 قضايا

قصص الطوفان

رحيم الساعديالكاتب: ايرا سبار*

ترجمة: د. رحيم الشياع الساعدي

تم العثور على قصص لطوفان كبير في الفولكلور وفي العديد من الثقافات وأقرب المصادر المكتوبة، كتبت باللغة السومرية على ألواح من الطين وبتاريخ ووقت متأخر من الألفية الثالثة قبل الميلاد، ربما كانت الإصدارات من بلاد ما بين النهرين لقصة الفيضان قد بدت في الفيضان الربيعي السنوي لنهري دجلة والفرات و بدلاً من ذلك، يعتقد بعض العلماء أن أي تغيير في مستوى سطح البحر القديم في الخليج الفارسي ربما يكون قاد إلى قصص عن طوفان يتعقب قائمة الملوك السومريين  وهي تركيبة أدبية موجودة في العديد من الإصدارات المختلفة  التي خصت  ما بين القرنين الحادي والعشرين والتاسع عشر ق.م. ووفقًا لهذا التكوين، حكم ثمانية حكام أسطوريين ليصبح ما مجموعه 241،200 سنة .

 "ثم اجتاح الطوفان "

يرد ذكر Ubara-tutu وهو من مدينة شوروباك (وهو آخر ملوك سومر، وقيل إنه حكم لمدة ١٨٦٠٠ عام، و عاش حتى اجتاح الطوفان الأرض،، أعاد تأسيس الملكية في مدينة كيش الشمالية، وذكر باختصار في اللوحة XI من ملحمة كلكامش – المترجم -) بأسماء أخرى في العديد من قصص الفيضان اللاحقة، في حكايات يطلق عليها علماء الفيزياء الحديثة قصة الطوفان السومري (مع انه لا يتم الحفاظ على الاسم القديم) ويعود تاريخها إلى الفترة البابلية القديمة .

ان الآلهة في الألف الثالث قبل الميلاد خلقت الناسَ ذوي الرؤوس السوداء (السومريون) الذين قاموا بإكثار الحيوانات في جميع أنحاء الأرض، وفي وقت لاحق، بعد أن اختاروا ملكًا بشريًا، قاموا بأداء الشعائر وتشييد المدن، وعندما كان زيوسودرا ملكًا (زيوسودرا أو زين- سودو من شوروباك المدرج في قائمة ملوك سومر، آخر ملك سومري قبل الطوفان الكبير،وسجل كبطل لأسطورة الخلق السومرية، وهو معروف أيضًا باسم "زيسوثورس" الهيليني كما في كتابات بيروسوس اللاحقة – المترجم -)، فإنه  سمع رسالة من إله يقول إن الفيضانات ستجتاح الأرض .

لقد أصدر الآلهة في اجتماعهم الإلهي أمرًا لا رجعة فيه لتدمير البشرية، فتهب الرياح والعاصفة والفيضانات لتجتاح الأرض، وتستمر العاصفة لمدة سبعة أيام وسبع ليال، بينما اركب زيوسودرا، وهو "بذرة الجنس البشري" الحيوانات في قارب مغلق وعند انتهاء الطوفان حفر زيوسودرا فتحة في القارب ووصلت الشمس للمرة الأولى على اليابسة، ونزلت الحيوانات والثيران والأغنام، ثم يظهر الإله إنليل (Enlil) ويعامل زيوسودرا بلطف، ويمنحه الحياة الأبدية كإله ويستقر في أرض دلمون، وهو مكان في نهاية الأرض حيث تشرق الشمس.

والحكاية السومرية الأخرى هي  موت كلكامش (The Great Wild Bull Lines Down) وهي  محفوظة في نسخة تعود إلى  الفترة البابلية القديمة، وفي الحكاية جانب يقوم فيه الآلهة بمراجعة حياة ومهنة البطل جلجامش  في  الأكادية .

ويصفون كيف حارب البطل الغول Huwawa في غابة الأرز وكيف سافر لمقابلة زيوسودرا في "مسكنه" وعلم بالطوفان، اعلمته الآلهة أنه على الرغم من حقيقة أن والدته كانت من الالهة، إلا أنه بشري مثل جميع البشر وسيحل محله مع الأموات في العالم الآخر.

 كما سجل الطلاب في الأكاديميات خلال الفترة البابلية القديمة قصة بابل عن بطل يدعى اتراحاسس قام بسرد قصة الطوفان،فسرد تاريخ البشرية المبكر، ذلك عندما تصنع الآلهة البشر لتخفيف عبء تكوين العالم، فإنهم ينسون بشكل خاطئ الحد من مقدار اعمار الرجال والنساء على الأرض، وبالتالي، فإن البشر يتكاثرون إلى درجة أن الضجيج الذي يخلفونه يصبح مدمرا الامر الذي لا يمكن من خلاله  للإله إنليل  (Enlil)  النوم، و  يعتقد إنليل أن الطريقة الوحيدة للسيطرة على هذه الطفرة السكانية هي الطاعون، لكن عندما يقدم إله الطاعون بالقرابين، فإنه يتنحى وينتهي الطاعون و بعد فترة وجيزة، يبدأ البشر في التكاثر من جديد.

عندها تفشل المحاولة التالية لإنليل للحد من نمو البشرية بإدخال المجاعة، فيأمر بالطوفان لتدمير جميع الشعوب.  وقد حذر إنكي (Enki) إله الحكمة اتراحسيس من الكارثة الوشيكة ونصحه ببناء قارب وإنقاذ أقاربه والحيوانات وبعد عاصفة تحتدم لمدة سبعة أيام وليال وايضا بعد أن ينحسر الماء، يخرج اتراحسيس من السفينة ويقوم بتقديم قربانا للآلهة.

هنا يدرك إنليل أن خطته لتدمير جميع الكائنات الحية قد فشلت ويسأل: "كيف نجا الإنسان من الدمار؟" يرد إنكي ويتهم إنليل بالرد القاسي على الانفجار السكاني انه بدلاً من حدوث فيضان، يجب أن يظهر الذئاب ويقلص الناس.. او يفرض عقوبة على المذنب، ومن الآن فصاعدًا، لا يجب أن يحدث أي طوفان، لكن دع الناس يستمرون إلى الأبد، ويوافق إنليل ويخبر بطل الطوفان أنه سيتم منحه وزوجته من الآن فصاعداً الحياة الأبدية، وسوف يعطى الإنسان رقما لعمره، ويتم التحكم في عدد السكان من خلال إنشاء فئات خاصة من النساء اللائي لن ينجبن أطفالًا، بالإضافة إلى ذلك، يقرر أن يتم خطف بعض الأطفال (المتبولين) من أحضان امهاتهم.

لقد عثر على نسخة موسعة من قصة الطوفان في اللوح 11 من ملحمة جلجامش البابلية.  ويروي أوتا نابتشيم ابن يوبارا توتو (أوتنابيشتيم هو الشخصية التي كلفها إنكي في ملحمة جلجامش بالتخلي عن ممتلكاته الدنيوية وإنشاء سفينة عملاقة تسمى الحافظ من الحياة، وقد كٌلف أيضًا بإحضار زوجته وعائلته وأقاربه إلى جانب الحرفيين في قريته والحيوانات والأطفال والحبوب- المترجم -)، يروي قصته عن الطوفان العظيم، وقد حذره الإله إنكي من أن الآلهة السومرية العظيمة قد قررت أن تنزل طوفانًا لتدمير البشرية، ويرشد انكي اوتانابتشيم لهدم منزله، والتخلي عن ثروته، وبناء قارب، والبحث عن الأمان، كما ان عليه أن يأخذ على متن القارب بذرة كل الكائنات الحية وسيكون القارب على ارتفاع ستة طوابق وعلى شكل مكعب.

وان يحمل القارب بالذهب والفضة ويأخذ على متنه وحوش الحقل ومخلوقات الحياة البرية مع الحرفيين وجميع أفراد أسرته وأقاربه، وقريبا تبدأ العاصفة لمدة ستة أيام وسبع ليال، تهب الريح ويغطي الطوفان الأرض، ولكن في اليوم السابع، ينمو المحيط الهادئ ويزحف القارب على الجبل، وبعد سبعة أيام، يسمح لاوتانابتشيم بإرسال حمامة للعثور على الأرض، لكن الحمامة تعود، بعد ذلك يرسل السنونو، لكنه يعود أيضًا وأخيرا يتم ارسال الغراب الذي لم يعد أبدًا.

عند النزول من القارب، يقدم أوتا- نابتشيم ذبيحة للآلهة، لكن عندما يشم الإله إنليل الدخان ويرى القارب يستولي عليه الغضب، لكن انكي يوبخه لافتقاره للبصيرة والعقل، عندها يندم ويعلن أن أوتا نابتشيم وزوجته سيصبحان خالدين.

هناك قصتان أخريان قديمتان عن فيضان الشرق الأدنى من خارج بلاد ما بين النهرين، أشهرها النسخة الموجودة في سفر التكوين، وقد عثر على نسخة قصيرة ولكنها مجزأة جدًا تصف اتراحاسيس  فقط، والطوفان نفسه، بالإضافة الى النتيجة القائلة بأن البطل يكتسب الخلود في أوغاريت القديمة ويعود تاريخ القصة  إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد فقد قام بروسوس، وهو (كاهن بابلي تابع للإله بيل )، بكتابة نسخة حديثة من قصة الطوفان باللغة اليونانية و قد فقدت هذه الحكاية، وهي جزء من عمل كبير عن التاريخ البابلي .

لكن الكاتبان اليونانيان اللاحقان أوزيبيوس وبلهيستر قاموا باستعراض أجزاء من قصة الطوفان، ووفقًا لهذه النسخة من الحكاية، فإن البطل زيوسودرا حلم ان الإله كرونوس يحذره من هجمة فيضان وشيكة، فيحفر حفرة ويدفن جميع المواد المكتوبة في مدينته.

ثم يقوم ببناء قارب "ارتفاعه خمس خانات وبطولان واسعان" ويركب زوجته وأطفاله وأصدقائه المقربين وبعد انحسار الطوفان، يسمح  Xisuthros  (وهو الاسم اليوناني لــــ زيوسودرا – المترجم - ) للطيور لتعود إلى السفينة خالية اليدين، بعد بضعة أيام، يطلق الطيور مرة أخرى لتعود وارجلها مغطاة بالطين، الا انها لا تعود عند اطلاقها للمرة الثالثة، ويهبط  القارب في جبال أرمينيا، وينزل Xisuthros، ويقدم القرابين  للآلهة، و يغادر باقي اتباعه القارب، ويسمعون نداء خفيا يأمرهم بالعودة إلى عبادة الآلهة، وحفر الكتابات المدفونة في سيبار . (تعرف أيضاً بـ زمبير) كلمة تعني باللغة الآشورية مدينة الطيور كانت مدينة سومرية قديماً وبابلية لاحقاً تقع على الضفة الشرقية من الفرات، وإنشاء بابل – المترجم).

 

 ...........................

* قسم الفن القديم في الشرق الأدنى، متحف المتروبوليتان للفنون – نيويورك، أبريل 2009

1-  ما ورد من اراء وتسميات يخص صاحب المقال لا المترجم.

2-  متحف المتروبوليتان للفنون، يقع في مدينة نيويورك وهو أكبر متحف فني في الولايات المتحدة، ومن بين متاحف الفن الأكثر زيارة في العالم.

3-  شوروباك مدينة سومرية قديمة تبعد 35 ميل جنوب نيبور مطلة على نهر الفرات تسمى حاليا بتل فارا وتعتبر ضمن محافظة القادسية.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4710 المصادف: 2019-07-29 03:29:35