 قضايا

أخطاء التفكير

منى زيتونهل توجد ميكانيزمات عقلية تقف وراء تشكل كثير من الأفكار والاعتقادات الخاطئة بالأساس في البنية المعرفية للأفراد، ومن ثم ظهور السلوكيات المُشكِلة خاصة في مجال التواصل البشري؟

هذا سؤال هام ولا شك، وينبغي التنبه إليه لأنه أُس البلاء. يُلاحظ وجود ما يُعرف بأخطاء التفكير لدى من يعانون مشاكل في التواصل الإنساني؛ أي الطريقة التي يُفكر بها الإنسان وتتسبب في تكون اعتقادات وأفكار خاطئة، وتدفعه إلى التفاعل الاجتماعي بشكل خاطئ.

 وليس هدفي إجراء بحث علمي موسع عن الموضوع، فما ينتج عن تلك الأخطاء في تفكير الأفراد أعمّ بكثير من أن يُحصر في مشكلات بعينها. هدفي أن ألفت فقط إلى وجود تلك العمليات في تفكيرنا.

ولعل من أهم تلك الميكانيزمات العقلية، إلقاء اللوم على الآخرين،‏ وعدم التفريق بين الحقائق والآراء، والتعميم الزائد، وتشويه الحقائق، وغيرها. هذه الميكانيزمات تتسبب في تكوين أفكار واعتقادات خاطئة ينشأ عن اعتناقها غالبًا سلوكيات مشكلة، قد يتأذى الفرد وحده بسببها، وقد ينتشر أذاها نحو المجتمع.

يعتبر إلقاء اللوم على الآخرين من أكثر أنواع أخطاء التفكير التي يستخدمها الفاشلون لتبرير فشلهم، وإظهار براءتهم من سوء أحوالهم؛ فالأفراد ينقسمون في استجابتهم لما يمر بهم من حوادث إلى ذوي مركز تحكم داخلي، وذوي مركز تحكم خارجي.

من يكون مركز تحكمهم داخليًا يتميزون بارتفاع درجة ثقتهم بأنفسهم، وتحملهم مسئولية نتائج أي سلوكيات يقومون بها، وكما يفتخرون بتحقيقهم للنجاحات وينسبونها لأنفسهم، فهم لا يتهربون من تحمل مسئولية أي فشل حدث بسبب سلوكياتهم وقراراتهم. في حين أن العكس يحدث مع الصنف الثاني الذين يكون مركز تحكمهم النفسي خارجيًا، فهؤلاء لا يحكمون السيطرة على ما يواجهون من مواقف، ويرفضون الإقرار بمسئولية سلوكياتهم وقراراتهم عن أي نتائج سيئة تحدث بسببهم؛ فإما أن يلقي بالاتهام على غيره من البشر أو يدعي أنها إرادة الله تعالى، وأن الأمور جرت على النحو الذي جعل الأمور تؤول إلى ما آلت إليه، ولم يكن بالإمكان تغيير المقادير!

هناك أيضًا خطأ ما يُسمى بالتوجيه المتعمد Intentional Orientation حيث نتأثر بالتسمية التي تُطلق على شيء ما، ونتعامل مع الشيء في ذاته وفقًا للصورة التي يخلقها الاسم في الأذهان، وإن كانت هذه التسمية لا تشير إلى حقيقة الشيء بدقة، ولكنها تشير إلى إدراكنا له.

من أخطاء التفكير أيضًا عدم التفريق بين الحقائق والآراء، والحقائق موضوعية بينما الآراء ذاتية. كثيرًا ما لا تكون المشكلة في التعبير عن الرأي، بل تكمن المشكلة عندما يتعامل الكثير منا مع الرأي على أنه حقيقة، بينما قد يكون الرأي خاطئًا إذا كان مبنيًا على استدلال غير سليم!

وتتسبب إشكالية التعميم وعدم التمييز -كخطأ شائع في التفكير- في مشاكل عديدة لعدد متعاظم من البشر، والتي تنشأ من أن عدم قدرتهم على التمييز تتسبب في إصدار حكم واحد أو سلوك واحد نحو عدد كبير من الأشخاص أو المواقف لأنهم يفترضون تشابهها التام، ويفشلون في النظر إليها بشكل فردي وملاحظة أوجه الاختلافات بينها!

والتعميم الزائد هو أساس تشكل الأنماط الجامدة أيًا كان أساسها، سواء كان الدين أو السلالة أو النوع أو غيرها. والنمط الجامد هو صورة عقلية ثابتة يتم تعميمها على الأفراد التابعين لجماعة ما، دون ملاحظة الفروق الفردية بينهم أو الفروق التي ترجع إلى عوامل أخرى.

والاستقطاب خطأ شائع في التفكير له ارتباطه الواضح بالتعميم. يمكن القول بلا تردد إن أغلب البشر عنصريون، ولديهم ما يمكن أن أسميه الهوس بالتفرع الثنائي ‏dichotomania، فهم يحبون التقسيم الثنائي الحدّي فقط؛ الشيء ونقيضه. جرّب أن تعرض تقسيمًا ثلاثيًا في أي نطاق وستجد عزوفًا ‏عنه؛‏ فالثنائية تعني الحدّية القطبية؛ إما أبيض أو أسود، إما مؤمن أو كافر، إما أنك سني أو شيعي، ‏ودائمًا القطب المقابل هو العدو. من ليس معنا فهو ضدنا. فالتصنيف الثنائي يكرس للعداوة، بينما تقبل وجود تصنيفات متعددة ثلاثية أو رباعية أو أكثر، ‏يمجد التنوع الإنساني، ويصب في النهاية في بحر الإنسانية الذي يوحدهم دون تصنيف، لكن البشر يبحثون عما يقسمهم ويتجاهلون سبب توحدهم "الإنسانية"‏.

فماذا عن تشويه الحقائق؟

يعتبر انتشار الانحلال الجنسي كسلوك على مستوى العالم، وتوجيه الأفراد والمجتمعات إلى تقبله باسم الثقافة، نتيجة مباشرة لتشويه مجموعة من الأفكار الخاصة عن أمانة الجسد للرجل والمرأة، خاصة المرأة، فأصبح قطاع عريض من البشر يعتبرون أن الإنسان حرٌ في التصرف في جسده، ولا معنى لديهم للعفة ولا للشرف. تلك الأفكار المادية غير الأخلاقية في حد ذاتها ناتجة عن الثقافة الغربية المعاصرة التي جعلت من القيم الأخلاقية –فضلًا عن الدينية- مناقضة للحداثة والتطور.

لطالما تم النظر إلى علاقة الرجل الجنسية بالمرأة على أنها علاقة أخذ من الرجل وعطاء من المرأة، وربما لأجل هذا كان اللوم الأكبر يقع دائمًا على المرأة عند الانخراط في علاقات مُحرَّمة؛ كونها الطرف المُفرِّط، ولكن لدى المنادين بالحرية في العلاقات الجنسية فلا أخذ ولا عطاء، وليس للأمر علاقة بالشرف من الأساس؛ فشرف الإنسان لا علاقة له بجسده. وخطأ التفكير الذي يقوم عليه هذا السلوك هو تشويه الحقائق خاصة أمام المرأة؛ فالأمر أشبه بشخص معه خاتم ثمين من الماس قام أحد المحتالين بإقناعه أنه لا يساوي شيئًا فنتج عنه أن فرّط فيه بسهولة. والحقيقة أن المُفرِّط ملام على تفريطه، وهذا لا يعني ألّا يُلام المحتال.

كما لم يقتصر التحول الفكري الحادث، على العلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة؛ فلأن التركيز صار على كون العلاقة الجنسية هي علاقة متبادلة يعطي كل طرف فيها نفسه للآخر، كان مما ترتب على تلك الفكرة الجديدة أن أي شخص بالغ عاقل يمكنه أن يقرر إقامة علاقة مع شخص آخر بكامل إرادته، أيًا كان هذا الشخص، سواء كان من جنسه نفسه، أو حتى من محارمه! وهو تبرير للشذوذ الجنسي وزنا المحارم، أقل ما يُقال عنه أنه مُقرف لمن يمتلك فطرة سليمة.

وبلغ تشويه الحقائق مرحلة أن أصبح بعض الداعين لنشر الانحلال –كثقافة- في مجتمعنا يروجون أن المهر الذي يعطيه الرجل للمرأة قبل الزواج، وعرفته أغلب المجتمعات قديمًا كتعبير من الرجل عن محبته للمرأة ورغبته فيها، ليس أكثر من أن المرأة تبيع نفسها! وللأسف فإن كثيرًا من الرجال –ربما تحت تأثير الضغوط الاقتصادية- قد حدث له تحول فكري فاعتنق هذه الفكرة العجيبة، ووصل الأمر إلى درجة أن فتيات ممن لا يرين العلاقات غير الشرعية انحلالًا صرن يتبنين الفكرة نفسها! وأنا قطعًا لا أتحدث هنا عن المغالاة في المهور، بل عن مفهوم المهر ذاته ودلالته.

ووصلت محاولة تشويه الحقائق وتغيير الأفكار إلى مفهوم الزواج نفسه الذي كان مقدسًا إلى يوم قريب، فالزواج بلا حب هو اغتصاب لا حق للرجل فيه وفقًا لهؤلاء! ويتم تبرير الخيانة للمرأة بناءً عليه، والترويج لها! فالاحترام من وجهة نظرهم مرادف لما نراه نحن انحلالًا. في مسلسلي "جراند أوتيل" و "لا تطفئ الشمس" على سبيل المثال يظهر نموذج الزوجة الخائنة حاضرًا، مع إيجاد مبررات درامية لها ونعومة رومانسية تمتزج بتلك الخيانة لجعل المشاهد يتقبلها، لتتسلل تلك السلوكيات المقرفة والمحرمة إليه تدريجيًا، ويتقبل الأفكار التي تعكسها.

وليست أخطاء التفكير وحسب هي ما يمكن أن تغير البنية المعرفية لأفراد المجتمع، بل يمكن نشر فكرة في المجتمع، والترويج لها، على أن يكون المعروض سطحيًا كقمة جبل الجليد، بينما جذور الفكرة الحقيقية تبقى في العمق، ولا يكون سهلًا على المواطن العادي في أحايين كثيرة إدراكها.

إن بث فكرة جديدة في المجتمع يعني تقبل سلوكيات جديدة ترتبط بها، وانتشار السلوكيات دليل على تخلل الأفكار التي تنبني عليها في العقول وتقبلها، حتى وإن كنا لا ندرك ونعي العمق الحقيقي لتلك الأفكار. والحل يكمن لأجل تغيير تلك السلوكات في تفنيد الأفكار التي تقف خلفها وبيان عوارها.

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4703 المصادف: 2019-07-22 02:14:44