 قضايا

مهارات التواصل والضغوط النفسية

منى زيتونيُعرف الضغط النفسي بأنه أي تغيير داخلي أو خارجي في بيئة الفرد من شأنه أن يؤدي إلى استجابة انفعالية حادة ومستمرة.

والضغط إما أن ينشأ نتيجة لعوامل داخلية كالقلق والاكتئاب والمخاوف المرضية، أو بسبب إساءة استخدام العقاقير الطبية. وقد تكون الضغوط الداخلية على الفرد بسبب طموحه ورغبته في التفوق. كما قد تأتي الضغوط من متطلبات البيئات الخارجية التي تسبب تزايد أعباء الفرد اليومية من ضغوط العمل وضغوط الأسرة والضغوط الاجتماعية.

تتمثل الضغوط الاجتماعية في العادات والتقاليد والقوانين الواجب مراعاتها في المجتمع الذي يحيا فيه الفرد، والتي قد تختلف مع توجهات الأفراد، ومع ذلك يضطرون إلى مسايرتها.

وتختلف المجتمعات في قوة الضغط الذ‏ي تمارسه على أفرادها للخضوع والامتثال لمعاييرها، وعادة لا يجرؤ الأفراد في المجتمعات الصغيرة والريفية والقبلية على مجرد التفكير في الانحراف عن السلوك المرغوب اجتماعيًا أو إبداء الإعجاب بأفكار تخالف أعراف المجتمع حتى لو كانت أكثر منطقية، بينما تعطي المجتمعات الكبيرة والمفتوحة فرصة أكبر لأعضائها للانحراف عن معاييرها.

لكن ينبغي الإقرار بأنه لا يوجد مجتمع لا يطلب من أفراده مسايرة معاييره بدرجة أو بأخرى، ونخطيء حين نتصور أن المجتمعات المتقدمة في عصرنا تتيح حرية لأفرادها أكثر من المجتمعات النامية لأن القوانين التي يفرضها أي مجتمع متقدم هي جزء من معاييره التي يضغط على أفراده لأجل الامتثال لها، ويمكنني القول إن إخضاع الأفراد لقوانين المجتمع يكون أقوى في المجتمعات المتقدمة بينما إخضاع الأفراد لأفكار وقيم المجتمع يكون أقوى في الدول النامية.

ولا ننكر أن لدى كل فرد درجة من المسايرة وإلا لصارت حياته عراكًا مستمرًا بينه وبين مجتمعه لا يملك أي شخص أن يحتملها، ولكن المشكلة تكمن في المسايرة المفرطة التي تفقد الفرد استقلاليته وقدرته على نقد ما يستحق النقد، فينبغي ألا يساير العادات الاجتماعية على حساب نفسه عندما تكون عديمة المعنى والقيمة. ومهارات الفرد التواصلية تسهم بشكل أساسي في توازن الفرد مع الضغوط الاجتماعية وتحقيقه لكلا التوافقين النفسي والاجتماعي.

أما ضغوط العمل فيمكن أن تتمثل في زيادة حجم العمل أو إدمانه، وقد تظهر على العكس في قلة العمل وما يسببه ذلك من ضغط على الفرد، والأهم من كم العمل هو الضغط الناشيء عن عدم حرص الأفراد في مجتمعنا على الاسترخاء وتجديد النشاط في العطلات، ما يؤدي إلى الإجهاد، والذي يؤدي تراكمه بدوره إلى القلق، فالاضطرابات النفسية والجسدية، حيث يمكن أن يُصاب الإنسان ببعض الأمراض الجسدية، كما يتشتت الانتباه وتضعف الذاكرة ويتشوش التفكير وتتعطل القدرة على اتخاذ القرارات السليمة، وترتفع درجة الحساسية ويرغب الشخص في الانعزال عن الناس، وربما يفتقد الضبط الانفعالي ويصبح عدوانيًا عند التعامل معهم. وتكون أول ما تتأثر العلاقة الأسرية.

والأشخاص الناجحون حقًا هم من ينجحون في علاقاتهم الشخصية والمهنية وليس المهنية فقط. هؤلاء هدفهم في الحياة لا يقتصر على تكوين الثروة واكتساب المركز الاجتماعي المرموق، بل يخصصون وقتًا لأنشطة تجمعهم بعائلاتهم.

هذا لا يمنع من أن الأسرة نفسها قد تكون أحد مصادر الضغوط الخارجية على الفرد عندما يغيب التوافق بين الزوجين ويشعران بافتقاد الحب والسعادة. ويسهم حظ كلا الزوجين من مهارات التواصل الاجتماعي في إحداث التوافق الزوجي، بل ومساعدة بعضهما في تخطي ضغوط العمل وسائر الضغوط الاجتماعية.

والضبط الانفعالي –كمثال- من أهم مهارات التواصل اللازمة لتفاعل اجتماعي ناجح، واكتساب الدرجة الملائمة منه تسهم في التغلب على الضغوط النفسية. ويعتبر انفعال الغضب من أهم الانفعالات التي يسهم التدريب على ضبطها في التغلب على الضغوط؛ ذلك أن الشخصية العصبية تواجه الكثير من المواقف الاجتماعية التي تفشل في التوافق معها بسبب التعبير المبالغ فيه عن الغضب بطرق سيئة، ويتم ذلك بشكل لا إرادي. هذا الشخص غالبًا يفشل في توزيع الأعباء الملقاة عليه، وفي معالجة أسباب الضغوط ولا يواجهها أولًا بأول، ما يؤدي إلى تراكمها وتعقدها إلى الدرجة التي قد يصعب معها حلها. ويُنصح بتخصيص وقت لقضائه مع الزوجة، ووقت للأبناء، وكذلك للعائلة والأصدقاء مهما كان قدر انشغاله في عمله. كما لا بد من اقتطاع وقت للاسترخاء يوميًا فلا ينسى نفسه، ووقت للأنشطة التي تسعده، وكذلك عليه أن يتعلم خلق حوار إيجابي مع النفس ومع الآخرين.

الضائقة الاقتصادية والمشاكل النفسية!

شابة جامعية جميلة في عامها الجامعي الأول، في الفصل الدراسي الأول كان لديها يومان في الأسبوع، يبدأ فيهما جدولها الدراسي في تمام الثامنة صباحًا.

وكعادة الفتيات الصغيرات في بلادنا فهن يكثرن الاهتمام بمظهرهن في بداية المرحلة الجامعية، فكانت تتأخر حتى تجهز نفسها في الصباح، وكانت غالبًا تمر سريعًا لتشتري شيئًا لفطورها في هذين اليومين، من أحد الأكشاك في طريقها، والتي يعمل بها أحد الشباب، والذي لم تهتم حتى بأن تعرف اسمه.

في الفصل الدراسي الثاني، قررت الفتاة أن تبدأ حمية غذائية، ومن ثم فقد توقفت عن المرور على الكشك لشراء البسكوت أو المقرمشات التي كانت تفطر بها. ثم كان أن شعرت يومًا بالجوع الشديد لأنها كانت قد تناولت وجبة عشاءها مبكرًا، فقررت أن لا ضير في كسر الحمية وشراء شيء لتأكله من الكشك قبل الذهاب إلى الجامعة، وإذا بالشاب يعاتبها، ويكلمها كما لو كانت قد خاصمته، وهو لا يفهم السبب!

والمشكلة ليست في أنه أُعجب بها، بل جوهر المشكلة أنه أوهم نفسه أنها مهتمة به لمجرد أنها كانت تشتري منه بانتظام مرتين أسبوعيًا، بينما هناك عشرات وربما مئات البشر يشترون منه بشكل أكثر استدامة، وفيهم فتيات، ولكنه لم يظن هذا الظن في أي فتاة من بينهن! لأن هذه الفتاة الجميلة وحدها، التي أوهم نفسه باهتمامها به، هي من يتمنى حقًا أن يكون الواقع معها على نحو ما توهم!

من خلال متابعتي لأحوال المجتمع، وما يُعرض عليّ من مشكلات، رأيت أن كثيرًا من الشباب صاروا يهربون من الواقع الذي يعجزون فيه عن تحقيق أحلامهم، ويغرقون في الأوهام؛ فعندما يضغط عليهم الواقع، ويكونون أضعف من تحمله، يهربون منه، ويختلق كل منهم واقعه الزائف في خياله! وهذا خطر على صحتهم النفسية.

فما يحدث من سياسات اقتصادية خاطئة لن يجعل فقط أناسًا تفتقد حاجاتها الأساسية، بل وسيزيد من أعداد المرضى النفسيين!

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4702 المصادف: 2019-07-21 01:23:35