 قضايا

شبه القارة العربية لم يخلقها الفتح العربي الاسلامي بل الجغرافيا!

سليم مطرلا يمكن فهم تاريخ الاوطان، دون فهم جغرافيتها..

من ينظر الى الخرائط الطبيعية للعالم، يلاحظ ان جميع القارات والمجموعات الاقليمية والبلدان، بل حتى المدن والقرى، لم تخلقها إرادة ملوك او دول، بل ظروف الجغرافية هي التي حتمتها. 

931 سليم 1

 (طبعا لكل قاعدة استثناء، فـ(دولة إسرائيل) مثلا، خلقتها أساسا ولا زالت تحميها إرادة جماعات ودول لها مصلحة بها). 

931 سليم 2

مثلا، قارة اوربا، لولا البحر المتوسط لما تميزت عن عالم الضفة الشرقية (العالم العربي). لولا (جبال البيرنة)، لما تميزت (اسبانيا) عن (فرنسا).  لولا (جبال الالب) العملاقة الشاسعة لما تميزت وانفصلت هذه البلدان: ايطاليا وسويسرا وفرنسا والمانيا والنمسا.  لولا (الخليج العربي)، لما تميزت (ايران وإفغانستان وباكستان) عن (الجزيرة العربية). لولا مضيق (جبل طارق) لما تميزت (المغرب) عن (اسبانيا). ان (شبه القارة الهندية) التي تضم عدة بلدان، رغم اختلاف لغاتها وحتى أديانها، فانها تشترك بتاريخ سياسي وحضاري وعرقي تراثي وعاطفي. لانها جغرافيا منفصلة عن ما يجاورها، بحدود كبيرة: جبال الهملايا وجبال افغانستان وجبال الكاراكورام والمحيط الهندي وبحر العرب. (مؤرخنا ـ ابن خلدون ـ اول من ربط التاريخ بالجغرافيا).

شبه القارة العربية

931 سليم 3

تتميز جغرافيا (العالم العربي)، أي العالم الذي يقع في (الضفة المقابلة للعالم الاوربي)، ويمتد جنوبا، في القسم الافريقي الى (جنوب الصحراء وحدود افريقيا السوداء)، وفي القسم الآسيوي حيث ضفاف (بحر العرب) في الجزيرة العربية:

اولا، ليست هنالك حدود وموانع طبيعية بين بلدانه مثل (الجبال والبحار والأدغال)، بل هي اراض سهلية تتخللها بعض الانهار الداخلية (مثل دجلة والفرات والنيل) وكذلك الجبال الداخلية (مثل جبال الشام والمغرب واليمن). بالاضافة الى تشابه كبير في المناخ المعتدل والطبيعة شبه الصحراوية. كذلك ان هذا التشابه في البيئة يخلق تشابها في النباتات والحيوانات (مثال انتشار النخيل والجمال)، كذلك تشابها في التقاليد والامزجة والقدرات البدنية.

ثانيا، ان هذا (العالم العربي) منفصل بموانع طبيعية جبارة عن محيطه الآسيوي والافريقي والاوربي: عن آسيا بـ(جبال زاغاروس) و(الخليج العربي) و(المحيط الهندي). عن اوربا ـ الاناضول ـ بجبال(طوروس) والبحر المتوسط. اما عن (افريقيا السوداء) فبـ(البحر الاحمر) وجبال وادغال وسط افريقيا.

التجانس والتقارب عبر التاريخ

931 سليم 4

نتيجة هذه الوحدة الجغرافية وتجانس البيئة والمناخ، طيلة التاريخ، ظلت شعوب (شبه القارة) هذه تتنقل في هذه السهول المفتوحة وتختلط وتؤثر ببعضها البعض. يمكن اعطاء بعض الامثلة:

1ـ التأثيرات المشتركة بين اول واقدم حضارات هذه المنطقة: المصرية والعراقية والشامية. ولقد لعبت الشام دائما دور الوسيط الجغرافي الحضاري بين العراق والشام. اسطع مثال على هذا التجانس الحضاري، إنبثاق الكتابة الابجدية في (الشام) نتيجة تمازج المسمارية العراقية والصورية المصرية. كذلك إنبثاق (العرفانية) وذروتها (المسيحية) نتيجة تمازج الاديان القديمة. ليس صدفة ابدا، ان الاسلام اعتبر نفسه مكملا للاديان السابقة للمنطقة، ولم يعتبر نفسه مثلا مكملا للبوذية او الهندوسية او المجوسية او الاوربية!

2 ـ انتقال الشاميون الفينقيون (الكنعانيون) الى سواحل شمال افريقيا(منذ الالف الاخير ق.م)، وتأسيسهم اول واكبر حضارة شمال افريقية هي (الحضارة القرطاجية) (الكنعانية ـ الامازيغية)، التي بسقوطها على يد (الرومان) في القرن الثاني ق.م، سقطت آخر قلاع الدفاع امام الغزو الاوربي. وهذا التواجد الشامي الفينقي هو الذي مهد وساعد فيما بعد المسلمين في عملية تعريب شعوب شمال افريقيا. (على حد قول المؤرخ الفرنسي غوتيهE.F. GAUTIER  ـ المصدر تحت)

3ـ ان جميع شعوب المنطقة، من العراق حتى المغرب الاقصى، قبل الاسلام تبنت المسيحية وصنعت مذاهبها وكنائسها الوطنية الرافضة للكنيسة الرومانية المستعمرة: الدوناتية والآريسية في شمال افريقيا، والقبطية في مصر، واليعقوبية في الشام، والنسطورية في العراق.

4ـ ليس صدفة، الاتفاق العلمي على اعتبار اللغات السامية(في المشرق) واللغات الحامية(المصرية والامازيغية و النوبية) هي من نفس العائلة اللغوية(السامية ـ الحامية). لان اختلاط هذه الشعوب عبر التاريخ جعلها تختلط وتتشابه لغويا وثقافيا.

من اجل فهم انساني تاريخي لا عنصري!

931 سليم 5

ان الفهم (العروبي العرقي / القومي ـ البعثي) الذي ربط تقارب شعوبنا بمفهوم العروبة العرقية القبائلية، ساذج وعنصري، ويقدم خدمة كبيرة لأصحاب الطروحات العنصرية المعادية للعرب والمسلمين.  وهذا الفهم القومي هو الذي اخاف وعزل القوميات غير الناطقة بالعربية، مثل الامازيغ والاقباط والاكراد والسريان والتركمان، وغيرهم.

من الضروري الادراك بأن (التقارب الحضاري واللغوي والمصالحي) بين (أمم العالم العربي) اساسه جغرافي تاريخي، وليس قومي عرقي قبائلي. انه شبيه تماما بحال (أمم قارة اوربا)، و(قارة امريكا اللاتينية)، و(شبه القارة الهندية). كان من المحتّم ان يحصل هذا التقارب تحت راية دين آخر مثل المسيحية او الصابئية او حتى اليهودية، ولغة أخرى مثل السريانية او القبطية او الامازيغية. وان العربي، ليس بدمّه وجيناته (المفترضة) بل كل من نطق العربية وعاش في هذا (العالم العربي) الذي يستحق ان يسمّى بـ(شبه القارة العربية).

 

سليم مطر

..............

لمزيد من التفاصيل، طالع:

ـ  مقال جيد يشرح تأثير الجغرافية في نشوء الامم وتاريخها.

http://www.discoverlebanon.com/en/panoramic_views/history_geography.php

ـ كتاب تأسيسي لتأثير الجغرافيا في التاريخ: المتوسط والعالم المتوسطي/ موجود في المكتبات وفي الانترنت.

ـ عن دور الاساس الفينقي في تعريب شمال افريقيا، طالع كتاب: ماضي شمال افريقيا/ غوتيهE.F. GAUTIER / المعلومة ص 100

ـ عن تاريخ المسيحية في الشرق قبل الاسلام: https://urlz.fr/9T4g

ـ عن تاريخ قرطاجة وحضارتها طالع:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE_%D9%82%D8%B1%D8%B7%D8%A7%D8%AC

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ سليم مطر المحترم
تحية طيبة
تفضلت باعطاء اهتمام فائق للاتصال المحدود بين مشرق.شبه القارة العربية" و مغربها
و لم تُشِرْ الى الاتصال التام بمسافة قد تصل الى عشرات اضعاف ذلك الاتصال و اقصد بين العراق و اسيا دون عوائق جغرافية سواء في شرق العراق او بعض شماله و شمال سوريا.
اكرر التحية و الشكر

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي اخي عبد الرضا حمد جاسم
لم افهم كلامك عن(الاتصال بين العراق و اسيا دون عوائق جغرافية)؟؟!!
يبدو انك لم تقرأ الموضوع جيدا ولم تشاهد الصور التوضيحية؟؟
فانا كل موضوعي يتحدث عن (العوائق)..
انظر الى الصورة الثالثة، حيث اوضح دور جبال زاغاروس الشاهقة والشاسعة التي تفصل العراق عن ايران وعموم آسيا.. كذلك جبال طوروس التي تفصل العراق وسوريا عن تركيا وعموم اوربا..
ارجو منك مراجعة موضوعي
مع تمنياتي الاخوية

سليم مطر
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4650 المصادف: 2019-05-30 03:16:09