعروف هو أن عمر مدينة الناصرية العراقية لا يزيد على قرنين ونصف فقد تأسست في عهد الشيخ ناصر الأشقر باشا السعدون شيخ المنتفك "اتحاد قبلي عربي عراقي" المولود سنة 1772م خلال العهد العثماني وسميت تيمناً باسمه، وقيل لأنه بناها على نفقته الخاصة.  فأي علاقة يمكن أن تجمعها بيسوع المسيح قبل أكثر من ألفي سنة؟! أمثلة كهذا المثال مبثوثة بالعشرات إنْ لم تكن بالمئات في مؤلفات الباحثين القائلين بيمنية أو عسيرية الجغرافية التوراتية وتاريخية فلسطين الكنعانية ككل. لعل من أبرز الأمثلة عليه المقابلة اللغوية التي أجراها الصليبي بين ما سماها"قرية آل شريم" في عسير والتي اعتبرها هي أورشاليم القدس. ولكن باحثا سعوديا هو حمد الجاسر مؤلف (المعجم الجغرافي التاريخي للبلاد العربية السعودية) أثبت أن آل شريم (ليس اسم قرية بل هو اسم فخذ صغير من أفخاذ قبيلة "الحَجْر"، وآخر من قبيلة بالقرن، وهما حادثان - جديدان - لم يكونا معروفين في شيء من كتب الأنساب التي أُلِّفَتْ قديماً)[1]

ولعل من أنضج ما قيل من نقد لهذه المنهجية التي تعتمد التحليل والمقابلة اللغوية هو ما كتبه صقر أبو فخر في معرض قراءته النقدية لكتاب فرج الله ديب "اليمن وأنبياء التوراة"، وقد كنت قد اقتبسته في دراسة أخرى، حيث كتب أن الباحث فرج الله ديب (يكتفي باستخدام طريقة المقابلة اللغوية وتطويع أحرف التصويت في الأسماء للوصول إلى جذر أو صيغة لفظية يمكن إقرانها بأحد المواقع الجغرافية في اليمن. إن هذه النظرية الخطرة فعلاً، يلزمها عدة بحثية متكاملة كي تصل عملية الاستدلال والإثبات إلى غايتها العلمية القصوى. إنَّ الاعتماد على اللغة فقط، ثم إسنادها بالجغرافيا، يمدنا بآراء مختلفة في هذا المجال، ومتضاربة في أكثر الأحيان، وفيه تعسف كبير، ولا يمكن الركون إلى هذه النتائج إلا إذا أنجدتها الأحافير واللقى والنقوش الأثرية. وحده علم الآثار"الأركيولوجيا" يمكنه أن يحسم، إلى حد كبير، الجدل والتناقض والاضطراب والبلبلة. ...وهكذا، فلكي تكون النتائج التي توصل الكاتب إليها يقينية وعلمية وتاريخية في آن، يجب أنْ تؤكدها الحفائر، فتبرهن على أنَّ هذه القرى ذات الأصل التوراتي، من ناحية التسمية، كانت آهلة حقاً في التاريخ المفترض لظهور قبائل التوراة؛ والحال، أنَّ الكتاب لا يفصح عن ذلك بتاتاً، بل إنه لا يستخدم علم الآثار ومكتشفاته في اليمن في جملة وسائله المنهجية)[2].

لقد اهتم بعض الباحثين العرب القائلين بالجغرافية التوراتية العسيرية أو اليمنية بكتاب الباحثين إسرائيل فنكلشتاين وزميله الأقل شهرة منه نيل سيلبرمان "التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها" اهتماما كبيرا، وكتبوا عنه واقتبسوا منه في مؤلفاتهم، محاولين توظيف بعض ما ورد في هذا الكتاب للبرهنة على صحة فرضياتهم العسيرية واليمنية التي تقف على قدم لغوية إتيمولوجية واحدة. ولكنهم للأسف لم يكونوا دقيقين في قراءة هذا الكتاب البسيط والواضح، ما جعلهم يتعسفون عليه ويخرجونه من سياقه بل ويمسخونه مسخا شديدا. فالباحث فرج الله  ديب، في كتابه "اليمن وأنبياء بني إسرائيل -هل جاء المسيح إلى صنعاء؟" يسجل أنه اعتمد على ما قدمه علم الآثار في دولة الكيان الصهيوني "إسرائيل" وخصوصا في "تسفيه لنظرية أرض الميعاد في فلسطين".

والواقع فإنَّ هذه العبارة شديدة الغموض، ويمكن تأويلها تأويلات عدة، ولكنَّ المتابع لما طرحة علم الآثار "الإسرائيلي" في فلسطين المحتلة لم يسفِّه، ولم يكن هدفه قط تسفيه جغرافية التوراة في فلسطين، ولم يقل أحد من العلماء "الإسرائيليين" بذلك، وإنما هم سفَّهوا شيئاً آخر، هو تأريخية التوراة. ومن خلال انعدام الأدلة الآثارية الأركيولوجية الواضحة والقاطعة، أكدوا أنَّ التوراة كتاب خرافي وأيديولوجي في معظمه، وليس كتاباً أو سجلاً تاريخياً مضبوطاً بكامله. كما شككوا بمكانة أورشليم -القدس، وعلاقتها بالسردية اليهودية العبرانية، وبأحداث توراتية كبرى، وشخصيات توراتية ضخمة، بينهم أغلب أنبياء وملوك بني إسرائيل المشهورين. ولكنهم من جهة أخرى، وخصوصاً في كتاب إسرائيل فنكلشتاين وزميله سلبرمان، قدموا مكتبة ضخمة وهائلة من الأدلة الآثارية الموثقة والمقروءة جيداً، والمعروضة بشكل بحثي دقيق، لتكون دليلاً أركيولوجيا يؤكد فلسطينية الجغرافية التوراتية، دون أن يجرؤوا على الاعتراف بأنها الجغرافية التاريخية لفلسطين الكنعانية واليبوسية الشاملة والتي لا تشكل السردية اليهودية العبرية إلا هامشا صغيرا فيها، وهذا ما فشل دعاة "الجغرافية التوراتية اليمنية والعسيرية" العرب في إنجاز واحد بالمائة منه.

لقد توصل فنكلشتاين وزملاؤه إلى القول إنَّ شخصيات مهمة من أنبياء وملوك وقضاة كإبراهيم وموسى وسليمان ...الخ، الذين ورد ذكرهم في التوراة، لم يتأكد قط وجودهم الحقيقي في الماضي، ولم يعثر على أدلة مادية واضحة على وجودهم. أدلة من النوع الذي جعلتنا - مثلا - نتأكد من أنَّ سرجون الأكدي ملك له وجود حقيقي، بدليل المسلة الحجرية التي تسجل وتخلد أعماله على سبيل المثال! إنَّ ما قدمه علم الآثار، وخصوصاً من علماء "إسرائيليين" ذكرهم ديب، لم يسفِّه مباشرة موضوعة "أرض الميعاد"، كموضوعة دينية وردت في التوراة وجل ما قاله أن هذا الوعد التوراتي لا دليل أثاريا عليه حتى الآن، فهو إذن وعد ديني وليس تاريخيا، ولم ينفِ فنكلشتاين أو يسفِّه فلسطينية الجغرافية التوراتية، ولا يوجد نص يدل على هذا التسفيه، بل لقد شكك الباحث الإسرائيلي بكون أورشليم - القدس الحالية ليست هي أورشليم التي تحدثت عنها التوراة، بالطريقة التي تكلمت بها عنها، لعدم العثور على أدلة آثارية حاسمة في هذا الصدد. وما قفز عليه ديب، هو أنَّ هناك أدلة ولكن تم التشكيك بها وبطريقة قراءتها وتصويتها، حتى من قبل كمال الصليبي.

أما أورشليم اليبوسية الكنعانية فهناك الكثير من الأدلة الأركيولوجية عليها، بل أن هناك مخططا آثاريا كاملا لها. وبهذا الصدد يمكن تسجيل التالي: عندما بدأت التنقيبات الأثرية في العصر الحديث، اتجهت الى مدينة القدس بموقعها الحالي، فلم يجدوا فيها شيئا ذا علاقة باليهود أو العبرانيين أو بني إسرائيل، ثم اكتشفوا أن أورشليم اليبوسية ( نسبة إلى اليبوسيين وهم فرع من الكنعانيين الجزيريين) تقع بكاملها الى جنوب المدينة الحالية على سلسلة تلال القدس الشرقية. وقد تطابقت جغرافية وطوبوغرافية المدينة المكتشفة مع أوصافها كما وردت لاحقا في التوراة التي كتبت بعد سيطرة العبرانيين على المدينة بطريقة التسلل السلمي على الأرجح، وكما تؤكد بعض أسفار التوراة نفسها. وأثبتت التنقيبات أن المدينة ترجع إلى العصر البرونزي المبكر منذ مطلع الألف الثالث ق.م، أي في فترة نشوء دويلات المدن في فلسطين. وقد استطاعت بعثة المنقِّبة الشهيرة وذات الصدقية العلمية القوية كاثلين كينيون رسم حدود ومخطط مدينة أورشليم اليبوسية بشكل واضح ودقيق. غير أن الباحثة الهولندية مارغريت شتاينر في كتابها " القدس في العصر الحديدي" قللت من أهمية بعض الخلاصات والمكتشفات التي حققتها كينون، وتوصلت الى أن أورشليم التي نقبت فيها كينون كانت مجرد مدينة صغيرة على أحد تلال القدس ولم تكن لها أهمية تذكر في العصر البرونزي المبكر أو الوسيط وكان عدد سكانها آنذاك يتراوح بين ألف وألفي ساكن.

هناك فرق كبير إذن، بين نقض حقيقي يطاول تاريخية التوراة والأنبياء الوارد ذكرهم فيها، وبكون أورشليم-القدس الحالية هي نفسها أورشليم التوراتية القديمة، وبين نقض يعتقد ديب، أنه يطاول الجغرافية التاريخية للتوراة ككل. أما قوله بأنه يفعل ذلك بهدف (نقض الأيديولوجية الصهيونية حول أرض الميعاد)، فهو قول ملتبس تماماً، لأنَّ هذا النوع من النقض ينطوي ضمناً على الاعتراف بجوهر الوعد التوراتي، حول أرض الميعاد. إنَّ نقض الأيديولوجية التوراتية ولاحقا الصهيونية لا يتم بطريقة رمي الرضيع مع ماء الغسيل القذر والطست الذي يحتويهما، بل إنَّ افتراضاتهم البحثية تنسف حتى الوجود الكنعاني والفلسطيني القديم في فلسطين، وتجعل قرية الفلسة العسيرية هي أصلهم وموطنهم، كما يقول الصليبي، أو أن اسم فلسطين يعود إلى إله الفلس الوثني اليمني كما يقول الربيعي، وإنما يكون التصدي الصحيح والعلمي للأيديولوجية الصهيونية الرجعية، بالبحث العلمي الصارم والدقيق والموثق والمعتمد على جميع العلوم التجريبية وغير التجريبية ذات المساس بحقول التاريخ والإناسة "الانثروبولوجيا"، وبعيداً عن طريقة البحث عن "الخبطات" الإعلامية والفرقعات والصرعات التي لا سابق لها، وبأيِّ ثمن علمي كان.

لنقرأ التفاصيل التي يطرحها الباحث فرج الله ديب في مقدمة الفصل الأول، من كتابه سالف الذكر، فهي تختزل ما عنيناه في ملاحظاتنا السالفة حول القراءة التعسفية وغير الأمينة لكتاب فنكلشتائن، كتب ديب يقول (مرة أخرى يكذِّب علم الآثار في إسرائيل أسطورة "أرض الميعاد وخطأ إسقاط جغرافية التوراة على فلسطين، فبعد تحقيق مجلة التايم بتاريخ 18.12.1995 بعنوان هل التوراة واقع أم خيال؟ جاءت مجلة لو نوفيل أوبزرفاتور الفرنسية عدد 18 – 24.7.2002 لتنشر تحقيقا على امتداد عشر صفحات بعنوان (الطوفان، إبراهيم، موسى، الخروج. التوراة الحقيقة والأسطورة...)، فحتى من خلال هذه الفقرة الصغيرة والمتعلقة بالعناوين، يتبين لنا أنَّ ديب يحاول خلط فرضيته البحثية، التي خلاصتها "خطأ إسقاط جغرافية التوراة على فلسطين"، وبما ورد في بعض التحقيقات الصحفية التي كانت تدور حول موضوع آخر تماماً، هو موضوع خيالية وخرافية التوراة وبعض أنبياء وأحداث وشخصيات التوراة الكبرى، كإبراهيم، والطوفان، فهل يتساوى الأمران مضموناً؟ وهل هذا الخلط من الأمانة العلمية في شيء؟ ولا يقتصر الأمر على العناوين، بل إننا نجده مبثوثاً في التفاصيل، وفي جميع الاقتباسات التي يقتبسها ديب، وسنعرض بعض الأمثلة عليها:

*الاقتباسات التي أوردها ديب عن مقابلة مع عالم الآثار إسرائيل فنكلشتاين، تتحدث عن عدم العثور على أدلة آثارية تؤيد تاريخية التوراة،في فترات معينة في فلسطين. ولا يعني كلام فنكلشتاين هذا تأييداً منه لجغرافية التوراة اليمنية أو العسيرية التي يقول بها ديب وغيره. لقد كان علم الآثار "الإسرائيلي"، يبحث ويستقرئ أدلة مادية آثارية تدعم روايات التوراة عن الأحداث المهمة والشخصيات الكبرى التي تحدث عنها. وفنكلشتاين يعترف في المقتبس الذي أخذه عنه ديب، بأن النص التوراتي كتب أولاً عند نهايات مملكة يهوذا، أي بحدود القرن السابع قبل الميلاد، وأكمِل خلال فترة السبي البابلي بعد ذلك، وخلال العودة الأولى من بابل في القرن السادس ق.م، ويخلص من ذلك إلى القول إنَّ (قسماً كبيراً من التوراة كان دعائياً وأسطورياً).أما القسم الذي كتب من التوراة في زمن يوشيا، فكان بهدف دعم مملكة هذا الأخير، وليس المقصود - كما يؤكد فنكلشتاين - عدم تطابق الأثاريات في المحيط، في مصر وآشور مع نص التوراة، وإنَّ النص - التوراتي اليوشاوي - كان مبتدَعاً كلياً. ذلك أنَّ التاريخ ينفع في الأيديولوجيا، وكان على كاتب النص الإشارة إلى أساطير مبنية حول أبطال سابقين انتقلت أخبارهم من جيل إلى جيل). إنَّ فنكلشتاين، كما يتضح من هذا المقتبس، في واد، وديب وزملاءه في وادٍ آخر؛ فالأول، يشكك بتاريخية التوراة، وبأنه كتاب أيديولوجي كتبته سلطات الملك يوشيا في فلسطين -هو يوشيا بن أمون من القرن السابع ق.م، وليس يوشع بن نون الذي عاش في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر ق.م - ويهدف لدعم الملك والمملكة بأساطير توراتية سابقة، ولا علاقة لهذا الكلام بما يريد فرج الله ديب إثباته أو مقاربته، وجميع المقتبسات التي جاء بها ديب هي على هذا المنوال.

دعونا نختم بهذا المقتبس، الذي يوضح فيه فنكلشتاين الهدف من كتابه، فيقول (يسعى هذا الكتاب لرواية قصة إسرائيل القديمة، وولادة كتبها المقدسة من منظور آثاري جديد. هدفنا هو فصل التاريخ الحقيقي عن الأسطورة من خلال الأدلة التي أثبتتها الاكتشافات الأخيرة. سنبني تاريخاً جديداً لإسرائيل القديمة)[3] ولكي يكون مقصد المؤلف واضحاً أكثر، نقتبس هامشه بخصوص كلمة "إسرائيل" في الصفحة نفسها، حيث يقول (في كافة أنحاء هذا الكتاب، نستعمل اسم "إسرائيل"، في معنيين مميزين وبديلين، الأول هو اسم المملكة الشمالية، والثاني هو اسم جماعي لجالية كلِّ الإسرائيليين. وفي أغلب الحالات نشير إلى المملكة الشمالية كـ "مملكة إسرائيل" وإلى الجماعة الأوسع كـ "إسرائيل القديمة" أو شعب إسرائيل"... المؤلف)؛ وهنا، فلا مجال للتشكيك في اقتناع فنكلشتاين بجغرافية التوراة الفلسطينية في مملكة إسرائيل الشمالية وعاصمتها السامرة، وبمملكة يهوذا جنوباً وعاصمتها أورشليم -القدس، وبوجود الأدلة الآثارية التي يعرضها ويناقشها بمهارة الباحث الآثاري المتخصص، وهي أدلة بالمئات في كتابه.  وقد أكد فنكلشتاين أيضاً، في كتابه أنَّ (علم الآثار الحديث، لم يثبت صحة القصة التوراتية بكل تفاصيلها، بل أثبت أنَّ العديد من أحداث التاريخ التوراتي لم تحدث لا في المكان ولا في الطريقة التي وصفت بها في الكتاب المقدس العبري، بل إنَّ بعض أشهر الحوادث في الكتاب المقدس العبري، لم تحدث مطلقا أصلا)[4]. فهل يعني هذا التشكيك، والنفي، للعديد من أحداث التاريخ التوراتي، أن أحداث التوراة وقصة بني إسرائيل حدثت خارج فلسطين، وفي اليمن أو عسير تحديدا، كما يزعم بعض المستشهدين بأقواله، أم أنه قد يعني أيضاً، أنها وقعت في أماكن أخرى في فلسطين ذاتها، ولكن ليس في المكان الذي ذكرته التوراة؟ أيهما أقرب إلى المنطق، بوجود الأدلة الكثيرة الآثارية، وبوجود تفاصيل وأحداث أخرى، تأكدت صحتها، كما نفهم ضمناً من هذه الاستنتاجات التي يقدمها فنكلشتاين؟ ألا توجب النزاهة والأمانة العلمية على الباحثين العرب، وخصوصاً القائلين بالجغرافية التاريخية العسيرية واليمنية، أخذ كافة الاحتمالات التي ينطوي عليها كلام فنكلشتاين، بدلاً من توظيفها، لدعم سياق آخر وجغرافية تاريخية أخرى مختلفة، ولا دليل آثارياً عليها بالمرة؟

ومن كتاب فنكلشتاين وسيلبرمان "التوراة مكشوفة على حقيقتها" والذي قرأه بعض الباحثين العرب ومنهم الربيعي والصليبي بشكل غير أمين بحثيا، استعرض فنكلشتاين وزميله سيلبرمان مئات الأدلة الآثارية، وانتهى به الأمر إلى تقديم قراءة جديدة وآثارية للتوراة كلها. ومن هذا الكتاب فائق الأهمية، والذي كان بمثابة زلزال علمي وثقافي وحتى ديني في دولة الكيان الصهيوني هزَّ الكثير من القناعات التوراتية والصهيونية الموروثة والراسخة، وهدَّت بعضا منها هدّاً تاما. وقد أكثر القائلون بالجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية من الاقتباس منه والاستشهاد به، ولكن بطريقة غير دقيقة ولا تتصف بالموضوعية كما قلنا، حيث أخرجوه عن سياقة ووضعوه في سياق تاريخي وجغرافي آخر لا علاقة له به ووظفوه لإثبات فرضياتهم العسيرية واليمنية، فإلى هذه المقتبسات القليلة، والتي لا تغني عن قراءة هذا الكتاب كاملا:

وعن مدينة أورشليم القدس نقرأ (كم تبدو مدينة أورشليم الملكية الواقعية صغيرة جدا في أنظار المراقبين العصريين! لقد كانت تمتد على مساحة لا تزيد على مائة وخمسين هكتارا فحسب! أي حولي نصف الحي القديم في مدينة أورشليم (القدس) الحالية! وسكانها الذين كانوا حوالي خمسة عشر ألف نسمة). في حين يذهب آثاريون آخرون إلى القول إن مساحة أورشليم لم تكن تتجاوز ستة عشر هكتارا مربعا، فلنقارن مساحة أورشليم هذه بمساحة بابل، أو بمساحة العاصمة الآشورية نينوى والتي كانت تبلغ سبعمائة وعشرين هكتارا مربعا، وكان عدد سكانها بمئات الآلاف، لنفهم أن أورشليم في عهد مملكة يهوذا، أو في عهد المحمية الفارسية "اليهودية"، والتي نفخ في صورتها التضليل التوراتي القديم والصهيوني المعاصر، لم تكن سوى قرية، أو "بلدة سوق صغيرة" بعبارة فنكلشتاين نفسه! واللافت، والمهم، هو ما يقوله الآثاري رولي خاريش من (أن التنقيب الأثري في مدينة أورشليم القدس أبان أن عدد سكان المدينة خلال فترة النفي – السبي البابلي- لم يتناقص،  فهل يعني ذلك أن النفي لم يكن صحيحا، أم أن المنفيين كانوا قلة بعكس ما تقوله التوراة؟).

و عن المنهجيات الأركيولوجية المستعملة يكتب (لقد أصبح الوصول إلى عالم الكتاب المقدس العبري  واستكشافه كليا سهلا وممكنا بفضل عمليات التنقيب الآثارية وأصبحنا نعرف تماما ماذا كان يزرع الإسرائيليون من حبوب وثمار وماذا كانوا يأكلون وكيف كانوا يبنون مدنهم ومع من كانوا يتاجرون "..." واستخدمت طرق تنقيب حديثة، وتشكيلة واسعة من الفحوص والاختبارات المختبرية لتحليل تاريخ وحضارة الإسرائيليين القدماء، وحضارة جيرانهم الفلسطينيين والفينيقيين والآراميين والعمونيين والمؤابيين والفيدوميتيين وتم – في العديد من الحالات - اكتشاف أختام تواقيع، ونقوش، يمكن أن ترتبط بأفراد ذكروا في النص التوراتي  بنحو مباشر. ولكن هذا لا يعني أن علم الاثار أثبت صحة القصة التوراتية بكل تفاصيلها، بل على العكس، أصبح واضحا - الآن - أن العديد من أحداث التاريخ التوراتي لم تحدث لا في المكان ولا بالأوصاف التي رويت في الكتاب المقدس العبري، بل بعض أشهر الحوادث في الكتاب المقدس العربي لم تحدث مطلقا أصلا).  وقد توقفنا عند هذا المقتبس الذي اقتبسه بشكل مقلوب وغير أمين القائلون بالجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية فحذفوا، أو لم يكترثوا بالأدلة الآثارية الوفيرة فيه، على صحة الجغرافية التوراتية الفلسطينية، وكرروا وركزوا فقط على العبارة الأخيرة التي تشكك بصحة (بعض أشهر الأحداث في التوراة) لأنها لم تؤيد بأدلة آثارية مادية وقد شرحنا مغزى ذلك في صفحات سابقة.

وعن السمات الدعائية والسياسية لنصوص التوراة يكتب (لقد ساعد علم الآثار على إعادة بناء التاريخ الحقيقي الكامن خلف نصوص التوراة، سواء على صعيد الملوك والممالك العظيمة او على صعيد الحياة اليومية. وأصبحنا نعرف اليوم أن الأسفار أو الفصول المبكرة من الكتاب المقدس العبري وقصصه المشهورة حول التاريخ المبكر لبني إسرائيل، تم تصنيفها أولا واعدت في نواحيها الرئيسية في مكان ووقت مميزين: أورشليم (القدس) في القرن السابع قبل الميلاد). وهذا يعنين أن كتابة التوراة في القرن السابع ق.م، تعني أن الأحداث والشخصيات والقصص التي يسردها التوراة والتي وقعت أو عاشت في القرون الخوالي، وعلى امتداد أكثر من ألف عام، إنما تم تدوينها وتنظيمها بالاعتماد على الذاكرة الجمعية والتراث الشفاهي المتوارث، ما يجعلها عرضة للتشكيك والنقض. وسوف يخرج الباحثان لاحقا بنتائج مدهشة حول الدوافع والأسباب اللاتاريخية وإنما السياسية السلطوية والدعائية من وراء إيراد وتدوين تلك القصص والأحداث خدمة للحاكمين في مملكة يهوذا المنقرضة.

ويضيف فنكلشتاين بخصوص بعض ملوك الدويلة العبرية القديمة (تم التعرف على عدد من الملوك التوراتين المهمين في الأرشيفات المسمارية لبلاد ما بين النهرين، مثل ملوك مملكة إسرائيل، عُمري وآحاب وياهو، وملوك مملكة يهوذا، حزقيا و مِنَسَّى من بين آخرين).

ولكنه يسجل بعض الأحداث التي وردت في التوراة وأكدت الأركيولوجيا حدوثها كهذا المثال (كما وجدت نقوش متفرقة في المناطق الأقرب لأرض إسرائيل (يقصد فلسطين المحتلة - المترجم) قدمت ارتباطات محددة ومفيدة أكثر. ففي وصف الانتصار الذي دونه الملك الموآبي ميشا والذي اكتشف في القرن التاسع عشر في الضفة الشرقية لنهر الأردن ذُكر انتصار الملك ميشا على جيوش إسرائيل معطيا شهادة خارجية على حرب وقعت بين إسرائيل وموآب رواها سفر الملوك الثاني 3 /  4 -26 . وفي عام 1993 تم اكتشاف نقش فريد ذي أهمية بالغة في التوثيق والتحقيق التاريخي في موقع تل دان يسجل على ما يبدو انتصار الملك الآرامي حزائيل على ملك إسرائيل في القرن التاسع قبل الميلاد).

ولكن ورغم وجود كل هذه الأدلة الآثارية الموثقة بأحدث الطرق العلمية ومن قبل باحثين وخبراء معروفين ومشهود لهم بالموضوعية والحياد العلمي فإننا نجد د. كمال الصليبي والقائلين معه بالجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية كالباحث فاضل الربيعي وفرج الله ديب وغيرهما ينكرونها بطريقة غريبة ولا علمية. فالصليبي مثلا قال في لقاء معه أجرته صحيفة السفير اللبنانية سنة 2010، أي قبل أقل من عام من وفاته، ما نصه (هذه الآثار أو النقوش التي تحدثت عنها، والتي ذكرتها الأخبار عثر عليها في بلاد بابل وليس في فلسطين... لم يعثر على أي أثر من هذا النوع في فلسطين حتى الآن، ولا تزال أعمال الحفر والتنقيب مستمرة بلا طائل. وأنا على استعداد للتراجع علنا عن نظريتي في أي وقت يثبت فيه علماء الآثار المرموقون، وبشكل قاطع، ان مثل هذه الآثار موجودة فعلا في فلسطين. واعتقد ان الحفريات لن تكشف عن أي شيء في هذا الميدان).

ولا يمكن تفسير هذا الإنكار المؤسف إلا بالعناد ورفض النزول عن البغلة البحثية لأي سبب كان.

وختاما، فقد توقفتُ عند هذا الكتاب لفنكلشتاين وسلبرمان بما يتسق مع استراتيجيتي البحثية الهادفة لنقض الجغرافية التوراتية اليمنية والعسيرية، وتبيان القراءة غير الدقيقة لهذا الكتاب من قبل القائلين بها، ولم أخصص هذه المقالة لنقد هذا الكتاب الذي يبقى رغم أهميته يعاني من الكثير من المبالغات والاستخدام السيئ للمكتشفات الأركيولوجية وإسقاط بعض الآراء التوراتية والقناعات المسبقة لديهما كإسرائيليين على واقع الحال التاريخي رغم أن المؤلفين يعلنان تكرارا أنهما قد قطعا مع التوراة والكتاب المقدس قطعا بحثيا نهائيا، وهذا قول غير دقيق أيضا، ويتطلب وقفة نقدية أخرى لهذا الكتاب برمته، ولهذا السبب فإن الحذر المنهجي خلال التعامل النقدي مع هذا الكتاب يبقى مطلوبا لتفادي الوقوع في بعض الخلاصات الخاطئة التي حاول المؤلفات إمرارها في نصوص الكتاب بطريقة غير منهجية.

*هذه المقالة هي خلاصات مكثفة ومختصرة من الجزء الثاني من دراسة مطولة بعنوان (نقد الجغرافية التوراتية اليمنية عند فاضل الربيعي" والتي ستنشر كاملة في كتابي الجديد (نقد الجغرافية التوراتية العسيرية واليمنية) الذي سيصدر في المستقبل القريب. وقد نشر جزء آخر منها في يومية "الأخبار" اللبنانية عدد 2 نيسان- أبريل 2019 إضافة إلى الجزء الذي نشر في العدد السابق من " الآداب".

  

علاء اللامي*

............................

[1]- مجلة العرب الصادرة عن مركز حمد الجاسر الثقافي  – العدد 2 – مقالة بعنوان : أغاليط الدكتور الصليبي الجغرافية – حمد الجاسر – الرياض. نسخة رقمية على شبكة الانترنيت.

[2]- "مجلة الدراسات الفلسطينية"، العدد 27 (صيف 1996)، ص 2،

[3]- التوراة مكشوفة على حقيقتها – م.س - ص 26.

[4]- م.س -... ص 28.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4628 المصادف: 2019-05-08 06:12:44