 قضايا

المرجعية الموقرة.. ثانية

قاسم حسين صالحالأستماع لرأي الناس وذوي الأختصاص.. واجب وفضيلة

تنويه: كنا نشرنا مقالا بعنوان (المرجعية الموقرة مع التحية.. ما هكذا تحلل وتعالج مصائب الناس).. خلاصته ان الشيخ عبد المهدي الكربلائي دعا في خطبة الجمعة الأولى من رمضان المبارك (10 مايس 2019) الى (توظيف معطيات هذا الشهر المبارك لأجراء التغيير لاصلاح النفوس للفرد والمجتمع)، وشخّص سبب (كثرة حالات الانتحار والطلاق والتفكك الأسري بالخواء الروحي والمعنوي)، وقدم رؤيته في علاجها بأننا (نشكو في مجتمعنا من حالة الجفاف الروحي والمعنوي، نحتاج الى إغنائه، اذا قويّت الاتصال والارتباط بالله تعالى وهذا يعني انني اعتقد ان لي رب قادر وحكيم ورحيم وعطوف بي وحنون عليَّ هو سيعينني على ان اتجاوز هذه المشاكل والازمات واتخلص منها بنجاح ولا اقع في الفشل والاخفاق واليأس والاحباط وغير ذلك من هذه الامور النفسية..).. ما يعني أن فضيلة الشيخ الكربلائي، يطلب من الشاب الذي يقرر الانتحار ان يتوجه الى الله سبحانه ليحلها له أو يصبّره عليها.. في بلد نهب ثرواته (حيتان الفساد) باعتراف سابق للمرجعية، وان فيما قاله ما هو اخطر، لأن ما يفهم من كلامه انه يدعو الشباب لتفويض أمرهم الى الله سبحانه وترك الفاسدين من السياسيين يستمرون بسرقة ثرواتهم ومستقبلهم، فضلا عن ان فيه تخديرا يصرفهم عن دورهم في التغيير بتحقيق العدالة الأجتماعية التي أمر بها الاسلام، وعمل أمير المؤمنين الأمام علي على تطبيقها في خلافته واوضح تفاصيلها ومواصفات الحاكم في عهده لمالك الأشتر.

 وكنا استطلعنا رأي اكاديميين ومثقفين وقرّاء فيما قاله فانتقدت الغالبية المطلقة حلّ فضيلته وشخّصوا الاسباب في العملية السياسية وفي احزاب اسلامية محسوبة على المرجعية وفي تغير مواقف المرجعية من الطبقة السياسية.

 الاستماع لرأي الناس واجب وفضيلة

 تفترض المرجعية الموقرة أن على الناس ان تستمع لها وتعمل بما تقوله، وهذا صحيح في الجانب الديني والشرعي لأنه تخصصها المتعمقة فيه وعلى المتلقي الألتزام بما يقوله من بلغ رتبة الأجتهاد.غير انها اذا تحدثت في ظواهر اجتماعيىة (انتحار، طلاق، تفكك أسري) فان عليها ان تستمع لما يقوله علماء النفس والأجتماع، واذا تحدثت في السياسة فان عليها أن تستمع لما تقوله الناس فيما تدعو اليه.. وتلك هي مهمة هذا المقال، نورد فيه نماذج من التعليقات بشأن الحل الذي اقترحه فضيلة الشيخ الكربلائي ومداخلتنا العلمية عليه في المقال المنشور سابقا:

- الدعاء وسيلة مساعدة تمدنا بالعزيمة والاصرار للتغيير، اما ان تكون هي وسيلة التغيير الوحيدة كما تدعونا المرجعية فهذا خواء من نوع اخر يدل على حرج موقف المرجعية بعدم قدرتها على تغيير الامور وعدم قدرتها على الاعتراف بذلك حتى لا تخسر مكانتها امام الناس.

- سلمت أناملك وعقلك استاذنا الفاضل على هذا التحليل والكلام الدقيق والجريء عسى أن يلقى استجابة من مرجعتنا المحترمة.

- تحليل دقيق سيدي الفاضل ينير العقل.. ولكن لاحياة لمن تنادي

- يتحدثون عن زهد الأمام علي عليه السلام ويعيشون ترف معاويه وبني العباس.

- احسنتم دكتور قاسم. تشخيص ورؤية علمية دقيقة للوضع المرتبك والمتشابك وهذا ما يجول في خاطرنا.. وأعتقد أن الأمور اعقد بكثير مما تتصور، فوضع الخدر والكلام من فوق الابراج العاجية لا يقدم ولايؤخر شيئا .. ويبقى الحال كما هو عليه وقد ينحدر للأسوأ.

- على المرجعيه المشاركه الفعليه بادارة الامور مثل فتح مكاتب لتسجيل العاطلين عن العمل وتعين وجبة منهم كل ستة شهور.

- صراحة ودقة عالية في التشخيص وجرأة بمكانها. نعم لابد من فعل صريح للمرجعية يخيف السياسيين.

- لقد وضعت النقاط على الحروف في هذا المقال الرائع وتكلمت بدلا عن اغلب العراقيين ومعاناتهم الحقيقية.

- مقال جريء.. النفق المظلم جدا طويل، في بلد المصلحة الضيقة.

- ان تحسس المرجعية لهذه الظواهر الاجتماعية الخطيرة ليس كتحسس الاختصاصيين، ولذلك لن يشعروا بالحاجة العملية لعلاجها، فضلا عن ان كل حاجاتهم مشبعة.

- هل يحق للمرجعية الكريمة ان تصادر الاختصاصات العلمية وتجتهد في غير اختصاصها الشرعي؟وهل جميع الاحزاب الدينية الحاكمة في العراق لها ايديولوجية فكرية وطنية تعالج احوال المواطن والامور الانسانية الاخرى؟ ومتى نفهم الأدوار والحدود لكل منظمة او حزب او حتى المرجعية.. ماهي حدودها؟

- لا اذن تسمع، لانها تمس مصالحهم.اي رجل دين هذا ياخذ راتب برلماني وراتب جهادي واموال الزكاة بحوزته!. انهم يسكنون بروجا عاجية ويطلبون من فقراء القوم الذهاب الى الله وكاننا بعيدين عن الله.

 المرجعية والسياسة

 يمتد تاريخ المرجعية الى عام 448 هجرية يوم اضطر كبير علماء الشيعة الشيخ ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي النزوح من بغداد الى النجف اثر هجوم السلوجوقيين على داره واحراق كتبه لتتحول النجف الى جامعة كبرى ايضا يقصدها طالبو العلم من معظم بلدان العالم، وثّقها الرحالة ابن بطوطه بتعريف لمدارسها ونظام منح الاجازات العلمية. وكان أبرز مواقفها التاريخية هو (ثورة العشرين) حيث افتى علماؤها بالجهاد ضد هجوم الانجليز على العراق بالحرب لعالمية الاولى الذي وصفته بالتدخل السافر على الوطن.

 ما يهمنا هنا هو موقفها من السياسة بعد 2003، وحوله تختلف الأراء.فهناك من يرى ان الضرورة اقتضت ان تتدخل لأنها المرة الأولى بعد اكثر من الف عام يستلم فيها الشيعة السلطة وان عليها دعم احزابها الاسلامية الشيعية، فدعت الى المشاركة بالأنتخابات وساهمت في كتابة الدستور واصدرت فتوى الجهاد الكفائي.. ويحسب لها انها حافظت على وحدة العراق ودعت لقيام دولة مؤسسات مدنية، فيما يحسب عليها دعمها لقائمة الائتلاف العراقي الموحد في انتخابات (2005) التي ادانتها فيما بعد ووصفت قادة فيها بـ(حيتان الفساد). وهناك من يرى انه كان من الأفضل لها ان تبتعد عن السياسة لأنها لعبة لا تحكمها قواعد ولا دين ولا اخلاق، وان دخولها فيها يحتم عليها ان تلعبها لصالح الناس، الذين انتظروا ان يصدر منها موقف حاسم، لكن معظمهم اصيبوا بالخيبة لأنها غالبا ما تخرج في خطبها بتلميحات، وتعدد مواقف فسّرها كثيرون بأن السياسيين وضعوا المرجعية في (ورطة). فبعد ان (بح صوتها) من نصح (قوم كانوا يجتمعون على الباطل ويتفرقون عن الحق – بتعبير أحدهم)، اضطرت الى ان تبتعد عن السياسة، واضطرها سوء الحال الى ان تعود اليها ، وانها كانت قبل( 2010) قد التزمت الصمت ازاء الفاسدين الكبار فيما حصل في (2015) تحول صريح بمطالبتها حكومة السيد حيدر العبادي بالضرب بيد من حديد على الفاسدين بغض النظر عن أي انتماء كان.. وتلك التقلبات في المواقف كانت مآخذ عليها حتى من مقلديها.. وأحد أهم أسبابها انها ما كانت تستمع للناس وذوي الأختصاص في العلوم الأنسانية من المستقلين سياسيا.

والحل.. ؟

 علينا ان نعترف بوجود ثلاث اشكاليات، الأولى:موقف المرجعية من العملية السياسية، والثانية:موقف المرجعية من ذوي الأختصاص والمثقفين في الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تضاعفت في زمن حكم احزاب الاسلام السياسي، لاسما: الآنتحار، الطلاق، التفكك الأسري، تعاطي المخدرات، الأنحرافات الجنسية، الألحاد، والثالثة:ازمة الثقافة والمثقفين العراقيين ووصول الناس الى (راحة) اليأس.

 وللوصول الى حلول عملية لصالح العملية السياسية والمرجعية والناس، فأننا ندعو لعقد مؤتمر تتبناه المرجعية ويشارك فيه اكاديميون ومثقفون وخبراء في علم النفس والاجتماع مستقلون سياسيا، ومنظمات مجتمع مدني.. يضع استراتيجية تنفّذ على مراحل، ويخرج بتوصيات تلزم الأطراف الرسمية والأهلية العمل بها.. وبدونها تبقى الغيبيات وتمنيات اليأس وعزاء الذات تتحكم بالناس، ويبقى الفاسدون ينهبون ما تبقى من ثروات وطن.. اعتبروه غنيمة لهم فتقاسموه، وما خافوا.. ولن يخافوا الا متى شعروا ان المرجعية والناس والمثقفين.. قد توحّدوا.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4647 المصادف: 2019-05-27 08:43:51