 قضايا

الدولة الكريمة والدولة اللئيمة.. إشكالية الفهم السياسي المتناقض

رائد عبيساختلف التفكير السياسي في مفهوم الدولة وشكلها ونموذجها، منذ بداية الوعي البشرية بضرورتها، فكانت البشرية ميالة للحكم، والاجتماع تحت عنوان الحاكم، أو القائد، أو الأمير، او الزعيم، اي من هذه المسميات التي بحثت الناس عنها، لتكون رمز لها، ومصدر للطاعة، فجربت المجتمعات منذ القدم نماذج الحكم، الامبراطوري، الملكي، الجمهوري، الديني واللاديني، وبقيت تحلم الى اليوم، بنظام حكم ينتهي بهم إلى العدل والسلام، وبدولة موعودة يقودها مخلص ومنفذ للبشرية، وان كانت هذه فكرة عامة، الا أننا نقتصر الحديث فيها على الوضع في العالم الإسلامي، إذ ورد في ادبياتها بكونها أمة موعودة بدولة العدل، وهي ما أسميت (بالدولة الكريمة) أي دولة العدل التام، والنموذج الالهي في أرضه، بقيت هذه الفكرة اليوتوبية تغذي وعي الأجيال المسلمة، لا سيما عند الشيعة، بحلم كمال مفهوم الدولة، لذلك بقيت كل المجتمعات المسلمة الشيعية، وعلى مر العصور غير قابلة باي حكومة، وغير راضية عن نموذج اي دولة، وان كان هذا الكلام قريب من الفكر الشيعي، لان الحكم في مفهوم الفرق الدينية الأخرى مختلف، والذي ينطلق من قبول أي نمط خلافة، وحكم ما دام يمثل رمزية أمة، بانطلاقة من الأدبيات المعدة لذلك، والقائلة بوجوب طاعة الحاكم عادل كان أم ظالم، وهذا المبدأ بعيد عن يوتوبيا الكمال المنشود في مفهوم (الدولة الكريمة) وهذا يعني أن مفهوم الدولة الكريمة، غير متفق عليه عند جمهور المسلمين، وادبياتهم السياسية، فهناك تفاوت في القناعات، والمدارك لمفهوم الدولة، تبعاً لطبيعة عقيدة الفرد، ما دام مفهوم الدولة الكريمة يأخذ صبغة عقائدية، ودينية، اكثر من بعد آخر، يبقى في جدال كبير ويأخذ مديات من الاشكلة، ولفك هذا الجدال، وحتى نقدم براهين واقعية، عن ضرورة توحيد الرؤى والأفكار والاعتقدات، اتجاه أهمية الفهم المشترك، لمعنى الدولة الكريمة، يجب علينا أن نوضح نقيضتها، ومعالمها، وشكلها، حتى نحسن المقارنة بينهما، ونقيض الكرم هو اللؤم، فالدولة الكريمة تقابلها بالضرورة دولة لئيمة، وبما أن الدولة الكريمة، هي حلم الأجيال المسلمة والمؤمنة الموعودة بها، منذ بدايات الإسلام، وهذا الوعد يعني أنها لم تكن متحققة ابدا، وكل ما كان هو محاكاة لنموذجها للابتعاد عن نقيضتها، تبعا لكرم قائدها ونبله. سؤال، هل حكوماتنا الإسلامية أو الحكومات الحاكمة للمجتمعات الإسلامية هي حكومات كريمة؟ هل بها يتحقق مصداق الدولة الكريمة؟ نرى أن تاريخ الظلم يُجيب عن هذا السؤال، وان أمنية عز الاسلام بها لم تتحقق بعد، وهذا يعني أنها دولة، ودول، وحكومة وحكومات لئيمة، ولوئمها متأتي من لوئم حاكميها وافكارهم، وتاريخهم الذين يرتكنون إليه، و لوئم بداوتهم وقبليتهم، وجهلهم، والواقع الشعوب المسلمة أبتليت بهكذا حكام، منذ عصر الخلافة الراشدة والى اليوم، فتوصيف الدولة اللئيمة، متحقق في كل أشكال الحكم لبلاد المسلمين، سواء كان جمهوري، ملكي، بقي أمر يجب أن تعيه كل المجتمعات المسلمة، وهو أن الدولة اللئيمة لا تمثل سوى المجتمعات اللئيمة، وان كان لدينا شعور بكرامتنا لنزعنا صوب الكريم، رفضا للظلم والجور والإرهاب التي تمارسه الدولة اللئيمة على مواطنيها ورعاياها، و الشعوب الواعية الثائرة المناضلة، بشكل دائم من أجل حريتها، وعيشها الرغيد، هي شعوب كريمة أدركت لوئم الدولة، وحكوماتها في إدراة بلدها، فالنفوس الكريمة، تأبى اللوئم وأهله، وترفض حكمهم وإدارتهم للشؤون العامة.فدعائنا القائل الوارد عن علي بن ابي طالب (اللهم انا نرغب اليك بدولة كريمة) لا يعني اننا نكتفي بالدعاء دون العمل، والحراك، والثورة بوجه الظلم واللوئم، فالرغبة يجب أن تقترن بالعمل، فالطموح بالعزة يحتاج إلى عزة النفس، وعزة المؤمنين، وعزة الدولة، وعزة الاسلام، وهو غاية كل عزة في دعاء طلب العزة، فالعزة لا تأتي من اللوئم، ولا من أتباعه، ولا يتحقق من مشروعهم في إدراة شؤون الدولة، فلا دولة كريمة مع نفوس لئيمة، ولا نفوس لئيمة، تتمكن من تمهيد دولة الكرم، وما تعز بكرمها، فهما مشروعان، متناقضان متصارعان، لا يستقيم أمر دولة وبلد ومجتمع، مع هذا الصراع الذي لا يمكن أن نتغلب عليه، ونحن نناقض أنفسنا بين الرغبة بالخير وبين العمل بلوئم. فنموذج الاسلام السياسي في العراق، هو على هذه الشاكلة من التناقض الذي يرفضه الضمير. والواقع والقيم، فبين الدعاء والرغبة بالدولة الكريمة، والذي هم يعلمون أنها لن تتحقق إلا على يد المهدي المنتظر، وبين العمل بأخلاق الدولة اللئيمة، بون شاسع من الازدواجية والتناقض، والكذب، والزيف الذي لا يستقيم معها اي مشروع، يحمل اسم الإسلام الذي اتخذه بعض الأطراف قناع يمر به على مجاميع السذج من الناس. وللحديث تتمة......

 

دكتور رائد عبيس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4633 المصادف: 2019-05-13 04:00:18