 قضايا

التعليم لمن يستحق أم للجميع؟!

منى زيتونفي مصر دار جدل منذ سنوات عن تصريح لوزير العدل المصري، قال فيه إن ابن عامل النظافة لا ينبغي أن يُسمح له بالالتحاق بالنيابة العامة، وما يستتبعها من انسلاك في سلك القضاء. والغالبية العظمى من الشعب المصري –وأنا منهم- انتقدت هذا التصريح بشدة، ولكن هذا لم يمنع من استخدام بعض المغالطات، كالمعتاد في أي حوارات عربية!

ونظرًا لأنني أرى الموضوع خطير للغاية أن يصدر مثل هذا التصريح عن وزير العدل شخصيًا، فقد ساءتني تلك المغالطات بقدر ما ساءني التصريح وقررت الرد عليها.

المغالطة الأولى تقول إن الحقيقة مُرة، والرجل لم يزد على أن قال الحقيقة!

وكأن الرجل إعلامي أو حتى وكيل نيابة يصف الواقع. المتحدث هو المسئول عن تعيين وكلاء النيابة، والمفترض أن بيده تغيير ذلك الواقع إن كان لا يعجبه، ولكنه يحدثنا عنه كأمر هو مقتنع به ولن يغيره، وستبقى سياسة التوريث واعتماد معايير غير الكفاءة للتوظيف، والمتفوقين ممن لا يملكون واسطة عليهم أن يخبطوا دماغهم في الحيط وفقًا للتعبير العامي، ثم نتساءل لماذا ضعف الانتماء؟

المغالطة الثانية: أن كل من يدعي أن الكفاءة الاجتماعية ليست شرطًا للتعيين في الوظائف السيادية لو تقدم ابن عامل النظافة له طالبًا يد ابنته أو أخته سيقابل طلبه بالرفض!

وهذا تخبيص من نوع آخر، فالكفاءة الاجتماعية شرط من شروط الزواج، بل يجوز فسخ الزواج في الفقه الحنفي عند عدم توفرها، ولكن ما علاقتها بالعمل؟! هناك معايير متطلبة لأداء كل عمل، وفي الدول المتقدمة يتم تحديد تلك المعايير إجرائيًا، وأحيانًا يتم إجراء اختبارات نفسية للمتقدمين لشغل بعض الوظائف للتأكد من انطباق المعايير الملائمة عليهم.

يحق للمسئول أن يتحدث عن الوضع الاجتماعي ويتعلل به عندما يطلب أحد مصاهرته. الوظيفة ليست ابنتك!

المغالطة الثالثة: من يأتي من طبقة اجتماعية أقل رقيًا ليست لديه اللياقة النفسية لأداء مهام وظيفة عالية في السلم المجتمعي!

والحقيقة أنه لا توجد مثل هذه العلاقة، أو على الأقل فالارتباط ليس تامًا، ولو كان هناك إنصاف وتم التقدير بناء على معايير الوظيفة لكان قد تم تطبيق استبيانات على جميع المتقدمين لنرى من تنطبق عليه ويحظى بالوظيفة، ولكن الهدف ليس الكفاءة. الهدف هو ترسيخ الطبقية على أساس معايير فاسدة.

والطبقية موجودة منذ بدأ الخلق، وفي كل المجتمعات، فالله فضل بعضنا على بعض، ولكن فرق بين أن يحتل الكفء المكانة الأرقى وبين أن يحتلها شخص لأنه ابن المدير أو الوزير. هذا هو المعيار الفاسد.

المغالطة الرابعة: التفوق في التعليم ليس دليلًا على الأحقية في التقدم في السلم الاجتماعي!

بينما القاعدة الأساسية لحياة البشر أن الدنيا دوارة، والحراك الاجتماعي حاصل لا محالة، ولا يمكن لعائلة مهما كان شرفها وعزها في زمن أن تضمن بقاءه للأبد، ومجدها يصنعه كفاءة الأبناء، والتي تتفاوت من جيل إلى جيل، مما يجعل الدائرة تدور بين البشر.

لكن المشكلة أنه منذ أكثر من 60 عامًا نشأت طبقة وضيعة في المجتمع المصري، صعدت إلى قمة هرمه، وتريد تثبيت الزمن عليها وعلى أبنائها، ومنع الحراك الاجتماعي الذي من الطبيعي أن يحدث في أي مجتمع!

ومع الأسف، فإن أغلب من يعلون هرم المجتمع المصري الآن بهذا الوصف، وتصرفاتهم تدل على دواخلهم ودناءة أصولهم، إلا إن تم التقييم على أساس المال والشهرة. وربما كان عامل النظافة هذا أصله أفضل من أصولهم.

وتزامن مع صعود هذه الطبقة الوضيعة شيوع التعليم في المجتمع المصري ليكون للجميع، وصولًا للمرحلة الجامعية، بينما وحتى نهاية العهد الملكي، كان هناك صنفان يتعلمان:

*أبناء الأغنياء، لأنهم قادرون على دفع المصروفات، ومهما فعلوا لو لم تكن مستوياتهم العقلية تؤهلهم لاستكمال التعليم لن يحصلوا على الشهادة.

* المتفوقون مهما كان وضعهم الاجتماعي بائسًا، وكانوا يحصلون على إعفاء من المصروفات.

من ثم، كانت الكفاءة هي المعيار الأول والأخير، وكانت مصر في مصاف أوروبا.

أما الآن، فالكل يدخل المدارس والكل يأخذ شهادات، والمتفوق يبلها ويشرب ميتها وفقًا للتعبير العامي، والفاشل ينال الوظيفة الراقية لأن لديه واسطة. وأصبحنا في مجتمع يعاني من تفشي أعشار المتعلمين -لن أقول أنصاف-، ومع ذلك يوضعون في أرقى المناصب بالواسطة التي تحاول المحافظة على الطبقية على أساس فاسد وليس صحيحًا. ثم نسأل لماذا تخلفنا؟!

ولو أردنا متابعة الدائرة من بدايتها، فالدروس الخصوصية هي ثمرة من ثمرات أن يكون التعليم للجميع وصولًا للتعليم العالي، لأنه طالما نُصر على أن نعلم أفرادًا تعليمًا أكاديميًا لدرجة أعلى من محدداتهم العقلية الطبيعية التي وهبهم الله إياها، ونريدهم أن يحصلوا على شهادة نعلم أنهم لا يستحقونها، فسنضطر أن نلجأ لوسائل مساعدة، فكانت الدروس الخصوصية، ثم زاد الغش، وتطور الأمر حتى شعر المتفوقون دراسيًا ممن كانوا يعتمدون على أنفسهم أنهم بحاجة إلى دروس خصوصية، حتى لا يعلو عليهم من يقلون عنهم ذكاءً، وهكذا دواليك زادت الدروس وزاد الغش، وصار الطلبة لا يشعرون أن التفوق يمكن أن يسهم في تحديد مستقبلهم إلا فيما ندر، فضعفت الرغبة في التحصيل حتى لدى المتفوقين؛ لذا أقول إن الواسطة هي سبب رئيسي من أسباب بلوتنا.

منذ أن أصبح التعليم العام للجميع خرَّج لنا ملايين، أغلبهم لا يستحقون الشهادات التي حصلوا عليها، لكن لو كان كل طالب ذو قدرات دراسية محدودة يعرف أن مستواه العقلي لا يساعده في المجالات العلمية والأدبية، ويدرك أيضًا أنه لن يعمل بالمؤهل، مثلما هو الحاصل مع أمثاله في أوروبا وأمريكا، ما زاحم المتفوقين، ولاستثمر مهاراته في النطاقات الحرفية والفنية فيما يعود عليه وعلى المجتمع بالنفع، ولو شعر الطلبة ذوو القدرات العقلية العالية أن التعب في تحصيل العلم سيؤتي ثماره لبذلوا مجهودًا أكبر في الدراسة لأن مستقبلهم قد يتوقف عليه، ولم يكن المتفوق دراسيًا حتى لو كان من بيئة اجتماعية بسيطة ليشعر بالكره والحقد على المجتمع، لأن المجتمع لم يظلمه.

نعم التعليم العام ينبغي أن يكون لمن يستحق، والتعليم الأساسي فقط هو الذي كالماء والهواء، ومن يريد أن يكمل تعليمه أيًا كان مستواه الاجتماعي، فعليه أن يثبت كفاءته، وليس أن يأخذ دروسًا لحفظ ما يمكن أن يأتيه بالامتحان وقد يغش، ويتخرج لا يفقه شيئًا، ثم يزاحم المتفوقين ويأخذ فرصهم.

 

د. منى زيتون

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

تغيير في الجملة لم يتم حفظه قبل إرسال الملف: وعلى المتفوقين ممن لا يملكون واسطة أن يخبطوا دماغهم في الحيط

د. منى
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4677 المصادف: 2019-06-26 02:07:45