 قضايا

هل الفلسفة اليونانية فلسفة مصرية مسروقة (3)

محمود محمد علينعود للجزء الثالث والأخير من مقالنا السابق، فنقول:  كان المعبد الأيوني في ديديما ومحفل إقليدس في ميجارا ومحفل فيثاغورس في كروتونا والمعبد الأورفي في دلفي علاوة على مدارس أفلاطون وأرسطو! كل هذه كانت محافل صغرى يتولى المحفل الأعظم إدارة وتوجيه نظم الأسرار فيها كما يسمح بتبادل الزيارات بين المحافل لضمان تقدم الأخوة الأعضاء في العلوم السرية. يقول أفلاطون في محاورة طيماوس: "إن الطامحين إلى المعرفة الصوفية قد زاروا مصر ليبدأوا حياة المريدين! وهناك قال لهم كهنة معبد سايس "إنكم أيها اليونانيون لستم سوى أطفال في نظام الأسرار"، ولكنهم سمحوا لهم بالالتحاق بغية تحصيل معارف تؤهلهم للارتقاء في سعيهم للتقدم الروحي". ومما له مغزى في هذا المقام أن اليونانيين اعتادوا النظر إلى معبد دلفي باعتباره مؤسسة أجنبية! فلم يتعاطفوا معه بل وعمدوا إلى تدميره مما يعني أنه كان شعبة تتبع نظام الأسرار المصري. والجدير بالذكر أنه بعد احتراقه في 548 ق.م فإن مريديه لجأوا إلى المعلم الأكبر أحمس ملك مصر طالبين عونه فقدم لهم من الأموال! لإعادة بنائه! ما يزيد على الحاجة ثلاث مرات!

وأما الفصل الرابع فيخصصه المؤلف لبيان أن المصريين علموا الإغريق، وذلك من خلال شهادات كبار مؤرخي اليونان، حيث نجد جورج جيمس يتحدث عن زيارات طلاب العلم من اليونانيين! فيروى لنا أن طاليس زار مصر وتتلمذ على أيدي الكهنة الذين قبلوه مريداً مبتدئاً لتعلم الفلك ومساحة الأراضي وفن القياس والهندسة وفقه الإلهيات المصري! كما أن فيثاغورس سافر عدة مرات إلى مصر وقدمه الملك أحمس ـ بناء على توصية من صديق مشترك ـ إلى الكهنة! أولاً إلى كاهن هليوبوليس ثم إلى كاهن ممفيس وأخيراً إلى كاهن طيبة. وبعد أن أدى اختبارات عديدة من بينها "الختان" أجيز له الانضمام إلى جميع أسرارهم! وتعلم مذهب التقمص الروحي الذي لامثيل له في اليونان وعلم أسرار الموسيقى وقدم فدية إلى ربات الفنون عندما شرح له الكهنة خصائص المثلث قائم الزوايا! وسافر ديمقريطس إلى مصر وقضى فيها خمس سنوات تتلمذ خلالها على أيدي الكهنة وخضع للشعيرة ذاتها "فلا أحد من المصريين سواء درس الهندسة أو بحث في أسرار الفلك تأتى له هذا مالم يجر عملية الختان" كما يقول "أوريجين" المصري!

كما يكشف المؤلف في هذا الفصل عن قضيه غزو الإسكندر الأكبر لمصر والنتائج التي ترتبت علي هذا الغزو . هذا ويقص لمؤلف علينا في هذا الفصل مسألة استحواذ مدرسة أرسطو علي مكتبه  الإسكندرية، وكيف حولوا المكتبة إلي مركز أبحاث جامعه لتعليم الإغريق الذين اضطروا إلي الاستعانة بأساتذة مصريين بسبب صعوبات اللغة ولأسباب أخري، كما يقص لنا أيضا مسألة نهب اليونانيين لمكتبة الإسكندرية وكيف استطاع البطالمة إكراه الكهنة المصريين علي الإفضاء بما لديهم من معلومات مفيدة في مجال الطب والرياضيات والفلك .... الخ

وفي هذا الصدد يقول جورج جيمس :" هكذا كان حال التلاميذ اليونانيين إلى أن جاء غزو الإسكندر لمصر فاستولوا على مكتبة الإسكندرية ونهبوا ما فيها من كتب! ومن المعتقد أن هذه هي الطريقة التي حصل بها أرسطو صديق الإسكندر على كميات الكتب الهائلة التي زعموا فيما بعد أنه صاحبها ومؤلفها. لقد حول تلامذة أرسطو المكتبة إلى مركز أبحاث وجامعة مفتوحة لتعليم اليونانيين مستعينين بأساتذة مصريين بسبب صعوبة اللغة".

وأما الفصل الخامس، فيخصصه المؤلف لدراسة مبادئ فلاسفة اليونان ومقارنتها بمبادئ نظام الأسرار المصري، وفي هذا يبين جورج جيمس أن الفلاسفة اليونانيين مارسوا عمليه الانتحال ولم يعمدوا شيئاً جديداً، كما أن مصدر تعاليمهم هو نظام الأسرار الذي حصلوا عليه من خلال الاتصال المباشر بمصر أو غير مباشر عن طريق المصريين أنفسهم . وهو يوضح لنا في هذين الفصلين حقيقه أن مصر هي مصدر التعليم العالي في هذا العالم القديم وليست اليونان ؛ حيث أنه يري أن مؤسسه النظم أو الطبقات الكهنوتية المقدسة نشأت عن نظام الأسرار المصرية ؛ حيث اعتاد الكهنة المصريون أن ينتظموا في طبقات كهنوتيه أو نظم أخويه مختلفة الدرجات والتثقيف كل حسب مرتبته،وهذا من شأنه أن جعل الكهنوتية هي القيم والحارس الأمين علي التعليم حتي فجر العصر الحديث وأوضح هذا أيضا أن الأفارقة هم أول أساتذة في التعليم العالي .

وأما الفصلين السادس والسابع، فيخصصه المؤلف لدراسة " تعليم الكهنة المصريين ومناهج التعليم في نظام الأسرار المصري "، ويذكر المؤلف أن بطليموس الأول أصدر أمره إلى كبير الكهنة المصريين "مانيتو" ليدون تاريخ الديانة والفلسفة والعلوم عند المصريين! وأنجز "مانيتو" المهمة وأصبحت مؤلفاته هي المراجع الأساسية في جامعة الإسكندرية. وبخصوص المنهج التعليمي في نظام الأسرار المصري يوضح المؤلف أنه كانت هناك ست مراتب للكهنة! كل مرتبة يتوجب على من فيها امتلاك عدد معين من كتب هرمس الـ 42! ويتعين على المراتب السابقة على مرتبة "المتنبئ" أن تعرف 36 من هذه الكتب وتشتمل على كل الفلسفة المصرية! أما الكتب الستة الباقية فيجب أن يعرفها إخوة مرتبة الباستوفوري. كان المنهج التعليمي يشتمل على:

1 - الفنون العقلية السبعة التي تشكل أساس التثقيف لجميع المبتدئين وتشمل قواعد النحو والصرف والحساب والخطابة والجدل "أي العلوم الرباعية عند أرسطو!!" والهندسة والفلك والموسيقي "أي العلوم الثلاثية عند أرسطو أيضا".

2 - علوم كتب هرمس الـ 42

3 - علوم الآثار "الأهرامات ـ المسلات ـ العمارة ـ النجارة ـ الهندسة ـ المعادن إلخ".

4 - العلوم السرية "الرموز العددية ـ الرمزية الهندسية ـ السحر ـ كتاب الموتى ـ الأساطير ـ الحكم والأمثال"

5 - النظام الاجتماعي وحمايته "فقد كان الكهنة علاوة على هذا محامين وقضاة وموظفي دولة ورجال أعمال وتجارة".

وأي منصف إذا ما قارن بين هذا المنهج وبين الموضوعات الواردة في قائمة أرسطو أو أفلاطون فسيتضح له أسبقية هذا المنهج المصري فضلاً عن احتوائه على كل ما ورد عند كل منهما.

وأما الفصل الثامن والأخير من الجزء الأول، فيخصصه المؤلف لدراسة " فقه إلهيات ممفيس " وكيف يمثل هذا الفقه الأساس الحقيقي لجميع المبادئ الهامه في الفلسفة اليونانية، وهو يوضح هذا ؛ حيث يقارن بين مبادئ الفكر الفلسفي المصري القديم، والمتمثل في نظرة متكاملة إلي الكون من حيث النشأة الأولي ونواميس تطورها وعلاقه الإنسان بالوجود والقيم النابعة من هذه النظرة الوجودية، وبين المبادئ الأولي للفكر التلفيقي عند فلاسفة الإغريق جميعا كل علي حده، وقد أوضح المؤلف من خلال هذه المقارنة التطابق بين عديد من العناصر السياسية لفكر المدارس الفلسفية الإغريقية، وبين الفكر المصري القديم، وأكد أن الفكر المصري الفلسفي أو فقه إلهيات ممفيس الذي سجلته لوحة محفوظة في المتحف البريطاني هو الأول والأكثر شمولاً، والأوسع عهداً، ومن ثم فهو المنهل والمصدر الذي روي ظمأ الفلسفة اليونانية .

يقول المؤلف أن فقه إلهيات ممفيس أساس جميع المبادئ المهمة في الفلسفة اليونانية. وفقه إلهيات مدرسة ممفيس هو نقش على حجر محفوظ الآن في المتحف البريطاني ويحتوي على آراء المصريين القدماء بشأن الإلهيات والكوزمولوجيا والفلسفة! ويرجع تاريخه إلى عام 700 ق.م ويحمل اسم فرعون مصري يقرر فيه أنه استنسخ نقشاَ لأسلافه وقد أمكن التحقق من التاريخ الأصلي لفقه إلهيات ممفيس والذي يقع ما بين 4000 - 3500 ق.م.

يتألف النص من ثلاثة أجزاء متكاملة! يستنتج من الجزء الأول أن:

أ - الماء مصدر كل شيء حي.

ب - الخلق إنجاز تحقق بفضل وحدة مبدأين خالقين بتاح وآتوم أي وحدة العقل "نوس" مع كلمة الخلق "لوجوس".

جـ - آتوم هو الصانع الأول أو الإله الوسيط في عملية الخلق.

د - المبادئ المتضادة تحكم حياة الكون.

هـ - عناصر الخلق هي النار "آتوم" والماء "نون" والتراب "بتاح" والهواء "تاتيجين".

وبذا يعتبر الجزء الأول من فقه إلهيات ممفيس المصدر الأول للفلسفيات اليونانية.

كما يستنتج من الجزء الثاني أن عملية الخلق هذه أسفرت عن:

أ - التاسوع أو وحدة الأرباب التسع في ربوبية واحدة.

ب - مبدأ الصانع البارئ

جـ - مبدأ الأرباب المخلوقة

د - مبدأ المحرك غير المتحرك

هـ - مبدأ الأضداد

و - الحضور في الكل والمعرفة المحيطة بالكل

ومن هذا يتضح من أين جاء "مبدأ خلق الأرباب" عند أفلاطون ومبدأ المحرك غير المتحرك عند أرسطو! وكذلك مبدأ العلة العاقلة أو العقل المفكر والمدبر المسئول عن حياة العالم الذي نسبته الفلسفة اليونانية إلى أناكساجوراس وسقراط وأفلاطون. ويقرر المؤلف بشكل قاطع أن مذاهب الفلاسفة اليونانيين! كل على حدة! إنما هي أجزاء من تعاليم ذلك الفقه وهو مصدرها جميعاً. ويذهب إلى أن الفروض العلمية الجديدة مثل الفرض السديمي عند لابلاس! والقول بوجود تسعة كواكب رئيسية حول الشمس منشؤهما آتوم الإله الشمسي المصري أو إله النار الذي يتطابق مع مفهوم الذرة في العلم الحديث! مما يتوجب معه طرح فقه إلهيات ممفيس للبحث العلمي الجاد! واعتبار السحر القديم مفتاحاً للتفسير والتأويل! ففي هذا الفقه أول نظرية تقول بمركزية الشمس للكون.

وفي الجزء الثاني من الكتاب والذي اقتصر على فصل واحد بعنوان "الإصلاح الاجتماعي من خلال فلسفة جديدة لتحرير إفريقيا"! يفصح المؤلف عن هدفه من الكتاب! وهو إرساء دعامة علاقات أفضل بين الأعراق عن طريق بيان حقيقة إسهام القارة الإفريقية في الحضارة الإنسانية. الكتاب إذن فلسفة وفاء وتحرير يرد الحق إلى أهله مؤكداً ذلك بالوثائق والأسانيد! ويحرر الشعوب السوداء من عقدة الشعور بالدونية كما يحرر الشعوب البيضاء من عقدة استعلاء كاذبة وهمية! ثم هو دعوة إلى الشعوب السوداء لكي تنهض تأسيساً على حقيقة تاريخها العريق واجتهاداً للحاق بركب العصر الحديث.

وجورج جيمس في هذا الجزء يتناول الفلسفة الجديدة القائلة بأن الشعب الأسود في شمال أفريقيا قد أعطي العالم الفلسفة وليس الإغريق، وأيضاً عن طريق رفض عباده العقل الإغريقي لأنه ما يجري هو عمليه تضليل تعليمي .

إن فلسفة التحرر الإفريقي الجديدة عند جورج جيمس هي المهرب وملاذ النجاة الذي لا فكاك منه للشعوب السوداء لتنجو من ورطتها الاجتماعية الناجمة عن تراث زائف خاص بها أطلقه وبعث به الاسكندر الأكبر وأرسطو ومدرسته، ثم الإمبراطور ثيورداسيوس"  و" الإمبراطور جوستنيان " إذ أصدر كل منهما مرسوما بإلغاء نظم الاسرار المصرية، أعني أعظم نظام تعليمي عرفه العالم ووضع المسيحية منافسا أبدياً له .

وفي نهاية عرضنا يمكن القول بأن كتاب التراث المسروق لجورج جيمس سياحة عقلية خالية من أي تعصب، بعيده عن أي إسفاف، مجردة من أي هوي، واعية متأنية في ذاكره تاريخ حركة الفكر الفلسفي المصري القديم، نقف من خلالها مع المؤلف علي آثار ومنجزات نظام الأسرار المصري الذي صنع هذا التاريخ وشكل بالفلسفة اليونانية .

وفي النهاية نبارك مبادرة أستاذنا الأستاذ شوقي جلال علي ترجمته لهذا الكتاب، وقد بذل بذلك جهداً كبيراً حتي يحافظ  علي النص دون أن يكون مكبلاً بالمعاني الحرفية للألفاظ، فجاءت الترجمة أمينه ودقيقه، وقد قيل بحق أن مؤلف أي كتاب ينظر من قرائه الثناء والمديح، إلا أن مترجم أي كتاب يتمني أن يتحاشى التقريظ والنقد، ولكن المترجم علي أيه حال لابد أن يضطلع بدوره، مهما كان النقد، لأنه يفتح الطريق ويمهدها، ليسهل علي اللاحقين عليه تعبيدها وتوسيعها، فليكن هذا الكتاب باباً جديدا يدخل منه الباحثون العرب إلي دراسات أوسع وبحوث أشمل لمعرفة العلاقة بين الفلسفة المصرية والفلسفة اليونانية .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4661 المصادف: 2019-06-10 03:45:42