 قضايا

أحكام المواريث وقيم الرجولة

منى زيتونفعلتها تونس منذ أشهر! كما فعلتها تركيا منذ قرن مضى!

منذ فترة طويلة ونحن نقرأ عن نية واضحة في تونس لتعديل أحكام المواريث؛ بإقرار المساواة بين النساء والرجال في الميراث، لتتناسب مع التوجه العلماني للدولة التونسية. ومن الواضح أن أغلب نساء ورجال تونس راضون بهذا التعديل الذي تم مؤخرًا، ولم يشكل لهم أزمة، ولكن الأزمة أبت إلا أن تحدث في مكان آخر!

في مصر، صرّح الدكتور الأزهري سعد الدين الهلالي بأن تعديل آيات المواريث لا يناقض الشريعة الإسلامية، وأننا يومًا ما سنسير على درب تونس ونطبقه في مصر، ليسارع الأزهر بإصدار بيان يناقض فيه تصريح الهلالي.

الأهم، كان رد فعل الرجال في مصر، من كل التيارات، تجاه الأمر، وكأن أحكام المواريث هي صلب الإسلام الذي يكادون ينتهكون ثوابته عيانًا جهارًا، في كل سلوك، قولًا وفعلًا. أما النساء فقد اختلفت نظرتهن، وانقسمت رؤيتهن حول الموضوع، وقد لمست ذلك بنفسي، وإن لم تصرح سوى قلة قليلة منهن بذلك، تجنبًا للتسافه المؤكد الذي يمكن أن يرد به الرجال.

أتذكر يوم عزاء والدي أن عمتي –رحمة الله عليهما- قالت لي: لم يكن هناك أحن منه، لم يزرني يومًا إلا وأخذني في آخر الزيارة إلى جانب، ومد يده، وأعطاني مالًا.

وحتى عهد قريب، كانت هدايا المواسم والأعياد تُعد للأخوات من بيوت الإخوة، محملة بكل ما لذ وطاب من الطيور واللحوم وغوالي أصناف الأطعمة.

لم تكن أي امرأة تستشعر ضيقًا لأن أخاها أخذ ضعف نصيبها في الميراث، ليس فقط لأن الشرع قد قرر ذلك بوضوح، ولكن لأن الرجل بالفعل كان هو من يتولى مسئوليات الإنفاق وحده على بيته، ويبر بأخواته البنات لأعوام طوال حتى مماته. من ثم، كانت أحكام المواريث متناسبة مع قوامة الرجل على المرأة، وداعية لبر وصلة الرحم.

أما الآن، فأسر كثيرة تعيش على إعالة المرأة، وحرفيًا يمكننا القول إنه لولا عمل الأم لتضور أبناء تلك الأسر جوعًا، بينما الأب ينفق أمواله على نفسه، ما بين جلسات مقاهٍ، وتعاطي مخدرات، وبعضهم ينفقها على مظهره، وقد يعطي القليل لأبنائه، وقد لا يعطي! فإن كان أشباه رجال لا ينفقون على أولادهم، هل يُنتظر منهم أن يبروا بأخواتهم؟!

حُكي لي عن إخوة ذكور –رغم غِناهم- رفضوا شراء تجهيزات زفاف أختهم الصغرى من مالهم، وقاموا بشراء جزء من نصيبها في الميراث في أرض زراعية كي تشتري ما يلزمها لبيتها، ورضيت صاغرة، لكن لم يفتها أن تسألهم: ولماذا أعطاكم الله إذًا ضعف نصيبي في الميراث إن لم تدفعوا لأمر كهذا؟!

في المقابل، أعرف نموذجًا مخالفًا تمامًا لأخ وحيد، أشرف على تربية أخواته البنات بعد ممات والده، وزوجهن من ماله، وأعطى كل منهن نصيبها في الميراث كاملًا غير منقوص، فهل شعرت إحداهن للحظة أن شرع الله قد ظلمها؟!

أعلم أن المتنطعين ليسوا إلا فئة من رجال المجتمع المصري والعربي، ولكن أعدادهم في تزايد، ومسئوليات المرأة عن إعالة نفسها وأولادها تتزايد هي الأخرى، وكان طبيعيًا أن تشعر هؤلاء النساء بالغُبن، لأن المقصد الشرعي لتقرير نصيب الرجل المضاعف لنصيب أخته قد انتفى فعليًا على أرض الواقع، بينما بقي الحكم، والرجال يدافعون تحديدًا وبشراسة عن بقاء أحكام المواريث لأنها في مصلحتهم، وليس حبًا في العمل بالشرع المعطلة أحكامه في مواطن عديدة، دون أن نجد أي مواقف عنترية مماثلة للدفاع عنها.

يمكنني القول أيضًا إن دفاع الرجال عن بقاء أحكام المواريث دون مساس، هو جزء من نظرة الرجل المصري الدونية للمرأة، التي تتزايد كلما زادت الحياة في إلقاء ضغوطها عليه؛ فالرجل المصري الذي تشعره كثير من مواقف الحياة غير الكريمة بالإهانة، يرى في نظرته للمرأة ككائن أقل منه في الحقوق، ويشعر أمامه بالقوة والتميز، تنفيسًا عن أزمته النفسية الخانقة. إنه دفاع عن النفس، وليس عن الشرع.

قد تكون الأزمة الاقتصادية سببًا رئيسيًا من أسباب الإشكالية، وهي التي تقف وراء تغير كثير من مفاهيم الرجولة في المجتمع، ولكن الحقيقة أنها أزمة أخلاق في المرتبة الأولى، وليس كل من يتنطع فقيرًا، ولا كل من يجود بغني، وليس كل من يسيء إلى المرأة مضغوطًا اجتماعيًا، ولا كل من يحسن إليها بمُرفهٍ.

وما قصدت قوله إن هناك نظامين؛ نظام إسلامي ونظام علماني. النظام الإسلامي الذي وضعه الله سبحانه وتعالى لا تنطوي تحته أحكام المواريث وحسب، هناك القوامة وهناك بر وصلة الرحم. وأشباه الرجال يأخذون من النظام الإسلامي أحكام المواريث لأنها في صالحهم، وأحيانًا في بعض المناطق في دول العرب كصعيد مصر، يمنعون البنات من الميراث كليًا -وعندها لا نجد أحدًا من المتباكين على الشرع يفتح فمه-، كما يأخذ أشباه الرجال من النظام العلماني إسقاط القوامة والبر بالأخوات!

فإما النظام الإسلامي كله أو النظام العلماني كله، وعن نفسي فأنا مع النظام الإسلامي؛ فلأن الله سبحانه وتعالى هو من شرع أحكام المواريث، أرى أن تغيير أحكام المواريث ليس هو الحل، بل الحل أن يعود الرجال رجالًا.

 

د. منى زيتون

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

سعد الدين الهلالي صاحب. مقولة أو نبوءة :

أرسل أو بعث الله رجلين لهذه الأمّة لإنقاذها هما

السيسي و محمد ابراهيم

عرفنا الان مصادر المعرفة لديكِ

صبيح وجدي
This comment was minimized by the moderator on the site

عندما تهاجم خيال الظل لأنك لم تستطع أن تعلن أنك متنطع ممن قصدهم المقال!
ما دخل سعد الدين الهلالي بمحتوى المقال؟!

د. منى
This comment was minimized by the moderator on the site

هناك 9 حالات ترث المرآة اكثر من الرجل ...فهل سنرى المتنطعات من النساءتطالب بتعديل هذه الحالات

السيد على
This comment was minimized by the moderator on the site

في رأيي أن كلا الصنفين؛ المتنطعات من النساء والمتنطعين من الرجال يتلاعبون ويريدون تغيير أحكام الشريعة
ولكن الفارق أن المتنطعات يطلبن المساواة، بينما المتنطعين يريدون نهب حقوق النساء سواء بحرمانهن من حقوقهن الشرعية أو عدم الإنفاق على الأسرة والتنطع على الزوجات وعدم بر الأخوات.
الحقيقة أن ردود الفعل حول هذا االمقال جعلتني أدرك كم بيننا ممن لا يستحون! كنت أظن أن المتنطعين سيختفون ويمتنعون عن التعليق!

د. منى
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4688 المصادف: 2019-07-07 03:53:27