 قضايا

الأنتلجنسيا وقوة التغير

اياد الزهيريبلداننا العربيه عامه والعراق خاصه يعيشوا ظروف شديدة الفوضى، ولا شك ما لهذه الفوضى من تداعيات تنعكس على الحياة العامه والخاصه لعموم المجتمع، حتى أن ما وصل اليه وضعنا الأجتماعي والسياسي من سوء،  جعل الوضع ينذر بتداعيات خطيره، تضع المنطقه عامه على كف عفريت. السؤال الذي يطرح نفسه بعد معرفة المسببات الخارجيه منها والداخليه للوضع القائم، ما هو السبيل للخروج من هذه الأزمه . لا شك الاجوبه متعددة، منها مايقول الحل هو الأنقلاب على النظام السياسي الجديد، ومنها ما يقول الحل هو رجوع الأحتلال الأمريكي لتولي حكم البلد بدل هذه الأحزاب الحاكمه، وهناك من يقول عودة النظام السابق، ولكن كل ما قيل لا يأتينا بالحل الناجع، لسبب بسيط هو أن كل هذه الحلول المقترحه هي السبب فيما وصل اليه البلد من خراب ودمار، وهي تمثل حلول أنفعاليه تعكس حاله نفسيه مضطربه لجماهير فقدت الثقه في كل شيء . في أستطلاعك لتاريخ الثورات الكبرى ما عدا السماويه منها التي حدثت بالتاريخ والتي غيرت من وجه العالم وأحدثت نقلات كبيره في تاريخ الأنسانيه، ترى أن هناك طبقه جهدت بالتهيئه والتحضير والتنظير لها من أمثال كتاب ومفكرون، فمثلآ من مهدوا للثوره الفرنسيه وشحذوا مشاعر الجماهير وأيقظوا فيهم روح الثوره، ورسموا شعاراتها ونظروا لمنطلقاتها، وقننوا لمبادأها مفكرون وكتاب من أمثال فولتير ومنتسيكيو وفولتير وفكتورهيجو وجان جوك روسو وميرابو وكذلك هو الحال لثورة أكتوبر الأشتراكيه كان لمفكرين من أمثال ماركس وأنجلس وتولستوي ودوستوفسكي وغيرهم ساهموا في تنضيج وتنظير ساهم في حدوث التغير، وكذلك هو الحال للثوره الأمريكيه بقيادة الرئيس واشنطن، والصينيه بقيادة ماو والذي قاد الثوره الثقافيه فيها، والثوره الأيرانيه 1979 الذي نضج ونظر لها مفكرون كمطهري وعلي شريعتي واية الله طالقاني والحال ينطبق على عصر التنوير في أوربا الذي حولها الى أوربا الحديثه بفعل ما كتبه مفكروا أوربا الذين كانوا السبب الأساسي في ثورتها الصناعيه والحضاريه التي تعيشها اليوم . أن ما أشرنا اليه من تحول كان السبب في صناعته هي طبقة الأنتلجنسيا (الطبقه الثقافيه) . هذه الطبقه التي يسميها غرامشي بالمثقفون العضويون، ويسميها أدوارد سعيد بالمفكر الرسولي، ويطلق عليها سارتر بالمثقف النقدي، وينعتها عبد الله الغروي بالصفوه، ويعرفها محمد عابد الجابري ب(هو ذلك الذي يلتصق بهموم وطنه ويخدم الطبقات المقهوره والكادحه، أنه المثقف العضوي). أذن يمكننا من كل هذه التعريفات أن نجسدها في تعريف شامل تتلخص بكونها الطبقه الرافضه للواقع السلبي، والداعيه الى تغيره، وفق منظور حضاري متقدم . أن البنيه الأساسيه في هذه الأنتلجنسيا هو المثقف الفرد والذي ينبغي أن تتوفر فيه مقومات تجعل منه يستحق هذا الموقع بجداره، وهو لا شك أنسان يتمتع بوعي تاريخي كوني، ووعيآ لعصره ومجتمعه، وله القدره على توظيف خبرته في الميدان، كل حسب أختصاصه. أن هذا التوصيف سيبعد عنا الكثير ممن يدعون الأنتماء الى الأنتلجنسيا زورآ وبهتانا، هؤلاء المتطفليين على هذا الحقل، كما تطفل الكثير في حقول السياسه والعلم والوجاهه والدين، هذه الطفيليات هي من أساءة لواقعنا، ليس فقد بالسنين الأخيره لما بعد السقوط بل ومنذ تأسيس الدوله العراقيه فقد تبوء الكثير بالعهد الملكي لمنصب الوزاره وهم أناس أميين أو أشباه أميين، فمثلآ يتبوء شيخ عشيرة البو سلطان سلمان البراك وزيرآ للزراعه وهو رجل أقطاعي، والشيخ رايح العطيه وزيرآ للأقتصاد في دوره، وفي دوره أخرى وزيرآ للزراعه، أناس لا يفقهون من السياسه ولا التخصصات المعهوده لهم من شيء، فهم أميون، أو أشبه أميون وهناك الكثير ماضيآ وحاضرآ . هذه الطبقات الغير مهنيه هي من وضعت العصي بعجلة التقدم في بلدنا، وهي من أوصلت بلدنا الى درجه من البؤس الشديد . ألم يكن صدام حسين الذي لا يملك الا شهادة الأعداديه ولم يخدم حتى خدمة العلم (المكلفيه) يتبوء رئاسة الجمهوريه ويكون القائد العام للقوات المسلحه، والذي أدخل البلد بحروب لا طائل من وراءها، وحول واحد من أغنى بلدان المنطقه الى بلد منهك ومدمر يستجدي المساعده من الآخرين .

أن بيئتنا الرثه والمحطمه بأمس الحاجه الى مثقف توعوي، نهضوي يساهم في عملية البناء الفكري للجماهير، لامثقف البروج العاجيه . مثقف غفاري كأبوذر الغفاري لا تأخذه بالله لومة لائم صلب لا يهادن ولا يبيع بضاعته للغير بحفنه من الدولارات كما باعه بعض من أحتسب على طبقة الأنتلجنسيا العراقيه، والقاريء يعرف كيف هرول البعض لمجرد دعوه من قبل ال أم، بي، سي السعوديه والذي يعرفون جيدآ قبل غيرهم بأن السعوديه هي من أنشأت وربت الأرهاب ومولته، وهناك للأسف ممن يحسب على الأنتلجنسيا العراقيه، من أمثال الشاعر سعدي يوسف والكاتب رشيد الخيون الذين تنكروا لشرف مهنتهم الساميه، فالأول كشر عن أنيابه الطائفيه، وهو يدعي أنتسابه لليسار العراقي، والثاني الذي يروج للمملكة الشر السعودي مقابل ريالهم القوي . أرجع الى أبوذر الغفار الذي أستعصى على معاويه في محاولة شراءه له وعلى عثمان بن عفان وأخذ يجوب الشوارع والأزقه والبلدان رافعآ صوته ويقول (عجبت لمن لا يجد قوت في بيته، كيف لا يخرج شاهرآ سيفه على الناس)، هل نمتلك أنتلجنسيا كهذه، أنها أنتلجنسيا مدرسة علي بن أبي طالب (ع) كمعلمها لا تباع ولا تشترى همها مبدأها ومجتمعها، أنتلجنسيا كان معلمها علي (ع) يقول (أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى؟ أو أكون كما قال القائل - وحسبك داء أن تبيت ببطنة (3) * وحولك أكباد تحن إلى القد، أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش). العراق اليوم بأمس الحاجه الى طبقه مثقفه قائده ورائده يتناغم في طروحاتها الموروث الأصيل مع الحداثه، فهو السبيل للخروج من مستنقع الواقع المؤلم . طبقه تقف في وجه التوحش (الأمريكو-صهيوني) لا طبقه متميعه، كل طموحها تعيش الحياة المخمليه واللاهيه. أننا لسنا بحاجه الى مثقفي المقاهي والحانات، بل الى مثقفي الساحات العامه، الى مثقفي خط المقاومه، لا مثقفي الأستسلام . أن الحل اليوم نجده في فكر طبقه مثقفه قادره على بلورة رؤيه متقدمه واعيه تغذي حركة الجماهير لتساهم في أنهاء الأزمه الخانقه التي يمر بها البلد، رؤيه تجنب الجماهير الحاله الضبابيه التي أفقدتها الرؤيه فجعلها تتعثر في طريق المطالبه بالأصلاح، وتنقذها من أحتيال الطبقه السياسيه وأبرها المخدره . من المعروف كان للعراق طبقة انتلجنسيا فاعله، ومن كل التوجهات سواء كانت يساريه أم قوميه ودينيه، هذه الأنتلجنسيا هي التي أسقطت معاهدة بورتسموث عام 1948، وهي التي عبئت الشارع بالتصدي لكل المعاهدات المشبوهه مع بريطانيا، كما تصدت لكثير من الوزارات الفاسده، ولكن اليوم لا نمتلك طبقه مثقفه قويه وفاعله تحمل هموم الناس وتعيش معاناتهم، كما أن ما زاد الطين بله هو صعود أنساق تقليديه من عشائريه ومذهبيه وأثنيه الى الواجهه، كما ساهمت ظروف موضوعيه من تكثيف وجود هذه الوجودات على حساب الطبقه المثقفه الباهتة الوجود في الساحه، وهذا لا شك ناتج من ضعف المدينه والمركز بمقابل القريه، وأعني في مواجهة نسق التفكير العشائري الذي يتناسب تناسبآ عكسيآ مع قوة وضعف المركز الحضري، أن النسق العشائري والحضري النفعي والأثني والمذهبي هو ما تقاطع وبشكل حاد مع كل توجه ينحو بأتجاه التمدن والتوجه المؤسساتي للدوله، ويتقاطع مع الثقافه التقدميه والرائده، وهناك ما يؤكد الحاله الحاضره بمثل له وجوده بالماضي القريب نقله لنا الدكتور حنا بطاطا في كتابه (الشيخ والفلاح) حيث ينقل رد مدير شرطة الديوانيه عام 1947 على متصرف اللواء أزاء ما تقدم أحد أطياف الأنتلجنسيا العراقيه والمتمثل بالحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي لأنشاء مقر له بالديوانيه فكتب (في ضوء حقيقة كون هذا اللواء أحد أهم الألويه القبليه، وكون معظم سكانه هم من الناس البسطاء، فأن المصادقه على هذا المطلب قد يؤدي الى زعزعة الأمن العام ) . هذا المقتبس يؤكد تقاطع التوجه العام لطبقة الأنتلجنسيا، وطبقة المشايخ العشائرين، وكذلك السلطه الفاسده، بسبب أن حراك هذه الطبقه التي سوف ترمي الحجر في البرك الأسنه مما يثر ما تعتبره الدوله والمتحالفين معها من المشايخ مشاكل تعكر عليها صفوها وتقطع عليها منافعها الماديه.

كما أن الأنساق الأخرى كالجيش أذا حكم لا يداوي جرحآ، وهذه مصر والسودان ماثله أمامنا، فهم لا يعملون الا لتكريس الدكتاتوريه والأستبداد في البلد، كما يخاف من أنجرارهم الى محاور معاديه لتطلعات الجماهير، والرئيس السيسي كمثال بالأرتماء في الحضن الأمريكي، والسوداني بالحضن السعودي، كما أن الأنساق الحاليه من أثنيه، ومذهبيه وما يمثلها من أوساط ذوي نزعه عشائريه يمثل نزوعآ خطيرآ ومضرآ بالحياة العامه للناس ولمستقبل البلد عامه، لذى لا بديل عن أنتلجنسيا عراقيه وطنيه تتمتع بكل مواصفات الأنتلجنسيا العضويه والرساليه والوطنيه والتي تتمتع بمداد فكري متقدم وأنساني يحفظ للشعب كرامته، ويضمن له مستقبله، كما تكون مستعده أن تتصدر صفوفه في أحتجاجاته الجماهيريه المطالبه بالأصلاح ومكافحة الفساد بكل أشكاله، وتعبر عن ضميره وآلامه وأحلامه . فبدون هذه الطبقه ستعيش الجماهير حالة الدوران الباعث على الأعياء والمنتهي بالنكبه والسقوط . كما ينبغي الأنتباه الى أن طبقة الأنتلجنسيا يمكن أن لا تكون منتجه أذا كان لا يمثلها كيان مؤسساتي تجمع قواها وتفعل خطاباتها و وتلزم مريديها، وتضعهم أمام مسؤلياتهم التي يدعون أستعدادهم لتحملها أخلاقيآ ووطنيآ.فنجاح هذه الطبقه يكون بواقعيتها، وحراكها، وشعبيتها، وتكاملها، وتكافلها، وأن ترفع شعار (الحكمه مخافة الله)، فالعلم والحضاره التي يقودها أناس لا تخاف الله لا يخلو من مخالب تدمي الأخرين.

 

أياد الزهيري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4656 المصادف: 2019-06-05 03:48:50