 قضايا

دار المُسنِّين والأيتام وسؤال الأخلاق ـ قراءة فلسفية

محمد عرفات حجازيتنتشر في الوطن العربي خصوصًا، وفي أرجاء المعمورة عمومًا ـ دور رعاية المسنين وملاجئ الأيتام، وأمام هذا الانتشار الملحوظ نتساءل: ما هي أسباب اللجوء إلى تلك المؤسسات؟، وما هي أبرز حاجات تلك الشريحة الاجتماعية؟، ثمّ كيف السبيل لنشر الوعي الصحيح تجاههم؟، والسؤال الأبرز هنا: إلى أيّ مدى نحن مسئولون تجاههم؟، ثمّ لماذا تجدر علينا مساندتهم؟!

يلجأ كبار السنّ لدور الرعاية لعدّة أسباب، من أهمّها: إهمال الأبناء لآبائهم نتيجة تسلّط الزوجات، أو الضغوطات الاقتصادية وغلاء المعيشة ونفقات العلاج في مقابل الدخل المحدود؛ ما يدفع الأبناء لإيداع ذويهم في تلك المؤسسات للحصول على الرعاية المطلوبة.. وقد يكون السبب فقدان الذاكرة، وانقطاع سُبل التواصل مع الأهل، وصعوبة التعرّف عليهم.. كذلك فإنّ الوحدة قد تكون سببًا في ذلك ـ بمعنى أنّ الشخص لا يملك من الأهل أحدًا.. أضف لما سبق، فقد يلجأ كبار السنّ لتلك الدور هربًا من سوء المُعاملة الأسرية، وبحثًا عن الهدوء والراحة النفسية، وطلبًا للعناية والاهتمام.

ويلجأ الأطفال لدور الرعاية بسبب إهمال الأهل لأبناء الأخ أو الخت بعد وفاتهم؛ نظرًا لضغوطات الحياة، مما يضطرّهم للزجّ بهم في تلك المؤسسات.. أو قد يكون السبب أنهم جاءوا للحياة بطريقة غير شرعية، فتخلّصت منهم الأمّ.. وأحيانًا يكون السبب زيادة عدد أفراد الأسرة في مُقابل الدخل المحدود، ما يدفع الأسرة للتخلّص من أحد الأبناء أو بعضهم بوضعهم في تلك المؤسسات.

هذا وقد تمتنع دور المسنّين وملاجئ الأيتام عن استقبال العديد من الحالات؛ لعدّة أسباب من بينها الأمراض المُزمنة، أو المُعدية، أو نتيجة إدمانهم المُخدرات...

إنّ التعامل مع تلك الشريحة الاجتماعية يتطلّب إخصائيين على درجة وقدرة فائقة للتعامل معهم واحتوائهم، وتوفير الرعاية النفسية لهم، والرعاية الصحية والاجتماعية، والمُسامرات الدينية، والبرامج الرياضية، والفقرات الترفيهية والثقافية والندوات الفكرية، كما يجب عدم التعامل معهم بعنف من قِبل العاملين بتلك المؤسسات.

واليتامى بحاجة إلى التربية والاحتواء؛ لمنحهم الاستقرار النفسيّ والشعور بالأمان دون الاقتصار على الطعام والملابس فقط.. بل يجب منح اليتيم حقّه للعيش بأمان، وفي استقرار يرفع من جودة حياته ويُسهم في بناء مجتمع حيوي، إلى جانب ضرورة إعادة تأهيلهم علميًّا ودينيًّا وحرفيًّا... ومن جهة أخرى، فإنّ التعامل مع المُسنّين فنٌّ يحتاج إلى مزيد من الصبر والحلم والحكمة، كما أنّ الاستفادة من خبراتهم وتلمّس احتياجاتهم مطلب تنمويّ، وهنا نقترح دمج دور رعاية المُسنين مع ملاجئ الأيتام؛ إذ قد يساعدنا ذلك على تكوين أسر جديدة، ناهيك عن استفادة الأحفاد من خبرة الأجداد... وغيرها من فوائد.

إنّ تنامي وجود تلك الشريحة، والتزايد المُستمرّ للمؤسسات الراعية لهم، يصبّ الزيت على ضرورة نشر الوعي تجاههم، بل ومُساندتهم من خلال عدّة محاور، مثلًا: إقامة حفلات خيرية لصالح نُزلاء تلك المؤسسات.. والدعوة لإقامة زيارات ميدانية من مؤسسات المجتمع المدني والمدارس والجامعات؛ للتوعية حول الاهتمام بالوالدين، وتوضيح الجوانب السلبية لإهمالهم، وغرس مبدأ العمل التطوعيّ.. إلى جانب ضرورة وجود زيارات فنيّة يمكن أن نستلهم منها مواضيع درامية، وبرامج توعية لكافة شرائح المجتمع.

والسؤال الأهم هنا هو: إلى أيّ مدى نحن مسئولون تجاههم؟، ثمّ لماذا تجب علينا المساهمة ومساعدة تلك الشريحة، بل ونشر الوعي تجاههم؟!

لم يكن رأي الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844ـ 1900م) ببعيد في هذا الصدد، وإن جاء في سياق مُخالف قليلًا؛ حيث مضى في كشْف النقاب عن خداع قيم الضعفاء (العبيد)، فيقول: إنّ العطف على القريب من خلال تزويق الكلام، ما هو إلا أنانية مُضلّلة؛ لأنّكم تلجئون للقريب هربًا من أنفسكم، وتُريدون أنْ تعدّوا هذا العمل فضيلة.. وأنّ من الناس مَن يهرع إلى جاره لِيُفتِّش عن نفسه، ومنهم مَن يذهب إليه لِيَنْسَاها، وذلك خوفًا مِن العُزلة والانفراد، الذي يُمثّل سجنًا للإنسان.

ولكي نتجنّب صدور قيمنا الأخلاقية من موقف الضعف والأنانية؛ فإنّنا نؤكّد على جملة من الأسباب تدفعنا لمساعدة الآخر، والتي ـ فيما نعتقد ـ يجب أن نعمل جاهدين على غرسها في نفوسنا وأجيالنا الشابة من قبل.. فمن منظور ديني: تجدر علينا المساعدة لأنّنا وُكلاء على خيرات ونِعَمِ الله في الدنيا، ولكي ندفع عن أنفسنا البلاء، ولتحقيق فلاحنا؛ استنادًا لقول الله تعالى: "وافعلوا الخير لعلّكم تُفلحون" ()، ما يعني أنّ الرحمة والتعاون والتكافل قيم ومبادئ إنسانية يغرسها فينا ديننا. ومن منظور اجتماعي: فإنّ تحقيق التكافل الاجتماعي مسئوليتنا، والخير لا يمكن أن يتحقّق دون تعاون مجتمعي وجهود مُشتركة، كما أنّ التعايش مع مختلف فئات المجتمع وحمل أفكارهم ومشاعرهم وقضاياهم يجعل منّا أشخاصًا فاعلين اجتماعيًّا وإنسانيًّا، أيضًا فإنّ العطاء باب مفتوح بلا شروط ولا حدود، وهو علاقة تكامليّة تمنح المُتلقّي مُبتغاه وتعود على المُعطي بالنفع في دنياه وآخرته، ناهيك من أنّ الإنسان يسمو في الحياة بقدر ما يُنفق لا بقدر ما يجمع، وهو ما يمنح حياتنا معنى أعمق.

ومن منظور حضاري: فإنّ نهضة المجتمعات ورقيّها يكون بترابطها وسعيها لقضاء حاجات أفرادها، وهو ما يجعلنا نخلق مجتمعًا تكافليًّا يقوم على التراحم والبِرّ والترابط الإنساني، ويسوده العدل والتكامل. ومن منظور أخلاقي: فإنّ سعادة العطاء تفوق لذّة الأخذ، وكان البذل والعطاء تهذيبًا لنفوسنا، والإنسان يرتقي وتسمو نفسه بقدر إنفاقه ممّا يُحبّ، ناهيك عن أنّ سخاء الروح وكرم النفس يُضفي راحة وطُمأنينة على المرء تلمسها في أفعاله، وأخيرًا: فإنّ جملة ما عدّدناه من أسباب ستساعدنا أن نصنع للأجيال القادمة نماذج خيّرة يُقتدى بها..

 

محمد عرفات حجازي/ باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4664 المصادف: 2019-06-13 12:35:21