 قضايا

التنوع من آيات الله

معراج احمد الندويإن التنوع ظاهرة كونية في آفاق السماء، وفي جنبات الأرض وفي الحضارات المتعاقبة على مر الزمان وفي كل أنحاء المعمورة في البشر. التنوع أصل أصيل في الكيان البشري، ولا يجوز لطائفة من البشر أن يخالفوا هذا التنوع، إن التنوع ثروة ينبغي ألا تكون مصدرًا للنزاع ونبذ الآخر بل سبيلا إلى توسيع الأرضية المشتركة التي يشترط تحققها الاعتراف بالآخر وتفهم مشكلاته ومقاصده وإدراكه على قدم المساواة وعدم استهدافه بالتمييز أو التحقير أو الإلغاء.

التنوع في الخلق يدل دلالة عظيمة على قدرة الله عز وجل في أن يخلق من الصنف الواحد ما يعجز على الإنسان حصره وتذوقه ومعرفة فوائده. البشر الذين هم جزء من هذا الكون المتميز بالتنوع والتعدد والاختلاف، فبالرغم من أنهم يتساوون في إنسانيتهم العامة، وفي خصائصهم الأولية المشتركة، فإنهم في حقيقة الأمر، يتمايزون داخل المحيط البشري بدرجة. وإنّ البشر وإن اختلفت معتقداتهم وثقافاتهم ومذاهبهم فإنّهم متقاربون في الأسس الرمزية وفي قيمهم الإنسانية النبيلة.

هذا التنوع الذي يتحدث عنه القرآن الكريم إنما هو جزء من ظاهرة كونية تشمل أصناف المخلوقات والكائنات. هناك الكثير من الآيات التي تتناول مختلف أشكال التنوع، بما في ذلك التنوع الطبقي واللغوي والديني والثقافي، وحدد طرق التعامل مع كل هذه الصور من التنوعالإنساني.

-  التنوع الجنسي: لقد أكد القرآن الكريم على الفوارق بين الذكر والأنثى، برغم هذا الاختلاف بقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ (آل عمران: 36) نجد أن للمرأة قدراً، وللرجل قدراً مختلفاً، لأن الاختلاف قائم في بعض الأحوال فقط، بين الذكر والأنثى في الأحكام، إنما ليس تقليلاً من شأن المرأة ولكنه مراعاة للفوارق الفسيولوجية والاجتماعية ،القائمة بين الرجل والمرأة.

-  التنوع العرقي: إن الوجود البشري المتنوع في أعراقه وألوانه ولغاته وثقافاته، يرجع إلى أصل واحد، كما يؤكد على ذلك القرآن الكريم، وفي الشعوب والقبائل هناك تعددية تثم التمايز الذي يدعو القرآن إلى توظيفه في إقامة علاقات التعارف بين الفرقاء المتماييزين. إن خلق الإنسان من نفس واحده وخلق زوجته أمنا حواء منه ثم خلق منهما رجالا كثيره ونساء ومنهم تكونت شعوب وقبائل عديده متنوعه في شكلها وفى ثقافتها ولونها ولغتها وتاريخها وعاداتها لآيه عظيمه من آيات الله التى تدل على قدرته وحكمته فى الخلق.

-  التنوع اللغوي: إن اللغة في حقيقتها وسيلة للتخاطب، لا للتفاضل، ولا يعكس اختلاف الألسنة وتعدد اللغات حالة تفاضل أو تفوق بين الشعوب، فليست هناك لغة تمنح التقدم للناطقين بها، أو لغة تفرض التخلف على أبنائها، وإنما اللغة وعاء وأداة تتسع وتضيق بحسب مستوى ثقافة المتحدثين بها بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِين﴾ (سورة الروم الآية 22) هذه الآية الكريمة صريحة في كون تعدد اللغات واختلاف الألسُن يعد مظهرا باهرا من مظاهر عظمة الله وقدرته وبديع صنعه.

-  التنوع الديني: التنوع الديني سنة كونية ومشيئة إلهية، يصرح القرآن أن التعدد والاختلاف بكافة أشكاله هو محض المشيئة الإلهية كما يقول سبحانه وتعالى:﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ (هود: 118) أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون الناس مختلفين ومتنوعين فى كل شئ فى لغاتهم وأديانهم وأجناسهم وألوانهم ومشاربهم وأفكارهم وأيديولوجياتهم، والحقيقة أن كل شكل من أشكال التنوع والاختلاف في هذا الكون هو في الحقيقة آية من آيات الله ونعمة من نعمه.

-  التنوع الثقافي: مما يستدعي التفاعل المنسجم والرغبة في العيش المشترك بين الأفراد والمجموعات ذات الهويات الثقافية المتعددة والمتنوعة لما في ذلك من احترام للرأي الآخر وتفصيل لأسس التنوع الثقافي. قد وردت في القرآن الكريم نصوص متعددة تؤكد التنوع وتدعو إلى قيمه وتؤصلها، وذلك من قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (المائدة: 48)، لقد خلق الله سبحانه وتعالى البشر للتنوع والاختلاف لترسيخ قيم التوافق والتعاون والتعايش بين أتباع الحضارات والثقافات المختلفة.

 التنوع انشغال رئيسي في العصر الحاضر، له دور إيجابي في بناء المجتمع. التنوع يدل على تقاسيم الثروة التي تملكها كل ثقافة من ثقافات العالم. لقد اعتررف الإسلام الاختلاف حقيقة إنسانية وحاجة طبيعية لا يمكن قمعها. وعلى هذا الأساس خلق الله البشر في ألسن وثقافات وجنسيات مختلفة. إن نظرة الإسلام إلى الحق في التنوع الثقافي نابعة من كون القيم الروحية النابعة من مصدر ديني هي وحدها الكفيلة بتوجيه أنماط السلوك الحضاري الهادفة إلى صيانة الحضارة الإنسانية من الانحلال، وهو ما يقتضي التعرف على الآخر والاعتراف به، إذ بدون احترام الآخر في اختلافه لن يكون لقيم كالسلام والعدل والكرامة الإنسانية، ولا للتسامح والمحبة والتآخي.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4661 المصادف: 2019-06-10 03:22:37